الآية ٦٦ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٦٦ من سورة النحل

وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةًۭ ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍۢ وَدَمٍۢ لَّبَنًا خَالِصًۭا سَآئِغًۭا لِّلشَّـٰرِبِينَ ٦٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 133 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٦ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٦ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( وإن لكم ) أيها الناس ( في الأنعام ) وهي : الإبل والبقر والغنم ، ( لعبرة ) أي : لآية ودلالة على قدرة خالقها وحكمته ولطفه ورحمته ، ( نسقيكم مما في بطونه ) وأفرد هاهنا [ الضمير ] عودا على معنى النعم ، أو الضمير عائد على الحيوان ; فإن الأنعام حيوانات ، أي نسقيكم مما في بطن هذا الحيوان .

وفي الآية الأخرى : ( مما في بطونها ) [ المؤمنون : 21 ] ويجوز هذا وهذا ، كما في قوله تعالى : ( كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره ) [ المدثر : 54 ، 55 ] وفي قوله تعالى : ( وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون فلما جاء سليمان ) [ النمل : 35 ، 36 ] أي : المال .

وقوله : ( من بين فرث ودم لبنا خالصا ) أي : يتخلص الدم بياضه وطعمه وحلاوته من بين فرث ودم في باطن الحيوان ، فيسري كل إلى موطنه ، إذا نضج الغذاء في معدته تصرف منه دم إلى العروق ، ولبن إلى الضرع وبول إلى المثانة ، وروث إلى المخرج ، وكل منها لا يشوب الآخر ولا يمازجه بعد انفصاله عنه ، ولا يتغير به .

وقوله : ( لبنا خالصا سائغا للشاربين ) أي : لا يغص به أحد .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وإن لكم أيها الناس لعظة في الأنعام التي نُسقيكم مما في بطونه.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( نُسْقِيكُمْ) فقرأته عامة أهل مكة والعراق والكوفة والبصرة، سوى عاصم ؛ ومن أهل المدينة أبو جعفر ( نُسْقِيكُمْ) بضمّ النون.

بمعنى: أنه أسقاهم شرابًا دائمًا.

وكان الكسائيّ يقول: العرب تقول: أسقيناهم نَهْرا ، وأسقيناهم لبنا: إذا جعلته شِرْبا دائما، فإذا أرادوا أنهم أعطوه شربة قالوا: سقيناهم فنحن نَسْقِيهم بغير ألف ؛ وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة سوى أبي جعفر، ومن أهل العراق عاصم (نَسْقِيكم) بفتح النون من سَقاه الله ، فهو يَسْقيه ، والعرب قد تدخل الألف فيما كان من السَّقي غير دائم ، وتنـزعها فيما كان دائمًا، وإن كان أشهر الكلامين عندها ما قال الكسائيّ، يدلّ على ما قلنا من ذلك، قول لَبيد في صفة سحاب: سَــقَى قَـوْمي بَنِـي مَجْـدٍ وأسْـقَى نُمَــيْرًا والقَبَــائِلَ مِــنْ هِــلالِ (1) فجمع اللغتين كلتيهما في معنى واحد ، فإذا كان ذلك كذلك، فبأية القراءتين قرأ القارئ فمصيب، غير أن أعجب القراءتين إليّ قراءة ضمّ النون لما ذكرت من أن أكثر الكلامين عند العرب فيما كان دائما من السقي أسقى بالألف فهو يُسْقِي، وما أسقى الله عباده من بطون الأنعام فدائم لهم غير منقطع عنهم.

وأما قوله ( مِمَّا فِي بُطُونِهِ ) وقد ذكر الأنعام قبل ذلك، وهي جمع والهاء في البطون موحدة، فإن لأهل العربية في ذلك أقوالا فكان بعض نحويِّي الكوفة يقول: النَّعم والأنعام شيء واحد، لأنهما جميعًا جمعان، فردّ الكلام في قوله ( مِمَّا فِي بُطُونِهِ ) إلى التذكير مرادًا به معنى النَّعم، إذ كان يؤدي عن الأنعام ، ويستشهد لقوله ذلك برجز بعض الأعراب: إذا رأيْــتَ أنْجُمــا مــنَ الأسَـدْ جَبْهَتـــهُ أوِ الخَـــرَاة والكَتَــدْ بــال سُـهَيْلٌ فِـي الفَضِيـخِ فَفَسَـدْ وطــابَ ألْبــانُ اللِّقــاحِ فَــبَرَدْ (2) ويقول: رجع بقوله " فبرد " إلى معنى اللبن، لأن اللبن والألبان تكون في معنى واحد ، وفي تذكير النعم قول الآخر: أكُـــلَّ عــامٍ نَعَــمٌ تَحْوُونَــهُ يُلْقحُــــهُ قَـــومٌ وتَنْتِجُونَـــهُ (3) فذكر النعم ؛ وكان غيره منهم يقول: إنما قال ( مِمَّا فِي بُطُونِهِ ) لأنه أراد: مما في بطون ما ذكرنا وينشد في ذلك رَجزا لبعضهم: مِثْلُ الفِراخِ نُتِفَتْ حَوَاصِلُهُ (4) وقول الأسود بن يَعْفُر: إنَّ المَنِيَّـــةَ والحُــتُوفَ كلاهُمــا يُــوفي المَخـارمَ يَرْقُبـانِ سَـوَادِي (5) فقال: كلاهما، ولم يقل: كلتاهما ؛ وقول الصَّلَتان العَبْدِيّ: إنَّ السَّــماحَةَ والمُــرُوءَة ضُمِّنــا قَـبْرًا بمَـرْوَ عـلى الطَّـرِيقِ الوَاضِحِ (6) وقول الآخر: وعَفْـرَاءُ أدْنَـى النَّـاس مِنِّـي مَـوَدَّةً وعَفْـرَاءُ عَنّـي المُعْـرِضُ المُتَـوَانِي (7) ولم يقل: المعرضة المتوانية ؛ وقول الآخر: إذا النَّــاسُ نــاسٌ والبِـلادُ بغِبْطَـةٍ وَإذْ أُمُّ عَمَّــارٍ صَــديقٌ مُسـاعِفُ (8) ويقول: كل ذلك على معنى هذا الشيء وهذا الشخص والسواد، وما أشبه ذلك ، ويقول: من ذلك قول الله تعالى ذكره فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي بمعنى: هذا الشيء الطالع.

وقوله كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ولم يقل ذكرها، لأن معناه: فمن شاء ذكر هذا الشيء.

وقوله وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ ولم يقل جاءت .

وكان بعض البصريين يقول: قيل ( مِمَّا فِي بُطُونِهِ ) لأن المعنى: نسقيكم من أيّ الأنعام كان في بطونه ، ويقول: فيه اللبن مضمر، يعني أنه يسقي من أيها كان ذا لبن، وذلك أنه ليس لكلها لبن، وإنما يُسقى من ذوات اللبن.

والقولان الأوّلان أصحّ مخرجا على كلام العرب من هذا القول الثالث.

وقوله ( مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا ) يقول: نسقيكم لبنا، نخرجه لكم من بين فرث ودم خالصا: يقول: خلص من مخالطة الدم والفرث ، فلم يختلطا به ( سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ) يقول: يسوغ لمن شربه فلا يَغَصّ به كما يَغَصّ الغاصّ ببعض ما يأكله من الأطعمة.

وقيل: إنه لم يَغصّ أحد باللبن قَطُّ.

------------------------ الهوامش : (1) البيت للبيد (لسان العرب: سقى) قال: السقي: معروف، والاسم: السقيا بالضم.

وسقاه الله الغيث وأسقاه، وقد جمعهما لبيد في قوله: "سقى قومي".

وقال الفراء في معاني القرآن: (174) العرب تقول لكل ما كان من بطون الأنعام ومن السماء أو نهر يجري لقوم: أسقيت.

فإذا سقاك الرجل ماء لشفتك، قالوا: سقاه، ولم يقولوا: أسقاه، كما قال الله عز وجل: (وسقاهم ربهم شراباً طهورًا).

وقال: (الذي يطعمني ويسقين).

وربما قالوا لما في بطون الأنعام ولماء السماء سقى السماء وأسقى، كما قال لبيد: "سقي قومي ..." البيت.

وقد اختلف القراء، وقرأ بعضهم نسقيكم، وبعضهم: يسقيكم.

(2) الأبيات الثلاثة الأولى في (اللسان: جبه) قال الأزهري: الجبهة النجم الذي يقال له: جبهة الأسد، وهي أربعة أنجم ينزلها القمر، قال الشاعر: "إذا رأيت ..." وفي (اللسان: خرت).

والخراتان نجمان من كواكب الأسد، وهما كوكبان بينهما قدر سوط، وهما كتفا الأسد، واحدتهما خراة وأنشد الأبيات الأربعة.

وفي (اللسان: كتد): والكتد: نجم، أنشد ثعلب: "إذا رأيت ...

الخ" الأبيات وفي (اللسان: سهل) الأزهري: سهيل كوكب لا يرى بخراسان، ويرى بالعراق.

وقال ابن كناسة، سهيل يرى بالحجاز، في جميع أرض العرب، ولا يرى بأرض أرمينية.

وقال الأزهري: سهيل كوكب يمان.

وفي (اللسان فضخ) الفضيخ: عصير العنب، وهو أيضا شراب يتخذ من البسر المفضوخ وحده، من غير أن تمسه النار، وهو المشدوخ.

وفضحت البسر وافتضخته، قال الراجز: "بال سهيل في الفضيخ ففسد" يقول: لما طلع سهيل ذهب زمن البسر وأرطب، فكأنه بال فيه.

وأصل هذه الشواهد من شواهد الفراء في معاني القرآن، قال: ( ص 174 ): وأما قوله "مما في بطونه"، ولم يقل "بطونها" فإنه قيل -والله أعلم- إن النعم والأنعام شيء واحد، وهما جمعان، فرجع التذكير إلى معنى "النعم"، إذ كان يؤدي عن الأنعام.

أنشدني بعضهم: إذا رأيت أنجما ..

الخ الأبيات الأربعة، وهي من مشطور الرجز.

فرجع (ضمير قوله فيرد) إلى اللبن، والألبان يكون في معنى واحد، قال: وقال الكسائي "نسقيكم مما في بطونه": بطون ما ذكرنا.

وهو صواب.

أنشدني بعضهم "مثل الفراخ نتفت حواصله".

(3) هذا الرجز لقيس بن الحصين بن يزيد الحارثي، أنشده أبو عبيدة في (مجاز القرآن 1 : 362) وأنشد بعد بيتي الشاهد بيتا ثالثا وهو: "أربابه نوكى ولا يحمونه).

والشاهد فيه أن الأنعام يذكر ويؤنث.

قال: وقال آخرون: المعنى على النعم، لأن النعم، يذكر ويؤنث.

وأنشده في اللسان (نعم) قال: وقال آخر في تذكير النعم: فــي كُــلَ عــامٍ نَعَـمٌ يَحْوُونَـهُ يُلْقِحُــــهُ قَـــوْمٌ وتَنْتِجُونَـــهُ وذكر الرجز البغدادي في الخزانة ( 1 : 196 - 197 ) وزاد فيه أبياتا، قال: وتنتجونه بتاء الخطاب: يقال نتج الناقة أهلها: إذا استولدوها.

وأنتجت الفرس بالهمزة: حان نتاجها.

والنتاج بالكسر: اسم يشمل وضع البهائم من الغنم وغيرها.

وإذا ولى الإنسان ناقة أو شاة ما خضا حتى تضع قيل نتجها نتجا من باب ضرب، فالإنسان كالقابلة، لأنه يتلقى الولد ويصلح من شأنه، فهو ناتج، والبهيمة منتوجة، والولد: نتيجة.

يقول: يحملون الفحولة على النوق، فإذا حملت أغرتم أنتم عليها.

ورواية البيت في الخزانة كرواية المؤلف.

والأبيات: قبلت في يوم الكلاب الثاني، وهو ماء لبني تميم بين الكوفة والبصرة .

(4) هو مثل الشاهد السابق على سابقه، أنشده الفراء في معاني القرآن (ص 174) شاهدا على أن قوله نتفت حواصله، أي حواصل ما ذكرنا، كما فسره الكسائي.

ونقله صاحب اللسان في (نعم) مع أشباه له.

(5) البيت للأسود بن يعفر النهشلي التميمي (المفضيليات: 101) والمنية: الموت.

والحتوف: جمع حتف، يريد أنواع الأخطار التي تؤدي إلى الموت.

والمخارم: جمع مخرم: الطريق في الغلظ، عن السكري، وقيل: الطرق في الجبال، وأفواه الفجاج، وسواد الإنسان: شخصه.

والشاهد في البيت قوله كلاهما بالتذكير، مع أن المنية والحتوف مؤنثان، وكان حقه أن يقول: كلتاهما، لأن الشاعر لم يحفل بهذا التأنيث، واعتبر المذكور أو لا مذكرا، بمعنى الشيئين.

(6) الشاهد في البيت أن السماحة والمروءة لفظتان مؤنثتان ولم يؤنث الفعل المتحمل ضميرهما، فقال الشاعر: ضمنا، ولم يقل ضمنتا، لأنه اعتبر ما رجع إليه الضمير قبل الفعل شيئين مذكرين، أو خلقين، فلذلك لم يؤنث الفعل المسند إلى ضميرهما.

(7) استشهد المؤلف بهذا البيت على أن المعرض وهو خبر لعفراء، لم يطابق المبتدأ في التأنيث وهو عفراء، لأن الشاعر ذهب إلى معنى الحبيب أو الشخص، مما هو مذكر في المعنى.

(8) وهذا الشاهد كسابقه، لأن الشاعر ذهب إلى أن أم عمار شخص، فلذلك قال صديق على التأويل ولم يقل صديقه على المطابقة.

والصديق المساعف: أي المواصل: الذي يدنو من صديقه ويسعفه بحاجته.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين فيه عشر مسائل :الأولى : قوله تعالى : وإن لكم في الأنعام لعبرة قد تقدم القول في الأنعام ، وهي هنا الأصناف الأربعة : الإبل والبقر والضأن والمعز .

لعبرة أي دلالة على قدرة الله ووحدانيته وعظمته .

والعبرة أصلها تمثيل الشيء بالشيء لتعرف حقيقته من طريق المشاكلة ، ومنه فاعتبروا .

وقال أبو بكر الوراق : العبرة في الأنعام تسخيرها لأربابها وطاعتها لهم ، وتمردك على ربك وخلافك له في كل شيء .

ومن أعظم العبر بريء يحمل مذنبا .الثانية : قوله تعالى : نسقيكم قراءة أهل المدينة وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر [ ص: 111 ] ( بفتح النون ) من سقى يسقي .

وقرأ الباقون وحفص عن عاصم بضم النون من أسقى يسقي ، وهي قراءة الكوفيين وأهل مكة .

قيل : هما لغتان .

وقال لبيد :سقى قومي بني مجد وأسقى نميرا والقبائل من هلالوقيل : يقال لما كان من يدك إلى فيه سقيته ، فإذا جعلت له شرابا أو عرضته لأن يشرب بفيه أو يزرعه قلت أسقيته ; قال ابن عزيز ، وقد تقدم .

وقرأت فرقة " تسقيكم " بالتاء ، وهي ضعيفة ، يعني الأنعام .

وقرئ بالياء ، أي يسقيكم الله - عز وجل - .

والقراء على القراءتين المتقدمتين ; ففتح النون لغة قريش وضمها لغة حمير .الثالثة : قوله تعالى : مما في بطونه اختلف الناس في الضمير من قوله : مما في بطونه على ماذا يعود .

فقيل : هو عائد إلى ما قبله وهو جمع المؤنث .

قال سيبويه : العرب تخبر عن الأنعام بخبر الواحد .

قال ابن العربي : وما أراه عول عليه إلا من هذه الآية ، وهذا لا يشبه منصبه ولا يليق بإدراكه .

وقيل : لما كان لفظ الجمع وهو اسم الجنس يذكر ويؤنث فيقال : هو الأنعام وهي الأنعام ، جاز عود الضمير بالتذكير ; وقال الزجاج ، وقال الكسائي : معناه مما في بطون ما ذكرناه ، فهو عائد على المذكور ; وقد قال الله - تعالى - : إنها تذكرة .

فمن شاء ذكره وقال الشاعر :مثل الفراخ نتفت حواصلهومثله كثير .

وقال الكسائي : مما في بطونه أي مما في بطون بعضه ; إذ الذكور لا ألبان لها ، وهو الذي عول عليه أبو عبيدة .

وقال الفراء : الأنعام والنعم واحد ، والنعم يذكر ، ولهذا تقول العرب : هذا نعم وارد ، فرجع الضمير إلى لفظ النعم الذي هو بمعنى الأنعام .

قال ابن العربي : إنما رجع التذكير إلى معنى الجمع ، والتأنيث إلى معنى الجماعة ، فذكره هنا باعتبار لفظ الجمع ، وأنثه في سورة المؤمنين باعتبار لفظ الجماعة فقال : نسقيكم مما في بطونها وبهذا التأويل ينتظم المعنى انتظاما حسنا .

والتأنيث باعتبار لفظ الجماعة والتذكير باعتبار لفظ الجمع أكثر من رمل يبرين وتيهاء فلسطين .الرابعة : استنبط بعض العلماء الجلة وهو القاضي إسماعيل من عود هذا الضمير ، أن لبن [ ص: 112 ] الفحل يفيد التحريم ، وقال : إنما جيء به مذكرا لأنه راجع إلى ذكر النعم ; لأن اللبن للذكر محسوب ، ولذلك قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن لبن الفحل يحرم حين أنكرته عائشة في حديث أفلح أخي أبي القعيس ( فللمرأة السقي وللرجل اللقاح ) فجرى الاشتراك فيه بينهما .

وقد مضى القول في تحريم لبن الفحل في " النساء " والحمد للهالخامسة : قوله تعالى : من بين فرث ودم لبنا خالصا نبه سبحانه على عظيم قدرته بخروج اللبن خالصا بين الفرث والدم .

والفرث : الزبل الذي ينزل إلى الكرش ، فإذا خرج لم يسم فرثا .

يقال : أفرثت الكرش إذا أخرجت ما فيها .

والمعنى : أن الطعام يكون فيه ما في الكرش ويكون منه الدم ، ثم يخلص اللبن من الدم ; فأعلم الله سبحانه أن هذا اللبن يخرج من بين ذلك وبين الدم في العروق .

وقال ابن عباس : إن الدابة تأكل العلف فإذا استقر في كرشها طبخته فكان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما ، والكبد مسلط على هذه الأصناف فتقسم الدم وتميزه وتجريه في العروق ، وتجري اللبن في الضرع ويبقى الفرث كما هو في الكرش ; حكمة بالغة فما تغن النذر .

خالصا يريد من حمرة الدم وقذارة الفرث وقد جمعهما وعاء واحد .

وقال ابن بحر : خالصا بياضه .

قال النابغة :بخالصة الأردان خضر المناكبأي بيض الأكمام .

وهذه قدرة لا تنبغي إلا للقائم على كل شيء بالمصلحة .السادسة : قال النقاش : في هذا دليل على أن المني ليس بنجس .

وقاله أيضا غيره واحتج بأن قال : كما يخرج اللبن من بين الفرث والدم سائغا خالصا كذلك يجوز أن يخرج المني على مخرج البول طاهرا .

قال ابن العربي : إن هذا لجهل عظيم وأخذ شنيع .

اللبن جاء الخبر عنه مجيء النعمة والمنة الصادرة عن القدرة ليكون عبرة ، فاقتضى ذلك كله وصف الخلوص واللذة ; وليس المني من هذه الحالة حتى يكون ملحقا به أو مقيسا عليه .قلت : قد يعارض هذا بأن يقال : وأي منة أعظم وأرفع من خروج المني الذي يكون عنه [ ص: 113 ] الإنسان المكرم ; وقد قال - تعالى - : يخرج من بين الصلب والترائب ، وقال : والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة وهذا غاية في الامتنان .

فإن قيل : إنه يتنجس بخروجه في مجرى البول ، قلنا : هو ما أردناه ، فالنجاسة عارضة وأصله طاهر ; وقد قيل : إن مخرجه غير مخرج البول وخاصة المرأة ; فإن مدخل الذكر منها ومخرج الولد غير مخرج البول على ما قاله العلماء .

وقد تقدم فإن قيل : أصله دم فهو نجس ، قلنا ينتقض بالمسك ، فإن أصله دم وهو طاهر .

وممن قال بطهارته الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وغيرهم ; لحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت : كنت أفركه من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يابسا بظفري .

قال الشافعي : فإن لم يفرك فلا بأس به .

وكان سعد بن أبي وقاص يفرك المني من ثوبه .

وقال ابن عباس : هو كالنخامة أمطه عنك بإذخرة وامسحه بخرقة .

فإن قيل : فقد ثبت عن عائشة أنها قالت : كنت أغسل المني من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه .

قلنا : يحتمل أن تكون غسلته استقذارا كالأشياء التي تزال من الثوب كالنجاسة ، ويكون هذا جمعا بين الأحاديث .

والله أعلم .

وقال مالك وأصحابه والأوزاعي : هو نجس .

قال مالك : غسل الاحتلام من الثوب أمر واجب مجتمع عليه عندنا ، وهو قول الكوفيين .

ويروى عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وجابر بن سمرة أنهم غسلوه من ثيابهم .

واختلف فيه عن ابن عمر وعائشة .

وعلى هذين القولين في نجاسة المني وطهارته التابعون .السابعة : في هذه الآية دليل على جواز الانتفاع بالألبان من الشرب وغيره ، فأما لبن الميتة فلا يجوز الانتفاع به ; لأنه مائع طاهر حصل في وعاء نجس ، وذلك أن ضرع الميتة نجس واللبن طاهر فإذا حلب صار مأخوذا من وعاء نجس .

فأما لبن المرأة الميتة فاختلف أصحابنا فيه ، فمن قال : إن الإنسان طاهر حيا وميتا فهو طاهر .

ومن قال : ينجس بالموت فهو نجس .

وعلى القولين جميعا تثبت الحرمة ; لأن الصبي قد يغتذي به كما يغتذي من الحية ، [ ص: 114 ] وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم .

ولم يخص .

وقد مضى في " النساء "الثامنة : قوله تعالى : سائغا للشاربين أي لذيذا هينا لا يغص به من شربه .

يقال : ساغ الشراب يسوغ سوغا أي سهل مدخله في الحلق ، وأساغه شاربه ، وسغته أنا أسيغه وأسوغه ، يتعدى ، والأجود أسغته إساغة .

يقال : أسغ لي غصتي أي أمهلني ولا تعجلني ; وقال - تعالى - : يتجرعه ولا يكاد يسيغه .

والسواغ - بكسر السين - ما أسغت به غصتك .

يقال : الماء سواغ الغصص ; ومنه قول الكميت :فكانت سواغا أن جئزت بغصةوروي أن اللبن لم يشرق به أحد قط ، وروي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .التاسعة : في هذه الآية دليل على استعمال الحلاوة والأطعمة اللذيذة وتناولها ، ولا يقال : إن ذلك يناقض الزهد أو يباعده ، لكن إذا كان من وجهه ومن غير سرف ولا إكثار .

وقد تقدم هذا المعنى في " المائدة " وغيرها وفي الصحيح عن أنس قال : لقد سقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقدحي هذا الشراب كله : العسل والنبيذ واللبن والماء .

وقد كره بعض القراء أكل الفالوذج واللبن من الطعام ، وأباحه عامة العلماء .

وروي عن الحسن أنه كان على مائدة ومعه مالك بن دينار ، فأتي بفالوذج فامتنع عن أكله ، فقال له الحسن : كل فإن عليك في الماء البارد أكثر من هذا .العاشرة : روى أبو داود وغيره عن ابن عباس قال : أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلبن فشرب ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا أكل أحدكم طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه .

وإذا سقي لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس شيء يجزي عن الطعام والشراب إلا اللبن .

قال [ ص: 115 ] علماؤنا : فكيف لا يكون ذلك وهو أول ما يغتذي به الإنسان وتنمى به الجثث والأبدان ، فهو قوت خلي عن المفاسد به قوام الأجسام ، وقد جعله الله - تعالى - علامة لجبريل على هداية هذه الأمة التي هي خير الأمم أمة ; فقال في الصحيح : فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال لي جبريل اخترت الفطرة أما إنك لو اخترت الخمر غوت أمتك .

ثم إن في الدعاء بالزيادة منه علامة الخصب وظهور الخيرات والبركات ; فهو مبارك كله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ } التي سخرها الله لمنافعكم { لَعِبْرَةً } تستدلون بها على كمال قدرة الله وسعة إحسانه حيث أسقاكم من بطونها المشتملة على الفرث والدم، فأخرج من بين ذلك لبنا خالصا من الكدر سائغا للشاربين للذته ولأنه يسقي ويغذي، فهل هذه إلا قدرة إلهية لا أمور طبيعية.

فأي شيء في الطبيعة يقلب العلف الذي تأكله البهيمة والشراب الذي تشربه من الماء العذب والملح لبنا خالصا سائغا للشاربين؟

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإن لكم في الأنعام لعبرة ) لعظة ، ( نسقيكم ) بفتح النون هاهنا وفي المؤمنين ، قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر ويعقوب والباقون بضمها وهما لغتان .

( مما في بطونه ) قال الفراء : رد الكناية إلى النعم ، والنعم والأنعام واحد .

ولفظ النعم مذكر ، قال أبو عبيدة ، والأخفش : النعم يذكر ويؤنث ، فمن أنث فلمعنى الجمع ، ومن ذكر فلحكم اللفظ .

قال الكسائي : رده إلى " ما " يعني في بطون ما ذكرنا .

وقال المؤرج : الكناية مردودة إلى البعض والجزء ، كأنه قال نسقيكم مما في بطونه اللبن ، إذ ليس لكلها لبن ، واللبن فيه مضمر .

( من بين فرث ) وهو ما في الكرش من الثقل ، فإذا خرج منه لا يسمى فرثا ، ( ودم لبنا خالصا ) من الدم والفرث ليس عليه لون دم ولا رائحة فرث .

( سائغا للشاربين ) هنيئا يجري على السهولة في الحلق .

وقيل : إنه لم يغص أحد باللبن قط .

قال ابن عباس : إذا أكلت الدابة العلف واستقر في كرشها وطحنته فكان أسفله فرثا ، وأوسطه اللبن ، وأعلاه الدم ، والكبد مسلطة عليها ، تقسمها بتقدير الله تعالى ، فيجري الدم في العروق ، واللبن في الضرع ، ويبقى الفرث كما هو .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإن لكم في الأنعام لعبرة» اعتبار «نسقيكم» بيان للعبرة «مما في بطونه» أي الأنعام «من» للابتداء متعلقة بنسقيكم «بين فرث» ثفل الكرش «ودمٍ لبناً خالصاً» لا يشوبه شيء من الفرث والدم من طعم أو ريح أو لون أو بينهما «سائغاًً للشاربين» سهل المرور في حلقهم لا يغص به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإن لكم -أيها الناس- في الأنعام -وهي الإبل والبقر والغنم- لَعظة، فقد شاهدتم أننا نسقيكم من ضروعها لبنًا خارجًا من بين فَرْث -وهو ما في الكَرِش- وبين دم خالصًا من كل الشوائب، لذيذًا لا يَغَصُّ به مَن شَرِبَه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أرشد - سبحانه - إلى مظهر آخر من مظاهر وحدانيته ، وعظيم قدرته وعجيب صنعه ، وسعة رحمته ، حيث خلق للناس الأنعام ، وسقاهم من ألبانها ، فقال - تعالى - : ( وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً .

.

.

) .والأنعام : تطلق على الإِبل والبقر والغنم من الحيوان ، ويدخل فى الغنم المعز .والعبرة : مصدر بمعنى العبور ، أى : التجاوز من محل إلى آخر ، والمراد بها هنا : العظة والاعتبار والانتقال من الجهل إلى العلم ، ومن الغفلة إلى اليقظة .أى : وإن لكم - أيها الناس - فى خلق الأنعام ، وفيما يخرج منها من ألبان لعبرة عظيمة ، وعظة بليغة ، ومنفعة جليلة توجب عليكم إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده ، ومداومة الشكر له على نعمه .

فالتنكير فى قوله ( لعبرة ) للتفخيم والتهويل .وقوله - تعالى - : ( نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ ) استئناف بيانى ، كأنه قيل : وما وجه العبرة فى الأنعام؟

فكان الجواب : نسقيكم مما فى بطونه .قال الآلوسى : " والضمير فى ( بطونه ) يعود للأنعام ، وهو اسم جمع ، واسم الجمع يجوز تذكيره وإفراده باعتبار معناه .

.

.

" .وقوله - سبحانه - : ( مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ ) بيان لموطن العبرة ومحل النعمة ، ومظهر الدلالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ورحمته .والفرث : الطعام المتبقى فى أمعاء الحيوان بعد هضمه .

وأصل الفرث : التفتيت .

يقال فرثت كبده .

أى : فتتتها .قال الجمل ما ملخصه : " والفرث : الأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام فى الكرش - بفتح الكاف وكسر الراء - فإذا خرجت من الكرش لا تسمى فرثا بل تسمى روثا .

وقوله ( لبنا ) مفعول ثان لنسقيكم ، والأول هو الكاف " .والخالص : النقى الصافى الخالى من الشوائب والأكدار .

يقال خلص الشئ من التلف خلوصا - من باب قعد - إذا سلم منه .والسائغ : اللذيذ الطعم ، السهل المدخل إلى الحلق .

يقال : ساغ الشراب يسوغ سوغا ، من باب قال - إذا سهل مدخله فى الحلق .أى : نسقيكم من بين الفرث والدم الذى اشتملت عليه بطون الأنعام ، ( لبنا ) نافعا لأبدانكم ( خالصا ) من رائحة الفرث ، ومن لون الدم ، مع أنه موجود بينهما ( سائغا للشاربين ) بحيث يمر فى الحلوق بسهولة ويسر ، ويشعر شاربه بلذة وارتياح .وقدم - سبحانه - قوله : ( مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ) على قوله ( لبنا ) ، لأن خروج اللبن من بينهما هو موطن العبرة ، وموضع الدليل الأسمى على قدرة الله - تعالى - ووحدانيته .قال صاحب الكشاف : قوله - تعالى - : ( مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ) أى : يخلق الله اللبن وسيطا بين الفرث والدم يكتنفانه ، وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله - تعالى - ، بحيث لا يبغى أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة ، بل هو خالص من ذلك كله .

.

.

فسبحان الله ما أعظم قدرته ، وألطف حكمته ، لمن تفكر وتأمل .

وسئل " شقيق " عن الإِخلاص فقال : تمييز العمل من العيوب كتمييز اللبن من بين فرث ودم .ثم قال - رحمه الله - : فإن قلت : أى فرق بين " من " الأولى والثانية؟

.قلت : الأولى للتبعيض ، لأن اللبن بعض ما فى بطونها .

.

.

والثانية لابتداء الغاية ، لأن بين الفرث والدم مكان الإِسقاء الذى منه يبتدأ .

.

.وإنما قدم قوله : ( مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ) لأنه موضع العبرة ، فهو قمن بالتقديم .وقال الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية : " ومن تدبر فى بدائع صنع الله - تعالى - فيما ذكر من الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها ، والأسباب المولدة لها ، وتسخير القوى المتصرفة فيها .

.

.

اضطر إلى الاعتراف بكمال علمه - سبحانه - وقدرته ، وحكمته ، وتناهى رأفته ورحمته :حكم حارت البرية فيها ...

وحقيق بأنها تحتاروالحق ، أن هذه الآية الكريمة من أكبر الأدلة على وحدانية الله تعالى ونفاذ قدرته ، وعجيب صنعته ، حيث استخرج - سبحانه - من بين فرث ودم فى بطون الأنعام ، لبنا خالصا سائغا للشاربين .وهذا الاستخراج قد تكلم العلماء المتخصصون عن كيفيته وعن مراحله .

.

كلاما يقوى إيمان المؤمنين ، ويدفع باطل الملحدين .هذا ، وفى الآية الكريمة إشارة إلى أن اللبن نعمة جزيلة من نعم الله - تعالى - على خلقه .قال القرطبى ما ملخصه : " روى أبو داود وغيره عن ابن عباس قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن فشرب ، ثم قال : " إذا أكل أحدكم طعاما فليقل ، اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه ، وإذا سقى لبنا فليقل : اللهم بارك لنا فيه ، وزدنا منه ، فإنه ليس شئ يجزئ عن الطعام والشراب إلا اللبن " " .ثم قال الإِمام القرطبى : قال علماؤنا : فكيف لا يكون كذلك ، وهو أول ما يغتذى به الإنسان ، وتنمو به الأبدان ، فهو قوت به قوام الأجسام ، وقد جعله الله - تعالى - علامة لجبريل على هداية هذه الأمة ، ففى الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فجاءنى جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاخترت اللبن .

فقال لى جبريل : اخترت الفطرة .

.

.

" .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنا قد ذكرنا أن المقصود الأعظم من هذا القرآن العظيم تقرير أصول أربعة: الإلهيات والنبوات والمعاد، وإثبات القضاء والقدر، والمقصود الأعظم من هذه الأصول الأربعة تقرير الآلهيات، فلهذا السبب كلما امتد الكلام في فصل من الفصول في وعيد الكفار عاد إلى تقرير الآلهيات، وقد ذكرنا في أول هذه السورة أنه تعالى لما أراد ذكر دلائل الآلهيات ابتدأ بالأجرام الفلكية، وثنى بالإنسان، وثلث بالحيوان، وربع بالنبات، وخمس بذكر أحوال البحر والأرض، فهاهنا في هذه الآية لما عاد إلى تقرير دلائل الإلهيات بدأ أولاً بذكر الفلكيات فقال: ﴿ والله أَنزَلَ مِنَ السماء مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ والمعنى: أنه تعالى خلق السماء على وجه ينزل منه الماء ويصير ذلك الماء سبباً لحياة الأرض، والمراد بحياة الأرض نبات الزرع والشجر والنور والثمر بعد أن كان لا يثمر، وينفع بعد أن كان لا ينفع، وتقرير هذه الدلائل قد ذكرناه مراراً كثيرة.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ سماع إنصاف وتدبر لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه أصم لم يسمع.

والنوع الثاني: من الدلائل المذكورة في هذه الآيات الاستدلال بعجائب أحوال الحيوانات وهو قوله: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ قد ذكرنا معنى العبرة في قوله: ﴿ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبصار  ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم، وحمزة والكسائي: ﴿ نُّسْقِيكُمْ ﴾ بضم النون، والباقون بالفتح، أما من فتح النون فحجته ظاهرة تقول سقيته حتى روى أسقيه قال تعالى: ﴿ وسقاهم رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً  ﴾ وقال: ﴿ والذى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ  ﴾ وقال: ﴿ وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً  ﴾ ومن ضم النون فهو من قولك أسقاه إذا جعل له شراباً كقوله: ﴿ وأسقيناكم مَّاء فُرَاتاً  ﴾ وقوله: ﴿ فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ  ﴾ والمعنى هاهنا أنا جعلناه في كثرته وإدامته كالسقيا، واختار أبو عبيد الضم قال لأنه شرب دائم، وأكثر ما يقال في هذا المقام أسقيت.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ مما في بطونه ﴾ الضمير عائد إلى الأنعام فكان الواجب أن يقال مما في بطونها، وذكر النحويون فيه وجوهاً: الأول: أن لفظ الأنعام لفظ مفرد وضع لإفادة جمع، كالرهط والقوم والبقر والنعم، فهو بحسب اللفظ لفظ مفرد فيكون ضميره ضمير الواحد، وهو التذكير، وبحسب المعنى جمع فيكون ضميره ضمير الجمع، وهو التأنيث، فلهذا السبب قال هاهنا ﴿ فِي بُطُونِهِ ﴾ ، وقال في سورة المؤمنين: ﴿ فِى بُطُونِهَا  ﴾ .

الثاني: قوله: ﴿ فِي بُطُونِهِ ﴾ أي في بطون ما ذكرنا، وهذا جواب الكسائي.

قال المبرد: هذا شائع في القرآن.

قال تعالى: ﴿ فَلَماَّ رَأَى الشمس بازغةً قَالَ هذا رَبّى  ﴾ يعني هذا الشيء الطالع ربي.

وقال: ﴿ كَلَّآ إِنَّهُۥ تَذْكِرَةٌ  فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ  ﴾ أي ذكر هذا الشيء.

واعلم أن هذا إنما يجوز فيما يكون تأنيثه غير حقيقي، أما الذي يكون تأنيثه حقيقياً، فلا يجوز، فإنه لا يجوز في مستقيم الكلام أن يقال جاريتك ذهب، ولا غلامك ذهب على تقدير أن نحمله على النسمة.

الثالث: أن فيه إضماراً، والتقدير: نسقيكم مما في بطونه اللبن إذ ليس كلها ذات لبن.

المسألة الثالثة: الفرث: سرجين الكرش.

روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: إذا استقر العلف في الكرش صار أسفله فرثاً وأعلاه دماً وأوسطه لبناً، فيجري الدم في العروق واللبن في الضرع، ويبقى الفرث كما هو، فذاك هو قوله تعالى: ﴿ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا ﴾ لا يشوبه الدم ولا الفرث.

ولقائل أن يقول: الدم واللبن لا يتولدان ألبتة في الكرش، والدليل عليه الحس فإن هذه الحيوانات تذبح ذبحاً متوالياً، وما رأى أحد في كرشها لا دماً ولا لبناً، ولو كان تولد الدم واللبن في الكرش لوجب أن يشاهد ذلك في بعض الأحوال، والشيء الذي دلت المشاهدة على فساده لم يجز المصير إليه، بل الحق أن الحيوان إذا تناول الغذاء وصل ذلك العلف إلى معدته إن كان إنساناً، وإلى كرشه إن كان من الأنعام وغيرها، فإذا طبخ وحصل الهضم الأول فيه فما كان منه صافياً انجذب إلى الكبد، وما كان كثيفاً نزل إلى الأمعاء، ثم ذلك الذي يحصل منه في الكبد ينطبخ فيها ويصير دماً، وذلك هو الهضم الثاني، ويكون ذلك الدم مخلوطاً بالصفراء والسوداء وزيادة المائية، أما الصفراء فتذهب إلى المرارة، والسوداء إلى الطحال، والماء إلى الكلية، ومنها إلى المثانة، وأما ذلك الدم فإنه يدخل في الأوردة، وهي العروق النابتة من الكبد، وهناك يحصل الهضم الثالث، وبين الكبد وبين الضرع عروق كثيرة فينصب الدم في تلك العروق إلى الضرع، والضرع لحم غددي رخو أبيض فيقلب الله تعالى الدم عند انصبابه إلى ذلك اللحم الغددي الرخو الأبيض من صورة الدم إلى صورة اللبن فهذا هو القول الصحيح في كيفية تولد اللبن.

فإن قيل: فهذه المعاني حاصلة في الحيوان الذكر فلم لم يحصل منه اللبن؟

قلنا: الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شيء على الوجه اللائق به الموافق لمصلحته، فمزاج الذكر من كل حيوان يجب أن يكون حاراً يابساً، ومزاج الأنثى يجب أن يكون بارداً رطباً، والحكمة فيه أن الولد إنما يتكون في داخل بدن الأنثى، فوجب أن تكون الأنثى مختصة بمزيد الرطوبات لوجهين: الأول: أن الولد إنما يتولد من الرطوبات، فوجب أن يحصل في بدن الأنثى رطوبات كثيرة لتصير مادة لتولد الولد.

والثاني: أن الولد إذا كبر وجب أن يكون بدن الأم قابلاً للتمدد حتى يتسع لذلك الولد، فإذا كانت الرطوبات غالبة على بدن الأم كان بدنها قابلاً للتمدد، فيتسع للولد، فثبت بما ذكرنا أنه تعالى خص بدن الأنثى من كل حيوان بمزيد الرطوبات لهذه الحكمة، ثم إن الرطوبات التي كانت تصير مادة لازدياد بدن الجنين حين كان في رحم الأم، فعند انفصال الجنين تنصب إلى الثدي والضرع ليصير مادة لغذاء ذلك الطفل الصغير.

إذا عرفت هذا فاعلم أن السبب الذي لأجله يتولد اللبن من الدم في حق الأنثى غير حاصل في حق الذكر فظهر الفرق.

إذا عرفت هذا التصوير فنقول: المفسرون قالوا: المراد من قوله: ﴿ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ﴾ هو أن هذه الثلاثة تتولد في موضع واحد، فالفرث يكون في أسفل الكرش، والدم يكون في أعلاه، واللبن يكون في الوسط، وقد دللنا على أن هذا القول على خلاف الحس والتجربة، ولأن الدم لو كان يتولد في أعلى المعدة والكرش كان يجب إذا قاء أن يقيء الدم وذلك باطل قطعاً.

وأما نحن فنقول: المراد من الآية هو أن اللبن إنما يتولد من بعض أجزاء الدم، والدم إنما يتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث، وهو الأشياء المأكولة الحاصلة في الكرش، وهذا اللبن متولد من الأجزاء التي كانت حاصلة فيما بين الفرث أولاً، ثم كانت حاصلة فيما بين الدم ثانياً، فصفاه الله تعالى عن تلك الأجزاء الكثيفة الغليظة، وخلق فيها الصفات التي باعتبارها صارت لبناً موافقاً لبدن الطفل، فهذا ما حصلناه في هذا المقام، والله أعلم.

المسألة الرابعة: اعلم أن حدوث اللبن في الثدي واتصافه بالصفات التي باعتبارها يكون موافقاً لتغذية الصبي مشتمل على حكم عجيبة وأسرار بديعة، يشهد صريح العقل بأنها لا تحصل إلا بتدبير الفاعل الحكيم والمدبر الرحيم، وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى خلق في أسفل المعدة منفذاً يخرج منه ثقل الغذاء، فإذا تناول الإنسان غذاء أو شربة رقيقة انطبق ذلك المنقذ انطباقاً كلياً لا يخرج منه شيء من ذلك المأكول والمشروب إلى أن يكمل انهضامه في المعدة وينجذب ما صفا منه إلى الكبد ويبقى الثقل هناك، فحينئذ ينفتح ذلك المنفذ ويترك منه ذلك الثقل، وهذا من العجائب التي لا يمكن حصولها إلا بتدبير الفاعل الحكيم، لأنه متى كانت الحاجة إلى بقاء الغذاء في المعدة حاصلة انطبق ذلك المنفذ، وإذا حصلت الحاجة إلى خروج ذلك الجسم عن المعدة انفتح، فحصول الانطباق تارة والانفتاح أخرى، بحسب الحاجة وتقدير المنفعة، مما لا يتأتى إلا بتقدير الفاعل الحكيم.

الثاني: أنه تعالى أودع في الكبد قوة تجذب الأجزاء اللطيفة الحاصلة في ذلك المأكول أو المشروب، ولا تجذب الأجزاء الكثيفة، وخلق في الأمعاء قوة تجذب تلك الأجزاء الكثيفة التي هي الثقل، ولا تجذب الأجزاء اللطيفة ألبتة.

ولو كان الأمر بالعكس لاختلفت مصلحة البدن ولفسد نظام هذا التركيب.

الثالث: أنه تعالى أودع في الكبد قوة هاضمة طابخة، حتى أن تلك الأجزاء اللطيفة تنطبخ في الكبد وتنقلب دماً، ثم إنه تعالى أودع في المرارة قوة جاذبة للصفراء، وفي الطحال قوة جاذبة للسوداء، وفي الكلية قوة جاذبة لزيادة المائية، حتى يبقى الدم الصافي الموافق لتغذية البدن.

وتخصيص كل واحد من هذه الأعضاء بتلك القوة والخاصية لا يمكن إلا بتقدير الحكيم العليم.

الرابع: أن في الوقت الذي يكون الجنين في رحم الأم ينصب من ذلك الدم نصيب وافر إليه حتى يصير مادة لنمو أعضاء ذلك الولد وازدياده، فإذا انفصل ذلك الجنين عن الرحم ينصب ذلك النصيب إلى جانب الثدي ليتولد منه اللبن الذي يكون غذاء له، فإذا كبر الولد لم ينصب ذلك النصيب لا إلى الرحم ولا إلى الثدي، بل ينصب على مجموع بدن المتغذي، فانصباب ذلك الدم في كل وقت إلى عضو آخر انصباباً موافقاً للمصلحة والحكمة لا يتأتى إلا بتدبير الفاعل المختار الحكيم.

والخامس: أن عند تولد اللبن في الضرع أحدث تعالى في حلمة الثدي ثقوباً صغيرة ومسام ضيقة، وجعلها بحيث إذا اتصل المص أو الحلب بتلك الحلمة انفصل اللبن عنها في تلك المسام الضيقة، ولما كانت تلك المسام ضيقة جداً، فحينئذ لا يخرج منها إلا ما كان في غاية الصفاء واللطافة، وأما الأجزاء الكثيفة فإنه لا يمكنها الخروج من تلك المنافذ الضيقة فتبقى في الداخل، والحكمة في إحداث تلك الثقوب الصغيرة، والمنافذ الضيقة في رأس حلمة الثدي أن يكون ذلك كالمصفاة، فكل ما كان لطيفاً خرج، وكل ما كان كثيفاً احتبس في الداخل ولم يخرج، فبهذا الطريق يصير ذلك اللبن خالصاً موافقاً لبدن الصبي سائغاً للشاربين.

السادس: أنه تعالى ألهم ذلك الصبي إلى المص، فإن الأم كلما ألقمت حلمة الثدي في فم الصبي فذلك الصبي في الحال يأخذ في المص، فلولا أن الفاعل المختار الرحيم ألهم ذلك الطفل الصغير ذلك العمل المخصوص، وإلا لم يحصل الانتفاع بتخليق ذلك اللبن في الثدي.

السابع: أنا بينا أنه تعالى إنما خلق اللبن من فضلة الدم، وإنما خلق الدم من الغذاء الذي يتناوله الحيوان فالشاة لما تناولت العشب والماء فالله تعالى خلق الدم من لطيف تلك الأجزاء، ثم خلق اللبن من بعض أجزاء ذلك الدم، ثم إن اللبن حصلت فيه أجزاء ثلاثة على طبائع متضادة، فما فيه من الدهن يكون حاراً رطباً، وما فيه من المائية يكون بارداً رطباً، وما فيه من الجبنية يكون بارداً يابساً، وهذه الطبائع ما كانت حاصلة في ذلك العشب الذي تناولته الشاة، فظهر بهذا أن هذه الأجسام لا تزال تنقلب من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة، مع أنه لا يناسب بعضها بعضاً ولا يشاكل بعضها بعضاً، وعند ذلك يظهر أن هذه الأحوال إنما تحدث بتدبير فاعل حكيم رحيم يدبر أحوال هذا العالم على وفق مصالح العباد، فسبحان من تشهد جميع ذرات العالم الأعلى والأسفل بكمال قدرته ونهاية حكمته ورحمته، له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين.

أما قوله: ﴿ سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ ﴾ فمعناه: جارياً في حلوقهم لذيذاً هنيئاً.

يقال: ساغ الشراب في الحلق وأساغه صاحبه، ومنه قوله: ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ  ﴾ .

المسألة الخامسة: قال أهل التحقيق: اعتبار حدوث اللبن كما يدل على وجود الصانع المختار سبحانه، فكذلك يدل على إمكان الحشر والنشر، وذلك لأن هذا العشب الذي يأكله الحيوان إنما يتولد من الماء والأرض، فخالق العالم دبر تدبيراً، فقلب ذلك الطين نباتاً وعشباً، ثم إذا أكله الحيوان دبر تدبيراً آخر فقلب ذلك العشب دماً، ثم دبر تدبيراً آخر فقلب ذلك الدم لبناً، ثم دبر تدبيراً آخر فحدث من ذلك اللبن الدهن والجبن، فهذا يدل على أنه تعالى قادر على أن يقلب هذه الأجسام من صفة إلى صفة، ومن حالة إلى حالة فإذا كان كذلك لم يمتنع أيضاً أن يكون قادراً على أن يقلب أجزاء أبدان الأموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك، فهذا الاعتبار يدل من هذا الوجه على أن البعث والقيامة أمر ممكن غير ممتنع، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمِن ثمرات النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ﴾ اعلم أنه تعالى لما ذكر بعض منافع الحيوانات في الآية المتقدمة، ذكر في هذه الآية بعض منافع النبات، وفيه مسائل: المسألة الأولى: فإن قيل: بم تعلق قوله: ﴿ وَمِن ثمرات النخيل والأعناب ﴾ .

قلنا: بمحذوف تقديره: ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرها وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه.

وقوله: ﴿ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا ﴾ بيان وكشف عن كنه الإسقاء.

المسألة الثانية: قال الواحدي: ﴿ الأعناب ﴾ عطف على الثمرات لا على النخيل، لأنه يصير التقدير: ومن ثمرات الأعناب، والعنب نفسه ثمرة وليست له ثمرة أخرى.

المسألة الثالثة: في تفسير السكر وجوه: الأول: السكر الخمر سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً نحو: رشد رشداً ورشداً، وأما الرزق الحسن فسائر ما يتخذ من النخيل والأعناب كالرب والخل والدبس والتمر والزبيب.

فإن قيل: الخمر محرمة فكيف ذكرها الله في معرض الإنعام؟

أجابوا عنه من وجهين: الأول: أن هذه السورة مكية، وتحريم الخمر نزل في سورة المائدة، فكان نزول هذه الآية في الوقت الذي كانت الخمر فيه غير محرمة.

الثاني: أنه لا حاجة إلى التزام هذا النسخ، وذلك لأنه تعالى ذكر ما في هذه الأشياء من المنافع، وخاطب المشركين بها، والخمر من أشربتهم فهي منفعة في حقهم، ثم إنه تعالى نبه في هذه الآية أيضاً على تحريمها، وذلك لأنه ميز بينها وبين الرزق الحسن في الذكر، فوجب أن لا يكون السكر رزقاً حسناً، ولا شك أنه حسن بحسب الشهوة، فوجب أن يقال الرجوع عن كونه حسناً بحسب الشريعة، وهذا إنما يكون كذلك إذا كانت محرمة.

القول الثاني: أن السكر هو النبيذ، وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ثم يترك حتى يشتد، وهو حلال عند أبي حنيفة رحمه الله إلى حد السكر، ويحتج بأن هذه الآية تدل على أن السكر حلال لأنه تعالى ذكره في معرض الإنعام والمنة، ودل الحديث على أن الخمر حرام قال عليه السلام: «الخمر حرام لعينها» وهذا يقتضي أن يكون السكر شيئاً غير الخمر، وكل من أثبت هذه المغايرة قال إنه النبيذ المطبوخ.

والقول الثالث: أن السكر هو الطعام قاله أبو عبيدة: واحتج عليه بقول الشاعر: جعلت أعراض الكرام سكراً *** أي جعلت ذمهم طعاماً لك، قال الزجاج: هذا بالخمر أشبه منه بالطعام، والمعنى أنك جعلت تتخمر بأعراض الكرام، والمعنى: أنه جعل شغفه بغيبة الناس وتمزيق أعراضهم جارياً مجرى شرب الخمر.

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الوجوه التي هي دلائل من وجه، وتعديد للنعم العظيمة من وجه آخر، قال: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ والمعنى: أن من كان عاقلاً، علم بالضرورة أن هذه الأحوال لا يقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى، فيحتج بحصولها على وجود الإله القادر الحكيم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ذكر سيبويه الأنعام في باب ما لا ينصرف في الأسماء المفردة الواردة على أفعال، كقولهم: ثوب أكياش؛ ولذلك رجع الضمير إليه مفرداً.

وأمّا ﴿ فِى بُطُونِهَا ﴾ [المؤمنون: 21] في سورة المؤمنين: فلأنّ معناه الجمع.

ويجوز أن يقال في الأنعام وجهان، أحدهما: أن يكون تكسير نعم كأجبال في جبل، وأن يكون اسماً مفرداً مقتضياً لمعنى الجمع كنعم، فإذا ذكر فكما يذكر (نعم) في قوله: في كُلِّ عَامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَه ** يُلْقِحُهُ قَوْمٌ وَتَنْتِجُونَهْ وإذا أنث ففيه وجهان: أنه تكسير نعم.

وأنه في معنى الجمع.

وقرئ: ﴿ نَسقيكم ﴾ بالفتح والضم، وهو استئناف، كأنه قيل: كيف العبرة، فقيل نسقيكم ﴿ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ﴾ أي يخلق الله اللبن وسيطاً بين الفرث والدم يكتنفانه، وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله لا يبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة، بل هو خالص من ذلك كله.

قيل: إذا أكلت البهيمة العلف فاستقرّ في كرشها طبخته، فكان أسفله فرثاً، وأوسطه لبناً، وأعلاه دماً.

والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها، فتجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، وتبقى الفرث في الكرش.

فسبحان الله ما أعظم قدرته وألطف حكمته لمن تفكر وتأمّل.

وسئل شقيق عن الإخلاص فقال: تمييز العمل من العيوب، كتمييز اللبن من بين فرث ودم ﴿ سَآئِغًا ﴾ سهل المرور في الحلق ويقال: لم يغص أحد باللبن قط.

وقرئ: ﴿ سيغاً ﴾ ، بالتشديد.

و ﴿ سيغاً ﴾ ، بالتخفيف.

كهين ولين.

فإن قلت: أي فرق بين (من) الأولى والثانية؟

قلت: الأولى للتبعيض؛ لأن اللبن بعض ما في بطونها، كقولك: أخذت من مال زيد ثوباً.

والثانية: لابتداء الغاية؛ لأنّ بين الفرث والدم مكان الإسقاء الذي منه يبتدأ، فهو صلة لنسقيكم، كقولك: سقيته من الحوض، ويجوز أن يكون حالا من قوله ﴿ لَّبَنًا ﴾ مقدماً عليه، فيتعلق بمحذوف، أي: كائناً من بين فرث ودم.

ألا ترى أنه لو تأخر فقيل: لبناً من بين فرث ودم كان صفة له، وإنما قدم لأنه موضع العبرة، فهو قمن بالتقديم.

وقد احتج بعض من يرى أن المني طاهر على من جعله نجساً، لجريه في مسلك البول بهذه الآية، وأنه ليس بمستنكر أن يسلك مسلك البول وهو طاهر، كما خرج اللبن من بين فرث ودم طاهراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً ﴾ دَلالَةً يُعْبَرُ بِها مِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ.

﴿ نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ العِبْرَةِ، وإنَّما ذَكَرَ الضَّمِيرَ ووَحَّدَهُ ها هُنا لِلَّفْظِ وأنَّثَهُ في سُورَةِ « المُؤْمِنِينَ» لِلْمَعْنى، فَإنَّ ﴿ الأنْعامِ ﴾ اسْمُ جَمْعٍ ولِذَلِكَ عَدَّهُ سِيبَوَيْهُ في المُفْرَداتِ المَبْنِيَّةِ عَلى أفْعالٍ كَأخْلاقٍ وأكْياسٍ، ومَن قالَ إنَّهُ جَمْعُ نِعَمٍ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْبَعْضِ فَإنَّ اللَّبَنَ لِبَعْضِها دُونَ جَمِيعِها أوْ لِواحِدِهِ أوْ لَهُ عَلى المَعْنى، فَإنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ (نَسْقِيكُمْ) بِالفَتْحِ هُنا وفي « المُؤْمِنِينَ» .

﴿ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا ﴾ فَإنَّهُ يَخْلُقُ مِن بَعْضِ أجْزاءِ الدَّمِ المُتَوَلِّدِ مِنَ الأجْزاءِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي في الفَرْثِ، وهو الأشْياءُ المَأْكُولَةُ المُنْهَضِمَةُ بَعْضَ الِانْهِضامِ في الكِرْشِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّ البَهِيمَةَ إذا اعْتَلَفَتْ وانْطَبَخَ العَلَفُ في كِرْشِها كانَ أسْفَلُهُ فَرْثًا وأوْسَطُهُ لَبَنًا وأعْلاهُ دَمًا، ولَعَلَّهُ إنْ صَحَّ فالمُرادُ أنَّ أوْسَطَهُ يَكُونُ مادَّةَ اللَّبَنِ وأعْلاهُ مادَّةَ الدَّمِ الَّذِي يُغَذِّي البَدَنَ، لِأنَّهُما لا يَتَكَوَّنانِ في الكِرْشِ بَلِ الكَبِدُ يَجْذِبُ صَفاوَةَ الطَّعامِ المُنْهَضِمِ في الكِرْشِ، ويُبْقِي ثُفْلَهُ وهو الفَرْثُ ثُمَّ يُمْسِكُها رَيْثَما يَهْضِمُها هَضْمًا ثانِيًا فَيُحْدِثُ أخْلاطًا أرْبَعَةً مَعَها مائِيَّةٌ، فَتُمَيِّزَ القُوَّةُ المُمَيِّزَةُ تِلْكَ المائِيَّةِ بِما زادَ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ مِنَ المَرَّتَيْنِ وتَدْفَعُها إلى الكُلْيَةِ والمَرارَةِ والطِّحالِ، ثُمَّ يُوَزَّعُ الباقِي عَلى الأعْضاءِ بِحَسَبِها فَيَجْرِي إلى كُلٍّ حَقُّهُ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ بِتَقْدِيرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ، ثُمَّ إنْ كانَ الحَيَوانُ أُنْثى زادَ أخِلاطُها عَلى قَدْرِ غِذائِها لِاسْتِيلاءِ البَرْدِ والرُّطُوبَةِ عَلى مِزاجِها، فَيَنْدَفِعُ الزّائِدُ أوَّلًا إلى الرَّحِمِ لِأجْلِ الجَنِينِ فَإذا انْفَصَلَ انْصَبَّ ذَلِكَ الزّائِدُ أوْ بَعْضُهُ إلى الضُّرُوعِ، فَيَبِيضُ بِمُجاوَرَةِ لُحُومِها الغُدَدِيَّةِ البِيضِ فَيَصِيرُ لَبَنًا، ومَن تَدَبَّرَ صُنْعَ اللَّهِ تَعالى في إحْداثِ الأخْلاطِ والألْبانِ وإعْدادِ مَقارِّها ومَجارِيها والأسْبابِ المُوَلِّدَةِ لَها والقُوى المُتَصَرِّفَةِ فِيها كُلَّ وقْتٍ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ، اضْطَرَّ إلى الإقْرارِ بِكَمالِ حِكْمَتِهِ وتَناهِي رَحْمَتِهِ، و ﴿ مِن ﴾ الأُولى تَبْعِيضِيَّةٌ لِأنَّ اللَّبَنَ بَعْضُ ما في بُطُونِها والثّانِيَةُ ابْتِدائِيَّةٌ كَقَوْلِكَ: سَقَيْتُ مِنَ الحَوْضِ، لِأنَّ بَيْنَ الفَرْثِ والدَّمِ المَحَلُّ الَّذِي يُبْتَدَأُ مِنهُ الإسْقاءُ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿ نُسْقِيكُمْ ﴾ أوْ حالٌ مِن ﴿ لَبَنًا ﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِتَنْكِيرِهِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ العِبْرَةِ.

﴿ خالِصًا ﴾ صافِيًا لا يَسْتَصْحِبُ لَوْنَ الدَّمِ ولا رائِحَةَ الفَرْثِ، أوْ مُصَفًّى عَمّا يَصْحَبُهُ مِنَ الأجْزاءِ الكَثِيفَةِ بِتَضْيِيقِ مَخْرَجِهِ.

﴿ سائِغًا لِلشّارِبِينَ ﴾ سَهْلَ المُرُورِ في حَلْقِهِمْ، وقُرِئَ « سَيِّغًا» بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِنَّ لَكُمْ فِى الأنعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِى بُطُونِهِ} وبفتح النون نافع وشامي وأبو بكر قال الزجاج سقيته وأسقيته بمعنى واحد ذكر سيبويه الأنعام في الأسماء المفردة الواردة على أفعال ولذا رجع الضمير إليه مفرداً وأما في بطونها في سورة المؤمنين فلأن معناه الجمع وهو استئناف كأنه قيل كيف العبرة فقال تسقيكم مما في بطونه {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا} أي يخلق الله اللبن وسيطاً بين الفرث والدم يكتفانه وبينه وبينهما برزخ لا يبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة بل هو خالص من ذلك كله قيل إذا أكلت البهيمة العلف فاستقر في كرشها وطبخته فكان أسفله فرثاً وأوسطه لبناً وأعلاه دماً والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها فتجري الدم في العروق واللبن في الضروع ويبقى الفرث في

الكرش ثم ينحدر وفي ذلك عبرة لمن اعتبر وسئل شقيق عن الاخلاص فقال تميز العمل من العيوب كتميز اللبن من بين فرث ودم {سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ} سهل المرور في الحلق ويقال لم يغص أحد باللبن قط ومن الأولى للتبعيض لأن اللبن بعض ما في بطونها والثانية لابتداء الغاية ويتعلق

النحل (٦٧ _ ٦٩)

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً ﴾ أيْ مَعْبَرًا يَعْبُرُ بِهِ مِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ، وأصْلُ مَعْنى العِبَرِ والعُبُورِ التَّجاوُزُ مِن مَحَلٍّ إلى آخَرَ، وقالَ الرّاغِبُ: العُبُورُ مُخْتَصٌّ بِتَجاوُزِ الماءِ بِسِباحَةٍ ونَحْوِها، والمَشْهُورُ عُمُومُهُ فَإطْلاقُ العِبْرَةِ عَلى ما يُعْتَبَرُ بِهِ لِما ذُكِرَ لَكِنَّهُ صارَ حَقِيقَةً في عُرْفِ اللُّغَةِ؟

والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ لَعِبْرَةً عَظِيمَةً ﴿ نُسْقِيكُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ العِبْرَةُ فِيها؟

فَقِيلَ: نُسْقِيكم ﴿ مِمّا في بُطُونِهِ ﴾ ومِنهم مَن قَدَّرَ هُنا مُبْتَدَأً وهو هي نُسْقِيكم ولا حاجَةَ إلَيْهِ، وضَمِيرُ ﴿ بُطُونِهِ ﴾ لِلْأنْعامِ وهو اسْمُ جَمْعٍ واسْمُ الجَمْعِ يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وإفْرادُهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وتَأْنِيثُهُ وجَمْعُهُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، ولِذا جاءَ الوَجْهَيْنِ في القُرْآنِ وكَلامُ العَرَبِ كَذا قِيلَ.

ونُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ عَدُّ الأنْعامَ مُفْرَدًا وكَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى مُتَناقِضٌ ظاهِرًا فَإنَّهُ قالَ في بابِ ما كانَ عَلى مِثالِ مَفاعِلَ ومَفاعِيلَ ما نَصُّهُ: وأمّا أجَمالٌ وفُلُوسٌ فَإنَّها تَنْصَرِفُ وما أشْبَهَها لِأنَّها ضارَعَتِ الواحِدَ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: أقْوالٌ وأقاوِيلُ وأعْرابٌ وأعارِيبُ وأيْدٍ وأيادٍ فَهَذِهِ الأحْرُفُ تَخْرُجُ إلى مَفاعِلَ ومَفاعِيلَ كَما يَخْرُجُ الواحِدُ إلَيْهِ إذا فُسِّرَ لِلْجَمْعِ، وأمّا مَفاعِلُ ومَفاعِيلُ فَلا يُكْسَرُ فَيَخْرُجُ الجَمْعُ إلى بِناءٍ غَيْرِ هَذا لِأنَّ هَذا هو الغايَةُ فَلَمّا ضارَعَتِ الواحِدَ صُرِفَتْ، ثُمَّ قالَ: وكَذَلِكَ الفَعُولُ لَوْ كُسِرَتْ مِثْلَ الفُلُوسِ فَإنَّكَ تُخْرِجُهُ إلى فَعائِلَ كَما تَقُولُ: جُدُودٌ وجَدائِدُ ورُكُوبٌ ورَكائِبُ.

ولَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ بِمَفاعِلَ ومَفاعِيلَ لَمْ يُجاوِزْ هَذا البِناءَ، ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ تَقُولُ: أتى لِلْواحِدِ فَيَضُمُّ الألِفَ، وأمّا أفْعالٌ فَقَدْ يَقَعُ لِلْواحِدِ ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ هو الأنْعامُ قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ ﴿ نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ ﴾ وقالَ أبُو الخَطّابِ: سَمِعْتُ العَرَبَ تَقُولُ: هَذا ثَوْبُ أكْياسٍ انْتَهى.

وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في بابِ ما لَحِقَتْهُ الزَّوائِدُ مِن بَناتِ الثَّلاثَةِ ولَيْسَ في الكَلامِ أفَعِيلُ ولا أفَعُولُ ولا أفْعالُ ولا أفْعَلُ ولا أفْعالُ إلّا أنْ تُكْسَرَ عَلَيْهِ أسْماءُ لِلْجَمْعِ انْتَهى، وقَدِ اضْطَرَبَ النّاسُ في التَّوْفِيقِ بَيْنَ كَلامَيْهِ فَذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى تَأْوِيلِ الأوَّلِ وإبْقاءِ الثّانِي عَلى ظاهِرِهِ مِن أنَّ أفْعالًا لا يَكُونُ مِن أبْنِيَتِهِ المُفْرَدُ فَحَمَلَ قَوْلَهُ أوَّلًا وأمّا أفْعالٌ فَقَدْ يَقَعُ لِلْواحِدِ إلَخْ: عَلى أنَّ بَعْضَ العَرَبِ قَدْ يَسْتَعْمِلُهُ فِيهِ مَجازًا كالأنْعامِ بِمَعْنى النَّعَمِ كَما قالَ الشّاعِرُ: تَرَكْنا الخَيْلَ والنَّعَمِ المُفَدّى وقُلْنا لِلنِّساءِ بِها أقِيمِي ولَيْسَ مُرادُهُ أنَّهُ مُفْرَدٌ صِيغَةً ووَضْعًا بِدَلِيلِ ما صَرَّحَ بِهِ في المَوْضِعِ الآخَرِ مِن أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا جَمْعًا.

واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ مَقْصُودَ سِيبَوَيْهِ بِما ذَكَرَهُ أوَّلًا الفَرْقُ بَيْنَ صِيغَتَيْ مُنْتَهى الجُمُوعِ وأفْعالُ وفُعُولٌ حَيْثُ مُنِعَ الصَّرْفُ لِلْأوَّلِ دُونَ الثّانِي بِوُجُوهٍ: مِنها أنَّ الأوَّلَيْنِ لا يَقَعانِ عَلى الواحِدِ بِخِلافِ الآخِيرَيْنِ كَما أوْضَحَهُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ وُقُوعُ أفْعالٍ عَلى الواحِدِ بِالوَضْعِ لَمْ يَحْصُلِ الفَرْقُ فَلا يَتِمُّ المَقْصُودُ.

نَعَمْ لا كَلامَ في تَدافُعِ كَلامَيْهِ، وأيْضًا لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُخْتَصَّ بِبَعْضِهِمْ، وأيْضًا إنَّ التَّجَوُّزَ بِالجَمْعِ عَنِ الواحِدِ يَصِحُّ في كُلِّ جَمْعٍ حَتّى صِيغَتَيْ مُنْتَهى الجُمُوعِ.

وتَعَقَّبَهُ الخَفاجِيُّ بِقَوْلِهِ: والحَقُّ أنَّهُ لا تَدافُعَ بَيْنَ كَلامَيْهِ فَإنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ صِيغَتَيْ مُنْتَهى الجُمُوعِ والصِّيغَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ بِأنَّ الأوَّلَتَيْنِ لا تُجْمَعانِ والأخِيرَتانِ تُجْمَعانِ فَأشْبَهَتا الآحادَ ثُمَّ قَوّى ذَلِكَ بِأنَّ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ اسْتَعْمَلَتْ أتى وهو عَلى وزْنِ فَعُولٍ مُفْرَدًا حَقِيقَةً، ومِنهم مَنِ اسْتَعْمَلَ الأنْعامَ وهو عَلى وزْنِ أفْعالٍ كَذَلِكَ، وقَدْ أشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ لُغَةٌ نادِرَةٌ بِبَعْضٍ، ومِن وما ذَكَرَهُ بَعْدُ بِناءٌ عَلى اللُّغَةِ المُتَداوَلَةِ، وقَوْلُهُ: إنَّ مَقْصُودَهُ أوَّلًا الفَرْقُ بِوُجُوهٍ لا وجْهَ لَهُ كَما يَعْرِفُهُ حَمْلَةُ الكِتابِ انْتَهى، ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّ رُجُوعَ الضَّمِيرِ المُفْرَدِ المُذَكَّرِ إلى الأنْعامِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مُفْرَدٌ عَلى لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ ومَن قالَ: إنَّهُ جَمْعُ نَعَمٍ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْبَعْضِ أمّا المُقَدَّرُ أيْ بَعْضَ الأنْعامِ أوِ المَفْهُومَ مِنها أوْ لِلْأنْعامِ بِاعْتِبارِ بَعْضِها وهو الإناثُ الَّتِي يَكُونُ اللَّبَنُ مِنها أوْ لِواحِدِهِ كَما في قَوْلِ ابْنِ الحاجِبِ: المَرْفُوعاتُ هو ما اشْتَمَلَ عَلى عِلْمِ الفاعِلِيَّةِ أوْ لَهُ عَلى المَعْنى لِأنَّ ألِ الجِنْسِيَّةَ تُسَوِّي بَيْنَ المُفْرَدِ والجَمْعِ في المَعْنى فَيَجُوزُ عَوْدُ ضَمِيرِ كُلٍّ مِنهُما عَلى الآخَرِ.

وفي البَحْرِ أعادَ الضَّمِيرَ مُذَكَّرًا مُراعاةَ الجِنْسِ لِأنَّهُ إذا صَحَّ وُقُوعُ المُفْرَدِ الدّالِّ عَلى الجِنْسِ مَقامَ جَمْعِهِ جازَ عَوْدُهُ عَلَيْهِ مُذَكَّرًا كَقَوْلِهِمْ هو أحْسَنُ الفِتْيانِ وأبْتَلُهُ لِأنَّهُ يَصِحُّ هو أحْسَنُ فَتًى وإنْ كانَ هَذا لا يَنْقاسُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وقِيلَ: جَمْعُ التَّكْثِيرِ فِيما لا يَعْقِلُ يُعامَلُ مُعامَلَةَ الجَماعَةِ ومُعامَلَةَ الجَمْعِ فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ مُفْرَدًا كَقَوْلِهِ: فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقٍ ∗∗∗ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقِ وهُوَ في القُرْآنِ سائِغٌ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ ﴾ ﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ ﴾ ﴿ فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي ﴾ ولا يَكُونُ هَذا إلّا في التَّأْنِيثِ المَجازِيِّ فَلا يَجُوزُ جارِيَتُكَ ذَهَبَ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ كَيْفَ جَمَعَ- نَعَمٍ- وهي تَخْصِيصٌ بِالإبِلِ والأنْعامُ تُقالُ لِلْبَقَرِ والإبِلِ والغَنَمِ مَعَ أنَّهُ لَوِ اخْتَصَّ كانَ مُساوِيًا.

وأُجِيبَ بِأنَّ مَن يَراهُ جَمَعًا لَهُ يَخُصُّ الأنْعامَ أوْ يُعَمِّمُ النَّعَمَ ويَجْعَلُ التَّفْرِقَةَ ناشِئَةً مِنَ الِاسْتِعْمالِ ويَجْعَلُ الجَمْعَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَعَدُّدِ الأنْواعِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ بِخِلافٍ عَنْهُ والحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ وأهْلُ المَدِينَةِ (نَسْقِيكُمْ) بِفَتْحِ النُّونِ هُنا وفي المُؤْمِنِينَ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ سَقى وهو لُغَةٌ في أسْقى عِنْدَ جَمْعٍ وأنْشَدُوا قَوْلَ لَبِيَدٍ: سَقى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وأسْقى ∗∗∗ نُمَيْرًا والقَبائِلَ مِن هِلالِ وقالَ بَعْضُ: يُقالُ سَقَيْتُهُ لِشَفَتِهِ وأسْقَيْتُهُ لِماشِيَتِهِ وأرْضِهِ، وقِيلَ: سَقاهُ بِمَعْنى رَواهُ بِالماءِ وأسْقاهُ بِمَعْنى جَعَلَهُ شَرابًا مُعَدًّا لَهُ، وفِيهِ كَلامٌ بَعْدُ فَتَذَكَّرْ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ «يُسْقِيكُمْ» بِالياءِ مَضْمُومَةً والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى.

وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى النَّعَمِ وذُكِرَ لِأنَّ النِّعَمَ مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، والمَعْنى وإنَّ لَكم في الأنْعامِ نِعَمًا يُسْقِيكم أيْ يَجْعَلُ لَكم سُقْيًا.

وهو كَما تَرى.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو جَعْفَرٍ «تَسْقِيكُمْ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَفْتُوحَةً قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ انْتَهى، ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ ضَعْفِها، وكَأنَّهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ عَنى بِهِ اجْتِماعَ التَّأْنِيثِ في «تَسْقِيكُمْ» والتَّذْكِيرِ في ﴿ بُطُونِهِ ﴾ وغَفَلَ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُعَدُّ ضَعْفًا لِأنَّ التَّأْنِيثَ والتَّذْكِيرَ بِاعْتِبارِ وجْهَيْنِ.

﴿ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا ﴾ الفَرْثُ عَلى ما في الصِّحاحِ السِّرْجِينُ ما دامَ في الكِرْشِ والجَمْعُ فُرُوثٌ.

وفي البَحْرِ كَثِيفُ ما يَبْقى مِنَ المَأْكُولِ في الكِرْشِ أوِ المَعِيِّ، وبَيْنِ تَقْتَضِي مُتَعَدِّدًا وهو هُنا الفَرْثُ والدَّمُ فَيَكُونُ مُقْتَضى ظاهِرِ النَّظْمِ تَوَسَّطَ اللَّبَنِ بَيْنَهُما، ورَوى ذَلِكَ الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: إنَّ البَهِيمَةَ إذا اعْتُلِفَتْ وأُنْضِجُ العَلَفُ في كِرْشِها كانَ أسْفَلُهُ فَرْثًا وأوْسَطُهُ لَبَنًا وأعْلاهُ دَمًا.

ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ فالبَيْنِيَّةُ عَلى حَقِيقَتِها وظاهِرِها وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الإمامُ الرّازِيُّ بِقَوْلِهِ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: اللَّبَنُ والدَّمُ لا يَتَوَلَّدانِ في الكِرْشِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ الحِسُّ فَإنَّ الحَيَواناتِ تُذْبَحُ دائِمًا ولا يُرى في كِرْشِها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ولَوْ كانَ تَوَلَّدَ ما ذُكِرَ فِيهِ لَوَجَبَ أنْ يُشاهَدَ في بَعْضِ الأحْوالِ والشَّيْءُ الَّذِي دَلَّتِ المُشاهَدَةُ عَلى فَسادِهِ لَمْ يَجُزِ المَصِيرُ إلَيْهِ بَلِ الحَقُّ أنَّ الحَيَوانَ إذا تَناوَلَ الغِذاءَ وصَلَ إلى مَعِدَتِهِ وإلى كِرْشِهِ إنْ كانَ مِنَ الأنْعامِ وغَيْرِها فَإذا طُبِخَ وحَصَلَ الهَضْمُ الأوَّلُ فِيهِ فَما كانَ مِنهُ صافِيًا انْجَذَبَ إلى الكَبِدِ وما كانَ كَثِيفًا نَزَلَ إلى الأمْعاءِ ثُمَّ ذَلِكَ الَّذِي يَحْصُلُ في الكَبِدِ يَنْضُجُ ويَصِيرُ دَمًا وذَلِكَ هو الهَضْمُ الثّانِي ويَكُونُ ذَلِكَ مَخْلُوطًا بِالصَّفْراءِ والسَّوْداءِ وزِيادَةِ المائِيَّةِ، أمّا الصَّفْراءُ فَتَذْهَبُ إلى المَرارَةِ والسَّوْداءُ إلى الطُّحالِ والماءُ إلى الكُلْيَةِ ومِنها إلى المَثانَةِ، وأمّا ذَلِكَ الدَّمُ فَإنَّهُ يَدْخُلُ في الأوْرِدَةِ والعُرُوقِ النّابِتَةِ مِنَ الكَبِدِ وهُناكَ يَحْصُلُ الهَضْمُ الثّالِثُ، وبَيْنَ الكَبِدِ والضَّرْعِ عُرُوقٌ كَثِيرَةٌ فَيَنْصَبُّ الدَّمُ مِن تِلْكَ العُرُوقِ إلى الضَّرْعِ، والضَّرْعُ لَحْمٌ غُدَدِيٌّ رَخْوٌ أبْيَضُ فَيُقَلِّبُ اللَّهُ تَعالى الدَّمَ فِيهِ إلى صُورَةِ اللَّبَنِ، لا يُقالُ: إنَّ هَذِهِ المَعْنى حاصِلَةٌ في الحَيَوانِ الذَّكَرِ فَلِمَ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ اللَّبَنُ لِأنّا نَقُولُ: الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ اقْتَضَتْ تَدْبِيرَ كُلِّ شَيْءٍ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِهِ المُوافِقِ لِمَصْلَحَتِهِ فَأوْجَبَتْ أنْ يَكُونَ مِزاجُ الذَّكَرِ حارًّا يابِسًا ومِزاجُ الأُنْثى بارِدًا رَطْبًا فَإنَّ الوَلَدَ إنَّما يَتَوَلَّدُ في داخِلِ بَدَنِ الأُنْثى فَكانَ اللّائِقُ بِها اخْتِصاصَها بِالرُّطُوبَةِ لِتَصِيرَ مادَّةً لِلتَّوَلُّدِ وسَبَبًا لِقَبُولِ التَّمَدُّدِ فَتَتَّسِعُ لِلْوَلَدِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الرُّطُوبَةَ بَعْدَ انْفِصالِ الجَنِينِ تَنْصَبُّ إلى الضَّرْعِ فَتَصِيرُ مادَّةً لِغِذائِهِ كَما كانَتْ كَذَلِكَ قَبْلُ في الرَّحِمِ، ومَن تَدَبَّرْ في بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى فِيما ذَكَرَ مِنَ الأخْلاطِ والألْبانِ وإعْدادِ مَقارِّها ومَجارِيها والأسْبابِ المُوَلِّدَةِ لَها وتَسْخِيرِ القُوى المُتَصَرِّفَةِ فِيها كُلَّ وقْتٍ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ اضْطُرَّ إلى الِاعْتِرافِ بِكَمالِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ وتَناهِي رَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ: حِكَمٌ حارَتِ البَرِّيَّةُ فِيها ∗∗∗ وحَقِيقٌ بِأنَّها تَحْتارُ وحاصِلُ ما ذَكَرُوهُ أنَّهُ إذا ورَدَ الغِذاءُ الكِرْشَ انْطَبَخَ فِيهِ وتَمَيَّزَتْ مِنهُ أجْزاءٌ لَطِيفَةٌ تَنْجَذِبُ إلى الكَبِدِ فَيَنْطَبِخُ فِيها فَيَحْصُلُ الدَّمُ فَتَسْرِي أجْزاءٌ مِنهُ إلى الضَّرْعِ ويَسْتَحِيلُ لَبَنًا بِتَدْبِيرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ، وحِينَئِذٍ فالمُرادُ أنَّ اللَّبَنَ إنَّما يَحْصُلُ مِن بَيْنِ أجْزاءِ الفَرْثِ ثُمَّ مِن بَيْنِ أجْزاءِ الدَّمِ فالبَيْنِيَّةُ عَلى هَذا مَجازِيَّةٌ وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ وغَيْرِهِ لَعَلَّ المُرادَ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أوْسَطَهُ يَكُونُ مادَّةَ اللَّبَنِ وأعْلاهُ مادَّةَ الدَّمِ الَّذِي يَعْذُو البَدَنَ فَإنَّ عَدَمَ تَكَوُّنِهِما في الكِرْشِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ والدّاعِي إلى ذَلِكَ مُخالَفَةُ ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ لِلْحِسِّ ولِما ذَكَرَهُ الحُكَماءُ أهْلُ التَّشْرِيحِ.

ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرُوهُ ما أخْبَرَنِي بِهِ مَن أثِقُ بِهِ مِن أنَّهُ قَدْ شاهَدَ خُرُوجَ الدَّمِ مِنَ الضَّرْعِ بَعْدَ اللَّبَنِ عِنْدَ المُبالَغَةِ في الحَلْبِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، (ومِن) الأُولى تَبْعِيضِيَّةٌ لِما أنَّ اللَّبَنَ بَعْضُ ما في بُطُونِ الأنْعامِ لِأنَّهُ مَخْلُوفٌ مِن بَعْضِ أجْزاءِ الدَّمِ المُتَوَلِّدِ مِنَ الأجْزاءِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي في الفَرْثِ حَسْبَما سَمِعْتَ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ- بِنُسْقِيكُمْ- (ومِن) الثّانِيَةُ ابْتِدائِيَّةٌ وهي أيْضًا مُتَعَلِّقَةٌ- بِنُسْقِيكُمْ- فَإنَّ بَيْنَ الدَّمِ والفَرْثِ المَحَلَّ الَّذِي يُبْتَدَأُ مِنهُ الإسْقاءُ وتَعَلُّقُهُما بِعامِلٍ واحِدٍ لِاخْتِلافِ مَدْلُولَيْهِما (ولَبَنًا) مَفْعُولٌ ثانٍ- لِنُسْقِيكُمْ- وتَقْدِيمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِما مَرَّ مِرارًا مِن أنَّ تَقْدِيمَ ما حَقُّهُ التَّأْخِيرُ يَبْعَثُ لِلنَّفْسِ شَوْقًا إلى المُؤَخَّرِ مُوجِبًا لِفَضْلِ تَمَكُّنِهِ عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها لا سِيَّما إذا كانَ المُقَدَّمُ مُتَضَمِّنًا لِوَصْفٍ مُنافٍ لِوَصْفِ المُؤَخَّرِ كالَّذِي نَحْنُ فِيهِ، فَإنَّ بَيْنَ وصْفَيِ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ تَنافِيًا وتَنائِيًا بِحَيْثُ لا يَتَراءى نارُهُما فَإنَّ لِذَلِكَ مِمّا يَزِيدُ الشَّوْقَ والِاسْتِشْرافَ إلى المُؤَخَّرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (مِن بَيْنِ) حالًا مِن (لَبَنًا) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِتَنْكِيرِهِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ العِبْرَةِ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (مِن) الأُولى ابْتِدائِيَّةً كالثّانِيَةِ فَيَكُونُ (مِن بَيْنِ) بَدَلَ اشْتِمالٍ مِمّا تَقَدَّمَ ﴿ خالِصًا ﴾ مُصَفًّى عَمّا يَصْحَبُهُ مِنَ الأجْزاءِ الكَثِيفَةِ بِتَضْيِيقِ مَخْرَجِهِ أوْ صافِيًا لا يَسْتَصْحِبُهُ لَوْنُ الدَّمِ ولا رائِحَةُ الفَرْثِ ﴿ سائِغًا لِلشّارِبِينَ ﴾ سَهْلُ المُرُورِ في حَلْقِهِمْ لِدُهْنِيَّتِهِ.

أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَبِيبَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««ما شَرِبَ أحَدٌ لَبَنًا فَشَرِقَ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ»».

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ «سَيِّغًا» بِتَشْدِيدِ الياءِ.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ «سَيْغًا» مُخَفَّفًا مِن سَيِّغٍ كَهَيْنٍ المُخَفَّفِ مِن هَيِّنٍ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى طَهارَةِ لَبَنِ المَأْكُولِ وإباحَةِ شُرْبِهِ، وقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ مَن يَرى عَلى أنَّ المَنِيَّ طاهِرٌ عَلى مَن جَعَلَهُ نَجِسًا لِجَرْيِهِ في مَسْلَكِ البَوْلِ بِها أيْضًا وأنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَسْلُكَ مَسْلَكَ البَوْلِ وهو طاهِرٌ كَما خَرَجَ اللَّبَنُ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ طاهِرًا.

وفِي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: اعْتِبارُ حُدُوثِ اللَّبَنِ كَما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ يَدُلُّ عَلى إمْكانِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا العُشْبَ الَّذِي يَأْكُلُهُ الحَيَوانُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الماءِ والأرْضِ فَخالِقُ العالَمِ دَبَّرَ تَدْبِيرًا انْقَلَبَ بِهِ لَبَنًا ثُمَّ دَبَّرَ تَدْبِيرًا آخَرَ حَدَثَ مِن ذَلِكَ اللَّبَنِ الدُّهْنُ والجُبْنُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَقْلِبَ هَذِهِ الأجْسامَ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ ومِن حالَةٍ إلى حالَةٍ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ أيْضًا أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى أنْ يَقْلِبَ أجْزاءَ أبْدانِ الأمْواتِ إلى صِفَةِ الحَياةِ والعَقْلِ كَما كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَهَذا الِاعْتِبارُ يَدُلُّ مِن هَذا الوَجْهِ عَلى أنَّ البَعْثَ والقِيامَةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَآء أي: المطر فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أي: بعد يبسها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي: علامة لوحدانيته، وعلموا أن معبودهم لا يستطيع شيئاً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أي: يطيعون ويصدقون ويعتبرون ويبصرون.

قوله عز وجل: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: نُسْقِيكُمْ بنصب النون، وقرأ الباقون: بضم النون، ومعناهما واحد.

يقال: سقيته وأسقيته بمعنى واحد مِمَّا فِي بُطُونِهِ ولم يقل مما في بطونها، والأنعام جماعة مؤنثة، وفي هذا قولان: إن شئت رددت إلى واحد من الأنعام، وواحدها نعم، والنعم تذكر، وتؤنث، كقوله: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ [البقرة: 74] أي: من الحجر.

وإن شئت قلت على تأويل آخر نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ أي: بطون ما ذكرنا، وهذا مثل قوله: جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ إلى آخره [الأنعام: 141] وقال: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى آخره [المائدة: 90] ولم يقل فاجتنبوها، أي: فاجتنبوا ما ذكرنا.

ثم قال تعالى: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ يعني: يخرج اللبن من بين الفرث والدم.

قال ابن عباس في رواية أبي صالح: «إن الدابة تأكل العلف، فإذا استقر في كرشها، طحنه الكبد فكان أسفله فرثا، وأوسطه لبنا، وأعلاه دما، والكبد مسلط على هذه الأصناف الثلاثة.

فيقسم الدم فيجري في العروق، ويجري اللبن في الضرع، ويبقى الفرث كما هو في الكرش» .

وقال بعضهم: إذا استقر العلف في الكرش، صار دماً بحرارة الكبد، ثم ينصرف الدم في العروق، فمقدار ما ينتهي إلى الضرع صار لبناً لبرودة الضرع، بدليل أنَّ الضرع إذا كانت فيه آفة، يخرج منه الدم مكان اللبن.

لَبَناً خالِصاً صار اللبن نصباً على معنى التفسير سائِغاً لِلشَّارِبِينَ أي: سهلاً في الشرب لا يغص به شاربه.

ويقال: ليشتهي شاربه.

ثم قال تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً أي: من الثمرات سكرا.

ويقال: مِنْهُ كناية عن الأول وهو قوله وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ من ذلك سَكَراً والسكر: هو نقيع التمر إذا غلى واشتد قبل أن يطبخ.

ويقال: يعني: خمراً.

قال ابن عباس: «نزلت هذه الآية وهي يومئذ لهم حلال» ، وهكذا قال الحسن والقتبي: إن هذه الآية نزلت في الخمر وَرِزْقاً حَسَناً يعني: الخل والزبيب والرُّبُّ.

وروي عن ابن عباس أنه قال: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً «يعني: ما حرم منه» وَرِزْقاً حَسَناً «ما أحل منه» .

وقال الشعبي: السكر هو: النبيذ والخل.

والرزق الحسن: التمر، والزبيب.

وقال الضحاك: السكر الحرام، والرزق الحسن: الحلال.

وهؤلاء كلهم قالوا: كان هذا قبل تحريم الخمر.

وقال الأخفش: سَكَراً طعاماً.

يقال: هذا سكر لك أي: طعام لك.

وقال القتبي: لست أدري هذا.

ثم قال: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي: لعبرة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ توحيد الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : وهذا لا يضطر إِليه لأنه خروجٌ عن اللَّفْظِ، بل قوله: مَثَلُ على بابه، فلهم على الإِطلاقِ مَثَلُ السوء في كلِّ سوء، ولا غاية أخزى من عذابِ النارِ، وللَّه سبحانه الْمَثَلُ الْأَعْلى على الإِطلاق أيضاً، أي: الكمال المستغْنِي.

وقوله سبحانه: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ: الضميرُ في «عليها» عائدٌ على الأرض، وتَمَكَّنَ ذلك مع أنه لم يَجْرِ لها ذكر لشهرتها وتمكُّن الإِشارة إِليها، وسمع أبو هريرة رجُلاً يقول: «إِنَّ الظَّالِمَ لاَ يُهْلِكُ إِلاَّ نَفْسَهُ» فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: بَلَى، إِنَّ اللَّهَ لَيُهْلِكُ الحُبَارَى في وَكْرِهَا هزلاً بذنوب الظّلمة «٢» .

و «الأجل المسمَّى» في هذه الآية: هو بحسبِ شَخْصٍ شخصٍ.

وقوله: مَا يَكْرَهُونَ يريد البنات.

وقوله سبحانه: وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى: قال مجاهد وقتادة الْحُسْنى: الذُّكُور من الأولاد «٣» ، وقالت فرقةٌ: يريد الجنة.

قال ع «٤» : ويؤيِّده قوله: لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ، وقرأ السبعة «٥» سوَى نافعٍ:

«مُفْرَطُونَ» - بفتح الراءِ وخِفَّتِها- أي: مُقَدَّمون إِلى النار، وقرأَ نافع: «مُفْرِطُونَ» - بكسر الراء المخفَّفة-، أي: متجاوِزُونَ الحدَّ في معاصي الله.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ يَعْنِي: المَطَرَ " فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها " أيْ: بَعْد يُبْسِها ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ أيْ: يَعْتَبِرُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " نُسْقِيكم " بِضَمِّ النُّونِ، ومِثْلُهُ في (المُؤْمِنُونَ:٢١) .

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نَسْقِيكم " بِفَتْحِ النُّونِ فِيهِما.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: " تَسْقِيكم " بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، وكَذَلِكَ في (المُؤْمِنُونَ:٢١)، وَقَدْ سَبَقَ بَيانُ الأنْعامِ.

وذَكَرْنا مَعْنى " العِبْرَةِ " في (آلِ عِمْرانَ:١٣)، والفَرْقَ بَيْنَ " سَقى " و " أسْقى " في (الحِجْرِ:٢٢) .

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ مِمّا في بُطُونِهِ ﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: النَّعَمُ والأنْعامُ شَيْءٌ واحِدٌ، وهُما جَمْعانِ، فَرَجَعَ التَّذْكِيرُ إلى مَعْنى " النَّعَمِ " إذْ كانَ يُؤَدِّي عَنِ الأنْعامِ، أنْشَدَنِي بَعْضُهم: وَطابَ ألْبانُ اللَّقاحِ وبَرَدْ فَرَجَعَ إلى اللَّبَنِ، لِأنَّ اللَّبَنَ والألْبانَ في مَعْنًى؛ قالَ: وقالَ الكِسائِيُّ: أرادَ: نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِ ما ذَكَرْنا، وهو صَوابٌ، أنْشَدَنِي بَعْضُهم: مِثْلَ الفِراخِ نُتِفَتْ حَواصِلُهْ وَقالَ المُبَرِّدُ: هَذا فاشٍ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ لِلشَّمْسِ: ﴿ هَذا رَبِّي  ﴾ يَعْنِي: هَذا الشَّيْءُ الطّالِعُ، وكَذَلِكَ ﴿ وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ  ﴾ ولَمْ يَقُلْ: " جاءَتْ " لِأنَّ المَعْنى: جاءَ الشَّيْءُ الَّذِي ذَكَرْنا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهاءُ في " بُطُونِهِ " لِلْبَعْضِ، والمَعْنى: نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِ البَعْضِ الَّذِي لَهُ لَبَنٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ الأنْعامِ لَبَنٌ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ذَهَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِمّا في بُطُونِهِ ﴾ إلى النَّعَمِ، والنَّعَمُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، والفَرْثُ: ما في الكِرْشِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّبَنَ كانَ طَعامًا، فَخَلَصَ مِن ذَلِكَ الطَّعامِ دَمٌ، وبَقِيَ مِنهُ فَرْثٌ في الكِرْشِ، وخَلُصَ مِن ذَلِكَ الدَّمِ " لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ " أيْ: سَهْلًا في الشُّرْبِ لا يَشْجى بِهِ شارِبُهُ، ولا يَغَصُّ.

وقالَ بَعْضُهم: سائِغًا، أيْ: لا تَعافُهُ النَّفْسُ وإنْ كانَ قَدْ خَرَجَ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ، ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا اسْتَقَرَّ العَلَفُ في الكِرْشِ، طَحَنَهُ، فَصارَ أسْفَلُهُ فَرْثًا، وأعْلاهُ دَمًا، وأوْسَطُهُ لَبَنًا، والكَبِدُ مُسَلَّطَةٌ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، فَيَجْرِي الدَّمُ في العُرُوقِ، واللَّبَنُ في الضَّرْعِ، ويَبْقى الفَرْثُ في الكِرْشِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ﴾ تَقْدِيرُ الكَلامِ: ولَكم مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ما تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا.

والعَرَبُ تُضْمِرُ " ما " كَقَوْلِهِ: ﴿ وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ  ﴾ أيْ: ما ثَمَّ.

والكِنايَةُ في " مِنهُ " عائِدَةٌ عَلى " ما " المُضْمَرَةُ.

وقالَ الأخْفَشُ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: مِنهُما، لِأنَّهُ أضْمَرَ الشَّيْءَ، كَأنَّهُ قالَ: ومِنها شَيْءٌ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا.

وَفِي المُرادِ بِالسَّكَرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الخَمْرُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ ابْنُ أبِي لَيْلى، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

ورَوى عَمْرُو بْنُ سُفْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالَ السَّكَرُ: ما حُرِّمَ مِن ثَمَرَتِها، وقالَ هَؤُلاءِ المُفَسِّرُونَ: وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ إذْ كانَتِ الخَمْرَةُ مُباحَةً، ثُمَّ نُسِخَ [ذَلِكَ] بِقَوْلِهِ: ﴿ فاجْتَنِبُوهُ  ﴾ ومِمَّنْ ذَكَرَ أنَّها مَنسُوخَةٌ، سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ.

والثّانِي: أنَّ السَّكَرَ: الخَلُّ، بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ الضَّحّاكُ: هو الخَلُّ، بِلُغَةِ اليَمَنِ.

والثّالِثُ: أنَّ " السَّكَرَ " الطُّعْمُ، يُقالُ: هَذا لَهُ سَكَرٌ، أيْ: طُعْمٌ، وأنْشَدُوا: جَعَلْتَ عَيْبَ الأكْرَمِينَ سَكَرا قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

فَعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، الآيَةُ مُحْكَمَةٌ.

فَأمّا الرِّزْقُ الحَسَنُ، فَهو ما أُحِلَّ مِنهُما، كالتَّمْرِ، والعِنَبِ، والزَّبِيبِ، والخَلِّ، ونَحْوِ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ تاللهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ أعْمالَهم فَهو ولِيُّهُمُ اليَوْمَ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ وَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ واللهُ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ ﴿ وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ ضَرْبِ مَثَلٍ لَهم بِمَن تَقَدَّمَ، وفي ضِمْنِها وعِيدٌ لَهم وتَأْنِيسٌ لِلنَّبِيِّ  ، وقَوْلُهُ: "اليَوْمَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ يَوْمَ الإخْبارِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهو بَعْدَ مَوْتِ أُولَئِكَ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ، أيْ: لا ولِيَّ لَهم مُذْ ماتُوا واحْتاجُوا إلى الغَوْثِ إلّا الشَيْطانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ يَوْمَ القِيامَةِ، والألِفُ واللامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، أيْ: هو ولِيُّهم في اليَوْمِ المَشْهُودِ، وهو وقْتُ الحاجَةِ والفَصْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَهو ولِيُّهُمُ مُدَّةَ حَياتِهِمْ ثُمَّ انْقَطَعَتْ وِلايَتِهِ بِمَوْتِهِمْ، وعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "اليَوْمَ" تَمْثِيلًا لِلْمُخاطِبِينَ بِمُدَّةِ حَياتِهِمْ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ شابٍّ تَحُضُّهُ عَلى طَلَبِ العِلْمِ: يا فُلانُ لا يَدْرُسُ أحَدٌ مِنَ الناسِ إلّا اليَوْمَ، تُرِيدُ: في مِثْلِ سِنِّكَ هَذِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ لِهَؤُلاءِ: فَهو ولِيُّهُمُ في مِثْلِ حَياتِكم هَذِهِ، وهي الَّتِي كانَتْ لَهُمْ، وسائِرُ الآيَةِ وعِيدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ يُرِيدُ القُرْآنَ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلا لِتُبَيِّنَ ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَهُدًى ورَحْمَةً ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قالَ: إلّا لِلْبَيانِ، أيْ لِأجْلِ البَيانِ، وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ كُفْرِ الكَفَرَةِ مِنَ الجَحْدِ بِاللهِ تَعالى، أو بِالقِيامَةِ، أو بِالنُبُوءاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولَكِنَّ الإشارَةَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي لَجَحْدِهِمِ الرُبُوبِيَّةَ، وتَشْرِيكِهِمِ الأصْنامَ في الإلَهِيَّةِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أخَذَهُ بَعْدَ هَذا في إثْباتِ العِبَرِ الدالَّةِ عَلى أنَّ الأنْعامَ وسائِرَ الأفْعالِ إنَّما هي مِنَ اللهِ تَعالى لا مِنَ الأصْنامِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً ﴾ الآيَةُ.

لَمّا أمَرَهُ تَبْيِينِ ما اخْتَلَفَ فِيهِ نَصَّ العِبَرِ المُؤَدِّيَةِ إلى بَيانِ أمْرِ الرُبُوبِيَّةِ، فَبَدَأ بِنِعْمَةِ المَطَرِ الَّتِي هي أبْيَنُ العِبَرِ، وهي مَلاكُ الحَياةِ، وفي غايَةِ الظُهُورِ، لا يُخالِفُ فِيها عاقِلٌ، وحَياةُ الأرْضِ ومَوْتُها اسْتِعارَةٌ وتَشْبِيهٌ بِالحَيَوانِ؛ إذْ هي هامِدَةٌ غَبْراءُ غَيْرُ مُنْبِتَةٍ فَهي كالمَيِّتِ، وإذْ هي مُنْبِتَةٌ مُخْضَرَّةٌ مُهْتَزَّةٌ رابِيَةٌ فَهي كالحَيِّ.

وقَوْلُهُ: "يَسْمَعُونَ" يَدُلُّ عَلى ظُهُورِ هَذا المُعْتَبَرِ فِيهِ وبَيانِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ ولا نَظَرِ قَلْبٍ، وإنَّما يَحْتاجُ المُنَبَّهُ إلى أنْ يَسْمَعَ القَوْلَ فَقَطْ و"الأنْعامُ" هي الأصْنافُ الأرْبَعَةُ: الإبِلُ والبَقَرُ والضَأْنُ والمَعِزُ، و"العِبْرَةُ": الحالُ المُعْتَبَرُ فِيها، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - وابْنُ مَسْعُودٍ - بِخِلافٍ- والحُسْنُ، وأهْلُ المَدِينَةِ: "نَسْقِيكُمْ" بِفَتْحِ النُونِ، مِن أسْقا يَسْقِي، وقَرَأ الباقُونَ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ بِضَمِّ النُونِ، وهي قِراءَةُ الكُوفِيِّينَ وأهْلِ مَكَّةَ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنى واحِدٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَقُولُ لِمَن سَقَيْتُهُ بِالشَفَةِ أو في مَرَّةٍ واحِدَةٍ: سَقَيْتُهُ، وتَقُولُ لِمَن تَمُرُّ سَقْيَهُ أو تَمْنَحُهُ شُرْبًا: أسْقَيْتُهُ، وهَذا قَوْلُ مَن قَرَأ: "نَسْقِيكُمْ"، لِأنَّ ألْبانَ الأنْعامِ مِنَ المُسْتَمِرِّ لِلْبَشَرِ، وأنْشَدَ مَن قالَ: "إنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنى" قَوْلِ لَبِيَدٍ: سَقى قَوْمِي بَنِي بَدْرٍ وأسْقى ∗∗∗ نُمَيْرًا والقَبائِلَ مِن هِلالِ وذَلِكَ لازِمٌ؛ لِأنَّهُ لا يَدْعُو لِقَوْمِهِ بِالقَلِيلِ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "يَسْقِيكُمْ" بِالياءِ، أيْ: يَسْقِيكُمُ اللهُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَسْقِيكُمْ" بِالتاءِ، وهي ضَعِيفَةٌ، وكَذَلِكَ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في سُورَةِ "المُؤْمِنُونَ"، وقَوْلُهُ: ﴿ مِمّا في بُطُونِهِ ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الجِنْسِ، وعَلى المَذْكُورِ، كَما قالَ الشاعِرُ: مَثْلُ الفِراخِ نُتِفَتْ حَواصِلُهُ وَهَذا كَثِيرٌ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كَلا إنَّها تَذْكِرَةٌ  ﴾ ﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ  ﴾ ، وقِيلَ: إنَّما قالَ: "بُطُونِهِ" لِأنَّ الأنْعامَ والنَعَمَ واحِدٌ فَرْدٌ، الضَمِيرُ عَلى مَعْنى النَعَمِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "البَعْضِ"؛ إذِ الذُكُورُ لا ألْبانَ فِيها، فَكَأنَّ العِبْرَةَ إنَّما هي في الأنْعامِ.

و"الفَرْثُ": ما يَنْزِلُ إلى الأمْعاءِ، و"السائِغُ": المُسَهَّلُ في الشُرْبِ اللَذِيذِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سِيِّغًا" بِشَدِّ الياءِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيِّ: "سَيْغًا" بِسُكُونِ الياءِ، وهي تَخْفِيفٌ مِن "سَيْغٍ" كَمَيِّتٍ وهَيِّنٍ، ولَيْسَ وزْنُها فِعْلًا؛ لِأنَّ اللَفْظَةَ واوِيَّةٌ، فَفَعْلَ مِنها "سَوْغٌ"، ورُوِيَ أنَّ اللَبَنَ لَمْ يُشْرِقْ بِهِ أحَدٌ قَطُّ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ  .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه حُجّة أخرى ومنّة من المنن الناشئة عن منافع خلق الأنعام، أدمج في منّتها العبرة بما في دلالتها على بديع صنع الله تبعاً لقوله تعالى: ﴿ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ﴾ إلى قوله: ﴿ لرؤوف رحيم ﴾ [سورة النحل: 5 7].

ومناسبة ذكر هذه النّعمة هنا أن بألبان الأنعام حياة الإنسان كما تحيا الأرض بماءِ السماء، وأن لآثار ماء السماء أثراً في تكوين ألبان الحيوان بالمرعى.

واختصّت هذه العبرة بما تنبّه إليه من بديع الصّنع والحكمة في خلق الألبان بقوله: مما في بطونه من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً}، ثم بالتذّكير بما في ذلك من النّعمة على الناس إدماجاً للعبرة بالمنّة.

فجملة ﴿ وإن لكم في الأنعام لعبرة ﴾ معطوفة على جملة ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ﴾ [سورة النحل: 65]، أي كما كان القوم يسمعون عِبرة في إنزال الماء من السماء لكم في الأنعام عبرة أيضاً، إذ قد كان المخاطبون وهم المؤمنون القومَ الذين يسمعون.

وضمير الخطاب التفات من الغيبة.

وتوكيدها ب ﴿ إن ﴾ ولام الابتداء كتأكيد الجملة قبلها.

و ﴿ الأنعام ﴾ : اسم جمع لكل جماعة من أحد أصناف الإبل والبقر والضأن والمعز.

والعبرة: ما يُتّعظ به ويُعتبر.

وقد تقدم في نهاية سورة يوسف.

وجملة ﴿ نسقيكم مما في بطونه ﴾ واقعة موقع البيان لجملة ﴿ وإن لكم في الأنعام لعبرة ﴾ .

والبطون: جمع بطن، وهو اسم للجوف الحاوية للجهاز الهضمي كله من معدة وكبد وأمْعاء.

و (من) في قوله تعالى: ﴿ مما في بطونه ﴾ ابتدائية، لأن اللبن يفرز عن العلف الذي في البطون.

وما صْدَقُ «ما في بطونه» العلف.

ويجوز جعلها تبْعيضية ويكون ما صْدقُ «ما في بطونه» هو اللبن اعتداداً بحالة مُروره في داخل الأجهزة الهضمية قبل انحداره في الضرع.

و ﴿ من ﴾ في قوله تعالى: ﴿ من بين فرث ﴾ زائدة لتوكيد التوسّط، أي يفرز في حالة بين حالتي الفرث والدم.

ووقع البيان ب ﴿ نسقيكم ﴾ دون أن يقال: تشربون أو نحوه، إدماجاً للمنّة مع العبرة.

ووجه العبرة في ذلك أن ما تحتويه بطون الأنعام من العلف والمرعى ينقلب بالهضم في المعدة، ثم الكَبِد، ثم غدد الضرع، مائعاً يسقى وهو مفرز من بين أفراز فرث ودم.

والفرث: الفضلات التي تركها الهضم المَعِدي فتنحدر إلى الأمعاء فتصير فَرثا.

والدمّ: إفراز تفرزه الكبد من الغذاء المنحدر إليها ويصعد إلى القلب فتدفعه حركة القلب الميكانيئية إلى الشرايين والعروق ويبقى يَدور كذلك بواسطة القلب.

وقد تقدم ذكره عند قوله تعالى: ﴿ حرّمت عليكم الميتة والدم ﴾ في سورة العقود (3).

ومعنى كون اللّبن من بين الفرث والدم أنه إفراز حاصل في حين إفراز الدّم وإفراز الفرث.

وعلاقته بالفرث أن الدم الذي ينحدر في عروق الضرع يمرّ بجوار الفضلات البوليّة والثفلية، فتفرزه غدد الضرع لبَناً كما تفرزه غدد الكليتين بَولاً بدون معالجة زائدة، وكما تفرز تكاميش الأمعاء ثَفلاً بدون معالجة بخلاف إفراز غدد المثانة للمَنِيّ لتوقّفه على معالجة ينحدر بها الدم إليها.

وليس المراد أن اللّبن يتميّع من بين طبقتيّ فرث ودم، وإنما الذي أوهم ذلك مَن تَوهمه حمْله ﴿ بينَ ﴾ على حقيقتها من ظرف المكان، وإنما هي تستعمل كثيراً في المكان المجازي فيراد بها الوسط بين مرتبتين كقولهم: الشجاعة صفة بين التهوّر والجبن.

فمن بلاغة القرآن هذا التعبيرُ القريب للأفهام لكل طبقة من الناس بحسب مبالغ علمهم، مع كونه موافقاً للحقيقة.

والمعنى: إفراز ليس هو بدم لأنه أليَنُ من الدم، ولأنه غير باققٍ في عروق الضرع كبقاء الدّم في العروق، فهو شبيه بالفضلات في لزوم إفرازه، وليس هو بالفضلة لأنه إفراز طاهر نافع مغذّ، وليس قذراً ضاراً غير صالح للتغذية كالبول والثفل.

وموقع ﴿ من بين فرث ودم ﴾ موقع الصفة ل ﴿ لبناً ﴾ ، قدمت عليه للاهتمام بها لأنها موضع العبرة، فكان لها مزيد اهتمام، وقد صارت بالتقديم حالاً.

ولما كان اللبن يحصل في الضرع لا في البطن جعل مفعولاً ل ﴿ نَسقيكم ﴾ ، وجعل ﴿ مما في بطونه ﴾ تبييناً لمصدره لا لمَورده، فليس اللبن مما في البطون؛ ولذلك كان ﴿ مما في بطونه ﴾ متقدماً في الذكر ليظهر أنه متعلق بفعل ﴿ نسقيكم ﴾ وليس وصفاً لِلْلّبن.

وقد أحاط بالأوصاف التي ذكرناها لِلْلّبن قوله تعالى: ﴿ خالصاً سائغاً للشاربين ﴾ .

فخلوصه نزاهته مما اشتمل عليه البول والثفل، وسوغه للشاربين سلامته مما يشتمل عليه الدم من المضار لمن شَربه، فلذلك لا يسيغه الشارب ويتجهّمه.

وهذا الوصف العجيب من معجزات القرآن العلمية، إذ هو وصف لم يكن لأحد من العرب يومئذٍ أن يعرف دقائق تكوينه، ولا أن يأتي على وصفه بما لو وَصف به العالم الطبيعي لم يصفه بأوجز من هذا وأجمعَ.

وإفراد ضمير الأنعام في قوله تعالى: ﴿ مما في بطونه ﴾ مراعاة لكون اللفظ مفرداً لأن اسم الجمع لفظ مفرد، إذ ليس من صيغ الجموع، فقد يراعى اللفظ فيأتي ضميره مفرداً، وقد يراعى معناه فيعامل معاملة الجموع، كما في آية سورة المؤمنين (21) ﴿ نسقيكم مما في بطونها ﴾ والخالص: المجرّد مما يكدّر صفاءه، فهو الصافي.

والسائغ: السهل المرور في الحلق.

وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب نسقيكم} بفتح النون مضارع سَقى.

وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف بضم النون على أنه مضارع أسْقى، وهما لغتان، وقرأه أبو جعفر بمثناة فوقية مفتوحة عوضاً عن النون على أن الضمير للأنعام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ ﴾ أيْ نُبِيحُ لَكم شُرْبَ ما في بُطُونِهِ، فَعَبَّرَ عَنِ الإباحَةِ بِالسَّقْيِ.

﴿ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خالِصًا مِنَ الفَرْثِ والدَّمِ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ الخالِصِ هُنا الأبْيَضُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: يَصُونُونَ أجْسادًا قَدِيمُها نَعِيمُها بِخالِصَةِ الأرْدانِ خُضْرِ المَناكِبِ فَخالِصَةُ الأرْدانِ أيْ بِيضُ الأكْمامِ، وخُضْرُ المَناكِبِ يَعْنِي مِن حَمائِلِ السُّيُوفِ.

﴿ سائِغًا لِلشّارِبِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَلالٌ لِلشّارِبِينَ.

الثّانِي: مَعْناهُ لا تَعافُهُ النَّفْسُ.

وَقِيلَ: إنَّهُ لا يُغَصُّ أحَدٌ بِاللَّبَنِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا ﴾ فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ السَّكَرَ الخَمْرُ، والرِّزْقَ الحَسَنَ التَّمْرُ والرُّطَبُ والزَّبِيبُ.

وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ ثُمَّ حُرِّمَتْ مِن بَعْدُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَّكَرُ ما حُرِّمَ مِن شَرابِهِ، والرِّزْقُ الحَسَنُ ما حَلَّ مِن ثَمَرَتِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأخْطَلِ: بِئْسَ الصُّحاةُ وبِئْسَ الشُّرْبُ شُرْبُهُمُ ∗∗∗ إذا جَرى فِيهِمُ المُزّاءُ والسُّكْرُ والسُّكْرُ: الخَمْرُ، والمُزّاءُ: نَوْعٌ مِنَ النَّبِيذِ المُسْكِرِ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا؛ هَلْ خَرَجَ مَخْرَجَ الإباحَةِ أوْ مَخْرَجَ الخَبَرِ ؟

عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الإباحَةِ ثُمَّ نُسِخَ.

قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الخَبَرِ أنَّهم يَتَّخِذُونَ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَحِلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ السَّكَرَ: النَّبِيذُ المُسْكِرُ، والرِّزْقَ الحَسَنَ التَّمْرُ والزَّبِيبُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ والسُّدِّيُّ.

وَجَعَلَها أهْلُ العِراقِ دَلِيلًا عَلى إباحَةِ النَّبِيذِ.

الثّالِثُ: أنَّ السَّكَرَ الخَلُّ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، والرِّزْقَ الحَسَنَ الطَّعامُ.

الرّابِعُ: أنَّ السَّكَرَ ما طُعِمَ مِنَ الطَّعامِ وحَلَّ شُرْبُهُ مِن ثِمارِ النَّخِيلِ والأعْنابِ وهو الرِّزْقُ الحَسَنُ، وبِهِ قالَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ وجَعَلْتُ عَيْبَ الأكْرَمِينَ سَكَرا <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ﴾ قال: ما سقاهم المطر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية يقول: إذا قحط المطر لم يبق في الأرض دابة إلا ماتت.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ﴾ قال: قد فعل الله ذلك في زمان نوح، أهلك الله ما على ظهر الأرض من دابة إلا ما حملت سفينة نوح.

وأخرج أحمد في الزهد عن ابن مسعود قال: ذنوب ابن آدم قتلت الجعل في جحره، ثم قال: أي والله...

ومن غرق قوم نوح عليه السلام.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن ابن مسعود قال: كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم، ثم قرأ ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات، عن أنس بن مالك قال: كاد الضب أن يموت في جحره هولاً من ظلم ابن آدم.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير والبيهقي في الشعب، عن أبي هريرة أنه سمع رجلاً يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه.

فقال أبو هريرة: بلى.

والله، إن الحبارى لتموت هزلاً وكرهاً من ظلم الظالم.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن الله يؤاخذني وعيسى ابن مريم بذنونبا،» وفي لفظ: «بما جنت هاتان- الإبهام والتي تليها- لعذبنا ما يظلمنا شيئاً» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ ويجعلون لله ما يكرهون ﴾ قال: يقول: تجعلون لي البنات وتكرهون ذلك لأنفسكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ويجعلون لله ما يكرهون ﴾ قال: وهن الجواري.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى ﴾ قال: قول كفار قريش لنا البنون ولله البنات.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وتصف ألسنتهم الكذب ﴾ أي يتكلمون بأن ﴿ لهم الحسنى ﴾ الغلمان.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ وأنهم مفرطون ﴾ قال: مسيئون.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وأنهم مفرطون ﴾ قال: متروكون في النار ينسون فيها أبداً.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ وأنهم مفرطون ﴾ قال: قد فرطوا في النار أي معجلين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ وأنهم مفرطون ﴾ قال: معجل بهم إلى النار.

وأخرج ابن مردويه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي كبشة، عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما شرب أحد لبناً فيشرق؛ إن الله يقول ﴿ لبناً خالصاً سائغاً للشاربين ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي حاتم، عن ابن سيرين.

إن ابن عباس لبناً فقال له مطرف: ألا تمضمضت؟

فقال: ما أباليه بالة، اسمح يسمح لك.

فقال قائل: إنه يخرج من بين فرث ودم.

فقال ابن عباس: قد قال الله: ﴿ لبناً خالصاً سائغاً للشاربين ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وابن مردويه والحاكم وصححه، عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ قال: السكر ما حرم من ثمرتها، والرزق الحسن ما حل من ثمرتها.

وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في الآية قال: السكر الحرام منه، والرزق الحسن زبيبه وخله وعنبه ومنافعه.

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال: السكر النبيذ، والرزق الحسن، فنسختها هذه الآية ﴿ إنما الخمر والميسر ﴾ [ المائدة: 90] .

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير، عن أبي رزين في الآية قال: نزل هذا وهم يشربون الخمر قبل أن ينزل تحريمها.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال: السكر الخل، والنبيذ وما أشبهه.

والرزق الحسن: الثمر والزبيب وما أشبهه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ قال: فحرم الله بعد ذلك السكر، مع تحريم الخمر، لأنه منه، ثم قال: ﴿ ورزقاً حسناً ﴾ فهو الحلال من الخل والزبيب والنبيذ وأشباه ذلك، فأقره الله وجعله حلالاً للمسلمين.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ قال: إن الناس يسمون الخمر سكراً، وكانوا يشربونها، ثم سماها الله بعد ذلك الخمر حين حرمت، وكان ابن عباس يزعم أن الحبشة يسمون الخل السكر.

وقوله: ﴿ ورزقاً حسناً ﴾ يعني بذلك الحلال التمر والزبيب، وكان حلالاً لا يسكر.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن ابن مسعود قال: السكر خمر.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن سعيد بن جبير والحسن والشعبي وإبراهيم وأبي رزين مثله.

وأخرج عبد الرزاق وابن الأنباري في المصاحف والنحاس، عن قتادة في قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ﴾ قال: خمور الأعاجم، ونسخت في سورة المائدة.

وأخرج النسائي عن سعيد بن جبير قال: السكر الحرام، والرزق الحسن الحلال.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ﴾ قال: ذكر الله نعمته عليهم في الخمر قبل أن يحرمها عليهم.

وأخرج ابن الأنباري والبيهقي، عن إبراهيم والشعبي في قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ﴾ قالا: هي منسوخة.

وأخرج الخطيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: «لكم في العنب أشياء تأكلونه عنباً، وتشربونه عصيراً ما لم ييبس، وتتخذون منه زبيباً ورباً والله أعلم» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ﴾ الآية.

ذكرنا معنى العبرة في سورة آل عمران عند قوله: ﴿ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ مَنْ فتح النون (١) ﴿ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا  ﴾ ، وقال: ﴿ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا  ﴾ ، وما كان للشفة فهو بفتح النون؛ ومن ضَمَّ النونَ (٢) ﴿ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ  ﴾ ، والمعنى هاهنا إنا جعلناه في كثرته وإدامته كالسُّقْيَا، واختار أبو عبيدة الضَّمَّ وقال: لأنه شِرْبٌ دائم (٣) واختلف النحويون في علة تذكير الكناية في قوله: ﴿ مِمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ ، وهي راجعة إلى الأنعام، فقال أبو إسحاق: الأنعام لفظه لفظ جمع، وهو اسم للجنس يذكر ويؤنث، يقال: وهو الأنعام، وهي الأنعام، ﴿ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ ، وفي موضع آخر: ﴿ مِمَّا فِي بُطُونِهَا ﴾ (٤) وهذا مذهب سيبويه، قال في ذِكْرِه إن الاسم الواحد يجيء على أَفْعَال، قال: يقال: هو الأنْعَام، وقال: ﴿ فِي بُطُونِهِ ﴾ (٥) (٦) وطاب ألْبانُ اللِّقَاح وَبردْ (٧) وفرحع إلى اللبن (٨) (٩) (١٠) أَكُلَّ عَامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَهُ ...

يُلْقِحُهُ قَوْمٌ وتَنْتُجُونه (١١) (١٢) مِثْلُ الفِراخِ نَتَقَتْ حَواصِلُه (١٣) (١٤) وقال المبرد: هذا فاشٍ في القرآن وفي كلامهم، مثل: ﴿ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي  ﴾ ، بمعنى هذا الشيء الطالع، وكذلك قوله: ﴿ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ  ﴾ ، أي: ذَكَرَ هذا الشيء، وكذلك: ﴿ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ﴾ النمل: 35]، ثم قال: ﴿ فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ  ﴾ ، ولم يقل: جاءت؛ لأن المعنى: جاء الشيءُ الذي ذكرنا (١٥) قال أبو عبيد: وسمعت الكسائي يُنْشِد ما هو أشد من هذا (١٦) وعَفْرَاءُ أَدْنَى الناسِ مِنِّي مَوَدَةً ...

وعَفراءُ عَنِّي المُعْرِضُ الْمُتَوَانِي (١٧) قال وأنشدنا الأحمر (١٨) إذ (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) ﴿ مِمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ وأضمر اللبن؛ كأنه قيل: نسقيكم مما في بطونه اللبن، ﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا ﴾ أراد أنه يُسقى من أَيِّها كان ذا لبن؛ لأنه ليس لكلها لبن (٢٣) (٢٤) (٢٥) ﴿ مِمَّا ﴾ مِثْلُ قولك: مِنْ الَّتي، إلا أنه لمّا ذَكَرَ (الَّتي) بلفظ (ما) ذَكَرَ الكناية؛ لأن (ما) لا تبين فيه تذكير ولا تأنيث، فكأنه مذكر، والتقدير: نُسقيكم مِن التي في بطونها لبن، ﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا ﴾ ، وأضمر ذِكرَ اللبن لعلم المخاطب بذلك، ولمجيء (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا ﴾ ، الفَرْثُ: سِرْجين الكرش (٢٧) (٢٨) ﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا ﴾ : لا يَشُوبُه الدم ولا الفرث، ﴿ سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ﴾ : جائزًا في حلوقهم لذيذًا هنيئًا، يقال: ساغَ الشَّرَابُ في الحلق وأَسَاغَهُ صاحِبُه (٢٩) ﴿ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ  ﴾ وقد مر، والآية بيان عن إقامة الدلالة على الصانع حيث جعل العَلَف وهو جنس واحد أنواعًا في بطن الدابة، فإذا تفكر العاقلُ عَلِمَ أن ذلك بقدرة الله الذي لا إله إلا هو، قال أصحابنا: وهذه الآية تدل على أن مَنِيّ الآدمي لا يكون نجسًا وإن كان في باطنه مجاورًا للنجاسات كاللبن؛ فإنه يخرج طاهرًا من بين نجسين [[هذا مشهور لكن فيه نظر؛ لأن الدم مختلف في نجاسته، فالمذاهب الأربعة على نجاسته، وقد حكى النووي في ذلك الإجماع فقال: "وفيه أن الدم نجس، وهو بإجماع المسلمين" [شرح مسلم (3/ 200)]، وانظر: "أحكام النجاسات في الفقه الإسلامي" ص 187، لكن الذي عليه المحققون -كابن تيمية والشوكاني وصديق خان- أن الدم المسفوح ليس بنجس، وعمدة القائلين بالنجاسة أمران؛ أحدهما: قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ  ﴾ ، والثاني: حديث أسماء قالت: جاءت امرأة إلى النبي -  - فقالت: (إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به؟

قال: "تَحُتُّهُ ثم تَقْرُصُهُ بالماء ثم تَنْضِحُهُ ثم تُصَلَّي فيه" [شرح مسلم (3/ 199)].

وقد رد المحققون على هذين الدليلين: أما الآية فدلالتها على نجاسة الدم غير صريحة؛ لأن كون تناول الدم المسفوح محرم لا يقتضي نجاسته، وكلمة ﴿ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾ وإن كان من معانيها في اللغة النجاسة، إلا أنه مختلف في عودة الضمير، وإذا وقع الاحتمال بطل الاستدلال.

أما الحديث فالكلام فيه على دم الحيض ولا خلاف في نجاسته؛ لأنه خارج من أحد السبيلين، لذلك كان قياس سائر الدماء عليه قياسًا مع الفارق، لذلك قال صديق خان: (وأما سائر الدماء فالأدلة فيها مختلفة مضطربة، والبراءة الأصلية مستصحبة حتى يأتي الدليل الخالص عن المعارضة) [الروضة الندية شرح الدرر البهية (1/ 82)]، وحتى على القول بنجاسة الدم فإن الدم قبل انفصاله عن الجسم يعد طاهرًا، وهو ما ذهب إليه ابن تيمية في == الفتاوى 21/ 598 - 600، ونصره من عدة وجوه، فقال: (إنا لا نسلم أن الدم قبل ظهوره وبروزه يكون نجسًا، فلا بد من الدليل على تنجيسه)، ثم ذكر وجوهًا على طهارته، وهي: أن النجس هو المستقذر المستخبث، وهذا الوصف لا يثبت لهذه الأجناس إلا بعد مفارقتها مواضع خلقها، فوصفها بالنجاسة فيها وصف بما لا تتصف به.

أن الدماء في الأبدان وغيرها هي أحد أركان الحيوان التي لا تقوم حياته إلا بها حتى سميت نفسًا، فالحكم بأن الله يجعل أحد أركان عباده من الناس والدواب نوعًا نجسًا في غاية البعد.

أن الأصل الطهارة، فلا تثبت النجاسة إلا بدليل، وليس في هذه الدماء شيء من أدلة النجاسة، وخصائصها.

أما روث الحيوان فالأرجح فيه الطهارة أيضًا، وهو مذهب الحنابلة والمالكية والهادوية وغيرهم.

[انظر: "نيل الأوطار" 1/ 59 - 60، و"الروضة الندية" 1/ 71، و"أحكام النجاسات" ص50 - 98].

ومن أدلتهم: حديث أنس في الصحيحين: (أن النبي  أمر العُرَنِيين بأن يشربوا من أبوال الإبل) البخاري (233) كتاب الوضوء، أبوال الإبل والدواب، مسلم (1671): القسامة، حكم المحاربين والمرتدين، واستدلوا كذلك (بأن النبي -  - كان يصلي قبل أن يبنى المسجد في مرابض الغنم.

أخرجه البخاري (234) بنفس الباب، كذلك استدلالات ابن تيمية -السابقة- على طهارة الدم تنطبق على طهارة الروث.]].

كذلك يجوز أن يخرج المنيّ طاهرًا وإن جرى في طريق النجاسة (٣٠)  ا "كان رسول الله -  - يسْلُت المنيّ من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابسًا ثم يصلي فيه".

صحيح ابن خزيمة: باب سلت المني من الثوب بالإذخر إذا كان رطبًا (1/ 149).]].

(١) وهم ابن عامر ونافع وعاصم في رواية أبي بكر.

انظر: "السبعة" ص 374، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 357، و"علل القراءات" 1/ 307، و"الحجة للقراء" 5/ 74 و"المبسوط في القراءات" ص 225، "المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 739.

(٢) وهم: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي.

انظر: المصادر السابقة.

(٣) لم أجده في مجازه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 158، بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 64.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 209، بنصه.

(٥) "الكتاب" 3/ 230، بنحوه، وانظر:"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 401.

(٦) لم أقف على القائل، وفي "تفسير الثعلبي" 2/ 159 أ، أنه رجز لبعض الأعراب.

(٧) وصدره: بالَ سُهَيلٌ في الفَضِيخِ فَفَسَدْ ورد بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء 1/ 129، 2/ 108، و"تفسير الطبري" 14/ 131، والثعلبي 2/ 159 أ، والطوسي 6/ 400، وابن الجوزي 4/ 463، و"اللسان" (خرت) 2/ 1124، (كتد) 6/ 3819، و"الدر المصون" 7/ 257، و"التاج" (خرت) 3/ 44 - 45، (كتد) 5/ 218، وفي جميع المصادر عدا الدّر: (فبرد).

(سهيل) كوكب يُرى في ناحية اليمن والعراق، ولا يُرى بخُراسان، (الفضِيخ) عصير العنب، وهو أيضًا شراب يتخذ من البُسر المفضوخ وحده من غير أن تمسه النار، وهو المشدوخ.

ومعنى البيت: يقول لما طلع سُهيلٌ ذهب زمن البسر وأرطب، فكأنه بال فيه، وعندها تطيب ألبان النوق، والشاهد: أنه لم يقل: وبردت؛ لأنه رده إلى اللبن، المفرد.

انظر: "تهذيب اللغة" (سهل) 2/ 1786 - 1787، و"اللسان" (فضخ) 6/ 3426.

(٨) في جميع النسخ: (اللبن والألبان) بزيادة الألبان، وقد أدى زيادتها إلى اضطراب المعنى، ويؤيّد أنها زائدة، عدم وجودها في المصدر و"الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 410.

(٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 108، بنصه تقريبًا.

(١٠) هو فيس بن حصين بن يزيد الحارتي (جاهلي).

(١١) ورد في "الخزانة" 1/ 407، 412، وورد بلا نسبة في "الكتاب" 1/ 129، و"مجاز القرآن" 1/ 362، و "تفسير الطبرى" 14/ 132، "المذكر والمؤنث" للأنباري 1/ 426، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 217،و"تهذيب اللغة" (نعم) 4/ 3617، == و"تفسير الثعلبي" 2/ 159 أ، و"المخصص" 17/ 19، و"تفسير الزمخشري" 2/ 334، وأبي حيان 5/ 509، و"الدر المصون" 7/ 253، و"تخليص الشواهد" ص 191، وفي بعض هذه المصادر ورد برواية: (في كل) بدل (أكل).

(١٢) ورد في "معاني القرآن" للفراء 2/ 109، بنصه، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 401، بنصه، و"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 1/ 427، بنصه، و"تهذيب اللغة" (نعم) 4/ 3615، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 75، والفخر الرازي 20/ 64.

(١٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 109، بنصه.

(١٤) رجز ورد بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء 1/ 130، و"تفسير الطبري" 14/ 132، و"تهذيب اللغة" (نعم) 4/ 3616، و"المحتسَب" 2/ 153، و"تفسير ابن عطية" 8/ 456، وابن الجوزي 4/ 463، و"شرح شواهد الإيضاح" ص 347، و"تفسير القرطبي" 10/ 124، و"اللسان" (خلف) 2/ 1237، (نعم) 7/ 4482، و"تفسير أبي حيان" 5/ 509.

(نتقت) سمنت وامتلأت شحمًا، (حواصله) جمع حوصلة؛ أسفل البطن، وهي للطير والنعام كالمعدة للإنسان، وهي المصارين لذي الظلف والخُفّ، والشاهد: أنه أعاد على الفراخ ضمير الواحد؛ لأنها في معنى الفرخ، إذا أريد به الجنس والكثرة، وقال الطبرى: لم يقل: حواصلها، أي: ذكَّرها.

النظر: "المحيط في اللغة" (نتق) 5/ 367، و"متن اللغة" 2/ 106، ووردت برواية: (نُتِفَتْ).

(١٥) لم أقف على مصدره، وورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 410، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 463، والفخر الرازي 20/ 64، وأبي حيان 5/ 509، و"الدر المصون" 7/ 256، وورد بلا نسبة في "تفسير الطبري" 14/ 133، بنصه تقريبًا، والثعلبي 2/ 159 أ، بنحوه.

(١٦) البيت لعروة بن حزام (ت 30 هـ) شاعر إسلامي، أحد المتيَّمِين، لا يُعرف له شعرٌ إلا في عفراءَ بنتِ عمِّه.

(١٧) ورد في "المذكر والمؤنث" للأنباري 1/ 187، برواية: فعفراءُ أرجى الناس عندي مودةً وورد في الأغاني برواية: فعفراءُ أحظى الناسِ عندي مودَّةً وورد بلا نسبة في "تفسير الطبري" 14/ 133، والثعلبي 2/ 159 أ، والشاهد: أنه لم يقل: المعرضة المتوانية، وذكَّرَ المعرض؛ لأنه أراد التشبيه، أي: وعفراء عنّي مثْلُ المُعرضِ، والمؤنث قد يشبَّه بالمذكر.

(١٨) هو لأَوْس بن حَجَر، كما في ديوانه واللسان.

(١٩) في جميع النسخ: (إذا) والتصويب من الديوان وجميع المصادر عدا الثعلبي.

(٢٠) "ديوانه" ص 74، وفيها: (الزمان) بدل (البلاد)، و (بعزة) بدل (بغرة)، وورد في "اللسان" (سعف) 4/ 2018، وفيه: والزمان، وورد بلا نسبة في "تهذيب اللغة" (سعف) 2/ 1696، كما للسان، وورد برواية: (بغبطة) بدل (غِرَّة) في "تفسر الطبري" 14/ 133، والثعلبي 2/ 159 أ، وفي "الخزانة" 5/ 429، برواية: (والزمان بعزَّة)، (غِرَّة)، بكسر الغين: الغفلة، يقال: غَرَّ الرجلُ غَرارةً وغِرَّةً: جهلَ الأمور وغفل عنها، (مساعف) قريب، والإسعاف: قضاء الحاجة، وهو المقصود.

(٢١) لم أقف على مصدره.

(٢٢) النَّسمَةُ: النَّفسُ، والنسمة في العتق: المملوك ذكرًا كان أو أنثى.

"المحيط في اللغة" 8/ 345.

(٢٣) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 159، بنحوه، والطبري 14/ 131، بنحوه غير منسوب، وورد في "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 217، بنحوه منسوبًا إلى أبي عبيدة عن أبي عبيد، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 28، و"وضح البرهان" ص 507.

(٢٤) الحائل: التي لا تحمل تلك السنة، حَالتْ تحُولُ حُؤُولاً وحِيَالاً، والمُحْتالة: الحائل من ذوات الحَمْلِ.

انظر: "المحيط في اللغة" (حول) 3/ 210.

(٢٥) يقال: ناقة بَلِيَّة: هي التي يموت صاحبها فيحفر لها حفرة وتشدّ رأسها إلى خلفها، وتُبْلَى: أي تترك هناك لا تعلف ولا تسقى حتى تموت جوعًا وعطشًا.

انظر: "المحيط في اللغة" (بلى) 10/ 354، و"اللسان" (بلا) 1/ 355.

(٢٦) في جميع النسخ: (والمجيء)، ويستقيم الكلام بالمثبت.

(٢٧) يقال: سرجين بالجيم، وسرقين بالقاف، ويسمى فرْثًا ما دام أنه بالكرش، فإذا خرج لا يسمى فرثًا، انظر: (فرث) في "العين" 8/ 220، و"تهذيب اللغة" 3/ 2757، و"المحيط في اللغة" 10/ 138، و"مجمل اللغة" 2/ 719، و"اللسان" 6/ 3369.

(٢٨) ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 240، والثعلبي 2/ 159 أ، بنحوه، (وهذه أوهى الطرق إلى ابن عباس، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 28، وابن الجوزي 4/ 464، والفخر الرازي 20/ 64، و"تفسير القرطبي" 10/ 125، و"تفسير البيضاوي" 1/ 279، والخازن 3/ 123، وأبي حيان 5/ 509، وهذا التفسير مردود لضعف الأثر، وزاد الفخر الرازي تضعيفه لمخالفته للحس، فقال: وقد دللنا على أن هذا القول على خلاف الحس والتجربة، ولأن الدم لو كان يتولد في أعلى المعدة والكرش، كان يجب إذا قاء أن يقيء الدم، وذلك باطل قطعًا، ثم بيَّن كيفية توَلُّد اللبن حسيًّا.

الفخر الرازي 20/ 65 (٢٩) انظر: (سوغ) في "جمهرة اللغة" 2/ 846، و"تهذيب اللغة" 2/ 1597،و"المحيط == في اللغة" 5/ 107، و"مجمل اللغة" 1/ 478، و"مقاييس اللغة" 3/ 116، و"الصحاح" 4/ 1322، و"العباب الزاخر" غ/ ص 48، و"اللسان" 4/ 2152.

(٣٠) الكلمة ساقطة من (أ)، (د).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ نُّسْقِيكُمْ ﴾ بفتح النون وضمها لغتان، يقال سقى وأسقى ﴿ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ الضمير للأنعام، وإنما ذكر لأنه مفرد بمعنى الجمع كقوله: ثوب أخلاق لأنه اسم جنس، وإذا أنث فهو جمع نعم ﴿ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ﴾ الفرث هي ما في الكرش من الروث، والمعنى أن الله يخلق اللبن متوسطاً بين الفرث والدم يكتنفانه، ومع ذلك فلا يغيران له لوناً ولا طعماً ولا رائحة، ومن في قوله من بين فرث لابتداء الغاية ﴿ سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ ﴾ يعني سهلاً للشرب حتى قيل: لم يغص أحد باللبن ﴿ وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب ﴾ المجرور يتعلق بفعل نسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرها، ويدل عليه نسقيكم الأول أو يكون من ثمرات معطوف على مما في بطونها، أو يتعلق من ثمرات بتتخذون، وكرر منه توكيداً أو يكون تتخذون صفة لمحذوف تقديره: شيئاً تتخذون ﴿ سَكَراً ﴾ يعني الخمر، ونزل ذلك قبل تحريمها فهي منسوخة بالتحريم، وقيل إن هذا على وجه المنة بالمنفعة التي في الخمر، ولا تعرض فيها لتحليل ولا تحريم، فلا نسخ، وقيل: السكر المائع من هاتين الشجرتين كالخل والرب.

والرزق الحسن: العنب والتمر والزبيب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا جرم ﴾ في المد مثل ﴿ لا ريب فيه  ﴾ ﴿ مفرطون ﴾ بكسر الراء المشددة: يزيد ﴿ مفرطون ﴾ بكسر الراء المخففة: نافع وقتيبة.

الباقون بفتحها مخففة.

﴿ نسقيكم ﴾ بفتح النون: نافع وابن عامر وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد.

الآخرون بضمها.

الوقوف: ﴿ مسمى ﴾ ج للظرف مع الفاء ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ وقيل علي ﴾ لا ثم يبدأ بجرم وهو تكلف.

﴿ مفرطون ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ لا للعطف على موضع ﴿ لتبين ﴾ تقديره إلا تبياناً وهدى ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ لعبرة ﴾ ط لأنه لو وصل اشتبه ما بعده بالوصف ﴿ للشاربين ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ يعرشون ﴾ ه ج للعطف ﴿ ذللاً ﴾ ط للعدول ﴿ للناس ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: لما حكى عن القوم عظيم كفرهم وفظيع قولهم بين غاية كرمه وسعة رحمته حيث إنه لا يعاجلهم بالعقوبة فقال: ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ﴾ الآية.

فزعم بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء أنه أضاف الظلم إلى ضمير الناس والأنبياء من جملة الناس فوجب أن يكونوا ظالمين عاصين ويؤكد هذا قوله: ﴿ ما ترك عليها من دابة ﴾ فإنه لو لم يصدر من الأنبياء ذنب لم يكن لإفنائهم وجه وحينئذ لم يصدق أنه لم يبق على الأرض واحد.

والجواب لا نسلم عموم الناس في الآية لقوله  في موضع آخر ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات  ﴾ ولا ريب أن المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين، فإذن المراد بالناس إما كل العصاة الذين استحقوا العقاب، أو الذين تقدم ذكرهم من المشركين.

وأما قوله: ﴿ من دابة ﴾ فعن ابن عباس أنه أراد من مشرك يدب عليها نظيره قوله: ﴿ إن شر الدواب عند الله الذين كفروا  ﴾ ولو سلم أن المراد بها كل من يدب عليها فلعل الهلاك في حق الظلمة يكون عذاباً وفي غيرهم امتحاناً فقد وقعت هذه الواقعة في زمان نوح  .

وأيضاً من المعلوم أنه لا أحد إلا وفي آبائه من يستحق العذاب، فلو أهلكوا لبطل نسلهم ولأدى إلى إفناء الناس، بل الدواب كلها لأن الدواب مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم.

عن أبي هريرة أنه سمع رجلاً يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه فقال: بلى والله حتى إن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم.

وعن ابن مسعود: كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم.

وقيل: لو يؤاخذهم لانقطع القطر وفي انقطاعه انقطاع النبت وفي انقطاع النبت فناء الدواب.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الظلم والمعاصي ليست من أفعال الله  وإلا لم يؤاخذهم بها فرضاً، ولم يضف الظلم إليهم ولم يذمهم على ذلك.

وفي قوله: ﴿ بظلمهم ﴾ دليل على أن الظلم هو المؤثر في العقاب، فإن الباء للعلية.

وجواب الأشاعرة معلوم وهو أنه لا يسأل عما يفعل، وأيضاً المعارضة بالعلم والدواعي ووجوب انتهاء الكل إليه.

قال بعض الأصوليين: الأصل في المضار الحرمة لأن الضرر لا يجوز أن يكون مشروعاً ابتداء بالإجماع ولقوله  : ﴿ ما جعل عليكم في الدين من حرج  ﴾ ﴿ يريد الله بكم اليسر  ﴾ ولقوله  : "لا ضرر ولا ضرار" في الإسلام "ملعون من ضر مسلماً" ولا أن يكون مشروعاً على وجه يكون جزاء عن جرم سابق بهذه الآية لأن كلمة "لو" وضعت لانتفاء الشيء لانتفاء غيره.

فالآية تقتضي أنه  ما آخذ الناس بظلمهم وأنه ترك على ظهرها دابة كما هو المشاهد إذا ثبت هذا الأصل فنقول: إذا وقعت حادثة مشتملة على المضار فإن وجدنا نصاً على كونها مشروعة قضينا به تقديماً للخاص على العام وإلا قضينا عليها بالحرمة بناء على هذا الأصل.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون الضرر مشروعاً على وجه يقع جزاء عن جرم سابق والآية لا تنافي ذلك لأنها لا تدل إلا على أنه  لا يؤاخذ بكل ظلم.

أما على أنه لا يؤاخذ ببعض أنواع الظلم فلا، دليلة قوله: ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير  ﴾ ومنهم من قال: بناء على القاعدة المذكورة إن كل ما يريده الإنسان وجب أن يكون مشروعاً في حقه لأن المنع منه ضرر والضرر غير مشروع، وكل ما يكرهه الإنسان لزم أن يكون محرماً لأن وجوده ضرر وأنه غير مشروع.

فالذي يتمسك به في إثبات الأحكام من القياس إما أن يكون على وفق هذه القاعدة أو على خلافها والأول باطل، لأن هذا الأصل يغني عنه، وكذا الثاني لأن النص راجح على القياس.

ولقائل أن يقول: توارد الأدلة على المدلول الواحد غير ممتنع.

أما قوله: ﴿ ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ﴾ فعن ابن عباس في رواية عطاء أنه يريد أجل القيامة لأن معظم العذاب يوافيهم يومئذ.

وقيل: أراد منتهى العمر لأن المشركين يؤاخذون بالذنوب إذا خرجوا من الدنيا، وباقي الآية قد مر تفسيرها في أوائل سورة الأعراف.

واعلم أنه  قال في هذه السورة ﴿ ما ترك عليها من دابة ﴾ وفي سورة الملائكة { ﴿ ما ترك على ظهرها  ﴾ فالهاء كناية عن الأرض ولم يتقدم ذكرها ههنا والعرب تجوّز ذلك في كلمات لحصولها بين يدي كل متكلم وسامع منها الأرض والسماء: "فلان أفضل من عليها وأكرم من تحتها"، ومنها الغداة "إنها اليوم لباردة".

ومنها الأصابع يقول: "والذي شقهن خمساً من واحدة" يعني الأصابع من اليد.

وإنما لم يذكر الظهر في هذه السورة لئلا يلتبس بظهر الداب فكثيراً ما يستعمل الظهر بمعنى الدابة بخلاف سورة "الملائكة" فإنه قد تقدم ذكر الأرض في قوله: ﴿ أو لم يسيروا في الأرض  ﴾ وفي قوله: ﴿ ولا في الأرض  ﴾ فلم يكن ملتبساً.

ويمكن أن يقال: لما قال ههنا ﴿ بظلمهم ﴾ لم يقل: ﴿ على ظهرها ﴾ وحين قال هنالك ﴿ بما كسبوا ﴾ قال: ﴿ على ظهرها ﴾ احترازاً عن الجمع بين الظاءين لأنها تقل في الكلام وليست لأمة من الأمم سوى العرب، فلم يجمع بينهما في شرطية واحدة.

ثم عاد إلى حكاية كلمتهم الحمقاء فقال: ﴿ ويجعلون لله ما يكرهون ﴾ لأنفسهم من البنات ولا يبعد أن يندرج فيه سائر ما يكرهون من الشركاء في الرياسة ومن الاستخفاف والتهاون برسلهم ورسالتهم، وأنهم يجعلون أرذل أموالهم لله وأكرمها للأصنام.

وعن بعضهم أنه قال لرجل من ذوي اليسار كيف تكون يوم القيامة إذا قال الله  هاتوا ما دفع إلى السلاطين وأعوانهم فيؤتى بالدواب والثياب وأنواع الأموال الفاخرة، وإذا قال هاتوا ما دفع إليّ فيؤتى بالكسر والخرق وما لا يؤبه له، أما تستحيي من ذلك الموقف؟

ثم قال: ﴿ وتصف ألسنتهم الكذب ﴾ قال الفراء والزجاج: أبدل منه قوله: ﴿ أن لهم الحسنى ﴾ عن مجاهد أن الحسنى البنون كانت قريش يقولون لله البنات ولنا البنون.

وقال غيره: هي الجنة أي إنهم مع جعلهم لله ما يكرهون حكموا لأنفسهم بالجنة والثواب من الله، وأنهم يفوزون برضوان الله بسبب هذا القول زعماً منهم أنهم على الدين الحق والمذهب الحسن.

وكيف يحكمون بذلك وكانوا منكرين للقيامة؟

الجواب أنه كان فيهم من يقر بالبعث ولذلك كانوا يربطون البعير على قبر الميت ويتركونه إلى أن يموت ظناً منهم أن الميت إذا حشر فإنه يحشر معه مركوبه، وبتقدير أنهم كانوا منكرين فلعلهم قالوا إن كان محمد  صادقاً في دعوى الحشر والقيامة فإنه يحصل لنا الجنة والثواب بسبب هذا الدين الحق الذي نحن عليه نظيره ﴿ ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى  ﴾ ومن الناس من رجح هذا القول لأنه تعالى ردّ عليهم بعد ذلك بقوله: ﴿ لا جرم أن لهم النار ﴾ قال الزجاج: لا ردّ لقولهم أي ليس الأمر كما وصفوا.

جرم أي كسب ذلك القول أن لهم النار فــ "أنَّ" مع ما بعده في محل النصب لوقوع الكسب عليه.

وقال قطرب: "أن" في موضع رفع والمعنى حق أن لهم الافتراء على الله.

وجوّز أبو علي الفارسي أن يكون من أفرط أي صار ذا فرط مثل أجرب أي صار ذا جرب، ومن قرأ بفتحها مخففة فهو من أفرطت فلاناً خلفى إذا خلفته ونسيته، فالمعنى أنهم متروكون في النار منسيون.

ومن قرأ بكسر الراء المشددة فهو من التفريط في الطاعات.

وقرىء بفتح الراء المشددة من فرّطته في طلب الماء إذا قدمته وجاء أفرطته بمعناه أيضاً، فالمراد أنهم مقدمون إلى النار معجلون إليها.

ثم بين  أن مثل صنيع قريش قد صدر عن سائر الأمم فقال: ﴿ تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ﴾ أي رسلاً ﴿ فزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ قالت المعتزلة: لو كان خالق الأعمال هو الله  فما معنى تزيين الشيطان، ومن أي وجه توجه عليه الذم، وأن خالق ذلك العمل أجدر بأن يكون ولياً لهم من الداعي إليه؟

وأجيب بأن الوسائط معتبرة وانتهاء الكل إليه ضروري.

قال جار الله: ﴿ فهو وليهم اليوم ﴾ حكاية الحال الماضية التي كان يزين لهم الشيطان أعمالهم فيها، والمراد فهو وليهم أي قرينهم في الدنيا فجعل اليوم عبارة عن زمان الدنيا أو اليوم عبارة عن يوم الآخرة الذي يعذبون فيه في النار، فهو حكاية للحال الآتية، والولي الناصر أي هو ناصرهم يوم القيامة فقط، والمراد نفي الناصر عنهم على أبلغ الوجوه لأن الشيطان لا يتصوّر منه النصرة أصلاً، وإذا كان الناصر منحصراً فيه لزم أن لا نصرة بالضرورة.

قال: ويجوز أن يرجع الضمير في ﴿ وليهم ﴾ إلى مشركي قريش وأنه زين للكفار قبلهم أعمالهم فهو ولي هؤلاء لأنهم منهم، ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي فهو ولي أمثالهم اليوم.

ثم ذكر  أنه ما هلك من هلك إلا بعد إقامة الحجة وإزاحة العلة فقال: ﴿ وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ﴾ كالشرك والتوحيد والجبر والقدر والإقرار بالبعث والإنكار له، وكتحريم الأشياء المحللة كالبحيرة والسائبة وتحليل الأشياء المحرمة كالميتة والدم.

﴿ وهدى ورحمة ﴾ انتصبا على أنهما مفعول لهما ولا حاجة إلى اللام لأنهما فعلا فاعل، والفعل المعلل بخلاف التبيين فإنه فعل المخاطب لا فعل المنزل ولهذا دخل عليه اللام، قال الكعبي: وصف القرآن بكونه هدى ورحمة ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لا ينافي كون كذلك في حق الكل.

وخص المؤمنون بالذكر من حيث إنهم قبلوه وانتفعوا به.

ولما امتد الكلام في وعيد الكفار عاد إلى تقرير الإلهيات فقال: ﴿ والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ﴾ وفي العنكبوت: { ﴿ من بعد موتها  ﴾ لأن هنالك سؤال تقرير والتقرير يحتاج إلى التحقيق فقيد الظرف بــ"من" للاستيعاب.

وأيضاً حذف "من" في هذه السورة موافقة لقوله عما قريب: ﴿ لكيلا يعلم بعد علم شيئاً ﴾ وإنما حذف "من" هنا بخلاف ما في الحج لأنه أجمل الكلام في هذه السورة فقال: ﴿ والله خلقكم ثم يتوفاكم ﴾ وأطنب في الحج فقال: ﴿ خلقناكم من تراب ثم من نطفة  ﴾ الآية.

فاقتضى الإيجاز الحذف والإطناب الإثبات ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ﴾ سماع تأمل وتدبر فمن لم يسمع متدبراً فكأنه أصم، ثم استدل بعجائب أحوال الحيوانات قائلاً: ﴿ وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه ﴾ وفي سورة المؤمنين: ﴿ مما في بطونها  ﴾ فذكر النحويون أن الأنعام من جملة الكلمات التي لفظها مفرد ومعناها جمع كالرهط والقوم والنعم.

فجاز تذكيره حملاً على اللفظ وتأنيثه حملاً على المعنى.

قال المبرد: هذا شائع في القرآن قال  : ﴿ فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي  ﴾ بمعنى هذا الشيء الطالع.

وقال: ﴿ كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره  ﴾ أي ذكر هذا الشيء.

وعند سيبويه الأنعام من الأسماء المفردة الواردة على أفعال.

وجوّز في الكشاف أن يكون تأنيثه على أنه تكسير نعم.

وقيل: إن الأنعام بمعنى النعم لأن الألف واللام تلحق الآحاد بالجمع والجمع بالآحاد.

قلت: ما ذكره الأئمة حسن إلا أنه لا يقع جواباً عن التخصيص.

ولعل السر فيه أن الضمير في هذه السورة يعود إلى البعض وهو الإناث، لأن اللبن لا يكون للكل فالتقدير: وإن لكم في بعض الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه، وأما في "المؤمنين" فإنه لما عطف عليه ما يعود على الكل ولا يقتصر على البعض وهو قوله: ﴿ ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها ﴾ \[المؤمنون: 22\] لم يتحمل أن يكون المراد به البعض فأنث ليكون نصاً على أن المراد بها الكل.

روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: إذا استقر العلف فى الكرش صار أسفله فرثاً وأعلاه دماً وأوسطه لبناً خالصاً فيجري الدم في العروق واللبن في الضروع ويبقى الفرث كما هو فذاك هو قوله  : ﴿ من بين فرث ودم لبناً خالصاً ﴾ لا يشوبه الدم ولا الفرث.

وأنكر الأطباء هذا القول لأنه على خلاف الحس والتجربة.

أما الحس فلأن الأنعام تذبح ذبحاً متوالياً ولا يرى في كرشها دم ولا لبن، وأما التجربة فلأن الدم لو كان في أعلى المعدة والكرش كان يجب إذا قاء أن يقيء الدم وليس كذلك، بل الحق أن الحيوان إذا تناول العلف حصل له في معدته أو كرشه هضم أوّل، فما كان منه صافياً انجذب إلى الكبد، وما كان كثيفاً نزل إلى الأمعاء.

ثم الذي يحصل في الكبد ينطبخ فيها ويصير دماً وذلك هو الهضم الثاني.

ويكون مخلوطاً بالصفراء والسوداء وزيادة المائية.

أما الصفراء فتذهب إلى المرارة، والسوداء إلى الطحال، والماء إلى الكلية، ومنها إلى المثانة.

وأما الدم فإنه يدخل في الأوردة وهي العروق النابتة من الكبد وهناك يحصل الهضم الثالث.

وبين الكبد والضرع عروق كثيرة فينصب الدم في تلك العروق إلى الضرع وهو لحم غددي رخو أبيض فيقلب الله الدم هناك إلى صورة اللبن، وإنما اختص هذ المعنى بالحيوان الأنثى لأن الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شيء على الوجه اللائق به، والذكر من كل حيوان أسخن واجف، والأنثى أبرد وأرطب لأن بدن الأنثى يحتاج إلى مزيد رطوبة لتصير مادة لتولد الولد ويتسع بدنها له.

ثم إن تلك الرطوبات التي كانت تصير مادة لازدياد بدن الجنين حين كان في الرحم تنصب بعد انفصال الجنين إلى الثدي لتصير مادة لغذاء الطفل.

واعلم أنه  خلق في أسفل المعدة منفذاً يخرج منه ثفل الغذاء، فإذا تناول الإنسان غذاء أو شربة رقيقة انطبق ذلك المنفذ انطباقاً كلياً إلى أن يكمل انهضامه في المعدة وينجذب ما صفا منه إلى الكبد، ويبقى الثفل هناك فحينئذ ينفتح ذلك المنفذ وينزل منه ذلك الثفل فهذا الانطباق والانتفاح بحسب الحاجة وبقدر المنفعة مما لا يتأتى إلى بتقدير الفاعل الحكيم.

وأيضاً إنه أودع في الكبد قوّة جاذبة للأجزاء اللطيفة التي في ذلك المأكول والمشروب طابخة لها حتى تنقلب دماً دون الأجزاء الكثيفة وفي المعدة بالعكس، وأودع في المرارة قوة جاذبة للصفراء، وفي الكلية قوة جاذبة لزيادة المائية، وتخصيص كل واحد من هذه الأعضاء بفعله الخاص به لا يمكن إلا بتدبير العليم الخبير.

وكذا الكلام في انصباب مادة اللبن إلى الثدي في وقت يحتاج الطفل إلى الغذاء وتوزعها على جميع البدن في غير ذلك الوقت.

ثم إنه  أحدث في حلمة الثدي ثقوباً صغيرة يخرج اللبن الخالص منها وقت المص أو الحلب فهي بمنزلة المصفاة للبن يخرج اللطيف منها ويبقى الكثيف، فبهذا الطريق يصير خالصاً سائغاً للشاربين أي سهل المرور في الحلق حتى قيل إنه لم يغص أحد باللبن قط.

ومن عجائب حال اللبن اجتماعه من أجسام مختلفة الطبائع مع أنها واحدة في الحس.

فمنها الدهن وهو حار رطب، ومنها الأجزاء المائية وهي باردة رطبة، ومنها الجبن وهو بارد يابس وكلها حاصلة من عشب واحد.

ثم إنه  ألهم الطفل الصغير مص الثدي عند انفصاله من الأم وكل ذلك دليل على عناية كاملة ورحمة شاملة وعلم تام وقدرة باهرة.

قال المحققون: في تقليب العشب في هذه الأطوار إلى أن يصير لبناً خالصاً سائغاً دليل على أنه تعال قادر على تقليب الإنسان في أطواره إلى أن يصير مستعداً للبقاء الأبدي واللقاء السرمدي.

قال جار الله: و"من" في ﴿ مما في بطونه ﴾ للتبعيض و"من" في قوله: ﴿ من بين فرث ﴾ لابتداء الغاية فهو صلة ﴿ لنسقيكم ﴾ كقولك: "سقيته من الحوض".

وجوز أن يكون حالاً من قوله: ﴿ لبناً ﴾ مقدماً عليه فيتعلق بمحذوف أي كائناً من بين كذا وكذا.

وإنما قدم لأنه موضع العبرة فهو جدير بالتقديم.

قالت الشافعية: ليس بمستنكر أن يسلك المني مسلك البول وهو طاهر كما أنه يخرج اللبن من بين الفرث والدم طاهراً.

وأما قوله: ﴿ ومن ثمرات النخيل والأعناب ﴾ فإما أن يتعلق بمحذوف أي ونسقيكم من ثمرات النخيل ومن الأعناب إذا عصرت وحذف لدلالة ما تقدم عليه فيكون قوله: ﴿ تتخذون منه ﴾ بياناً وكشفاً عن كنه حقيقة الاستقاء، وإما أن يتعلق بـ ﴿ تتخذون ﴾ فيكون قوله: ﴿ منه ﴾ تكريراً للظرف لأجل التأكيد نظيره قولك: "زيد في الدار فيها" وإنما ذكر الضمير في ﴿ منه ﴾ لأنه يعود إلى المذكور أو إلى المضاف المحذوف الذي هو العصير كأنه قيل: ومن عصير ثمرات النخيل ومن عصير الأعناب تتخذون منه، واحتمل أن يكون ﴿ تتخذون ﴾ صفة موصوف محذوف كقوله: ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ أي وما منا إلا ملك فالتقدير: ومن ثمرات النخيل ومن الأعناب ثمر.

﴿ تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ لأنهم يأكلون بعضها ويتخذون من بعضها السكر وهو الخمر سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً نحو رشد رشداً ورشداً.

وعلى هذا التفسير ففي الآية قولان: أحدهما - ويروى عن الشعبي والنخعي - أنها منسوخة فإن السورة مكية وتحريم الخمر نزل في المائدة وهي مدنية، وثانيهما أنها جامعة بين العتاب والمنة.

وذكر المنفعة لا ينافي الحرمة على أن في الآية تنبيهاً على الحرمة أيضاً لأنه ميز بينها وبين الرزق الحسن في الذكر، فوجب في السكر أن لا يكون رزقاً حسناً لا بحسب الشهوة بل بحسب الشريعة.

هذا ما عليه الأكثرون.

وقيل: السكر النبيذ وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه، ثم يترك حتى يشتد وهو حلال عند أبي حنيفة إلى حد السكر.

واحتج بأن الآية دلت على أن السكر حلال لأنه  ذكره في معرض الإنعام والمنة، ودل الحديث على أن الخمر حرام لعينها وهذا يقتضي أن يكون السكر شيئاً غير الخمر، وكل من أثبت هذه المغايرة قال إنه النبيذ المطبوخ.

ويحكى عن أبي علي الجبائي أنه صنف كتاباً في تحليل النبيذ، فلما آخذت منه السن العالية قيل له: لو شربت منه ما تتقوّى به فأبى فقيل له: فقد صنفت في تحليله.

فقال: تناولته أيدي الشيطان فقبح عند ذوي المروءات والأقدار.

وقيل: السكر الطعم قاله أبو عبيدة.

وقيل: السكر والرزق الحسن واحد كأنه قيل: تتخذون منه ما هو سكر ورزق حسن.

ومن أعجب أحوال الحيوان حال النحل المناسب عسلها اللبن في موافقة اللذة وفي الخروج من البطن فلذلك أفردها بالذكر عقيب ذلك قائلاً: ﴿ وأوحى ربك ﴾ يا محمد أو يا إنسان إلى النحل أي ألهمها وعلمها على وجه هو أعلم به، ولقد حق لغريب أمرها وعجيب صنعتها أن يطلق عليه لفظ الإيحاء وذلك أنها تبني البيوت المسدسة من الأضلاع المتساويات التي لا يمكن للعقلاء تركيب أمثالها إلا بالمساطر والفرجارات، وقد علم من الهندسة أن تلك البيوت لو كانت مشكلة بما سوى المسدسات فإنه يبقى بالضرورة فيما بينها فرج خالية ضائعة.

فاهتداء ذلك الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الدقيقة من الأعاجيب.

ومن غرائب أمرها أن لها رئيساً هو أعظم جثة من الباقين وهم يخدمونه ويتبعون نهيه وأمره، ومنها أنها إذا نفرت عن وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطبول والملاهي وآلات الموسيقى وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى أوكارها.

وبالجملة فإن غرائب هذا الحيوان أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تخفى، والغرض أن امتياز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على الذكاء والكياسة حالة شبيهة بالوحي بمعنى الإلهام.

قال الزجاج: يجوز أن يقال سميت نحلاً لأنه  نحل الناس العسل بواستطها وهي مؤنثة في لغة أهل الحجاز ولذلك قال  : ﴿ أن اتخذي ﴾ وهي "أن" المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول.

ومعنى "من" في قوله: ﴿ من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ﴾ أي يبنون ويرفعون البعضية لأنها لا تبني بيوتاً في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش، ولكنها تبني في مساكن توافقها وتليق بها وكثيراً ما يتعهدها الناس وتصلح أحوالها ﴿ ثم كلي من كل الثمرات ﴾ أي بعضاً من كل ثمرة تشتهينها فإذا أكلتها ﴿ فاسلكي سبل ربك ﴾ أي الطريق التي ألهمك وفهمك في عمل العسل ﴿ ذللاً ﴾ جمع ذلول وهي حال من السبل لأن الله ذللها لها وسهلها عليها، أو من الضمير في ﴿ فاسلكي ﴾ أي وأت ذلك منقادة لما أمرت به غير ممتنعة، أو المراد فاسلكي ما أكلت في سبل ربك المذللة أي في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المر عسلاً وهي أجوافك ومنافذ مأكلك، أو أراد أنك إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من بيوتك فاسلكي راجعة إلى بيوتك سبل ربك لا تتوعر عليك ولا تضلين فيها.

فقد يحكى أنها ربما أجدب عليها ما حولها فتسافر إلى البلد البعيد في طلب النجعة.

ويجوز أن يريد بقوله: ﴿ ثم كلي ﴾ اقصدي أكل الثمرات ﴿ فاسلكي ﴾ في طلبها من مظانها ﴿ سبل ربك ﴾ .

واعلم أن ظاهر قوله: ﴿ أن اتخذي ﴾ ﴿ ثم كلي ﴾ ﴿ فاسلكي ﴾ أمر.

فمن الناس من قال لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول يتوجه بها عليها من الله أمر ونهي، ومنهم من أنكر ذلك وقال: المراد أنه  خلق فيها غرائز وطبائع توجب هذه الأحوال.

وتمام الكلام فيه سيجيء في سورة النمل.

أما حدوث العسل من النحل فالأصح عند الأطباء أن الله  دبر هذا العالم على وجه يحدث في الهواء طل لطيف في الليالي ويقع على أوراق الأشجار فقد يكون كثيراً يجتمع منه أجزاء محسوسة وهي الترنجبين ونحوه، وقد يكون قليلاً متفرقاً على الأوراق والأزهار وهو الذي ألهم الله  هذا النحل فتلتقط تلك الذرّات بأفواهها وتأكلها وتغتذي بها فإذا شبعت التقطت مرة أخرى وذهبت بها ووضعتها في بيوتها ادخاراً لنفسها، فإذا اجتمع في بيوتها شيء محسوس من تلك الأجزاء الطلية فذاك هو العسل.

ولا يبعد أن يحصل لتلك الأجزاء في أفواهها نوع هضم وتغير ونضج لخاصية فيها فلذلك قال: ﴿ يخرج من بطونها ﴾ أي من أفواهها.

ومن الناس من زعم أن النحل تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق العطرية ما شاءت، ثم إنه  يقلب تلك الأجسام في داخل بدنه عسلاً، ثم إنه يقيء مرة أخرى فذلك هو العسل.

قال العقلاء: والقول الأول أقرب إلى التجربة والقياس: فإن طبيعة الترنجبين قريبة من العسل في الطعم والشكل، ولا شك أنه طل محدث في الهواء ويقع على أطراف الأشجار والأزهار فكذا العسل.

وأيضاً النحل إنما تغتذي بالعسل ولهذا يترك منه بقية في بيوتها بعد الأشتيار.

ولكن قوله  : ﴿ يخرج من بطونها شراب ﴾ أي ما يشرب يعضد القول الثاني.

وقوله: ﴿ مختلف ألوانه ﴾ أي منه أبيض وأصفر وأحمر وأسود بحسب اختلاف الأماكن وأمزجة النحل واختلاف الأزهار والأعشاب التي ترعى فيها.

ثم وصفه بقوله: ﴿ فيه شفاء الناس ﴾ لأنه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة النافعة ولذا يقع في أكثر المعاجين.

وتنكير ﴿ شفاء ﴾ لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء فإن كل دواء كذلك.

وعن النبي  أن رجلاً جاء إليه فقال: إن أخي يشتكي بطنه.

فقال: اسقه العسل.

فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فما نفع.

فقال: اذهب فاسقه عسلاً فقد صدق الله وكذب بطن أخيك.

فسقاه فشفاه الله فبرأ كأنما نشط من عقال.

قال أهل المعاني: إنه  كان عالماً بأنه سيظهر نفعه فلهذا قال: كذب بطن أخيك حين لم يظهر النفع في الحال.

وعن عبد الله بن مسعود: العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم بالشفاءين القرآن والعسل.

واعلم أنه  ختم الآية الأولى بقوله: ﴿ لقوم يسمعون ﴾ لأن إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض بسببه أمر مشاهد محسوس فمنكر ذلك فاقد الحس، وإنما خص بالذكر حس السمع لأن لفظ القرآن المنبه على هذه الآية مسموع.

وختم الآية الثانية بالعقل لأنه يحتاج إلى نوع تدبر فالمعرض عنه فاقد العقل دون الحس.

وختم الثالثة بالتفكر لأن أمر النحل وقصتها العجيبة من انقيادها لأميرها واتخاذها البيوت على أشكال يعجز عنها الحاذق منا، ثم تتبعها الزهر والطل ثم خروج ذلك من بطونها لعاباً أو قيئاً يقتضي فكرة بليغة.

ولما ذكر بعض عجائب أحوال الحيوان أتبعه عجيب خلق الإنسان فقال: ﴿ والله خلقكم ﴾ ولم تكونوا شيئاً ﴿ ثم يتوفاكم ﴾ عند انقضاء آجالكم ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ إلى أخسه وأحقره.

عن علي  هو خمس وسبعون سنة.

وعن قتادة تسعون سنة.

وقال السدي: هو حالة الخرف دليله قوله: ﴿ لكيلا يعلم بعد علم شيئاً ﴾ أي ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفل في النسيان وعدم التذكر وقيل: لئلا يعقل بعد عقله الأول شيئاً أي لا يعلم زيادة علم على علمه.

وقيل: إن الرد إلى أرذل العمر ليس في المسلمين والمسلم لا يزداد بسبب العمر إلا كرامة على الله  ونظير الآية قوله: ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات  ﴾ .

واعلم أن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع: أوّلها سن النشوء، وثانيها سن الوقوف وهو سن الشباب، وثالثها الانحطاط الخفي اليسير وهو سن الكهولة، ورابعها سن الانحطاط الظاهر وهو سن الشيخوخة.

وذكر الأطباء وأصحاب الطبيعي أن بدن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث وهما جوهران حارّان رطبان، والحرارة إذا عملت في الجسم الرطب قلت رطوبته فلا يزال في هذين الجوهرين من قوة الحرارة يقلل ما في العضو من الرطوبة حتى يتصلب ويظهر العظم والغضروف والعصب والوتر والرباط وسائر الأعضاء، فإذا تم تكوين البدن وكمل فعند ذلك ينفصل الجنين من رحم الأم وتكون رطوبة البدن بعد زائدة على حرارته، فتكون الأعضاء قابلة للتمدد والازدياد والنماء وهو سن النشو وغايته إلى ثلاثين أو إلى خمس وثلاثين سنة، ثم تصير رطوبات البدن أقل وتكون وافية بحفظ الحرارة الغريزية الأصلية إلا أنها لا تكون زائدة على هذا القدر وهو سن الوقوف والشباب وغايته وحينئذ يظهر النقصان قليلاً إلى ستين سنة وهي سن الكهولة، ثم يظهر جداً إلى تمام مائة وعشرين سنة.

قال المتكلمون: هذا التعليل ضعيف لأن رطوبات البدن في حال كونه منياً ودماً كانت كثيرة ولذلك كانت الحرارة الغريزية مغمورة، ثم إنها مع ذلك كانت قوية على تحليل أكثر الرطوبات حتى نقلتها من حد الدموية والمنوية إلى أن صارت عظماً وغضروفاً وعصباً ورباطاً، فعندما تولدت الأعضاء وكمل البدن وقلت الرطوبات وجب أن تقوى الحرارة الغريزية قوّة أزيد مما كانت قبل ذلك فوجب أن يكون تحليل الرطوبات بعد تولد البدن وكماله أكثر من تحليلها قبل تولد البدن وليس الأمر كذلك، لأنه قبل تولد البدن انتقل جسم الدم والمني إلى أن صار عظماً وعصباً، أما بعد تولد البدن فلم يحصل مثل هذا الانتقال ولا عشر عشيره، فعلمنا أن البدن إنما يتولد بتدبير قادر حكيم لا لأجل ما قالوه.

وبوجه آخر الحرارة الحاصلة في بدن الإنسان الكامل الغريزة إما أن تكون هي عين ما كان حاصلاً في جوهر النطفة، أو صارت أزيد مما كانت.

والأول باطل لأن الحار الغريزي الحاصل في جوهر النطفة كان بمقدار جرم النطفة، فإذا كبر البدن وجب أن لا يظهر منه في هذا البدن تأثير أصلاً.

وأما الثاني ففيه تسليم أن الحرارة تتزايد بحسب تزايد الجثة، ولا ريب أن تزايدها يوجب تزايد القوة والصحة ساعة فساعة فيلزم أن لا ينهدم البدن الحيواني أبداً وليس كذلك.

وبوجه ثالث هب أن الرطوبة الغريزية صارت معادلة للحرارة الغريزية فلم قلتم إن الحرارة الغريزية يجب أن تصير أقل مما كانت حتى ينتقل الإنسان من سن الشباب إلى سن النقصان؟

قالوا: السبب فيه أنه إذا حصل هذا الاستواء فالحرارة الغريزية بعد ذلكتؤثر في تجفيف الرطوبة الغريزية فتقل الرطوبات الغريزية حتى صارت بحيث لا تفي بحفظ الحرارة الغريزية، وإذا حصلت هذه الحال ضعفت الحرارة الغريزية أيضاً لأن الرطوبات الغريزية كالغذاء للحرارة الغريزية، فإذا قل الغذاء ضعف المغتذي فينتهي الأمر إلى أن لا يبقى من الرطوبة شيء، لأن الحرارة الغريزية توجب قلة الرطوبة الغريزية وقلتها توجب ضعف الحرارة الغريزية فيلزم من ضعف إحداهما ضعف الأخرى فتنطفىء الحرارة أيضاً ويحصل الموت.

وأورد عليهم أن الحرارة إذا أثرت في تجفيف الرطوبة وقلتها فلم لا يجوز أن تورد القوة الغاذية بدلها؟

فأجابوا بأن القوة الغاذية لا تفي بإيراد البدل.

قال الإمام فخر الدين الرازي راداً عليهم.

إن القوة الغاذية إنما تعجز عن هذا الإيراد إذا كانت الحرارة الغريزية ضعيفة وذلك ممنوع، وإنما تكون الحرارة الغريزية ضعيفة أن لو قلت الرطوبة الغريزية، وإنما تحصل هذه القلة إذا عجزت الغاذية عن إيراد البدل وهذا دور محال، فيثبت أن إسناد هذه الأحوال إلى الطبائع والقوى غير ممكن فيعين إسنادها إلى القادر المختار الحكيم، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن الله عليم قدير ﴾ يعلم مقادير المصالح والمفاسد ويقدر على تحصيلها كما يريد.

وأما الطبيعة فجاهلة عاجزة.

قلت: لا شك أن نسبة هذه الأمور إلى مجرد الطبيعة كفر وجهل، لأنها ليست واجبة الوجود بالاتفاق ولكن إنكار القوى والطبائع أيضاً بعيد عن الإنصاف.

والحق أنها وسائط وآلات لما فوقها من المبادىء والعلل إلى أن ينتهي الأمر إلى مسبب الأسباب ومبدأ الكل، وقد ثبت عند الحكيم أن كل قوة جسمانية فإنها متناهية الأثر فلا محالة تعجز القوة الغاذية آخر الأمر عن إيراد بدل ما يتحلل فيحل الأجل بتقدير العليم القدير.

التأويل: ﴿ ولو يؤاخذ الله ﴾ النفوس الناسية ﴿ بما ظلمت ﴾ على القلوب والأرواح ﴿ ما ترك على ﴾ أرض البشرية صفة من صفات الحيوانية.

ولكن يؤخر أهل السعادة إلى أجلهم وهو إفناء صفات النفس بصفات القلب والروح في حينه وأوانه، ويؤخر أهل الشقاء إلى أوان العكس من ذلك.

﴿ ويجعلون لله ما يكرهون ﴾ أي يعاملون الله بأعمال يكرهون أن يعاملهم بها غيرهم وتسوّل لهم أنفسهم أن تلك المعاملة حسنة.

والله أنزل من سماء العزة ماء بيان القرآن فأحيا به أرض قلوب الأمم بعد موتها باختلافهم على أنبيائهم ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ﴾ كلام الله من الله ﴿ وإن لكم في الأنعام ﴾ النفوس ﴿ لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ﴾ الخاطر الشيطاني ﴿ ودم ﴾ الخاطر النفساني ﴿ لبناً خالصاً ﴾ من الإلهام الرباني ﴿ سائغاً للشاربين ﴾ جائزاً لأهل هذا الشرب ﴿ ومن ثمرات ﴾ نخيل الطاعات وأعناب المجاهدات ﴿ تتخذون منه سكراً ﴾ هو ما يجعل منها شرب النفس فتسكر النفس فتارة تميل عن الحق والصراط المستقيم ميلان السكران، وتارة تظهر رعوناتها بالأفعال والأحوال رياء وسمعة وشهوة.

والرزق الحسن ما يكون منه شرب القلب والروح فيزداد منه الشوق والمحبة والصدق والطلب: شربت الحب كأساً بعد كأس *** فما نفد الشراب وما رويت ﴿ وأوحى ربك إلى النحل ﴾ إشارة إلى حال السالك السائر ﴿ أن اتخذي من الجبال بيوتاً ﴾ أراد الاعتزال عن الخلق والتبتل إلى الله.

كان رسول الله  يتحنث في غار حراء أسبوعاً وأسبوعين وشهراً، ولا بد أن يتنظف كما أن النحل يحترز عن التلوث.

وفيه أن نحل الأرواح اتخذت من جبال النفوس بيوتاً ومن شجر القلوب ومما يعرشون من الأسرار ﴿ ثم كلي من الثمرات فاسلكي سبل ربك ﴾ نظير قوله: ﴿ كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً ﴾ \[المؤمنون: 51\] فثمرات البدن الأعمال الصالحات، وثمرات النفوس الرياضيات ومخالفات الهوى، وثمرات القلوب ترك الدنيا والتوجه إلى المولى، وثمرات الأسرار شواهد الحق والتطلع على الغيوب والتقرب إلى الله، وهذه كلها أغذية نحل الأرواح فإنها بقوّة هذه الأغذية تسلك السبل إلى أن تصل إلى المقعد الصدق عند مليكها، فيكون غذاؤها مكاشفات الحق ومشاهداته فتبيت عند ربها يطعمها ويسقيها، فحينئذ يخرج من بطونها شراب الحكم والمواعظ مختلف الألوان من المعاني والأسرار والدقائق والحقائق ﴿ فيه شفاء ﴾ للقلوب الناسية القاسية عن ذكر الله ﴿ والله خلقكم ﴾ أخرجكم من العدم إلى الوجود ﴿ ثم يتوفاكم ﴾ عن الوجود المجازي ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ وهو مقام الفناء في الله ﴿ لكيلا يعلم ﴾ بعد فناء علمه شيئاً يعلمه بل يعلم بربه الأشياء كما هي والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ﴾ يذكر - عز وجل - قدرته وسلطانه، حيث أخبر أنه ينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض وهي ميتة، ويخرج منها نباتاً وزروعاً وأشجاراً، فمن قدر على هذا لقادر على إحياء الأنفس بعد موتها لأنه لا فرق بين الإحياءين [إحياء الأرض وإحياء الأنفس]، إذ من قدر على أحدهما قدر على الآخر ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ ﴾ فيما ذكر ﴿ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ قال بعضهم: لآية لقوم يسمعون المواعظ.

وقال بعضهم: لآية لقوم يسمعون الآيات والحجج، وأما من لم يسمع فلا يكون له آية، وأصله: إن في ذلك لآية لقوم ينتفعون بسماعهم، ولآية لقوم يعقلون، أي: ينتفعون بعقولهم، وأصله أن هذا كله يصير آية للمؤمنين على ما ذكر كله؛ لأنهم هم العاقلون عن الله ما أمرهم به ونهاهم عنه، وهم يسمعون آياته ومواعظه، وكله كناية عن المؤمنين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ﴾ والعبرة الآية، أي: أنشأ لكم أنعاماً فيه الآية، هو صلة قوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ﴾ أي: أنزل من السماء ماء، وأنشأ الأنعام لكم فيه الآية أنشأ - عز وجل - في الأنعام لبناً غذاء الأولاد، في الوقت الذي لا يحتمل الغذاء بالعلف، وجعل لأربابها الانتفاع بذلك اللبن وفي الأشياء التي لا يؤكل لحمها لم يجعل لأربابها الانتفاع بما يفضل من اللبن، ولم يجعل لها فضل لبن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ ذكر بالتذكير، فظاهره أن يذكر بالتأنيث؛ لأنه إما أن يريد به الأمهات التي يدر منها اللبن أو جماعة من الذكران منها، فكيفما كان فهو يذكر بالتأنيث، لكن بعضهم يقول: ذكر باسم التذكير على إرادة الأصل الذي به كان اللبن، وهو الفحل، وهذا يدل لأبي حنيفة وأصحابه - رحمهم الله - لقولهم في لبن الفحل أنه يحرم.

وقال بعضهم: ذكر باسم التذكير على إرادة الجنس والجوهر من بين الأجناس والجواهر دون العدد والجماعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ ﴾ قال ابن عباس  : يعني استخراج اللبن من بين فرث ودم، وذلك أن العلف إذا وقع في الكرش [طبخه الكرش] فيجعل الفرث أسفله والدم أعلاه واللبن بين ذلك، ثم يسلط الكبد عليهم فيجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويُبقي الفرث في الكرش كما هو.

وقال بعض الفلاسفة: إن العلف إذا وقع فيه يصير منه فرثاً، ثم يصير منه دماً، ثم يصير لبناً خالصاً، فهو كالنطفة التي وقعت في الرحم، تصير علقة، ثم تصير مضغة مأكولة، فعلى ذلك اللبن [الذي] ذكر والله أعلم.

ويحتمل ما قاله بعض الفلاسفة أن العلف يصير فرثاً، ثم دماً، ثم لبناً.

ويحتمل أن يكون مجرى اللبن بين ما ذكر من الفرث والدم، فأي الوجهين كان، كان فيه اللطف الذي ذكرنا.

ووجه ذكر هذا - والله أعلم - على الامتنان وكذلك ما ذكر من الثمرات والأعناب أنه بلطفه أخرج اللبن الصافي أصفى الأشياء وألطفها من بين أخبث الأشياء وأكدرها في رأي العين، فمن قدر على حفظ هذا مما ذكر بلا حجاب يدرك أو حاجز يعرف لقادر على إنشاء الأشياء من لا شيء لأن الخلائق لو اجتمعوا على أن يدركوا السبب الذي به كان حفظ هذا من هذا وامتناعه عن الخلط بالخبيث ما أدركوا ذلك، وكذلك ما يخرج من النخيل والكروم الثمرات الطيبة والأعناب الحلوة من غير أن يرى أثر ذلك فيها، ومن غير أن يدركوا السبب الذي كان به الأعناب والثمرات، دل أنه قادر على إنشاء الأشياء من لا شيء إذ هي خشبة يابسة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ﴾ .

قال بعضهم: السكر ما يحرم منه، والرزق الحسن: ما [يحل من ثمرها.

وقال بعضهم: السكر: ما يتخذ من الشراب، والرزق الحسن: ما] يؤكل تمراً وزبيباً، ونحوه.

وقال بعضهم: السكر خمر الأعاجم، والرزق الحسن ما ينبذون ويخللون ويأكلون.

وروي في بعض الأخبار أنه حرم السكر، ولم يفسر الآية.

وفي بعض الأخبار أنه بعث معاذاً إلى اليمن، وأمره أن ينهاهم عن نبيذ السكر.

وعن عبد الله [قال]: إن أولادكم ولدوا على الفطرة فلا تسقوهم السكر، فإن الله  لم يجعل في حرام شفاء.

وليس بين فقهاء الأمصار في تحريم السكر وفضيخ البسر ونقيع الزبيب إذا أسكر كثيرها ولم يطبخ - اختلاف أنها حرام، وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ ﴾ لما ذكر ﴿ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ : يعقلون.

وقال القتبي: الفرث ما في الكرش؛ لأن اللبن كان طعاماً، فخلص من ذلك الطعام دم، وبقي منه فرث في الكرش، وخلص من الدم لبناً سائغاً أي: سهلا في الشرب، لا يشجى به شاربه ولا يغص.

وكذلك قال أبو عوسجة: أسغته: أي: أدخلته في حلقي سهلا.

وقوله: ﴿ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ﴾ أي: تتخذون منه ما يحرم أكله، ورزقاً حسناً: ما يحل منه، [وهو] كقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ...

﴾ الآية [يونس: 59]، أو يخرج على تذكير النعم في الوقت الذي كان السكر حلالا، أي: تتخذون منه سكرا ما تشربون، ورزقاً حسناً سوى الشراب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإن لكم -أيها الناس- في الإبل والبقر والغنم لعظة تتعظون بها، حيث نسقيكم من ضروعها لبنًا خارجًا من بين ما يحتويه البطن من فضلات وما في الجسم من دم، ومع هذا يخرج لبنًا خالصًا نقيًّا لذيدا يطيب للشاربين.

<div class="verse-tafsir" id="91.EQpZo"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 14 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.7 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
لا إله إلا الله