الآية ٤٠ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٤٠ من سورة النحل

إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَـٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 76 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٠ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٠ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم أخبر تعالى عن قدرته على ما يشاء ، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له : " كن " فيكون ، والمعاد من ذلك إذا أراد كونه فإنما يأمر به مرة واحدة ، فيكون كما يشاء ، كما قال ( وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ) [ القمر : 50 ] وقال : ( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ) [ لقمان : 28 ]وقال في هذه الآية الكريمة : ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) [ النحل : 40 ] أي : أن يأمر به دفعة واحدة فإذا هو كائن ، كما قال الشاعر : إذا ما أراد الله أمرا فإنما يقول له : " كن " قولة فيكون أي : أنه تعالى لا يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به ، فإنه تعالى لا يمانع ولا يخالف ؛ لأنه [ هو ] الواحد القهار العظيم ، الذي قهر سلطانه وجبروته وعزته كل شيء ، فلا إله إلا هو ولا رب سواه .

وقال ابن أبي حاتم : ذكر الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، أخبرني عطاء : أنه سمع أبا هريرة يقول : قال الله تعالى : سبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يسبني ، وكذبني ولم يكن ينبغي له أن يكذبني ، فأما تكذيبه إياي فقال : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ) قال : وقلت : ( بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) وأما سبه إياي فقال : ( إن الله ثالث ثلاثة ) [ المائدة : 73 ] وقلت : ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) [ سورة الإخلاص ] .

هكذا ذكره موقوفا ، وهو في الصحيحين مرفوعا ، بلفظ آخر .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: إنا إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائناهم، ولا في غير ذلك ما نخلق ونكوّن ونحدث ، لأنا إذا أردنا خلقه وإنشاءه ، فإنما نقول له كن فيكون، لا معاناة فيه ، ولا كُلفة علينا.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: يكون ، فقرأه أكثر قرّاء الحجاز والعراق على الابتداء، وعلى أن قوله (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ) كلام تامّ مكتف بنفسه عما بعده، ثم يبتدأ فيقال: فيكون، كما قال الشاعر: يُريدُ أنْ يُعْرِبَهُ فيعجِمُهْ (1) وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل الشام وبعض المتأخرين من قرّاء الكوفيين (فَيَكُونَ) نصبا، عطفا على قوله ( أَنْ نَقُولَ لَهُ ) وكأن معنى الكلام على مذهبهم: ما قولنا لشيء إذا أردناه إلا أن نقول له: كن، فيكون.

وقد حُكي عن العرب سماعا: أريد أن آتيك فيمنعني المطر، عطفا بيمنعني على آتيك .

------------------------ الهوامش: (1) هذا بيت من مشطور الرجز من شواهد الفراء في معاني القرآن (ص 161) والشاهد في البيت: أن قوله فيعجمه بالرفع ليس معطوفاً على أن يعربه وإنما هو كلام مستأنف، أي فهو يعجمه ولا يعربه.

ومثله قوله تعالى: (أن نقول له كن فيكون) بالرفع وليس معطوفاً على "أن نقول".

ومثله أيضاً قوله تعالى: (ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل) بالرفع، وليس بالنصب على الجواب للنفي ومثله قوله تعالى: (لنبين لكم، ونقر في الأرحام) برفع نقر على الاستئناف وقوله تعالى في براءة: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) ثم قال: (ويتوب الله على من يشاء) .

قال الفراء: فإذا رأيت الفعل منصوبًا، وبعده فعل قد نسق عليه بواو أو فاء أو ثم، فإن كان يشاكل معنى الفعل الذي قبله، نسقته عليه، وإن رأيته غير مشاكل لمعناه، استأنفته فرفعته.

ومنه قوله: والشِّــعْرُ لا يَسْـتَطِيعُهُ مَـنْ يَظْلِمُـهْ يُرِيـــدُ أنْ يُعْربَـــهُ فَيُعْجِمُـــهْ

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون [ ص: 96 ] أعلمهم سهولة الخلق عليه ، أي إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائهم ، ولا في غير ذلك مما نحدثه ; لأنا إنما نقول له كن فيكون .

قراءة ابن عامر والكسائي فيكون نصبا عطفا على أن نقول .

وقال الزجاج : يجوز أن يكون نصبا على جواب كن .

الباقون بالرفع على معنى فهو يكون .

وقد مضى القول فيه في " البقرة " مستوفى وقال ابن الأنباري : أوقع لفظ الشيء على المعلوم عند الله قبل الخلق لأنه بمنزلة ما وجد وشوهد .

وفي الآية دليل على أن القرآن غير مخلوق ; لأنه لو كان قوله : كن مخلوقا لاحتاج إلى قول ثان ، والثاني إلى ثالث وتسلسل وكان محالا .

وفيها دليل على أن الله سبحانه مريد لجميع الحوادث كلها خيرها وشرها نفعها وضرها ; والدليل على ذلك أن من يرى في سلطانه ما يكرهه ولا يريده فلأحد شيئين : إما لكونه جاهلا لا يدري ، وإما لكونه مغلوبا لا يطيق ، ولا يجوز ذلك في وصفه سبحانه ، وقد قام الدليل على أنه خالق لاكتساب العباد ، ويستحيل أن يكون فاعلا لشيء وهو غير مريد له ; لأن أكثر أفعالنا يحصل على خلاف مقصودنا وإرادتنا ، فلو لم يكن الحق سبحانه مريدا لها لكانت تلك الأفعال تحصل من غير قصد ; وهذا قول الطبيعيين ، وقد أجمع الموحدون على خلافه وفساده .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيتين 39 و40 :ـ { لِيُبَيِّنَ لَهُم الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ْ} من المسائل الكبار والصغار، فيبين حقائقها ويوضحها.

{ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ ْ} حين يرون أعمالهم حسرات عليهم، وما نفعتهم آلهتهم التي يدعون مع الله من شيء لما جاء أمر ربك، وحين يرون ما يعبدون حطبا لجهنم، وتكور الشمس والقمر وتتناثر النجوم، ويتضح لمن يعبدها أنها عبيد مسخرات، وأنهن مفتقرات إلى الله في جميع الحالات، وليس ذلك على الله بصعب، ولا شديد فإنه إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون، من غير منازعة ولا امتناع، بل يكون على طبق ما أراده وشاءه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) يقول الله تعالى : إذا أردنا أن نبعث الموتى فلا تعب علينا في إحيائهم ، ولا في شيء مما يحدث ، إنما نقول له : كن ، فيكون .

أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي ، حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن همام بن منبه ، حدثنا أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال الله : كذبني عبدي ، ولم يكن ذلك له ، وشتمني عبدي ولم يكن ذلك له ، فأما تكذيبه إياي ، أن يقول : لن يعيدنا كما بدأنا ، وأما شتمه إياي ، أن يقول : اتخذ الله ولدا ، وأنا الصمد ، لم ألد ، ولم يكن لي كفوا أحد " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنما قوْلنا لشيء إذا أردناه» أي أردنا إيجاده وقولنا مبتدأ خبره «أن نقول له كن فيكونُ» أي فهو يكون وفي قراءة بالنصب عطفاً على نقول والآية لتقرير القدرة على البعث.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنَّ أمر البعث يسير علينا، فإنَّا إذا أردنا شيئًا فإنما نقول له: "كن"، فإذا هو كائن موجود.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - ( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) استئناف لتأكيد قدرة الله - تعالى - النافذة ، وشمولها لكل شئ من بعث وغيره ، وذلك لأن الكفار لما أقسموا بالله جهد أيمانهم بأنه - سبحانه - لا يبعث الموتى ، ورد عليهم بما يبطل مزاعمهم ، أتبع ذلك ببيان أن قدرته - تعالى - لا يتعاصى عليها شئ ، ولا يحول دون نفاذها حائل .قال الإِمام ابن كثير : " أخبر - سبحانه - عن قدرته على ما يشاء ، وأنه لا يعجزه شئ فى الأرض ولا فى السماء ، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له ( كن فيكون ) .

والمراد من ذلك إذا أراد كونه ، فإنما يأمر به مرة واحدة فيكون كما يشاء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو الشبهة الرابعة لمنكري النبوة فقالوا القول بالبعث والحشر والنشر باطل، فكان القول بالنبوة باطلاً.

أما المقام الأول: فتقريره أن الإنسان ليس إلا هذه البينة المخصوصة، فإذا مات وتفرقت أجزاؤه وبطل ذلك المزاج والاعتدال امتنع عوده بعينه، لأن الشيء إذا عدم فقد فنى ولم يبق له ذات ولا حقيقة بعد فنائه وعدمه، فالذي يعود يجب أن يكون شيئاً مغايراً للأول فلا يكون عينه.

وأما المقام الثاني: وهو أنه لما بطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة وتقريره من وجهين: الأول: أن محمداً كان داعياً إلى تقرير القول بالمعاد، فإذا بطل ذلك ثبت أنه كان داعياً إلى القول الباطل ومن كان كذلك لم يكن رسولاً صادقاً.

الثاني: أنه يقرر نبوة نفسه ووجوب طاعته بناء على الترغيب في الثواب والترهيب عن العقاب، وإذا بطل ذلك بطلت نبوته.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ ﴾ معناه أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن الشيء إذا فنى وصار عدماً محضاً ونفياً صرفاً، فإنه بعد هذا العدم الصرف لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئاً آخر غيره.

وهذا القسم واليمين إشارة إلى أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن عوده بعينه بعد عدمه محال في بديهة العقل: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم ﴾ على أنهم يجحدون في قلوبهم وعقولهم هذا العلم الضروري، وأما بيان أنه لما بطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة فلم يذكره على سبيل التصريح، لأنه كلام جلي متبادر إلى العقول فتركوه لهذا العذر.

ثم إنه تعالى بين أن القول بالبعث ممكن ويدل عليه وجهان: الوجه الأول: أنه وعد حق على الله تعالى، فوجب تحقيقه، ثم بين السبب الذي لأجله كان وعداً حقاً على الله تعالى، وهو التمييز بين المطيع وبين العاصي، وبين المحق والمبطل، وبين الظالم والمظلوم، وهو قوله: ﴿ لِيُبَيّنَ لَهُمُ الذي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الذين كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كاذبين ﴾ وهذه الطريقة قد بالغنا في شرحها وتقريرها في سورة يونس.

والوجه الثاني: في بيان إمكان الحشر والنشر أن كونه تعالى موجداً للأشياء ومكوناً لها لا يتوقف على سبق مادة ولا مدة ولا آلة، وهو تعالى إنما يكونها بمحض قدرته ومشئته، وليس لقدرته دافع ولا لمشيئته مانع فعبر تعالى عن هذا النفاذ الخالي عن المعارض بقوله: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَئ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وإذا كان كذلك، فكما أنه تعالى قدر على الإيجاد في الإبتداء وجب أن يكون قادراً عليه في الإعادة، فثبت بهذين الدليلين القاطعين أن القول بالحشر والنشر والبعث والقيامة حق وصدق، والقول إنما طعنوا في صحة النبوة بناء على الطعن في هذا الأصل، فلما بطل هذا الطعن بطل أيضاً طعنهم في النبوة، والله أعلم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم ﴾ حكاية عن الذين أشركوا، وقوله: ﴿ بلى ﴾ إثبات لما بعد النفي، أي بلى يبعثهم، وقوله: ﴿ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا ﴾ مصدر مؤكد أي وعد بالبعث وعداً حقاً لا خلف فيه، لأن قوله يبعثهم دل على قوله وعد بالبعث، وقوله: ﴿ لِيُبَيّنَ لَهُمُ الذي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ من أمور البعث أي بلى يبعثهم ليبين لهم وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين فيما أقسموا فيه.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَئ إِذآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ إن كان خطاباً مع المعدوم فهو محال، وإن كان خطاباً مع الموجود كان هذا أمراً بتحصيل الحاصل وهو محال.

والجواب: أن هذا تمثيل لنفي الكلام والمعاياة وخطاب مع الخلق بما يعقلون، وليس خطاباً للمعدوم، لأن ما أراده الله تعالى فهو كائن على كل حال وعلى ما أراده من الإسراع، ولو أراد خلق الدنيا والآخرة بما فيهما من السموات والأرض في قدر لمح البصر لقدر على ذلك، ولكن العباد خوطبوا بذلك على قدر عقولهم.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ قَوْلُنَا ﴾ مبتدأ و ﴿ أَن نَّقُولَ ﴾ خبره و ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ من كان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود أي إذا أردنا حدوث شيء فليس إلا أن نقول له أحدث فيحدث عقيب ذلك من غير توقف.

المسألة الثالثة: قرأ ابن عامر والكسائي ﴿ فَيَكُونُ ﴾ بنصب النون، والباقون بالرفع قال الفراء: القراءة بالرفع وجهها أن يجعل قوله: ﴿ أَن نَّقُولَ لَهُ ﴾ كلاماً تاماً ثم يخبر عنه بأنه سيكون كما يقال: إن زيداً يكفيه إن أمر فيفعل فترفع قولك فيفعل على أن تجعله كلاماً مبتدأ، وأما القراءة بالنصب فوجهه أن تجعله عطفاً على أن نقول، والمعنى: أن نقول كن فيكون هذا قول جميع النحويين، قال الزجاج: ويجوز أن يكون نصباً على جواب ﴿ كُنَّ ﴾ قال أبو علي لفظة كن وإن كانت على لفظة الأمر فليس القصد بها هاهنا الأمر إنما هو والله أعلم الإخبار عن كون الشيء وحدوثه، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ يبطل قوله إنه نصب على جواب ﴿ كُنْ ﴾ ، والله أعلم.

المسألة الرابعة: احتج بعض أصحابنا بهذه الآية على قدم القرآن فقالوا قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَئ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ يدل على أنه تعالى إذا أراد إحداث شيء قال له كن فيكون، فلو كان قوله: ﴿ كُنْ ﴾ حادثاً لافتقر إحداثه إلى أن يقول له كن وذلك يوجب التسلسل، وهو محال فثبت أن كلام الله قديم.

واعلم أن هذا الدليل عندي ليس في غاية القوة، وبيانه من وجوه: الوجه الأول: أن كلمة ﴿ إِذَا ﴾ لا تفيد التكرار، والدليل عليه أن الرجل إذا قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت الدار مرة طلقت طلقة واحدة فلو دخلت ثانياً لم تطلق طلقة ثانية فعلمنا أن كلمة إذا لا تفيد التكرار، وإذا كان كذلك ثبت أنه لا يلزم في كل ما يحدثه الله تعالى أن يقول له كن فلم يلزم التسلسل.

والوجه الثاني: أن هذا الدليل إن صح لزم القول بقدم لفظه كن وهذا معلوم البطلان بالضرورة، لأن لفظة: كن، مركبة من الكاف والنون، وعند حضور الكاف لم تكن النون حاضرة وعند مجيء النون تتولى الكاف، وذلك يدل على أن كلمة كن يمتنع كونها قديمة، وإنما الذي يدعي أصحابنا كونه قديماً صفة مغايرة للفظة كن، فالذي تدل عليه الآية لا يقول به أصحابنا، والذي يقولون به لا تدل عليه الآية فسقط التمسك به.

والوجه الثالث: أن الرجل إذا قال إن فلاناً لا يقدم على قول، ولا على فعل إلا ويستعين فيه بالله تعالى فإن عاقلاً لا يقول: إن استعانته بالله فعل من أفعاله فيلزم أن يكون كل استعانة مسبوقة باستعانة أخرى إلى غير النهاية لأن هذا الكلام بحسب العرف باطل فكذلك ما قالوه.

والوجه الرابع: أن هذه الآية مشعرة بحدوث الكلام من وجوه: الوجه الأول: أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَئ إِذَا أَرَدْنَاهُ ﴾ يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة، وما كان كذلك فهو محدث.

والوجه الثاني: أنه علق القول بكلمة إذا، ولا شك أن لفظة إذا تدخل للاستقبال.

والوجه الثالث: أن قوله: ﴿ أَن نَّقُولَ لَهُ ﴾ لا خلاف أن ذلك ينبئ عن الاستقبال.

والوجه الرابع: أن قوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ يدل على أن حدوث الكون حاصل عقيب قوله: ﴿ كُنْ ﴾ فتكون كلمة ﴿ كُنْ ﴾ متقدمة على حدوث الكون بزمان واحد، والمتقدم على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثاً.

والوجه الخامس: أنه معارض بقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً  ﴾ ، ﴿ وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً  ﴾ .

﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث  ﴾ .

﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مّثْلِهِ  ﴾ ، ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إماماً وَرَحْمَةً  ﴾ .

فإن قيل: فهب أن هذه الآية لا تدل على قدم الكلام، ولكنكم ذكرتم أنها تدل على حدوث الكلام فما الجواب عنه؟.

قلنا: نصرف هذه الدلائل إلى الكلام المسموع الذي هو مركب من الحروف والأصوات، ونحن نقول بكونه محدثاً مخلوقاً.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قَوْلُنَا ﴾ مبتدأ، و ﴿ إِن نَّقُولُ ﴾ خبره.

﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ من كان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود، أي: إذا أردنا وجود شيء فليس إلا أن نقول له: احدث، فهو يحدث عقيب ذلك لا يتوقف، وهذا مثل لأنّ مراداً لا يمتنع عليه، وأنّ وجوده عند إرادته تعالى غير متوقف، كوجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور المطيع الممتثل، ولا قول ثم.

والمعنى: أنّ إيجاد كل مقدور على الله تعالى بهذه السهولة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من شق المقدورات.

وقرئ: ﴿ فيكون ﴾ ، عطفاً على ﴿ نَّقُولَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ﴾ أيْ يَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ لَهُمُ.

﴿ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ وهو الحَقُّ.

﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ ﴾ فِيما يَزْعُمُونَ، وهو إشارَةٌ إلى السَّبَبِ الدّاعِي إلى البَعْثِ المُقْتَضِي لَهُ مِن حَيْثُ الحِكْمَةِ، وهو المُمَيِّزُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والمُحِقِّ والمُبْطِلِ بِالثَّوابِ والعِقابِ ثُمَّ قالَ: ﴿ إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وهو بَيانُ إمْكانِهِ وتَقْرِيرُهُ أنَّ تَكْوِينَ اللَّهِ بِمَحْضِ قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ لا تَوَقُّفَ لَهُ عَلى سَبْقِ المَوادِّ والمُدَدِ، وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ فَكَما أمْكَنَ لَهُ تَكْوِينُ الأشْياءِ ابْتِداءً بِلا سَبْقِ مادَّةٍ ومِثالٍ أمْكَنَ لَهُ تَكْوِينُها إعادَةً بَعْدَهُ، ونَصَبَ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ ها هُنا وفي « يس» فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى نَقُولُ أوْ جَوابًا لِلْأمْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} أي فهو يكون وبالنصب شامي وعلي على جواب كن قولنا مبتدأ وأن نقول خبره وكن فيكون من كان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود أي إذا أردنا وجود شيء فليس إلا أن نقول له أحدث فهو يحدث بلا توقف وهذه عبارة عن سرعة الإيجاد يبين أن مراداً لا يمتنع عليه وأن وجوده عند إرادته غير متوقف كوجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذ أورد على المأمور المطيع الممتثل ولا قول ثَم والمعنى أن إيجاد كل مقدور على الله بهذه

النحل (٤١ _ ٤٦)

السهولة فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من بعض المقدورات

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّما قَوْلُنا ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ التَّكْوِينِ عَلى الإطْلاقِ ابْتِداءً أوْ إعادَةٌ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى آنِيَّةِ البَعْثِ ومِنهُ يُعْلَمُ كَيْفِيَّتُهُ- فَما- كافَّةٌ (وقَوْلُنا) مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِشَيْءٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ واللّامُ لِلتَّبْلِيغِ كَما في قَوْلِكَ: قُلْتُ لِزَيْدٍ قُمْ فَقامَ، وقالَ الزَّجّاجُ: هي لامُ السَّبَبِ أيْ لِأجْلِ إيجادِ شَيْءٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِواضِحٍ والمُتَبادَرُ مِنَ الشَّيْءِ هُنا المَعْدُومُ وهو أحَدُ إطْلاقاتِهِ، وقَدْ بَرْهَنَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ عَلى أنَّ إطْلاقَ الشَّيْءِ عَلى المَعْدُومِ حَقِيقَةٌ كَإطْلاقِهِ عَلى المَوْجُودِ وألَّفَ في ذَلِكَ رِسالَةً جَلِيلَةً سَمّاها جَلاءَ الفُهُومِ، ويُعْلَمُ مِنها أنَّ القَوْلَ بِذَلِكَ الإطْلاقِ لَيْسَ خاصًّا بِالمُعْتَزِلَةِ كَما هو المَشْهُورُ، ولِهَذا أوَّلَ هُنا مَن لَمْ يَقِفْ عَلى التَّحْقِيقِ مِنَ الجَماعَةِ فَقالَ: إنَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِذَلِكَ بِاعْتِبارِ وُجُودِهِ عِنْدَ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِهِ لا أنَّهُ كانَ شَيْئًا قَبْلَ ذَلِكَ.

وفِي البَحْرِ نَقْلًا عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ( لِشَيْءٍ ) وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ لَمّا كانَ وُجُودُهُ حَتْمًا جازَ أنْ يُسَمّى شَيْئًا وهو في حالِ العَدَمِ، والثّانِي أنَّ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي يُنْظَرُ فِيها وأنَّ ما كانَ مِنها مَوْجُودًا كانَ مُرادًا وقِيلَ لَهُ كُنْ فَكانَ فَصارَ مِثالًا لِما يَتَأخَّرُ مِنَ الأُمُورِ بِما تَقَدَّمَ، وفي هَذا مَخْلَصٌ مِن تَسْمِيَةِ المَعْدُومِ شَيْئًا اهـ، وفِيهِ مِنَ الخَفاءِ ما فِيهِ، (وأيًّا) ما كانَ فالتَّنْوِينُ لِلتَّنْكِيرِ أيْ لِشَيْءٍ أيَّ شَيْءٍ كانَ مِمّا عَزَّ وهانَ ﴿ إذا أرَدْناهُ ﴾ ظَرْفٌ- لِقَوْلِنا- أيْ وقْتَ تَعَلُّقِ إرادَتِنا بِإيجادِهِ ﴿ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ ﴾ في تَأْوِيلِ مَصْدَرِ خَبَرٍ لِلْمُبْتَدَأِ، واللّامُ في ( لَهُ ) كاللّامِ في (لِشَيْءٍ فَيَكُونُ) إمّا عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ ويَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ فَنَقُولُ ذَلِكَ فَيَكُونُ، وإمّا جَوابٌ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَإذا قُلْنا ذَلِكَ فَهو يَكُونُ، وقِيلَ: إنَّهُ بَعْدَ تَقْدِيرِ هو تَكُونُ الجُمْلَةُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ما أرَدْناهُ فَهو يَكُونُ، وكانَ في المَوْضِعَيْنِ تامَّةٌ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ وذَكَرَهُ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ قَوْلٌ ولا مَقُولٌ لَهُ ولا أمْرٌ ولا مَأْمُورٌ حَتّى يُقالَ: إنَّهُ يَلْزَمُ أحَدُ المُحالَيْنِ إمّا خِطابُ المَعْدُومِ أوْ تَحْصِيلُ الحاصِلِ أوْ يُقالُ: ( إنَّما ) مُسْتَدْعِيَةٌ انْحِصارَ قَوْلِهِ تَعالى في قَوْلِهِ تَعالى: ( كُنْ ) ولَيْسَ يَلْزَمُ مِنهُ انْحِصارُ أسْبابِ التَّكْوِينِ فِيهِ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِالأمْرِ الشَّأْنُ الشّامِلُ لِلْقَوْلِ والفِعْلِ ومِن ضَرُورَةِ انْحِصارِهِ في كَلِمَةِ كُنِ انْحِصارُ أسْبابِهِ عَلى الإطْلاقِ في ذَلِكَ بَلْ إنَّما هو تَمْثِيلٌ لِسُهُولَةِ تَأتِّي المَقْدُوراتِ حَسَبَ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى وتَصْوِيرٌ لِسُرْعَةِ حُدُوثِها بِما هو عِلْمٌ في ذَلِكَ مِن طاعَةِ المَأْمُورِ المُطِيعِ لِأمْرِ الآمِرِ المُطاعِ، فالمَعْنى إنَّما إيجادُنا لِشَيْءٍ عِنْدَ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِنا بِهِ أنْ نُوجِدَهُ في أسْرَعِ ما يَكُونُ، ولَمّا عَبَّرَ عَنْهُ بِالأمْرِ الَّذِي هو قَوْلٌ مَخْصُوصٌ وجَبَ أنْ يُعَبِّرَ عَنْ مُطْلَقِ الإيجادِ بِالقَوْلِ المُطْلَقِ.

وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ عَلى حَقِيقَتِهِ وبِذَلِكَ جَرَتِ العادَةُ الإلَهِيَّةُ ونُسِبَ إلى السَّلَفِ، وأُجِيبُ لَهم عَنْ حَدِيثِ لُزُومِ أحَدِ المَحْذُورَيْنِ تارَةً بِأنَّ الخِطابَ تَكْوِينِيٌّ ولا ضَيْرَ في تَوَجُّهِهِ إلى المَعْدُومِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ قَوْلٌ بِالتَّمْثِيلِ وتارَةً بِأنَّ المَعْدُومَ ثابِتٌ في العِلْمِ ويَكْفِي في صِحَّةِ خِطابِهِ ذَلِكَ حَتّى أنَّ بَعْضَهم قالَ بِأنَّهُ مَرْئِيٌّ لَهُ تَعالى في حالِ عَدَمِهِ، وتُعُقِّبَ بِما يَطُولُ، وأمّا حَدِيثُ الِانْحِصارِ فَقالُوا إنَّ الأمْرَ فِيهِ هَيِّنٌ، وقَدْ مَرَّ بَعْضُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ.

واحْتَجَّ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ بِالآيَةِ بِناءً عَلى الحَقِيقَةِ عَلى قِدَمِ القُرْآنِ قالَ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إذا أرادَ إحْداثَ شَيْءٍ قالَ لَهُ كُنْ فَلَوْ كانَ كُنْ حادِثًا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ فَيَكُونُ قَدِيمًا ومَتى قِيلَ بِقِدَمِ البَعْضِ فَلْيُقَلْ بِقِدَمِ الكُلِّ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَلِمَةَ إذا لا تُفِيدُ التَّكْرارَ ولِذا إذا قالَ لِامْرَأتِهِ: إذا دَخَلَتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ فَدَخَلَتْ مَرّاتٍ لا تُطَلَّقُ إلّا طَلْقَةً واحِدَةً فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ مُحْدَثٍ مُحْدَثًا بِكَلِمَةِ كُنْ فَلا يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ عَلى أنَّ القَوْلَ بِقِدَمِ ( كُنْ ) ضَرُورِيُّ البُطْلانِ لِما فِيهِ مَن تَرَتُّبِ الحُرُوفِ، وكَذا يُقالُ في سائِرِ الكَلامِ اللَّفْظِيِّ.

وقالَ الإمامُ: إنَّ الآيَةَ مُشْعِرَةٌ بِحُدُوثِ الكَلامِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ القَوْلِ واقِعًا بِالإرادَةِ وما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، والثّانِي أنَّهُ عَلَّقَ القَوْلَ بِكَلِمَةِ ( إذا ) ولا شَكَّ أنَّها تَدْخُلُ لِلِاسْتِقْبالِ، والثّالِثُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أنْ نَقُولَ ﴾ لا خِلافَ في أنَّهُ يُنْبِئُ عَنِ الِاسْتِقْبالِ، والرّابِعُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ( كُنْ فَيَكُونُ ) كُنْ فِيهِ مُقَدِّمَةً عَلى حُدُوثِ المُكَوَّنِ ولَوْ بِزَمانٍ واحِدٍ والمُقَدَّمُ عَلى المُحْدَثِ كَذَلِكَ مُحْدَثٌ فَلا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِحُدُوثِ الكَلامِ.

نَعَمْ إنَّها تُشْعِرُ بِحُدُوثِ الكَلامِ اللَّفْظِيِّ الَّذِي يَقُولُ بِهِ الحَنابِلَةُ ومَن وافَقَهم ولا تُشْعِرُ بِحُدُوثِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ.

والأشاعِرَةُ في المَشْهُورِ عَنْهم لا يَدَّعُونَ إلّا قِدَمَ النَّفْسِيِّ ويُنْكِرُونَ قِدَمَ اللَّفْظِيِّ، وهو بَحْثٌ أطالُوا الكَلامَ فِيهِ فَلْيُراجَعْ.

وما ذُكِرَ مِن دَلالَةِ (إذا) و(نَقُولُ) عَلى الِاسْتِقْبالِ هو ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ، لَكِنْ نَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ قالَ: ما في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ والِاسْتِئْنافِ إنَّما هو راجِعٌ إلى المُرادِ لا إلى الإرادَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأشْياءَ المُرادَةَ المُكَوَّنَةَ في وُجُودِها اسْتِئْنافٌ واسْتِقْبالٌ لا في إرادَةِ ذَلِكَ ولا في الأمْرِ بِهِ لِأنَّ ذَيْنِكَ قَدِيمانِ فَمِن أجْلِ المُرادِ عَبَّرَ بِإذا ونَقُولُ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا كَلامَ في قِدَمِ الإرادَةِ لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّها هَلْ لَها تَعَلُّقٌ حادِثٌ أمْ لا فَقالَ بَعْضُهم بِالأوَّلِ، وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَ لَها إلّا تَعَلُّقٌ أزَلِيٌّ لَكِنْ بِوُجُودِ المُمْكِناتِ فِيما لا يَزالُ كُلٌّ في وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ.

فاللَّهُ تَعالى تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ في الأزَلِ بِوُجُودِ زَيْدٍ مَثَلًا في يَوْمِ كَذا وبِوُجُودِ عَمْرٍو في يَوْمِ كَذا وهَكَذا، ولا حاجَةَ إلى تَعَلُّقِ حادِثٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وأمّا الأمْرُ فالنَّفْسِيُّ مِنهُ قَدِيمٌ واللَّفْظِيُّ حادِثٌ عَنِ القائِلِينَ بِحُدُوثِ الكَلامِ اللَّفْظِيِّ.

وأمّا الزَّمانُ فَكَثِيرًا ما لا يُلاحَظُ في الأفْعالِ المُسْتَنِدَةِ إلَيْهِ تَعالى، واعْتَبَرَ كانَ اللَّهُ تَعالى ولا شَيْءَ مَعَهُ وخَلَقَ اللَّهُ تَعالى العالَمَ ونَحْوَ ذَلِكَ ولا أرى هَذا الحُكْمَ مَخْصُوصًا فِيما إذا فُسِّرَ الزَّمانُ بِما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ بَلْ يَطَّرِدُ في ذَلِكَ وفِيما إذا فُسِّرَ بِما ذَهَبَ إلَيْهِ المُتَكَلِّمُونَ فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى الهادِي.

وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ الآيَةَ لِبَيانِ إمْكانِ البَعْثِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ تَكْوِينَ اللَّهِ تَعالى بِمَحْضِ قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ لا تَوَقُّفَ لَهُ عَلى سَبْقِ المَوادِّ والمَدَدِ وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وكَما أمْكَنَ لَهُ تَكْوِينُ الأشْياءِ ابْتِداءً بِلا سَبْقِ مادَّةٍ ومِثالٍ أمْكَنَ لَهُ تَكْوِينُها إعادَةً بَعْدَهُ وظاهِرُهُ أنَّهُ قَوْلٌ بِإعادَةِ المَعْدُومِ، وظَواهِرُ كَثِيرٍ مِنَ النُّصُوصِ أنَّ البَعْثَ بِجَمْعِ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ، وسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ كَما وعَدْناكَ آنِفًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ هاهُنا وفي [يس: 82] ( فَيَكُونَ ) بِالنَّصْبِ، وخَرَّجَهُ الزَّجّاجُ عَلى العَطْفِ عَلى ( نَقُولَ ) أيْ فَأنْ يَكُونَ أوْ عَلى أنْ يَكُونَ جَوابُ ( كُنْ )، وقَدْ رَدَّ هَذا الرَّضِيُّ وغَيْرُهُ بِأنَّ النَّصْبَ في جَوابِ الأمْرِ مَشْرُوطٌ بِسَبَبِيَّةِ مَصْدَرِ الأوَّلِ لِلثّانِي وهو لا يُمْكِنُ هُنا لِاتِّحادِهِما فَلا يَسْتَقِيمُ ذاكَ، ووُجِّهَ بِأنَّ مُرادَهُ أنَّهُ نُصِبَ لِأنَّهُ مُشابِهٌ لِجَوابِ الأمْرِ لِمَجِيئِهِ بَعْدَهُ ولَيْسَ بِجَوابٍ لَهُ مِن حَيْثُ المَعْنى لِأنَّهُ لا مَعْنى لِقَوْلِكَ: قُلْتُ لِزَيْدٍ اضْرِبْ تَضْرِبُ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَخْفى ضَعْفُهُ وأنَّهُ يَقْتَضِي إلْغاءَ الشَّرْطِ المَذْكُورِ، ثُمَّ قِيلَ: والظّاهِرُ أنْ يُوَجَّهَ بِأنَّهُ إذا صَدَرَ مِثْلُهُ عَنِ البَلِيغِ عَلى قَصْدِ التَّمْثِيلِ لِسُرْعَةِ التَّأْثِيرِ بِسُرْعَةِ مُبادَرَةِ المَأْمُورِ إلى الِامْتِثالِ يَكُونُ المَعْنى إنْ أقُلْ لَكَ اضْرِبْ تُسْرِعْ إلى الِامْتِثالِ فَيَكُونُ المَصْدَرُ المُسَبَّبُ عَنْهُ مَسْبُوكًا مِنَ الهَيْئَةِ لا مِنَ المادَّةِ، ومَصْدَرُ الثّانِي مِنَ المادَّةِ أوْ مُحَصَّلُ المَعْنى وبِهِ يَحْصُلُ التَّغايُرُ بَيْنَ المَصْدَرَيْنِ ويَتَّضِحُ السَّبَبِيَّةُ والمُسَبَّبِيَّةُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ مُرادَ مَن قالَ إنَّ النَّصْبَ لِلْمُشابَهَةِ لِجَوابِ الأمْرِ أنَّ ( فَيَكُونُ ) كَما في قِراءَةِ الرَّفْعِ مَعْطُوفٌ عَلى ما يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ أوْ هو بِتَقْدِيرِ فَهو يَكُونُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ إلّا أنَّهُ نُصِبَ لِهَذِهِ المُشابَهَةِ، وفِيهِ ما فِيهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ يعني: إن بعثهم على الله يسير إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة: فَيَكُونُ بضم النون، وقرأ الباقون: بالنصب.

قوله: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ أي: هاجروا من مكة إلى المدينة في طاعة الله مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا أي: عذبوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً أي: لننزلنهم بالمدينة ولنعطينهم الغنيمة، فهذا الثواب في الدنيا وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أي: الجنة أَكْبَرُ أي: أفضل لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أي: يصدقون بالثواب.

ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ صَبَرُوا على العذاب وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي: يثقون به ولا يثقون بغيره، منهم: بلال بن حمامة، وعمار بن ياسر، وصهيب بن سنان، وخباب بن الأرت.

قال مقاتل: نزلت الآية في هؤلاء الأربعة، عذبوا على الإيمان بمكة.

وقال في رواية الكلبي: نزلت في ستة نفر من أصحاب رسول الله  ، أسرهم أهل مكة، وذكر هؤلاء الأربعة، واثنين آخرين: عابس وجبير مولى لقريش، فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام.

فأما صهيب فابتاع نفسه بماله ورجع إلى المدينة، وأما سائر أصحابه فقالوا بعض ما أرادوا، ثم هاجروا إلى المدينة بعد ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ...

الآية: إِلى قوله: فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ، وقرأ حمزة والكسائِيُّ وعاصم «١» : «لاَ يَهْدِي» - بفتح الياء وكسر الدال-، وذلك على معنيين: أيْ: إِن اللَّه لا يَهْدِي من قضَى بإِضلاله، والمعنى الثاني: أنَّ العربَ تقُولُ: هَدَى الرَّجُلُ، بمعنى اهتدى.

وقوله سبحانه: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ: الضمير في أَقْسَمُوا لكفَّار قريش، ثم رَدَّ اللَّه تعالى عليهم بقوله: بَلى، فأوجب بذلك البعث، وأَكْثَرَ النَّاسِ في هذه الآية: الكفَّار المكذِّبون بالبَعْث.

وقوله سبحانه: لِيُبَيِّنَ: التقدير: بلى يبعثه ليبيِّن لهم الذي يَخْتَلِفُونَ فيه.

وقوله سبحانه: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ ...

الآية: المَقْصَدُ بهذه الآية إِعلامُ مُنْكِرِي البَعْث بِهَوَانِ أمره على اللَّه تعالى، وقُرْبِهِ في قُدْرته، لا ربِّ غيره.

أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧)

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا: هؤلاء هُمُ الذين هاجروا إِلى أرض الحبشةِ، هذا قول الجمهورِ، / وهو الصحيحُ في سبب نزولِ الآية لأن هجرة المدينة لم تكُنْ وقْتَ نزول الآيةِ، والآيةُ تتناوَلُ كلَّ مَنْ هاجر أَولاً وآخراً، وقرأ جماعة «٢» خارجَ السبْعِ: «لَنُثْوِيَنَّهُمْ» ، واختلف في معنى الحسنة هنا، فقالتْ فرقة:

الحسنةُ عِدَةٌ بَبُقْعةٍ شريفةٍ، وهي المدينةُ، وذهبَتْ فرقةٌ إِلى أن الحسنة عامّة في كلّ أمر

مستحسَنٍ يناله ابنُ آدم، وفي هذا القولِ يدخُلُ ما رُوِيَ عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه: أنه كَانَ يُعْطِي المَالَ وَقْتَ القِسْمَة الرَّجُلَ مِنَ المُهَاجِرِينَ، ويقُولُ له: خُذْ ما وَعَدَكَ اللَّهُ في الدنيا، وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ، ثم يتلو هذه «١» الآية، ويدخل في هذا القولِ النَّصْرُ على العدوِّ، وفتْحُ البلادِ، وكلُّ أَمَلٍ بلغه المهاجرون، والضمير في يَعْلَمُونَ عائدٌ على كفار قريشٍ.

وقوله: الَّذِينَ صَبَرُوا: من صفة المهاجرين.

وقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ: هذه الآيةُ ردٌّ على كفَّار قريش الذينَ استبعدوا أنْ يبعثَ اللَّه بشراً رَسُولاً، ثم قال تعالى: فَسْئَلُوا، أي: قل لهم: فَسْئَلُوا، وأَهْلَ الذِّكْرِ هنا: أحبارِ اليهودِ والنصارَى قاله ابن عباس وغيره «٢» ، وهو أظهر الأقوال، وهم في هذه النازِلَةِ خاصَّة إِنما يخبرون بأنَّ الرسُلَ من البَشَر، وأخبارُهم حجَّة على هؤلاء، وقدْ أرسلَتْ قريشٌ إِلى يهودِ يَثْرِبَ يسألونهم ويُسْنِدُون إِليهم.

وقوله: بِالْبَيِّناتِ: متعلِّق بفعلٍ مضمرٍ، تقديره: أرسلناهم بالبيِّنات، وقالتْ فرقة:

الباءُ متعلِّقة ب أَرْسَلْنا في أول الآية، والتقدير على هذا: وما أرسلنا من قبلك بالبيِّنات والزُّبُرِ إِلاَّ رجالا، ففي الآية تقديم وتأخير، والزُّبُرِ: الكُتُبُ المزبورة.

وقوله سبحانه: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ...

الآية.

ت: وقد فعل صلّى الله عليه وسلّم ذلك، فبيَّن عن اللَّهِ، وأوْضَح، وقد أوتي صلّى الله عليه وسلّم جوامعَ الكَلِم، فأعرب عن دين اللَّهِ، وأفصح، ولنذكُر الآن طَرَفاً من حِكَمِهِ، وفصيحِ كلامِهِ بحذف أسانيده، قال عِياضٌ في «شِفَاهُ» : وأما كلامه صلّى الله عليه وسلّم المعتادُ، وفصاحَتُه المعلومةُ، وجوامُع كَلِمِهِ، وحِكَمُه المأثورةُ، فمنها ما لا يُوَازَى فصاحةً، ولا يبارَى بلاغةً كقوله: «المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ» «٣» ، وقوله: «النّاس

كأسنان المشط» «١» ، «والمرء مَعَ مَنْ أَحَبَّ» «٢» ، و «لاَ خَيْرِ فِي صُحْبَةِ مَنْ لاَ يَرَى لَكَ مَا تَرَى لَهُ» «٣» ، و «النَّاسُ مَعَادِنٌ» «٤» ، و «مَا هَلَكَ امرؤ عَرَفَ قَدْرَهُ» ، و «المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ» ، و «هو بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَكَلَّم» «٥» ، و «رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً قَالَ خَيْراً فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ عَنْ شرّ فسلم» ،

وقوله: «أَسْلِمْ تَسْلَمْ» ، و «أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ» ، و «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ منّي

مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطّئون أَكْنَافاً الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ» ، وقوله: «لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِمَا لاَ يَعْنِيهِ، وَيَبْخَلُ بِمَا لاَ يُغْنِيهِ» ، وقوله: «ذُو الوَجْهَيْنِ لاَ يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً» / وَنَهْيُهُ عَنْ قِيلٍ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ المَالِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ، وَعُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ البَنَاتِ «١» ، وقوله: «اتق اللَّهَ حَيْثُ كُنْتَ، وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها،

وَخَالِق النَّاسَ بِخُلُقٍ حسنٍ» «١» و «خَيْرُ الأُمُورِ أَوْسَاطُها» ، وقوله: «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَّا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَّا» ، وقوله: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَة» ، وقولِهِ في بَعْضِ دعائه: «اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قَلْبِي، وَتَجْمَعُ بِهَا أَمْرِي، وَتُلِمُّ بِهَا شَعْثِي «٢» ، وَتُصْلِحُ بِهَا غَائِبِي، وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدِي، وتُزَكِّي بِهَا عَمَلِي، وَتُلْهِمُنِي بِهَا رَشَدِي، وَتُرَدُّ بِهَا أُلْفَتِي، وَتَعْصِمُنِي بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ، اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ الفَوْزَ فِي القَضَاءِ، وَنُزُلَ الشُّهَدَاءِ، وَعَيْشَ السُّعَدَاءِ، وَالنَّصْرَ عَلَى الأَعْدَاءِ» ، إِلى غَيْرِ ذلكَ مِنْ بيانِهِ، وحُسْنِ كلامه ممَّا روته الكافَّة مما لا يُقَاسُ به غيره، وحاز فيه سبقاً لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ كقوله:

«السَّعَيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، والشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ» في أخواتها مما يدرك الناظِرُ العَجَبَ في مضمَّنها، ويذهَبُ به الفكْرُ في أداني حكمها، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ، وَنَشَأْتُ فِي بَنِي سَعْدٍ» ، فجمع اللَّه له بذلك قُوَّة عارضَةِ الباديةِ وجزالَتَهَا، وَنَصَاعَةَ ألفاظِ الحاضِرَةِ وَرَوْنَقَ كلامِهَا، إِلى التأييد الإلهي الذي مَدَدُهُ الوَحْي، الذي لا يحيطُ بعلمه بَشَرِيّ.

انتهى.

وبالجملة فليس بَعْدَ بيان اللَّه ورسُولِهِ بيانٌ لمن عَمَّر اللَّهُ قلْبَه بالإِيمان.

وقوله سبحانه: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ ...

الآية: تهديدٌ لكفَّار مكَّة ونَصْبُ السيئات ب مَكَرُوا وعُدِّيَ مَكَرُوا لأنه في معنى عملوا، قال البخاريُّ: قال ابن عباس: فِي تَقَلُّبِهِمْ، أي: في اختلافهم «٣» انتهى.

وقال المهدويُّ: قال قتادة: فِي تَقَلُّبِهِمْ: في أسفارهم «٤» ، الضَّحَّاك: فِي تَقَلُّبِهِمْ: باللْيلِ انتهى.

وقوله: عَلى تَخَوُّفٍ، على جهة التخُّوف، والتخُّوفُ التنقُّص، وروي أن عمر بن الخطَّاب رضي اللَّه عنه خَفِيَ عليه معنى التخُّوف في هذه الآية، وأراد الكَتْبَ إلى الأمصار يسأل عن ذلك، فيروَى أنه جاءه فَتًى مِن العرب، فقال: يا أمير المؤمِنِين، إِنَّ أَبي يتخَّوفُنِي مَالي، فقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ!

أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ «٥» ، ومنه قول النابغة: [الطويل]

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانَ لَهُ عَلى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ دَيْنٌ، فَأتاهُ يَتَقاضاهُ، فَكانَ فِيما تَكَلَّمَ بِهِ: والَّذِي أرْجُوهُ بَعْدَ المَوْتِ، فَقالَ المُشْرِكُ: وإنَّكَ لَتَزْعُمُ أنَّكَ تُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ ؟!

فَأقْسَمَ بِاللَّهِ ﴿ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ ﴾ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

و ﴿ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ مُفَسَّرٌ في (المائِدَةِ:٥٣) .

وقَوْلُهُ: ﴿ بَلى ﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ، قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى: " بَلى " لَيَبْعَثَنَّهم " وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالبَعْثِ، فَيَكُونُ المَعْنى: بَلى يَبْعَثُهم فَيُبَيِّنُ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا ﴾ لِيُبَيِّنَ لَهم.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم جَمِيعُ النّاسِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، يُبَيِّنُ لَهم بِالبَعْثِ ما خالَفُوا المُؤْمِنِينَ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ ﴾ أيْ: فِيما أقْسَمُوا عَلَيْهِ مِن نَفْيِ البَعْثِ.

ثُمَّ أخْبَرَ بِقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: " فَيَكُونُ " رَفْعًا، وكَذَلِكَ في كُلِّ القُرْآنِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ " فَيَكُونَ " نَصْبًا.

قالَ مَكِّيُّ بْنُ إبْراهِيمَ: مَن رَفَعَ، قَطَعَهُ عَمّا قَبْلَهُ، والمَعْنى: فَهو يَكُونُ، ومَن نَصَبَ، عَطَفَهُ عَلى " يَقُولَ "، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ وَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وقَدْ فَسَّرْناهُ في (البَقَرَةِ:١١٧) .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سُمِّيَ الشَّيْءُ قَبْلَ وُجُودِهِ شَيْئًا ؟

فالجَوابُ: أنَّ الشَّيْءَ وقَعَ عَلى المَعْلُومِ عِنْدَ اللَّهِ قَبْلَ الخَلْقِ، لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ ما قَدْ عُويِنَ وشُوهِدَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في سِتَّةٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، بِلالٍ، وعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وعايِشٍ وجَبْرٍ مَوْلَيانِ لِقُرَيْشٍ، أخَذَهم أهْلُ مَكَّةَ فَجَعَلُوا يُعَذِّبُونَهم، لِيَرُدُّوهم عَنِ الإسْلامِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، قالَهُ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم جَمِيعُ المُهاجِرِينَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَهُ قَتادَةُ.

ومَعْنى ﴿ هاجَرُوا في اللَّهِ ﴾ ، أيْ: في طَلَبِ رِضاهُ وثَوابِهِ ﴿ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا ﴾ بِما نالَ المُشْرِكُونَ مِنهم، ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ وفِيها خَمْسَةُ أقْوالٍ:أحَدُها: لَنُنْزِلَنَّهُمُ المَدِينَةَ، رَوى هَذا المَعْنى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَنُبَوِّئَنَّهم دارًا حَسَنَةً وبَلْدَةً حَسَنَةً.

والثّانِي: لَنَرْزُقَنَّهم في الدُّنْيا الرِّزْقَ الحَسَنَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: النَّصْرُ عَلى العَدُوِّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ ما بَقِيَ بَعْدَهم مِنَ الثَّناءِ الحَسَنِ، وصارَ لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، وقَدْ رُوِيَ مَعْناهُ عَنْ مُجاهِدٍ، فَرَوى عَنْهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ أنَّهُ قالَ: ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ قالَ: لِسانٌ صادِقٌ.

والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: لَنُحْسِنَنَّ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا، قالَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي: فَتَكُونُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ " لَنُبَوِّئَنَّهم "، عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، إلّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: الجَنَّةَ، ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ.

وَنُقِلَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّهُ كانَ إذا أعْطى الرَّجُلَ مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءَهُ، قالَ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذا ما وعَدَكَ اللَّهُ في الدُّنْيا، وما ذَخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أفْضَلُ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أثْنى عَلَيْهِمْ ومَدَحَهم بِالصَّبْرِ فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ أيْ: عَلى دِينِهِمْ، لَمْ يَتْرُكُوهُ لِأذًى نالَهم، وهم في ذَلِكَ واثِقُونَ بِرَبِّهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ ﴾ ﴿ إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ اللامُ في قَوْلِهِ: "لِيُبَيِّنَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِما في ضِمْنِ قَوْلِهِ: "بَلى"، لِأنَّ التَقْدِيرَ: "بَلى يَبْعَثُ لِيُبَيِّنَ"، وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا  ﴾ ، والأوَّلُ أصْوَبُ في المَعْنى، لِأنَّ بِهِ يُتَصَوَّرُ كَذِبُ الكُفّارِ في إنْكارِ البَعْثِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّما قَوْلُنا ﴾ الآيَةُ.

"إنَّما" في كَلامِ العَرَبِ هي لِلْمُبالَغَةِ وتَحْقِيقِ تَخْصِيصِ المَذْكُورِينَ، فَقَدْ تَكُونُ -مَعَ هَذا- حاصِرَةً إذا دَلَّ عَلى ذَلِكَ المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما اللهُ إلَهٌ واحِدٌ  ﴾ ، وأمّا قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنَّما الرِبا في النَسِيئَةِ"،» وقَوْلُ العَرَبِ: "إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ " فَبَقِيَ فِيها مَعْنى المُبالَغَةِ فَقَطْ.

و"إنَّما" في هَذِهِ الآيَةِ هي لِلْحَصْرِ، وقاعِدَةُ القَوْلِ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ نَقُولَ: إنَّ الإرادَةَ والأمْرَ اللَذَيْنِ هَمّا صِفَتانِ مِن صِفاتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى القَدِيمَةِ هُما قَدِيمانِ أزَلِيّانِ، وإنَّ ما في ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ والِاسْتِئْنافِ إنَّما هو راجِعٌ إلى المُرادِ لا إلى الإرادَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأشْياءَ المُرادَةَ المُكَوَّنَةَ في وُجُودِها اسْتِئْنافٌ واسْتِقْبالٌ، لا في إرادَةٍ ذَلِكَ، ولا في الأمْرِ بِهِ، لِأنَّ ذِينِكَ قَدِيمانِ، فَمِن أجْلِ المُرادِ عَبَّرَ بِـ "إذا" و"نَقُولُ".

ونَرْجِعُ الآنَ عَلى هَذِهِ الألْفاظِ فَتُوَضِّحُ الوَجْهَ فِيها واحِدَةً واحِدَةً: أمّا قَوْلُهُ: "لِشَيْءٍ" فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الأشْياءَ الَّتِي هي مُرادَةٌ وقِيلَ لَها: "كُنْ" مَعْلُومٌ أنَّ الوُجُودَ يَأْتِي عَلى جَمِيعِها بِطُولِ الزَمَنِ وتَقْدِيرِ اللهِ تَعالى، فَلَمّا كانَ وُجُودُها حَتْمًا جازَ أنْ تُسَمّى "أشْياءَ" وهي في حالَةِ عَدَمٍ، والوَجْهُ الثانِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "لِشَيْءٍ" تَنْبِيهًا لَنا عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي تَنْظُرُ فِيها، أيْ إنَّ كُلَّ ما تَأْخُذُونَهُ مِنَ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ فَإنَّما سَبِيلُهُ أنْ يَكُونَ مُرادًا وقِيلَ لَهُ: "كُنْ" فَكانَ، ويَكُونُ ذَلِكَ الشَيْءُ المَأْخُوذُ مِنَ المَوْجُوداتِ مِثالًا لِما يَتَأخَّرُ مِنَ الأُمُورِ وما تَقَدَّمُ، فَبِهَذا نَتَخَلَّصُ مِن تَسْمِيَةِ المَعْدُومِ شَيْئًا، وقَوْلُهُ: ﴿ إذا أرَدْناهُ ﴾ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةُ مُرادٍ، ولَكِنَّهُ أتى بِهَذِهِ الألْفاظِ المُسْتَأْنِفَةِ بِحَسَبِ أنَّ المَوْجُوداتِ تَجِيءُ وتَظْهَرُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَكَأنَّهُ قالَ: "إذا ظَهَرَ المُرادُ مِنهُ"، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَخْرُجُ قَوْلُهُ تَعالى: "فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ ، ونَحْوَ هَذا مِمّا مَعْناهُ: ويَقَعُ مِنكم ما رَآهُ اللهُ تَعالى في الأزَلِ كُلِّهِ وعَلِمَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ نَقُولَ ﴾ نَزَلَ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: "قَوْلُنا"، ولَكِنْ "أنْ" مَعَ الفِعْلِ تُعْطِي اسْتِئْنافًا لَيْسَ في المَصْدَرِ في أغْلَبِ أمْرِها، وقَدْ تَجِيءُ في مَواضِعَ لا يُلْحَظُ فِيها الزَمَنَ كَهَذِهِ الآيَةِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ  ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: "لَهُ" ذَهَبَ أكْثَرُ الناسِ إلى أنَّ الشَيْءَ هو الَّذِي يُقالُ لَهُ كالمُخاطَبِ، وكَأنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى قالَ في الأزَلِ لِجَمِيعِ ما خَلَقَ: "كُنْ" بِشَرْطِ الوَقْتِ والصِفَةِ، وقالَ الزَجاجُ: "لَهُ" بِمَعْنى: مِن أجْلِهِ، وهَذا يُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ بِالمَعْنى إلى الأوَّلِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ قَوْلَهُ: "أنْ نَقُولَ" مَجازٌ، كَما تَقُولُ: قالَ بِرَأْسِهِ فَرَفَعَهُ، وقالَ بِيَدِهِ فَضَرَبَ فُلانًا، ورَدَّ عَلى هَذا المَنزَعِ أبُو مَنصُورٍ، وذَهَبَ إلى أنَّ الأوَّلَ هو الأوَّلُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَيَكُونُ" بِرَفْعِ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والكِسّائِيُّ هُنا وفي "يَسِ" "فَيَكُونُ" بِنَصْبِها، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ أبْعَدُ عَلى التَعْقِيبِ الَّذِي يَصْحَبُ الفاءَ في أغْلَبِ حالِها، فَتَأمَّلَهُ.

وفِي هَذِهِ النُبْذَةِ ما يُطَّلَعُ مِنهُ عَلى عُيُونِ هَذِهِ المَسْألَةِ، وشَرْطُ الإيجازِ مَنَعَ مِن بَسْطِ الِاعْتِراضاتِ والِانْفِصالاتِ، والمَقْصُودُ بِهَذِهِ الآيَةِ إعْلامُ مُنْكِرِي البَعْثِ بِهَوانِ أمْرِهِ عَلى اللهِ تَعالى وقُرْبِهِ في قُدْرَتِهِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الجملة متّصلة بجملة ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ [سورة النحل: 38] لبيان أنّ جهلهم بمَدى قدرة الله تعالى هو الذي جرّأهم على إنكار البعث واستحالته عندهم، فهي بيان للجملة التي قبلها ولذلك فُصلت، ووقعتْ جملة ﴿ ليبين لهم الذين يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا ﴾ [سورة النحل: 39] إلى آخرها اعتراضاً بين البيان والمبيّن.

والمعنى أنه لا يتوقف تكوين شيء إذا أراده الله إلا على أن تتعلّق قدرته بتكوينه.

وليس إحياء الأموات إلا من جملة الأشياء، وما البعث إلا تكوين، فما بَعْث الأموات إلا من جملة تكوين الموجودات، فلا يخرج عن قدرته.

وأفادت ﴿ إنّما ﴾ قصراً هو قصر وقوع التّكوين على صدور الأمر به، وهو قصر قلب لإبطال اعتقاد المشركين تعذّر إحياء الموتى ظنّاً منهم أنّه لا يحصل إلا إذا سلمت الأجساد من الفساد كما تقدم آنفاً، فأريد ب ﴿ قولنا لشيء ﴾ تكوينُنا شيئاً، أي تعلّق القدرة بخلق شيء.

وأريد بقوله: ﴿ إذا أردناه ﴾ إذا تعلّقت به الإرادة الإلهية تعلّقاً تنجيزياً، فإذا كان سبب التكوين ليس زائداً على قول ﴿ كن ﴾ فقد بطل تعذّر إحياء الموتى.

ولذلك كان هذا قصر قلب لإبطال اعتقاد المشركين.

والشيء: أطلق هنا على المعدوم باعتبار إرادة وجوده، فهو من إطلاق اسم ما يؤول إليه، أو المرادُ بالشيء مطلق الحقيقة المعلومة وإن كانت معدومة، وإطلاق الشيء على المعدوم مستعمل.

و ﴿ أن نقول له كن ﴾ خبر عن ﴿ قولنا ﴾ .

والمراد بقول ﴿ كن ﴾ توجّه القدرة إلى إيجاد المقدور.

عُبر عن ذلك التوجّه بالقول بالكلام كما عبّر عنه بالأمر في قوله: ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ﴾ [سورة يس: 82] وشبّه الشيء الممكن حصوله بشخص مأمور، وشبّه انفعال الممكن لأمْرِ التكوين بامتثال المأمور لأمر الآمر.

وكلّ ذلك تقريب للناس بما يعقلون، وليس هو خطاباً للمعدوم ولا أن للمعدوم سمعاً يعقل به الكلام فيمتثل للآمر.

و (كَان) تامة.

وقرأ الجمهور فيكون } بالرفع أي فهو يكون، عطفاً على الخبر وهو جملة ﴿ أن نقول ﴾ .

وقرأ ابن عامر والكسائي بالنصب عطفاً على ﴿ نقول ﴾ ، أي أن نقول له كُن وأن يكون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا ﴾ يَعْنِي مِن بَعْدِ ما ظَلَمَهم أهْلُ مَكَّةَ حِينَ أخْرَجُوهم إلى الحَبَشَةِ بَعْدَ العَذابِ والإبْعادِ.

﴿ لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: نُزُولُ المَدِينَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ.

الثّانِي: الرِّزْقُ الحَسَنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ لِسانُ صِدْقٍ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا خامِسًا: أنَّهُ ما اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِن فُتُوحِ البِلادِ وصارَ لَهم فِيها مِنَ الوِلاياتِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا سادِسًا: أنَّهُ ما بَقِيَ لَهم في الدُّنْيا مِنَ الثَّناءِ، وما صارَ فِيها لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ.

وَقالَ داوُدُ بْنُ إبْراهِيمَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَنْدَلِ بْنِ سَهْلٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في بِلالٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ عَذَّبَهم أهْلُ مَكَّةَ حَتّى قالُوا لَهم ما أرادُوا في الدُّنْيا، فَلَمّا خَلَّوْهم هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ.

وَرُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ إذا دَفَعَ إلى المُهاجِرِينَ العَطاءَ قالَ: هَذا ما وعَدَكُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا، وما خَوَّلَكم في الآخِرَةِ أكْثَرُ، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والترمذي وحسنه، وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان- واللفظ له- عن أبي ذر، عن رسول الله قال: «يقول الله: يا ابن آدم، كلكم مذنب إلا من عافيت..

فاستغفروني أغفر لكم.

وكلكم فقراء إلا من أغنيت، فسلوني أُعْطِكُم.

وكلكم ضال إلا من هديت، فسلوني الهدى أهدكم.

ومن استغفرني وهو يعلم أني ذو قدرة على أن أغفر له، غفرت له ولا أبالي.

ولو أن أوّلكم وآخركم وحيّكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على قلب أشقى واحد منكم، ما نقص ذلك من سلطاني مثل جناح بعوضة.

ولو أن أوّلكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على قلب أتقى واحد منكم، ما زادوا في سلطاني مثل جناح بعوضة.

ولو أن أوّلكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم سألوني حتى تنتهي مسألة كل واحد منكم، فأعطيتهم ما سألوني ما نقص ذلك مما عندي كغرز إبرة غمسها أحدكم في البحر، وذلك أني جواد ماجد واجد عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له ﴿ كن فيكون ﴾ » .

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا ﴾ قال: إنهم قوم من أهل مكة، هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ظلمهم، ظَلَمَهُمُ المشركون.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن داود بن أبي هند قال: نزلت ﴿ والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا....

﴾ إلى قوله: ﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ في أبي جندل بن سهيل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا ﴾ قال: هؤلاء أصحاب محمد، ظلمهم أهل مكة فأخرجوهم من ديارهم، حتى لحق طوائف منهم بأرض الحبشة، ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصاراً من المؤمنين ﴿ ولأجر الآخرة أكبر ﴾ قال: أي والله لما يثيبهم عليه من جنته ونعمته ﴿ أكبر لو كانوا يعلمون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الشعبي في قوله: ﴿ لنبوّئنهم في الدنيا حسنة ﴾ قال: المدينة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ لنبوّئنهم في الدنيا حسنة ﴾ قال: لنرزقنهم في الدنيا رزقاً حسناً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبان بن تغلب قال: كان الربيع بن خثيم يقرأ هذا الحرف في النحل ﴿ والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ﴾ ويقرأ في العنكبوت ﴿ لَنَثْويَنَّهُمْ من الجنة غرفا ﴾ [ العنكبوت: 58] ويقول: التَّنَبُّؤ في الدنيا والثواء في الآخرة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن عمر بن الخطاب: أنه كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاء يقول: خذ...

بارك الله لك، هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ادّخر لك في الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ ﴾ الآية.

قال ابن عباس: أخبر بقدرته وقوته، يريد ليس كما يتكلف المخلوقون من الأعوان والاله أمر الله أوحى من ذلك (١) (٢) قال ابن الأنباري: وقع اسم الشيء على المعلوم عند الله عز وجل قبل الخلق؛ لأنه بمنزلة ما قد عوين وشوهد (٣) قال الفراء: القول مرفوع بقوله: ﴿ أَنْ نَقُولَ ﴾ كما تقول: إنما قولنا الحق، هذا كلامه (٤) ﴿ قَوْلُنَا ﴾ رفع بالابتداء وخبره: ﴿ أَنْ نَقُولَ ﴾ ، المعنى: إنما قولنا لكل مراد قولنا كن، فإن قيل كيف خاطب المعدوم بقوله: ﴿ كُنْ ﴾ ، قلنا: هذا تمثيل لنفس الكلفة والمعاناة، ومخاطبةُ الخلق بما يعقلون ليس أنه يخاطب المعدوم؛ لأن ما أراد الله عز وجل فهو كائن على كل حال، وعلى ما أراده من الإسراع، لو أراد خلق الدنيا والسموات والأرض في قدر لمح البصر لَقَدَر على ذلك، ولكن العباد خُوطبوا بما يعقلون (٥) ﴿ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ أجوبة سوى هذا.

واختلفوا في قوله: ﴿ فَيَكُونُ ﴾ ، فقرأه أكثرُ القراء بالرفع (٦) ﴿ أَنْ نَقُولَ لَهُ ﴾ كلامًا تامًّا يخبر بأنه سيكون؛ كما تقول للرجل: إنّما يكفيه أن آمره، فيفعلُ بعد ذلك ما يؤمر (٧) ﴿ فَيَكُونُ ﴾ نصبًا (٨) ﴿ أَنْ نَقُولَ ﴾ ، المعنى: أن نقول فيكون، هذا قول جميع النحويين (٩) قال الزجاج: ويجوز أن يكون نصبًا على جواب كن (١٠) قال أبو علي: هذا الوجه الذي أجازه من النصب في يكون لم يجزه أحد من أصحابنا غيرُه، ولم أعلم لغيره إجازةً له على هذا الوجه، ووجدت الكسائي يقول: إنه سمعه من العرب أكثر من خمسين مرة بالنصب، وما علمته حَمَل ذلك على أنه جواب، ولكن على (أنْ)، وحَمْلُه على الجواب غيرُ سائغ؛ لأن (كُنْ) وإن كان على لفظ الأصل فليس القصد به هاهنا الأمر، إنما هو -والله أعلم- الإخبار عن كون الشيء وحدوثه، وإلى هذا ذهب أبو العباس وغيره (١١) (١٢) (١) لم أدرك مقصوده بهذه العبارة المعترضة.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 199، بتصرف يسير.

(٣) انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 106، بنصه، وابن الجوزي 4/ 447، بلا نسبة.

(٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 100، بنصه.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 198، بتصرف.

(٦) انظر: "السبعة" ص 373، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 354، و"الحجة للقراء" 5/ 65، و"المبسوط في القراءات" ص 224، و"التيسير" ص 137، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 736.

(٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 100، بتصرف يسير.

(٨) انظر: "السبعة" ص 373، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 354، و"الحجة للقراء" 5/ 65، و"المبسوط في القراءات" ص 224، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 736.

(٩) ورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 198، و"تفسير الطبري" 14/ 106، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 210، و"الحجة للقراء" 5/ 65، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 14، وانظر: "الإملاء" 2/ 81، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 228.

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 198، بنصه.

(١١) "المقتضب" 2/ 18، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 910، و"الحجة للقراء" 2/ 205، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 14، و"الإملاء" 1/ 60، و"الدر المصون" 2/ 89.

وبالإضافة إلى كون (كن) هنا للحكاية لا الأمر، يشترط في جواب الأمر أن يخالف الأمر؛ إما في الفعل، أو في الفاعل، أو فيهما، فلما اتفق الفعلان، والفاعلان واحد، لم يحسن أن يكون (فيكون) جواباً للأول.

(المصادر السابقة).

(١٢) "الإغفال" 2/ 153 أ، بنصه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بلى ﴾ ردّ على الذين أقسموا ﴿ لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ ﴾ أي أنه يبعثه ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الذي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ اللام تتعلق بما دل عليه أي يبعثهم ليبين لهم، وهذا برهان أيضاً على البعث، فإن الناس مختلفون في أديانهم ومذاهبهم، فيبعثهم الله ليبين لهم الحق فيما اختلفوا فيه ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ ﴾ الآية: برهان أيضاً على البعث، لأنه داخل تحت قدرة الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ شركاي ﴾ مثل ﴿ هداي ﴾ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي.

وقرأ الخزاز عن هبيرة ﴿ شركائي الذين ﴾ مرسلة الياء، الباقون بفتح الياء وكذلك في "الكهف" و"القصص".

﴿ تشاقون ﴾ بكسر النون: نافع، الآخرون بفتحها ﴿ تتوفاهم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وخلف ﴿ لا يهدي ﴾ بفتح الياء وكسر الدال: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون بضم الياء وفتح الدال.

﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب: ابن عامر وعلي، الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ الأولين ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ يوم القيامة ﴾ لا لأن قوله ﴿ ومن أوزار ﴾ مفعول ﴿ ليحملوا ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ ما يزرون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ فيهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة ﴿ أنفسهم ﴾ ص لطول الكلام ﴿ من سوء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ أنزل ربكم ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ يشاءُون ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ طيبين ﴾ ه لا لأن ما بعده حال آخر.

﴿ سلام عليكم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ ادخلوا ﴾ مفعول ﴿ يقولون ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ أمر ربك ﴾ ط ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ يستهزءُون ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ الثاني ط ﴿ من قبلهم ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الطاغوت ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ الضلالة ﴾ ط ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ لا لأن ما بعده جواب القسم ﴿ يموت ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ كاذبين ﴾ ه ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ م لأن جواب "لو" محذوف أي لو كانوا يعلمون لما اختاروا الدنيا على الآخرة، ولو وصل لصار قوله: ﴿ ولأجر الآخرة ﴾ متعلقاً بشرط "أن" ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ وهو محال ﴿ يعلمون ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين صبروا ﴾ بدل ﴿ الذين هاجروا ﴾ ﴿ يتوكلون ﴾ ه.

التفسير: لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد أراد أن يذكر شبهات منكري النبوة مع أجوبتها.

فالشبهة الأولى أنهم طعنوا في القرآن وعدّوه من قبيل الأساطير.

قال النحويون: "ماذا" منصوب بأنزل بمعنى أي شيء أنزله ربكم، أو "ما" مبتدأ و "ذا" موصولة، والجملة صلتها، والمجموع خبر المبتدأ، وعلى التقديرين: فقوله: ﴿ أساطير الأوّلين ﴾ بالرفع ليس بجواب للكفار وإلا لكان المعنى الذي أنزله ربنا أساطير الأوّلين والكفار لا يقرون بالإنزال فهو إذن كلام مستأنف أي ليس ما تدّعون إنزاله منزلاً بل هو أساطير الأولين.

وقال في الكشاف: معناه المنزل أساطير الأوّلين وذكر في دفع التناقض أنه على السخرية كقوله: { ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ وجوز كونه منصوباً ولم يقرأ به.

واختلفوا في السائل فقيل: هو كلام بعضهم لبعض.

وقيل: هو قول المسلمين لهم وقيل: هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله  إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله  قالوا: أحاديث الأوّلين وأباطيلهم، ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والحقائق والدقائق.

ثم إنه تعال اقتصر في جواب شبههم على محض الوعي لأنه قد ثبت بالتحدي كما مر ذكره مراراً أن القرآن معجز تحدوا بالقرآن جملة ثم بعشر سور ثم بسورة فعجزوا عن المعارضة فكان طعنهم فيه بعد ذلك مجرد المكابرة والعناد فلم يستحقوا في الجواب إلا التهديد والوعيد.

واللام في قوله: ﴿ ليحملوا ﴾ ليس لام الغرض لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لغرض حمل الأوزار، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن التعليل به فكان لام العاقبة، وقوله: ﴿ كاملة ﴾ معناه أنه  لا يخفف من عقابهم شيئاً، وفيه دليل على أنه  قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين لأن هذا المعنى لو كان حاصلاً في حق الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة.

قال الواحدي: لفظة "من" في قوله: ﴿ ومن أوزار الذين ﴾ ليست للتبعيض فإنه لا يخفف عن الأتباع بعض أوزارهم لقوله  "أيما داع دعا إلى الضلال فاتبع كان عليه وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء" ولكنها للابتداء أي لحملوا ما قد نشأ من أوزار الاتباع، أو للبيان أي ليحملوا ما هو من جنس أوزار تبعهم.

ومعنى ﴿ بغير علم ﴾ أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون على هذا الإضلال جهلاً منهم بما يتسحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال.

وقال في الكشاف: ﴿ بغير علم ﴾ حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال.

وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل.

ثم أوعدهم بما هو النهاية في التهديد فقال: ﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ وزرهم.

ثم حكى حال أضرابهم من المتقدين فقال: ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ﴾ ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد به نمروذ بن كنعان بنى صرحاً عظيماً ببابل طوله خمسة آلاف ذراع - وقيل فرسخان - ورام الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا، وألقت رأس الصرح في البحر فأحدث نمروذ وتبلبلت يومئذٍ ألسن الناس من الفزع فتكلموا بثلاثة وتسعين لساناً ولذلك سميت ببابل، وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية، وابتلاه الله ببعوضة دخلت دماغه والحكاية مشهورة.

والأصح أن الآية عامة في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحق الضرر بالمحقين.

وعلى القول الأوّل معنى قوله: ﴿ فأتى الله ﴾ أي أمره وحكمه ﴿ بنيانهم من القواعد ﴾ وهي أساطين البناء التي تعمده أو الأساس أنه أسقط السقف عليهم بعد هدم القواعد.

وفائدة زيادة قوله: ﴿ من فوقهم ﴾ التنصيص على أن الأبنية تهدمت وهم ماتوا تحتها، وعلى الثاني يكون الكلام محض التمثيل والمراد أنهم سوّوا منصوبات وحيلاً ليمكروا بها رسل الله، فجعل الله هلاكهم في تلك الحيل كحيل قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين، فأتي البنيان من الأساطين بأن ضعفت فسقط عليهم السقف فهلكوا ونحوه "من حفر بئراً لأخيه فقد وقع فيه" وبعبارة أخرى "من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً".

ثم بين أن عذابهم ير مقصور على عذاب الدنيا بل الله  يخزيهم يوم القيامة بإدخالهم النار ﴿ إنك من تدخل النار فقد أخزيته  ﴾ ﴿ ويقول ﴾ مع ذلك لأجل الإهانة والتوبيخ ﴿ أين شركائي ﴾ الإضافة لأدنى الملابسة أو هي حكاية لإضافتهم استهزاء وتوبيخاً ﴿ الذين كنتم تشاقون ﴾ تخاصمون المؤمنين في شأنهم.

ومن قرأ بكسر النون فعلى حذف يا المتكلم لأن مشاقة المؤمنين مشاقة الله.

ثم ذكر على سبيل الاستئناف ﴿ قال الذين أوتوا العلم ﴾ عن ابن عباس هم الملائكة.

وقال الآخرون: هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يعظونهم ولا يلتفتون إليهم فيقولون ذلك يوم القيامة شماتة بهم.

قالت المرجئة قولهم: ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ﴾ يدل على أن ماهية الخزي والسوء مختص بالكافرين فينتفي عن غيرهم.

أما قوله: ﴿ فألقوا السلم ﴾ فعن ابن عباس: المراد أنهم أسلموا وأقروا بالعبودية عند الموت.

وقيل: إنه في يوم القيامة وقولهم: ﴿ ما كنا نعمل من سوء ﴾ أرادوا الشرك قالوه على وجه الكذب والجحود، ومن لم يجوز الكذب على أهل القيامة قال: أرادوا في اعتقادهم وظنونهم فرد عليهم أولو العلم أو الملائكة بقوله: ﴿ بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ﴾ في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب وإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم.

قال في الكشاف: وهذا أيضاً من الشماتة وكذلك ﴿ فادخلوا أبواب جهنم ﴾ وفي ذكر الأبواب إشارة إلى تفاوت منازلهم في دركات جهنم.

ثم قال: ﴿ فلبئس مثوى المتكبرين ﴾ عن قبول التوحيد وسائر ما أتت به الأنبياء.

والفاء للعطف على فاء التعقيب في ﴿ فادخلوا ﴾ واللام للتأكيد يجري مجرى القسم موافقة لقوله بعد ذلك ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ ولا نظير لهما في كل القرآن.

ثم أتبع أوصاف الأشقياء أحوال السعداء فقال: ﴿ وقيل للذين اتقوا ﴾ الآية.

وإنما ذكر الجواب ههنا بالنصب ليكون الجواب مطابقاً مكشوفاً بيناً من غير تلعثم أي أنزل خيراً أو ﴿ قالوا خيراً ﴾ لا شراً كما قاله الكفار، أو قالوا قولاً خيراً ولو رفعوا لأوهم أنه كلام مستأنف كما في جواب الكفار وليس بمنزل.

روي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي  فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف كما مر، فكان الوافد يقول: كيف أرجع إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه.

فيلقى أصحاب رسول الله  ويخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث فهم الذين قالوا خيراً.

وجوّز في الكشاف أن يكون ﴿ للذين أحسنوا ﴾ وما بعده بدلاً من ﴿ خيراً ﴾ كأنه فسر الخبر بهذا القول، وجوّز أن يكون كلاماً مبتدأ على سبيل الوعد فيكون قولهم الخير من جملة إحسانهم.

أما قوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ فإما أن يتعلق بما قبله فالمعنى: الذين جاءُوا بالإحسان في هذه الدنيا لهم في الآخرة ﴿ حسنة ﴾ هي الثواب العظيم أو المضاعف إلى سبعمائة أو أكثر، وإما أن يتعلق بما بعده والتقدير: الذين أحسنوا لهم الحسنة في الدنيا باستحقاق المدح والثناء، أبو بالظفر على أعداء الدين باللسان والسنان وفتح البلاد، أو بفتح أبواب المكاشفات والمشاهدات.

والحاصل أن لهم في الدنيا مكافأة بإحسانهم.

﴿ ولدار الآخرة خير ﴾ منها.

ثم بين الخيرية بقوله: ﴿ ولنعم دار المتقين ﴾ دار الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره.

ثم قال: ﴿ جنات عدنٍ ﴾ أي هي هذه فيكون المبتدأ محذوفاً أو الجنات مبتدأ وما بعدها خبر أو ﴿ جنات عدن ﴾ هي المخصوص بالمدح.

فالجنات يدل على القصور والبساتين، والعدن على الدوام والإقامة.

وقوله: ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ على أنه حصل هناك أبنية مرتفعة هم عليها والأنهار تجري من تحتهم.

وقوله: ﴿ لهم فيها ما يشاءُون ﴾ أبلغ من قوله في موضع آخر ﴿ فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين  ﴾ وفي تقديم الظرف دلالة على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده إلا في الجنة، وقوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ﴾ أكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح.

وقوله: ﴿ طيبين ﴾ أي طاهرين عن دنس الكفر والمعاصي أو دنس الكفر وحده، وهذه كلمة جامعة تشمل أنواع البراءة عن العلائق الجسمانية فلا يكون لصاحب هذه الحالة تألم بالموت دليله قوله: ﴿ يقول سلام عليكم ﴾ يروى أنه إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فيقول: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام وبشره بالجنة فذلك قوله: ﴿ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ﴾ وعن الحسن أن المراد بهذا التوفي هو وفاة الحشر لأنه لا يقال عند قبض الروح في الدنيا ادخلوا الجنة.

والأولون قالوا: البشارة بالجنة بمنزلة الدخول فيها.

قوله  : ﴿ هل ينظرون ﴾ قيل: إنه جواب شبهة أخرى لمنكري النبوة فإنهم طلبوا من النبي  أن ينزل عليهم ملكاً من السماء يشهد على صدقه في ادّعاء النبوة فقال تعالى: هل ينظرون في تصديق نبوتك ﴿ إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ شاهدين بذلك.

ويحتمل أن يقال: إنهم لما طعنوا في القرآن بأنه أساطير الأولين أوعدهم الله  بما أوعد، ثم وصف القرآن بكونه حقاً وصدقاً وذكر جزاء المتقين ثم ذكر أن أولئك الكفار لا ينزجرون عن كفرهم بسبب البيانات التي ذكرناها إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد أو لقبض الأرواح أو أتاهم أمر ربك وهو العذاب المستأصل أو القيامة ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ فأصابهم الهلاك المعجل ﴿ وما ظلمهم الله ﴾ بتدميرهم فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم ﴿ فأصابهم سيئات ما عملوا ﴾ أي جزاء سيئات أعمالهم أو هو من باب الطباق والمشاكلة كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ ﴿ وحاق بهم ﴾ .

أي نزل بهم على وجه الإحاطة عقاب استهزائهم.

الشبهة الثالثة لمنكري النبوة أنهم تشبثوا بمسألة الجبر فقالوا: ﴿ لو شاء الله ما عبدنا ﴾ الآية.

وقد مر في تفسير مثلها في آخر سورة الأنعام، وذكرنا أسرار المتشابه هناك وكذا استدلال المعتزلة بها وجواب الأشاعرة عنها.

وزاد بعض الأشاعرة فقالوا: إن المشركين ذكروا هذا الكلام على وجه الاستهزاء كما قال قوم شعيب ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد  ﴾ ولو قالوا ذلك معتقدين كانوا مؤمنين.

وقال آخرون: إنه  أجاب عن شبهتهم وهي أنه لما كان الكل من الله كان بعثه الأنبياء عبثاً بقوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ يعني أنهم اعترضوا على أحكام الله وطلبوا لها العلة فعل من تقدمهم من الكفرة ﴿ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ﴾ أي ما عليهم إلا التبليغ فإما تحصيل الإيمان فليس إليهم.

ثم إنه أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً ﴾ إلى قوله: ﴿ ومنهم من حقت عليه الضلالة ﴾ وفيه دلالة على أن أمر الله قد لا يوافق إرادته فإنه يأمر الكل بالإيمان ولا يريد الهداية إلا للبعض إذّ لو أرادها للكل لم يكفر أحد ولم ينزل العذاب على قوم لكنه كفر ونزل لقوله: ﴿ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين  ﴾ .

ثم خصص الخطاب قائلاً لرسوله ﴿ إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ﴾ لا يرشد أحداً أضله، قال ابن عباس: وقال الفراء: لا يهدي معناه لا يهتدي: ومن قرأ على البناء للمفعول فمعناه لا تقدر أنت ولا أحد على هداية من أضله الله فلن يكون مهدياً منصوراً، ولا يخفى أن أول الآية ظاهره يوافق مذهب المعتزلة.

أما قوله: ﴿ كذلك فعل الذين من قبلهم ﴾ إلى آخر الآيات فإنهم قد صاروا فيه إلى التأويل فقالوا: معناه أن متقدميهم أشركوا وحرموا حلال الله فلما نبهوا على قبح فعلهم أسندوه إلى الله ﴿ فهل على الرسل إلا ﴾ أن يبلغوا الحق وأن الله بريء من الظلم وخلق القبائح والمنكرات، وما من أمة إلا وقد بعث الله فيهم رسولاً يأمرهم بالخير الذي هو عبادة الله وينهاهم عن الشر الذي هو طاعة الطاغوت.

﴿ فمنهم من هدى الله ﴾ لأنه من أهل اللطف، ومنهم من ثبت عليه الخذلان لأنه عرفه مصمماً على الكفر، أو المراد منهم من حكم الله عليه بالاهتداء ومنهم من صار محكوماً عليه بالضلال لظهور ضلاله، أو منهم من هداه الله إلى الجنة ومنهم من أضله عنها.

﴿ فسيروا في الأرض فانظروا ﴾ ما فعلت بالمكذبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أني لا أقدر الشر ولا أشاؤه.

ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله  على إيمانهم وعرفه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة، وأنه لا يلطف بمن يخذل لأنه عبث والله  متعال عن العبث.

فهذا تفسير الفريقين لاشتمال آيات مسألة الجبر والقدر على الجهتين وعليك الاختيار بعقلك دون هواك.

الشبهة الرابعة قدحهم في الحشر والنشر ليلزم إبطال النبوة وذلك أنهم ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ أي أغلاظ الأيمان كما في "المائدة" كأنهم ادّعوا علماً ضرورياً بأن الشيء إذا فني وصار عدماً محضاً فإنه لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئاً آخر فأكدوا ادعاءهم بالقسم الغليظ فأجاب الله عن شبهتهم بقوله: ﴿ بلى ﴾ وهو إثبات لما بعد النفي أي بلى يبعثهم وقوله: ﴿ وعداً ﴾ مصدر مؤكد لما دل عليه "بلى" لأن يبعث موعد من الله أي وعد البعث ﴿ وعدا عليه حقاً ﴾ لا خلاف فيه ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم يبعثون أو أن وعد الله حق.

ثم ذكر لمية حقية البعث فقال ﴿ ليبين ﴾ أي يبعث كل من يموت من المؤمنين والكافرين ليبين ﴿ لهم ﴾ الحق الذي اختلفوا فيه بياناً عيانياً لا يشتبه فيه المطيع بالمعاصي والمحق بالمبطل والمظلوم بالظالم والصادق بالكاذب.

وجوز بعضهم أن يكون قوله: ﴿ ليبين ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ولقد بعثنا ﴾ أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا به وأنهم كانوا على الضلالة قبله مفترين على الله الكذب في ادعاء الشريك له وفي قولهم بمجرد هواهم هذا حلال الله وهذا حرام.

ثم برهن على إمكان البعث بقوله: ﴿ إنما قولنا ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ أن نقول ﴾ وقد فسرنا مثل هذه الآية في سورة البقرة، وذكرنا فيه مباحث عميقة لفظية ومعنوية فلا حاجة إلى الإعادة.

والغرض أنه  لا مانع له من الإيجاد والإعدام ولا تتوقف آثار قدرته إلا على مجرد الإرادة والمشيئة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو أهون من الإبداء؟!

قال في الكشاف: قرىء ﴿ فيكون ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ نقول ﴾ قلت: ولا مانع من كونه منصوباً بإضمار "أن" لوقوعه في جواب الأمر بعد الفاء وقد مر في "البقرة".

احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم القرآن قال: إنه لو كان حادثاً لافتقر إلى أن يقال له "كن".

ثم الكلام في هذا اللفظ كالكلام في الأوّل وتسلسل، والجواب بعد تسليم أن هذا ليس مثلاً وأن ثم قولاً أن "إذا" لا تفيد التكرار فلا يلزم في كل ما يحدثه الله  إلى أن يقول له" كن".

وكيف يتصور أن تكون لفظة "كن" قديمة والكاف مقدم على النون بزمان محصور، ولو سلم فلا يجوز من قدم لفظة "كن" قدم القرآن.

على أن قوله: ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه ﴾ يقتضي كون القول واقعاً بالإرادة وما كان كذلك فهو محدث وأنه علق القول بكلمة "إذا" ولا شك أنها للاستقبال وكذا قوله: ﴿ أن نقول ﴾ ثم إن كلمة ﴿ كن ﴾ متقدمة على المكون بزمان واحد، والمتقدم على المحدث بزمان يكون محدثاً، فتلخص من هذه الدلائل أن الكلام المسموع لا بد أن يكون محدثاً.

هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ولعل لنا فيه نظراً.

ولما حكى الله  عن الكفار ما حكى من إنكار البعث والجزاء لم يبعد منهم - والحالة هذه - إيذاء المسلمين وإنزال الضرر والهوان بهم وحينئذٍ يلزمهم أن يهاجروا تلك الديار فذكر ثواب المهاجرين قائلاً ﴿ والذين هاجروا في الله ﴾ أي في حقه وسبيله ﴿ من بعد ما ظلموا لنبوّئنهم في الدنيا ﴾ مثوبة ﴿ حسنة ﴾ أو مباءة حسنة هي المدينة أوهم أهلها ونصروهم قاله الحسن والشعبي وقتادة.

وقيل: لننزلنهم منزلة حسنة هي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، بل على العرب قاطبة بل على أهل المشرق والمغرب.

قال ابن عباس: نزلت الآية في جماعة - منهم صهيب وبلال وعمار وخباب- جعل المشركون يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام فقال صهيب: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فافتدى منهم بماله وهاجر، فلما رآه أبو بكر قال له: ربح البيع يا صهيب، وقال له عمر: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه.

أما الضمير في قوله: ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ فإما أن يرجع إلى الكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المستضعفين خير الدارين لرغبوا في دينهم، وإما أن يعود إلى المهاجرين أي لو علموا أن أجر الآخرة أكبر لزادوا في اجتهادهم وصبرهم.ثم مدحهم بقوله: ﴿ الذين صبروا ﴾ على هم الذين أو أعني الذين.

والمراد صبرهم على العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله، وعلى المجاهدة في سبيل الله بالنفوس والأموال.

قال المحققون: الصبر حبس النفس على خلاف ما تشتهيه من اللذات العاجلة وهو مبدأ السلوك، والتوكل هو الانقطاع بالكلية عما سوى الحق وهو آخر الطريق والله ولي التوفيق.

فإن العارفين بالصبر ساروا وبالتوكل طاروا ثم في الله حاروا حسبي الله ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ﴾ .

فإن قيل: لنا: ما الحكمة والفائدة في ذكر قسمهم الذي أقسموا في القرآن؛ وجعل ذلك آية تتلى؟

وذلك القسم الذي أقسموا كان بحضرة النبي  وأصحابه، وهم علموا ذلك ليس كالأنباء والقصص التي كانت من قبل، إذ كان ذلك شيئاً غاب عنه لم يشهدها؛ فأخبرهم على ما كان، ففي ذلك إثبات رسالته ونبوّته؟

فالحكمة والفائدة من ذكرها في القرآن؛ وجعلها آيات تتلى؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله  .

وأمّا القسم الذي أقسموا ليس فيه ما ذكرنا من إثبات الرسالة؛ وهم قد علموا ذلك؛ فما الفائدة في ذكره؟

قيل: يشبه أن يكون ذكره لنا - عز وجل - لنعلم نحن عظيم سفه أولئك؛ وقلة عقولهم، وحلم الرسول واحتمال ما احتمل منهم من الأذى والمكروه؛ لنعلم نحن أن كيف يعامل السفهاء؛ وأهل الفساد؛ والعصاة من الناس؛ على ما عامل رسل الله أقوامهم؛ مع عظيم سفههم وقلة عقلهم، فذلك فائدة ذكر قسمهم في القرآن قد تكلف أولئك الكفرة الكبراء منهم في تلبيس [الآيات والحجج] التي أتت بها الرسل: مرة بالقسم الذي ذكر؛ حيث أقسموا بالله جهد أيمانهم أنه لا يبعثون، ومرة بالنسبة إلى السحر، ومرة بالافتراء، ومرة بالنسبة إلى الجنون، وفي الإنباء بأنه إنما يعلمه بشر منا، يريدون بذلك التلبيس على الأتباع.

ثم البعث واجب بالعقل، والحكمة، وأخبار الرسل؛ إذ ليس خبر أصدق من أخبار الرسل وآثارهم، وهم ممن يقبلون الأخبار، فأخبار الرسل أولى بالقبول والتصديق من غيرهم؛ لأن معهم آيات صدقهم ودلالات تحقيقهم.

وأما العقل فهو أن كون هذا العالم وإنشاءه للفناء خاصة خارج عن الحكمة، إذ كل عمل لا يكون له عاقبة [حميدة] عبث، وهو كما قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً...

﴾ الآية [المؤمنون: 115] أخبر أنه إذا لم يكن رجوع إليه يكون خلقه إياهم عبثاً.

وأما الحكمة فهي أن الانتقام لأوليائه من الظلمة واجب لظلمهم، والإحسان لأهل الإحسان، فلو لم يكن بعث والحياة بعد الموت؛ لينتقم من الظالم لظلمه، ويجزي المحسن لإحسانه يذهب فائدة الترغيب على الطاعة والإحسان، ووعيد الظالم بالانتقام، فالبعث واجب؛ للوجوه التي ذكرنا، والتفريق بين الأولياء والأعداء؛ وقد جمعهم في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما.

وقوله: ﴿ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ .

ذكر أن مشركي العرب كانوا [لا] يقسمون بالله إلا فيما يعظم من الأمر، ويشتد عليهم؛ تعظيماً له وإجلالا؛ إنما كانوا يقسمون بالأصنام والأوثان التي عبدوها، فإذا حلفوا بالله فذلك جهد إيمانهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ﴾ .

قوله: ﴿ بَلَىٰ ﴾ ردّ على قولهم: ﴿ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ﴾ \[فقال\]: بلى يبعث.

وقوله: ﴿ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ﴾ .

يحتمل ﴿ وَعْداً ﴾ : أي: وعد أنه يبعثهم، فحق عليه أن ينجز ما وعد، أو حقّاً عليه أن يعد البعث والإنجاز له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه نفى عنهم العلم لما لم ينتفعوا بعلمهم، فهو كما نفى عنهم السمع والبصر وغيرهما من الحواس؛ لما لم ينتفعوا بها انتفاع ما لذلك كان خلقها، فنفى ذلك عنهم.

والثاني: نفى عنهم ذلك على حقيقة النفي؛ لأنهم لم ينظروا؛ ولم يتأملوا في الآيات والأسباب التي [بها] جعل لهم الوصول إلى العلم، فلم يعلموا، ثم لم يعذرهم بجهلهم ذلك؛ لما جعل لهم سبيل الوصول إلى علم ذلك بالنظر والتأمل في الآيات والحجج، لكنهم شغلوا أنفسهم في غيرها، ولم ينظروا في الأسباب التي جعلها لهم سبيل الوصول إليه، فهذا يدل أن من جهل أمر الله ونهيه يكون مؤاخذاً به؛ بعد أن جعل له سبيل الوصول إليه بالدلائل والإشارات، فلا يخرج مؤاخذته إياه؛ وعقوبته بترك أمره عن الحكمة، وأما في الشاهد من أمر عبده شيئاً؛ ولم يعلمه ما أمره، ثم عاقبه بذلك؛ فهو خارج عن الحكمة؛ إذ لا سبيل [إلى] الوصول بما أمر به إلا بالتصريح، ولم يكن منه تصريح إعلام، لذلك كان ما ذكر؛ ألا ترى أنه أوعد لهم [الوعيد] الشديد في الآخرة بقوله: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أي: ليعلم أتباعهم أن الرؤساء كانوا كاذبين، وإلا كان الرؤساء منهم كانوا كاذبين عند أنفسهم.

أو أن يكون قال ذلك لما ادعى أولئك الكفرة أن الآخرة لهم؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ...

﴾ الآية [فصلت: 50] فقال جواباً له: ليعلم الذين كفروا منهم أنهم كانوا كاذبين؛ لا دعائهم الآخرة لأنفسهم.

ثم قوله: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ .

قال بعضهم: إنما اختلفوا في البعث: منهم من صدقه، ومنهم من كذبه يقول: يبين لهم ذلك.

ويحتمل قوله: ﴿ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ أي: في الدين والمذهب؛ لأنهم اختلفوا في الدين والمذهب، وكل من ادعى ديناً ومذهباً؛ حتى دعى غيره إلى دينه ومذهبه يتبين لهم المحق منهم من غيره؛ والصادق منهم من الكاذب.

وقوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ ﴾ .

يحتمل كفرهم بالبعث؛ وإنكارهم إياه، أو كفروا برسول الله  أو وحدانية الله ﴿ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ ﴾ .

في إنكار ما أنكروا، يتبين لهم ذلك في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ .

يخبر عن سرعة نفاذ أمره، وسهولة الأمر عليه، أنه يكون أسرع من لحظة بصر ولمحة عين وفيه دلالة أن خلق الشيء ليس هو ذلك الشيء؛ لأنه عبّر بـ (كن) عن تكوينه، ويكون عن المكون، وكذا كنى عنه بالشيء؛ لقوله: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ ﴾ فكنى عنه بوقوع القول عليه، والتكوين ثبت أن التكوين غير المكون، ثم لا يخلو من أن يكون التكوين بتكوين آخر إلى ما لا نهاية له، أو لا بتكوين، وقد بينا فسادهما جميعاً، وهما وجها الحديث، ثبت أن الله  به موصوف في الأزل، وبالله التوفيق.

والثاني: من فعله كسب سمي كاسباً، ومن فعله باسم سمي به، فلو كان فعل الله كلية الخلق يسمى به، فيسمى ميتاً، متحركاً ساكناً، خبيثاً طيباً، صغيراً كبيراً، ونحو ذلك، فإذا كان يتعالى عن ذلك وقد سمي فاعلا، مميتاً محيياً، محركاً مسكناً، جامعاً مفرقاً؛ ثبت أن فعله غير مفعوله، وأنه بذاته يفعل الأشياء؛ لا بغيره، وفي ذلك لزوم الوصف له به في الأزل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنا إذا أردنا إحياء الموتى وبعثهم فلا مانع يمنعنا من ذلك، إنما نقول لشيء إذا أردناه: ﴿ كُن ﴾ فيكون لا محالة.

<div class="verse-tafsir" id="91.Z8gvw"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله