الآية ٢٧ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٢٧ من سورة النحل

ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰٓقُّونَ فِيهِمْ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٢٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٧ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٧ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

(ثم يوم القيامة يخزيهم ) أي : يظهر فضائحهم ، وما كانت تجنه ضمائرهم ، فيجعله علانية ، كما قال تعالى : ( يوم تبلى السرائر ) [ الطارق : 9 ] أي : تظهر وتشتهر ، كما في الصحيحين عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته ، فيقال : هذه غدرة فلان بن فلان " .

وهكذا هؤلاء ، يظهر للناس ما كانوا يسرونه من المكر ، ويخزيهم الله على رءوس الخلائق ، ويقول لهم الرب تبارك وتعالى مقرعا لهم وموبخا : ( أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم ) تحاربون وتعادون في سبيلهم [ أي ] : أين هم عن نصركم وخلاصكم هاهنا ؟

( هل ينصرونكم أو ينتصرون ) [ الشعراء : 93 ] ( فما له من قوة ولا ناصر ) [ الطارق : 10 ] .

فإذا توجهت عليهم الحجة ، وقامت عليهم الدلالة ، وحقت عليهم الكلمة ، وأسكتوا عن الاعتذار حين لا فرار ( قال الذين أوتوا العلم ) - وهم السادة في الدنيا والآخرة ، والمخبرون عن الحق في الدنيا والآخرة ، فيقولون حينئذ : ( إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ) أي : الفضيحة والعذاب اليوم [ محيط ] بمن كفر بالله ، وأشرك به ما لا يضره ولا ينفعه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: فعل الله بهؤلاء الذين مكروا الذين وصف الله جلّ ثناؤه أمرهم ما فعل بهم في الدنيا ، من تعجيل العذاب لهم ، والانتقام بكفرهم ، وجحودهم وحدانيته، ثم هو مع ذلك يوم القيامة مخزيهم ، فمذلهم بعذاب أليم ، وقائل لهم عند ورودهم عليه ( أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ) أصله: من شاققت فلانا فهو يشاقُّني، وذلك إذا فعل كلّ واحد منهما بصاحبه ما يشقّ عليه .

يقول تعالى ذكره يوم القيامة تقريعا للمشركين بعبادتهم الأصنام: أين شركائي؟

يقول: أين الذين كنتم تزعمون في الدنيا أنهم شركائي اليوم ، ما لهم لا يحضرونكم ، فيدفعوا عنكم ما أنا مُحلّ بكم من العذاب ، فقد كنتم تعبدونهم في الدنيا ، وتتولونهم ، والوليّ ينصر وليه ، وكانت مشاقتهم الله في أوثانهم مخالفتهم إياه في عبادتهم.

كما حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ) يقول: تخالفوني.

وقوله ( إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ ) يعني: الذلة والهوان والسوء ، يعني: عذاب الله على الكافرين.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرينقوله تعالى : ثم يوم القيامة يخزيهم أي يفضحهم بالعذاب ويذلهم به ويهينهمويقول أين شركائي أي بزعمكم وفي دعواكم ، أي الآلهة التي عبدتم دوني ، وهو سؤال توبيخ .

وقرأ ابن كثير " شركاي " بياء مفتوحة من غير همز ، والباقون بالهمز .الذين كنتم تشاقون فيهم أي تعادون أنبيائي بسببهم ، فليدفعوا عنكم هذا العذاب .

وقرأ نافع " تشاقون " بكسر النون على الإضافة ، أي تعادونني فيهم .

وفتحها الباقون .قال الذين أوتوا العلم قال ابن عباس : أي الملائكة .

وقيل المؤمنون .إن الخزي اليوم أي الهوان والذل يوم القيامة .والسوء على الكافرين أي العذاب .

على الكافرين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فإنهم فكروا وقدروا فيما جاءت به الرسل لما كذبوهم وجعلوا لهم أصولا وقواعد من الباطل يرجعون إليها، ويردون بها ما جاءت [به] الرسل، واحتالوا أيضا على إيقاع المكروه والضرر بالرسل ومن تبعهم، فصار مكرهم وبالا عليهم، فصار تدبيرهم فيه تدميرهم، وذلك لأن مكرهم سيئ { ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ْ} هذا في الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى، ولهذا قال: { ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ ْ} أي: يفضحهم على رءوس الخلائق ويبين لهم كذبهم وافتراءهم على الله.{ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ْ} أي: تحاربون وتعادون الله وحزبه لأجلهم وتزعمون أنهم شركاء لله، فإذا سألهم هذا السؤال لم يكن لهم جواب إلا الإقرار بضلالهم، والاعتراف بعنادهم فيقولون { ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ْ} { قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ْ} أي: العلماء الربانيون { إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ ْ} أي: يوم القيامة { وَالسُّوءَ ْ} أي: العذاب { عَلَى الْكَافِرِينَ ْ} وفي هذا فضيلة أهل العلم، وأنهم الناطقون بالحق في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وأن لقولهم اعتبارا عند الله وعند خلقه، ثم ذكر ما يفعل بهم عند الوفاة وفي القيامة

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ثم يوم القيامة يخزيهم ) يهينهم بالعذاب ، ( ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم ) تخالفون المؤمنين فيهم ، ما لهم لا يحضرونكم فيدفعون عنكم العذاب؟

وكسر نافع النون من " تشاقون " على الإضافة ، والآخرون بفتحها .

قال الذين أوتوا العلم ) [ وهم المؤمنون ] ( إن الخزي ) الهوان ، ( اليوم والسوء ) أي العذاب ، ( على الكافرين )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ثم يوم القيامة يخزيهم» يذلهم «ويقول» الله لهم على لسان الملائكة توبيخاً «أين شركائي» بزعمكم «الذين كنتم تشاقون» تخالفون المؤمنين «فيهم» في شأنهم «قال» أي يقول «الذين أوتوا العلم» من الأنبياء والمؤمنين «إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين» يقولونه شماتة بهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ثم يوم القيامة يفضحهم الله بالعذاب ويذلُّهم به، ويقول: أين شركائي من الآلهة التي عبدتموها من دوني؛ ليدفعوا عنكم العذاب، وقد كنتم تحاربون الأنبياء والمؤمنين وتعادونهم لأجلهم؟

قال العلماء الربانيون: إن الذل في هذا اليوم والعذاب على الكافرين بالله ورسله، الذين تقبض الملائكة أرواحهم في حال ظلمهم لأنفسهم بالكفر، فاستسْلَموا لأمر الله حين رأوا الموت، وأنكروا ما كانوا يعبدون من دون الله، وقالوا: ما كنا نعمل شيئًا من المعاصي، فيقال لهم: كَذَبْتم، قد كنتم تعملونها، إن الله عليم بأعمالكم كلها، وسيجازيكم عليها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - مصيرهم فى الآخرة ، بعد أن بين عاقبة مكرهم فى الدنيا فقال - تعالى - : ( ثُمَّ يَوْمَ القيامة يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ .

.

) .أى : هذا هو مصير هؤلاء المستكبرين فى الدنيا ، أما مصيرهم فى الآخرة فإن الله - تعالى - يذلهم ويهينهم ويفضحهم على رؤوس الأشهاد ، ويقول لهم على سبيل التقريع والتوبيخ : أين شركائى فى العبادة والطاعة ، الذين كنتم تعادون وتخاصمون المؤمنين فى شأنهم ، قائلين لهم : إنكم لا بد لكم من إشراكهم معى فى العبادة .وجئ بثم المفيدة للترتيب النسبى ، للإِشارة إلى ما بين الجزاءين من تفاوت فإن خزى الآخرة أشد وأعظم مما نزل بهم من دمار فى الدنيا .والاستفهام فى قوله ( أين شركائى .

.

) للتهكم بهم وبمعبوداتهم الباطلة التى كانوا يعبدونها فى الدنيا ، فانهم كانوا يقولون للمؤمنين إن صح ما تقولونه من العذاب فى الآخرة ، فان الأصنام ستشفع لنا .أى : أين هؤلاء الشركاء ليدفعوا عنكم ما نزل بكم من خزى وذلة وعذاب مهين؟!

وأضاف - سبحانه - الشركاء إليه ، لزيادة توبيخهم ، لأنهم فى هذا اليوم العظيم ، يعلمون علم اليقين أنه لا شركاء له - سبحانه - وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ) قال الجمل ما ملخصه : وقوله ( تشاقون ) من المشاقة وهى عبارة عن كون كل واحد من الخصمين فى شق غير شق صاحبه .وقرأ نافع ( تشاقون ) بكسر النون خفيفه ، وقرأ الباقون بفتح النون ، ومفعوله محذوف .

أى : تشاقون المؤمنين ، أو تشاقون الله ، بدليل القراءة الأولى .

.

.

.ثم حكى - سبحانه - ما يقوله أولو العلم فى هذا الموقف الهائل الشديد فقال - تعالى - : ( قَالَ الذين أُوتُواْ العلم إِنَّ الخزي اليوم والسواء عَلَى الكافرين ) .والمراد بالذين أوتوا العلم ، كل من اهتدى إلى الحق فى الدنيا؛ وأخلص لله - تعالى - العبادة والطاعة .أى : قال الذين هداهم الله - تعالى - إلى صراطه المستقيم ، فى هذا اليوم العصيب ، إن الخزى الكامل ، فى هذا اليوم ، والسوء الذى ليس بعده سوء ، على هؤلاء الكافرين ، أصحاب القلوب المنكرة للحق ، والنفوس الجاحدة لليوم الآخر وما فيه من حساب .وجئ بجمله ( قَالَ الذين أُوتُواْ العلم .

.

) غير معطوفة على ما قبلها ، لأنها واقعة موقع الجواب لقوله - سبحانه - ( أين شركائى .

.

.

) وللتنبيه على أن الذين أوتوا العلم سارعوا بالجواب بعد أن وجم المستكبرون ، وعجزوا عن الإِجابة .وقولهم هذا يدل على شماتتهم بأعداء الله - تعالى - ، وتوبيخهم لهم على كفرهم ، واستكبارهم عن الإستماع إلى كلمة الحق .وقال - سبحانه - : ( قَالَ الذين أُوتُواْ العلم .

.

.

) بلفظ الماضى ، مع أن هذا القول سيكون فى الآخرة ، للإشارة إلى تحقق وقوعه ، وأنه كائن لا محالة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المقصود من الآية المبالغة في وصف وعيد أولئك الكفار، وفي المراد بالذين من قبلهم قولان: القول الأول: وهو قول الأكثر من المفسرين أن المراد منه نمروذ بن كنعان بنى صرحاً عظيماً ببابل طوله خمسة آلاف ذراع.

وقيل فرسخان، ورام منه الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها، فالمراد بالمكر هاهنا بناء الصرح لمقاتلة أهل السماء.

والقول الثاني: وهو الأصح، أن هذا عام في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحاق الضرر والمكر بالمحقين.

أما قوله تعالى: ﴿ فَأَتَى الله بنيانهم مّنَ القواعد ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: أن الإتيان والحركة على الله محال، فالمراد أنهم لما كفروا أتاهم الله بزلازل قلع بها بنيانهم من القواعد والأساس.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ فَأَتَى الله بنيانهم مّنَ القواعد ﴾ قولان: القول الأول: أن هذا محض التمثيل، والمعنى أنهم رتبوا منصوبات ليمكروا بها أنبياء الله تعالى فجعل الله تعالى حالهم في تلك المنصوبات مثل حال قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين فانهدم ذلك البناء، وضعفت تلك الأساطين، فسقط السقف عليهم.

ونظيره قولهم: من حفر بئراً لأخيه أوقعه الله فيه.

والقول الثاني: أن المراد منه ما دل عليه الظاهر، وهو أنه تعالى أسقط عليهم السقف وأماتهم تحته، والأول أقرب إلى المعنى.

أما قوله تعالى: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ ﴾ ففيه سؤال: وهو أن السقف لا يخر إلا من فوقهم، فما معنى هذا الكلام.

وجوابه من وجهين: الأول: أن يكون المقصود بالتأكيد.

والثاني: ربما خر السقف، ولا يكون تحته أحد، فلما قال: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ ﴾ دل هذا الكلام على أنهم كانوا تحته، وحينئذ يفيد هذا الكلام أن الأبنية قد تهدمت وهم ماتوا تحتها.

وقوله: ﴿ وأتاهم العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ إن حملنا هذا الكلام على محض التمثيل فالأمر ظاهر.

والمعنى: أنهم اعتمدوا على منصوباتهم.

ثم تولد البلاء منها بأعيانها، وإن حملناه على الظاهر فالمعنى أنه نزل ذلك السقف عليهم بغتة، لأنه إذا كان كذلك كان أعظم في الزجر لمن سلك مثل سبيلهم، ثم بين تعالى أن عذابهم لا يكون مقصوراً على هذا القدر، بل الله تعالى يخزيهم يوم القيامة، والخزي هو العذاب مع الهوان، وفسر تعالى ذلك الهوان بأنه تعالى يقول لهم: ﴿ أَيْنَ شُرَكَآئِىَ الذين كُنتُمْ تشاقون فِيهِمْ ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: قال الزجاج: قوله: ﴿ أَيْنَ شُرَكَائِىَ ﴾ معناه: أين شركائي في زعمكم واعتقادكم.

ونظيره قوله تعالى: ﴿ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمْ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ  ﴾ وقال أيضاً: ﴿ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ  ﴾ وإنما حسنت هذه الإضافة لأنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، وهذا كما يقال لمن يحمل خشبة خذ طرفك وآخذ طرفي، فأضيف الطرف إليه.

البحث الثاني: قوله: ﴿ تشاقون فِيهِمْ ﴾ أي تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم، وقيل: المشاقة عبارة عن كون أحد الخصمين في شق وكون الآخر في الشق الآخر.

البحث الثالث: قرأ نافع: ﴿ تشاقون ﴾ بكسر النون على الإضافة، والباقون بفتح النون على الجمع.

ثم قال تعالى: ﴿ قَالَ الذين أُوتُواْ العلم إِنَّ الخزى اليوم والسوء عَلَى الكافرين ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: ﴿ قَالَ الذين أُوتُواْ العلم ﴾ قال ابن عباس: يريد الملائكة، وقال آخرون هم المؤمنون يقولون حين يرون خزي الكفار يوم القيامة إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين، والفائدة فيه أن الكفار كانوا ينكرون على المؤمنين في الدنيا فإذا ذكر المؤمن هذا الكلام يوم القيامة في معرض إهانة الكافر كان وقع هذا الكلام على الكافر وتأثيره في إيذائه أكمل وحصول الشماتة به أقوى.

البحث الثاني: المرجئة احتجوا بهذه الآية على أن العذاب مختص بالكافر قالوا لأن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الخزى اليوم والسوء عَلَى الكافرين ﴾ يدل على أن ماهية الخزي والسوء في يوم القيامة مختصة بالكافر، وذلك ينفي حصول هذه الماهية في حق غيرهم، وتأكد هذا بقول موسى عليه السلام: ﴿ إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ العذاب على مَن كَذَّبَ وتولى  ﴾ ثم أنه تعالى وصف عذاب هؤلاء الكفار من وجه آخر فقال: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ ﴾ قرأ حمزة: ﴿ يتوفاهم الملائكة ﴾ بالياء لأن الملائكة ذكور، والباقون بالتاء للفظ.

ثم قال: ﴿ فَأَلْقَوُاْ السلم مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ ﴾ وفيه قولان: القول الأول: أنه تعالى حكى عنهم إلقاء السلم عند القرب من الموت، قال ابن عباس: أسلموا وأقروا لله بالعبودية عند الموت.

وقوله: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء ﴾ أي قالوا ما كنا نعمل من سوء!

والمراد من هذا السوء الشرك، فقالت الملائكة رداً عليهم وتكذيباً: بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون من التكذيب والشرك، ومعنى بلى رداً لقولهم: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء ﴾ وفيه قولان: القول الأول: أنه تعالى حكى عنهم إلقاء السلم عند القرب من الموت.

والقول الثاني: أنه تم الكلام عند قوله: ﴿ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ ﴾ ثم عاد الكلام إلى حكاية كلام المشركين يوم القيامة، والمعنى: أنهم يوم القيامة ألقوا السلم وقالوا ما كنا نعمل في الدنيا من سوء، ثم هاهنا اختلفوا، فالذين جوزوا الكذب على أهل القيامة، قالوا: هذا القول منهم على سبيل الكذب وإنما أقدموا على هذا الكذب لغاية الخوف، والذين قالوا إن الكذب لا يجوز عليهم قالوا: معنى الآية، ما كنا نعمل من سوء عند أنفسنا أو في اعتقادنا، وأما بيان أن الكذب على أهل القيامة هل يجوز أم لا؟

فقد ذكرناه في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم قالوا: ما كنا نعمل من سوء قال بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون، ولا يبعد أن يكون قائل هذا القول هو الله تعالى أو بعض الملائكة رداً عليهم وتكذيباً لهم، ومعنى بلى الرد لقولهم: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ يعني أنه عالم بما كنتم عليه في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب فإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم.

ثم صرح بذكر العقاب فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

القواعد: أساطين البناء التي تعمده.

وقيل: الأساس وهذا تمثيل، يعني: أنهم سووا منصوبات ليمكروا بها الله ورسوله، فجعل الله هلاكهم في تلك المنصوبات، كحال قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين فأتى البنيان من الأساطين بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف وهلكوا.

ونحوه: من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً.

وقيل: هو نمرود بن كنعان حين بنى الصرح ببابل طوله خمسة آلاف ذراع.

وقيل فرسخان، فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا.

ومعنى إتيان الله: إتيان أمره ﴿ مّنَ القواعد ﴾ من جهة القواعد ﴿ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ من حيث لا يحتسبون ولا يتوقعون.

وقرئ: ﴿ فأتى الله بيتهم ﴾ .

﴿ فخرّ عليهم السقُفُ ﴾ ، بضمتين ﴿ يُخْزِيهِمْ ﴾ يذلهم بعذاب الخزي ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ [آل عمران: 192] يعني هذا لهم في الدنيا، ثم العذاب في الآخرة ﴿ شُرَكَائِىَ ﴾ على الإضافة إلى نفسه حكاية لإضافتهم، ليوبخهم بها على طريق الاستهزاء بهم ﴿ تشاقون فِيهِمْ ﴾ تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم ومعناهم.

وقرئ: ﴿ تشاقونِ ﴾ ، بكسر النون، بمعنى: تشاقونني؛ لأنّ مشاقة المؤمنين كأنها مشاقة الله ﴿ قَالَ الذين أُوتُواْ العلم ﴾ هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يدعونهم إلى الإيمان ويعظونهم، فلا يلتفتون إليهم ويتكبرون عليهم ويشاقونهم، يقولون ذلك شماتة بهم وحكى الله ذلك من قولهم ليكون لطفاً لمن سمعه.

وقيل: هم الملائكة قرئ: ﴿ تتوفاهم ﴾ ، بالتاء والياء.

وقرئ: ﴿ الذين توفاهم ﴾ ، بإدغام التاء في التاء ﴿ فَأَلْقَوُاْ السلم ﴾ فسالموا وأخبتوا، وجاءوا بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من الشقاق والكبر، وقالوا: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء ﴾ وجحدوا ما وجد منهم من الكفر والعدوان، فردّ عليهم أولو العلم ﴿ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ فهو يجازيكم عليه، وهذا أيضاً من الشماتة وكذلك ﴿ فادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ﴾ يُذِلُّهم أوْ يُعَذِّبُهم بِالنّارِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ ﴾ .

﴿ وَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ ﴾ أضافَ إلى نَفْسِهِ اسْتِهْزاءً، أوْ حِكايَةً لِإضافَتِهِمْ زِيادَةً في تَوْبِيخِهِمْ.

﴿ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ تُعادُونَ المُؤْمِنِينَ في شَأْنِهِمْ.

وقَرَأ نافِعٌ بِكَسْرِ النُّونِ بِمَعْنى تُشاقُونَنِي فَإنَّ مُشاقَّةَ المُؤْمِنِينَ كَمُشاقَّةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ أيِ الأنْبِياءُ والعُلَماءُ الَّذِينَ كانُوا يَدْعُونَهم إلى التَّوْحِيدِ فَيُشاقُّونَهم ويَتَكَبَّرُونَ عَلَيْهِمْ، أوِ المَلائِكَةُ.

﴿ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ ﴾ الذِّلَّةَ والعَذابَ.

﴿ عَلى الكافِرِينَ ﴾ وفائِدَةُ قَوْلِهِمْ إظْهارُ الشَّماتَةِ بِهِمْ وزِيادَةُ الإهانَةِ، وحِكايَتُهُ لِأنْ يَكُونَ لُطْفًا ووَعْظًا لِمَن سَمِعَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ثُمَّ يَوْمَ القيامة يُخْزِيهِمْ} يذلهم بعذاب الخزي سوى ما عذبوا به في الدنيا {وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ} على الإضافة إلى نفسه حكاية لإضافتهم

ليوبخهم بها على طريق الاستهزاء بهم {الذين كُنتُمْ تشاقون فِيهِمْ} تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم تشاقون نافع أي تشاقونني فيهم لأن مشاقة المؤمنين كأنها مشاقة الله {قَالَ الذين أُوتُواْ العلم} أي الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يدعونهم إلى الإيمان ويعظونهم فلا يلتفتون إليهم ويشاقونهم يقولون ذلك شماتة بهم أو هم الملائكة {إِنَّ الخزى اليوم} الفضيحة {والسوء} العذاب {عَلَى الكافرين}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ﴾ أيْ يُذِلُّهُمْ، والظّاهِرُ أنَّ ضَمائِرَ الجَمْعِ- لِلَّذِينِ مَكَرُوا- مِن قَبْلُ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَعَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا ثُمَّ يُعَذِّبُهم في العُقْبى، (وثُمَّ) لِلْإيماءِ إلى ما بَيْنَ الجَزاءَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ مَعَ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ التَّراخِي الزَّمانِيِّ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى الفِعْلِ قِيلَ لِقِصَرِ الإخْزاءِ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ، والمُرادُ بِهِ ما بُيِّنَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَقُولُ ﴾ أيْ لَهم تَفْضِيحًا وتَوْبِيخًا ﴿ أيْنَ شُرَكائِيَ ﴾ إلى آخِرِهِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لَيْسَ التَّقْدِيمُ لِذَلِكَ بَلْ لِأنَّ الإخْبارَ بِجَزائِهِمْ في الدُّنْيا مُؤْذِنٌ بِأنَّ لَهم جَزاءً أُخْرَوِيًّا فَتَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً إلى وُرُودِهِ سائِلَةً عَنْهُ بِأنَّهُ ماذا مَعَ تَيَقُّنِها بِأنَّهُ في الآخِرَةِ فَسِيقَ الكَلامُ عَلى وجْهٍ يُؤْذِنُ بِأنَّ المَقْصُودَ بِالذِّكْرِ جَزاؤُهم لا كَوْنُهُ في الآخِرَةِ، وذُكِرَ أيْضًا أنَّ الجُمْلَةَ المَذْكُورَةَ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ هَذا الَّذِي فُهِمَ مِنَ التَّمْثِيلِ مِن عَذابِ هَؤُلاءِ الماكِرِينَ القائِلِينَ في القُرْآنِ العَظِيمِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ أوْ ما هو أعَمُّ مِنهُ، ومِمّا ذُكِرَ مِن عَذابِ أُولَئِكَ الماكِرِينَ مِن قَبْلُ جَزاؤُهم في الدُّنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ إلى آخِرِهِ، ثُمَّ قالَ: والضَّمِيرُ إمّا لِلْمُغْتَرِّينَ في حَقِّ القُرْآنِ الكَرِيمِ أوْ لَهم ولِمَن مَثَّلُوا بِهِمْ مِنَ الماكِرِينَ، وتَخْصِيصُهُ بِهِمْ يَأْباهُ السِّباقُ والسِّياقُ اهـ.

وفِيهِ مِنِ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ ما فِيهِ فَلْيُتَأمَّلْ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الإخْزاءَ بِما هو مِن رَوادِفِ التَّعْذِيبِ بِالنّارِ لِأنَّهُ الفَرْدُ الكامِلُ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ  ﴾ وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أيْنَ شُرَكائِيَ ﴾ إلى آخِرِهِ يَأْباهُ لِأنَّهُ قَبْلَ دُخُولِهِمُ النّارَ.

وأُجِيبُ بِأنَّ الواوَ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأوْلى مَعَ هَذا حَمْلُهُ عَلى مُطْلَقِ الإذْلالِ، وإضافَةُ الشُّرَكاءِ إلى نَفْسِهِ عَزَّ وجَلَّ لِأدْنى مُلابَسَةٍ بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ فَتَكُونُ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ  ﴾ .

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ما ذُكِرَ حِكايَةً مِنهُ تَعالى لِإضافَتِهِمْ فَإنَّهم كانُوا يُضِيفُونَ ويَقُولُونَ: شُرَكاءُ اللَّهِ تَعالى، وفِي ذَلِكَ زِيادَةٌ في تَوْبِيخِهِمْ لَيْسَتْ في أيْنَ أصْنامُكم مَثَلًا لَوْ قِيلَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِزْيٌ وإهانَةٌ بِالقَوْلِ فَإذا فُسِّرَ الإخْزاءُ فِيما تَقَدَّمَ بِالتَّعْذِيبِ بِالنّارِ كانَتِ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى خِزْيَيْنِ فِعْلِيٍّ وقَوْلِيٍّ، وأُشِيرُ إلى الأوَّلِ أوَّلًا لِأنَّهُ أنْسَبُ بِسابِقِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ «شُرَكائِيَ» مَمْدُودًا مَهْمُوزًا مَفْتُوحَ الياءِ، وفِرْقَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم سَكَّنُوا الياءَ فَتَسْقُطُ في الدَّرَجِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ بِالقَصْرِ وفَتْحِ الياءِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ جَماعَةٌ وزَعَمُوا أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ غَيْرُ مَأْخُوذٍ لِأنَّ قَصْرَ المَمْدُودِ لا يَجُوزُ إلّا ضَرُورَةً، ولَيْسَ كَما قالُوا فَإنَّهُ يَجُوزُ في السِّعَةِ، وقَدْ وُجِّهَ أيْضًا بِأنَّ الهَمْزَةَ المَكْسُورَةَ قَبْلَ الياءِ حُذِفَتْ لِلتَّخْفِيفِ ولَيْسَ كَقَصْرِ المَمْدُودِ مُطْلَقًا، مَعَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ قَصْرُ الَّتِي في القَصَصِ و(ورائِي) في مَرْيَمَ، وعَنْ قُنْبُلٍ قَصْرُ ﴿ أنْ رَآهُ اسْتَغْنى ﴾ في العَلَقِ فَكَيْفَ يُعَدُّ ذَلِكَ ضَرُورَةً.

نَعَمْ قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ وُقُوعَهُ في الكَلامِ قَلِيلٌ فاعْرِفْ ذَلِكَ فَقَدْ غَفَلَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ.

﴿ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ أيْ تُخاصِمُونَ وتُنازِعُونَ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأتْباعَهم في شَأْنِهِمْ وتَزْعُمُونَ أنَّهم شُرَكاءُ حَقًّا حِينَ بَيَّنُوا لَكم ضِدَّ ذَلِكَ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ المُشاقَّةَ بِالمُعاداةِ، وتَفْسِيرُها بِالمُخاصَمَةِ لِيَظْهَرَ تَعَلُّقُ (فِيهِمْ) بِهِ ولا يَحْتاجُ إلى جَعْلِ في لِلسَّبَبِيَّةِ أوْلى، وقِيلَ: لِلْمُخاصَمَةِ مُشاقَةٌ أخْذًا مِن شَقِّ العَصا أوْ لِكَوْنِ كُلٍّ مِنَ المُتَخاصِمَيْنِ في شِقٍّ والمُرادُ بِالِاسْتِفْهامِ اسْتِحْضارُها لِلشَّفاعَةِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّبْكِيتِ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنْ صَحَّ ما تَقُولُونَ فالأصْنامُ تَشْفَعُ لَنا، والِاسْتِفْسارُ عَنْ مَكانَتِهِمْ لا يُوجِبُ غَيْبَتَهم حَقِيقَةً بَلْ يَكْفِي في ذَلِكَ عَدَمُ حُضُورِهِمْ بِالعُنْوانِ الَّذِي كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم مُتَّصِفُونَ بِهِ فَلَيْسَ هُناكَ شُرَكاءُ ولا أماكِنُها.

وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الغَيْبَةَ، ويُقالُ: إنَّهُ يُحالُ بَيْنَهم وبَيْنَ شُرَكائِهِمْ حِينَئِذٍ لِيَتَفَقَّدُوهم في ساعَةٍ عَلَّقُوا الرَّجاءَ بِها فِيهِمْ أوْ أنَّهم لَمّا لَمْ يَنْفَعُوهم فَكَأنَّهم غُيَّبٌ.

ولا يُحْتاجُ إلى هَذا بَعْدَ ما عَلِمْتَ عَلى أنَّهُ أوْرَدَ عَلى قَوْلِهِ لِيَتَفَقَّدُوهم إلى آخِرِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ، فَإنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ لِلْمُشْرِكِينَ حَقِيقَةُ الأمْرِ فَرَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ الزَّعْمِ الباطِلِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنهُمُ التَّفَقُّدُ.

وأُجِيبُ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَغْفُلُوا لِعِظَمِ الهَوْلِ عَنْ ذَلِكَ فَيَتَفَقَّدُوهُمْ، ثُمَّ إنَّ ما ذُكِرَ يَقْتَضِي حَشْرَ الأصْنامِ وهو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الآياتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ  ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ ) [البَقَرَةِ: 24، التَّحْرِيمِ: 6] عَلى قَوْلٍ، ولا أرى مانِعًا مِن حَمْلِ الشُّرَكاءِ عَلى مَعْبُوداتِهِمُ الباطِلَةِ بِحَيْثُ تَشْمَلُ ذَوِي العُقُولِ أيْضًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ «تُشاقُّونَ» بِفَتْحِ النُّونِ، ونافِعٌ بِكَسْرِها ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى تَضْعِيفِ أبِي حاتِمٍ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِتَشْدِيدِها عَلى أنَّهُ أدْغَمَ نُونَ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايَةِ.

والكَسْرُ عَلى حَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ والِاكْتِفاءِ بِهِ أيْ تُشاقُّونَنِي.

عَلى أنَّ مُشاقَّةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأتْباعِهِمْ كَمُشاقَّةِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ تَعْلِيقُ المُشاقَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ.

أمّا إذا كانَتْ بِمَعْنى المُخاصَمَةِ فَظاهِرٌ أنَّهم لَمْ يُخاصِمُوا اللَّهَ تَعالى، وأمّا إذا كانَتْ بِمَعْنى العَداوَةِ فَلِأنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ أنَّهم أعْداءٌ لِلَّهِ تَعالى، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ  ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ فَمُؤَوَّلٌ أيْضًا بِغَيْرِ شُبْهَةٍ ﴿ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ مِن أهْلِ المَوْقِفِ وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أُوتُوا عِلْمًا بِدَلائِلِ التَّوْحِيدِ وكانُوا يَدْعُونَهم في الدُّنْيا إلى التَّوْحِيدِ فَيُجادِلُونَهم ويَتَكَبَّرُونَ عَلَيْهِمْ، واقْتَصَرَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ عَلى المُؤْمِنِينَ والأمْرُ فِيهِ سَهْلٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

ولَمْ نَقِفْ عَلى تَقْيِيدِهِ إيّاهم.

وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُمُ الحَفَظَةُ مِنهم.

ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِهِمْ بِأنَّهم مَلائِكَةُ المَوْتِ حَيْثُ أوْرَدَ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُمُ المَلائِكَةُ أنَّ الواجِبَ حِينَئِذٍ يَتَوَفَّوْنَهم مَكانَ ( تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ) وأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ الإبْهامُ في مَوْضِعِ التَّعْيِينِ والتَّعْيِينُ في مَوْضِعِ الإبْهامِ.

وهو كَما قالَ الشِّهابَ في غايَةِ السُّقُوطِ، وقِيلَ: المُرادُ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذا العُنْوانِ مِن مَلَكٍ وإنْسِيٍّ وغَيْرِ ذَلِكَ.

والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ السَّلِيمُ القَوْلُ الأوَّلُ أيْ يَقُولُ أُولَئِكَ تَوْبِيخًا لِلْمُشْرِكِينَ وإظْهارًا لِلشَّماتَةِ بِهِمْ وتَقْرِيرًا لِما كانُوا يَعِظُونَهم وتَحْقِيقًا لِما أوْعَدُوهم بِهِ.

وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ وتَحَتُّمِهِ حَسْبَما هو المَعْهُودُ في إخْبارِهِ تَعالى كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ  ﴾ .

﴿ إنَّ الخِزْيَ ﴾ الذُّلَّ والهَوانَ.

وفَسَّرَهُ الرّاغِبُ بِالذُّلِّ الَّذِي يُسْتَحى مِنهُ ﴿ اليَوْمَ ﴾ مَنصُوبٌ بِالخِزْيِ عَلى رَأْيِ مَن يَرى إعْمالَ المَصْدَرِ بِاللّامِ كَقَوْلِهِ: ضَعِيفُ النِّكايَةِ أعْداءَهُ.

أوْ بِالِاسْتِقْرارِ في الظَّرْفِ الواقِعِ خَبَرًا لَإنَّ، وفِيهِ فَصْلٌ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِالمَعْطُوفِ إلّا أنَّهُ مُغْتَفَرٌ في الظَّرْفِ.

وألْ لِلْحُضُورِ أيِ اليَوْمِ الحاضِرِ، وإيرادُهُ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ في عِزَّةٍ وشِقاقٍ ﴿ والسُّوءَ ﴾ العَذابَ ومِنَ الخِزْيِ بِهِ جَعَلَ ذِكْرَ هَذا لِلتَّأْكِيدِ ﴿ عَلى الكافِرِينَ ﴾ بِاللَّهِ تَعالى وآياتِهِ ورُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي: قد صنع الذين من قبلهم مثل المقتسمين، فأبطل الله كيدهم فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ أي: قلع بنيانهم من أساس البيت فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ أي: سقف البيت، قال الكلبي: وهو نمروذ بن كنعان، بنى صرحاً طوله في السَّماء خمسة آلاف ذراع وكان عرضه ثلاثة آلاف ذراع وخمسون ذراعاً، فهدم الله بنيانه، وخرّ عليهم السقف من فوقهم، فأهلكهم الله.

وقال القتبي: هذا مثل، أي أهلك من قبلهم من الكفار كما أهلك من هدم مسكنه من أسفله فخرّ عليه.

ويقال: هدم بنيان مكرهم من الأصل، فخرّ عليهم السقف، أي: رجع وبال مكرهم إليهم، كقوله تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: 43] وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أي: لا يعلمون.

قوله عز وجل: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ أي: يعذبهم، وما أصابهم في الدنيا لم يكن كفارة لذنوبهم.

وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ أي: تعادونني وتخالفونني بسببهم وعبادتهم.

قرأ نافع تُشَاقُّونَ بكسر النون على معنى الإضافة والباقون بالنصب لأنها نون الجماعة.

قوله: قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أي: الملائكة.

ويقال: المؤمنون إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ أي: العقاب وَالسُّوءَ أي: الشدة من العذاب عَلَى الْكافِرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: لاَ جَرَمَ عبَّرت فرقةٌ من اللُّغويِّين عن معناها ب «لاَ بُدَّ ولا محالة» ، وقالت فرقة: معناها: حق أن اللَّه، ومذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ «لا» نفيٌ لما تقدَّم من الكلامِ، و «جرم» :

معناه: وَجَبَ أو حَقَّ ونحوه، هذا مذهبُ الزَّجَّاجِ «١» ، ولكنْ مع مذهبهما، «لا» ملازِمَةٌ ل «جَرَمَ» لا تنفَكُّ هذه مِنْ هذه.

وقوله سبحانه: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ: عامٌّ في الكافرين والمؤمنين يأخذ كلُّ أحد منهم بِقِسْطه، قال الشيخُ العارفُ باللَّه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبي جَمْرَةَ رحمه اللَّه موتُ النفوسِ حياتُهَا، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَحْيَا يَمُوتُ، ببَذْل أَهْل التوفيقِ نفوسَهُم وهوانِهَا عليهم، نالوا ما نالوا، وبِحُبِّ أهْل الدنيا نفوسَهُم هانوا وطَرَأَ عليهم الهوانُ هنا وهناك، وقد ورد في الحديثِ: «أنَّه مَا مِنْ عَبْدٍ إِلا وَفِي رَأْسِهِ حِكْمَةٌ بِيَدِ مَلَكٍ، فَإِنْ تَعَاظَمَ، وارتفع، ضَرَبَ المَلَكُ فِي رَأْسِهِ، وَقَالَ لَهُ: اتضع وَضَعَكَ اللَّهُ، وَإِنْ تَوَاضَعَ رَفَعَهُ المَلَكُ، وَقَالَ لَهُ: ارتفع، رَفَعَكَ اللَّهُ» ، مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بما به يقرِّبنا إِليه بمنِّهِ «٢» .

انتهى.

وقوله سبحانه: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ: يعني: كفَّار قريشٍ: مَّاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ...

الآية، يقال: إِن سببها النضْرُ بْنُ الحارِثِ، واللام في قوله: لِيَحْمِلُوا يحتملُ أن تكون لاَم العاقبةِ، ويحتمل أن تكون لامَ كَيْ، ويحتمل أن تكون لام الأمْرِ على معنى الحَتْمِ عليهم والصَّغَارِ الموجِبِ لهم.

وقوله/ سبحانه: وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ: «من» : للتبعيضِ وذلك أن هذا الرأس المُضِلَّ يحمل وِزْرَ نفسه ووزراً مِنْ وزر كلِّ مَنْ ضلَّ بسببه، ولا ينقُصُ من أوزار أولئك شيْءٌ، والأوزار هي الأثقال.

قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)

وقوله سبحانه: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ ...

الآية: قال ابن

عبَّاس وغيره من المفسِّرين «١» : الإِشارة ب الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ إِلى نَمْرُوذَ الذي بنَى صَرْحاً ليَصْعَدَ فيه إِلى السماء بزعمه، فلما أَفرَطَ في عُلُوِّه، وطَوَّلَهُ في السماء فَرْسَخَيْنِ على ما حكَى النَّقَّاش، بعث اللَّه عليه ريحاً، فهدَمَتْه، وخَرَّ سقفه عليه، وعلى أتباعه، وقيل: إِن جبريلَ هَدَمَهُ بِجَنَاحِهِ، وألقَى أعلاه في البَحْر، وانجعف من أسفله، وقالت فرقة: المراد ب الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ: جميعُ مَنْ كَفَر من الأمم المتقدِّمة، ومكَر، ونزلَتْ به عقوبةٌ، وقوله على هذا: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ ...

إلى آخر الآية، تمثيلٌ وتشبيهٌ، أي: حالُهم كحَالِ مَنْ فُعِلَ به هذا.

وقوله: يُخْزِيهِمْ: لفظٌ يعمُّ جميع المكارِهِ التي تَنْزِلُ بهم وذلك كلُّه راجعٌ إِلى إِدخالهم النَّار، ودخولهم فيها.

وتُشَاقُّونَ: معناه: تحاربون، أي: تكُونُونَ في شِقٍّ، والحَقُّ في شقّ، والَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ: هم الملائكةُ فيما قال بعضُ المفسِّرين، وقال يحيى بن سلام: هم المؤمنون.

قال ع «٢» : والصوابُ أن يعمَّ جميعَ مَنْ آتاه اللَّه عِلْمَ ذلك مِنْ ملائكةٍ وأنبياء وغيرهم، وقد تقدَّم تفسير الخِزْي، وأنه الفضيحةُ المُخْجلة، وفي الحديث: «إِنَّ العَارَ وَالتَّخْزِيَةَ لَتَبْلُغُ مِنَ العَبْدِ فِي المَقَامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى مَا أَنْ يَتَمَنَّى أَنْ يُنْطَلَقَ بِهِ إِلَى النَّارِ وَيَنْجُوَ مِنْ ذَلِكَ المَقَامِ» «٣» أخرجه البغويُّ في «المسند المنتخب» له.

انتهى من «الكوكب الدري» .

وقوله سبحانه: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ: الَّذِينَ: نعت للكافرين في قول أكثر المتأوّلين، والْمَلائِكَةُ يريد القابضين لأرواحهم، والسَّلَمَ هنا: الاستسلام، واللام في قوله: فَلَبِئْسَ لامُ تأكيد، والمثوى:

موضع الإقامة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٦٣) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ والجَزاءِ " قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ " أيْ: جاحِدَةٌ لا تَعْرِفُ التَّوْحِيدَ ﴿ وَهم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ أيْ: مُمْتَنِعُونَ مِن قَبُولِ الحَقِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا جَرَمَ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في (هُودٍ:٢٢)، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ يُجازِيهِمْ بِسِرِّهِمْ وعَلَنِهِمْ، لِأنَّهُ يَعْلَمُهُ.

والمُسْتَكْبِرُونَ: المُتَكَبِّرُونَ عَنِ التَّوْحِيدِ والإيمانِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ ما يُسِرُّونَ ﴾ حِينَ بَعَثُوا في كُلِّ طَرِيقٍ مَن يَصُدُّ النّاسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  ﴿ وَما يُعْلِنُونَ ﴾ حِينَ أظْهَرُوا العَداوَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي: المُسْتَكْبِرِينَ ﴿ ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ عَلى مُحَمَّدٍ  ؟

قالَ الزَّجّاجُ: " ماذا " بِمَعْنى " ما الَّذِي " .

و ﴿ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ مَرْفُوعَةٌ عَلى الجَوابِ.

كَأنَّهم قالُوا: الَّذِي أُنْزِلَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، أيِ: الَّذِي تَذْكُرُونَ أنْتُمْ أنَّهُ مُنَزَّلٌ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الأساطِيرِ في (الأنْعامِ:٢٥) .

قالَ مُقاتِلٌ: الَّذِينَ بَعَثَهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ في طُرُقِ مَكَّةَ يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ، ويَقُولُ بَعْضُهم: إنَّ مُحَمَّدًا ساحِرٌ، ويَقُولُ بَعْضُهم: شاعِرٌ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في (الحِجْرِ:٩٠) في ذِكْرِ المُقْتَسِمِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَحْمِلُوا أوْزارَهُمْ ﴾ هَذِهِ لامُ العاقِبَةِ، وقَدْ شَرَحْناها في غَيْرِ مَوْضِعٍ، والأوْزارُ: الآثامُ، وإنَّما قالَ: كامِلَةً، لِأنَّهُ لَمْ يُكَفَّرْ مِنها شَيْءٌ بِما يُصِيبُهم مِن نَكْبَةٍ، أوْ بَلِيَّةٍ، كَما يُكَفَّرُ عَنِ المُؤْمِنِ، " ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ " أيْ: أنَّهم أضَلُّوهم بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وإنَّما حَمَلُوا مِن أوْزارِ الأتْباعِ، لِأنَّهم كانُوا رُؤَساءَ يُقْتَدى بِهِمْ في الضَّلالَةِ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في " مِن " وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلتَّبْعِيضِ، فَهم يَحْمِلُونَ ما شَرِكُوهم فِيهِ، فَأمّا ما رَكِبَهُ أُولَئِكَ بِاخْتِيارِهِمْ مِن غَيْرِ تَزْيِينِ هَؤُلاءِ، فَلا يَحْمِلُونَهُ، فَيَصِحُّ مَعْنى التَّبْعِيضِ.

والثّانِي: أنَّ " مِن " مُؤَكِّدَةٌ، والمَعْنى: وأوْزارَ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم.

﴿ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ ﴾ أيْ: بِئْسَ ما حَمَلُوا عَلى ظُهُورِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي بِهِ: النَّمْرُودَ بْنَ كَنْعانَ، وذَلِكَ أنَّهُ بَنى صَرْحًا طَوِيلًا.

واخْتَلَفُوا في طُولِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَمْسَةُ آلافِ ذِراعٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ طُولُهُ فَرْسَخَيْنِ، قالُوا: ورامَ أنْ يَصْعَدَ إلى السَّماءِ لِيُقاتِلَ أهْلَها بِزَعْمِهِ.

ومَعْنى " المَكْرِ " هاهُنا: التَّدْبِيرُ الفاسِدُ.

وَفِي الهاءِ والمِيمِ مِن " قَبْلِهِمْ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلْمُقْتَسِمِينَ عَلى عِقابِ مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: لِكُفّارِ مَكَّةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ ﴾ أيْ: مِنَ الأساسِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: أرْسَلَ اللَّهُ رِيحًا فَألْقَتْ رَأْسَ الصَّرْحِ في البَحْرِ، وخَرَّ عَلَيْهِمُ الباقِي.

قالَ السُّدِّيُّ: لَمّا سَقَطَ الصَّرْحُ، تَبَلْبَلَتْ ألْسُنُ النّاسِ مِنَ الفَزَعِ، فَتَكَلَّمُوا بِثَلاثَةٍ وسَبْعِينَ لِسانًا، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ " بابِلَ "، وإنَّما كانَ لِسانُ النّاسِ قَبْلَ ذَلِكَ بِالسُّرْيانِيَّةِ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ، لِأنَّ التَّبَلْبُلَ يُوجِبُ الِاخْتِلاطَ والتَّكَلُّمَ بِشَيْءٍ غَيْرِ مُسْتَقِيمٍ، فَأمّا أنْ يُوجِبَ إحْداثَ لُغَةٍ مَضْبُوطَةِ الحَواشِي، فَباطِلٌ، وإنَّما اللُّغاتُ تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الماكِرُ واحِدًا، فَكَيْفَ قالَ: " الَّذِينَ " ولَمْ يَقُلِ: " الَّذِي " ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ الماكِرُ مَلِكًا لَهُ أتْباعٌ، فَأُدْخِلُوا مَعَهُ في الوَصْفِ.

والثّانِي: أنَّ العَرَبَ تُوقِعُ الجَمْعَ عَلى الواحِدِ، فَيَقُولُ قائِلُهم: خَرَجْتُ إلى البَصْرَةِ عَلى البِغالِ، وإنَّما خَرَجَ عَلى بَغْلٍ واحِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّ " الَّذِينَ " غَيْرُ مُوقَعٍ عَلى واحِدٍ مُعَيَّنٍ، لَكِنَّهُ يُرادُ بِهِ: قَدْ مَكَرَ الجَبّارُونَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، فَكانَ عاقِبَةَ مَكْرِهِمْ رُجُوعُ البَلاءِ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ هَذِهِ الأجْوِبَةَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ: وذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ: أنَّهُ إنَّما قالَ: " مِن فَوْقِهِمْ "، لِيُنَبَّهَ عَلى أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ، إذْ لَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، لاحْتَمَلَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا تَحْتَهُ، لَأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: سَقَطَ عَلَيْنا البَيْتُ، وخَرَّ عَلَيْنا الحانُوتُ، وتَداعَتْ عَلَيْنا الدّارُ، ولَيْسُوا تَحْتَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴾ أيْ: مِن حَيْثُ ظَنُّوا أنَّهم آمِنُونَ فِيهِ.

قالَ السُّدِّيُّ: أُخِذُوا مِن مَأْمَنِهِمْ.

ورَوى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَّ عَلَيْهِمْ عَذابٌ مِنَ السَّماءِ.

وعامَّةُ المُفَسِّرِينَ عَلى ما حَكَيْناهُ مِن أنَّهُ بُنْيانٌ سَقَطَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا مَثَلٌ، والمَعْنى: أهْلَكَهُمُ اللَّهُ، كَما هَلَكَ مَن هُدِمَ مَسْكَنُهُ مِن أسْفَلِهِ، فَخَرَّ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ﴾ أيْ: يُذِلُّهم بِالعَذابِ.

﴿ وَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " شُرَكائِيَ الَّذِينَ " بِهَمْزَةٍ وفَتْحِ الياءِ، وقالَ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: " شُرَكايَ " مِثْلَ " هُدايَ "، والمَعْنى: أيْنَ شُرَكائِي عَلى زَعْمِكم ؟

هَلّا دَفَعُوا عَنْكم !

.

﴿ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ أيْ: تُخالِفُونَ المُسْلِمِينَ فَتَعْبُدُونَهم وهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وقَرَأ نافِعٌ: " تُشاقُّونِ " بِكَسْرِ النُّونِ، أرادَ: تُشاقُّونَنِي، فَحَذَفَ النُّونَ الثّانِيَةَ، وأبْقى الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلَيْها، والمَعْنى: كُنْتُمْ تُنازِعُونَنِي فِيهِمْ، وتُخالِفُونَ أمْرِي لِأجْلِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ.

فَأمّا " الخِزْيُ " فَقَدْ شَرَحْناهُ في مَواضِعَ [آلِ عِمْرانَ:١٩٢] و " السُّوءُ " هاهُنا: العَذابُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللهُ بُنْيانَهم مِن القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُوءَ عَلى الكافِرِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الإشارَةُ بِـ ﴿ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ إلى نَمْرُوذٍ الَّذِي بَنى الصَرْحَ لِيَصْعَدَ فِيهِ إلى السَماءِ عَلى زَعْمِهِ، فَلَمّا أفْرَطَ في غُلُوِّهِ وطُولِهِ في السَماءِ فَرْسَخَيْنِ عَلى ما حَكى النَقاشُ بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِ رِيحًا فَهَدَمَهُ، وخَرَّ سَقْفُهُ عَلَيْهِ وعَلى أتْباعِهِ، وقِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ هَدَمَهُ بِجَناحِهِ، وألْقى أعْلاهُ في البَحْرِ، وانْجَعَفَ مَن أسْلَفَهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: المُرادُ بِـ " الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ " جَمِيعُ مَن كَفَرَ مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ ومَكَرَ، ونَزَلَتْ بِهِ عُقُوبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ -عَلى هَذا-: ﴿ فَأتى اللهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ تَمْثِيلٌ وتَشْبِيهٌ، أيْ: حالُهم كَحالِ مِن فَعَلَ بِهِ هَذا.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ أيْ: جاءَهُمُ العَذابُ مِن قِبَلِ السَماءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَنْحُو إلى اللُغْزِ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ رَفْعُ الِاحْتِمالِ في قَوْلِهِ: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَقْفُ ﴾ ، فَإنَّكَ تَقُولُ: "انْهَدَمَ عَلى فُلانٍ بِناؤُهُ" وهو لَيْسَ تَحْتَهُ، كَما تَقُولُ: "انْفَسَدَ عَلَيْهِ مَتاعُهُ".

وقَوْلُهُ: "مِن فَوْقِهِمْ" ألْزَمَ أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ.

وقَوْلُهُ: "فَأتى" أيْ: فَأتى أمْرُ اللهِ وسُلْطانُهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "بُنْيانَهُمْ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "بِنْيَتَهُمْ"، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "بَنِيَّتَهُمْ"، وقَرَأ الضِحاكُ: "بُيُوتَهُمْ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "السَقْفُ" بِسُكُونِ القافِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّها، وهي لُغَةٌ فِيهِ، وقَرَأ الأعْرَجُ بِضَمِّ السِينِ والقافِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِضَمِّ السِينِ وسُكُونِ القافِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ الآيَةُ، ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حالَ هَؤُلاءِ الماكِرِينَ في الدُنْيا، ذَكَرَ في هَذِهِ حالَهم في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: "يُخْزِيهِمْ" لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ المَكارِهِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ، وذَلِكَ راجِعٌ إلى إدْخالِهِمُ النارَ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ  ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ أيْنَ شُرَكائِيَ ﴾ تَوْبِيخٌ لَهُمْ، وأضافَهم إلى نَفْسِهِ في مُخاطَبَةِ الكُفّارِ، أيْ: عَلى زَعْمِكم ودَعْواكُمْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا كَما قالَ تَعالى حِكايَةً: ﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ  ﴾ ، وكَما قالَ تَعالى: ﴿ يا أيُّهَ الساحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والإضافاتُ تَتَرَتَّبُ مَعْقُولَةً ومَلْفُوظًا بِها بِأرَقِّ سَبَبٍ، وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا قُلْتُ قُدْنِي قالَ باللهِ حَلْفَةً ∗∗∗ لِتُغْنِيَ عَنِّي ذا إنائِكَ أجْمَعا فَأضافَ الإناءَ إلى حاسِيهِ.

وقَرَأ البَزِيُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "شُرَكايَ" بِقِصْرِ الشُرَكاءِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالمَدِّ وفَتْحِ الياءِ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالمَدِّ وياءِ ساكِنَةٍ.

وقَوْلُهُ: "تُشاقُّونَ" مَعْناهُ: تُحارِبُونَ وتُحاجُّونَ، أيْ: تَكُونُ في شَقٍّ والحَقُّ في شَقٍّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُشاقُّونَ" بِفَتْحِ النُونِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ بِكَسْرِها، ورُوِيَتْ عَنِ الحُسْنِ بِخِلافٍ، وضَعَّفَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَثَلِهِ في "الحَجَرِ" في "تُبَشِّرُونَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تُشاقُّونِّي" بِشَدِّ النُونِ وكَسْرِها وياءٍ بَعْدَها.

و ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ هُمِ المَلائِكَةُ فِيما قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: "هُمُ المُؤْمِنُونَ، وهَذا الخِطابُ مِنهم يَوْمَ القِيامَةِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَوابُ أنْ يَعُمَّ جَمِيعَ مَن آتاهُ اللهُ عِلْمَ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ مَن حَضَرَ المَوْقِفَ مَن مَلَكٍ وإنْسِيٍّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ ثُمَّ يَوْمَ القيامة يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِىَ الذين كُنتُمْ تشاقون فِيهِمْ ﴾ .

عطف على ﴿ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ﴾ [سورة النحل: 25]، لأن ذلك وعيد لهم وهذا تكملة له.

وضمير الجمع في قوله تعالى: ﴿ يخزيهم ﴾ عائد إلى ما عاد إليه الضمير المجرور باللام في قوله تعالى ﴿ وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ﴾ [سورة النحل: 24].

وذلك عائد إلى ﴿ الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ [سورة النحل: 22].

وثمّ} للتّرتيب الرّتبي، فإنّ خزي الآخرة أعظم من استئصال نعيم الدّنيا.

والخِزي: الإهانة.

وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلاّ خزي في الحياة الدّنيا ﴾ في سورة البقرة (85).

وتقديم الظرف للاهتمام بيوم القيامة لأنّه يوم الأحوال الأبديّة فما فيه من العذاب مهول للسّامعين.

وأين} للاستفهام عن المكان، وهو يقتضي العلم بوجود من يحلّ في المكان.

ولما كان المقام هنا مقام تهكّم كان الاستفهام عن المكان مستعملاً في التهكّم ليظهر لهم كالطماعية للبحث عن آلهتهم، وهم علموا أن لا وجود لهم ولا مكان لحلولهم.

وإضافة الشركاء إلى ضمير الجلالة زيادة في التوبيخ، لأنّ مظهر عظمة الله تعالى يومئذٍ للعيان ينافي أن يكون له شريك، فالمخاطبون عالمون حينئذٍ بتعذّر المشاركة.

والموصول من قوله تعالى: ﴿ الذين كنتم تشاقون فيهم ﴾ للتّنبيه على ضلالهم وخطئهم في ادعاء المشاركة مثل الذي في قول عبدة: إنّ الّذينَ ترونهم إخْوَانَكم *** يشفي غليلَ صدورهم أن تصرعوا والمشاقّة: المُشادة في الخصومة، كأنّها خصومة لا سبيل معها إلى الوفاق، إذ قد صار كلّ خصم في شِقّ غير شقّ الآخر.

وقرأ نافع ﴿ تشقونِ ﴾ بكسر النون على حذف ياء المتكلّم، أي تعاندونني، وذلك بإنكارهم ما أمرهم الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وقرأ البقيّة ﴿ تَشاقّون ﴾ بفتح النون وحُذف المفعول للعلم، أي تعاندون من يدعوكم إلى التّوحيد.

و (في) للظرفيّة المجازيّة مع حذف مضاف، إذ المشاقّة لا تكون في الذوات بل في المعاني.

والتّقدير: في إلهيتهم أو في شأنهم.

جملة ابتدائية حكت قول أفاضل الخلائق حين يسمعون قول الله تعالى على لسان ملائكة العذاب: ﴿ أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم ﴾ .

وجيء بجملة ﴿ قال الذين أوتوا العلم ﴾ غير معطوفة لأنها واقعة موقع الجواب لقوله: ﴿ أين شركائي ﴾ للتّنبيه على أنّ الّذين أوتوا العلم ابتدروا الجواب لما وجم المشركون فلم يحيروا جوابا، فأجاب الّذين أوتوا العلم جواباً جامعاً لنفي أن يكون الشركاء المزعومون مغنين عن الّذين أشركوا شيئاً، وأنّ الخزي والسوء أحاطا بالكافرين.

والتعبير بالماضي لتحقيق وقوع القول.

والّذين أوتوا العلم هم الذين آتاهم الله علم الحقائق من الرّسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمؤمنون، كقوله تعالى: ﴿ وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث ﴾ [سورة الروم: 56]، أي يقولون في ذلك الموقف من جرّاء ما يشاهدوا من مُهيّأ العذاب للكافرين كلاماً يدلّ على حصر الخزي والضرّ يوم القيامة في الكون على الكافرين.

وهو قصر ادعائي لبلوغ المُعرف بلام الجنس حدّ النّهاية في جنسه حتّى كأنّ غيره من جنسه ليس من ذلك الجنس.

وتأكيد الجملة بحرف التوكيد وبصيغة القصر والإتيان بحرف الاستعلاء الدّال على تمكّن الخزي والسوء منهم يفيد معنى التّعجّب من هول ما أعدّ لهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ هَدَمَ بُنْيانَهم مِن قَواعِدِها وهي الأساسُ.

الثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِاسْتِئْصالِهِمْ.

﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَخَرَّ أعالِي بُيُوتِهِمْ وهم تَحْتَها، فَلِذَلِكَ قالَ ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ وإنْ كُنّا نَعْلَمُ أنَّ السَّقْفَ عالٍ إلّا أنَّهُ لا يَكُونُ فَوْقَهم إذْ لَمْ يَكُونُوا تَحْتَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: يَعْنِي أنَّ العَذابَ أتاهم مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي فَوْقَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَفي الَّذِينَ خَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ النُّمْرُودُ بْنُ كَنْعانَ وقَوْمُهُ حِينَ أرادَ صُعُودَ السَّماءِ وبَنى الصَّرْحَ.

فَهَدَمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّانِي: أنَّهُ بُخْتُنَصَّرُ وأصْحابُهُ، قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

الثّالِثُ: يَعْنِي المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الحِجْرِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ﴾ قال: هو نمرود بن كنعان حين بنى الصرح.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير، عن زيد بن أسلم قال: أول جبار كان في الأرض نمرود، فبعث الله عليه بعوضة فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق.

وارحم الناس به من جمع يديه فضرب بهما رأسه، وكان جباراً أربعمائة سنة فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه، ثم أماته الله.

وهو الذي كان بَنَى صرحاً إلى السماء الذي قال الله: ﴿ فأتى الله بنيانهم من القواعد ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ﴾ قال: مكر نمرود بن كنعان الذي حاج إبراهيم في ربه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد ﴾ قال: أتاها أمر الله من أصلها ﴿ فخر عليهم السقف من فوقهم ﴾ و ﴿ السقف ﴾ عالي البيوت فائتفكت بهم بيوتهم، فأهلكهم الله ودمرهم ﴿ وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ تشاقون فيهم ﴾ يقول: تخالفوني.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِم ﴾ ، معنى الإخزاء ذكرنا عند قوله: ﴿ إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ ﴾ قال الزجاج: شركائي حكايته لقولهم، والله لا شريك له، والمعنى: أين الذين في دعواكم أنهم شركائي (١) قال أبو علي: سبحانه لم يثبت بهذا الكلام له شريكًا، وإنما أُضيف على حسب ما كانوا يقولونه وينسبونه، وكما أُضيفت هذه الإضافة كذلك أضيفت إليهم في قوله: ﴿ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ  ﴾ ، وفي أخرى: ﴿ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ  ﴾ ، فإنما أُضيفوا هذه الإضافة على حسب ما كانوا يسمونه ويعتقدونه فيهم؛ كقوله: ﴿ وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ  ﴾ ، وقد تقع الإضافة لبعض الملابسة دون التحقيق، كقول الشاعر (٢) إذا قُلْتُ قَدْني قَال باللهِ حَلْفَةً ...

لَتُغْنيَ عَنِّي ذا إنائِكَ أَجْمَعَا (٣) فأضاف الإناء إليه لشربه منه، والإناء في الحقيقة لمن سقى به دون من شرب منه، وهذا كما يقول لمن يحمل خشبة ونحوها: خذ طَرَفَكَ وآخذ طَرَفي، فتَنْسِبُ إليه الطرف الذي يليه كم تنسب إلى نفسك الطرف الذي يليك، فعلى هذا تجري الإضافة في قوله: ﴿ شُرَكَائِيَ ﴾ (٤) ﴿ أَيْنَ شُرَكَائِيَ ﴾ أي: أين هم لا يحضرونكم فيدفعوا عنكم العذاب.

وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ قال ابن عباس: تخالفون (٥) قال أهل المعاني: معناه يكونون في أمر الشركاء في جانب والمسلمون في جانب، لا يكونون معهم يدًا واحدة (٦) (٧) ووجهه ما ذكرنا في قوله: ﴿ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ  ﴾ المعنى على هذه القراءة ما رواه عطاء عن ابن عباس، قال: يريد تنازعوني فيهم وتتخذونهم أولياء من دوني، وعلى هذا معنى مخالفتهم الله في الشركاء (٨) ﴿ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾ قال ابن عباس: يريد الملائكة (٩) (١٠) ﴿ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ ﴾ : عليهم لا علينا.

(١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 195، بنصه.

(٢) هو حُريث بن عَنّاب الطائي، من شعراء الدولة الأموية (ت 80 هـ).

(٣) ورد في: "شرح شواهد المغني" (2/ 558) برواية: إذا قال قدني قلت آليت حلفة وفي "الخزانة" 11/ 434، برواية: (قطني) بدل (قدني)، والمعنى واحد، معناه: حسبي، و"الدر" 4/ 217، برواية: (قيل) بدل (قلت)، وورد غير منسوب في "معاني القرآن" للأخفش 2/ 557، و"إيضاح الشعر" ص 214، و "تفسير ابن عطية" 8/ 402، و"شرح المفصل" 3/ 8 برواية: إذا قال، و"المقرب" 2/ 77 برواية: إذا هو آلى، و"الدر المصون" 5/ 118، و"مغني اللبيب" ص 278، و"همع الهوامع" 4/ 242، والمعنى: اشرب جميع ما في الإناء ولا تردّه عليّ.

(٤) "الحجة للقراء" 5/ 61، بتصرف يسير.

(٥) أخرجه الطبري 14/ 98 بلفظه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 218 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.

(٦) ورد في "الحجة للقراء" 5/ 59، بنحوه.

(٧) أي: ﴿ تُشاقُّونِ ﴾ مع الكسر التخفيف.

انظر: "السبعة" ص 371، و"علل القراءات" 1/ 303، و"الحجة للقراء" 5/ 59، و"المبسوط في القراءات" ص 224، و"التيسير" ص 137، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 734.

(٨) في (أ)، (د): (الشرع)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو المناسب للسياق والمعنى.

(٩) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 441، والفخر الرازي 20/ 20، و"تفسير القرطبي" 10/ 98، و"تنوير المقباس" ص 284، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 233، والزمخشري 2/ 327، وابن عطية 8/ 402، والخازن 3/ 112، وهذا التفسير فيه نظر؛ فالملاحظ أن القرآن يصف البشر بالعلم لا الملائكة، كما في قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ  ﴾ .

(١٠) انظر: "تفسير البغوي" 5/ 16، وابن عطية 8/ 402، وابن الجوزي 4/ 441، والفخر الرازي 20/ 20، والقرطبي 10/ 98، والخازن 3/ 112.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَأَتَى الله بنيانهم مِّنَ القواعد ﴾ الآية: قيل المراد بالذين من قبلهم نمروذ، فإنه بنى صرحاً ليصعد فيه إلى السماء بزعمه، فلما علا فيه هدمه الله وخر سقفه عليه، وقيل: المراد بالذين من قبلهم كل من كفر من الأمم المتقدمة، ونزلت به عقوبة الله فالبنيان والسقف والقواعد على هذا تمثيل ﴿ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ﴾ توبيخ للمشركين وأضاف الشركاء إلى نفسه أي على زعمكم ودعواكم، وفيه تهكم به ﴿ الذين كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ أي تعادون من أجلهم فمن قرأ بكسر النون فالمفعول ضمير المتكلم وهو الله عز وجل، ومن قرأ بفتحها فالمفعول محذوف تقديره تعادون المؤمنين من أجلهم ﴿ قَالَ الذين أُوتُواْ العلم ﴾ هم الأنبياء والعلماء من كل أمة، وقيل: يعني الملائكة واللفظ أعم من ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ شركاي ﴾ مثل ﴿ هداي ﴾ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي.

وقرأ الخزاز عن هبيرة ﴿ شركائي الذين ﴾ مرسلة الياء، الباقون بفتح الياء وكذلك في "الكهف" و"القصص".

﴿ تشاقون ﴾ بكسر النون: نافع، الآخرون بفتحها ﴿ تتوفاهم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وخلف ﴿ لا يهدي ﴾ بفتح الياء وكسر الدال: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون بضم الياء وفتح الدال.

﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب: ابن عامر وعلي، الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ الأولين ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ يوم القيامة ﴾ لا لأن قوله ﴿ ومن أوزار ﴾ مفعول ﴿ ليحملوا ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ ما يزرون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ فيهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة ﴿ أنفسهم ﴾ ص لطول الكلام ﴿ من سوء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ أنزل ربكم ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ يشاءُون ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ طيبين ﴾ ه لا لأن ما بعده حال آخر.

﴿ سلام عليكم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ ادخلوا ﴾ مفعول ﴿ يقولون ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ط ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ يستهزءُون ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ الثاني ط ﴿ من قبلهم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الطاغوت ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ الضلالة ﴾ ط ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ لا لأن ما بعده جواب القسم ﴿ يموت ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ م لأن جواب "لو" محذوف أي لو كانوا يعلمون لما اختاروا الدنيا على الآخرة، ولو وصل لصار قوله: ﴿ ولأجر الآخرة ﴾ متعلقاً بشرط "أن" ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ وهو محال ﴿ يعلمون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين صبروا ﴾ بدل ﴿ الذين هاجروا ﴾ ﴿ يتوكلون ﴾ ه.

التفسير: لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد أراد أن يذكر شبهات منكري النبوة مع أجوبتها.

فالشبهة الأولى أنهم طعنوا في القرآن وعدّوه من قبيل الأساطير.

قال النحويون: "ماذا" منصوب بأنزل بمعنى أي شيء أنزله ربكم، أو "ما" مبتدأ و "ذا" موصولة، والجملة صلتها، والمجموع خبر المبتدأ، وعلى التقديرين: فقوله: ﴿ أساطير الأوّلين ﴾ بالرفع ليس بجواب للكفار وإلا لكان المعنى الذي أنزله ربنا أساطير الأوّلين والكفار لا يقرون بالإنزال فهو إذن كلام مستأنف أي ليس ما تدّعون إنزاله منزلاً بل هو أساطير الأولين.

وقال في الكشاف: معناه المنزل أساطير الأوّلين وذكر في دفع التناقض أنه على السخرية كقوله: { ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ وجوز كونه منصوباً ولم يقرأ به.

واختلفوا في السائل فقيل: هو كلام بعضهم لبعض.

وقيل: هو قول المسلمين لهم وقيل: هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله  إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله  قالوا: أحاديث الأوّلين وأباطيلهم، ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والحقائق والدقائق.

ثم إنه تعال اقتصر في جواب شبههم على محض الوعي لأنه قد ثبت بالتحدي كما مر ذكره مراراً أن القرآن معجز تحدوا بالقرآن جملة ثم بعشر سور ثم بسورة فعجزوا عن المعارضة فكان طعنهم فيه بعد ذلك مجرد المكابرة والعناد فلم يستحقوا في الجواب إلا التهديد والوعيد.

واللام في قوله: ﴿ ليحملوا ﴾ ليس لام الغرض لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لغرض حمل الأوزار، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن التعليل به فكان لام العاقبة، وقوله: ﴿ كاملة ﴾ معناه أنه  لا يخفف من عقابهم شيئاً، وفيه دليل على أنه  قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين لأن هذا المعنى لو كان حاصلاً في حق الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة.

قال الواحدي: لفظة "من" في قوله: ﴿ ومن أوزار الذين ﴾ ليست للتبعيض فإنه لا يخفف عن الأتباع بعض أوزارهم لقوله  "أيما داع دعا إلى الضلال فاتبع كان عليه وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء" ولكنها للابتداء أي لحملوا ما قد نشأ من أوزار الاتباع، أو للبيان أي ليحملوا ما هو من جنس أوزار تبعهم.

ومعنى ﴿ بغير علم ﴾ أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون على هذا الإضلال جهلاً منهم بما يتسحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال.

وقال في الكشاف: ﴿ بغير علم ﴾ حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال.

وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل.

ثم أوعدهم بما هو النهاية في التهديد فقال: ﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ وزرهم.

ثم حكى حال أضرابهم من المتقدين فقال: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ﴾ ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد به نمروذ بن كنعان بنى صرحاً عظيماً ببابل طوله خمسة آلاف ذراع - وقيل فرسخان - ورام الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا، وألقت رأس الصرح في البحر فأحدث نمروذ وتبلبلت يومئذٍ ألسن الناس من الفزع فتكلموا بثلاثة وتسعين لساناً ولذلك سميت ببابل، وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية، وابتلاه الله ببعوضة دخلت دماغه والحكاية مشهورة.

والأصح أن الآية عامة في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحق الضرر بالمحقين.

وعلى القول الأوّل معنى قوله: ﴿ فأتى الله ﴾ أي أمره وحكمه ﴿ بنيانهم من القواعد ﴾ وهي أساطين البناء التي تعمده أو الأساس أنه أسقط السقف عليهم بعد هدم القواعد.

وفائدة زيادة قوله: ﴿ من فوقهم ﴾ التنصيص على أن الأبنية تهدمت وهم ماتوا تحتها، وعلى الثاني يكون الكلام محض التمثيل والمراد أنهم سوّوا منصوبات وحيلاً ليمكروا بها رسل الله، فجعل الله هلاكهم في تلك الحيل كحيل قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين، فأتي البنيان من الأساطين بأن ضعفت فسقط عليهم السقف فهلكوا ونحوه "من حفر بئراً لأخيه فقد وقع فيه" وبعبارة أخرى "من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً".

ثم بين أن عذابهم ير مقصور على عذاب الدنيا بل الله  يخزيهم يوم القيامة بإدخالهم النار ﴿ إنك من تدخل النار فقد أخزيته  ﴾ ﴿ ويقول ﴾ مع ذلك لأجل الإهانة والتوبيخ ﴿ أين شركائي ﴾ الإضافة لأدنى الملابسة أو هي حكاية لإضافتهم استهزاء وتوبيخاً ﴿ الذين كنتم تشاقون ﴾ تخاصمون المؤمنين في شأنهم.

ومن قرأ بكسر النون فعلى حذف يا المتكلم لأن مشاقة المؤمنين مشاقة الله.

ثم ذكر على سبيل الاستئناف ﴿ قال الذين أوتوا العلم ﴾ عن ابن عباس هم الملائكة.

وقال الآخرون: هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يعظونهم ولا يلتفتون إليهم فيقولون ذلك يوم القيامة شماتة بهم.

قالت المرجئة قولهم: ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ﴾ يدل على أن ماهية الخزي والسوء مختص بالكافرين فينتفي عن غيرهم.

أما قوله: ﴿ فألقوا السلم ﴾ فعن ابن عباس: المراد أنهم أسلموا وأقروا بالعبودية عند الموت.

وقيل: إنه في يوم القيامة وقولهم: ﴿ ما كنا نعمل من سوء ﴾ أرادوا الشرك قالوه على وجه الكذب والجحود، ومن لم يجوز الكذب على أهل القيامة قال: أرادوا في اعتقادهم وظنونهم فرد عليهم أولو العلم أو الملائكة بقوله: ﴿ بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ﴾ في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب وإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم.

قال في الكشاف: وهذا أيضاً من الشماتة وكذلك ﴿ فادخلوا أبواب جهنم ﴾ وفي ذكر الأبواب إشارة إلى تفاوت منازلهم في دركات جهنم.

ثم قال: ﴿ فلبئس مثوى المتكبرين ﴾ عن قبول التوحيد وسائر ما أتت به الأنبياء.

والفاء للعطف على فاء التعقيب في ﴿ فادخلوا ﴾ واللام للتأكيد يجري مجرى القسم موافقة لقوله بعد ذلك ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ ولا نظير لهما في كل القرآن.

ثم أتبع أوصاف الأشقياء أحوال السعداء فقال: ﴿ وقيل للذين اتقوا ﴾ الآية.

وإنما ذكر الجواب ههنا بالنصب ليكون الجواب مطابقاً مكشوفاً بيناً من غير تلعثم أي أنزل خيراً أو ﴿ قالوا خيراً ﴾ لا شراً كما قاله الكفار، أو قالوا قولاً خيراً ولو رفعوا لأوهم أنه كلام مستأنف كما في جواب الكفار وليس بمنزل.

روي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي  فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف كما مر، فكان الوافد يقول: كيف أرجع إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه.

فيلقى أصحاب رسول الله  ويخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث فهم الذين قالوا خيراً.

وجوّز في الكشاف أن يكون ﴿ للذين أحسنوا ﴾ وما بعده بدلاً من ﴿ خيراً ﴾ كأنه فسر الخبر بهذا القول، وجوّز أن يكون كلاماً مبتدأ على سبيل الوعد فيكون قولهم الخير من جملة إحسانهم.

أما قوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ فإما أن يتعلق بما قبله فالمعنى: الذين جاءُوا بالإحسان في هذه الدنيا لهم في الآخرة ﴿ حسنة ﴾ هي الثواب العظيم أو المضاعف إلى سبعمائة أو أكثر، وإما أن يتعلق بما بعده والتقدير: الذين أحسنوا لهم الحسنة في الدنيا باستحقاق المدح والثناء، أبو بالظفر على أعداء الدين باللسان والسنان وفتح البلاد، أو بفتح أبواب المكاشفات والمشاهدات.

والحاصل أن لهم في الدنيا مكافأة بإحسانهم.

﴿ ولدار الآخرة خير ﴾ منها.

ثم بين الخيرية بقوله: ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ دار الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره.

ثم قال: ﴿ جنات عدنٍ ﴾ أي هي هذه فيكون المبتدأ محذوفاً أو الجنات مبتدأ وما بعدها خبر أو ﴿ جنات عدن ﴾ هي المخصوص بالمدح.

فالجنات يدل على القصور والبساتين، والعدن على الدوام والإقامة.

وقوله: ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ على أنه حصل هناك أبنية مرتفعة هم عليها والأنهار تجري من تحتهم.

وقوله: ﴿ لهم فيها ما يشاءُون ﴾ أبلغ من قوله في موضع آخر ﴿ فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين  ﴾ وفي تقديم الظرف دلالة على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده إلا في الجنة، وقوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ﴾ أكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح.

وقوله: ﴿ طيبين ﴾ أي طاهرين عن دنس الكفر والمعاصي أو دنس الكفر وحده، وهذه كلمة جامعة تشمل أنواع البراءة عن العلائق الجسمانية فلا يكون لصاحب هذه الحالة تألم بالموت دليله قوله: ﴿ يقول سلام عليكم ﴾ يروى أنه إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فيقول: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام وبشره بالجنة فذلك قوله: ﴿ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ﴾ وعن الحسن أن المراد بهذا التوفي هو وفاة الحشر لأنه لا يقال عند قبض الروح في الدنيا ادخلوا الجنة.

والأولون قالوا: البشارة بالجنة بمنزلة الدخول فيها.

قوله  : ﴿ هل ينظرون ﴾ قيل: إنه جواب شبهة أخرى لمنكري النبوة فإنهم طلبوا من النبي  أن ينزل عليهم ملكاً من السماء يشهد على صدقه في ادّعاء النبوة فقال تعالى: هل ينظرون في تصديق نبوتك ﴿ إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ شاهدين بذلك.

ويحتمل أن يقال: إنهم لما طعنوا في القرآن بأنه أساطير الأولين أوعدهم الله  بما أوعد، ثم وصف القرآن بكونه حقاً وصدقاً وذكر جزاء المتقين ثم ذكر أن أولئك الكفار لا ينزجرون عن كفرهم بسبب البيانات التي ذكرناها إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد أو لقبض الأرواح أو أتاهم أمر ربك وهو العذاب المستأصل أو القيامة ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ فأصابهم الهلاك المعجل ﴿ وما ظلمهم الله ﴾ بتدميرهم فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم ﴿ فأصابهم سيئات ما عملوا ﴾ أي جزاء سيئات أعمالهم أو هو من باب الطباق والمشاكلة كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ ﴿ وحاق بهم ﴾ .

أي نزل بهم على وجه الإحاطة عقاب استهزائهم.

الشبهة الثالثة لمنكري النبوة أنهم تشبثوا بمسألة الجبر فقالوا: ﴿ لو شاء الله ما عبدنا ﴾ الآية.

وقد مر في تفسير مثلها في آخر سورة الأنعام، وذكرنا أسرار المتشابه هناك وكذا استدلال المعتزلة بها وجواب الأشاعرة عنها.

وزاد بعض الأشاعرة فقالوا: إن المشركين ذكروا هذا الكلام على وجه الاستهزاء كما قال قوم شعيب ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد  ﴾ ولو قالوا ذلك معتقدين كانوا مؤمنين.

وقال آخرون: إنه  أجاب عن شبهتهم وهي أنه لما كان الكل من الله كان بعثه الأنبياء عبثاً بقوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ يعني أنهم اعترضوا على أحكام الله وطلبوا لها العلة فعل من تقدمهم من الكفرة ﴿ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ﴾ أي ما عليهم إلا التبليغ فإما تحصيل الإيمان فليس إليهم.

ثم إنه أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنهم من حقت عليه الضلالة ﴾ وفيه دلالة على أن أمر الله قد لا يوافق إرادته فإنه يأمر الكل بالإيمان ولا يريد الهداية إلا للبعض إذّ لو أرادها للكل لم يكفر أحد ولم ينزل العذاب على قوم لكنه كفر ونزل لقوله: ﴿ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين  ﴾ .

ثم خصص الخطاب قائلاً لرسوله ﴿ إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ﴾ لا يرشد أحداً أضله، قال ابن عباس: وقال الفراء: لا يهدي معناه لا يهتدي: ومن قرأ على البناء للمفعول فمعناه لا تقدر أنت ولا أحد على هداية من أضله الله فلن يكون مهدياً منصوراً، ولا يخفى أن أول الآية ظاهره يوافق مذهب المعتزلة.

أما قوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ إلى آخر الآيات فإنهم قد صاروا فيه إلى التأويل فقالوا: معناه أن متقدميهم أشركوا وحرموا حلال الله فلما نبهوا على قبح فعلهم أسندوه إلى الله ﴿ فهل على الرسل إلا ﴾ أن يبلغوا الحق وأن الله بريء من الظلم وخلق القبائح والمنكرات، وما من أمة إلا وقد بعث الله فيهم رسولاً يأمرهم بالخير الذي هو عبادة الله وينهاهم عن الشر الذي هو طاعة الطاغوت.

﴿ فمنهم من هدى الله ﴾ لأنه من أهل اللطف، ومنهم من ثبت عليه الخذلان لأنه عرفه مصمماً على الكفر، أو المراد منهم من حكم الله عليه بالاهتداء ومنهم من صار محكوماً عليه بالضلال لظهور ضلاله، أو منهم من هداه الله إلى الجنة ومنهم من أضله عنها.

﴿ فسيروا في الأرض فانظروا ﴾ ما فعلت بالمكذبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أني لا أقدر الشر ولا أشاؤه.

ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله  على إيمانهم وعرفه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة، وأنه لا يلطف بمن يخذل لأنه عبث والله  متعال عن العبث.

فهذا تفسير الفريقين لاشتمال آيات مسألة الجبر والقدر على الجهتين وعليك الاختيار بعقلك دون هواك.

الشبهة الرابعة قدحهم في الحشر والنشر ليلزم إبطال النبوة وذلك أنهم ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ أي أغلاظ الأيمان كما في "المائدة" كأنهم ادّعوا علماً ضرورياً بأن الشيء إذا فني وصار عدماً محضاً فإنه لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئاً آخر فأكدوا ادعاءهم بالقسم الغليظ فأجاب الله عن شبهتهم بقوله: ﴿ بلى ﴾ وهو إثبات لما بعد النفي أي بلى يبعثهم وقوله: ﴿ وعداً ﴾ مصدر مؤكد لما دل عليه "بلى" لأن يبعث موعد من الله أي وعد البعث ﴿ وعدا عليه حقاً ﴾ لا خلاف فيه ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم يبعثون أو أن وعد الله حق.

ثم ذكر لمية حقية البعث فقال ﴿ ليبين ﴾ أي يبعث كل من يموت من المؤمنين والكافرين ليبين ﴿ لهم ﴾ الحق الذي اختلفوا فيه بياناً عيانياً لا يشتبه فيه المطيع بالمعاصي والمحق بالمبطل والمظلوم بالظالم والصادق بالكاذب.

وجوز بعضهم أن يكون قوله: ﴿ ليبين ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ولقد بعثنا ﴾ أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا به وأنهم كانوا على الضلالة قبله مفترين على الله الكذب في ادعاء الشريك له وفي قولهم بمجرد هواهم هذا حلال الله وهذا حرام.

ثم برهن على إمكان البعث بقوله: ﴿ إنما قولنا ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ أن نقول ﴾ وقد فسرنا مثل هذه الآية في سورة البقرة، وذكرنا فيه مباحث عميقة لفظية ومعنوية فلا حاجة إلى الإعادة.

والغرض أنه  لا مانع له من الإيجاد والإعدام ولا تتوقف آثار قدرته إلا على مجرد الإرادة والمشيئة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو أهون من الإبداء؟!

قال في الكشاف: قرىء ﴿ فيكون ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ نقول ﴾ قلت: ولا مانع من كونه منصوباً بإضمار "أن" لوقوعه في جواب الأمر بعد الفاء وقد مر في "البقرة".

احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم القرآن قال: إنه لو كان حادثاً لافتقر إلى أن يقال له "كن".

ثم الكلام في هذا اللفظ كالكلام في الأوّل وتسلسل، والجواب بعد تسليم أن هذا ليس مثلاً وأن ثم قولاً أن "إذا" لا تفيد التكرار فلا يلزم في كل ما يحدثه الله  إلى أن يقول له" كن".

وكيف يتصور أن تكون لفظة "كن" قديمة والكاف مقدم على النون بزمان محصور، ولو سلم فلا يجوز من قدم لفظة "كن" قدم القرآن.

على أن قوله: ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه ﴾ يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة وما كان كذلك فهو محدث وأنه علق القول بكلمة "إذا" ولا شك أنها للاستقبال وكذا قوله: ﴿ أن نقول ﴾ ثم إن كلمة ﴿ كن ﴾ متقدمة على المكون بزمان واحد، والمتقدم على المحدث بزمان يكون محدثاً، فتلخص من هذه الدلائل أن الكلام المسموع لا بد أن يكون محدثاً.

هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ولعل لنا فيه نظراً.

ولما حكى الله  عن الكفار ما حكى من إنكار البعث والجزاء لم يبعد منهم - والحالة هذه - إيذاء المسلمين وإنزال الضرر والهوان بهم وحينئذٍ يلزمهم أن يهاجروا تلك الديار فذكر ثواب المهاجرين قائلاً ﴿ والذين هاجروا في الله ﴾ أي في حقه وسبيله ﴿ من بعد ما ظلموا لنبوّئنهم في الدنيا ﴾ مثوبة ﴿ حسنة ﴾ أو مباءة حسنة هي المدينة أوهم أهلها ونصروهم قاله الحسن والشعبي وقتادة.

وقيل: لننزلنهم منزلة حسنة هي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، بل على العرب قاطبة بل على أهل المشرق والمغرب.

قال ابن عباس: نزلت الآية في جماعة - منهم صهيب وبلال وعمار وخباب- جعل المشركون يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام فقال صهيب: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فافتدى منهم بماله وهاجر، فلما رآه أبو بكر قال له: ربح البيع يا صهيب، وقال له عمر: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه.

أما الضمير في قوله: ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ فإما أن يرجع إلى الكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المستضعفين خير الدارين لرغبوا في دينهم، وإما أن يعود إلى المهاجرين أي لو علموا أن أجر الآخرة أكبر لزادوا في اجتهادهم وصبرهم.ثم مدحهم بقوله: ﴿ الذين صبروا ﴾ على هم الذين أو أعني الذين.

والمراد صبرهم على العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله، وعلى المجاهدة في سبيل الله بالنفوس والأموال.

قال المحققون: الصبر حبس النفس على خلاف ما تشتهيه من اللذات العاجلة وهو مبدأ السلوك، والتوكل هو الانقطاع بالكلية عما سوى الحق وهو آخر الطريق والله ولي التوفيق.

فإن العارفين بالصبر ساروا وبالتوكل طاروا ثم في الله حاروا حسبي الله ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .

أي: قال الأتباع للرؤساء: ماذا أنزل ربكم؟

قال الرؤساء: أنزل أساطير الأولين، [أو يخرج على الإضمار، كأنهم قالوا لهم: ماذا يقول إنه أنزل ربكم عليه؟

فقالوا عند ذلك: أساطير الأولين، وإلا لا يحتمل أن يكون ذكروا أساطير الأولين] جواب سؤالهم: ماذا أنزل ربكم؟

مفرداً؛ لأنهم كانوا يقرون بالله بقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وهؤلاء شفعاؤنا عند الله؛ فلا يحتمل أن يكونوا إذا سئلوا ماذا أنزل ربكم؛ فيقولون: أساطير الأولين إلا أن يكون في السؤال زيادة قول، أو في الجواب إضمار؛ فيكون - والله أعلم - كأنه قال: وإذا قيل لهم: ماذا يزعم هذا أنه أنزل عليه ربكم؟

قالوا عند ذلك: إنه يقول: أساطير الأولين؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ  ﴾ أي: قالوا: يا أيها الذي يزعم أنه نزل عليه الذكر.

أو يكون قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ فقالوا: لم ينزل الله شيئاً إنما يقول أساطير الأولين، ومثل هذا يحتمل أن يكون.

وقوله: ﴿ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ قال أبو عوسجة: أحاديث الأولين والواحد أسطور، وهي الأحاديث المختلقة؛ كقوله: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ  ﴾ ؛ أي: لا أصل له؛ وأصله الكذب.

وهكذا عادة أولئك الكفرة يقولون للأنباء: أساطير الأولين، وكانوا ينسبون ما يقرأ عليهم إلى السحر، ولو كان في الحقيقة سحراً أو أحاديث الأولين كان دليلا له.

أو قالوا ذلك على الاستهزاء [له]، وذلك جائز أن يخرج قولهم ذلك على الاستهزاء.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: [أنه يحتمل:] أنهم يحملون أوزارهم كاملة؛ يعني الذين قالوا للرسل: أساطير الأولين، ومن أوزار الذين يقلدون رسلهم، ووفدهم الذين بعثوا عن السؤال عن رسول الله  ؛ فحملوا أوزار أنفسهم؛ وأوزار [الرسل وأوزار] الذين يقلدون الرسل ويقتدون بهم بغير علم؛ لأنهم لم يعلموا أن أولئك يقتدون بالرسل فيضلون، وهم وإن لم يعلموا فذلك عليهم؛ لأنهم هم الذين سنوا ذلك؛ وهو كما روي: "من سَنَّ سنّة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" ويحتمل: ليحملوا أوزارهم ومن أوزار الذين طمعوا الإسلام؛ إذا أسلموا سقط تلك الأوزار عنهم.

وقوله: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ ﴾ : هم لم يفعلوا ما فعلوا ليحملوا أوزارهم، ولكن معناه - والله أعلم - أي: ليصيروا حاملين لأوزارهم والذين أضلّوهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يحتمل ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أي: بسفه.

﴿ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ أي: ساء ما يحملون.

وقوله: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أي: لم يعلموا أن تصير أوزارهم عليهم، أو لم يعلموا ما يلحق بهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ .

لم يزل كانت عادة الكفرة بالمكر برسل الله؛ والكيد لهم، وكذلك مكر كفار مكة برسول الله، يذكر هذا - والله أعلم - لرسول الله ليصبره على أذاهم إياه؛ كما صبر أولئك على مكر قومهم وترك مكافأتهم إياهم؛ كقوله: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ .

ثم مكرهم الذي ذكر كان يخرج على وجهين: أحدهما: فيما جاءت به الرسل؛ كانوا يتكلفون تلبيس ما جاءت به الرسل على قومهم.

والثاني: يرجع مكرهم إلى أنفس الرسل؛ من الهم بقتلهم وإخراجهم من بين أظهرهم؛ ونحوه، فخوف بذلك أهل مكة بصنيعهم لرسول الله؛ أن ينزل بهم كما نزل بأولئك الذين مكروا برسلهم؛ لئلا يعاملوه بمثل معاملة أولئك رسلهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ ﴾ .

قال الحسن: هذا على التمثيل بالبناء الذي بني على غير أساس؛ ينهدم ولا يعلم من أي: سبب انهدم، فعلى ذلك مكرهم يبطل ويتلاشى؛ كالبناء الذي بني على غير أساس ويشبه أن يكون على التمثيل من غير هذا الوجه؛ وهو أنهم قد مكروا وأحكموا مكرهم بهم؛ فيتحصنون بذلك؛ كالبناء الذي يتحصن به؛ فأبطل الله مكرههم؛ كقوله: ﴿ وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً...

﴾ الآية [النمل: 50]، وقوله: ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [آل عمران: 54].

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ .

هو ما ذكرنا من إبطال مكرهم الذي به كانوا يتحصنون؛ كوقوع السقف الذي به يتحصن من أنواع الأذى والشرور.

ويحتمل على التحقيق؛ وهو ما نزل بقوم لوط؛ من الخسف، وتقليب البنيان، وإمطار الحجر عليها.

وأما ما ذكر بعض أهل التأويل: من الصرح [الذي] بنى نمرود وبنيانه، ووقوعه عليهم؛ فإنا لا نعلم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .

كذلك كان يأتي العذاب الظلمة الكذبة؛ من حيث لا علم لهم بذلك؛ كقوله: ﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً...

﴾ الآية [الأعراف: 95] وقوله: ﴿ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ  ﴾ هو من الإتيان، ومعلوم أنه لا يفهم من إتيانه الانتقال من مكان إلى مكان، ولكن إتيان عذابه، أضيف إليه الإتيان؛ لما بأمره يأتيهم، ومنه [...]، فعلى ذلك لا يفهم من قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ...

﴾ الآية [البقرة: 210] إتيانُ الانتقال ومجيئه من مكان إلى مكان، وقد ذكرنا هذا وأمثاله في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ ﴾ .

أخبر أنه يخزيهم يوم القيامة بعد ما عذبهم في الدنيا؛ بقوله: ﴿ وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ يُخْزِيهِمْ ﴾ : قال أهل التأويل: يعذبهم، وكأن الإخزاء هو الإذلال، والإهانة، والفضح، يذلهم، ويهينهم، ويفضحهم في الآخرة؛ مكان ما كان منهم من الاستكبار، والتجبر على النبي وأصحابه، وكذلك قوله: ﴿ يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ  ﴾ أي: لا يذلهم، ولا يهينهم؛ لتواضعه للمؤمنين، وخفض جناحه لهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ أي: تعادون أوليائي فيهم، أو تعادونني فيهم.

وقوله: ﴿ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ﴾ ليس له بشركاء؛ ولكن أضاف إلى نفسه: شركائي؛ على زعمهم في الدنيا أنها شركاؤه، وكذلك قوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ أي: إلى ما في زعمهم؛ وتسميتهم إياها آلهة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ﴾ أي: كنتم تخالفون فيهم وتعادون؛ أي: تخالفون المؤمنين في عبادتهم إياها؛ لأنهم يقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، وهم شفعاؤنا عند الله، ونحوه، كانوا يخالفون المؤمنين، وكانوا يشاقّون في ذلك؛ إلا أنه أضاف ذلك إلى نفسه لأنهم أولياؤه، وأنصار دين الله، وأضاف إليه المخالفة والمشاقّة لأنهم خالفوا أمر الله.

وقوله: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ .

قال أهل التأويل: الذي أوتوا العلم الملائكة الكرام الكاتبون، [لكن] هم وغيرهم من المؤمنين محتمل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ أي: الذل والهوان والافتضاح وكل سوء على الكافرين هكذا يقابل كل معاند ومكابر في حجج الله وبراهينه مكان استكبارهم وتجبرهم في الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ﴾ .

قال الحسن: تتوفاهم الملائكة من بين يدي الله يوم الحساب إلى النار.

وقال بعضهم: تتوفاهم الملائكة - وقت قبض أرواحهم - ظالمي أنفسهم بالشرك والكفر بالله.

وعلى تأويل الحسن: يكون قوله: ﴿ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ في الدنيا، ويجوز أن يوصفوا بالظلم في الآخرة أيضاً؛ بكذبهم فيها في قولهم: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ ﴾ وقولهم: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ وأمثاله من الكذب؛ حيث ينكرون الإشراك في ألوهية الله وعبادته، كأن هذا الإنكار والكذب منهم في أول حالهم، ظنّاً منهم أن ذلك ينفعهم، فإذا لم ينفعهم إنكارهم طلبوا الرد إلى الدنيا، أو إلى حال الأمن؛ ليعملوا غير الذي عملوا؛ كقولهم: ﴿ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ  ﴾ فإذا لم يردّوا وأيسوا عن ذلك؛ فعند ذلك أنطق الله جوارحهم؛ حتى تشهد عليهم بما كان منهم فعند ذلك يقرون، ويعترفون بذنوبهم؛ كقوله: ﴿ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ ﴾ قال بعضهم: يسلمون ويستسلمون لأمر الله، ولكن لو كان ما ذكروا لم يكونوا ينكرون عمل السوء، كقولهم: ما كنا نعمل من سوء.

وقال بعضهم: ﴿ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ ﴾ : هو الاستخزاء، والخضوع والتضرع.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ ﴾ عند الموت يؤمنون عند معاينة ذلك، أو سلموا عليهم في الآخرة على ما رأوا في الدنيا المؤمنين يسلم بعضهم على بعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ ﴾ في الآخرة، والله أعلم بذلك، فأكذبهم الله في قولهم: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ ﴾ ؛ فقال: ﴿ بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ هذا وعيد يخبر ألا يجوز كذبهم في الآخرة، ولا يحتمل كما جاز في الدنيا؛ ولم يظهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ وقوله: ﴿ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ أي: بئس مقام المتكبرين الذين تكبروا على دين الله، أو تكبروا على ما جاء به الرسل من الله، وما أنزل الله عليهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ثم يوم القيامة يهينهم الله بالعذاب، ويذلهم به، ويقول لهم: أين شركائي الذين كنتم تشركونهم معي في العبادة، وكنتم تعادون أنبيائي والمؤمنين بسببهم؟

قال العلماء الربانيون: إن الهوان والعذاب يوم القيامة واقع على الكافرين.

<div class="verse-tafsir" id="91.Ojgnr"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
أستغفر الله