الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٦٦ من سورة النحل
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 127 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٦٦ من سورة النحل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول تعالى : ( وإن لكم ) أيها الناس ( في الأنعام ) وهي : الإبل والبقر والغنم ، ( لعبرة ) أي : لآية ودلالة على قدرة خالقها وحكمته ولطفه ورحمته ، ( نسقيكم مما في بطونه ) وأفرد هاهنا [ الضمير ] عودا على معنى النعم ، أو الضمير عائد على الحيوان ; فإن الأنعام حيوانات ، أي نسقيكم مما في بطن هذا الحيوان .
وفي الآية الأخرى : ( مما في بطونها ) [ المؤمنون : 21 ] ويجوز هذا وهذا ، كما في قوله تعالى : ( كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره ) [ المدثر : 54 ، 55 ] وفي قوله تعالى : ( وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون فلما جاء سليمان ) [ النمل : 35 ، 36 ] أي : المال .
وقوله : ( من بين فرث ودم لبنا خالصا ) أي : يتخلص الدم بياضه وطعمه وحلاوته من بين فرث ودم في باطن الحيوان ، فيسري كل إلى موطنه ، إذا نضج الغذاء في معدته تصرف منه دم إلى العروق ، ولبن إلى الضرع وبول إلى المثانة ، وروث إلى المخرج ، وكل منها لا يشوب الآخر ولا يمازجه بعد انفصاله عنه ، ولا يتغير به .
وقوله : ( لبنا خالصا سائغا للشاربين ) أي : لا يغص به أحد .
يقول تعالى ذكره: وإن لكم أيها الناس لعظة في الأنعام التي نُسقيكم مما في بطونه.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( نُسْقِيكُمْ) فقرأته عامة أهل مكة والعراق والكوفة والبصرة، سوى عاصم ؛ ومن أهل المدينة أبو جعفر ( نُسْقِيكُمْ) بضمّ النون.
بمعنى: أنه أسقاهم شرابًا دائمًا.
وكان الكسائيّ يقول: العرب تقول: أسقيناهم نَهْرا ، وأسقيناهم لبنا: إذا جعلته شِرْبا دائما، فإذا أرادوا أنهم أعطوه شربة قالوا: سقيناهم فنحن نَسْقِيهم بغير ألف ؛ وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة سوى أبي جعفر، ومن أهل العراق عاصم (نَسْقِيكم) بفتح النون من سَقاه الله ، فهو يَسْقيه ، والعرب قد تدخل الألف فيما كان من السَّقي غير دائم ، وتنـزعها فيما كان دائمًا، وإن كان أشهر الكلامين عندها ما قال الكسائيّ، يدلّ على ما قلنا من ذلك، قول لَبيد في صفة سحاب: سَــقَى قَـوْمي بَنِـي مَجْـدٍ وأسْـقَى نُمَــيْرًا والقَبَــائِلَ مِــنْ هِــلالِ (1) فجمع اللغتين كلتيهما في معنى واحد ، فإذا كان ذلك كذلك، فبأية القراءتين قرأ القارئ فمصيب، غير أن أعجب القراءتين إليّ قراءة ضمّ النون لما ذكرت من أن أكثر الكلامين عند العرب فيما كان دائما من السقي أسقى بالألف فهو يُسْقِي، وما أسقى الله عباده من بطون الأنعام فدائم لهم غير منقطع عنهم.
وأما قوله ( مِمَّا فِي بُطُونِهِ ) وقد ذكر الأنعام قبل ذلك، وهي جمع والهاء في البطون موحدة، فإن لأهل العربية في ذلك أقوالا فكان بعض نحويِّي الكوفة يقول: النَّعم والأنعام شيء واحد، لأنهما جميعًا جمعان، فردّ الكلام في قوله ( مِمَّا فِي بُطُونِهِ ) إلى التذكير مرادًا به معنى النَّعم، إذ كان يؤدي عن الأنعام ، ويستشهد لقوله ذلك برجز بعض الأعراب: إذا رأيْــتَ أنْجُمــا مــنَ الأسَـدْ جَبْهَتـــهُ أوِ الخَـــرَاة والكَتَــدْ بــال سُـهَيْلٌ فِـي الفَضِيـخِ فَفَسَـدْ وطــابَ ألْبــانُ اللِّقــاحِ فَــبَرَدْ (2) ويقول: رجع بقوله " فبرد " إلى معنى اللبن، لأن اللبن والألبان تكون في معنى واحد ، وفي تذكير النعم قول الآخر: أكُـــلَّ عــامٍ نَعَــمٌ تَحْوُونَــهُ يُلْقحُــــهُ قَـــومٌ وتَنْتِجُونَـــهُ (3) فذكر النعم ؛ وكان غيره منهم يقول: إنما قال ( مِمَّا فِي بُطُونِهِ ) لأنه أراد: مما في بطون ما ذكرنا وينشد في ذلك رَجزا لبعضهم: مِثْلُ الفِراخِ نُتِفَتْ حَوَاصِلُهُ (4) وقول الأسود بن يَعْفُر: إنَّ المَنِيَّـــةَ والحُــتُوفَ كلاهُمــا يُــوفي المَخـارمَ يَرْقُبـانِ سَـوَادِي (5) فقال: كلاهما، ولم يقل: كلتاهما ؛ وقول الصَّلَتان العَبْدِيّ: إنَّ السَّــماحَةَ والمُــرُوءَة ضُمِّنــا قَـبْرًا بمَـرْوَ عـلى الطَّـرِيقِ الوَاضِحِ (6) وقول الآخر: وعَفْـرَاءُ أدْنَـى النَّـاس مِنِّـي مَـوَدَّةً وعَفْـرَاءُ عَنّـي المُعْـرِضُ المُتَـوَانِي (7) ولم يقل: المعرضة المتوانية ؛ وقول الآخر: إذا النَّــاسُ نــاسٌ والبِـلادُ بغِبْطَـةٍ وَإذْ أُمُّ عَمَّــارٍ صَــديقٌ مُسـاعِفُ (8) ويقول: كل ذلك على معنى هذا الشيء وهذا الشخص والسواد، وما أشبه ذلك ، ويقول: من ذلك قول الله تعالى ذكره فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي بمعنى: هذا الشيء الطالع.
وقوله كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ولم يقل ذكرها، لأن معناه: فمن شاء ذكر هذا الشيء.
وقوله وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ ولم يقل جاءت .
وكان بعض البصريين يقول: قيل ( مِمَّا فِي بُطُونِهِ ) لأن المعنى: نسقيكم من أيّ الأنعام كان في بطونه ، ويقول: فيه اللبن مضمر، يعني أنه يسقي من أيها كان ذا لبن، وذلك أنه ليس لكلها لبن، وإنما يُسقى من ذوات اللبن.
والقولان الأوّلان أصحّ مخرجا على كلام العرب من هذا القول الثالث.
وقوله ( مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا ) يقول: نسقيكم لبنا، نخرجه لكم من بين فرث ودم خالصا: يقول: خلص من مخالطة الدم والفرث ، فلم يختلطا به ( سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ) يقول: يسوغ لمن شربه فلا يَغَصّ به كما يَغَصّ الغاصّ ببعض ما يأكله من الأطعمة.
وقيل: إنه لم يَغصّ أحد باللبن قَطُّ.
------------------------ الهوامش : (1) البيت للبيد (لسان العرب: سقى) قال: السقي: معروف، والاسم: السقيا بالضم.
وسقاه الله الغيث وأسقاه، وقد جمعهما لبيد في قوله: "سقى قومي".
وقال الفراء في معاني القرآن: (174) العرب تقول لكل ما كان من بطون الأنعام ومن السماء أو نهر يجري لقوم: أسقيت.
فإذا سقاك الرجل ماء لشفتك، قالوا: سقاه، ولم يقولوا: أسقاه، كما قال الله عز وجل: (وسقاهم ربهم شراباً طهورًا).
وقال: (الذي يطعمني ويسقين).
وربما قالوا لما في بطون الأنعام ولماء السماء سقى السماء وأسقى، كما قال لبيد: "سقي قومي ..." البيت.
وقد اختلف القراء، وقرأ بعضهم نسقيكم، وبعضهم: يسقيكم.
(2) الأبيات الثلاثة الأولى في (اللسان: جبه) قال الأزهري: الجبهة النجم الذي يقال له: جبهة الأسد، وهي أربعة أنجم ينزلها القمر، قال الشاعر: "إذا رأيت ..." وفي (اللسان: خرت).
والخراتان نجمان من كواكب الأسد، وهما كوكبان بينهما قدر سوط، وهما كتفا الأسد، واحدتهما خراة وأنشد الأبيات الأربعة.
وفي (اللسان: كتد): والكتد: نجم، أنشد ثعلب: "إذا رأيت ...
الخ" الأبيات وفي (اللسان: سهل) الأزهري: سهيل كوكب لا يرى بخراسان، ويرى بالعراق.
وقال ابن كناسة، سهيل يرى بالحجاز، في جميع أرض العرب، ولا يرى بأرض أرمينية.
وقال الأزهري: سهيل كوكب يمان.
وفي (اللسان فضخ) الفضيخ: عصير العنب، وهو أيضا شراب يتخذ من البسر المفضوخ وحده، من غير أن تمسه النار، وهو المشدوخ.
وفضحت البسر وافتضخته، قال الراجز: "بال سهيل في الفضيخ ففسد" يقول: لما طلع سهيل ذهب زمن البسر وأرطب، فكأنه بال فيه.
وأصل هذه الشواهد من شواهد الفراء في معاني القرآن، قال: ( ص 174 ): وأما قوله "مما في بطونه"، ولم يقل "بطونها" فإنه قيل -والله أعلم- إن النعم والأنعام شيء واحد، وهما جمعان، فرجع التذكير إلى معنى "النعم"، إذ كان يؤدي عن الأنعام.
أنشدني بعضهم: إذا رأيت أنجما ..
الخ الأبيات الأربعة، وهي من مشطور الرجز.
فرجع (ضمير قوله فيرد) إلى اللبن، والألبان يكون في معنى واحد، قال: وقال الكسائي "نسقيكم مما في بطونه": بطون ما ذكرنا.
وهو صواب.
أنشدني بعضهم "مثل الفراخ نتفت حواصله".
(3) هذا الرجز لقيس بن الحصين بن يزيد الحارثي، أنشده أبو عبيدة في (مجاز القرآن 1 : 362) وأنشد بعد بيتي الشاهد بيتا ثالثا وهو: "أربابه نوكى ولا يحمونه).
والشاهد فيه أن الأنعام يذكر ويؤنث.
قال: وقال آخرون: المعنى على النعم، لأن النعم، يذكر ويؤنث.
وأنشده في اللسان (نعم) قال: وقال آخر في تذكير النعم: فــي كُــلَ عــامٍ نَعَـمٌ يَحْوُونَـهُ يُلْقِحُــــهُ قَـــوْمٌ وتَنْتِجُونَـــهُ وذكر الرجز البغدادي في الخزانة ( 1 : 196 - 197 ) وزاد فيه أبياتا، قال: وتنتجونه بتاء الخطاب: يقال نتج الناقة أهلها: إذا استولدوها.
وأنتجت الفرس بالهمزة: حان نتاجها.
والنتاج بالكسر: اسم يشمل وضع البهائم من الغنم وغيرها.
وإذا ولى الإنسان ناقة أو شاة ما خضا حتى تضع قيل نتجها نتجا من باب ضرب، فالإنسان كالقابلة، لأنه يتلقى الولد ويصلح من شأنه، فهو ناتج، والبهيمة منتوجة، والولد: نتيجة.
يقول: يحملون الفحولة على النوق، فإذا حملت أغرتم أنتم عليها.
ورواية البيت في الخزانة كرواية المؤلف.
والأبيات: قبلت في يوم الكلاب الثاني، وهو ماء لبني تميم بين الكوفة والبصرة .
(4) هو مثل الشاهد السابق على سابقه، أنشده الفراء في معاني القرآن (ص 174) شاهدا على أن قوله نتفت حواصله، أي حواصل ما ذكرنا، كما فسره الكسائي.
ونقله صاحب اللسان في (نعم) مع أشباه له.
(5) البيت للأسود بن يعفر النهشلي التميمي (المفضيليات: 101) والمنية: الموت.
والحتوف: جمع حتف، يريد أنواع الأخطار التي تؤدي إلى الموت.
والمخارم: جمع مخرم: الطريق في الغلظ، عن السكري، وقيل: الطرق في الجبال، وأفواه الفجاج، وسواد الإنسان: شخصه.
والشاهد في البيت قوله كلاهما بالتذكير، مع أن المنية والحتوف مؤنثان، وكان حقه أن يقول: كلتاهما، لأن الشاعر لم يحفل بهذا التأنيث، واعتبر المذكور أو لا مذكرا، بمعنى الشيئين.
(6) الشاهد في البيت أن السماحة والمروءة لفظتان مؤنثتان ولم يؤنث الفعل المتحمل ضميرهما، فقال الشاعر: ضمنا، ولم يقل ضمنتا، لأنه اعتبر ما رجع إليه الضمير قبل الفعل شيئين مذكرين، أو خلقين، فلذلك لم يؤنث الفعل المسند إلى ضميرهما.
(7) استشهد المؤلف بهذا البيت على أن المعرض وهو خبر لعفراء، لم يطابق المبتدأ في التأنيث وهو عفراء، لأن الشاعر ذهب إلى معنى الحبيب أو الشخص، مما هو مذكر في المعنى.
(8) وهذا الشاهد كسابقه، لأن الشاعر ذهب إلى أن أم عمار شخص، فلذلك قال صديق على التأويل ولم يقل صديقه على المطابقة.
والصديق المساعف: أي المواصل: الذي يدنو من صديقه ويسعفه بحاجته.
قوله تعالى : وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين فيه عشر مسائل :الأولى : قوله تعالى : وإن لكم في الأنعام لعبرة قد تقدم القول في الأنعام ، وهي هنا الأصناف الأربعة : الإبل والبقر والضأن والمعز .
لعبرة أي دلالة على قدرة الله ووحدانيته وعظمته .
والعبرة أصلها تمثيل الشيء بالشيء لتعرف حقيقته من طريق المشاكلة ، ومنه فاعتبروا .
وقال أبو بكر الوراق : العبرة في الأنعام تسخيرها لأربابها وطاعتها لهم ، وتمردك على ربك وخلافك له في كل شيء .
ومن أعظم العبر بريء يحمل مذنبا .الثانية : قوله تعالى : نسقيكم قراءة أهل المدينة وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر [ ص: 111 ] ( بفتح النون ) من سقى يسقي .
وقرأ الباقون وحفص عن عاصم بضم النون من أسقى يسقي ، وهي قراءة الكوفيين وأهل مكة .
قيل : هما لغتان .
وقال لبيد :سقى قومي بني مجد وأسقى نميرا والقبائل من هلالوقيل : يقال لما كان من يدك إلى فيه سقيته ، فإذا جعلت له شرابا أو عرضته لأن يشرب بفيه أو يزرعه قلت أسقيته ; قال ابن عزيز ، وقد تقدم .
وقرأت فرقة " تسقيكم " بالتاء ، وهي ضعيفة ، يعني الأنعام .
وقرئ بالياء ، أي يسقيكم الله - عز وجل - .
والقراء على القراءتين المتقدمتين ; ففتح النون لغة قريش وضمها لغة حمير .الثالثة : قوله تعالى : مما في بطونه اختلف الناس في الضمير من قوله : مما في بطونه على ماذا يعود .
فقيل : هو عائد إلى ما قبله وهو جمع المؤنث .
قال سيبويه : العرب تخبر عن الأنعام بخبر الواحد .
قال ابن العربي : وما أراه عول عليه إلا من هذه الآية ، وهذا لا يشبه منصبه ولا يليق بإدراكه .
وقيل : لما كان لفظ الجمع وهو اسم الجنس يذكر ويؤنث فيقال : هو الأنعام وهي الأنعام ، جاز عود الضمير بالتذكير ; وقال الزجاج ، وقال الكسائي : معناه مما في بطون ما ذكرناه ، فهو عائد على المذكور ; وقد قال الله - تعالى - : إنها تذكرة .
فمن شاء ذكره وقال الشاعر :مثل الفراخ نتفت حواصلهومثله كثير .
وقال الكسائي : مما في بطونه أي مما في بطون بعضه ; إذ الذكور لا ألبان لها ، وهو الذي عول عليه أبو عبيدة .
وقال الفراء : الأنعام والنعم واحد ، والنعم يذكر ، ولهذا تقول العرب : هذا نعم وارد ، فرجع الضمير إلى لفظ النعم الذي هو بمعنى الأنعام .
قال ابن العربي : إنما رجع التذكير إلى معنى الجمع ، والتأنيث إلى معنى الجماعة ، فذكره هنا باعتبار لفظ الجمع ، وأنثه في سورة المؤمنين باعتبار لفظ الجماعة فقال : نسقيكم مما في بطونها وبهذا التأويل ينتظم المعنى انتظاما حسنا .
والتأنيث باعتبار لفظ الجماعة والتذكير باعتبار لفظ الجمع أكثر من رمل يبرين وتيهاء فلسطين .الرابعة : استنبط بعض العلماء الجلة وهو القاضي إسماعيل من عود هذا الضمير ، أن لبن [ ص: 112 ] الفحل يفيد التحريم ، وقال : إنما جيء به مذكرا لأنه راجع إلى ذكر النعم ; لأن اللبن للذكر محسوب ، ولذلك قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن لبن الفحل يحرم حين أنكرته عائشة في حديث أفلح أخي أبي القعيس ( فللمرأة السقي وللرجل اللقاح ) فجرى الاشتراك فيه بينهما .
وقد مضى القول في تحريم لبن الفحل في " النساء " والحمد للهالخامسة : قوله تعالى : من بين فرث ودم لبنا خالصا نبه سبحانه على عظيم قدرته بخروج اللبن خالصا بين الفرث والدم .
والفرث : الزبل الذي ينزل إلى الكرش ، فإذا خرج لم يسم فرثا .
يقال : أفرثت الكرش إذا أخرجت ما فيها .
والمعنى : أن الطعام يكون فيه ما في الكرش ويكون منه الدم ، ثم يخلص اللبن من الدم ; فأعلم الله سبحانه أن هذا اللبن يخرج من بين ذلك وبين الدم في العروق .
وقال ابن عباس : إن الدابة تأكل العلف فإذا استقر في كرشها طبخته فكان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما ، والكبد مسلط على هذه الأصناف فتقسم الدم وتميزه وتجريه في العروق ، وتجري اللبن في الضرع ويبقى الفرث كما هو في الكرش ; حكمة بالغة فما تغن النذر .
خالصا يريد من حمرة الدم وقذارة الفرث وقد جمعهما وعاء واحد .
وقال ابن بحر : خالصا بياضه .
قال النابغة :بخالصة الأردان خضر المناكبأي بيض الأكمام .
وهذه قدرة لا تنبغي إلا للقائم على كل شيء بالمصلحة .السادسة : قال النقاش : في هذا دليل على أن المني ليس بنجس .
وقاله أيضا غيره واحتج بأن قال : كما يخرج اللبن من بين الفرث والدم سائغا خالصا كذلك يجوز أن يخرج المني على مخرج البول طاهرا .
قال ابن العربي : إن هذا لجهل عظيم وأخذ شنيع .
اللبن جاء الخبر عنه مجيء النعمة والمنة الصادرة عن القدرة ليكون عبرة ، فاقتضى ذلك كله وصف الخلوص واللذة ; وليس المني من هذه الحالة حتى يكون ملحقا به أو مقيسا عليه .قلت : قد يعارض هذا بأن يقال : وأي منة أعظم وأرفع من خروج المني الذي يكون عنه [ ص: 113 ] الإنسان المكرم ; وقد قال - تعالى - : يخرج من بين الصلب والترائب ، وقال : والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة وهذا غاية في الامتنان .
فإن قيل : إنه يتنجس بخروجه في مجرى البول ، قلنا : هو ما أردناه ، فالنجاسة عارضة وأصله طاهر ; وقد قيل : إن مخرجه غير مخرج البول وخاصة المرأة ; فإن مدخل الذكر منها ومخرج الولد غير مخرج البول على ما قاله العلماء .
وقد تقدم فإن قيل : أصله دم فهو نجس ، قلنا ينتقض بالمسك ، فإن أصله دم وهو طاهر .
وممن قال بطهارته الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وغيرهم ; لحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت : كنت أفركه من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يابسا بظفري .
قال الشافعي : فإن لم يفرك فلا بأس به .
وكان سعد بن أبي وقاص يفرك المني من ثوبه .
وقال ابن عباس : هو كالنخامة أمطه عنك بإذخرة وامسحه بخرقة .
فإن قيل : فقد ثبت عن عائشة أنها قالت : كنت أغسل المني من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه .
قلنا : يحتمل أن تكون غسلته استقذارا كالأشياء التي تزال من الثوب كالنجاسة ، ويكون هذا جمعا بين الأحاديث .
والله أعلم .
وقال مالك وأصحابه والأوزاعي : هو نجس .
قال مالك : غسل الاحتلام من الثوب أمر واجب مجتمع عليه عندنا ، وهو قول الكوفيين .
ويروى عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وجابر بن سمرة أنهم غسلوه من ثيابهم .
واختلف فيه عن ابن عمر وعائشة .
وعلى هذين القولين في نجاسة المني وطهارته التابعون .السابعة : في هذه الآية دليل على جواز الانتفاع بالألبان من الشرب وغيره ، فأما لبن الميتة فلا يجوز الانتفاع به ; لأنه مائع طاهر حصل في وعاء نجس ، وذلك أن ضرع الميتة نجس واللبن طاهر فإذا حلب صار مأخوذا من وعاء نجس .
فأما لبن المرأة الميتة فاختلف أصحابنا فيه ، فمن قال : إن الإنسان طاهر حيا وميتا فهو طاهر .
ومن قال : ينجس بالموت فهو نجس .
وعلى القولين جميعا تثبت الحرمة ; لأن الصبي قد يغتذي به كما يغتذي من الحية ، [ ص: 114 ] وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم .
ولم يخص .
وقد مضى في " النساء "الثامنة : قوله تعالى : سائغا للشاربين أي لذيذا هينا لا يغص به من شربه .
يقال : ساغ الشراب يسوغ سوغا أي سهل مدخله في الحلق ، وأساغه شاربه ، وسغته أنا أسيغه وأسوغه ، يتعدى ، والأجود أسغته إساغة .
يقال : أسغ لي غصتي أي أمهلني ولا تعجلني ; وقال - تعالى - : يتجرعه ولا يكاد يسيغه .
والسواغ - بكسر السين - ما أسغت به غصتك .
يقال : الماء سواغ الغصص ; ومنه قول الكميت :فكانت سواغا أن جئزت بغصةوروي أن اللبن لم يشرق به أحد قط ، وروي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .التاسعة : في هذه الآية دليل على استعمال الحلاوة والأطعمة اللذيذة وتناولها ، ولا يقال : إن ذلك يناقض الزهد أو يباعده ، لكن إذا كان من وجهه ومن غير سرف ولا إكثار .
وقد تقدم هذا المعنى في " المائدة " وغيرها وفي الصحيح عن أنس قال : لقد سقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقدحي هذا الشراب كله : العسل والنبيذ واللبن والماء .
وقد كره بعض القراء أكل الفالوذج واللبن من الطعام ، وأباحه عامة العلماء .
وروي عن الحسن أنه كان على مائدة ومعه مالك بن دينار ، فأتي بفالوذج فامتنع عن أكله ، فقال له الحسن : كل فإن عليك في الماء البارد أكثر من هذا .العاشرة : روى أبو داود وغيره عن ابن عباس قال : أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلبن فشرب ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا أكل أحدكم طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه .
وإذا سقي لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس شيء يجزي عن الطعام والشراب إلا اللبن .
قال [ ص: 115 ] علماؤنا : فكيف لا يكون ذلك وهو أول ما يغتذي به الإنسان وتنمى به الجثث والأبدان ، فهو قوت خلي عن المفاسد به قوام الأجسام ، وقد جعله الله - تعالى - علامة لجبريل على هداية هذه الأمة التي هي خير الأمم أمة ; فقال في الصحيح : فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال لي جبريل اخترت الفطرة أما إنك لو اخترت الخمر غوت أمتك .
ثم إن في الدعاء بالزيادة منه علامة الخصب وظهور الخيرات والبركات ; فهو مبارك كله .
أي: { وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ } التي سخرها الله لمنافعكم { لَعِبْرَةً } تستدلون بها على كمال قدرة الله وسعة إحسانه حيث أسقاكم من بطونها المشتملة على الفرث والدم، فأخرج من بين ذلك لبنا خالصا من الكدر سائغا للشاربين للذته ولأنه يسقي ويغذي، فهل هذه إلا قدرة إلهية لا أمور طبيعية.
فأي شيء في الطبيعة يقلب العلف الذي تأكله البهيمة والشراب الذي تشربه من الماء العذب والملح لبنا خالصا سائغا للشاربين؟
( وإن لكم في الأنعام لعبرة ) لعظة ، ( نسقيكم ) بفتح النون هاهنا وفي المؤمنين ، قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر ويعقوب والباقون بضمها وهما لغتان .
( مما في بطونه ) قال الفراء : رد الكناية إلى النعم ، والنعم والأنعام واحد .
ولفظ النعم مذكر ، قال أبو عبيدة ، والأخفش : النعم يذكر ويؤنث ، فمن أنث فلمعنى الجمع ، ومن ذكر فلحكم اللفظ .
قال الكسائي : رده إلى " ما " يعني في بطون ما ذكرنا .
وقال المؤرج : الكناية مردودة إلى البعض والجزء ، كأنه قال نسقيكم مما في بطونه اللبن ، إذ ليس لكلها لبن ، واللبن فيه مضمر .
( من بين فرث ) وهو ما في الكرش من الثقل ، فإذا خرج منه لا يسمى فرثا ، ( ودم لبنا خالصا ) من الدم والفرث ليس عليه لون دم ولا رائحة فرث .
( سائغا للشاربين ) هنيئا يجري على السهولة في الحلق .
وقيل : إنه لم يغص أحد باللبن قط .
قال ابن عباس : إذا أكلت الدابة العلف واستقر في كرشها وطحنته فكان أسفله فرثا ، وأوسطه اللبن ، وأعلاه الدم ، والكبد مسلطة عليها ، تقسمها بتقدير الله تعالى ، فيجري الدم في العروق ، واللبن في الضرع ، ويبقى الفرث كما هو .
«وإن لكم في الأنعام لعبرة» اعتبار «نسقيكم» بيان للعبرة «مما في بطونه» أي الأنعام «من» للابتداء متعلقة بنسقيكم «بين فرث» ثفل الكرش «ودمٍ لبناً خالصاً» لا يشوبه شيء من الفرث والدم من طعم أو ريح أو لون أو بينهما «سائغاًً للشاربين» سهل المرور في حلقهم لا يغص به.
وإن لكم -أيها الناس- في الأنعام -وهي الإبل والبقر والغنم- لَعظة، فقد شاهدتم أننا نسقيكم من ضروعها لبنًا خارجًا من بين فَرْث -وهو ما في الكَرِش- وبين دم خالصًا من كل الشوائب، لذيذًا لا يَغَصُّ به مَن شَرِبَه.
ثم أرشد - سبحانه - إلى مظهر آخر من مظاهر وحدانيته ، وعظيم قدرته وعجيب صنعه ، وسعة رحمته ، حيث خلق للناس الأنعام ، وسقاهم من ألبانها ، فقال - تعالى - : ( وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً .
.
.
) .والأنعام : تطلق على الإِبل والبقر والغنم من الحيوان ، ويدخل فى الغنم المعز .والعبرة : مصدر بمعنى العبور ، أى : التجاوز من محل إلى آخر ، والمراد بها هنا : العظة والاعتبار والانتقال من الجهل إلى العلم ، ومن الغفلة إلى اليقظة .أى : وإن لكم - أيها الناس - فى خلق الأنعام ، وفيما يخرج منها من ألبان لعبرة عظيمة ، وعظة بليغة ، ومنفعة جليلة توجب عليكم إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده ، ومداومة الشكر له على نعمه .
فالتنكير فى قوله ( لعبرة ) للتفخيم والتهويل .وقوله - تعالى - : ( نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ ) استئناف بيانى ، كأنه قيل : وما وجه العبرة فى الأنعام؟
فكان الجواب : نسقيكم مما فى بطونه .قال الآلوسى : " والضمير فى ( بطونه ) يعود للأنعام ، وهو اسم جمع ، واسم الجمع يجوز تذكيره وإفراده باعتبار معناه .
.
.
" .وقوله - سبحانه - : ( مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ ) بيان لموطن العبرة ومحل النعمة ، ومظهر الدلالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ورحمته .والفرث : الطعام المتبقى فى أمعاء الحيوان بعد هضمه .
وأصل الفرث : التفتيت .
يقال فرثت كبده .
أى : فتتتها .قال الجمل ما ملخصه : " والفرث : الأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام فى الكرش - بفتح الكاف وكسر الراء - فإذا خرجت من الكرش لا تسمى فرثا بل تسمى روثا .
وقوله ( لبنا ) مفعول ثان لنسقيكم ، والأول هو الكاف " .والخالص : النقى الصافى الخالى من الشوائب والأكدار .
يقال خلص الشئ من التلف خلوصا - من باب قعد - إذا سلم منه .والسائغ : اللذيذ الطعم ، السهل المدخل إلى الحلق .
يقال : ساغ الشراب يسوغ سوغا ، من باب قال - إذا سهل مدخله فى الحلق .أى : نسقيكم من بين الفرث والدم الذى اشتملت عليه بطون الأنعام ، ( لبنا ) نافعا لأبدانكم ( خالصا ) من رائحة الفرث ، ومن لون الدم ، مع أنه موجود بينهما ( سائغا للشاربين ) بحيث يمر فى الحلوق بسهولة ويسر ، ويشعر شاربه بلذة وارتياح .وقدم - سبحانه - قوله : ( مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ) على قوله ( لبنا ) ، لأن خروج اللبن من بينهما هو موطن العبرة ، وموضع الدليل الأسمى على قدرة الله - تعالى - ووحدانيته .قال صاحب الكشاف : قوله - تعالى - : ( مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ) أى : يخلق الله اللبن وسيطا بين الفرث والدم يكتنفانه ، وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله - تعالى - ، بحيث لا يبغى أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة ، بل هو خالص من ذلك كله .
.
.
فسبحان الله ما أعظم قدرته ، وألطف حكمته ، لمن تفكر وتأمل .
وسئل " شقيق " عن الإِخلاص فقال : تمييز العمل من العيوب كتمييز اللبن من بين فرث ودم .ثم قال - رحمه الله - : فإن قلت : أى فرق بين " من " الأولى والثانية؟
.قلت : الأولى للتبعيض ، لأن اللبن بعض ما فى بطونها .
.
.
والثانية لابتداء الغاية ، لأن بين الفرث والدم مكان الإِسقاء الذى منه يبتدأ .
.
.وإنما قدم قوله : ( مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ) لأنه موضع العبرة ، فهو قمن بالتقديم .وقال الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية : " ومن تدبر فى بدائع صنع الله - تعالى - فيما ذكر من الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها ، والأسباب المولدة لها ، وتسخير القوى المتصرفة فيها .
.
.
اضطر إلى الاعتراف بكمال علمه - سبحانه - وقدرته ، وحكمته ، وتناهى رأفته ورحمته :حكم حارت البرية فيها ...
وحقيق بأنها تحتاروالحق ، أن هذه الآية الكريمة من أكبر الأدلة على وحدانية الله تعالى ونفاذ قدرته ، وعجيب صنعته ، حيث استخرج - سبحانه - من بين فرث ودم فى بطون الأنعام ، لبنا خالصا سائغا للشاربين .وهذا الاستخراج قد تكلم العلماء المتخصصون عن كيفيته وعن مراحله .
.
كلاما يقوى إيمان المؤمنين ، ويدفع باطل الملحدين .هذا ، وفى الآية الكريمة إشارة إلى أن اللبن نعمة جزيلة من نعم الله - تعالى - على خلقه .قال القرطبى ما ملخصه : " روى أبو داود وغيره عن ابن عباس قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن فشرب ، ثم قال : " إذا أكل أحدكم طعاما فليقل ، اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه ، وإذا سقى لبنا فليقل : اللهم بارك لنا فيه ، وزدنا منه ، فإنه ليس شئ يجزئ عن الطعام والشراب إلا اللبن " " .ثم قال الإِمام القرطبى : قال علماؤنا : فكيف لا يكون كذلك ، وهو أول ما يغتذى به الإنسان ، وتنمو به الأبدان ، فهو قوت به قوام الأجسام ، وقد جعله الله - تعالى - علامة لجبريل على هداية هذه الأمة ، ففى الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فجاءنى جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاخترت اللبن .
فقال لى جبريل : اخترت الفطرة .
.
.
" .
اعلم أنه تعالى لما حكى عن القوم عظيم كفرهم وقبيح قولهم، بين أنه يمهل هؤلاء الكفار ولا يعاجلهم بالعقوبة، إظهاراً للفضل والرحمة والكرم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بقوله تعالى: ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ﴾ من وجهين: الأول: أنه قال: ﴿ ولا يؤاخذ الله الناس بظلمهم ﴾ فأضاف الظلم إلى كل الناس، ولا شك أن الظلم من المعاصي، فهذا يقتضي كون كل إنسان آتياً بالذنب والمعصية، والأنبياء عليهم السلام من الناس، فوجب كونهم آتين بالذنب والمعصية.
والثاني: أنه تعالى قال: ما ترك على ظهرها من دابة وهذا يقتضي أن كل من كان على ظهر الأرض فهو آت بالظلم والذنب، حتى يلزم من إفناء كل ما كان ظالماً إفناء كل الناس.
أما إذا قلنا: الأنبياء عليهم السلام لم يصدر عنهم ظلم فلا يجب إفناؤهم، وحينئذ لا يلزم من إفناء كل الظالمين إفناء كل الناس، وأن لا يبقى على ظهر الأرض دابة، ولما لزم علمنا أن كل البشر ظالمون سواء كانوا من الأنبياء أو لم يكونوا كذلك.
والجواب: ثبت بالدليل أن كل الناس ليسوا ظالمين لأنه تعالى قال: ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ﴾ أي فمن العباد من هو ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق، ولو كان المقتصد والسابق ظالماً لفسد ذلك التقسيم، فعلمنا أن المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز أن يقال كل الخلق ظالمون.
وإذا ثبت هذا فنقول: الناس المذكورون في قوله: ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس ﴾ إما كل العصاة المستحقين للعقاب أو الذين تقدم ذكرهم من المشركين ومن الذين أثبتوا لله البنات.
وعلى هذا التقدير فيسقط الاستدلال.
والله أعلم.
المسألة الثانية: من الناس من احتج بهذه الآية على أن الأصل من المضار الحرمة، فقال: لو كان الضرر مشروعاً لكان إما أن يكون مشروعاً على وجه يكون جزاء على جرم صادر منهم أو لا على هذا الوجه، والقسمان باطلان، فوجب أن لا يكون مشروعاً أصلاً.
أما بيان فساد القسم الأول، فلقوله تعالى: ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة ﴾ والاستدلال به نم وجهين: الأول: أن كلمة لو وضعت لانتفاء الشيء لانتفاء غيره.
فقوله: ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة ﴾ يقتضي أنه تعالى ما أخذهم بظلمهم وأنه ترك على ظهرها من دابة.
والثاني: أنه لما دلت الآية على أن لازمة أخذ الله الناس بظلمهم هو أن لا يترك على ظهرها دابة، ثم إنا نشاهد أنه تعالى ترك على ظهرها دواب كثيرين، فوجب القطع بأنه تعالى لا يؤاخذ الناس بظلمهم، فثبت بهذا أنه لا يجوز أن تكون المضار مشروعة على وجه تقع أجزية عن الجرائم.
وأما القسم الثاني: وهو أن يكون مشروعاً ابتداء لا على وجه يقع أجزية عن جرم سابق، فهذا باطل بالإجماع، فثبت أن مقتضى هذه الآية تحريم المضار مطلقاً، ويتأكد هذا أيضاً بآيات أخرى كقوله تعالى: ﴿ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ﴾ وكقوله: ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ وكقوله: ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ وكقوله عليه السلام: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» وكقوله: «ملعون من ضر مسلماً» فثبت بمجموع هذه الآيات والأخبار أن الأصل في المضار الحرمة، فنقول: إذا وقعت حادثة مشتملة على الضرر من كل الوجوه، فإن وجدنا نصاً خاصاً يدل على كونه مشروعاً قضينا به تقديماً للخاص على العام، وإلا قضينا عليه بالحرمة بناء على هذا الأصل الذي قررناه.
ومنهم من قال هذه القاعدة تدل على أن كل ما يريده الإنسان وجب أن يكون مشروعاً في حقه، لأن المنع منه ضرر، والضرر غير مشروع بمقتضى هذا الأصل وكل ما يكرهه الإنسان وجب أن يحرم لأن وجوده ضرر والضرر غير مشروع، فثبت أن هذا الأصل يتناول جميع الوقائع الممكنة إلى يوم القيامة، ثم نقول القياس الذي يتمسك به في إثبات الأحكام إما أن يكون على وفق هذه القاعدة أو على خلافها، والأول باطل: لأن هذا الأصل يغني عنه، والثاني باطل؛ لأن النص راجح على القياس، والله أعلم.
المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على أن الظلم والمعاصي ليست فعلاً لله تعالى، بل تكون أفعالاً للعباد، لأنه تعالى أضاف ظلم العباد إليهم، وما أضافه إلى نفسه.
فقال: ﴿ ولا يؤاخذ الله الناس بظلمهم ﴾ وأيضاً فلو كان خلقاً لله تعالى لكانت مؤاخذتهم بها ظلماً من الله تعالى، ولما منع الله العباد من الظلم في هذه الآية؛ فبأن يكون منزهاً عن الظلم كان أولى، قالوا: ويدل أيضاً على أن أعمالهم مؤثرة في وجوب الثواب والعقاب أو قوله: ﴿ بظلمهم ﴾ الباء فيه تدل على العلية كما في قوله: ﴿ ذلك بأنهم شاقوا الله ﴾ .
واعلم أن الكلام في هذه المسائل قد ذكرناه مراراً فلا نعيده.
والله أعلم.
المسألة الرابعة: ظاهر الآية يدل على أن إقدام الناس على الظلم يوجب إهلاك جميع الدواب وذلك غير جائز، لأن الدابة لم يصدر عنها ذنب، فكيف يجوز إهلاكها بسبب ظلم الناس؟
والجواب عنه من وجهين: الوجه الأول: أنا لا نسلم أن قوله: ما ترك على ظهرها من دابة يتناول جميع الدواب.
وأجاب أبو علي الجبائي عنه: أن المراد لو يؤاخذهم الله بما كسبوا من كفر ومعصية لعجل هلاكهم، وحينئذ لا يبقى لهم نسل، ثم من المعلوم أنه لا أحداً إلا وفي أحد آبائه من يستحق العذاب وإذا هلكوا فقد بطل نسلهم، فكان يلزمه أن لا يبقى في العالم أحد من الناس، وإذا بطلوا وجب أن لا يبقى أحد من الدواب أيضاً، لأن الدواب مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم، فهذا وجه لطيف حسن.
والوجه الثاني: أن الهلاك إذا ورد على الظلمة ورد أيضاً على سائر الناس والدواب، فكان ذلك الهلاك في حق الظلمة عذاباً، وفي حق غيرهم امتحاناً، وقد وقعت هذه الواقعة في زمان نوح عليه السلام.
والوجه الثالث: أنه تعالى لو آخذهم لانقطع القطر وفي انقطاعه انقطاع النبت فكان لا تبقى على ظهرها دابة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه سمع رجلاً يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه، فقال: لا والله بل إن الحبارى في وكرها لتموت بظلم الظالم، وعن ابن مسعود رضي الله عنه: كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم، فهذه الوجوه الثلاثة من الجواب مفرعة على تسليم أن لفظة الدابة يتناول جميع الدواب.
والجواب الثاني: أن المراد من قوله: ما ترك على ظهرها من دابة أي ما ترك على ظهرها من كافر، فالمراد بالدابة الكافر، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ والله أعلم.
المسألة الخامسة: الكناية في قوله: ﴿ عليها ﴾ عائدة إلى الأرض، ولم يسبق لها ذكر، إلا أن ذكر الدابة يدل على الأرض، فإن الدابة إنما تدب عليها.
وكثيراً ما يكنى عن الأرض، وإن لم يتقدم ذكرها لأنهم يقولون ما عليها مثل فلان وما عليها أكرم من فلان، يعنون على الأرض.
ثم قال تعالى: ﴿ ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ﴾ ليتوالدوا، وفي تفسير هذا الأجل قولان: القول الأول: وهو قول عطاء: عن ابن عباس أنه يريد أجل القيامة.
والقول الثاني: أن المراد منتهى العمر.
وجه القول الأول أن معظم العذاب يوافيهم يوم القيامة، ووجه القول الثاني أن المشركين يؤاخذون بالعقوبة إذا انقضت أعمارهم وخرجوا من الدنيا.
النوع الثالث: من الأقاويل الفاسدة التي كان يذكرها الكفار وحكاها الله تعالى عنهم، قوله: ﴿ ويجعلون لله ما يكرهون ﴾ .
واعلم أن المراد من قوله: ﴿ ويجعلون ﴾ أي البنات التي يكرهونها لأنفسهم، ومعنى قوله: ﴿ يجعلون ﴾ يصفون الله بذلك ويحكمون به له كقوله جعلت زيداً علىلناس أي حكمت بهذا الحكم وذكرنا معنى الجعل عند قوله: ﴿ ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى ﴾ قال الفراء والزجاج: موضع أن نصب لأن قوله: ﴿ أن لهم الحسنى ﴾ بدل من الكذب، وتقدير الكلام وتصف ألسنتهم أن لهم الحسنى.
وفي تفسير ﴿ الحسنى ﴾ هاهنا قولان: الأول: المراد منه البنون، يعني أنهم قالوا لله البنات ولنا البنون.
والثاني: أنهم مع قولهم بإثبات البنات لله تعالى، يصفون أنفسهم بأنهم فازوا برضوان الله تعالى بسبب هذا القول، وأنهم على الدين الحق والمذهب الحسن.
الثالث: أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة والثواب من الله تعالى.
فإن قيل: كيف يحكمون بذلك وهم كانوا منكرين للقيامة؟
قلنا: كلهم ما كانوا منكرين للقيامة، فقد قيل: إنه كان في العرب جمع يقرون بالبعث والقيامة، ولذلك فإنهم كانوا يربطون البعير النفيس على قبر الميت ويتركونه إلى أن يموت ويقولون: إن ذلك الميت إذا حشر فإنه يحشر معه مركوبه، وأيضاً فبتقدير أنهم كانوا منكرين للقيامة فلعلهم قالوا: إن كان محمد صادقاً في قوله بالبعث والنشور فإنه يحصل لنا الجنة والثواب بسبب هذا الدين الحق الذي نحن عليه، ومن الناس من قال: الأولى أن يحمل ﴿ الحسنى ﴾ على هذا الوجه بدليل أنه تعالى قال بعده: ﴿ لا جرم أن لهم النار ﴾ فرد عليهم قولهم وأثبت لهم النار، فدل هذا على أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة.
قال الزجاج: لا رد لقولهم، والمعنى ليس الأمر كما وصفوا جرم فعلهم أي كسب ذلك القول لهم النار، فعلى هذا لفظ أن في محل النصب بوقوع الكسب عليه.
وقال قطرب (أن) في موضع رفع، والمعنى: وجب أن لهم النار وكيف كان الإعراب فالمعنى هو أنه يحق لهم النار ويجب ويثبت.
وقوله: ﴿ وأنهم مفرطون ﴾ قرأ نافع وقتيبة عن الكسائي: ﴿ مفرطون ﴾ بكسر الراء، والباقون: ﴿ مفرطون ﴾ بفتح الراء.
أما قراءة نافع فقال الفراء: المعنى أنهم كانوا مفرطين على أنفسهم في الذنوب، وقيل: أفرطوا في الافتراء على الله تعالى، وقال أبو علي الفارسي: كأنه من أفرط، أي صار ذا فرط مثل أجرب، أي صار ذا جرب والمعنى: أنهم ذوو فرط إلى النار كأنهم قد أرسلوا من يهيئ لهم مواضع فيها.
وأما قراءة قوله: ﴿ مفرطون ﴾ بفتح الراء ففيه قولان: القول الأول: المعنى، أنهم متروكون في النار.
قال الكسائي: يقال ما أفرطت من القوم أحداً، أي ما تركت.
وقال الفراء: تقول العرب أفرطت منهم ناساً، أي خلفتهم وأنسيتهم.
والقول الثاني: ﴿ مفرطون ﴾ أي معجلون.
قال الواحدي رحمه الله: وهو الاختيار ووجهه ما قال أبو زيد وغيره: فرط الرجل أصحابه يفرطهم فرطاً وفروطاً إذا تقدمهم إلى الماء ليصلح الدلاء والأرسان، وأفرط القوم الفارط، وفرطوه إذا قدموه فمعنى قوله: ﴿ مفرطون ﴾ على هذا التقدير كأنهم قدموا إلى النار فهم فيها فرط للذين يدخلون بعدهم، ثم بين تعالى أن مثل هذا الصنع الذي يصدر من مشركي قريش قد صدر من سائر الأمم السابقين في حق الأنبياء المتقدمين عليهم السلام، فقال: ﴿ تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ وهذا يجري مجرى التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم فيما كان يناله من الغم بسبب جهالات القوم.
قالت المعتزلة: الآية تدل على فساد قول المجبرة من وجوه: الأول: أنه إذا كان خالق أعمالهم هو الله تعالى، فلا فائدة في التزيين.
والثاني: أن ذلك التزيين لما كان بخلق الله تعالى لم يجز ذم الشيطان بسببه.
والثالث: أن التزيين هو الذي يدعو الإنسان إلى الفعل، وإذا كان حصول الفعل فيه بخلق الله تعالى كان ضرورياً فلم يكن التزيين داعياً.
والرابع: أن على قولهم، الخالق لذلك العمل، أجدر أن يكون ولياً لهم من الداعي إليه.
والخامس: أنه تعالى أضاف التزيين إلى الشيطان ولو كان ذلك المزين هو الله تعالى لكانت إضافته إلى الشيطان كذباً.
وجوابه: إن كان مزين القبائح في أعين الكفار هو الشيطان، فمزين تلك الوساوس في عين الشيطان إن كان شيطاناً آخر لزم التسلسل.
وإن كان هو الله تعالى فهو المطلوب.
ثم قال تعالى: ﴿ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليوم ﴾ وفيه احتمالان: الأول: أن المراد منه كفار مكة وبقوله: ﴿ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليوم ﴾ أي الشيطان ويتولى إغواءهم وصرفهم عنك، كما فعل بكفار الأمم قبلك فيكون على هذا التقدير رجع عن أخبار الأمم الماضية إلى الأخبار عن كفار مكة.
الثاني: أنه أراد باليوم يوم القيامة، يقول فهو ولي أولئك الذين كفروا يزين لهم أعمالهم يوم القيامة، وأطلق اسم اليوم على يوم القيامة لشهرة ذلك اليوم، والمقصود من قوله: ﴿ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليوم ﴾ هو أنه لا ولي لهم ذلك اليوم ولا ناصر، وذلك لأنهم إذا عاينوا العذاب وقد نزل بالشيطان كنزوله بهم، ورأوا أنه لا مخلص له منه، كما لا مخلص لهم منه، جاز أن يوبخوا بأن يقال لهم: هذا وليكم اليوم على وجه السخرية، ثم ذكر تعالى أن مع هذا الوعيد الشديد أقام الحجة وأزاح العلة فقال: ﴿ وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الذي اختلفوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: المعنى: أنا ما أنزلنا عليك القرآن إلا لتبين لهم بواسطة بيانات هذا القرآن الأشياء التي اختلفوا فيها، والمختلفون هم أهل الملل والأهواء، وما اختلفوا فيه، هو الدين، مثل التوحيد والشرك والجبر والقدر، وإثبات المعاد ونفيه، ومثل الأحكام، مثل أنهم حرموا أشياء تحل كالبحيرة والسائبة وغيرهما وحللوا أشياء تحرم كالميتة.
المسألة الثانية: اللام في قوله: ﴿ لِتُبَيِّنَ ﴾ تدل على أن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض، ونظيره آيات كثيرة منها قوله: ﴿ كِتَابٌ أنزلناه إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس ﴾ وقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ .
وجوابه: أنه لما ثبت بالعقل امتناع التعليل وجب صرفه إلى التأويل.
المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف قوله: ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً ﴾ معطوفان على محل قوله: ﴿ لِتُبَيِّنَ ﴾ إلا أنهما انتصبا على أنه مفعول لهما، لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب، ودخلت اللام في قوله: ﴿ لِتُبَيِّنَ ﴾ لأنه فعل المخاطب لا فعل المنزل، وإنما ينتصب مفعولاً له ما كان فعلاً لذلك الفاعل.
المسألة الرابعة: قال الكلبي: وصف القرآن بكونه هدى ورحمة لقوم يؤمنون، لا ينفي كونه كذلك في حق الكل، كما أن قوله تعالى في أول سورة البقرة: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ لا ينفي كونه هدى لكل الناس، كما ذكره في قوله: ﴿ هُدًى لّلنَّاسِ وبينات مِّنَ الهدى والفرقان ﴾ وإنما خص المؤمنين بالذكر من حيث إنهم قبلوه فانتفعوا به، كما في قوله: ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها ﴾ لأنه إنما انتفع بإنذاره هذا القوم فقط، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ذكر سيبويه الأنعام في باب ما لا ينصرف في الأسماء المفردة الواردة على أفعال، كقولهم: ثوب أكياش؛ ولذلك رجع الضمير إليه مفرداً.
وأمّا ﴿ فِى بُطُونِهَا ﴾ [المؤمنون: 21] في سورة المؤمنين: فلأنّ معناه الجمع.
ويجوز أن يقال في الأنعام وجهان، أحدهما: أن يكون تكسير نعم كأجبال في جبل، وأن يكون اسماً مفرداً مقتضياً لمعنى الجمع كنعم، فإذا ذكر فكما يذكر (نعم) في قوله: في كُلِّ عَامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَه ** يُلْقِحُهُ قَوْمٌ وَتَنْتِجُونَهْ وإذا أنث ففيه وجهان: أنه تكسير نعم.
وأنه في معنى الجمع.
وقرئ: ﴿ نَسقيكم ﴾ بالفتح والضم، وهو استئناف، كأنه قيل: كيف العبرة، فقيل نسقيكم ﴿ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ﴾ أي يخلق الله اللبن وسيطاً بين الفرث والدم يكتنفانه، وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله لا يبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة، بل هو خالص من ذلك كله.
قيل: إذا أكلت البهيمة العلف فاستقرّ في كرشها طبخته، فكان أسفله فرثاً، وأوسطه لبناً، وأعلاه دماً.
والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها، فتجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، وتبقى الفرث في الكرش.
فسبحان الله ما أعظم قدرته وألطف حكمته لمن تفكر وتأمّل.
وسئل شقيق عن الإخلاص فقال: تمييز العمل من العيوب، كتمييز اللبن من بين فرث ودم ﴿ سَآئِغًا ﴾ سهل المرور في الحلق ويقال: لم يغص أحد باللبن قط.
وقرئ: ﴿ سيغاً ﴾ ، بالتشديد.
و ﴿ سيغاً ﴾ ، بالتخفيف.
كهين ولين.
فإن قلت: أي فرق بين (من) الأولى والثانية؟
قلت: الأولى للتبعيض؛ لأن اللبن بعض ما في بطونها، كقولك: أخذت من مال زيد ثوباً.
والثانية: لابتداء الغاية؛ لأنّ بين الفرث والدم مكان الإسقاء الذي منه يبتدأ، فهو صلة لنسقيكم، كقولك: سقيته من الحوض، ويجوز أن يكون حالا من قوله ﴿ لَّبَنًا ﴾ مقدماً عليه، فيتعلق بمحذوف، أي: كائناً من بين فرث ودم.
ألا ترى أنه لو تأخر فقيل: لبناً من بين فرث ودم كان صفة له، وإنما قدم لأنه موضع العبرة، فهو قمن بالتقديم.
وقد احتج بعض من يرى أن المني طاهر على من جعله نجساً، لجريه في مسلك البول بهذه الآية، وأنه ليس بمستنكر أن يسلك مسلك البول وهو طاهر، كما خرج اللبن من بين فرث ودم طاهراً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً ﴾ دَلالَةً يُعْبَرُ بِها مِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ.
﴿ نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ العِبْرَةِ، وإنَّما ذَكَرَ الضَّمِيرَ ووَحَّدَهُ ها هُنا لِلَّفْظِ وأنَّثَهُ في سُورَةِ « المُؤْمِنِينَ» لِلْمَعْنى، فَإنَّ ﴿ الأنْعامِ ﴾ اسْمُ جَمْعٍ ولِذَلِكَ عَدَّهُ سِيبَوَيْهُ في المُفْرَداتِ المَبْنِيَّةِ عَلى أفْعالٍ كَأخْلاقٍ وأكْياسٍ، ومَن قالَ إنَّهُ جَمْعُ نِعَمٍ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْبَعْضِ فَإنَّ اللَّبَنَ لِبَعْضِها دُونَ جَمِيعِها أوْ لِواحِدِهِ أوْ لَهُ عَلى المَعْنى، فَإنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ (نَسْقِيكُمْ) بِالفَتْحِ هُنا وفي « المُؤْمِنِينَ» .
﴿ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا ﴾ فَإنَّهُ يَخْلُقُ مِن بَعْضِ أجْزاءِ الدَّمِ المُتَوَلِّدِ مِنَ الأجْزاءِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي في الفَرْثِ، وهو الأشْياءُ المَأْكُولَةُ المُنْهَضِمَةُ بَعْضَ الِانْهِضامِ في الكِرْشِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّ البَهِيمَةَ إذا اعْتَلَفَتْ وانْطَبَخَ العَلَفُ في كِرْشِها كانَ أسْفَلُهُ فَرْثًا وأوْسَطُهُ لَبَنًا وأعْلاهُ دَمًا، ولَعَلَّهُ إنْ صَحَّ فالمُرادُ أنَّ أوْسَطَهُ يَكُونُ مادَّةَ اللَّبَنِ وأعْلاهُ مادَّةَ الدَّمِ الَّذِي يُغَذِّي البَدَنَ، لِأنَّهُما لا يَتَكَوَّنانِ في الكِرْشِ بَلِ الكَبِدُ يَجْذِبُ صَفاوَةَ الطَّعامِ المُنْهَضِمِ في الكِرْشِ، ويُبْقِي ثُفْلَهُ وهو الفَرْثُ ثُمَّ يُمْسِكُها رَيْثَما يَهْضِمُها هَضْمًا ثانِيًا فَيُحْدِثُ أخْلاطًا أرْبَعَةً مَعَها مائِيَّةٌ، فَتُمَيِّزَ القُوَّةُ المُمَيِّزَةُ تِلْكَ المائِيَّةِ بِما زادَ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ مِنَ المَرَّتَيْنِ وتَدْفَعُها إلى الكُلْيَةِ والمَرارَةِ والطِّحالِ، ثُمَّ يُوَزَّعُ الباقِي عَلى الأعْضاءِ بِحَسَبِها فَيَجْرِي إلى كُلٍّ حَقُّهُ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ بِتَقْدِيرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ، ثُمَّ إنْ كانَ الحَيَوانُ أُنْثى زادَ أخِلاطُها عَلى قَدْرِ غِذائِها لِاسْتِيلاءِ البَرْدِ والرُّطُوبَةِ عَلى مِزاجِها، فَيَنْدَفِعُ الزّائِدُ أوَّلًا إلى الرَّحِمِ لِأجْلِ الجَنِينِ فَإذا انْفَصَلَ انْصَبَّ ذَلِكَ الزّائِدُ أوْ بَعْضُهُ إلى الضُّرُوعِ، فَيَبِيضُ بِمُجاوَرَةِ لُحُومِها الغُدَدِيَّةِ البِيضِ فَيَصِيرُ لَبَنًا، ومَن تَدَبَّرَ صُنْعَ اللَّهِ تَعالى في إحْداثِ الأخْلاطِ والألْبانِ وإعْدادِ مَقارِّها ومَجارِيها والأسْبابِ المُوَلِّدَةِ لَها والقُوى المُتَصَرِّفَةِ فِيها كُلَّ وقْتٍ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ، اضْطَرَّ إلى الإقْرارِ بِكَمالِ حِكْمَتِهِ وتَناهِي رَحْمَتِهِ، و ﴿ مِن ﴾ الأُولى تَبْعِيضِيَّةٌ لِأنَّ اللَّبَنَ بَعْضُ ما في بُطُونِها والثّانِيَةُ ابْتِدائِيَّةٌ كَقَوْلِكَ: سَقَيْتُ مِنَ الحَوْضِ، لِأنَّ بَيْنَ الفَرْثِ والدَّمِ المَحَلُّ الَّذِي يُبْتَدَأُ مِنهُ الإسْقاءُ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿ نُسْقِيكُمْ ﴾ أوْ حالٌ مِن ﴿ لَبَنًا ﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِتَنْكِيرِهِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ العِبْرَةِ.
﴿ خالِصًا ﴾ صافِيًا لا يَسْتَصْحِبُ لَوْنَ الدَّمِ ولا رائِحَةَ الفَرْثِ، أوْ مُصَفًّى عَمّا يَصْحَبُهُ مِنَ الأجْزاءِ الكَثِيفَةِ بِتَضْيِيقِ مَخْرَجِهِ.
﴿ سائِغًا لِلشّارِبِينَ ﴾ سَهْلَ المُرُورِ في حَلْقِهِمْ، وقُرِئَ « سَيِّغًا» بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِنَّ لَكُمْ فِى الأنعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِى بُطُونِهِ} وبفتح النون نافع وشامي وأبو بكر قال الزجاج سقيته وأسقيته بمعنى واحد ذكر سيبويه الأنعام في الأسماء المفردة الواردة على أفعال ولذا رجع الضمير إليه مفرداً وأما في بطونها في سورة المؤمنين فلأن معناه الجمع وهو استئناف كأنه قيل كيف العبرة فقال تسقيكم مما في بطونه {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا} أي يخلق الله اللبن وسيطاً بين الفرث والدم يكتفانه وبينه وبينهما برزخ لا يبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة بل هو خالص من ذلك كله قيل إذا أكلت البهيمة العلف فاستقر في كرشها وطبخته فكان أسفله فرثاً وأوسطه لبناً وأعلاه دماً والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها فتجري الدم في العروق واللبن في الضروع ويبقى الفرث في
الكرش ثم ينحدر وفي ذلك عبرة لمن اعتبر وسئل شقيق عن الاخلاص فقال تميز العمل من العيوب كتميز اللبن من بين فرث ودم {سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ} سهل المرور في الحلق ويقال لم يغص أحد باللبن قط ومن الأولى للتبعيض لأن اللبن بعض ما في بطونها والثانية لابتداء الغاية ويتعلق
النحل (٦٧ _ ٦٩)
﴿ وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً ﴾ أيْ مَعْبَرًا يَعْبُرُ بِهِ مِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ، وأصْلُ مَعْنى العِبَرِ والعُبُورِ التَّجاوُزُ مِن مَحَلٍّ إلى آخَرَ، وقالَ الرّاغِبُ: العُبُورُ مُخْتَصٌّ بِتَجاوُزِ الماءِ بِسِباحَةٍ ونَحْوِها، والمَشْهُورُ عُمُومُهُ فَإطْلاقُ العِبْرَةِ عَلى ما يُعْتَبَرُ بِهِ لِما ذُكِرَ لَكِنَّهُ صارَ حَقِيقَةً في عُرْفِ اللُّغَةِ؟
والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ لَعِبْرَةً عَظِيمَةً ﴿ نُسْقِيكُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ العِبْرَةُ فِيها؟
فَقِيلَ: نُسْقِيكم ﴿ مِمّا في بُطُونِهِ ﴾ ومِنهم مَن قَدَّرَ هُنا مُبْتَدَأً وهو هي نُسْقِيكم ولا حاجَةَ إلَيْهِ، وضَمِيرُ ﴿ بُطُونِهِ ﴾ لِلْأنْعامِ وهو اسْمُ جَمْعٍ واسْمُ الجَمْعِ يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وإفْرادُهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وتَأْنِيثُهُ وجَمْعُهُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، ولِذا جاءَ الوَجْهَيْنِ في القُرْآنِ وكَلامُ العَرَبِ كَذا قِيلَ.
ونُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ عَدُّ الأنْعامَ مُفْرَدًا وكَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى مُتَناقِضٌ ظاهِرًا فَإنَّهُ قالَ في بابِ ما كانَ عَلى مِثالِ مَفاعِلَ ومَفاعِيلَ ما نَصُّهُ: وأمّا أجَمالٌ وفُلُوسٌ فَإنَّها تَنْصَرِفُ وما أشْبَهَها لِأنَّها ضارَعَتِ الواحِدَ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: أقْوالٌ وأقاوِيلُ وأعْرابٌ وأعارِيبُ وأيْدٍ وأيادٍ فَهَذِهِ الأحْرُفُ تَخْرُجُ إلى مَفاعِلَ ومَفاعِيلَ كَما يَخْرُجُ الواحِدُ إلَيْهِ إذا فُسِّرَ لِلْجَمْعِ، وأمّا مَفاعِلُ ومَفاعِيلُ فَلا يُكْسَرُ فَيَخْرُجُ الجَمْعُ إلى بِناءٍ غَيْرِ هَذا لِأنَّ هَذا هو الغايَةُ فَلَمّا ضارَعَتِ الواحِدَ صُرِفَتْ، ثُمَّ قالَ: وكَذَلِكَ الفَعُولُ لَوْ كُسِرَتْ مِثْلَ الفُلُوسِ فَإنَّكَ تُخْرِجُهُ إلى فَعائِلَ كَما تَقُولُ: جُدُودٌ وجَدائِدُ ورُكُوبٌ ورَكائِبُ.
ولَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ بِمَفاعِلَ ومَفاعِيلَ لَمْ يُجاوِزْ هَذا البِناءَ، ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ تَقُولُ: أتى لِلْواحِدِ فَيَضُمُّ الألِفَ، وأمّا أفْعالٌ فَقَدْ يَقَعُ لِلْواحِدِ ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ هو الأنْعامُ قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ ﴿ نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ ﴾ وقالَ أبُو الخَطّابِ: سَمِعْتُ العَرَبَ تَقُولُ: هَذا ثَوْبُ أكْياسٍ انْتَهى.
وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في بابِ ما لَحِقَتْهُ الزَّوائِدُ مِن بَناتِ الثَّلاثَةِ ولَيْسَ في الكَلامِ أفَعِيلُ ولا أفَعُولُ ولا أفْعالُ ولا أفْعَلُ ولا أفْعالُ إلّا أنْ تُكْسَرَ عَلَيْهِ أسْماءُ لِلْجَمْعِ انْتَهى، وقَدِ اضْطَرَبَ النّاسُ في التَّوْفِيقِ بَيْنَ كَلامَيْهِ فَذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى تَأْوِيلِ الأوَّلِ وإبْقاءِ الثّانِي عَلى ظاهِرِهِ مِن أنَّ أفْعالًا لا يَكُونُ مِن أبْنِيَتِهِ المُفْرَدُ فَحَمَلَ قَوْلَهُ أوَّلًا وأمّا أفْعالٌ فَقَدْ يَقَعُ لِلْواحِدِ إلَخْ: عَلى أنَّ بَعْضَ العَرَبِ قَدْ يَسْتَعْمِلُهُ فِيهِ مَجازًا كالأنْعامِ بِمَعْنى النَّعَمِ كَما قالَ الشّاعِرُ: تَرَكْنا الخَيْلَ والنَّعَمِ المُفَدّى وقُلْنا لِلنِّساءِ بِها أقِيمِي ولَيْسَ مُرادُهُ أنَّهُ مُفْرَدٌ صِيغَةً ووَضْعًا بِدَلِيلِ ما صَرَّحَ بِهِ في المَوْضِعِ الآخَرِ مِن أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا جَمْعًا.
واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ مَقْصُودَ سِيبَوَيْهِ بِما ذَكَرَهُ أوَّلًا الفَرْقُ بَيْنَ صِيغَتَيْ مُنْتَهى الجُمُوعِ وأفْعالُ وفُعُولٌ حَيْثُ مُنِعَ الصَّرْفُ لِلْأوَّلِ دُونَ الثّانِي بِوُجُوهٍ: مِنها أنَّ الأوَّلَيْنِ لا يَقَعانِ عَلى الواحِدِ بِخِلافِ الآخِيرَيْنِ كَما أوْضَحَهُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ وُقُوعُ أفْعالٍ عَلى الواحِدِ بِالوَضْعِ لَمْ يَحْصُلِ الفَرْقُ فَلا يَتِمُّ المَقْصُودُ.
نَعَمْ لا كَلامَ في تَدافُعِ كَلامَيْهِ، وأيْضًا لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُخْتَصَّ بِبَعْضِهِمْ، وأيْضًا إنَّ التَّجَوُّزَ بِالجَمْعِ عَنِ الواحِدِ يَصِحُّ في كُلِّ جَمْعٍ حَتّى صِيغَتَيْ مُنْتَهى الجُمُوعِ.
وتَعَقَّبَهُ الخَفاجِيُّ بِقَوْلِهِ: والحَقُّ أنَّهُ لا تَدافُعَ بَيْنَ كَلامَيْهِ فَإنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ صِيغَتَيْ مُنْتَهى الجُمُوعِ والصِّيغَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ بِأنَّ الأوَّلَتَيْنِ لا تُجْمَعانِ والأخِيرَتانِ تُجْمَعانِ فَأشْبَهَتا الآحادَ ثُمَّ قَوّى ذَلِكَ بِأنَّ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ اسْتَعْمَلَتْ أتى وهو عَلى وزْنِ فَعُولٍ مُفْرَدًا حَقِيقَةً، ومِنهم مَنِ اسْتَعْمَلَ الأنْعامَ وهو عَلى وزْنِ أفْعالٍ كَذَلِكَ، وقَدْ أشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ لُغَةٌ نادِرَةٌ بِبَعْضٍ، ومِن وما ذَكَرَهُ بَعْدُ بِناءٌ عَلى اللُّغَةِ المُتَداوَلَةِ، وقَوْلُهُ: إنَّ مَقْصُودَهُ أوَّلًا الفَرْقُ بِوُجُوهٍ لا وجْهَ لَهُ كَما يَعْرِفُهُ حَمْلَةُ الكِتابِ انْتَهى، ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّ رُجُوعَ الضَّمِيرِ المُفْرَدِ المُذَكَّرِ إلى الأنْعامِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مُفْرَدٌ عَلى لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ ومَن قالَ: إنَّهُ جَمْعُ نَعَمٍ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْبَعْضِ أمّا المُقَدَّرُ أيْ بَعْضَ الأنْعامِ أوِ المَفْهُومَ مِنها أوْ لِلْأنْعامِ بِاعْتِبارِ بَعْضِها وهو الإناثُ الَّتِي يَكُونُ اللَّبَنُ مِنها أوْ لِواحِدِهِ كَما في قَوْلِ ابْنِ الحاجِبِ: المَرْفُوعاتُ هو ما اشْتَمَلَ عَلى عِلْمِ الفاعِلِيَّةِ أوْ لَهُ عَلى المَعْنى لِأنَّ ألِ الجِنْسِيَّةَ تُسَوِّي بَيْنَ المُفْرَدِ والجَمْعِ في المَعْنى فَيَجُوزُ عَوْدُ ضَمِيرِ كُلٍّ مِنهُما عَلى الآخَرِ.
وفي البَحْرِ أعادَ الضَّمِيرَ مُذَكَّرًا مُراعاةَ الجِنْسِ لِأنَّهُ إذا صَحَّ وُقُوعُ المُفْرَدِ الدّالِّ عَلى الجِنْسِ مَقامَ جَمْعِهِ جازَ عَوْدُهُ عَلَيْهِ مُذَكَّرًا كَقَوْلِهِمْ هو أحْسَنُ الفِتْيانِ وأبْتَلُهُ لِأنَّهُ يَصِحُّ هو أحْسَنُ فَتًى وإنْ كانَ هَذا لا يَنْقاسُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وقِيلَ: جَمْعُ التَّكْثِيرِ فِيما لا يَعْقِلُ يُعامَلُ مُعامَلَةَ الجَماعَةِ ومُعامَلَةَ الجَمْعِ فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ مُفْرَدًا كَقَوْلِهِ: فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقٍ ∗∗∗ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقِ وهُوَ في القُرْآنِ سائِغٌ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ ﴾ ﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ ﴾ ﴿ فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي ﴾ ولا يَكُونُ هَذا إلّا في التَّأْنِيثِ المَجازِيِّ فَلا يَجُوزُ جارِيَتُكَ ذَهَبَ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ كَيْفَ جَمَعَ- نَعَمٍ- وهي تَخْصِيصٌ بِالإبِلِ والأنْعامُ تُقالُ لِلْبَقَرِ والإبِلِ والغَنَمِ مَعَ أنَّهُ لَوِ اخْتَصَّ كانَ مُساوِيًا.
وأُجِيبَ بِأنَّ مَن يَراهُ جَمَعًا لَهُ يَخُصُّ الأنْعامَ أوْ يُعَمِّمُ النَّعَمَ ويَجْعَلُ التَّفْرِقَةَ ناشِئَةً مِنَ الِاسْتِعْمالِ ويَجْعَلُ الجَمْعَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَعَدُّدِ الأنْواعِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ بِخِلافٍ عَنْهُ والحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ وأهْلُ المَدِينَةِ (نَسْقِيكُمْ) بِفَتْحِ النُّونِ هُنا وفي المُؤْمِنِينَ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ سَقى وهو لُغَةٌ في أسْقى عِنْدَ جَمْعٍ وأنْشَدُوا قَوْلَ لَبِيَدٍ: سَقى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وأسْقى ∗∗∗ نُمَيْرًا والقَبائِلَ مِن هِلالِ وقالَ بَعْضُ: يُقالُ سَقَيْتُهُ لِشَفَتِهِ وأسْقَيْتُهُ لِماشِيَتِهِ وأرْضِهِ، وقِيلَ: سَقاهُ بِمَعْنى رَواهُ بِالماءِ وأسْقاهُ بِمَعْنى جَعَلَهُ شَرابًا مُعَدًّا لَهُ، وفِيهِ كَلامٌ بَعْدُ فَتَذَكَّرْ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ «يُسْقِيكُمْ» بِالياءِ مَضْمُومَةً والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى.
وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى النَّعَمِ وذُكِرَ لِأنَّ النِّعَمَ مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، والمَعْنى وإنَّ لَكم في الأنْعامِ نِعَمًا يُسْقِيكم أيْ يَجْعَلُ لَكم سُقْيًا.
وهو كَما تَرى.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو جَعْفَرٍ «تَسْقِيكُمْ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَفْتُوحَةً قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ انْتَهى، ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ ضَعْفِها، وكَأنَّهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ عَنى بِهِ اجْتِماعَ التَّأْنِيثِ في «تَسْقِيكُمْ» والتَّذْكِيرِ في ﴿ بُطُونِهِ ﴾ وغَفَلَ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُعَدُّ ضَعْفًا لِأنَّ التَّأْنِيثَ والتَّذْكِيرَ بِاعْتِبارِ وجْهَيْنِ.
﴿ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا ﴾ الفَرْثُ عَلى ما في الصِّحاحِ السِّرْجِينُ ما دامَ في الكِرْشِ والجَمْعُ فُرُوثٌ.
وفي البَحْرِ كَثِيفُ ما يَبْقى مِنَ المَأْكُولِ في الكِرْشِ أوِ المَعِيِّ، وبَيْنِ تَقْتَضِي مُتَعَدِّدًا وهو هُنا الفَرْثُ والدَّمُ فَيَكُونُ مُقْتَضى ظاهِرِ النَّظْمِ تَوَسَّطَ اللَّبَنِ بَيْنَهُما، ورَوى ذَلِكَ الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: إنَّ البَهِيمَةَ إذا اعْتُلِفَتْ وأُنْضِجُ العَلَفُ في كِرْشِها كانَ أسْفَلُهُ فَرْثًا وأوْسَطُهُ لَبَنًا وأعْلاهُ دَمًا.
ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ فالبَيْنِيَّةُ عَلى حَقِيقَتِها وظاهِرِها وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الإمامُ الرّازِيُّ بِقَوْلِهِ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: اللَّبَنُ والدَّمُ لا يَتَوَلَّدانِ في الكِرْشِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ الحِسُّ فَإنَّ الحَيَواناتِ تُذْبَحُ دائِمًا ولا يُرى في كِرْشِها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ولَوْ كانَ تَوَلَّدَ ما ذُكِرَ فِيهِ لَوَجَبَ أنْ يُشاهَدَ في بَعْضِ الأحْوالِ والشَّيْءُ الَّذِي دَلَّتِ المُشاهَدَةُ عَلى فَسادِهِ لَمْ يَجُزِ المَصِيرُ إلَيْهِ بَلِ الحَقُّ أنَّ الحَيَوانَ إذا تَناوَلَ الغِذاءَ وصَلَ إلى مَعِدَتِهِ وإلى كِرْشِهِ إنْ كانَ مِنَ الأنْعامِ وغَيْرِها فَإذا طُبِخَ وحَصَلَ الهَضْمُ الأوَّلُ فِيهِ فَما كانَ مِنهُ صافِيًا انْجَذَبَ إلى الكَبِدِ وما كانَ كَثِيفًا نَزَلَ إلى الأمْعاءِ ثُمَّ ذَلِكَ الَّذِي يَحْصُلُ في الكَبِدِ يَنْضُجُ ويَصِيرُ دَمًا وذَلِكَ هو الهَضْمُ الثّانِي ويَكُونُ ذَلِكَ مَخْلُوطًا بِالصَّفْراءِ والسَّوْداءِ وزِيادَةِ المائِيَّةِ، أمّا الصَّفْراءُ فَتَذْهَبُ إلى المَرارَةِ والسَّوْداءُ إلى الطُّحالِ والماءُ إلى الكُلْيَةِ ومِنها إلى المَثانَةِ، وأمّا ذَلِكَ الدَّمُ فَإنَّهُ يَدْخُلُ في الأوْرِدَةِ والعُرُوقِ النّابِتَةِ مِنَ الكَبِدِ وهُناكَ يَحْصُلُ الهَضْمُ الثّالِثُ، وبَيْنَ الكَبِدِ والضَّرْعِ عُرُوقٌ كَثِيرَةٌ فَيَنْصَبُّ الدَّمُ مِن تِلْكَ العُرُوقِ إلى الضَّرْعِ، والضَّرْعُ لَحْمٌ غُدَدِيٌّ رَخْوٌ أبْيَضُ فَيُقَلِّبُ اللَّهُ تَعالى الدَّمَ فِيهِ إلى صُورَةِ اللَّبَنِ، لا يُقالُ: إنَّ هَذِهِ المَعْنى حاصِلَةٌ في الحَيَوانِ الذَّكَرِ فَلِمَ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ اللَّبَنُ لِأنّا نَقُولُ: الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ اقْتَضَتْ تَدْبِيرَ كُلِّ شَيْءٍ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِهِ المُوافِقِ لِمَصْلَحَتِهِ فَأوْجَبَتْ أنْ يَكُونَ مِزاجُ الذَّكَرِ حارًّا يابِسًا ومِزاجُ الأُنْثى بارِدًا رَطْبًا فَإنَّ الوَلَدَ إنَّما يَتَوَلَّدُ في داخِلِ بَدَنِ الأُنْثى فَكانَ اللّائِقُ بِها اخْتِصاصَها بِالرُّطُوبَةِ لِتَصِيرَ مادَّةً لِلتَّوَلُّدِ وسَبَبًا لِقَبُولِ التَّمَدُّدِ فَتَتَّسِعُ لِلْوَلَدِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الرُّطُوبَةَ بَعْدَ انْفِصالِ الجَنِينِ تَنْصَبُّ إلى الضَّرْعِ فَتَصِيرُ مادَّةً لِغِذائِهِ كَما كانَتْ كَذَلِكَ قَبْلُ في الرَّحِمِ، ومَن تَدَبَّرْ في بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى فِيما ذَكَرَ مِنَ الأخْلاطِ والألْبانِ وإعْدادِ مَقارِّها ومَجارِيها والأسْبابِ المُوَلِّدَةِ لَها وتَسْخِيرِ القُوى المُتَصَرِّفَةِ فِيها كُلَّ وقْتٍ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ اضْطُرَّ إلى الِاعْتِرافِ بِكَمالِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ وتَناهِي رَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ: حِكَمٌ حارَتِ البَرِّيَّةُ فِيها ∗∗∗ وحَقِيقٌ بِأنَّها تَحْتارُ وحاصِلُ ما ذَكَرُوهُ أنَّهُ إذا ورَدَ الغِذاءُ الكِرْشَ انْطَبَخَ فِيهِ وتَمَيَّزَتْ مِنهُ أجْزاءٌ لَطِيفَةٌ تَنْجَذِبُ إلى الكَبِدِ فَيَنْطَبِخُ فِيها فَيَحْصُلُ الدَّمُ فَتَسْرِي أجْزاءٌ مِنهُ إلى الضَّرْعِ ويَسْتَحِيلُ لَبَنًا بِتَدْبِيرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ، وحِينَئِذٍ فالمُرادُ أنَّ اللَّبَنَ إنَّما يَحْصُلُ مِن بَيْنِ أجْزاءِ الفَرْثِ ثُمَّ مِن بَيْنِ أجْزاءِ الدَّمِ فالبَيْنِيَّةُ عَلى هَذا مَجازِيَّةٌ وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ وغَيْرِهِ لَعَلَّ المُرادَ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أوْسَطَهُ يَكُونُ مادَّةَ اللَّبَنِ وأعْلاهُ مادَّةَ الدَّمِ الَّذِي يَعْذُو البَدَنَ فَإنَّ عَدَمَ تَكَوُّنِهِما في الكِرْشِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ والدّاعِي إلى ذَلِكَ مُخالَفَةُ ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ لِلْحِسِّ ولِما ذَكَرَهُ الحُكَماءُ أهْلُ التَّشْرِيحِ.
ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرُوهُ ما أخْبَرَنِي بِهِ مَن أثِقُ بِهِ مِن أنَّهُ قَدْ شاهَدَ خُرُوجَ الدَّمِ مِنَ الضَّرْعِ بَعْدَ اللَّبَنِ عِنْدَ المُبالَغَةِ في الحَلْبِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، (ومِن) الأُولى تَبْعِيضِيَّةٌ لِما أنَّ اللَّبَنَ بَعْضُ ما في بُطُونِ الأنْعامِ لِأنَّهُ مَخْلُوفٌ مِن بَعْضِ أجْزاءِ الدَّمِ المُتَوَلِّدِ مِنَ الأجْزاءِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي في الفَرْثِ حَسْبَما سَمِعْتَ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ- بِنُسْقِيكُمْ- (ومِن) الثّانِيَةُ ابْتِدائِيَّةٌ وهي أيْضًا مُتَعَلِّقَةٌ- بِنُسْقِيكُمْ- فَإنَّ بَيْنَ الدَّمِ والفَرْثِ المَحَلَّ الَّذِي يُبْتَدَأُ مِنهُ الإسْقاءُ وتَعَلُّقُهُما بِعامِلٍ واحِدٍ لِاخْتِلافِ مَدْلُولَيْهِما (ولَبَنًا) مَفْعُولٌ ثانٍ- لِنُسْقِيكُمْ- وتَقْدِيمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِما مَرَّ مِرارًا مِن أنَّ تَقْدِيمَ ما حَقُّهُ التَّأْخِيرُ يَبْعَثُ لِلنَّفْسِ شَوْقًا إلى المُؤَخَّرِ مُوجِبًا لِفَضْلِ تَمَكُّنِهِ عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها لا سِيَّما إذا كانَ المُقَدَّمُ مُتَضَمِّنًا لِوَصْفٍ مُنافٍ لِوَصْفِ المُؤَخَّرِ كالَّذِي نَحْنُ فِيهِ، فَإنَّ بَيْنَ وصْفَيِ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ تَنافِيًا وتَنائِيًا بِحَيْثُ لا يَتَراءى نارُهُما فَإنَّ لِذَلِكَ مِمّا يَزِيدُ الشَّوْقَ والِاسْتِشْرافَ إلى المُؤَخَّرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (مِن بَيْنِ) حالًا مِن (لَبَنًا) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِتَنْكِيرِهِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مَوْضِعُ العِبْرَةِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (مِن) الأُولى ابْتِدائِيَّةً كالثّانِيَةِ فَيَكُونُ (مِن بَيْنِ) بَدَلَ اشْتِمالٍ مِمّا تَقَدَّمَ ﴿ خالِصًا ﴾ مُصَفًّى عَمّا يَصْحَبُهُ مِنَ الأجْزاءِ الكَثِيفَةِ بِتَضْيِيقِ مَخْرَجِهِ أوْ صافِيًا لا يَسْتَصْحِبُهُ لَوْنُ الدَّمِ ولا رائِحَةُ الفَرْثِ ﴿ سائِغًا لِلشّارِبِينَ ﴾ سَهْلُ المُرُورِ في حَلْقِهِمْ لِدُهْنِيَّتِهِ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَبِيبَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««ما شَرِبَ أحَدٌ لَبَنًا فَشَرِقَ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ»».
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ «سَيِّغًا» بِتَشْدِيدِ الياءِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ «سَيْغًا» مُخَفَّفًا مِن سَيِّغٍ كَهَيْنٍ المُخَفَّفِ مِن هَيِّنٍ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى طَهارَةِ لَبَنِ المَأْكُولِ وإباحَةِ شُرْبِهِ، وقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ مَن يَرى عَلى أنَّ المَنِيَّ طاهِرٌ عَلى مَن جَعَلَهُ نَجِسًا لِجَرْيِهِ في مَسْلَكِ البَوْلِ بِها أيْضًا وأنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَسْلُكَ مَسْلَكَ البَوْلِ وهو طاهِرٌ كَما خَرَجَ اللَّبَنُ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ طاهِرًا.
وفِي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: اعْتِبارُ حُدُوثِ اللَّبَنِ كَما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ يَدُلُّ عَلى إمْكانِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا العُشْبَ الَّذِي يَأْكُلُهُ الحَيَوانُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الماءِ والأرْضِ فَخالِقُ العالَمِ دَبَّرَ تَدْبِيرًا انْقَلَبَ بِهِ لَبَنًا ثُمَّ دَبَّرَ تَدْبِيرًا آخَرَ حَدَثَ مِن ذَلِكَ اللَّبَنِ الدُّهْنُ والجُبْنُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَقْلِبَ هَذِهِ الأجْسامَ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ ومِن حالَةٍ إلى حالَةٍ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ أيْضًا أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى أنْ يَقْلِبَ أجْزاءَ أبْدانِ الأمْواتِ إلى صِفَةِ الحَياةِ والعَقْلِ كَما كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَهَذا الِاعْتِبارُ يَدُلُّ مِن هَذا الوَجْهِ عَلى أنَّ البَعْثَ والقِيامَةِ أمْرٌ مُمْكِنٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: تَاللَّهِ يقول: والله لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ أي: بعثنا إلى أمم من قبلك الرسل، كما أرسلناك إلى قومك فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ أي: ضلالهم حتى أطاعوا الشيطان، وكذبوا الرسل فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ أي: قرينهم في النار وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فهذا تهديد لكفار مكة أنه يصيبهم مثل ما أصابهم، وهو تعزية للنبي ليصبر على أذاهم.
ثم قال: وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ أي: القرآن إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ من الدين، لأنهم كانوا في طرق مختلفة: اليهودية، والنصرانية، والمجوسية وغير ذلك.
فأمر النبيّ بأن يبيّن لهم طريق الهدى.
وَهُدىً وَرَحْمَةً أي: أنزلنا القرآن بياناً من الضلالة، ونعمة من العذاب لمن آمن به لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بالقرآن.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : وهذا لا يضطر إِليه لأنه خروجٌ عن اللَّفْظِ، بل قوله: مَثَلُ على بابه، فلهم على الإِطلاقِ مَثَلُ السوء في كلِّ سوء، ولا غاية أخزى من عذابِ النارِ، وللَّه سبحانه الْمَثَلُ الْأَعْلى على الإِطلاق أيضاً، أي: الكمال المستغْنِي.
وقوله سبحانه: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ: الضميرُ في «عليها» عائدٌ على الأرض، وتَمَكَّنَ ذلك مع أنه لم يَجْرِ لها ذكر لشهرتها وتمكُّن الإِشارة إِليها، وسمع أبو هريرة رجُلاً يقول: «إِنَّ الظَّالِمَ لاَ يُهْلِكُ إِلاَّ نَفْسَهُ» فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: بَلَى، إِنَّ اللَّهَ لَيُهْلِكُ الحُبَارَى في وَكْرِهَا هزلاً بذنوب الظّلمة «٢» .
و «الأجل المسمَّى» في هذه الآية: هو بحسبِ شَخْصٍ شخصٍ.
وقوله: مَا يَكْرَهُونَ يريد البنات.
وقوله سبحانه: وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى: قال مجاهد وقتادة الْحُسْنى: الذُّكُور من الأولاد «٣» ، وقالت فرقةٌ: يريد الجنة.
قال ع «٤» : ويؤيِّده قوله: لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ، وقرأ السبعة «٥» سوَى نافعٍ:
«مُفْرَطُونَ» - بفتح الراءِ وخِفَّتِها- أي: مُقَدَّمون إِلى النار، وقرأَ نافع: «مُفْرِطُونَ» - بكسر الراء المخفَّفة-، أي: متجاوِزُونَ الحدَّ في معاصي الله.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذِهِ تَعْزِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﴿ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ ﴾ الخَبِيثَةَ حَتّى عَصَوْا وكَذَّبُوا، ﴿ فَهُوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ، كَأنَّهُما أرادا: فَهو ولِيُّهم يَوْمَ تَكُونُ لَهُمُ النّارُ.
والثّانِي: أنَّهُ الدُّنْيا، فالمَعْنى فَهو مُوالِيهِمْ في الدُّنْيا ﴿ وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ في الآخِرَةِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ﴾ يَعْنِي: الكَفّارَ ﴿ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ أيْ: ما خالَفُوا فِيهِ المُؤْمِنِينَ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ والجَزاءِ، فالمَعْنى: أنْزَلْناهُ بَيانًا لِما وقَعَ فِيهِ الِاخْتِلافُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ تاللهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ أعْمالَهم فَهو ولِيُّهُمُ اليَوْمَ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ وَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ واللهُ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ ﴿ وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ ضَرْبِ مَثَلٍ لَهم بِمَن تَقَدَّمَ، وفي ضِمْنِها وعِيدٌ لَهم وتَأْنِيسٌ لِلنَّبِيِّ ، وقَوْلُهُ: "اليَوْمَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ يَوْمَ الإخْبارِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهو بَعْدَ مَوْتِ أُولَئِكَ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ، أيْ: لا ولِيَّ لَهم مُذْ ماتُوا واحْتاجُوا إلى الغَوْثِ إلّا الشَيْطانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ يَوْمَ القِيامَةِ، والألِفُ واللامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، أيْ: هو ولِيُّهم في اليَوْمِ المَشْهُودِ، وهو وقْتُ الحاجَةِ والفَصْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَهو ولِيُّهُمُ مُدَّةَ حَياتِهِمْ ثُمَّ انْقَطَعَتْ وِلايَتِهِ بِمَوْتِهِمْ، وعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "اليَوْمَ" تَمْثِيلًا لِلْمُخاطِبِينَ بِمُدَّةِ حَياتِهِمْ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ شابٍّ تَحُضُّهُ عَلى طَلَبِ العِلْمِ: يا فُلانُ لا يَدْرُسُ أحَدٌ مِنَ الناسِ إلّا اليَوْمَ، تُرِيدُ: في مِثْلِ سِنِّكَ هَذِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ لِهَؤُلاءِ: فَهو ولِيُّهُمُ في مِثْلِ حَياتِكم هَذِهِ، وهي الَّتِي كانَتْ لَهُمْ، وسائِرُ الآيَةِ وعِيدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ يُرِيدُ القُرْآنَ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلا لِتُبَيِّنَ ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَهُدًى ورَحْمَةً ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قالَ: إلّا لِلْبَيانِ، أيْ لِأجْلِ البَيانِ، وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ كُفْرِ الكَفَرَةِ مِنَ الجَحْدِ بِاللهِ تَعالى، أو بِالقِيامَةِ، أو بِالنُبُوءاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولَكِنَّ الإشارَةَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي لَجَحْدِهِمِ الرُبُوبِيَّةَ، وتَشْرِيكِهِمِ الأصْنامَ في الإلَهِيَّةِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أخَذَهُ بَعْدَ هَذا في إثْباتِ العِبَرِ الدالَّةِ عَلى أنَّ الأنْعامَ وسائِرَ الأفْعالِ إنَّما هي مِنَ اللهِ تَعالى لا مِنَ الأصْنامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً ﴾ الآيَةُ.
لَمّا أمَرَهُ تَبْيِينِ ما اخْتَلَفَ فِيهِ نَصَّ العِبَرِ المُؤَدِّيَةِ إلى بَيانِ أمْرِ الرُبُوبِيَّةِ، فَبَدَأ بِنِعْمَةِ المَطَرِ الَّتِي هي أبْيَنُ العِبَرِ، وهي مَلاكُ الحَياةِ، وفي غايَةِ الظُهُورِ، لا يُخالِفُ فِيها عاقِلٌ، وحَياةُ الأرْضِ ومَوْتُها اسْتِعارَةٌ وتَشْبِيهٌ بِالحَيَوانِ؛ إذْ هي هامِدَةٌ غَبْراءُ غَيْرُ مُنْبِتَةٍ فَهي كالمَيِّتِ، وإذْ هي مُنْبِتَةٌ مُخْضَرَّةٌ مُهْتَزَّةٌ رابِيَةٌ فَهي كالحَيِّ.
وقَوْلُهُ: "يَسْمَعُونَ" يَدُلُّ عَلى ظُهُورِ هَذا المُعْتَبَرِ فِيهِ وبَيانِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ ولا نَظَرِ قَلْبٍ، وإنَّما يَحْتاجُ المُنَبَّهُ إلى أنْ يَسْمَعَ القَوْلَ فَقَطْ و"الأنْعامُ" هي الأصْنافُ الأرْبَعَةُ: الإبِلُ والبَقَرُ والضَأْنُ والمَعِزُ، و"العِبْرَةُ": الحالُ المُعْتَبَرُ فِيها، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - وابْنُ مَسْعُودٍ - بِخِلافٍ- والحُسْنُ، وأهْلُ المَدِينَةِ: "نَسْقِيكُمْ" بِفَتْحِ النُونِ، مِن أسْقا يَسْقِي، وقَرَأ الباقُونَ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ بِضَمِّ النُونِ، وهي قِراءَةُ الكُوفِيِّينَ وأهْلِ مَكَّةَ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنى واحِدٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَقُولُ لِمَن سَقَيْتُهُ بِالشَفَةِ أو في مَرَّةٍ واحِدَةٍ: سَقَيْتُهُ، وتَقُولُ لِمَن تَمُرُّ سَقْيَهُ أو تَمْنَحُهُ شُرْبًا: أسْقَيْتُهُ، وهَذا قَوْلُ مَن قَرَأ: "نَسْقِيكُمْ"، لِأنَّ ألْبانَ الأنْعامِ مِنَ المُسْتَمِرِّ لِلْبَشَرِ، وأنْشَدَ مَن قالَ: "إنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنى" قَوْلِ لَبِيَدٍ: سَقى قَوْمِي بَنِي بَدْرٍ وأسْقى ∗∗∗ نُمَيْرًا والقَبائِلَ مِن هِلالِ وذَلِكَ لازِمٌ؛ لِأنَّهُ لا يَدْعُو لِقَوْمِهِ بِالقَلِيلِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "يَسْقِيكُمْ" بِالياءِ، أيْ: يَسْقِيكُمُ اللهُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَسْقِيكُمْ" بِالتاءِ، وهي ضَعِيفَةٌ، وكَذَلِكَ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في سُورَةِ "المُؤْمِنُونَ"، وقَوْلُهُ: ﴿ مِمّا في بُطُونِهِ ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الجِنْسِ، وعَلى المَذْكُورِ، كَما قالَ الشاعِرُ: مَثْلُ الفِراخِ نُتِفَتْ حَواصِلُهُ وَهَذا كَثِيرٌ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كَلا إنَّها تَذْكِرَةٌ ﴾ ﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ ﴾ ، وقِيلَ: إنَّما قالَ: "بُطُونِهِ" لِأنَّ الأنْعامَ والنَعَمَ واحِدٌ فَرْدٌ، الضَمِيرُ عَلى مَعْنى النَعَمِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "البَعْضِ"؛ إذِ الذُكُورُ لا ألْبانَ فِيها، فَكَأنَّ العِبْرَةَ إنَّما هي في الأنْعامِ.
و"الفَرْثُ": ما يَنْزِلُ إلى الأمْعاءِ، و"السائِغُ": المُسَهَّلُ في الشُرْبِ اللَذِيذِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سِيِّغًا" بِشَدِّ الياءِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيِّ: "سَيْغًا" بِسُكُونِ الياءِ، وهي تَخْفِيفٌ مِن "سَيْغٍ" كَمَيِّتٍ وهَيِّنٍ، ولَيْسَ وزْنُها فِعْلًا؛ لِأنَّ اللَفْظَةَ واوِيَّةٌ، فَفَعْلَ مِنها "سَوْغٌ"، ورُوِيَ أنَّ اللَبَنَ لَمْ يُشْرِقْ بِهِ أحَدٌ قَطُّ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ .
<div class="verse-tafsir"
هذه حُجّة أخرى ومنّة من المنن الناشئة عن منافع خلق الأنعام، أدمج في منّتها العبرة بما في دلالتها على بديع صنع الله تبعاً لقوله تعالى: ﴿ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ﴾ إلى قوله: ﴿ لرؤوف رحيم ﴾ [سورة النحل: 5 7].
ومناسبة ذكر هذه النّعمة هنا أن بألبان الأنعام حياة الإنسان كما تحيا الأرض بماءِ السماء، وأن لآثار ماء السماء أثراً في تكوين ألبان الحيوان بالمرعى.
واختصّت هذه العبرة بما تنبّه إليه من بديع الصّنع والحكمة في خلق الألبان بقوله: مما في بطونه من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً}، ثم بالتذّكير بما في ذلك من النّعمة على الناس إدماجاً للعبرة بالمنّة.
فجملة ﴿ وإن لكم في الأنعام لعبرة ﴾ معطوفة على جملة ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ﴾ [سورة النحل: 65]، أي كما كان القوم يسمعون عِبرة في إنزال الماء من السماء لكم في الأنعام عبرة أيضاً، إذ قد كان المخاطبون وهم المؤمنون القومَ الذين يسمعون.
وضمير الخطاب التفات من الغيبة.
وتوكيدها ب ﴿ إن ﴾ ولام الابتداء كتأكيد الجملة قبلها.
و ﴿ الأنعام ﴾ : اسم جمع لكل جماعة من أحد أصناف الإبل والبقر والضأن والمعز.
والعبرة: ما يُتّعظ به ويُعتبر.
وقد تقدم في نهاية سورة يوسف.
وجملة ﴿ نسقيكم مما في بطونه ﴾ واقعة موقع البيان لجملة ﴿ وإن لكم في الأنعام لعبرة ﴾ .
والبطون: جمع بطن، وهو اسم للجوف الحاوية للجهاز الهضمي كله من معدة وكبد وأمْعاء.
و (من) في قوله تعالى: ﴿ مما في بطونه ﴾ ابتدائية، لأن اللبن يفرز عن العلف الذي في البطون.
وما صْدَقُ «ما في بطونه» العلف.
ويجوز جعلها تبْعيضية ويكون ما صْدقُ «ما في بطونه» هو اللبن اعتداداً بحالة مُروره في داخل الأجهزة الهضمية قبل انحداره في الضرع.
و ﴿ من ﴾ في قوله تعالى: ﴿ من بين فرث ﴾ زائدة لتوكيد التوسّط، أي يفرز في حالة بين حالتي الفرث والدم.
ووقع البيان ب ﴿ نسقيكم ﴾ دون أن يقال: تشربون أو نحوه، إدماجاً للمنّة مع العبرة.
ووجه العبرة في ذلك أن ما تحتويه بطون الأنعام من العلف والمرعى ينقلب بالهضم في المعدة، ثم الكَبِد، ثم غدد الضرع، مائعاً يسقى وهو مفرز من بين أفراز فرث ودم.
والفرث: الفضلات التي تركها الهضم المَعِدي فتنحدر إلى الأمعاء فتصير فَرثا.
والدمّ: إفراز تفرزه الكبد من الغذاء المنحدر إليها ويصعد إلى القلب فتدفعه حركة القلب الميكانيئية إلى الشرايين والعروق ويبقى يَدور كذلك بواسطة القلب.
وقد تقدم ذكره عند قوله تعالى: ﴿ حرّمت عليكم الميتة والدم ﴾ في سورة العقود (3).
ومعنى كون اللّبن من بين الفرث والدم أنه إفراز حاصل في حين إفراز الدّم وإفراز الفرث.
وعلاقته بالفرث أن الدم الذي ينحدر في عروق الضرع يمرّ بجوار الفضلات البوليّة والثفلية، فتفرزه غدد الضرع لبَناً كما تفرزه غدد الكليتين بَولاً بدون معالجة زائدة، وكما تفرز تكاميش الأمعاء ثَفلاً بدون معالجة بخلاف إفراز غدد المثانة للمَنِيّ لتوقّفه على معالجة ينحدر بها الدم إليها.
وليس المراد أن اللّبن يتميّع من بين طبقتيّ فرث ودم، وإنما الذي أوهم ذلك مَن تَوهمه حمْله ﴿ بينَ ﴾ على حقيقتها من ظرف المكان، وإنما هي تستعمل كثيراً في المكان المجازي فيراد بها الوسط بين مرتبتين كقولهم: الشجاعة صفة بين التهوّر والجبن.
فمن بلاغة القرآن هذا التعبيرُ القريب للأفهام لكل طبقة من الناس بحسب مبالغ علمهم، مع كونه موافقاً للحقيقة.
والمعنى: إفراز ليس هو بدم لأنه أليَنُ من الدم، ولأنه غير باققٍ في عروق الضرع كبقاء الدّم في العروق، فهو شبيه بالفضلات في لزوم إفرازه، وليس هو بالفضلة لأنه إفراز طاهر نافع مغذّ، وليس قذراً ضاراً غير صالح للتغذية كالبول والثفل.
وموقع ﴿ من بين فرث ودم ﴾ موقع الصفة ل ﴿ لبناً ﴾ ، قدمت عليه للاهتمام بها لأنها موضع العبرة، فكان لها مزيد اهتمام، وقد صارت بالتقديم حالاً.
ولما كان اللبن يحصل في الضرع لا في البطن جعل مفعولاً ل ﴿ نَسقيكم ﴾ ، وجعل ﴿ مما في بطونه ﴾ تبييناً لمصدره لا لمَورده، فليس اللبن مما في البطون؛ ولذلك كان ﴿ مما في بطونه ﴾ متقدماً في الذكر ليظهر أنه متعلق بفعل ﴿ نسقيكم ﴾ وليس وصفاً لِلْلّبن.
وقد أحاط بالأوصاف التي ذكرناها لِلْلّبن قوله تعالى: ﴿ خالصاً سائغاً للشاربين ﴾ .
فخلوصه نزاهته مما اشتمل عليه البول والثفل، وسوغه للشاربين سلامته مما يشتمل عليه الدم من المضار لمن شَربه، فلذلك لا يسيغه الشارب ويتجهّمه.
وهذا الوصف العجيب من معجزات القرآن العلمية، إذ هو وصف لم يكن لأحد من العرب يومئذٍ أن يعرف دقائق تكوينه، ولا أن يأتي على وصفه بما لو وَصف به العالم الطبيعي لم يصفه بأوجز من هذا وأجمعَ.
وإفراد ضمير الأنعام في قوله تعالى: ﴿ مما في بطونه ﴾ مراعاة لكون اللفظ مفرداً لأن اسم الجمع لفظ مفرد، إذ ليس من صيغ الجموع، فقد يراعى اللفظ فيأتي ضميره مفرداً، وقد يراعى معناه فيعامل معاملة الجموع، كما في آية سورة المؤمنين (21) ﴿ نسقيكم مما في بطونها ﴾ والخالص: المجرّد مما يكدّر صفاءه، فهو الصافي.
والسائغ: السهل المرور في الحلق.
وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب نسقيكم} بفتح النون مضارع سَقى.
وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف بضم النون على أنه مضارع أسْقى، وهما لغتان، وقرأه أبو جعفر بمثناة فوقية مفتوحة عوضاً عن النون على أن الضمير للأنعام.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا بِالِانْتِقامِ لِأنَّهُ يُمْهِلُهم في الأغْلَبِ مِن أحْوالِهِمْ.
﴿ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ ﴾ يَعْنِي بِهَلاكِهِمْ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ مِن أخْذِهِ لَهم بِظُلْمِهِمْ.
﴿ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
الثّانِي: تَعْجِيلُهُ في الدُّنْيا.
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَعُمُّهم بِالهَلاكِ مَعَ أنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنًا لَيْسَ بِظالِمٍ؟
فَعَنْ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَجْعَلُ هَلاكَ الظّالِمِ انْتِقامًا وجَزاءً، وهَلاكَ المُؤْمِنِ مُعَوَّضًا بِثَوابِ الآخِرَةِ.
الثّانِي: ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ مِن أهْلِ الظُّلْمِ.
الثّالِثُ: يَعْنِي أنَّهُ لَوْ أهْلَكَ الآباءَ بِالكُفْرِ لَمْ يَكُنِ الأبْناءُ ولانَقْطَعَ النَّسْلُ فَلَمْ يُولَدْ مُؤْمِنٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ ﴾ يَعْنِي مِنَ البَناتِ.
﴿ وَتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ لَهُمُ البَنِينَ مَعَ جَعْلِهِمْ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ مِنَ البَناتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مَعْناهُ أنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ الجَزاءَ الحَسَنَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
﴿ لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: مَعْناهُ حَقًّا أنَّ لَهُمُ النّارَ.
الثّانِي: مَعْناهُ قَطْعًا أنَّ لَهُمُ النّارَ.
الثّالِثُ: اقْتَضى فِعْلُهم أنَّ لَهُمُ النّارَ.
الرّابِعُ: مَعْناهُ بَلى إنَّ لَهُمُ النّارَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ وَأنَّهم مُفْرَطُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ مَنسِيُّونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مُضَيِّعُونَ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: مُبْعَدُونَ في النّارِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الرّابِعُ: مَتْرُوكُونَ في النّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الخامِسُ: مُقَدَّمُونَ إلى النّارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَمِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ : « (أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ)» أيْ مُتَقَدِّمُكم، وقالَ القَطامِيُّ: فاسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا كَما تَعَجَّلَ فُرّاطٌ لِوُرّادِ والفُرّاطُ: المُتَقَدِّمُونَ في طَلَبِ الماءِ، والوُرّادُ: المُتَأخِّرُونَ.
وَقَرَأ نافِعٌ: ﴿ مُفْرَطُونَ ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ وتَخْفِيفِها، ومَعْناهُ مُسْرِفُونَ في الذُّنُوبِ، مِنَ الإفْراطِ فِيها.
وَقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ مُفْرِطُونَ أيْ مُعَجَّلُونَ إلى النّارِ مَتْرُوكُونَ فِيها.
وَقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ القارِئُ: (مُفَرِّطُونَ) بِكَسْرِ الرّاءِ وتَشْدِيدِها، ومَعْناهُ مِنَ التَّفْرِيطِ في الواجِبِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويجعلون لله البنات...
﴾ الآيات.
يقول: يجعلون له البنات، يرضونهن له ولا يرضونهن لأنفسهم.
وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا ولد للرجل منهم جارية أمسكها على هون أو دسّها في التراب وهي حية.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ قال: يعني به البنين.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ﴾ قال: هذا صنيع مشركي العرب، أخبرهم الله بخبث صنيعهم.
فأما المؤمن، فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله له، وقضاء الله خير من قضاء المرء لنفسه.
ولعمري ما ندري أنه لخير لرب جارية خير لأهلها من غلام، وإنما أخبركم الله بصنيعهم لتجتنبوه وتنتهوا عنه، فكان أحدهم يغذو كلبه ويئد ابنته.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: كانت العرب يقتلون ما ولد لهم من جارية فيدسونها في التراب وهي حية حتى تموت.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ على هون ﴾ أي هوان بلغة قريش.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ أم يدسه في التراب ﴾ قال: يئد ابنته.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ألا ساء ما يحكمون ﴾ قال: بئس ما حكموا.
يقول: شيء لا يرضونه لأنفسهم، فكيف يرضونه لي....؟
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ولله المثل الأعلى ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولله المثل الأعلى ﴾ قال: يقول ليس كمثله شيء.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ﴾ الآية.
ذكرنا معنى العبرة في سورة آل عمران عند قوله: ﴿ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ مَنْ فتح النون (١) ﴿ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ﴾ ، وقال: ﴿ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا ﴾ ، وما كان للشفة فهو بفتح النون؛ ومن ضَمَّ النونَ (٢) ﴿ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا ﴾ ، وقوله: ﴿ فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ ﴾ ، والمعنى هاهنا إنا جعلناه في كثرته وإدامته كالسُّقْيَا، واختار أبو عبيدة الضَّمَّ وقال: لأنه شِرْبٌ دائم (٣) واختلف النحويون في علة تذكير الكناية في قوله: ﴿ مِمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ ، وهي راجعة إلى الأنعام، فقال أبو إسحاق: الأنعام لفظه لفظ جمع، وهو اسم للجنس يذكر ويؤنث، يقال: وهو الأنعام، وهي الأنعام، ﴿ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ ، وفي موضع آخر: ﴿ مِمَّا فِي بُطُونِهَا ﴾ (٤) وهذا مذهب سيبويه، قال في ذِكْرِه إن الاسم الواحد يجيء على أَفْعَال، قال: يقال: هو الأنْعَام، وقال: ﴿ فِي بُطُونِهِ ﴾ (٥) (٦) وطاب ألْبانُ اللِّقَاح وَبردْ (٧) وفرحع إلى اللبن (٨) (٩) (١٠) أَكُلَّ عَامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَهُ ...
يُلْقِحُهُ قَوْمٌ وتَنْتُجُونه (١١) (١٢) مِثْلُ الفِراخِ نَتَقَتْ حَواصِلُه (١٣) (١٤) وقال المبرد: هذا فاشٍ في القرآن وفي كلامهم، مثل: ﴿ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي ﴾ ، بمعنى هذا الشيء الطالع، وكذلك قوله: ﴿ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ﴾ ، أي: ذَكَرَ هذا الشيء، وكذلك: ﴿ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ﴾ النمل: 35]، ثم قال: ﴿ فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ ﴾ ، ولم يقل: جاءت؛ لأن المعنى: جاء الشيءُ الذي ذكرنا (١٥) قال أبو عبيد: وسمعت الكسائي يُنْشِد ما هو أشد من هذا (١٦) وعَفْرَاءُ أَدْنَى الناسِ مِنِّي مَوَدَةً ...
وعَفراءُ عَنِّي المُعْرِضُ الْمُتَوَانِي (١٧) قال وأنشدنا الأحمر (١٨) إذ (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) ﴿ مِمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ وأضمر اللبن؛ كأنه قيل: نسقيكم مما في بطونه اللبن، ﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا ﴾ أراد أنه يُسقى من أَيِّها كان ذا لبن؛ لأنه ليس لكلها لبن (٢٣) (٢٤) (٢٥) ﴿ مِمَّا ﴾ مِثْلُ قولك: مِنْ الَّتي، إلا أنه لمّا ذَكَرَ (الَّتي) بلفظ (ما) ذَكَرَ الكناية؛ لأن (ما) لا تبين فيه تذكير ولا تأنيث، فكأنه مذكر، والتقدير: نُسقيكم مِن التي في بطونها لبن، ﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا ﴾ ، وأضمر ذِكرَ اللبن لعلم المخاطب بذلك، ولمجيء (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا ﴾ ، الفَرْثُ: سِرْجين الكرش (٢٧) (٢٨) ﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا ﴾ : لا يَشُوبُه الدم ولا الفرث، ﴿ سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ﴾ : جائزًا في حلوقهم لذيذًا هنيئًا، يقال: ساغَ الشَّرَابُ في الحلق وأَسَاغَهُ صاحِبُه (٢٩) ﴿ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ ﴾ وقد مر، والآية بيان عن إقامة الدلالة على الصانع حيث جعل العَلَف وهو جنس واحد أنواعًا في بطن الدابة، فإذا تفكر العاقلُ عَلِمَ أن ذلك بقدرة الله الذي لا إله إلا هو، قال أصحابنا: وهذه الآية تدل على أن مَنِيّ الآدمي لا يكون نجسًا وإن كان في باطنه مجاورًا للنجاسات كاللبن؛ فإنه يخرج طاهرًا من بين نجسين [[هذا مشهور لكن فيه نظر؛ لأن الدم مختلف في نجاسته، فالمذاهب الأربعة على نجاسته، وقد حكى النووي في ذلك الإجماع فقال: "وفيه أن الدم نجس، وهو بإجماع المسلمين" [شرح مسلم (3/ 200)]، وانظر: "أحكام النجاسات في الفقه الإسلامي" ص 187، لكن الذي عليه المحققون -كابن تيمية والشوكاني وصديق خان- أن الدم المسفوح ليس بنجس، وعمدة القائلين بالنجاسة أمران؛ أحدهما: قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾ ، والثاني: حديث أسماء قالت: جاءت امرأة إلى النبي - - فقالت: (إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به؟
قال: "تَحُتُّهُ ثم تَقْرُصُهُ بالماء ثم تَنْضِحُهُ ثم تُصَلَّي فيه" [شرح مسلم (3/ 199)].
وقد رد المحققون على هذين الدليلين: أما الآية فدلالتها على نجاسة الدم غير صريحة؛ لأن كون تناول الدم المسفوح محرم لا يقتضي نجاسته، وكلمة ﴿ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾ وإن كان من معانيها في اللغة النجاسة، إلا أنه مختلف في عودة الضمير، وإذا وقع الاحتمال بطل الاستدلال.
أما الحديث فالكلام فيه على دم الحيض ولا خلاف في نجاسته؛ لأنه خارج من أحد السبيلين، لذلك كان قياس سائر الدماء عليه قياسًا مع الفارق، لذلك قال صديق خان: (وأما سائر الدماء فالأدلة فيها مختلفة مضطربة، والبراءة الأصلية مستصحبة حتى يأتي الدليل الخالص عن المعارضة) [الروضة الندية شرح الدرر البهية (1/ 82)]، وحتى على القول بنجاسة الدم فإن الدم قبل انفصاله عن الجسم يعد طاهرًا، وهو ما ذهب إليه ابن تيمية في == الفتاوى 21/ 598 - 600، ونصره من عدة وجوه، فقال: (إنا لا نسلم أن الدم قبل ظهوره وبروزه يكون نجسًا، فلا بد من الدليل على تنجيسه)، ثم ذكر وجوهًا على طهارته، وهي: أن النجس هو المستقذر المستخبث، وهذا الوصف لا يثبت لهذه الأجناس إلا بعد مفارقتها مواضع خلقها، فوصفها بالنجاسة فيها وصف بما لا تتصف به.
أن الدماء في الأبدان وغيرها هي أحد أركان الحيوان التي لا تقوم حياته إلا بها حتى سميت نفسًا، فالحكم بأن الله يجعل أحد أركان عباده من الناس والدواب نوعًا نجسًا في غاية البعد.
أن الأصل الطهارة، فلا تثبت النجاسة إلا بدليل، وليس في هذه الدماء شيء من أدلة النجاسة، وخصائصها.
أما روث الحيوان فالأرجح فيه الطهارة أيضًا، وهو مذهب الحنابلة والمالكية والهادوية وغيرهم.
[انظر: "نيل الأوطار" 1/ 59 - 60، و"الروضة الندية" 1/ 71، و"أحكام النجاسات" ص50 - 98].
ومن أدلتهم: حديث أنس في الصحيحين: (أن النبي أمر العُرَنِيين بأن يشربوا من أبوال الإبل) البخاري (233) كتاب الوضوء، أبوال الإبل والدواب، مسلم (1671): القسامة، حكم المحاربين والمرتدين، واستدلوا كذلك (بأن النبي - - كان يصلي قبل أن يبنى المسجد في مرابض الغنم.
أخرجه البخاري (234) بنفس الباب، كذلك استدلالات ابن تيمية -السابقة- على طهارة الدم تنطبق على طهارة الروث.]].
كذلك يجوز أن يخرج المنيّ طاهرًا وإن جرى في طريق النجاسة (٣٠) ا "كان رسول الله - - يسْلُت المنيّ من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابسًا ثم يصلي فيه".
صحيح ابن خزيمة: باب سلت المني من الثوب بالإذخر إذا كان رطبًا (1/ 149).]].
(١) وهم ابن عامر ونافع وعاصم في رواية أبي بكر.
انظر: "السبعة" ص 374، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 357، و"علل القراءات" 1/ 307، و"الحجة للقراء" 5/ 74 و"المبسوط في القراءات" ص 225، "المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 739.
(٢) وهم: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي.
انظر: المصادر السابقة.
(٣) لم أجده في مجازه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 158، بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 64.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 209، بنصه.
(٥) "الكتاب" 3/ 230، بنحوه، وانظر:"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 401.
(٦) لم أقف على القائل، وفي "تفسير الثعلبي" 2/ 159 أ، أنه رجز لبعض الأعراب.
(٧) وصدره: بالَ سُهَيلٌ في الفَضِيخِ فَفَسَدْ ورد بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء 1/ 129، 2/ 108، و"تفسير الطبري" 14/ 131، والثعلبي 2/ 159 أ، والطوسي 6/ 400، وابن الجوزي 4/ 463، و"اللسان" (خرت) 2/ 1124، (كتد) 6/ 3819، و"الدر المصون" 7/ 257، و"التاج" (خرت) 3/ 44 - 45، (كتد) 5/ 218، وفي جميع المصادر عدا الدّر: (فبرد).
(سهيل) كوكب يُرى في ناحية اليمن والعراق، ولا يُرى بخُراسان، (الفضِيخ) عصير العنب، وهو أيضًا شراب يتخذ من البُسر المفضوخ وحده من غير أن تمسه النار، وهو المشدوخ.
ومعنى البيت: يقول لما طلع سُهيلٌ ذهب زمن البسر وأرطب، فكأنه بال فيه، وعندها تطيب ألبان النوق، والشاهد: أنه لم يقل: وبردت؛ لأنه رده إلى اللبن، المفرد.
انظر: "تهذيب اللغة" (سهل) 2/ 1786 - 1787، و"اللسان" (فضخ) 6/ 3426.
(٨) في جميع النسخ: (اللبن والألبان) بزيادة الألبان، وقد أدى زيادتها إلى اضطراب المعنى، ويؤيّد أنها زائدة، عدم وجودها في المصدر و"الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 410.
(٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 108، بنصه تقريبًا.
(١٠) هو فيس بن حصين بن يزيد الحارتي (جاهلي).
(١١) ورد في "الخزانة" 1/ 407، 412، وورد بلا نسبة في "الكتاب" 1/ 129، و"مجاز القرآن" 1/ 362، و "تفسير الطبرى" 14/ 132، "المذكر والمؤنث" للأنباري 1/ 426، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 217،و"تهذيب اللغة" (نعم) 4/ 3617، == و"تفسير الثعلبي" 2/ 159 أ، و"المخصص" 17/ 19، و"تفسير الزمخشري" 2/ 334، وأبي حيان 5/ 509، و"الدر المصون" 7/ 253، و"تخليص الشواهد" ص 191، وفي بعض هذه المصادر ورد برواية: (في كل) بدل (أكل).
(١٢) ورد في "معاني القرآن" للفراء 2/ 109، بنصه، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 401، بنصه، و"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 1/ 427، بنصه، و"تهذيب اللغة" (نعم) 4/ 3615، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 75، والفخر الرازي 20/ 64.
(١٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 109، بنصه.
(١٤) رجز ورد بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء 1/ 130، و"تفسير الطبري" 14/ 132، و"تهذيب اللغة" (نعم) 4/ 3616، و"المحتسَب" 2/ 153، و"تفسير ابن عطية" 8/ 456، وابن الجوزي 4/ 463، و"شرح شواهد الإيضاح" ص 347، و"تفسير القرطبي" 10/ 124، و"اللسان" (خلف) 2/ 1237، (نعم) 7/ 4482، و"تفسير أبي حيان" 5/ 509.
(نتقت) سمنت وامتلأت شحمًا، (حواصله) جمع حوصلة؛ أسفل البطن، وهي للطير والنعام كالمعدة للإنسان، وهي المصارين لذي الظلف والخُفّ، والشاهد: أنه أعاد على الفراخ ضمير الواحد؛ لأنها في معنى الفرخ، إذا أريد به الجنس والكثرة، وقال الطبرى: لم يقل: حواصلها، أي: ذكَّرها.
النظر: "المحيط في اللغة" (نتق) 5/ 367، و"متن اللغة" 2/ 106، ووردت برواية: (نُتِفَتْ).
(١٥) لم أقف على مصدره، وورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 410، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 463، والفخر الرازي 20/ 64، وأبي حيان 5/ 509، و"الدر المصون" 7/ 256، وورد بلا نسبة في "تفسير الطبري" 14/ 133، بنصه تقريبًا، والثعلبي 2/ 159 أ، بنحوه.
(١٦) البيت لعروة بن حزام (ت 30 هـ) شاعر إسلامي، أحد المتيَّمِين، لا يُعرف له شعرٌ إلا في عفراءَ بنتِ عمِّه.
(١٧) ورد في "المذكر والمؤنث" للأنباري 1/ 187، برواية: فعفراءُ أرجى الناس عندي مودةً وورد في الأغاني برواية: فعفراءُ أحظى الناسِ عندي مودَّةً وورد بلا نسبة في "تفسير الطبري" 14/ 133، والثعلبي 2/ 159 أ، والشاهد: أنه لم يقل: المعرضة المتوانية، وذكَّرَ المعرض؛ لأنه أراد التشبيه، أي: وعفراء عنّي مثْلُ المُعرضِ، والمؤنث قد يشبَّه بالمذكر.
(١٨) هو لأَوْس بن حَجَر، كما في ديوانه واللسان.
(١٩) في جميع النسخ: (إذا) والتصويب من الديوان وجميع المصادر عدا الثعلبي.
(٢٠) "ديوانه" ص 74، وفيها: (الزمان) بدل (البلاد)، و (بعزة) بدل (بغرة)، وورد في "اللسان" (سعف) 4/ 2018، وفيه: والزمان، وورد بلا نسبة في "تهذيب اللغة" (سعف) 2/ 1696، كما للسان، وورد برواية: (بغبطة) بدل (غِرَّة) في "تفسر الطبري" 14/ 133، والثعلبي 2/ 159 أ، وفي "الخزانة" 5/ 429، برواية: (والزمان بعزَّة)، (غِرَّة)، بكسر الغين: الغفلة، يقال: غَرَّ الرجلُ غَرارةً وغِرَّةً: جهلَ الأمور وغفل عنها، (مساعف) قريب، والإسعاف: قضاء الحاجة، وهو المقصود.
(٢١) لم أقف على مصدره.
(٢٢) النَّسمَةُ: النَّفسُ، والنسمة في العتق: المملوك ذكرًا كان أو أنثى.
"المحيط في اللغة" 8/ 345.
(٢٣) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 159، بنحوه، والطبري 14/ 131، بنحوه غير منسوب، وورد في "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 217، بنحوه منسوبًا إلى أبي عبيدة عن أبي عبيد، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 28، و"وضح البرهان" ص 507.
(٢٤) الحائل: التي لا تحمل تلك السنة، حَالتْ تحُولُ حُؤُولاً وحِيَالاً، والمُحْتالة: الحائل من ذوات الحَمْلِ.
انظر: "المحيط في اللغة" (حول) 3/ 210.
(٢٥) يقال: ناقة بَلِيَّة: هي التي يموت صاحبها فيحفر لها حفرة وتشدّ رأسها إلى خلفها، وتُبْلَى: أي تترك هناك لا تعلف ولا تسقى حتى تموت جوعًا وعطشًا.
انظر: "المحيط في اللغة" (بلى) 10/ 354، و"اللسان" (بلا) 1/ 355.
(٢٦) في جميع النسخ: (والمجيء)، ويستقيم الكلام بالمثبت.
(٢٧) يقال: سرجين بالجيم، وسرقين بالقاف، ويسمى فرْثًا ما دام أنه بالكرش، فإذا خرج لا يسمى فرثًا، انظر: (فرث) في "العين" 8/ 220، و"تهذيب اللغة" 3/ 2757، و"المحيط في اللغة" 10/ 138، و"مجمل اللغة" 2/ 719، و"اللسان" 6/ 3369.
(٢٨) ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 240، والثعلبي 2/ 159 أ، بنحوه، (وهذه أوهى الطرق إلى ابن عباس، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 28، وابن الجوزي 4/ 464، والفخر الرازي 20/ 64، و"تفسير القرطبي" 10/ 125، و"تفسير البيضاوي" 1/ 279، والخازن 3/ 123، وأبي حيان 5/ 509، وهذا التفسير مردود لضعف الأثر، وزاد الفخر الرازي تضعيفه لمخالفته للحس، فقال: وقد دللنا على أن هذا القول على خلاف الحس والتجربة، ولأن الدم لو كان يتولد في أعلى المعدة والكرش، كان يجب إذا قاء أن يقيء الدم، وذلك باطل قطعًا، ثم بيَّن كيفية توَلُّد اللبن حسيًّا.
الفخر الرازي 20/ 65 (٢٩) انظر: (سوغ) في "جمهرة اللغة" 2/ 846، و"تهذيب اللغة" 2/ 1597،و"المحيط == في اللغة" 5/ 107، و"مجمل اللغة" 1/ 478، و"مقاييس اللغة" 3/ 116، و"الصحاح" 4/ 1322، و"العباب الزاخر" غ/ ص 48، و"اللسان" 4/ 2152.
(٣٠) الكلمة ساقطة من (أ)، (د).
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليوم ﴾ يحتمل أن يريد باليوم وقت نزول الآية أو يوم القيامة ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةً ﴾ معطوفان على موضع لنبين، وانتصبا على أنهما مفعول من أجله: أي لأجل البيان والهدى والرحمة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ نوحي ﴾ بالنون: حفص غير الخزاز.
الباقون بالياء مجهولاً ﴿ أو لم تروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف ﴿ تتفيؤ ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو وسهل ويعقوب، الآخرون على الغيبة.
الوقوف: ﴿ لا تعلمون ﴾ ه لا لتعلق الباء ﴿ والزبر ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا للعطف ﴿ بمعجزين ﴾ ه لا كذلك ﴿ على تخوّف ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ داخرون ﴾ ه ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ ما يؤمرون ﴾ ه ﴿ اثنين ﴾ ج للابتداء بانما مع اتحاد القائل ﴿ واحد ﴾ ج للعدول مع الفاء ﴿ فارهبون ﴾ ه ﴿ واصباً ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ تجأرون ﴾ ه ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع شدة اتصال المعنى ﴿ يشركون ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ آتيناهم ﴾ ط للعدول والفاء للاستئناف ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ رزقناهم ﴾ ط ﴿ تفترون ﴾ ه { } لا لأن ما بعده من جملة مفعول ﴿ يجعلون ﴾ و { } معترض للتنزيه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ كظيم ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعد وصف ﴿ لكظيم ﴾ أو استنئاف.
﴿ ما بشر به ﴾ ط لأن التقدير يتفكر في نفسه المسألة ﴿ في التراب ﴾ ط ﴿ ما يحكمون ﴾ ه ﴿ السوء ﴾ ج لتضاد الجملتين معنى مع العطف لفظاً ﴿ الأعلى ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.
التفسير: الشبهة الخامسة أن قريشاً كانوا يقولون الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله بشراً فأجاب بقوله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً ﴾ والمراد أن هذه عادة مستمرة من أوّل زمان الخلق والتكليف.
وزعم أبو علي الجبائي أنه لم يبعث إلى الأنبياء إلا من هو بصورة الرجال من الملائكة.
قال القاضي: ولعله أراد الملك الذي يرسل إلى الأنبياء بحضرة أممهم كما روي أن جبرائيل كان يأتي في صورة دحية وفي صورة سراقة، وإنما قيدنا بحضرة الأمم لأن الملائكة قد يبعثون على صورتهم الأصلية عند إبلاغ الرسالة من الله إلى نبيه كما روي أنه رآى جبرائيل على صورته التي هو عليها مرتين.
وعليه تأوّلوا قوله: ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى ﴾ ثم إنهم كانوا مقرين بأن اليهود والنصارى أصحاب العلوم والكتب فأمرهم الله - أعني قريشاً - بأن يرجعوا إليهم في هذه المسألة ليبينوا لهم ضعف هذه الشبهة وسقوطها وذلك قوله: ﴿ فاسئلوا أهل الذكر ﴾ قال بعض الأصولين: فيه دليل على أنه يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر فيما يشتبه عليه.
واحتج نفاة القياس بالآية قالوا: لو كان حجة لما وجب على المكلف السؤال بل كان عليه أن يستنبط ذلك الحكم بواسطة القياس.
وأجيب بأنه قد ثبت العمل بالقياس لإجماع الصحابة، والإجماع أقوى من ظاهر النص.
أما قوله: ﴿ بالبينات ﴾ ففي متعلقه وجوه منها: أن يتعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ داخلاً تحت حكم الاستثناء مع ﴿ رجالاً ﴾ وأنكر الفراء ذلك قال: إن صلة ما قبل "إلا" لا تتأخر على ما بعد "إلا" لأن المستثنى منه هو مجموع ما قبل إلا مع صلته كما لو قيل: ما أرسلنا بالبينات إلا رجالاً.
ولما لم يصر هذا المجموع مذكوراً بتمامه امتنع إدخال الاستثناء عليه.
ومنها أن يتعلق بـ ﴿ رجالاً ﴾ صفة له أي رجالاً متلبسين بالبينات.
ومنها أن يتعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ مضمراً نظيره "ما مر إلا أخوك"، ثم تقول "مرَّ بزيد" قاله الفراء.
ومنها أن يتعلق بـ ﴿ بيوحى ﴾ أي يوحى إليهم بالبينات.
ومنها أن يتعلق بالذكر بناء على أنه بمعنى العلم.
ومنها أن يتعلق بـ ﴿ لا تعلمون ﴾ أي إن كنتم لا تعلمون بالبينات وبالزبر فاسألوا.
وقال في الكشاف: الشرط ههنا في معنى التبكيت والإلزام كقول الأجير: إن كنت عملت لك فأعطني حقي.
قلت: أراد أن عدم علمهم مقرر كما أن عمل الأجير ثابت.
وسلم جار الله أن مثل قوله: ﴿ فاسألوا ﴾ جواب الشرط على هذا الوجه.
وأما على الوجوه المتقدمة فجزم أنه اعتراض بناء على أن جواب الشرط هو ما دل عليه قوله ﴿ وما أرسلنا ﴾ الخ.
وعندي أن هذا الجزم ليس بحتم ويجوز على كل الوجوه أن يكون مثل ﴿ فاسألوا ﴾ جواباً والله أعلم.
وأهل الذكر أهل التوراة.
كقوله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ﴾ يعني التوراة.
وقال الزجاج: سلوا كل من يذكر بعلم وتحقيق.
وقوله: ﴿ بالبينات والزبر ﴾ لفظ جامع لكل ما تتكامل به الرسالة لأن مدارها على المعجزات الدالة على صدق من يدعي الرسالة وهي البينات، وعلى التكاليف التي تعتبر في باب العبادة وهي للزبر.
ثم قال: ﴿ وأنزلنا إليك الذكر ﴾ أي القرآن الذي هو موعظة وتنبيه وتذكير لأهل الغفلة والنسيان، وبيّن الغاية المترتبة على الإنزال وهي تبيين الأحكام والشرائع بالنسبة إلى الرسول وإرادة التأمل والتفكر في المبدإ والمعاد بالإضافة إلى المكلفين.
وفي ظاهر هذا النص دلالة على أن القرآن كله مجمل، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أنه متى وقع التعارض بين القرآن والخبر وجب تقديم الخبر لأن القرآن مجمل والخبر مبين له.
وأجيب بمنع الكلية فمن القرآن ما هو محكم، وقوله: ﴿ لتبين ﴾ محمول على المتشابهات المجملات.
قال بعض من نفى القياس: لو كان القياس حجة لما وجب على الرسول أن يبين للمكلفين ما أنزل الله عليه من الأحكام بل كان له أن يفوض بعضها إلى رأي القائس، وأجيب بأنه لما بيّن أن القياس من جملة الحجج فالقياس أيضاً راجع إلى بيان الرسول.
ثم لما ذكر شبهات المنكرين مع أجوبتها شرع في التهديد والوعيد والإنذار والتنبيه فقال ﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات ﴾ أي المكرات السيئات أراد أهل مكة ومن حول المدينة.
قال الكلبي: عنى بهذا المكر اشتغالهم بعبادة غير الله، والأقرب أن المراد سعيهم في إيذاء الرسول وإيذاء أصحابه على سبيل الخفية ﴿ أن يخسف الله بهم الأرض ﴾ كما خسف بقارون ﴿ أو يأتيهم العذاب ﴾ أو ملائكة العذاب من السماء ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ كما فعل بقوم لوط ﴿ أو يأخذهم في تقلبهم فيما هم بمعجزين ﴾ فائتين الله، وذكر المفسرون في هذا التقلب وجوهاً منها: أنه يأخذهم في أسفارهم ومتاجرهم فإنه قادر على أن يهلكهم في السفر كما أنه قادر على أن يهلكهم في الحضر وهم لا يفوتون الله بسبب ضربهم في البلاد البعيدة.
ومنها أنه يأخذهم بالليل والنهار في أحوال إقبالهم وإدبارهم وذهابهم ومجيئهم، وحقيقته في حال تصرفهم في الأمور التي يتصرف فيها أمثالهم.
ومنها أنه أراد في حال ما يتقلبون في قضاء أوطارهم بوجوه الحيل فيحول الله بينهم وبين مقاصدهم وحيلهم.
والتقلب بالمعنى الأوّل مأخوذ من قوله: ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ﴾ وبالمعنى الثالث من قرأ ﴿ وقلبوا لك الأمور ﴾ {التوبة: 48].
﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ على حالة تخوفهم وتوقعهم للبلاء بأن يكون قد أهلك قوماً قبلهم فكان أثر الخوف باقياً فيهم ظاهراً عليهم فهو خلاف قوله: ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ وقيل: التخوف التنقص والمعنى أنه يأخذهم بطريق النقص شيئاً بعد شيء في ديارهم وأموالهم وأنفسهم حتى يأتي الفناء على الكل.
عن عمر أنه قال على المنبر: ما تقولون فيها؟
فسكتوا: فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص فقال: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟
قال: نعم قال شاعرنا زهير: تخوّف الرحل منها تامكاً قرداً *** كما تخوف عود النبعة السفن قوله تامكا قرداً أي سناماً مرتفعاً متراكماً، والسفن ما ينحت به الشيء ومنه السفينة لأنها تسفن وجه الماء بالمر في البحر.
فقال عمر: أيها الناس عليكم بديوانكم.
قالوا: وما ديواننا؟
قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فإن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ فذهب المفسرون إلى أن معناه أنه يمهل في أكثر الأمر لأنه رءُوف رحيم فلا يعجل بالعذاب.
وأقول: يحتمل أن يكون قوله "فإن" تعليلاً لقوله ﴿ أفأمن ﴾ كقوله: { ﴿ ما غرك بربك الكريم ﴾ .
ولما خوف الماكرين بما خوف أتبعه ذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي وسكانهما فقال ﴿ أو لم يروا إلى ما خلق الله ﴾ قال جار الله: "ما" مبهمة بيانه ﴿ من شيء ﴾ وقال أهل المعاني: قوله: ﴿ يتفيؤ ظلاله ﴾ إخبار عن شيء وليس بوصف له.
ويتفيأ "يتفعل" من الفيء وأصله الرجوع ومنه فيئة المولى.
وقال الأزهري: تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار.
فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشيّ، وما انصرف عنه الشمس والقمر والذي يكون بالغداة ظل.
وقال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل، وما لم يكن عليه الشمس فهو ظل.
وقوله: ﴿ ظلاله ﴾ أضاف الظلال إلى مفرد ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال ووجه حسنه كون المرجوع إليه واحداً في اللفظ وإن كان كثيراً في المعنى وهو قوله: ﴿ إلى ما خلق ﴾ نظيره ﴿ لتستووا على ظهوره ﴾ أضاف الظهور - وهو جمع - إلى ضمير مفرد لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة وهو ما تركبون.
قال الجوهري: تفيأت الظلال أي تقلبت.وقوله ﴿ عن اليمين والشمائل ﴾ قال أهل التفسير ومنهم الفراء: إنه وحد اليمين لأنه أراد واحداً من ذوات الأظلال، وجمع الشمائل لأنه أراد كلها لأن قوله ﴿ ما خلق الله ﴾ لفظ مفرد ومعناه جمع، وقيل: إن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد كقوله ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ ﴿ وختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ﴾ وقيل: المراد باليمين النقطة التي هي مشرق الشمس وإنها واحدة، والشمائل عبارة عن الانحراف الواقع في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة.
وإنما عبر عن المشرق باليمين لأن أقوى جانبي الإنسان يمينه ومنه تظهر الحركة القوية، وكذا جانب الشرق أقوى جوانب الفلك ومنه تظهر الحركة اليومية التي هي أسرع الحركات وأقواها.
ويمكن أن يقال: إن الإنسان إذا توجه إلى الشرق الذي هو أولى الجوانب بالاعتبار لشرفه كان الجنوب يمينه والشمال شماله، ولا ريب أن وصول الشمس إلى فلك نصف النهار يختلف بحسب البلاد.
وقد يتفق انتقالها من الجنوب إلى الشمال وبالعكس في بلد واحد إذا كان عرضه ناقصاً عن الميل الكلي.
ومن المعلوم أن الشمس حين وصولها إلى نصف النهار إن كانت في جنوب سمت الرأس وقع ظلها إلى جانب الشمال، وإن كانت في شماله وقع ظلها إلى الجنوب، فيحتمل أن يراد بتفيؤ الأظلال تقلبها في هاتين الجهتين والله أعلم.
أما قوله ﴿ سجداً لله ﴾ فإنه حال من الظلال، ومعنى سجودها انقيادها لأمر الله منتقلة من جانب إلى جانب حسب تحرك النير على نسب مخصوصة ومقادير معلومة ذكرنا بعضها في كتبنا النجومية.
وقد نبى المتأخرون على الأظلال مسائل كثيرة منها: الشكل الموسوم بالظلي مع فروعه، وذكر بعضهم في تفسير هذا السجود أن هذه الأظلال واقعة على الأرض ملصقة بها على هيئة الساجد.
وقوله ﴿ وهم داخرون ﴾ حال أخرى من الظلال.
وإنما جمع بالواو والنون لأنهم أشبهوا العقلاء من حيث طاعتها لله .
وقال جار الله: اليمين والشمائل استعارة عن يمين الإنسان وشماله بجانبي الشيء أي ترجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ.
والأجرام في أنفسها داخرة أيضاً صاغرة منقادة لأفعال الله فيها لا تمتنع ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة ﴾ قال الأخفش: أي من الدواب: وأخبر بالواحد كما تقول: ما أتاني من رجل مثله وما أتاني من الرجال مثله.
وقال ابن عباس: يريد كل ما دب على الأرض، والوجه في تخصيص الدابة والملائكة بالذكر أنه علم من آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة له، فبين في هذه الآية أن الحيوانات بأسرها أيضاً كذلك.
ثم عطف عليها الملائكة إما لشرفها وإما لأنها ليست مما يدب ولكنها تطير بالجناحين، وبين النوعين مغايرة لقوله: ﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ﴾ وعلى قاعدة الحكماء: وجه المغايرة أنها أرواح مجردة ليست من شأنها الحركة والدب.
قال جار الله: ومن دابة يجوز أن يكون بياناً لما في السموات وما في الأرض جميعاً، على أن في السموات خلقاً لله يدبون فيها كما يدب الأناسيّ في الأرض، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده ويراد بما في السموات الخلق الذي يقال له الروح، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده ويراد بما في السموات الملائكة.
وكرر ذكرهم على معنى والملائكة خصوصاً من بين الساجدين لأنهم أطوع الخلق وأعدلهم، ويجوز أن يراد بما في السموات ملائكتهن، وبقوله: ﴿ والملائكة ﴾ ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم انتهى كلامه.
ثم شرع في صفة الملائكة وذكر عصمتهم قال: ﴿ وهم لا يستكبرون يخافون ﴾ على أنه حال منهم أو بيان لنفي استكبارهم لأن الخوف أثره عدم الاستكبار.
وقوله ﴿ من فوقهم ﴾ إما أن يتعلق بـ[يخافون} والمعنى يخافون ربهم أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم، وإما أن يكون حالاً من الرب أي يخافونه غالباً قاهراً.
وبحث الفوقية قد تقدم في الأنعام في قوله: ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ {الأنعام: 18] زعم بعض الطاعنين في عصمة الملائكة أنه وصفهم بالخوف وحصول الخوف نتيجة تجويز الإقدام على الذنوب، وهب أنهم فعلوا كل ما أمروا به فمن أين علم أنهم تركوا كل ما نهوا عنه؟
والجواب عن الأوّل أنهم إنما يخافون من العذاب لقوله : ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ﴾ فمن هذا الخوف يتركون الذنب.
وعن ابن عباس أن هذا الخوف خوف الإجلال كقوله: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ ولا ريب أنه كلما كانت معرفة جلال الله أتم كانت الهيبة والحيرة أعظم.
وعن الثاني أن النهي عن الشيء أمر بتركه، وفي الآية دلالة على أن إبليس لم يكن من الملائكة لأنه أبى واستكبر وإنهم لا يستكبرون.
وقد يستدل بها على أن الملك أفضل من البشر بل من كل المخلوقات وإلا لما خصهم بالذكر من بينها، ولخلو بواطنهم وظواهرهم عن الأخلاق الذميمة وانغماس البشر في الدواعي الشهوية والغضبية، ولهذا ورد في حقه ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ وقال : "ما منا إلا من قد عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا" وقال أيضاً "الشيخ في قومه كالنبي في أمته" فضل الشيخ على الشاب لتقادم عهده وطول مدته، ولا شك أن الملائكة خلقوا قبل البشر بسنين متطاولة وقرون متمادية، وأنهم سنوا الطاعة والعبودية ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها.
وتمام البحث في هذه المسألة مذكور في أول سورة البقرة.
وفي قوله: ﴿ ما يؤمرون ﴾ دلالة على أن الملائكة مكلفون بالأمر والنهي والوعد والوعيد راجين خائفين.
ولما بين أن كل ما سواه في عالمي الأرواح والأجسام فإنه منقاد خاضع لجلاله وكبريائه أتبعه النهي عن الشرك قائلاً ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ﴾ فسئل أن التثنية والواحد حيث كانا يدلان على العدد الخاص، فما الفائدة في وصف إلهين باثنين ووصف إله بواحد؟
وأجيب بوجوه منها: قول صاحب النظم أن فيه تقديماً وتأخيراً أي لا تتخذوا اثنين إلهين.
ومنها أنه كررت العبارة لأجل المبالغة في التنفير عن اتخاذ الشريك.
ومنها قول لأهل المعاني إن فائدة الوصف والبيان هي أن يعلم أن النهي راجع إلى التعدد لا إلى الجنسية، ولهذا لو قلت: إنما هو إله ولم تؤكده بواحد سبق إلى الوهم إنك تثبت الإلهية لا الوحدانية.
وكيف لا يحتاج المقام إلى التوكيد والأثنينية منافية للإلهية لاستلزام تعدد الواجب كون كل منهما مركباً من جزأين ما به الاشتراك في الوجوب الذاتي، وما به الامتياز ولكن التركيب يوجب الافتقار إلى البسائط والافتقار ينافي الوجوب.
ودليل التمانع أيضاً يعين على المطلوب كما لو أراد أحدهما تحريك جسم معين وأراد الآخر تسكينه، أو قوي أحدهما على مخالفة الآخر أو لا يقوى، أو قدر أحدهما على أن يستر ملكه عن الآخر أو لا يقدر.
ثم نقل الكلام عن الغيبة إلى التكلم على طريقة الالتفات قائلاً: ﴿ فإياي فارهبون ﴾ وقد مر مثله في أوّل "البقرة" ثم لما قرر وحدته وأنه يجب أن يخص بالرهبة منه والرغبة إليه ذكر أن الكل ملكه فقال: ﴿ وله ما في السموات والأرض ﴾ فقالت الأشاعرة: ليس المراد من كونها لله أنها مفعولة لأجله ولغرض طاعته لأن فيها المباحات والمحظورات التي يؤتى بها لغرض الشهوة واللذة لا لغرض الطاعة، فالمراد أن كلها بتخليقه وتكوينه ومن جملة ذلك أفعال العباد، ثم قال ﴿ وله الدين واصباً ﴾ فالدين الطاعة، والواصب الدائم، ومفازة واصبة بعيدة لا غاية لها.
ويقال للمريض وصب لكون ذلك المرض لازماً له.
وانتصابه على الحال والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل.
قال ابن قتيبة: ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك بسبب في حال الحياة أو الموت إلا الحق ، فإن طاعته واجبة أبداً.
ويحتمل أن يكون الدين بمعنى الملة أي وله الدين ذا كلفة ومشقة ولذلك سمي تكليفاً، أو وله الجزاء سرمداً لا يزول يعني الثواب والعقاب.
وقال بعض المتكلمين المحققين: قوله ﴿ وله ما في السموات والأرض ﴾ إشارة إلى احتياج الكل إليه في حال حدوثه.
وقوله: ﴿ وله الدين ﴾ أي الانقياد ﴿ واصباً ﴾ إشارة إلى أن جميع الممكنات مفتقرة إلى فيض وجوده في حال وجوده لأن الصحيح أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المرحج.
ثم أنكر أن يكون الممكن مع شدة افتقاره إليه يخشى غيره فقال ﴿ أفغير الله تتقون ﴾ ثم منّ عليهم بقوله: ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله ﴾ "ما" بمعنى "الذي" وبكم صلته و ﴿ من نعمة ﴾ حال من الضمير في الجار، أو بيان لما وقوله: ﴿ فمن الله ﴾ الخبر.
وقيل: "ما" شرطية وفعل الشرط محذوف أي ما يكن.
وقال جار الله: معناه أي شيء حل بكم أو اتصل بكم من نعمة فهو من الله، قال الأشاعرة: أفضل النعم نعمة الإيمان والآية تفيد العموم فهو من نعم الله.
والنعمة إما دينية وهي معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به، وإما دنيوية نفسانية أو بدنية أو خارجة كالسعادات المالية وغيرها، وكل واحدة من هذه جنس تحتها أنواع لا حصر لها والكل من الله، فعلى العاقل أن لا يشكر إلا إياه.
ثم بين تلون حال الإنسان بعد استغراقه في بحار نعم الله قائلاً ﴿ ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ﴾ ما تتضرعون إلا إليه.
والجؤار رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة.
﴿ ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ﴾ قال جار الله: يجوز أن يكون الخطاب في قوله: ﴿ وما بكم ﴾ عاماً، ويريد بالفريق فريق الكفرة وأن الخطاب للمشركين و ﴿ منكم ﴾ للبيان لا للتبعيض كأنه قال: فإذا فريق كافر وهم أنتم، ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر كقوله: ﴿ فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد ﴾ أقول: وأظهر الوجهين الأول والمعنى أن فريقاً منكم يبقى على ما كان عليه عند الضر في أن لا يفزع إلا إلى لله، وفريقاً يتغير عن حاله فيشرك بالله، ولعل هذه صفة لازمة لجوهر الإنسان ولهذا قال: ﴿ ليكفروا ﴾ كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة، ويجوز أن تكون لام العاقبة يعني عاقبة تلك التضرعات ما كانت إلا هذا الكفران.
والمراد بقوله: ﴿ بما آتيناهم ﴾ كشف الضر وإزالة المكروه، أو القرآن والشرائع، أو جميع النعم الظاهرة والباطنة التي أنعم الله بها على الإنسان.
ثم قال على سبيل التهديد وبطريقة الالتفات نظراً إلى أوّل الكلام ﴿ فتمتعوا فسوف تعلمون ﴾ عاقبة كفركم ومثله في "الروم" كما سيجيء، وأما في "العنكبوت" فإنه قال: ﴿ ليكفروا بما أتيناهم وليتمتعوا ﴾ بالعطف على القياس.
ثم حكى نوعاً آخر من قبائح أعمال بني آدم فقال ﴿ ويجعلون لما لا يعلمون ﴾ الضمير الأوّل للمشركين والثاني قيل لهم وقيل للأصنام التي لا توصف بالعلم والشعور، ورجح الأوّل بأن نفي العلم عن الحي حقيقة وعن الجماد مجاز، وبأن جمع السلامة بالعقلاء أليق، وقد يرجح الثاني بأن الأوّل يفتقر إلى الإضمار كما لو قيل: ويجعلون لما لا يعلمون في طاعته نفعاً ولا في الإعراض عنه ضراً.
وقال مجاهد: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضرهم ﴿ نصيباً ﴾ أو يجعلون لما لا يعلمون إلاهيتها، أو السبب في صيرورتها معبودة.
والمراد بجعل النصيب ما مر في "الأنعام" في قوله: ﴿ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ﴾ وقيل: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.
عن الحسن: وقيل هم المنجمون الذين يوزعون موجودات هذا العالم على الكواكب السبعة فيقولون لزحل كذا وكذا من المعادن والنبات والحيوان، وللمشتري كذا إلى آخر الكواكب.
ثم أوعدهم الله بقوله: ﴿ تالله لتسئلن عما كنتم تفترون ﴾ على الله من أن له شريكاً وأن الأصنام أهل للتقرب إليها مع أنه لا شعور لها بشىء أصلاً، أو المراد بالافتراء قولهم هذا حلال وهذا حرام من غير إذن شرعي، أو قولهم أن لغير الله تأثيراً في هذا العالم.
ومتى يكون هذا السؤال؟
قيل: عند القرب من الموت ومعاينة ملائكة العذاب، وقيل: في القبر.
والأقرب أنه في الآخرة وهذا في هؤلاء الأقوام خاصة كقوله: ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ﴾ في الأمم عامة.
قوله: ﴿ ويجعلون لله البنات ﴾ نوع آخر من القبائح وكانت خزاعة وكنانة تقول الملائكة بنات الله.
قال الإمام فخر الدين الرازي: أظن أن ذلك لأن الملائكة يستترون عن العيون كالنساء، ومنه إطلاق التأنيث على الشمس لاستتارها عن أن تدرك بالأبصار لضوئها الباهر ونورها القاهر.
{ } تنزيه لذاته عن نسبة الولد إليه أو تعجب من قولهم.
ومحل "ما" في قوله ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ إما الرفع على الابتداء، أو النصب أي وجعلوا لهم ما يشتهون يعني البنين.
وأبى الزجاج جواز النصب وقال: لأن العرب لا تقول جعل له كذا وهو يعني نفسه وإنما تقول جعل لنفسه كذا.
فلو كان منصوباً لقيل: و "لأنفسهم ما يشتهون".
ثم ذكر غاية كراهتهم للإناث التي جعلوها لله فقال: ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه ﴾ أي صار ﴿ مسودّاً ﴾ ويحتمل أن يكون استعمل "ظل" لان وضع الحمل يتفق بالليل غالباً فيظل نهاره مسود الوجه ﴿ وهو كظيم ﴾ مملوء غماً وحزناً وغيظاً على المرأة.
قال أهل المعاني: جعل اسوداد الوجه كناية عن الغم والكآبة لأن الإنسان إذا قوي فرحه انبسط الروح من قلبه ووصل إلى الأطراف ولا سيما إلى الوجه لما بين القلب والدماغ من التعلق الشديد فاستنار الوجه وأشرق، وإذا قوي غمه انحصر الروح في داخل القلب ولم يبق منه أثر قويّ على الوجه فيتربد الوجه لذلك ويصفر أو يسود ﴿ يتوارى ﴾ يستخفي ﴿ من القوم من سوء ما بشر به ﴾ من أجل سوء المبشر به ولم يظهر أياماً يحدث نفسه ويدبر فيها ماذا يصنع بها وذلك قوله: ﴿ أيمسكه ﴾ أي يحبسه ﴿ على هون ﴾ ذل وهوان.
والظاهر أن هذا صفة المولود أي يمسكها على هوان منه لها.
وقال عطاء عن ابن عباس: إنه صفة الأب أي يمسكها مع الرضا بهوان نفسه ﴿ أم يدسه في التراب ﴾ أي بيده.
والدس إخفاء الشيء في الشيء.
وإنما ذكر الضمير في ﴿ يمسكه ﴾ و ﴿ يدسه ﴾ باعتبار ما بشر به.
كانوا مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفيرة ويدفنها إلى أن تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل، ومنهم من يغرقها، ومنها من يذبحها.
وكانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية، وأخرى خوفاً من الفقر والفاقة ولزوم النفقة.
روي أن رجلاً قال: يا رسول الله والذين بعثك بالحق ما أجد حلاوة الإسلام وقد كانت لي في الجاهلية ابنة وأمرت امرأتي أن تزينها وأخرجتها، فلما انتهيت إلى وادٍ بعيد القعر ألقيتها فقال: يا أبتي قتلتني.
فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء.
فقال : ما في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما في الإسلام يهدمه الاستغفار.
ولا ريب أن الأنثى التي هذا محلها عندهم كانت في غاية الكراهية والتنفير ومع ذلك أثبتوها لله المتعالي عن الصاحبة والولد فلذلك قال: ﴿ ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ ولهذا يقدمون على القتل والإيذاء ﴿ مثل السوء ﴾ وصفة السوء وهي الحاجة إلى الأولاد الذكور وكراهة الإناث ووأدهن خشية الإملاق والتزام الشح البالغ ﴿ ولله المثل الأعلى ﴾ وهو أضداد صفات المخلوقين من الغنى الكامل والجود الشامل ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لا يغالب فلا يستضر بأن ينسب إليه ما لا يليق به ﴿ الحكيم ﴾ في خلق الذكور والإناث أو في الوعيد على قتل البنات.
قال القاضي: إن هؤلاء المشركين استحقوا الذم بإضافة البنات إلى الله وإنه أسهل من إضافة الفواحش والقبائح كلها إليه وهذا شأن المجبرة.
وأجابت الأشاعرة بأنه ليس كل ما قبح منافي العرف فإنه يقبح من الله.
ألا ترى أن رجلاً لو زين إماءه وعبيده وبالغ في تحسين صورهن وتقوية الشهوة فيهم وفيهن، ثم جمع بين الكل وأزال الحائل والمانع فإن هذا بالاتفاق حسن من الله وقبيح من كل الخلق، فعلمنا أن التعويل على هذه الوجوه المبنية على العرف إنما يحسن إذا كانت مسبوقة بالدلائل القطعية اليقينية، وقد ثبت بالبراهين القطعية امتناع الولد على الله فعلى جرم حسنت تقويتها بهذه الوجوه الإقناعية.
أما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل اليقينية أن خالقها هو الله فكيف يمكن إلحاق إحدى الصورتين بالأخرى والله أعلم.
التأويل: أن يخسف الله بهم أرض البشرية ودركات السفل أو يأتيهم العذاب بالمكر والاستدراج من حيث لا يشعرون، أنه من أين أتاهم من قبل الأعمال الدنيوية أو من قبل الأعمال الأخروية أو يأخذهم في تقلبهم من أعمال الدنيا إلى أعمال الآخرة بالرياء، ومن أعمال الآخرة إلى أعمال الدنيا بالهوى ﴿ أو يأخذهم على تخوّف ﴾ تنقص من مقاماتهم ودرجاتهم بلا شعورهم ﴿ فإن ربكم لرءُوف ﴾ بالعباد إذ أعطاهم حسن الاستعداد ﴿ رحيم ﴾ حين لا يأخذهم بعد إفساد الاستعداد في الحال لعلهم يتوبون في المآل فيقبل توبتهم بالفضل والنوال.
ما خلق الله من شيء وهو عالم الأجسام فإن عالم الأرواح خلق من لا شيء يتفيأ ظلاله، فإن الأجسام ظلال الأرواح فتارة تميل بعمل أهل السعادة إلى أصحاب اليمين، وأخرى تميل بعمل أهل الشقاء إلى أصحاب الشمال ﴿ سجداً لله ﴾ منقادين لأمره مسخرين لما خلقوا لأجله.
وإنما وحد اليمين وجمع الشمال لكثرة أصحاب الشمال، وسجود كل موجود يناسب حاله كما أن تسبيح كل منهم يلائم لسانه ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين ﴾ أراد بالإله الآخر الهوى لقوله : "ما عبد إله أبغض على الله من الهوى" ﴿ ويجعلون ﴾ يعني أصحاب النفوس والأهواء ﴿ لما لا يعلمون ﴾ لمن لا علم لهم بأحوالهم ﴿ نصيباً ﴾ بالرياء ﴿ مما رزقناهم ﴾ من الطاعات ﴿ تالله ليسئلن عما كنتم تفترون ﴾ والسؤال عن المعاملات إنما هو بتبديل الصفات وتغير الأحوال من سمة السعادة إلى سمة الشقاوةوبالعكس ﴿ ويجعلون لله البنات ﴾ أظن أن البنات إشارة إلى صفات فيها نوع نقص كالتجسيم والتشبيه والحلول والاتحاد، ونسبته إلى الظلم والجور والتعطيل وعدم الاستقلال بالتأثير وغير ذلك مما لا يليق بغاية جلاله ونهاية كماله فلهذا قال : ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ يعني أن كل أحد يجب أن يوصف بغاية الكمال ويتغير وجهه إذا نبه على عيب فيه ولا يعلم أن مطلق الكمال لا يليق إلا بالواجب بالذات، ونفس الإمكان نقصان يستلزم جميع النقصانات والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ ﴾ .
أي: يقولون: لله البنات، يخبر عن شدة سفههم؛ حيث يأنفون ويستحيون عن البنات، ثم ينسبون ذلك إلى الله ويضيفونها إليه، يصبر رسوله على أذى الكفرة؛ حيث قالوا فيه ما قالوا: إنه ساحر، وإنه مفتر، ونحوه، على علم منهم ويقين أنه ربهم وخالقهم، فمن أنكر رسالته أولى بالصبر على قوله والحلم منه.
﴿ سُبْحَانَهُ ﴾ .
كلمة تنزيه عمّا قالوا فيه، وحرف تعجيب؛ حيث نسبوا إلى الله ما كرهوا لأنفسهم [ ﴿ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ ﴾ : يجعلون لأنفسهم البنين ويجعلون لله ما يكرهون لأنفسهم].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ .
قال بعضهم: قول العرب: قبح الله وجهك، وسوّد الله وجهك ليس على إرادة [السواد والقبح]، ولكن على إرادة ما يكرهه.
وقال الحسن: قوله: ﴿ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً ﴾ أي: متغيراً من الغم وهو كظيم: أي: حزين، وهكذا العرف في الناس أنه إذا اشتد بهم الحزن والغم، يظهر ذلك في وجوههم قبحاً وسواداً.
﴿ يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ ﴾ .
يذكر فيه كيف يصنع به: أيمسكه على هون أي: على هوان يضر به ويسيء صحبته أم يدسّه في التراب وهو حي؛ فيقول: إن ربي اختار البنات فأبعث بها إلى ربي، فإنه أحق بها، وهي الموءودة التي قال الله: ﴿ وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ﴾ وإنما كانوا يصنعون ذلك خشية إملاق؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ في جعلهم لله ما كرهوا لأنفسهم، أو في قولهم: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ ، أو في قولهم: ﴿ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴾ ونحوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ﴾ أي: لهم جزاء السوء؛ وهو النار.
وقال الحسن: مثل السوء: أي: صفة السوء التي وصفوا بها ربهم أنه اختار البنات.
﴿ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ .
أي: الصفة الأعلى التي ليس لها شبه؛ فإن تلك الصفة من صفته، ويشبه أن يكون قوله: ﴿ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ﴾ بما سمّاهم مرة موتى، ومرة فسقة، ومرة ظلمة، ومرة هم في الظلمات، وأمثاله، لهم ذلك الوصف بما أنكروا الآخرة، وذلك مما توجبه الحكمة والعقل والشريعة، فلهم ذلك الوصف والمثل السوء؛ بما أنكروا ما توجبه الحكمة والعقل والشريعة.
ويحتمل ﴿ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ﴾ : شبه السوء.
ويحتمل ﴿ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ﴾ : النعت والصفة، فإن كان هو على الشبه فهو في الدنيا؛ لما شبههم في غير [آي من القرآن] بالشجرة الخبيثة والكلمة الخبيثة، وبالرماد وبالزبد والتراب، ونحوه.
وإن كان على النعت والصفة فهو في الآخرة، وهو ما ذكر: الذي يحشرون على وجوههم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ .
أي: لأولياء الله المثل الأعلى، وهم المؤمنون، لا أن الله وصف المؤمنين بالحياة، والنور، والعدل، وغير ذلك من الأسماء الحسنة، وذلك لله في الحقيقة، لكنه بفضله ومنه وصفهم وسماهم بذلك، فأضيف إلى الله؛ لما بفضله استوجبوا لا باستحقاق أنفسهم.
وكذلك قوله: ﴿ وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا ﴾ أضيف ذلك إليه؛ لما بفضله يستوجبون تلك الأسماء التي سماهم.
ويحتمل قوله: ﴿ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ : أي: لأولياء الله المثل الأعلى، كأنه قال: وللذين يؤمنون بالآخرة مثل الأعلى، مقابل ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ قال الحسن: العزيز بالغلبة منه في الأشياء كلها على ما أمره، وكل شيء دونه ذليل، الحكيم بالعدل منه في كل قضاء قضى وقد ذكرناه في غير موضع.
وقوله: ﴿ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ في هذا الموضع كأنه قال: وهو العزيز بنفسه لا بخلقه وأوليائه؛ كما يكون لملوك الأرض؛ يكون [عزهم بخدمهم وحشمهم]، فإذا ذهبوا أو عصوه [يصير] مقهوراً مغلوباً، فأمّا الله - وتعالى - فهو عزيز بذاته.
والحكيم: أي: إنشاؤه العصاة منهم على علم منه بذلك، لم يخرج ذلك على غير الحكمة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ ﴾ .
دل قوله: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ﴾ أنَّ له أن يستأصلهم ويهلكهم بما كان منهم؛ لكنه - بفضله - تركهم إلى المدة التي ضرب لهم؛ لأنه لو لم يكن له ذلك لم يكن للوعيد الذي أوعد معنى.
وقال أبو زيد البلخي: إن الله بما أوعد من الوعيد ليس يوعد لمضرة نفسه ولا لنفع يصل إليه، ولكن يوعد بما توجبه الحكمة، فدل أن الوعيد لازم واجب.
ونحن نقول: يوعد بما توجبه الحكمة، وقد أمهلهم بعد الوعيد، فعلى ذلك يجوز أن يخرجهم من النار بعد ما أدخلهم النار؛ بما ارتكبوا من الكبائر.
ثم في قوله: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ...
﴾ الآية - دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: ليس لله أن يهلك قوماً قد علم منهم الإيمان في وقت، أو يكون في أصلابهم من يؤمن؛ إذ قد كان ممن أوعد ذلك الوعيد من بعضهم الإيمان أو في أصلابهم من قد كان آمن، فدل الوعيد لهم أنه قد يهلك من يعلم أنه يؤمن في آخر عمره؛ إذ لا يوعد إلا بما له أن يفعل لكنه بفضله أخره إلى وقت [وفيه] دلالة أن له أن يفعل بما ليس ذلك بأصلح لهم في الدين.
ثم اختلف في قوله: ﴿ بِظُلْمِهِمْ ﴾ : قال بعضهم: هذا للكفرة خاصة.
وقال بعضهم: لهم وللمؤمنين كل مرتكب زلة؛ إذ ما من أحد ارتكب زلّة إلا وقد استوجب العقوبة بذلك والمؤاخذة به، لكنه بفضله عفا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ ﴾ .
قال بعضهم: أراد بالدابة: الدابة التي خلقها لهم، إذا أهلك الناس فقد أهلك الدواب؛ إذ خلقه إياها لهم.
وقال بعضهم: [قوله]: ما ترك [عليها من دابة]: أي: على ظهر الأرض من دابة؛ لأن الدواب إنما تتعيش بالذي [يتعيش] الناس؛ فإذا هلكوا هم هلكت الدواب أيضاً؛ لما ذهب سبب عيشها.
وجائز أن يكون أراد بالدابة البشر؛ أي: ما تركهم بظلمهم ولكن يهلكهم، وسماهم دابة لأنه إذا ذكرهم في موضع الظلم وإن كان سماهم في غير موضع بالأسماء الحسنة، وهو كما سماهم في موضع آخر دابة؛ حيث قال: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ ولا شك أن البشر دخلوا في هذه التسمية، فعلى ذلك جائز دخولهم في الأخرى، وإن كان المراد مما ذكر من الدابة البشر فالأنبياء والرسل إنما يكون هلاكهم بقطع نسلهم؛ لأن الأنبياء أكثرهم ولدوا من الآباء الظلمة؛ فإذا أهلك آباؤهم لم يولد الرسل والأنبياء، فيكون هلاكهم لا بظلم هؤلاء ولكن بقطع النسل.
وإن كان المراد بتلك الدابة الدواب أنفسها فلأن الدواب إنما أنشئت للبشر ولمنافعهم، فإذا أهلكت الدواب أهلك المنشأ لهم، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ دلالة [نقض] قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: يجعل الله للخلق آجالا، ثم يجيء كافر فيقتله دون بلوغ الأجل الذي جعله الله؛ حيث أخبر أنهم لا يستأخرون [ساعة] - بعد الأجل المضروب لهم - ولا يستقدمون قبل ذلك، وهم يقولون: بل يستقدمه كافر فيقتله، فذلك سرف في القول.
وهذا يخرج على وجهين: أحدهما: لا يتأخر الأجل الذي جعل لهم ساعة ولا يتقدم عن ذلك.
والثاني: لا يجاب في التأخير ولا في التقديم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ﴾ .
كانوا يجعلون لله أشياء يكرهون ذلك لأنفسهم من نحو البنات، يقولون: لله البنات؛ ويكرهون لأنفسهم البنات، ويجعلون له الشركاء من عبيده؛ وهم كانوا يكرهون لأنفسهم الشركاء من عبيدهم، وأمثاله؛ كقوله: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ...
﴾ الآية [الروم: 28] يخبر - عز وجل - عن سفههم وسرفهم في القول، ويخبر عن حلمه؛ حيث لم يستأصلهم ولم يهلكهم مما قالوا في الله من عظيم القول من الولد والشريك؛ لنعلم أنه لم يمهلهم لغفلة ولا سهو ولكن لحلم؛ لأن يحلم الخلق في ذات الله ولا يعجلوا بالعقوبة؛ إذ لو أراد إهلاكهم لأهلكهم ساعة قالوا ذلك؛ ولا يمهلهم يعيشون، لكن أخر ذلك ليوم، وهو ما قال: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً...
﴾ الآية.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ﴾ أي: يجعلون لأولياء الله مما يكرهون لأنفسهم؛ لأنهم يقولون: إن لهم الحسنى في الآخرة؛ وهي الجنة، وإن للمؤمنين النار؛ بقوله: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ ﴾ .
قال أبو بكر الأصم: يقولون: إنا على دين الله وعلى الحق لعبادتنا، ويقولون: إن لهم الحسنى يعنون أنهم محسنون في أعمالهم، وبما هم عليه من دين.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ يعنون البنين، لأنهم كانوا يضيفون البنات إلى الله وينسبون البنين إلى أنفسهم، فذلك الحسنى الذي ذكروا.
وقال بعضهم: بأن لهم الحسنى: أي: الجنة؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ...
﴾ الآية [فصلت: 50].
ثم كذبهم في قولهم فقال: ﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ ﴾ ليس لهم الحسنى على ما زعموا؛ ولكن النار، وقد ذكرنا قوله: ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ فيما تقدم، كان أهل الكفر فرقاً، منهم من ادعى الاشتراك في نعيم الآخرة كما كان لهم اشتراك في نعيم الدنيا؛ كقوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ ومنهم من ادعى الآخرة لأنفسهم كما كانت لهم الدنيا، فجائز أن يكون قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ﴾ هم الذين ادعوا الحسنى - وهي الجنة - لأنفسهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ ﴾ .
هو من الفرط؛ وهو: السبق والتقدم، كأن الآية في الرؤساء [منهم]، أخبر أنهم سابقون أتباعهم إلى النار، وهو كقوله: ﴿ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ ﴾ الأولى هم المتبوعون، وأخراهم الأتباع.
وقال بعضهم: معجلون إليها بين يدي أتباعهم.
وقال بعضهم: ﴿ مُّفْرَطُونَ ﴾ أي: متروكون، منسيون في النار.
وقال بعضهم: ﴿ مُّفْرَطُونَ ﴾ مبعدون عن رحمة الله لكن هذين ليسا بتأويل ألبتة، إذ كل من في النار [فهو] منسي، متروك فيها، مبعد عن رحمة الله.
وقال بعضهم: وأنهم مدخلون فيها.
والوجه فيه ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ .
هذا لا يحتمل أن يكون هذا القسم منه ابتداء؛ [و] لكن كأنه عن إنكار كان منهم للرسالة، فعند ذلك أقسم بقوله: ﴿ تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ وأكد بما أنكروا الرسالة بالقسم الذي ذكر، فقال: ﴿ تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ يا محمد.
قوله: ﴿ تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ كما أرسلناك إلى أمتك ﴿ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ كما زين لأمتك فهو كان وليهم يومئذ كما هو ولى لأمتك اليوم، يصبّره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ يقول ليس هؤلاء بأول من زيّن لهم الشيطان أعمالهم، ولكن كان في الأمم الماضية من زين لهم الشيطان أعمالهم فيكذبون رسلهم، فلست أنت بأول مكذّب، بل كان لك شركاء في التكذيب ﴿ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ ﴾ \[قال بعضهم: هو وليهم اليوم\] في الدنيا؛ لأن الدنيا هي دار الولاية بينهم، كقوله: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ وقوله: ﴿ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ ﴾ ، وأمّا في الآخرة فيصيرون أعداء، كقوله: ﴿ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ وقوله: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ...
﴾ الآية [العنكبوت: 25]، [وقوله: ﴿ قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ ﴾ ونحوه، ولا يحتمل أن يكونوا أولياء في الآخرة ثم يلعن بعضهم بعضا] ويتبرأ بعضهم من بعض، فذلك علامة العداوة.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ ﴾ في الآخرة، أي: أولى بهم فيقرن بهم، كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ فهو وليهم: أي: صاحبهم، كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ...
﴾ الآية، وكقوله: ﴿ قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ : الكتب التي كانت من قبلهم؛ لأنهم اختلفوا في كتبهم، فمنهم من بدّل، ومنهم من غير وحرّف، فيقول - والله أعلم -: ﴿ وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ أي: في كتبهم؛ لأن هذا الكتاب أنزله مصدقاً لما بين يديه من الكتاب، يبين هذا الكتاب ما اختلفوا في كتابهم، الحق من الباطل.
وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ أي: في الرسل والأديان وفي الكتاب المنزل عليه، اختلفوا عنه في ذلك كله، يبين لهم الحق من الباطل في جميع ما اختلفوا فيه بالكتاب الذي أنزله عليك؛ إذ فيه أنباء الأمم الماضية، وهو لم يشهدها، ولم يختلف إلى من يخبره عنها ثم أنبأهم على ما كانت، فدل أنه إنما عرف [ذلك] بالله، ومنه نزل ذلك، وفيه دلالة أن الحوادث التي علم الله أنهم يبتلون بها إلى يوم القيامة أنه جعل لهم سبيل الوصول إلى بيانها في الكتاب، إمّا بيان كناية وإما بيان تصريح، حيث قال: ﴿ وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ...
﴾ الآية، حيث لم يدعهم في الاختلاف على غير بيان، فعلى ذلك علم أنهم يبتلون بالحوادث التي ليس لها نصوص في الكتاب لا يحتمل ألا يبين لهم ذلك ويدعهم حيارى، لكن البيان على وجهين: بيان تصريح يعقل بديهة العقل.
وبيان كناية يدرك بالنظر والتأمّل والاستدلال.
وأصله في قوله: ﴿ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ أي: إلا لتبين لهم الحق فيما اختلفوا فيه؛ لأنهم اختلفوا في المحق في ذلك؛ لأن كل فريق منهم ادّعى أنه هو المحق، وأن الذي هو عليه الحق، وأن غيره على باطل، فأخبر أنه أنزل الكتاب عليه ليبين لهم الحق فيما اختلفوا فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ جعل الله رسوله وكتابه هدى ورحمة للمؤمنين؛ لأنهم آمنوا بهما، وصدقوهما، وقبلوهما، فصار ذلك [لهم] هدى ورحمة ونوراً، وأمّا من كذبهما ولم يقبلهما فهو عذاب عليهم وعمى، وهو كقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ...
﴾ الآية [التوبة: 124-125] وهو ما ذكر ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وإن لكم -أيها الناس- في الإبل والبقر والغنم لعظة تتعظون بها، حيث نسقيكم من ضروعها لبنًا خارجًا من بين ما يحتويه البطن من فضلات وما في الجسم من دم، ومع هذا يخرج لبنًا خالصًا نقيًّا لذيدا يطيب للشاربين.
<div class="verse-tafsir" id="91.EQpZo"