تفسير الآية ٦٩ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٦٩ من سورة النحل

ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًۭا ۚ يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٌۭ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ٦٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 146 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٦٩ من سورة النحل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٦٩ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم أذن لها تعالى إذنا قدريا تسخيريا أن تأكل من كل الثمرات ، وأن تسلك الطرق التي جعلها الله تعالى لها مذللة ، أي : سهلة عليها حيث شاءت في هذا الجو العظيم والبراري الشاسعة ، والأودية والجبال الشاهقة ، ثم تعود كل واحدة منها إلى موضعها وبيتها ، لا تحيد عنه يمنة ولا يسرة ، بل إلى بيتها وما لها فيه من فراخ وعسل ، فتبني الشمع من أجنحتها ، وتقيء العسل من فيها وتبيض الفراخ من دبرها ، ثم تصبح إلى مراعيها .

وقال قتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ( فاسلكي سبل ربك ذللا ) أي : مطيعة .

فجعلاه حالا من السالكة .

قال ابن زيد : وهو كقول الله تعالى : ( وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ) [ يس : 72 ] قال : ألا ترى أنهم ينقلون النحل من بيوته من بلد إلى بلد وهو يصحبهم .

والقول الأول أظهر ، وهو أنه حال من الطريق ، أي : فاسلكيها مذللة لك ، نص عليه مجاهد .

وقال ابن جرير : كلا القولين صحيح .

وقد قال أبو يعلى الموصلي : حدثنا شيبان بن فروخ ، حدثنا سكين بن عبد العزيز ، عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " عمر الذباب أربعون يوما ، والذباب كله في النار إلا النحل " .

وقوله تعالى ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه ) أي : ما بين أبيض وأصفر وأحمر وغير ذلك من الألوان الحسنة ، على اختلاف مراعيها ومأكلها منها .

وقوله : ( فيه شفاء للناس ) أي : في العسل شفاء للناس من أدواء تعرض لهم .

قال بعض من تكلم على الطب النبوي : لو قال فيه : " الشفاء للناس " لكان دواء لكل داء ، ولكن قال ( فيه شفاء للناس ) أي : يصلح لكل أحد من أدواء باردة ، فإنه حار ، والشيء يداوى بضده .

وقال مجاهد بن جبر في قوله : ( فيه شفاء للناس ) يعني : القرآن .

وهذا قول صحيح في نفسه ، ولكن ليس هو الظاهر هاهنا من سياق الآية ; فإن الآية إنما ذكر فيها العسل ، ولم يتابع مجاهد على قوله هاهنا ، وإنما الذي قاله ذكروه في قوله تعالى : ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) الآية [ الإسراء : 82 ] .

وقوله تعالى : ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ) [ يونس : 57 ] .

والدليل على أن المراد بقوله تعالى : ( فيه شفاء للناس ) هو العسل - الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من رواية قتادة ، عن أبي المتوكل علي بن داود الناجي ، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن أخي استطلق بطنه .

فقال : " اسقه عسلا " .

فسقاه عسلا ثم جاء فقال : يا رسول الله ، سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا ، قال : " اذهب فاسقه عسلا " .

فذهب فسقاه ، ثم جاء فقال : يا رسول الله ، ما زاده إلا استطلاقا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " صدق الله ، وكذب بطن أخيك ، اذهب فاسقه عسلا " .

فذهب فسقاه فبرئ .

قال بعض العلماء بالطب : كان هذا الرجل عنده فضلات ، فلما سقاه عسلا وهو حار تحللت ، فأسرعت في الاندفاع ، فزاد إسهاله ، فاعتقد الأعرابي أن هذا يضره وهو مصلحة لأخيه ، ثم سقاه فازداد التحليل والدفع ، ثم سقاه فكذلك ، فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن استمسك بطنه ، وصلح مزاجه ، واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته - عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام - .

وفي الصحيحين من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعجبه الحلواء والعسل .

هذا لفظ البخاري .

وفي صحيح البخاري : من حديث سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الشفاء في ثلاثة : في شرطة محجم ، أو شربة عسل ، أو كية بنار ، وأنهى أمتي عن الكي " .

وقال البخاري : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، سمعت جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن كان في شيء من أدويتكم ، أو يكون في شيء من أدويتكم خير : ففي شرطة محجم ، أو شربة عسل ، أو لذعة بنار توافق الداء ، وما أحب أن أكتوي " .

ورواه مسلم من حديث عاصم بن عمر بن قتادة ، عن جابر به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن إسحاق ، أنبأنا عبد الله ، أنبأنا سعيد بن أبي أيوب ، حدثنا عبد الله بن الوليد ، عن أبي الخير ، عن عقبة بن عامر الجهني قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ثلاث إن كان في شيء شفاء : فشرطة محجم ، أو شربة عسل ، أو كية تصيب ألما ، وأنا أكره الكي ولا أحبه " .

ورواه الطبراني عن هارون بن ملول المصري ، عن أبي عبد الرحمن المقرئ ، [ عن حيوة بن شريح ] عن عبد الله بن الوليد به .

ولفظه : " إن كان في شيء شفاء : فشرطة محجم " .

.

.

وذكره وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه .

وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه : حدثنا علي بن سلمة - هو اللبقي - حدثنا زيد بن الحباب ، حدثنا سفيان عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " عليكم بالشفاءين : العسل والقرآن " .

وهذا إسناد جيد ، تفرد بإخراجه ابن ماجه مرفوعا .

وقد رواه ابن جرير ، عن سفيان بن وكيع ، عن أبيه ، عن سفيان - هو الثوري - به موقوفا : ولهو أشبه .

وروينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال : إذا أراد أحدكم الشفاء فليكتب آية من كتاب الله في صحفة ، وليغسلها بماء السماء ، وليأخذ من امرأته درهما عن طيب نفس منها ، فليشتر به عسلا فليشربه بذلك ، فإنه شفاء .

أي : من وجوه ، قال الله : ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ) [ الإسراء : 82 ] وقال : ( ونزلنا من السماء ماء مباركا ) [ ق : 9 ] وقال : ( فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ) [ النساء : 4 ] وقال في العسل : ( فيه شفاء للناس ) وقال ابن ماجه أيضا : حدثنا محمود بن خداش ، حدثنا سعيد بن زكريا القرشي ، حدثنا الزبير بن سعيد الهاشمي ، عن عبد الحميد بن سالم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من لعق العسل ثلاث غدوات في كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء " .

الزبير بن سعيد متروك .

وقال ابن ماجه أيضا : حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف بن سرح الفريابي ، حدثنا عمرو بن بكر السكسكي ، حدثنا إبراهيم بن أبي عبلة .

سمعت أبا أبي بن أم حرام - وكان قد صلى القبلتين - يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " عليكم بالسنى والسنوت ، فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام " .

قيل : يا رسول الله ، وما السام ؟

قال : " الموت " .

قال عمرو : قال ابن أبي عبلة : " السنوت " : الشبت .

وقال آخرون : بل هو العسل الذي [ يكون ] في زقاق السمن ، وهو قول الشاعر : هم السمن بالسنوت لا ألس فيهم وهم يمنعون الجار أن يقردا كذا رواه ابن ماجه .

وقوله : " لا ألس فيهم " أي : لا خلط .

وقوله : " يمنعون الجار أن يقردا " [ أي يضطهد ويظلم ] .

وقوله : ( إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) أي : إن في إلهام الله لهذه الدواب الضعيفة الخلقة إلى السلوك في هذه المهامة والاجتناء من سائر الثمار ، ثم جمعها للشمع والعسل ، وهو من أطيب الأشياء ، ( لآية لقوم يتفكرون ) في عظمة خالقها ومقدرها ومسخرها وميسرها ، فيستدلون بذلك على أنه [ الفاعل ] القادر ، الحكيم العليم ، الكريم الرحيم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ثم كلي أيتها النحل من الثمرات، ( فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ) يقول: فاسلكي طرق ربك ( ذُلُلا ) يقول: مُذَلَّلة لك، والذُّلُل: جمع ذَلُول.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ( فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا ) قال: لا يتوعَّر عليها مكان سلكته.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ( فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا ) قال: طُرُقا ذُلُلا قال: لا يتوعَّر عليها مكان سلكته.

وعلى هذا التأويل الذي تأوّله مجاهد، الذلل من نعت السبل.

والتأويل على قوله ( فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا ) الذُّلُل لكِ: لا يتوعر عليكِ سبيل سلكتيه، ثم أسقطت الألف واللام فنصب على الحال.

وقال آخرون في ذلك بما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا ) : أي مطيعة.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور ، عن معمر، عن قتادة ( ذُلُلا ) قال: مطيعة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا ) قال: الذلول: الذي يُقاد ويُذهب به حيث أراد صاحبه، قال: فهم يخرجون بالنحل ينتجعون بها ويذهبون ، وهي تتبعهم.

وقرأ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ ...

الآية ، فعلى هذا القول، الذّلُل من نعت النحل، وكلا القولين غير بعيد من الصواب في الصحة وجهان مخرجان، غير أنا اخترنا أن يكون نعتا للسُّبل لأنها إليها أقرب.

وقوله ( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ) يقول تعالى ذكره: يخرج من بطون النحل شراب، وهو العسل، مختلف ألوانه، لأن فيها أبيض وأحمر وأسحر ، وغير ذلك من الألوان.

قال أبو جعفر: أسحر: ألوان مختلفة مثل أبيض يضرب إلى الحمرة.

وقوله ( فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ) اختلف أهل التأويل فيما عادت عليه الهاء التي في قوله ( فِيهِ) ، فقال بعضهم: عادت على القرآن، وهو المراد بها.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا نصر بن عبد الرحمن، قال: ثنا المحاربيّ، عن ليث، عن مجاهد ( فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ) قال: في القرآن شفاء.

وقال آخرون: بل أريد بها العسل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ) ففيه شفاء كما قال الله تعالى من الأدواء، وقد كان ينهى عن تفريق النحل ، وعن قتلها.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور ، عن معمر، عن قتادة، قال: جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فذكر أن أخاه اشتكى بطنه، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: اذْهَبْ فاسْقِ أخاكَ عَسَلا ثم جاءه فقال: ما زاده إلا شدة، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " اذْهَبْ فاسْقِ أخاكَ عَسَلا فَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ ، فسقاه، فكأنما نُشِط من عِقال ".

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ) قال: جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: شفاءان: العسل شفاء من كلّ داء، والقرآن شفاء لما في الصدور.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ) العسل.

وهذا القول، أعني قول قتادة، أولى بتأويل الآية ، لأن قوله (فِيهِ) في سياق الخبر عن العسل فأن تكون الهاء من ذكر العسل، إذ كانت في سياق الخبر عنه أولى من غيره.

وقوله ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) يقول تعالى ذكره: إن في إخراج الله من بطون هذه النحل: الشراب المختلف، الذي هو شفاء للناس، لدلالة وحجة واضحة على من سخَّر النحل وهداها لأكل الثمرات التي تأكل، واتخاذها البيوت التي تنحت من الجبال والشجر والعروش، وأخرج من بطونها ما أخرج من الشفاء للناس، أنه الواحد الذي ليس كمثله شيء، وأنه لا ينبغي أن يكون له شريك ولا تصحّ الألوهة إلا له.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرونقوله تعالى : ثم كلي من كل الثمرات وذلك أنها إنما تأكل النوار من الأشجار .فاسلكي سبل ربك ذللا أي طرق ربك .

والسبل : الطرق ، وأضافها إليه لأنه خالقها .

أي ادخلي طرق ربك لطلب الرزق في الجبال وخلال الشجر .ذللا جمع ذلول وهو المنقاد ; أي مطيعة مسخرة .

ف ذللا حال من النحل .

أي تنقاد وتذهب حيث شاء صاحبها ; لأنها تتبع أصحابها حيث ذهبوا ; قاله ابن زيد .

وقيل : المراد بقوله ذللا السبل .

يقول : مذلل طرقها سهلة للسلوك عليها ; واختاره الطبري ، وذللا حال من السبل .

واليعسوب سيد النحل ، إذا وقف وقفت وإذا سار سارت .قوله تعالى : يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناسفيه تسع مسائل :الأولى : قوله تعالى : يخرج من بطونها رجع الخطاب إلى الخبر على جهة تعديد النعمة والتنبيه على العبرة فقال : يخرج من بطونها شراب يعني العسل .

وجمهور الناس على أن العسل يخرج من أفواه النحل ; وورد عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال في تحقيره للدنيا : أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة ، وأشرف شرابه رجيع نحلة .

فظاهر هذا [ ص: 123 ] أنه من غير الفم .

وبالجملة فإنه يخرج ولا يدرى من فيها أو أسفلها ، ولكن لا يتم صلاحه إلا بحمي أنفاسها .

وقد صنع أرسطاطاليس بيتا من زجاج لينظر إلى كيفية ما تصنع ، فأبت أن تعمل حتى لطخت باطن الزجاج بالطين ; ذكره الغزنوي .

وقال : من بطونها لأن استحالة الأطعمة لا تكون إلا في البطن .الثانية : قوله تعالى : مختلف ألوانه يريد أنواعه من الأحمر والأبيض والأصفر والجامد والسائل ، والأم واحدة والأولاد مختلفون دليل على أن القدرة نوعته بحسب تنويع الغذاء ، كما يختلف طعمه بحسب اختلاف المراعي ; ومن هذا المعنى قول زينب للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ( جرست نحله العرفط ) حين شبهت رائحته برائحة المغافير .الثالثة : قوله تعالى : فيه شفاء للناس الضمير للعسل ; قال الجمهور .

أي في العسل شفاء للناس .

وروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك والفراء وابن كيسان : الضمير للقرآن ; أي في القرآن شفاء .

النحاس : وهذا قول حسن ; أو فيما قصصنا عليكم من الآيات والبراهين شفاء للناس .

وقيل : العسل فيه شفاء ، وهذا القول بين أيضا ; لأن أكثر الأشربة والمعجونات التي يتعالج بها أصلها من العسل .

قال القاضي أبو بكر بن العربي : من قال إنه القرآن بعيد ما أراه يصح عنهم ، ولو صح نقلا لم يصح عقلا ; فإن مساق الكلام كله للعسل ، ليس للقرآن فيه ذكر .

قال ابن عطية : وذهب قوم من أهل الجهالة إلى أن هذه الآية يراد بها أهل البيت وبنو هاشم ، وأنهم النحل ، وأن الشراب القرآن والحكمة ، وقد ذكر هذا بعضهم في مجلس المنصور أبي جعفر العباسي ، فقال له رجل ممن حضر : جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم ، فأضحك الحاضرين وبهت الآخر وظهرت سخافة قوله .الرابعة : اختلف العلماء في قوله - تعالى - : فيه شفاء للناس هل هو على عمومه أم لا ; فقالت طائفة : هو على العموم في كل حال ولكل أحد ، فروي عن ابن عمر أنه كان لا يشكو قرحة ولا شيئا إلا جعل عليه عسلا ، حتى الدمل إذا خرج عليه طلى عليه عسلا .

وحكى النقاش عن أبي وجرة أنه كان يكتحل بالعسل ويستمشي بالعسل ويتداوى بالعسل .

وروي أن عوف بن مالك الأشجعي مرض فقيل له : ألا نعالجك ؟

فقال : ائتوني بالماء ، فإن الله - تعالى - [ ص: 124 ] يقول : ونزلنا من السماء ماء مباركا ثم قال : ائتوني بعسل ، فإن الله - تعالى - يقول : فيه شفاء للناس وائتوني بزيت ، فإن الله - تعالى - يقول : من شجرة مباركة فجاءوه بذلك كله فخلطه جميعا ثم شربه فبرئ .

ومنهم من قال : إنه على العموم إذا خلط بالخل ويطبخ فيأتي شرابا ينتفع به في كل حالة من كل داء .

وقالت طائفة : إن ذلك على الخصوص ولا يقتضي العموم في كل علة وفي كل إنسان ، بل إنه خبر عن أنه يشفي كما يشفي غيره من الأدوية في بعض وعلى حال دون حال ; ففائدة الآية إخبار منه في أنه دواء لما كثر الشفاء به وصار خليطا ومعينا للأدوية في الأشربة والمعاجين ; وليس هذا بأول لفظ خصص فالقرآن مملوء منه ولغة العرب يأتي فيها العام كثيرا بمعنى الخاص والخاص بمعنى العام .

ومما يدل على أنه ليس على العموم أن " شفاء " نكرة في سياق الإثبات ، ولا عموم فيها باتفاق أهل اللسان ومحققي أهل العلم ومختلفي أهل الأصول .

لكن قد حملته طائفة من أهل الصدق والعزم على العموم .

فكانوا يستشفون بالعسل من كل الأوجاع والأمراض ، وكانوا يشفون من عللهم ببركة القرآن وبصحة التصديق والإيقان .

ابن العربي : ومن ضعفت نيته وغلبته على الدين عادته أخذه مفهوما على قول الأطباء ، والكل من حكم الفعال لما يشاء .الخامسة : إن قال قائل : قد رأينا من ينفعه العسل ومن يضره ، فكيف يكون شفاء للناس ؟

قيل له : الماء حياة كل شيء وقد رأينا من يقتله الماء إذا أخذه على ما يضاده من علة في البدن ، وقد رأينا شفاء العسل في أكثر هذه الأشربة ; قال معناه الزجاج .

وقد اتفق الأطباء عن بكرة أبيهم على مدح عموم منفعة السكنجبين في كل مرض ، وأصله العسل وكذلك سائر المعجونات ، على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حسم داء الإشكال وأزاح وجه الاحتمال حين أمر الذي يشتكي بطنه بشرب العسل ، فلما أخبره أخوه بأنه لم يزده إلا استطلاقا أمره بعود الشراب له فبرئ ; وقال : صدق الله وكذب بطن أخيك .السادسة : اعترض بعض زنادقة الأطباء على هذا الحديث فقال : قد أجمعت الأطباء على أن العسل يسهل فكيف يوصف لمن به الإسهال ; فالجواب أن ذلك القول حق في نفسه [ ص: 125 ] لمن حصل له التصديق بنبيه - عليه السلام - ، فيستعمله على الوجه الذي عينه وفي المحل الذي أمره بعقد نية وحسن طوية ، فإنه يرى منفعته ويدرك بركته ، كما قد اتفق لصاحب هذا العسل وغيره كما تقدم .

وأما ما حكي من الإجماع فدليل على جهله بالنقل حيث لم يقيد وأطلق .

قال الإمام أبو عبد الله المازري : ينبغي أن يعلم أن الإسهال يعرض من ضروب كثيرة ، منها الإسهال الحادث عن التخم والهيضات ; والأطباء مجمعون في مثل هذا على أن علاجه بأن يترك للطبيعة وفعلها ، وإن احتاجت إلى معين على الإسهال أعينت ما دامت القوة باقية ، فأما حبسها فضرر ، فإذا وضح هذا قلنا : فيمكن أن يكون ذلك الرجل أصابه الإسهال عن امتلاء وهيضة فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بشرب العسل فزاده إلى أن فنيت المادة فوقف الإسهال فوافقه شرب العسل .

فإذا خرج هذا عن صناعة الطب أذن ذلك بجهل المعترض بتلك الصناعة .

قال : ولسنا نستظهر على قول نبينا بأن يصدقه الأطباء بل لو كذبوه لكذبناهم ولكفرناهم وصدقناه - صلى الله عليه وسلم - ; فإن أوجدونا بالمشاهدة صحة ما قالوه فنفتقر حينئذ إلى تأويل كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتخريجه على ما يصح إذ قامت الدلالة على أنه لا يكذب .السابعة : في قوله - تعالى - : فيه شفاء للناس دليل على جواز التعالج بشرب الدواء وغير ذلك خلافا لمن كره ذلك من جلة العلماء ، وهو يرد على الصوفية الذين يزعمون أن الولاية لا تتم إلا إذا رضي بجميع ما نزل به من البلاء ، ولا يجوز له مداواة .

ولا معنى لمن أنكر ذلك ، روى الصحيح عن جابر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله .

وروى أبو داود والترمذي عن أسامة بن شريك قال : قالت الأعراب : ألا نتداوى يا رسول الله ؟

قال : نعم .

يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داء واحدا قالوا : يا رسول الله وما هو ؟

قال : الهرم لفظ الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح .

وروي عن أبي خزامة عن أبيه قال : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله ، أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها ، هل ترد من قدر الله شيئا ؟

قال : هي من قدر [ ص: 126 ] الله قال : حديث حسن ، ولا يعرف لأبي خزامة غير هذا الحديث .

وقال - صلى الله عليه وسلم - : إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة من عسل أو لذعة بنار وما أحب أن أكتوي أخرجه الصحيح .

والأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تحصى .

وعلى إباحة التداوي والاسترقاء جمهور العلماء .

روي أن ابن عمر اكتوى من اللقوة ورقي من العقرب .

وعن ابن سيرين أن ابن عمر كان يسقي ولده الترياق .

وقال مالك : لا بأس بذلك .

وقد احتج من كره ذلك بما رواه أبو هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : دخلت أمة بقضها وقضيضها الجنة كانوا لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون .

قالوا : فالواجب على المؤمن أن يترك ذلك اعتصاما بالله وتوكلا عليه وثقة به وانقطاعا إليه ; فإن الله - تعالى - قد علم أيام المرض وأيام الصحة فلو حرص الخلق على تقليل ذلك أو زيادته ما قدروا ; قال الله - تعالى - : ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها .

وممن ذهب إلى هذا جماعة من أهل الفضل والأثر ، وهو قول ابن مسعود وأبي الدرداء رضوان الله عليهم .

دخل عثمان بن عفان على ابن مسعود في مرضه الذي قبض فيه فقال له عثمان : ما تشتكي ؟

قال ذنوبي .

قال : فما تشتهي ؟

قال : رحمة ربي .

قال : ألا أدعو لك طبيبا ؟

قال : الطبيب أمرضني .

.

.

وذكر الحديث .

وسيأتي بكماله في فضل الواقعة إن شاء الله - تعالى - .

وذكر وكيع قال : حدثنا أبو هلال عن معاوية بن قرة قال : مرض أبو الدرداء فعادوه وقالوا : ألا ندعو لك طبيبا ؟

قال : الطبيب أضجعني .

وإلى هذا ذهب الربيع بن خثيم .

وكره سعيد بن جبير الرقى .

[ ص: 127 ] وكان الحسن يكره شرب الأدوية كلها إلا اللبن والعسل .

وأجاب الأولون عن الحديث بأنه لا حجة فيه ، لأنه يحتمل أن يكون قصد إلى نوع من الكي مكروه بدليل كي النبي - صلى الله عليه وسلم - أبيا يوم الأحزاب على أكحله لما رمي .

وقال : الشفاء في ثلاثة كما تقدم .

ويحتمل أن يكون قصد إلى الرقى بما ليس في كتاب الله ، وقد قال - سبحانه وتعالى - : وننزل من القرآن ما هو شفاء على ما يأتي بيانه .

ورقى أصحابه وأمرهم بالرقية ; على ما يأتي بيانه .الثامنة : ذهب مالك وجماعة أصحابه إلى أن لا زكاة في العسل وإن كان مطعوما مقتاتا .

واختلف فيه قول الشافعي ، والذى قطع به في قوله الجديد : أنه لا زكاة فيه .

وقال أبو حنيفة بوجوب زكاة العسل في قليله وكثيره ; لأن النصاب عنده فيه ليس بشرط .

وقال محمد بن الحسن : لا شيء فيه حتى يبلغ ثمانية أفراق ، والفرق ستة وثلاثون رطلا من أرطال العراق .

وقال أبو يوسف : في كل عشرة أزقاق زق ; متمسكا بما رواه الترمذي عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : في العسل في كل عشرة أزقاق زق قال أبو عيسى : في إسناده مقال ، ولا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب كبير شيء ، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم ، وبه يقول أحمد وإسحاق ، وقال بعض أهل العلم : ليس في العسل شيء .التاسعة : قوله تعالى : إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون أي يعتبرون ; ومن العبرة في النحل بإنصاف النظر وإلطاف الفكر في عجيب أمرها .

فيشهد اليقين بأن ملهمها الصنعة اللطيفة مع البنية الضعيفة ، وحذقها باحتيالها في تفاوت أحوالها هو الله - سبحانه وتعالى - ; كما قال : وأوحى ربك إلى النحل الآية .

ثم أنها تأكل الحامض والمر والحلو والمالح والحشائش الضارة ، فيجعله الله - تعالى - عسلا حلوا وشفاء ، وفي هذا دليل على قدرته .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيتين 68 و69 :ـ في خلق هذه النحلة الصغيرة، التي هداها الله هذه الهداية العجيبة، ويسر لها المراعي، ثم الرجوع إلى بيوتها التي أصلحتها بتعليم الله لها، وهدايته لها ثم يخرج من بطونها هذا العسل اللذيذ مختلف الألوان بحسب اختلاف أرضها ومراعيها، فيه شفاء للناس من أمراض عديدة.

فهذا دليل على كمال عناية الله تعالى، وتمام لطفه بعباده، وأنه الذي لا ينبغي أن يحب غيره ويدعي سواه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ثم كلي من كل الثمرات ) ليس معنى الكل العموم ، وهو كقوله تعالى : " وأوتيت من كل شيء " ( النمل - 23 ) .

( فاسلكي سبل ربك ذللا ) قيل : هي نعت الطرق ، يقول : هي مذللة للنحل سهلة المسالك .

قال مجاهد : لا يتوعر عليها مكان سلكته .

وقال آخرون : الذلل نعت النحل ، أي : مطيعة منقادة بالتسخير .

يقال : إن أربابها ينقلونها من مكان إلى مكان ولها يعسوب إذا وقف وقفت وإذا سار سارت .

( يخرج من بطونها شراب ) يعني العسل ( مختلف ألوانه ) أبيض وأحمر وأصفر .

( فيه شفاء للناس ) أي : في العسل .

وقال مجاهد : أي في القرآن ، والأول أولى .

أنبأنا إسماعيل بن عبد القاهر ، حدثنا عبد الغافر بن محمد ، حدثنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا محمد بن المثنى ، أخبرنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أبي المتوكل ، عن أبي سعيد الخدري قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أخي استطلق بطنه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اسقه عسلا فسقاه ثم جاء فقال : إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له ثلاث مرات ، ثم جاء الرابعة فقال : اسقه عسلا قال : قد سقيته فلم يزده إلا استطلاقا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صدق الله وكذب بطن أخيك " فسقاه فبرأ .

قال عبد الله بن مسعود : العسل شفاء من كل داء ، والقرآن شفاء لما في الصدور .

وروي عنه أنه قال عليكم بالشفاءين القرآن والعسل .

( إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) فيعتبرون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي» ادخلي «سبل ربك» طرقه في طلب المرعى «ذللا» جمع ذلول حال من السبل أي مسخرة لك فلا تعسر عليك وإن توعرت ولا تضلي على العود منها وإن بعدت، وقيل من الضمير في اسلكي أي منقادة لما يراد منك «يخرج من بطونها شراب» هو العسل «مختلف ألوانه فيه شفاء للناس» من الأوجاع قيل لبعضها كما دل عليه تنكير شفاء أو لكلها بضميمته إلى غيره وبدونها بنيته وقد أمر به صلى الله عليه وسلم من استطلق عليه بطنه رواه الشيخان «إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون» في صنعه تعالى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ثم كُلي مِن كل ثمرة تشتهينها، فاسلكي طرق ربك مذللة لك؛ لطلب الرزق في الجبال وخلال الشجر، وقد جعلها سهلة عليكِ، لا تضلي في العَوْد إليها وإن بَعُدَتْ.

يخرج من بطون النحل عسل مختلف الألوان مِن بياض وصفرة وحمرة وغير ذلك، فيه شفاء للناس من الأمراض.

إن فيما يصنعه النحل لَدلالة قوية على قدرة خالقها لقوم يتفكرون، فيعتبرون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقد علق الشيخ ابن المنير على هذا الكلام بقوله : " ويتزين هذا المعنى الذى نبه عليه الزمخشرى فى تبعيض " من " المتعلقة باتخاذ البيوت بإطلاق الأكل ، كأنه - تعالى - وكل الأكل إلى شهوتها واختيارها فلم يحجر عليها فيه ، وإن حجر عليها فى البيوت ، وأمرت باتخاذها فى بعض المواضع دون بعض لأن مصلحة الأكل على الإِطلاق باستمرار مشتهاها منه ، وأما البيوت فلا تحصل مصلحتها فى كل موضع .

ولهذا المعنى دخلت ثم فى قوله ( ثم كلى .

.

.

) لتفاوت الأمر بين الحجر عليها فى اتخاذ البيوت ، والإِطلاق لها فى تناول الثمرات ، كما تقول : راع الحلال فيما تأكله ثم كل أى شئ شئت .فتوسط ثم لتفاوت .

الحجر والإِطلاق فسبحان اللطيف الخبير " .وقوله : ( ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثمرات فاسلكي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً .

.

) بيان للون آخر من الإِلهامات التى ألهمها الله - تعالى - إياها .والسبل : جمع سبيل .

والمراد بها الطرق التى تسلكها النحلة فى خروجها من بيتها وفى رجوعها إليه وأضاف - سبحانه - السبل إليه ، لأنه هو خالقها وموجدها .وذللا : جمع ذلول وهو الشئ الممهد المنقاد ، وهو حال من السبل ، أى : فاسلكى سبل ربك حال كونها ممهدة لك ، لا عسر فى سلوكها عليك ، وإن كانت صعبة بالنسبة لغيرك .قالوا : ربما أجدب عليها ما حولها ، فتنتجع الأماكن البعيدة للمرعى ، ثم تعود إلى بيوتها دون أن تضل عنها .وقيل إن ( ذللا ) حال من النحلة أى : ثم كلى من كل الثمرات ، فاسلكى سبل ربك ، حالة كونك منقادة لما يراد منك ، مطيعة لما سخرك الله له من أمور تدل على قدرته وحكمته - سبحانه - .وقوله - تعالى - : ( يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ) كلام مستأنف ، عدل به من خطاب النحلة الى خطاب الناس ، تعديدا للنعم ، وتعجيبا لكل سامع ، وتنبيها على مواطن العظات والعبر الدالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته وعجيب صنعه فى خلقه .أى : يخرج من بطون النحل - بعد أكلها من كل الثمرات وبعد اتخاذها بيوتها - شراب هو العسل ، مختلف ألوانه ما بين أبيض وأصفر وغير ذلك من ألوان العسل ، على حسب اختلاف مراعيها ومآكلها وسنها ، وغير ذلك بما اقتضته حكمته - سبحانه - .والضمير فى قوله - تعالى - : ( فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ) يعود على الشراب المستخرج من بطونها وهو العسل .أى : فى العسل شفاء عظيم للناس من أمراض كثيرة تعرض لهم .وقيل : الضمير يعود إلى القرآن الكريم ، والتقدير : فيما قصصنا عليكم فى هذا القرآن الشفاء للناس .وهذا القيل وإن كان صحيحا فى ذاته ، إلا أن السياق لا يدل عليه ، لأن الآية تتحدث عما يخرج من بطون النحل وهو العسل ، ولا وجه للعدول عن الظاهر ، ومخالفة المرجع الواضح .قال الإِمام ابن كثير : والدليل على أن المراد بقوله ( فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ) هو العسل ، الحديث الذى رواه البخارى ومسلم فى صحيحيهما عن أبى سعيد الخدرى - رضى الله عنه - ، " أن رجلا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن أخى استطلق بطنه فقال : " اسقه عسلا " ، فذهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال : يا رسول الله ، سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا .

قال : " اذهب فاسقه عسلا " .

فذهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال يا رسول الله ، سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " صدق الله وكذب بطن أخيك .

اذهب فاسقه عسلا " فذهب فسقاه عسلا فبرئ " .ثم ساق الإِمام ابن كثير بعد ذلك جملة من الأحاديث فى هذا المعنى منها ما رواه البخارى عن ابن عباس قال : " الشفاء فى ثلاثة : فى شرطة محجم أو شربة عسل أوكية بنار ، وأنهى أمتى عن الكى " .وروى البخارى - أيضا - عن جابر بن عبد الله قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن كان فى شئ من أدويتكم - أو يكون فى شئ من أدويتكم - خير : ففى شرطة محجم ، أو شربة عسل ، أو لذعة بنار ، توافق الداء ، وما أحب أن أكتوى " .وقال صاحب فتح البيان : وقد اختلف أهل العلم هل هذا الشفاء الذى جعله الله فى العسل عام لكل داء ، أو خاص ببعض الأمراض .فقال طائفة : هو على العموم فى كل حال ولكل أحد .وقالت طائفة : أخرى : إن ذلك خاص ببعض الأمراض ، ولا يقتضى العموم فى كل علة وفى كل إنسان ، وليس هذا بأول لفظ خصص فى القرآن فالقرآن مملوء منه ، ولغة العربى يأتى فيها العام كثيرا بمعنى الخاص ، والخاص بمعنى العام .ومما يدل على هذا ، أن العسل نكرة فى سياق الإِثبات فلا يكون عاما باتفاق أهل اللسان .

ومحققى أهل الأصول .

وتنكيره إن أريد به التعظيم لا يدل إلا على أن فيه شفاء عظيما لمرض ، أو أمراض ، لا لكل مرض ، فإن تنكير التعظيم لا يفيد العموم .ثم قال : قلت : وحديث البخارى : أن أخى استطلق بطنه .

.

أوضح دليل على ما ذهبت إليه طائفة من تعميم الشفاء ، لأن قوله صلى الله عليه وسلم " صدق الله " أى : أنه شفاء فلو كان لبعض دون بعض لم يكرر الأمر بالسقيا .والذى نراه ، أن من الواجب علينا أن نؤمن إيمانا جازما بأن العسل المذكور فيه شفاء للناس ، كما صرح بذلك القرآن الكريم ، وكما أرشد إلى ذلك النبى صلى الله عليه وسلم .وعلينا بعد ذلك أن نفوض أمر هذا الشفاء وعموميته وخصوصيته لعلم الله - تعالى - وقدرته وحكمته ويكفينا يقينا فى هذا المجال ، إصرار النبى صلى الله عليه وسلم على أن يقول للرجل الذى استطلق بطن أخيه أكثر من مرة ، " اذهب فاسقه عسلا " .وقد تولى كثير من الأطباء شرح هذه الآية الكريمة شرحا علميا وافيا ، وبينوا ما اشتمل عليه عسل النحل من فوائد .ثم ختم - سبحانه - : الآية الكريمة بقوله : ( إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) .أى : إن فى ذلك الذى ذكرناه لكم من أمر النحل؛ من إلهامها اتخاذ البيوت العجيبة ، ومن إدارتها لشئون حياتها بدقة متناهية ، ومن سلوكها الطرق التى جعلها الله مذللة فى ذهابها وإيابها للحصول على قوام حياتها ، ومن خروج العسل من بطونها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين أن إخراج الألبان من النعم، وإخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب دلائل قاهرة، وبينات باهرة على أن لهذا العالم إلهاً قادراً مختاراً حكيماً، فكذلك إخراج العسل من النحل دليل قاطع وبرهان ساطع على إثبات هذا المقصود، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل ﴾ يقال وحى وأوحى، وهو الإلهام، والمراد من الإلهام أنه تعالى قرر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة التي تعجز عنها العقلاء من البشر، وبيانه من وجوه: الأول: أنها تبني البيوت المسدسة من أضلاع متساوية، لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طباعها، والعقلاء من البشر لا يمكنهم بناء مثل تلك البيوت إلا بآلات وأدوات مثل المسطر والفرجار.

والثاني: أنه ثبت في الهندسة أن تلك البيوت لو كانت مشكلة بأشكال سوى المسدسات فإنه يبقى بالضرورة فيما بين تلك البيوت فرج خالية ضائعة، أما إذا كانت تلك البيوت مسدسة فإنه لا يبقى فيما بينها فرج ضائعة، فإهداء ذلك الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الخفية والدقيقة اللطيفة من الأعاجيب.

والثالث: أن النحل يحصل فيما بينها واحد يكون كالرئيس للبقية، وذلك الواحد يكون أعظم جثة من الباقي، ويكون نافذ الحكم على تلك البقية، وهم يخدمونه ويحملونه عند الطيران، وذلك أيضاً من الأعاجيب.

والرابع: أنها إذا نفرت من وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر، فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطنبور والملاهي وآلات الموسيقى، وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى وكرها، وهذا أيضاً حالة عجيبة، فلما امتاز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء والكياسة، وكان حصول هذه الأنواع من الكياسة ليس إلا على سبيل الإلهام وهي حالة شبيهة بالوحي، لا جرم قال تعالى في حقها: ﴿ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل ﴾ .

واعلم أن الوحي قد ورد في حق الأنبياء لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً  ﴾ وفي حق الأولياء أيضاً قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين  ﴾ وبمعنى الإلهام في حق البشر قال تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إلى أُمّ موسى  ﴾ وفي حق سائر الحيوانات كما في قوله: ﴿ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل ﴾ ولكل واحد من هذه الأقسام معنى خاص، والله أعلم.

المسألة الثانية: قال الزجاج: يجوز أن يقال سمي هذا الحيوان نحلاً، لأن الله تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها، وقال غيره النحل يذكر ويؤنث، وهي مؤنثة في لغة الحجاز، ولذلك أنثها الله تعالى، وكذلك كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء.

ثم قال تعالى: ﴿ أَنِ اتخذى مِنَ الجبال بُيُوتًا وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: ﴿ أَنِ اتخذى ﴾ هي أن المفسرة، لأن الإيحاء فيه معنى القول، وقرئ: ﴿ بُيُوتًا ﴾ بكسر الباء ﴿ وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾ أي يبنون ويسقفون، وفيه لغتان قرئ بهما، ضم الراء وكسرها مثل يعكفون ويعكفون.

واعلم أن النحل نوعان: النوع الأول: ما يسكن في الجبال والغياض ولا يتعهدها أحد من الناس.

والنوع الثاني: التي تسكن بيوت الناس وتكون في تعهدات الناس، فالأول هو المراد بقوله: ﴿ أَنِ اتخذى مِنَ الجبال بُيُوتًا وَمِنَ الشجر ﴾ .

والثاني: هو المراد بقوله: ﴿ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾ وهو خلايا النحل.

فإن قيل: ما معنى من في قوله: ﴿ أَنِ اتخذى مِنَ الجبال بُيُوتًا وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾ وهلا قيل في الجبال وفي الشجر؟

قلنا: أريد به معنى البعضية، وأن لا تبني بيوتها في كل جبل وشجر، بل في مساكن توافق مصالحها وتليق بها.

المسألة الثانية: ظاهر قوله تعالى: ﴿ أَنِ اتخذى مِنَ الجبال بُيُوتًا ﴾ أمر، وقد اختلفوا فيه، فمن الناس من يقول لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول، ولا يبعد أن يتوجه عليها من الله تعالى أمر ونهي.

وقال آخرون: ليس الأمر كذلك بل المراد منه أنه تعالى خلق فيها غرائز وطبائع توجب هذه الأحوال، والكلام المستقصى في هذه المسألة مذكور في تفسير قوله تعالى: ﴿ يأَيُّهَا النمل ادخلوا مساكنكم  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ الثمرات ﴾ لفظة من هاهنا للتبعيض أو لابتداء الغاية، ورأيت في كتب الطب أنه تعالى دبر هذا العالم على وجه، وهو أنه يحدث في الهواء طل لطيف في الليالي ويقع ذلك الطل على أوراق الأشجار، فقد تكون تلك الأجزاء الطلية لطيفة صغيرة متفرقة على الأوراق والأزهار، وقد تكون كثيرة بحيث يجتمع منها أجزاء محسوسة.

أما القسم الثاني: فهو مثل الترنجبين فإنه طل ينزل من الهواء ويجتمع على أطراف الطرفاء في بعض البلدان وذلك محسوس.

وأما القسم الأول: فهو الذي ألهم الله تعالى هذا النحل حتى أنها تلتقط تلك الذرات من الأزهار وأوراق الأشجار بأفواهها وتأكلها وتغتذي بها، فإذا شبعت التقطت بأفواهها مرة أخرى شيئاً من تلك الأجزاء وذهبت بها إلى بيوتها ووضعتها هناك، لأنها تحاول أن تدخر لنفسها غذاءها، فإذا اجتمع في بيوتها من تلك الأجزاء الطلية شيء كثير فذاك هو العسل، ومن الناس من يقول: إن النحل تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق المعطرة أشياء، ثم إنه تعالى يقلب تلك الأجسام في داخل بدنها عسلاً، ثم إنها تقيء مرة أخرى فذاك هو العسل، والقول الأول أقرب إلى العقل وأشد مناسبة إلى الاستقراء، فإن طبيعة الترنجبين قريبة من العسل في الطعم والشكل، ولا شك أنه طل يحدث في الهواء ويقع على أطراف الأشجار والأزهار فكذا هاهنا.

وأيضاً فنحن نشاهد أن هذا النحل إنما يتغذى بالعسل، ولذلك فإنا إذا استخرجنا العسل من بيوت النحل نترك لها بقية من ذلك لأجل أن تغتذي بها فعلمنا أنها إنما تغتذي بالعسل وأنها إنما تقع على الأشجار والأزهار لأنها تغتذي بتلك الأجزاء الطلية العسلية الواقعة من الهواء عليها.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ كُلِى مِن كُلّ الثمرات ﴾ كلمة (من) هاهنا تكون لابتداء الغاية، ولا تكون للتبعيض على هذا القول.

ثم قال تعالى: ﴿ فاسلكى سُبُلَ رَبّكِ ﴾ والمعنى: ثم كلي كل ثمرة تشتهينها فإذا أكلتها فاسلكي سبل ربك في الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل، أو يكون المراد: فاسلكي في طلب تلك الثمرات سبل ربك.

أما قوله: ﴿ ذُلُلاً ﴾ ففيه قولان: الأول: أنه حال من السبل لأن الله تعالى ذللها لها ووطأها وسهلها، كقوله: ﴿ هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً  ﴾ الثاني: أنه حال من الضمير في ﴿ فاسلكى ﴾ أي وأنت أيها النحل ذلل منقادة لما أمرت به غير ممتنعة.

ثم قال تعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: أن هذا رجوع من الخطاب إلى الغيبة والسبب فيه أن المقصود من ذكر هذه الأحوال أن يحتج الإنسان المكلف به على قدرة الله تعالى وحكمته وحسن تدبيره لأحوال العالم العلوي والسفلي، فكأنه تعالى لما خاطب النحل بما سبق ذكره خاطب الإنسان وقال: إنا ألهمنا هذا النحل لهذه العجائب، لأجل أن يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه.

البحث الثاني: أنه قد ذكرنا أن من الناس من يقول: العسل عبارة عن أجزاء طلية تحدث في الهواء وتقع على أطراف الأشجار وعلى الأوراق والأزهار، فيلقطها الزنبور بفمه، فإذا ذهبنا إلى هذا الوجه كان المراد من قوله: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا ﴾ أي من أفواهها، وكل تجويف في داخل البدن فإنه يسمى بطناً، ألا ترى أنهم يقولون: بطون الدماغ وعنوا أنها تجاويف الدماغ، وكذا هاهنا يخرج من بطونها أي من أفواهها، وأما على قول أهل الظاهر، وهو أن النحلة تأكل الأوراق والثمرات ثم تقيء فذلك هو العسل فالكلام ظاهر.

ثم قال تعالى: ﴿ شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ﴾ اعلم أنه تعالى وصف العسل بهذه الصفات الثلاثة: فالصفة الأولى: كونه شراباً والأمر كذلك، لأنه تارة يشرب وحده وتارة يتخذ منه الأشربة.

والصفة الثانية: قوله: ﴿ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾ والمعنى: أن منه أحمر وأبيض وأصفر.

ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ ألوانها وَغَرَابِيبُ سُودٌ  ﴾ والمقصود منه: إبطال القول بالطبع، لأن هذا الجسم مع كونه متساوي الطبيعة لما حدث على ألوان مختلفة، دل ذلك على أن حدوث تلك الألوان بتدبير الفاعل المختار، لا لأجل إيجاد الطبيعة.

والصفة الثالثة: قوله: ﴿ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ﴾ وفيه قولان: القول الأول: وهو الصحيح أنه صفة للعسل.

فإن قالوا: كيف يكون شفاء للناس وهو يضر بالصفراء ويهيج المرارة؟

قلنا: إنه تعالى لم يقل إنه شفاء لكل الناس ولكل داء وفي كل حال، بل لما كان شفاء للبعض من بعض الأدواء صلح بأن يوصف بأنه فيه شفاء، والذي يدل على أنه شفاء في الجملة أنه قل معجون من المعاجين إلا وتمامه وكماله إنما يحصل بالعجن بالعسل، وأيضاً فالأشربة المتخذة منه في الأمراض البلغمية عظيمة النفع.

والقول الثاني: وهو قول مجاهد أن المراد: أن القرآن شفاء للناس، وعلى هذا التقدير فقصة تولد العسل من النحل تمت عند قوله: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾ ثم ابتدأ وقال: ﴿ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ﴾ أي في هذا القرآن حصل ما هو شفاء للناس من الكفر والبدعة، مثل هذا الذي في قصة النحل.

وعن ابن مسعود: أن العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور.

واعلم أن هذا القول ضعيف ويدل عليه وجهان: الأول: أن الضمير في قوله: ﴿ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ﴾ يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وما ذاك إلا قوله: ﴿ شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾ وأما الحكم بعود هذا الضمير إلى القرآن مع أنه غير مذكور فيما سبق، فهو غير مناسب.

والثاني: ما روى أبو سعيد الخدري: أنه جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن أخي يشتكي بطنه فقال: اسقه عسلاً فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فلم يغن عنه شيئاً، فقال عليه الصلاة والسلام: «اذهب واسقه عسلاً» فذهب فسقاه، فكأنما نشط من عقال، فقال: «صدق الله وكذب بطن أخيك» وحملوا قوله: «صدق الله وكذب بطن أخيك» على قوله: ﴿ فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ ﴾ وذلك إنما يصح لو كان هذا صفة للعسل.

فإن قال قائل: ما المراد بقوله عليه السلام: «صدق الله وكذب بطن أخيك».

قلنا: لعله عليه السلام علم بنور الوحي أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر نفعه في الحال مع أنه عليه السلام كان عالماً بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك، كان هذا جارياً مجرى الكذب، فلهذا السبب أطلق عليه هذا اللفظ.

ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ واعلم أن تقرير هذه الآية من وجوه: الأول: اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والمعارف الغامضة مثل بناء البيوت المسدسة وسائر الأحوال التي ذكرناها.

والثاني: اهتداؤها إلى جميع تلك الأجزاء العسلية من أطراف الأشجار والأوراق.

والثالث: خلق الله تعالى الأجزاء النافعة في جو الهواء، ثم إلقاؤها على أطراف الأشجار والأوراق، ثم إلهام النحل إلى جمعها بعد تفريقها وكل ذلك أمور عجيبة دالة على أن إله العالم بنى ترتيبه على رعاية الحكمة والمصلحة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الإيحاء إلى النحل: إلهامها والقذف في قلوبها وتعليمها على وجه هو أعلم به، لا سبيل لأحد إلى الوقوف عليه، وإلا فنيَّقتها في صنعتها، ولطفها في تدبير أمرها، وإصابتها فيما يصلحها، دلائل بينة شاهدة على أنّ الله أودعها علماً بذلك وفطنها، كما أولى أولي العقول عقولهم.

وقرأ يحيى بن وثاب ﴿ إلى النحل ﴾ بفتحتين.

وهو مذكر كالنحل، وتأنيثه على المعنى ﴿ أَنِ اتخذى ﴾ هي أن المفسرة؛ لأنّ الإيحاء فيه معنى القول.

وقرئ: ﴿ بيوتاً ﴾ بكسر الباء لأجل الياء.

و ﴿ يَعْرِشُونَ ﴾ بكسر الراء وضمها: يرفعون من سقوف البيوت.

وقيل: ما يبنون للنحل في الجبال والشجر والبيوت من الأماكن التي تتعسل فيها.

والضمير في ﴿ يعرشون ﴾ للناس فإن قلت: ما معنى (من) في قوله ﴿ أَنِ اتخذى مِنَ الجبال بُيُوتًا وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾ وهلا قيل في الجبال وفي الشجر؟

قلت: أريد معنى البعضية، وأن لا تبني بيوتها في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش ولا في كل مكان منها ﴿ مِن كُلّ الثمرات ﴾ إحاطة بالثمرات التي تجرسها النحل وتعتاد أكلها، أي ابني البيوت، ثم كلي من كل ثمرة تشتهينها، فإذا أكلتها ﴿ فاسلكى سُبُلَ رَبّكِ ﴾ أي الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل.

أو فاسلكي ما أكلت في سبل ربك، أي في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المرّ عسلا من أجوافك ومنافذ مآكلك.

أو إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من بيوتك، فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربك، لا تتوعر عليك ولا تضلين فيها، فقد بلغني أنها ربما أجدب عليها ما حولها فتسافر إلى البلد البعيد في طلب النجعة.

أو أراد بقوله: ﴿ ثُمَّ كُلِى ﴾ ثم اقصدي أكل الثمرات فاسلكلي في طلبها في مظانها سبل ربك ﴿ ذُلُلاً ﴾ جمع ذلول، وهي حال من السبل؛ لأنّ الله ذللها لها ووطأها وسهلها، كقوله: ﴿ هُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً ﴾ [الملك: 15] أو من الضمير في ﴿ فاسلكى ﴾ أي: وأنت ذلل منقادة لما أمرت به غير ممتنعة ﴿ شَرَابٌ ﴾ يريد العسل، لأنه مما يشرب ﴿ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾ منه أبيض وأسود وأصفر وأحمر ﴿ فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ ﴾ لأنه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة النافعة، وقل معجون من المعاجين لم يذكر الأطباء فيه العسل، وليس الغرض أنه شفاء لكل مريض، كما أن كل دواء كذلك.

وتنكيره إمّا لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء، وكلاهما محتمل.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أن رجلاً جاء إليه فقال: إن أخي يشتكي بطنه، فقال: «اذهب واسقه العسل» فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فما نفع، فقال: «اذهب واسقه عسلاً، فقد صدق الله وكذب بطن أخيك، فسقاه فشفاه الله فبرأ، كأنما أنشط من عقال» وعن عبد الله بن مسعود: «العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم بالشفاءين: القرآن والعسل» ومن بدع التأويلات الرافضة: أن المراد بالنحل علي وقومه: وعن بعضهم أنه قال عند المهدي: إنما النحل بنو هاشم، يخرج من بطونهم العلم، فقال له رجل: جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطونهم فضحك المهدي وحدث به المنصور، فاتخذوه أضحوكة من أضاحيكهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ ﴾ ألْهَمَها وقَذَفَ في قُلُوبِها، وقُرِئَ « إلى النَّحَلِ» بِفَتْحَتَيْنِ.

﴿ أنِ اتَّخِذِي ﴾ بِأنِ اتَّخِذِي ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً لِأنَّ في الإيحاءِ مَعْنى القَوْلِ، وتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ عَلى المَعْنى فَإنَّ النَّحْلَ مُذَكَّرٌ.

﴿ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ ﴾ ذُكِرَ بِحَرْفِ التَّبْعِيضِ لِأنَّها لا تَبْنِي في كُلِّ جَبَلٍ وكُلِّ شَجَرٍ وكُلِّ ما يُعْرَّشُ مِن كَرْمٍ أوْ سَقْفٍ، ولا في كُلِّ مَكانٍ مِنها وإنَّما سُمِّيَ ما تَبْنِيهِ لَتَتَعَسَّلَ فِيهِ بَيْتًا تَشْبِيهًا بِبِناءِ الإنْسانِ، لِما فِيهِ مِن حُسْنِ الصَّنْعَةِ وصِحَّةِ القِسْمَةِ الَّتِي لا يَقْوى عَلَيْها حُذّاقُ المُهَنْدِسِينَ إلّا بِآلاتٍ وأنْظارٍ دَقِيقَةٍ، ولَعَلَّ ذِكْرَهُ لِتَنْبِيهٍ عَلى ذَلِكَ وقُرِئَ (بِيُوتًا) بِكَسْرِ الباءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ (يَعْرُشُونَ) بِضَمِّ الرّاءِ.

﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ﴾ مِن كُلِّ ثَمَرَةٍ تَشْتَهِينَها مُرِّها وحُلْوِها.

﴿ فاسْلُكِي ﴾ ما أكَلْتِ.

﴿ سُبُلَ رَبِّكِ ﴾ في مَسالِكِهِ الَّتِي يُحِيلُ فِيها بِقُدْرَتِهِ النَّوْرَ المُرَّ عَسَلًا مِن أجْوافَكِ، أوْ ﴿ فاسْلُكِي ﴾ الطُّرُقَ الَّتِي ألْهَمَكِ في عَمَلِ العَسَلِ، أوْ فاسْلُكِي راجِعَةً إلى بُيُوتِكِ ﴿ سُبُلَ رَبِّكِ ﴾ لا تَتَوَعَّرُ عَلَيْكِ.

ولا تَلْتَبِسُ.

﴿ ذُلُلا ﴾ جَمْعُ ذَلُولٍ وهي حالٌ مِنَ السُّبُلِ، أيْ مُذَلَّلَةٌ ذَلَّلَها اللَّهُ تَعالى وسَهَّلَها لَكِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في اسْلُكِي أيْ وأنْتِ ذُلُلٌ مُنْقادَةٌ لِما أُمِرْتِ بِهِ.

﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِها ﴾ كَأنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنْ خِطابِ النَّحْلِ إلى خِطابِ النّاسِ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الإنْعامِ عَلَيْهِمْ والمَقْصُودُ مِن خَلْقِ النَّحْلِ وإلْهامِهِ لِأجْلِهِمْ.

﴿ شَرابٌ ﴾ يَعْنِي العَسَلَ لِأنَّهُ مِمّا يُشْرَبُ، واحْتَجَّ بِهِ مَن زَعَمَ أنَّ النَّحْلَ تَأْكُلُ الأزْهارَ والأوْراقَ العَطِرَةَ فَتَسْتَحِيلُ في بَطْنِها عَسَلًا، ثُمَّ تَقِيءُ ادِّخارًا لِلشِّتاءِ، ومَن زَعَمَ أنَّها تَلْتَقِطُ بِأفْواهِها أجْزاءً طَلِيَّةً حُلْوَةً صَغِيرَةً مُتَفَرِّقَةً عَلى الأوْراقِ والأزْهارِ، وتَضَعُها في بُيُوتِها ادِّخارًا فَإذا اجْتَمَعَ في بُيُوتِها شَيْءٌ كَثِيرٌ مِنها كانَ العَسَلُ فَسَّرَ البُطُونَ بِالأفْواهِ.

﴿ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ ﴾ أبْيَضُ وأصْفَرُ وأحْمَرُ وأسْوَدُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ سِنِّ النَّحْلِ والفَصْلِ.

﴿ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ ﴾ إمّا بِنَفْسِهِ كَما في الأمْراضِ البَلْغَمِيَّةِ، أوْ مَعَ غَيْرِهِ كَما في سائِرِ الأمْراضِ، إذْ قَلَّما يَكُونُ مَعْجُونٌ إلّا والعَسَلُ جُزْءٌ مِنهُ، مَعَ أنَّ التَّنْكِيرَ فِيهِ مُشْعِرٌ بِالتَّبْعِيضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّعْظِيمِ.

وَعَنْ قَتادَةَ «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ: إنَّ أخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ فَقالَ: « اسْقِهِ العَسَلَ»، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: قَدْ سَقَيْتُهُ فَما نَفَعَ فَقالَ: « اذْهَبْ واسْقِهِ عَسَلًا فَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ» .

فَسَقاهُ فَشَفاهُ اللَّهُ تَعالى فَبَرَأ فَكَأنَّما أُنْشِطَ مِن عِقالٍ.» وَقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ أوْ لِما بَيَّنَ اللَّهُ مِن أحْوالِ النَّحْلِ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ فَإنَّ مَن تَدَبَّرَ اخْتِصاصَ النَّحْلِ بِتِلْكَ العُلُومِ الدَّقِيقَةِ والأفْعالِ العَجِيبَةِ حَقَّ التَّدَبُّرِ عَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن خالِقٍ قادِرٍ حَكِيمٍ يُلْهِمُها ذَلِكَ ويَحْمِلُها عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثمرات} أي ابني البيوت ثم كلى كل ثمرة تشتهيها فإذا أكلتها {فاسلكى سُبُلَ رَبِّكِ} فادخلي الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل أو إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من بيوتك فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربك لا تضلين فيها {ذُلُلاً} جمع ذلول وهي حال من السبل لأن الله تعالى ذللها وسهلها أو من الضمير في فاسلكي أي وأنت ذلل منقادة لماامرت به غير ممتنعة {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ} يريد العسل لأنه مما يشرب تلقيه من فيها {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} منه أبيض وأصفر وأحمر من الشباب والكهول والشيب أو على ألوان أغذيتها {فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ} لأنه من جملة الأدوية النافعة وقل معجون من المعاجين لم يذكر الأطباء فيه العسل وليس الغرض أنه شفاء لكل مريض كما أن كل دواء كذلك وتنكيره لتعظيم الشفاء الذي فيه أو لأن فيه بعض الشفاء لأن

النحل (٦٩ _ ٧٢)

النكرة في الإثبات تخص وشكا رجل استطلاق بطن أخيه فقال عليه السلام اسقه عسلاً فجاءه وقال زاده شراً فقال عليه السلام صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه عسلاً فسقاه فصح وعن ابن مسعود رضي الله عنه العسل شفاء من كل داء والقرآن شفاء لما في الصدور فعليكم بالشفاءين القرآن والعسل ومن بدع الروافض أن المراد بالنحل عليّ وقومه وعن بعضهم أن رجلاً قال عند المهدي إنما النحل بنو هاشم يخرج من بطونهم العلم فقال له رجل جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطونهم فضحك المهدي وحدث به المنصور فاتخذوه أضحوكة من أضاحيكهم ٢ {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} في

عجب أمرها فيعلمون أن الله أودعها علماً بذلك وفطنها كما أعطى أولي العقول عقولهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ﴾ أيْ مِن جَمِيعِها، وهي جَمْعُ ثَمَرَةٍ مُحَرَّكَةً حَمْلُ الشَّجَرَةِ، وأخَذَ بِظاهِرِ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَقالَ: إنَّما تَأْكُلُ النَّوارَ مِنَ الأشْجارِ، ويُقالُ الثَّمَرَةُ لِلشَّجَرَةِ أيْضًا كَما في القامُوسِ، قِيلَ: وهو المُناسِبُ هُنا إذِ التَّخْصِيصُ بِحَمْلِ الشَّجَرِ خِلافُ الواقِعِ لِعُمُومِ أكْلِها لِلْأوْراقِ والأزْهارِ والثِّمارِ.

وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّ إطْلاقَ الثَّمَرَةِ عَلى الشَّجَرَةِ مَجازٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وكَوْنُها تَأْكُلُ مِن غَيْرِها غَيْرُ مَعْلُومٍ وغَيْرُ مُنافٍ لِلِاقْتِصارِ عَلى أكْلِ ما يَنْبُتُ فِيها والعُمُومُ في كُلٍّ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ البَعْضِ عُرْفِيٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِالعادَةِ أيْ كُلِي مِن كُلِّ ثَمَرَةٍ تَشْتَهِينَها، وقِيلَ: لِلتَّكْثِيرِ، قالَ الخَفاجِيُّ: ولَوْ أُبْقِيَ عَلى ظاهِرِهِ أيْضًا جازَ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الأمْرِ بِالأكْلِ مِن جَمِيعِ الثَّمَراتِ الأكْلُ مِنها لِأنَّ الأمْرَ لِلتَّخْلِيَةِ والإباحَةِ، وأيًّا ما- فَمِن- لِلتَّبْعِيضِ.

وقالَ الإمامُ: رَأيْتُ في كُتُبِ الطِّبِّ أنَّهُ تَعالى دَبَّرَ هَذا العالَمِ عَلى وجْهٍ يَحْدُثُ في الهَواءِ ظِلٌّ لَطِيفٌ في اللَّيالِي ويَقَعُ عَلى أوْراقِ الأشْجارِ فَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الأجْزاءُ لَطِيفَةً صَغِيرَةً مُتَفَرِّقَةً عَلى الأوْراقِ والأزْهارِ وقَدْ تَكُونُ كَثِيرَةً بِحَيْثُ يَجْتَمِعُ مِنها أجْزاءٌ مَحْسُوسَةٌ وهَذا مِثْلُ التَّرَنْجَبِينِ فَإنَّهُ ظِلٌّ يَنْزِلُ مِنَ الهَواءِ ويَجْتَمِعُ عَلى الأطْرافِ في بَعْضِ البُلْدانِ، وأمّا القِسْمُ الأوَّلُ فَهو الَّذِي ألْهَمَ اللَّهُ تَعالى النَّحْلَ حَتّى تَلْتَقِطَهُ مِنَ الأزْهارِ وأوْراقِ الأشْجارِ بِأفْواهِها وتَغْتَذِي بِهِ فَإذا شَبِعَتِ التَقَطَتْ بِأفْواهِها مَرَّةً أُخْرى شَيْئًا مِن تِلْكَ الأجْزاءِ وذَهَبَتْ بِهِ إلى بُيُوتِها ووَضَعَتْهُ هُناكَ كَأنَّها تُحاوِلُ أنْ تَدَّخِرَ لِنَفْسِها غِذاءَها فالمُجْتَمَعُ مِن ذَلِكَ هو العَسَلُ، ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ النَّحْلَ تَأْكُلُ مِنَ الأزْهارِ الطَّيِّبَةِ والأوْراقِ العَطِرَةِ أشْياءَ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُقَلِّبُ تِلْكَ الأجْسامَ في داخِلِ بَدَنِها عَسَلًا ثُمَّ تَقِيئُهُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى العَقْلِ وأشَدُّ مُناسَبَةً لِلِاسْتِقْراءِ، فَإنَّ طَبِيعَةَ التَّرَنْجَبِينِ قَرِيبَةٌ مِنَ العَسَلِ في الطَّعْمِ والشَّكْلِ ولا شَكَّ أنَّهُ ظِلٌّ يَحْدُثُ في الهَواءِ ويَقَعُ عَلى أطْرافِ الأشْجارِ والأزْهارِ فَكَذا هاهُنا، وأيْضًا فَنَحْنُ نُشاهِدُ أنَّ النَّحْلَ تَتَغَذّى بِالعَسَلِ حَتّى إنّا إذا أخْرَجَنا العَسَلَ مِن بُيُوتِها تَرَكْنا لَها بَقِيَّةً مِنهُ لِغِذائِها، وحِينَئِذٍ فَكَلِمَةُ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ اه.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ظاهِرَ ﴿ كُلِي ﴾ يُؤَيِّدُ القَوْلَ الثّانِي وهو أشَدُّ تَأْيِيدًا لَهُ مِن تَأْيِيدِ مُشابَهَةِ التَّرَنْجَبِينِ لِلْعَسَلِ في الطَّعْمِ والشَّكْلِ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ لا سِيَّما وطَبِيعَةُ العَسَلِ والتَّرَنْجَبِينِ مُخْتَلِفَةٌ، فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أجِلَّةِ الأطِبّاءِ أنَّ العَسَلَ حارٌّ في الثّالِثَةِ يابِسٌ في الثّانِيَةِ والتَّرَنْجَبِينُ حارٌّ في الأُولى رَطْبٌ في الثّانِيَةِ أوْ مُعْتَدِلٌ.

نَعَمْ لِتِلْكَ المُشابَهَةِ يُطْلَقُ عَلَيْها اسْمُ العَسَلِ فَإنَّ تَرَنْجَبِينَ فارِسِيٌّ مَعْناهُ عَسَلٌ رَطْبٌ لا طَلُّ النَّدا كَما زُعِمَ وإنْ قالُوا: هو في الحَقِيقَةِ طَلٌّ يَسْقُطُ عَلى العاقُولِ بِفارِسَ ويُجْمَعُ كالمَنِّ، ويُجْلَبُ مِنَ التَّكْرُورِ شَيْءٌ يُسَمّى بِلِسانِهِمْ طَنِيطٌ أشْبَهُ الأشْياءِ بِهِ في الصُّورَةِ والفِعْلِ لَكِنَّهُ أغْلَظُ، والأمْرُ في مُشاهَدَةِ تَغَذِّيها بِالعَسَلِ سَهْلٌ فَإنَّهُ لَيْسَ دائِمِيًّا، ويُنْقَلُ عَنْ بَعْضِ الطُّيُورِ الَّتِي تَكْمُنُ شِتاءَ التَّغَذِّي بِالرَّجِيعِ.

ويُؤَيِّدُ المَشْهُورَ ما رُوِيَ عَنِ الأمِيرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ في تَحْقِيرِ الدُّنْيا: أشْرَفُ لِباسِ ابْنِ آدَمَ فِيهِ لُعابُ دُودَةٍ وأشْرَفُ شَرابِهِ رَجِيعُ نَحْلٍ، وجاءَ عَنْهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أيْضًا أمّا العَسَلُ فَوَنِيمُ ذُبابٍ.

وحَمْلُهُ عَلى التَّمْثِيلِ خِلافُ الظّاهِرِ وعَلى ذَلِكَ نُظِّمَتِ الأشْعارُ فَقالَ المَعَرِّي: والنَّحْلُ يَجْنِي المُرَّ مِن زَهْرِ الرُّبا فَيَعُودُ شَهْدًا في طَرِيقِ رُضابِهِ وقالَ الحَرِيرِيُّ: تَقُولُ هَذا مُجاجُ النَّحْلِ تَمْدَحُهُ ∗∗∗ وإنْ تُرِدْ ذَمَّهُ قَيْءُ الزَّنابِيرِ وأخْبَرَنِي مَن أثِقُ بِهِ أنَّهُ شاهَدَ كَثِيرًا حَمْلَها لِأوْراقِ الأزْهارِ بِفَمِها إلى بُيُوتِها وهو مِمّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِلْأكْلِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أيْضًا ما يُؤَيِّدُهُ، ﴿ فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ﴾ أيْ طُرُقَهُ سُبْحانَهُ راجِعَةً إلى بُيُوتِكِ بَعْدَ الأكْلِ، فالمُرادُ بِالسُّبُلِ مَسالِكُها في العَوْدِ، ويُحْكى أنَّها رُبَّما أجْدَبَ عَلَيْها ما حَوْلَها فانْتَجَعَتِ الأماكِنَ البَعِيدَةَ لِلْمَرْعى ثُمَّ تَعُودُ إلى بُيُوتِها لا تَضِلُّ عَنْها، وفي إضافَةِ السُّبُلِ إلى الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِها إشارَةٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُهَيِّئُ لِذَلِكَ والمُيَسِّرُ لَهُ والقائِمُ بِمَصالِحِها ومَعايِشِها، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ السُّبُلِ طُرُقُ الذَّهابِ إلى مَظانِّ ما تَأْكُلُ مِنهُ، وحِينَئِذٍ فَمَعْنى ﴿ كُلِي ﴾ اقْصُدِي الأكْلَ، وقِيلَ: السُّبُلُ مَجازٌ عَنْ طُرُقِ العَمَلِ وأنْواعِها أيْ فاسْلُكِي الطُّرُقَ الَّتِي ألْهَمَكِ رَبُّكِ في عَمَلِ العَسَلِ، وقِيلَ: مَجازٌ عَنْ طُرُقِ إحالَةِ الغِذاءِ عَسَلًا، و«اسْلُكِي» مُتَعَدٍّ مِن سَلَكْتُ الخَيْطَ في الإبْرَةِ سَلْكًا لا لازِمَ مِن سَلَكَ في الطَّرِيقِ سُلُوكًا، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أيْ فاسْلُكِي ما أكَلْتِ في مَسالِكِهِ الَّتِي يَسْتَحِيلُ فِيها بِقُدْرَتِهِ النَّوْرُ المُرُّ عَسَلًا مِن أجْوافِكِ.

وتُعِقِّبَ بِأنَّ السَّلْكَ في تِلْكَ المَسالِكِ لَيْسَ فِيهِ لَها اخْتِيارٌ حَتّى تُؤْمَرَ بِهِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الأمْرُ تَكْوِينِيًّا، ورُدَّ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الإدْخالَ بِاخْتِيارِها فَلا يَضُرُّهُ كَوْنُ الإحالَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ لَيْسَتِ اخْتِيارِيَّةً وهو ظاهِرٌ فَلَيْسَ كَما زُعِمَ ﴿ ذُلُلا ﴾ أيْ مُذَلَّلَةً ذَلَّلَها اللَّهُ تَعالى وسَهَّلَها لَكِ فَهو جَمْعُ ذَلُولٍ حالٌ مِنَ السُّبُلِ ورُوِيَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ.

وجَعَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ وصْفَ السُّبُلِ بِالذُّلُلِ دَلِيلًا عَلى أنَّ المُرادَ بِالسُّبُلِ مَسالِكُ الغِذاءِ لا طُرُقُ الذَّهابِ أوِ الإيابِ قالَ: لِأنَّ النَّحْلَ تَذْهَبُ وتَؤُوبُ في الهَواءِ وهو لَيْسَ طُرُقًا ذُلُلًا لِأنَّ الذَّلُولَ هو الَّذِي يُذَلَّلُ بِكَثْرَةِ الوَطْءِ والهَواءُ لَيْسَ كَذَلِكَ وفِيهِ نَظَرٌ.

وقالَ قَتادَةُ: أيُّ مُطِيعَةً مُنْقادَةً فَهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ فاسْلُكِي ﴾ ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِها ﴾ اسْتِئْنافٌ عَدَلَ بِهِ عَنْ خِطابِ النَّحْلِ إلى الكَلامِ مَعَ النّاسِ لِبَيانِ ما يَظْهَرُ مِنها مِن تَعاجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي هي مَوْضِعُ عِبْرَتِهِمْ بَعْدَ ما أُمِرَتْ بِما أُمِرَتْ ﴿ شَرابٌ ﴾ يَعْنِي العَسَلَ، وسُمِّي بِذَلِكَ لِأنَّهُ مِمّا يُشْرَبُ حَتّى قِيلَ: إنَّهُ لا يُقالُ: أكَلْتُ عَسَلًا وإنَّما يُقالُ: شَرِبْتُ عَسَلًا، وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما لَمْ يُعَبِّرْ بِالإخْراجِ مُسْنَدًا إلَيْهِ تَعالى اكْتِفاءً بِإسْنادِ الإيحاءِ بِالمَبادِي إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ وفِيهِ إيذانٌ بِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ بِحَيْثُ إنَّ ما يُشْعِرُ بِإرادَةِ الشَّيْءِ كافٍ في حُصُولِهِ.

(ومِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ، وذَكَرَ سُبْحانَهُ مَبْدَأ الغايَةِ الأُولى وهي البُطُونُ ولَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ مَبْدَأ الغايَةِ الأخِيرَةِ والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ يَخْرُجُ مِن أفْواهِها، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ أبْلَغُ في القُدْرَةِ، وبَيْتُ الحَرِيرِيِّ عَلى ذَلِكَ وكَذا قَوْلُ الحَسَنِ: لَبابُ البِرِّ بِلُعابِ النَّحْلِ بِخالِصِ السَّمْنِ ما عابَهُ مُسْلِمُ وقِيلَ: مِن أدْبارِها وهو ظاهِرُ ما رُوِيَ عَنْ يَعْسُوبِ المُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.

وقالَ آخَرُونَ: لا نَدْرِي إلّا ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى.

وحُكِيَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ والإسْكَنْدَرُ وأرِسْطُو صَنَعُوا لَها بُيُوتًا مِن زُجاجٍ لِيَنْظُرُوا إلى كَيْفِيَّةِ صَنِيعِها وهَلْ يَخْرُجُ العَسَلُ مِن فِيها أمْ مِن غَيْرِهِ فَلَمْ تَضَعْ مِنَ العَسَلِ شَيْئًا حَتّى لَطَّخَتْ باطِنَ الزُّجاجِ بِالطِّينِ بِحَيْثُ يَمْنَعُ المُشاهَدَةَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ بِالبُطُونِ الأفْواهُ، وسُمِّيَ الفَمُ بَطْنًا لِأنَّهُ في حُكْمِهِ ولِأنَّهُ مِمّا يُبْطَنُ ولا يَظْهَرُ، وهَذا تَأْوِيلُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها تَلْتَقِطُ الذَّرّاتِ الصَّغِيرَةَ مِنَ الطَّلِّ وتَدَّخِرُها في بُيُوتِها وهو العَسَلُ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ مِنَ البَطْنِ الجارِحَةُ المَعْرُوفَةُ فالآيَةُ تُؤَيِّدُ القَوْلَ المَشْهُورَ في تَكَوُّنِ العَسَلِ.

وفي الكَشْفِ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ كُلِي ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ لِمَعِدَةِ النَّحْلِ في ذَلِكَ تَأْثِيرًا وهو المُخْتارُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ مِنَ الحُكَماءِ، ومَن جَعَلَ العَسَلَ نَباتِيًّا مَحْضًا وفَسَّرَ البُطُونَ بِأفْواهِ النَّحْلِ فَلَيْتَ شِعْرِي ماذا يَصْنَعُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ كُلِي ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُفَسِّرُ الأكْلَ بِالِالتِقاطِ وهو كَما تَرى أنَّ دَفْعَ الفَسادِ لا يَدْفَعُ الِاسْتِبْعادَ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّها تَجْتَنِي زَهْرًا وطَلًّا فالمُجْتَنى مِنَ الزَّهْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ عَسَلًا والمُجْتَنى مِنَ الطَّلِّ يَكُونُ مُومًا والعَقْلُ يُجَوِّزُ العَكْسَ ولَعَلَّهُ أقْرَبُ مِن ذَلِكَ ﴿ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ ﴾ بِالبَياضِ والصُّفْرَةِ والحُمْرَةِ والسَّوادِ إمّا لِمَحْضِ إرادَةِ الصّانِعِ الحَكِيمِ جَلَّ جَلالُهُ وإمّا لِاخْتِلافِ المَرْعى أوْ لِاخْتِلافِ الفَصْلِ أوْ لِاخْتِلافِ سِنِّ النِّحَلِ، فالأبْيَضُ لِفَتِيِّها والأصْفَرُ لِكَهْلِها والأحْمَرُ لِمُسِنِّها والأسْوَدُ لِلطّاعِنِ في ذَلِكَ جِدًّا.

وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وقَدْ سَألْتُ جَمْعًا مِمَّنْ أثِقُ بِهِمْ قَدِ اخْتَبَرُوا أحْوالها فَذَكَرُوا أنَّهم قَدِ اسْتَقْرَؤُوا وسَبَرُوا فَرَأوْا أقْوى الأسْبابِ الظّاهِرَةِ لِاخْتِلافِ الألْوانِ اخْتِلافُ السِّنِّ بَلْ قالَ بَعْضُهُمْ: ما عَلِمْنا لِذَلِكَ سَبَبًا إلّا هَذا بِالِاسْتِقْراءِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ ما ذُكِرَ مُؤَيِّدًا لِلْقَوْلِ المَشْهُورِ في تَكَوُّنِ العَسَلِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ.

﴿ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ ﴾ إمّا بِنَفْسِهِ كَما في الأمْراضِ البَلْغَمِيَّةِ أوْ مَعَ غَيْرِهِ كَما في سائِرِ الأمْراضِ إذْ قَلَّما يَكُونُ مَعْجُونٌ لا يَكُونُ فِيهِ عَسَلٌ فَلَهُ دَخْلٌ في أكْثَرِ ما بِهِ الشِّفاءُ مِنَ المَعاجِينِ والتَّراكِيبِ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ دُخُولَهُ في ذَلِكَ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في الشِّفاءِ بَلْ عَدَمُ الضَّرَرِ إذْ قِيلَ: إنَّ إدْخالَهُ في التَّراكِيبِ لِحِفْظِها ولِذا نابَ عَنْهُ في ذَلِكَ السُّكَّرُ، والَّذِي رَأيْناهُ في كَثِيرٍ مِن كُتُبِ الطِّبِّ أنَّهُ يَحْفَظُ قُوى الأدْوِيَةِ طَوِيلًا ويُبَلِّغُها مَنافِعَها، ولا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ أنَّ ما يَحْفَظُ القُوى ويُبَلِّغُ مَنافِعَ الدَّواءِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّ لَهُ دَخْلًا في الشِّفاءِ، ولَمْ يَشْتَهِرْ أنَّ السُّكَّرَ يَنُوبُ مَنابَهُ في ذَلِكَ.

وفِي البَحْرِ أنَّ العَسَلَ مَوْجُودٌ كَثِيرًا في أكْثَرِ البِلادِ وأمّا السُّكَّرُ فَمُخْتَصٌّ بِهِ بَعْضُ البِلادِ وهو مُحْدَثٌ مَصْنُوعٌ لِلْبَشَرِ، ولَمْ يَكُنْ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الأزْمانِ يُجْعَلُ في الأدْوِيَةِ والأشْرِبَةِ إلّا العَسَلَ اه، وفي شَرْحِ الشَّمائِلِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَأْكُلِ السُّكَّرَ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالنّاسِ هُنا العُمُومَ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الأمْراضِ لا يَدْخُلُ في دَوائِها العَسَلُ كَأمْراضِ الصَّفْراءِ فَإنَّهُ مُضِرٌّ لِلصَّفْراوِيِّ، ولَوْ يُسَلَّمُ أنَّ السَّكَنْجَبِينَ الَّذِي هو خَلٌّ وعَسَلٌ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ أصْلُ مَعْناهُ نافِعٌ لَهُ، والنّافِعُ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ السَّكَنْجَبِينِ فَإنَّهُ نُقِلَ إلى ما رُكِّبَ مِن حامِضٍ وحُلْوٍ، ولَهُ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ أُلِّفَتْ في جَمْعِها الرَّسائِلُ حَتّى قالُوا بِحُرْمَةِ تَناوُلِهِ عَلَيْهِ وإنَّما المُرادُ بِالنّاسِ الَّذِينَ يُنْجَعُ العَسَلُ في أمْراضِهِمْ، والتَّنْوِينُ في ( شِفاءٌ ) إمّا لِلتَّعْظِيمِ أيْ شِفاءٌ أيَّ شِفاءٍ، وإمّا لِلتَّبْعِيضِ أيْ فِيهِ بَعْضُ الشِّفاءِ فَلا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ شِفاءٍ بِهِ ولا أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَسْتَشْفِي بِهِ.

ولا يَرِدُ أنَّ اللَّبَنَ أيْضًا كَذَلِكَ بَلْ قَلَّما يُوجَدُ شَيْءٌ مِنَ العَقاقِيرِ إلّا وفِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ بِهَذا المَعْنى لَمّا قِيلَ: إنَّ التَّنْصِيصَ عَلى هَذا الحُكْمِ فِيهِ لِإفادَةِ ما يَكادُ يُسْتَبْعَدُ مِنِ اشْتِمالِ ما يَخْرُجُ عَلى اخْتِلافِ ألْوانِهِ مِن هَذِهِ الدُّودِ الَّتِي هي أشْبَهُ شَيْءٍ بِذَواتِ السُّمُومِ ولَعَلَّها ذاتَ سُمٍّ أيْضًا فَإنَّها تَلْسَعُ وتُؤْلِمُ وقَدْ يَرِمُ الجِلْدُ مِن لَسْعِها وهو ظاهِرٌ في أنَّها ذاتَ سُمٍّ عَلى ﴿ شِفاءٌ لِلنّاسِ ﴾ ويُفْهَمُ مِن ظاهِرِ بَعْضِ الآثارِ أنَّ الكَلامَ عَلى عُمُومِهِ.

فَقَدْ أخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ عَنْ نافِعٍ أنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كانَ لا يَشْكُو قُرْحَةً ولا شَيْئًا إلّا جَعَلَ عَلَيْهِ عَسَلًا حَتّى الدُّمَّلُ إذا كانَ بِهِ طَلاهُ عَسَلًا فَقُلْنا لَهُ: تُداوِي الدُّمَّلَ بِالعَسَلِ فَقالَ: ألَيْسَ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ ﴿ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ ﴾ ؟

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا بَأْسَ بِمُداواةِ الدُّمَّلِ بِالعَسَلِ فَقَدْ ذَكَرَ الأطِبّاءُ أنَّهُ يُنَقِّي الجُرُوحَ ويَدْمُلُ ويَأْكُلُ اللَّحْمَ الزّائِدَ والحَقُّ أنَّهُ لا مَساغَ لِلْعُمُومِ إذْ لا شَكَّ في وُجُودِ مَرَضٍ لا يَنْفَعُ فِيهِ العَسَلُ، والآثارُ المُشْعِرَةُ بِالعُمُومِ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِها.

وأمّا ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «أنَّ رَجُلًا أتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ فَقالَ: اسْقِهِ عَسَلًا فَسَقاهُ عَسَلًا ثُمَّ جاءَ فَقالَ: سَقَيْتُهُ عَسَلًا فَما زادَهُ إلّا اسْتِطْلاقًا قالَ: اذْهَبْ فاسْقِهِ عَسَلًا فَسَقاهُ عَسَلًا ثُمَّ جاءَ فَقالَ: ما زادَهُ إلّا اسْتِطْلاقًا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: صَدَقَ اللَّهُ تَعالى وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكِ اذْهَبْ فاسْقِهِ عَسَلًا فَذَهَبَ فَسَقاهُ فَبَرَأ»».

فَلَيْسَ صَرِيحًا في العُمُومِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ داءَ هَذا المُسْتَطْلِقِ مِمّا يُشْفى بِالعَسَلِ فَإنَّ بَعْضَ الِاسْتِطْلاقِ قَدْ يُشْفى بِالعَسَلِ، فَفي طَبَقاتِ الأطِبّاءِ أنَّهُ إنَّما قالَ  ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ في مَعِدَةِ المَرِيضِ رُطُوباتٍ لَزِجَةً غَلِيظَةً قَدْ أزْلَقَتْ مَعِدَتَهُ فَكُلَّما مَرَّ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الأدْوِيَةِ القابِضَةِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ والرُّطُوباتُ باقِيَةٌ عَلى حالِها والأطْعِمَةُ تَزْلَقُ عَنْها فَيَبْقى الإسْهالُ فَلَمّا تَناوَلَ العَسَلَ جَلّا تِلْكَ الرُّطُوباتِ وأحْدَرَها فَكَثُرَ الإسْهالُ أوَّلًا بِخُرُوجِها وتَوالِي ذَلِكَ حَتّى نَفَذَتِ الرُّطُوبَةُ بِأسْرِها فانْقَطَعَ إسْهالُهُ وبَرِئَ، فَقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «صَدَقَ اللَّهُ تَعالى» يَعْنِي بِالعِلْمِ الَّذِي عَرَّفَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ، وقَوْلُهُ «كَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ» يَعْنِي ما كانَ يَظْهَرُ مِن بَطْنِهِ مِنَ الإسْهالِ وكَثْرَتِهِ بِطَرِيقِ العَرْضِ ولَيْسَ هو بِإسْهالٍ ومَرَضٍ حَقِيقِيٍّ فَكانَ بَطْنُهُ كاذِبًا اه.

وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ- بِصِدْقِ اللَّهِ تَعالى- صَدَقَ سُبْحانَهُ في أنَّ العَسَلَ فِيهِ الشِّفاءُ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««كَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ»» مِنَ المُشاكَلَةِ الضِّدْيَةِ كَقَوْلِهِمْ: مَن طالَتْ لِحْيَتُهُ تَكَوْسَجَ عَقْلُهُ، وهو عَلى الأوَّلِ اسْتِعارَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهِ البَطْنِ بِالكاذِبِ في كَوْنِ ما ظَهَرَ مِن إسْهالِها لَيْسَ بِأمْرٍ حَقِيقِيٍّ وإنَّما هو لِما عَرَضَ لَها، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُ الأطِبّاءِ: زَحِيرٌ كاذِبٌ وزَحِيرٌ صادِقٌ.

وأنْكَرَ بَعْضُهم هَذا النَّوْعَ مِنَ المُشاكَلَةِ وقالَ: إنَّها لَيْسَتْ مَعْرُوفَةً وإنَّهُ إنَّما عَبَّرَ بِهِ لِأنَّ بَطْنَهُ كَأنَّهُ كَذَّبَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى بِلِسانِ حالِهِ وهو ناشِئٌ مِن قِلَّةِ الِاطِّلاعِ.

وقَدْ وقَعَ نَظِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في زَمَنِ المَأْمُونِ، وذَلِكَ أنَّ ثُمامَةَ العَبْسِيَّ وكانَ مِن خَواصِّهِ مَرِضَ بِالإسْهالِ فَكانَ يَقُومُ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ وعَجَزَ الأطِبّاءُ عَنْ عِلاجِهِ فَعالَجَهُ يَزِيدُ بْنُ يُوحَنّا طَبِيبُ المَأْمُونِ بِالمُسَهِّلِ أيْضًا فَبَرِئَ وكانَ قَدْ ظَنَّ الأطِبّاءُ أنَّهُ يَمُوتُ بِسَبَبِ ذَلِكَ ولا يَبْقى لِغَدِهِ، وذَكَرَ الطَّبِيبُ حِينَ سَألَهُ المَأْمُونُ عَنْ وجْهِ الحِكْمَةِ فِيما فَعَلَ فَذَكَرَ أنَّهُ كانَ في جَوْفِ الرَّجُلِ كَيْمُوسٌ فاسِدٌ فَلا يَدْخُلُهُ غِذاءٌ ولا دَواءٌ إلّا أفْسَدَهُ فَعَلِمْتُ أنَّهُ لا عِلاجَ لَهُ إلّا قَلْعُ ذَلِكَ بِالإسْهالِ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ ما فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مِن مُعْجِزاتِهِ الدّالَّةِ عَلى عِلْمِهِ بِدَقائِقِ الطِّبِّ مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ، وكَذا يُعْلَمُ أنَّ ما طَعَنَ بِهِ بَعْضُ المُلْحِدِينَ ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ مِن أنَّهُ كَيْفَ يُداوِي الإسْهالَ بِالعَسَلِ وهو مُسَهِّلٌ بِاتِّفاقِ الأطِبّاءِ ناشِئٌ عَنِ الجَهْلِ بِالدَّقائِقِ وعَدَمِ الوُقُوفِ عَلى الحَقائِقِ.

ونُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ والضَّحّاكِ والفَرّاءِ، وابْنِ كَيْسانَ وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ أنَّ ضَمِيرَ ( فِيهِ ) لِلْقُرْآنِ والمُرادُ أنَّ في القُرْآنِ شِفاءً لِأمْراضِ الجَهْلِ والشِّرْكِ وهُدًى ورَحْمَةً، واسْتَحْسَنَ ذَلِكَ ابْنُ النَّحّاسِ.

وقالَ القاضِي أبُو بَكْرٍ العَرَبِيُّ: أرى هَذا القَوْلَ لا يَصِحُّ نَقْلُهُ عَنْ هَؤُلاءِ ولَوْ صَحَّ نَقْلًا لَمْ يَصِحَّ عَقْلًا فَإنَّ سِياقَ الكَلامِ كُلِّهِ لِلْعَسَلِ لَيْسَ لِلْقُرْآنِ فِيهِ ذِكْرٌ، ورُجُوعُ الضَّمِيرِ لِلْكِتابِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ مِمّا لا يَكادُ يَقُولُهُ أمْثالُ هَؤُلاءِ الكِرامِ والعُلَماءُ الأعْلامُ.

نَعَمْ كَوْنُ القُرْآنِ شِفاءً مِمّا لا كَلامَ فِيهِ، وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «عَلَيْكم بِالشِّفاءَيْنِ العَسَلِ والقُرْآنِ» هَذا.

وقَدَّمَ سُبْحانَهُ الإخْبارَ عَنْ إنْزالِ الماءِ لِما أنَّ الماءَ أتَمُّ نَفْعًا وأعْظَمُ شَأْنًا وهو أصْلٌ أصِيلٌ لِتَكَوُّنِ اللَّبَنِ وما بَعْدَهُ، ثُمَّ ذُكِرَ اللَّبَنُ لِأنَّهُ يُحْتاجُ إلَيْهِ أكْثَرَ مِن غَيْرِهِ مِمّا ذُكِرَ بَعْدَهُ، وقَدْ يُسْتَغْنى بِشُرْبِهِ عَنْ شُرْبِ الماءِ كَما شاهَدْنا ذَلِكَ مِن بَعْضِ مُتَزَهِّدِي زَمانِنا فَقَدْ تَرَكَ شُرْبَ الماءِ عِدَّةً مِنَ السِّنِينَ مُكْتَفِيًا بِشُرْبِ اللَّبَنِ، وسَمْعِنا نَحْوَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ رُؤَساءِ الأعْرابِ، وهو الدَّلِيلُ عَلى الفِطْرَةِ ولِذَلِكَ اخْتارَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ وعُرِضَ عَلَيْهِ مَعَ الخَمْرِ والعَسَلِ، ثُمَّ الخَمْرُ لِأنَّها أقْرَبُ إلى الماءِ مِنَ العَسَلِ فَإنَّها ماءُ العِنَبِ ولَمْ يُعْهَدْ جَعْلُها إدامًا كالعَسَلِ فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يُؤْدَمُ بِهِ الخُبْزُ ويُؤْكَلُ، وبَيْنَها وبَيْنَ اللَّبَنِ نَوْعُ مُشابَهَةٍ مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنهُما يَخْرُجُ مِن بَيْنِ أجْزاءٍ كَثِيفَةٍ وما أشْبَهَ ثِقَلَهُ بِالفَرْثِ، وإذا لُوحِظَ السَّوْغُ في اللَّبَنِ وعَدَمُهُ في الخَمْرِ بِناءً عَلى ما يَقُولُونَ: إنَّها لَيْسَتْ سَهْلَةَ المُرُورِ في الحَلْقِ ولِذا يُقَطِّبُ شارِبُها عِنْدَ الشُّرْبِ وقَدْ يَغُصُّ بِها كانَ بَيْنَهُما نَوْعٌ مِنَ التَّضادِّ، ويَحْسُنُ إيقاعُ الضِّدِّ بَعْدَ الضِّدِّ كَما يَحْسُنُ إيقاعُ المِثْلِ بَعْدَ المِثْلِ، وإذا لُوحِظَ مَآلُ أمْرِهِما شَرْعًا رَأيْتَ أنَّ الخَمْرَ لَمْ يَسُغْ شُرْبُها بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ فِيهِ وشُرْبُ اللَّبَنِ لَمْ يَزَلْ سائِغًا وبِذَلِكَ يَقْوى التَّضادُّ، ويُقَوِّيهِ أيْضًا أنَّ اللَّبَنَ يَخْرُجُ مِن بَطْنِ حَيَوانٍ ولا دَخْلَ لِعَمَلِ البَشَرِ فِيهِ والخَمْرُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وأمّا ذِكْرُ الرِّزْقِ الحَسَنِ بَعْدَ الخَمْرِ وتَقْدِيمُهُ عَلى العَسَلِ فالوَجْهُ فِيهِ ظاهِرٌ جِدًّا، ولَعَلَّ ما اعْتَبَرْناهُ في وجْهِ تَقْدِيمِ الخَمْرِ عَلى العَسَلِ وذِكْرِهِ بَعْدَ اللَّبَنِ أقْوى مِمّا يَصِحُّ اعْتِبارُهُ في العَسَلِ وجْهًا لِتَقْدِيمِهِ عَلى الخَمْرِ وذِكْرِهِ بَعْدَ اللَّبَنِ، فَلا يَرِدُ أنَّ في كُلِّ جِهَةٍ تَقْدِيمًا فاعْتِبارُها في أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ تَرْجِيحٌ بِلا مُرَجِّحٍ، وقَدْ جاءَ ذِكْرُ الماءِ واللَّبَنِ والخَمْرِ والعَسَلِ في وصْفِ الجَنَّةِ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ قالَ تَعالى: ﴿ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى  ﴾ فَتَأمَّلَ فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ المَذْكُورِ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ لآيَةً ﴾ عَظِيمَةً ﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ فَإنَّ مَن تَفَكَّرَ في اخْتِصاصِ النَّحْلِ بِتِلْكَ العُلُومِ الدَّقِيقَةِ والأفْعالِ العَجِيبَةِ الَّتِي مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْها وخُرُوجِ هَذا الشَّرابِ الحُلْوِ المُخْتَلِفِ الألْوانِ وتَضَمُّنِهِ الشِّفاءَ جَزْمٌ قَطْعًا أنَّ لَها رَبًّا حَكِيمًا قادِرًا ألْهَمَها ما ألْهَمَ وأوْدَعَ فِيها ما أوْدَعَ، ولَمّا كانَ شَأْنُها في ذَلِكَ عَجِيبًا يَحْتاجُ إلى مَزِيدِ تَأمُّلٍ خَتَمَ سُبْحانَهُ الآيَةَ بِالتَّفَكُّرِ.

ومِن بِدَعِ تَأْوِيلاتِ الرّافِضَةِ عَلى ما في الكَشّافِ أنَّ المُرادَ بِالنَّحْلِ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وقَوْمَهُ.

وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ عِنْدَ المَهْدِيِّ: إنَّما النَّحْلُ بَنُو هاشِمٍ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهِمُ العِلْمُ فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى طَعامَكَ وشَرابَكَ مِمّا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهِمْ فَضَحِكَ المَهْدِيُّ وحَدَّثَ بِهِ المَنصُورَ فاتَّخَذُوهُ أُضْحُوكَةً مِن أضاحِيكِهِما، وسَتَسْمَعُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَقُولُهُ الصُّوفِيَّةُ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم في بابِ الإشارَةِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أي: ألهمها إلهاماً مثل قوله بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة: 5] أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً أي: مسكناً وَمِنَ الشَّجَرِ يعني: أن اتخذى من الجبال ومن الشجر مسكناً وَمِمَّا يَعْرِشُونَ.

قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: يَعْرِشُونَ بضم الراء، والباقون بالكسر، ومعناهما واحد.

أي: ومما يبنون من سقوف البيت مسكنا ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي من ألوان الثمرات، أي: ألهمها بأكل الثمرات، فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا أي: ادخلي الطريق الذي يسهل عليك.

ويقال: خذي طرق ربك مذللاً، أي مسخراً لك.

وقال مقاتل: فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ يعني: ادخلي طرق ربك في الجبال، وفي خلال الشجر ذُلُلًا لأنَّ الله تعالى ذلل لها طرقها حيثما توجهت.

يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها أي: من بطون النحل، من قبل أفواهها مثل اللعاب شَرابٌ أي: العسل مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ أي العسل: أبيض، وأصفر، وأحمر.

ويقال: يخرج من أفواه الشبان من النحل الأبيض، ومن الكهول الأصفر، ومن الشيوخ الأحمر فِيهِ أي: في العسل شِفاءٌ لِلنَّاسِ.

روى أبو المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري.

قال: جاء رجل إلى النبي  فقال: إن أخي استطلق بطنه.

فقال له: «اسْقِهِ عَسَلاً» .

فسقاه ثم جاء فقال: سقيته فلم يزده إلا استطلاقا.

فقال له: «اسْقِهِ عَسَلاً» ، فسقاه ثم جاءه فقال: سقيته فلم يزده إلا استطلاقا.

فقال له: «اسْقِهِ عَسَلاً.

صَدَقَ الله وَكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ» .

فسقاه فبرئ.

قال الفقيه أبو الليث: إنما يكون العسل شفاء إذا عرف الإنسان مقداره، ويعرف لأي داء هو.

فإذا لم يعرف مقداره، ولم يعرف موضعه، فربما يكون فيه ضرر، كما إن الله تعالى جعل الماء حياة كل شيء، وربما يكون الماء سبباً للهلاك.

وقال السدي: العسل شفاء الأوجاع التي يكون شفاؤها فيه.

وقال مجاهد: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ أي: في القرآن بيان للناس من الضلالة.

وروى أبو الأحوص، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور» .

وروى الأسود عن ابن مسعود أنه قال: «عليكم بالشفاءين القرآن، والعسل» .

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي: فيما ذكر من أمر النحل لعلامة لوحدانيتي لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ يعني: أن معبودهم لم يغنهم من شيء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : وهذا لا يضطر إِليه لأنه خروجٌ عن اللَّفْظِ، بل قوله: مَثَلُ على بابه، فلهم على الإِطلاقِ مَثَلُ السوء في كلِّ سوء، ولا غاية أخزى من عذابِ النارِ، وللَّه سبحانه الْمَثَلُ الْأَعْلى على الإِطلاق أيضاً، أي: الكمال المستغْنِي.

وقوله سبحانه: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ: الضميرُ في «عليها» عائدٌ على الأرض، وتَمَكَّنَ ذلك مع أنه لم يَجْرِ لها ذكر لشهرتها وتمكُّن الإِشارة إِليها، وسمع أبو هريرة رجُلاً يقول: «إِنَّ الظَّالِمَ لاَ يُهْلِكُ إِلاَّ نَفْسَهُ» فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: بَلَى، إِنَّ اللَّهَ لَيُهْلِكُ الحُبَارَى في وَكْرِهَا هزلاً بذنوب الظّلمة «٢» .

و «الأجل المسمَّى» في هذه الآية: هو بحسبِ شَخْصٍ شخصٍ.

وقوله: مَا يَكْرَهُونَ يريد البنات.

وقوله سبحانه: وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى: قال مجاهد وقتادة الْحُسْنى: الذُّكُور من الأولاد «٣» ، وقالت فرقةٌ: يريد الجنة.

قال ع «٤» : ويؤيِّده قوله: لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ، وقرأ السبعة «٥» سوَى نافعٍ:

«مُفْرَطُونَ» - بفتح الراءِ وخِفَّتِها- أي: مُقَدَّمون إِلى النار، وقرأَ نافع: «مُفْرِطُونَ» - بكسر الراء المخفَّفة-، أي: متجاوِزُونَ الحدَّ في معاصي الله.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ ﴾ في هَذا الوَحْيِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إلْهامٌ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ أمْرٌ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورَوى ابْنُ مُجاهِدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: أرْسَلَ إلَيْها.

والنَّحْلُ: زَنابِيرُ العَسَلِ، واحِدَتُها نَحْلَةٌ.

و ﴿ يَعْرِشُونَ ﴾ يَجْعَلُونَهُ عَرِيشًا.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَعْرُشُونَ " بِضَمِّ الرّاءِ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: " يَعْرِشُ " و " يَعْرُشُ " مِثْلُ " يَعْكِفُ " و " يَعْكُفُ " ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما يَعْرِشُونَ مِنَ الكُرُومِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّها سُقُوفُ البُيُوتِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كُلُّ شَيْءٍ عُرِشَ، مِن كَرْمٍ، أوْ نَباتٍ، أوْ سَقْفٍ، فَهو عَرْشٌ، ومَعْرُوشٌ.

وقِيلَ: المُرادُ بِـ " مِمّا يَعْرِشُونَ ": مِمّا يَبْنُونَ لَهم مِنَ الأماكِنِ الَّتِي تُلْقِي فِيها العَسَلَ، ولَوْلا التَّسْخِيرُ، ما كانَتْ تَأْوِي إلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مِنَ الثَّمَراتِ، وَ " كُلٌّ " هاهُنا لَيْسَتْ عَلى العُمُومِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ  ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: فَهي تَأْكُلُ الحامِضَ، والمُرَّ، وما لا يُوصَفُ طَعْمُهُ، فَيُحِيلُ الله عَزَّ وجَلَّ مِن ذَلِكَ عَسَلًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ﴾ السُّبُلُ: الطُّرُقُ، وهي الَّتِي يَطْلُبُ فِيها الرَّعْيَ.

و " الذُّلُلُ " جَمْعُ ذَلُولٍ.

وفي المَوْصُوفِ بِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها السُّبُلُ، فالمَعْنى: اسْلُكِي السُّبُلَ مُذَلَّلَةً لَكِ، فَلا يَتَوَعَّرُ عَلَيْها مَكانٌ سَلَكَتْهُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، واخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

والثّانِي: أنَّها النَّحْلُ، فالمَعْنى: إنَّكَ مُذَلَّلَةٌ بِالتَّسْخِيرِ لِبَنِي آدَمَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، واخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ ﴾ يَعْنِي: العَسَلَ " مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنهُ أحْمَرُ، وأبْيَضُ، وأصْفَرُ.

قالَ الزَّجّاجُ: [يَخْرُجُ] مِن بُطُونِها، إلّا أنَّها تُلْقِيه مِن أفْواهِها، وإنَّما قالَ: مِن بُطُونِها، لِأنَّ اسْتِحالَةَ الأطْعِمَةِ لا تَكُونُ إلّا في البَطْنِ، فَيَخْرُجُ كالرِّيقِ الدّائِمِ الَّذِي يَخْرُجُ مِن فَمِ ابْنِ آدَمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى العَسَلِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ.

واخْتَلَفُوا، هَلِ الشِّفاءُ الَّذِي فِيهِ يَخْتَصُّ بِمَرَضٍ دُونَ غَيْرِهِ، أمْ لا ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مَرَضٍ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: العَسَلُ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ.

وقالَ قَتادَةُ: فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ مِنَ الأدْواءِ.

وقَدْ رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ: إنَّ أخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ، فَقالَ: " اسْقِهِ عَسَلًا " فَسَقاهُ، ثُمَّ أتى فَقالَ: قَدْ سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إلّا اسْتِطْلاقًا، قالَ: " اسْقِهِ، عَسَلًا "، فَذَكَرَ الحَدِيثَ.

.

.

إلى أنْ قالَ: فَشُفِيَ، إمّا في الثّالِثَةِ، وإمّا في الرّابِعَةِ.

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : " صَدَقَ اللَّهُ، وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ» " أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ.

ويَعْنِي بِقَوْلِهِ " صَدَقَ اللَّهُ ": هَذِهِ الآيَةُ.

والثّانِي: فِيهِ شِفاءٌ لِلْأوْجاعِ الَّتِي شِفاؤُها فِيهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الغالِبُ عَلى العَسَلِ أنَّهُ يَعْمَلُ في الأدْواء، ويَدْخُلُ في الأدْوِيَةِ، فَإذا لَمْ يُوافِقْ آحادَ المَرْضى، فَقَدْ وافَقَ الأكْثَرِينَ، وهَذا كَقَوْلِ العَرَبِ: الماءُ حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ، وقَدْ نَرى مَن يَقْتُلُهُ الماءُ، وإنَّما الكَلامُ عَلى الأغْلَبِ.

والثّانِي: أنَّ الهاءَ تَرْجِعُ إلى الِاعْتِبارِ.

والشِّفاءُ: بِمَعْنى الهُدى، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِن ثَمَراتِ النَخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَأوحى رَبُّكَ إلى النَحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَمَراتِ فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: التَقْدِيرُ: ومِن ثَمَراتِ النَخِيلِ والأعْنابِ ما تَتَّخِذُونَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: ومِن ثَمَراتِ النَخِيلِ والأعْنابِ شَيْءٌ تَتَّخِذُونَ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "وَمِن ثَمَراتِ" عَطْفًا عَلى "الأنْعامِ"، أيْ: ولَكم مِن ثَمَراتِ النَخِيلِ والأنْعامِ عِبْرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى "مِمّا"، أيْ: ونَسْقِيكم أيْضًا مَشْرُوباتٍ مِن ثَمَراتٍ.

وَ"السَكَرُ": ما يُسْكَرُ، هَذا هو المَشْهُورُ في اللُغَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ، وأرادَ "بِالسَكَرِ" الخَمْرَ، و"بِالرِزْقِ الحَسَنِ" جَمِيعَ ما يُشْرَبُ ويُؤْكَلُ حَلالًا مِن هاتَيْنِ الشَجَرَتَيْنِ، وقالَ بِهَذا القَوْلِ ابْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ، والشَعْبِيُّ، وأبُو رَزِينٌ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَكَرَ اللهُ نِعْمَتَهُ في السَكَرِ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ، وقالَ الشَعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: السَكَرُ: المايِغُ مِن هاتَيْنِ الشَجَرَتَيْنِ كالخَلِّ والرُبِّ والنَبِيذِ، و الرِزْقُ الحَسَنِ: العِنَبُ والتَمْرُ، قالَ الطَبَرِيُّ: والسَكَرُ أيْضًا في كَلامِ العَرَبِ: ما يُطْعَمُ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ.

ولا يَدْخُلُ الخَمْرُ فِيهِ، ولا نُسِخَ مِنَ الآيَةِ شَيْءٌ، وقالَ بَعْضُ الفِرْقَةِ الَّتِي رَأتِ السَكَرَ الخَمْرَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِتَحْرِيمِ الخَمْرِ، وفي هَذِهِ المَقالَةِ دَرْكٌ؛ لِأنَّ النَسْخَ إنَّما يَكُونُ في حُكْمٍ مُسْتَقِرٍّ مَشْرُوعٍ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  ، أنَّهُ قالَ: « "حُرِمَتِ الخَمْرُ بِعَيْنِها، والسَكَرُ مِن غَيْرِها"،» هَكَذا رُوِيَ، والرِوايَةُ الصَحِيحَةُ بِفَتْحِ السِينِ والكافِ، أيْ: جَمِيعُ ما يُسْكِرُ مِنهُ حُرِّمَ عَلى حَدِّ تَحْرِيمِ الخَمْرِ قَلِيلُهُ وكَثِيرُهُ، ورَواهُ العِراقِيُّونَ و"السُكْرُ" بِضَمِّ السِينِ وسُكُونِ الكافِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى فَقْهِهِمْ في أنَّ ما أسْكَرُ كَثِيرُهُ مِن غَيْرِ خَمْرِ العِنَبِ فَقَلِيلُهُ حَلالٌ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوحى رَبُّكَ إلى النَحْلِ ﴾ الآيَةُ.

الوَحْيُ في كَلامِ العَرَبِ إلْقاءُ المَعْنى مِنَ المُوحِي إلى المُوحى إلَيْهِ في خَفاءٍ، فَمِنهُ الوَحْيُ إلى الأنْبِياءِ بِرِسالَةِ المَلِكِ، ومِنهُ وحْيُ الرُؤْيا، ومِنهُ وحْيُ الإلْهامِ وهو الَّذِي ها هُنا بِاتِّفاقٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، والوَحْيُ أيْضًا بِمَعْنى الأمْرِ، كَما قالَ تَعالى:بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "إلى النَخْلِ" بِفَتْحِ الحاءِ، و"أنْ" في قَوْلِهِ: أنِ اتَّخِذِي مُفَسِّرَةٌ.

وقَدْ جَعَلَ اللهُ بُيُوتَ النَحْلِ في هَذِهِ الثَلاثَةِ: إمّا في الجِبالِ وكُواها، وإمّا في مُتَجَوِّفِ الأشْجارِ، وإمّا فِيما يُعَرِّشُ ابْنُ آدَمَ مِنَ الأجْباحِ والحِيطانِ ونَحْوَها.

"وَعَرَشَ" مَعْناهُ: هَيَّأ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما يَكُونُ مِنَ اتِّفاقِ الأغْصانِ والخَشَبِ وتَرْتِيبِ ظِلالِها، ومِنهُ العَرِيشُ الَّذِي صِيغَ لِرَسُولِ اللهِ  يَوْمَ بَدْرٍ ومِن هَذا هي لَفْظَةُ العَرْشِ، ويُقالُ: عَرَشَ يَعْرِشُ ويَعْرُشُ بِكَسْرِ الراءِ وضَمِّها، قَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالضَمِّ، وسائِرُهم بِالكَسْرِ، واخْتَلَفَ عن عاصِمٍ، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى الكَسْرِ، وقَرَأ بِالضَمِّ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعَبِيدِ بْنِ نَضْلَةَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: "يَعْرِشُونَ" قالَ: الكُرُومُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "وَمِمّا يَعْرِشُونَ" يَعْنِي: ما يَبْنُونَ مِنَ السُقُوفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِنهُما تَفْسِيرٌ غَيْرُ مُتْقَنٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَمَراتِ ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: ثُمَّ ألْهَمَها أنَّ كُلِيِ، فَعَطَفَ "كُلِي" عَلى "اتَّخِذِي"، و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: كُلِي جُزْءًا أو شَيْئًا مِن كُلِّ الثَمَراتِ، وذَلِكَ أنَّها إنَّما تَأْكُلُ النَوّارَ مِنَ الأشْجارِ.

و"السُبُلُ": الطُرُقُ، وهي مَسالِكُها في الطَيَرانِ وغَيْرِهِ، وأضافَها إلى الرَبِّ مِن حَيْثُ هي مُلْكِهِ وخَلْقِهِ، أيْ: الَّتِي يَسَرَّ لَك رَبُّكَ.

وقَوْلُهُ: "ذُلُلًا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ "النَحْلِ"، أيْ: مُطِيعَةٌ مُنْقادَةٌ لِما يُسِّرَتْ لَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَهم يَخْرُجُونَ بِالنَحْلِ يَنْتَجِعُونَ، وهي تَتْبَعُهُمْ، وقَرَأ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا  ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَأْكُلُونَ  ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن "السُبُلِ"، أيْ: مُسَهِّلَةً مُسْتَقِيمَةً، قالَ مُجاهِدٌ: لا يَتَوَعَّرُ عَلَيْها سَبِيلٌ تَسْلُكُهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى -عَلى جِهَةِ تَعْدِيدِ النِعْمَةِ والتَنْبِيهِ عَلى العِبْرَةِ- أمْرَ العَسَلِ في قَوْلِهِ: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِها ﴾ ، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّ العَسَلَ يَخْرُجُ مِن أفْواهِ النَحْلِ، ووَرَدَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ في تَحْقِيرِهِ لِلدُّنْيا: "أشْرَفُ لِباسِ ابْنِ آدَمَ فِيها لُعابُ دُودَةٍ، وأشْرَفُ شَرابِهِ رَجِيعُ نَحْلَةٍ".

فَظاهِرُ هَذا أنَّهُ مِن غَيْرِ الفَمِ، واخْتِلافُ الألْوانِ في العَسَلِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ النَحْلِ والمَراعِي، وقَدْ يَخْتَلِفُ طَعْمُهُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ المَراعِي، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ زَيْنَبَ لِلنَّبِيِّ  : "جَرَسَتْ نَحْلَهُ العُرْفُطِ"، حِينَ شَبَّهَتْ رائِحَتَهُ بِرائِحَةِ المَغافِيرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ ﴾ ، الضَمِيرُ لِلْعَسَلِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، ولا يَقْتَضِي العُمُومَ في كُلِّ عِلَّةٍ، وفي كُلِّ إنْسانٍ، بَلْ هو خَبَرٌ عن أنَّهُ يَشْفِي كَما يَشْفِي غَيْرُهُ مِنَ الأدْوِيَةِ في بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وعَلى حالٍ دُونَ حالٍ، فَفي الآيَةِ إخْبارٌ مُنَبَّهٌ عَلى أنَّهُ دَواءٌ لَمّا كَثُرَ الشِفاءُ بِهِ وصارَ خَلِيطًا ومُعِينًا لِلْأدْوِيَةِ والأشْرِبَةِ والمَعاجِنِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ لا يَشْكُو شَيْئًا إلّا تَداوى بِالعَسَلِ، حَتّى إنَّهُ كانَ يَدْهُنُ بِهِ الدُمَّلَ والقَرْصَةَ ويَقْرَأُ: ﴿ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ يَرى الشِفاءَ بِهِ عَلى العُمُومِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ لِلْقُرْآنِ، أيْ: فِيهِ شِفاءٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ مَن أهْلِ الجَهالَةِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما يُرادُ بِها أهْلُ البَيْتِ مَن بَنِي هاشِمٍ، وأنَّهُمُ النَحْلَ، وأنَّ الشَرابَ القُرْآنُ والحِكْمَةُ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم هَذا في مَجْلِسِ المَنصُورِ أبِي جَعْفَرٍ العَبّاسِيِّ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِمَّنْ حَضَرَ: جَعَلَ اللهُ طَعامَك وشَرابَكَ ما يُخْرِجُ مِن بُطُونِ بَنِي هاشِمٍ، فَأضْحَكَ الحاضِرِينَ وأبْهَتَ الآخَرَ، وظَهَرَتْ سَخافَةُ قَوْلِهِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عَطْف عبرة على عبرة ومنّة على منّة.

وغُيّر أسلوب الاعتبار لما في هذه العبرة من تنبيه على عظيم حكمة الله تعالى، إذ أودع في خلقة الحشرة الضعيفة هذه الصّنعة العظيمة وجعل فيها هذه المنفعة، كما أودع في الأنعام ألبانها وأودع في ثمرات النخيل والأعناب شراباً، وكان ما في بطون النّحْل وسطاً بين ما في بطون الأنعام وما في قلب الثمار، فإن النّحل يمتصّ ما في الثمرات والأنوار من المواد السكّرية العسليّة ثم يخرجه عسلاً كما يَخْرج اللبن من خلاصة المرعى.

وفيه عبرة أخرى وهي أن أودع الله في ذبابة النحل إدراكاً لصنع محكم مضبوط منتج شراباً نافعاً لا يحتاج إلى حلب الحالب.

فافتتحت الجملة بفعل ﴿ أوْحى ﴾ دون أن تفتتح باسم الجلالة مثل جملة ﴿ والله أنزل ﴾ [سورة النحل: 65]، لما في أوحى } من الإيماء إلى إلهام تلك الحشرة الضعيفة تدبيراً عجيباً وعملاً متقناً وهندسة في الجبلة.

فكان ذلك الإلهام في ذاته دليلاً على عظيم حكمة الله تعالى فضلاً على ما بعده من دلالة على قدرة الله تعالى ومنّة منه.

والوحي: الكلام الخفيّ والإشارة الدّالة على معنى كلاميّ.

ومنه سمّي ما يلقيه الملك إلى الرسول وَحْياً لأنه خفيّ عن أسماع الناس.

وأطلق الوحي هنا على التكوين الخفيّ الذي أودعه الله في طبيعة النحل، بحيث تنساق إلى عمل منظّم مرتّب بعضه على بعض لا يختلف فيه آحادها تشبيهاً للإلهام بكلام خفيّ يتضمّن ذلك الترتيب الشّبيه بعمل المتعلّم بتعليم المُعلّم، أو المؤتمر بإرشاد الآمر، الذي تلقّاه سرّاً، فإطلاق الوحي استعارة تمثيليّة.

و ﴿ النّحل ﴾ : اسم جنس جمعي، واحده نحلة، وهو ذباب له جِرم بقدرِ ضعفي جِرم الذّباب المتعارف، وأربعة أجنحة، ولون بطنه أسمر إلى الحمرة، وفي خرطومه شوكة دقيقة كالشوكة التي في ثمرة التين البربري (المسمى بالهندي) مختفية تحت خرطومه يلسع بها ما يخافه من الحيوان، فتسمّ الموضع سمّاً غير قوي، ولكن الذبابةَ إذا انفصلت شوكتُها تموت.

وهو ثلاثة أصناف: ذكر وأنثى وخنثى، فالذكور هي التي تحرس بيوتها ولذلك تكون محوّمة بالطيران والدّوي أمام البيت وهي تُلقح الإناث لقاحاً به تلد الإناث إناثاً.

والإناثُ هي المسمّاة اليعاسيب، وهي أضخم جرماً من الذكور.

ولا تكون التي تلد في البيوت إلا أنثى واحدة، وهي قد تلد بدون لقاح ذكر؛ ولكنّها في هذه الحالة لا تلد إلا ذكوراً فليس في أفراخها فائدة لإنتاج الوالدات.

وأما الخنثى فهي التي تفرز العسل، وهي العواسل، وهي أصغر جرماً من الذكور وهي معظم سكان بيت النّحل.

و ﴿ أنْ ﴾ تفسيرية، وهي ترشيح للاستعارة التمثيلية، لأنّ ﴿ أنْ ﴾ التفسيريّة من روادف الأفعال الدالة على معنى القول دون حروفه.

واتّخاذ البيوت هو أوّل مراتب الصنع الدّقيق الذي أودعه الله في طبائع النحل فإنها تبني بيوتاً بنظام دقيق، ثم تقسم أجزاءَها أقساماً متساوية بأشكال مسدّسة الأضلاع بحيث لا يتخلّل بينها فراغ تنساب منه الحشرات، لأن خصائص الأشكال المسدّسة إذا ضُمّ بعضها إلى بعض أن تتّصل فتصير كقطعة واحدة، وما عداها من الأشكال من المثلّث إلى المعشّر إذا جمع كلّ واحد منها إلى أمثاله لم تتّصل وحصلت بينها فُرج، ثم تُغشي على سطوح المسدّسات بمادة الشمع، وهو مادة دهنية متميّعة أقربُ إلى الجمود، تتكوّن في كيس دقيق جداً تحت حلقة بطن النحلة العاملة فترفعه النحلة بأرجلها إلى فمها وتمضغه وتضع بعضه لصق بعض لبناء المسدّس المسمى بالشُهْد لتمنع تسرّب العسل منها.

ولما كانت بيوت النحل معروفة للمخاطبين اكتفي في الاعتبار بها بالتّنبيه عليها والتذكير بها.

وأشير إلى أنها تتّخذ في أحسن البقاع من الجبال أو الشجر أو العُرُش دون بيوت الحشرات الأخرى، وذلك لشرفها بما تحتويه من المنافع، وبما تشتمل عليه من دقائق الصّنعة؛ ألا ترى إلى قوله تعالى في ضدّها: ﴿ وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ﴾ [سورة العنكبوت: 41].

وتقدم الكلام على الجبال عند قوله تعالى: ﴿ ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ﴾ في سورة البقرة (260).

و ﴿ من ﴾ الداخلة على ﴿ الجبال ﴾ وما عطف عليها بمعنى (في)، وأصلها ﴿ مِن ﴾ الابتدائية، فالتعبير بها دون (في) الظرفية لأن النحل تبني لنفسها بيوتاً ولا تجعل بيوتَها جُحور الجِبال ولا أغصان الشجر ولا أعواد العريش وذلك كقوله تعالى: ﴿ واتّخذوا من مقام إبراهيم مصلّى ﴾ [سورة البقرة: 125].

وليست مثل (من) التي في قوله تعالى: ﴿ وجعل لكم من الجبال أكناناً ﴾ [سورة النحل: 81].

وما يعرشون أي ما يجعلونه عروشاً، جمع عَرش، وهو مجلس مرتفع على الأرض في الحائط أو الحقل يتّخذ من أعواد ويسقف أعلاه بورق ونحوه ليكون له ظل فيجلس فيه صاحبه مُشْرفاً على ما حوله.

يقال: عرش، إذا بنى ورفع، ومنه سمّي السرير الذي يَرتفع عن الأرض ليجلس عليه العظماء عَرشاً.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وهو الذي أنشأ جنات معروشات ﴾ في سورة الأنعام (141)، وقوله تعالى: ﴿ وما كانوا يعرشون ﴾ في سورة الأعراف (137).

وقرأ جمهور القراء بكسر راء ﴿ يعرشون ﴾ .

وقرأه ابن عامر بضمّها.

و ﴿ ثم ﴾ للترتيب الرتبي، لأن إلهام النحل للأكل من الثمرات يترتّب عليه تكوّن العسل في بطونها، وذلك أعلى رتبة من اتخاذها البيوت لاختصاصها بالعسل دون غيرها من الحشرات التي تبني البيوت، ولأنه أعظم فائدة للإنسان، ولأن منه قوتها الذي به بقاؤها.

وسُمّي امتصاصها أكلاً لأنها تقتاته فليس هو بشرب.

و ﴿ الثمرات ﴾ : جمع ثمرة.

وأصل الثمرة ما تخرجه الشجرة من غلّة، مثل التّمْر والعنب؛ والنحلُ يمتصّ من الأزهار قبل أن تصير ثمرات، فأطلق ﴿ الثمرات ﴾ في الآية على الأزهار على سبيل المجاز المرسل بعلاقة الأول.

وعطفت جملة ﴿ فاسلكي ﴾ بفاء التفريع للإشارة إلى أن الله أودع في طبع النحل عند الرعي التنقّل من زهرة إلى زهرة ومن روضة إلى روضة، وإذا لم تجد زهرة أبعدت الانتجاع ثم إذا شبعت قصدت المبادرة بالطيران عقب الشبع لترجع إلى بيوتها فتقذف من بطونها العسل الذي يفضل عن قوتها، فذلك السلوك مفرع على طبيعة أكلها.

وبيان ذلك أن للأزهار وللثمار غدداً دقيقة تفرز سائلاً سكرياً تمتصّه النحل وتملأ به ما هو كالحواصل في بطونها وهو يزداد حلاوة في بطون النحل باختلاطه بمواد كيميائية مودعة في بطون النحل، فإذا راحت من مرعاها إلى بيوتها أخرجت من أفواهها ما حصل في بطونها بعد أن أخذ منه جسمها ما يحتاجه لقوته، وذلك يشبه اجترار الحيوان المجترّ.

فذلك هو العسل.

والعسل حين القذف به في خلايا الشَهد يكون مائعاً رقيقاً، ثم يأخذ في جفاف ما فيه من رطوبة مياه الأزهار بسبب حرارة الشمع المركّب منه الشهد وحرارة بيت النحل حتى يصير خاثراً، ويكون أبيض في الربيع وأسمر في الصيف.

والسلوك: المرور وسط الشيء من طريق ونحوه.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ كذلك نسلكه في قلوب المجرمين ﴾ في سورة الحجر (12).

ويستعمل في الأكثر متعدّياً كما في آية الحِجر بمعنى أسلكه، وقاصراً بمعنى مَرّ كما هنا، لأن السّبل لا تصلح لأن تكون مفعول (سلك) المتعدي، فانتصاب ﴿ سبل ﴾ هنا على نزع الخافض توسعاً.

وإضافة السبل إلى ﴿ ربك ﴾ للإشارة إلى أن النحل مسخّرة لسلوك تلك السبل لا يَعدلها عنها شيء، لأنها لَوْ لَمْ تسلكها لاختلّ نظام إفراز العسل منها.

و ﴿ ذللاً ﴾ جمع ذلول، أي مذلّلة مسخّرة لذلك السلوك.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ذلول تثير الأرض ﴾ في سورة البقرة (71).

وجملة يخرج من بطونها شراب } مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأن ما تقدم من الخبر عن إلهام النحل تلك الأعمال يثير في نفس السامع أن يسأل عن الغاية من هذا التكوين العجيب، فيكون مضمون جملة ﴿ يخرج من بطونها شراب ﴾ بياناً لما سأل عنه.

وهو أيضاً موضع المنّة كما كان تمام العبرة.

وجيء بالفعل المضارع للدّلالة على تجدّد الخروج وتكرّره.

وعبّر عن العسل باسم الشراب دون العسل لما يومئ إليه اسم الجنس من معنى الانتفاع به وهو محل المنّة، وليرتب عليه جملة ﴿ فيه شفاء للناس ﴾ .

وسمّي شراباً لأنه مائع يشرب شرباً ولا يمضغ.

وقد تقدم ذكر الشراب في قوله تعالى: ﴿ لكم منه شراب ﴾ في أوائل هذه السورة [النحل: 10].

ووصفه ب ﴿ مختلف ألوانه ﴾ لأن له مدخلاً في العبرة، كقوله تعالى: ﴿ تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل ﴾ [سورة الرعد: 4]، فذلك من الآيات على عظيم القدرة ودقيق الحكمة.

وفي العسل خواص كثيرة المنافع مبيّنة في علم الطب.

وجعل الشّفاء مظروفاً في العسل على وجه الظرفية المجازية.

وهي الملابسة للدلالة على تمكّن ملابسة الشفاء إياه، وإيماء إلى أنه لا يقتضي أن يطّرد الشفاء به في كل حالة من أحوال الأمزجة، أو قد تعرض للأمزجة عوارض تصير غير ملائم لها شرب العسل.

فالظرفية تصلح للدّلالة على تخلّف المظروف عن بعض أجزاء الظرف، لأن الظرف يكون أوسع من المظروف غالباً.

شبه تخلّف المقارنة في بعض الأحوال بقلّة كمية المظروف عن سعة الظرف في بعض أحوال الظروف ومظروفاتها، وبذلك يبقى تعريف الناس على عمومه، وإنما التخلّف في بعض الأحوال العارضة، ولولا العارض لكانت الأمزجة كلها صالحة للاستشفاء بالعسل.

وتنكير شفاء} في سياق الإثبات لا يقتضي العموم فلا يقتضي أنه شفاء من كل داء، كما أن مفاد (في) من الظرفية المجازية لا يقتضي عموم الأحوال.

وعمومُ التعريف في قوله تعالى: ﴿ للناس ﴾ لا يقتضي العموم الشمولي لكل فرد فرد بل لفظ (الناس) عمومه بَدَلي.

والشفاء ثابت للعسل في أفراد الناس بحسب اختلاف حاجات الأمزجة إلى الاستشفاء.

وعلى هذا الاعتبار محمل ما جاء في الحديث الذي في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري: أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ أخي استُطلق بطْنه، فقال: اسقه عسلاً.

فذهب فسقاه عسلاً.

ثم جاء، فقال: يا رسول الله سقيته عسلاً فما زاده إلا استطلاقاً؛ قال: اذهب فاسقه عسلاً، فذهب فسقاه عسلاً ثم جاء، فقال: يا رسول الله ما زاده إلا استطلاقاً.

فقال رسول الله: " صدَق الله وكذبَ بطْن أخيك؛ فذهب فسقاه عسلاً فبرئ ".

إذ المعنى أن الشفاء الذي أخبر الله عنه بوجوده في العسل ثابت، وأن مزاج أخي السائل لم يحْصل فيه معارض ذلك، كما دلّ عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم إيّاه أن يسقيه العسل، فإن خبره يتضمّن أن العسل بالنسبة إليه باقٍ على ما جعل الله فيه من الشفاء.

ومن لطيف النّوادر ما في «الكشاف»: أن من تأويلات الروافض أن المراد بالنحل في الآية عليّ وآله.

وعن بعضهم أنه قال عند المهدي: إنما النحل بنو هاشم يخرج من بطونهم العلم، فقال له رجل: جعَل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم، فضحك المهدي وحدّث به المنصور فاتّخذوه أضحوكة من أضاحيكهم.

قلت: الرجل الذي أجاب الرافضي هو بَشّار بن برد.

وهذه القصّة مذكورة في أخبار بشّار.

وجملة ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ﴾ مثل الجملتين المماثلتين لها.

وهو تكرير لتعداد الاستدلال، واختير وصف التفكّر هنا لأن الاعتبار بتفصيل ما أجملته الآية في نظام النحل محتاج إلى إعمال فكر دقيق، ونظر عميق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الوَحْيَ إلَيْها هو إلْهامًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: يَعْنِي أنَّهُ سَخَّرَها، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ في غَرائِزِها بِما يَخْفى مِثْلُهُ عَلى غَيْرِها، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ ﴾ فَذَكَرَ بُيُوتَها لِما ألْهَمَها وأوْدَعَهُ في غَرائِزِها مِن صِحَّةِ القِسْمَةِ وحُسْنِ المَنَعَةِ.

﴿ وَمِمّا يَعْرِشُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الكَرْمُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: ما يَبْنُونَ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.

﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ﴾ أيْ طُرُقَ رَبِّكِ.

﴿ ذُلُلا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُذَلَّلَةً، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.

الثّانِي: مُطِيعَةً، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أيْ لا يَتَوَعَّرُ عَلَيْها مَكانٌ تَسْلُكُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أنَّ الذُّلُلَ مِن صِفاتِ النَّحْلِ وأنَّها تَنْقادُ وتَذْهَبُ حَيْثُ شاءَ صاحِبُها لِأنَّها تَتْبَعُ أصْحابَها حَيْثُ ذَهَبُوا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ ﴾ يَعْنِي العَسَلَ.

﴿ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ ﴾ لِاخْتِلافِ أغْذِيَتِها.

﴿ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ عائِدٌ إلى القُرْآنِ، وأنَّ في القُرْآنِ شِفاءً لِلنّاسِ أيْ بَيانًا لِلنّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ عائِدٌ إلى الِاعْتِبارِ بِها أنَّ فِيهِ هُدًى لِلنّاسِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ عائِدٌ إلى العَسَلِ، وأنَّ في العَسَلِ شِفاءً لِلنّاسِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ.

رَوى قَتادَةُ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَذَكَرَ أنَّ أخاهُ اشْتَكى بَطْنَهُ.

فَقالَ النَّبِيُّ  : (اذْهَبْ فاسْقِ أخاكَ عَسَلًا) ثُمَّ جاءَ فَقالَ: ما زادَهُ إلّا شِدَّةً.

فَقالَ النَّبِيُّ  : (اذْهَبْ فاسْقِ أخاكَ عَسَلًا) .

ثُمَّ جاءَ فَقالَ لَهُ: ما زادَهُ إلّا شِدَّةً، فَقالَ النَّبِيُّ  : (اذْهَبْ فاسْقِ أخاكَ عَسَلًا، صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ)، فَسَقاهُ فَكَأنَّهُ نَشِطَ مِن عِقالٍ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ﴾ قال: ما سقاهم المطر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية يقول: إذا قحط المطر لم يبق في الأرض دابة إلا ماتت.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ﴾ قال: قد فعل الله ذلك في زمان نوح، أهلك الله ما على ظهر الأرض من دابة إلا ما حملت سفينة نوح.

وأخرج أحمد في الزهد عن ابن مسعود قال: ذنوب ابن آدم قتلت الجعل في جحره، ثم قال: أي والله...

ومن غرق قوم نوح عليه السلام.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن ابن مسعود قال: كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم، ثم قرأ ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات، عن أنس بن مالك قال: كاد الضب أن يموت في جحره هولاً من ظلم ابن آدم.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير والبيهقي في الشعب، عن أبي هريرة أنه سمع رجلاً يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه.

فقال أبو هريرة: بلى.

والله، إن الحبارى لتموت هزلاً وكرهاً من ظلم الظالم.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن الله يؤاخذني وعيسى ابن مريم بذنونبا،» وفي لفظ: «بما جنت هاتان- الإبهام والتي تليها- لعذبنا ما يظلمنا شيئاً» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ ويجعلون لله ما يكرهون ﴾ قال: يقول: تجعلون لي البنات وتكرهون ذلك لأنفسكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ويجعلون لله ما يكرهون ﴾ قال: وهن الجواري.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى ﴾ قال: قول كفار قريش لنا البنون ولله البنات.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وتصف ألسنتهم الكذب ﴾ أي يتكلمون بأن ﴿ لهم الحسنى ﴾ الغلمان.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ وأنهم مفرطون ﴾ قال: مسيئون.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وأنهم مفرطون ﴾ قال: متروكون في النار ينسون فيها أبداً.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ وأنهم مفرطون ﴾ قال: قد فرطوا في النار أي معجلين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ وأنهم مفرطون ﴾ قال: معجل بهم إلى النار.

وأخرج ابن مردويه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي كبشة، عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما شرب أحد لبناً فيشرق؛ إن الله يقول ﴿ لبناً خالصاً سائغاً للشاربين ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي حاتم، عن ابن سيرين.

إن ابن عباس لبناً فقال له مطرف: ألا تمضمضت؟

فقال: ما أباليه بالة، اسمح يسمح لك.

فقال قائل: إنه يخرج من بين فرث ودم.

فقال ابن عباس: قد قال الله: ﴿ لبناً خالصاً سائغاً للشاربين ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وابن مردويه والحاكم وصححه، عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ قال: السكر ما حرم من ثمرتها، والرزق الحسن ما حل من ثمرتها.

وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في الآية قال: السكر الحرام منه، والرزق الحسن زبيبه وخله وعنبه ومنافعه.

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال: السكر النبيذ، والرزق الحسن، فنسختها هذه الآية ﴿ إنما الخمر والميسر ﴾ [ المائدة: 90] .

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير، عن أبي رزين في الآية قال: نزل هذا وهم يشربون الخمر قبل أن ينزل تحريمها.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال: السكر الخل، والنبيذ وما أشبهه.

والرزق الحسن: الثمر والزبيب وما أشبهه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ قال: فحرم الله بعد ذلك السكر، مع تحريم الخمر، لأنه منه، ثم قال: ﴿ ورزقاً حسناً ﴾ فهو الحلال من الخل والزبيب والنبيذ وأشباه ذلك، فأقره الله وجعله حلالاً للمسلمين.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ قال: إن الناس يسمون الخمر سكراً، وكانوا يشربونها، ثم سماها الله بعد ذلك الخمر حين حرمت، وكان ابن عباس يزعم أن الحبشة يسمون الخل السكر.

وقوله: ﴿ ورزقاً حسناً ﴾ يعني بذلك الحلال التمر والزبيب، وكان حلالاً لا يسكر.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن ابن مسعود قال: السكر خمر.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن سعيد بن جبير والحسن والشعبي وإبراهيم وأبي رزين مثله.

وأخرج عبد الرزاق وابن الأنباري في المصاحف والنحاس، عن قتادة في قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ﴾ قال: خمور الأعاجم، ونسخت في سورة المائدة.

وأخرج النسائي عن سعيد بن جبير قال: السكر الحرام، والرزق الحسن الحلال.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ﴾ قال: ذكر الله نعمته عليهم في الخمر قبل أن يحرمها عليهم.

وأخرج ابن الأنباري والبيهقي، عن إبراهيم والشعبي في قوله: ﴿ تتخذون منه سكراً ﴾ قالا: هي منسوخة.

وأخرج الخطيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: «لكم في العنب أشياء تأكلونه عنباً، وتشربونه عصيراً ما لم ييبس، وتتخذون منه زبيباً ورباً والله أعلم» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ﴾ قال ابن قتيبة: أي من الثمرات، وكل هاهنا لا يقع على العموم، كقوله: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ﴾ قال ابن عباس: يريد طُرقَ ربك (٢) ﴿ ذُلُلًا ﴾ جمع ذَلُول، وهو المنقاد اللين المُسَخَّر، يقال: فرس ذلول بَيِّن الذُّلِ (٣) قال مجاهد: لا يتوعَّرُ عليها مكان سلكته (٤) (٥) ﴿ سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ﴾ ، أي: قد ذَلَّلَها الله لك وسَهَّلَ عليك مَسالِكَها (٦) وقال قتادة: ذُلُلًا يعني مطيعة (٧) (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا ﴾ رجوع من الخطاب إلى الخبر، ﴿ شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾ قال ابن عباس: منه أحمر وأبيض وأصفر (١٠) قال أبو إسحاق: هي تأكل الحامضَ والمُرَّ وما لا يُوصفُ طعمُهُ فيحيل اللهُ ذلك عَسَلًا يخرج من بطونها، إلا أنها تلقيه من أفواهها؛ كالريق الذي يخرج من فم ابن آدم (١١) قوله تعالى: ﴿ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ﴾ أكثرُ المفسرين على أن الكناية تعود إلى قوله: ﴿ شَرَابٌ ﴾ ، وهو العسل، وقالوا: إن في العسل شفاء للناس (١٢) (١٣) (١٤) وروي عن مجاهد: ﴿ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ﴾ : أي في القرآن [[أخرجه الطبري 14/ 140 بلفظه، وورد بلفظه في "تفسير السمرقندي" 2/ 242، والثعلبي 2/ 159 ب، والماوردي 3/ 199، والطوسي 6/ 404، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 29، و"ابن العربي" 3/ 1157، واستبعده، وقال: ولو صح نقلاً لم يصح عقلاً، وذكره أيضًا ابن عطية 8/ 463، وابن الجوزي 4/ 467، والفخر الرازي 20/ 73، وضعفه.

لا خلاف أن القرآن شفاء بنص آية الإسراء [82]، لكن السياق هنا لا يساعد على حمل الشفاء على القرآن، بل هو محمول على العسل.]].

قال أبو [إسحاق] (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ وَشِفَاءٌ لِمَا في الصُّدُورِ  ﴾ .

(وقال ابن مسعود: العسل فيه شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور (١٨) (١٩) (٢٠) واختار قوم القول الأول؛ وقالوا: إنه أليق بظاهر الكتاب (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧)  - فقال: إن أخي تشتكي بطنه فقال: "اسقه عسلًا" فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فلم يغن عنه شيئًا، فقال  : " اذهب واسقه عسلاً، فقد صدق الله وكذب بطنُ أخيك، وسقاه فبرأ كأنما أُنْشِط من عقال" (٢٨) ﴿ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد في عظمة الله وقدرته (٢٩) (١) "الغريب" لابن قتيبة ص 246، بنصه ولم يستشهد إلا بالآية الثانية.

(٢) ورد بلفظه بلا نسبة في "تفسير السمرقندي" 2/ 241، وهود الهواري 2/ 376، والثعلبي 2/ 159 ب، و"القرطبي" 10/ 135، وأبي حيان 5/ 512.

(٣) انظر: (ذل) في "تهذيب اللغة" 2/ 1290، و"المحيط في اللغة" 10/ 57، و"مجمل اللغة" 1/ 354، و"الصحاح" 4/ 1701.

(٤) "تفسير مجاهد" 1/ 349، بنصه، وأخرجه الطبري 14/ 140 بنصه من طريقين، ورد في "تفسير هود الهواري" 2/ 377، بنصه، والثعلبي 2/ 159 ب، بنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 199، بنصه، والطوسي 6/ 404، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 29، وابن عطية 8/ 462، وابن الجوزي 4/ 466، و"الدر المنثور" 4/ 230، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٥) جمع غَيْضَة: وهي الأجمة؛ وهي مَغِيضُ ماء يجتمع فينبت فيه الشجر.

انظر: (غيض) في "الصحاح" 3/ 1097، و"اللسان" 6/ 3327.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 210، بنصه.

(٧) أخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 357) بلفظه، والطبري 14/ 140 بلفظه من طريقين، وورد بلفظه في "تفسير الثعلبي" 2/ 159ب، و"تفسير الماوردي" 3/ 199، والطوسي 6/ 404، وانظر: "تفسير أبي حيان" 5/ 512، و"الدر المنثور" 4/ 230، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.

(٨) "الغريب" لابن قتيبة ص 246، بنصه.

(٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 109، بتصرف يسير، وكذلك النحاس ذكر القولين في == معانيه 4/ 84، بنحوه، وأورد الطبري الروايات على القولين، ثم قال: وكلا القولين غير بعيد من الصواب ...

غير أنا اخترنا أن يكون نعتًا للسُّبل؛ لأنها إليها أقرب.

"تفسير الطبري" 14/ 140.

(١٠) انظر: في "تفسير ابن الجوزي" 4/ 466، و"تنوير المقباس" ص 288، وورد بلفظه بلا نسبة في "تفسير مقاتل" 1/ 204 ب، والسمرقندي 2/ 241، والثعلبي 2/ 159 ب، والطوسي 6/ 404، والبغوي 5/ 29، و"ابن العربي" 3/ 1157، والفخر الرازي 20/ 72، و"تفسير القرطبي" 10/ 135، وابن كثير 2/ 634.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 210، بتصرف يسير.

(١٢) ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 204، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 85، والثعلبي 2/ 159ب، و"تفسير الماوردي" 3/ 200، والطوسي 6/ 404، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 463، وابن الجوزي 4/ 466، و"تفسير القرطبي" 10/ 136.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 211، بنصه، لكنه في المصدر قال: (ما يصادف من علة).

(١٤) ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 242، بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 467.

(١٥) في (أ)، (ش)، (د) بياض مكان (إسحاق)، وفي (ع): (علي)، والصحيح المثبت؛ لوروده في "معاني القرآن وإعرابه" بنصه.

(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 211، بنصه.

(١٧) إضافة يقتضيها السياق.

(١٨) ما بين التنصيص ساقط من: (أ)، (د).

(١٩) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (6/ 127) بنصه، والطبري 14/ 141 بنصه، والثعلبي 2/ 159 ب، بنصه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 242، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 29، والخازن 3/ 124.

(٢٠) "معانى القرآن" للفراء 2/ 109، بنصه، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 211، بنصه.

(٢١) منهم: الطبري 14/ 141 وقال: لأن قوله: ﴿ فِيِه ﴾ في سياق الخبر عن العسل، فأن تكون الهاء من ذكر العسل، إذ كانت في سياق الخبر عنه أولى من غيره، واختاره الثعلبي 2/ 159 ب بنصه، ورجحه البغوي 5/ 29، و"ابن العربي" 3/ 1159، و"الرازي" 20/ 73، وابن كثير 2/ 634، وغيرهم، وذكروا نحو قول ابن جرير.

(٢٢) هو الثعلبي، وقد تقدمت ترجمته ضمن شيوخه.

(٢٣) عبد الله بن حامد بن محمد، أبو محمد النيسابوري، الواعظ الفقيه الشافعي، ولد في نيسابور، وتفقه على أبي محمد علي البيهقي، سمع مكي بن عبدان، ورحل إلى أبي علي بن أبي هريرة، روى عنه أبو عبد الله الحاكم، توفي سنة (389 هـ)، وعاش (83) سنة انظر: "طبقات الشافعية" للسبكي 3/ 306، و"تاريخ الإسلام للذهبي" 27/ 182.

(٢٤) أبو حاتم مكي بن عبدان التميمي النيسابوري، ثقة مأمون مقدم على أقرانه، سمع عبد الله بن هاشم ومحمد بن يحيى الذُّهلي، مات سنة (305 هـ).

انظر: "تاريخ بغداد" 13/ 119، و"سير أعلام النبلاء" 15/ 70، و"شذرات الذهب" 2/ 307.

(٢٥) عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري، أبو محمد، محدث حافظ ثقة، روى عن سفيان بن عيينة، ويحمى بن سعيد، وعنه: البخاري ومسلم، مات سنة (260 هـ).

انظر: "الجرح والتعديل" 5/ 215، و"سير أعلام النبلاء" 12/ 340، و"تهذيب التهذيب" 3/ 490.

(٢٦) يحيى بن سعيد بن أبَان بن سعيد بن العاص، إمام محدث ثقة، روى عن الأعمش وسفيان الثوري، وعنه: أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي، مات سنة (194 هـ) انظر: "الجرح والتعديل" 9/ 150، و"سير أعلام النبلاء" 9/ 139، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 325، و"تقريب التهذيب" ص 590 (7554).

(٢٧) علي بن داود، أبو المتوكل النّاجي البصري، مشهور بكنيته، ثقة، حدّث عن أبي سعيد وأبي هريرة وابن عباس -  ما-، وعنه: قتادة وحُميد الطويل، مات سنة (102 هـ).

انظر: "التاريخ الكبير" 6/ 273، و"الجرح والتعديل" 6/ 184، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 8، و"تقريب التهذيب" ص 401 (4731).

(٢٨) أخرجه بنحوه عبد الرزاق 2/ 358، عن قتادة مرسلاً، وأحمد 3/ 19، والبخاري (5684): الطب، الدواء بالعسل، ومسلم (2217) في السلام، باب: التداوي بسقي العسل، والترمذي (2083): الطب، ما جاء في التداوي بالعسل، والطبري 14/ 141 من طريقين عن قتادة مرسلاً، والحاكم: الطب/العسل لشفاء المعدة، والبيهقي 9/ 344)، والثعلبي 2/ 159 ب، بنصه وإسناده، والبغوي 5/ 29 - 30، بنحوه، وورد بنحوه في "تفسير السمرقندي" 2/ 241، وهود الهواري 2/ 378، و"الماوردي" 3/ 200، و"مشكاة المصابيح" (4521)، و"الرازي" 20/ 73، والخازن 3/ 124، و"الدر المنثور" 4/ 231، وزاد نسبته إلى ابن مردويه.

(٢٩) ورد في تفسيره "الوسيط" 2/ 419، بنصه بلا نسبة، وبنحوه غير منسوب في "تفسير ابن كثير" 2/ 635.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل ﴾ الوحي هنا بمعنى الإلهام، فإن الوحي على ثلاثة أنواع: وحي كلام، ووحي منام، ووحي إلهام ﴿ أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾ أن مفسرة للوحي الذي أوحي إلى النحل، وقد جعل الله بيوت النحل في هذه الثلاثة الأنواع إما في الجبال وكواها، وإما في متجوف الأشجار وإما فيما يعرش بني آدم من الأجباح [مفردها: جبح] والحيطان ونحوها، ومن المواضع الثلاثة للتبعيض لأن النحل إنما تتخذ بيوتاً في بعض الجبال، وبعض الشجر، وبعض الأماكن، وعرش معناه هيأ أو بني، وأكثر ما يستعمل فيما يكون من الأغصان والخشب ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثمرات ﴾ عطف كلي على اتخذي، ومن للتبعض، وذلك إنها إنما تأكل النوار من الأشجار، وقيل: المعنى من كل الثمرات التي تشتهيها ﴿ فاسلكي سُبُلَ رَبِّكِ ﴾ يعني الطرق من الطيران، وأضافها إلى الرب لأنها ملكه وخلقه ﴿ ذُلُلاً ﴾ أي مطيعة منقادة ويحتمل أن يكون حالاً من السبل، قال مجاهد: لم يتوعر قط على النحل طريق، أو حالاً من النحل أي منقادة لما أمرها الله به ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ ﴾ يعني العسل ﴿ مُّخْتَلِفٌ ألوانه ﴾ أي منه أبيض وأصفر وأحمر ﴿ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ﴾ الضمير للعسل، لأن أكثر الأدوية مستعملة من العسل، كالمعاجين والأشربة النافعة من الأمراض، وكان ابن عمر يتداوى به من كل شيء، فكأنه أخذه على العموم.

وعلى ذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً جاء إليه، فقال: إن أخي يشتكي بطنه، فقال اسقه عسلاً، فذهب ثم رجع فقال: فقد سقيته فما نفع، قال فاذهب فاسقه عسلاً فقد صدق الله وكذب بطن أخيك، فسقاه فبرأ.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نوحي ﴾ بالنون: حفص غير الخزاز.

الباقون بالياء مجهولاً ﴿ أو لم تروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف ﴿ تتفيؤ ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو وسهل ويعقوب، الآخرون على الغيبة.

الوقوف: ﴿ لا تعلمون ﴾ ه لا لتعلق الباء ﴿ والزبر ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا للعطف ﴿ بمعجزين ﴾ ه لا كذلك ﴿ على تخوّف ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ داخرون ﴾ ه ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ ما يؤمرون ﴾ ه ﴿ اثنين ﴾ ج للابتداء بانما مع اتحاد القائل ﴿ واحد ﴾ ج للعدول مع الفاء ﴿ فارهبون ﴾ ه ﴿ واصباً ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ تجأرون ﴾ ه ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع شدة اتصال المعنى ﴿ يشركون ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ آتيناهم ﴾ ط للعدول والفاء للاستئناف ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ رزقناهم ﴾ ط ﴿ تفترون ﴾ ه {  } لا لأن ما بعده من جملة مفعول ﴿ يجعلون ﴾ و {  } معترض للتنزيه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ كظيم ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعد وصف ﴿ لكظيم ﴾ أو استنئاف.

﴿ ما بشر به ﴾ ط لأن التقدير يتفكر في نفسه المسألة ﴿ في التراب ﴾ ط ﴿ ما يحكمون ﴾ ه ﴿ السوء ﴾ ج لتضاد الجملتين معنى مع العطف لفظاً ﴿ الأعلى ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: الشبهة الخامسة أن قريشاً كانوا يقولون الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله بشراً فأجاب  بقوله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً ﴾ والمراد أن هذه عادة مستمرة من أوّل زمان الخلق والتكليف.

وزعم أبو علي الجبائي أنه لم يبعث إلى الأنبياء إلا من هو بصورة الرجال من الملائكة.

قال القاضي: ولعله أراد الملك الذي يرسل إلى الأنبياء بحضرة أممهم كما روي أن جبرائيل  كان يأتي في صورة دحية وفي صورة سراقة، وإنما قيدنا بحضرة الأمم لأن الملائكة قد يبعثون على صورتهم الأصلية عند إبلاغ الرسالة من الله إلى نبيه كما روي أنه  رآى جبرائيل على صورته التي هو عليها مرتين.

وعليه تأوّلوا قوله: ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى  ﴾ ثم إنهم كانوا مقرين بأن اليهود والنصارى أصحاب العلوم والكتب فأمرهم الله - أعني قريشاً - بأن يرجعوا إليهم في هذه المسألة ليبينوا لهم ضعف هذه الشبهة وسقوطها وذلك قوله: ﴿ فاسئلوا أهل الذكر ﴾ قال بعض الأصولين: فيه دليل على أنه يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر فيما يشتبه عليه.

واحتج نفاة القياس بالآية قالوا: لو كان حجة لما وجب على المكلف السؤال بل كان عليه أن يستنبط ذلك الحكم بواسطة القياس.

وأجيب بأنه قد ثبت العمل بالقياس لإجماع الصحابة، والإجماع أقوى من ظاهر النص.

أما قوله: ﴿ بالبينات ﴾ ففي متعلقه وجوه منها: أن يتعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ داخلاً تحت حكم الاستثناء مع ﴿ رجالاً ﴾ وأنكر الفراء ذلك قال: إن صلة ما قبل "إلا" لا تتأخر على ما بعد "إلا" لأن المستثنى منه هو مجموع ما قبل إلا مع صلته كما لو قيل: ما أرسلنا بالبينات إلا رجالاً.

ولما لم يصر هذا المجموع مذكوراً بتمامه امتنع إدخال الاستثناء عليه.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ رجالاً ﴾ صفة له أي رجالاً متلبسين بالبينات.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ مضمراً نظيره "ما مر إلا أخوك"، ثم تقول "مرَّ بزيد" قاله الفراء.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ بيوحى ﴾ أي يوحى إليهم بالبينات.

ومنها أن يتعلق بالذكر بناء على أنه بمعنى العلم.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ لا تعلمون ﴾ أي إن كنتم لا تعلمون بالبينات وبالزبر فاسألوا.

وقال في الكشاف: الشرط ههنا في معنى التبكيت والإلزام كقول الأجير: إن كنت عملت لك فأعطني حقي.

قلت: أراد أن عدم علمهم مقرر كما أن عمل الأجير ثابت.

وسلم جار الله أن مثل قوله: ﴿ فاسألوا ﴾ جواب الشرط على هذا الوجه.

وأما على الوجوه المتقدمة فجزم أنه اعتراض بناء على أن جواب الشرط هو ما دل عليه قوله ﴿ وما أرسلنا ﴾ الخ.

وعندي أن هذا الجزم ليس بحتم ويجوز على كل الوجوه أن يكون مثل ﴿ فاسألوا ﴾ جواباً والله أعلم.

وأهل الذكر أهل التوراة.

كقوله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر  ﴾ يعني التوراة.

وقال الزجاج: سلوا كل من يذكر بعلم وتحقيق.

وقوله: ﴿ بالبينات والزبر ﴾ لفظ جامع لكل ما تتكامل به الرسالة لأن مدارها على المعجزات الدالة على صدق من يدعي الرسالة وهي البينات، وعلى التكاليف التي تعتبر في باب العبادة وهي للزبر.

ثم قال: ﴿ وأنزلنا إليك الذكر ﴾ أي القرآن الذي هو موعظة وتنبيه وتذكير لأهل الغفلة والنسيان، وبيّن الغاية المترتبة على الإنزال وهي تبيين الأحكام والشرائع بالنسبة إلى الرسول وإرادة التأمل والتفكر في المبدإ والمعاد بالإضافة إلى المكلفين.

وفي ظاهر هذا النص دلالة على أن القرآن كله مجمل، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أنه متى وقع التعارض بين القرآن والخبر وجب تقديم الخبر لأن القرآن مجمل والخبر مبين له.

وأجيب بمنع الكلية فمن القرآن ما هو محكم، وقوله: ﴿ لتبين ﴾ محمول على المتشابهات المجملات.

قال بعض من نفى القياس: لو كان القياس حجة لما وجب على الرسول أن يبين للمكلفين ما أنزل الله عليه من الأحكام بل كان له أن يفوض بعضها إلى رأي القائس، وأجيب بأنه لما بيّن أن القياس من جملة الحجج فالقياس أيضاً راجع إلى بيان الرسول.

ثم لما ذكر شبهات المنكرين مع أجوبتها شرع في التهديد والوعيد والإنذار والتنبيه فقال ﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات ﴾ أي المكرات السيئات أراد أهل مكة ومن حول المدينة.

قال الكلبي: عنى بهذا المكر اشتغالهم بعبادة غير الله، والأقرب أن المراد سعيهم في إيذاء الرسول  وإيذاء أصحابه على سبيل الخفية ﴿ أن يخسف الله بهم الأرض ﴾ كما خسف بقارون ﴿ أو يأتيهم العذاب ﴾ أو ملائكة العذاب من السماء ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ كما فعل بقوم لوط ﴿ أو يأخذهم في تقلبهم فيما هم بمعجزين ﴾ فائتين الله، وذكر المفسرون في هذا التقلب وجوهاً منها: أنه  يأخذهم في أسفارهم ومتاجرهم فإنه قادر على أن يهلكهم في السفر كما أنه قادر على أن يهلكهم في الحضر وهم لا يفوتون الله بسبب ضربهم في البلاد البعيدة.

ومنها أنه يأخذهم بالليل والنهار في أحوال إقبالهم وإدبارهم وذهابهم ومجيئهم، وحقيقته في حال تصرفهم في الأمور التي يتصرف فيها أمثالهم.

ومنها أنه أراد في حال ما يتقلبون في قضاء أوطارهم بوجوه الحيل فيحول الله بينهم وبين مقاصدهم وحيلهم.

والتقلب بالمعنى الأوّل مأخوذ من قوله: ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد  ﴾ وبالمعنى الثالث من قرأ ﴿ وقلبوا لك الأمور ﴾ {التوبة: 48].

﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ على حالة تخوفهم وتوقعهم للبلاء بأن يكون قد أهلك قوماً قبلهم فكان أثر الخوف باقياً فيهم ظاهراً عليهم فهو خلاف قوله: ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ وقيل: التخوف التنقص والمعنى أنه يأخذهم بطريق النقص شيئاً بعد شيء في ديارهم وأموالهم وأنفسهم حتى يأتي الفناء على الكل.

عن عمر أنه قال على المنبر: ما تقولون فيها؟

فسكتوا: فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص فقال: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟

قال: نعم قال شاعرنا زهير: تخوّف الرحل منها تامكاً قرداً *** كما تخوف عود النبعة السفن قوله تامكا قرداً أي سناماً مرتفعاً متراكماً، والسفن ما ينحت به الشيء ومنه السفينة لأنها تسفن وجه الماء بالمر في البحر.

فقال عمر: أيها الناس عليكم بديوانكم.

قالوا: وما ديواننا؟

قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فإن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ فذهب المفسرون إلى أن معناه أنه يمهل في أكثر الأمر لأنه رءُوف رحيم فلا يعجل بالعذاب.

وأقول: يحتمل أن يكون قوله "فإن" تعليلاً لقوله ﴿ أفأمن ﴾ كقوله: { ﴿ ما غرك بربك الكريم  ﴾ .

ولما خوف الماكرين بما خوف أتبعه ذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي وسكانهما فقال ﴿ أو لم يروا إلى ما خلق الله ﴾ قال جار الله: "ما" مبهمة بيانه ﴿ من شيء ﴾ وقال أهل المعاني: قوله: ﴿ يتفيؤ ظلاله ﴾ إخبار عن شيء وليس بوصف له.

ويتفيأ "يتفعل" من الفيء وأصله الرجوع ومنه فيئة المولى.

وقال الأزهري: تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار.

فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشيّ، وما انصرف عنه الشمس والقمر والذي يكون بالغداة ظل.

وقال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل، وما لم يكن عليه الشمس فهو ظل.

وقوله: ﴿ ظلاله ﴾ أضاف الظلال إلى مفرد ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال ووجه حسنه كون المرجوع إليه واحداً في اللفظ وإن كان كثيراً في المعنى وهو قوله: ﴿ إلى ما خلق ﴾ نظيره ﴿ لتستووا على ظهوره  ﴾ أضاف الظهور - وهو جمع - إلى ضمير مفرد لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة وهو ما تركبون.

قال الجوهري: تفيأت الظلال أي تقلبت.وقوله ﴿ عن اليمين والشمائل ﴾ قال أهل التفسير ومنهم الفراء: إنه وحد اليمين لأنه أراد واحداً من ذوات الأظلال، وجمع الشمائل لأنه أراد كلها لأن قوله ﴿ ما خلق الله ﴾ لفظ مفرد ومعناه جمع، وقيل: إن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد كقوله ﴿ وجعل الظلمات والنور  ﴾ ﴿ وختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم  ﴾ وقيل: المراد باليمين النقطة التي هي مشرق الشمس وإنها واحدة، والشمائل عبارة عن الانحراف الواقع في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة.

وإنما عبر عن المشرق باليمين لأن أقوى جانبي الإنسان يمينه ومنه تظهر الحركة القوية، وكذا جانب الشرق أقوى جوانب الفلك ومنه تظهر الحركة اليومية التي هي أسرع الحركات وأقواها.

ويمكن أن يقال: إن الإنسان إذا توجه إلى الشرق الذي هو أولى الجوانب بالاعتبار لشرفه كان الجنوب يمينه والشمال شماله، ولا ريب أن وصول الشمس إلى فلك نصف النهار يختلف بحسب البلاد.

وقد يتفق انتقالها من الجنوب إلى الشمال وبالعكس في بلد واحد إذا كان عرضه ناقصاً عن الميل الكلي.

ومن المعلوم أن الشمس حين وصولها إلى نصف النهار إن كانت في جنوب سمت الرأس وقع ظلها إلى جانب الشمال، وإن كانت في شماله وقع ظلها إلى الجنوب، فيحتمل أن يراد بتفيؤ الأظلال تقلبها في هاتين الجهتين والله أعلم.

أما قوله ﴿ سجداً لله ﴾ فإنه حال من الظلال، ومعنى سجودها انقيادها لأمر الله منتقلة من جانب إلى جانب حسب تحرك النير على نسب مخصوصة ومقادير معلومة ذكرنا بعضها في كتبنا النجومية.

وقد نبى المتأخرون على الأظلال مسائل كثيرة منها: الشكل الموسوم بالظلي مع فروعه، وذكر بعضهم في تفسير هذا السجود أن هذه الأظلال واقعة على الأرض ملصقة بها على هيئة الساجد.

وقوله ﴿ وهم داخرون ﴾ حال أخرى من الظلال.

وإنما جمع بالواو والنون لأنهم أشبهوا العقلاء من حيث طاعتها لله  .

وقال جار الله: اليمين والشمائل استعارة عن يمين الإنسان وشماله بجانبي الشيء أي ترجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ.

والأجرام في أنفسها داخرة أيضاً صاغرة منقادة لأفعال الله فيها لا تمتنع ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة ﴾ قال الأخفش: أي من الدواب: وأخبر بالواحد كما تقول: ما أتاني من رجل مثله وما أتاني من الرجال مثله.

وقال ابن عباس: يريد كل ما دب على الأرض، والوجه في تخصيص الدابة والملائكة بالذكر أنه علم من آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة له، فبين في هذه الآية أن الحيوانات بأسرها أيضاً كذلك.

ثم عطف عليها الملائكة إما لشرفها وإما لأنها ليست مما يدب ولكنها تطير بالجناحين، وبين النوعين مغايرة لقوله: ﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه  ﴾ وعلى قاعدة الحكماء: وجه المغايرة أنها أرواح مجردة ليست من شأنها الحركة والدب.

قال جار الله: ومن دابة يجوز أن يكون بياناً لما في السموات وما في الأرض جميعاً، على أن في السموات خلقاً لله يدبون فيها كما يدب الأناسيّ في الأرض، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده ويراد بما في السموات الخلق الذي يقال له الروح، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده ويراد بما في السموات الملائكة.

وكرر ذكرهم على معنى والملائكة خصوصاً من بين الساجدين لأنهم أطوع الخلق وأعدلهم، ويجوز أن يراد بما في السموات ملائكتهن، وبقوله: ﴿ والملائكة ﴾ ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم انتهى كلامه.

ثم شرع  في صفة الملائكة وذكر عصمتهم قال: ﴿ وهم لا يستكبرون يخافون ﴾ على أنه حال منهم أو بيان لنفي استكبارهم لأن الخوف أثره عدم الاستكبار.

وقوله ﴿ من فوقهم ﴾ إما أن يتعلق بـ[يخافون} والمعنى يخافون ربهم أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم، وإما أن يكون حالاً من الرب أي يخافونه غالباً قاهراً.

وبحث الفوقية قد تقدم في الأنعام في قوله: ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ {الأنعام: 18] زعم بعض الطاعنين في عصمة الملائكة أنه  وصفهم بالخوف وحصول الخوف نتيجة تجويز الإقدام على الذنوب، وهب أنهم فعلوا كل ما أمروا به فمن أين علم أنهم تركوا كل ما نهوا عنه؟

والجواب عن الأوّل أنهم إنما يخافون من العذاب لقوله  : ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم  ﴾ فمن هذا الخوف يتركون الذنب.

وعن ابن عباس أن هذا الخوف خوف الإجلال كقوله: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء  ﴾ ولا ريب أنه كلما كانت معرفة جلال الله أتم كانت الهيبة والحيرة أعظم.

وعن الثاني أن النهي عن الشيء أمر بتركه، وفي الآية دلالة على أن إبليس لم يكن من الملائكة لأنه أبى واستكبر وإنهم لا يستكبرون.

وقد يستدل بها على أن الملك أفضل من البشر بل من كل المخلوقات وإلا لما خصهم بالذكر من بينها، ولخلو بواطنهم وظواهرهم عن الأخلاق الذميمة وانغماس البشر في الدواعي الشهوية والغضبية، ولهذا ورد في حقه ﴿ قتل الإنسان ما أكفره  ﴾ وقال  : "ما منا إلا من قد عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا" وقال أيضاً  "الشيخ في قومه كالنبي في أمته" فضل الشيخ على الشاب لتقادم عهده وطول مدته، ولا شك أن الملائكة خلقوا قبل البشر بسنين متطاولة وقرون متمادية، وأنهم سنوا الطاعة والعبودية ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها.

وتمام البحث في هذه المسألة مذكور في أول سورة البقرة.

وفي قوله: ﴿ ما يؤمرون ﴾ دلالة على أن الملائكة مكلفون بالأمر والنهي والوعد والوعيد راجين خائفين.

ولما بين أن كل ما سواه في عالمي الأرواح والأجسام فإنه منقاد خاضع لجلاله وكبريائه أتبعه النهي عن الشرك قائلاً ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ﴾ فسئل أن التثنية والواحد حيث كانا يدلان على العدد الخاص، فما الفائدة في وصف إلهين باثنين ووصف إله بواحد؟

وأجيب بوجوه منها: قول صاحب النظم أن فيه تقديماً وتأخيراً أي لا تتخذوا اثنين إلهين.

ومنها أنه كررت العبارة لأجل المبالغة في التنفير عن اتخاذ الشريك.

ومنها قول لأهل المعاني إن فائدة الوصف والبيان هي أن يعلم أن النهي راجع إلى التعدد لا إلى الجنسية، ولهذا لو قلت: إنما هو إله ولم تؤكده بواحد سبق إلى الوهم إنك تثبت الإلهية لا الوحدانية.

وكيف لا يحتاج المقام إلى التوكيد والأثنينية منافية للإلهية لاستلزام تعدد الواجب كون كل منهما مركباً من جزأين ما به الاشتراك في الوجوب الذاتي، وما به الامتياز ولكن التركيب يوجب الافتقار إلى البسائط والافتقار ينافي الوجوب.

ودليل التمانع أيضاً يعين على المطلوب كما لو أراد أحدهما تحريك جسم معين وأراد الآخر تسكينه، أو قوي أحدهما على مخالفة الآخر أو لا يقوى، أو قدر أحدهما على أن يستر ملكه عن الآخر أو لا يقدر.

ثم نقل الكلام عن الغيبة إلى التكلم على طريقة الالتفات قائلاً: ﴿ فإياي فارهبون ﴾ وقد مر مثله في أوّل "البقرة" ثم لما قرر وحدته وأنه يجب أن يخص بالرهبة منه والرغبة إليه ذكر أن الكل ملكه فقال: ﴿ وله ما في السموات والأرض ﴾ فقالت الأشاعرة: ليس المراد من كونها لله أنها مفعولة لأجله ولغرض طاعته لأن فيها المباحات والمحظورات التي يؤتى بها لغرض الشهوة واللذة لا لغرض الطاعة، فالمراد أن كلها بتخليقه وتكوينه ومن جملة ذلك أفعال العباد، ثم قال ﴿ وله الدين واصباً ﴾ فالدين الطاعة، والواصب الدائم، ومفازة واصبة بعيدة لا غاية لها.

ويقال للمريض وصب لكون ذلك المرض لازماً له.

وانتصابه على الحال والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل.

قال ابن قتيبة: ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك بسبب في حال الحياة أو الموت إلا الحق  ، فإن طاعته واجبة أبداً.

ويحتمل أن يكون الدين بمعنى الملة أي وله الدين ذا كلفة ومشقة ولذلك سمي تكليفاً، أو وله الجزاء سرمداً لا يزول يعني الثواب والعقاب.

وقال بعض المتكلمين المحققين: قوله ﴿ وله ما في السموات والأرض ﴾ إشارة إلى احتياج الكل إليه في حال حدوثه.

وقوله: ﴿ وله الدين ﴾ أي الانقياد ﴿ واصباً ﴾ إشارة إلى أن جميع الممكنات مفتقرة إلى فيض وجوده في حال وجوده لأن الصحيح أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المرحج.

ثم أنكر أن يكون الممكن مع شدة افتقاره إليه يخشى غيره فقال ﴿ أفغير الله تتقون ﴾ ثم منّ عليهم بقوله: ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله ﴾ "ما" بمعنى "الذي" وبكم صلته و ﴿ من نعمة ﴾ حال من الضمير في الجار، أو بيان لما وقوله: ﴿ فمن الله ﴾ الخبر.

وقيل: "ما" شرطية وفعل الشرط محذوف أي ما يكن.

وقال جار الله: معناه أي شيء حل بكم أو اتصل بكم من نعمة فهو من الله، قال الأشاعرة: أفضل النعم نعمة الإيمان والآية تفيد العموم فهو من نعم الله.

والنعمة إما دينية وهي معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به، وإما دنيوية نفسانية أو بدنية أو خارجة كالسعادات المالية وغيرها، وكل واحدة من هذه جنس تحتها أنواع لا حصر لها والكل من الله، فعلى العاقل أن لا يشكر إلا إياه.

ثم بين تلون حال الإنسان بعد استغراقه في بحار نعم الله قائلاً ﴿ ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ﴾ ما تتضرعون إلا إليه.

والجؤار رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة.

﴿ ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ﴾ قال جار الله: يجوز أن يكون الخطاب في قوله: ﴿ وما بكم ﴾ عاماً، ويريد بالفريق فريق الكفرة وأن الخطاب للمشركين و ﴿ منكم ﴾ للبيان لا للتبعيض كأنه قال: فإذا فريق كافر وهم أنتم، ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر كقوله: ﴿ فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد  ﴾ أقول: وأظهر الوجهين الأول والمعنى أن فريقاً منكم يبقى على ما كان عليه عند الضر في أن لا يفزع إلا إلى لله، وفريقاً يتغير عن حاله فيشرك بالله، ولعل هذه صفة لازمة لجوهر الإنسان ولهذا قال: ﴿ ليكفروا ﴾ كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة، ويجوز أن تكون لام العاقبة يعني عاقبة تلك التضرعات ما كانت إلا هذا الكفران.

والمراد بقوله: ﴿ بما آتيناهم ﴾ كشف الضر وإزالة المكروه، أو القرآن والشرائع، أو جميع النعم الظاهرة والباطنة التي أنعم الله بها على الإنسان.

ثم قال على سبيل التهديد وبطريقة الالتفات نظراً إلى أوّل الكلام ﴿ فتمتعوا فسوف تعلمون ﴾ عاقبة كفركم ومثله في "الروم" كما سيجيء، وأما في "العنكبوت" فإنه قال: ﴿ ليكفروا بما أتيناهم وليتمتعوا  ﴾ بالعطف على القياس.

ثم حكى نوعاً آخر من قبائح أعمال بني آدم فقال ﴿ ويجعلون لما لا يعلمون ﴾ الضمير الأوّل للمشركين والثاني قيل لهم وقيل للأصنام التي لا توصف بالعلم والشعور، ورجح الأوّل بأن نفي العلم عن الحي حقيقة وعن الجماد مجاز، وبأن جمع السلامة بالعقلاء أليق، وقد يرجح الثاني بأن الأوّل يفتقر إلى الإضمار كما لو قيل: ويجعلون لما لا يعلمون في طاعته نفعاً ولا في الإعراض عنه ضراً.

وقال مجاهد: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضرهم ﴿ نصيباً ﴾ أو يجعلون لما لا يعلمون إلاهيتها، أو السبب في صيرورتها معبودة.

والمراد بجعل النصيب ما مر في "الأنعام" في قوله: ﴿ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا  ﴾ وقيل: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.

عن الحسن: وقيل هم المنجمون الذين يوزعون موجودات هذا العالم على الكواكب السبعة فيقولون لزحل كذا وكذا من المعادن والنبات والحيوان، وللمشتري كذا إلى آخر الكواكب.

ثم أوعدهم الله بقوله: ﴿ تالله لتسئلن عما كنتم تفترون ﴾ على الله من أن له شريكاً وأن الأصنام أهل للتقرب إليها مع أنه لا شعور لها بشىء أصلاً، أو المراد بالافتراء قولهم هذا حلال وهذا حرام من غير إذن شرعي، أو قولهم أن لغير الله تأثيراً في هذا العالم.

ومتى يكون هذا السؤال؟

قيل: عند القرب من الموت ومعاينة ملائكة العذاب، وقيل: في القبر.

والأقرب أنه في الآخرة وهذا في هؤلاء الأقوام خاصة كقوله: ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون  ﴾ في الأمم عامة.

قوله: ﴿ ويجعلون لله البنات ﴾ نوع آخر من القبائح وكانت خزاعة وكنانة تقول الملائكة بنات الله.

قال الإمام فخر الدين الرازي: أظن أن ذلك لأن الملائكة يستترون عن العيون كالنساء، ومنه إطلاق التأنيث على الشمس لاستتارها عن أن تدرك بالأبصار لضوئها الباهر ونورها القاهر.

{  } تنزيه لذاته عن نسبة الولد إليه أو تعجب من قولهم.

ومحل "ما" في قوله ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ إما الرفع على الابتداء، أو النصب أي وجعلوا لهم ما يشتهون يعني البنين.

وأبى الزجاج جواز النصب وقال: لأن العرب لا تقول جعل له كذا وهو يعني نفسه وإنما تقول جعل لنفسه كذا.

فلو كان منصوباً لقيل: و "لأنفسهم ما يشتهون".

ثم ذكر غاية كراهتهم للإناث التي جعلوها لله  فقال: ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه ﴾ أي صار ﴿ مسودّاً ﴾ ويحتمل أن يكون استعمل "ظل" لان وضع الحمل يتفق بالليل غالباً فيظل نهاره مسود الوجه ﴿ وهو كظيم ﴾ مملوء غماً وحزناً وغيظاً على المرأة.

قال أهل المعاني: جعل اسوداد الوجه كناية عن الغم والكآبة لأن الإنسان إذا قوي فرحه انبسط الروح من قلبه ووصل إلى الأطراف ولا سيما إلى الوجه لما بين القلب والدماغ من التعلق الشديد فاستنار الوجه وأشرق، وإذا قوي غمه انحصر الروح في داخل القلب ولم يبق منه أثر قويّ على الوجه فيتربد الوجه لذلك ويصفر أو يسود ﴿ يتوارى ﴾ يستخفي ﴿ من القوم من سوء ما بشر به ﴾ من أجل سوء المبشر به ولم يظهر أياماً يحدث نفسه ويدبر فيها ماذا يصنع بها وذلك قوله: ﴿ أيمسكه ﴾ أي يحبسه ﴿ على هون ﴾ ذل وهوان.

والظاهر أن هذا صفة المولود أي يمسكها على هوان منه لها.

وقال عطاء عن ابن عباس: إنه صفة الأب أي يمسكها مع الرضا بهوان نفسه ﴿ أم يدسه في التراب ﴾ أي بيده.

والدس إخفاء الشيء في الشيء.

وإنما ذكر الضمير في ﴿ يمسكه ﴾ و ﴿ يدسه ﴾ باعتبار ما بشر به.

كانوا مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفيرة ويدفنها إلى أن تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل، ومنهم من يغرقها، ومنها من يذبحها.

وكانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية، وأخرى خوفاً من الفقر والفاقة ولزوم النفقة.

روي أن رجلاً قال: يا رسول الله والذين بعثك بالحق ما أجد حلاوة الإسلام وقد كانت لي في الجاهلية ابنة وأمرت امرأتي أن تزينها وأخرجتها، فلما انتهيت إلى وادٍ بعيد القعر ألقيتها فقال: يا أبتي قتلتني.

فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء.

فقال  : ما في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما في الإسلام يهدمه الاستغفار.

ولا ريب أن الأنثى التي هذا محلها عندهم كانت في غاية الكراهية والتنفير ومع ذلك أثبتوها لله المتعالي عن الصاحبة والولد فلذلك قال: ﴿ ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ ولهذا يقدمون على القتل والإيذاء ﴿ مثل السوء ﴾ وصفة السوء وهي الحاجة إلى الأولاد الذكور وكراهة الإناث ووأدهن خشية الإملاق والتزام الشح البالغ ﴿ ولله المثل الأعلى ﴾ وهو أضداد صفات المخلوقين من الغنى الكامل والجود الشامل ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لا يغالب فلا يستضر بأن ينسب إليه ما لا يليق به ﴿ الحكيم ﴾ في خلق الذكور والإناث أو في الوعيد على قتل البنات.

قال القاضي: إن هؤلاء المشركين استحقوا الذم بإضافة البنات إلى الله وإنه أسهل من إضافة الفواحش والقبائح كلها إليه وهذا شأن المجبرة.

وأجابت الأشاعرة بأنه ليس كل ما قبح منافي العرف فإنه يقبح من الله.

ألا ترى أن رجلاً لو زين إماءه وعبيده وبالغ في تحسين صورهن وتقوية الشهوة فيهم وفيهن، ثم جمع بين الكل وأزال الحائل والمانع فإن هذا بالاتفاق حسن من الله  وقبيح من كل الخلق، فعلمنا أن التعويل على هذه الوجوه المبنية على العرف إنما يحسن إذا كانت مسبوقة بالدلائل القطعية اليقينية، وقد ثبت بالبراهين القطعية امتناع الولد على الله  فعلى جرم حسنت تقويتها بهذه الوجوه الإقناعية.

أما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل اليقينية أن خالقها هو الله  فكيف يمكن إلحاق إحدى الصورتين بالأخرى والله أعلم.

التأويل: أن يخسف الله بهم أرض البشرية ودركات السفل أو يأتيهم العذاب بالمكر والاستدراج من حيث لا يشعرون، أنه من أين أتاهم من قبل الأعمال الدنيوية أو من قبل الأعمال الأخروية أو يأخذهم في تقلبهم من أعمال الدنيا إلى أعمال الآخرة بالرياء، ومن أعمال الآخرة إلى أعمال الدنيا بالهوى ﴿ أو يأخذهم على تخوّف ﴾ تنقص من مقاماتهم ودرجاتهم بلا شعورهم ﴿ فإن ربكم لرءُوف ﴾ بالعباد إذ أعطاهم حسن الاستعداد ﴿ رحيم ﴾ حين لا يأخذهم بعد إفساد الاستعداد في الحال لعلهم يتوبون في المآل فيقبل توبتهم بالفضل والنوال.

ما خلق الله من شيء وهو عالم الأجسام فإن عالم الأرواح خلق من لا شيء يتفيأ ظلاله، فإن الأجسام ظلال الأرواح فتارة تميل بعمل أهل السعادة إلى أصحاب اليمين، وأخرى تميل بعمل أهل الشقاء إلى أصحاب الشمال ﴿ سجداً لله ﴾ منقادين لأمره مسخرين لما خلقوا لأجله.

وإنما وحد اليمين وجمع الشمال لكثرة أصحاب الشمال، وسجود كل موجود يناسب حاله كما أن تسبيح كل منهم يلائم لسانه ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين ﴾ أراد بالإله الآخر الهوى لقوله  : "ما عبد إله أبغض على الله من الهوى" ﴿ ويجعلون ﴾ يعني أصحاب النفوس والأهواء ﴿ لما لا يعلمون ﴾ لمن لا علم لهم بأحوالهم ﴿ نصيباً ﴾ بالرياء ﴿ مما رزقناهم ﴾ من الطاعات ﴿ تالله ليسئلن عما كنتم تفترون ﴾ والسؤال عن المعاملات إنما هو بتبديل الصفات وتغير الأحوال من سمة السعادة إلى سمة الشقاوةوبالعكس ﴿ ويجعلون لله البنات ﴾ أظن أن البنات إشارة إلى صفات فيها نوع نقص كالتجسيم والتشبيه والحلول والاتحاد، ونسبته إلى الظلم والجور والتعطيل وعدم الاستقلال بالتأثير وغير ذلك مما لا يليق بغاية جلاله ونهاية كماله فلهذا قال  : ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ يعني أن كل أحد يجب أن يوصف بغاية الكمال ويتغير وجهه إذا نبه على عيب فيه ولا يعلم أن مطلق الكمال لا يليق إلا بالواجب بالذات، ونفس الإمكان نقصان يستلزم جميع النقصانات والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

قال بعضهم: ﴿ وَأَوْحَىٰ ﴾ أي: قذف في قلوبها أن افعلي ما ذكر، والوحي هو القذف؛ سمي بذلك لسرعة وقوعه، ونفاذه في القلوب من غير أن يشعر الملقى فيه والمقذوف في قلبه أن أحداً فعل ذلك أو ألقاه فيه، وهو ما مكن الله للشيطان من الوسوسة في القلوب من غير أن يعلم الموسوس إليه والمقذوف في قلبه أن أحداً دعاه إلى ذلك أو زين له ذلك، وكذلك ما يلهم الملائكة بني آدم من أشياء من غير أن يعلموا أن أحداً دعا إلى ذلك أو زين ذلك له، أو ألقاه في قلوبهم فهذا كله يرد على من ينكر الشيطان والملائكة، وهم طائفة من الملحدة يقولون: إن الشهوات والأماني التي جعلت في أنفسهم هي التي تبعثهم وتهيجهم على ذلك لا الشيطان.

فيقال لهم: إن الإنسان قد يناله أشياء من غير أن كان منه تفكر في ذلك، أو أماني أو سابق تدبير، فذلك يدل على أن غيراً ألقى ذلك في قلبه وقذف، لا عمل الأماني والشهوات، وهذا أيضاً يدل على لطف الله في البشر أنه يوفقهم على الطاعات ويحثهم عليها من غير أن علموا أن لغير في ذلك صنعاً، وكذلك الخذلان في المعاصي وأنواع الأجرام التي يكتسبونها.

ثم يحتمل قوله: ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ ﴾ أي: النحل وغيرها من البهائم - وجهين: أحدهما: يحتمل أنه أنشأ هذه البهائم على طبائع تعرف بالطبع مصالحها، ومهالكها، ومعاشها، وما به قوام أبدانها وأنفسها، وما به فسادها وصلاحها من غير أن يعلم أن أحداً يدعوهم إلى ذلك، أو يشير إليها، أو يأمر وينهى، ولكنه بالطبع يعرف ذلك ويعلم من نحو أشياء يعلمهن أشياء بالطباع من غير أن يعلم أن أحداً علمهن ذلك من نحو الوزّ يسبح في الماء بالطبع من غير أن يعلم أنها تسبح، وكذلك الطير الذي يطير في الهواء من غير أن يعلم بالطيران، فعلى ذلك يحتمل فهم هذه البهائم وعرفانها ما ذكرنا من المصالح والمهالك من غير أن يعلم أنها تعرف ذلك، والله أعلم.

والثاني: يحتمل أن يكون الله - عز وجل - جعل خلقة هذه الأشياء بالذي يقفون على المخاطبات والأمر والنهي، ويعرفون ذلك ما لا يعرف مثله البشر ألا ترى أن البشر لا يعرفون المهالك والمصالح إلا بالتعلم، والبهائم وإن صغر ذلك تعرف حتى تتوقى المهالك وترغب في المصالح، ومما يدل أن هذه الأشياء مما يفهم الأمر والنهي والمخاطبات قوله: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ  ﴾ ألا ترى أنهم فهموا الخطاب حيث ردوا عليهم الجواب بقوله: ﴿ أَنطَقَنَا ﴾ فذلك ما ذكرنا، والله أعلم.

فذلك الوحي والقذف لكل البهائم لا للنحل خاصّة لما ذكرنا من معرفتها المهالك والمصالح، وما به معاشها وغذاؤها مما به فسادها وهلاكها حتى عرفت ذلك من غير أن تعلم، والبشر لا يعرفون إلا بالتعلم، فهو - والله أعلم - لوجهين: أحدهما: للمحنة أن البشر امتحنوا بالتعليم، فذلك من الله امتحان لهم، والبهائم لا محنة عليهم، [فعرفوا ذلك] على غير تعلم، أو كان ذلك للبشر بالتعلم؛ لفضل بعض على بعض في العلم بالتعليم؛ إذ البهائم يستوي صغيرها وكبيرها في معرفة ذلك، وفي بني آدم [تتفاضل وتتفاوت] بالتعلم، والله أعلم.

فإن قيل: فإذا كانت البهائم كلها مشتركة في ذلك الإلهام والوحي فما معنى تخصيص النحل بالذكر من غيرها من البهائم؟

قيل: يحتمل تخصيص النحل بالذكر - والله أعلم - لما أن هذه الأشياء غير النحل لا تعطي تلك المنافع التي جعلت فيها، ولا تبذل للبشر إلا بالرياضة [والتعلم]، والنحل تعطي ذلك لهم وتبذل من غير تعلم ولا رياضة، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً ﴾ وقوله: ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ وقوله: ﴿ فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً ﴾ ونحوه، ظاهره أمر، لكن حقيقته تمكين وتسهيل، نحو قوله: سيروا في كذا، هو في الظاهر أمر، وفي الحقيقة تمكين وتيسير.

ثم في هذه الآية، وفي قوله: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ ﴾ وفيما سبق من الآيات، وهو قوله: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾ وفي قوله: ﴿ وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ﴾ دلالة قدرته على إنشاء الأشياء من لا شيء، ودلالة علمه وتدبيره؛ لأنه أخرج من هذه الجواهر المختلفة أشياء من غير جوهرها [وجنسها] ما لم يكن شيء مما أكل منها هذه البهائم من الجواهر التي أخرج منها، من نحو العسل الذي أخرج من الفواكه التي أكلت، واللبن من العلف الذي أكل، والعصير والسكر والأعناب من الكروم؛ إذ ليس شيء خرج منها من جنس ما أكل، ولا من جوهر ما سقى، دل أنه كان فعل عليم قادر على إنشاء الأشياء من لا شيء ولا سبب، وفيه دلالة علمه وتدبيره وحكمته؛ لأن إنشاء ذلك اللبن في البطن على غير جوهر ما تناولت، ومن خلاف لونه في تلك الظلمات دل أن علمه وتدبيره غير مقدر بعلم الخلق، وأن حكمته غير مقدرة بحكمة الخلق، وكذلك قدرته غير مقدرة بقدرة الخلق، ثم قوله: ﴿ فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ﴾ قيل: طرق ربك ذللا، وقيل: مطيعة، وقيل من الذل، أي: الرفق واللين، كقوله: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ ...

 ﴾ الآية من الذل، ومن الرفق واللين، وهذا يخرج على وجهين.

أحدهما: ذللت سبل ربها، وسهل السلوك فيها حتى تسلك كيف شاءت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾ قيل: مما يبنون، ويحتمل مما يتخذ من العريش، وهو الذي يتخذ من الخشب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾ .

قال الحسن: الشهد والعسل.

وقال بعضهم: مختلف في الطعم، وقيل: في الألوان: الأبيض، والأحمر، والأصفر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ﴾ \[قال بعضهم: فيه شفاء للناس\] من كل داء حتى القروح، وكل شيء.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فِيهِ شِفَآءٌ ﴾ من داء دون داء.

وقال بعضهم: ﴿ فِيهِ شِفَآءٌ ﴾ يعني: في القرآن، فيه شفاء القلوب للدين.

ويحتمل قوله: فيه شفاء للأجساد، فإن أراد هذا فهو ظاهر، لا شك أن فيه ذلك الشفاء.

ويحتمل: فيه شفاء للدين، فإن كان هذا فيكون ذلك من جهة النظر فبه يدرك ويوصل إلى ذلك الشفاء.

وقوله: ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ .

قال بعضهم: من نوع ما تأكل النحل.

وقال بعضهم: من جميع الثمرات التي تكون في الجبال.

عن عبد الله قال: القرآن والعسل هما الشفاءان، القرآن شفاء الدين، والعسل شفاء الأبدان.

وقال بعضهم من أهل اللغة: إن الوحي في كلام العرب على وجوه: منها: وحي النبوة، وهو إرسال الله الملائكة إلى أنبيائه ورسله، كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً  ﴾ ومنها: وحي الإشارة كقوله: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً  ﴾ ومنها: وحي الإلهام، وهو كقوله: ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ  ﴾ ، وقوله ﴿ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا  ﴾ ونحوه.

ومنها: وحي الأسرار، كقوله: ﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ...

 ﴾ الآية.

وقال بعضهم: إن أصل الوحي عندنا هو أن يلقي الإنسان إلى صاحبه شيئاً للاستتار والإخفاء وقد يكون ذلك بالإيماء والخط.

وأصل الوحي ما ذكرنا أنه سمي به لسرعة وقوعه وقذفه في القلب.

وقال أبو بكر: تأويل الوحي أن يعلم الذي يوحي إليه ويرشده، وذلك من وجهين: أحدهما: أن الله أرشد كل دابة سوى الإنسان إلى مصلحتها، والهرب عن مهلكها ومتلفها بما فطرها الله عليه، كما أرشد الإنسان إلى ما يصلحه في دينه ودنياه بالتعليم، فمثل الله تعليمه كل دابة ما فيه مصلحتها ومفسدتها بما دبرها عليه، كما علم الإنسان بالقول والبيان، فقال: ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ ﴾ أي: أرشدها ودلها بفطرتها ﴿ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ ﴾ بيوتاً فيها ﴿ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾ يعني: واتخذي مما يبني الإنسان لمسكنه.

وقال: العريش: الحيطان التي لا سماء لها، بفطرتها تتخذ خلاياها في كل ذلك لمنافع الخلق، ثم قال: ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ والثمرات مختلفة الطعم والمنظر والمشم: ﴿ فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً ﴾ وهو ما سبل الله لها من الرزق والمأوى ﴿ ذُلُلاً ﴾ قال: يقول: ذلك ذلل لك كل شيء قدره لرزقك ومسلكك، وذلك في طلب ما سبل لبني آدم وجعلها سبباً لمنافعهم وصغر قدرك لديهم فذلك قدرته وسلطانه على ما شاء؛ ليعلموا أن خالقهم لا يعجزه شيء، وأنه القدير على ما يعدهم من البعث والثواب والعقاب.

وقوله: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾ يقول: الجنس واحد، ثم هو ضروب كألوان التمر والعنب وسائر الثمار في مذاقه ومشامه ومنظره، وكله عسل فيه شفاء للناس لمنافعهم وملاذهم وفيما أراهم الله من قدرته على ما يشاء من ذلك، فيه شفاء لهم في الدين والعلم، يعلمون بما يشاهدون من تدبير الله وقدرته، على ما بينا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً ﴾ يقول: لعبرة ودليلا وبرهاناً ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ فيما يشاهدون من تدبير الله وتقديره وقدرته على ما يشاء، والله أعلم.

وقال في قوله: ﴿ وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ ﴾ يقول: ولكم عبرة ودليل أن النخل أجذاع خشب لا طعم فيها والكرم خشب أيضاً وما فيهما من سعف وورق لا عسل فيها ولا عنب، فأخرج الله منهما ثمرات مختلفات، فيه عسل، وفيه تمر وزبيب، وتتخذون منه ما تلذون من الشراب.

وقال: هذا قبل تحريم الخمر، والسكر: كل ما أسكرهم، وتتخذون منه أيضاً رزقاً حسناً، أي: طيباً، وهو ما تأكلون منها، سوى ما تشربون، وتكسبون بها أموالا كثيرة، منّ الله به عليهم.

وقال بعضهم: السكر: كل شيء حرمه الله من ثمارها من الشراب، الخمر من العنب، والسكر من التمر، والرزق الحسن: ما أحل من ثمرها، الزبيب، والتمر، والنبيذ، وقال السكر: ما أسكر، والرزق الحسن: [الخل] وأشباهه ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً ﴾ ودليلا وبيانا ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ما ينبهون، فيعلمون أن الذي لم يعجز عما خلق لهم من الثمار من خشب يابس يقدر أن يحيي الموتى، ويخلق ما يشاء، وما عرفه الخلق أنه يكون من النطفة الولد، ومن الماء والأشجار الفواكه، ومن العلف اللبن، وغير ذلك من الحوادث التي تحدث من الأشياء، وتلك أسبابها ما لم يدرك كون تلك الأشياء فيها ولا يرى لا يعرف ذلك إلا بتعليم من هو عالم بذاته لأن علم ذلك لو كان لا بتعليم لو اجتهدوا كل جهدهم لم يدركوا حدوث تلك الأشياء مما ذكرنا، ولا كونها منها، دل أن الذي علمهم هو عالم بذاته؛ فإذا ثبت كونه بعالم بذاته وإن كانوا لم يشاهدوا إلا عالماً بغير، فعلى ذلك هو قادر على إنشاء الأشياء من لا شيء وإن كانوا لم يعاينوا في الشاهد شيئاً إلا من شيء، وفيه أن ما يحدث ويكون من اللبن بالعلف الذي يؤكل، أو الطعام الذي يتناول، أو الفواكه والثمار التي تخرج ليس يكون بنفس الماء، أو بنفس الطعام والعلف، ولكن باللطف من الله  ؛ لأنه قد يسقي ذلك الماء الشجر والنخل في حال ثم لا يكون فيه الثمر، وكذلك الدواب تعلف في حال لا يكون ذلك منه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ثم كلي من كل ما تشتهينه من الثمرات، واسلكي الطرق التي ألهمك ربك سلوكها مُذَلَّلة، يخرج من بطون تلك النحل عسل مختلف الألوان، فيه الأبيض والأصفر وغيرهما، فيه شفاء للناس، يعالجون به الأمراض، إن في إلهام النحل ذلك وفي العسل الذي يخرج من بطونها لدلالة على قدرة الله وتدبيره لشؤون خلقه لقوم يتفكرون، فهم الذين يعتبرون.

<div class="verse-tafsir" id="91.Ab4Nw"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله