الآية ٤١ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٤١ من سورة النحل

وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ ۖ وَلَأَجْرُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٤١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 81 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤١ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤١ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

خبر تعالى عن جزائه للمهاجرين في سبيله ابتغاء مرضاته ، الذين فارقوا الدار والإخوان والخلان رجاء ثواب الله وجزائه .

ويحتمل أن يكون سبب نزول هذه الآية الكريمة في مهاجرة الحبشة الذين اشتد أذى قومهم لهم بمكة ، حتى خرجوا من بين أظهرهم إلى بلاد الحبشة ، ليتمكنوا من عبادة ربهم ، ومن أشرافهم : عثمان بن عفان ، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وجعفر بن أبي طالب ، ابن عم الرسول وأبو سلمة بن عبد الأسد في جماعة قريب من ثمانين ، ما بين رجل وامرأة ، صديق وصديقة ، رضي الله عنهم وأرضاهم .

وقد فعل فوعدهم تعالى بالمجازاة الحسنة في الدنيا والآخرة فقال : ( لنبوئنهم في الدنيا حسنة ) قال ابن عباس والشعبي ، وقتادة : المدينة .

وقيل : الرزق الطيب ، قاله مجاهد .

ولا منافاة بين القولين ، فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم فعوضهم الله خيرا منها في الدنيا ، فإن من ترك شيئا لله عوضه الله بما هو خير له منه وكذلك وقع فإنهم مكن الله لهم في البلاد وحكمهم على رقاب العباد ، فصاروا أمراء حكاما ، وكل منهم للمتقين إماما ، وأخبر أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا ، فقال : ( ولأجر الآخرة أكبر ) أي : مما أعطيناهم في الدنيا ( لو كانوا يعلمون ) أي : لو كان المتخلفون عن الهجرة معهم يعلمون ما ادخر الله لمن أطاعه واتبع رسوله ; ولهذا قال هشيم ، عن العوام ، عمن حدثه أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه يقول : خذ بارك الله لك فيه ، هذا ما وعدك الله في الدنيا ، وما ادخر لك في الآخرة أفضل ، ثم قرأ هذه الآية : ( لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ) يقول تعالى ذكره: والذين فارقوا قومهم ودورهم وأوطانهم عداوة لهم في الله على كفرهم إلى آخرين غيرهم ( مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ) يقول: من بعد ما نيل منهم في أنفسهم بالمكاره في ذات الله ( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ) يقول: لنسكننهم في الدنيا مسكنا يرضونه صالحا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ) قال: هؤلاء أصحاب محمد ظلمهم أهل مكة، فأخرجوهم من ديارهم حتى لحق طوائف منهم بالحبشة، ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصارا من المؤمنين.

حُدثت عن القاسم بن سلام، قال: ثنا هشيم، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي ( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ) قال: المدينة.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ) قال: هم قوم هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة بعد ظلمهم، وظلمهم المشركون.

وقال آخرون: عنى بقوله ( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ) لنرزقهم في الدنيا رزقا حسنا.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ) لنرزقنهم في الدنيا رزقا حسنا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثني الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم، عن العوّام، عمن حدثه أن عمر بن الخطاب كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه يقول: خذ بارك الله لك فيه ، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ذخره لك في الآخرة أفضل.

ثم تلا هذه الآية ( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ( لَنُبَوِّئَنَّهُم ) : لنحلنهم ولنسكننهم، لأن التبوء في كلام العرب الحلول بالمكان والنـزول به ، ومنه قول الله تعالى وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وقيل: إن هذه الآية نـزلت في أبي جندل بن سهيل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا جعفر بن سليمان، عن داود بن أبي هند، قال: نـزلت ( وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ) ...

إلى قوله وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ في أبي جندل بن سهيل.

وقوله ( وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) يقول: ولثواب الله إياهم على هجرتهم فيه في الآخرة أكبر، لأن ثوابه إياهم هنالك الجنة التي يدوم نعيمها ولا يبيد.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الله ( وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ ) أي والله لما يثيبهم الله عليه من جنته أكبر ( لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون قوله تعالى : والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا قد تقدم في " النساء " معنى الهجرة ، وهي ترك الأوطان والأهل والقرابة في الله أو في دين الله ، وترك السيئات .

وقيل : في بمعنى اللام ، أي لله .من بعد ما ظلموا أي عذبوا في الله .

نزلت في صهيب وبلال وخباب وعمار ، عذبهم أهل مكة حتى قالوا لهم ما أرادوا ، فلما خلوهم هاجروا إلى المدينة ; قاله الكلبي .

وقيل : نزلت في أبي جندل بن سهيل .

وقال قتادة : المراد أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ظلمهم المشركون بمكة وأخرجوهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة ; ثم بوأهم الله - تعالى - دار الهجرة وجعل لهم أنصارا من المؤمنين .

والآية تعم الجميع .لنبوئنهم في الدنيا حسنة في الحسنة ستة أقوال :الأول : نزول المدينة ; قاله ابن عباس والحسن والشعبي وقتادة .الثاني : الرزق الحسن ; قاله مجاهد .الثالث : النصر على عدوهم ; قاله الضحاك .الرابع : إنه لسان صدق ; حكاه ابن جريج .الخامس : ما استولوا عليه من فتوح البلاد وصار لهم فيها من [ ص: 97 ] الولايات .السادس : ما بقي لهم في الدنيا من الثناء ، وما صار فيها لأولادهم من الشرف .

وكل ذلك اجتمع لهم بفضل الله ، والحمد لله .ولأجر الآخرة أكبر أي ولأجر دار الآخرة أكبر ، أي أكبر من أن يعلمه أحد قبل أن يشاهده ; وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرالو كانوا يعلمون أي لو كان هؤلاء الظالمون يعلمون ذلك .

وقيل : هو راجع إلى المؤمنين .

أي لو رأوا ثواب الآخرة وعاينوه لعلموا أنه أكبر من حسنة الدنيا .

وروي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان إذا دفع إلى المهاجرين العطاء قال : هذا ما وعدكم الله في الدنيا وما ادخر لكم في الآخرة أكثر ; ثم تلا عليهم هذه الآية .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى بفضل المؤمنين الممتحنين { الَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ ْ} أي: في سبيله وابتغاء مرضاته { مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ْ} بالأذية والمحنة من قومهم، الذين يفتنونهم ليردوهم إلى الكفر والشرك، فتركوا الأوطان والخلان، وانتقلوا عنها لأجل طاعة الرحمن، فذكر لهم ثوابين: ثوابا عاجلا في الدنيا من الرزق الواسع والعيش الهنيء، الذي رأوه عيانا بعد ما هاجروا، وانتصروا على أعدائهم، وافتتحوا البلدان وغنموا منها الغنائم العظيمة، فتمولوا وآتاهم الله في الدنيا حسنة.

{ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ ْ} الذي وعدهم الله على لسان رسوله { أَكْبَرُ ْ} من أجر الدنيا، كما قال تعالى: { الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ْ} وقوله: { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ْ} أي: لو كان لهم علم ويقين بما عند الله من الأجر والثواب لمن آمن به وهاجر في سبيله لم يتخلف عن ذلك أحد.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى ( والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا ) عذبوا وأوذوا في الله .

نزلت في بلال ، وصهيب ، وخباب ، وعمار ، وعابس ، وجبر ، وأبي جندل بن سهيل ، أخذهم المشركون بمكة فعذبوهم .

وقال قتادة : هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ظلمهم أهل مكة ، وأخرجوهم من ديارهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة ، ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة ، وجعل لهم أنصارا من المؤمنين .

( لنبوئنهم في الدنيا حسنة ) وهو أنه أنزلهم المدينة .

روي عن عمر بن الخطاب كان إذا أعطى الرجل [ من المهاجرين ] عطاء يقول : خذ بارك الله لك فيه ، هذا ما وعدك الله في الدنيا ، وما ادخر لك في الآخرة أفضل ، ثم تلا هذه الآية .

وقيل : معناه لنحسنن إليهم في الدنيا .

وقيل : الحسنة في الدنيا التوفيق والهداية .

( ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) وقوله : " لو كانوا يعلمون " ، ينصرف إلى المشركين لأن المؤمنين كانوا يعلمونه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والذين هاجروا في الله» لإقامة دينه «من بعدما ظلموا» بالأذى من أهل مكة وهم النبي وأصحابه «لنبوِّئَنهم» ننزلهم «في الدنيا» داراً «حسنة» هي المدينة «ولأجر الآخرة» أي الجنة «أكبر» أعظم «لو كانوا يعلمون» أي الكفار أو المتخلفون عن الهجرة ما للمهاجرين من الكرامة لوافقوهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والذين تركوا ديارهم مِن أجل الله، فهاجروا بعدما وقع عليهم الظلم، لنسكننهم في الدنيا دارًا حسنة، ولأجر الآخرة أكبر؛ لأن ثوابهم فيها الجنة.

لو كان المتخلفون عن الهجرة يعلمون علم يقين ما عند الله من الأجر والثواب للمهاجرين في سبيله، ما تخلَّف منهم أحد عن ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أخرج ابن جرير عن قتادة قال : قوله - تعالى - : ( والذين هَاجَرُواْ فِي الله مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ .

.

) هؤلاء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .

ظلمهم أهل مكة فأخرجوهم من ديارهم ، حتى لحق طائفة منهم بالحبشة ، ثم بوأهم الله - تعالى - المدينة فجعلها لهم دار هجرة ، وجعل لهم أنصارا من المؤمنين .

وعن ابن عباس : هم قوم هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة ، بعد أن ظلمهم المشركون ، .والذى نراه أن الآية الكريمة تشمل هؤلاء ، وتشمل غيرهم ممن هاجر من بلده إلىغيرها ، رجاء ثواب الله ، وخدمة لدينه .والمهاجرة فى الأصل تطلق على المفارقة والمتاركة للديار وغيرها ، واستعملت شرعا فى المهاجرة من دار الكفر إلى دار الإِيمان ، أو من دار الكفر إلى غيرها لنشر دعوة الإِسلام .وقوله ( لنبوئنهم ) من التبوؤ بمعنى الإِحلال والإِسكان والإِنزال يقال بوأ فلان فلانا منزلا ، إذا أسكنه فيه ، وهيأه له .( وحسنة ) صفة لموصوف محذوف أى : لنبوئنهم تبوئة حسنة ، أو دارا حسنة .والمراد بهذه الحسنة ما يشمل نزولهم فى المدينة ، ونصرهم على أعدائهم ، وإبدال خوفهم أمنا .قال القرطبى فى المراد بالحسنة هنا ستة أقوال : " نزول المدينة؛ قاله ابن عباس والحسن .

.

الثانى : الرزق الحسن .

قاله مجاهد .

الثالث : النصر على عدوهم ، قاله الضحاك ، الرابع : لسان صدق ، حكاه ابن جريج .

الخامس : ما استولوا عليه من البلاد .

.

السادس : ما بقى لهم فى الدنيا من ثناء ، وما صار فيها لأولادهم من الشرف .ثم قال : وكل ذلك قد اجتمع لهم بفضل الله - تعالى - " .والمعنى : والذين هاجروا فى سبيل الله ، وفارقوا قومهم وأوطانهم وأموالهم وأولادهم .

.

من أجل إعلاء كلمته ، بعد أن تحملوا الكثير من أذى المشركين وظلمهم وطغيانهم .هؤلاء الذين فعلوا ذلك من أجل نصرة ديننا ، لنسكننهم فى الدنيا مساكن حسنة يرضونها ، ولنعطينهم عطاء حسنا يسعدهم ، ولننصرنهم على أعدائهم نصرا مؤزرا .وقوله ( فى الله ) أى : فى سبيله ، ومن أجل نصرة دينه .

فحرف " فى " مستعمل للتعليل ، كما فى قوله صلى الله عليه وسلم : " دخلت امرأة النار فى هرة حبستها .

.

.

" .والمقصود أن هذا الأجر الجزيل إنما هو للمهاجرين من أجل إعلاء كلمة الله ، ومن أجل نصرة الحق ، وليس لمن هاجر لنشر الظلم أو الفساد فى الأرض .وأسند فعل ( ظلموا ) إلى المجهول ، لظهور الفاعل من السياق وهو المشركون .وفى ذلك إشارة إلى أن هؤلاء المهاجرين لم يفارقوا ديارهم ، إلا بعد أن أصابهم ظلم أعدائهم لهم ، كتعذيبهم إياهم ، وتضييقهم عليهم ، إلى غير ذلك من صنوف الأذى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم على إنكار البعث والقيامة دل ذلك على أنهم تمادوا في الغي، والجهل، والضلال، وفي مثل هذه الحالة لا يبعد إقدامهم على إيذاء المسلمين وضرهم، وإنزال العقوبات بهم، وحينئذ يلزم على المؤمنين أن يهاجروا عن تلك الديار والمساكن، فذكر تعالى في هذه الآية حكم تلك الهجرة وبين ما لهؤلاء المهاجرين من الحسنات في الدنيا، والأجر في الآخرة من حيث هاجروا وصبروا وتوكلوا على الله، وذلك ترغيب لغيرهم في طاعة الله تعالى.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في ستة من الصحابة صهيب وبلال وعمار وخباب وعابس وجبير موليين لقريش فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام، أما صهيب فقال لهم: أنا رجل كبير إن كنت لكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فافتدى منهم بماله فلما رآه أبو بكر قال: ربح البيع يا صهيب، وقال عمر: نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، وهو ثناء عظيم يريد لو لم يخلق الله النار لأطاعه فكيف ظنك به وقد خلقها؟

وأما سائرهم فقد قالوا بعض ما أراد أهل مكة من كلمة الكفر والرجوع عن الإسلام فتركوا عذابهم، ثم هاجروا فنزلت هذه الآية، وبين الله تعالى بهذه الآية عظم محل الهجرة، ومحل المهاجرين فالوجه فيه ظاهر، لأن بسبب هجرتهم ظهرت قوة الإسلام، كما أن بنصرة الأنصار قويت شوكتهم، ودل تعالى بقوله: ﴿ والذين هاجروا فِي الله ﴾ أن الهجرة إذا لم تكن لله لم يكن لها موقع، وكانت بمنزلة الانتقال من بلد إلى بلد، وقوله: ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ ﴾ معناه أنهم كانوا مظلومين في أيدي الكفار، لأنهم كانوا يعذبونهم.

ثم قال: ﴿ لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِي الدنيا حَسَنَة ﴾ وفيه وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ صفة للمصدر من قوله: ﴿ لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِي الدنيا ﴾ والتقدير: لنبوئنهم تبوئة حسنة، وفي قراءة علي عليه السلام: (لنبوئنهم إبواءة حسنة).

الثاني: لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة وهي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، وعلى العرب قاطبة، وعلى أهل المشرق والمغرب، وعن عمر أنه كان إذا أعطى رجلاً من المهاجرين عطاء قال: خذ بارك الله لك فيه هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ذخر لك في الآخرة أكبر.

والقول الثالث: لنبوئنهم مباءة حسنة وهي المدينة حيث آواهم أهلها ونصروهم، وهذا قول الحسن والشعبي وقتادة، والتقدير: لنبوئنهم في الدنيا داراً حسنة أو بلدة حسنة يعني المدينة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلأَجْرُ الأخرة أَكْبَرُ ﴾ وأعظم وأشرف؛ ﴿ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ والضمير إلى من يعود؟

فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى الكفار، أي لو علموا أن الله تعالى يجمع لهؤلاء المستضعفين في أيديهم الدنيا والآخرة لرغبوا في دينهم.

والثاني: أنه راجع إلى المهاجرين، أي لو كانوا يعلمون ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم.

ثم قال: ﴿ الذين صَبَرُواْ وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ وفي محل: ﴿ الذين ﴾ وجوه: الأول: أنه بدل من قوله: ﴿ والذين هاجروا ﴾ والثاني: أن يكون التقدير: هم الذين صبروا.

والثالث: أن يكون التقدير: أعني الذين صبروا وكلا الوجهين مدح، والمعنى: أنهم صبروا على العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله، وعلى المجاهدة وبذل الأموال والأنفس في سبيل الله، وبالجملة فقد ذكر فيه الصبر والتوكل.

أما الصبر فللسعي في قهر النفس، وأما التوكل فللانقطاع بالكلية من الخلق والتوجه بالكلية إلى الحق، فالأول: هو مبدأ السلوك إلى الله تعالى.

والثاني: آخر هذا الطريق ونهايته، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ والذين هاجروا ﴾ هم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ظلمهم أهل مكة ففرّوا بدينهم إلى الله، منهم من هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة فجمع بين الهجرتين.

ومنهم من هاجر إلى المدينة.

وقيل: هم الذين كانوا محبوسين معذبين بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلما خرجوا تبعوهم فردّوهم: منهم بلال، وصهيب، وخباب، وعمار.

وعن صهيب أنه قال لهم: أنا رجل كبير، إن كنت معكم لم أنفعكم، وإن كنت عليكم لم أضرّكم، فافتدى منهم بماله وهاجر، فلما رآه أبو بكر رضي الله عنه قال له: ربح البيع يا صهيب.

وقال له عمر: نعم الرجل صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه، وهو ثناء عظيم: يريد لو لم يخلق الله ناراً لأطاعه، فكيف ﴿ فِى الله ﴾ في حقه ولوجهه ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ صفة للمصدر، أي لنبوأنهم تبوئة حسنة.

وفي قراءة علي رضي الله عنه.

﴿ لنثوّينهم ﴾ ومعناه: أثوأة حسنة.

وقيل: لننزلهم في الدنيا منزلة حسنة، وهي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، وعلى العرب قاطبة، وعلى أهل المشرق والمغرب.

وعن عمر رضي الله عنه أنه كان إذاً أعطى رجلاً من المهاجرين عطاء قال: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك ربك في الدنيا.

وما ذخر لك في الآخرة أكثر وقيل: لنبوّأنهم مباءة حسنة وهي المدينة، حيث آواهم أهلها ونصروهم ﴿ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ الضمير للكفار، أي: لو علموا أنّ الله يجمع لهؤلاء المستضعفين في أيديهم الدنيا والآخرة، لرغبوا في دينهم.

ويجوز أن يرجع الضمير إلى المهاجرين، أي: لو كانوا يعلمون ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم ﴿ الذين صَبَرُواْ ﴾ على هم الذين صبروا.

أو أعني الذين صبروا، وكلاهما مدح، أي: صبروا على العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله المحبوب في كل قلب، فكيف بقلوب قوم هو مسقط رؤسهم، وعلى المجاهدة وبذل الأرواح في سبيل الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا ﴾ هم رَسُولُ اللَّهِ  وأصْحابُهُ المُهاجِرُونَ ظَلَمَهم قُرَيْشٌ فَهاجَرَ بَعْضُهم إلى الحَبَشَةِ ثُمَّ إلى المَدِينَةِ وبَعْضُهم إلى المَدِينَةِ، أوِ المَحْبُوسُونَ المُعَذَّبُونَ بِمَكَّةَ بَعْدَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ  وهم بِلالٌ وصُهَيْبٌ وخَبّابٌ وعَمّارٌ وعابِسٌ وأبُو جَنْدَلٍ وسُهَيْلٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وقَوْلُهُ: ﴿ فِي اللَّهِ ﴾ أيْ في حَقِّهِ ولِوَجْهِهِ.

﴿ لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ مَباءَةً حَسَنَةً وهي المَدِينَةُ أوْ تَبْوِئَةً حَسَنَةً.

﴿ وَلأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ ﴾ مِمّا يُعَجَّلُ لَهم في الدُّنْيا.

وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّهُ كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءً قالَ لَهُ خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ هَذا ما وعَدَكَ اللَّهُ في الدُّنْيا وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أفْضَلُ.

﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ أيْ لَوْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُهاجِرِينَ خَيْرَ الدّارَيْنِ لَوافَقُوهم، أوْ لِلْمُهاجِرِينَ أيْ لَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَزادُوا في اجْتِهادِهِمْ وصَبْرِهِمْ.

﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ عَلى الشَّدائِدِ كَأذى الكُفّارِ ومُفارَقَةِ الوَطَنِ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ أوِ الرَّفْعُ عَلى المَدْحِ.

﴿ وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ مُنْقَطِعِينَ إلى اللَّهِ مُفَوِّضِينَ إلَيْهِ الأمْرَ كُلَّهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والذين هاجروا فِى الله} في حقه ولوجهة {مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} هم رسول الله وأصحابه ظلمهم أهل مكة ففروا بدينهم إلى الله منهم من هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة فجمع بين الهجرتين ومنهم من هاجر إلى المدينة {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى الدنيا حَسَنَة} صفة للمصدر أي تبوئة حسنة أو لنبوئنهم مباءة حسنة وهي المدنية حيث آواهم أهلها ونصروهم {وَلأَجْرُ الآخرة أَكْبَرُ} الوقف لازم عليه لأن جواب {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} محذوف والضمير للكفار أي لو علموا ذلك لرغبوا في الدين أو للمهاجرين أي لو كانوا يعلمون لزادوا في اجتهادهم وصبرهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ ﴾ أيْ في حَقِّهِ- فَفِي- عَلى ظاهِرِها فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّها هِجْرَةٌ مُتَمَكِّنَةٌ تَمَكُّنَ الظَّرْفِ في مَظْرُوفِهِ فَهي ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ أوْ لِأجْلِ رِضاهُ- فَفِي- لِلتَّعْلِيلِ كَما في قَوْلِهِ  : ««إنَّ امْرَأةً دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ»» والمُهاجَرَةُ في الأصْلِ مُصارَمَةُ الغَيْرِ ومُتارَكَتُهُ واسْتُعْمِلَتْ في الخُرُوجِ مِن دارِ الكُفْرِ إلى دارِ الإيمانِ أيْ والَّذِينَ هَجَرُوا أوْطانَهم وتَرَكُوها في اللَّهِ تَعالى وخَرَجُوا ﴿ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ظُلْمِ الكُفّارِ إيّاهم.

أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ  ظَلَمَهم أهْلُ مَكَّةَ فَخَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ حَتّى لَحِقَ طَوائِفُ مِنهم بِأرْضِ الحَبَشَةِ ثُمَّ بَوَّأهُمُ اللَّهُ تَعالى المَدِينَةَ بَعْدَ ذَلِكَ حَسْبَما وعَدَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ أيْ مَباءَةً حَسَنَةً، وحاصِلُهُ لَنُنْزِلُهم في الدُّنْيا مَنزِلًا حَسَنًا، وعَنِ الحَسَنِ دارًا حَسَنَةً، والتَّقْدِيرُ الأوَّلُ أظْهَرُ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ، والثّانِي أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَبَوَّءُوا الدّارَ  ﴾ ، وأيًّا ما كانَ- فَحَسَنَةً- صِفَةُ مَحْذُوفٍ مَنصُوبٍ نَصْبَ الظُّرُوفِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِنُبَوِّئَنَّهم عَلى مَعْنى لَنُعْطِيَنَّهم مَنزِلَةً حَسَنَةً، وفُسِّرَ ذَلِكَ بِالغَلَبَةِ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ ظَلَمُوهم وعَلى العَرَبِ قاطِبَةً، وقِيلَ: هي ما بَقِيَ لَهم في الدُّنْيا مِنَ الثَّناءِ وما صارَ لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ التَّقْدِيرَ مَعِيشَةً حَسَنَةً أيْ رِزْقًا حَسَنًا وقِيلَ: التَّقْدِيرُ عَطِيَّةً حَسَنَةً، والمُرادُ بِالعَطِيَّةِ المُعْطى، ويُفَسَّرُ ذَلِكَ بِكُلِّ شَيْءٍ حَسَنٍ نالَهُ المُهاجِرُونَ في الدُّنْيا، وقَدَّرَ بَعْضُهم تَبْوِئَةً حَسَنَةً فَهو صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وقَدْ تُعْتَبَرُ هَذِهِ التَّبْوِئَةُ بِحَيْثُ تَشْمَلُ إعْطاءَ كُلِّ شَيْءٍ حَسَنٍ صارَ لِلْمُهاجِرِينَ عَلى نَحْوِ السّابِقِ.

وفي البَحْرِ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ انْتِصابَ ( حَسَنَةً ) عَلى المَصْدَرِ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ لِأنَّ مَعْنًى لَنُبَوِّئَنَّهم لَنُحْسِنَنَّ إلَيْهِمْ فَحَسَنَةً بِمَعْنى إحْسانًا، وعَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ (الَّذِينَ هاجَرُوا) مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ) خَبَرُهُ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ( الَّذِينَ ) مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، والأوَّلُ مُتَعَيِّنٌ عِنْدَ أبِي حَيّانَ قالَ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ وُقُوعِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ خِلافًا لِثَعْلَبٍ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الخَبَرَ في مِثْلِ ذَلِكَ «إنَّما هو جُمْلَةُ الجَوابِ المُؤَكَّدَةُ بِالقَسَمِ وهي إخْبارِيَّةٌ لا إنْشائِيَّةٌ، واعْتُرِضَ عَلى أبِي البَقاءِ في الوَجْهِ الثّانِي بِأنَّهُ لا يَجُوزُ النَّصْبُ بِالفِعْلِ المَحْذُوفِ إلّا حَيْثُ يَجُوزُ لِلْمَذْكُورِ أنْ يَعْمَلَ في ذَلِكَ المَنصُوبِ حَتّى يَصِحَّ أنْ يَكُونَ مُفَسِّرًا وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ زَيْدًا لَأضْرِبَنَّ فَلا يَجُوزُ زَيْدًا لَأضْرِبَنَّهُ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( حَسَنَةً ) هَذا.

ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في صُهَيْبٍ وبِلالٍ وعَمّارٍ وخَبّابٍ وعابِسٍ وجُبَيْرٍ وأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ أخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ فَجَعَلُوا يُعَذِّبُونَهم لِيَرُدُّوهم عَنِ الإسْلامِ، فَأمّا صُهَيْبٌ فَقالَ لَهُمْ: أنا رَجُلٌ كَبِيرٌ إنْ كُنْتُ مَعَكم لَمْ أنْفَعْكم وإنْ كُنْتُ عَلَيْكم لَمْ أضُرَّكم فافْتَدى مِنهم بِمالِهِ وهاجَرَ فَلَمّا رَآهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: رَبِحَ البَيْعُ يا صُهَيْبُ وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخْفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ، والجُمْهُورُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ بَلْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، ولَمْ نَجِدْ لِهَذا الخَبَرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما سَنَدًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.

وذَكَرَ العَلّامَةُ الشَّيْخُ بَهاءُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ في شَرْحِ التَّلْخِيصِ كَغَيْرِهِ مِنَ المُحْدَثِينَ مِثْلَ الحافِظِ العَلّامَةِ زَيْنِ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحِيمِ العِراقِيِّ ووَلَدِهِ الفَقِيهِ الحافِظِ أبِي زُرْعَةَ وغَيْرِهِما فِيما نُسِبَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيهِ مِن قَوْلِهِ: نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ إلى آخِرِهِ أنّا لَمْ نَجِدْهُ في شَيْءٍ مِن كُتُبِ الحَدِيثِ بَعْدَ الفَحْصِ الشَّدِيدِ، وهَذا يُوقِعُ شُبْهَةً قَوِيَّةً في صِحَّةِ ذَلِكَ.

نَعَمْ في الدَّرِّ المَنثُورِ، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في هَؤُلاءِ الَّذِينَ هاجَرُوا: هم قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ هاجَرُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ  بَعْدَ ظُلْمِهِمْ ثُمَّ قالَ: وظُلْمُهُمُ الشِّرْكُ، لَكِنْ يَقْتَضِي هَذا بِظاهِرِهِ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يَقْرَأُ «ظَلَمُوا» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ.

وأوْرَدَ عَلى الخِبْرَيْنِ أنَّهُ قِيلَ: إنِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ في آخِرِها فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، ويَلْتَزِمُ إذا صَحَّ الخَبَرُ الذَّهابُ إلى أنَّ فِيها مَدَنِيًّا غَيْرَ ذَلِكَ، أوِ القَوْلُ بِأنَّ المُرادَ مِنَ المَكِّيِّ ما نَزَلَ في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ، أوْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمْ تَنْزِلْ بِالمَدِينَةِ وأنَّ المَكِّيَّ ما نَزَلْ بِغَيْرِها، أوِ القَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الإخْبارِ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، والكُلُّ كَما تَرى، ولا يُرَدُّ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ مُخالِفٌ لِلْقَوْلِ المَشْهُورِ في السُّورَةِ لِأنَّ هِجْرَةَ الحَبَشَةِ كانَتْ قَبْلَ هِجْرَةِ المَدِينَةِ فَلا مانِعَ مِن كَوْنِ الآيَةِ مَكِّيَّةً بِالمَعْنى المَشْهُورِ عَلَيْهِ، لَكِنْ قِيلَ: إنَّ قَتادَةَ القائِلُ بِما تَقَدَّمَ قائِلٌ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ إلى آخِرِ السُّورَةِ مَدَنِيَّةٌ وهو آبٍ عَمّا ذُكِّرَ، ومِن هُنا حَمَلَ بَعْضُهم ما نُقِلَ عَنْهُ سابِقًا عَلى أنَّ نُزُولَها كانَ بَيْنَ الهِجْرَتَيْنِ بِالمَدِينَةِ، ولا يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الأقْوالِ أصْلًا، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ إلّا الآياتِ لَيْسَتْ هَذِهِ مِنها بَلْ هي مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ بَيْنَ الهِجْرَتَيْنِ فِيمَن ذَكَرَهُ الجُمْهُورُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الَّذِينَ هاجَرُوا عامٌّ في المُهاجِرِينَ كائِنًا مَن كانَ فَيَشْمَلُ أوَّلَهم وآخِرَهم وكانَ هَذا مِن قائِلِهِ اعْتِبارٌ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما هو المُقَرَّرُ عِنْدَهم.

وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وعَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ.

والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ- -لَنُثْوِيَنَّهُمْ- بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ مِن أثْوى المَنقُولِ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ مِن ثَوى بِالمَكانِ أقامَ فِيهِ، قالَ في البَحْرِ: وانْتِصابُ (حَسَنَةً) عَلى تَقْدِيرِ إثْواءَةً حَسَنَةً أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ أيْ في حَسَنَةٍ أيْ دارٍ حَسَنَةٍ أوْ مَنزِلَةٍ حَسَنَةٍ ولا مانِعَ عَلى ما قِيلَ مِنِ اعْتِبارِ تَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى نُعْطِيهِمْ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أحَدِ الأقْوالِ عَلى شَرَفِ المَدِينَةِ وشَرَفِ إخْلاصِ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى ﴿ ولأجْرُ الآخِرَةِ ﴾ أيْ أجْرُ أعْمالِهِمُ المَذْكُورَةِ في الدّارِ الآخِرَةِ ﴿ أكْبَرُ ﴾ مِمّا يُعَجِّلُ لَهم في الدُّنْيا.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ كانَ إذا أعْطى الرَّجُلَ مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءً يَقُولُ لَهُ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ تَعالى لَكَ هَذا ما وعَدَكَ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا وما أخَّرَ لَكَ في الآخِرَةِ أفْضَلُ ثُمَّ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، وقِيلَ: المُرادُ أكْبَرُ مِن أنْ يَعْلَمَهُ أحَدٌ قَبْلَ مُشاهَدَتِهِ، ولا يَخْفى ما في مُخالَفَةِ أُسْلُوبِ هَذا الوَعْدِ لِما قَبْلَهُ مِنَ المُبالَغَةِ ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ الضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ الظّالِمِينَ أيْ لَوْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُهاجِرِينَ خَيْرَ الدّارَيْنِ لَوافَقُوهم في الدِّينِ، وقِيلَ: هو لِلْمُهاجِرِينَ أيْ لَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَزادُوا في الِاجْتِهادِ ولَما تَألَّمُوا لِما أصابَهم مِنَ المُهاجَرَةِ وشَدائِدِها ولازْدادُوا سُرُورًا.

وفي المَعالِمِ لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأنَّ المُهاجِرِينَ يَعْلَمُونَهُ ودُفِعَ بِأنَّ المُرادَ عِلْمُ المُشاهِدَةِ ولَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ أوِ المُرادُ العِلْمُ التَّفْصِيلِيُّ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ الهِجْرَةِ يَعْنِي لَوْ عَلِمَ المُتَخَلِّفُونَ عَنِ الهِجْرَةِ ما لِلْمُهاجِرِينَ مِنَ الكَرامَةِ لَوافَقُوهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ يعني: إن بعثهم على الله يسير إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة: فَيَكُونُ بضم النون، وقرأ الباقون: بالنصب.

قوله: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ أي: هاجروا من مكة إلى المدينة في طاعة الله مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا أي: عذبوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً أي: لننزلنهم بالمدينة ولنعطينهم الغنيمة، فهذا الثواب في الدنيا وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أي: الجنة أَكْبَرُ أي: أفضل لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أي: يصدقون بالثواب.

ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ صَبَرُوا على العذاب وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي: يثقون به ولا يثقون بغيره، منهم: بلال بن حمامة، وعمار بن ياسر، وصهيب بن سنان، وخباب بن الأرت.

قال مقاتل: نزلت الآية في هؤلاء الأربعة، عذبوا على الإيمان بمكة.

وقال في رواية الكلبي: نزلت في ستة نفر من أصحاب رسول الله  ، أسرهم أهل مكة، وذكر هؤلاء الأربعة، واثنين آخرين: عابس وجبير مولى لقريش، فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام.

فأما صهيب فابتاع نفسه بماله ورجع إلى المدينة، وأما سائر أصحابه فقالوا بعض ما أرادوا، ثم هاجروا إلى المدينة بعد ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ...

الآية: إِلى قوله: فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ، وقرأ حمزة والكسائِيُّ وعاصم «١» : «لاَ يَهْدِي» - بفتح الياء وكسر الدال-، وذلك على معنيين: أيْ: إِن اللَّه لا يَهْدِي من قضَى بإِضلاله، والمعنى الثاني: أنَّ العربَ تقُولُ: هَدَى الرَّجُلُ، بمعنى اهتدى.

وقوله سبحانه: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ: الضمير في أَقْسَمُوا لكفَّار قريش، ثم رَدَّ اللَّه تعالى عليهم بقوله: بَلى، فأوجب بذلك البعث، وأَكْثَرَ النَّاسِ في هذه الآية: الكفَّار المكذِّبون بالبَعْث.

وقوله سبحانه: لِيُبَيِّنَ: التقدير: بلى يبعثه ليبيِّن لهم الذي يَخْتَلِفُونَ فيه.

وقوله سبحانه: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ ...

الآية: المَقْصَدُ بهذه الآية إِعلامُ مُنْكِرِي البَعْث بِهَوَانِ أمره على اللَّه تعالى، وقُرْبِهِ في قُدْرته، لا ربِّ غيره.

أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧)

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا: هؤلاء هُمُ الذين هاجروا إِلى أرض الحبشةِ، هذا قول الجمهورِ، / وهو الصحيحُ في سبب نزولِ الآية لأن هجرة المدينة لم تكُنْ وقْتَ نزول الآيةِ، والآيةُ تتناوَلُ كلَّ مَنْ هاجر أَولاً وآخراً، وقرأ جماعة «٢» خارجَ السبْعِ: «لَنُثْوِيَنَّهُمْ» ، واختلف في معنى الحسنة هنا، فقالتْ فرقة:

الحسنةُ عِدَةٌ بَبُقْعةٍ شريفةٍ، وهي المدينةُ، وذهبَتْ فرقةٌ إِلى أن الحسنة عامّة في كلّ أمر

مستحسَنٍ يناله ابنُ آدم، وفي هذا القولِ يدخُلُ ما رُوِيَ عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه: أنه كَانَ يُعْطِي المَالَ وَقْتَ القِسْمَة الرَّجُلَ مِنَ المُهَاجِرِينَ، ويقُولُ له: خُذْ ما وَعَدَكَ اللَّهُ في الدنيا، وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ، ثم يتلو هذه «١» الآية، ويدخل في هذا القولِ النَّصْرُ على العدوِّ، وفتْحُ البلادِ، وكلُّ أَمَلٍ بلغه المهاجرون، والضمير في يَعْلَمُونَ عائدٌ على كفار قريشٍ.

وقوله: الَّذِينَ صَبَرُوا: من صفة المهاجرين.

وقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ: هذه الآيةُ ردٌّ على كفَّار قريش الذينَ استبعدوا أنْ يبعثَ اللَّه بشراً رَسُولاً، ثم قال تعالى: فَسْئَلُوا، أي: قل لهم: فَسْئَلُوا، وأَهْلَ الذِّكْرِ هنا: أحبارِ اليهودِ والنصارَى قاله ابن عباس وغيره «٢» ، وهو أظهر الأقوال، وهم في هذه النازِلَةِ خاصَّة إِنما يخبرون بأنَّ الرسُلَ من البَشَر، وأخبارُهم حجَّة على هؤلاء، وقدْ أرسلَتْ قريشٌ إِلى يهودِ يَثْرِبَ يسألونهم ويُسْنِدُون إِليهم.

وقوله: بِالْبَيِّناتِ: متعلِّق بفعلٍ مضمرٍ، تقديره: أرسلناهم بالبيِّنات، وقالتْ فرقة:

الباءُ متعلِّقة ب أَرْسَلْنا في أول الآية، والتقدير على هذا: وما أرسلنا من قبلك بالبيِّنات والزُّبُرِ إِلاَّ رجالا، ففي الآية تقديم وتأخير، والزُّبُرِ: الكُتُبُ المزبورة.

وقوله سبحانه: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ...

الآية.

ت: وقد فعل صلّى الله عليه وسلّم ذلك، فبيَّن عن اللَّهِ، وأوْضَح، وقد أوتي صلّى الله عليه وسلّم جوامعَ الكَلِم، فأعرب عن دين اللَّهِ، وأفصح، ولنذكُر الآن طَرَفاً من حِكَمِهِ، وفصيحِ كلامِهِ بحذف أسانيده، قال عِياضٌ في «شِفَاهُ» : وأما كلامه صلّى الله عليه وسلّم المعتادُ، وفصاحَتُه المعلومةُ، وجوامُع كَلِمِهِ، وحِكَمُه المأثورةُ، فمنها ما لا يُوَازَى فصاحةً، ولا يبارَى بلاغةً كقوله: «المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ» «٣» ، وقوله: «النّاس

كأسنان المشط» «١» ، «والمرء مَعَ مَنْ أَحَبَّ» «٢» ، و «لاَ خَيْرِ فِي صُحْبَةِ مَنْ لاَ يَرَى لَكَ مَا تَرَى لَهُ» «٣» ، و «النَّاسُ مَعَادِنٌ» «٤» ، و «مَا هَلَكَ امرؤ عَرَفَ قَدْرَهُ» ، و «المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ» ، و «هو بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَكَلَّم» «٥» ، و «رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً قَالَ خَيْراً فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ عَنْ شرّ فسلم» ،

وقوله: «أَسْلِمْ تَسْلَمْ» ، و «أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ» ، و «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ منّي

مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطّئون أَكْنَافاً الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ» ، وقوله: «لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِمَا لاَ يَعْنِيهِ، وَيَبْخَلُ بِمَا لاَ يُغْنِيهِ» ، وقوله: «ذُو الوَجْهَيْنِ لاَ يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً» / وَنَهْيُهُ عَنْ قِيلٍ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ المَالِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ، وَعُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ البَنَاتِ «١» ، وقوله: «اتق اللَّهَ حَيْثُ كُنْتَ، وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها،

وَخَالِق النَّاسَ بِخُلُقٍ حسنٍ» «١» و «خَيْرُ الأُمُورِ أَوْسَاطُها» ، وقوله: «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَّا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَّا» ، وقوله: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَة» ، وقولِهِ في بَعْضِ دعائه: «اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قَلْبِي، وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي، وَتُلِمُّ بِهَا شَعْثِي «٢» ، وَتُصْلِحُ بِهَا غَائِبِي، وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدِي، وتُزَكِّي بِهَا عَمَلِي، وَتُلْهِمُنِي بِهَا رَشَدِي، وَتُرَدُّ بِهَا أُلْفَتِي، وَتَعْصِمُنِي بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ، اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ الفَوْزَ فِي القَضَاءِ، وَنُزُلَ الشُّهَدَاءِ، وَعَيْشَ السُّعَدَاءِ، وَالنَّصْرَ عَلَى الأَعْدَاءِ» ، إِلى غَيْرِ ذلكَ مِنْ بيانِهِ، وحُسْنِ كلامه ممَّا روته الكافَّة مما لا يُقَاسُ به غيره، وحاز فيه سبقاً لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ كقوله:

«السَّعَيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، والشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ» في أخواتها مما يدرك الناظِرُ العَجَبَ في مضمَّنها، ويذهَبُ به الفكْرُ في أداني حكمها، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ، وَنَشَأْتُ فِي بَنِي سَعْدٍ» ، فجمع اللَّه له بذلك قُوَّة عارضَةِ الباديةِ وجزالَتَهَا، وَنَصَاعَةَ ألفاظِ الحاضِرَةِ وَرَوْنَقَ كلامِهَا، إِلى التأييد الإلهي الذي مَدَدُهُ الوَحْي، الذي لا يحيطُ بعلمه بَشَرِيّ.

انتهى.

وبالجملة فليس بَعْدَ بيان اللَّه ورسُولِهِ بيانٌ لمن عَمَّر اللَّهُ قلْبَه بالإِيمان.

وقوله سبحانه: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ ...

الآية: تهديدٌ لكفَّار مكَّة ونَصْبُ السيئات ب مَكَرُوا وعُدِّيَ مَكَرُوا لأنه في معنى عملوا، قال البخاريُّ: قال ابن عباس: فِي تَقَلُّبِهِمْ، أي: في اختلافهم «٣» انتهى.

وقال المهدويُّ: قال قتادة: فِي تَقَلُّبِهِمْ: في أسفارهم «٤» ، الضَّحَّاك: فِي تَقَلُّبِهِمْ: باللْيلِ انتهى.

وقوله: عَلى تَخَوُّفٍ، على جهة التخُّوف، والتخُّوفُ التنقُّص، وروي أن عمر بن الخطَّاب رضي اللَّه عنه خَفِيَ عليه معنى التخُّوف في هذه الآية، وأراد الكَتْبَ إلى الأمصار يسأل عن ذلك، فيروَى أنه جاءه فَتًى مِن العرب، فقال: يا أمير المؤمِنِين، إِنَّ أَبي يتخَّوفُنِي مَالي، فقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ!

أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ «٥» ، ومنه قول النابغة: [الطويل]

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانَ لَهُ عَلى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ دَيْنٌ، فَأتاهُ يَتَقاضاهُ، فَكانَ فِيما تَكَلَّمَ بِهِ: والَّذِي أرْجُوهُ بَعْدَ المَوْتِ، فَقالَ المُشْرِكُ: وإنَّكَ لَتَزْعُمُ أنَّكَ تُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ ؟!

فَأقْسَمَ بِاللَّهِ ﴿ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ ﴾ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

و ﴿ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ مُفَسَّرٌ في (المائِدَةِ:٥٣) .

وقَوْلُهُ: ﴿ بَلى ﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ، قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى: " بَلى " لَيَبْعَثَنَّهم " وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالبَعْثِ، فَيَكُونُ المَعْنى: بَلى يَبْعَثُهم فَيُبَيِّنُ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا ﴾ لِيُبَيِّنَ لَهم.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم جَمِيعُ النّاسِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، يُبَيِّنُ لَهم بِالبَعْثِ ما خالَفُوا المُؤْمِنِينَ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ ﴾ أيْ: فِيما أقْسَمُوا عَلَيْهِ مِن نَفْيِ البَعْثِ.

ثُمَّ أخْبَرَ بِقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: " فَيَكُونُ " رَفْعًا، وكَذَلِكَ في كُلِّ القُرْآنِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ " فَيَكُونَ " نَصْبًا.

قالَ مَكِّيُّ بْنُ إبْراهِيمَ: مَن رَفَعَ، قَطَعَهُ عَمّا قَبْلَهُ، والمَعْنى: فَهو يَكُونُ، ومَن نَصَبَ، عَطَفَهُ عَلى " يَقُولَ "، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ وَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وقَدْ فَسَّرْناهُ في (البَقَرَةِ:١١٧) .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سُمِّيَ الشَّيْءُ قَبْلَ وُجُودِهِ شَيْئًا ؟

فالجَوابُ: أنَّ الشَّيْءَ وقَعَ عَلى المَعْلُومِ عِنْدَ اللَّهِ قَبْلَ الخَلْقِ، لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ ما قَدْ عُويِنَ وشُوهِدَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في سِتَّةٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، بِلالٍ، وعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وعايِشٍ وجَبْرٍ مَوْلَيانِ لِقُرَيْشٍ، أخَذَهم أهْلُ مَكَّةَ فَجَعَلُوا يُعَذِّبُونَهم، لِيَرُدُّوهم عَنِ الإسْلامِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، قالَهُ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم جَمِيعُ المُهاجِرِينَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَهُ قَتادَةُ.

ومَعْنى ﴿ هاجَرُوا في اللَّهِ ﴾ ، أيْ: في طَلَبِ رِضاهُ وثَوابِهِ ﴿ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا ﴾ بِما نالَ المُشْرِكُونَ مِنهم، ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ وفِيها خَمْسَةُ أقْوالٍ:أحَدُها: لَنُنْزِلَنَّهُمُ المَدِينَةَ، رَوى هَذا المَعْنى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَنُبَوِّئَنَّهم دارًا حَسَنَةً وبَلْدَةً حَسَنَةً.

والثّانِي: لَنَرْزُقَنَّهم في الدُّنْيا الرِّزْقَ الحَسَنَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: النَّصْرُ عَلى العَدُوِّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ ما بَقِيَ بَعْدَهم مِنَ الثَّناءِ الحَسَنِ، وصارَ لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، وقَدْ رُوِيَ مَعْناهُ عَنْ مُجاهِدٍ، فَرَوى عَنْهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ أنَّهُ قالَ: ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ قالَ: لِسانٌ صادِقٌ.

والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: لَنُحْسِنَنَّ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا، قالَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي: فَتَكُونُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ " لَنُبَوِّئَنَّهم "، عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، إلّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: الجَنَّةَ، ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ.

وَنُقِلَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّهُ كانَ إذا أعْطى الرَّجُلَ مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءَهُ، قالَ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذا ما وعَدَكَ اللَّهُ في الدُّنْيا، وما ذَخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أفْضَلُ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أثْنى عَلَيْهِمْ ومَدَحَهم بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ أيْ: عَلى دِينِهِمْ، لَمْ يَتْرُكُوهُ لِأذًى نالَهم، وهم في ذَلِكَ واثِقُونَ بِرَبِّهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في اللهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُنْيا حَسَنَةً ولأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ بِالبَيِّناتِ والزُبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ ﴾ لِمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى كُفّارَ مَكَّةَ الَّذِينَ أقْسَمُوا أنَّ اللهَ لا يَبْعَثُ مَن يَمُوتُ ورَدَ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم ذَكَرَ مُؤْمِنِي مَكَّةَ المُعاصِرِينَ لَهُمْ، وهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الصَحِيحُ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّ هِجْرَةَ المَدِينَةِ لَمْ تَكُنْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ الآيَةِ أبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرُو، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ أمْرَ أبِي جَنْدَلٍ إنَّما كانَ والنَبِيِّ  بِالمَدِينَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ في عَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابٍ وأصْحابِهِمُ الَّذِينَ أُوذُوا بِمَكَّةَ وخَرَجُوا عنها، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فالآيَةُ تَتَناوَلُ بِالمَعْنى كُلَّ مَن هاجَرَ أوَّلًا وآخِرًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "لِنُبَوِّئَنَّهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ونَعِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والرَبِيعُ بْنُ خَثْيَمٍ، وَأمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَنُثْوِيَنَّهُمْ"، وهاتانِ اللَفْظَتانِ مَعْناهُما التَقْرِيرُ في مَوْضِعٍ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "الحَسَنَةُ" عِدَةٌ بِبُقْعَةٍ شَرِيفَةٍ كَشَفَ الغَيْبَ أنَّها كانَتِ المَدِينَةَ، وإلَيْها كانَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "حَسَنَةً"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الحَسَنَةُ لِسانُ الصِدْقِ الباقِي عَلَيْهِمْ في غابِرِ الدَهْرِ، وفي قَوْلِهِ: "لَنُبَوِّئَنَّهُمْ" أو "لَنُثْوِيَنَّهُمْ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ في لِسانِ الصِدْقِ تَجَوُّزٌ كَثِيرٌ واسْتِعارَةٌ بَعِيدَةٌ، وهَذا عَلى أنَّ "الحَسَنَةَ" هي الحَياةُ والمَثْوى، وأنَّ الفِعْلَ الظاهِرَ عامَلٌ فِيها، وقالَأبُو الفَتْحِ: نَصَبَها عَلى مَعْنى: "نُحْسِنُ إلَيْهِمْ في ذَلِكَ إحْسانًا"، وجُعِلَتْ "حَسَنَةٌ" مَوْضِعَ "إحْسانًا"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ الحَسَنَةَ عامَّةٌ في كُلِّ أمْرٍ مُسْتَحْسَنٍ يَنالُهُ ابْنُ آدَمَ، وتُخْفى الِاسْتِعارَةُ المَذْكُورَةُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، وفي هَذا القَوْلِ يَدْخُلُ ما رُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ يُعْطِي المالَ وقْتَ القِسْمَةِ لِلرَّجُلِ مِنَ المُهاجِرِينَ ويَقُولُ لَهُ: خُذْ ما وعَدَكَ اللهُ في الدُنْيا ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ، ويَدْخُلُ في هَذا القَوْلِ النَصْرُ عَلى العَدْوِ وفَتْحُ البِلادِ وكُلُّ أمَلٍ بَلَغَهُ المُهاجِرُونَ، و"أجْرُ الآخِرَةِ" هُنا إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ، والضَمِيرُ في "يَعْلَمُونَ" عائِدٌ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، وجَوابُ "لَوْ" مُقَدَّرٌ مَحْذُوفٌ، ومَفْعُولُ "يَعْلَمُونَ" كَذَلِكَ، وفي هَذا نَظَرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ مِن صِفَةِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ وعَدَهُمُ اللهُ، والصَبْرُ يَجْمَعُ: عَنِ الشَهَواتِ، وعَلى المَكارِهِ في اللهِ تَعالى، والتَوَكُّلِ بِتَفاصِيلِ مَراتِبِهِ، فَمُطِيلٌ فِيهِ وذَلِكَ مُباحٌ حَسَنٌ، ما لَمْ يَغُلْ حَتّى يُسَبِّبَ الهَلاكَ، ومُتَوَسِّطُ يَسْعى جَمِيلًا ويَتَوَكَّلُ، وهَذا مَعَ قَوْلِ النَبِيِّ  : « "قَيِّدْها وتَوَكَّلَ"،» ومُقَصِّرٌ لا نَفْعَ في تَقْصِيرِهِ، وإنَّما لَهُ ما قُدِّرَ لَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ رَدٌّ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَكُونَ البَشَرُ رَسُولًا مِنَ اللهِ تَعالى، فَأعْلَمَهُمُ اللهُ مُخاطِبًا لِمُحَمَّدٍ  أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ إلى الأُمَمِ إلّا رِجالًا، ولَمْ يُرْسِلْ مَلِكًا ولا غَيْرَ ذَلِكَ، و"رِجالًا" مَنصُوبٌ بِـ "أرْسَلْنا"، و"إلّا" إيجابٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُوحى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ مِن طَرِيقٍ حَفَصٍ وحْدَهُ "نُوحِي" بِالنُونِ وكَسْرِ الحاءِ، وهي قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: "فَسْألُوا؛ أيْ: قُلْ لَهم فاسْألُوا، و"أهْلُ الذِكْرِ" هُنا اليَهُودُ والنَصارى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والحَسَنُ.

وقالَ الأعْمَشُ، وسُفْيانُ بْنُ عُيَيِنَةَ: المُرادُ مِن أسْلَمِ مِنهُمْ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ زَيْدٍ: "أهْلُ الذِكْرِ": أهَّلُ القُرْآنِ، وهَذانَ القَوْلانِ فِيهِما ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ لا حُجَّةَ عَلى الكُفّارِ في إخْبارِ المُؤْمِنِينَ بِما ذَكَرَ، لِأنَّهم يَكْذِبُونَ هَذِهِ الصَنائِفَ، وقالَ الزَجاجُ: "أهْلُ الذِكْرِ" عامٌ في كُلِّ مَن يُعَزّى إلى عِلْمٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأظْهَرُ في هَذا كُلِّهِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنْ يَكُونَ أهْلُ الذِكْرِ هُنا أحْبارَ اليَهُودِ والنَصارى الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا، وهم في هَذِهِ النازِلَةِ خاصَّةٌ إنَّما يُخْبِرُونَ بِأنَّ الرُسُلَ مِنَ البَشَرِ، وأخْبارُهم حُجَّةٌ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّهم لَمْ يَزالُوا مُصَدِّقِينَ لَهُمْ، ولا يَتَّهِمُونَ بِشَهادَةِ لَنا لِأنَّهم مُدافِعُونَ في صَدْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ  قاتَلَهُمُ اللهُ، وهَذا هو كَسْرُ حُجَّتِهِمْ مِن مَذْهَبِهِمْ، لا أنّا افْتَقَرْنا إلى شَهادَةِ هَؤُلاءِ، بَلِ الحَقُّ واضِحٌ في نَفْسِهِ، وقَدْ أرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلى يَهُودِ يَثْرِبِ يَسْألُونَهم ويَسْتَنِدُونَ إلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالبَيِّناتِ" مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أرْسَلْناهم بِالبَيِّناتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أرْسَلْنا" في أوَّلِ الآيَةِ، والتَقْدِيرُ -عَلى هَذا-: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ بِالبَيِّناتِ والزُبُرِ إلّا رِجالًا، فَفي الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، و"الزُبُرُ": الكُتُبُ المَزْبُورَةُ، تَقُولُ: "زَبَرْتَ ودَبَّرْتَ" إذا كَتَبَتْ، و"الذِكْرَ" في هَذِهِ الآيَةِ القُرْآنُ.

وقَوْلُهُ: "لِتُبَيِّنَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لِتُبَيِّنَ بِسَرْدِكَ نَصَّ القُرْآنِ ما نَزَلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لِتُبَيِّنَ بِتَفْسِيرِكَ المُجْمَلَ وبِشَرْحِكَ ما أُشْكِلَ مِمّا نَزَلَ، فَيَدْخُلُ في هَذا ما بَيَّنَتْهُ السُنَّةُ مِن أمْرِ الشَرِيعَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما ثبتت حكمة البعث بأنها تبيين الذي اختلف فيه الناس من هدى وضلالة، ومن ذلك أن يتبين أن الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين يعلم منه أنّه بتبيين بالبعث أن الذين آمنوا كانوا صادقين بدلالة المضادة وأنهم مثابون ومكرمون.

فلما علم ذلك من السياق وقع التصريح به في هذه الآية.

وأدمج مع ذلك وعدهم بحسن العاقبة في الدنيا مقابلة وعيد الكافرين بسوء العاقبة فيها الواقع بالتعّريض في قوله تعالى: ﴿ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ [سورة النحل: 36].

فالجملة معطوفة على جملة ﴿ وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ﴾ [سورة النحل: 39].

والمهاجر: متاركة الدّيار لغرض ما.

وفي} مستعملة في التّعليل، أي لأجل الله.

والكلام على تقدير مضاف يظهر من السّياق.

تقديره: هاجروا لأجل مرضاة الله.

وإسناد فعل ﴿ ظلموا ﴾ إلى المجهول لظهور الفاعل من السّياق وهو المشركون.

والظلم يشمل أصناف الاعتداء من الأذى والتعذيب.

والتبوئة: الإسكان.

وأطلقت هنا على الجزاء بالحسنى على المهاجرة بطريق المضادّة للمهاجرة، لأن المهاجرة الخروج من الدّيار فيضادّها الإسكان.

وفي الجمع بين ﴿ هاجروا ﴾ و ﴿ لنبوئنهم ﴾ محسّن الطباق.

والمعنى: لنجازينّهم جزاءً حسناً.

فعبر عن الجزاء بالتّبوئة لأنه جزاء على ترك المباءة.

و ﴿ حسنة ﴾ صفة لمصدر محذوف جار على «نبوئنهم»، أي تبوئة حسنة.

وهذا الجزاء يجبر كل ما اشتملت عليه المهاجرة من الأضرار التي لقيها المهاجرون من مفارقة ديارهم وأهليهم وأموالهم، وما لاقَوُه من الأذى الذي ألجأهم إلى المهاجرة من تعذيب واستهزاء ومَذلّة وفتنة، فالحسنة تشتمل على تعويضهم دياراً خيراً من ديارهم، ووطناً خيراً من وطنهم، وهو المدينة، وأموالاً خيراً من أموالهم، وهي ما نالوه من المغانم ومن الخراج.

روي أن عُمر رضي الله عنه كان إذا أعطى رجلاً من المهاجرين عطاء قال له: «هذا ما وعدك ربّك في الدنيا، وما ذخر لك في الآخرة أكبر»؛ وغلبة لأعدائهم في الفتوح وأهمّها فتح مكّة، وأمناً في حياتهم بما نالوه من السلطان، قال تعالى: ﴿ وليبدلنّهم من بعد خوفهم أمنا ﴾ [سورة النور: 55].

وسبب النزول الذين هاجروا إلى أرض الحبشة من المسلمين لا محالة، أو الذين هاجروا إلى المدينة الهجرة الأولى قبل هجرة النبي وبقية أصحابه رضي الله عنهم مثل مصعب بن عمير وأصحابه إن كانت هذه الآية نازلة بعد الهجرة الأولى إلى المدينة.

وكلا الاحتمالين لا ينافي كون السورة مكّية.

ولا يقتضي تخصيص أولئك بهذا الوعد.

ثم أعقب هذا الوعد بالوعد العظيم المقصود وهو قوله: ولأجر الآخرة أكبر } .

ومعنى ﴿ أكبر ﴾ أنّه أهمّ وأنفع.

وإضافته إلى ﴿ الآخرة ﴾ على معنى (في)، أي الأمر الذي في الآخرة.

وجملة ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ معترضة، وهي استئناف بياني ناشئ عن جملة الوعد كلّها، لأن ذلك الوعد العظيم بخير الدنيا والآخرة يثير في نفوس السامعين أن يسألوا كيف لم يقتدِ بهم من بقوا على الكفر فتقع جملة ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ بياناً لما استبهم على السّائِل.

والتقدير: لو كانوا يعلمون ذلك لاقتدوا بهم ولكنّهم لا يعلمون.

فضمير ﴿ يعلمون ﴾ عائد إلى ﴿ الذين كفروا ﴾ [سورة النحل: 39].

ويجوز أن يكون السؤال المثار هو: كيف يحْزن المهاجرون على ما تركوه من ديارهم وأموالهم وأهليهم، فيكون: المعنى لو كان المهاجرون يعلمون ما أعدّ لهم عِلم مشاهدة لما حزِنوا على مفارقة ديارهم ولكانت هجرتهم عن شوق إلى ما يلاقونه بعد هجرتهم، لأن تأثير العلم الحسّي على المزاج الإنساني أقوى من العلم العقلي لعدم احتياج العلم الحسّي إلى استعمال نظر واستدلال، ولعدم اشتمال العلم العقلي على تفاصيل الكيفيات التي تحبّها النفوس وترتمي إليها الشهوات، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ﴾ [سورة البقرة: 260].

فليس المراد بقوله تعالى: لو كانوا يعلمون } لو كانوا يعتقدون ويؤمنون، لأن ذلك حاصل لا يناسب موقع ﴿ لو ﴾ الامتناعية.

فضمير ﴿ يعلمون ﴾ على هذا «للذين هاجروا».

وفي هذا الوجه تتناسق الضمائر.

و ﴿ الذين صبروا ﴾ صفة «للذين هاجروا».

والصبر: تحمّل المشاقّ.

والتّوكّل: الاعتماد.

وتقدم الصبر عند قوله تعالى: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ أوائل سورة البقرة (45).

والتوكل عند قوله تعالى: ﴿ فإذا عزمت فتوكل على الله ﴾ في سورة آل عمران (159).

والتعبير في جانب الصبر بالمضي وفي جانب التوكّل بالمضارع إيماء إلى أن صبرهم قد آذن بالانقضاء لانقضاء أسبابه، وأن الله قد جعل لهم فرجاً بالهجرة الواقعة والهجرة المترقّبة.

فهذا بشارة لهم.

وأنّ التوكّل ديدنهم لأنهم يستقبلون أعمالاً جليلة تتمّ لهم بالتوكّل على الله في أمورهم فهم يكرّرونه.

وفي هذا بشارة بضمان النجاح.

وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿ للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ [سورة الزمر: 10].

وتقديم المجرور في قوله تعالى: وعلى ربهم يتوكلون} للقصر، أي لا يتوكّلون إلاّ على ربّهم دون التوكّل على سادة المشركين وولائهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا ﴾ يَعْنِي مِن بَعْدِ ما ظَلَمَهم أهْلُ مَكَّةَ حِينَ أخْرَجُوهم إلى الحَبَشَةِ بَعْدَ العَذابِ والإبْعادِ.

﴿ لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: نُزُولُ المَدِينَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ.

الثّانِي: الرِّزْقُ الحَسَنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ لِسانُ صِدْقٍ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا خامِسًا: أنَّهُ ما اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِن فُتُوحِ البِلادِ وصارَ لَهم فِيها مِنَ الوِلاياتِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا سادِسًا: أنَّهُ ما بَقِيَ لَهم في الدُّنْيا مِنَ الثَّناءِ، وما صارَ فِيها لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ.

وَقالَ داوُدُ بْنُ إبْراهِيمَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَنْدَلِ بْنِ سَهْلٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في بِلالٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ عَذَّبَهم أهْلُ مَكَّةَ حَتّى قالُوا لَهم ما أرادُوا في الدُّنْيا، فَلَمّا خَلَّوْهم هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ.

وَرُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ إذا دَفَعَ إلى المُهاجِرِينَ العَطاءَ قالَ: هَذا ما وعَدَكُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا، وما خَوَّلَكم في الآخِرَةِ أكْثَرُ، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والترمذي وحسنه، وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان- واللفظ له- عن أبي ذر، عن رسول الله قال: «يقول الله: يا ابن آدم، كلكم مذنب إلا من عافيت..

فاستغفروني أغفر لكم.

وكلكم فقراء إلا من أغنيت، فسلوني أُعْطِكُم.

وكلكم ضال إلا من هديت، فسلوني الهدى أهدكم.

ومن استغفرني وهو يعلم أني ذو قدرة على أن أغفر له، غفرت له ولا أبالي.

ولو أن أوّلكم وآخركم وحيّكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على قلب أشقى واحد منكم، ما نقص ذلك من سلطاني مثل جناح بعوضة.

ولو أن أوّلكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على قلب أتقى واحد منكم، ما زادوا في سلطاني مثل جناح بعوضة.

ولو أن أوّلكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم سألوني حتى تنتهي مسألة كل واحد منكم، فأعطيتهم ما سألوني ما نقص ذلك مما عندي كغرز إبرة غمسها أحدكم في البحر، وذلك أني جواد ماجد واجد عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له ﴿ كن فيكون ﴾ » .

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا ﴾ قال: إنهم قوم من أهل مكة، هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ظلمهم، ظَلَمَهُمُ المشركون.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن داود بن أبي هند قال: نزلت ﴿ والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا....

﴾ إلى قوله: ﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ في أبي جندل بن سهيل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا ﴾ قال: هؤلاء أصحاب محمد، ظلمهم أهل مكة فأخرجوهم من ديارهم، حتى لحق طوائف منهم بأرض الحبشة، ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصاراً من المؤمنين ﴿ ولأجر الآخرة أكبر ﴾ قال: أي والله لما يثيبهم عليه من جنته ونعمته ﴿ أكبر لو كانوا يعلمون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الشعبي في قوله: ﴿ لنبوّئنهم في الدنيا حسنة ﴾ قال: المدينة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ لنبوّئنهم في الدنيا حسنة ﴾ قال: لنرزقنهم في الدنيا رزقاً حسناً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبان بن تغلب قال: كان الربيع بن خثيم يقرأ هذا الحرف في النحل ﴿ والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ﴾ ويقرأ في العنكبوت ﴿ لَنَثْويَنَّهُمْ من الجنة غرفا ﴾ [ العنكبوت: 58] ويقول: التَّنَبُّؤ في الدنيا والثواء في الآخرة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن عمر بن الخطاب: أنه كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاء يقول: خذ...

بارك الله لك، هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ادّخر لك في الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ﴾ الآية.

قال الفراء: ﴿ وَالَّذِينَ ﴾ موضعها رفع (١) (٢) ﴿ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ ﴾ : هاجروا في رضا الله وطلب ثوابه.

وقوله تعالى: ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ قال الشعبي وقتادة: بوأهم الله المدينة (٣)  -، وقال مجاهد: لنَرْزُقنّهم في الدنيا (٤) وقال الضحاك: يعني بالحسنة: النصر والفتح (٥) (٦) علفتها تبنًا وماءً باردًا (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد أن أمر الجنّة أعظم وأكثر (٩) (١٠) (١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 100، بلفظه.

(٢) ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 203 أ، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 67، و"تفسير السمرقندي" 2/ 236، عن مقاتل والكلبي، والشعبي 2/ 156 ب، و"تفسير الماوردي" 3/ 189، عن الكلبي، وأورده المؤلف في "أسباب النزول" ص 285، بلا سند، وهذا القول لا يعتد به في أسباب النزول؛ لوروده بلا إسناد، فضلاً عن كونه من رواية الكلبي، وقد أخرجه الطبري 14/ 107 برواية أخرى عن ابن عباس قال: هم قوم هاجروا إلى رسول الله -  - من أهل مكة من بعد ظلمهم، وظلمهم المشركون، وهذه كذلك لا يعتد بها في أسباب النزول؛ لكونها من الصيغ غير الصريحة، ولورودها من طريق العوفي، وهي ضعيفة، وخبَّاب هو: ابن الأرتّ، أبو عبد الله -  -، سبي في الجاهلية فبيع بمكة، فكان مولى أم أنمار الخزاعية، وقيل غير ذلك، ثم حالف بني زهرة، كان من السابقين في الإسلام، ومن المستضعفين، عذب بمكة عذابًا شديدًا حتى اشتكى إلى رسول الله -  -، هاجر إلى المدينة وشهد بدرًا وما بعدها، ونزل الكوفة ومات بها سنة (37 هـ).

انظر: "الاستيعاب" 2/ 21، و"أسد الغابة" 2/ 114، و"الإصابة" 1/ 416.

(٣) أخرجه الطبري 14/ 107 بلفظه عنهما من طريقين، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 67، عن الشعبي، و"تفسير الثعلبي" 2/ 157 أ، عن قتادة، و"تفسير الماوردي" 3/ 188، عنهما، والطوسي 6/ 383، عنهما، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 221 أو زاد نسبته إلى ابن المنذر عن الشعبي.

(٤) "تفسير مجاهد" 1/ 347، بنصه، وأخرجه الطبري 14/ 107 بنصه من طريقين، وورد في "تفسير الماوردي" 3/ 188، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 221، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٥) ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 67، بنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 188، بلفظه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 448.

(٦) نسبه الفراء لبعض بني أسد.

(٧) وعجزه: حتى شَتَتْ هَمّالةً عَيْناها "معاني القرآن" للفراء 1/ 14، وورد بلا نسبة في "الخصائص" 2/ 431، و"الإنصاف" 488، و"اللسان" (علف) 5/ 3070، و"الدر المصون" 7/ 112، و"أوضح المسالك" 2/ 110، و"همع الهوامع" 5/ 228، و"الدرر اللوامع" 6/ 79، و"الخزانة" 3/ 140، وقال: وأورده الشيرازي والفاضلُ اليمني صدرًا == وبرواية أخرى للصدر: لما حَطَطْتُ الرحْلَ عنها واردًا ...

عَلَفْتُها تبنًا وماءً باردًا (شتت) بمعنى أقامت شتاء، يقال: شتا بالبلد: أقام به شتاءً، (همَّالة عيناها) من هملَت العينُ؛ إذا صبَّت دمعها وفاضت وسالت.

والشاهد: حذف وسقيتها ماءً، اكتفاءً بالأول؛ وهو: علفتها.

(٨) "معانى القرآن" للفراء 2/ 100، بنصه.

(٩) في جميع النسخ: (أكثر)، وفي تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 396، (أكبر).

(١٠) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 396، بنصه تقريبًا، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 448، مختصرًا.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والذين هَاجَرُواْ فِي الله ﴾ يعني الذين هاجروا من مكة إلى أرض الحبشة، لأن الهجرة إلى المدينة كانت بعدها، وقيل: نزلت في أبي جندل بن سهيل وخبره مذكور في السير في قصة الحديبية، وهذا بعيد لأن السورة نزلت قبل ذلك ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدنيا حَسَنَةً ﴾ وعد أن ينزلهم بقعة حسنة، وهي المدينة التي استقروا بها، وقيل: إن حسنة صفة لمصدر؛ أي نبوئنهم تبوئة حسنة وقرئ لنثوبنهم بالثاء من الثواب ﴿ الذين صَبَرُواْ ﴾ وصف للذين هاجروا، ويحتمل إعرابه أن يكون نعتاً أو على تقدير: هم الذين أو مدح الذين ﴿ إِلاَّ رِجَالاً ﴾ ردّ على من استبعد أن يكون الرسول من البشر ﴿ فاسألوا أَهْلَ الذكر ﴾ يتعلق بأرسلنا الذي في أول الآية على التقديم والتأخير في الكلام، أو بأرسلنا مضمراً وبيوحي أو بتعلمون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ شركاي ﴾ مثل ﴿ هداي ﴾ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي.

وقرأ الخزاز عن هبيرة ﴿ شركائي الذين ﴾ مرسلة الياء، الباقون بفتح الياء وكذلك في "الكهف" و"القصص".

﴿ تشاقون ﴾ بكسر النون: نافع، الآخرون بفتحها ﴿ تتوفاهم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وخلف ﴿ لا يهدي ﴾ بفتح الياء وكسر الدال: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون بضم الياء وفتح الدال.

﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب: ابن عامر وعلي، الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ الأولين ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ يوم القيامة ﴾ لا لأن قوله ﴿ ومن أوزار ﴾ مفعول ﴿ ليحملوا ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ ما يزرون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ فيهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة ﴿ أنفسهم ﴾ ص لطول الكلام ﴿ من سوء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ أنزل ربكم ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ يشاءُون ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ طيبين ﴾ ه لا لأن ما بعده حال آخر.

﴿ سلام عليكم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ ادخلوا ﴾ مفعول ﴿ يقولون ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ط ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ يستهزءُون ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ الثاني ط ﴿ من قبلهم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الطاغوت ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ الضلالة ﴾ ط ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ لا لأن ما بعده جواب القسم ﴿ يموت ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ م لأن جواب "لو" محذوف أي لو كانوا يعلمون لما اختاروا الدنيا على الآخرة، ولو وصل لصار قوله: ﴿ ولأجر الآخرة ﴾ متعلقاً بشرط "أن" ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ وهو محال ﴿ يعلمون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين صبروا ﴾ بدل ﴿ الذين هاجروا ﴾ ﴿ يتوكلون ﴾ ه.

التفسير: لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد أراد أن يذكر شبهات منكري النبوة مع أجوبتها.

فالشبهة الأولى أنهم طعنوا في القرآن وعدّوه من قبيل الأساطير.

قال النحويون: "ماذا" منصوب بأنزل بمعنى أي شيء أنزله ربكم، أو "ما" مبتدأ و "ذا" موصولة، والجملة صلتها، والمجموع خبر المبتدأ، وعلى التقديرين: فقوله: ﴿ أساطير الأوّلين ﴾ بالرفع ليس بجواب للكفار وإلا لكان المعنى الذي أنزله ربنا أساطير الأوّلين والكفار لا يقرون بالإنزال فهو إذن كلام مستأنف أي ليس ما تدّعون إنزاله منزلاً بل هو أساطير الأولين.

وقال في الكشاف: معناه المنزل أساطير الأوّلين وذكر في دفع التناقض أنه على السخرية كقوله: { ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ وجوز كونه منصوباً ولم يقرأ به.

واختلفوا في السائل فقيل: هو كلام بعضهم لبعض.

وقيل: هو قول المسلمين لهم وقيل: هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله  إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله  قالوا: أحاديث الأوّلين وأباطيلهم، ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والحقائق والدقائق.

ثم إنه تعال اقتصر في جواب شبههم على محض الوعي لأنه قد ثبت بالتحدي كما مر ذكره مراراً أن القرآن معجز تحدوا بالقرآن جملة ثم بعشر سور ثم بسورة فعجزوا عن المعارضة فكان طعنهم فيه بعد ذلك مجرد المكابرة والعناد فلم يستحقوا في الجواب إلا التهديد والوعيد.

واللام في قوله: ﴿ ليحملوا ﴾ ليس لام الغرض لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لغرض حمل الأوزار، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن التعليل به فكان لام العاقبة، وقوله: ﴿ كاملة ﴾ معناه أنه  لا يخفف من عقابهم شيئاً، وفيه دليل على أنه  قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين لأن هذا المعنى لو كان حاصلاً في حق الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة.

قال الواحدي: لفظة "من" في قوله: ﴿ ومن أوزار الذين ﴾ ليست للتبعيض فإنه لا يخفف عن الأتباع بعض أوزارهم لقوله  "أيما داع دعا إلى الضلال فاتبع كان عليه وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء" ولكنها للابتداء أي لحملوا ما قد نشأ من أوزار الاتباع، أو للبيان أي ليحملوا ما هو من جنس أوزار تبعهم.

ومعنى ﴿ بغير علم ﴾ أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون على هذا الإضلال جهلاً منهم بما يتسحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال.

وقال في الكشاف: ﴿ بغير علم ﴾ حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال.

وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل.

ثم أوعدهم بما هو النهاية في التهديد فقال: ﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ وزرهم.

ثم حكى حال أضرابهم من المتقدين فقال: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ﴾ ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد به نمروذ بن كنعان بنى صرحاً عظيماً ببابل طوله خمسة آلاف ذراع - وقيل فرسخان - ورام الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا، وألقت رأس الصرح في البحر فأحدث نمروذ وتبلبلت يومئذٍ ألسن الناس من الفزع فتكلموا بثلاثة وتسعين لساناً ولذلك سميت ببابل، وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية، وابتلاه الله ببعوضة دخلت دماغه والحكاية مشهورة.

والأصح أن الآية عامة في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحق الضرر بالمحقين.

وعلى القول الأوّل معنى قوله: ﴿ فأتى الله ﴾ أي أمره وحكمه ﴿ بنيانهم من القواعد ﴾ وهي أساطين البناء التي تعمده أو الأساس أنه أسقط السقف عليهم بعد هدم القواعد.

وفائدة زيادة قوله: ﴿ من فوقهم ﴾ التنصيص على أن الأبنية تهدمت وهم ماتوا تحتها، وعلى الثاني يكون الكلام محض التمثيل والمراد أنهم سوّوا منصوبات وحيلاً ليمكروا بها رسل الله، فجعل الله هلاكهم في تلك الحيل كحيل قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين، فأتي البنيان من الأساطين بأن ضعفت فسقط عليهم السقف فهلكوا ونحوه "من حفر بئراً لأخيه فقد وقع فيه" وبعبارة أخرى "من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً".

ثم بين أن عذابهم ير مقصور على عذاب الدنيا بل الله  يخزيهم يوم القيامة بإدخالهم النار ﴿ إنك من تدخل النار فقد أخزيته  ﴾ ﴿ ويقول ﴾ مع ذلك لأجل الإهانة والتوبيخ ﴿ أين شركائي ﴾ الإضافة لأدنى الملابسة أو هي حكاية لإضافتهم استهزاء وتوبيخاً ﴿ الذين كنتم تشاقون ﴾ تخاصمون المؤمنين في شأنهم.

ومن قرأ بكسر النون فعلى حذف يا المتكلم لأن مشاقة المؤمنين مشاقة الله.

ثم ذكر على سبيل الاستئناف ﴿ قال الذين أوتوا العلم ﴾ عن ابن عباس هم الملائكة.

وقال الآخرون: هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يعظونهم ولا يلتفتون إليهم فيقولون ذلك يوم القيامة شماتة بهم.

قالت المرجئة قولهم: ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ﴾ يدل على أن ماهية الخزي والسوء مختص بالكافرين فينتفي عن غيرهم.

أما قوله: ﴿ فألقوا السلم ﴾ فعن ابن عباس: المراد أنهم أسلموا وأقروا بالعبودية عند الموت.

وقيل: إنه في يوم القيامة وقولهم: ﴿ ما كنا نعمل من سوء ﴾ أرادوا الشرك قالوه على وجه الكذب والجحود، ومن لم يجوز الكذب على أهل القيامة قال: أرادوا في اعتقادهم وظنونهم فرد عليهم أولو العلم أو الملائكة بقوله: ﴿ بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ﴾ في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب وإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم.

قال في الكشاف: وهذا أيضاً من الشماتة وكذلك ﴿ فادخلوا أبواب جهنم ﴾ وفي ذكر الأبواب إشارة إلى تفاوت منازلهم في دركات جهنم.

ثم قال: ﴿ فلبئس مثوى المتكبرين ﴾ عن قبول التوحيد وسائر ما أتت به الأنبياء.

والفاء للعطف على فاء التعقيب في ﴿ فادخلوا ﴾ واللام للتأكيد يجري مجرى القسم موافقة لقوله بعد ذلك ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ ولا نظير لهما في كل القرآن.

ثم أتبع أوصاف الأشقياء أحوال السعداء فقال: ﴿ وقيل للذين اتقوا ﴾ الآية.

وإنما ذكر الجواب ههنا بالنصب ليكون الجواب مطابقاً مكشوفاً بيناً من غير تلعثم أي أنزل خيراً أو ﴿ قالوا خيراً ﴾ لا شراً كما قاله الكفار، أو قالوا قولاً خيراً ولو رفعوا لأوهم أنه كلام مستأنف كما في جواب الكفار وليس بمنزل.

روي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي  فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف كما مر، فكان الوافد يقول: كيف أرجع إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه.

فيلقى أصحاب رسول الله  ويخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث فهم الذين قالوا خيراً.

وجوّز في الكشاف أن يكون ﴿ للذين أحسنوا ﴾ وما بعده بدلاً من ﴿ خيراً ﴾ كأنه فسر الخبر بهذا القول، وجوّز أن يكون كلاماً مبتدأ على سبيل الوعد فيكون قولهم الخير من جملة إحسانهم.

أما قوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ فإما أن يتعلق بما قبله فالمعنى: الذين جاءُوا بالإحسان في هذه الدنيا لهم في الآخرة ﴿ حسنة ﴾ هي الثواب العظيم أو المضاعف إلى سبعمائة أو أكثر، وإما أن يتعلق بما بعده والتقدير: الذين أحسنوا لهم الحسنة في الدنيا باستحقاق المدح والثناء، أبو بالظفر على أعداء الدين باللسان والسنان وفتح البلاد، أو بفتح أبواب المكاشفات والمشاهدات.

والحاصل أن لهم في الدنيا مكافأة بإحسانهم.

﴿ ولدار الآخرة خير ﴾ منها.

ثم بين الخيرية بقوله: ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ دار الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره.

ثم قال: ﴿ جنات عدنٍ ﴾ أي هي هذه فيكون المبتدأ محذوفاً أو الجنات مبتدأ وما بعدها خبر أو ﴿ جنات عدن ﴾ هي المخصوص بالمدح.

فالجنات يدل على القصور والبساتين، والعدن على الدوام والإقامة.

وقوله: ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ على أنه حصل هناك أبنية مرتفعة هم عليها والأنهار تجري من تحتهم.

وقوله: ﴿ لهم فيها ما يشاءُون ﴾ أبلغ من قوله في موضع آخر ﴿ فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين  ﴾ وفي تقديم الظرف دلالة على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده إلا في الجنة، وقوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ﴾ أكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح.

وقوله: ﴿ طيبين ﴾ أي طاهرين عن دنس الكفر والمعاصي أو دنس الكفر وحده، وهذه كلمة جامعة تشمل أنواع البراءة عن العلائق الجسمانية فلا يكون لصاحب هذه الحالة تألم بالموت دليله قوله: ﴿ يقول سلام عليكم ﴾ يروى أنه إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فيقول: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام وبشره بالجنة فذلك قوله: ﴿ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ﴾ وعن الحسن أن المراد بهذا التوفي هو وفاة الحشر لأنه لا يقال عند قبض الروح في الدنيا ادخلوا الجنة.

والأولون قالوا: البشارة بالجنة بمنزلة الدخول فيها.

قوله  : ﴿ هل ينظرون ﴾ قيل: إنه جواب شبهة أخرى لمنكري النبوة فإنهم طلبوا من النبي  أن ينزل عليهم ملكاً من السماء يشهد على صدقه في ادّعاء النبوة فقال تعالى: هل ينظرون في تصديق نبوتك ﴿ إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ شاهدين بذلك.

ويحتمل أن يقال: إنهم لما طعنوا في القرآن بأنه أساطير الأولين أوعدهم الله  بما أوعد، ثم وصف القرآن بكونه حقاً وصدقاً وذكر جزاء المتقين ثم ذكر أن أولئك الكفار لا ينزجرون عن كفرهم بسبب البيانات التي ذكرناها إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد أو لقبض الأرواح أو أتاهم أمر ربك وهو العذاب المستأصل أو القيامة ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ فأصابهم الهلاك المعجل ﴿ وما ظلمهم الله ﴾ بتدميرهم فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم ﴿ فأصابهم سيئات ما عملوا ﴾ أي جزاء سيئات أعمالهم أو هو من باب الطباق والمشاكلة كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ ﴿ وحاق بهم ﴾ .

أي نزل بهم على وجه الإحاطة عقاب استهزائهم.

الشبهة الثالثة لمنكري النبوة أنهم تشبثوا بمسألة الجبر فقالوا: ﴿ لو شاء الله ما عبدنا ﴾ الآية.

وقد مر في تفسير مثلها في آخر سورة الأنعام، وذكرنا أسرار المتشابه هناك وكذا استدلال المعتزلة بها وجواب الأشاعرة عنها.

وزاد بعض الأشاعرة فقالوا: إن المشركين ذكروا هذا الكلام على وجه الاستهزاء كما قال قوم شعيب ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد  ﴾ ولو قالوا ذلك معتقدين كانوا مؤمنين.

وقال آخرون: إنه  أجاب عن شبهتهم وهي أنه لما كان الكل من الله كان بعثه الأنبياء عبثاً بقوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ يعني أنهم اعترضوا على أحكام الله وطلبوا لها العلة فعل من تقدمهم من الكفرة ﴿ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ﴾ أي ما عليهم إلا التبليغ فإما تحصيل الإيمان فليس إليهم.

ثم إنه أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنهم من حقت عليه الضلالة ﴾ وفيه دلالة على أن أمر الله قد لا يوافق إرادته فإنه يأمر الكل بالإيمان ولا يريد الهداية إلا للبعض إذّ لو أرادها للكل لم يكفر أحد ولم ينزل العذاب على قوم لكنه كفر ونزل لقوله: ﴿ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين  ﴾ .

ثم خصص الخطاب قائلاً لرسوله ﴿ إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ﴾ لا يرشد أحداً أضله، قال ابن عباس: وقال الفراء: لا يهدي معناه لا يهتدي: ومن قرأ على البناء للمفعول فمعناه لا تقدر أنت ولا أحد على هداية من أضله الله فلن يكون مهدياً منصوراً، ولا يخفى أن أول الآية ظاهره يوافق مذهب المعتزلة.

أما قوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ إلى آخر الآيات فإنهم قد صاروا فيه إلى التأويل فقالوا: معناه أن متقدميهم أشركوا وحرموا حلال الله فلما نبهوا على قبح فعلهم أسندوه إلى الله ﴿ فهل على الرسل إلا ﴾ أن يبلغوا الحق وأن الله بريء من الظلم وخلق القبائح والمنكرات، وما من أمة إلا وقد بعث الله فيهم رسولاً يأمرهم بالخير الذي هو عبادة الله وينهاهم عن الشر الذي هو طاعة الطاغوت.

﴿ فمنهم من هدى الله ﴾ لأنه من أهل اللطف، ومنهم من ثبت عليه الخذلان لأنه عرفه مصمماً على الكفر، أو المراد منهم من حكم الله عليه بالاهتداء ومنهم من صار محكوماً عليه بالضلال لظهور ضلاله، أو منهم من هداه الله إلى الجنة ومنهم من أضله عنها.

﴿ فسيروا في الأرض فانظروا ﴾ ما فعلت بالمكذبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أني لا أقدر الشر ولا أشاؤه.

ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله  على إيمانهم وعرفه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة، وأنه لا يلطف بمن يخذل لأنه عبث والله  متعال عن العبث.

فهذا تفسير الفريقين لاشتمال آيات مسألة الجبر والقدر على الجهتين وعليك الاختيار بعقلك دون هواك.

الشبهة الرابعة قدحهم في الحشر والنشر ليلزم إبطال النبوة وذلك أنهم ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ أي أغلاظ الأيمان كما في "المائدة" كأنهم ادّعوا علماً ضرورياً بأن الشيء إذا فني وصار عدماً محضاً فإنه لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئاً آخر فأكدوا ادعاءهم بالقسم الغليظ فأجاب الله عن شبهتهم بقوله: ﴿ بلى ﴾ وهو إثبات لما بعد النفي أي بلى يبعثهم وقوله: ﴿ وعداً ﴾ مصدر مؤكد لما دل عليه "بلى" لأن يبعث موعد من الله أي وعد البعث ﴿ وعدا عليه حقاً ﴾ لا خلاف فيه ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم يبعثون أو أن وعد الله حق.

ثم ذكر لمية حقية البعث فقال ﴿ ليبين ﴾ أي يبعث كل من يموت من المؤمنين والكافرين ليبين ﴿ لهم ﴾ الحق الذي اختلفوا فيه بياناً عيانياً لا يشتبه فيه المطيع بالمعاصي والمحق بالمبطل والمظلوم بالظالم والصادق بالكاذب.

وجوز بعضهم أن يكون قوله: ﴿ ليبين ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ولقد بعثنا ﴾ أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا به وأنهم كانوا على الضلالة قبله مفترين على الله الكذب في ادعاء الشريك له وفي قولهم بمجرد هواهم هذا حلال الله وهذا حرام.

ثم برهن على إمكان البعث بقوله: ﴿ إنما قولنا ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ أن نقول ﴾ وقد فسرنا مثل هذه الآية في سورة البقرة، وذكرنا فيه مباحث عميقة لفظية ومعنوية فلا حاجة إلى الإعادة.

والغرض أنه  لا مانع له من الإيجاد والإعدام ولا تتوقف آثار قدرته إلا على مجرد الإرادة والمشيئة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو أهون من الإبداء؟!

قال في الكشاف: قرىء ﴿ فيكون ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ نقول ﴾ قلت: ولا مانع من كونه منصوباً بإضمار "أن" لوقوعه في جواب الأمر بعد الفاء وقد مر في "البقرة".

احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم القرآن قال: إنه لو كان حادثاً لافتقر إلى أن يقال له "كن".

ثم الكلام في هذا اللفظ كالكلام في الأوّل وتسلسل، والجواب بعد تسليم أن هذا ليس مثلاً وأن ثم قولاً أن "إذا" لا تفيد التكرار فلا يلزم في كل ما يحدثه الله  إلى أن يقول له" كن".

وكيف يتصور أن تكون لفظة "كن" قديمة والكاف مقدم على النون بزمان محصور، ولو سلم فلا يجوز من قدم لفظة "كن" قدم القرآن.

على أن قوله: ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه ﴾ يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة وما كان كذلك فهو محدث وأنه علق القول بكلمة "إذا" ولا شك أنها للاستقبال وكذا قوله: ﴿ أن نقول ﴾ ثم إن كلمة ﴿ كن ﴾ متقدمة على المكون بزمان واحد، والمتقدم على المحدث بزمان يكون محدثاً، فتلخص من هذه الدلائل أن الكلام المسموع لا بد أن يكون محدثاً.

هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ولعل لنا فيه نظراً.

ولما حكى الله  عن الكفار ما حكى من إنكار البعث والجزاء لم يبعد منهم - والحالة هذه - إيذاء المسلمين وإنزال الضرر والهوان بهم وحينئذٍ يلزمهم أن يهاجروا تلك الديار فذكر ثواب المهاجرين قائلاً ﴿ والذين هاجروا في الله ﴾ أي في حقه وسبيله ﴿ من بعد ما ظلموا لنبوّئنهم في الدنيا ﴾ مثوبة ﴿ حسنة ﴾ أو مباءة حسنة هي المدينة أوهم أهلها ونصروهم قاله الحسن والشعبي وقتادة.

وقيل: لننزلنهم منزلة حسنة هي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، بل على العرب قاطبة بل على أهل المشرق والمغرب.

قال ابن عباس: نزلت الآية في جماعة - منهم صهيب وبلال وعمار وخباب- جعل المشركون يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام فقال صهيب: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فافتدى منهم بماله وهاجر، فلما رآه أبو بكر قال له: ربح البيع يا صهيب، وقال له عمر: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه.

أما الضمير في قوله: ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ فإما أن يرجع إلى الكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المستضعفين خير الدارين لرغبوا في دينهم، وإما أن يعود إلى المهاجرين أي لو علموا أن أجر الآخرة أكبر لزادوا في اجتهادهم وصبرهم.ثم مدحهم بقوله: ﴿ الذين صبروا ﴾ على هم الذين أو أعني الذين.

والمراد صبرهم على العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله، وعلى المجاهدة في سبيل الله بالنفوس والأموال.

قال المحققون: الصبر حبس النفس على خلاف ما تشتهيه من اللذات العاجلة وهو مبدأ السلوك، والتوكل هو الانقطاع بالكلية عما سوى الحق وهو آخر الطريق والله ولي التوفيق.

فإن العارفين بالصبر ساروا وبالتوكل طاروا ثم في الله حاروا حسبي الله ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ ﴾ .

كان ظلمهم إياهم على وجوه: منهم من ظلم بالإخراج من الدّيار والطرد من البلد؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ...

﴾ الآية [الممتحنة: 9] ومنهم من ظلم بالمنع عن الهجرة، ومنهم ظلم بالمنع عن إظهار الإسلام؛ والعمل له، وأنواع ما أوذوا وظلموا بإظهارهم الإسلام، وإجابتهم رسول الله، واتباعهم إياه.

ثم وعد لهم في الدنيا حسنة؛ فقال: ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ﴾ : قيل: لنعطينهم، وقيل: لنرزقنهم، وهو واحد.

﴿ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ .

تحتمل الحسنة في الدنيا العزّ بعد الذل، والسعة بعد الضيق، والشدة والنصر والغلبة لهم بعد ما كانوا مقهورين مغلوبين في أيدي الأعداء، والذكر والشرف بعد الهوان، هذه الحسنة التي بوّأهم في الدنيا.

والمهاجرة: المقاطعة؛ كأنه قال: والذين قاطعوا أرحامهم، وأقاربهم، وأموالهم، ومكاسبهم، وديارهم، فأبدل الله لهم مكان الأرحام والأقارب أخلاء وإخواناً، ومكان أموالهم أموالا أخرى، وكذلك الدور وكل شيء تركوا هنالك؛ فأبدلهم مكان ذلك كله.

وأما قوله: ﴿ وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ .

يشبه أن يكون ذكر هذا عن حسد كان من الكفرة للمهاجرين؛ لما أنزلهم في المدينة، وبوأهم فيها، وأعزهم، ورفع ذكرهم، وأمرهم، ونصرهم حسدهم أهل الكفر بذلك، فعند ذلك قال: ولأجر الآخرة لهم أكبر وأعظم في الآخرة، لو كانوا يعلمون ما وعد لهم في الآخرة.

ويحتمل أيضاً قوله: ﴿ وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ هؤلاء المهاجرون فيخفّ عليهم احتمال ما أوذوا وظلموا، ويهون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ .

قال الحسن: أي: على ربهم يثقون في إنجاز ما وعد لهم في الآخرة أنه ينجز ذلك.

ويحتمل قوله: ﴿ صَبَرُواْ ﴾ على أمره، أو صبروا على الهجرة، وانقطاع ما ذهب عنهم، وفراق ما كان لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ .

هذا - والله أعلم - يكون على إثر أمر كان من الكفرة، نحو ما قال أهل التأويل: أنهم قالوا: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً  ﴾ ، وقالوا: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ  ﴾ ، ونحوه؛ من كلامهم، فقال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ أي: [إلا بشراً، أي: لم نرسل من غير البشر، فيكون قوله: ﴿ إِلاَّ رِجَالاً ﴾ كناية عن البشر، أو أن يكون قوله: ﴿ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ أي:] لم يبعث من النساء رسولا إنما بعث الرسل من الرجال إلى الرجال والنساء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

قال بعضهم: ليس على الأمر بالسؤال، ولكن لو سألتم أهل الذكر لأخبروكم أنه لم يبعث الرسول من قبل إلا من البشر.

وقال بعضهم: هو على الأمر بالسؤال؛ أي: اسألوا أهل الذكر فتقلدوهم؛ أي: إن كان لا بد لكم من التقليد فاسألوا أهل الذكر فقلدوهم؛ ولا تقلدوا آباءكم ومن لا يعرف الكتاب، ولكن قلدوا أهل الذكر، [وقوله  ﴿ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ * بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ ﴾ ].

قال بعضهم: فاسألوا أهل الذكر فقلدوهم؛ إن كنتم لا تعلمون بالبينات والحجج؛ لأنهم كانوا أهل تقليد، لم يكونوا أهل نظر وتفكر في الحجج والبينات.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ * بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ ﴾ والحجج التي أتت بها الرسل [فيكون تأويله: أي اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون البينات والزبر التي أتت بها الرسل ليخبروكم] أن الرسل إنما بعثوا من البشر بالبينات والكتب، فيكون على التقديم الذي ذكره بعض أهل التأويل: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم بالبينات والزبر.

ويحتمل قوله: ﴿ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ ﴾ أي: أهل الشرف من أهل الكتاب؛ ليبينوا لكم البينات والزبر؛ لأنهم يأنفون الكتمان والكذب، وإن كان أهل الذكر جميع أهل الكتاب، فالسؤال عن الرسل أنهم كانوا من البشر والرجال؛ لأنهم يعلمون ذلك.

وقوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ ﴾ .

قيل: أنزل إليك القرآن؛ لتبين للناس ما نزل إليهم.

يحتمل قوله: ﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ﴾ من أنباء الغيب؛ وما غاب عنهم، وما لله عليهم، وما لبعضهم على بعض، ولتبين لهم جميع ما يأتون وما يتقون، وما يحل وما يحرم.

﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في ذلك.

ويحتمل قوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ ﴾ لهم ما حرفوا من كتبهم وبدلوه وغيروه، فيكون فيه آية لرسالتك، أو يكون الذي أنزل إليه كالمنزل إليهم، حيث ذكر أنه يبين ما أنزل إليه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والذين تركوا ديارهم وأهليهم وأموالهم مهاجرين من بلد الكفر إلى بلد الإسلام ابتغاء مرضاة الله من بعد ما عذبهم الكفار وضيقوا عليهم لنُنَزِّلنهم في الدنيا دارًا يكونون فيها أعزَّة، ولثواب الآخرة أعظم لأن منه الجنة، لو كان المتخلفون عن الهجرة يعلمون ثواب المهاجرين لَمَا تخلفوا عنها.

<div class="verse-tafsir" id="91.mvZab"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر