تفسير الآية ٤٠ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٤٠ من سورة النحل

إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَـٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 87 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٤٠ من سورة النحل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٤٠ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم أخبر تعالى عن قدرته على ما يشاء ، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له : " كن " فيكون ، والمعاد من ذلك إذا أراد كونه فإنما يأمر به مرة واحدة ، فيكون كما يشاء ، كما قال ( وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ) [ القمر : 50 ] وقال : ( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ) [ لقمان : 28 ]وقال في هذه الآية الكريمة : ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) [ النحل : 40 ] أي : أن يأمر به دفعة واحدة فإذا هو كائن ، كما قال الشاعر : إذا ما أراد الله أمرا فإنما يقول له : " كن " قولة فيكون أي : أنه تعالى لا يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به ، فإنه تعالى لا يمانع ولا يخالف ؛ لأنه [ هو ] الواحد القهار العظيم ، الذي قهر سلطانه وجبروته وعزته كل شيء ، فلا إله إلا هو ولا رب سواه .

وقال ابن أبي حاتم : ذكر الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، أخبرني عطاء : أنه سمع أبا هريرة يقول : قال الله تعالى : سبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يسبني ، وكذبني ولم يكن ينبغي له أن يكذبني ، فأما تكذيبه إياي فقال : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ) قال : وقلت : ( بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) وأما سبه إياي فقال : ( إن الله ثالث ثلاثة ) [ المائدة : 73 ] وقلت : ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) [ سورة الإخلاص ] .

هكذا ذكره موقوفا ، وهو في الصحيحين مرفوعا ، بلفظ آخر .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: إنا إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائناهم، ولا في غير ذلك ما نخلق ونكوّن ونحدث ، لأنا إذا أردنا خلقه وإنشاءه ، فإنما نقول له كن فيكون، لا معاناة فيه ، ولا كُلفة علينا.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: يكون ، فقرأه أكثر قرّاء الحجاز والعراق على الابتداء، وعلى أن قوله (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ) كلام تامّ مكتف بنفسه عما بعده، ثم يبتدأ فيقال: فيكون، كما قال الشاعر: يُريدُ أنْ يُعْرِبَهُ فيعجِمُهْ (1) وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل الشام وبعض المتأخرين من قرّاء الكوفيين (فَيَكُونَ) نصبا، عطفا على قوله ( أَنْ نَقُولَ لَهُ ) وكأن معنى الكلام على مذهبهم: ما قولنا لشيء إذا أردناه إلا أن نقول له: كن، فيكون.

وقد حُكي عن العرب سماعا: أريد أن آتيك فيمنعني المطر، عطفا بيمنعني على آتيك .

------------------------ الهوامش: (1) هذا بيت من مشطور الرجز من شواهد الفراء في معاني القرآن (ص 161) والشاهد في البيت: أن قوله فيعجمه بالرفع ليس معطوفاً على أن يعربه وإنما هو كلام مستأنف، أي فهو يعجمه ولا يعربه.

ومثله قوله تعالى: (أن نقول له كن فيكون) بالرفع وليس معطوفاً على "أن نقول".

ومثله أيضاً قوله تعالى: (ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل) بالرفع، وليس بالنصب على الجواب للنفي ومثله قوله تعالى: (لنبين لكم، ونقر في الأرحام) برفع نقر على الاستئناف وقوله تعالى في براءة: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) ثم قال: (ويتوب الله على من يشاء) .

قال الفراء: فإذا رأيت الفعل منصوبًا، وبعده فعل قد نسق عليه بواو أو فاء أو ثم، فإن كان يشاكل معنى الفعل الذي قبله، نسقته عليه، وإن رأيته غير مشاكل لمعناه، استأنفته فرفعته.

ومنه قوله: والشِّــعْرُ لا يَسْـتَطِيعُهُ مَـنْ يَظْلِمُـهْ يُرِيـــدُ أنْ يُعْربَـــهُ فَيُعْجِمُـــهْ

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون [ ص: 96 ] أعلمهم سهولة الخلق عليه ، أي إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائهم ، ولا في غير ذلك مما نحدثه ; لأنا إنما نقول له كن فيكون .

قراءة ابن عامر والكسائي فيكون نصبا عطفا على أن نقول .

وقال الزجاج : يجوز أن يكون نصبا على جواب كن .

الباقون بالرفع على معنى فهو يكون .

وقد مضى القول فيه في " البقرة " مستوفى وقال ابن الأنباري : أوقع لفظ الشيء على المعلوم عند الله قبل الخلق لأنه بمنزلة ما وجد وشوهد .

وفي الآية دليل على أن القرآن غير مخلوق ; لأنه لو كان قوله : كن مخلوقا لاحتاج إلى قول ثان ، والثاني إلى ثالث وتسلسل وكان محالا .

وفيها دليل على أن الله سبحانه مريد لجميع الحوادث كلها خيرها وشرها نفعها وضرها ; والدليل على ذلك أن من يرى في سلطانه ما يكرهه ولا يريده فلأحد شيئين : إما لكونه جاهلا لا يدري ، وإما لكونه مغلوبا لا يطيق ، ولا يجوز ذلك في وصفه سبحانه ، وقد قام الدليل على أنه خالق لاكتساب العباد ، ويستحيل أن يكون فاعلا لشيء وهو غير مريد له ; لأن أكثر أفعالنا يحصل على خلاف مقصودنا وإرادتنا ، فلو لم يكن الحق سبحانه مريدا لها لكانت تلك الأفعال تحصل من غير قصد ; وهذا قول الطبيعيين ، وقد أجمع الموحدون على خلافه وفساده .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيتين 39 و40 :ـ { لِيُبَيِّنَ لَهُم الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ْ} من المسائل الكبار والصغار، فيبين حقائقها ويوضحها.

{ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ ْ} حين يرون أعمالهم حسرات عليهم، وما نفعتهم آلهتهم التي يدعون مع الله من شيء لما جاء أمر ربك، وحين يرون ما يعبدون حطبا لجهنم، وتكور الشمس والقمر وتتناثر النجوم، ويتضح لمن يعبدها أنها عبيد مسخرات، وأنهن مفتقرات إلى الله في جميع الحالات، وليس ذلك على الله بصعب، ولا شديد فإنه إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون، من غير منازعة ولا امتناع، بل يكون على طبق ما أراده وشاءه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) يقول الله تعالى : إذا أردنا أن نبعث الموتى فلا تعب علينا في إحيائهم ، ولا في شيء مما يحدث ، إنما نقول له : كن ، فيكون .

أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي ، حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن همام بن منبه ، حدثنا أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال الله : كذبني عبدي ، ولم يكن ذلك له ، وشتمني عبدي ولم يكن ذلك له ، فأما تكذيبه إياي ، أن يقول : لن يعيدنا كما بدأنا ، وأما شتمه إياي ، أن يقول : اتخذ الله ولدا ، وأنا الصمد ، لم ألد ، ولم يكن لي كفوا أحد " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنما قوْلنا لشيء إذا أردناه» أي أردنا إيجاده وقولنا مبتدأ خبره «أن نقول له كن فيكونُ» أي فهو يكون وفي قراءة بالنصب عطفاً على نقول والآية لتقرير القدرة على البعث.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنَّ أمر البعث يسير علينا، فإنَّا إذا أردنا شيئًا فإنما نقول له: "كن"، فإذا هو كائن موجود.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - ( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) استئناف لتأكيد قدرة الله - تعالى - النافذة ، وشمولها لكل شئ من بعث وغيره ، وذلك لأن الكفار لما أقسموا بالله جهد أيمانهم بأنه - سبحانه - لا يبعث الموتى ، ورد عليهم بما يبطل مزاعمهم ، أتبع ذلك ببيان أن قدرته - تعالى - لا يتعاصى عليها شئ ، ولا يحول دون نفاذها حائل .قال الإِمام ابن كثير : " أخبر - سبحانه - عن قدرته على ما يشاء ، وأنه لا يعجزه شئ فى الأرض ولا فى السماء ، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له ( كن فيكون ) .

والمراد من ذلك إذا أراد كونه ، فإنما يأمر به مرة واحدة فيكون كما يشاء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو الشبهة الرابعة لمنكري النبوة فقالوا القول بالبعث والحشر والنشر باطل، فكان القول بالنبوة باطلاً.

أما المقام الأول: فتقريره أن الإنسان ليس إلا هذه البينة المخصوصة، فإذا مات وتفرقت أجزاؤه وبطل ذلك المزاج والاعتدال امتنع عوده بعينه، لأن الشيء إذا عدم فقد فنى ولم يبق له ذات ولا حقيقة بعد فنائه وعدمه، فالذي يعود يجب أن يكون شيئاً مغايراً للأول فلا يكون عينه.

وأما المقام الثاني: وهو أنه لما بطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة وتقريره من وجهين: الأول: أن محمداً كان داعياً إلى تقرير القول بالمعاد، فإذا بطل ذلك ثبت أنه كان داعياً إلى القول الباطل ومن كان كذلك لم يكن رسولاً صادقاً.

الثاني: أنه يقرر نبوة نفسه ووجوب طاعته بناء على الترغيب في الثواب والترهيب عن العقاب، وإذا بطل ذلك بطلت نبوته.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ ﴾ معناه أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن الشيء إذا فنى وصار عدماً محضاً ونفياً صرفاً، فإنه بعد هذا العدم الصرف لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئاً آخر غيره.

وهذا القسم واليمين إشارة إلى أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن عوده بعينه بعد عدمه محال في بديهة العقل: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم ﴾ على أنهم يجحدون في قلوبهم وعقولهم هذا العلم الضروري، وأما بيان أنه لما بطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة فلم يذكره على سبيل التصريح، لأنه كلام جلي متبادر إلى العقول فتركوه لهذا العذر.

ثم إنه تعالى بين أن القول بالبعث ممكن ويدل عليه وجهان: الوجه الأول: أنه وعد حق على الله تعالى، فوجب تحقيقه، ثم بين السبب الذي لأجله كان وعداً حقاً على الله تعالى، وهو التمييز بين المطيع وبين العاصي، وبين المحق والمبطل، وبين الظالم والمظلوم، وهو قوله: ﴿ لِيُبَيّنَ لَهُمُ الذي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الذين كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كاذبين ﴾ وهذه الطريقة قد بالغنا في شرحها وتقريرها في سورة يونس.

والوجه الثاني: في بيان إمكان الحشر والنشر أن كونه تعالى موجداً للأشياء ومكوناً لها لا يتوقف على سبق مادة ولا مدة ولا آلة، وهو تعالى إنما يكونها بمحض قدرته ومشئته، وليس لقدرته دافع ولا لمشيئته مانع فعبر تعالى عن هذا النفاذ الخالي عن المعارض بقوله: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَئ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وإذا كان كذلك، فكما أنه تعالى قدر على الإيجاد في الإبتداء وجب أن يكون قادراً عليه في الإعادة، فثبت بهذين الدليلين القاطعين أن القول بالحشر والنشر والبعث والقيامة حق وصدق، والقول إنما طعنوا في صحة النبوة بناء على الطعن في هذا الأصل، فلما بطل هذا الطعن بطل أيضاً طعنهم في النبوة، والله أعلم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم ﴾ حكاية عن الذين أشركوا، وقوله: ﴿ بلى ﴾ إثبات لما بعد النفي، أي بلى يبعثهم، وقوله: ﴿ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا ﴾ مصدر مؤكد أي وعد بالبعث وعداً حقاً لا خلف فيه، لأن قوله يبعثهم دل على قوله وعد بالبعث، وقوله: ﴿ لِيُبَيّنَ لَهُمُ الذي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ من أمور البعث أي بلى يبعثهم ليبين لهم وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين فيما أقسموا فيه.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَئ إِذآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ إن كان خطاباً مع المعدوم فهو محال، وإن كان خطاباً مع الموجود كان هذا أمراً بتحصيل الحاصل وهو محال.

والجواب: أن هذا تمثيل لنفي الكلام والمعاياة وخطاب مع الخلق بما يعقلون، وليس خطاباً للمعدوم، لأن ما أراده الله تعالى فهو كائن على كل حال وعلى ما أراده من الإسراع، ولو أراد خلق الدنيا والآخرة بما فيهما من السموات والأرض في قدر لمح البصر لقدر على ذلك، ولكن العباد خوطبوا بذلك على قدر عقولهم.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ قَوْلُنَا ﴾ مبتدأ و ﴿ أَن نَّقُولَ ﴾ خبره و ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ من كان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود أي إذا أردنا حدوث شيء فليس إلا أن نقول له أحدث فيحدث عقيب ذلك من غير توقف.

المسألة الثالثة: قرأ ابن عامر والكسائي ﴿ فَيَكُونُ ﴾ بنصب النون، والباقون بالرفع قال الفراء: القراءة بالرفع وجهها أن يجعل قوله: ﴿ أَن نَّقُولَ لَهُ ﴾ كلاماً تاماً ثم يخبر عنه بأنه سيكون كما يقال: إن زيداً يكفيه إن أمر فيفعل فترفع قولك فيفعل على أن تجعله كلاماً مبتدأ، وأما القراءة بالنصب فوجهه أن تجعله عطفاً على أن نقول، والمعنى: أن نقول كن فيكون هذا قول جميع النحويين، قال الزجاج: ويجوز أن يكون نصباً على جواب ﴿ كُنَّ ﴾ قال أبو علي لفظة كن وإن كانت على لفظة الأمر فليس القصد بها هاهنا الأمر إنما هو والله أعلم الإخبار عن كون الشيء وحدوثه، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ يبطل قوله إنه نصب على جواب ﴿ كُنْ ﴾ ، والله أعلم.

المسألة الرابعة: احتج بعض أصحابنا بهذه الآية على قدم القرآن فقالوا قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَئ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ يدل على أنه تعالى إذا أراد إحداث شيء قال له كن فيكون، فلو كان قوله: ﴿ كُنْ ﴾ حادثاً لافتقر إحداثه إلى أن يقول له كن وذلك يوجب التسلسل، وهو محال فثبت أن كلام الله قديم.

واعلم أن هذا الدليل عندي ليس في غاية القوة، وبيانه من وجوه: الوجه الأول: أن كلمة ﴿ إِذَا ﴾ لا تفيد التكرار، والدليل عليه أن الرجل إذا قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت الدار مرة طلقت طلقة واحدة فلو دخلت ثانياً لم تطلق طلقة ثانية فعلمنا أن كلمة إذا لا تفيد التكرار، وإذا كان كذلك ثبت أنه لا يلزم في كل ما يحدثه الله تعالى أن يقول له كن فلم يلزم التسلسل.

والوجه الثاني: أن هذا الدليل إن صح لزم القول بقدم لفظه كن وهذا معلوم البطلان بالضرورة، لأن لفظة: كن، مركبة من الكاف والنون، وعند حضور الكاف لم تكن النون حاضرة وعند مجيء النون تتولى الكاف، وذلك يدل على أن كلمة كن يمتنع كونها قديمة، وإنما الذي يدعي أصحابنا كونه قديماً صفة مغايرة للفظة كن، فالذي تدل عليه الآية لا يقول به أصحابنا، والذي يقولون به لا تدل عليه الآية فسقط التمسك به.

والوجه الثالث: أن الرجل إذا قال إن فلاناً لا يقدم على قول، ولا على فعل إلا ويستعين فيه بالله تعالى فإن عاقلاً لا يقول: إن استعانته بالله فعل من أفعاله فيلزم أن يكون كل استعانة مسبوقة باستعانة أخرى إلى غير النهاية لأن هذا الكلام بحسب العرف باطل فكذلك ما قالوه.

والوجه الرابع: أن هذه الآية مشعرة بحدوث الكلام من وجوه: الوجه الأول: أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَئ إِذَا أَرَدْنَاهُ ﴾ يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة، وما كان كذلك فهو محدث.

والوجه الثاني: أنه علق القول بكلمة إذا، ولا شك أن لفظة إذا تدخل للاستقبال.

والوجه الثالث: أن قوله: ﴿ أَن نَّقُولَ لَهُ ﴾ لا خلاف أن ذلك ينبئ عن الاستقبال.

والوجه الرابع: أن قوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ يدل على أن حدوث الكون حاصل عقيب قوله: ﴿ كُنْ ﴾ فتكون كلمة ﴿ كُنْ ﴾ متقدمة على حدوث الكون بزمان واحد، والمتقدم على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثاً.

والوجه الخامس: أنه معارض بقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً  ﴾ ، ﴿ وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً  ﴾ .

﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث  ﴾ .

﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مّثْلِهِ  ﴾ ، ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إماماً وَرَحْمَةً  ﴾ .

فإن قيل: فهب أن هذه الآية لا تدل على قدم الكلام، ولكنكم ذكرتم أنها تدل على حدوث الكلام فما الجواب عنه؟.

قلنا: نصرف هذه الدلائل إلى الكلام المسموع الذي هو مركب من الحروف والأصوات، ونحن نقول بكونه محدثاً مخلوقاً.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قَوْلُنَا ﴾ مبتدأ، و ﴿ إِن نَّقُولُ ﴾ خبره.

﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ من كان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود، أي: إذا أردنا وجود شيء فليس إلا أن نقول له: احدث، فهو يحدث عقيب ذلك لا يتوقف، وهذا مثل لأنّ مراداً لا يمتنع عليه، وأنّ وجوده عند إرادته تعالى غير متوقف، كوجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور المطيع الممتثل، ولا قول ثم.

والمعنى: أنّ إيجاد كل مقدور على الله تعالى بهذه السهولة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من شق المقدورات.

وقرئ: ﴿ فيكون ﴾ ، عطفاً على ﴿ نَّقُولَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ﴾ أيْ يَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ لَهُمُ.

﴿ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ وهو الحَقُّ.

﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ ﴾ فِيما يَزْعُمُونَ، وهو إشارَةٌ إلى السَّبَبِ الدّاعِي إلى البَعْثِ المُقْتَضِي لَهُ مِن حَيْثُ الحِكْمَةِ، وهو المُمَيِّزُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والمُحِقِّ والمُبْطِلِ بِالثَّوابِ والعِقابِ ثُمَّ قالَ: ﴿ إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وهو بَيانُ إمْكانِهِ وتَقْرِيرُهُ أنَّ تَكْوِينَ اللَّهِ بِمَحْضِ قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ لا تَوَقُّفَ لَهُ عَلى سَبْقِ المَوادِّ والمُدَدِ، وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ فَكَما أمْكَنَ لَهُ تَكْوِينُ الأشْياءِ ابْتِداءً بِلا سَبْقِ مادَّةٍ ومِثالٍ أمْكَنَ لَهُ تَكْوِينُها إعادَةً بَعْدَهُ، ونَصَبَ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ ها هُنا وفي « يس» فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى نَقُولُ أوْ جَوابًا لِلْأمْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} أي فهو يكون وبالنصب شامي وعلي على جواب كن قولنا مبتدأ وأن نقول خبره وكن فيكون من كان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود أي إذا أردنا وجود شيء فليس إلا أن نقول له أحدث فهو يحدث بلا توقف وهذه عبارة عن سرعة الإيجاد يبين أن مراداً لا يمتنع عليه وأن وجوده عند إرادته غير متوقف كوجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذ أورد على المأمور المطيع الممتثل ولا قول ثَم والمعنى أن إيجاد كل مقدور على الله بهذه

النحل (٤١ _ ٤٦)

السهولة فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من بعض المقدورات

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّما قَوْلُنا ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ التَّكْوِينِ عَلى الإطْلاقِ ابْتِداءً أوْ إعادَةٌ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى آنِيَّةِ البَعْثِ ومِنهُ يُعْلَمُ كَيْفِيَّتُهُ- فَما- كافَّةٌ (وقَوْلُنا) مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِشَيْءٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ واللّامُ لِلتَّبْلِيغِ كَما في قَوْلِكَ: قُلْتُ لِزَيْدٍ قُمْ فَقامَ، وقالَ الزَّجّاجُ: هي لامُ السَّبَبِ أيْ لِأجْلِ إيجادِ شَيْءٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِواضِحٍ والمُتَبادَرُ مِنَ الشَّيْءِ هُنا المَعْدُومُ وهو أحَدُ إطْلاقاتِهِ، وقَدْ بَرْهَنَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ عَلى أنَّ إطْلاقَ الشَّيْءِ عَلى المَعْدُومِ حَقِيقَةٌ كَإطْلاقِهِ عَلى المَوْجُودِ وألَّفَ في ذَلِكَ رِسالَةً جَلِيلَةً سَمّاها جَلاءَ الفُهُومِ، ويُعْلَمُ مِنها أنَّ القَوْلَ بِذَلِكَ الإطْلاقِ لَيْسَ خاصًّا بِالمُعْتَزِلَةِ كَما هو المَشْهُورُ، ولِهَذا أوَّلَ هُنا مَن لَمْ يَقِفْ عَلى التَّحْقِيقِ مِنَ الجَماعَةِ فَقالَ: إنَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِذَلِكَ بِاعْتِبارِ وُجُودِهِ عِنْدَ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِهِ لا أنَّهُ كانَ شَيْئًا قَبْلَ ذَلِكَ.

وفِي البَحْرِ نَقْلًا عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ( لِشَيْءٍ ) وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ لَمّا كانَ وُجُودُهُ حَتْمًا جازَ أنْ يُسَمّى شَيْئًا وهو في حالِ العَدَمِ، والثّانِي أنَّ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي يُنْظَرُ فِيها وأنَّ ما كانَ مِنها مَوْجُودًا كانَ مُرادًا وقِيلَ لَهُ كُنْ فَكانَ فَصارَ مِثالًا لِما يَتَأخَّرُ مِنَ الأُمُورِ بِما تَقَدَّمَ، وفي هَذا مَخْلَصٌ مِن تَسْمِيَةِ المَعْدُومِ شَيْئًا اهـ، وفِيهِ مِنَ الخَفاءِ ما فِيهِ، (وأيًّا) ما كانَ فالتَّنْوِينُ لِلتَّنْكِيرِ أيْ لِشَيْءٍ أيَّ شَيْءٍ كانَ مِمّا عَزَّ وهانَ ﴿ إذا أرَدْناهُ ﴾ ظَرْفٌ- لِقَوْلِنا- أيْ وقْتَ تَعَلُّقِ إرادَتِنا بِإيجادِهِ ﴿ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ ﴾ في تَأْوِيلِ مَصْدَرِ خَبَرٍ لِلْمُبْتَدَأِ، واللّامُ في ( لَهُ ) كاللّامِ في (لِشَيْءٍ فَيَكُونُ) إمّا عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ ويَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ فَنَقُولُ ذَلِكَ فَيَكُونُ، وإمّا جَوابٌ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَإذا قُلْنا ذَلِكَ فَهو يَكُونُ، وقِيلَ: إنَّهُ بَعْدَ تَقْدِيرِ هو تَكُونُ الجُمْلَةُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ما أرَدْناهُ فَهو يَكُونُ، وكانَ في المَوْضِعَيْنِ تامَّةٌ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ وذَكَرَهُ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ قَوْلٌ ولا مَقُولٌ لَهُ ولا أمْرٌ ولا مَأْمُورٌ حَتّى يُقالَ: إنَّهُ يَلْزَمُ أحَدُ المُحالَيْنِ إمّا خِطابُ المَعْدُومِ أوْ تَحْصِيلُ الحاصِلِ أوْ يُقالُ: ( إنَّما ) مُسْتَدْعِيَةٌ انْحِصارَ قَوْلِهِ تَعالى في قَوْلِهِ تَعالى: ( كُنْ ) ولَيْسَ يَلْزَمُ مِنهُ انْحِصارُ أسْبابِ التَّكْوِينِ فِيهِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِالأمْرِ الشَّأْنُ الشّامِلُ لِلْقَوْلِ والفِعْلِ ومِن ضَرُورَةِ انْحِصارِهِ في كَلِمَةِ كُنِ انْحِصارُ أسْبابِهِ عَلى الإطْلاقِ في ذَلِكَ بَلْ إنَّما هو تَمْثِيلٌ لِسُهُولَةِ تَأتِّي المَقْدُوراتِ حَسَبَ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى وتَصْوِيرٌ لِسُرْعَةِ حُدُوثِها بِما هو عِلْمٌ في ذَلِكَ مِن طاعَةِ المَأْمُورِ المُطِيعِ لِأمْرِ الآمِرِ المُطاعِ، فالمَعْنى إنَّما إيجادُنا لِشَيْءٍ عِنْدَ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِنا بِهِ أنْ نُوجِدَهُ في أسْرَعِ ما يَكُونُ، ولَمّا عَبَّرَ عَنْهُ بِالأمْرِ الَّذِي هو قَوْلٌ مَخْصُوصٌ وجَبَ أنْ يُعَبِّرَ عَنْ مُطْلَقِ الإيجادِ بِالقَوْلِ المُطْلَقِ.

وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ عَلى حَقِيقَتِهِ وبِذَلِكَ جَرَتِ العادَةُ الإلَهِيَّةُ ونُسِبَ إلى السَّلَفِ، وأُجِيبُ لَهم عَنْ حَدِيثِ لُزُومِ أحَدِ المَحْذُورَيْنِ تارَةً بِأنَّ الخِطابَ تَكْوِينِيٌّ ولا ضَيْرَ في تَوَجُّهِهِ إلى المَعْدُومِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ قَوْلٌ بِالتَّمْثِيلِ وتارَةً بِأنَّ المَعْدُومَ ثابِتٌ في العِلْمِ ويَكْفِي في صِحَّةِ خِطابِهِ ذَلِكَ حَتّى أنَّ بَعْضَهم قالَ بِأنَّهُ مَرْئِيٌّ لَهُ تَعالى في حالِ عَدَمِهِ، وتُعُقِّبَ بِما يَطُولُ، وأمّا حَدِيثُ الِانْحِصارِ فَقالُوا إنَّ الأمْرَ فِيهِ هَيِّنٌ، وقَدْ مَرَّ بَعْضُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ.

واحْتَجَّ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ بِالآيَةِ بِناءً عَلى الحَقِيقَةِ عَلى قِدَمِ القُرْآنِ قالَ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إذا أرادَ إحْداثَ شَيْءٍ قالَ لَهُ كُنْ فَلَوْ كانَ كُنْ حادِثًا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ فَيَكُونُ قَدِيمًا ومَتى قِيلَ بِقِدَمِ البَعْضِ فَلْيُقَلْ بِقِدَمِ الكُلِّ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَلِمَةَ إذا لا تُفِيدُ التَّكْرارَ ولِذا إذا قالَ لِامْرَأتِهِ: إذا دَخَلَتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ فَدَخَلَتْ مَرّاتٍ لا تُطَلَّقُ إلّا طَلْقَةً واحِدَةً فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ مُحْدَثٍ مُحْدَثًا بِكَلِمَةِ كُنْ فَلا يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ عَلى أنَّ القَوْلَ بِقِدَمِ ( كُنْ ) ضَرُورِيُّ البُطْلانِ لِما فِيهِ مَن تَرَتُّبِ الحُرُوفِ، وكَذا يُقالُ في سائِرِ الكَلامِ اللَّفْظِيِّ.

وقالَ الإمامُ: إنَّ الآيَةَ مُشْعِرَةٌ بِحُدُوثِ الكَلامِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ القَوْلِ واقِعًا بِالإرادَةِ وما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، والثّانِي أنَّهُ عَلَّقَ القَوْلَ بِكَلِمَةِ ( إذا ) ولا شَكَّ أنَّها تَدْخُلُ لِلِاسْتِقْبالِ، والثّالِثُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أنْ نَقُولَ ﴾ لا خِلافَ في أنَّهُ يُنْبِئُ عَنِ الِاسْتِقْبالِ، والرّابِعُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ( كُنْ فَيَكُونُ ) كُنْ فِيهِ مُقَدِّمَةً عَلى حُدُوثِ المُكَوَّنِ ولَوْ بِزَمانٍ واحِدٍ والمُقَدَّمُ عَلى المُحْدَثِ كَذَلِكَ مُحْدَثٌ فَلا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِحُدُوثِ الكَلامِ.

نَعَمْ إنَّها تُشْعِرُ بِحُدُوثِ الكَلامِ اللَّفْظِيِّ الَّذِي يَقُولُ بِهِ الحَنابِلَةُ ومَن وافَقَهم ولا تُشْعِرُ بِحُدُوثِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ.

والأشاعِرَةُ في المَشْهُورِ عَنْهم لا يَدَّعُونَ إلّا قِدَمَ النَّفْسِيِّ ويُنْكِرُونَ قِدَمَ اللَّفْظِيِّ، وهو بَحْثٌ أطالُوا الكَلامَ فِيهِ فَلْيُراجَعْ.

وما ذُكِرَ مِن دَلالَةِ (إذا) و(نَقُولُ) عَلى الِاسْتِقْبالِ هو ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ، لَكِنْ نَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ قالَ: ما في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ والِاسْتِئْنافِ إنَّما هو راجِعٌ إلى المُرادِ لا إلى الإرادَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأشْياءَ المُرادَةَ المُكَوَّنَةَ في وُجُودِها اسْتِئْنافٌ واسْتِقْبالٌ لا في إرادَةِ ذَلِكَ ولا في الأمْرِ بِهِ لِأنَّ ذَيْنِكَ قَدِيمانِ فَمِن أجْلِ المُرادِ عَبَّرَ بِإذا ونَقُولُ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا كَلامَ في قِدَمِ الإرادَةِ لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّها هَلْ لَها تَعَلُّقٌ حادِثٌ أمْ لا فَقالَ بَعْضُهم بِالأوَّلِ، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَ لَها إلّا تَعَلُّقٌ أزَلِيٌّ لَكِنْ بِوُجُودِ المُمْكِناتِ فِيما لا يَزالُ كُلٌّ في وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ.

فاللَّهُ تَعالى تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ في الأزَلِ بِوُجُودِ زَيْدٍ مَثَلًا في يَوْمِ كَذا وبِوُجُودِ عَمْرٍو في يَوْمِ كَذا وهَكَذا، ولا حاجَةَ إلى تَعَلُّقِ حادِثٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وأمّا الأمْرُ فالنَّفْسِيُّ مِنهُ قَدِيمٌ واللَّفْظِيُّ حادِثٌ عَنِ القائِلِينَ بِحُدُوثِ الكَلامِ اللَّفْظِيِّ.

وأمّا الزَّمانُ فَكَثِيرًا ما لا يُلاحَظُ في الأفْعالِ المُسْتَنِدَةِ إلَيْهِ تَعالى، واعْتَبَرَ كانَ اللَّهُ تَعالى ولا شَيْءَ مَعَهُ وخَلَقَ اللَّهُ تَعالى العالَمَ ونَحْوَ ذَلِكَ ولا أرى هَذا الحُكْمَ مَخْصُوصًا فِيما إذا فُسِّرَ الزَّمانُ بِما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ بَلْ يَطَّرِدُ في ذَلِكَ وفِيما إذا فُسِّرَ بِما ذَهَبَ إلَيْهِ المُتَكَلِّمُونَ فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى الهادِي.

وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ الآيَةَ لِبَيانِ إمْكانِ البَعْثِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ تَكْوِينَ اللَّهِ تَعالى بِمَحْضِ قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ لا تَوَقُّفَ لَهُ عَلى سَبْقِ المَوادِّ والمَدَدِ وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وكَما أمْكَنَ لَهُ تَكْوِينُ الأشْياءِ ابْتِداءً بِلا سَبْقِ مادَّةٍ ومِثالٍ أمْكَنَ لَهُ تَكْوِينُها إعادَةً بَعْدَهُ وظاهِرُهُ أنَّهُ قَوْلٌ بِإعادَةِ المَعْدُومِ، وظَواهِرُ كَثِيرٍ مِنَ النُّصُوصِ أنَّ البَعْثَ بِجَمْعِ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ، وسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ كَما وعَدْناكَ آنِفًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ هاهُنا وفي [يس: 82] ( فَيَكُونَ ) بِالنَّصْبِ، وخَرَّجَهُ الزَّجّاجُ عَلى العَطْفِ عَلى ( نَقُولَ ) أيْ فَأنْ يَكُونَ أوْ عَلى أنْ يَكُونَ جَوابُ ( كُنْ )، وقَدْ رَدَّ هَذا الرَّضِيُّ وغَيْرُهُ بِأنَّ النَّصْبَ في جَوابِ الأمْرِ مَشْرُوطٌ بِسَبَبِيَّةِ مَصْدَرِ الأوَّلِ لِلثّانِي وهو لا يُمْكِنُ هُنا لِاتِّحادِهِما فَلا يَسْتَقِيمُ ذاكَ، ووُجِّهَ بِأنَّ مُرادَهُ أنَّهُ نُصِبَ لِأنَّهُ مُشابِهٌ لِجَوابِ الأمْرِ لِمَجِيئِهِ بَعْدَهُ ولَيْسَ بِجَوابٍ لَهُ مِن حَيْثُ المَعْنى لِأنَّهُ لا مَعْنى لِقَوْلِكَ: قُلْتُ لِزَيْدٍ اضْرِبْ تَضْرِبُ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَخْفى ضَعْفُهُ وأنَّهُ يَقْتَضِي إلْغاءَ الشَّرْطِ المَذْكُورِ، ثُمَّ قِيلَ: والظّاهِرُ أنْ يُوَجَّهَ بِأنَّهُ إذا صَدَرَ مِثْلُهُ عَنِ البَلِيغِ عَلى قَصْدِ التَّمْثِيلِ لِسُرْعَةِ التَّأْثِيرِ بِسُرْعَةِ مُبادَرَةِ المَأْمُورِ إلى الِامْتِثالِ يَكُونُ المَعْنى إنْ أقُلْ لَكَ اضْرِبْ تُسْرِعْ إلى الِامْتِثالِ فَيَكُونُ المَصْدَرُ المُسَبَّبُ عَنْهُ مَسْبُوكًا مِنَ الهَيْئَةِ لا مِنَ المادَّةِ، ومَصْدَرُ الثّانِي مِنَ المادَّةِ أوْ مُحَصَّلُ المَعْنى وبِهِ يَحْصُلُ التَّغايُرُ بَيْنَ المَصْدَرَيْنِ ويَتَّضِحُ السَّبَبِيَّةُ والمُسَبَّبِيَّةُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ مُرادَ مَن قالَ إنَّ النَّصْبَ لِلْمُشابَهَةِ لِجَوابِ الأمْرِ أنَّ ( فَيَكُونُ ) كَما في قِراءَةِ الرَّفْعِ مَعْطُوفٌ عَلى ما يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ أوْ هو بِتَقْدِيرِ فَهو يَكُونُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ إلّا أنَّهُ نُصِبَ لِهَذِهِ المُشابَهَةِ، وفِيهِ ما فِيهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ وكل من حلف بالله فهو جهد اليمين، وكانوا ينكرون البعث فحلفوا بالله حين قالوا: لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ فكذبهم الله عَزَّ وَجَلَّ في مقالتهم، فقال: بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا أوجبه على نفسه ليبعثنّهم بعد الموت.

وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ أي: لا يصدقون بالبعث بعد الموت.

ثم قال: لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ من الدين يوم القيامة، يعني: يبعثهم ليبين لهم أن ما وعدهم حقّ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: ليستبين لهم عند ما خرجوا من قبورهم أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : ومن الرحمة والتغمُّد أنْ يوفِّق اللَّهُ العبْدَ إِلى أعمالٍ بَرَّة، ومقصِدُ الحديثِ نفْيُ وجوبِ ذلك على اللَّه تعالى بالعَقْل كما ذهب إليه فريق من المعتزلة.

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤) وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥)

وقوله سبحانه: لْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ

: نْظُرُونَ

: معناه: ينتظرون، و «نظر» متى كانَتْ من رؤية العين، فإِنما تعدِّيها العربُ ب «إِلَى» ومتَى لم تتعدَّ ب «إِلى» ، فهي بمعنى «انتظر» ومنها: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد: ١٣] ، ومعنى الكلام: أنْ تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم ظالمي أنفسهم.

وقوله: وْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ

: وعيدٌ يتضمَّن قيامَ الساعة، أو عذابَ الدنيا، ثم ذَكر تعالَى أَنَّ هذا كان فعْلَ الأمم قَبْلهم، فَعُوقِبوا.

وقوله سبحانه: فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا: أي: جزاءُ ذلك في الدنيا والآخرة، وحاقَ: معناه: نَزَلَ وأحَاطَ.

وقوله سبحانه: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ...

الآية: تقدَّم تفسير نظيرها في «الأنعام» ، وقولهم: وَلا حَرَّمْنا: يريد: من البحيرة والسّائبة والوصيلة وغير ذلك.

وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ يَعْنِي: كَفّارَ مَكَّةَ " لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ " يَعْنِي: الأصْنامَ، أيْ: لَوْ شاءَ ما أشْرَكْنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ مِنَ البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والحامِ، والحَرْثِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿ وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ \[الدَّهْرِ:٣٠\] قالُوا هَذا، عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، لا عَلى سَبِيلِ الِاعْتِقادِ، وقِيلَ: مَعْنى كَلامِهِمْ: لَوْ لَمْ يَأْمُرْنا بِهَذا ويُرِدْهُ مِنّا، لَمْ نَأْتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أيْ: مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ وتَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ، ﴿ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ يَعْنِي: لَيْسَ عَلَيْهِمْ إلّا التَّبْلِيغُ، فَأمّا الهِدايَةُ فَهي إلى اللَّهِ تَعالى، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا ﴾ أيْ: كَما بَعَثْناكَ في هَؤُلاءِ ﴿ أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ أيْ: وحِّدُوهُ ﴿ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ ﴾ وهو الشَّيْطانُ ﴿ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ﴾ أيْ: أرْشَدَهُ ﴿ وَمِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ﴾ أيْ: وجَبَتْ في سابِقِ عِلْمِ اللَّهِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ إنَّما بَعَثَ الرُّسُلَ بِالأمْرِ بِالعِبادَةِ، وهو مِن وراءِ الإضْلالِ والهِدايَةِ، " فَسِيرُوا في الأرْضِ " أيْ: مُعْتَبِرِينَ بِآثارِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، ثُمَّ أكَّدَ أنَّ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ لا يَهْتَدِي، فَقالَ: ﴿ إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ ﴾ أيْ: [إنْ] تَطْلُبْ هُداهم بِجُهْدِكَ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " لا يُهْدى " بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ الدّالِ، والمَعْنى: مَن أضَلَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " يَهْدِي " بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في " يُضِلُّ " أنَّها بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ: أحَدُهُما: لا يَهْدِي مَن طَبَعَهُ ضالًّا، وخَلَقَهُ شَقِيًّا.

والثّانِي: لا يَهْدِي، أيْ: لا يَهْتَدِي مَن أضَلَّهُ، أيْ: مَن أضَلَّهُ اللَّهُ لا يَهْتَدِي، فَيَكُونُ مَعْنى يَهْدِي: يَهْتَدِي، تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ هُدِيَ فُلانٌ الطَّرِيقَ، يُرِيدُونَ: اهْتَدى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ ﴾ ﴿ إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ اللامُ في قَوْلِهِ: "لِيُبَيِّنَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِما في ضِمْنِ قَوْلِهِ: "بَلى"، لِأنَّ التَقْدِيرَ: "بَلى يَبْعَثُ لِيُبَيِّنَ"، وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا  ﴾ ، والأوَّلُ أصْوَبُ في المَعْنى، لِأنَّ بِهِ يُتَصَوَّرُ كَذِبُ الكُفّارِ في إنْكارِ البَعْثِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّما قَوْلُنا ﴾ الآيَةُ.

"إنَّما" في كَلامِ العَرَبِ هي لِلْمُبالَغَةِ وتَحْقِيقِ تَخْصِيصِ المَذْكُورِينَ، فَقَدْ تَكُونُ -مَعَ هَذا- حاصِرَةً إذا دَلَّ عَلى ذَلِكَ المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما اللهُ إلَهٌ واحِدٌ  ﴾ ، وأمّا قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنَّما الرِبا في النَسِيئَةِ"،» وقَوْلُ العَرَبِ: "إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ " فَبَقِيَ فِيها مَعْنى المُبالَغَةِ فَقَطْ.

و"إنَّما" في هَذِهِ الآيَةِ هي لِلْحَصْرِ، وقاعِدَةُ القَوْلِ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ نَقُولَ: إنَّ الإرادَةَ والأمْرَ اللَذَيْنِ هَمّا صِفَتانِ مِن صِفاتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى القَدِيمَةِ هُما قَدِيمانِ أزَلِيّانِ، وإنَّ ما في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ والِاسْتِئْنافِ إنَّما هو راجِعٌ إلى المُرادِ لا إلى الإرادَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأشْياءَ المُرادَةَ المُكَوَّنَةَ في وُجُودِها اسْتِئْنافٌ واسْتِقْبالٌ، لا في إرادَةٍ ذَلِكَ، ولا في الأمْرِ بِهِ، لِأنَّ ذِينِكَ قَدِيمانِ، فَمِن أجْلِ المُرادِ عَبَّرَ بِـ "إذا" و"نَقُولُ".

ونَرْجِعُ الآنَ عَلى هَذِهِ الألْفاظِ فَتُوَضِّحُ الوَجْهَ فِيها واحِدَةً واحِدَةً: أمّا قَوْلُهُ: "لِشَيْءٍ" فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الأشْياءَ الَّتِي هي مُرادَةٌ وقِيلَ لَها: "كُنْ" مَعْلُومٌ أنَّ الوُجُودَ يَأْتِي عَلى جَمِيعِها بِطُولِ الزَمَنِ وتَقْدِيرِ اللهِ تَعالى، فَلَمّا كانَ وُجُودُها حَتْمًا جازَ أنْ تُسَمّى "أشْياءَ" وهي في حالَةِ عَدَمٍ، والوَجْهُ الثانِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "لِشَيْءٍ" تَنْبِيهًا لَنا عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي تَنْظُرُ فِيها، أيْ إنَّ كُلَّ ما تَأْخُذُونَهُ مِنَ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ فَإنَّما سَبِيلُهُ أنْ يَكُونَ مُرادًا وقِيلَ لَهُ: "كُنْ" فَكانَ، ويَكُونُ ذَلِكَ الشَيْءُ المَأْخُوذُ مِنَ المَوْجُوداتِ مِثالًا لِما يَتَأخَّرُ مِنَ الأُمُورِ وما تَقَدَّمُ، فَبِهَذا نَتَخَلَّصُ مِن تَسْمِيَةِ المَعْدُومِ شَيْئًا، وقَوْلُهُ: ﴿ إذا أرَدْناهُ ﴾ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةُ مُرادٍ، ولَكِنَّهُ أتى بِهَذِهِ الألْفاظِ المُسْتَأْنِفَةِ بِحَسَبِ أنَّ المَوْجُوداتِ تَجِيءُ وتَظْهَرُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَكَأنَّهُ قالَ: "إذا ظَهَرَ المُرادُ مِنهُ"، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَخْرُجُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ ، ونَحْوَ هَذا مِمّا مَعْناهُ: ويَقَعُ مِنكم ما رَآهُ اللهُ تَعالى في الأزَلِ كُلِّهِ وعَلِمَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ نَقُولَ ﴾ نَزَلَ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: "قَوْلُنا"، ولَكِنْ "أنْ" مَعَ الفِعْلِ تُعْطِي اسْتِئْنافًا لَيْسَ في المَصْدَرِ في أغْلَبِ أمْرِها، وقَدْ تَجِيءُ في مَواضِعَ لا يُلْحَظُ فِيها الزَمَنَ كَهَذِهِ الآيَةِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ  ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: "لَهُ" ذَهَبَ أكْثَرُ الناسِ إلى أنَّ الشَيْءَ هو الَّذِي يُقالُ لَهُ كالمُخاطَبِ، وكَأنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى قالَ في الأزَلِ لِجَمِيعِ ما خَلَقَ: "كُنْ" بِشَرْطِ الوَقْتِ والصِفَةِ، وقالَ الزَجاجُ: "لَهُ" بِمَعْنى: مِن أجْلِهِ، وهَذا يُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ بِالمَعْنى إلى الأوَّلِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ قَوْلَهُ: "أنْ نَقُولَ" مَجازٌ، كَما تَقُولُ: قالَ بِرَأْسِهِ فَرَفَعَهُ، وقالَ بِيَدِهِ فَضَرَبَ فُلانًا، ورَدَّ عَلى هَذا المَنزَعِ أبُو مَنصُورٍ، وذَهَبَ إلى أنَّ الأوَّلَ هو الأوَّلُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَيَكُونُ" بِرَفْعِ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والكِسّائِيُّ هُنا وفي "يَسِ" "فَيَكُونُ" بِنَصْبِها، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ أبْعَدُ عَلى التَعْقِيبِ الَّذِي يَصْحَبُ الفاءَ في أغْلَبِ حالِها، فَتَأمَّلَهُ.

وفِي هَذِهِ النُبْذَةِ ما يُطَّلَعُ مِنهُ عَلى عُيُونِ هَذِهِ المَسْألَةِ، وشَرْطُ الإيجازِ مَنَعَ مِن بَسْطِ الِاعْتِراضاتِ والِانْفِصالاتِ، والمَقْصُودُ بِهَذِهِ الآيَةِ إعْلامُ مُنْكِرِي البَعْثِ بِهَوانِ أمْرِهِ عَلى اللهِ تَعالى وقُرْبِهِ في قُدْرَتِهِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الجملة متّصلة بجملة ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ [سورة النحل: 38] لبيان أنّ جهلهم بمَدى قدرة الله تعالى هو الذي جرّأهم على إنكار البعث واستحالته عندهم، فهي بيان للجملة التي قبلها ولذلك فُصلت، ووقعتْ جملة ﴿ ليبين لهم الذين يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا ﴾ [سورة النحل: 39] إلى آخرها اعتراضاً بين البيان والمبيّن.

والمعنى أنه لا يتوقف تكوين شيء إذا أراده الله إلا على أن تتعلّق قدرته بتكوينه.

وليس إحياء الأموات إلا من جملة الأشياء، وما البعث إلا تكوين، فما بَعْث الأموات إلا من جملة تكوين الموجودات، فلا يخرج عن قدرته.

وأفادت ﴿ إنّما ﴾ قصراً هو قصر وقوع التّكوين على صدور الأمر به، وهو قصر قلب لإبطال اعتقاد المشركين تعذّر إحياء الموتى ظنّاً منهم أنّه لا يحصل إلا إذا سلمت الأجساد من الفساد كما تقدم آنفاً، فأريد ب ﴿ قولنا لشيء ﴾ تكوينُنا شيئاً، أي تعلّق القدرة بخلق شيء.

وأريد بقوله: ﴿ إذا أردناه ﴾ إذا تعلّقت به الإرادة الإلهية تعلّقاً تنجيزياً، فإذا كان سبب التكوين ليس زائداً على قول ﴿ كن ﴾ فقد بطل تعذّر إحياء الموتى.

ولذلك كان هذا قصر قلب لإبطال اعتقاد المشركين.

والشيء: أطلق هنا على المعدوم باعتبار إرادة وجوده، فهو من إطلاق اسم ما يؤول إليه، أو المرادُ بالشيء مطلق الحقيقة المعلومة وإن كانت معدومة، وإطلاق الشيء على المعدوم مستعمل.

و ﴿ أن نقول له كن ﴾ خبر عن ﴿ قولنا ﴾ .

والمراد بقول ﴿ كن ﴾ توجّه القدرة إلى إيجاد المقدور.

عُبر عن ذلك التوجّه بالقول بالكلام كما عبّر عنه بالأمر في قوله: ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ﴾ [سورة يس: 82] وشبّه الشيء الممكن حصوله بشخص مأمور، وشبّه انفعال الممكن لأمْرِ التكوين بامتثال المأمور لأمر الآمر.

وكلّ ذلك تقريب للناس بما يعقلون، وليس هو خطاباً للمعدوم ولا أن للمعدوم سمعاً يعقل به الكلام فيمتثل للآمر.

و (كَان) تامة.

وقرأ الجمهور فيكون } بالرفع أي فهو يكون، عطفاً على الخبر وهو جملة ﴿ أن نقول ﴾ .

وقرأ ابن عامر والكسائي بالنصب عطفاً على ﴿ نقول ﴾ ، أي أن نقول له كُن وأن يكون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الجَنَّةَ خَيْرٌ مِنَ النّارِ، وهَذا وإنْ كانَ مَعْلُومًا فالمُرادُ بِهِ تَبْشِيرُهم بِالخَلاصِ مِنها: الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ مِن دارِ الدُّنْيا، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

﴿ وَلَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ الآخِرَةُ.

الثّانِي: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ الدُّنْيا، قالَ الحَسَنُ: لِأنَّهم نالُوا بِالعَمَلِ فِيها ثَوابَ الآخِرَةِ ودُخُولَ الجَنَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ ﴾ قِيلَ مَعْناهُ صالِحِينَ.

وَيَحْتَمِلُ طَيِّبِي الأنْفُسِ ثِقَةً بِما يَلْقَوْنَهُ مِن ثَوابِ اللَّهِ تَعالى.

وَيَحْتَمِلُ - وجْهًا ثالِثًا - أنْ تَكُونَ وفاتُهم وفاةً طَيِّبَةً سَهْلَةً لا صُعُوبَةَ فِيها ولا ألَمَ بِخِلافِ ما تُقْبَضُ عَلَيْهِ رُوحُ الكافِرِ.

﴿ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ السَّلامُ عَلَيْهِمْ إنْذارًا لَهم بِالوَفاةِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ تَبْشِيرًا لَهم بِالجَنَّةِ؛ لِأنَّ السَّلامَ أمانٌ.

﴿ ادْخُلُوا الجَنَّةَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أبْشِرُوا بِدُخُولِ الجَنَّةِ.

الثّانِي: أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ لَهم في الآخِرَةِ.

﴿ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا مِنَ الصّالِحاتِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال: كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه، فكان فيما تكلم به والذي أرجوه بعد الموت، أنه لكذا وكذا.

فقال له المشرك: إنك لتزعم أنك تبعث من بعد الموت...

فأقسم بالله جهد يمينه: لا يبعث الله من يموت.

فأنزل الله: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت...

﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه عن علي في قوله: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ﴾ قال: نزلت في.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال: «قال الله: سبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يسبني، وكذبني ولم يكن ينبغي له أن يكذبني.

فأما تكذيبه إياي فقال: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ﴾ وقلت: ﴿ بلى وعداً عليه حقاً ﴾ وأما سبه إياي فقال: ﴿ إن الله ثالث ثلاثة ﴾ وقلت ﴿ هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ﴾ ﴿ الصمد ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ليبين لهم الذي يختلفون فيه ﴾ قال: للناس عامة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ ﴾ الآية.

قال ابن عباس: أخبر بقدرته وقوته، يريد ليس كما يتكلف المخلوقون من الأعوان والاله أمر الله أوحى من ذلك (١) (٢) قال ابن الأنباري: وقع اسم الشيء على المعلوم عند الله عز وجل قبل الخلق؛ لأنه بمنزلة ما قد عوين وشوهد (٣) قال الفراء: القول مرفوع بقوله: ﴿ أَنْ نَقُولَ ﴾ كما تقول: إنما قولنا الحق، هذا كلامه (٤) ﴿ قَوْلُنَا ﴾ رفع بالابتداء وخبره: ﴿ أَنْ نَقُولَ ﴾ ، المعنى: إنما قولنا لكل مراد قولنا كن، فإن قيل كيف خاطب المعدوم بقوله: ﴿ كُنْ ﴾ ، قلنا: هذا تمثيل لنفس الكلفة والمعاناة، ومخاطبةُ الخلق بما يعقلون ليس أنه يخاطب المعدوم؛ لأن ما أراد الله عز وجل فهو كائن على كل حال، وعلى ما أراده من الإسراع، لو أراد خلق الدنيا والسموات والأرض في قدر لمح البصر لَقَدَر على ذلك، ولكن العباد خُوطبوا بما يعقلون (٥) ﴿ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ أجوبة سوى هذا.

واختلفوا في قوله: ﴿ فَيَكُونُ ﴾ ، فقرأه أكثرُ القراء بالرفع (٦) ﴿ أَنْ نَقُولَ لَهُ ﴾ كلامًا تامًّا يخبر بأنه سيكون؛ كما تقول للرجل: إنّما يكفيه أن آمره، فيفعلُ بعد ذلك ما يؤمر (٧) ﴿ فَيَكُونُ ﴾ نصبًا (٨) ﴿ أَنْ نَقُولَ ﴾ ، المعنى: أن نقول فيكون، هذا قول جميع النحويين (٩) قال الزجاج: ويجوز أن يكون نصبًا على جواب كن (١٠) قال أبو علي: هذا الوجه الذي أجازه من النصب في يكون لم يجزه أحد من أصحابنا غيرُه، ولم أعلم لغيره إجازةً له على هذا الوجه، ووجدت الكسائي يقول: إنه سمعه من العرب أكثر من خمسين مرة بالنصب، وما علمته حَمَل ذلك على أنه جواب، ولكن على (أنْ)، وحَمْلُه على الجواب غيرُ سائغ؛ لأن (كُنْ) وإن كان على لفظ الأصل فليس القصد به هاهنا الأمر، إنما هو -والله أعلم- الإخبار عن كون الشيء وحدوثه، وإلى هذا ذهب أبو العباس وغيره (١١) (١٢) (١) لم أدرك مقصوده بهذه العبارة المعترضة.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 199، بتصرف يسير.

(٣) انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 106، بنصه، وابن الجوزي 4/ 447، بلا نسبة.

(٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 100، بنصه.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 198، بتصرف.

(٦) انظر: "السبعة" ص 373، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 354، و"الحجة للقراء" 5/ 65، و"المبسوط في القراءات" ص 224، و"التيسير" ص 137، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 736.

(٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 100، بتصرف يسير.

(٨) انظر: "السبعة" ص 373، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 354، و"الحجة للقراء" 5/ 65، و"المبسوط في القراءات" ص 224، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 736.

(٩) ورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 198، و"تفسير الطبري" 14/ 106، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 210، و"الحجة للقراء" 5/ 65، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 14، وانظر: "الإملاء" 2/ 81، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 228.

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 198، بنصه.

(١١) "المقتضب" 2/ 18، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 910، و"الحجة للقراء" 2/ 205، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 14، و"الإملاء" 1/ 60، و"الدر المصون" 2/ 89.

وبالإضافة إلى كون (كن) هنا للحكاية لا الأمر، يشترط في جواب الأمر أن يخالف الأمر؛ إما في الفعل، أو في الفاعل، أو فيهما، فلما اتفق الفعلان، والفاعلان واحد، لم يحسن أن يكون (فيكون) جواباً للأول.

(المصادر السابقة).

(١٢) "الإغفال" 2/ 153 أ، بنصه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بلى ﴾ ردّ على الذين أقسموا ﴿ لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ ﴾ أي أنه يبعثه ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الذي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ اللام تتعلق بما دل عليه أي يبعثهم ليبين لهم، وهذا برهان أيضاً على البعث، فإن الناس مختلفون في أديانهم ومذاهبهم، فيبعثهم الله ليبين لهم الحق فيما اختلفوا فيه ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ ﴾ الآية: برهان أيضاً على البعث، لأنه داخل تحت قدرة الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تشركون ﴾ وما بعده بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف.

والآخرون على الغيبة ﴿ تنزل ﴾ بالفتحات الثلاث ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع: سهل وروح وزيد وأبو زيد مثله لكن بضم التاء الفوقانية: جبلة ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: ابن كثير وأبو عمرو ورويس: والباقون بالتشديد من التنزيل.

﴿ بشق الأنفس ﴾ بفتح الشين: يزيد.

الباقون بكسرها ﴿ ننبت ﴾ بالنون: يحيى وحماد.

الآخرون بياء الغيبة ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات ﴾ كلها مرفوعات: ابن عامر وافق حفص والمفضل ﴿ في النجوم مسخرات ﴾ الباقون: بنصب الجميع على أن ﴿ مسخرات ﴾ حال.

﴿ يسرون ويعلنون ﴾ بالياء التحتانية فيهما: الخزاز عن هبيرة.

الآخرون بتاء الخطاب ﴿ يدعون ﴾ على الغيبة: سهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى.

الباقون على الخطاب.

الوقوف: ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ خلقها ﴾ ج لاحتمال تمام الكلام واحتمال أن يكون ﴿ لكم ﴾ متعلقاً به والوقف حينئذٍ على ﴿ لكم ﴾ ﴿ تأكلون ﴾ ه ص للعطف ﴿ تسرحون ﴾ ه ص لذلك ﴿ الأنفس ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا لأن ﴿ الخيل ﴾ مفعول ﴿ خلق ﴾ ﴿ وزينة ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ جائر ﴾ ط ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ تسيمون ﴾ ه ﴿ الثمرات ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط لمن قرأ ﴿ والشمس ﴾ وما بعده بالرفع ومن نصب ﴿ الشمس والقمر ﴾ ورفع ﴿ النجوم ﴾ وقف على ﴿ القمر ﴾ ومن نصب الكل وقف على ﴿ بأمره ﴾ ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ سخر ﴾ ﴿ ألوانه ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ تلبسونها ﴾ ج لأن قوله ﴿ وترى ﴾ فعل مستأنف مع اتصال المعنى.

﴿ تشكرون ﴾ ه لا ﴿ تهتدون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ وعلامات ﴾ عطف على ﴿ سبلاً ﴾ ﴿ وعلامات ﴾ ط ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ لا يخلق ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ لا تحصوها ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وما تعلنون ﴾ ه ﴿ وهم يخلقون ﴾ ه ط لأن التقدير: هم أموات ﴿ غير أحياء ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ وما يشعرون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ واحد ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ مستكبرون ﴾ ه ﴿ وما يعلنون ﴾ ه ﴿ المستكبرين ﴾ ه.

التفسير: هذه السورة تسمى سورة النعم أيضاً، وحكى الأصم عن بعضهم أن كلها مدنية.

وقال الآخرون: من أولها إلى قوله: ﴿ كن فيكون ﴾ مدنية وما سواه مكي.

وعن قتادة بالعكس منه.

قال أهل النظم: إن رسول الله  كان يخوفهم بعذاب الدنيا تارة وهو القتل والاستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر، وتارة بعذاب القيامة.

ثم إن القوم لما لم يشاهدوا شيئاً من ذلك أقبلوا على تكذيبه وكانوا يستعجلون ما وعدوا به استهزاء.

وروي أنه لما نزلت ﴿ اقتربت الساعة  ﴾ قال الكفار فيما بينهم: إن هذا يزعم أن القيامة قد اقتربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن.

فلما تأخرت قالوا: ما نرى شيئاً فنزلت ﴿ اقترب للناس حسابهم  ﴾ فأشفقوا وانتظروا قربها، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فنزلت ﴿ أتى أمر الله ﴾ فوثب رسول الله  ورفع الناس رؤوسهم فنزلت ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فاطمأنوا.

والحاصل أن قوله: ﴿ أتى أمر الله ﴾ جواب عن شبهتهم إجراء لما يجب وقوعه مجرى الواقع كما يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها: جاءك الغوث فلا تجزع.

أو المراد أن ﴿ أمر الله ﴾ بذلك وحكمه قد وقع وأتى.

فأما المحكوم به فإنما لم يقع لأنه  حكم بوقوعه في وقت معين فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود فلا تسعجلوه ولا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت.

ثم إن المشركين كأنهم قالوا: هب يا محمد أنا سلمنا صحة ما تقول من أنه  حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة إلا أنا نعبد هذه الأصنام لأنها شفعاؤنا عند الله فكيف نستحق العذاب بسبب هذه العبادة؟

فأجاب الله عن هذه الشبه بقوله: {  وتعالى عما يشركون} كما مر في أول سورة يونس.

والمراد تنزيه نفسه عن الأضداد والأنداد وأن يكون لأحد من الأرواح والأجساد أن يشفع عنده إلا بإذنه، أو يستعجل في حكم من أحكامه، أو قضية قبل أوانه.

ثم إنهم كأنهم قالوا سلمنا أنه  أن يقضي على طائفة باللطف وعلى الآخرين.

بالقهر ولكن كيف صرت واقفا على أسرار الله  في ملكه وملكوته دوننا، من أين حصل لك هذا الفضل علينا؟

فأزال الله  شبهتهم بقوله: ﴿ ينزل الملائكة ﴾ الآية.

والمراد أن له بحكم المالكية أن يختص بعض عبيده بإنزال الوحي عليه ويأمره بأن يكلف سائر العباد بمعرفة توحيد الله وبعبادته، فظهر بهذا البيان أن هذه الآيات منتظمة على أحسن الوجوه.

قال الواحدي: روى عطاء عن ابن عباس أنه أراد بالملائكة ههنا جبرائيل وحده، وتسمية الواحد بالجمع إذا كان رئيساً مطاعاً جائزة.

وعلى هذا التفسير فالمراد بالروح كلام الله تعالى كقوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ قال المحققون: الروح الأصلي هو القرآن الذي فيه بيان المبدأ والوسط والمعاد، فبه يحصل إشراق العقل، وبالعقل يكمل ضياء جوهر الروح، وبالروح يكمل حال الجسد فهو الأصل والباقي فرع عليه وبهذه المناسبة يسمى جبرائيل روحاً وعيسى روحاً.

وعن أبي عبيدة أن الروح ههنا جبرائيل، والباء بمعنى "مع" أي تنزل الملائكة مع جبرائيل.

وذلك أنه في أكثر الأحوال كان ينزل ومعه أقوام من الملائكة كما في يوم بدر وحنين، وكان ينزل على رسول الله  ملك الجبال وملك البحار وخزان الجنة وغيرهم.

قال في الكشاف: ﴿ بالروح من أمره ﴾ أي بما يحيي القلوب الميتة بالجهل من وحيه، أو بما يقوم في الدين مقام الروح في الجسد وقال غيره: من أمره معناه أن ذلك التنزيل والنزول لا يكون إلا بأمر الله كقوله { ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك  ﴾ قال الزجاج: ﴿ أن أنذروا ﴾ بدل من "الروح" أي ينزلهم بأن أنذروا.

و"أن" إما مفسرة لأن تنزيل الوحي فيه معنى القول، وإما مخففة من الثقيلة وضمير الشأن مقدر أي بأن الشأن أقول لكم أنذروا أي أعلموا الناس قولي: ﴿ لا إله إلا أنا ﴾ وهو إشارة إلى استكمال القوة النظرية.

وقوله: ﴿ فاتقون ﴾ رمز إلى استكمال القوة العملية ومنه يعلم أن النفس متى كملت من هاتين الجهتين حصل لها روح حقيقي وحياة أبدية وسعادة سرمدية.

قال الإمام فخر الدين الرازي: إنا لا نعلم كون جبريل صادقاً ولا معصوماً من الكذب والتلبيس إلا بالدلائل السمعية، وصحة الدلائل السمعية موقوفة على صدق محمد  ، وصدقه يتوقف على أن هذا القرآن معجز من قبل الله لا من قبل شيطان خبيث، والعلم بذلك يتوقف على العلم بأن جبرائيل صادق مبرأ عن التلبيس وأفعال الشياطين، وحينئذٍ يلزم الدور وهذا مقام صعب.

أقول: قد ذكرنا مراراً أن الفرق بين المعجز والسحر هو أن صاحب المعجز يدعو إلى الخير، وصاحب السحر يدعو إلى الشر، والفرق بين الملك والشيطان هو أن الملك يلهم بالخير، والشيطان يوسوس بضده وإذا كان الأمر كذلك فكيف تشتبه المعجزة بالسحرة وجبرائيل بإبليس ومن أين يلزم الدور؟

ولما بين الله  أن روح الأرواح وروح الأجسام هو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل أن يعمل به، أتبعه دلائل التوحيد مبتدئاً من الأشرف وهو السماويات إلى الأدون - وهو الأرضيات - فقال: ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ وقد مر تفسير مثله مراراً.

وقوله: ﴿ تعالى عما يشركون ﴾ تنزيه لذاته عمن يشاركه في الأزلية والقدم والتدبير والتأثير والصنع والإبداع.

فالفائدة المطلوبة من هذا الكلام غير الفائدة المطلوبة من مثله في أول السورة كما ذكرنا فلا تكرار.

ثم إن أشرف الأجسام بعد الفلكيات بدن الإنسان فلهذا عقب المذكور بقوله: ﴿ خلق الإنسان من نطفة ﴾ قالت الأطباء: إن الغذاء إذا وصل إلى المعدة حصل له هناك هضم، وإذا وصل إلى الكبد حصل له فيها هضم ثانٍ، وفي العروق له هضم ثالث، وفي جواهر الأعضاء هضم رابع، وحينئذٍ يصير جزءاً من العضو المغتذى شبيهاً به، ثم عند استيلاء الحرارة على البدن وقت هيجان الشهوة يحصل ذوبان لجملة الأعضاء وتجتمع منه النطفة في أوعيتها، وعلى هذا تكون النطفة جسماً مختلفة الأجزاء والطبائع، وإن كانت تخيل في الحس أنها متشابهة الأجزاء.

وكيفما كان فالمقتضي لتولد البدن منها ليس هي الطبيعة الحاصلة لجوهر النطفة ودم الطمث، لأن الطبيعة تأثيرها بالذات والإيجاب لا بالتدبير والاختيار، والقوّة الطبيعة إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون فعلها هو الكرة.

وعلى هذا الحرف عول الحكماء في قولهم: البسائط يجب أن تكون أشكالها الطبيعة في الكرة، وإذا عملت في مادة مختلفة الأجزاء وكل مركب فإنه ينحل إلى بسائط فإنه يلزم أن يكون الحيوان على شكل كرات مضموم بعضها إلى بعض، وكلا الأمرين غير مطابق للواقع، فعلمنا أن حدوث هذه الأعضاء على هذا الترتيب الخاص ليس بالطبيعة وإنما هو بتدبير الفاعل المختار وهو الله  ، وكيف لا والنطفة رطوبة سريعة الاستحالة؟

فالأجزاء الموجودة فيها لا تحفظ الوضع والنسبة، فالجزء الذي هو مادة الدماغ يمكن حصوله في الأسفل، والجزء الذين هو مادة القلب قد يحصل في الفوق، فلا يكون حدوث أعضاء الحيوان على هذا الترتيب الخاص دائماً ولا أكثرياً، وحيث كان كذلك علمنا أن حدوثها بإحداث مدبر مختار.

ثم إن نزلنا عن جميع هذه المراتب فلا خلاف بين الحكم وبين المتكلم أن الطبيعة خرقاء وأنها ليست واجبة الوجود لذاتها فلا بد من الانتهاء الى الصانع الحكيم الخبير.

أما قوله: ﴿ فإذا هو خصم مبين ﴾ فقد ذكروا فيه وجهين: الأول فإذا هو منطيق مجادل عن نفسه مبين للحجة بعد أن كان نطفة لا حس به ولا حراك.

وتقرير ذلك أن النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل فهماً وذكاء من نفوس سائر الحيوانات، ألا ترى أن ولد الدجاجة كما يخرج من البيضة يعرف الصديق من العدو فيهرب من الهرة ويلتجىء إلى الأم ويميز بين الغذاء الذي يوافقه والذي لا يوافقه.

وحال الطفل بخلاف ذلك فانتقاله من تلك الحالة الخسيسة إلى أن يقوى على معرفة الإلهيات والفلكيات والعنصريات وعلى إيراد الشكوك والشبهات على النتائج والمقدمات إنما يكون بتدبير إله مختار قدير ينقل الأرواح من النقصان إلى الكمال ومن الجهالة إلى المعرفة.

الوجه الثاني أن المراد فإذا هو خصيم لربه منكر على خالقه قائل من يحيي العظام وهي رميم.

فعلى الوجه الأول جوز أن يكون الخصيم "فعيلاً" بمعنى "مفاعل" كالأكيل والشريب، وأن يكون بمعنى مختصم، وعلى الوجه الثاني تعين كونه بمعنى "مفاعل" والترجيح من الوجهين للأول بناء على أن هذه الآيات مسوقة لتقرير الدلائل على وجود الصانع الحكيم وقدرته لا لأجل وصف الإنسان بالتمادي في القحة والكفران.

وقد يرجح الثاني بما روي أن أبيّ بن خلف الجمحي جاء بعظم رميم إلى رسول الله صلى الله عليه فقال: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم؟

فنزلت.

ثم أردف تكوين الإنسان بتكوين الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في ضروراته من الأكل والركوب وجر الأثقال وفي غير الضروريات من الأغراض الصحيحة كالتزيين والجمال فقال: ﴿ والأنعام خلقها ﴾ هي الأزواج الثمانية المذكورة في سورة الأنعام وهي: الضأن والمعز والإبل والبقر.

وإن شئت قلت: الإبل والبقر والغنم.

قال في الكشاف: وأكثر ما يقع هذا اللفظ على الإبل: قلت: ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله بعد ذلك: ﴿ وتحمل أثقالكم ﴾ لأن هذا الوصف لا يليق إلا بالإبل.

وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر.

ويجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ الإنسان ﴾ أي خلق الإنسان والأنعام.

ثم قال: ﴿ خلقها لكم ﴾ أي ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان.

قال صاحب النظم: وأحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: ﴿ خلقها ﴾ بدليل أنه عطف عليه قوله: ﴿ ولكم فيها جمال ﴾ والدفء اسم ما يدفأ به كالملء اسم ما يملأ به وهو الدفاء من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر.

قال الجوهري: الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها، والدفء أيضاً السخونة.

وقوله: ﴿ ومنافع ﴾ قالوا: المراد نسلها ودرّها، والمنافع بالحقيقة أعم من ذلك فقد ينتفع بها في البيع والشراء بالنقود والأثواب وبسائر الحاجات.

أما قوله: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ بتقديم الظرف المؤذن بالاختصاص فلأن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في مآكلهم عادة، وأما الأكل من غيرها كالدجاج وصيد البر والبحر فكغير المعتد به الجاري مجرى التفكه، ويحتمل أن يراد أن غالب أطعمتكم إنما يحصل منها لأنكم تحرثون بالبقر وتكتسبون بإكراء الإبل وتشترون بنتاجها وألبانها وجلودها جميع ما تشتهون من الأطعمة.

قوله: ﴿ حين تريحون ﴾ الإراحة رد الإبل إلى مراحها حيث تأوي إليه ليلاً ويقال: سرح القوم إبلهم سرحاً إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى.

وقدم الإراحة لأن الجمال فيها أظهر حين تقبل ملأى البطون حافلة الضروع ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها.

قوله: ﴿ بشق الأنفس ﴾ من قرأ بفتح الشين فمعناه المشقة فيكون مصدر شق الأمر عليه شقاً وحقيقته راجعة إلى الشق الذي هو الصدع.

ومن قرأ بالكسر فمعناه النصف كأنه يذهب نصف قوته لما يناله من الجهد.

قال جار الله.

معنى المضي في قوله: ﴿ لم تكونوا ﴾ راجع إلى الفرض والتقدير: أي لو لم يخلق الإبل لم تكونوا إلا كذلك.

وإنما لم يقل "لم تكونوا حامليها إلى ذلك البلد" ليطابق قوله: ﴿ وتحمل أثقالكم ﴾ لأجل المبالغة كأنه قيل: قد علمتم أنكم لا تبلغونه بأنفسكم إلا بجهد ومشقة وذهاب قوة فضلاً أن تحملوا على ظهوركم أثقالكم ويجوز أن يكون العائد إلى الأثقال محذوفاً أي لم تكونوا بالغيها إلا بالشق، أو المراد بالأثقال الأجساد، عن ابن عباس أنه فسر البلد بمكة إلى اليمن وإلى الشام وإلى مصر، قال الواحدي: هذا قوله والمراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير إبل شق عليكم.

وخص ابن عباس هذه البلاد لأنها أكثر متاجر أهل مكة ﴿ إن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ وإلا لم يخلق هذه الحوامل لأجل تيسير هذه المصالح.

احتج منكرو الكرامات بالآية على امتناع طي الأرض كما ينقل عن بعض الأولياء.

والجواب أن الامتناع العادي لا ينافي الإمكان الذاتي.

﴿ والخيل والبغال والحمير ﴾ معطوفات على الأنعام أي وخلق هؤلاء للركوب والزينة فانتصب على أنه مفعول له معطوف على محل ﴿ لتركبوها ﴾ وإنما لم يقل و "لتتزينوا بها" ليكون المعطوف والمعطوف عليه على سنن واحد لأن الركوب فعل المخاطبين، وأما الزينة ففعل الزائن وهو الخالق.

والتحقيق فيه أن الركوب أحد الأمور المعتبرة في المقصود بخلاف التزين بالشيء فإنه قلما يلتفت إليه أرباب الهمم العالية لأنه يورث العجب والتيه غالباً وكأنه قال: خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود بالذات.

احتجت المعتزلة القائلون بأن أفعال الله معللة بالمصالح بأن قوله: ﴿ لتركبوها ﴾ يقتضي أن هذه الحيوانات مخلوقة لهذه المصلحة.

والجواب أن استتباع الغاية والفائدة مسلم ولكن التعليل ممنوع، واحتج الحنفية بالآية على تحريم لحوم الخيل من وجوه: أحدها إفراد هذه الأنواع الثلاثة بالذكر فيجب اشتراك الكل في الحكم، لكن البغال والحمير محرمان فكذا الخيل.

ثانيها أن منفعة الأكل أعظم منة من الركوب والتزين فلو كان أكل لحم الخيل جائزاً لكان هذا المعنى أولى بالذكر.

وثالثها أن قوله فيما قبل: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ يقتضي الحصر فيجب أن لا يجوز أكل ما عدا الأنعام إلا بدليل منفصل والأصل عدمه ورابعها أن قوله: ﴿ لتركبوها ﴾ يقتضي أن تمام المقصود من خلق هذه الأشياء الثلاثة هو الركوب والزينة، فلو كان حل أكلها مقصوداً لزم أن يكون ما فرض تمام المقصود بعض المقصود هذا محال.

والجواب أن تحريم الخيل محل النزاع وتحريم الحمير بنص الكتاب ممنوع لما روي عن جماعة من الصحابة أنه  نهى عام خيبر عن لحوم الحمر الأهلية.

فلو كان للآية دلالة على تحريم لحم الخيل لفهموه منها قبل ذلك العام لأن الآية مكية عند الأكثرين، ولو فهموا التحريم قبل ذلك لم يبقَ لتخصيص التحريم بهذه السنة فائدة.

وإذا لم يكن الحمير والخيل محرمين لم يكن لتحريم البغال المتولدة منهما وجه.

وأيضاً كون معظم المنة في الأكل بالنسبة إلى هذه الأنواع ممنوع بل الركوب والزينة هما أعظم المنافع فيها ولهذا جعلا تمام المقصود منها، فكأنما أعطى الأكثر والمعظم حكم الكل.

واقتضاء الحصر في قوله: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ ممنوع بل لعل الظرف قدم لرعاية الفاصلة.

ثم إن أنواع الغرائب والعجائب المخلوقة في هذا العالم لا حد لها ولا حصر فلهذا أشار إلى ما بقي منها على سبيل الإجمال فقال: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ أي كنهه وتفاصيله بل نوعه وجنسه فإن مركبات العالم السفلي وغرائب العالم العلوي لا يعلمها إلا موجدها.

روى عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال: إن عن يمين العرش نهراً من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة، يدخل فيه جبرائيل  كل سحر ويغتسل فيزداد نوراً إلى نوره وجمالاً إلى جماله، ثم ينتفض فيخلق الله  من كل نقطة تقع من رأسه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور، وفي الكعبة أيضاً سبعون ألفاً ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.

وقيل: المراد ما خلق في الجنة والنار مما لم يبلغه فيهم أحد ولا وهمه.

ولما ذكر بعض دلائل التوحيد بين أنه إنما ذكرها إزاحة للعذر وإزالة للشبهة ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة فقال: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ ذكر صاحب الكشاف أن السبيل للجنس والقصد مصدر بمعنى الفاعل يقال: قصد وقاصد أي مستقيم كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه، والجور الميل عن الاستقامة.

احتجت المعتزلة بالآية على مسألتين من أصولهم: إحداهما أنه يجب على الله  الإرشاد والهداية لأن كلمة، "على" للوجوب والمضاف محذوف أي وعلى الله بيان قصد السبيل؛ فالمعنى أن هداية الطريق الموصل إلى الحق واجبة عليه.

والثانية أنه لا يضل أحداً ولا يغويه وإلا لقيل وعلى الله قصد السبيل وعليه جائرها أو وعليه الجائر فلما غير أسلوب الكلام قائلاً: ﴿ ومنها جائر ﴾ دل على أنه أراد أن يبين ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز.

والجواب عن الأول بعد تسليم إفادة كلمة "على" الوجوب أنه وجوب بحسب الفضل والكرم لا بمعنى استحقاق الذم على الترك.

وعن الثاني أن دلالة قوله: ﴿ ومنها جائر ﴾ على ما ذكرتم ليست دلالة المطابقة ولا التضمن ولا الالتزام، لأن قول القائل "من السبيل سبل منحرفة" لا يفيد إلا الإخبار بوجود الانحراف في بعض السبيل، فأما أن فاعل تلك السبيل من هو فلا دلالة للكلام عليه أصلاً على أن قوله: ﴿ ولو شاء لهداكم أجمعين ﴾ يناقض ما ادعيتم.

وتفسير المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر أو بالهداية إلى الجنة خلاف الظاهر كما مر مراراً.

ولما استدل على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال الحيوانات أراد أن يذكر الاستدلال على المطلوب بغرائب أحوال النبات فقال: ﴿ هو الذي أنزل من السماء ماء ﴾ وقوله: ﴿ لكم ﴾ متعلق بأنزل أو بشراب خبراً له.

والشراب ما يشرب كالطعام لما يطعم والمراد أن الماء النازل من السماء قسمان: بعضه يبقى لأجل الشرب كما هو ويحتمل أن يكون الماء المحتبس في الآبار والعيون منه كقوله: ﴿ فأسكناه في الأرض ﴾ \[المؤمنون: 18\] وبعضه يحصل منه شجر يرعاه المواشي.

قال الزجاج: كل ما ينبت من الأرض فهو شجر لأن التركيب يدل على الاختلاط ومنه تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض، ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ وفيما له ساق.

وقال ابن قتيبة: المراد بالشجر في الآية الكلأ.

وفي حديث عكرمة "لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت" أراد الكلأ.

وقيل الشجر كل ما له ساق كقوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان  ﴾ والعطف يقتضي التغاير، فلما كان النجم ما لا ساق له وجب أن يكون الشجر ما له ساق، وأجيب بأن عطف الجنس على النوع جائز، وبأن قوله: ﴿ فيه تسيمون ﴾ من سامت الماشية إذا رعت وأسامها صاحبها وهو من السومة العلامة لأنه تؤثر بالرعي علامات في الأرض يقتضي أن يكون الشجر هو العشب ليمكن الرعي.

ورد بأن الإبل قد تقدر على رعي الأشجار الكبار.

وحين ذكر مرعى الحيوان أتبعه ذكر غذاء الإنسان فقال: ﴿ ينبت لكم به الزرع ﴾ الذي هو الغذاء الأصلي ﴿ والزيتون ﴾ الذي هو فاكهة من وجه وغذاء من وجه لكثرة ما فيه من الدهن ﴿ والنخيل والأعناب ﴾ اللتين هما أشرف الفواكه.

ثم أشار إلى الثمرات بقوله: ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ كما أجمل الحيوانات التي لم يذكرها بقوله: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ قال في الكشاف: إنما لم يقل و "كل الثمرات" بل زاد "من" التبعيضية لأن كلها لا يكون إلا في الجنة.

واعلم أنه قدم الغذاء الحيواني على الغذاء النباتي لأن النعمة فيه أعظم لأنه أسرع تشبيهاً ببدن الإنسان، وفي ذكر الغذار النباتي قدم غذاء الحيوان - وهو الشجر - على غذاء الإنسان - وهو الزرع وغيره - بناء على مكارم الأخلاق وهو أن يكون اهتمام الإنسان بحال من تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه، وإنما عكس الترتيب في قوله: ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ بناء على ما هو الواجب في نفس الأمر كقوله  : "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" قوله: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار ﴾ معنى تسخيرهما للناس تصييرهما نافعين لهم بحسب مصالحهم على سنن واحد يتعاقبان دائماً كالعبد المطواع، وكذا الكلام في تسخير الشمس والقمر والنجوم كما في "الأعراف" وفي سورة إبراهيم.

وهذا حسم لمادة شبهة من يزعم أن حركات الأفلاك هي المقتضية لتعاقب الليل والنهار ومسيرات الكواكب هي المستدعية للحوادث السفليات، فإنه إن سلم لهم ذلك فلا بد لتلك الحركات والمسيرات من الانتهاء إلى صانع قديم منزه عن التغير والإمكان مبرإ عن الحدوث والنقصان وهو الله  .

﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾ قال جار الله: جمع الآية وذكر العقل لأن آثار العلو أظهر دلالة على القدرة الباهرة وأبين شهادة للكبرياء والعظمة.

وقال غيره: إنما جمع الآيات لتطابق قوله: ﴿ مسخرات ﴾ ومثله في هذه السورة في موضع آخر ﴿ مسخرات في جوّ السماء ما يمكسهن إلا الله إن في ذلك لآيات  ﴾ وأقول: إنما جمع لأن كلاً من تسخيراً الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم آية في نفسها لتباين الليل والنهار وتخالف مسيرات الكواكب كما هو مقرر في علم الهيئة بخلاف قوله ﴿ ينبت لكم ﴾ فإن مطلق الإنبات آية واحدة.

وكذا قوله: ﴿ وما ذرأ لكم في الأرض ﴾ أي خلق لكم فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك: ﴿ مختلفاً ألوانه ﴾ فإن ذرء هذه الأشياء على حالة اختلاف الألوان والأشكال مع تساوي الكل في الطبيعة الجسمية وفي تأثير الفلكيات فيها، آية واحدة على وجود الصانع  شأنه، ولست أدعي إلا إمكان هذه الاعتبارات وإلا: ففي كل شيء آية تدل على أنه واحد.

وإنما خص المقام الأول بالتفكر لإمكان إيراد الشبهة المذكورة، وخص المقام الثاني بالعقل لذكره بعد إماطة الشبهة وإزاحة العلة، فمن لم يعترف بعدها بالوحدانية فلا عقل له.

وخص المقام الثالث بالتذكر لمزيد الدلالة فمن شك بعد ذلك فلا حس له.

ومن جملة الآيات التي هي في الحقيقة إنعامات على الإنسان تسخير البحر بالركوب عليه والانتفاع به أكلاً ولبساً.

والمراد باللحم الطريّ السمك.

قال ابن الأعرابي: لحم طريّ غير مهموز ومصدره طراوة.

يقال: شيء طريّ أي غض بين الطراوة.

وقال قطرب: طرو اللحم وطري طراوة والمراد في الآية السمك وما في معناه.

قال في الكشاف: وصفه بالطراوة لأن الفساد يسرع إليه فيسارع إلى أكله خيفة الفساد عليه.

وقال المتكلمون: إنه لما خرج من البحر المالح الزعاق الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة، علم أنه لم يحدث بحسب الطبع بل حدث بقدرة الله  وحكمته بحيث أظهر الضد من الضد.

قال أكثر الفقهاء ومنهم أبو حنيفة والشافعي: من حلف أن لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث لأن اللحم لا يتناوله عرفاً.

ومبنى الأيمان على العرف والعادة.

ولهذا لو قال لغلامه: اشتر لحماً فجاء بالسمك كان حقيقاً بالإنكار عيله.

ورد عليهم الإمام فخر الدين الرازي بأنه إذا قال لغلامه: اشتر لحماً فجاء بلحم العصفور كان حقيقاً بالإنكار مع أنكم تقولون إنه يحنث بأكل لحم العصفور.

فثبت أن العرف مضطرب والرجوع إلى نص القرآن متعين فليس فوق بيان الله بيان.

ولقائل أن يقول: لعل الإنكار في هذه الصورة بعد تسليمه إنما جاء من قبل ندرة شراء العصفور أو شراء لحمه فإنه إنما يشترى كله ولم يجىء من إطلاق اللحم على لحمه.

ومن منافع البحر استخراج الحلية منه قالوا: أراد بالحلية اللؤلؤ والمرجان، والمراد بلبسهم لبس نسائهم لأنهن من جملتهم ولأن تزيينهن لأجلهم.

ولقائل أن يقول: لا مانع من تزيين الرجال باللآلىء ونحوها شرعاً فلا حاجة إلى هذه التكلف.

استدل الإمام فخر الدين بالآية في إبطال قول الشافعية إنه لا زكاة في الحلى قال: لأن اللام فيما يروى عنه  أنه قال: "لا زكاة في الحلى" تنصرف إلى المعهود السابق ولا معهود إلا ما في الآية من الحلية فصار معنى الحديث: لا زكاة في اللآلىء.

وهذا باطل بالاتفاق.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن تكون اللام للجنس فتشمل المصوغ من الذهب والفضة أيضاً فيكون الحديث مخصصاً بالآية إن ثبت صحته؟

ومن عجائب البحر ومنافعه قوله  : ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ قال أهل اللغة: مخر السفينة شقها الماء بصدرها.

وعن الفراء صوت دويّ الفلك بالرياح.

وقال ابن عباس: مواخر أي جواري.

وإنما حسن هذا التفسير لأنها لا تشق الماء إلا إذا كانت جارية: وقوله: ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ أي تتجروا فيه فتطلبوا الربح من فضل الله وإذا وجدتم فضله وإحسانه فلعلكم تقدمون على شكره.

واعلم أن قوله: ﴿ مواخر فيه ﴾ جاء على القياس لأن موضع الظرف المتعلق بمواخر بعد مضي مفعولي "ترى"، وأما في سورة الملائكة فقدم الظرف ليكون موافقاً لقوله: ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ ولتقدم الجار في قوله: ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ حذف لفظة "منه" هناك.

الواو في ﴿ ولتبتغوا ﴾ في هذه السورة للعطف على لام العلة في ﴿ لتأكلوا ﴾ وقوله: ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ اعتراض في السورتين يجري مجرى المثل ولهذا وحد الخطاب في قوله: ﴿ وترى ﴾ وقبله وبعده جمع "أي لو حضرت أيها المخاطب لرأيته بهذه الصفة.

ويمكن أن يقال: إنما قال في الملائكة ﴿ فيه مواخر ﴾ بتقديم الظرف لئلا يفصل بين لام العلة وبين متعلقها وهو مواخر، وليكتنف المتعلق المتعلقان.

وإنما بنينا الكلام على أن قوله: ﴿ فيه ﴾ متعلق بـ ﴿ مواخر ﴾ لا بـ ﴿ ترى ﴾ لقرب هذا وبعد ذاك والله أعلم.

قوله: ﴿ أن تميد بكم ﴾ أي كراهة أن تميد الأرض بكم والباء للتعدية أو للمصاحبة.

والميد الحركة والاضطراب يميناً وشمالاً.

يروى أنه  خلق الأرض فجعلت تمور فقالت الملائكة: ما هي بمقرّ على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر الملائكة مم خلقت.

قال جمهور المفسرين: إن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء فإنها تميل من جانب إلى جانب وتضطرب، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة في تلك السفينة استقرت على وجه الماء فهكذا الأرض تستقر على الماء بسبب ثقل الجبال.

واعترض عليه بأن السفينة إنما تضطرب على الماء لتخلخلها وخفتها بسبب الهواء الداخل في تجاويف الخشب ومسامها، أما الأرض فجسم كثيف ثقيل من شأنها الرسوب في الماء على ما هو مشاهد من حال أجزائها المنفصلة عنها.

فإن كان طبيعة الكل كذلك فكيف يعقل طفوّها حتى توجب الجبال إرساءها وثباتها، وإن لم تكن طبيعة الكل كذلك حتى تكون طافية مائدة وقد أرساها الله  بالجبال، فالرسو والرسوخ إنما يتصور على جسم واقف وليس إلا الماء فينقل الكلام إلى وقوف الماء في حيزه المعين.

فإن كان بحسب الطبيعة فهذا خلاف التقدير لأنا نفينا القول بالطبائع الموجبة لهذه الأحوال، وإن لم يكن بالطبع بل كان واقفاً بتخليق الفاعل المختار وتسكينه في حيزه المخصوص فلم لا نقول مثله في تسكين الأرض؟

هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ونسب المقام إلى الصعوبة والإشكال واستخرج لحله وجهاً مبنياً على قوانين الحكمة، وهو أن الأرض جسم كروي، والكرة إذا كانت صحيحة الاستدارة فإنها تتحرك بأدنى سبب، فلما أحدث الله  على وجه الكرة هذه الخشونات الجارية مجرى الأوتاد منعتها عن السلاسة والحركة.

قلت: في هذا الحال خلل.

أما أولاً فلكونه مبنياً على غير قواعد أهل التفسير، وأما ثانياً فلما ثبت في الحكمة أن نسبة أعظم جبل في الأرض وهو ما ارتفاعه فرسخان وثلث فرسخ إلى جميع الأرض كنسبة خمس سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع، ولا ريب أن ذلك القدر من الشعيرة لا يخرج الكرة المذكورة عن صحة الاستدارة بحيث يمنعها عن سلاسة الحركة، فكذا ينبغي أن يكون حال الجبال بالنسبة إلى كرة الأرض.

والجواب الصحيح على قاعدة أهل الشرع أن يقال: لا نسلم أن الأرض بكليتها لها طبيعة موجبة لحالة من الأحوال، وعلى تقدير التسليم فلا نسلم أن لها طبيعة الرسوب بل لعل طبيعتها الطفوّ فلهذا احتاجت إلى الرواسي.

وأما قوله: "لم أوقف الله الماء في حيزه ولم يوقف الأرض من غير إرساء" فلا يخفى سقوطه مع القول بالفاعل المختار، فللوسائط والأسباب مدخل في الأمور العادية، وإن لم نقل بتأثيرها، هذا وإن حركة الأرض عند الزلازل لا تنافي حكم الله بعدم اضطرابها لأن إثبات الحركة لجزء الشيء لا ينافي نفيها عن كله.

وشبهوا الزلزلة وهي حركة قطعة من الأرض لاحتقان البخارات في داخلها وطلبها المنفذ باختلاج يحصل في جزء معين من بدن الحيوان.

قوله  : ﴿ وأنهاراً ﴾ معطوف على ﴿ رواسي ﴾ أي وجعل فيها رواسي وأنهاراً لأن الإلقاء ههنا بمعنى الجعل والخلق كقوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني  ﴾ وكذا قوله ﴿ وسبلاً ﴾ أي أظهرها وبينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم.

ولما ذكر أنه أظهر في الأرض سبلاً معينة ذكر أنه أظهر في تلك السبل علامات مخصوصة وهي كل ما يستدل به السابلة من جبل وسهل وغير ذلك.

يحكى أن جماعة يشمون التراب فيعرفون به الطرقات.

قال الأخفش: تم الكلام عند قوله: ﴿ وعلامات ﴾ وقوله ﴿ وبالنجم هم يهتدون ﴾ كلام منفصل عن الأول.

والمراد بالنجم الجنس كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس.

وعن السدي هو الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي.

قال بعض المفسرين: أراد بقوله ﴿ هم يهتدون ﴾ أهل البحر لتقدم ذكر البحر ومنافعه، وقيل: أراد أعم من ذلك فأهل البر أيضاً قد يحصل لهم الاهتداء بالنجوم في الطرق والمسالك، وفي معرفة القبلة، وإنما جيء بالضمير الغائب لعوده إلى السائرين الدال عليهم ذكر السبل.

وقال في الكشاف: كأنه أراد قريشاً فقد كان لهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم وكان لهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم فكان الشكر أوجب عليهم والاعتبار ألزم لهم فخصصوا بتقديم النجم.

وإقحام لفظ ﴿ هم ﴾ كأنه قيل: وبالنجم خصوصاً هؤلاء يهتدون.

ثم لما عدد الآيات الدالة على الصانع ووحدانيته واتصافه بجميع صفات الكمال أراد أن يوبخ أهل الشرك والعناد فقال: ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق ﴾ أي كالأصنام التي لا تخلق شيئاً إلا أنه أجراها مجرى أولي العلم فأطلق عليها لفظ "من" التي هي لأولي العقل بناء على زعمهم أنها آلهة، أو لأجل المشاكلة بينه وبين من يخلق، أو أراد أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده، أو أراد كل ما عبد من دون الله مغلباً فيه أولو العلم منهم.

واعلم أنه أهل البيان يقولون: إن المشبه به يجب أن يكون أقوى وأتم في وجه الشبه من المشبه ليلتحق الأضعف بالأقوى في وجه الشبه كقولك "وجهه كالقمر".

ولا ريب أن الخالق أقوى من غير الخالق فكان حق النظم في الظاهر أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق.

والقرآن ورد على العكس.

ووجهه عند العلماء زيادة التوبيخ ليكون كأنهم جعلوا غير الخالق أقوى حالاً وأعرف من الخالق.

قال في الكشاف: إنهم جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبهوه بها حين جعلوا غيره مثله في التسمية والعبادة فأنكر عليهم ذلك، ولوضوح كون هذا الأمر منكراً عند من له أدنى عقل بل حس قال ﴿ أفلا تذكرون ﴾ وفيه مزيد توبيخ وتجهيل لأنه لجلائه كالحاصل الذي يحصل عند العقل بأدنى تذكر ومع ذلك هم عنه غافلون.

قال بعض الأشاعرة.

في الآية دلالة على أن العبد غير خالق لأفعال نفسه لأن الآية سيقت لبيان امتيازه بصفة الخالقية.

أجابت المعتزلة بأن المراد أفمن يخلق ما تقدم ذكره من السموات والأرض والإنسان والحيوان والنبات والبحار والجبال والنجوم.

أو نقول: معنى الآية أن كل ما كان خالقاً يكون أفضل ممن لا يكون خالقاً، وهذا القدر لا يدل على أن كل من كان خالقاً فإنه يجب أن يكون إلهاً نظيره قوله: ﴿ ألهم أرجل يمشون بها  ﴾ أراد به أن الإنسان أفضل من الصنم والأفضل لا يليق به عبادة الأخس فكذا ههنا.

وقال الكعبي في تفسيره: نحن لا نطلق لفظ الخالق على العبد ومن أطلق ذلك فقد أخطأ إلا في مواضع ذكرها الله  كقوله: ﴿ وإذ تخلق من الطين  ﴾ فعلى هذا لا يتوجه عليهم السؤال إلا أن أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد حتى إن أبا عبد الله البصري قال: إطلاق لفظ الخالق على العبد حقيقة وعلى الله مجاز لأن الخلق عبارة عن التقدير وهو الظن والحسبان.

ثم لما فرغ من تعديد الآيات التي هي بالنسبة إلى الملكلفين نعم قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ وقد مر تفسيره في سورة إبراهيم.

قال العقلاء: إن كل جزء من أجزاء البدن الإنساني لو ظهر فيه أدنى خلل لنغص العمر على الإنسان وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل.

ثم إنه  يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الملائم له غالباً مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا بمصالحه ومفاسده، فليكن هذا المثال حاضراً في ذهنك وقس عليه سائر نعم الله  حتى تعرف تقصيرك وقصورك عن شكر أدنى نعمة فضلاً عن جميعها، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ يغفر التقصير الصادر عنكم في أداء شكر النعمة ويرحمكم حيث لا يقطعها عنكم بالتفريط ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها.

كانوا مع اشتغالهم بعبادة غير الله يسرون ضروباً من الكفر والمكايد في حق الرسول  فأوعدهم بقوله: ﴿ والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ﴾ وفيه أيضاً تعريض وتوبيخ بسبب أن الإله يجب أن يكون عالماً بالسر والعلانية، والأصنام التي عبدوها جمادات لا شعور لها أصلاً فكيف يحسن عبادتها.

ثم زاد في التوبيخ فقال: ﴿ والذين يدعون ﴾ أي الآلهة الذين يدعونهم الكفار ﴿ من دون الله لا يخلقون شيئاً ﴾ وقد ذكر هذا المعنى في قوله: ﴿ كمن لا يخلق ﴾ وزاد ههنا قوله: ﴿ وهم يخلقون ﴾ أي بخلق الله أو بالنحت والتصوير وهم لا يقدرون على نحو ذلك فهم أعجز من عبدتهم، ففي هذه الآية زيادة بيان لأنه نفى عنهم صفة الكمال وأثبت صفة النقصان.

وكذلك قوله: ﴿ أموات غير أحياء ﴾ يستلزم ذمهم مرتين لأن من الأموات ما يعقب موته حياة كالنطفة والجسد الإنساني الذي فارقه الروح، وأما الحجارة فأموات لا تقبل الحياة أصلاً.

وفيه أن الإله الحق يجب أن يكون حياً لا يعقبه موت وحال هذه الأصنام بالعكس.

وفيه أن هؤلاء الكفار في غاية الغباوة وقد يقرر المعنى الواحد مع الغبي الجاهل بعبارتين مختلفتين تنبيهاً على بلادته ﴿ وما يشعرون ﴾ الضمير فيه للآلهة.

أما الضمير في ﴿ أيان يبعثون ﴾ فإما للآلهة أيضاً ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن الله  يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بالكل إلى النار، وإما للداعين أي لا يشعر الآلهة متى يبعث عبدتهم فيكون فيه تهكم بالمشركين من حيث إن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم؟!

وفيه أنه لا بد من البعث وأنه من لوازم التكليف، وإما للأحياء أي لا يعلم هؤلاء الآلهة متى تبعث الأحياء تهكماً بحلها لأن شعور الجماد محال فكيف بشعور ما لا يعلمه حي إلا الحي القيوم  ؟

وجوز في الكشاف أن يراد بالذين يدعوهم الكفار الملائكة، لأن ناساً منهم كانوا يعبدونهم.

ومعنى أنهم ﴿ أموات ﴾ أي لا بد لهم من الموت ﴿ غير أحياء ﴾ أي غير باقية حياتهم ولا علم لهم بوقت بعثهم.

ولما زيف طريقة عبدة الأصنام صرح بما هو الحق في نفس الأمر فقال: ﴿ إلهكم إله واحد ﴾ ثم ذكر ما لأجله أصر الكفار على شركهم فقال: ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ﴾ للوحدانية أو لكل كلام يخالف هواهم ﴿ وهم مستكبرون ﴾ عن قبول الحق وذلك أن المؤمن بالعبث والجزاء يؤثر فيه الترغيب والترهيب فينقاد للحق أسرع، وأما الجاحد للمعاد فلا يقبل إلا ما يوافق رأيه ويلائم طبعه فيبقى في ظلمة الإنكار ﴿ لا جرم ﴾ أي حقاً ﴿ أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ فيجازيهم على ما أسروا من الاستكبار وأعلنوا من العناد ﴿ إنه لا يحب المستكبرين ﴾ عن التوحيد فيختص بالمشركين أو كل مستكبر فيدخل هؤلاء دخولاً أوّلياً لأن الكلام فيهم.

التأويل: الناس طبقات ثلاث: الغافلون والخطاب معهم بالعتاب إذا كانوا مشتاقين إلى الدنيا.

وزخارفها وهم أصحاب النفوس، والعاقلون والخطاب معهم بوعد الثواب لرغبتهم في الطاعات والأعمال الصالحات وهم أرباب العقول، والعاشقون والخطاب معهم بوصل رب الأرباب لاشتياقهم إلى جمال ذي الجلال.

فحين قال في الأزل ﴿ أتى أمر الله ﴾ استعجل أرواح كل طبقة منهم للخروج من العدم إلى الوجود لنيل المقصود وطلب المفقود فخاطبهم بقوله: ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فإنه سيصيب في كل طبقة منكم ما كتب له في القسمة الأزلية: والله  منزه عن أن يشاركه في الحكم أحد فلا مبدل لكلماته.

﴿ بالروح من أمره ﴾ أي بما يحيي القلوب من المواهب الربانية من أمره الوارد على الجوارح بالتكاليف الشرعية وعلى النفوس بآداب الطريقة، وعلى القلوب بالإشارات، وعلى الأرواح بملازمة الحضرة للمكاشفات، وعلى الأسرار بالمراقبات للمشاهدات وعلى الخفيات بتجلي الصفات لإفناء الذوات.

﴿ على من يشاء من عباده ﴾ من الأنبياء والأولياء ﴿ أن أنذروا ﴾ أعلموا أوصاف وجودكم ببذلها في أنانيتي ﴿ أنه لا إله إلا أنا فاتقون ﴾ عن أنانيتكم بأنانيتي.

﴿ خلق ﴾ سموات الأرواح وأرض الأشباح وجعلها مظهراً لأفاعيله.

فهو الفاعل لما يظهر على الأرواح والأشباح ﴿ تعالى عما يشركون ﴾ الأرواح والأشباح في إحالة أفاعيله إلى غيره ﴿ خلق الإنسان من نطفة ﴾ لا علم لها ولا فعل ﴿ فإذا هو خصيم مبين ﴾ يدعي الشركة معه في الوجود.

والأفاعيل والأنعام أي الصفات الحيوانية ﴿ خلقها لكم فيها دفء ﴾ لأنها المودعة في جبلتكم ﴿ ومنافع ومنها تأكلون ﴾ باستفادة بدل ما يتحلل ﴿ ولكم فيها جمال ﴾ في أوقات الفترات وأزمنة الاستراحات ﴿ وتحمل ﴾ أثقال أرواحكم وهي أعباء الأمانة إلى بلد عالم الجبروت ﴿ إن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ .

إذا أفنيتم أنفسكم في جبروته يبقيكم ببقاء عظموته ﴿ والخيل والبغال والحمير ﴾ أي صفاتها خلقت فيكم لأنها مراكب الروح عند السير إلى عالم الجبروت ﴿ وزينة ﴾ عند رجوعه بالجذبة إلى مستقره الذي أهبط منه ﴿ ويخلق ﴾ فيكم حينئذٍ ﴿ ما لا تعملون ﴾ وهو قبول فيض الله بلا واسطة.

وعلى الله قصد السبيل} بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ﴿ ومنها جائر ﴾ يعني نفوسكم تحيد عن الفناء وبذل الوجود ﴿ هو الذي أنزل ﴾ من سماء الكرم ماء الفيض ﴿ منه شراب ﴾ المحنة لقلوبكم ﴿ ومنه شجر ﴾ القوى البشرية ودواعيها ﴿ فيه ﴾ ترعون مواشي نفوسكم ﴿ ينبت لكم ﴾ زرع الطاعات وزيتون الصدق ونخيل الأخلاق الحميدة وأعناب الواردات الربانية، ومن كل ثمرات المعقولات والمشاهدات والمكاشفات.

﴿ وسخر لكم ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس الروح وقمر القلب ونجوم الحواس والقوى، وتسخيرها استعمالها على وفق الشريعة وقانون الطريقة ﴿ وما ذرأ لكم ﴾ في أرض جبلتكم من الاستعدادات يتلون في كل عالم بلونه من عوالم الملكية والشيطانية والحيوانية ﴿ وسخر لكم ﴾ بحر العلوم ﴿ لتأكلوا منه ﴾ الفوائد الغيبية السنية الطرية ﴿ وتستخرجوا منه ﴾ جواهر المعاني فيلبس بها أرواحكم النور والبهاء.

وترى فلك الشرائع والمذاهب جواري في بحر العلوم لتبتغوا الأسرار الخفية عن الملائكة.

وألقى في أرض البشرية جبال الوقار والسكينة لئلا تميد بكم صفات البشرية عن جادّة الشريعة والطريقة، وأنهاراً من ماء الحكمة وسبلاً إلى الهداية والعناية، وعلامات من الشواهد والكشوف، وبنجم الجذبة الإلهية هم يهتدون فيخرجون من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي.

أفمن يخلق الله فيه هذه الكمالات كمن لا يخلقها فيه من الملائكة وغيرهم ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها  ﴾ وهي قسمان: نعمة الأعطاف وهي ما يتعلق بوجود النعمة ظاهرة وباطنة، ونعمة الألطاف وهي ما يتعلق بوجود المنعم من الذوات والصفات ﴿ والله يعلم ما تسرون ﴾ من أداء شكر نعمه بالقلوب ﴿ وما تعلنون ﴾ من أداء الشكر بالأجساد ﴿ والذين يدعون من دون الله ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ لا يخلقون شيئاً ﴾ من المنافع ﴿ وهم يخلقون ﴾ بتعب الطالب في تحصيلها ولهذا قال: ﴿ أموات غير أحياء وما يشعرون أيان ﴾ يبعثها دواعي البشرية ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ بما في عالم الغيب ﴿ قلوبهم منكرة ﴾ لأهل الحق لأنهم لا يتجاوزون عالم الحس ﴿ يعلم ما يسرون ﴾ من الإنكار ﴿ وما يعلنون ﴾ من الاستكبار..

الله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ﴾ .

فإن قيل: لنا: ما الحكمة والفائدة في ذكر قسمهم الذي أقسموا في القرآن؛ وجعل ذلك آية تتلى؟

وذلك القسم الذي أقسموا كان بحضرة النبي  وأصحابه، وهم علموا ذلك ليس كالأنباء والقصص التي كانت من قبل، إذ كان ذلك شيئاً غاب عنه لم يشهدها؛ فأخبرهم على ما كان، ففي ذلك إثبات رسالته ونبوّته؟

فالحكمة والفائدة من ذكرها في القرآن؛ وجعلها آيات تتلى؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله  .

وأمّا القسم الذي أقسموا ليس فيه ما ذكرنا من إثبات الرسالة؛ وهم قد علموا ذلك؛ فما الفائدة في ذكره؟

قيل: يشبه أن يكون ذكره لنا - عز وجل - لنعلم نحن عظيم سفه أولئك؛ وقلة عقولهم، وحلم الرسول واحتمال ما احتمل منهم من الأذى والمكروه؛ لنعلم نحن أن كيف يعامل السفهاء؛ وأهل الفساد؛ والعصاة من الناس؛ على ما عامل رسل الله أقوامهم؛ مع عظيم سفههم وقلة عقلهم، فذلك فائدة ذكر قسمهم في القرآن قد تكلف أولئك الكفرة الكبراء منهم في تلبيس [الآيات والحجج] التي أتت بها الرسل: مرة بالقسم الذي ذكر؛ حيث أقسموا بالله جهد أيمانهم أنه لا يبعثون، ومرة بالنسبة إلى السحر، ومرة بالافتراء، ومرة بالنسبة إلى الجنون، وفي الإنباء بأنه إنما يعلمه بشر منا، يريدون بذلك التلبيس على الأتباع.

ثم البعث واجب بالعقل، والحكمة، وأخبار الرسل؛ إذ ليس خبر أصدق من أخبار الرسل وآثارهم، وهم ممن يقبلون الأخبار، فأخبار الرسل أولى بالقبول والتصديق من غيرهم؛ لأن معهم آيات صدقهم ودلالات تحقيقهم.

وأما العقل فهو أن كون هذا العالم وإنشاءه للفناء خاصة خارج عن الحكمة، إذ كل عمل لا يكون له عاقبة [حميدة] عبث، وهو كما قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً...

﴾ الآية [المؤمنون: 115] أخبر أنه إذا لم يكن رجوع إليه يكون خلقه إياهم عبثاً.

وأما الحكمة فهي أن الانتقام لأوليائه من الظلمة واجب لظلمهم، والإحسان لأهل الإحسان، فلو لم يكن بعث والحياة بعد الموت؛ لينتقم من الظالم لظلمه، ويجزي المحسن لإحسانه يذهب فائدة الترغيب على الطاعة والإحسان، ووعيد الظالم بالانتقام، فالبعث واجب؛ للوجوه التي ذكرنا، والتفريق بين الأولياء والأعداء؛ وقد جمعهم في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما.

وقوله: ﴿ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ .

ذكر أن مشركي العرب كانوا [لا] يقسمون بالله إلا فيما يعظم من الأمر، ويشتد عليهم؛ تعظيماً له وإجلالا؛ إنما كانوا يقسمون بالأصنام والأوثان التي عبدوها، فإذا حلفوا بالله فذلك جهد إيمانهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ﴾ .

قوله: ﴿ بَلَىٰ ﴾ ردّ على قولهم: ﴿ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ﴾ \[فقال\]: بلى يبعث.

وقوله: ﴿ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ﴾ .

يحتمل ﴿ وَعْداً ﴾ : أي: وعد أنه يبعثهم، فحق عليه أن ينجز ما وعد، أو حقّاً عليه أن يعد البعث والإنجاز له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه نفى عنهم العلم لما لم ينتفعوا بعلمهم، فهو كما نفى عنهم السمع والبصر وغيرهما من الحواس؛ لما لم ينتفعوا بها انتفاع ما لذلك كان خلقها، فنفى ذلك عنهم.

والثاني: نفى عنهم ذلك على حقيقة النفي؛ لأنهم لم ينظروا؛ ولم يتأملوا في الآيات والأسباب التي [بها] جعل لهم الوصول إلى العلم، فلم يعلموا، ثم لم يعذرهم بجهلهم ذلك؛ لما جعل لهم سبيل الوصول إلى علم ذلك بالنظر والتأمل في الآيات والحجج، لكنهم شغلوا أنفسهم في غيرها، ولم ينظروا في الأسباب التي جعلها لهم سبيل الوصول إليه، فهذا يدل أن من جهل أمر الله ونهيه يكون مؤاخذاً به؛ بعد أن جعل له سبيل الوصول إليه بالدلائل والإشارات، فلا يخرج مؤاخذته إياه؛ وعقوبته بترك أمره عن الحكمة، وأما في الشاهد من أمر عبده شيئاً؛ ولم يعلمه ما أمره، ثم عاقبه بذلك؛ فهو خارج عن الحكمة؛ إذ لا سبيل [إلى] الوصول بما أمر به إلا بالتصريح، ولم يكن منه تصريح إعلام، لذلك كان ما ذكر؛ ألا ترى أنه أوعد لهم [الوعيد] الشديد في الآخرة بقوله: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أي: ليعلم أتباعهم أن الرؤساء كانوا كاذبين، وإلا كان الرؤساء منهم كانوا كاذبين عند أنفسهم.

أو أن يكون قال ذلك لما ادعى أولئك الكفرة أن الآخرة لهم؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ...

﴾ الآية [فصلت: 50] فقال جواباً له: ليعلم الذين كفروا منهم أنهم كانوا كاذبين؛ لا دعائهم الآخرة لأنفسهم.

ثم قوله: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ .

قال بعضهم: إنما اختلفوا في البعث: منهم من صدقه، ومنهم من كذبه يقول: يبين لهم ذلك.

ويحتمل قوله: ﴿ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ أي: في الدين والمذهب؛ لأنهم اختلفوا في الدين والمذهب، وكل من ادعى ديناً ومذهباً؛ حتى دعى غيره إلى دينه ومذهبه يتبين لهم المحق منهم من غيره؛ والصادق منهم من الكاذب.

وقوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ ﴾ .

يحتمل كفرهم بالبعث؛ وإنكارهم إياه، أو كفروا برسول الله  أو وحدانية الله ﴿ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ ﴾ .

في إنكار ما أنكروا، يتبين لهم ذلك في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ .

يخبر عن سرعة نفاذ أمره، وسهولة الأمر عليه، أنه يكون أسرع من لحظة بصر ولمحة عين وفيه دلالة أن خلق الشيء ليس هو ذلك الشيء؛ لأنه عبّر بـ (كن) عن تكوينه، ويكون عن المكون، وكذا كنى عنه بالشيء؛ لقوله: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ ﴾ فكنى عنه بوقوع القول عليه، والتكوين ثبت أن التكوين غير المكون، ثم لا يخلو من أن يكون التكوين بتكوين آخر إلى ما لا نهاية له، أو لا بتكوين، وقد بينا فسادهما جميعاً، وهما وجها الحديث، ثبت أن الله  به موصوف في الأزل، وبالله التوفيق.

والثاني: من فعله كسب سمي كاسباً، ومن فعله باسم سمي به، فلو كان فعل الله كلية الخلق يسمى به، فيسمى ميتاً، متحركاً ساكناً، خبيثاً طيباً، صغيراً كبيراً، ونحو ذلك، فإذا كان يتعالى عن ذلك وقد سمي فاعلا، مميتاً محيياً، محركاً مسكناً، جامعاً مفرقاً؛ ثبت أن فعله غير مفعوله، وأنه بذاته يفعل الأشياء؛ لا بغيره، وفي ذلك لزوم الوصف له به في الأزل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنا إذا أردنا إحياء الموتى وبعثهم فلا مانع يمنعنا من ذلك، إنما نقول لشيء إذا أردناه: ﴿ كُن ﴾ فيكون لا محالة.

<div class="verse-tafsir" id="91.Z8gvw"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد