الآية ٤ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٤ من سورة النحل

خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍۢ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌۭ مُّبِينٌۭ ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 99 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم نبه على خلق جنس الإنسان من نطفة ) أي : ضعيفة مهينة ، فلما استقل ودرج إذا هو يخاصم ربه تعالى ويكذبه ، ويحارب رسله ، وهو إنما خلق ليكون عبدا لا ضدا ، كما قال تعالى : وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا ) [ الفرقان : 54 ، 55 ] وقال : ( أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ) [ يس : 77 ، 79 ] .

وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن بسر بن جحاش قال : بصق رسول الله في كفه ، ثم قال : يقول الله : ابن آدم ، أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه ، حتى إذا سويتك فعدلتك مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد ، فجمعت ومنعت ، حتى إذا بلغت الحلقوم قلت : أتصدق .

وأنى أوان الصدقة ؟

.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ومن حججه عليكم أيضا أيها الناس، أنه خلق الإنسان من نطفة، فأحدث من ماء مهين خلقا عجيبا، قلبه تارات خلقا بعد خلق في ظلمات ثلاث، ثم أخرجه إلى ضياء الدنيا بعد ما تمّ خلقه ونفخ فيه الروح، فغذاه ورزقه القوت ونماه، حتى إذا استوى على سوقه كفر بنعمة ربه وجحد مدبره وعبد من لا يضرّ ولا ينفع ، وخاصم إلهه ، فقال مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ونسِي الذي خلقه فسوّاه خلقا سويا من ماء مهين ، ويعني بالمبين: أنه يبين عن خصومته بمنطقه ، ويجادل بلسانه، فذلك إبانته ، وعنى بالإنسان: جميع الناس، أخرج بلفظ الواحد ، وهو في معنى الجميع.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين قوله تعالى : خلق الإنسان من نطفة لما ذكر الدليل على توحيده ذكر بعده الإنسان ومناكدته وتعدي طوره .

والإنسان اسم للجنس .

وروي أن المراد به أبي بن خلف الجمحي ، جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعظم رميم فقال : أترى يحيي الله هذا بعد ما قد رم .

وفي هذا أيضا نزل أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين أي خلق الإنسان من ماء يخرج من بين الصلب والترائب ، فنقله أطوارا إلى أن ولد ونشأ بحيث يخاصم في الأمور .

فمعنى الكلام التعجب من الإنسان وضرب لنا مثلا ونسي خلقهفإذا هو خصيم أي مخاصم ، كالنسيب بمعنى المناسب .

أي يخاصم الله - عز وجل - في قدرته .مبين أي ظاهر الخصومة .

وقيل : يبين عن نفسه الخصومة بالباطل .

والمبين : هو المفصح عما في ضميره بمنطقه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ } لم يزل يدبرها ويرقيها وينميها حتى صارت بشرا تاما كامل الأعضاء الظاهرة والباطنة، قد غمره بنعمه الغزيرة، حتى إذا استتم فخر بنفسه وأعجب بها { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ } يحتمل أن المراد: فإذا هو خصيم لربه، يكفر به، ويجادل رسله، ويكذب بآياته.

ونسي خلقه الأول وما أنعم الله عليه به، من النعم فاستعان بها على معاصيه، ويحتمل أن المعنى: أن الله أنشأ الآدمي من نطفة، ثم لم يزل ينقله من طور، إلى طور حتى صار عاقلا متكلما، ذا ذهن ورأي: يخاصم ويجادل، فليشكر العبد ربه الذي أوصله إلى هذه الحال التي ليس في إمكانه القدرة على شيء منها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم ) جدل بالباطل ، ( مبين ) نزلت في أبي بن خلف الجمحي ، وكان ينكر البعث جاء بعظم رميم فقال : أتقول إن الله تعالى يحيي هذا بعد ما قد رم؟

كما قال جل ذكره " وضرب لنا مثلا ونسي خلقه " ( يس - 77 ) نزلت فيه أيضا .

والصحيح أن الآية عامة ، وفيها بيان القدرة وكشف قبيح ما فعلوه ، من جحد نعم الله مع ظهورها عليهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(خلق الإنسان من نطفة) مَنِيّ إلى أن صيره قويا شديداً (فإذا هو خصيم) شديد الخصومة (مبين) بينها في نفي البعث قائلاً "" من يحيي العظام وهي رميم "".

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

خَلَق الإنسان من ماء مهين فإذا به يَقْوى ويغترُّ، فيصبح شديد الخصومة والجدال لربه في إنكار البعث، وغير ذلك، كقوله: "مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ"، ونسي الله الذي خلقه من العدم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - دليلا آخر على انفراده بالألوهية عن طريق خلق الإِنسان فقال : ( خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ) .والمراد بالإِنسان هنا جنس الإِنسان .وأصل النطفة : الماء الصافى .أو الماء القليل الذى يبقى فى الدلو أو القربة ، وجمعها : نطف ونطاف .

يقال : نطفت القربة إذا قطرت ، أى سال منها الماء وتقاطر .والمراد بالنطفة هنا : المنى الذى هو مادة التلقيح من الرجل للمرأة .والخصيم : الكثير الخصام لغيره ، فهو صيغة مبالغة .

يقال : خصم الرجل يخصم - من باب تعب - إذا أحكم الخصومة ، فهو خصم وخصيم .والمبين .

المظهر للحجة ، المفصح عما يريده بألوان من طريق البيان .أى : خلق - سبحانه - الإِنسان .

من مَنِىٍّ يُمنى ، أو من ماء مهين خلقا عجيبا فى أطوال مختلفة ، لا يجهلها عاقل ، ثم أخرجه بقدرته من بطن أمه إلى ضياء الدنيا ، ثم رعاه برعايته ولطفه إلى أن استقل وعقل .حتى إذا ما وصل هذا الإِنسان إلى تلك المرحلة التى يجب معها الشكر لله - تعالى - الذى رباه ورعاه ، إذا به ينسى خالقه ، ويجحد نعمه ، وينكر شريعته ، ويكذب رسله ويخاصم ويجادل بلسان فصيح من بعثه الله - تعالى - لهدايته وإرشاده ، ويقول - كما حكى القرآن عنه - : ( مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ .

.

) وإذا فى قوله - سبحانه - ( فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ) .

هى التى تسمى بإذا الفجائية التى يؤتى بها لمعنى ترتب الشئ ، على غير ما يظن أن يترتب عليه .وجئ بها هنا لزيادة التعجيب من حال الإِنسان ، لأنه كان المنتظر منه بعد أن خلقه الله - تعالى - بقدرته ، ورباه برحمته ورعايته ، أن يشكر خالقه على ذلك ، وأن يخلص العبادة له ، لكنه لم يفعل ما كان منتظرا منه ، بل فعل ما يناقض ذلك من الإِشراك والمجادلة فى أمر البعث وغيره .وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هذا القرآن لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ) وقوله - تعالى - : ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الكافر على رَبِّهِ ظَهِيراً ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن أشرف الأجسام بعد الأفلاك والكواكب هو الإنسان، فلما ذكر الله تعالى الاستدلال على وجود الإله الحكيم بأجرام الأفلاك، أتبعه بذكر الاستدلال على هذا المطلوب بالإنسان.

واعلم أن الإنسان مركب من بدن ونفس، فقوله تعالى: ﴿ خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ ﴾ اشارة إلى الاستدلال ببدنه على وجود الصانع الحكيم، وقوله: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ إشارة إلى الاستدلال بأحوال نفسه على وجود الصانع الحكيم.

أما الطريق الأول: فتقريره أن نقول: لا شك أن النطفة جسم متشابه الأجزاء بحسب الحس والمشاهدة، إلا أن من الأطباء من يقول إنه مختلف الأجزاء في الحقيقة، وذلك لأنه إنما يتولد من فضلة الهضم الرابع، فإن الغذاء يحصل له في المعدة هضم أول وفي الكبد هضم ثان.

وفي العروق هضم ثالث.

وعند وصوله إلى جواهر الأعضاء هضم رابع.

ففي هذا الوقت وصل بعض أجزاء الغذاء إلى العظم وظهر فيه أثر من الطبيعة العظيمة، وكذا القول في اللحم والعصب والعروق وغيرها ثم عند استيلاء الحرارة على البدن عند هيجان الشهوة يحصل ذوبان من جملة الأعضاء، وذلك هو النطفة، وعلى هذا التقدير تكون النطفة جسماً مختلف الأجزاء والطبائع.

إذا عرفت هذا فنقول: النطفة في نفسها إما أن تكون جسماً متشابه الأجزاء في الطبيعة والماهية، أو مختلف الأجزاء فيها، فإن كان الحق هو الأول لم يجز أن يكون المقتضى لتولد البدن منها هو الطبيعة الحاصلة في جوهر النطفة ودم الطمث، لأن الطبيعة تأثيرها بالذات والإيجاب لا بالتدبير والاختيار.

والقوة الطبيعية إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون فعلها هو الكرة، وعلى هذا الحرف عولوا في قولهم البسائط يجب أن تكون أشكالها الطبيعية في الكرة فلو كان المقتضى لتولد الحيوان من النطفة هو الطبيعة، لوجب أن يكون شكلها الكرة.

وحيث لم يكن الأمر كذلك، علمنا أن المقتضى لحدوث الأبدان الحيوانية ليس هو الطبيعة، بل فاعل مختار، وهو يخلق بالحكمة والتدبير والاختيار.

وأما القسم الثاني: وهو أن يقال: النطفة جسم مركب من أجزاء مختلفة في الطبيعة والماهية فنقول: بتقدير أن يكون الأمر كذلك، فإنه يجب أن يكون تولد البدن منها بتدبير فاعل مختار حكيم وبيانه من وجوه: الوجه الأول: أن النطفة رطوبة سريعة الاستحالة، وإذا كان كذلك كانت الأجزاء الموجودة فيها لا تحفظ الوضع والنسبة، فالجزء الذي هو مادة الدماغ يمكن حصوله في الأسفل، والجزء الذي هو مادة القلب قد يحصل في الفوق، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن لا تكون أعضاء الحيوان على هذا الترتيب المعين أمراً دائماً ولا أكثرياً، وحيث كان الأمر كذلك، علمنا أن حدوث هذه الأعضاء على هذا الترتيب الخاص ليس إلا بتدبيرالفاعل المختار الحكيم.

والوجه الثاني: أن النطفة بتقدير أنها جسم مركب من أجزاء مختلفة الطبائع، إلا أنه يجب أن ينتهي تحليل تركيبها إلى أجزاء يكون كل واحد منها في نفسه جسماً بسيطاً، وإذا كان الأمر كذلك، فلو كان المدبر لها قوة طبيعية لكان كل واحد من تلك البسائط يجب أن يكون شكله هو الكرة فكان يلزم أن يكون الحيوان على شكل كرات مضمومة بعضها إلى بعض، وحيث لم يكن الأمر كذلك، علمنا أن مدبر أبدان الحيوانات ليس هي الطبائع ولا تأثيرات الأنجم والأفلاك، لأن تلك التأثيرات متشابهة، فعلمنا أن مدبر أبدان الحيوانات فاعل مختار حكيم، وهو المطلوب، هذا هو الاستدلال بأبدان الحيوانات على وجود الإله المختار.

وهو المراد من قوله سبحانه وتعالى: ﴿ خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ ﴾ وأما الاستدلال على وجود الصانع المختار الحكيم بأحوال النفس الإنسانية فهو المراد من قوله: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في بيان وجه الاستدلال وتقريره: أن النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل فهماً وذكاء وفطنة من نفوس سائر الحيوانات، ألا ترى أن ولد الدجاجة كما يخرج من قشر البيضة يميز بين العدو والصديق فيهرب من الهرة ويلتجئ إلى الأم، ويميز بين الغذاء الذي يوافقه والغذاء الذي لا يوافقه وأما ولد الإنسان فإنه حال انفصاله عن بطن الأم، لا يميز ألبتة بين العدو والصديق ولا بين الضار والنافع، فظهر أن الإنسان في أول الحدوث أنقص حالاً وأقل فطنة من سائر الحيوانات ثم إن الإنسان بعد كبره يقوى عقله ويعظم فهمه ويصير بحيث يقوى على مساحة السموات والأرض ويقوى على معرفة ذات الله وصفاته وعلى معرفة أصناف المخلوقات من الأرواح والأجسام والفلكيات والعنصريات ويقوى على إيراد الشبهات القوية في دين الله تعالى والخصومات الشديدة في كل المطالب فانتقال نفس الإنسان من تلك البلاد المفرطة إلى هذه الكياسة المفرطة لابد وأن يكون بتدبير إله مختار حكيم ينقل الأرواح من نقصانها إلى كمالاتها ومن جهالاتها إلى معارفها بحسب الحكمة والاختيار، فهذا هو المراد من قوله سبحانه وتعالى: ﴿ خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ .

وإذا عرفت هذه الدقيقة أمكنك التنبيه لوجوه كثيرة: المسألة الثانية: أنه تعالى إنما يخلق الإنسان من النطفة بواسطة تغيرات كثيرة مذكورة في القرآن العزيز منها قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٍ مِّن طِينٍ  ثُمَّ جَعَلْنَٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ  ﴾ إلا أنه تعالى اختصر هاهنا لأجل أن ذلك الاستقصاء مذكور في سائر الآيات، وقوله؛ ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ فيه بحثان: البحث الأول: قال الواحدي: الخصيم بمعنى المخاصم، قال أهل اللغة: خصيمك الذي يخاصمك وفعيل بمعنى مفاعل معروف كالنسيب بمعنى المناسب، والعشير بمعنى المعاشر، والأكيل والشريب ويجوز أن يكون خصيم فاعلاً من خصم يخصم بمعنى اختصم، ومنه قراءة حمزة: ﴿ تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ  ﴾ .

البحث الثاني: لقوله: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ وجهان: أحدهما: فإذا هو منطبق مجادل عن نفسه، منازع للخصوم بعد أن كان نطفة قذرة، وجماداً لا حس له ولا حركة، والمقصود منه: أن الانتقال من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة العالية الشريفة لا يحصل إلا بتدبير مدبر حكيم عليم.

والثاني: فإذا هو خصيم لربه، منكر على خالقه، قائل: ﴿ مَن يُحييِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ  ﴾ والغرض منه وصف الإنسان بالإفراط في الوقاحة والجهل، والتمادي في كفران النعمة، والوجه الأول أوفق، لأن هذه الآيات مذكورة لتقرير وجه الاستدلال على وجود الصانع الحكيم، لا لتقرير وقاحة الناس وتماديهم في الكفر والكفران.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ثم دلّ على وحدانيته وأنه لا إله إلا هو بما ذكر، مما لا يقدر عليه غيره من خلق السموات والأرض وخلق الإنسان وما يصلحه، ومالا بدّ له من خلق البهائم لأكله وركوبه وجرّ أثقاله وسائر حاجاته، وخلق ما لا يعلمون من أصناف خلائقه، ومثله متعال عن أن يشرك به غيره.

وقرئ: ﴿ تشركون ﴾ ، بالتاء والياء ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ فيه معنيان، أحدهما: فإذا هو منطيق مجادل عن نفسه مكافح للخصوم مبين للحجة، بعد ما كان نطفة من منيّ جماداً لا حس به ولا حركة، دلالة على قدرته.

والثاني: فإذا هو خصيم لربه، منكر على خالقه، قائل: من يحيي العظام وهي رميم، وصفاً للإنسان بالإفراط في الوقاحة والجهل، والتمادي في كفران النعمة.

وقيل نزلت في أبيّ بن خلف الجمحي حين جاء بالعظم الرميم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أترى الله يحيي هذا بعدما قد رمّ؟

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ﴾ أوْجَدَهُما عَلى مِقْدارٍ وشَكْلٍ وأوْضاعٍ وصِفاتٍ مُخْتَلِفَةٍ قَدَّرَها وَخَصَّصَها بِحِكْمَتِهِ.

﴿ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ مِنهُما أوْ مِمّا يَفْتَقِرُ في وُجُودِهِ أوْ بَقائِهِ إلَيْهِما ومِمّا لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِهِما.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مِن قَبِيلِ الأجْرامِ.

﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ ﴾ جَمادٍ لا حِسَّ بِها ولا حَراكَ سَيّالَةٍ لا تَحْفَظُ الوَضْعَ والشَّكْلَ.

﴿ فَإذا هو خَصِيمٌ ﴾ مِنطِيقٌ مُجادِلٌ.

﴿ مُبِينٌ ﴾ لِلْحُجَّةِ أوْ خَصِيمٌ مُكافِحٌ لِخالِقِهِ قائِلٌ: ﴿ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ ﴾ .

رُوِيَ «أنْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أتى النَّبِيَّ  بِعَظْمٍ رَمِيمٍ وقالَ: يا مُحَمَّدُ أتَرى اللَّهَ يُحْيِي هَذا بَعْدَ ما قَدْ رَمَّ.

فَنَزَلَتْ.» <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وخلق الإنسان وما يكون منه وهو قوله {خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مبين} أي فاذا هو منطبق مجادل عن نفسه مكافح لخصومه مبين لحجته بعد ما كان نطفة لاحس به ولا حركة أو فإذا هو خصيم لربه منكر على خالقه قائل من يحيى العظام وهي رميم وهو وصف للإنسان بالوقاحة والتمادي في كفران النعمة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ خَلَقَ الإنْسانَ ﴾ أيْ هَذا النَّوْعَ غَيْرَ الفَرْدِ الأوَّلِ مِنهُ ﴿ مِن نُطْفَةٍ ﴾ أصْلُها الماءُ الصّافِي ويُعَبَّرُ بِها عَنْ ماءِ الرَّجُلِ أيْ أوْجَدَهُ مِن جَمادٍ لا حِسَّ لَهُ ولا حِراكَ سَيّالٍ لا يُحْفَظُ شَكْلًا ولا وضْعًا ﴿ فَإذا هُوَ ﴾ بَعْدَ الخَلْقِ مِن ذَلِكَ ﴿ خَصِيمٌ ﴾ مِنطِيقٌ مُجادِلٌ عَنْ نَفْسِهِ مُكافِحٌ لِلْخُصُومِ، وهو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، وقالَ الواحِدِيُّ: بِمَعْنى مُخاصِمٍ، وفَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ مَعْرُوفٌ عِنْدَهم كالنَّسِيبِ بِمَعْنى المُناسِبِ والخَلِيطُ بِمَعْنى المُخالِطِ والعَشِيرُ بِمَعْنى المُعاشِرِ.

﴿ مُبِينٌ ﴾ مُظْهِرٌ لِلْحُجَّةِ لُقِّنَ بِها وقِيلَ: المَعْنى أوْجَدَهُ مِن ذَلِكَ فَإذا هو خَصِيمٌ لِخالِقِهِ سُبْحانَهُ مُنْكِرٌ لِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ قائِلٌ: ﴿ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ ﴾ والأوَّلُ أنْسَبُ بِمَقامِ الِامْتِنانِ بِإعْطاءِ القُدْرَةِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ عَلى قُدْرَتِهِ جَلَّ جَلالُهُ ووَحْدَتِهِ، وبَيَّنَ الإمامُ وجْهَ الِاسْتِدْلالِ فَقالَ بَعْدَ أنْ زَعَمَ أنَّ الإنْسانَ في الشَّرَفِ بَعْدَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ وأشارَ إلى أنَّهُ لِذَلِكَ عَقَّبَ الِاسْتِدْلالَ بِخَلْقِ تِلْكَ بِالِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِهِ: اعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ مُرَكَّبٌ مِن نَفْسٍ وبَدَنٍ، وصَدْرُ الآيَةِ إشارَةٌ إلى الِاسْتِدْلالِ بِبَدَنِهِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ وعَجُزُها إشارَةٌ إلى الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِهِ، وتَقْرِيرُ الأوَّلِ أنْ يُقالَ: إنَّ النُّطْفَةَ إمّا أنْ تَكُونَ مُتَشابِهَةَ الأجْزاءِ أوْ مُخْتَلِفَتَها فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ المُقْتَضِي لِتُوَلُّدِ هَذا البَدَنِ مِنها هو الطَّبِيعَةَ الحاصِلَةَ في جَوْهَرِها لِأنَّ تَأْثِيرَ الطَّبِيعَةِ بِالذّاتِ والإيجابِ فَمَتى عَمِلَتْ في مادَّةٍ مُتَشابِهَةِ الأجْزاءِ وجَبَ أنْ يَكُونَ عَمَلُها الكُرَيَّةَ وحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ فِيما نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ لِظُهُورِ أنَّ الأبْدانَ لَيْسَتْ كُرَيَّةً عَلِمْنا أنَّ المُقْتَضِيَ لَها هو الفاعِلُ الحَكِيمُ المُخْتارُ، وإنْ كانَ الثّانِي قُلْنا: إنَّهُ يَجِبُ أنْ يَنْتَهِيَ تَحْلِيلُ تَرْكِيبِها إلى أجْزاءٍ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنها في نَفْسِهِ جِسْمًا بَسِيطًا وحِينَئِذٍ لَوْ كانَ المُدَبِّرُ لَها قُوَّةً طَبِيعِيَّةً لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِن تِلْكَ البَسائِطِ كُرِّيَّ الشَّكْلِ فَكانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ عَلى شَكْلِ كُراتٍ مَضْمُومَةٍ بَعْضُها إلى بَعْضٍ وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ المُقْتَضِيَ هو الفاعِلُ المُخْتارُ أيْضًا جَلَّ شَأْنُهُ وأيْضًا أنَّ النُّطْفَةَ رَطْبَةٌ سَرِيعَةُ الِاسْتِحالَةِ فَلا تَحْفَظُ الوَضْعَ فالجُزْءُ الَّذِي هو مادَّةُ الدِّماغِ يُمْكِنُ حُصُولُهُ في السُّفْلِ والجُزْءُ الَّذِي هو مادَّةُ القَلْبِ يُمْكِنُ حُصُولُهُ في الفَوْقِ فَحَيْثُ كانَ الإنْسانُ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ المُعَيَّنِ دائِمًا مَعَ إمْكانِ غَيْرِهِ عَلِمْنا أنَّ حُدُوثَهُ عَلى ذَلِكَ التَّرْتِيبِ لَيْسَ إلّا بِتَدْبِيرِ الفاعِلِ المُخْتارِ الحَكِيمِ.

ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ مِن تَأْثِيرِ النُّجُومِ والأوْضاعِ الفَلَكِيَّةِ لِأنَّ تَأْثِيراتِها مُتَشابِهَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ بُيِّنَ بُطْلانُ كَوْنِها مُؤَثِّرَةً بِغَيْرِ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ.

وتَقْرِيرُ الثّانِي أنَّ النُّفُوسَ الإنْسانِيَّةَ في أوَّلِ الفِطْرَةِ أقَلُّ فَهْمًا وذَكاءً وفِطْنَةً مِن نُفُوسِ سائِرِ الحَيَواناتِ فَإنَّ فَرْخَ الدَّجاجَةِ حِينَ خُرُوجِهِ مِن قِشْرِ البَيْضَةِ يُمَيِّزُ بَيْنَ العَدُوِّ والصَّدِيقِ فَيَهْرُبُ مِنَ الهِرَّةِ ويَلْتَجِئُ إلى الأُمِّ ويُمَيِّزُ بَيْنَ الغِذاءِ الَّذِي يُوافِقُهُ والَّذِي لا يُوافِقُهُ وأمّا ولَدُ الإنْسانِ فَإنَّهُ حِينَ انْفِصالِهِ مِن بَطْنِ أُمِّهِ لا يُمَيِّزُ بَيْنَ العَدُوِّ والصَّدِيقِ ولا بَيْنَ الضّارِّ والنّافِعِ ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ كِبَرِهِ يَقْوى عَقْلُهُ ويَعْظُمُ فَهْمُهُ ويَصِيرُ بِحَيْثُ يَقْوى عَلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى مَعْرِفَةِ أصْنافِ المَخْلُوقاتِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ والِاطِّلاعِ عَلى كَثِيرٍ مِن أحْوالِها الدَّقِيقَةِ وعَلى الخُصُوماتِ والمُباحَثاتِ فانْتِقالُ نَفْسِهِ مِن تِلْكَ البَلادَةِ المُفْرِطَةِ إلى هَذِهِ الكِياسَةِ المُفْرِطَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَدْبِيرِ إلَهٍ مُخْتارٍ حَكِيمٍ يَنْقُلُها مِن نُقْصانِها إلى كَمالِها ومِن جَهالَتِها إلى مَعْرِفَتِها بِحَسَبِ الحِكْمَةِ والِاخْتِيارِ، والثّانِي قِيلَ: أنْسَبُ بِمَقامِ تَعْدادِ هَنّاتِ الكَفَرَةِ فَإنَّهُ قَدِ اشْتَمَلَ مِن بَيانِ جَراءَةِ مَن كَفَرَ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَدَمِ اسْتِحْيائِهِ مِنهُ سُبْحانَهُ ووَقاحَتِهِ بِتَمادِيهِ في الكُفْرِ.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ يُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ يس بَعْدَ ما ذَكَرَ مِثْلَهُ: ﴿ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ ﴾ فَإنَّهُ نَصَّ فِيما ذَكَرَ فَيَكُونُ صَدْرُ الآيَةِ لِلِاسْتِدْلالِ وعَجُزُها لِتَقْرِيرِ الوَقاحَةِ، وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ مَدارَ ما قَبْلَها في تِلْكَ السُّورَةِ عَلى ذِكْرِ الحَشْرِ والنَّشْرِ ومُكابَرَتِهِمْ فِيهِ بِخِلافِ هَذِهِ ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، وأمّا كَوْنُ الآيَةِ مُسَوِّقَةً لِتَقْرِيرِ وقاحَةِ الإنْسانِ لِانْتِفاءِ التَّنافِي بَيْنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ وتَقْرِيرِ وقاحَةِ المُنْكِرِينَ ولِذا جُعِلَ التَّتْمِيمُ لِما قَبْلَهُ ﴿ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ فَعَدَمُ المُنافِي لا يَقْتَضِي وُجُودَ المُناسِبِ، وعِنْدِي لِكُلٍّ وُجْهَةٌ.

وفِي الكَشْفِ المَعْنَيانِ مُلائِمانِ لِلْمَقامِ إلّا أنَّ في الثّانِي زِيادَةً مُلائِمَةً مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ثُمَّ إنَّهُ أُدْمِجَ فِيهِ المَعْنى الأوَّلُ، ورَوى الواحِدِيُّ «أنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعَظْمٍ رَمِيمٍ وقالَ: يا مُحَمَّدُ أتَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْيِي هَذا بَعْدَ ما قَدْ رَمَّ فَنَزَلَتْ نَظِيرَ ما في آخِرِ يس،» والمَشْهُورُ أنَّ تِلْكَ هي النّازِلَةُ في تِلْكَ القِصَّةِ، ثُمَّ وجْهُ التَّعْقِيبِ وإذا الفُجائِيَّةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإذا هُوَ ﴾ إلى آخِرِهِ مَعَ أنَّ كَوْنَهُ خَصِيمًا مُبِينًا بِأيِّ مَعْنًى أُرِيدَ لَمْ يُعْقِبْ خَلْقَهُ مِن نُطْفَةٍ إذْ بَيْنَهُما وسائِطُ أنَّهُ بَيانٌ لِأطْوارِهِ إلى كَمالِ عَقْلِهِ فالتَّعْقِيبُ بِاعْتِبارِ آخِرِها فَلا وجْهَ لِتَقْدِيرِ الوَسائِطِ ولا لِلْقَوْلِ بِأنَّهُ مِن بابِ التَّعْبِيرِ عَنْ حالِ الشَّيْءِ بِما يُؤَوَّلُ إلَيْهِ فافْهَمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ يقول: من ماء الرجل فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ يقول: جدل باطل ظاهر الخصومة، وهو أبي بن خلف، حيث أخذ عظماً بالياً فَفَتَّهُ بيده، وقال: عجباً لمحمد يزعم أنه يعيدنا بعد ما كنا عظاماً ورفاتاً، وإنا نعاد خلقاً جديداً، فنزل أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ [يس: 77] الآية.

ثم بيّن النعمة فقال تعالى: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ أي: ما يستدفأ به من الأكسية وغيرها، والذي يتخذ منه البيوت من الشعر والوبر والصوف.

وأما المنافع، فظهورها التي تحمل عليها، وألبانها.

ويقال: الدفء الصغار من الإبل.

وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: لَكُمْ فِيها دِفْءٌ أي: في نسل كل دابة وَمِنْها تَأْكُلُونَ أي: من لحمها.

قوله: وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ أي: ولكم يا بني آدم في الأنعام، جَمالٌ حسن المنظر، حِينَ تُرِيحُونَ أي: حتى تروح الإبل راجعة إلى أهلها وَحِينَ تَسْرَحُونَ أي: تسرح إلى الرعي أول النهار وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ أي: أمتعتكم وزادكم إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ قال: هي مكة.

ويقال: هذا الخطاب لأهل مكة، كانوا يخرجون إلى الشام، وإلى اليمن، ويحملون أثقالهم على الإبل.

إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ إذ لم يعجلكم بالعقوبة.

ثم قال: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً أي خلقها لكم لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً أي: جمالاً ومنظرا حسنا.

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس، أنه سئل عن لحوم الخيل فكرهها وتلا هذه الآية وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً يعني: إنما خلق هذه الأصناف الثلاثة للركوب والزينة لا للأكل وسائر الأنعام خلقت للركوب وللأكل، كما قال: وَمِنْها تَأْكُلُونَ وبه كان يقول أبو حنيفة: «إن لحم الخيل مكروه» .

وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ أي: خلق أشياء تعلمون، وخلق أشياء مما لا تعلمون.

وروي عن النبي  أنه قال: «إن الله خَلَقَ أَرْضَاً بَيْضَاءَ مِثْلَ الدُّنْيَا ثَلاثِينَ مَرَّةً، مَحْشُوَّةً خلقا من خلق الله تَعَالَى، لاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الله تَعَالَى يُعْصَى طَرْفَةَ عَيْنٍ» قالوا: يا رسول الله أمن ولد آدم هم؟

قال: «مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الله خَلَقَ آَدَمَ» .

قالوا: فأين إبليس منهم؟

قال: «مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الله خَلَقَ إِبْلِيسَ» ، ثم قرأ رسول الله  «وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ» (١) قوله عز وجل: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ أي: بيان الهدى، ويقال: هداية الطريق وَمِنْها جائِرٌ أي: من الطرق ما هو مائل من طريق الهدى إلى طريق اليهودية والنصرانية.

وروى جويبر عن الضحاك أنه قال: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ يعني: بيان الهدى، وَمِنْها جائِرٌ أي: سبيل الضلالة.

وقال قتادة: في قراءة عبد الله بن مسعود وَمِنْها جائِرٌ أي: مائلا عن طريق الهدى وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ أي: لو علم الله تعالى أن الخلق كلهم أهلاً للتوحيد لهداهم.

ويقال: لو شاء الله لأنزل آية يضطر الخلق إلى الإيمان.

(١) عزاه السيوطي: 5/ 113 إلى ابن مردويه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

من أمر اللَّه عَلى صُوَرِ بني آدم، وما يَنْزِلُ من السماءِ مَلَكٌ إِلا ومعه رُوحٌ كالحفيظ عليه، لا يتكلَّم ولا يراه مَلَك، ولا شيءٌ مما خَلَقَ اللَّه، وعن مجاهدٍ: الرُّوح: خَلْق من خَلْق اللَّه، لهم أيدٍ وأرجلٌ «١» .

انتهى، واللَّه أعلم بحقيقةِ ذلك، وهذا أمرٌ لا يقَالُ بالرأْيِ، فإِن صحَّ فيه شيء عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وَجَبَ الوقوفُ عنْده انتهى، و «مَنْ» في قوله: مَنْ يَشاءُ هي للأنبياء.

وقوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ: يريد ب «الإِنسان» الجنْسَ، وقوله:

خَصِيمٌ يحتملُ أنْ يريد به الكَفَرة الذين يجادلُونَ في آياتِ اللَّه قاله «٢» الحسن البصريُّ، ويحتملُ أنْ يريد أعَمَّ من هذا، على أن الآية تعديدُ نعمةِ الذِّهْنِ والبيان على البشر.

وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)

وقوله سبحانه: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ: ال دِفْءٌ: السَّخَانة، وذَهَاب البَرْد بالأَكْسِيَة ونحوها، وقيل: ال دِفْءٌ: تناسُلُ الإِبل، وقال ابن عَبَّاس: هو نسْلُ كلِّ شيء «٣» ، والمعنى الأول هو الصحيح، والمنافع: ألبانها وما تصرَّف منها، وحَرْثُها والنَّضْح عليها وغَيْر ذلك.

وقوله: جَمالٌ، أي: في المَنْظَر، وتُرِيحُونَ: معناه: حين تردُّونها وقْتَ الرَّوِاح إِلى المنازلِ، وتَسْرَحُونَ: معناه: تخرجُونها غُدْوة إِلى السَّرْح، و «الأثْقَالُ» :

الأمتعة، وقيل: الأجسام كقوله: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها [الزلزلة: ٢] أي: أجسادَ بني آدم، وسمِّيت الخيلُ خيلا لاختيالها في مشيتها.

ت: ويجبُ على من مَلَّكَهُ اللَّه شيئاً من هذا الحيوانِ أنْ يَرْفُقَ به، ويشْكُر اللَّه تعالى على هذه النعمة التي خَوَّلها، وقد رَوَى مالك في «الموطَّأ» عن أبي عُبَيْدٍ مولى سليمانَ بْنِ عبدِ المَلِكِ، عن خالدِ بْنِ مَعْدَانَ يرفعه، قال: «إِن اللَّه رفيقٌ يحبُّ الرِّفْق، ويرضَاهُ، ويعينُ عليه ما لاَ يُعِينُ على العُنْف، فإِذا ركبتم هذه الدوابَّ العُجْمَ، فأنزلوها منازِلَهَا، فإِنْ كانَتِ الأرض جَدْبةً، فانجوا عليها بِنِقْيِهَا «١» ، وَعَلَيْكُمْ بسير اللَّيْلِ فَإِن الأرض تُطْوَى باللَّيْلِ ما لا تُطْوَى بالنهار، وإِياكم والتَّعْرِيسَ على الطريقِ فإِنها طُرُق الدَّوابِّ، ومأوى الحَيَّات» «٢» .

قال أبو عمر في «التمهيد» : هذا الحديث يستند عن/ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من وجوهٍ كثيرةٍ، فأمَّا «الرفْقُ» ، فمحمودٌ في كلِّ شيء، وما كان الرفْقُ في شيء إِلاّ زانه، وقد رَوَى مالك بسنده عن عائشة، وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ» «٣» ، وأُمِرَ المسافرُ في الخِصْبِ بأنْ يمشي رويداً، ويكثر النزول، لترعَى دابته، فأَما الأرْضُ الجَدْبة، فالسُّنَّة للمسافِرِ أَنْ يُسْرُع السيْر ليخرجَ عنها، وبدابَّته شيءٌ من الشَّحْم والقُوَّة، و «النِّقْي» في كلام العرب: الشَّحْم والوَدَك.

انتهى.

وروَى أبو داود عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إِيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بِالغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ، وَجَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فَعَلَيْهَا فاقضوا حَاجَاتِكِمْ» انتهى «٤» .

وقوله سبحانه: وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ: عبرةٌ منصوبةٌ على العمومِ، أي: إِنَّ مخلوقاتِ اللَّهِ مِنَ الحيوانِ وغيره لا يُحيطُ بعلْمها بَشَرٌ، بل ما يخفَى عنه أكْثَرُ مما يعلمه.

وقوله سبحانه: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ...

الآية: هذه أيضاً من أجَلِّ نعم اللَّه تعالى، أي: على اللَّه تقويمُ طريقِ الهدَى، وتبيينُهُ بنَصْب الأدلَّة، وبعْثِ الرسل، وإِلى هذا ذهب المتأوِّلون، ويحتمل أنْ يكون المعنى: أَنَّ مَنْ سلك السبيل القاصد، فعلى الله،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ عَظْمًا رَمِيمًا، فَجَعَلَ يَفُتُّهُ ويَقُولُ: يا مُحَمَّدُ كَيْفَ يَبْعَثُ اللَّهُ هَذا بَعْدَ ما رَمَّ ؟

فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ.

والخَصِيمُ: المُخاصِمُ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ الخُصُومَةِ.

والمَعْنى: أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن نُطْفَةٍ، وهو مَعَ ذَلِكَ يُخاصِمُ ويُنْكِرُ البَعْثَ، أفَلا يَسْتَدِلُّ بِأوَّلِهِ عَلى آخِرِهِ، وأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إيجادِهِ أوَّلًا يَقْدِرُ عَلى إعادَتِهِ ثانِيَةً ؟!

وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى إنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِ حِينَ نَقَلَهُ مِن حالِ ضَعْفِ النُّطْفَةِ إلى القُوَّةِ الَّتِي أمْكَنَهُ مَعَها الخِصامُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَحْلِ هَذِهِ السُورَةُ كانَتْ تُسَمّى سُورَةَ النِعَمِ بِسَبَبِ ما عَدَّدَ اللهُ فِيها مِن نِعَمِهِ عَلى عِبادِهِ، وهي مَكِّيَّةٌ غَيْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ  ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في شَأْنِ التَمْثِيلِ بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَتْلى أُحِدٍ، وغَيْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللهِ  ﴾ ، وغَيْرَ قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا  ﴾ الآيَةُ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في اللهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا  ﴾ فَمَكِّيٌّ في شَأْنِ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مِن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاتَّقُونِ ﴾ ﴿ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ في سَرْدِ الوَحْيِ: ﴿ أتى أمْرُ اللهِ ﴾ وثَبَ رَسُولُ اللهِ  قائِمًا، فَلَمّا قالَ: ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ سَكَنَ.» وقَوْلُهُ: ﴿ أمْرُ اللهِ ﴾ قالَ فِيهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ يُرِيدُ القِيامَةَ، وفِيها وعِيدٌ لِلْكُفّارِ، وَقِيلَ: المُرادُ نَصْرُ مُحَمَّدٍ  ، وقِيلَ: المُرادُ تَعْذِيبُ كَفّارِ مَكَّةَ بِقَتْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَهم وظُهُورِهِ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ نَحْوَ هَذا النَقاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: المُرادُ فَرائِضُ اللهِ وأحْكامُهُ في عِبادِهِ وشَرْعِهِ لَهُمْ، هَذا هو قَوْلُ الضِحاكِ، ويُبْعِدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ لَأنّا لا نَعْرِفُ اسْتِعْجالًا إلّا ثَلاثَةً: اثْنانِ مِنها لِلْكُفّارِ في القِيامَةِ وفي العَذابِ، والثالِثُ لِلْمُؤْمِنِينَ في النَصْرِ وظُهُورِ الإسْلامِ، وقَوْلُهُ: "أتى" -عَلى هَذا القَوْلِ- إخْبارٌ عن إتْيانٍ ما سَيَأْتِي، وصَحَّ ذَلِكَ مِن جِهَةِ التَأْكِيدِ، وإذا كانَ الخَبَرُ حَقًّا يُؤَكِّدُ المُسْتَقْبَلَ بِأنْ يَخْرُجَ في صِيغَةِ الماضِي، أيْ كَأنَّهُ لِوُضُوحِهِ والثِقَةِ بِهِ قَدْ وقَعَ، ويَحْسَنُ ذَلِكَ في خَبَرِ اللهِ تَبارَكَ تَعالى لِصِدْقِ وُقُوعِهِ.

وقالَ قَوْمٌ: "أتى" بِمَعْنى قَرُبَ، وهَذا نَحْوَ ما قُلْتُ، وإنَّما يَجُوزُ الكَلامُ بِهَذا عِنْدِي لِمَن يَعْلَمُ قَرِينَةَ التَأْكِيدِ ويَفْهَمُ المَجازَ، وأمّا إنْ كانَ المُخاطَبُ لا يَفْهَمُ القَرِينَةَ فَلا يَجُوزُ وضْعُ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، لَأنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الخَبَرَ ويُوجِبُ الكَذِبَ، وإنَّما جازَ في الشَرْطِ لِوُضُوحِ القَرِينَةِ بِـ "أنَّ"، ومَن قالَ: "إنَّ الأمْرَ القِيامَةُ" قالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ رَدٌّ عَلى القائِلِينَ: ﴿ عَجِّلْ لَنا قِطَّنا  ﴾ ونَحْوَهُ مِنَ العَذابِ، أو عَلى مُسْتَبْطِئِي النَصْرَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتاءِ -وَهِيَ قِرَأةُ الجُمْهُورِ- عَلى مُخاطَبَةِ المُؤْمِنِينَ، أو عَلى مُخاطَبَةِ الكافِرِينَ، بِمَعْنى: قُلْ لَهُمْ: ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ المُشْرِكِينَ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تُشْرِكُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وجَمِيعُ الباقِينَ قَرَؤُوا بِالياءِ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ القِراءَةَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الحَرْفَيْنِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ في هَذِهِ والَّتِي بَعْدَها الأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ نِصاحٍ، والحُسْنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَرَأ عِيسى الأولى بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، والثانِيَةَ بِالياءِ مِن أسْفَلَ، وقَرَأهُما جَمِيعًا بِالتاءِ مِن فَوْقٍ أبُو العالِيَةِ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والجَحْدَرَيُّ، وقَدْ رَوى الأصْمَعِيُّ عن نافِعٍ التاءَ في الأُولى.

وقَوْلُهُ: ﴿ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴾ مَعْناهُ: تَنْزِيهًا لَهُ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ قالَ رِجالٌ مِنَ الكُفّارِ: إنَّ هَذا يَزْعُمُ أنَّ أمْرَ اللهِ قَدْ أتى، فَأمْسَكُوا عَمّا أنْتُمْ بِسَبِيلِهِ حَتّى نَنْظُرَ، فَلَمّا لَمْ يَرَوْا شَيْئًا عادُوا، فَنَزَلَتْ ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ  ﴾ ، فَقالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عادُوا فَنَزَلَتْ ﴿ وَلَئِنْ أخَّرْنا عنهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ  ﴾ الآيَةُ.

وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ أتى أمْرُ اللهِ ﴾ رَفَعُوا رُؤُوسَهم فَنَزَلَتْ ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي صادِقٍ أنَّهُ قَرَأ: "يا عِبادِي أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ"، و"سُبْحانَهُ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ" بِالياءِ وشَدَّ الزايِ، ورَجَّحَها الطَبَرِيُّ لِما فِيها مِنَ التَكْثِيرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِتَخْفِيفِ الزايِ مَكْسُورَةً وسُكُونِ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالنُونِ لِلْعَظَمَةِ وشَدِّ الزايِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالنُونِ وتَخْفِيفِ الزايِ وسُكُونِ النُونِ، وفي هَذِهِ والَّتِي قَبْلَها شُذُوذٌ كَثِيرٌ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "تَنَزَّلَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ النُونِ والزايِ وشَدِّها ورَفْعِ "المَلائِكَةَ" عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالياءِ مَضْمُومَةً وسُكُونِ النُونِ وفَتَحِ الزايِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْرَجُ بِفَتْحِ التاءِ ورَفْعِ "المَلائِكَةُ" عَلى أنَّها فاعِلَةٌ، ورَواها المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، و"المَلائِكَةَ" ها هَنا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "الرُوحِ" -فَقالَ مُجاهِدٌ: الرُوحُ: النُبُوَّةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الوَحْيُ، وقالَ قَتادَةُ: بِالرَحْمَةِ والوَحْيِ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كُلُّ كَلامِ اللهِ رُوحٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا  ﴾ ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الرُوحُ: شَخْصٌ لَهُ صُورَةٌ كَصُورَةِ بَنِي آدَمَ، ما نَزَلَ جِبْرِيلُ قَطُّ إلّا وهو مَعَهُ، وهم كَثِيرٌ، وهم مَلائِكَةٌ.

وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ سَنَدٌ، وقالَ الزَجّاجُ: الرُوحُ: ما تَحْيا بِهِ القُلُوبُ مِن هِدايَةِ اللهِ تَعالى لَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وكَأنَّ اللَفْظَةَ عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ بِالمُقايَسَةِ، أيْ: إنَّ هَذا الَّذِي أمَرَ الأنْبِياءَ أنْ يُنْذِرُوا بِهِ الناسَ مِنَ الدُعاءِ إلى التَوْحِيدِ هو بِالمُقايَسَةِ إلى الأوامِرِ الَّتِي هي في الأفْعالُ والعِباداتُ كالرُوحِ لِلْجَسَدِ، ألا تَرى قَوْلَهَ تَعالى: ﴿ أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا  ﴾ ، و"مَن" في هَذِهِ الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ الَّذِي قَدَّرْناهُ- لِلتَّبْعِيضِ، وعَلى سائِرِ الأقْوالِ لِبَيانِ الجِنْسِ.

و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿ عَلى مَن يَشاءُ ﴾ هي لِلْأنْبِياءِ، و"أنْ" في مَوْضِعِ خَفْضِ بَدَلٍ مِنَ "الرُوحِ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ الخافِضِ، عَلى تَقْدِيرِ: بِأنْ أنْذَرُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى "أيْ".

وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِيُنْذِرُوا"، وحَسُنَتِ النِذارَةُ هُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ في اللَفْظِ ما فِيهِ خَوْفٌ مِن حَيْثُ كانَ المُنْذِرُونَ كافِرِينَ بِالأُلُوهِيَّةِ، فَفي ضِمْنِ أمْرِهِمْ مَكانُ خَوْفٍ، وفي ضِمْنِ الإخْبارِ بِالوَحْدانِيَّةِ نَهْيٌ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ ووَعِيدٌ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما يُقالُ لِلْأنْبِياءِ بِالوَحْيِ عَلى المَعْنى، ولَمْ يَذْكُرْهُ عَلى لَفْظِهِ، لَأنَّهُ لَوْ ذَكَرَهُ عَلى اللَفْظِ لَقالَ: أنْ أنْذَرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللهُ، ولَكِنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى مَعْناهُ، وهَذا شائِعٌ في كُلِّ الأقْوالِ إذا حُكِيَتْ أنْ تُحْكى عَلى لَفْظِها، أو تُحْكى بِالمَعْنى فَقَطْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: " خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ " آيَةُ تَنْبِيهٍ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ" أيْ بِالواجِبِ اللائِقِ، وذَلِكَ أنَّها تَدُلُّ عَلى صِفاتٍ يَحِقُّ لِمَن كانَتْ لَهُ أنْ يَخْلُقَ ويَخْتَرِعَ ويُعِيدَ، وهي الحَياةُ والعِلْمُ والقُدْرَةُ والإرادَةُ النافِذَةُ، بِخِلافِ شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ لا يَحِقُّ لَهم شَيْءٌ مِن صِفاتِ الرُبُوبِيَّةِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ بِزِيادَةِ فاءِ: "فَتَعالى".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ ﴾ يُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسَ، وأخَذَ لَهُ الغايَتَيْنِ لِيَظْهَرَ لَهُ البُعْدُ بَيْنَهُما بِقُدْرَةِ اللهِ، ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لِقَوْلِ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ: "مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ؟" وقَوْلُهُ: "خَصِيمٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يَخْتَصِمُونَ في اللهِ، ويُجادِلُونَ في تَوْحِيدِهِ وشَرْعِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ سَلامٍ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أعَمَّ مِن هَذا، عَلى أنَّ الآيَةَ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ الذِهْنِ والبَيانِ عَلى البَشَرِ، ويَظْهَرُ أنَّها إذْ تَقَرَّرَ في خِصامِ الكافِرِينَ يَنْضافُ إلى العِبْرَةِ وعِيدٌ ما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني أيضاً.

وهو استدلال آخر على انفراده تعالى بالإلهية ووحدانيته فيها.

وذلك أنه بعد أن استدلّ عليهم بخلق العوالم العُليا والسفلى وهي مشاهدة لديهم انتقل إلى الاستدلال عليهم بخلق أنفسهم المعلوم لهم.

وأيضاً لما استدلّ على وحدانيته بخلق أعظم الأشياء المعلومة لهم استدلّ عليهم أيضاً بخلق أعجب الأشياء للمتأمّل وهو الإنسان في طَرْفَيْ أطواره من كونه نطفة مهينة إلى كونه عاقلاً فصيحاً مبيناً بمقاصده وعلومه.

وتعريف ﴿ الإنسان ﴾ للعهد الذهني، وهو تعريف الجنس، أي خلق الجنس المعلوم الذي تَدْعونه بالإنسان.

وقد ذُكر للاعتبار بخلق الإنسان ثلاثة اعتبارات: جنسُه المعلومُ بماهيته وخواصه من الحيوانية والناطقية وحسن القوام، وبقيةُ أحوال كونه، ومبدأ خلقه وهو النطفة التي هي أمهن شيء نشأ منها أشرف نوع، ومنتهى ما شرفه به وهو العقل.

وذلك في جملتين وشبه جملة ﴿ خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين ﴾ .

والخصيم من صيغ المبالغة، أي كثير الخصام.

و ﴿ مبين ﴾ خبر ثاننٍ عن ضمير ﴿ فإذا هو ﴾ ، أي فإذا هو متكلم مُفصح عما في ضميره ومُراده بالحقّ أو بالباطل والمنطق بأنواع الحجّة حتى السفسطة.

والمراد: الخصام في إثبات الشركاء، وإبطال الوحدانية، وتكذيب من يَدْعون إلى التوحيد، كما دل عليه قوله تعالى في سورة يس (77، 78): ﴿ أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ﴾ [سورة الحجر: 77 78].

والإتيان بحرف (إذا) المفاجأة استعارةٌ تبعية.

استعير الحرف الدال على معنى المفاجأة لمعنى ترتّب الشيء على غير ما يظن أن يترتبَ عليه.

وهذا معنى لم يُوضع له حرف.

ولا مفاجأةَ بالحقيقة هنا لأن الله لم يفجأه ذلك ولا فَجَأ أحداً، ولكن المعنى أنّه بحيث لو تدبر النّاظر في خلق الإنسان لترقب منه الاعتراف بوحدانية خالقه وبقدرته على إعادة خلقه، فإذا سمع منه الإشراك والمجادلة في إبطال الوحدانية وفي إنكار البعث كان كمن فجأة ذلك.

ولما كان حرف المفاجأة يدل على حصول الفَجْأة للمتكلم به تعيّن أن تكون المفاجأة استعارة تبعية.

فإقحام حرف المفاجأة جعل الكلام مفهماً أمرين هما: التعجيب من تطوّر الإنسان من أمهن حالة إلى أبدع حالة وهي حالة الخصومة والإبانة الناشئتين عن التفكير والتعقل، والدلالة على كفرانه النعمة وصرفه ما أنعم به عليه في عصيان المنعِم عليه.

فالجملة في حدّ ذاتها تنويه، وبضميمة حرف المفاجأة أدمجت مع التنويه التعجيب.

ولو قيل: فهو خصيم أو فكان خصيماً لم يحصل هذا المعنى البليغ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ الخَصِيمُ المُحْتَجُّ في الخُصُومَةِ، والمُبِينُ هو المُفْصِحُ عَمّا في ضَمِيرِهِ.

وَفي صِفَتِهِ بِذَلِكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَعْرِيفُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في إخْراجِهِ مِنَ النُّطْفَةِ المَهِينَةِ إلى أنْ صارَ بِهَذِهِ الحالِ في البَيانِ والمُكْنَةِ.

الثّانِي: لِيُعَرِّفَهُ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ في إخْراجِهِ إلى هَذِهِ الحالِ بَعْدَما خَلَقَهُ مِن نُطْفَةٍ مَهِينَةٍ.

الثّالِثُ: يُعَرِّفُهُ فاحْشَ ما ارْتَكَبَ مِن تَضْيِيعِ النِّعْمَةِ بِالخُصُومَةِ في الكُفْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَذَكَرَ الكَلْبِيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ الجُمَحِيِّ حِينَ أخَذَ عِظامًا نَخِرَةً فَذَراها وقالَ: أنُعادُ إذا صِرْنا هَكَذا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة النحل بمكة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.

وأخرج النحاس من طريق مجاهد، عن ابن عباس قال: سورة النحل نزلت بمكة سوى ثلاث آيات من آخرها فانهن نزلن بين مكة والمدينة في منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿ أتى أمر الله ﴾ ذعر أصحاب رسول الله، حتى نزلت ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فسكنوا.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن أبي بكر بن حفص قال: لما نزلت ﴿ أتى أمر الله ﴾ قاموا فنزلت ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ .

وأخرج ابن مردويه من طريق الضحاك، عن ابن عباس ﴿ أتى أمر الله ﴾ قال: خروج محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب قال: دخلت المسجد فصليت فقرأت سورة النحل، وجاء رجلان فقرآ خلاف قراءتنا، فأخذت بأيديهما فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: «يا رسول الله، استقرئ هذين فقرأ أحدهما فقال: أصبت.

ثم استقرأ الآخر فقال: أصبت.

فدخل قلبي أشدّ مما كان في الجاهلية من الشك والتكذيب، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري فقال: أعاذك الله من الشك والشيطان.

فتصببت عرقاً، قال: أتاني جبريل فقال: اقرأ القرآن على حرف واحد.

فقلت: إن أمتي لا تستطيع ذلك، حتى قال: سبع مرات.

فقال لي: اقرأ على سبعة أحرف، بكل ردة رددتها مسألة» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ﴾ قال رجال من المنافقين بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن أمر الله قد أتى فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى تنظروا ما هو كائن، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا: ما نراه نزل.

فنزلت ﴿ اقترب للناس حسابهم....

﴾ الآية.

فقالوا: إن هذا يزعم مثلها أيضاً، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا: ما نراه نزل شيء، فنزلت ﴿ ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدوة....

﴾ [ هود: 8] الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تطلع عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس، فما تزال ترتفع في السماء حتى تملأ السماء، ثم ينادي مناد: يا أيها الناس، فيقبل الناس بعضهم على بعض: هل سمعتم؟

فمنهم من يقول: نعم.

ومنهم من يشك.

ثم ينادي الثانية: يا أيها الناس، فيقول الناس: هل سمعتم؟

فيقولون: نعم.

ثم ينادي: أيها الناس ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالذي نفسي بيده، إن الرجلين لينشران الثوب فما يطويانه، وإن الرجل ليملأ حوضه فما يسقي فيه شيئاً، وإن الرجل ليحلب ناقته فما يشربه ويشغل الناس» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ﴾ قال: الأحكام والحدود والفرائض.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ينزل الملائكة بالروح ﴾ قال: بالوحي.

وأخرج آدم بن أبي أياس وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس قال: ﴿ الروح ﴾ أمر من أمر الله وخلق من خلق الله، وصورهم على صورة بني آدم.

وما ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد من الروح، ثم تلا ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ﴾ [ النبأ: 38] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن مجاهد في قوله: ﴿ ينزل الملائكة بالروح من أمره ﴾ قال: إنه لا ينزل ملك إلا ومعه روح كالحفيظ عليه، لا يتكلم ولا يراه ملك ولا شيء مما خلق الله.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ينزل الملائكة بالروح من أمره ﴾ قال: بالوحي والرحمة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: ﴿ ينزل الملائكة بالروح ﴾ قال: بالنبوة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن الضحاك في قوله: ﴿ ينزل الملائكة بالروح ﴾ قال: القرآن.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ ينزل الملائكة بالروح ﴾ قال: كل شيء تكلم به ربنا فهو روح ﴿ من أمره ﴾ قال: بالرحمة والوحي على من يشاء من عباده، فيصطفي منهم رسلاً.

﴿ أن أنذروا أنه لا اله إلا أنا فاتقون ﴾ قال: بها بعث الله المرسلين أن يوحد الله وحده، ويطاع أمره ويجتنب سخطه.

وأخرج ابن سعد وأحمد وابن ماجة والحاكم وصححه، عن يسر بن جحاش قال: بصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في كفه ثم قال: «يقول الله أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سوّيتك فعدلتك مشيت بين برديك، وللأرض منك وئيد.

فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: أتصدق وأنى أوان الصدقة» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ ﴾ ، قال أبو إسحاق: اختصر هاهنا، وذكر تقلبَ أحوال الإنسان في غير مكان من القرآن (١) قال ابن عباس: يريد إني خلقت، قال المفسرون: نزلت هذه الآية والتي في آخر سورة يس: ﴿ أوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ  ﴾ في قصة أُبي بن خلف وإنكاره البعث [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 200 أ، والسمرقندي 2/ 228، والثعلبي 2/ 154 أ، و"تفسير الماوردي" 3/ 179، عن الكلبي، وأورده المؤلف في "أسباب النزول" == ص 285، بلا سند، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 9، والزمخشري 2/ 321، وابن عطية 8/ 370، وابن الجوزي 4/ 428، و"تفسير القرطبي" 10/ 68، و"تفسير الخازن" 3/ 106.

ولا خلاف أن آية (يس) لها سبب نزول ثابت، وإن اختلف فيمن نزلت؛ أبي بن خلف، أم العاص بن وائل؛ وهو الصحيح [انظر: "المسندرك" للحاكم (2/ 429) وصححه].

لكن هذه الآية ليس لها سبب نزول مسند، وهو شرط في إثبات أسباب النزول، ويكفي لرد هذه الدعوى أنه ورد من طريق الكلبي وحاله معروف، وتشابه الآيتين لا يسوغ إثبات نزول إحداهما للأخرى، إلا إذا لم يُقصد بإطلاق لفظ نزلت هذه الآية ..

المعنى الاصطلاحي لأسباب النزول، وأريد التوسع في اللفظ كما فعلوا في النسخ.]].

وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ ، الخصيم بمعنى المخاصم، ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا  ﴾ ، هذا قول أهل اللغة.

قالوا: خصيمك الذي يخاصمك، وفعيل بمعنى مُفَاعل معروف؛ كالنسيب بمعنى المناسب، والعشير بمعنى المعاشر، والأكيل والشريب، ويجوز أن يكون خصيم فاعلًا من خَصِم يَخْصم بمعنى اختصم، وبه قرأ حمزة (٢) ﴿ تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُون ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿ مُبِينٌ ﴾ أي ظاهر، ومعناه: ظاهر الخصومة، ويجوز أن يكون مبين؛ أي يُبين عن نفسه الخصومة بالباطل، وذكر أهل المعاني لهذه الآية معنيين؛ أحدهما: أنه عرّفنا قدرته في إخراجه من النطفة ما هذه حاله وصفته، والثاني: أنه ذَكر فاحشَ ما ارتكب من تضييع حق نعمة الله بالخصومة في الكفر به (٤) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 190، بنصه.

(٢) قرأ حمزة: ﴿ يَخْصِمون ﴾ ساكنة الخاء خفيفة الصاد.

انظر: "السبعة" ص 541، و"المبسوط في القراءات" ص 312، و"تلخيص العبارات" ص 141، وقال في "شرح الهداية" 2/ 486، ومن قرأ ﴿ يَخْصِمون ﴾ فالمعنى: يخصم بعضهم بعضاً.

(٣) نقل الفخر الرازي هذا المقطع بنصه ونسبه للواحدي.

"تفسير الرازي" 19/ 226.

(٤) ورد بنحوه في "تفسير الماوردي" 3/ 179، عن الحسن، والطوسي 6/ 361.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أتى أَمْرُ الله ﴾ قيل: النصر على الكفار، وقيل: عذاب الكفار في الدنيا، ووضع الماضي موضع المستقبل لتحقق وقوع الأمر ولقربه، وروي أنها لما نزلت وثب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً فلما قال: فلا تستعجلوه سكن ﴿ يُنَزِّلُ الملائكة بالروح ﴾ أي بالنبوة وقيل بالوحي ﴿ خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ ﴾ أي من نطفة المني، والمراد جنس الإنسان ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ فيه وجهان أحدهما: أن معناه متكلم يخاصم عن نفسه، والثاني: يخاصم في ربه ودينه، وهذا في الكفار، والأول أعم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تشركون ﴾ وما بعده بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف.

والآخرون على الغيبة ﴿ تنزل ﴾ بالفتحات الثلاث ﴿ الملائكة ﴾ بالرفع: سهل وروح وزيد وأبو زيد مثله لكن بضم التاء الفوقانية: جبلة ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال ﴿ الملائكة ﴾ بالنصب: ابن كثير وأبو عمرو ورويس: والباقون بالتشديد من التنزيل.

﴿ بشق الأنفس ﴾ بفتح الشين: يزيد.

الباقون بكسرها ﴿ ننبت ﴾ بالنون: يحيى وحماد.

الآخرون بياء الغيبة ﴿ والشمس والقمر والنجوم مسخرات ﴾ كلها مرفوعات: ابن عامر وافق حفص والمفضل ﴿ في النجوم مسخرات ﴾ الباقون: بنصب الجميع على أن ﴿ مسخرات ﴾ حال.

﴿ يسرون ويعلنون ﴾ بالياء التحتانية فيهما: الخزاز عن هبيرة.

الآخرون بتاء الخطاب ﴿ يدعون ﴾ على الغيبة: سهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى.

الباقون على الخطاب.

الوقوف: ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ خلقها ﴾ ج لاحتمال تمام الكلام واحتمال أن يكون ﴿ لكم ﴾ متعلقاً به والوقف حينئذٍ على ﴿ لكم ﴾ ﴿ تأكلون ﴾ ه ص للعطف ﴿ تسرحون ﴾ ه ص لذلك ﴿ الأنفس ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا لأن ﴿ الخيل ﴾ مفعول ﴿ خلق ﴾ ﴿ وزينة ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ جائر ﴾ ط ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ تسيمون ﴾ ه ﴿ الثمرات ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط لمن قرأ ﴿ والشمس ﴾ وما بعده بالرفع ومن نصب ﴿ الشمس والقمر ﴾ ورفع ﴿ النجوم ﴾ وقف على ﴿ القمر ﴾ ومن نصب الكل وقف على ﴿ بأمره ﴾ ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ سخر ﴾ ﴿ ألوانه ﴾ ط ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ تلبسونها ﴾ ج لأن قوله ﴿ وترى ﴾ فعل مستأنف مع اتصال المعنى.

﴿ تشكرون ﴾ ه لا ﴿ تهتدون ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ وعلامات ﴾ عطف على ﴿ سبلاً ﴾ ﴿ وعلامات ﴾ ط ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ لا يخلق ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ لا تحصوها ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وما تعلنون ﴾ ه ﴿ وهم يخلقون ﴾ ه ط لأن التقدير: هم أموات ﴿ غير أحياء ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ وما يشعرون ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ واحد ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ مستكبرون ﴾ ه ﴿ وما يعلنون ﴾ ه ﴿ المستكبرين ﴾ ه.

التفسير: هذه السورة تسمى سورة النعم أيضاً، وحكى الأصم عن بعضهم أن كلها مدنية.

وقال الآخرون: من أولها إلى قوله: ﴿ كن فيكون ﴾ مدنية وما سواه مكي.

وعن قتادة بالعكس منه.

قال أهل النظم: إن رسول الله  كان يخوفهم بعذاب الدنيا تارة وهو القتل والاستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر، وتارة بعذاب القيامة.

ثم إن القوم لما لم يشاهدوا شيئاً من ذلك أقبلوا على تكذيبه وكانوا يستعجلون ما وعدوا به استهزاء.

وروي أنه لما نزلت ﴿ اقتربت الساعة  ﴾ قال الكفار فيما بينهم: إن هذا يزعم أن القيامة قد اقتربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن.

فلما تأخرت قالوا: ما نرى شيئاً فنزلت ﴿ اقترب للناس حسابهم  ﴾ فأشفقوا وانتظروا قربها، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فنزلت ﴿ أتى أمر الله ﴾ فوثب رسول الله  ورفع الناس رؤوسهم فنزلت ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فاطمأنوا.

والحاصل أن قوله: ﴿ أتى أمر الله ﴾ جواب عن شبهتهم إجراء لما يجب وقوعه مجرى الواقع كما يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها: جاءك الغوث فلا تجزع.

أو المراد أن ﴿ أمر الله ﴾ بذلك وحكمه قد وقع وأتى.

فأما المحكوم به فإنما لم يقع لأنه  حكم بوقوعه في وقت معين فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود فلا تسعجلوه ولا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت.

ثم إن المشركين كأنهم قالوا: هب يا محمد أنا سلمنا صحة ما تقول من أنه  حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة إلا أنا نعبد هذه الأصنام لأنها شفعاؤنا عند الله فكيف نستحق العذاب بسبب هذه العبادة؟

فأجاب الله عن هذه الشبه بقوله: {  وتعالى عما يشركون} كما مر في أول سورة يونس.

والمراد تنزيه نفسه عن الأضداد والأنداد وأن يكون لأحد من الأرواح والأجساد أن يشفع عنده إلا بإذنه، أو يستعجل في حكم من أحكامه، أو قضية قبل أوانه.

ثم إنهم كأنهم قالوا سلمنا أنه  أن يقضي على طائفة باللطف وعلى الآخرين.

بالقهر ولكن كيف صرت واقفا على أسرار الله  في ملكه وملكوته دوننا، من أين حصل لك هذا الفضل علينا؟

فأزال الله  شبهتهم بقوله: ﴿ ينزل الملائكة ﴾ الآية.

والمراد أن له بحكم المالكية أن يختص بعض عبيده بإنزال الوحي عليه ويأمره بأن يكلف سائر العباد بمعرفة توحيد الله وبعبادته، فظهر بهذا البيان أن هذه الآيات منتظمة على أحسن الوجوه.

قال الواحدي: روى عطاء عن ابن عباس أنه أراد بالملائكة ههنا جبرائيل وحده، وتسمية الواحد بالجمع إذا كان رئيساً مطاعاً جائزة.

وعلى هذا التفسير فالمراد بالروح كلام الله تعالى كقوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ قال المحققون: الروح الأصلي هو القرآن الذي فيه بيان المبدأ والوسط والمعاد، فبه يحصل إشراق العقل، وبالعقل يكمل ضياء جوهر الروح، وبالروح يكمل حال الجسد فهو الأصل والباقي فرع عليه وبهذه المناسبة يسمى جبرائيل روحاً وعيسى روحاً.

وعن أبي عبيدة أن الروح ههنا جبرائيل، والباء بمعنى "مع" أي تنزل الملائكة مع جبرائيل.

وذلك أنه في أكثر الأحوال كان ينزل ومعه أقوام من الملائكة كما في يوم بدر وحنين، وكان ينزل على رسول الله  ملك الجبال وملك البحار وخزان الجنة وغيرهم.

قال في الكشاف: ﴿ بالروح من أمره ﴾ أي بما يحيي القلوب الميتة بالجهل من وحيه، أو بما يقوم في الدين مقام الروح في الجسد وقال غيره: من أمره معناه أن ذلك التنزيل والنزول لا يكون إلا بأمر الله كقوله { ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك  ﴾ قال الزجاج: ﴿ أن أنذروا ﴾ بدل من "الروح" أي ينزلهم بأن أنذروا.

و"أن" إما مفسرة لأن تنزيل الوحي فيه معنى القول، وإما مخففة من الثقيلة وضمير الشأن مقدر أي بأن الشأن أقول لكم أنذروا أي أعلموا الناس قولي: ﴿ لا إله إلا أنا ﴾ وهو إشارة إلى استكمال القوة النظرية.

وقوله: ﴿ فاتقون ﴾ رمز إلى استكمال القوة العملية ومنه يعلم أن النفس متى كملت من هاتين الجهتين حصل لها روح حقيقي وحياة أبدية وسعادة سرمدية.

قال الإمام فخر الدين الرازي: إنا لا نعلم كون جبريل صادقاً ولا معصوماً من الكذب والتلبيس إلا بالدلائل السمعية، وصحة الدلائل السمعية موقوفة على صدق محمد  ، وصدقه يتوقف على أن هذا القرآن معجز من قبل الله لا من قبل شيطان خبيث، والعلم بذلك يتوقف على العلم بأن جبرائيل صادق مبرأ عن التلبيس وأفعال الشياطين، وحينئذٍ يلزم الدور وهذا مقام صعب.

أقول: قد ذكرنا مراراً أن الفرق بين المعجز والسحر هو أن صاحب المعجز يدعو إلى الخير، وصاحب السحر يدعو إلى الشر، والفرق بين الملك والشيطان هو أن الملك يلهم بالخير، والشيطان يوسوس بضده وإذا كان الأمر كذلك فكيف تشتبه المعجزة بالسحرة وجبرائيل بإبليس ومن أين يلزم الدور؟

ولما بين الله  أن روح الأرواح وروح الأجسام هو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل أن يعمل به، أتبعه دلائل التوحيد مبتدئاً من الأشرف وهو السماويات إلى الأدون - وهو الأرضيات - فقال: ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ وقد مر تفسير مثله مراراً.

وقوله: ﴿ تعالى عما يشركون ﴾ تنزيه لذاته عمن يشاركه في الأزلية والقدم والتدبير والتأثير والصنع والإبداع.

فالفائدة المطلوبة من هذا الكلام غير الفائدة المطلوبة من مثله في أول السورة كما ذكرنا فلا تكرار.

ثم إن أشرف الأجسام بعد الفلكيات بدن الإنسان فلهذا عقب المذكور بقوله: ﴿ خلق الإنسان من نطفة ﴾ قالت الأطباء: إن الغذاء إذا وصل إلى المعدة حصل له هناك هضم، وإذا وصل إلى الكبد حصل له فيها هضم ثانٍ، وفي العروق له هضم ثالث، وفي جواهر الأعضاء هضم رابع، وحينئذٍ يصير جزءاً من العضو المغتذى شبيهاً به، ثم عند استيلاء الحرارة على البدن وقت هيجان الشهوة يحصل ذوبان لجملة الأعضاء وتجتمع منه النطفة في أوعيتها، وعلى هذا تكون النطفة جسماً مختلفة الأجزاء والطبائع، وإن كانت تخيل في الحس أنها متشابهة الأجزاء.

وكيفما كان فالمقتضي لتولد البدن منها ليس هي الطبيعة الحاصلة لجوهر النطفة ودم الطمث، لأن الطبيعة تأثيرها بالذات والإيجاب لا بالتدبير والاختيار، والقوّة الطبيعة إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون فعلها هو الكرة.

وعلى هذا الحرف عول الحكماء في قولهم: البسائط يجب أن تكون أشكالها الطبيعة في الكرة، وإذا عملت في مادة مختلفة الأجزاء وكل مركب فإنه ينحل إلى بسائط فإنه يلزم أن يكون الحيوان على شكل كرات مضموم بعضها إلى بعض، وكلا الأمرين غير مطابق للواقع، فعلمنا أن حدوث هذه الأعضاء على هذا الترتيب الخاص ليس بالطبيعة وإنما هو بتدبير الفاعل المختار وهو الله  ، وكيف لا والنطفة رطوبة سريعة الاستحالة؟

فالأجزاء الموجودة فيها لا تحفظ الوضع والنسبة، فالجزء الذي هو مادة الدماغ يمكن حصوله في الأسفل، والجزء الذين هو مادة القلب قد يحصل في الفوق، فلا يكون حدوث أعضاء الحيوان على هذا الترتيب الخاص دائماً ولا أكثرياً، وحيث كان كذلك علمنا أن حدوثها بإحداث مدبر مختار.

ثم إن نزلنا عن جميع هذه المراتب فلا خلاف بين الحكم وبين المتكلم أن الطبيعة خرقاء وأنها ليست واجبة الوجود لذاتها فلا بد من الانتهاء الى الصانع الحكيم الخبير.

أما قوله: ﴿ فإذا هو خصم مبين ﴾ فقد ذكروا فيه وجهين: الأول فإذا هو منطيق مجادل عن نفسه مبين للحجة بعد أن كان نطفة لا حس به ولا حراك.

وتقرير ذلك أن النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل فهماً وذكاء من نفوس سائر الحيوانات، ألا ترى أن ولد الدجاجة كما يخرج من البيضة يعرف الصديق من العدو فيهرب من الهرة ويلتجىء إلى الأم ويميز بين الغذاء الذي يوافقه والذي لا يوافقه.

وحال الطفل بخلاف ذلك فانتقاله من تلك الحالة الخسيسة إلى أن يقوى على معرفة الإلهيات والفلكيات والعنصريات وعلى إيراد الشكوك والشبهات على النتائج والمقدمات إنما يكون بتدبير إله مختار قدير ينقل الأرواح من النقصان إلى الكمال ومن الجهالة إلى المعرفة.

الوجه الثاني أن المراد فإذا هو خصيم لربه منكر على خالقه قائل من يحيي العظام وهي رميم.

فعلى الوجه الأول جوز أن يكون الخصيم "فعيلاً" بمعنى "مفاعل" كالأكيل والشريب، وأن يكون بمعنى مختصم، وعلى الوجه الثاني تعين كونه بمعنى "مفاعل" والترجيح من الوجهين للأول بناء على أن هذه الآيات مسوقة لتقرير الدلائل على وجود الصانع الحكيم وقدرته لا لأجل وصف الإنسان بالتمادي في القحة والكفران.

وقد يرجح الثاني بما روي أن أبيّ بن خلف الجمحي جاء بعظم رميم إلى رسول الله صلى الله عليه فقال: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم؟

فنزلت.

ثم أردف تكوين الإنسان بتكوين الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في ضروراته من الأكل والركوب وجر الأثقال وفي غير الضروريات من الأغراض الصحيحة كالتزيين والجمال فقال: ﴿ والأنعام خلقها ﴾ هي الأزواج الثمانية المذكورة في سورة الأنعام وهي: الضأن والمعز والإبل والبقر.

وإن شئت قلت: الإبل والبقر والغنم.

قال في الكشاف: وأكثر ما يقع هذا اللفظ على الإبل: قلت: ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله بعد ذلك: ﴿ وتحمل أثقالكم ﴾ لأن هذا الوصف لا يليق إلا بالإبل.

وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر.

ويجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ الإنسان ﴾ أي خلق الإنسان والأنعام.

ثم قال: ﴿ خلقها لكم ﴾ أي ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان.

قال صاحب النظم: وأحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: ﴿ خلقها ﴾ بدليل أنه عطف عليه قوله: ﴿ ولكم فيها جمال ﴾ والدفء اسم ما يدفأ به كالملء اسم ما يملأ به وهو الدفاء من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر.

قال الجوهري: الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها، والدفء أيضاً السخونة.

وقوله: ﴿ ومنافع ﴾ قالوا: المراد نسلها ودرّها، والمنافع بالحقيقة أعم من ذلك فقد ينتفع بها في البيع والشراء بالنقود والأثواب وبسائر الحاجات.

أما قوله: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ بتقديم الظرف المؤذن بالاختصاص فلأن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في مآكلهم عادة، وأما الأكل من غيرها كالدجاج وصيد البر والبحر فكغير المعتد به الجاري مجرى التفكه، ويحتمل أن يراد أن غالب أطعمتكم إنما يحصل منها لأنكم تحرثون بالبقر وتكتسبون بإكراء الإبل وتشترون بنتاجها وألبانها وجلودها جميع ما تشتهون من الأطعمة.

قوله: ﴿ حين تريحون ﴾ الإراحة رد الإبل إلى مراحها حيث تأوي إليه ليلاً ويقال: سرح القوم إبلهم سرحاً إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى.

وقدم الإراحة لأن الجمال فيها أظهر حين تقبل ملأى البطون حافلة الضروع ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها.

قوله: ﴿ بشق الأنفس ﴾ من قرأ بفتح الشين فمعناه المشقة فيكون مصدر شق الأمر عليه شقاً وحقيقته راجعة إلى الشق الذي هو الصدع.

ومن قرأ بالكسر فمعناه النصف كأنه يذهب نصف قوته لما يناله من الجهد.

قال جار الله.

معنى المضي في قوله: ﴿ لم تكونوا ﴾ راجع إلى الفرض والتقدير: أي لو لم يخلق الإبل لم تكونوا إلا كذلك.

وإنما لم يقل "لم تكونوا حامليها إلى ذلك البلد" ليطابق قوله: ﴿ وتحمل أثقالكم ﴾ لأجل المبالغة كأنه قيل: قد علمتم أنكم لا تبلغونه بأنفسكم إلا بجهد ومشقة وذهاب قوة فضلاً أن تحملوا على ظهوركم أثقالكم ويجوز أن يكون العائد إلى الأثقال محذوفاً أي لم تكونوا بالغيها إلا بالشق، أو المراد بالأثقال الأجساد، عن ابن عباس أنه فسر البلد بمكة إلى اليمن وإلى الشام وإلى مصر، قال الواحدي: هذا قوله والمراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير إبل شق عليكم.

وخص ابن عباس هذه البلاد لأنها أكثر متاجر أهل مكة ﴿ إن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ وإلا لم يخلق هذه الحوامل لأجل تيسير هذه المصالح.

احتج منكرو الكرامات بالآية على امتناع طي الأرض كما ينقل عن بعض الأولياء.

والجواب أن الامتناع العادي لا ينافي الإمكان الذاتي.

﴿ والخيل والبغال والحمير ﴾ معطوفات على الأنعام أي وخلق هؤلاء للركوب والزينة فانتصب على أنه مفعول له معطوف على محل ﴿ لتركبوها ﴾ وإنما لم يقل و "لتتزينوا بها" ليكون المعطوف والمعطوف عليه على سنن واحد لأن الركوب فعل المخاطبين، وأما الزينة ففعل الزائن وهو الخالق.

والتحقيق فيه أن الركوب أحد الأمور المعتبرة في المقصود بخلاف التزين بالشيء فإنه قلما يلتفت إليه أرباب الهمم العالية لأنه يورث العجب والتيه غالباً وكأنه قال: خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود بالذات.

احتجت المعتزلة القائلون بأن أفعال الله معللة بالمصالح بأن قوله: ﴿ لتركبوها ﴾ يقتضي أن هذه الحيوانات مخلوقة لهذه المصلحة.

والجواب أن استتباع الغاية والفائدة مسلم ولكن التعليل ممنوع، واحتج الحنفية بالآية على تحريم لحوم الخيل من وجوه: أحدها إفراد هذه الأنواع الثلاثة بالذكر فيجب اشتراك الكل في الحكم، لكن البغال والحمير محرمان فكذا الخيل.

ثانيها أن منفعة الأكل أعظم منة من الركوب والتزين فلو كان أكل لحم الخيل جائزاً لكان هذا المعنى أولى بالذكر.

وثالثها أن قوله فيما قبل: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ يقتضي الحصر فيجب أن لا يجوز أكل ما عدا الأنعام إلا بدليل منفصل والأصل عدمه ورابعها أن قوله: ﴿ لتركبوها ﴾ يقتضي أن تمام المقصود من خلق هذه الأشياء الثلاثة هو الركوب والزينة، فلو كان حل أكلها مقصوداً لزم أن يكون ما فرض تمام المقصود بعض المقصود هذا محال.

والجواب أن تحريم الخيل محل النزاع وتحريم الحمير بنص الكتاب ممنوع لما روي عن جماعة من الصحابة أنه  نهى عام خيبر عن لحوم الحمر الأهلية.

فلو كان للآية دلالة على تحريم لحم الخيل لفهموه منها قبل ذلك العام لأن الآية مكية عند الأكثرين، ولو فهموا التحريم قبل ذلك لم يبقَ لتخصيص التحريم بهذه السنة فائدة.

وإذا لم يكن الحمير والخيل محرمين لم يكن لتحريم البغال المتولدة منهما وجه.

وأيضاً كون معظم المنة في الأكل بالنسبة إلى هذه الأنواع ممنوع بل الركوب والزينة هما أعظم المنافع فيها ولهذا جعلا تمام المقصود منها، فكأنما أعطى الأكثر والمعظم حكم الكل.

واقتضاء الحصر في قوله: ﴿ ومنها تأكلون ﴾ ممنوع بل لعل الظرف قدم لرعاية الفاصلة.

ثم إن أنواع الغرائب والعجائب المخلوقة في هذا العالم لا حد لها ولا حصر فلهذا أشار إلى ما بقي منها على سبيل الإجمال فقال: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ أي كنهه وتفاصيله بل نوعه وجنسه فإن مركبات العالم السفلي وغرائب العالم العلوي لا يعلمها إلا موجدها.

روى عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال: إن عن يمين العرش نهراً من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة، يدخل فيه جبرائيل  كل سحر ويغتسل فيزداد نوراً إلى نوره وجمالاً إلى جماله، ثم ينتفض فيخلق الله  من كل نقطة تقع من رأسه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور، وفي الكعبة أيضاً سبعون ألفاً ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.

وقيل: المراد ما خلق في الجنة والنار مما لم يبلغه فيهم أحد ولا وهمه.

ولما ذكر بعض دلائل التوحيد بين أنه إنما ذكرها إزاحة للعذر وإزالة للشبهة ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة فقال: ﴿ وعلى الله قصد السبيل ﴾ ذكر صاحب الكشاف أن السبيل للجنس والقصد مصدر بمعنى الفاعل يقال: قصد وقاصد أي مستقيم كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه، والجور الميل عن الاستقامة.

احتجت المعتزلة بالآية على مسألتين من أصولهم: إحداهما أنه يجب على الله  الإرشاد والهداية لأن كلمة، "على" للوجوب والمضاف محذوف أي وعلى الله بيان قصد السبيل؛ فالمعنى أن هداية الطريق الموصل إلى الحق واجبة عليه.

والثانية أنه لا يضل أحداً ولا يغويه وإلا لقيل وعلى الله قصد السبيل وعليه جائرها أو وعليه الجائر فلما غير أسلوب الكلام قائلاً: ﴿ ومنها جائر ﴾ دل على أنه أراد أن يبين ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز.

والجواب عن الأول بعد تسليم إفادة كلمة "على" الوجوب أنه وجوب بحسب الفضل والكرم لا بمعنى استحقاق الذم على الترك.

وعن الثاني أن دلالة قوله: ﴿ ومنها جائر ﴾ على ما ذكرتم ليست دلالة المطابقة ولا التضمن ولا الالتزام، لأن قول القائل "من السبيل سبل منحرفة" لا يفيد إلا الإخبار بوجود الانحراف في بعض السبيل، فأما أن فاعل تلك السبيل من هو فلا دلالة للكلام عليه أصلاً على أن قوله: ﴿ ولو شاء لهداكم أجمعين ﴾ يناقض ما ادعيتم.

وتفسير المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر أو بالهداية إلى الجنة خلاف الظاهر كما مر مراراً.

ولما استدل على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال الحيوانات أراد أن يذكر الاستدلال على المطلوب بغرائب أحوال النبات فقال: ﴿ هو الذي أنزل من السماء ماء ﴾ وقوله: ﴿ لكم ﴾ متعلق بأنزل أو بشراب خبراً له.

والشراب ما يشرب كالطعام لما يطعم والمراد أن الماء النازل من السماء قسمان: بعضه يبقى لأجل الشرب كما هو ويحتمل أن يكون الماء المحتبس في الآبار والعيون منه كقوله: ﴿ فأسكناه في الأرض ﴾ \[المؤمنون: 18\] وبعضه يحصل منه شجر يرعاه المواشي.

قال الزجاج: كل ما ينبت من الأرض فهو شجر لأن التركيب يدل على الاختلاط ومنه تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض، ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ وفيما له ساق.

وقال ابن قتيبة: المراد بالشجر في الآية الكلأ.

وفي حديث عكرمة "لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت" أراد الكلأ.

وقيل الشجر كل ما له ساق كقوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان  ﴾ والعطف يقتضي التغاير، فلما كان النجم ما لا ساق له وجب أن يكون الشجر ما له ساق، وأجيب بأن عطف الجنس على النوع جائز، وبأن قوله: ﴿ فيه تسيمون ﴾ من سامت الماشية إذا رعت وأسامها صاحبها وهو من السومة العلامة لأنه تؤثر بالرعي علامات في الأرض يقتضي أن يكون الشجر هو العشب ليمكن الرعي.

ورد بأن الإبل قد تقدر على رعي الأشجار الكبار.

وحين ذكر مرعى الحيوان أتبعه ذكر غذاء الإنسان فقال: ﴿ ينبت لكم به الزرع ﴾ الذي هو الغذاء الأصلي ﴿ والزيتون ﴾ الذي هو فاكهة من وجه وغذاء من وجه لكثرة ما فيه من الدهن ﴿ والنخيل والأعناب ﴾ اللتين هما أشرف الفواكه.

ثم أشار إلى الثمرات بقوله: ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ كما أجمل الحيوانات التي لم يذكرها بقوله: ﴿ ويخلق ما لا تعلمون ﴾ قال في الكشاف: إنما لم يقل و "كل الثمرات" بل زاد "من" التبعيضية لأن كلها لا يكون إلا في الجنة.

واعلم أنه قدم الغذاء الحيواني على الغذاء النباتي لأن النعمة فيه أعظم لأنه أسرع تشبيهاً ببدن الإنسان، وفي ذكر الغذار النباتي قدم غذاء الحيوان - وهو الشجر - على غذاء الإنسان - وهو الزرع وغيره - بناء على مكارم الأخلاق وهو أن يكون اهتمام الإنسان بحال من تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه، وإنما عكس الترتيب في قوله: ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ بناء على ما هو الواجب في نفس الأمر كقوله  : "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" قوله: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار ﴾ معنى تسخيرهما للناس تصييرهما نافعين لهم بحسب مصالحهم على سنن واحد يتعاقبان دائماً كالعبد المطواع، وكذا الكلام في تسخير الشمس والقمر والنجوم كما في "الأعراف" وفي سورة إبراهيم.

وهذا حسم لمادة شبهة من يزعم أن حركات الأفلاك هي المقتضية لتعاقب الليل والنهار ومسيرات الكواكب هي المستدعية للحوادث السفليات، فإنه إن سلم لهم ذلك فلا بد لتلك الحركات والمسيرات من الانتهاء إلى صانع قديم منزه عن التغير والإمكان مبرإ عن الحدوث والنقصان وهو الله  .

﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾ قال جار الله: جمع الآية وذكر العقل لأن آثار العلو أظهر دلالة على القدرة الباهرة وأبين شهادة للكبرياء والعظمة.

وقال غيره: إنما جمع الآيات لتطابق قوله: ﴿ مسخرات ﴾ ومثله في هذه السورة في موضع آخر ﴿ مسخرات في جوّ السماء ما يمكسهن إلا الله إن في ذلك لآيات  ﴾ وأقول: إنما جمع لأن كلاً من تسخيراً الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم آية في نفسها لتباين الليل والنهار وتخالف مسيرات الكواكب كما هو مقرر في علم الهيئة بخلاف قوله ﴿ ينبت لكم ﴾ فإن مطلق الإنبات آية واحدة.

وكذا قوله: ﴿ وما ذرأ لكم في الأرض ﴾ أي خلق لكم فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك: ﴿ مختلفاً ألوانه ﴾ فإن ذرء هذه الأشياء على حالة اختلاف الألوان والأشكال مع تساوي الكل في الطبيعة الجسمية وفي تأثير الفلكيات فيها، آية واحدة على وجود الصانع  شأنه، ولست أدعي إلا إمكان هذه الاعتبارات وإلا: ففي كل شيء آية تدل على أنه واحد.

وإنما خص المقام الأول بالتفكر لإمكان إيراد الشبهة المذكورة، وخص المقام الثاني بالعقل لذكره بعد إماطة الشبهة وإزاحة العلة، فمن لم يعترف بعدها بالوحدانية فلا عقل له.

وخص المقام الثالث بالتذكر لمزيد الدلالة فمن شك بعد ذلك فلا حس له.

ومن جملة الآيات التي هي في الحقيقة إنعامات على الإنسان تسخير البحر بالركوب عليه والانتفاع به أكلاً ولبساً.

والمراد باللحم الطريّ السمك.

قال ابن الأعرابي: لحم طريّ غير مهموز ومصدره طراوة.

يقال: شيء طريّ أي غض بين الطراوة.

وقال قطرب: طرو اللحم وطري طراوة والمراد في الآية السمك وما في معناه.

قال في الكشاف: وصفه بالطراوة لأن الفساد يسرع إليه فيسارع إلى أكله خيفة الفساد عليه.

وقال المتكلمون: إنه لما خرج من البحر المالح الزعاق الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة، علم أنه لم يحدث بحسب الطبع بل حدث بقدرة الله  وحكمته بحيث أظهر الضد من الضد.

قال أكثر الفقهاء ومنهم أبو حنيفة والشافعي: من حلف أن لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث لأن اللحم لا يتناوله عرفاً.

ومبنى الأيمان على العرف والعادة.

ولهذا لو قال لغلامه: اشتر لحماً فجاء بالسمك كان حقيقاً بالإنكار عيله.

ورد عليهم الإمام فخر الدين الرازي بأنه إذا قال لغلامه: اشتر لحماً فجاء بلحم العصفور كان حقيقاً بالإنكار مع أنكم تقولون إنه يحنث بأكل لحم العصفور.

فثبت أن العرف مضطرب والرجوع إلى نص القرآن متعين فليس فوق بيان الله بيان.

ولقائل أن يقول: لعل الإنكار في هذه الصورة بعد تسليمه إنما جاء من قبل ندرة شراء العصفور أو شراء لحمه فإنه إنما يشترى كله ولم يجىء من إطلاق اللحم على لحمه.

ومن منافع البحر استخراج الحلية منه قالوا: أراد بالحلية اللؤلؤ والمرجان، والمراد بلبسهم لبس نسائهم لأنهن من جملتهم ولأن تزيينهن لأجلهم.

ولقائل أن يقول: لا مانع من تزيين الرجال باللآلىء ونحوها شرعاً فلا حاجة إلى هذه التكلف.

استدل الإمام فخر الدين بالآية في إبطال قول الشافعية إنه لا زكاة في الحلى قال: لأن اللام فيما يروى عنه  أنه قال: "لا زكاة في الحلى" تنصرف إلى المعهود السابق ولا معهود إلا ما في الآية من الحلية فصار معنى الحديث: لا زكاة في اللآلىء.

وهذا باطل بالاتفاق.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن تكون اللام للجنس فتشمل المصوغ من الذهب والفضة أيضاً فيكون الحديث مخصصاً بالآية إن ثبت صحته؟

ومن عجائب البحر ومنافعه قوله  : ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ قال أهل اللغة: مخر السفينة شقها الماء بصدرها.

وعن الفراء صوت دويّ الفلك بالرياح.

وقال ابن عباس: مواخر أي جواري.

وإنما حسن هذا التفسير لأنها لا تشق الماء إلا إذا كانت جارية: وقوله: ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ أي تتجروا فيه فتطلبوا الربح من فضل الله وإذا وجدتم فضله وإحسانه فلعلكم تقدمون على شكره.

واعلم أن قوله: ﴿ مواخر فيه ﴾ جاء على القياس لأن موضع الظرف المتعلق بمواخر بعد مضي مفعولي "ترى"، وأما في سورة الملائكة فقدم الظرف ليكون موافقاً لقوله: ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ ولتقدم الجار في قوله: ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ حذف لفظة "منه" هناك.

الواو في ﴿ ولتبتغوا ﴾ في هذه السورة للعطف على لام العلة في ﴿ لتأكلوا ﴾ وقوله: ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ اعتراض في السورتين يجري مجرى المثل ولهذا وحد الخطاب في قوله: ﴿ وترى ﴾ وقبله وبعده جمع "أي لو حضرت أيها المخاطب لرأيته بهذه الصفة.

ويمكن أن يقال: إنما قال في الملائكة ﴿ فيه مواخر ﴾ بتقديم الظرف لئلا يفصل بين لام العلة وبين متعلقها وهو مواخر، وليكتنف المتعلق المتعلقان.

وإنما بنينا الكلام على أن قوله: ﴿ فيه ﴾ متعلق بـ ﴿ مواخر ﴾ لا بـ ﴿ ترى ﴾ لقرب هذا وبعد ذاك والله أعلم.

قوله: ﴿ أن تميد بكم ﴾ أي كراهة أن تميد الأرض بكم والباء للتعدية أو للمصاحبة.

والميد الحركة والاضطراب يميناً وشمالاً.

يروى أنه  خلق الأرض فجعلت تمور فقالت الملائكة: ما هي بمقرّ على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر الملائكة مم خلقت.

قال جمهور المفسرين: إن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء فإنها تميل من جانب إلى جانب وتضطرب، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة في تلك السفينة استقرت على وجه الماء فهكذا الأرض تستقر على الماء بسبب ثقل الجبال.

واعترض عليه بأن السفينة إنما تضطرب على الماء لتخلخلها وخفتها بسبب الهواء الداخل في تجاويف الخشب ومسامها، أما الأرض فجسم كثيف ثقيل من شأنها الرسوب في الماء على ما هو مشاهد من حال أجزائها المنفصلة عنها.

فإن كان طبيعة الكل كذلك فكيف يعقل طفوّها حتى توجب الجبال إرساءها وثباتها، وإن لم تكن طبيعة الكل كذلك حتى تكون طافية مائدة وقد أرساها الله  بالجبال، فالرسو والرسوخ إنما يتصور على جسم واقف وليس إلا الماء فينقل الكلام إلى وقوف الماء في حيزه المعين.

فإن كان بحسب الطبيعة فهذا خلاف التقدير لأنا نفينا القول بالطبائع الموجبة لهذه الأحوال، وإن لم يكن بالطبع بل كان واقفاً بتخليق الفاعل المختار وتسكينه في حيزه المخصوص فلم لا نقول مثله في تسكين الأرض؟

هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ونسب المقام إلى الصعوبة والإشكال واستخرج لحله وجهاً مبنياً على قوانين الحكمة، وهو أن الأرض جسم كروي، والكرة إذا كانت صحيحة الاستدارة فإنها تتحرك بأدنى سبب، فلما أحدث الله  على وجه الكرة هذه الخشونات الجارية مجرى الأوتاد منعتها عن السلاسة والحركة.

قلت: في هذا الحال خلل.

أما أولاً فلكونه مبنياً على غير قواعد أهل التفسير، وأما ثانياً فلما ثبت في الحكمة أن نسبة أعظم جبل في الأرض وهو ما ارتفاعه فرسخان وثلث فرسخ إلى جميع الأرض كنسبة خمس سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع، ولا ريب أن ذلك القدر من الشعيرة لا يخرج الكرة المذكورة عن صحة الاستدارة بحيث يمنعها عن سلاسة الحركة، فكذا ينبغي أن يكون حال الجبال بالنسبة إلى كرة الأرض.

والجواب الصحيح على قاعدة أهل الشرع أن يقال: لا نسلم أن الأرض بكليتها لها طبيعة موجبة لحالة من الأحوال، وعلى تقدير التسليم فلا نسلم أن لها طبيعة الرسوب بل لعل طبيعتها الطفوّ فلهذا احتاجت إلى الرواسي.

وأما قوله: "لم أوقف الله الماء في حيزه ولم يوقف الأرض من غير إرساء" فلا يخفى سقوطه مع القول بالفاعل المختار، فللوسائط والأسباب مدخل في الأمور العادية، وإن لم نقل بتأثيرها، هذا وإن حركة الأرض عند الزلازل لا تنافي حكم الله بعدم اضطرابها لأن إثبات الحركة لجزء الشيء لا ينافي نفيها عن كله.

وشبهوا الزلزلة وهي حركة قطعة من الأرض لاحتقان البخارات في داخلها وطلبها المنفذ باختلاج يحصل في جزء معين من بدن الحيوان.

قوله  : ﴿ وأنهاراً ﴾ معطوف على ﴿ رواسي ﴾ أي وجعل فيها رواسي وأنهاراً لأن الإلقاء ههنا بمعنى الجعل والخلق كقوله: ﴿ وألقيت عليك محبة مني  ﴾ وكذا قوله ﴿ وسبلاً ﴾ أي أظهرها وبينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم.

ولما ذكر أنه أظهر في الأرض سبلاً معينة ذكر أنه أظهر في تلك السبل علامات مخصوصة وهي كل ما يستدل به السابلة من جبل وسهل وغير ذلك.

يحكى أن جماعة يشمون التراب فيعرفون به الطرقات.

قال الأخفش: تم الكلام عند قوله: ﴿ وعلامات ﴾ وقوله ﴿ وبالنجم هم يهتدون ﴾ كلام منفصل عن الأول.

والمراد بالنجم الجنس كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس.

وعن السدي هو الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي.

قال بعض المفسرين: أراد بقوله ﴿ هم يهتدون ﴾ أهل البحر لتقدم ذكر البحر ومنافعه، وقيل: أراد أعم من ذلك فأهل البر أيضاً قد يحصل لهم الاهتداء بالنجوم في الطرق والمسالك، وفي معرفة القبلة، وإنما جيء بالضمير الغائب لعوده إلى السائرين الدال عليهم ذكر السبل.

وقال في الكشاف: كأنه أراد قريشاً فقد كان لهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم وكان لهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم فكان الشكر أوجب عليهم والاعتبار ألزم لهم فخصصوا بتقديم النجم.

وإقحام لفظ ﴿ هم ﴾ كأنه قيل: وبالنجم خصوصاً هؤلاء يهتدون.

ثم لما عدد الآيات الدالة على الصانع ووحدانيته واتصافه بجميع صفات الكمال أراد أن يوبخ أهل الشرك والعناد فقال: ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق ﴾ أي كالأصنام التي لا تخلق شيئاً إلا أنه أجراها مجرى أولي العلم فأطلق عليها لفظ "من" التي هي لأولي العقل بناء على زعمهم أنها آلهة، أو لأجل المشاكلة بينه وبين من يخلق، أو أراد أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده، أو أراد كل ما عبد من دون الله مغلباً فيه أولو العلم منهم.

واعلم أنه أهل البيان يقولون: إن المشبه به يجب أن يكون أقوى وأتم في وجه الشبه من المشبه ليلتحق الأضعف بالأقوى في وجه الشبه كقولك "وجهه كالقمر".

ولا ريب أن الخالق أقوى من غير الخالق فكان حق النظم في الظاهر أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق.

والقرآن ورد على العكس.

ووجهه عند العلماء زيادة التوبيخ ليكون كأنهم جعلوا غير الخالق أقوى حالاً وأعرف من الخالق.

قال في الكشاف: إنهم جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبهوه بها حين جعلوا غيره مثله في التسمية والعبادة فأنكر عليهم ذلك، ولوضوح كون هذا الأمر منكراً عند من له أدنى عقل بل حس قال ﴿ أفلا تذكرون ﴾ وفيه مزيد توبيخ وتجهيل لأنه لجلائه كالحاصل الذي يحصل عند العقل بأدنى تذكر ومع ذلك هم عنه غافلون.

قال بعض الأشاعرة.

في الآية دلالة على أن العبد غير خالق لأفعال نفسه لأن الآية سيقت لبيان امتيازه بصفة الخالقية.

أجابت المعتزلة بأن المراد أفمن يخلق ما تقدم ذكره من السموات والأرض والإنسان والحيوان والنبات والبحار والجبال والنجوم.

أو نقول: معنى الآية أن كل ما كان خالقاً يكون أفضل ممن لا يكون خالقاً، وهذا القدر لا يدل على أن كل من كان خالقاً فإنه يجب أن يكون إلهاً نظيره قوله: ﴿ ألهم أرجل يمشون بها  ﴾ أراد به أن الإنسان أفضل من الصنم والأفضل لا يليق به عبادة الأخس فكذا ههنا.

وقال الكعبي في تفسيره: نحن لا نطلق لفظ الخالق على العبد ومن أطلق ذلك فقد أخطأ إلا في مواضع ذكرها الله  كقوله: ﴿ وإذ تخلق من الطين  ﴾ فعلى هذا لا يتوجه عليهم السؤال إلا أن أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد حتى إن أبا عبد الله البصري قال: إطلاق لفظ الخالق على العبد حقيقة وعلى الله مجاز لأن الخلق عبارة عن التقدير وهو الظن والحسبان.

ثم لما فرغ من تعديد الآيات التي هي بالنسبة إلى الملكلفين نعم قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ وقد مر تفسيره في سورة إبراهيم.

قال العقلاء: إن كل جزء من أجزاء البدن الإنساني لو ظهر فيه أدنى خلل لنغص العمر على الإنسان وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل.

ثم إنه  يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الملائم له غالباً مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا بمصالحه ومفاسده، فليكن هذا المثال حاضراً في ذهنك وقس عليه سائر نعم الله  حتى تعرف تقصيرك وقصورك عن شكر أدنى نعمة فضلاً عن جميعها، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ يغفر التقصير الصادر عنكم في أداء شكر النعمة ويرحمكم حيث لا يقطعها عنكم بالتفريط ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها.

كانوا مع اشتغالهم بعبادة غير الله يسرون ضروباً من الكفر والمكايد في حق الرسول  فأوعدهم بقوله: ﴿ والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ﴾ وفيه أيضاً تعريض وتوبيخ بسبب أن الإله يجب أن يكون عالماً بالسر والعلانية، والأصنام التي عبدوها جمادات لا شعور لها أصلاً فكيف يحسن عبادتها.

ثم زاد في التوبيخ فقال: ﴿ والذين يدعون ﴾ أي الآلهة الذين يدعونهم الكفار ﴿ من دون الله لا يخلقون شيئاً ﴾ وقد ذكر هذا المعنى في قوله: ﴿ كمن لا يخلق ﴾ وزاد ههنا قوله: ﴿ وهم يخلقون ﴾ أي بخلق الله أو بالنحت والتصوير وهم لا يقدرون على نحو ذلك فهم أعجز من عبدتهم، ففي هذه الآية زيادة بيان لأنه نفى عنهم صفة الكمال وأثبت صفة النقصان.

وكذلك قوله: ﴿ أموات غير أحياء ﴾ يستلزم ذمهم مرتين لأن من الأموات ما يعقب موته حياة كالنطفة والجسد الإنساني الذي فارقه الروح، وأما الحجارة فأموات لا تقبل الحياة أصلاً.

وفيه أن الإله الحق يجب أن يكون حياً لا يعقبه موت وحال هذه الأصنام بالعكس.

وفيه أن هؤلاء الكفار في غاية الغباوة وقد يقرر المعنى الواحد مع الغبي الجاهل بعبارتين مختلفتين تنبيهاً على بلادته ﴿ وما يشعرون ﴾ الضمير فيه للآلهة.

أما الضمير في ﴿ أيان يبعثون ﴾ فإما للآلهة أيضاً ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن الله  يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بالكل إلى النار، وإما للداعين أي لا يشعر الآلهة متى يبعث عبدتهم فيكون فيه تهكم بالمشركين من حيث إن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم؟!

وفيه أنه لا بد من البعث وأنه من لوازم التكليف، وإما للأحياء أي لا يعلم هؤلاء الآلهة متى تبعث الأحياء تهكماً بحلها لأن شعور الجماد محال فكيف بشعور ما لا يعلمه حي إلا الحي القيوم  ؟

وجوز في الكشاف أن يراد بالذين يدعوهم الكفار الملائكة، لأن ناساً منهم كانوا يعبدونهم.

ومعنى أنهم ﴿ أموات ﴾ أي لا بد لهم من الموت ﴿ غير أحياء ﴾ أي غير باقية حياتهم ولا علم لهم بوقت بعثهم.

ولما زيف طريقة عبدة الأصنام صرح بما هو الحق في نفس الأمر فقال: ﴿ إلهكم إله واحد ﴾ ثم ذكر ما لأجله أصر الكفار على شركهم فقال: ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ﴾ للوحدانية أو لكل كلام يخالف هواهم ﴿ وهم مستكبرون ﴾ عن قبول الحق وذلك أن المؤمن بالعبث والجزاء يؤثر فيه الترغيب والترهيب فينقاد للحق أسرع، وأما الجاحد للمعاد فلا يقبل إلا ما يوافق رأيه ويلائم طبعه فيبقى في ظلمة الإنكار ﴿ لا جرم ﴾ أي حقاً ﴿ أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ فيجازيهم على ما أسروا من الاستكبار وأعلنوا من العناد ﴿ إنه لا يحب المستكبرين ﴾ عن التوحيد فيختص بالمشركين أو كل مستكبر فيدخل هؤلاء دخولاً أوّلياً لأن الكلام فيهم.

التأويل: الناس طبقات ثلاث: الغافلون والخطاب معهم بالعتاب إذا كانوا مشتاقين إلى الدنيا.

وزخارفها وهم أصحاب النفوس، والعاقلون والخطاب معهم بوعد الثواب لرغبتهم في الطاعات والأعمال الصالحات وهم أرباب العقول، والعاشقون والخطاب معهم بوصل رب الأرباب لاشتياقهم إلى جمال ذي الجلال.

فحين قال في الأزل ﴿ أتى أمر الله ﴾ استعجل أرواح كل طبقة منهم للخروج من العدم إلى الوجود لنيل المقصود وطلب المفقود فخاطبهم بقوله: ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ فإنه سيصيب في كل طبقة منكم ما كتب له في القسمة الأزلية: والله  منزه عن أن يشاركه في الحكم أحد فلا مبدل لكلماته.

﴿ بالروح من أمره ﴾ أي بما يحيي القلوب من المواهب الربانية من أمره الوارد على الجوارح بالتكاليف الشرعية وعلى النفوس بآداب الطريقة، وعلى القلوب بالإشارات، وعلى الأرواح بملازمة الحضرة للمكاشفات، وعلى الأسرار بالمراقبات للمشاهدات وعلى الخفيات بتجلي الصفات لإفناء الذوات.

﴿ على من يشاء من عباده ﴾ من الأنبياء والأولياء ﴿ أن أنذروا ﴾ أعلموا أوصاف وجودكم ببذلها في أنانيتي ﴿ أنه لا إله إلا أنا فاتقون ﴾ عن أنانيتكم بأنانيتي.

﴿ خلق ﴾ سموات الأرواح وأرض الأشباح وجعلها مظهراً لأفاعيله.

فهو الفاعل لما يظهر على الأرواح والأشباح ﴿ تعالى عما يشركون ﴾ الأرواح والأشباح في إحالة أفاعيله إلى غيره ﴿ خلق الإنسان من نطفة ﴾ لا علم لها ولا فعل ﴿ فإذا هو خصيم مبين ﴾ يدعي الشركة معه في الوجود.

والأفاعيل والأنعام أي الصفات الحيوانية ﴿ خلقها لكم فيها دفء ﴾ لأنها المودعة في جبلتكم ﴿ ومنافع ومنها تأكلون ﴾ باستفادة بدل ما يتحلل ﴿ ولكم فيها جمال ﴾ في أوقات الفترات وأزمنة الاستراحات ﴿ وتحمل ﴾ أثقال أرواحكم وهي أعباء الأمانة إلى بلد عالم الجبروت ﴿ إن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ .

إذا أفنيتم أنفسكم في جبروته يبقيكم ببقاء عظموته ﴿ والخيل والبغال والحمير ﴾ أي صفاتها خلقت فيكم لأنها مراكب الروح عند السير إلى عالم الجبروت ﴿ وزينة ﴾ عند رجوعه بالجذبة إلى مستقره الذي أهبط منه ﴿ ويخلق ﴾ فيكم حينئذٍ ﴿ ما لا تعملون ﴾ وهو قبول فيض الله بلا واسطة.

وعلى الله قصد السبيل} بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ﴿ ومنها جائر ﴾ يعني نفوسكم تحيد عن الفناء وبذل الوجود ﴿ هو الذي أنزل ﴾ من سماء الكرم ماء الفيض ﴿ منه شراب ﴾ المحنة لقلوبكم ﴿ ومنه شجر ﴾ القوى البشرية ودواعيها ﴿ فيه ﴾ ترعون مواشي نفوسكم ﴿ ينبت لكم ﴾ زرع الطاعات وزيتون الصدق ونخيل الأخلاق الحميدة وأعناب الواردات الربانية، ومن كل ثمرات المعقولات والمشاهدات والمكاشفات.

﴿ وسخر لكم ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس الروح وقمر القلب ونجوم الحواس والقوى، وتسخيرها استعمالها على وفق الشريعة وقانون الطريقة ﴿ وما ذرأ لكم ﴾ في أرض جبلتكم من الاستعدادات يتلون في كل عالم بلونه من عوالم الملكية والشيطانية والحيوانية ﴿ وسخر لكم ﴾ بحر العلوم ﴿ لتأكلوا منه ﴾ الفوائد الغيبية السنية الطرية ﴿ وتستخرجوا منه ﴾ جواهر المعاني فيلبس بها أرواحكم النور والبهاء.

وترى فلك الشرائع والمذاهب جواري في بحر العلوم لتبتغوا الأسرار الخفية عن الملائكة.

وألقى في أرض البشرية جبال الوقار والسكينة لئلا تميد بكم صفات البشرية عن جادّة الشريعة والطريقة، وأنهاراً من ماء الحكمة وسبلاً إلى الهداية والعناية، وعلامات من الشواهد والكشوف، وبنجم الجذبة الإلهية هم يهتدون فيخرجون من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي.

أفمن يخلق الله فيه هذه الكمالات كمن لا يخلقها فيه من الملائكة وغيرهم ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها  ﴾ وهي قسمان: نعمة الأعطاف وهي ما يتعلق بوجود النعمة ظاهرة وباطنة، ونعمة الألطاف وهي ما يتعلق بوجود المنعم من الذوات والصفات ﴿ والله يعلم ما تسرون ﴾ من أداء شكر نعمه بالقلوب ﴿ وما تعلنون ﴾ من أداء الشكر بالأجساد ﴿ والذين يدعون من دون الله ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ لا يخلقون شيئاً ﴾ من المنافع ﴿ وهم يخلقون ﴾ بتعب الطالب في تحصيلها ولهذا قال: ﴿ أموات غير أحياء وما يشعرون أيان ﴾ يبعثها دواعي البشرية ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ بما في عالم الغيب ﴿ قلوبهم منكرة ﴾ لأهل الحق لأنهم لا يتجاوزون عالم الحس ﴿ يعلم ما يسرون ﴾ من الإنكار ﴿ وما يعلنون ﴾ من الاستكبار..

الله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قد ذكرنا قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ في غير موضع أنه لم يخلقهما وما فيهما عبثاً، إنما خلقهم لأمر كائن، أو للمحنة، والجزاء، ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .

من [لا يخلق، ولا ينفع]، ولا يضر، ولا يدفع في الذي يخلق، وينفع، ويضّر، ويدفع  عن ذلك وتبرأ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ .

يذكرهم - عز وجل - نعمه عليهم، وقدرته، وسلطانه، وعلمه؛ لأنه لو اجتمع الخلائق كلهم؛ على أن يدركوا المعنى الذي به تصير النطفة نسمة وإنساناً - ما قدروا عليه حيث خلق من النطفة إنساناً على أحسن تقويم؛ وأحسن صورة.

وفيه نقض قول الدهرية؛ حيث أنكروا خلق الشيء من لا شيء؛ لأنهم لم يدركوا المعنى الذي به خلق الإنسان من النطفة؛ فيلزمهم أن يقروا بخلق الشيء من لا شيء، وإن لم يشاهدوا ذلك ولم يدركوا، وفيه دلالة البعث؛ لأن من قدر على إنشاء الإنسان من النطفة؛ وليس فيها من آثار الإنسان شيء يقدر على البعث وإنشاء الأشياء؛ لا من شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ خَصِيمٌ ﴾ : هو الذي يجادل بالباطل ﴿ مُّبِينٌ ﴾ : أي: ظاهر مجادلته بالباطل ومخاصمته.

وقال بعضهم: الخصيم: هو الجدل الذي يجادل فيما كان.

قال أبو عوسجة: الخصيم: هو المخاصِم، والمخاصَم كلاهما خصيم، ويقال: فلان [خصيمي أي:] خصمي.

مبين: ظاهر خصومته، والخصيم: هو الفعيل، والفعيل: قد يستعمل في موضع الفاعل والمفعول جميعاً؛ فكأنه قال: فإذا هو خصيم مبين: أي: منقطع عن الخصومة؛ بيّن انقطاعه، وهو ما ذكر من خصومته في آية أخرى؛ وانقطاع حجته؛ حيث قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ  وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ  ﴾ فهذا احتجاج عليه؛ فانقطعت حجته، وبهت الذي أنكر قدرته على البعث؛ حيث لم يتهيأ له جواب ما احتج عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ على الظاهر؛ أن خلق هذه الأشياء وخلق لنا فيها دفئاً ومنافع؛ كقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ : أي: هو خلقها، ثم أخبر أنه خلق لنا فيها منافع يذكر أنواع المنافع والنعم التي أنعم علينا، مفسرة مبينة، واحدة بعد واحدة؛ في هذه السورة، وفي غيرها من السور، إنما ذكرها مجملة غير مشار إلى كل واحدة منها؛ على ما أشار في هذه السورة؛ ليقوموا بشكرها، وليعلموا قدرته على خلق الأشياء لا من الأشياء.

ثم قوله: ﴿ فِيهَا دِفْءٌ ﴾ : قال بعضهم: الدفء نسل كل دابة.

وقال بعضهم: ما ينتج منه.

وقال القتبي: الدفء ما استدفأت به، ويشبه أن يكون تفسير الدفء والمنافع الذي ذكر هو ما فسّر في آية أخرى؛ وهو قوله: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ...

﴾ الآية [النحل: 80] جعل الله - عز وجل - الأنعام وما ذكر وقاية لجميع أنواع الأذى من السماوي وغيره؛ مما يهيج من الأنفس من الحرّ، والبرد، والجوع، وغير ذلك مما يكثر عدها، ويطول ذكرها، وجعل فيها منافع كثيرة: من الركوب، والشرب، والأكل؛ كما قال: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ  ﴾ وقال: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ ﴾ \[المؤمنون: 21\] وأخبر أيضاً أن فيها جمالا وزينة؛ بقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ .

فإن قال قائل: أي جمال يكون لنا فيها حين الإراحة وحين السرح.

وقال بعض أهل التأويل: وذلك أنه أعجب ما يكون؛ إذا راحت عظاماً ضروعها، طوالا أسنمتها.

﴿ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ إذا سرحت لرعيها.

أو أن يكون الجمال عند الإراحة والسرح: شرب ألبانها، وقرى الضيف من ألبانها؛ في الرواح والمساء.

وقال بعضهم قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ : وذلك أنهم كانوا يسّرون عند الإراحة والتسريح، وذلك السرور يظهر في وجوههم؛ فإذا ظهر ازداد لهم جمالا وحسناً، وهكذا المعروف في الناس: أنهم إذا سروا يظهر ذلك السرور في وجوههم؛ فيزداد لهم بذلك جمالاً، وإذا حزنوا وأصابهم غم - يؤثر ذلك الغم نقصاناً في خلقتهم؛ فيزداد لهم قبحاً وتشويهاً.

وقال بعضهم: إنهم إذا أراحوها أو سرّحوها رأى الناس أن أربابها أهل غنى؛ وأهل ثروة، وأنهم لا يحتاجون [إلى غيرهم، وأن] يكون لغير إليهم حاجة؛ فيكون لهم بذلك ذكر عند الناس وشرف، وذلك جمالهم وشرفهم فيها، والجمال لهم فيها ظاهر؛ لأن ما يبسط ويفرش إنما يتخذ منها ومن أصوافها، وكذلك ما يلبس إنما يكون منها، وإنما يبسط، ويفرش، ويلبس للتجمل والبهاء.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ ﴾ .

ذكر أيضاً ما جعل [فيها لنا] من النعم ما تحمل من الأثقال، من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد؛ ما لو لم يكن أنشأهن أعني: الأنعام التي أخبر أنها تحمل أثقالنا إلى ذلك بدونه إلا بجهد وشدة، وذلك - والله أعلم - أن الله جعل في هذه الأنفس حوائج وقواماً ما لا قوام لها إلا بذلك؛ فلعله لا يظفر بما به قوام النفس إلا في بلد آخر أو مكان آخر، فلو تحمل ذلك بنفسه - لكان في ذلك تلف نفسه، وذهاب ما به قوامه، فذكر أنه خلق لنا ما نحمل به من بلد إلى بلد؛ مما به قوام أنفسنا وحاجاتنا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ أي: من رحمته ورأفته ما جعل لكم من المنافع في الأنعام؛ وما ذكر، أو ذكر هذا ليرحموا على هذه الأنعام التي خلقها لهم؛ في الإنفاق عليها، والإحسان إليها؛ وذكر فيه: ﴿ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ وذلك لا يوصل إلى أكله إلا بالذبح؛ ليعلم أن الذبح فيما يؤكل ليس بخارج من الرحمة والرأفة.

وذلك ينقض على الثنوية قولهم؛ حيث أنكروا ذبح هذه الأشياء ويقولون: إنهم يتألمون [بالضرب، والقتل، والذبح]؛ كما تتألمون أنتم، فمن قصد أحدكم بالقتل فهو سفيه عندكم غير حكيم ولا رحيم، بل موصوف بالقساوة والسفه، فالله  موصوف بالحكمة، والرحمة، والرأفة، لا يجوز أن يأمر بالذبح والقتل لهذه الأشياء؛ إذ ذلك مما يزيل الرحمة والحكمة.

فيجاب لهم بوجوه: أحدها: أن الله خلق هذا البشر في هذه الدنيا للمحنة ولعاقبة قصدها، إمّا ثواباً وإمّا عقاباً، وأخبر أنه خلق هذه الأشياء لنا، وجعل لنا فيها منافع، تتأمل وتقصد، وقد نجد في الشاهد من هو موصوف بالرحمة والرأفة على نفسه، يجرح نفسه الجراحات، ويحمل عليها الشدائد والمكروهات؛ لمنافع تقصد وخير يتأمل في العاقبة، ثم لم يوصف بالسفه، ولا بالخروج عن الحكمة والرحمة، من نحو الحجامة والافتصاد، وشرب الأدوية الكريهة الشديدة ما لو لم يتأمل ما قصد من النفع والعافية في العاقبة؛ ما تحمل تلك المكروهات والشدائد، فدل ما وصفنا أن تحمل الأذى، والألم، والمكروه - غير خارج عن الحكمة والرحمة، ولا الفعل بما فعل سفه؛ إذا كان لمنافع تقصد في العاقبة، وعاقبة تتأمل.

فيبطل قول الثنوية: أن ذلك مما يزيل الرحمة؛ على أن هذه الأنعام والبهائم لم تخلق للمحنة وللجزاء في العاقبة؛ ولكن خلقت لمنافع البشر؛ فلهم الانتفاع بها؛ مرة بلحومها، ومرة بحمل أثقالهم والانتفاع بظهورها، مع ما ذكرنا أن [تحمل المكروهات وأنواع الشدائد] والآلام - لا تخرج الفعل عن الحكمة، ولا تزيل الرحمة والرأفة [إذا قصد به النفع] في العاقبة، وطمع فيه الخير.

وهذا يدل أنه أبيح لنا الانتفاع بها؛ والذبح على غير جعل حقيقتها لنا؛ حيث لم يبح لنا إتلافها؛ إذ لو كان أصول الأشياء لنا لكان لا يمنع عن الإتلاف، فدل أنه أبيح لنا الانتفاع بها على غير جعل الحقيقة والأصول لنا، فيبطل قول من يقول: إن الأشياء في الأصل على الحل والإباحة حتى يقوم ما يحظر.

قال أبو عبيد: ﴿ حِينَ تُرِيحُونَ ﴾ يقال منه: أرحت الإبل أريحها إراحة، والإراحة عند العرب: أن يصدر الرعاء مواشيها بالليل إلى مآويها؛ ولهذا سمي ذلك الموضع: المراح.

وقوله: ﴿ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ هو إخراجها إلى المرعى؛ يقال: سرحتها، أسرحها سرحاً وسروحاً.

وكذلك قال القتبي وأبو عوسجة.

والدفء: ما ذكرنا أنه من الاستدفاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾ .

قوله: ﴿ وَزِينَةً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن الماشي هو دون الراكب، والمشي يؤثر نقصاناً في الوجه والركوب لا، وذلك زينة؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ ﴾ .

والثاني: أن الراكب إذا نظر إلى الماشي سرّ بركوبه، فالسرور يظهر في وجهه، وذلك يزيد في حسنه وجماله، وأصله: ما ذكر - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ...

﴾ الآية [النحل: 5] ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾ بيّن أنه لماذا خلق الأنعام وما جعل فيها؛ وهو ما ذكر: أنه جعل فيها الدفء والمنافع ومنها تأكلون، وبيّن أنه لماذا خلق الخيل؛ وهو ما ذكر: لتركبوها وزينة.

وسئل ابن عباس: عن لحوم الخيل؟

فقرأ: ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا ﴾ ولم يقل: لتأكلوها؛ فكره أكلها لذلك.

وتمام هذا أن الله ذكر الأنعام، وما ذكر من النعم والانتفاع بها، وبالغ في ذكرها؛ لأنه قال: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ وقال: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ...

﴾ الآية، وقال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ  ﴾ وقال: ﴿ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ  ﴾ وقال: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، ذكر جميع ما ينتفع به؛ من أنواع المنافع ذكراً شافياً مبالغاً غير مكفيّ، فدل ما ذكر في الخيل من الركوب، وكذلك في البغال والحمير؛ على أنه ليس فيها منفعة أخرى سوى ما ذكر؛ وهو الركوب؛ إذ خرج الذكر لها على المبالغة والاستقصاء؛ ليس على الاكتفاء، ولو كان هنالك منفعة أخرى لذكر على ما ذكر في غيره.

والله أعلم.

والثاني من الأشياء: أشياء يعرف خبثها؛ بنفار الطباع، والصبيان أوّل ما بلغوا يرغبون في ركوبها، لا أحد يرغب في أكلها إلا من غير طبعه عما كان مجبولا به؛ فهو يرغب في أكله، وأما من ترك وطبعه يستخبث وينفر طبعه عن أكله.

والله أعلم.

وروي عن جابر قال: "لما كان يوم خيبر أصاب الناس مجاعة، وأخذوا الحمر الأهلية فذبحوها، فحرم رسول الله  لحوم الحمر الإنسية، ولحوم الخيل والبغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وحرم الخلسة والنهبة" .

وروي عن جابر  عن النبي  خلاف ذلك قال: "أطعمنا رسول الله  لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر" .

وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: "نحرنا فرساً في عهد رسول الله  فأكلنا" .

وفي بعض الأخبار: "أن رسول الله  نهى عن لحوم الحمر وأذن لنا في لحوم الخيل" .

قلنا: قد يجوز أن يكونوا أكلوه في الحال التي كان يؤكل فيها الحمر؛ لأن النبي إنما نهى عن أكل لحوم الخيل صحيحاً، فقد يجوز أن يكونوا أكلوا لحم الفرس في حال الإباحة؛ إذ لم يذكروا الوقت.

وعن الحسن قال: كان أصحاب رسول الله  يأكلون لحوم الخيل في مغازيهم، وكان الحسن لا يرى فيها بأساً على كل حال، وقول الحسن: إنهم كانوا [يأكلون لحوم الخيل] في مغازيهم يدل على أنهم كانوا يأكلونها في حال الضرورة.

روي عن النبي  أنه قال: "الخيل لثلاثة: فهي لرجل كذا، ولرجل آخر كذا، وعلى رجل وزر" .

يبيّن أنها لا تصلح لغير ذلك، ولو صلحت للأكل لقال: الخيل لأربعة؛ ولقال: ولرجل طعام.

ومما يبين ما ذكرنا: أن البغل حرام؛ وهو من الفرسة؛ فلو كانت أمه حلالا كان هو أيضاً حلالا؛ لأن حكم الولد حكم أمه؛ لأنه منها أو هو كبعضها، فمن حرم لحم البغل لزمه أن يحرم لحم الفرسة في حكم النظر والمقاييس؛ ألا ترى أن حمار وحش لو نزا على حمارة أهلية لم يؤكل ولدها، ولو أن حماراً أهليّاً نزا على حمارة وحشية؛ فولدت أكل ولدها، أفلا ترى أنه جعل حكم الولد حكم أمه؛ ولم يعتبر بالفحل، فلما كان لحم البغل حراماً وجب أن يكون لحم الفرسة كذلك.

إلا أن أبا حنيفة - رحمه الله - كان لا يطلق تحريم أكلها؛ لما فيها من الشبهة، والاختلاف، والأحاديث المروية عن رسول الله  ؛ لكنه ذكر الكراهة للشبهة التي فيها؛ وكان أبو يوسف - رحمه الله - يبيح أكلها.

وقد يجوز أن يحتج لأبي يوسف؛ في الفرق بين المولود من الفرسة وبين ولد الحمارة الوحشية إذا نزا عليها حمارٌ أهلي بأن ولد الحمارة لم يتغير عن جنس أمه؛ فحكمه حكمها، والبغل ليس من جنس أمه؛ هو من جنس ثالث، فلذلك لم يكن سبيلها بسبيله.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

أخبر أنه يخلق ما لا نعلم؛ فليس لنا أن نتكلف في علم ذلك.

أو يخلق من النعم - فيما خلق - ما لا تعلمون أنتم أنها نعم.

أو قال: يقول قوم: أن ليس لله أن يخلق شيئاً لا يطلعه الممتحن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: أي: على الله بيان قصد السبيل، وهو الهدى: يبين الهدى من الضلالة، ويبين من السبل التي تفرقت عن سبيله؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ أي: عليه بيان ما يجوز منها؛ من قصد السبيل يعدل ويجار، أو يقال: وبالله يوصل إلى قصد السبيل.

وقال بعضهم: ﴿ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ ﴾ أي: وبالله يوصل بقصد السبيل؛ وهي السبل التي ذكرنا، ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ كقوله: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ  ﴾ .

وقال بعضهم: طريق الحق والعدل لله، وقد يستعمل حرف (على) مكان (له) كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ  ﴾ أي: للنصب وقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ  ﴾ أي: لربهم، كقوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ [ ﴿ وَمِنْهَا جَآئِرٌ ﴾ : وهي السبل المتفرقة عن سبيله].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ .

قد ذكرنا تأويله، وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: لو شاء أكرم الخلق كله اللطف الذي أكرم أولياءه؛ فاهتدوا به؛ فيهتدون.

والثاني: لو شاء أعطاهم جميعاً الحال التي يكون بها الاهتداء؛ وهو ما قال: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً  ﴾ إلى آخر ما ذكر؛ لما لا يحتمل أنه إذا كان ذلك مع الكفار لكفروا جميعاً، وإذا كان تلك الحال للمسلمين لا يسلمون.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

خلق الإنسان من نطفة مَهِينة، فنما خلقًا من بعد خلق، فإذا هو شديد الجدال بالباطل ليطمس به الحق، مبين في جداله به.

<div class="verse-tafsir" id="91.pN83w"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله