الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٦٥ من سورة النحل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 82 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٥ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وكما جعل تعالى القرآن حياة للقلوب الميتة بكفرها ، كذلك يحيي [ الله ] الأرض بعد موتها بما ينزله عليها من السماء من ماء ، ( إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ) أي : يفهمون الكلام ومعناه .
يقول تعالى ذكره منبهَ خلقِه على حججه عليهم في توحيده، وأنه لا تنبغي الألوهية إلا له، ولا تصلح العبادة لشيء سواه: أيها الناس معبودكم الذي له العبادة دون كلّ شيء، ( أَنـزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ) يعني: مطرا، يقول: فأنبت بما أنـزل من ذلك الماء من السماء الأرض الميتة التي لا زرع بها ولا عُشْبَ ولا نبت ( بَعْدَ مَوْتِهَا ) بعد ما هي ميتة لا شيء فيها( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ) يقول تعالى ذكره: إن في إحيائنا الأرض بعد موتها بما أنـزلنا من السماء من ماء لدليلا واضحًا ، وحجة قاطعة ، عذر من فكر فيه ( لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ) يقول: لقوم يسمعون هذا القول فيتدبرونه ويعقلونه ، ويطيعون الله بما دلهم عليه.
قوله تعالى : والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون قوله تعالى : والله أنزل من السماء أي السحاب .ماء فأحيا به الأرض بعد موتها عاد الكلام إلى تعداد النعم وبيان كمال القدرة .إن في ذلك أي دلالة على البعث على وحدانيته ; إذ علموا أن معبودهم لا يستطيع شيئا ، فتكون هذه الدلالة .لآية لقوم يسمعون عن الله - تعالى - بالقلوب لا بالآذان ; فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور .
عن الله مواعظه وتذكيره فيستدلوا بذلك على أنه وحده المعبود، الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده، لأنه المنعم بإنزال المطر وإنبات جميع أصناف النبات، وعلى أنه على كل شيء قدير، وأن الذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء الأموات وأن الذي نشر هذا الإحسان لذو رحمة واسعة وجود عظيم.
( والله أنزل من السماء ماء ) يعني المطر : ( فأحيا به الأرض ) بالنبات ، ( بعد موتها ) يبوستها ، ( إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ) سمع القلوب لا سمع الآذان .
«والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض» بالنبات «بعد موتها» يبسها «إن في ذلك» المذكور «لآية» دالة على البعث «لقوم يسمعون» سماع تدبر.
والله أنزل من السحاب مطرًا، فأخرج به النبات من الأرض بعد أن كانت قاحلة يابسة، إن في إنزال المطر وإنبات النبات لَدليلا على قدرة الله على البعث وعلى الوحدانية، لقوم يسمعون، ويتدبرون، ويطيعون الله، ويتقونه.
والمراد بالسماء فى قوله - تعالى - : ( والله أَنْزَلَ مِنَ السمآء مَآءً ) : جهة العلو أو السحاب المنتشر فى طبقات الجو العليا والذى تنزل منه الأمطار .والمراد بإحياء الأرض : تحرك القوى النامية فيها ، وإظهار ما أودعه الله - تعالى - فيها من نبات وأزهار ، وثمرات ، وغير ذلك مما تنبته الأرض .والمراد بموتها : خلوها من ذلك ، بسبب استيلاء القحط والجدب عليها .قال - تعالى - : ( وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) أى : وكما أنزل الله - تعالى - كتابه ليكون هداية ورحمة لقوم يؤمنون ، أنزل - سبحانه - أيضا الماء من السماء على الأرض ، فتحولت بسبب نزول هذا الماء المبارك الكثير عليها ، من أرض جدباء خامدة ، إلى أرض خضراء رابية .ثم حرض - سبحانه - عباده على التدبر والشكر فقال - تعالى - : ( إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ) .أى : إن فى ذلك الذى فعلناه بقدرتنا وحدها ء من إنزل الماء من السماء ، وإحياء الأرض به من بعد موتها ، لآية عظيمة ، وعبرة جليلة ، ودلالة واضحة تدل على وحدانيتنا وقدرتنا وحكمتنا ، ( لقوم يسمعون ) ما يتلى عليهم من كلام الله - تعالى - سماع تدبر واعتبار ، فيعملون بما اشتمل عليه من توجيهات حكيمة وإرشادات سديدة .فالمراد بالسمع : سمع القلوب والعقول ، لا سمع الآذان فقط ، إذ سمع الآذان بدون وعى واستجابة للحق ، لاقيمة له ، ولا فائدة ترجى من ورائه .
اعلم أنا قد ذكرنا أن المقصود الأعظم من هذا القرآن العظيم تقرير أصول أربعة: الإلهيات والنبوات والمعاد، وإثبات القضاء والقدر، والمقصود الأعظم من هذه الأصول الأربعة تقرير الآلهيات، فلهذا السبب كلما امتد الكلام في فصل من الفصول في وعيد الكفار عاد إلى تقرير الآلهيات، وقد ذكرنا في أول هذه السورة أنه تعالى لما أراد ذكر دلائل الآلهيات ابتدأ بالأجرام الفلكية، وثنى بالإنسان، وثلث بالحيوان، وربع بالنبات، وخمس بذكر أحوال البحر والأرض، فهاهنا في هذه الآية لما عاد إلى تقرير دلائل الإلهيات بدأ أولاً بذكر الفلكيات فقال: ﴿ والله أَنزَلَ مِنَ السماء مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ والمعنى: أنه تعالى خلق السماء على وجه ينزل منه الماء ويصير ذلك الماء سبباً لحياة الأرض، والمراد بحياة الأرض نبات الزرع والشجر والنور والثمر بعد أن كان لا يثمر، وينفع بعد أن كان لا ينفع، وتقرير هذه الدلائل قد ذكرناه مراراً كثيرة.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ سماع إنصاف وتدبر لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه أصم لم يسمع.
والنوع الثاني: من الدلائل المذكورة في هذه الآيات الاستدلال بعجائب أحوال الحيوانات وهو قوله: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ قد ذكرنا معنى العبرة في قوله: ﴿ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبصار ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم، وحمزة والكسائي: ﴿ نُّسْقِيكُمْ ﴾ بضم النون، والباقون بالفتح، أما من فتح النون فحجته ظاهرة تقول سقيته حتى روى أسقيه قال تعالى: ﴿ وسقاهم رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً ﴾ وقال: ﴿ والذى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ ﴾ وقال: ﴿ وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً ﴾ ومن ضم النون فهو من قولك أسقاه إذا جعل له شراباً كقوله: ﴿ وأسقيناكم مَّاء فُرَاتاً ﴾ وقوله: ﴿ فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ ﴾ والمعنى هاهنا أنا جعلناه في كثرته وإدامته كالسقيا، واختار أبو عبيد الضم قال لأنه شرب دائم، وأكثر ما يقال في هذا المقام أسقيت.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ مما في بطونه ﴾ الضمير عائد إلى الأنعام فكان الواجب أن يقال مما في بطونها، وذكر النحويون فيه وجوهاً: الأول: أن لفظ الأنعام لفظ مفرد وضع لإفادة جمع، كالرهط والقوم والبقر والنعم، فهو بحسب اللفظ لفظ مفرد فيكون ضميره ضمير الواحد، وهو التذكير، وبحسب المعنى جمع فيكون ضميره ضمير الجمع، وهو التأنيث، فلهذا السبب قال هاهنا ﴿ فِي بُطُونِهِ ﴾ ، وقال في سورة المؤمنين: ﴿ فِى بُطُونِهَا ﴾ .
الثاني: قوله: ﴿ فِي بُطُونِهِ ﴾ أي في بطون ما ذكرنا، وهذا جواب الكسائي.
قال المبرد: هذا شائع في القرآن.
قال تعالى: ﴿ فَلَماَّ رَأَى الشمس بازغةً قَالَ هذا رَبّى ﴾ يعني هذا الشيء الطالع ربي.
وقال: ﴿ كَلَّآ إِنَّهُۥ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ ﴾ أي ذكر هذا الشيء.
واعلم أن هذا إنما يجوز فيما يكون تأنيثه غير حقيقي، أما الذي يكون تأنيثه حقيقياً، فلا يجوز، فإنه لا يجوز في مستقيم الكلام أن يقال جاريتك ذهب، ولا غلامك ذهب على تقدير أن نحمله على النسمة.
الثالث: أن فيه إضماراً، والتقدير: نسقيكم مما في بطونه اللبن إذ ليس كلها ذات لبن.
المسألة الثالثة: الفرث: سرجين الكرش.
روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: إذا استقر العلف في الكرش صار أسفله فرثاً وأعلاه دماً وأوسطه لبناً، فيجري الدم في العروق واللبن في الضرع، ويبقى الفرث كما هو، فذاك هو قوله تعالى: ﴿ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا ﴾ لا يشوبه الدم ولا الفرث.
ولقائل أن يقول: الدم واللبن لا يتولدان ألبتة في الكرش، والدليل عليه الحس فإن هذه الحيوانات تذبح ذبحاً متوالياً، وما رأى أحد في كرشها لا دماً ولا لبناً، ولو كان تولد الدم واللبن في الكرش لوجب أن يشاهد ذلك في بعض الأحوال، والشيء الذي دلت المشاهدة على فساده لم يجز المصير إليه، بل الحق أن الحيوان إذا تناول الغذاء وصل ذلك العلف إلى معدته إن كان إنساناً، وإلى كرشه إن كان من الأنعام وغيرها، فإذا طبخ وحصل الهضم الأول فيه فما كان منه صافياً انجذب إلى الكبد، وما كان كثيفاً نزل إلى الأمعاء، ثم ذلك الذي يحصل منه في الكبد ينطبخ فيها ويصير دماً، وذلك هو الهضم الثاني، ويكون ذلك الدم مخلوطاً بالصفراء والسوداء وزيادة المائية، أما الصفراء فتذهب إلى المرارة، والسوداء إلى الطحال، والماء إلى الكلية، ومنها إلى المثانة، وأما ذلك الدم فإنه يدخل في الأوردة، وهي العروق النابتة من الكبد، وهناك يحصل الهضم الثالث، وبين الكبد وبين الضرع عروق كثيرة فينصب الدم في تلك العروق إلى الضرع، والضرع لحم غددي رخو أبيض فيقلب الله تعالى الدم عند انصبابه إلى ذلك اللحم الغددي الرخو الأبيض من صورة الدم إلى صورة اللبن فهذا هو القول الصحيح في كيفية تولد اللبن.
فإن قيل: فهذه المعاني حاصلة في الحيوان الذكر فلم لم يحصل منه اللبن؟
قلنا: الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شيء على الوجه اللائق به الموافق لمصلحته، فمزاج الذكر من كل حيوان يجب أن يكون حاراً يابساً، ومزاج الأنثى يجب أن يكون بارداً رطباً، والحكمة فيه أن الولد إنما يتكون في داخل بدن الأنثى، فوجب أن تكون الأنثى مختصة بمزيد الرطوبات لوجهين: الأول: أن الولد إنما يتولد من الرطوبات، فوجب أن يحصل في بدن الأنثى رطوبات كثيرة لتصير مادة لتولد الولد.
والثاني: أن الولد إذا كبر وجب أن يكون بدن الأم قابلاً للتمدد حتى يتسع لذلك الولد، فإذا كانت الرطوبات غالبة على بدن الأم كان بدنها قابلاً للتمدد، فيتسع للولد، فثبت بما ذكرنا أنه تعالى خص بدن الأنثى من كل حيوان بمزيد الرطوبات لهذه الحكمة، ثم إن الرطوبات التي كانت تصير مادة لازدياد بدن الجنين حين كان في رحم الأم، فعند انفصال الجنين تنصب إلى الثدي والضرع ليصير مادة لغذاء ذلك الطفل الصغير.
إذا عرفت هذا فاعلم أن السبب الذي لأجله يتولد اللبن من الدم في حق الأنثى غير حاصل في حق الذكر فظهر الفرق.
إذا عرفت هذا التصوير فنقول: المفسرون قالوا: المراد من قوله: ﴿ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ﴾ هو أن هذه الثلاثة تتولد في موضع واحد، فالفرث يكون في أسفل الكرش، والدم يكون في أعلاه، واللبن يكون في الوسط، وقد دللنا على أن هذا القول على خلاف الحس والتجربة، ولأن الدم لو كان يتولد في أعلى المعدة والكرش كان يجب إذا قاء أن يقيء الدم وذلك باطل قطعاً.
وأما نحن فنقول: المراد من الآية هو أن اللبن إنما يتولد من بعض أجزاء الدم، والدم إنما يتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث، وهو الأشياء المأكولة الحاصلة في الكرش، وهذا اللبن متولد من الأجزاء التي كانت حاصلة فيما بين الفرث أولاً، ثم كانت حاصلة فيما بين الدم ثانياً، فصفاه الله تعالى عن تلك الأجزاء الكثيفة الغليظة، وخلق فيها الصفات التي باعتبارها صارت لبناً موافقاً لبدن الطفل، فهذا ما حصلناه في هذا المقام، والله أعلم.
المسألة الرابعة: اعلم أن حدوث اللبن في الثدي واتصافه بالصفات التي باعتبارها يكون موافقاً لتغذية الصبي مشتمل على حكم عجيبة وأسرار بديعة، يشهد صريح العقل بأنها لا تحصل إلا بتدبير الفاعل الحكيم والمدبر الرحيم، وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى خلق في أسفل المعدة منفذاً يخرج منه ثقل الغذاء، فإذا تناول الإنسان غذاء أو شربة رقيقة انطبق ذلك المنقذ انطباقاً كلياً لا يخرج منه شيء من ذلك المأكول والمشروب إلى أن يكمل انهضامه في المعدة وينجذب ما صفا منه إلى الكبد ويبقى الثقل هناك، فحينئذ ينفتح ذلك المنفذ ويترك منه ذلك الثقل، وهذا من العجائب التي لا يمكن حصولها إلا بتدبير الفاعل الحكيم، لأنه متى كانت الحاجة إلى بقاء الغذاء في المعدة حاصلة انطبق ذلك المنفذ، وإذا حصلت الحاجة إلى خروج ذلك الجسم عن المعدة انفتح، فحصول الانطباق تارة والانفتاح أخرى، بحسب الحاجة وتقدير المنفعة، مما لا يتأتى إلا بتقدير الفاعل الحكيم.
الثاني: أنه تعالى أودع في الكبد قوة تجذب الأجزاء اللطيفة الحاصلة في ذلك المأكول أو المشروب، ولا تجذب الأجزاء الكثيفة، وخلق في الأمعاء قوة تجذب تلك الأجزاء الكثيفة التي هي الثقل، ولا تجذب الأجزاء اللطيفة ألبتة.
ولو كان الأمر بالعكس لاختلفت مصلحة البدن ولفسد نظام هذا التركيب.
الثالث: أنه تعالى أودع في الكبد قوة هاضمة طابخة، حتى أن تلك الأجزاء اللطيفة تنطبخ في الكبد وتنقلب دماً، ثم إنه تعالى أودع في المرارة قوة جاذبة للصفراء، وفي الطحال قوة جاذبة للسوداء، وفي الكلية قوة جاذبة لزيادة المائية، حتى يبقى الدم الصافي الموافق لتغذية البدن.
وتخصيص كل واحد من هذه الأعضاء بتلك القوة والخاصية لا يمكن إلا بتقدير الحكيم العليم.
الرابع: أن في الوقت الذي يكون الجنين في رحم الأم ينصب من ذلك الدم نصيب وافر إليه حتى يصير مادة لنمو أعضاء ذلك الولد وازدياده، فإذا انفصل ذلك الجنين عن الرحم ينصب ذلك النصيب إلى جانب الثدي ليتولد منه اللبن الذي يكون غذاء له، فإذا كبر الولد لم ينصب ذلك النصيب لا إلى الرحم ولا إلى الثدي، بل ينصب على مجموع بدن المتغذي، فانصباب ذلك الدم في كل وقت إلى عضو آخر انصباباً موافقاً للمصلحة والحكمة لا يتأتى إلا بتدبير الفاعل المختار الحكيم.
والخامس: أن عند تولد اللبن في الضرع أحدث تعالى في حلمة الثدي ثقوباً صغيرة ومسام ضيقة، وجعلها بحيث إذا اتصل المص أو الحلب بتلك الحلمة انفصل اللبن عنها في تلك المسام الضيقة، ولما كانت تلك المسام ضيقة جداً، فحينئذ لا يخرج منها إلا ما كان في غاية الصفاء واللطافة، وأما الأجزاء الكثيفة فإنه لا يمكنها الخروج من تلك المنافذ الضيقة فتبقى في الداخل، والحكمة في إحداث تلك الثقوب الصغيرة، والمنافذ الضيقة في رأس حلمة الثدي أن يكون ذلك كالمصفاة، فكل ما كان لطيفاً خرج، وكل ما كان كثيفاً احتبس في الداخل ولم يخرج، فبهذا الطريق يصير ذلك اللبن خالصاً موافقاً لبدن الصبي سائغاً للشاربين.
السادس: أنه تعالى ألهم ذلك الصبي إلى المص، فإن الأم كلما ألقمت حلمة الثدي في فم الصبي فذلك الصبي في الحال يأخذ في المص، فلولا أن الفاعل المختار الرحيم ألهم ذلك الطفل الصغير ذلك العمل المخصوص، وإلا لم يحصل الانتفاع بتخليق ذلك اللبن في الثدي.
السابع: أنا بينا أنه تعالى إنما خلق اللبن من فضلة الدم، وإنما خلق الدم من الغذاء الذي يتناوله الحيوان فالشاة لما تناولت العشب والماء فالله تعالى خلق الدم من لطيف تلك الأجزاء، ثم خلق اللبن من بعض أجزاء ذلك الدم، ثم إن اللبن حصلت فيه أجزاء ثلاثة على طبائع متضادة، فما فيه من الدهن يكون حاراً رطباً، وما فيه من المائية يكون بارداً رطباً، وما فيه من الجبنية يكون بارداً يابساً، وهذه الطبائع ما كانت حاصلة في ذلك العشب الذي تناولته الشاة، فظهر بهذا أن هذه الأجسام لا تزال تنقلب من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة، مع أنه لا يناسب بعضها بعضاً ولا يشاكل بعضها بعضاً، وعند ذلك يظهر أن هذه الأحوال إنما تحدث بتدبير فاعل حكيم رحيم يدبر أحوال هذا العالم على وفق مصالح العباد، فسبحان من تشهد جميع ذرات العالم الأعلى والأسفل بكمال قدرته ونهاية حكمته ورحمته، له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين.
أما قوله: ﴿ سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ ﴾ فمعناه: جارياً في حلوقهم لذيذاً هنيئاً.
يقال: ساغ الشراب في الحلق وأساغه صاحبه، ومنه قوله: ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ ﴾ .
المسألة الخامسة: قال أهل التحقيق: اعتبار حدوث اللبن كما يدل على وجود الصانع المختار سبحانه، فكذلك يدل على إمكان الحشر والنشر، وذلك لأن هذا العشب الذي يأكله الحيوان إنما يتولد من الماء والأرض، فخالق العالم دبر تدبيراً، فقلب ذلك الطين نباتاً وعشباً، ثم إذا أكله الحيوان دبر تدبيراً آخر فقلب ذلك العشب دماً، ثم دبر تدبيراً آخر فقلب ذلك الدم لبناً، ثم دبر تدبيراً آخر فحدث من ذلك اللبن الدهن والجبن، فهذا يدل على أنه تعالى قادر على أن يقلب هذه الأجسام من صفة إلى صفة، ومن حالة إلى حالة فإذا كان كذلك لم يمتنع أيضاً أن يكون قادراً على أن يقلب أجزاء أبدان الأموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك، فهذا الاعتبار يدل من هذا الوجه على أن البعث والقيامة أمر ممكن غير ممتنع، والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمِن ثمرات النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ﴾ اعلم أنه تعالى لما ذكر بعض منافع الحيوانات في الآية المتقدمة، ذكر في هذه الآية بعض منافع النبات، وفيه مسائل: المسألة الأولى: فإن قيل: بم تعلق قوله: ﴿ وَمِن ثمرات النخيل والأعناب ﴾ .
قلنا: بمحذوف تقديره: ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرها وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه.
وقوله: ﴿ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا ﴾ بيان وكشف عن كنه الإسقاء.
المسألة الثانية: قال الواحدي: ﴿ الأعناب ﴾ عطف على الثمرات لا على النخيل، لأنه يصير التقدير: ومن ثمرات الأعناب، والعنب نفسه ثمرة وليست له ثمرة أخرى.
المسألة الثالثة: في تفسير السكر وجوه: الأول: السكر الخمر سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً نحو: رشد رشداً ورشداً، وأما الرزق الحسن فسائر ما يتخذ من النخيل والأعناب كالرب والخل والدبس والتمر والزبيب.
فإن قيل: الخمر محرمة فكيف ذكرها الله في معرض الإنعام؟
أجابوا عنه من وجهين: الأول: أن هذه السورة مكية، وتحريم الخمر نزل في سورة المائدة، فكان نزول هذه الآية في الوقت الذي كانت الخمر فيه غير محرمة.
الثاني: أنه لا حاجة إلى التزام هذا النسخ، وذلك لأنه تعالى ذكر ما في هذه الأشياء من المنافع، وخاطب المشركين بها، والخمر من أشربتهم فهي منفعة في حقهم، ثم إنه تعالى نبه في هذه الآية أيضاً على تحريمها، وذلك لأنه ميز بينها وبين الرزق الحسن في الذكر، فوجب أن لا يكون السكر رزقاً حسناً، ولا شك أنه حسن بحسب الشهوة، فوجب أن يقال الرجوع عن كونه حسناً بحسب الشريعة، وهذا إنما يكون كذلك إذا كانت محرمة.
القول الثاني: أن السكر هو النبيذ، وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ثم يترك حتى يشتد، وهو حلال عند أبي حنيفة رحمه الله إلى حد السكر، ويحتج بأن هذه الآية تدل على أن السكر حلال لأنه تعالى ذكره في معرض الإنعام والمنة، ودل الحديث على أن الخمر حرام قال عليه السلام: «الخمر حرام لعينها» وهذا يقتضي أن يكون السكر شيئاً غير الخمر، وكل من أثبت هذه المغايرة قال إنه النبيذ المطبوخ.
والقول الثالث: أن السكر هو الطعام قاله أبو عبيدة: واحتج عليه بقول الشاعر: جعلت أعراض الكرام سكراً *** أي جعلت ذمهم طعاماً لك، قال الزجاج: هذا بالخمر أشبه منه بالطعام، والمعنى أنك جعلت تتخمر بأعراض الكرام، والمعنى: أنه جعل شغفه بغيبة الناس وتمزيق أعراضهم جارياً مجرى شرب الخمر.
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الوجوه التي هي دلائل من وجه، وتعديد للنعم العظيمة من وجه آخر، قال: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ والمعنى: أن من كان عاقلاً، علم بالضرورة أن هذه الأحوال لا يقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى، فيحتج بحصولها على وجود الإله القادر الحكيم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَهَدَىً ورَحْمَةً ﴾ معطوفان على محل ﴿ لِتُبَيّنَ ﴾ إلا أنهما انتصبا على أنهما مفعول لهما؛ لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب.
ودخل اللام على لتبين: لأنه فعل المخاطب لا فعل المنزل.
وإنما ينتصب مفعولاً له ما كان فعل فاعل الفعل المعل.
والذي اختلفوا فيه: البعث؛ لأنه كان فيهم من يؤمن به، ومنهم عبد المطلب، وأشياء من التحريم والإنكار والإقرار ﴿ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ سماع إنصاف وتدبر؛ لأنّ من لم يسمع بقلبه، فكأنه أصم لا يسمع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ﴾ لِلنّاسِ.
﴿ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ مِنَ التَّوْحِيدِ والقَدَرِ وأحْوالِ المَعادِ وأحْكامِ الأفْعالِ.
﴿ وَهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ مَعْطُوفانِ عَلى مَحَلِّ لِتُبَيِّنَ فَإنَّهُما فِعْلا المُنَزَّلِ بِخِلافِ التَّبْيِينِ.
﴿ واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ أنْبَتَ فِيها أنْواعَ النَّباتِ بَعْدَ يُبْسِها.
﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ سَماعَ تَدَبُّرٍ وإنْصافٍ.
<div class="verse-tafsir"
{والله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرض بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِى ذلك لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} سماع إنصاف وتدبر لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه لا يسمع
﴿ واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ﴾ ماءً تَقَدَّمَ الكَلامُ في مِثْلِهِ، وهَذا عَلى ما قِيلَ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِهِ وتَوْحِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِن أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ ﴿ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ ﴾ بِما أنْبَتَ بِهِ فِيها مِن أنْواعِ النَّباتاتِ ﴿ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ بَعْدَ يُبْسِها فالإحْياءُ والمَوْتُ اسْتِعارَةٌ لِلْإنْباتِ واليُبْسِ، ولَيْسَ المُرادُ إعادَةَ اليابِسِ بَلْ إنْباتَ مِثْلِهِ، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ العادِيِّ فَلا يُنافِيهِ ما بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ مِنَ المُهْلَةِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ تَزَوَّجَ فَوُلِدَ لَهُ ولَدٌ، والآيَةُ دَلِيلٌ لِمَن قالَ: إنَّ المُسَبِّباتِ بِالأسْبابِ لا عِنْدَها ومَن قالَ بِهِ أوَّلَ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيْ في إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ وإحْياءِ الأرْضِ المَيْتَةِ ﴿ لآيَةً ﴾ وأيَّةُ آيَةٍ دالَّةٍ عَلى وحْدَتِهِ سُبْحانَهُ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، والإشارَةُ بِما يَدُلُّ عَلى البُعْدِ إمّا لِتَعْظِيمِ المُشارِ إلَيْهِ أوْ لِعَدَمِ ذِكْرِهِ صَرِيحًا ﴿ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ قالَ المَوْلى ابْنُ الكَمالِ: أُرِيدَ بِالسَّمْعِ القَبُولُ كَما في سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ أيْ لِقَوْمٍ يَتَأمَّلُونَ فِيها ويَعْقِلُونَ وجْهَ دَلالَتِها ويَقْبَلُونَ مَدْلُولَها، وإنَّما خَصَّ كَوْنَها آيَةً لَهم لِأنَّ غَيْرَهم لا يَنْتَفِعُ بِها وهَذا كالتَّخْصِيصِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ وبِما قَرَّرْناهُ تَبَيَّنَ وجْهُ العُدُولِ عَنْ- يُبْصِرُونَ- إلى ﴿ يَسْمَعُونَ ﴾ انْتَهى، وقالَ الخَفاجِيُّ: اللّائِقُ بِالمَقامِ ما ذَكَرَهُ الشَّيْخانِ وبَيانُهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ أرْسَلَ إلى الأُمَمِ السّالِفَةِ رُسُلًا وكُتُبًا فَكَفَرُوا بِها فَكانَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ عَقَّبَهُ بِأنَّهُ أرْسَلَهُ بِسَيِّدِ الكُتُبِ فَكانَ عَيْنَ الهُدى والرَّحْمَةِ لِمَن أُرْسِلَ إلَيْهِ إشارَةً إلى أنَّ مُخالَفَةَ أُمَّتِهِ لِمَن قَبْلَهم تُقَرِّبُهم مِن سَعادَةِ الدّارَيْنِ وتَبْشِيرًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِكَثْرَةٍ مُتابِعِيهِ وقِلَّةٍ مُناوِيهِ وأنَّهم سَيَدْخُلُونَ في دِينِهِ أفْواجًا أفْواجًا ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لِإنْزالِهِ تِلْكَ الرَّحْمَةَ الَّتِي أحْيَتْ مِن مَوْتَةِ الضَّلالِ إنْزالَ الأمْطارِ الَّتِي أحْيَتْ مَواتَ الأرْضِ وهو الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ولَوْلا هَذا لَكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ كالأجْنَبِيِّ عَمّا قَبْلَهُ وبَعْدَهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً ﴾ إلَخْ تَتْمِيمٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أنْزَلْنا ﴾ إلَخْ ولِلْمَقْصُودِ بِالذّاتِ مِنهُ فالمُناسِبُ (يَسْمَعُونَ) لا يُبْصِرُونَ ولَوْ كانَ تَتْمِيمًا لِمُلاصِقَةٍ مِنَ الإنْباتِ لَمْ يَكُنْ- لِيَسْمَعُونَ- بِمَعْنى يَقْبَلُونَ مُناسِبَةٌ أيْضًا، ثُمَّ قالَ: ومَن لَمْ يَقِفْ عَلى مَحَطِّ نَظَرِهِمْ قالَ في جَوابِهِ: يُمْكِنُ أنْ يَحْمِلَ عَلى يَسْمَعُونَ قَوْلَيِ واللَّهُ أنْزَلَ إلَخْ فَإنَّهُ مُذَكَّرٌ وحامِلٌ عَلى تَأمُّلِ مَدْلُولِهِ انْتَهى، وفي قَوْلِهِ عَقِبَهُ: بِأنَّهُ أرْسَلَهُ بِسَيِّدِ الكُتُبِ فَكانَ عَيْنَ الهُدى والرَّحْمَةِ إشارَةٌ إلَخْ خَفاءٌ كَما لا يَخْفى، ومَتى كانَ تَتْمِيمًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أنْزَلْنا ﴾ إلَخْ لَمْ يَظْهَرْ جَعْلُ المُشارِ إلَيْهِ ما سَمِعْتَ وهو الظّاهِرُ، وفي البَحْرِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الكِتابِ لِلتَّبْيِينِ كانَ القُرْآنُ حَياةً لِلْأرْواحِ وشِفاءً لِما في الصُّدُورِ مِن عِلَلِ العَقائِدِ ولِذَلِكَ خَتَمَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أيْ يُصَدِّقُونَ والتَّصْدِيقُ مَحَلُّهُ القَلْبُ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ إنْزالَ المَطَرِ الَّذِي هو حَياةُ الأجْسامِ وسَبَبُ بَقائِها ثُمَّ أشارَ سُبْحانَهُ بِإحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها إلى إحْياءِ القُلُوبِ بِالقُرْآنِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ ﴾ فَكَما تَصِيرُ الأرْضُ خَضِرَةً بِالنَّباتِ نَضِرَةً بَعْدَ هُمُودِها كَذَلِكَ القَلْبُ يَحْيا بِالقُرْآنِ بَعْدَ أنْ كانَ مَيِّتًا بِالجَهْلِ ولِذَلِكَ خَتَمَ تَعالى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَسْمَعُونَ ﴾ أيْ يَسْمَعُونَ هَذا التَّشْبِيهَ المُشارَ إلَيْهِ والمَعْنى سَماعَ إنْصافٍ وتَدَبُّرٍ، ولِمُلاحَظَةِ هَذا المَعْنى واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ لَمْ يَخْتِمْ سُبْحانَهُ- بِلِقَوْمٍ يُبْصِرُونَ- وإنْ كانَ إنْزالُ المَطَرِ مِمّا يُبْصَرُ ويُشاهَدُ انْتَهى.
وفِيهِ أيْضًا مِنَ التَّكَلُّفِ ما فِيهِ، وأقُولُ: لَعَلَّ الأظْهَرَ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ ما ذُكِرَ مِنَ الإنْزالِ والإحْياءِ والسَّماعِ عَلى ظاهِرِهِ والكَلامُ تَتْمِيمٌ لِمُلاصِقِهِ والعُدُولُ عَنْ يُبْصِرُونَ إلى (يَسْمَعُونَ) لِلْإشارَةِ إلى ظُهُورِ هَذا المُعْتَبَرِ فِيهِ وأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى نَظَرٍ ولا تَفَكُّرٍ وإنَّما يَحْتاجُ المُنَبَّهَ إلى أنْ يَسْمَعَ القَوْلَ فَقَطْ، ويَكْفِي في رَبْطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها تَشارُكُ الكِتابِ والمَطَرِ فِي الإحْياءِ لَكِنَّ في ذاكَ إحْياءَ القُلُوبِ وفي هَذا إحْياءَ الأرْضِ الجَدُوبِ فَتَأمَّلْ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَآء أي: المطر فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أي: بعد يبسها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي: علامة لوحدانيته، وعلموا أن معبودهم لا يستطيع شيئاً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أي: يطيعون ويصدقون ويعتبرون ويبصرون.
قوله عز وجل: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: نُسْقِيكُمْ بنصب النون، وقرأ الباقون: بضم النون، ومعناهما واحد.
يقال: سقيته وأسقيته بمعنى واحد مِمَّا فِي بُطُونِهِ ولم يقل مما في بطونها، والأنعام جماعة مؤنثة، وفي هذا قولان: إن شئت رددت إلى واحد من الأنعام، وواحدها نعم، والنعم تذكر، وتؤنث، كقوله: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ [البقرة: 74] أي: من الحجر.
وإن شئت قلت على تأويل آخر نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ أي: بطون ما ذكرنا، وهذا مثل قوله: جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ إلى آخره [الأنعام: 141] وقال: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى آخره [المائدة: 90] ولم يقل فاجتنبوها، أي: فاجتنبوا ما ذكرنا.
ثم قال تعالى: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ يعني: يخرج اللبن من بين الفرث والدم.
قال ابن عباس في رواية أبي صالح: «إن الدابة تأكل العلف، فإذا استقر في كرشها، طحنه الكبد فكان أسفله فرثا، وأوسطه لبنا، وأعلاه دما، والكبد مسلط على هذه الأصناف الثلاثة.
فيقسم الدم فيجري في العروق، ويجري اللبن في الضرع، ويبقى الفرث كما هو في الكرش» .
وقال بعضهم: إذا استقر العلف في الكرش، صار دماً بحرارة الكبد، ثم ينصرف الدم في العروق، فمقدار ما ينتهي إلى الضرع صار لبناً لبرودة الضرع، بدليل أنَّ الضرع إذا كانت فيه آفة، يخرج منه الدم مكان اللبن.
لَبَناً خالِصاً صار اللبن نصباً على معنى التفسير سائِغاً لِلشَّارِبِينَ أي: سهلاً في الشرب لا يغص به شاربه.
ويقال: ليشتهي شاربه.
ثم قال تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً أي: من الثمرات سكرا.
ويقال: مِنْهُ كناية عن الأول وهو قوله وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ من ذلك سَكَراً والسكر: هو نقيع التمر إذا غلى واشتد قبل أن يطبخ.
ويقال: يعني: خمراً.
قال ابن عباس: «نزلت هذه الآية وهي يومئذ لهم حلال» ، وهكذا قال الحسن والقتبي: إن هذه الآية نزلت في الخمر وَرِزْقاً حَسَناً يعني: الخل والزبيب والرُّبُّ.
وروي عن ابن عباس أنه قال: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً «يعني: ما حرم منه» وَرِزْقاً حَسَناً «ما أحل منه» .
وقال الشعبي: السكر هو: النبيذ والخل.
والرزق الحسن: التمر، والزبيب.
وقال الضحاك: السكر الحرام، والرزق الحسن: الحلال.
وهؤلاء كلهم قالوا: كان هذا قبل تحريم الخمر.
وقال الأخفش: سَكَراً طعاماً.
يقال: هذا سكر لك أي: طعام لك.
وقال القتبي: لست أدري هذا.
ثم قال: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي: لعبرة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ توحيد الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : وهذا لا يضطر إِليه لأنه خروجٌ عن اللَّفْظِ، بل قوله: مَثَلُ على بابه، فلهم على الإِطلاقِ مَثَلُ السوء في كلِّ سوء، ولا غاية أخزى من عذابِ النارِ، وللَّه سبحانه الْمَثَلُ الْأَعْلى على الإِطلاق أيضاً، أي: الكمال المستغْنِي.
وقوله سبحانه: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ: الضميرُ في «عليها» عائدٌ على الأرض، وتَمَكَّنَ ذلك مع أنه لم يَجْرِ لها ذكر لشهرتها وتمكُّن الإِشارة إِليها، وسمع أبو هريرة رجُلاً يقول: «إِنَّ الظَّالِمَ لاَ يُهْلِكُ إِلاَّ نَفْسَهُ» فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: بَلَى، إِنَّ اللَّهَ لَيُهْلِكُ الحُبَارَى في وَكْرِهَا هزلاً بذنوب الظّلمة «٢» .
و «الأجل المسمَّى» في هذه الآية: هو بحسبِ شَخْصٍ شخصٍ.
وقوله: مَا يَكْرَهُونَ يريد البنات.
وقوله سبحانه: وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى: قال مجاهد وقتادة الْحُسْنى: الذُّكُور من الأولاد «٣» ، وقالت فرقةٌ: يريد الجنة.
قال ع «٤» : ويؤيِّده قوله: لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ، وقرأ السبعة «٥» سوَى نافعٍ:
«مُفْرَطُونَ» - بفتح الراءِ وخِفَّتِها- أي: مُقَدَّمون إِلى النار، وقرأَ نافع: «مُفْرِطُونَ» - بكسر الراء المخفَّفة-، أي: متجاوِزُونَ الحدَّ في معاصي الله.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ يَعْنِي: المَطَرَ " فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها " أيْ: بَعْد يُبْسِها ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ أيْ: يَعْتَبِرُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " نُسْقِيكم " بِضَمِّ النُّونِ، ومِثْلُهُ في (المُؤْمِنُونَ:٢١) .
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نَسْقِيكم " بِفَتْحِ النُّونِ فِيهِما.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: " تَسْقِيكم " بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، وكَذَلِكَ في (المُؤْمِنُونَ:٢١)، وَقَدْ سَبَقَ بَيانُ الأنْعامِ.
وذَكَرْنا مَعْنى " العِبْرَةِ " في (آلِ عِمْرانَ:١٣)، والفَرْقَ بَيْنَ " سَقى " و " أسْقى " في (الحِجْرِ:٢٢) .
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ مِمّا في بُطُونِهِ ﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: النَّعَمُ والأنْعامُ شَيْءٌ واحِدٌ، وهُما جَمْعانِ، فَرَجَعَ التَّذْكِيرُ إلى مَعْنى " النَّعَمِ " إذْ كانَ يُؤَدِّي عَنِ الأنْعامِ، أنْشَدَنِي بَعْضُهم: وَطابَ ألْبانُ اللَّقاحِ وبَرَدْ فَرَجَعَ إلى اللَّبَنِ، لِأنَّ اللَّبَنَ والألْبانَ في مَعْنًى؛ قالَ: وقالَ الكِسائِيُّ: أرادَ: نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِ ما ذَكَرْنا، وهو صَوابٌ، أنْشَدَنِي بَعْضُهم: مِثْلَ الفِراخِ نُتِفَتْ حَواصِلُهْ وَقالَ المُبَرِّدُ: هَذا فاشٍ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ لِلشَّمْسِ: ﴿ هَذا رَبِّي ﴾ يَعْنِي: هَذا الشَّيْءُ الطّالِعُ، وكَذَلِكَ ﴿ وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: " جاءَتْ " لِأنَّ المَعْنى: جاءَ الشَّيْءُ الَّذِي ذَكَرْنا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهاءُ في " بُطُونِهِ " لِلْبَعْضِ، والمَعْنى: نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِ البَعْضِ الَّذِي لَهُ لَبَنٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ الأنْعامِ لَبَنٌ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ذَهَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِمّا في بُطُونِهِ ﴾ إلى النَّعَمِ، والنَّعَمُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، والفَرْثُ: ما في الكِرْشِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّبَنَ كانَ طَعامًا، فَخَلَصَ مِن ذَلِكَ الطَّعامِ دَمٌ، وبَقِيَ مِنهُ فَرْثٌ في الكِرْشِ، وخَلُصَ مِن ذَلِكَ الدَّمِ " لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ " أيْ: سَهْلًا في الشُّرْبِ لا يَشْجى بِهِ شارِبُهُ، ولا يَغَصُّ.
وقالَ بَعْضُهم: سائِغًا، أيْ: لا تَعافُهُ النَّفْسُ وإنْ كانَ قَدْ خَرَجَ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ، ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا اسْتَقَرَّ العَلَفُ في الكِرْشِ، طَحَنَهُ، فَصارَ أسْفَلُهُ فَرْثًا، وأعْلاهُ دَمًا، وأوْسَطُهُ لَبَنًا، والكَبِدُ مُسَلَّطَةٌ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، فَيَجْرِي الدَّمُ في العُرُوقِ، واللَّبَنُ في الضَّرْعِ، ويَبْقى الفَرْثُ في الكِرْشِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ﴾ تَقْدِيرُ الكَلامِ: ولَكم مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ما تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا.
والعَرَبُ تُضْمِرُ " ما " كَقَوْلِهِ: ﴿ وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ ﴾ أيْ: ما ثَمَّ.
والكِنايَةُ في " مِنهُ " عائِدَةٌ عَلى " ما " المُضْمَرَةُ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: مِنهُما، لِأنَّهُ أضْمَرَ الشَّيْءَ، كَأنَّهُ قالَ: ومِنها شَيْءٌ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا.
وَفِي المُرادِ بِالسَّكَرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الخَمْرُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ ابْنُ أبِي لَيْلى، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
ورَوى عَمْرُو بْنُ سُفْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالَ السَّكَرُ: ما حُرِّمَ مِن ثَمَرَتِها، وقالَ هَؤُلاءِ المُفَسِّرُونَ: وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ إذْ كانَتِ الخَمْرَةُ مُباحَةً، ثُمَّ نُسِخَ [ذَلِكَ] بِقَوْلِهِ: ﴿ فاجْتَنِبُوهُ ﴾ ومِمَّنْ ذَكَرَ أنَّها مَنسُوخَةٌ، سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ.
والثّانِي: أنَّ السَّكَرَ: الخَلُّ، بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ الضَّحّاكُ: هو الخَلُّ، بِلُغَةِ اليَمَنِ.
والثّالِثُ: أنَّ " السَّكَرَ " الطُّعْمُ، يُقالُ: هَذا لَهُ سَكَرٌ، أيْ: طُعْمٌ، وأنْشَدُوا: جَعَلْتَ عَيْبَ الأكْرَمِينَ سَكَرا قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
فَعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، الآيَةُ مُحْكَمَةٌ.
فَأمّا الرِّزْقُ الحَسَنُ، فَهو ما أُحِلَّ مِنهُما، كالتَّمْرِ، والعِنَبِ، والزَّبِيبِ، والخَلِّ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ تاللهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ أعْمالَهم فَهو ولِيُّهُمُ اليَوْمَ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ وَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ واللهُ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ ﴿ وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ ضَرْبِ مَثَلٍ لَهم بِمَن تَقَدَّمَ، وفي ضِمْنِها وعِيدٌ لَهم وتَأْنِيسٌ لِلنَّبِيِّ ، وقَوْلُهُ: "اليَوْمَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ يَوْمَ الإخْبارِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهو بَعْدَ مَوْتِ أُولَئِكَ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ، أيْ: لا ولِيَّ لَهم مُذْ ماتُوا واحْتاجُوا إلى الغَوْثِ إلّا الشَيْطانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ يَوْمَ القِيامَةِ، والألِفُ واللامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، أيْ: هو ولِيُّهم في اليَوْمِ المَشْهُودِ، وهو وقْتُ الحاجَةِ والفَصْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَهو ولِيُّهُمُ مُدَّةَ حَياتِهِمْ ثُمَّ انْقَطَعَتْ وِلايَتِهِ بِمَوْتِهِمْ، وعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "اليَوْمَ" تَمْثِيلًا لِلْمُخاطِبِينَ بِمُدَّةِ حَياتِهِمْ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ شابٍّ تَحُضُّهُ عَلى طَلَبِ العِلْمِ: يا فُلانُ لا يَدْرُسُ أحَدٌ مِنَ الناسِ إلّا اليَوْمَ، تُرِيدُ: في مِثْلِ سِنِّكَ هَذِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ لِهَؤُلاءِ: فَهو ولِيُّهُمُ في مِثْلِ حَياتِكم هَذِهِ، وهي الَّتِي كانَتْ لَهُمْ، وسائِرُ الآيَةِ وعِيدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ يُرِيدُ القُرْآنَ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلا لِتُبَيِّنَ ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَهُدًى ورَحْمَةً ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قالَ: إلّا لِلْبَيانِ، أيْ لِأجْلِ البَيانِ، وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ كُفْرِ الكَفَرَةِ مِنَ الجَحْدِ بِاللهِ تَعالى، أو بِالقِيامَةِ، أو بِالنُبُوءاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولَكِنَّ الإشارَةَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي لَجَحْدِهِمِ الرُبُوبِيَّةَ، وتَشْرِيكِهِمِ الأصْنامَ في الإلَهِيَّةِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أخَذَهُ بَعْدَ هَذا في إثْباتِ العِبَرِ الدالَّةِ عَلى أنَّ الأنْعامَ وسائِرَ الأفْعالِ إنَّما هي مِنَ اللهِ تَعالى لا مِنَ الأصْنامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً ﴾ الآيَةُ.
لَمّا أمَرَهُ تَبْيِينِ ما اخْتَلَفَ فِيهِ نَصَّ العِبَرِ المُؤَدِّيَةِ إلى بَيانِ أمْرِ الرُبُوبِيَّةِ، فَبَدَأ بِنِعْمَةِ المَطَرِ الَّتِي هي أبْيَنُ العِبَرِ، وهي مَلاكُ الحَياةِ، وفي غايَةِ الظُهُورِ، لا يُخالِفُ فِيها عاقِلٌ، وحَياةُ الأرْضِ ومَوْتُها اسْتِعارَةٌ وتَشْبِيهٌ بِالحَيَوانِ؛ إذْ هي هامِدَةٌ غَبْراءُ غَيْرُ مُنْبِتَةٍ فَهي كالمَيِّتِ، وإذْ هي مُنْبِتَةٌ مُخْضَرَّةٌ مُهْتَزَّةٌ رابِيَةٌ فَهي كالحَيِّ.
وقَوْلُهُ: "يَسْمَعُونَ" يَدُلُّ عَلى ظُهُورِ هَذا المُعْتَبَرِ فِيهِ وبَيانِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ ولا نَظَرِ قَلْبٍ، وإنَّما يَحْتاجُ المُنَبَّهُ إلى أنْ يَسْمَعَ القَوْلَ فَقَطْ و"الأنْعامُ" هي الأصْنافُ الأرْبَعَةُ: الإبِلُ والبَقَرُ والضَأْنُ والمَعِزُ، و"العِبْرَةُ": الحالُ المُعْتَبَرُ فِيها، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - وابْنُ مَسْعُودٍ - بِخِلافٍ- والحُسْنُ، وأهْلُ المَدِينَةِ: "نَسْقِيكُمْ" بِفَتْحِ النُونِ، مِن أسْقا يَسْقِي، وقَرَأ الباقُونَ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ بِضَمِّ النُونِ، وهي قِراءَةُ الكُوفِيِّينَ وأهْلِ مَكَّةَ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنى واحِدٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَقُولُ لِمَن سَقَيْتُهُ بِالشَفَةِ أو في مَرَّةٍ واحِدَةٍ: سَقَيْتُهُ، وتَقُولُ لِمَن تَمُرُّ سَقْيَهُ أو تَمْنَحُهُ شُرْبًا: أسْقَيْتُهُ، وهَذا قَوْلُ مَن قَرَأ: "نَسْقِيكُمْ"، لِأنَّ ألْبانَ الأنْعامِ مِنَ المُسْتَمِرِّ لِلْبَشَرِ، وأنْشَدَ مَن قالَ: "إنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنى" قَوْلِ لَبِيَدٍ: سَقى قَوْمِي بَنِي بَدْرٍ وأسْقى ∗∗∗ نُمَيْرًا والقَبائِلَ مِن هِلالِ وذَلِكَ لازِمٌ؛ لِأنَّهُ لا يَدْعُو لِقَوْمِهِ بِالقَلِيلِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "يَسْقِيكُمْ" بِالياءِ، أيْ: يَسْقِيكُمُ اللهُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَسْقِيكُمْ" بِالتاءِ، وهي ضَعِيفَةٌ، وكَذَلِكَ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في سُورَةِ "المُؤْمِنُونَ"، وقَوْلُهُ: ﴿ مِمّا في بُطُونِهِ ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الجِنْسِ، وعَلى المَذْكُورِ، كَما قالَ الشاعِرُ: مَثْلُ الفِراخِ نُتِفَتْ حَواصِلُهُ وَهَذا كَثِيرٌ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كَلا إنَّها تَذْكِرَةٌ ﴾ ﴿ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ ﴾ ، وقِيلَ: إنَّما قالَ: "بُطُونِهِ" لِأنَّ الأنْعامَ والنَعَمَ واحِدٌ فَرْدٌ، الضَمِيرُ عَلى مَعْنى النَعَمِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "البَعْضِ"؛ إذِ الذُكُورُ لا ألْبانَ فِيها، فَكَأنَّ العِبْرَةَ إنَّما هي في الأنْعامِ.
و"الفَرْثُ": ما يَنْزِلُ إلى الأمْعاءِ، و"السائِغُ": المُسَهَّلُ في الشُرْبِ اللَذِيذِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سِيِّغًا" بِشَدِّ الياءِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيِّ: "سَيْغًا" بِسُكُونِ الياءِ، وهي تَخْفِيفٌ مِن "سَيْغٍ" كَمَيِّتٍ وهَيِّنٍ، ولَيْسَ وزْنُها فِعْلًا؛ لِأنَّ اللَفْظَةَ واوِيَّةٌ، فَفَعْلَ مِنها "سَوْغٌ"، ورُوِيَ أنَّ اللَبَنَ لَمْ يُشْرِقْ بِهِ أحَدٌ قَطُّ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ .
<div class="verse-tafsir"
انتهى الكلام المعترض به وعاد الكلام إلى دلائل الانفراد بالخلق مع ما أدمج فيه ذلك من التذكير بالنّعم.
فهذه منّة من المنن وعبرة من العبر وحجّة من الحجج المتفرّعة عن التذكير بنعم الله والاعتبار بعجيب صنعه.
عاد الكلام إلى تعداد نعم جمّة ومعها ما فيها من العبر أيضاً جمعاً عجيباً بين الاستدلال ووصلاً للكلام المفارَق عند قوله تعالى: ﴿ وبالنجم هم يهتدون ﴾ [سورة النحل: 16]، كما علمته فيما تقدم.
فكان ذكر إنزال الماء في الآية السابقة مسوقاً مساق الاستدلال، وهو هنا مسوق مساق الامتنان بنعمة إحياء الأرض بعد موتها بالماء النازل من السماء.
وبهذا الاعتبار خالفت هذه النّعمة النّعمة المذكورة في قوله سابقاً ﴿ هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر ﴾ [سورة النحل: 10] باختلاف الغرض الأوّلي، فهو هنالك الاستدلال بتكوين الماء وهنا الامْتنان.
وبناء الجملة على المسند الفعلي لإفادة التخصيص، أي الله لا غيره أنزل من السماء ماء.
وذلك في معنى قوله تعالى: ﴿ هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ﴾ [سورة الروم: 40].
وإظهار اسم الجلالة دون الإضمار الذي هو مقتضى الظاهر لقصد التّنويه بالخبر إذ افتتح بهذا الاسم، ولأن دلالة الاسم العلم أوضح وأصرح.
فهو مقتضى مقام تحقيق الانفراد بالخلق والإنعام دون غيره من شركائهم، لأن المشركين يقرّون بأن الله هو فاعل هذه الأشياء.
وإحياء الأرض: إخراج ما فيه الحياة، وهو الكلأ والشجر.
وموتها ضد ذلك، فتعدية فعل (أحيا) إلى الأرض تعدية مجازية.
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فأحيا به الأرض بعد موتها ﴾ في سورة البقرة (164)، وتقدّم وجه العبرة في آية نزول المطر هنالك.
وجملة إن في ذلك لآية } مستأنفة.
والتأكيد ب ﴿ إنّ ﴾ ولام الابتداء لأن من لم يهتد بذلك إلى الوحدانية ينكرون أن القوم الذين يسمعون ذلك قد علموا دلالته على الوحدانية، أي ينكرون صلاحية ذلك للاستدلال.
والإتيان باسم الإشارة دون الضمير ليكون محل الآية جميعَ المذكورات من إنزال المطر وإحياء الأرض به وموتها من قبل الإحياء.
والكلام في «قوم يسمعون» كالكلام في قوله آنفاً: ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ [سورة النحل: 64].
والسمع: هنا مستعمل في لازم معناه على سبيل الكناية، وهو سماع التدّبر والإنصاف لما تدبّروا به.
وهو تعريض بالمشركين الذين لم يفهموا دلالة ذلك على الوحدانية.
ولذلك اختير وصف السمع هنا المراد منه الإنصاف والامتثال لأن دلالة المطر وحياة الأرض به معروفة مشهورة ودلالة ذلك على وحدانية الله تعالى ظاهرة لا يصدّ عنها إلا المكابرة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ ﴾ أيْ نُبِيحُ لَكم شُرْبَ ما في بُطُونِهِ، فَعَبَّرَ عَنِ الإباحَةِ بِالسَّقْيِ.
﴿ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خالِصًا مِنَ الفَرْثِ والدَّمِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ الخالِصِ هُنا الأبْيَضُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: يَصُونُونَ أجْسادًا قَدِيمُها نَعِيمُها بِخالِصَةِ الأرْدانِ خُضْرِ المَناكِبِ فَخالِصَةُ الأرْدانِ أيْ بِيضُ الأكْمامِ، وخُضْرُ المَناكِبِ يَعْنِي مِن حَمائِلِ السُّيُوفِ.
﴿ سائِغًا لِلشّارِبِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَلالٌ لِلشّارِبِينَ.
الثّانِي: مَعْناهُ لا تَعافُهُ النَّفْسُ.
وَقِيلَ: إنَّهُ لا يُغَصُّ أحَدٌ بِاللَّبَنِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا ﴾ فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ السَّكَرَ الخَمْرُ، والرِّزْقَ الحَسَنَ التَّمْرُ والرُّطَبُ والزَّبِيبُ.
وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ ثُمَّ حُرِّمَتْ مِن بَعْدُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَّكَرُ ما حُرِّمَ مِن شَرابِهِ، والرِّزْقُ الحَسَنُ ما حَلَّ مِن ثَمَرَتِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأخْطَلِ: بِئْسَ الصُّحاةُ وبِئْسَ الشُّرْبُ شُرْبُهُمُ ∗∗∗ إذا جَرى فِيهِمُ المُزّاءُ والسُّكْرُ والسُّكْرُ: الخَمْرُ، والمُزّاءُ: نَوْعٌ مِنَ النَّبِيذِ المُسْكِرِ.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا؛ هَلْ خَرَجَ مَخْرَجَ الإباحَةِ أوْ مَخْرَجَ الخَبَرِ ؟
عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الإباحَةِ ثُمَّ نُسِخَ.
قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الخَبَرِ أنَّهم يَتَّخِذُونَ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَحِلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ السَّكَرَ: النَّبِيذُ المُسْكِرُ، والرِّزْقَ الحَسَنَ التَّمْرُ والزَّبِيبُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ والسُّدِّيُّ.
وَجَعَلَها أهْلُ العِراقِ دَلِيلًا عَلى إباحَةِ النَّبِيذِ.
الثّالِثُ: أنَّ السَّكَرَ الخَلُّ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، والرِّزْقَ الحَسَنَ الطَّعامُ.
الرّابِعُ: أنَّ السَّكَرَ ما طُعِمَ مِنَ الطَّعامِ وحَلَّ شُرْبُهُ مِن ثِمارِ النَّخِيلِ والأعْنابِ وهو الرِّزْقُ الحَسَنُ، وبِهِ قالَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ وجَعَلْتُ عَيْبَ الأكْرَمِينَ سَكَرا <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ﴾ قال: ما سقاهم المطر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية يقول: إذا قحط المطر لم يبق في الأرض دابة إلا ماتت.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ﴾ قال: قد فعل الله ذلك في زمان نوح، أهلك الله ما على ظهر الأرض من دابة إلا ما حملت سفينة نوح.
وأخرج أحمد في الزهد عن ابن مسعود قال: ذنوب ابن آدم قتلت الجعل في جحره، ثم قال: أي والله...
ومن غرق قوم نوح عليه السلام.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن ابن مسعود قال: كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم، ثم قرأ ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات، عن أنس بن مالك قال: كاد الضب أن يموت في جحره هولاً من ظلم ابن آدم.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير والبيهقي في الشعب، عن أبي هريرة أنه سمع رجلاً يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه.
فقال أبو هريرة: بلى.
والله، إن الحبارى لتموت هزلاً وكرهاً من ظلم الظالم.
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن الله يؤاخذني وعيسى ابن مريم بذنونبا،» وفي لفظ: «بما جنت هاتان- الإبهام والتي تليها- لعذبنا ما يظلمنا شيئاً» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ ويجعلون لله ما يكرهون ﴾ قال: يقول: تجعلون لي البنات وتكرهون ذلك لأنفسكم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ويجعلون لله ما يكرهون ﴾ قال: وهن الجواري.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى ﴾ قال: قول كفار قريش لنا البنون ولله البنات.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وتصف ألسنتهم الكذب ﴾ أي يتكلمون بأن ﴿ لهم الحسنى ﴾ الغلمان.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ وأنهم مفرطون ﴾ قال: مسيئون.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وأنهم مفرطون ﴾ قال: متروكون في النار ينسون فيها أبداً.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ وأنهم مفرطون ﴾ قال: قد فرطوا في النار أي معجلين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ وأنهم مفرطون ﴾ قال: معجل بهم إلى النار.
وأخرج ابن مردويه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي كبشة، عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما شرب أحد لبناً فيشرق؛ إن الله يقول ﴿ لبناً خالصاً سائغاً للشاربين ﴾ » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي حاتم، عن ابن سيرين.
إن ابن عباس لبناً فقال له مطرف: ألا تمضمضت؟
فقال: ما أباليه بالة، اسمح يسمح لك.
فقال قائل: إنه يخرج من بين فرث ودم.
فقال ابن عباس: قد قال الله: ﴿ لبناً خالصاً سائغاً للشاربين ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وابن مردويه والحاكم وصححه، عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ قال: السكر ما حرم من ثمرتها، والرزق الحسن ما حل من ثمرتها.
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في الآية قال: السكر الحرام منه، والرزق الحسن زبيبه وخله وعنبه ومنافعه.
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال: السكر النبيذ، والرزق الحسن، فنسختها هذه الآية ﴿ إنما الخمر والميسر ﴾ [ المائدة: 90] .
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير، عن أبي رزين في الآية قال: نزل هذا وهم يشربون الخمر قبل أن ينزل تحريمها.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال: السكر الخل، والنبيذ وما أشبهه.
والرزق الحسن: الثمر والزبيب وما أشبهه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ قال: فحرم الله بعد ذلك السكر، مع تحريم الخمر، لأنه منه، ثم قال: ﴿ ورزقاً حسناً ﴾ فهو الحلال من الخل والزبيب والنبيذ وأشباه ذلك، فأقره الله وجعله حلالاً للمسلمين.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ قال: إن الناس يسمون الخمر سكراً، وكانوا يشربونها، ثم سماها الله بعد ذلك الخمر حين حرمت، وكان ابن عباس يزعم أن الحبشة يسمون الخل السكر.
وقوله: ﴿ ورزقاً حسناً ﴾ يعني بذلك الحلال التمر والزبيب، وكان حلالاً لا يسكر.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن ابن مسعود قال: السكر خمر.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن سعيد بن جبير والحسن والشعبي وإبراهيم وأبي رزين مثله.
وأخرج عبد الرزاق وابن الأنباري في المصاحف والنحاس، عن قتادة في قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ﴾ قال: خمور الأعاجم، ونسخت في سورة المائدة.
وأخرج النسائي عن سعيد بن جبير قال: السكر الحرام، والرزق الحسن الحلال.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ﴾ قال: ذكر الله نعمته عليهم في الخمر قبل أن يحرمها عليهم.
وأخرج ابن الأنباري والبيهقي، عن إبراهيم والشعبي في قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ﴾ قالا: هي منسوخة.
وأخرج الخطيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: «لكم في العنب أشياء تأكلونه عنباً، وتشربونه عصيراً ما لم ييبس، وتتخذون منه زبيباً ورباً والله أعلم» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾ إلى قوله: ﴿ يَسْمَعُونَ ﴾ أخبر الله تعالى أنه هو الذي أنزل المطرَ فأخصبت الأرض به بعد جُدُوبتها وُيبُوستها، وفي ذلك آية ودلالة على قدرته على البعث والإحياء بعد الإماتة لمن سمع ذلك سَماعَ اعتبارٍ وتَفَكُّر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليوم ﴾ يحتمل أن يريد باليوم وقت نزول الآية أو يوم القيامة ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةً ﴾ معطوفان على موضع لنبين، وانتصبا على أنهما مفعول من أجله: أي لأجل البيان والهدى والرحمة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لا جرم ﴾ في المد مثل ﴿ لا ريب فيه ﴾ ﴿ مفرطون ﴾ بكسر الراء المشددة: يزيد ﴿ مفرطون ﴾ بكسر الراء المخففة: نافع وقتيبة.
الباقون بفتحها مخففة.
﴿ نسقيكم ﴾ بفتح النون: نافع وابن عامر وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد.
الآخرون بضمها.
الوقوف: ﴿ مسمى ﴾ ج للظرف مع الفاء ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ وقيل علي ﴾ لا ثم يبدأ بجرم وهو تكلف.
﴿ مفرطون ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ لا للعطف على موضع ﴿ لتبين ﴾ تقديره إلا تبياناً وهدى ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ لعبرة ﴾ ط لأنه لو وصل اشتبه ما بعده بالوصف ﴿ للشاربين ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ يعرشون ﴾ ه ج للعطف ﴿ ذللاً ﴾ ط للعدول ﴿ للناس ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.
التفسير: لما حكى عن القوم عظيم كفرهم وفظيع قولهم بين غاية كرمه وسعة رحمته حيث إنه لا يعاجلهم بالعقوبة فقال: ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ﴾ الآية.
فزعم بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء أنه أضاف الظلم إلى ضمير الناس والأنبياء من جملة الناس فوجب أن يكونوا ظالمين عاصين ويؤكد هذا قوله: ﴿ ما ترك عليها من دابة ﴾ فإنه لو لم يصدر من الأنبياء ذنب لم يكن لإفنائهم وجه وحينئذ لم يصدق أنه لم يبق على الأرض واحد.
والجواب لا نسلم عموم الناس في الآية لقوله في موضع آخر ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ﴾ ولا ريب أن المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين، فإذن المراد بالناس إما كل العصاة الذين استحقوا العقاب، أو الذين تقدم ذكرهم من المشركين.
وأما قوله: ﴿ من دابة ﴾ فعن ابن عباس أنه أراد من مشرك يدب عليها نظيره قوله: ﴿ إن شر الدواب عند الله الذين كفروا ﴾ ولو سلم أن المراد بها كل من يدب عليها فلعل الهلاك في حق الظلمة يكون عذاباً وفي غيرهم امتحاناً فقد وقعت هذه الواقعة في زمان نوح .
وأيضاً من المعلوم أنه لا أحد إلا وفي آبائه من يستحق العذاب، فلو أهلكوا لبطل نسلهم ولأدى إلى إفناء الناس، بل الدواب كلها لأن الدواب مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم.
عن أبي هريرة أنه سمع رجلاً يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه فقال: بلى والله حتى إن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم.
وعن ابن مسعود: كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم.
وقيل: لو يؤاخذهم لانقطع القطر وفي انقطاعه انقطاع النبت وفي انقطاع النبت فناء الدواب.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الظلم والمعاصي ليست من أفعال الله وإلا لم يؤاخذهم بها فرضاً، ولم يضف الظلم إليهم ولم يذمهم على ذلك.
وفي قوله: ﴿ بظلمهم ﴾ دليل على أن الظلم هو المؤثر في العقاب، فإن الباء للعلية.
وجواب الأشاعرة معلوم وهو أنه لا يسأل عما يفعل، وأيضاً المعارضة بالعلم والدواعي ووجوب انتهاء الكل إليه.
قال بعض الأصوليين: الأصل في المضار الحرمة لأن الضرر لا يجوز أن يكون مشروعاً ابتداء بالإجماع ولقوله : ﴿ ما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ ولقوله : "لا ضرر ولا ضرار" في الإسلام "ملعون من ضر مسلماً" ولا أن يكون مشروعاً على وجه يكون جزاء عن جرم سابق بهذه الآية لأن كلمة "لو" وضعت لانتفاء الشيء لانتفاء غيره.
فالآية تقتضي أنه ما آخذ الناس بظلمهم وأنه ترك على ظهرها دابة كما هو المشاهد إذا ثبت هذا الأصل فنقول: إذا وقعت حادثة مشتملة على المضار فإن وجدنا نصاً على كونها مشروعة قضينا به تقديماً للخاص على العام وإلا قضينا عليها بالحرمة بناء على هذا الأصل.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون الضرر مشروعاً على وجه يقع جزاء عن جرم سابق والآية لا تنافي ذلك لأنها لا تدل إلا على أنه لا يؤاخذ بكل ظلم.
أما على أنه لا يؤاخذ ببعض أنواع الظلم فلا، دليلة قوله: ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ﴾ ومنهم من قال: بناء على القاعدة المذكورة إن كل ما يريده الإنسان وجب أن يكون مشروعاً في حقه لأن المنع منه ضرر والضرر غير مشروع، وكل ما يكرهه الإنسان لزم أن يكون محرماً لأن وجوده ضرر وأنه غير مشروع.
فالذي يتمسك به في إثبات الأحكام من القياس إما أن يكون على وفق هذه القاعدة أو على خلافها والأول باطل، لأن هذا الأصل يغني عنه، وكذا الثاني لأن النص راجح على القياس.
ولقائل أن يقول: توارد الأدلة على المدلول الواحد غير ممتنع.
أما قوله: ﴿ ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ﴾ فعن ابن عباس في رواية عطاء أنه يريد أجل القيامة لأن معظم العذاب يوافيهم يومئذ.
وقيل: أراد منتهى العمر لأن المشركين يؤاخذون بالذنوب إذا خرجوا من الدنيا، وباقي الآية قد مر تفسيرها في أوائل سورة الأعراف.
واعلم أنه قال في هذه السورة ﴿ ما ترك عليها من دابة ﴾ وفي سورة الملائكة { ﴿ ما ترك على ظهرها ﴾ فالهاء كناية عن الأرض ولم يتقدم ذكرها ههنا والعرب تجوّز ذلك في كلمات لحصولها بين يدي كل متكلم وسامع منها الأرض والسماء: "فلان أفضل من عليها وأكرم من تحتها"، ومنها الغداة "إنها اليوم لباردة".
ومنها الأصابع يقول: "والذي شقهن خمساً من واحدة" يعني الأصابع من اليد.
وإنما لم يذكر الظهر في هذه السورة لئلا يلتبس بظهر الداب فكثيراً ما يستعمل الظهر بمعنى الدابة بخلاف سورة "الملائكة" فإنه قد تقدم ذكر الأرض في قوله: ﴿ أو لم يسيروا في الأرض ﴾ وفي قوله: ﴿ ولا في الأرض ﴾ فلم يكن ملتبساً.
ويمكن أن يقال: لما قال ههنا ﴿ بظلمهم ﴾ لم يقل: ﴿ على ظهرها ﴾ وحين قال هنالك ﴿ بما كسبوا ﴾ قال: ﴿ على ظهرها ﴾ احترازاً عن الجمع بين الظاءين لأنها تقل في الكلام وليست لأمة من الأمم سوى العرب، فلم يجمع بينهما في شرطية واحدة.
ثم عاد إلى حكاية كلمتهم الحمقاء فقال: ﴿ ويجعلون لله ما يكرهون ﴾ لأنفسهم من البنات ولا يبعد أن يندرج فيه سائر ما يكرهون من الشركاء في الرياسة ومن الاستخفاف والتهاون برسلهم ورسالتهم، وأنهم يجعلون أرذل أموالهم لله وأكرمها للأصنام.
وعن بعضهم أنه قال لرجل من ذوي اليسار كيف تكون يوم القيامة إذا قال الله هاتوا ما دفع إلى السلاطين وأعوانهم فيؤتى بالدواب والثياب وأنواع الأموال الفاخرة، وإذا قال هاتوا ما دفع إليّ فيؤتى بالكسر والخرق وما لا يؤبه له، أما تستحيي من ذلك الموقف؟
ثم قال: ﴿ وتصف ألسنتهم الكذب ﴾ قال الفراء والزجاج: أبدل منه قوله: ﴿ أن لهم الحسنى ﴾ عن مجاهد أن الحسنى البنون كانت قريش يقولون لله البنات ولنا البنون.
وقال غيره: هي الجنة أي إنهم مع جعلهم لله ما يكرهون حكموا لأنفسهم بالجنة والثواب من الله، وأنهم يفوزون برضوان الله بسبب هذا القول زعماً منهم أنهم على الدين الحق والمذهب الحسن.
وكيف يحكمون بذلك وكانوا منكرين للقيامة؟
الجواب أنه كان فيهم من يقر بالبعث ولذلك كانوا يربطون البعير على قبر الميت ويتركونه إلى أن يموت ظناً منهم أن الميت إذا حشر فإنه يحشر معه مركوبه، وبتقدير أنهم كانوا منكرين فلعلهم قالوا إن كان محمد صادقاً في دعوى الحشر والقيامة فإنه يحصل لنا الجنة والثواب بسبب هذا الدين الحق الذي نحن عليه نظيره ﴿ ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ﴾ ومن الناس من رجح هذا القول لأنه تعالى ردّ عليهم بعد ذلك بقوله: ﴿ لا جرم أن لهم النار ﴾ قال الزجاج: لا ردّ لقولهم أي ليس الأمر كما وصفوا.
جرم أي كسب ذلك القول أن لهم النار فــ "أنَّ" مع ما بعده في محل النصب لوقوع الكسب عليه.
وقال قطرب: "أن" في موضع رفع والمعنى حق أن لهم الافتراء على الله.
وجوّز أبو علي الفارسي أن يكون من أفرط أي صار ذا فرط مثل أجرب أي صار ذا جرب، ومن قرأ بفتحها مخففة فهو من أفرطت فلاناً خلفى إذا خلفته ونسيته، فالمعنى أنهم متروكون في النار منسيون.
ومن قرأ بكسر الراء المشددة فهو من التفريط في الطاعات.
وقرىء بفتح الراء المشددة من فرّطته في طلب الماء إذا قدمته وجاء أفرطته بمعناه أيضاً، فالمراد أنهم مقدمون إلى النار معجلون إليها.
ثم بين أن مثل صنيع قريش قد صدر عن سائر الأمم فقال: ﴿ تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ﴾ أي رسلاً ﴿ فزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ قالت المعتزلة: لو كان خالق الأعمال هو الله فما معنى تزيين الشيطان، ومن أي وجه توجه عليه الذم، وأن خالق ذلك العمل أجدر بأن يكون ولياً لهم من الداعي إليه؟
وأجيب بأن الوسائط معتبرة وانتهاء الكل إليه ضروري.
قال جار الله: ﴿ فهو وليهم اليوم ﴾ حكاية الحال الماضية التي كان يزين لهم الشيطان أعمالهم فيها، والمراد فهو وليهم أي قرينهم في الدنيا فجعل اليوم عبارة عن زمان الدنيا أو اليوم عبارة عن يوم الآخرة الذي يعذبون فيه في النار، فهو حكاية للحال الآتية، والولي الناصر أي هو ناصرهم يوم القيامة فقط، والمراد نفي الناصر عنهم على أبلغ الوجوه لأن الشيطان لا يتصوّر منه النصرة أصلاً، وإذا كان الناصر منحصراً فيه لزم أن لا نصرة بالضرورة.
قال: ويجوز أن يرجع الضمير في ﴿ وليهم ﴾ إلى مشركي قريش وأنه زين للكفار قبلهم أعمالهم فهو ولي هؤلاء لأنهم منهم، ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي فهو ولي أمثالهم اليوم.
ثم ذكر أنه ما هلك من هلك إلا بعد إقامة الحجة وإزاحة العلة فقال: ﴿ وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ﴾ كالشرك والتوحيد والجبر والقدر والإقرار بالبعث والإنكار له، وكتحريم الأشياء المحللة كالبحيرة والسائبة وتحليل الأشياء المحرمة كالميتة والدم.
﴿ وهدى ورحمة ﴾ انتصبا على أنهما مفعول لهما ولا حاجة إلى اللام لأنهما فعلا فاعل، والفعل المعلل بخلاف التبيين فإنه فعل المخاطب لا فعل المنزل ولهذا دخل عليه اللام، قال الكعبي: وصف القرآن بكونه هدى ورحمة ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لا ينافي كون كذلك في حق الكل.
وخص المؤمنون بالذكر من حيث إنهم قبلوه وانتفعوا به.
ولما امتد الكلام في وعيد الكفار عاد إلى تقرير الإلهيات فقال: ﴿ والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ﴾ وفي العنكبوت: { ﴿ من بعد موتها ﴾ لأن هنالك سؤال تقرير والتقرير يحتاج إلى التحقيق فقيد الظرف بــ"من" للاستيعاب.
وأيضاً حذف "من" في هذه السورة موافقة لقوله عما قريب: ﴿ لكيلا يعلم بعد علم شيئاً ﴾ وإنما حذف "من" هنا بخلاف ما في الحج لأنه أجمل الكلام في هذه السورة فقال: ﴿ والله خلقكم ثم يتوفاكم ﴾ وأطنب في الحج فقال: ﴿ خلقناكم من تراب ثم من نطفة ﴾ الآية.
فاقتضى الإيجاز الحذف والإطناب الإثبات ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ﴾ سماع تأمل وتدبر فمن لم يسمع متدبراً فكأنه أصم، ثم استدل بعجائب أحوال الحيوانات قائلاً: ﴿ وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه ﴾ وفي سورة المؤمنين: ﴿ مما في بطونها ﴾ فذكر النحويون أن الأنعام من جملة الكلمات التي لفظها مفرد ومعناها جمع كالرهط والقوم والنعم.
فجاز تذكيره حملاً على اللفظ وتأنيثه حملاً على المعنى.
قال المبرد: هذا شائع في القرآن قال : ﴿ فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ﴾ بمعنى هذا الشيء الطالع.
وقال: ﴿ كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره ﴾ أي ذكر هذا الشيء.
وعند سيبويه الأنعام من الأسماء المفردة الواردة على أفعال.
وجوّز في الكشاف أن يكون تأنيثه على أنه تكسير نعم.
وقيل: إن الأنعام بمعنى النعم لأن الألف واللام تلحق الآحاد بالجمع والجمع بالآحاد.
قلت: ما ذكره الأئمة حسن إلا أنه لا يقع جواباً عن التخصيص.
ولعل السر فيه أن الضمير في هذه السورة يعود إلى البعض وهو الإناث، لأن اللبن لا يكون للكل فالتقدير: وإن لكم في بعض الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه، وأما في "المؤمنين" فإنه لما عطف عليه ما يعود على الكل ولا يقتصر على البعض وهو قوله: ﴿ ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها ﴾ \[المؤمنون: 22\] لم يتحمل أن يكون المراد به البعض فأنث ليكون نصاً على أن المراد بها الكل.
روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: إذا استقر العلف فى الكرش صار أسفله فرثاً وأعلاه دماً وأوسطه لبناً خالصاً فيجري الدم في العروق واللبن في الضروع ويبقى الفرث كما هو فذاك هو قوله : ﴿ من بين فرث ودم لبناً خالصاً ﴾ لا يشوبه الدم ولا الفرث.
وأنكر الأطباء هذا القول لأنه على خلاف الحس والتجربة.
أما الحس فلأن الأنعام تذبح ذبحاً متوالياً ولا يرى في كرشها دم ولا لبن، وأما التجربة فلأن الدم لو كان في أعلى المعدة والكرش كان يجب إذا قاء أن يقيء الدم وليس كذلك، بل الحق أن الحيوان إذا تناول العلف حصل له في معدته أو كرشه هضم أوّل، فما كان منه صافياً انجذب إلى الكبد، وما كان كثيفاً نزل إلى الأمعاء.
ثم الذي يحصل في الكبد ينطبخ فيها ويصير دماً وذلك هو الهضم الثاني.
ويكون مخلوطاً بالصفراء والسوداء وزيادة المائية.
أما الصفراء فتذهب إلى المرارة، والسوداء إلى الطحال، والماء إلى الكلية، ومنها إلى المثانة.
وأما الدم فإنه يدخل في الأوردة وهي العروق النابتة من الكبد وهناك يحصل الهضم الثالث.
وبين الكبد والضرع عروق كثيرة فينصب الدم في تلك العروق إلى الضرع وهو لحم غددي رخو أبيض فيقلب الله الدم هناك إلى صورة اللبن، وإنما اختص هذ المعنى بالحيوان الأنثى لأن الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شيء على الوجه اللائق به، والذكر من كل حيوان أسخن واجف، والأنثى أبرد وأرطب لأن بدن الأنثى يحتاج إلى مزيد رطوبة لتصير مادة لتولد الولد ويتسع بدنها له.
ثم إن تلك الرطوبات التي كانت تصير مادة لازدياد بدن الجنين حين كان في الرحم تنصب بعد انفصال الجنين إلى الثدي لتصير مادة لغذاء الطفل.
واعلم أنه خلق في أسفل المعدة منفذاً يخرج منه ثفل الغذاء، فإذا تناول الإنسان غذاء أو شربة رقيقة انطبق ذلك المنفذ انطباقاً كلياً إلى أن يكمل انهضامه في المعدة وينجذب ما صفا منه إلى الكبد، ويبقى الثفل هناك فحينئذ ينفتح ذلك المنفذ وينزل منه ذلك الثفل فهذا الانطباق والانتفاح بحسب الحاجة وبقدر المنفعة مما لا يتأتى إلى بتقدير الفاعل الحكيم.
وأيضاً إنه أودع في الكبد قوّة جاذبة للأجزاء اللطيفة التي في ذلك المأكول والمشروب طابخة لها حتى تنقلب دماً دون الأجزاء الكثيفة وفي المعدة بالعكس، وأودع في المرارة قوة جاذبة للصفراء، وفي الكلية قوة جاذبة لزيادة المائية، وتخصيص كل واحد من هذه الأعضاء بفعله الخاص به لا يمكن إلا بتدبير العليم الخبير.
وكذا الكلام في انصباب مادة اللبن إلى الثدي في وقت يحتاج الطفل إلى الغذاء وتوزعها على جميع البدن في غير ذلك الوقت.
ثم إنه أحدث في حلمة الثدي ثقوباً صغيرة يخرج اللبن الخالص منها وقت المص أو الحلب فهي بمنزلة المصفاة للبن يخرج اللطيف منها ويبقى الكثيف، فبهذا الطريق يصير خالصاً سائغاً للشاربين أي سهل المرور في الحلق حتى قيل إنه لم يغص أحد باللبن قط.
ومن عجائب حال اللبن اجتماعه من أجسام مختلفة الطبائع مع أنها واحدة في الحس.
فمنها الدهن وهو حار رطب، ومنها الأجزاء المائية وهي باردة رطبة، ومنها الجبن وهو بارد يابس وكلها حاصلة من عشب واحد.
ثم إنه ألهم الطفل الصغير مص الثدي عند انفصاله من الأم وكل ذلك دليل على عناية كاملة ورحمة شاملة وعلم تام وقدرة باهرة.
قال المحققون: في تقليب العشب في هذه الأطوار إلى أن يصير لبناً خالصاً سائغاً دليل على أنه تعال قادر على تقليب الإنسان في أطواره إلى أن يصير مستعداً للبقاء الأبدي واللقاء السرمدي.
قال جار الله: و"من" في ﴿ مما في بطونه ﴾ للتبعيض و"من" في قوله: ﴿ من بين فرث ﴾ لابتداء الغاية فهو صلة ﴿ لنسقيكم ﴾ كقولك: "سقيته من الحوض".
وجوز أن يكون حالاً من قوله: ﴿ لبناً ﴾ مقدماً عليه فيتعلق بمحذوف أي كائناً من بين كذا وكذا.
وإنما قدم لأنه موضع العبرة فهو جدير بالتقديم.
قالت الشافعية: ليس بمستنكر أن يسلك المني مسلك البول وهو طاهر كما أنه يخرج اللبن من بين الفرث والدم طاهراً.
وأما قوله: ﴿ ومن ثمرات النخيل والأعناب ﴾ فإما أن يتعلق بمحذوف أي ونسقيكم من ثمرات النخيل ومن الأعناب إذا عصرت وحذف لدلالة ما تقدم عليه فيكون قوله: ﴿ تتخذون منه ﴾ بياناً وكشفاً عن كنه حقيقة الاستقاء، وإما أن يتعلق بـ ﴿ تتخذون ﴾ فيكون قوله: ﴿ منه ﴾ تكريراً للظرف لأجل التأكيد نظيره قولك: "زيد في الدار فيها" وإنما ذكر الضمير في ﴿ منه ﴾ لأنه يعود إلى المذكور أو إلى المضاف المحذوف الذي هو العصير كأنه قيل: ومن عصير ثمرات النخيل ومن عصير الأعناب تتخذون منه، واحتمل أن يكون ﴿ تتخذون ﴾ صفة موصوف محذوف كقوله: ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾ أي وما منا إلا ملك فالتقدير: ومن ثمرات النخيل ومن الأعناب ثمر.
﴿ تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ لأنهم يأكلون بعضها ويتخذون من بعضها السكر وهو الخمر سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً نحو رشد رشداً ورشداً.
وعلى هذا التفسير ففي الآية قولان: أحدهما - ويروى عن الشعبي والنخعي - أنها منسوخة فإن السورة مكية وتحريم الخمر نزل في المائدة وهي مدنية، وثانيهما أنها جامعة بين العتاب والمنة.
وذكر المنفعة لا ينافي الحرمة على أن في الآية تنبيهاً على الحرمة أيضاً لأنه ميز بينها وبين الرزق الحسن في الذكر، فوجب في السكر أن لا يكون رزقاً حسناً لا بحسب الشهوة بل بحسب الشريعة.
هذا ما عليه الأكثرون.
وقيل: السكر النبيذ وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه، ثم يترك حتى يشتد وهو حلال عند أبي حنيفة إلى حد السكر.
واحتج بأن الآية دلت على أن السكر حلال لأنه ذكره في معرض الإنعام والمنة، ودل الحديث على أن الخمر حرام لعينها وهذا يقتضي أن يكون السكر شيئاً غير الخمر، وكل من أثبت هذه المغايرة قال إنه النبيذ المطبوخ.
ويحكى عن أبي علي الجبائي أنه صنف كتاباً في تحليل النبيذ، فلما آخذت منه السن العالية قيل له: لو شربت منه ما تتقوّى به فأبى فقيل له: فقد صنفت في تحليله.
فقال: تناولته أيدي الشيطان فقبح عند ذوي المروءات والأقدار.
وقيل: السكر الطعم قاله أبو عبيدة.
وقيل: السكر والرزق الحسن واحد كأنه قيل: تتخذون منه ما هو سكر ورزق حسن.
ومن أعجب أحوال الحيوان حال النحل المناسب عسلها اللبن في موافقة اللذة وفي الخروج من البطن فلذلك أفردها بالذكر عقيب ذلك قائلاً: ﴿ وأوحى ربك ﴾ يا محمد أو يا إنسان إلى النحل أي ألهمها وعلمها على وجه هو أعلم به، ولقد حق لغريب أمرها وعجيب صنعتها أن يطلق عليه لفظ الإيحاء وذلك أنها تبني البيوت المسدسة من الأضلاع المتساويات التي لا يمكن للعقلاء تركيب أمثالها إلا بالمساطر والفرجارات، وقد علم من الهندسة أن تلك البيوت لو كانت مشكلة بما سوى المسدسات فإنه يبقى بالضرورة فيما بينها فرج خالية ضائعة.
فاهتداء ذلك الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الدقيقة من الأعاجيب.
ومن غرائب أمرها أن لها رئيساً هو أعظم جثة من الباقين وهم يخدمونه ويتبعون نهيه وأمره، ومنها أنها إذا نفرت عن وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطبول والملاهي وآلات الموسيقى وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى أوكارها.
وبالجملة فإن غرائب هذا الحيوان أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تخفى، والغرض أن امتياز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على الذكاء والكياسة حالة شبيهة بالوحي بمعنى الإلهام.
قال الزجاج: يجوز أن يقال سميت نحلاً لأنه نحل الناس العسل بواستطها وهي مؤنثة في لغة أهل الحجاز ولذلك قال : ﴿ أن اتخذي ﴾ وهي "أن" المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول.
ومعنى "من" في قوله: ﴿ من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ﴾ أي يبنون ويرفعون البعضية لأنها لا تبني بيوتاً في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش، ولكنها تبني في مساكن توافقها وتليق بها وكثيراً ما يتعهدها الناس وتصلح أحوالها ﴿ ثم كلي من كل الثمرات ﴾ أي بعضاً من كل ثمرة تشتهينها فإذا أكلتها ﴿ فاسلكي سبل ربك ﴾ أي الطريق التي ألهمك وفهمك في عمل العسل ﴿ ذللاً ﴾ جمع ذلول وهي حال من السبل لأن الله ذللها لها وسهلها عليها، أو من الضمير في ﴿ فاسلكي ﴾ أي وأت ذلك منقادة لما أمرت به غير ممتنعة، أو المراد فاسلكي ما أكلت في سبل ربك المذللة أي في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المر عسلاً وهي أجوافك ومنافذ مأكلك، أو أراد أنك إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من بيوتك فاسلكي راجعة إلى بيوتك سبل ربك لا تتوعر عليك ولا تضلين فيها.
فقد يحكى أنها ربما أجدب عليها ما حولها فتسافر إلى البلد البعيد في طلب النجعة.
ويجوز أن يريد بقوله: ﴿ ثم كلي ﴾ اقصدي أكل الثمرات ﴿ فاسلكي ﴾ في طلبها من مظانها ﴿ سبل ربك ﴾ .
واعلم أن ظاهر قوله: ﴿ أن اتخذي ﴾ ﴿ ثم كلي ﴾ ﴿ فاسلكي ﴾ أمر.
فمن الناس من قال لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول يتوجه بها عليها من الله أمر ونهي، ومنهم من أنكر ذلك وقال: المراد أنه خلق فيها غرائز وطبائع توجب هذه الأحوال.
وتمام الكلام فيه سيجيء في سورة النمل.
أما حدوث العسل من النحل فالأصح عند الأطباء أن الله دبر هذا العالم على وجه يحدث في الهواء طل لطيف في الليالي ويقع على أوراق الأشجار فقد يكون كثيراً يجتمع منه أجزاء محسوسة وهي الترنجبين ونحوه، وقد يكون قليلاً متفرقاً على الأوراق والأزهار وهو الذي ألهم الله هذا النحل فتلتقط تلك الذرّات بأفواهها وتأكلها وتغتذي بها فإذا شبعت التقطت مرة أخرى وذهبت بها ووضعتها في بيوتها ادخاراً لنفسها، فإذا اجتمع في بيوتها شيء محسوس من تلك الأجزاء الطلية فذاك هو العسل.
ولا يبعد أن يحصل لتلك الأجزاء في أفواهها نوع هضم وتغير ونضج لخاصية فيها فلذلك قال: ﴿ يخرج من بطونها ﴾ أي من أفواهها.
ومن الناس من زعم أن النحل تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق العطرية ما شاءت، ثم إنه يقلب تلك الأجسام في داخل بدنه عسلاً، ثم إنه يقيء مرة أخرى فذلك هو العسل.
قال العقلاء: والقول الأول أقرب إلى التجربة والقياس: فإن طبيعة الترنجبين قريبة من العسل في الطعم والشكل، ولا شك أنه طل محدث في الهواء ويقع على أطراف الأشجار والأزهار فكذا العسل.
وأيضاً النحل إنما تغتذي بالعسل ولهذا يترك منه بقية في بيوتها بعد الأشتيار.
ولكن قوله : ﴿ يخرج من بطونها شراب ﴾ أي ما يشرب يعضد القول الثاني.
وقوله: ﴿ مختلف ألوانه ﴾ أي منه أبيض وأصفر وأحمر وأسود بحسب اختلاف الأماكن وأمزجة النحل واختلاف الأزهار والأعشاب التي ترعى فيها.
ثم وصفه بقوله: ﴿ فيه شفاء الناس ﴾ لأنه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة النافعة ولذا يقع في أكثر المعاجين.
وتنكير ﴿ شفاء ﴾ لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء فإن كل دواء كذلك.
وعن النبي أن رجلاً جاء إليه فقال: إن أخي يشتكي بطنه.
فقال: اسقه العسل.
فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فما نفع.
فقال: اذهب فاسقه عسلاً فقد صدق الله وكذب بطن أخيك.
فسقاه فشفاه الله فبرأ كأنما نشط من عقال.
قال أهل المعاني: إنه كان عالماً بأنه سيظهر نفعه فلهذا قال: كذب بطن أخيك حين لم يظهر النفع في الحال.
وعن عبد الله بن مسعود: العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم بالشفاءين القرآن والعسل.
واعلم أنه ختم الآية الأولى بقوله: ﴿ لقوم يسمعون ﴾ لأن إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض بسببه أمر مشاهد محسوس فمنكر ذلك فاقد الحس، وإنما خص بالذكر حس السمع لأن لفظ القرآن المنبه على هذه الآية مسموع.
وختم الآية الثانية بالعقل لأنه يحتاج إلى نوع تدبر فالمعرض عنه فاقد العقل دون الحس.
وختم الثالثة بالتفكر لأن أمر النحل وقصتها العجيبة من انقيادها لأميرها واتخاذها البيوت على أشكال يعجز عنها الحاذق منا، ثم تتبعها الزهر والطل ثم خروج ذلك من بطونها لعاباً أو قيئاً يقتضي فكرة بليغة.
ولما ذكر بعض عجائب أحوال الحيوان أتبعه عجيب خلق الإنسان فقال: ﴿ والله خلقكم ﴾ ولم تكونوا شيئاً ﴿ ثم يتوفاكم ﴾ عند انقضاء آجالكم ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ إلى أخسه وأحقره.
عن علي هو خمس وسبعون سنة.
وعن قتادة تسعون سنة.
وقال السدي: هو حالة الخرف دليله قوله: ﴿ لكيلا يعلم بعد علم شيئاً ﴾ أي ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفل في النسيان وعدم التذكر وقيل: لئلا يعقل بعد عقله الأول شيئاً أي لا يعلم زيادة علم على علمه.
وقيل: إن الرد إلى أرذل العمر ليس في المسلمين والمسلم لا يزداد بسبب العمر إلا كرامة على الله ونظير الآية قوله: ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ .
واعلم أن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع: أوّلها سن النشوء، وثانيها سن الوقوف وهو سن الشباب، وثالثها الانحطاط الخفي اليسير وهو سن الكهولة، ورابعها سن الانحطاط الظاهر وهو سن الشيخوخة.
وذكر الأطباء وأصحاب الطبيعي أن بدن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث وهما جوهران حارّان رطبان، والحرارة إذا عملت في الجسم الرطب قلت رطوبته فلا يزال في هذين الجوهرين من قوة الحرارة يقلل ما في العضو من الرطوبة حتى يتصلب ويظهر العظم والغضروف والعصب والوتر والرباط وسائر الأعضاء، فإذا تم تكوين البدن وكمل فعند ذلك ينفصل الجنين من رحم الأم وتكون رطوبة البدن بعد زائدة على حرارته، فتكون الأعضاء قابلة للتمدد والازدياد والنماء وهو سن النشو وغايته إلى ثلاثين أو إلى خمس وثلاثين سنة، ثم تصير رطوبات البدن أقل وتكون وافية بحفظ الحرارة الغريزية الأصلية إلا أنها لا تكون زائدة على هذا القدر وهو سن الوقوف والشباب وغايته وحينئذ يظهر النقصان قليلاً إلى ستين سنة وهي سن الكهولة، ثم يظهر جداً إلى تمام مائة وعشرين سنة.
قال المتكلمون: هذا التعليل ضعيف لأن رطوبات البدن في حال كونه منياً ودماً كانت كثيرة ولذلك كانت الحرارة الغريزية مغمورة، ثم إنها مع ذلك كانت قوية على تحليل أكثر الرطوبات حتى نقلتها من حد الدموية والمنوية إلى أن صارت عظماً وغضروفاً وعصباً ورباطاً، فعندما تولدت الأعضاء وكمل البدن وقلت الرطوبات وجب أن تقوى الحرارة الغريزية قوّة أزيد مما كانت قبل ذلك فوجب أن يكون تحليل الرطوبات بعد تولد البدن وكماله أكثر من تحليلها قبل تولد البدن وليس الأمر كذلك، لأنه قبل تولد البدن انتقل جسم الدم والمني إلى أن صار عظماً وعصباً، أما بعد تولد البدن فلم يحصل مثل هذا الانتقال ولا عشر عشيره، فعلمنا أن البدن إنما يتولد بتدبير قادر حكيم لا لأجل ما قالوه.
وبوجه آخر الحرارة الحاصلة في بدن الإنسان الكامل الغريزة إما أن تكون هي عين ما كان حاصلاً في جوهر النطفة، أو صارت أزيد مما كانت.
والأول باطل لأن الحار الغريزي الحاصل في جوهر النطفة كان بمقدار جرم النطفة، فإذا كبر البدن وجب أن لا يظهر منه في هذا البدن تأثير أصلاً.
وأما الثاني ففيه تسليم أن الحرارة تتزايد بحسب تزايد الجثة، ولا ريب أن تزايدها يوجب تزايد القوة والصحة ساعة فساعة فيلزم أن لا ينهدم البدن الحيواني أبداً وليس كذلك.
وبوجه ثالث هب أن الرطوبة الغريزية صارت معادلة للحرارة الغريزية فلم قلتم إن الحرارة الغريزية يجب أن تصير أقل مما كانت حتى ينتقل الإنسان من سن الشباب إلى سن النقصان؟
قالوا: السبب فيه أنه إذا حصل هذا الاستواء فالحرارة الغريزية بعد ذلكتؤثر في تجفيف الرطوبة الغريزية فتقل الرطوبات الغريزية حتى صارت بحيث لا تفي بحفظ الحرارة الغريزية، وإذا حصلت هذه الحال ضعفت الحرارة الغريزية أيضاً لأن الرطوبات الغريزية كالغذاء للحرارة الغريزية، فإذا قل الغذاء ضعف المغتذي فينتهي الأمر إلى أن لا يبقى من الرطوبة شيء، لأن الحرارة الغريزية توجب قلة الرطوبة الغريزية وقلتها توجب ضعف الحرارة الغريزية فيلزم من ضعف إحداهما ضعف الأخرى فتنطفىء الحرارة أيضاً ويحصل الموت.
وأورد عليهم أن الحرارة إذا أثرت في تجفيف الرطوبة وقلتها فلم لا يجوز أن تورد القوة الغاذية بدلها؟
فأجابوا بأن القوة الغاذية لا تفي بإيراد البدل.
قال الإمام فخر الدين الرازي راداً عليهم.
إن القوة الغاذية إنما تعجز عن هذا الإيراد إذا كانت الحرارة الغريزية ضعيفة وذلك ممنوع، وإنما تكون الحرارة الغريزية ضعيفة أن لو قلت الرطوبة الغريزية، وإنما تحصل هذه القلة إذا عجزت الغاذية عن إيراد البدل وهذا دور محال، فيثبت أن إسناد هذه الأحوال إلى الطبائع والقوى غير ممكن فيعين إسنادها إلى القادر المختار الحكيم، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن الله عليم قدير ﴾ يعلم مقادير المصالح والمفاسد ويقدر على تحصيلها كما يريد.
وأما الطبيعة فجاهلة عاجزة.
قلت: لا شك أن نسبة هذه الأمور إلى مجرد الطبيعة كفر وجهل، لأنها ليست واجبة الوجود بالاتفاق ولكن إنكار القوى والطبائع أيضاً بعيد عن الإنصاف.
والحق أنها وسائط وآلات لما فوقها من المبادىء والعلل إلى أن ينتهي الأمر إلى مسبب الأسباب ومبدأ الكل، وقد ثبت عند الحكيم أن كل قوة جسمانية فإنها متناهية الأثر فلا محالة تعجز القوة الغاذية آخر الأمر عن إيراد بدل ما يتحلل فيحل الأجل بتقدير العليم القدير.
التأويل: ﴿ ولو يؤاخذ الله ﴾ النفوس الناسية ﴿ بما ظلمت ﴾ على القلوب والأرواح ﴿ ما ترك على ﴾ أرض البشرية صفة من صفات الحيوانية.
ولكن يؤخر أهل السعادة إلى أجلهم وهو إفناء صفات النفس بصفات القلب والروح في حينه وأوانه، ويؤخر أهل الشقاء إلى أوان العكس من ذلك.
﴿ ويجعلون لله ما يكرهون ﴾ أي يعاملون الله بأعمال يكرهون أن يعاملهم بها غيرهم وتسوّل لهم أنفسهم أن تلك المعاملة حسنة.
والله أنزل من سماء العزة ماء بيان القرآن فأحيا به أرض قلوب الأمم بعد موتها باختلافهم على أنبيائهم ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ﴾ كلام الله من الله ﴿ وإن لكم في الأنعام ﴾ النفوس ﴿ لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ﴾ الخاطر الشيطاني ﴿ ودم ﴾ الخاطر النفساني ﴿ لبناً خالصاً ﴾ من الإلهام الرباني ﴿ سائغاً للشاربين ﴾ جائزاً لأهل هذا الشرب ﴿ ومن ثمرات ﴾ نخيل الطاعات وأعناب المجاهدات ﴿ تتخذون منه سكراً ﴾ هو ما يجعل منها شرب النفس فتسكر النفس فتارة تميل عن الحق والصراط المستقيم ميلان السكران، وتارة تظهر رعوناتها بالأفعال والأحوال رياء وسمعة وشهوة.
والرزق الحسن ما يكون منه شرب القلب والروح فيزداد منه الشوق والمحبة والصدق والطلب: شربت الحب كأساً بعد كأس *** فما نفد الشراب وما رويت ﴿ وأوحى ربك إلى النحل ﴾ إشارة إلى حال السالك السائر ﴿ أن اتخذي من الجبال بيوتاً ﴾ أراد الاعتزال عن الخلق والتبتل إلى الله.
كان رسول الله يتحنث في غار حراء أسبوعاً وأسبوعين وشهراً، ولا بد أن يتنظف كما أن النحل يحترز عن التلوث.
وفيه أن نحل الأرواح اتخذت من جبال النفوس بيوتاً ومن شجر القلوب ومما يعرشون من الأسرار ﴿ ثم كلي من الثمرات فاسلكي سبل ربك ﴾ نظير قوله: ﴿ كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً ﴾ \[المؤمنون: 51\] فثمرات البدن الأعمال الصالحات، وثمرات النفوس الرياضيات ومخالفات الهوى، وثمرات القلوب ترك الدنيا والتوجه إلى المولى، وثمرات الأسرار شواهد الحق والتطلع على الغيوب والتقرب إلى الله، وهذه كلها أغذية نحل الأرواح فإنها بقوّة هذه الأغذية تسلك السبل إلى أن تصل إلى المقعد الصدق عند مليكها، فيكون غذاؤها مكاشفات الحق ومشاهداته فتبيت عند ربها يطعمها ويسقيها، فحينئذ يخرج من بطونها شراب الحكم والمواعظ مختلف الألوان من المعاني والأسرار والدقائق والحقائق ﴿ فيه شفاء ﴾ للقلوب الناسية القاسية عن ذكر الله ﴿ والله خلقكم ﴾ أخرجكم من العدم إلى الوجود ﴿ ثم يتوفاكم ﴾ عن الوجود المجازي ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ وهو مقام الفناء في الله ﴿ لكيلا يعلم ﴾ بعد فناء علمه شيئاً يعلمه بل يعلم بربه الأشياء كما هي والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ﴾ يذكر - عز وجل - قدرته وسلطانه، حيث أخبر أنه ينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض وهي ميتة، ويخرج منها نباتاً وزروعاً وأشجاراً، فمن قدر على هذا لقادر على إحياء الأنفس بعد موتها لأنه لا فرق بين الإحياءين [إحياء الأرض وإحياء الأنفس]، إذ من قدر على أحدهما قدر على الآخر ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ ﴾ فيما ذكر ﴿ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ قال بعضهم: لآية لقوم يسمعون المواعظ.
وقال بعضهم: لآية لقوم يسمعون الآيات والحجج، وأما من لم يسمع فلا يكون له آية، وأصله: إن في ذلك لآية لقوم ينتفعون بسماعهم، ولآية لقوم يعقلون، أي: ينتفعون بعقولهم، وأصله أن هذا كله يصير آية للمؤمنين على ما ذكر كله؛ لأنهم هم العاقلون عن الله ما أمرهم به ونهاهم عنه، وهم يسمعون آياته ومواعظه، وكله كناية عن المؤمنين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ﴾ والعبرة الآية، أي: أنشأ لكم أنعاماً فيه الآية، هو صلة قوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ﴾ أي: أنزل من السماء ماء، وأنشأ الأنعام لكم فيه الآية أنشأ - عز وجل - في الأنعام لبناً غذاء الأولاد، في الوقت الذي لا يحتمل الغذاء بالعلف، وجعل لأربابها الانتفاع بذلك اللبن وفي الأشياء التي لا يؤكل لحمها لم يجعل لأربابها الانتفاع بما يفضل من اللبن، ولم يجعل لها فضل لبن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ ذكر بالتذكير، فظاهره أن يذكر بالتأنيث؛ لأنه إما أن يريد به الأمهات التي يدر منها اللبن أو جماعة من الذكران منها، فكيفما كان فهو يذكر بالتأنيث، لكن بعضهم يقول: ذكر باسم التذكير على إرادة الأصل الذي به كان اللبن، وهو الفحل، وهذا يدل لأبي حنيفة وأصحابه - رحمهم الله - لقولهم في لبن الفحل أنه يحرم.
وقال بعضهم: ذكر باسم التذكير على إرادة الجنس والجوهر من بين الأجناس والجواهر دون العدد والجماعة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ ﴾ قال ابن عباس : يعني استخراج اللبن من بين فرث ودم، وذلك أن العلف إذا وقع في الكرش [طبخه الكرش] فيجعل الفرث أسفله والدم أعلاه واللبن بين ذلك، ثم يسلط الكبد عليهم فيجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويُبقي الفرث في الكرش كما هو.
وقال بعض الفلاسفة: إن العلف إذا وقع فيه يصير منه فرثاً، ثم يصير منه دماً، ثم يصير لبناً خالصاً، فهو كالنطفة التي وقعت في الرحم، تصير علقة، ثم تصير مضغة مأكولة، فعلى ذلك اللبن [الذي] ذكر والله أعلم.
ويحتمل ما قاله بعض الفلاسفة أن العلف يصير فرثاً، ثم دماً، ثم لبناً.
ويحتمل أن يكون مجرى اللبن بين ما ذكر من الفرث والدم، فأي الوجهين كان، كان فيه اللطف الذي ذكرنا.
ووجه ذكر هذا - والله أعلم - على الامتنان وكذلك ما ذكر من الثمرات والأعناب أنه بلطفه أخرج اللبن الصافي أصفى الأشياء وألطفها من بين أخبث الأشياء وأكدرها في رأي العين، فمن قدر على حفظ هذا مما ذكر بلا حجاب يدرك أو حاجز يعرف لقادر على إنشاء الأشياء من لا شيء لأن الخلائق لو اجتمعوا على أن يدركوا السبب الذي به كان حفظ هذا من هذا وامتناعه عن الخلط بالخبيث ما أدركوا ذلك، وكذلك ما يخرج من النخيل والكروم الثمرات الطيبة والأعناب الحلوة من غير أن يرى أثر ذلك فيها، ومن غير أن يدركوا السبب الذي كان به الأعناب والثمرات، دل أنه قادر على إنشاء الأشياء من لا شيء إذ هي خشبة يابسة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ﴾ .
قال بعضهم: السكر ما يحرم منه، والرزق الحسن: ما [يحل من ثمرها.
وقال بعضهم: السكر: ما يتخذ من الشراب، والرزق الحسن: ما] يؤكل تمراً وزبيباً، ونحوه.
وقال بعضهم: السكر خمر الأعاجم، والرزق الحسن ما ينبذون ويخللون ويأكلون.
وروي في بعض الأخبار أنه حرم السكر، ولم يفسر الآية.
وفي بعض الأخبار أنه بعث معاذاً إلى اليمن، وأمره أن ينهاهم عن نبيذ السكر.
وعن عبد الله [قال]: إن أولادكم ولدوا على الفطرة فلا تسقوهم السكر، فإن الله لم يجعل في حرام شفاء.
وليس بين فقهاء الأمصار في تحريم السكر وفضيخ البسر ونقيع الزبيب إذا أسكر كثيرها ولم يطبخ - اختلاف أنها حرام، وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ ﴾ لما ذكر ﴿ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ : يعقلون.
وقال القتبي: الفرث ما في الكرش؛ لأن اللبن كان طعاماً، فخلص من ذلك الطعام دم، وبقي منه فرث في الكرش، وخلص من الدم لبناً سائغاً أي: سهلا في الشرب، لا يشجى به شاربه ولا يغص.
وكذلك قال أبو عوسجة: أسغته: أي: أدخلته في حلقي سهلا.
وقوله: ﴿ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ﴾ أي: تتخذون منه ما يحرم أكله، ورزقاً حسناً: ما يحل منه، [وهو] كقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ...
﴾ الآية [يونس: 59]، أو يخرج على تذكير النعم في الوقت الذي كان السكر حلالا، أي: تتخذون منه سكرا ما تشربون، ورزقاً حسناً سوى الشراب.
<div class="verse-tafsir"
والله أنزل من جهة السماء مطرًا، فأحيا به الأرض بإخراج النبات منها بعد أن كانت قاحلة جافة، إن في إنزال المطر من جهة السماء، وإخراج نبات الأرض به لدلالة واضحة على قدرة الله لقوم يسمعون كلام الله ويتدبرونه.
<div class="verse-tafsir" id="91.GeG84"