الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٥ من سورة النحل
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 53 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٥ من سورة النحل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يمتن تعالى على عباده بما خلق لهم من الأنعام ، وهي الإبل والبقر والغنم ، كما فصلها في سورة الأنعام إلى ثمانية أزواج ، وبما جعل لهم فيها من المصالح والمنافع ، من أصوافها وأوبارها وأشعارها يلبسون ويفترشون ، ومن ألبانها يشربون ، ويأكلون من أولادها ،
يقول تعالى ذكره: ومن حججه عليكم أيها الناس ما خلق لكم من الأنعام، فسخَّرها لكم، وجعل لكم من أصوافها وأوبارها وأشعارها ملابس تدفئون بها ، ومنافع من ألبانها ، وظهورها تركبونها( وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ) يقول: ومن الأنعام ما تأكلون لحمه كالإبل والبقر والغنم ، وسائر ما يؤكل لحمه ، وحذفت ما من الكلام لدلالة من عليها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، وعليّ بن داود، قال: المثنى أخبرنا، وقال ابن داود: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ ) يقول: الثياب.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله.( وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ) يعني بالدفء: الثياب، والمنافع: ما ينفعون به من الأطعمة والأشربة.
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ( لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ ) قال: لباس ينسج، ومنها مركب ولبن ولحم.
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ ) لباس ينسج ومنافع، مركب ولحم ولبن.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قوله ( لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ ) قال: نسل كلّ دابة.
حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل بإسناده ، عن ابن عباس، مثله.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ ) يقول: لكم فيها لباس ومنفعة وبلغة.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، قال: قال ابن عباس ( وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ) قال: هو منافع ومآكل.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ ) قال: دفء اللحف (11) التي جعلها الله منها.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: بلغني، عن مجاهد ( وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ ) قال: نتاجها وركوبها وألبانها ولحومها.
------------------------ الهوامش: (11) اللحف : جمع لحاف ، وهو كل ما يلتحف به الإنسان للدفء ، من عباءة ، وكساء ، ونحوهما.
قوله تعالى : والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : والأنعام خلقها لكم لما ذكر الإنسان ذكر ما من به عليه .
والأنعام : الإبل والبقر والغنم .
وأكثر ما يقال : نعم وأنعام للإبل ، ويقال للمجموع ولا يقال للغنم مفردة .
قال حسان :عفت ذات الأصابع فالجواء إلى عذراء منزلها خلاء ديار من بني الحسحاس قفرتعفيها الروامس والسماء وكانت لا يزال بها أنيسخلال مروجها نعم وشاء[ ص: 64 ] فالنعم هنا الإبل خاصة .
وقال الجوهري : والنعم واحد الأنعام وهي المال الراعية ، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل .
قال الفراء : هو ذكر لا يؤنث ، يقولون : هذا نعم وارد ، ويجمع على نعمان مثل حمل وحملان .
والأنعام تذكر وتؤنث ; قال الله - تعالى - : مما في بطونه .
وفي موضع مما في بطونها .
وانتصب الأنعام عطفا على الإنسان ، أو بفعل مقدر ، وهو أوجه .الثانية : قوله تعالى : دفء الدفء : السخانة ، وهو ما استدفئ به من أصوافها وأوبارها وأشعارها ، ملابس ولحف وقطف .
وروي عن ابن عباس : دفؤها نسلها ; والله أعلم قال الجوهري في الصحاح : الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها ; قال الله - تعالى - : لكم فيها دفء .
وفي الحديث ( لنا من دفئهم ما سلموا بالميثاق ) .
والدفء أيضا السخونة ، تقول منه : دفئ الرجل دفاءة مثل كره كراهة .
وكذلك دفئ دفأ مثل ظمئ ظمأ .
والاسم الدفء بالكسر وهو الشيء الذي يدفئك ، والجمع الأدفاء .
تقول : ما عليه دفء ; لأنه اسم .
ولا تقول : ما عليك دفاءة ; لأنه مصدر .
وتقول : اقعد في دفء هذا الحائط أي كنه .
ورجل دفئ على فعل إذا لبس ما يدفئه .
وكذلك رجل دفآن وامرأة دفأى .
وقد أدفأه الثوب وتدفأ هو بالثوب واستدفأ به ، وأدفأ به وهو افتعل ; أي لبس ما يدفئه .
ودفؤت ليلتنا ، ويوم دفيء على فعيل وليلة دفيئة ، وكذلك الثوب والبيت .
والمدفئة الإبل الكثيرة ; لأن بعضها يدفئ بعضا بأنفاسها ، وقد يشدد .
والمدفأة الإبل الكثيرة الأوبار والشحوم ; عن الأصمعي .
وأنشد الشماخ :وكيف يضيع صاحب مدفآت على أثباجهن من الصقيعقوله تعالى : ومنافع قال ابن عباس : المنافع نسل كل دابة .
مجاهد : الركوب والحمل والألبان واللحوم والسمن .ومنها تأكلون أفرد منفعة الأكل بالذكر لأنها معظم المنافع .
وقيل : المعنى ومن لحومها تأكلون عند الذبح .الثالثة : دلت هذه الآية على لباس الصوف ، وقد لبسه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأنبياء قبله كموسى وغيره .
وفي حديث المغيرة : فغسل وجهه وعليه جبة من صوف شامية ضيقة [ ص: 65 ] الكمين .
.
.
الحديث ، خرجه مسلم وغيره .
قال ابن العربي : وهو شعار المتقين ولباس الصالحين وشارة الصحابة والتابعين ، واختيار الزهاد والعارفين ، وهو يلبس لينا وخشنا وجيدا ومقاربا ورديئا ، وإليه نسب جماعة من الناس الصوفية ; لأنه لباسهم في الغالب ، فالياء للنسب والهاء للتأنيث .
وقد أنشدني بعض أشياخهم بالبيت المقدس طهره الله :تشاجر الناس في الصوفي واختلفوا فيه وظنوه مشتقا من الصوفولست أنحل هذا الاسم غير فتى صافى فصوفي حتى سمي الصوفي
{ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ } أي: لأجلكم، ولأجل منافعكم ومصالحكم، من جملة منافعها العظيمة أن لكم { فِيهَا دِفْءٌ } مما تتخذون من أصوافها وأوبارها، وأشعارها، وجلودها، من الثياب والفرش والبيوت.{ وَ } لكم فيها { مَنَافِعُ } غير ذلك { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ }
قوله تعالى ( والأنعام خلقها ) يعني الإبل والبقر والغنم ، ( لكم فيها دفء ) يعني : من أوبارها وأشعارها وأصوافها ملابس ولحفا تستدفئون بها ، ( ومنافع ) بالنسل والدر والركوب والحمل وغيرها ، ( ومنها تأكلون ) يعني لحومها .
«والأنعام» الإبل والبقر والغنم، ونصبه بفعل مقدر يفسره «خلقها لكم» من جملة الناس «فيها دفءٌ» ما تستدفئون به من الأكسية والأردية من أشعارها وأصوافها «ومنافع» من النسل والدرّ والركوب «ومنها تأكلون» قدم الظرف للفاصلة.
والأنعامَ من الإبل والبقر والغنم خلقها الله لكم -أيها الناس- وجعل في أصوافها وأوبارها الدفء، ومنافع أُخر في ألبانها وجلودها وركوبها، ومنها ما تأكلون.
وبعد أن بين - سبحانه - ما يدل على وحدانيته وقدرته عن طريق خلقه للسموات والأرض وللإِنسان ، أتبع ذلك ببيان أدلة وحدانيته وقدرته عن طريق خلق الحيوان فقال - تعالى - : ( والأنعام خَلَقَهَا ، لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ ، وَمَنَافِعُ ، وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ) .والأنعام : جمع نعم ، وهى الإِبل والبقر والغنم ، وقد تطلق على الإِبل خاصة .وانتصب الأنعام عطفا على الانسان فى قوله : ( خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ ) ، أو هو منصوب بفعل مقدر يفسره المذكور بعده .
أى : وخلق الأنعام خلقها .والدفء : السخونة .
ويقابله شدة البرد ، يقال : دَفِئَ الرجل - من باب طرب - فهو دَفَأً - كتعب - ودفآن ، إذا لبس ما يدفئه ، ويبعد عنه البرد .والمراد بالدفء هنا : ما يتخذ من أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها لهذا الغرض .وعطف ( منافع ) على ( دفء ) من باب عطف العام على الخاص ، إذ المنافع تشمل ما يستدفأ به منها وغيره .وخص الدفء بالذكر من عموم المنافع ، للعناية به وللتنويه بأهميته فى حياة الناس .أى : ومن مظاهر نعم الله - تعالى - عليكم - أيها الناس - ، أن الله - تعالى - خلق الأنعام ، وجعل لكم فيها ما تستدفئون به ، من الثياب المأخوذة من أصوافها وأوبارها وأشعارها ، فتقيكم برودة الجو وجعل لكم فيها منافع متعددة ، حيث تتخذون من ألبانها شرابا سائغا للشاربين ، ومن لحومها أكلا نافعا للآكلين .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ( وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ).
اعلم أن أشرف الأجسام بعد الأفلاك والكواكب هو الإنسان، فلما ذكر الله تعالى الاستدلال على وجود الإله الحكيم بأجرام الأفلاك، أتبعه بذكر الاستدلال على هذا المطلوب بالإنسان.
واعلم أن الإنسان مركب من بدن ونفس، فقوله تعالى: ﴿ خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ ﴾ اشارة إلى الاستدلال ببدنه على وجود الصانع الحكيم، وقوله: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ إشارة إلى الاستدلال بأحوال نفسه على وجود الصانع الحكيم.
أما الطريق الأول: فتقريره أن نقول: لا شك أن النطفة جسم متشابه الأجزاء بحسب الحس والمشاهدة، إلا أن من الأطباء من يقول إنه مختلف الأجزاء في الحقيقة، وذلك لأنه إنما يتولد من فضلة الهضم الرابع، فإن الغذاء يحصل له في المعدة هضم أول وفي الكبد هضم ثان.
وفي العروق هضم ثالث.
وعند وصوله إلى جواهر الأعضاء هضم رابع.
ففي هذا الوقت وصل بعض أجزاء الغذاء إلى العظم وظهر فيه أثر من الطبيعة العظيمة، وكذا القول في اللحم والعصب والعروق وغيرها ثم عند استيلاء الحرارة على البدن عند هيجان الشهوة يحصل ذوبان من جملة الأعضاء، وذلك هو النطفة، وعلى هذا التقدير تكون النطفة جسماً مختلف الأجزاء والطبائع.
إذا عرفت هذا فنقول: النطفة في نفسها إما أن تكون جسماً متشابه الأجزاء في الطبيعة والماهية، أو مختلف الأجزاء فيها، فإن كان الحق هو الأول لم يجز أن يكون المقتضى لتولد البدن منها هو الطبيعة الحاصلة في جوهر النطفة ودم الطمث، لأن الطبيعة تأثيرها بالذات والإيجاب لا بالتدبير والاختيار.
والقوة الطبيعية إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون فعلها هو الكرة، وعلى هذا الحرف عولوا في قولهم البسائط يجب أن تكون أشكالها الطبيعية في الكرة فلو كان المقتضى لتولد الحيوان من النطفة هو الطبيعة، لوجب أن يكون شكلها الكرة.
وحيث لم يكن الأمر كذلك، علمنا أن المقتضى لحدوث الأبدان الحيوانية ليس هو الطبيعة، بل فاعل مختار، وهو يخلق بالحكمة والتدبير والاختيار.
وأما القسم الثاني: وهو أن يقال: النطفة جسم مركب من أجزاء مختلفة في الطبيعة والماهية فنقول: بتقدير أن يكون الأمر كذلك، فإنه يجب أن يكون تولد البدن منها بتدبير فاعل مختار حكيم وبيانه من وجوه: الوجه الأول: أن النطفة رطوبة سريعة الاستحالة، وإذا كان كذلك كانت الأجزاء الموجودة فيها لا تحفظ الوضع والنسبة، فالجزء الذي هو مادة الدماغ يمكن حصوله في الأسفل، والجزء الذي هو مادة القلب قد يحصل في الفوق، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن لا تكون أعضاء الحيوان على هذا الترتيب المعين أمراً دائماً ولا أكثرياً، وحيث كان الأمر كذلك، علمنا أن حدوث هذه الأعضاء على هذا الترتيب الخاص ليس إلا بتدبيرالفاعل المختار الحكيم.
والوجه الثاني: أن النطفة بتقدير أنها جسم مركب من أجزاء مختلفة الطبائع، إلا أنه يجب أن ينتهي تحليل تركيبها إلى أجزاء يكون كل واحد منها في نفسه جسماً بسيطاً، وإذا كان الأمر كذلك، فلو كان المدبر لها قوة طبيعية لكان كل واحد من تلك البسائط يجب أن يكون شكله هو الكرة فكان يلزم أن يكون الحيوان على شكل كرات مضمومة بعضها إلى بعض، وحيث لم يكن الأمر كذلك، علمنا أن مدبر أبدان الحيوانات ليس هي الطبائع ولا تأثيرات الأنجم والأفلاك، لأن تلك التأثيرات متشابهة، فعلمنا أن مدبر أبدان الحيوانات فاعل مختار حكيم، وهو المطلوب، هذا هو الاستدلال بأبدان الحيوانات على وجود الإله المختار.
وهو المراد من قوله سبحانه وتعالى: ﴿ خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ ﴾ وأما الاستدلال على وجود الصانع المختار الحكيم بأحوال النفس الإنسانية فهو المراد من قوله: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في بيان وجه الاستدلال وتقريره: أن النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل فهماً وذكاء وفطنة من نفوس سائر الحيوانات، ألا ترى أن ولد الدجاجة كما يخرج من قشر البيضة يميز بين العدو والصديق فيهرب من الهرة ويلتجئ إلى الأم، ويميز بين الغذاء الذي يوافقه والغذاء الذي لا يوافقه وأما ولد الإنسان فإنه حال انفصاله عن بطن الأم، لا يميز ألبتة بين العدو والصديق ولا بين الضار والنافع، فظهر أن الإنسان في أول الحدوث أنقص حالاً وأقل فطنة من سائر الحيوانات ثم إن الإنسان بعد كبره يقوى عقله ويعظم فهمه ويصير بحيث يقوى على مساحة السموات والأرض ويقوى على معرفة ذات الله وصفاته وعلى معرفة أصناف المخلوقات من الأرواح والأجسام والفلكيات والعنصريات ويقوى على إيراد الشبهات القوية في دين الله تعالى والخصومات الشديدة في كل المطالب فانتقال نفس الإنسان من تلك البلاد المفرطة إلى هذه الكياسة المفرطة لابد وأن يكون بتدبير إله مختار حكيم ينقل الأرواح من نقصانها إلى كمالاتها ومن جهالاتها إلى معارفها بحسب الحكمة والاختيار، فهذا هو المراد من قوله سبحانه وتعالى: ﴿ خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ .
وإذا عرفت هذه الدقيقة أمكنك التنبيه لوجوه كثيرة: المسألة الثانية: أنه تعالى إنما يخلق الإنسان من النطفة بواسطة تغيرات كثيرة مذكورة في القرآن العزيز منها قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ ﴾ إلا أنه تعالى اختصر هاهنا لأجل أن ذلك الاستقصاء مذكور في سائر الآيات، وقوله؛ ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ فيه بحثان: البحث الأول: قال الواحدي: الخصيم بمعنى المخاصم، قال أهل اللغة: خصيمك الذي يخاصمك وفعيل بمعنى مفاعل معروف كالنسيب بمعنى المناسب، والعشير بمعنى المعاشر، والأكيل والشريب ويجوز أن يكون خصيم فاعلاً من خصم يخصم بمعنى اختصم، ومنه قراءة حمزة: ﴿ تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ ﴾ .
البحث الثاني: لقوله: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ وجهان: أحدهما: فإذا هو منطبق مجادل عن نفسه، منازع للخصوم بعد أن كان نطفة قذرة، وجماداً لا حس له ولا حركة، والمقصود منه: أن الانتقال من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة العالية الشريفة لا يحصل إلا بتدبير مدبر حكيم عليم.
والثاني: فإذا هو خصيم لربه، منكر على خالقه، قائل: ﴿ مَن يُحييِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ ﴾ والغرض منه وصف الإنسان بالإفراط في الوقاحة والجهل، والتمادي في كفران النعمة، والوجه الأول أوفق، لأن هذه الآيات مذكورة لتقرير وجه الاستدلال على وجود الصانع الحكيم، لا لتقرير وقاحة الناس وتماديهم في الكفر والكفران.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الانعام ﴾ الأزواج الثمانية، وأكثر ما تقع على الإبل، وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر، كقوله: ﴿ والقمر قدرناه ﴾ [يس: 39] ويجوز أن يعطف على الإنسان، أي: خلق الإنسان والأنعام، ثم قال: ﴿ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ أي ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان والدفء: اسم ما يدفأ به، كما أنّ الملء اسم ما يملأ به، وهو الدفاء من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر.
وقرئ: ﴿ دفّ ﴾ ، بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على الفاء ﴿ ومنافع ﴾ هي نسلها ودرّها وغير ذلك.
فإن قلت: تقديم الظرف في قوله ﴿ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ مؤذن بالاختصاص، وقد يؤكل من غيرها.
قلت: الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في معايشهم.
وأما الأكل من غيرها من الدجاج والبط وصيد البر والبحر فكغير المعتدّ به وكالجاري مجرى التفكه، ويحتمل أن طعمتكم منها، لأنكم تحرثون بالبقر فالحبّ والثمار التي تأكلونها منها وتكتسبون بإكراء الإبل وتبيعون نتاجها وألبانها وجلودها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ﴾ أوْجَدَهُما عَلى مِقْدارٍ وشَكْلٍ وأوْضاعٍ وصِفاتٍ مُخْتَلِفَةٍ قَدَّرَها وَخَصَّصَها بِحِكْمَتِهِ.
﴿ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ مِنهُما أوْ مِمّا يَفْتَقِرُ في وُجُودِهِ أوْ بَقائِهِ إلَيْهِما ومِمّا لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِهِما.
وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مِن قَبِيلِ الأجْرامِ.
﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ ﴾ جَمادٍ لا حِسَّ بِها ولا حَراكَ سَيّالَةٍ لا تَحْفَظُ الوَضْعَ والشَّكْلَ.
﴿ فَإذا هو خَصِيمٌ ﴾ مِنطِيقٌ مُجادِلٌ.
﴿ مُبِينٌ ﴾ لِلْحُجَّةِ أوْ خَصِيمٌ مُكافِحٌ لِخالِقِهِ قائِلٌ: ﴿ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ ﴾ .
رُوِيَ «أنْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أتى النَّبِيَّ بِعَظْمٍ رَمِيمٍ وقالَ: يا مُحَمَّدُ أتَرى اللَّهَ يُحْيِي هَذا بَعْدَ ما قَدْ رَمَّ.
فَنَزَلَتْ.» <div class="verse-tafsir"
وخلق ما لا بد له منه من خلق البهائم لأكله وركوبه وحمل أثقاله وسائر حاجاته وهو قوله {والأنعام خَلَقَهَا لكم} هي الأزواج الثمانية وأكثر ما يقع على الإبل وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر كقوله والقمر قدرناه منازل أو بالعطف على الإنسان أي خلق الإنسان والأنعام ثم قال خلقها لكم أي ما خلقها إلا لكم يا جنس الإنسان
النحل (٥ _ ٩)
{فِيهَا دِفْءٌ} هو اسم ما يدفأ به من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر {ومنافع} وهي نسلها ودرها {وَمِنْهَا تأكلون} قدم الظرف وهو يؤذن بالاختصاص وقد يؤكل من غيرها لأن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في معايشهم وأما الأكل من غيرها كالدجاج والبط وصيد البر والبحر فكغير المعتد به وكالجاري مجرى التفكه
﴿ والأنْعامَ ﴾ وهي الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ مِنَ الإبِلِ، والبَقَرِ، والضَّأْنِ، والمَعِزِ، قالَ الرّاغِبُ: ولا يُقالُ أنْعامٌ إلّا إذا كانَ فِيها إبِلٌ، وخَصَّها بَعْضُهم هُنا بِذَلِكَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والنَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَها ﴾ وهو أرْجَحُ مِنَ الرَّفْعِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لِتَقَدُّمِ الفِعْلِيَّةِ وقُرِئَ بِهِ في الشَّواذِّ أوْ عَلى العَطْفِ عَلى الإنْسانِ وما بَعْدَ بَيانِ ما خُلِقَ لِأجْلِهِ والَّذِي بَعْدَهُ تَفْصِيلٌ لِذَلِكَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَكُمْ ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ- بِخَلَقَها- وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيها ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ دِفْءٌ ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ أوِ الجارُّ والمَجْرُورُ الأوَّلُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ المَذْكُورِ والثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ فِيهِ العائِدِ عَلى المُبْتَدَأِ، وقِيلَ: حالٌ مِن «دِفَءٌ» إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الثّانِي هو الخَبَرَ والأوَّلُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مُبْتَدَئِهِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ هَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ الحالَ إذا كانَ العامِلُ فِيها مَعْنًى لا يَجُوزُ تَقْدِيمُها عَلى الجُمْلَةِ بِأسْرِها فَلا يَجُوزُ قائِمًا في الدّارِ زِيدٌ فَإنْ تَأخَّرَتِ الحالُ عَنِ الجُمْلَةِ جازَتْ بِلا خِلافٍ وإنْ تَوَسَّطَتْ فالأخْفَشُ عَلى الجَوازِ والجُمْهُورُ عَلى المَنعِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أيْضًا أنْ يَرْتَفِعَ ﴿ دِفْءٌ ﴾ - بِلَكُمْ- أوْ- بِفِيها- والجُمْلَةُ كُلُّها حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ أيْضًا بِأنَّ ذَلِكَ لا يُعَدُّ مِن قَبِيلِ الجُمْلَةِ بَلْ هو مِن قَبِيلِ المُفْرَدِ، ونَقَلَ أنَّهم جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ( لَكم ) مُتَعَلِّقًا- بِخَلَقَها- وجُمْلَةُ فِيها ﴿ دِفْءٌ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِذِكْرِ مَنافِعِ الأنْعامِ، واسْتَظْهَرَ كَوْنَ جُمْلَةِ ﴿ لَكم فِيها دِفْءٌ ﴾ مُسْتَأْنَفَةً، ثُمَّ قالَ: ويُؤَيِّدُ الِاسْتِئْنافُ فِيها الِاسْتِئْنافَ في مُقابَلَتِها أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولَكم فِيها جَمالٌ ﴾ فَقابَلَ سُبْحانَهُ المَنفَعَةَ الضَّرُورِيَّةَ بِالمَنفَعَةِ الغَيْرِ الضَّرُورِيَّةِ، وإلى نَحْوِ ذَلِكَ ذَهَبَ القُطْبُ فاخْتارَ أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ ﴿ خَلَقَها ﴾ لِهَذا العَطْفِ وخالَفَهُ في ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَها لَكُمْ ﴾ بِناءً عَلى تَفْسِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ لَهُ بِقَوْلِهِ: ما خَلَقَها إلّا لَكم ولِمَصالِحِكم يا جِنْسَ الإنْسانِ طَرَفٌ مِن تَرْشِيحِ المَعْنى الثّانِي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ لِما في الِالتِفاتِ المُشارِ إلَيْهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ، وأمّا الحَصْرُ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ما خَلَقَها إلّا لَكم فَمِنَ اللّامِ المُفِيدَةِ لِلِاخْتِصاصِ سِيَّما وقَدْ نَوَّعَ الخِطابَ بِما يُفِيدُ زِيادَةَ التَّمْيِيزِ والِاخْتِصاصِ، وهَذا أوْلى مِن جَعْلِ (لَكم فِيها دِفْءٌ) مُقابِلَ (لَكم فِيها جَمالٌ) لِإفادَتِهِ المَعْنى الثّانِي وأبْلَغُ عَلى أنَّهُ يَكُونُ ﴿ فِيها دِفْءٌ ﴾ تَفْصِيلًا لِلْأوَّلِ وكَرَّرَ ( لَكم ) في الثّانِي لِبُعْدِ العَهْدِ وزِيادَةِ التَّقْرِيعِ اه، والحَقُّ في دَعْوى أوْلَوِيَّةِ تَعَلُّقِ ( لَكم ) بِما قَبْلَهُ مَعَهُ كَما لا يَخْفى، والدِّفْءُ اسْمٌ لِما يُدْفَأُ بِهِ أيْ يُسَخِّنُ، وتَقُولُ العَرَبُ: دَفِئَ يَوْمُنا فَهو دَفِيءٌ إذا حَصَلَتْ فِيهِ سُخُونَةٌ ودَفِئَ الرَّجُلُ دَفاءً ودِفاءً بِالفَتْحِ والكَسْرِ ورَجُلٌ دَفْآنٌ وامْرَأةٌ دَفْأى ويُجْمَعُ الدِّفْءُ عَلى أدْفاءٍ، والمُرادُ بِهِ ما يَعُمُّ اللِّباسَ والبَيْتَ الَّذِي يُتَّخَذُ مِن أوْبارِها وأصْوافِها، وفَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ بِالثِّيابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ نَسْلُ كُلِّ دابَّةٍ، ونَقَلَهُ الأُمَوِيُّ عَنْ لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ والظّاهِرُ هو الأوَّلُ.
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ «(دِفٌّ)» بِضَمِّ الفاءِ وشَدِّها وتَنْوِينِها، وُوجِهُ ذَلِكَ في البَحْرِ بِأنَّهُ نَقَلَ الحَرَكَةَ مِنَ الهَمْزَةِ إلى الفاءِ وحُذِفَتْ ثُمَّ شَدَّدَ الفاءَ إجْراءً لِلْوُصُولِ مَجْرى الوَقْفِ إذْ يَجُوزُ تَشْدِيدُها في الوَقْفِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «دِفٌ» بِنَقْلِ الحَرَكَةِ والحَذْفِ دُونَ تَشْدِيدٍ، وفي اللَّوامِحِ قَرَأ الزُّهْرِيُّ «دِفٌ» بِضَمِّ الفاءِ مِن غَيْرِ هَمْزَةٍ وهي مُحَرَّكَةٌ بِحَرَكَتِها، ومِنهم مَن يُعَوِّضُ عَنْ هَذِهِ الهَمْزَةِ فَيُشَدِّدُ الفاءَ وهو أحَدُ وجْهَيْ حَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ وقْفًا.
واعْتُرِضَ بِأنَّ التَّشْدِيدَ وقْفًا لُغَةً مُسْتَقِلَّةً وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ حَذْفٍ مِنَ الكَلِمَةِ المَوْقُوفِ عَلَيْها ودُفِعَ بِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ إذا وقَفَ عَلى آخِرِ حَرْفٍ مِنها أمّا إذا وقَفَ عَلى ما قَبْلَ الآخِرِ مِنها كَقاضٍ فَلا.
﴿ ومَنافِعُ ﴾ هي دَرُّها ورُكُوبُها والحِراثَةُ بِها والنَّضْحُ عَلَيْها وغَيْرُ ذَلِكَ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْها بِها لِيَشْمَلَ الكُلَّ مَعَ أنَّهُ الأنْسَبُ بِمَقامِ الِامْتِنانِ بِالنِّعَمِ، وقَدَّمَ الدِّفْءَ رِعايَةً لِأُسْلُوبِ التَّرَقِّي إلى الأعْلى ﴿ ومِنها تَأْكُلُونَ ﴾ أيْ تَأْكُلُونَ ما يُؤْكَلُ مِنها مِنَ اللُّحُومِ والشُّحُومِ ونَحْوَ ذَلِكَ- فَمِن- تَبْعِيضِيَّةٌ، والأكْلُ إمّا عَلى مَعْناهُ المُتَبادِرِ وإمّا بِمَعْنى التَّناوُلِ الشّامِلِ لِلشُّرْبِ فَيَدْخُلُ في العَدِّ الألْبانُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مِنِ ابْتِدائِيَّةً وأنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ مَجازًا أوْ سَبَبِيَّةً أيْ تَأْكُلُونَ ما يَحْصُلُ بِسَبَبِها فَإنَّ الحُبُوبَ والثِّمارَ المَأْكُولَةَ تُكْتَسَبُ بِاكْتِراءِ الإبِلِ مَثَلًا وأثْمانِ نِتاجِها وألْبانِها وجُلُودِها والأوَّلُ أظْهَرُ وأدْخَلُ ما يَحْصُلُ مِنَ اكْتِرائِها مِنَ الإجارَةِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِها إلى مَصالِحَ كَثِيرَةٍ في المَنافِعِ، وتَغْيِيرُ النَّظْمِ الجَلِيلِ قِيلَ لِلْإيماءِ إلى أنَّها لا تَبْقى عِنْدَ الأكْلِ كَما في السّابِقِ واللّاحِقِ فَإنَّ الدِّفْءَ والمَنافِعَ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها والجَمالَ يَحْصُلُ مِنها وهي باقِيَةٌ عَلى حالِها ولِذَلِكَ جُعِلَتْ مُحالٌ لَها بِخِلافِ الأكْلِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْحَصْرِ عَلى مَعْنى أنَّ الأكْلَ مِنها هو المُعْتادُ المُعْتَمِدُ في المَعاشِ مِن بَيْنِ سائِرِ الحَيَواناتِ فَلا يَرُدُّ الأكْلَ مِنَ الدَّجاجِ والبَطِّ وصَيْدِ البَرِّ والبَحْرِ فَإنَّهُ مِن قَبِيلِ التَّفَكُّهِ، وكَذا لا يَرُدُّ أكْلَ لَحْمِ الخَيْلِ عِنْدَ مَن أباحَهُ لِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُعْتادِ المُعْتَمِدِ أيْضًا، والحاصِلُ أنَّ الحَصْرَ إضافِيٌّ وبِذَلِكَ لا يَرُدُّ أيْضًا أكْلَ الخُبْزِ والبُقُولِ ونَحْوَها، ويُضَمُّ إلى هَذا الوَجْهِ في التَّقْدِيمِ رِعايَةُ الفَواصِلِ، وجَعْلُهُ لِمُجَرَّدِ ذَلِكَ كَما في الكَشْفِ قُصُورٌ، وأبُو حَيّانَ يُنْكِرُ كَوْنَ التَّقْدِيمِ مُطْلَقًا لِلْحَصْرِ فَيَنْحَصِرُ وجْهُهُ هُنا حِينَئِذٍ في الرِّعايَةِ المَذْكُورَةِ.
<div class="verse-tafsir"
مكية وهي مائة وعشرون وثمان آيات بسم الله الرحمن الرحيم قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: أخبرنا الثقة بإسناده عن الشعبي قال: نزلت سورة النحل كلها بمكة إلّا هذه الآية وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ الآية وقال ابن عباس: سورة النحل كلها مكية، إلّا أربع آيات نزلت بالمدينة: قوله: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وقوله: إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا.
وقوله: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا وقوله: وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ إلى آخرها (١) قوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ أي يوم القيامة.
ويقال: يعني، العذاب.
كقوله: حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ [هود: 40] وقوله: أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً [يونس: 24] أي: أتى أمر الله، بمعنى: يأتي، أي: هو قريب لأن ما هو آتٍ آتٍ، وهذا وعيد لهم إنها كائنة.
وقال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ [الأنبياء: 1] ثم نزل بعدها اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ [القمر: 1] قالوا: يا محمد تزعم أن الساعة قد اقتربت ولا نرى من ذلك شيئاً، فنزل أَتى أَمْرُ اللَّهِ أي: عذاب الله، فوثب رسول الله قائماً لا يشك أن العذاب قد أتاهم، فقال لهم جبريل: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ قال: فجلس النبيّ بعد قيامه، ثم قال: سُبْحانَهُ نزه نفسه عن الولد، والشريك.
ويقال: ارتفع، وتعاظم عن صفة أهل الكفر، فقال عز وجل: وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ به من الأوثان.
قرأ حمزة والكسائي تُشْرِكُونَ بالتاء على معنى المخاطبة، وقرأ الباقون: بالياء بلفظ المغايبة، وكذلك ما بعده.
ثم قال: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ أي: جبريل بِالرُّوحِ أي: بالوحي وبالنبوة والقرآن مِنْ أَمْرِهِ أي: بأمره.
قال القتبي: مِنْ توضع موضع الباء كقوله: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد: 11] أي: بأمر الله.
وقال هاهنا: يُلْقِى الروح مِنْ أَمْرِهِ أي: بأمره عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أي: يختار للنبوة والرسالة.
وقال قتادة: ينزل الملائكة بالرحمة والوحي عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ من كان أهلاً لذلك.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو يُنَزّلٍ بجزم النون من قولك أنْزَلَ يُنْزِلُ، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر تُنَزَّلَ بالتاء ونصب النون والزاي مع التشديد، على معنى فعل ما لم يسم فاعله.
وقرأ الباقون يُنَزِّلُ بالياء، وكسر الزاي مع التشديد، من قولك: ننزّل.
ثم قال تعالى: أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ أي: خوفوا بالقرآن الكفار، وأعلموهم أنه لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ يعني: أن الله واحد لا شريك له فوحّدوه وأطيعوه خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي: للحق.
ويقال: للزوال والفناء.
تَعالى أي تبرّأ عَمَّا يُشْرِكُونَ به من الأوثان.
(١) عزاه السيوطي: 5/ 107 إلى ابن مردويه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ عَظْمًا رَمِيمًا، فَجَعَلَ يَفُتُّهُ ويَقُولُ: يا مُحَمَّدُ كَيْفَ يَبْعَثُ اللَّهُ هَذا بَعْدَ ما رَمَّ ؟
فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ.
والخَصِيمُ: المُخاصِمُ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ الخُصُومَةِ.
والمَعْنى: أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن نُطْفَةٍ، وهو مَعَ ذَلِكَ يُخاصِمُ ويُنْكِرُ البَعْثَ، أفَلا يَسْتَدِلُّ بِأوَّلِهِ عَلى آخِرِهِ، وأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إيجادِهِ أوَّلًا يَقْدِرُ عَلى إعادَتِهِ ثانِيَةً ؟!
وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى إنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِ حِينَ نَقَلَهُ مِن حالِ ضَعْفِ النُّطْفَةِ إلى القُوَّةِ الَّتِي أمْكَنَهُ مَعَها الخِصامُ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَحْلِ هَذِهِ السُورَةُ كانَتْ تُسَمّى سُورَةَ النِعَمِ بِسَبَبِ ما عَدَّدَ اللهُ فِيها مِن نِعَمِهِ عَلى عِبادِهِ، وهي مَكِّيَّةٌ غَيْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في شَأْنِ التَمْثِيلِ بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَتْلى أُحِدٍ، وغَيْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ ﴾ ، وغَيْرَ قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا ﴾ الآيَةُ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في اللهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا ﴾ فَمَكِّيٌّ في شَأْنِ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مِن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاتَّقُونِ ﴾ ﴿ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ في سَرْدِ الوَحْيِ: ﴿ أتى أمْرُ اللهِ ﴾ وثَبَ رَسُولُ اللهِ قائِمًا، فَلَمّا قالَ: ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ سَكَنَ.» وقَوْلُهُ: ﴿ أمْرُ اللهِ ﴾ قالَ فِيهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ يُرِيدُ القِيامَةَ، وفِيها وعِيدٌ لِلْكُفّارِ، وَقِيلَ: المُرادُ نَصْرُ مُحَمَّدٍ ، وقِيلَ: المُرادُ تَعْذِيبُ كَفّارِ مَكَّةَ بِقَتْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَهم وظُهُورِهِ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ نَحْوَ هَذا النَقاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: المُرادُ فَرائِضُ اللهِ وأحْكامُهُ في عِبادِهِ وشَرْعِهِ لَهُمْ، هَذا هو قَوْلُ الضِحاكِ، ويُبْعِدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ لَأنّا لا نَعْرِفُ اسْتِعْجالًا إلّا ثَلاثَةً: اثْنانِ مِنها لِلْكُفّارِ في القِيامَةِ وفي العَذابِ، والثالِثُ لِلْمُؤْمِنِينَ في النَصْرِ وظُهُورِ الإسْلامِ، وقَوْلُهُ: "أتى" -عَلى هَذا القَوْلِ- إخْبارٌ عن إتْيانٍ ما سَيَأْتِي، وصَحَّ ذَلِكَ مِن جِهَةِ التَأْكِيدِ، وإذا كانَ الخَبَرُ حَقًّا يُؤَكِّدُ المُسْتَقْبَلَ بِأنْ يَخْرُجَ في صِيغَةِ الماضِي، أيْ كَأنَّهُ لِوُضُوحِهِ والثِقَةِ بِهِ قَدْ وقَعَ، ويَحْسَنُ ذَلِكَ في خَبَرِ اللهِ تَبارَكَ تَعالى لِصِدْقِ وُقُوعِهِ.
وقالَ قَوْمٌ: "أتى" بِمَعْنى قَرُبَ، وهَذا نَحْوَ ما قُلْتُ، وإنَّما يَجُوزُ الكَلامُ بِهَذا عِنْدِي لِمَن يَعْلَمُ قَرِينَةَ التَأْكِيدِ ويَفْهَمُ المَجازَ، وأمّا إنْ كانَ المُخاطَبُ لا يَفْهَمُ القَرِينَةَ فَلا يَجُوزُ وضْعُ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، لَأنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الخَبَرَ ويُوجِبُ الكَذِبَ، وإنَّما جازَ في الشَرْطِ لِوُضُوحِ القَرِينَةِ بِـ "أنَّ"، ومَن قالَ: "إنَّ الأمْرَ القِيامَةُ" قالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ رَدٌّ عَلى القائِلِينَ: ﴿ عَجِّلْ لَنا قِطَّنا ﴾ ونَحْوَهُ مِنَ العَذابِ، أو عَلى مُسْتَبْطِئِي النَصْرَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتاءِ -وَهِيَ قِرَأةُ الجُمْهُورِ- عَلى مُخاطَبَةِ المُؤْمِنِينَ، أو عَلى مُخاطَبَةِ الكافِرِينَ، بِمَعْنى: قُلْ لَهُمْ: ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ المُشْرِكِينَ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تُشْرِكُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وجَمِيعُ الباقِينَ قَرَؤُوا بِالياءِ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ القِراءَةَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الحَرْفَيْنِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ في هَذِهِ والَّتِي بَعْدَها الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ نِصاحٍ، والحُسْنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَرَأ عِيسى الأولى بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، والثانِيَةَ بِالياءِ مِن أسْفَلَ، وقَرَأهُما جَمِيعًا بِالتاءِ مِن فَوْقٍ أبُو العالِيَةِ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والجَحْدَرَيُّ، وقَدْ رَوى الأصْمَعِيُّ عن نافِعٍ التاءَ في الأُولى.
وقَوْلُهُ: ﴿ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴾ مَعْناهُ: تَنْزِيهًا لَهُ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ قالَ رِجالٌ مِنَ الكُفّارِ: إنَّ هَذا يَزْعُمُ أنَّ أمْرَ اللهِ قَدْ أتى، فَأمْسَكُوا عَمّا أنْتُمْ بِسَبِيلِهِ حَتّى نَنْظُرَ، فَلَمّا لَمْ يَرَوْا شَيْئًا عادُوا، فَنَزَلَتْ ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ ، فَقالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عادُوا فَنَزَلَتْ ﴿ وَلَئِنْ أخَّرْنا عنهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ﴾ الآيَةُ.
وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ أتى أمْرُ اللهِ ﴾ رَفَعُوا رُؤُوسَهم فَنَزَلَتْ ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي صادِقٍ أنَّهُ قَرَأ: "يا عِبادِي أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ"، و"سُبْحانَهُ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ" بِالياءِ وشَدَّ الزايِ، ورَجَّحَها الطَبَرِيُّ لِما فِيها مِنَ التَكْثِيرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِتَخْفِيفِ الزايِ مَكْسُورَةً وسُكُونِ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالنُونِ لِلْعَظَمَةِ وشَدِّ الزايِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالنُونِ وتَخْفِيفِ الزايِ وسُكُونِ النُونِ، وفي هَذِهِ والَّتِي قَبْلَها شُذُوذٌ كَثِيرٌ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "تَنَزَّلَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ النُونِ والزايِ وشَدِّها ورَفْعِ "المَلائِكَةَ" عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالياءِ مَضْمُومَةً وسُكُونِ النُونِ وفَتَحِ الزايِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْرَجُ بِفَتْحِ التاءِ ورَفْعِ "المَلائِكَةُ" عَلى أنَّها فاعِلَةٌ، ورَواها المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، و"المَلائِكَةَ" ها هَنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "الرُوحِ" -فَقالَ مُجاهِدٌ: الرُوحُ: النُبُوَّةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الوَحْيُ، وقالَ قَتادَةُ: بِالرَحْمَةِ والوَحْيِ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كُلُّ كَلامِ اللهِ رُوحٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ﴾ ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الرُوحُ: شَخْصٌ لَهُ صُورَةٌ كَصُورَةِ بَنِي آدَمَ، ما نَزَلَ جِبْرِيلُ قَطُّ إلّا وهو مَعَهُ، وهم كَثِيرٌ، وهم مَلائِكَةٌ.
وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ سَنَدٌ، وقالَ الزَجّاجُ: الرُوحُ: ما تَحْيا بِهِ القُلُوبُ مِن هِدايَةِ اللهِ تَعالى لَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وكَأنَّ اللَفْظَةَ عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ بِالمُقايَسَةِ، أيْ: إنَّ هَذا الَّذِي أمَرَ الأنْبِياءَ أنْ يُنْذِرُوا بِهِ الناسَ مِنَ الدُعاءِ إلى التَوْحِيدِ هو بِالمُقايَسَةِ إلى الأوامِرِ الَّتِي هي في الأفْعالُ والعِباداتُ كالرُوحِ لِلْجَسَدِ، ألا تَرى قَوْلَهَ تَعالى: ﴿ أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا ﴾ ، و"مَن" في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ الَّذِي قَدَّرْناهُ- لِلتَّبْعِيضِ، وعَلى سائِرِ الأقْوالِ لِبَيانِ الجِنْسِ.
و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿ عَلى مَن يَشاءُ ﴾ هي لِلْأنْبِياءِ، و"أنْ" في مَوْضِعِ خَفْضِ بَدَلٍ مِنَ "الرُوحِ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ الخافِضِ، عَلى تَقْدِيرِ: بِأنْ أنْذَرُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى "أيْ".
وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِيُنْذِرُوا"، وحَسُنَتِ النِذارَةُ هُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ في اللَفْظِ ما فِيهِ خَوْفٌ مِن حَيْثُ كانَ المُنْذِرُونَ كافِرِينَ بِالأُلُوهِيَّةِ، فَفي ضِمْنِ أمْرِهِمْ مَكانُ خَوْفٍ، وفي ضِمْنِ الإخْبارِ بِالوَحْدانِيَّةِ نَهْيٌ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ ووَعِيدٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما يُقالُ لِلْأنْبِياءِ بِالوَحْيِ عَلى المَعْنى، ولَمْ يَذْكُرْهُ عَلى لَفْظِهِ، لَأنَّهُ لَوْ ذَكَرَهُ عَلى اللَفْظِ لَقالَ: أنْ أنْذَرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللهُ، ولَكِنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى مَعْناهُ، وهَذا شائِعٌ في كُلِّ الأقْوالِ إذا حُكِيَتْ أنْ تُحْكى عَلى لَفْظِها، أو تُحْكى بِالمَعْنى فَقَطْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: " خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ " آيَةُ تَنْبِيهٍ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ" أيْ بِالواجِبِ اللائِقِ، وذَلِكَ أنَّها تَدُلُّ عَلى صِفاتٍ يَحِقُّ لِمَن كانَتْ لَهُ أنْ يَخْلُقَ ويَخْتَرِعَ ويُعِيدَ، وهي الحَياةُ والعِلْمُ والقُدْرَةُ والإرادَةُ النافِذَةُ، بِخِلافِ شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ لا يَحِقُّ لَهم شَيْءٌ مِن صِفاتِ الرُبُوبِيَّةِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ بِزِيادَةِ فاءِ: "فَتَعالى".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ ﴾ يُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسَ، وأخَذَ لَهُ الغايَتَيْنِ لِيَظْهَرَ لَهُ البُعْدُ بَيْنَهُما بِقُدْرَةِ اللهِ، ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لِقَوْلِ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ: "مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ؟" وقَوْلُهُ: "خَصِيمٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يَخْتَصِمُونَ في اللهِ، ويُجادِلُونَ في تَوْحِيدِهِ وشَرْعِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ سَلامٍ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أعَمَّ مِن هَذا، عَلى أنَّ الآيَةَ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ الذِهْنِ والبَيانِ عَلى البَشَرِ، ويَظْهَرُ أنَّها إذْ تَقَرَّرَ في خِصامِ الكافِرِينَ يَنْضافُ إلى العِبْرَةِ وعِيدٌ ما.
<div class="verse-tafsir"
استئناف بياني أيضاً.
وهو استدلال آخر على انفراده تعالى بالإلهية ووحدانيته فيها.
وذلك أنه بعد أن استدلّ عليهم بخلق العوالم العُليا والسفلى وهي مشاهدة لديهم انتقل إلى الاستدلال عليهم بخلق أنفسهم المعلوم لهم.
وأيضاً لما استدلّ على وحدانيته بخلق أعظم الأشياء المعلومة لهم استدلّ عليهم أيضاً بخلق أعجب الأشياء للمتأمّل وهو الإنسان في طَرْفَيْ أطواره من كونه نطفة مهينة إلى كونه عاقلاً فصيحاً مبيناً بمقاصده وعلومه.
وتعريف ﴿ الإنسان ﴾ للعهد الذهني، وهو تعريف الجنس، أي خلق الجنس المعلوم الذي تَدْعونه بالإنسان.
وقد ذُكر للاعتبار بخلق الإنسان ثلاثة اعتبارات: جنسُه المعلومُ بماهيته وخواصه من الحيوانية والناطقية وحسن القوام، وبقيةُ أحوال كونه، ومبدأ خلقه وهو النطفة التي هي أمهن شيء نشأ منها أشرف نوع، ومنتهى ما شرفه به وهو العقل.
وذلك في جملتين وشبه جملة ﴿ خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين ﴾ .
والخصيم من صيغ المبالغة، أي كثير الخصام.
و ﴿ مبين ﴾ خبر ثاننٍ عن ضمير ﴿ فإذا هو ﴾ ، أي فإذا هو متكلم مُفصح عما في ضميره ومُراده بالحقّ أو بالباطل والمنطق بأنواع الحجّة حتى السفسطة.
والمراد: الخصام في إثبات الشركاء، وإبطال الوحدانية، وتكذيب من يَدْعون إلى التوحيد، كما دل عليه قوله تعالى في سورة يس (77، 78): ﴿ أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ﴾ [سورة الحجر: 77 78].
والإتيان بحرف (إذا) المفاجأة استعارةٌ تبعية.
استعير الحرف الدال على معنى المفاجأة لمعنى ترتّب الشيء على غير ما يظن أن يترتبَ عليه.
وهذا معنى لم يُوضع له حرف.
ولا مفاجأةَ بالحقيقة هنا لأن الله لم يفجأه ذلك ولا فَجَأ أحداً، ولكن المعنى أنّه بحيث لو تدبر النّاظر في خلق الإنسان لترقب منه الاعتراف بوحدانية خالقه وبقدرته على إعادة خلقه، فإذا سمع منه الإشراك والمجادلة في إبطال الوحدانية وفي إنكار البعث كان كمن فجأة ذلك.
ولما كان حرف المفاجأة يدل على حصول الفَجْأة للمتكلم به تعيّن أن تكون المفاجأة استعارة تبعية.
فإقحام حرف المفاجأة جعل الكلام مفهماً أمرين هما: التعجيب من تطوّر الإنسان من أمهن حالة إلى أبدع حالة وهي حالة الخصومة والإبانة الناشئتين عن التفكير والتعقل، والدلالة على كفرانه النعمة وصرفه ما أنعم به عليه في عصيان المنعِم عليه.
فالجملة في حدّ ذاتها تنويه، وبضميمة حرف المفاجأة أدمجت مع التنويه التعجيب.
ولو قيل: فهو خصيم أو فكان خصيماً لم يحصل هذا المعنى البليغ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ الخَصِيمُ المُحْتَجُّ في الخُصُومَةِ، والمُبِينُ هو المُفْصِحُ عَمّا في ضَمِيرِهِ.
وَفي صِفَتِهِ بِذَلِكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَعْرِيفُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في إخْراجِهِ مِنَ النُّطْفَةِ المَهِينَةِ إلى أنْ صارَ بِهَذِهِ الحالِ في البَيانِ والمُكْنَةِ.
الثّانِي: لِيُعَرِّفَهُ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ في إخْراجِهِ إلى هَذِهِ الحالِ بَعْدَما خَلَقَهُ مِن نُطْفَةٍ مَهِينَةٍ.
الثّالِثُ: يُعَرِّفُهُ فاحْشَ ما ارْتَكَبَ مِن تَضْيِيعِ النِّعْمَةِ بِالخُصُومَةِ في الكُفْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَذَكَرَ الكَلْبِيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ الجُمَحِيِّ حِينَ أخَذَ عِظامًا نَخِرَةً فَذَراها وقالَ: أنُعادُ إذا صِرْنا هَكَذا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة النحل بمكة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.
وأخرج النحاس من طريق مجاهد، عن ابن عباس قال: سورة النحل نزلت بمكة سوى ثلاث آيات من آخرها فانهن نزلن بين مكة والمدينة في منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿ أتى أمر الله ﴾ ذعر أصحاب رسول الله، حتى نزلت ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فسكنوا.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن أبي بكر بن حفص قال: لما نزلت ﴿ أتى أمر الله ﴾ قاموا فنزلت ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ .
وأخرج ابن مردويه من طريق الضحاك، عن ابن عباس ﴿ أتى أمر الله ﴾ قال: خروج محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب قال: دخلت المسجد فصليت فقرأت سورة النحل، وجاء رجلان فقرآ خلاف قراءتنا، فأخذت بأيديهما فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: «يا رسول الله، استقرئ هذين فقرأ أحدهما فقال: أصبت.
ثم استقرأ الآخر فقال: أصبت.
فدخل قلبي أشدّ مما كان في الجاهلية من الشك والتكذيب، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري فقال: أعاذك الله من الشك والشيطان.
فتصببت عرقاً، قال: أتاني جبريل فقال: اقرأ القرآن على حرف واحد.
فقلت: إن أمتي لا تستطيع ذلك، حتى قال: سبع مرات.
فقال لي: اقرأ على سبعة أحرف، بكل ردة رددتها مسألة» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ﴾ قال رجال من المنافقين بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن أمر الله قد أتى فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى تنظروا ما هو كائن، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا: ما نراه نزل.
فنزلت ﴿ اقترب للناس حسابهم....
﴾ الآية.
فقالوا: إن هذا يزعم مثلها أيضاً، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا: ما نراه نزل شيء، فنزلت ﴿ ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدوة....
﴾ [ هود: 8] الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تطلع عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس، فما تزال ترتفع في السماء حتى تملأ السماء، ثم ينادي مناد: يا أيها الناس، فيقبل الناس بعضهم على بعض: هل سمعتم؟
فمنهم من يقول: نعم.
ومنهم من يشك.
ثم ينادي الثانية: يا أيها الناس، فيقول الناس: هل سمعتم؟
فيقولون: نعم.
ثم ينادي: أيها الناس ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالذي نفسي بيده، إن الرجلين لينشران الثوب فما يطويانه، وإن الرجل ليملأ حوضه فما يسقي فيه شيئاً، وإن الرجل ليحلب ناقته فما يشربه ويشغل الناس» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ﴾ قال: الأحكام والحدود والفرائض.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ينزل الملائكة بالروح ﴾ قال: بالوحي.
وأخرج آدم بن أبي أياس وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس قال: ﴿ الروح ﴾ أمر من أمر الله وخلق من خلق الله، وصورهم على صورة بني آدم.
وما ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد من الروح، ثم تلا ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ﴾ [ النبأ: 38] .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن مجاهد في قوله: ﴿ ينزل الملائكة بالروح من أمره ﴾ قال: إنه لا ينزل ملك إلا ومعه روح كالحفيظ عليه، لا يتكلم ولا يراه ملك ولا شيء مما خلق الله.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ينزل الملائكة بالروح من أمره ﴾ قال: بالوحي والرحمة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: ﴿ ينزل الملائكة بالروح ﴾ قال: بالنبوة.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن الضحاك في قوله: ﴿ ينزل الملائكة بالروح ﴾ قال: القرآن.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ ينزل الملائكة بالروح ﴾ قال: كل شيء تكلم به ربنا فهو روح ﴿ من أمره ﴾ قال: بالرحمة والوحي على من يشاء من عباده، فيصطفي منهم رسلاً.
﴿ أن أنذروا أنه لا اله إلا أنا فاتقون ﴾ قال: بها بعث الله المرسلين أن يوحد الله وحده، ويطاع أمره ويجتنب سخطه.
وأخرج ابن سعد وأحمد وابن ماجة والحاكم وصححه، عن يسر بن جحاش قال: بصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في كفه ثم قال: «يقول الله أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سوّيتك فعدلتك مشيت بين برديك، وللأرض منك وئيد.
فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: أتصدق وأنى أوان الصدقة» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ﴾ ، يعني الإبل والبقر والغنم، وتم الكلام ثم ابتدأ فقال: ﴿ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ ﴾ ، ويجوز أن يكون تمام الكلام عند قوله: ﴿ لَكُمْ ﴾ ثم يبتدئ فيقول: ﴿ فِيهَا دِفٌ ﴾ .
قال صاحب النظم: أحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: ﴿ خَلَقَهَا ﴾ ؛ لقوله في النسق على ما قبلها: ﴿ وَلَكُم فِيهَا جَمَال ﴾ (١) وأما الدفء، فقال الفراء وجميع أهل اللغة: هو ما انتفع به من أوبارها وأشعارها وأصوافها، أراد ما يلبسون منها ويبتنون (٢) (٣) (٤) وروى الحرَّاني عن ابن السِّكِّيت: يقال: هذا رجل دَفْآنُ وامرأة دَفْأى، ويوم دَفِيءٌ وليلة دفيئةٌ، وكذلك بيت دَفِيء، وغرفة دَفيئةٌ، على فَعيل وفعيلة، وما كان الرجل دَفْآن، ولقد دَفِئَ، وما كان البيت دَفِئًا، ولقد دَفُؤَ (٥) (٦) (٧) (٨) وكيفَ يضيِعُ صاحِبُ مُدْفَآتٍ ...
على أثْباجِهِنَّ مِنَ الصَّقِيعِ (٩) ونحو هذا قال عامة المفسرين في الدفء (١٠) ﴿ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ ﴾ قال: النسل (١١) (١٢) ﴿ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ ﴾ قال: نسل كل دابة (١٣) قال (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) ﴿ يُخْرِجُ الْخَبْءَ ﴾ و ﴿ مِلْءُ الْأَرْضِ ﴾ (١٩) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنَافِعُ ﴾ يعني النسل والدّر والركوب، ﴿ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد من لحومها (٢٠) (١) أي أنه نسق ﴿ وَلَكُم فِيهَا جَمَال ﴾ على ﴿ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ ﴾ ، ولو وقف على ﴿ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ لتعذر هذا العطف.
وقد نقل الفخر الرازي 19/ 227، والخازن 3/ 106، قول صاحب النظم، وعزياه للواحدي -رحمه الله-.
(٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 96، مختصرًا، وورد بنصه في "تهذيب اللغة" 2/ 1203 (دفأ)، وهذا يؤكد نقله من التهذيب لا المعاني، وانظر: (دفأ) في "مقاييس اللغة" 2/ 287، و"الصحاح" 1/ 50، و"اللسان" 3/ 1393.
(٣) انظر: (دفأ) في "المحيط في اللغة" 9/ 369، و"مقاييس اللغة" 2/ 287، و"الصحاح" 1/ 50، و"اللسان" 3/ 1393، و"عمدة الحفاظ" 2/ 13.
(٤) ورد في "تهذيب اللغة" (دفأ) 3/ 120 بنصه، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 19/ 227.
(٥) لم أجده في الإصلاح، وورد في "تهذيب اللغة" (دفأ) 2/ 1203، بنصه.
وانظر: "اللسان" (دفأ) 3/ 1393.
(٦) لم أجده في معانيه.
(٧) ورد في "الإصلاح" ص 379، بنحوه، و"التهذيب" (دفأ) 2/ 1203، بنصه، وانظر: (دفأ) في "مقاييس اللغة" 2/ 287، و"اللسان" 3/ 1393.
(٨) وهو قول الأصمعي كما في "التهذيب" (دفأ) 2/ 1203، وقال نحوه ابن السِّكِّيت في "الإصلاح" ص 379، وانظر: (دفأ) في "المحيط في اللغة" 9/ 369، و"اللسان" 3/ 1393، و"التاج" 1/ 153.
(٩) "ديوان الشماخ" ص 220، وفيه: (مُدْفِئَات)، وورد في "إصلاح المنطق" ص 379، و"المعاني الكبير" 1/ 429، و"جمهرة اللغة" 3/ 1313، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 66، و"أمالي القالي" 1/ 106، و"تهذيب إصلاح المنطق" ص781، و"أساس البلاغة" 1/ 274، و"تفسير القرطبي" 10/ 69، و"اللسان" (دفأ) 3/ 1393، (ثبج) 1/ 468، (ضيع) 5/ 2625، و"التاج" (دفأ) 1/ 153.
(أثباجهن) جمع ثبج؛ وهو الوسط، قال الأصمعي: ثبج كل شيء: وسطه.
(الصقيع) البرد والنَّدى، ويقال: الجليد.
والشاعر يمدح إبله أنها لن تهلك من البرد؛ لأن أوساطها مغطاة بوبر كثير يقيها البرد.
(١٠) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 200 ب، والطبري 14/ 78 - 79، والسمرقندي 2/ 228، وهود الهواري 2/ 360، والثعلبي 2/ 154 أ، والماوردي 3/ 178، والطوسي 6/ 361.
(١١) ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 54، و"تفسير الماوردي" 3/ 179، وقد روي عن ابن عباس تفسيرها بتفسير العامة، أخرجه الطبري 14/ 79 بعدة روايات، وانظر: "تنوير المقباس" ص 282، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 206، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، ولذلك حمل النحاس تفسير ابن عباس: بالنسل، على المنافع لا الدفء، مع أن قوله التالي الذي رواه عنه ابن هاجك يؤكد تفسيره لـ ﴿ دِفْءٌ ﴾ بالنسل.
(١٢) لم أقف عليه.
(١٣) لم أقف عليه في التهذيب، وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 353) بنصه، والطبري 14/ 79، بنصه من طريق عكرمة جيدة، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 228، و"تفسير القرطبي" 10/ 70، وانظر: "اللسان" (دفأ) 3/ 1393، و"عمدة الحفاظ" 2/ 13، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 206، وزاد نسبته إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(١٤) (قال) ساقط من (ش)، (ع).
(١٥) أبو محمد، عبد الله بن سعيد الأموي اللغوي، لقي العلماء، ودخل البادية، وأخذ عن فصحاء الأعراب، وأخذ عنه العلماء كأبي عبيد، وأكثروا في كتبهم، كان حافظًا للأخبار والشعر وأيام العرب، وكان ثقة في نقله، من كتبه: (النوادر)، (رحل البيت).
انظر: "طبقات النحويين والبلاغيين" ص 193، و"إنباه الرواة" 2/ 120، و"البلغة" ص 309، و"البغية" 2/ 43.
(١٦) في جميع النسخ: (الدفؤ)، والمثبت موافق لجميع المصادر.
(١٧) لم أجده في غريبه، وورد في "تهذيب اللغة" (فاد) 2/ 1203، بنصه، وانظر:== (دفأ) في "مقاييس اللغة" 2/ 287، و"اللسان" 3/ 1393، و"عمدة الحفاظ" 2/ 13.
(١٨) في جميع النسخ: (سكنت)، والصحيح المثبت، وهو موافق للمصدر وبه يستقيم الكلام.
(١٩) "معاني القرآن" للفراء 3/ 96، بنصه.
(٢٠) ورد غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 200 ب، والسمرقندي 2/ 228، والثعلبي 2/ 154 أ، والبغوي 5/ 9.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أتى أَمْرُ الله ﴾ قيل: النصر على الكفار، وقيل: عذاب الكفار في الدنيا، ووضع الماضي موضع المستقبل لتحقق وقوع الأمر ولقربه، وروي أنها لما نزلت وثب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً فلما قال: فلا تستعجلوه سكن ﴿ يُنَزِّلُ الملائكة بالروح ﴾ أي بالنبوة وقيل بالوحي ﴿ خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ ﴾ أي من نطفة المني، والمراد جنس الإنسان ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ فيه وجهان أحدهما: أن معناه متكلم يخاصم عن نفسه، والثاني: يخاصم في ربه ودينه، وهذا في الكفار، والأول أعم.
<div class="verse-tafsir"
قال بعض أهل التأويل: سورة النحل كلها مكية إلا ثلاث آيات؛ فإنها نزلت بالمدينة والله أعلم بالصواب.
قوله - عز وجل -: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ .
في قوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ وجهان: أحدهما: أن يعرف قوله: أمر الله، [ما أراد به وما] الذي استعجلوه، وإنما استعجلوه الساعة والقيامة؛ بقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا...
﴾ الآية [الشورى: 18] ونحوه من الآيات.
وقال بعضهم: أمر الله هو عذابه، وكذلك [جميع] ما ذكر في جميع القرآن من أمر الله؛ المعنى منه عذابه؛ كقوله: ﴿ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ أي: عذابه، ونحوه.
ويحتمل قوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ : رسوله الذي كان يستنصر به أهل الكتاب على المشركين؛ كقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...
﴾ الآية [البقرة: 89] وكان يتمنى مشركوا العرب أن يكون لهم رسول كسائر الكفرة؛ كقوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ...
﴾ الآية [الأنعام: 109] ﴿ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ ذهاب ما كنتم تتمنون بمحمد أو شيء آخر.
والله أعلم.
ثم إنه لم يرد بقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ وقوعه؛ ولكن قربه؛ أي: قرب آثار [أمر] الله؛ كما يقال: أتاك الخبر، وأتاك أمر كذا؛ على إرادة القرب؛ لا على الوقوع.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ أي: ظهر أعلام أمر الله وآثاره، ليس على إتيان أمره من مكان إلى مكان؛ كقوله: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ وآثاره: هو رسول الله ؛ لأنه كان به يختم النبوة؛ فهو كان أعلام الساعة على ما روي عنه ؛ فقال: "بعثت أنا والساعة كهاتين" أشار إلى أصبعين لقربها منه.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ .
لأنه لا منفعة لكم فيها فلماذا تستعجلونه؟
كقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ إذ لا منفعة لهم فيه، بل فيه ضرر عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .
سبحان: هو كلمة إجلال الله يجريها على ألسن أوليائه على تنزيه ما قالت الملحدة فيه، وتعاليه عن جميع ما نسبوا إليه من الولد، والصاحبة، والشريك، وغيره من الأشباه والأضداد، عن ذلك.
سبحان الله: حرف يذكر على أثر شيء مستبعد، أو مستعجب، أو مستعظم؛ جواباً لذلك، وهو ما ذكره على أثر وصف أو قول لا يليق بالله من الولد، والشريك، ونحوه؛ فقال: (سبحان الله) على التنزيه مما وصفوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ﴾ قال بعضهم: قوله: ﴿ بِٱلْرُّوحِ ﴾ أي: بالوحي الذي أنزله على رسله، والرحمة، أو الروح: الرحمة؛ وهو الذي به نجاة كل من رحمه الله ، وهداه لدينه؛ وهو ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ .
وقيل: الرسالة [هي القرآن والرسالة]، وما ذكر روحاً؛ لأنه به حياة الدين؛ كما سمي الذي به حياة الأبدان أرواحاً.
وقال الحسن: قوله: ﴿ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ﴾ : أي: بالحياة من أمره؛ وهو ما ذكرنا من حياة الدين.
وقوله : ﴿ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ .
أي: على من يشاء أن يختص من عباده ويختاره، وهو مشيئة الاختيار؛ وإن كان غيره يصلح لذلك، وفيه دلالة اختصاص الله بعضهم على بعض؛ وإن كان غيره يصلح لذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنْ أَنْذِرُوۤاْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ ﴾ .
على هذا جاءت الرسل والأنبياء عليهم السلام جميعاً بالإنذار والدعاء إلى وحدانية الله، وتوجيه العبادة إليه.
وقوله: ﴿ أَنْ أَنْذِرُوۤاْ ﴾ \[هو\] صلة ما تقدم من قوله: ﴿ يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ ﴾ أن أنذروا، ولا يوصل بما تأخر، ثم يخرج على الإضمار؛ أي: أنذروا وقولوا: إنه لا إله إلا أنا فاتقون.
<div class="verse-tafsir"
والأنعام من الإبل والبقر والغنم خلقها لمصالحكم -أيها الناس- ومن هذه المصالح الدفء بأصوافها وأوبارها، ومصالح أخرى في ألبانها وجلودها وظهورها، ومنها تأكلون.
<div class="verse-tafsir" id="91.JKqNR"