الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٧٠ من سورة النحل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 97 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٠ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى عن تصرفه في عباده ، وأنه هو الذي أنشأهم من العدم ، ثم بعد ذلك يتوفاهم ، ومنهم من يتركه حتى يدركه الهرم - وهو الضعف في الخلقة - كما قال الله تعالى : ( الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير ) [ الروم : 54 ] .
وقد روي عن علي - رضي الله عنه - في أرذل العمر [ قال ] خمس وسبعون سنة .
وفي هذا السن يحصل له ضعف القوى والخرف وسوء الحفظ وقلة العلم ; ولهذا قال : ( لكي لا يعلم بعد علم شيئا ) أي : بعدما كان عالما أصبح لا يدري شيئا من الفند والخرف ; ولهذا روى البخاري عند تفسير هذه الآية : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا هارون بن موسى أبو عبد الله الأعور ، عن شعيب ، عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو : " أعوذ بك من البخل والكسل ، والهرم وأرذل العمر ، وعذاب القبر ، وفتنة الدجال ، وفتنة المحيا والممات " .
ورواه مسلم من حديث هارون الأعور به .
وقال زهير بن أبي سلمى في معلقته المشهورة : سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين عاما - لا أبا لك - يسأم رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
يقول تعالى ذكره: والله خلقكم أيها الناس وأوجدكم ولم تكونوا شيئا، لا الآلهة التي تعبدون من دونه، فاعبدوا الذي خلقكم دون غيره ( ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ) يقول: ثم يقبضكم ( وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ) يقول: ومنكم من يهرم فيصير إلى أرذل العمر، وهو أردؤه، يقال منه: رذل الرجل وفسل، يرذل رذالة ورذولة ورذلته أنا.
وقيل: إنه يصير كذلك في خمس وسبعين سنة.
حدثني محمد بن إسماعيل الفزاريّ، قال: أخبرنا محمد بن سَوار ، قال: ثنا أسد بن عمران، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نَباتة، عن عليّ، في قوله ( وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ) قال: خمسٌ وسبعون سنة.
وقوله ( لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ) يقول: إنما نردّه إلى أرذل العمر ليعود جاهلا كما كان في حال طفولته وصباه ، بعد علم شيئا: يقول: لئلا يعلم شيئا بعد علم كان يعلمه في شبابه ، فذهب ذلك بالكبر ونسى، فلا يعلم منه شيئا، وانسلخ من عقله، فصار من بعد عقل كان له لا يعقل شيئا( إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ) يقول: إن الله لا ينسى ، ولا يتغير علمه، عليم بكلّ ما كان ويكون، قدير على ما شاء لا يجهل شيئا ، ولا يُعجزه شيء أراده.
قوله تعالى : والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير قوله تعالى : والله خلقكم ثم يتوفاكم بين معناه .
ومنكم من يرد إلى أرذل العمر يعني أردأه وأوضعه .
وقيل : الذي ينقص قوته وعقله ويصيره إلى الخرف ونحوه .
وقال ابن عباس : يعني إلى أسفل العمر ، يصير كالصبي الذي لا عقل له ; والمعنى متقارب .
وفي [ ص: 128 ] صحيح البخاري عن أنس بن مالك قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتعوذ يقول : اللهم إني أعوذ بك من الكسل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك من الهرم وأعوذ بك من البخل .
وفي حديث سعد بن أبي وقاص وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر الحديث .
خرجه البخاري .لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير أي يرجع إلى حالة الطفولية فلا يعلم ما كان يعلم قبل من الأمور لفرط الكبر .
وقد قيل : هذا لا يكون للمؤمن ، لأن المؤمن لا ينزع عنه علمه .
وقيل : المعنى لكيلا يعمل بعد علم شيئا ; فعبر عن العمل بالعلم لافتقاره إليه ; لأن تأثير الكبر في عمله أبلغ من تأثيره في علمه .
والمعنى المقصود الاحتجاج على منكري البعث ، أي الذي رده إلى هذه الحال قادر على أن يميته ثم يحييه .
يخبر تعالى أنه الذي خلق العباد ونقلهم في الخلقة، طورا بعد طور، ثم بعد أن يستكملوا آجالهم يتوفاهم، ومنهم من يعمره حتى { يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ } أي: أخسه الذي يبلغ به الإنسان إلى ضعف القوى الظاهرة والباطنة حتى العقل الذي هو جوهر الإنسان يزيد ضعفه حتى إنه ينسى ما كان يعلمه، ويصير عقله كعقل الطفل ولهذا قال: { لِكَيلَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } أي: قد أحاط علمه وقدرته بجميع الأشياء ومن ذلك ما ينقل به الآدمي من أطوار الخلقة، خلقا بعد خلق كما قال تعالى: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ }
( والله خلقكم ثم يتوفاكم ) صبيانا أو شبانا أو كهولا ( ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ) أردئه ، قال مقاتل : يعني الهرم .
قال قتادة : أرذل العمر تسعون سنة .
روي عن علي قال : أرذل العمر خمس وسبعون سنة .
وقيل : ثمانون سنة .
( لكي لا يعلم بعد علم شيئا ) لكيلا يعقل بعد عقله الأول شيئا ، ( إن الله عليم قدير ) أنبأنا عبد الواحد المليحي ، حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، [ حدثنا موسى بن إسماعيل ] حدثنا هارون بن موسى ، حدثنا أبو عبد الله الأعور ، عن شعيب ، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو : " أعوذ بك من البخل ، والكسل ، وأرذل العمر ، وعذاب القبر ، وفتنة الدجال ، وفتنة المحيا والممات " .
«والله خلقكم» ولم تكونوا شيئاً «ثم يتوفاكم» عند انقضاء آجالكم «ومنكم من يرد إلى أرذل العمر» أي أخسه من الهرم والخرف «لكي لا يعلم بعد علم شيئاً» قال عكرمة من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة «إن الله عليم» بتدبير خلقه «قدير» على ما يريده.
والله سجانه وتعالى خلقكم ثم يميتكم في نهاية أعماركم، ومنكم مَن يصير إلى أردأ العمر وهو الهرم، كما كان في طفولته لا يعلم شيئًا مما كان يعلمه، إن الله عليم قدير، أحاط علمه وقدرته بكل شيء، فالله الذي ردَّ الإنسان إلى هذه الحالة قادر على أن يميته، ثم يبعثه.
قال الإِمام الرازى - رحمه الله - : " لما ذكر - سبحانه - بعض عجائب أحوال الحيوانات ، ذكر بعده بعض عجائب أحوال الناس ، ومنها ما هو مذكور فى هذه الآية : ( والله خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر ) - وهو إشارة إلى مراتب عمر الإِنسان .
والعقلاء ضبطوها فى أربع مراتب : أولها : سن النشوء والنماء ، وثانيها : سن الوقوف وهو سن الشباب ، من ثلاث وثلاثين سنة إلى أربعين سنة - ، وثالثها : سن الانحطاط القليل وهو سن الكهولة - وهو من الأربعين إلى الستين - ورابعها : سن الانحطاط الكبير - وهو سن الشيخوخة - وهو من الستين إلى نهاية العمر - " .والمعنى : ( والله ) - تعالى - هو الذى ( خلقكم ) بقدرته ، ولم تكونوا قبل ذلك شيئا مذكورا ." ثم " هو وحده الذى ( يتوفاكم ) وينهى حياتكم من هذه الدنيا عند انقضاء آجالكم .وقوله ( وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر .
.
) معطوف على مقدر .
أى : والله - تعالى - هو الذى خلقكم ، فمنكم من يبقى محتفظا بقوة جسده وعقله حتى يموت ، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر .والمراد بأرذل العمر : أضعفه وأوهاه وهو وقت الهرم والشيخوخة ، الذى تنقص فيه القوى ، وتعجز فيه الحواس عن أداء وظائفها .يقال : رَذُلَ الشئ يَرْذُل - بضم الذال فيهما - رذالة .
.
إذا ذهب جيده وبقى رديئه .وقوله : ( لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ) تعليل للرد إلى أرذل العمر .أى : فعلنا ما فعلنا من إبقاء بعض الناس فى هذه الحياة إلى سن الشيخوخة لكى يصير إلى حالة شبيهة بحالة طفولته فى عدم إدراك الأمور إدراكا تاما وسليما .ويجوز أن تكون اللام للصيرورة والعاقبة .
أى : ليصير أمره بعد العلم بالأشياء ، إلى أن لا يعلم شيئا منها علما كاملا .ولقد استعاذ النبى صلى الله عليه وسلم من أن يصل عمره إلى هذه السن ، لأنها سن تتكاثر فيها الآلام والمتاعب .
وقد يصير الإِنسان فيها عالة على غيره .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ العليم القدير ) قال الإِمام ابن كثير : روى البخارى عند تفسير هذه الآية ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول : " اللهم إنى أعوذ بك من البخل ، والكسل ، والهرم ، وأرذل العمر ، وعذاب القبر ، وفتنة الدجال ، وفتنة المحيا والممات " .وقال زهير بن أبى سلمى فى معلقته المشهورة :سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ...
ثمانين حولا لا أبا لك يسأمرأيت المنايا خبط عشواء من تصب ...
تمته ، ومن تخطئ يعمر فيهرمثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على كمال علمه ، وتمام قدرته ، فقال - تعالى - : ( إِنَّ الله عَلِيمٌ قَدِيرٌ ) أى : إن الله - تعالى - عليم بأحوال مخلوقاته ، لايخفى عليه شئ من تصرفاتهم ( قدير ) على تبديل الأمور كما تقتضى حكمته وإرادته .ويؤخذ من هذه الآية الكريمة إمكان البعث وأنه حق ، لأن الله - تعالى - القادر على خلق الإنسان وعلى نقله من حال إلى حال .
.
قادر - أيضا - على إحيائه بعد موته .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: لما ذكر تعالى بعض عجائب أحوال الحيوانات، ذكر بعده بعض عجائب أحوال الناس، فمنها ما هو مذكور في هذه الآية وهو إشارة إلى مراتب عمر الإنسان، والعقلاء ضبطوها في أربع مراتب: أولها: سن النشو والنماء.
وثانيهما: سن الوقوف وهو سن الشباب.
وثالثها: سن الانحطاط القليل وهو سن الكهولة.
ورابعها: سن الانحطاط الكبير وهو سن الشيخوخة.
فاحتج تعالى بانتقال الحيوان من بعض هذه المراتب إلى بعض، على أن ذلك الناقل هو الله تعالى والأطباء الطبائعيون قالوا: المقتضي لهذا الانتقال هو طبيعة الإنسان، وأنا أحكي كلامهم على الوجه الملخص وأبين ضعفه وفساده، وحينئذ يبقى أن ذلك الناقل هو الله سبحانه، وعند ذلك يصح بالدليل العقلي ما ذكر الله تعالى في هذه الآية.
قال الطبائعيون: إن بدن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث، والمني والدم جوهران حاران رطبان، والحرارة إذا عملت في الجسم الرطب قللت رطوبته وأفادته نوع يبس، وهذا مشاهد معلوم، قالوا: فلا يزال ما في هذين الجوهرين من قوة الحرارة يقلل ما فيه من الرطوبة حتى تتصلب الأعضاء ويظهر فيه الانعقاد، ويحدث العظم والغضروف والعصب والوتر والرباط وسائر الأعضاء فإذا تم تكون البدن وكمل فعند ذلك ينفصل الجنين من رحم الأم ومع ذلك فالرطوبات زائدة، والدليل عليه أنك ترى أعضاء الطفل بعد انفصاله من الأم لينة لطيفة وعظامه لينة قريبة الطبع من الغضاريف، ثم إن ما في البدن من الحرارة يعمل في تلك الرطوبات ويقللها، قالوا: ويحصل للبدن ثلاثة أحوال.
الحالة الأولى: أن تكون رطوبة البدن زائدة على حرارته، وحينئذ تكون الأعضاء قابلة للتمدد والازدياد والنماء، وذلك هو سن النشو والنماء ونهايته إلى ثلاثين سنة أو خمس وثلاثين سنة.
الحالة الثانية: أن تصير رطوبات البدن أقل ما كانت فتكون وافية بحفظ الحرارة الغريزية الأصلية إلا أنها لا تكون زائدة على هذا القدر، وهذا هو سن الوقوف وسن الشباب وغايته خمس سنين، وعند تمامه يتم الأربعون.
والحالة الثالثة: أن تقل الرطوبات وتصير بحيث لا تكون وافية بحفظ الحرارة الغريزية، وعند ذلك يظهر النقصان، ثم هذا النقصان قد يكون خفياً وهو سن الكهولة وتمامه إلى ستين سنة وقد يكون ظاهراً وهو سن الشيخوخة وتمامه إلى مائة وعشرين سنة فهذا هو الذي حصله الأطباء في هذا الباب، وعندي أن هذا التعليل ضعيف ويدل على ضعفه وجوه: الوجه الأول: أنا نقول إن في أول ما كان المني منياً وكان الدم دماً كانت الرطوبات غالبة وكانت الحرارة الغريزية مغمورة وكانت ضعيفة بهذا السبب، ثم إنها مع ضعفها قويت على تحليل أكثر تلك الرطوبات وأبانتها من حد الدموية والمنوية إلى أن صارت عظماً وغضروفاً وعصباً ورباطاً، وعندما تولدت الأعضاء وكمل البدن قلت الرطوبات فوجب أن تكون للحرارة الغريزية قوة أزيد مما كانت قبل ذلك، فوجب أن يكون تحليل الرطوبات بعد تولد البدن وكماله أزيد من تحللها قبل تولد البدن، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك، لأن قبل تولد البدن انتقل جسم المني والدم إلى أن صار عظماً وعصباً، وأما بعد تولد البدن فلم يحصل مثل هذا الانتقال ولا عشر عشره فلو كان تولد هذه الأعضاء بسبب تأثير الحرارة في الرطوبة لوجب أن يكون تحلل الرطوبات بعد كمال البدن أكثر من تحللها قبل تكون البدن، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أن تولد البدن إنما كان بتدبير قادر حكيم يدبر أبدان الحيوانات على وفق مصالحها، وأنه ما كان تولد البدن لأجل ما قالوه من تأثير الحرارة في الرطوبة.
والوجه الثاني: في إبطال هذا الكلام أن نقول: إن الحرارة الغريزية الحاصلة في بدن الإنسان الكامل إما أن تكون هي عين ما كان حاصلاً في جوهر النطفة أو صارت أزيد مما كانت، والأول باطل، لأن الحار الغريزي الحاصل في جوهر النطفة كان بمقدار جرم النطفة ولا شك أن جرم النطفة كان قليلاً صغيراً، فهذا البدن بعد كبره لو لم يحصل فيه من الحرارة الغريزية إلا ذلك القدر كان في غاية القلة، ولم يظهر منه في هذا البدن أثر أصلاً، وأما الثاني: ففيه تسليم أن الحرارة الغريزية تتزايد بحسب تزايد الجثة والبدن، وإذا تزايدت الحرارة الغريزية ساعة فساعة، وثبت أن تزايدها يوجب تزايد القوة والصحة ساعة فساعة، فوجب أن يبقى البدن الحيواني أبداً في التزايد والتكامل، وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن ازدياد حال البدن الحيواني وانتقاصه ليس بحسب الطبيعة، بل بسبب تدبير الفاعل المختار.
والوجه الثالث: وهو الذي أوردناه على الأطباء في كتابنا الكبير في الطب فقلنا هب أن الرطوبة الغريزية صارت معادلة للحرارة الغريزية فلم قلتم إن الحرارة الغريزية يجب أن تصير أقل مما كانت؟
وأن ينتقل الإنسان من سن الشباب إلى سن النقصان.
قالوا: السبب فيه أنه إذا حصل هذا الاستواء، فالحرارة الغريزية بعد ذلك تؤثر في تخفيف الرطوبة الغريزية، فتقل الرطوبات الغريزية حتى صارت بحيث لا تقي بحفظ الحرارة الغريزية، وإذا حصلت هذه الحالة ضعفت الحرارة الغريزية أيضاً، لأن الرطوبة الغريزية كالغذاء للحرارة الغريزية، فإذا قل الغذاء ضعف المغتذي.
فالحاصل: أن الحرارة الغريزية توجب قلة الرطوبة الغريزية، وقلتها توجب ضعف الحرارة الغريزية، ويلزم من ضعف إحداهما ضعف الأخرى إلى أن تنتهي إلى حيث لا يبقى من الرطوبة الغريزية شيء، وحينئذ تنطفئ الحرارة الغريزية، ويحصل الموت هذا منتهى ما قالوه في هذا الباب، وهو ضعيف، لأنا نقول: إن الحرارة الغريزية إذا أثرت في تجفيف الرطوبة الغريزية وقلتها، فلم لا يجوز أن يقال: إن القوة الغاذية تورد بدلها.
فعند هذا قالوا: القوة الغاذية إنما تقوى على إيراد بدلها لو كانت الحرارة الغريزية قوية، فأما عند ضعفها فلا، فنقول: فهاهنا لزم الدور، لأن الرطوبة الغريزية إنما تقل وتنقص لو لم تكن القوة الغاذية وافية بإيراد بدلها، وإنما تعجز القوة الغاذية عن هذا الإيراد إذا كانت الحرارة الغريزية ضعيفة، وإنما تكون الحرارة الغريزية ضعيفة أن لو قلت الرطوبة الغريزية، وإنما تحصل هذه القلة إذا عجزت الغاذية عن إيراد البدل، فثبت أن على القول الذي قالوه يلزم الدور وأنه باطل فثبت أن تعليل انتقال الإنسان من سن إلى سن بما ذكروه من اعتبار الطبائع يوجب عليهم هذه المحاولات المذكورة فكان القول به باطلاً، ولما بطل هذا القول وجب القطع بإسناد هذه الأحوال إلى الإله القادر المختار الحكيم الرحيم الذي يدبر أبدان الحيوانات على الوجه الموافق لمصالحها، وذلك هو المطلوب.
وقد كنت أقرأ يوماً من الأيام سورة المرسلات فلما وصلت إلى قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَٰهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَٰدِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴾ فقلت: لا شك أن المراد بهؤلاء المكذبين هم الذين نسبوا تكون الأبدان الحيوانية إلى الطبائع وتأثير الحرارة في الرطوبة، وأنا أؤمن من صميم قلبي يا رب العزة بأن هذه التدبيرات ليست من الطبائع بل من خالق العالم الذي هو أحكم الحاكمين وأكرم الأكرمين.
إذا عرفت هذا فقد صح بالدليل العقلي صدق قوله: ﴿ والله خَلَقَكُمْ ﴾ لأنه ثبت أن خالق أبدان الناس وسائر الحيوانات ليس هو الطبائع بل هو الله سبحانه وتعالى، وقوله: ﴿ ثُمَّ يتوفاكم ﴾ قد بينا أن السبب الذي ذكروه في صيرورة الموت فاسد باطل، وأنه يلزم عليه القول بالدور، ولما بطل ذلك ثبت أن الحياة والموت إنما حصلا بتخليق الله، وبتقديره، وقوله: ﴿ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر ﴾ قد بينا بالدليل أن الطبائع لا يجوز أن تكون علة لانتقال الإنسان من الكمال إلى النقصان ومن القوة إلى الضعف فلزم القطع بأن انتقال الإنسان من الشباب إلى الشيخوخة، ومن الصحة إلى الهرم، ومن العقل الكامل إلى أن صار خَرِفاً غافلاً ليس بمقتضى الطبيعة بل بفعل الفاعل المختار، وإذا ثبت ما ذكرنا ظهر أن الذي دل عليه لفظ القرآن قد ثبت صحته بقاطع القرآن.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾ وهذا كالأصل الذي عليه تفريع كل ما ذكرناه، وذلك لأن الطبيعة جاهلة لا تميز بين وقت المصلحة ووقت المفسدة، فهذه الإنفعالات في هذا الإنسان لا يمكن إسنادها إليها.
أما إله العالم ومدبره وخالقه، فهو الكامل في العلم، الكامل في القدرة، فلأجل كمال علمه يعلم مقادير المصالح والمفاسد، ولأجل كمال قدرته يقدر على تحصيل المصالح ودفع المفاسد، فلا جرم أمكن إسناد تخليق الحيوانات إلى إله العالم، فلا يمكن إسناده إلى الطبائع، والله أعلم.
المسألة الثانية: في تفسير ألفاظ الآية قال المفسرون: والله خلقكم ولم تكونوا شيئاً ثم يتوفاكم عند انقضاء آجالكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر، وهو أردؤه وأضعفه.
يقال: رذل الشيء يرذل رذالة وأرذلة غيره، ومنه قوله: ﴿ إِلاَّ الذين هُمْ ارذالنا ﴾ ومنه قوله: ﴿ واتبعك الأرذلون ﴾ وقوله: ﴿ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر ﴾ هل يتناول المسلم أو هو مختص بالكافر؟
فيه قولان: القول الأول: أنه يتناوله، قيل: إنه العمر الطويل، وعلى هذا الوجه نقل عن علي عليه السلام أنه قال: أرذل العمر خمس وسبعون سنة.
وقال قتادة: تسعون سنة.
وقال السدي: إنه الخرف.
والقول الأول أولى؛ لأن الخرف معناه زوال العقل، فقوله: ﴿ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العمر لِكَيْلاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾ يدل على أنه تعالى إنما رده إلى أرذل العمر لأجل أن يزيل عقله، فلو كان المراد من أرذل العمر هو زوال العقل لصار الشيء عين الغاية المطلوبة منه وأنه باطل.
والقول الثاني: أن هذا ليس في المسلمين والمسلم لا يزداد بسبب طول العمر إلا كرامة على الله تعالى ولا يجوز أن يقال في حقه إنه يرد إلى أرذل العمر، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَٰهُ أَسْفَلَ سَٰفِلِينَ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ فبين تعالى أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ما ردوا إلى أسفل سافلين.
وقال عكرمة: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر.
وقوله: ﴿ إِنَّ الله عَلِيمٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد بما صنع أولياؤه وأعداؤه ﴿ قدير ﴾ على ما يريد.
المسألة الثالثة: هذه الآية كما تدل على وجود إله العالم الفاعل المختار، فهي أيضاً تدل على صحة البعث والقيامة، وذلك لأن الإنسان كان عدماً محضاً فأوجده الله ثم أعدمه مرة ثانية، فدل هذا على أنه لما كان معدوماً في المرة الأولى، وكان عوده إلى العدم في المرة الثانية جائزاً، فكذلك لما صار موجوداً، ثم عدم وجب أن يكون عوده إلى الوجود في المرة الثانية جائزاً، وأيضاً كان ميتاً حين كان نطفة ثم صار حياً ثم مات فلما كان الموت الأول جائزاً كان عود الموت جائزاً، فكذلك لما كانت الحياة الأولى جائزة، وجب أن يكون عود الحياة جائزاً في المرة الثانية، وأيضاً الإنسان في أول طفوليته جاهل لا يعرف شيئاً، ثم صار عالماً عاقلاً فاهماً، فلما بلغ أرذل العمر عاد إلى ما كان عليه في زمان الطفولية، وهو عدم العقل والفهم، فعدم العقل والفهم في المرة الأولى عاد بعينه في آخر العمر، فكذلك العقل الذي حصل، ثم زال وجب أن يكون جائز العود في المرة الثانية، وإذا ثبتت هذه الجملة ثبت أن الذي مات وعدم فإنه يجوز عود وجوده وعود حياته وعود عقله مرة أخرى ومتى كان الأمر كذلك، ثبت أن القول بالبعث والحشر والنشر حق، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إلى أَرْذَلِ العمر ﴾ إلى أخسه وأحقره وهو خمس وسبعون سنة عن عليّ رضي الله عنه وتسعون سنة عن قتادة: لأنه لا عمر أسوأ حالا من عمر الهرم ﴿ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾ ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفولة في النسيان، وأن يعلم شيئاً ثم يسرع في نسيانه فلا يعلمه إن سئل عنه.
وقيل: لئلا يعقل من بعد عقله الأوّل شيئاً: وقيل: لئلا يعلم زيادة علم على علمه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واللَّهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ ﴾ بِآجالٍ مُخْتَلِفَةٍ.
﴿ وَمِنكم مَن يُرَدُّ ﴾ يُعادُ.
﴿ إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴾ أخَسَّهِ يَعْنِي الهِرَمَ الَّذِي يُشابِهُ الطُّفُولِيَّةَ في نُقْصانِ القُوَّةِ والعَقْلِ.
وقِيلَ هو خَمْسٌ وتِسْعُونَ سَنَةً وقِيلَ خَمْسٌ وسَبْعُونَ.
﴿ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾ لِيَصِيرَ إلى حالَةٍ شَبِيهَةٍ بِحالَةِ الطُّفُولِيَّةِ في النِّسْيانِ وسُوءِ الفَهْمِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ ﴾ بِمَقادِيرِ أعْمارِكم.
﴿ قَدِيرٌ ﴾ يُمِيتُ الشّابَّ النَّشِيطَ ويُبْقِي الهَرِمَ الفانِيَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَفاوُتَ آجالِ النّاسِ لَيْسَ إلّا بِتَقْدِيرِ قادِرٍ حَكِيمٍ، رَكَّبَ أبْنِيَتَهم وعَدَّلَ أمْزِجَتَهم عَلى قَدْرٍ مَعْلُومٍ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُقْتَضى الطَّبائِعِ لَمْ يَبْلُغِ التَّفاوُتُ هَذا المَبْلَغَ.
<div class="verse-tafsir"
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)
{والله خَلَقَكُمْ ثُمَّ يتوفاكم} بقبض أرواحكم من أبدانكم {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر} إلى أخسه وأحقره وهو خمس وسبعون سنة أو ثمانون أو تسعون {لِكَىْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} لينسى ما يعلم أو لئلا يعلم زيادة علم على علمه {إِنَّ الله عَلِيمٌ} بحكم التحويل إلى الأرذل من الأكمل أو إلى الإفناء من الإحياء {قَدِيرٌ} على تبديل ما يشاء كما يشاء من الأشياء
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ مِن عَجائِبِ أحْوالِ ما ذَكَرَ مِنَ الماءِ والنَّباتِ والأنْعامِ والنَّحْلِ أشارَ إلى بَعْضِ عَجائِبِ أحْوالِ البَشَرِ مِن أوَّلِ عُمْرِهِ إلى آخِرِهِ وتَطَوُّراتِهِ بَيْنَ ذَلِكَ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿ واللَّهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ ﴾ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ تَعالى المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ بِآجالٍ مُخْتَلِفَةٍ، والقَرِينَةُ عَلى إرادَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴾ ولِذا قِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ فَمِنكم مَن تَعَجَّلَ وفاتَهُ ومِنكم إلَخْ، (وأرْذَلِ العُمُرِ) أخَسُّهُ وأحْقَرُهُ وهو وقْتُ الهَرَمِ الَّذِي تَنْقُصُ فِيهِ القُوى وتَفْسَدُ الحَواسُّ ويَكُونُ حالُ الشَّخْصِ فِيهِ كَحالِهِ وقْتَ الطُّفُولِيَّةِ مِن ضَعْفِ العَقْلِ والقُوَّةِ.
ومِن هُنا تَصَوَّرِ الرَّدَّ فَهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ ﴾ فَفِيهِ مَجازٌ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ «أرْذَلَ العُمُرِ» خَمْسٌ وسَبْعُونَ سَنَةً، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ تِسْعُونَ، وقِيلَ: خَمْسٌ وتِسْعُونَ واخْتارَ جَمْعٌ تَفْسِيرَهُ بِما سَبَقَ وهو يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأمْزِجَةِ فَرُبَّ مُعَمَّرٍ لَمْ تَنْتَقِصْ قُواهُ ومُنْتَقَصُ القُوى لَمْ يُعَمَّرْ، ولَعَلَّ التَّقْيِيدَ بِسِنٍّ مَخْصُوصٍ مَبْنِيٌّ عَلى الأغْلَبِ عِنْدَ مَن قَيَّدَ.
والخِطابُ إنْ كانَ لِلْمَوْجُودِينَ وقْتَ النُّزُولِ فالتَّعْبِيرُ بِالماضِي والمُسْتَقْبَلِ فِيهِ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ عامًّا فالمُضِيُّ بِالنِّسْبَةِ إلى وقْتِ وُجُودِهِمْ والِاسْتِقْبالُ بِالنِّسْبَةِ إلى الخَلْقِ، وعَلى التَّقْدِيرِ الظّاهِرِ أنَّ ( مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ) يَعُمُّ المُؤْمِنَ مُطْلَقًا والكافِرَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالكافِرِ والمُسْلِمِ لا يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ ﴾ ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: مَن قَرَأ القُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، والمُشاهَدَةُ تُكَذِّبُ كِلا القَوْلَيْنِ فَكَمْ رَأيْنا مُسْلِمًا قارِئَ القُرْآنِ قَدْ رُدَّ إلى ذَلِكَ، والِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى خِلافِهِ فِيهِ نَظَرٌ، وكانَ مِن دُعائِهِ كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ: «أعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ والكَسَلِ وأرْذَلِ العُمُرِ وعَذابِ القَبْرِ وفِتْنَةِ الدَّجّالِ وفِتْنَةِ المَحْيا والمَماتِ».
﴿ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾ اللّامُ لِلصَّيْرُورَةِ والعاقِبَةِ وهي في الأصْلِ لِلتَّعْلِيلِ وكَيْ مَصْدَرِيَّةٌ والفِعْلُ مَنصُوبٌ بِها والمُنْسَبِكُ مَجْرُورٌ بِاللّامِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ- بِـ يُرَدُّ، وزَعَمَ الحَوْفِيُّ أنَّ اللّامَ لامُ كَيْ دَخَلَتْ عَلى كَيْ لِلتَّوْكِيدِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، والكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ غايَةِ النِّسْيانِ أيْ لِيَصِيرَ نَسّاءً بِحَيْثُ إذا كَسَبَ عِلْمًا في شَيْءٍ لَمْ يَنْشَبْ أنْ يَنْساهُ ويَزُلْ عَنْهُ عِلْمُهُ مِن ساعَتِهِ يَقُولُ لَكَ: مَن هَذا؟
فَتَقُولُ: فُلانٌ فَما يَلْبَثُ لَحْظَةً إلّا سَألَكَ عَنْهُ، وقِيلَ: المُرادُ لِئَلّا يَعْلَمَ زِيادَةَ عِلْمٍ عَلى عِلْمِهِ، وقِيلَ: لِئَلّا يَعْقِلَ مِن بَعْدِ عَقْلِهِ الأوَّلِ شَيْئًا فالعِلْمُ بِمَعْنى العَقْلِ لا بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ كَما في سابِقِهِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى وُقُوفِهِ وأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى عِلْمٍ زائِدٍ، والوَجْهُ المُعْتَمَدُ الأوَّلُ، ونَصَبَ- شَيْئًا- عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ المَفْعُولِيَّةِ، وجُوِّزَ فِيهِ التَّنازُعُ بَيْنَ يَعْلَمَ وعِلْمٍ، وكَوْنُ مَفْعُولِ- عِلْمٍ- مَحْذُوفًا لِقَصْدِ العُمُومِ أيْ لا يَعْلَمُ شَيْئًا ما بَعْدَ عِلْمِ أشْياءَ كَثِيرَةٍ ﴿ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ ﴾ بِكُلِّ شَيْءٍ ومِن ذَلِكَ وجْهُ الحِكْمَةِ في الخَلْقِ والتَّوَفِّي والرَّدِّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴿ قَدِيرٌ ﴾ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ومِنهُ ما يَشاؤُهُ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: عَلِيمٌ بِمَقادِيرِ أعْمارِكم قَدِيرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يُمِيتُ الشّابَّ النَّشِيطَ ويُبْقِي الهَرَمَ الفانِيَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَفاوُتَ الآجالِ لَيْسَ إلّا بِتَقْدِيرِ قادِرٍ حَكِيمٍ رَتَّبَ الأبْنِيَةَ وعَدَلَ الأمْزِجَةَ عَلى قَدْرٍ مَعْلُومٍ ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُقْتَضى القَطائِعِ لَما بَلَغَ هَذا المَبْلَغَ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما يَعْرِضُ في الهَرَمِ مِن ضَعْفِ القُوى والقُدْرَةِ وانْتِفاءِ العِلْمِ ذَكَرَ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ مُسْتَمِرٌّ عَلى العِلْمِ الكامِلِ والقُدْرَةِ الكامِلَةِ لا يَتَغَيَّرانِ بِمُرُورِ الأزْمانِ كَما يَتَغَيَّرُ عِلْمُ البَشَرِ وقُدْرَتُهُمْ، ويُفِيدُ الِاسْتِمْرارُ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ، والكَمالُ صِيغَةُ فَعِيلٍ، وقَدَّمَ صِفَةَ العِلْمِ لِتَجاوُزِ انْتِفاءِ العِلْمِ عَنِ المُخاطَبِينَ مَعَ أنَّ تَعَلُّقَ صِفَةِ العِلْمِ بِالشَّيْءِ أوَّلُ لِتَعَلُّقِهِ صِفَةَ القُدْرَةِ بِهِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما هو الأوْلى مِنَ الثَّلاثَةِ فَتَدَبَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ أي: يقبض أرواحكم وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ أي: إلى أسفل العمر، وهو الهرم لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً أي: صار بحال لا يعلم ما علم من قبل.
ويقال: لكيلا يعقل من بعد عقله الأول شيئاً.
ويقال: إن الهرم اسوأ العمر وشره.
وقوله: لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ أي: حتى لا يعلم بعد علمه بالأمور شيئاً، لشدة هرمه، بعد ما كان يعلم الأمور قبل الهرم إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بكم قَدِيرٌ على تحويلكم.
ويقال: معناه وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ يعني: أنه يحولكم من حال إلى حال تكرهونه، ولا يقدر معبودكم أن يمنعني من تغيير ذلك، والله عليم قدير على ذلك.
قوله عز وجل: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ أي: فضّل الموالي على العبيد في المال فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ أي: الموالي لا يرضون بدفع المال إلى المماليك فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أي: لا ترضون أن يكون عبيدكم معكم شركاء في أموالكم، فكيف ترضون لله تعالى أن تصفوا له شريكاً في ملكه وصفاته، وتصفوا له ولداً من عباده؟
وقال قتادة: هو الذي فضل في المال والولد لا يشرك عبيده في ماله، فقد رضيتم بذلك لله تعالى ولم ترضوا به لأنفسكم.
وقال مجاهد: ضرب الله مثلاً للآلهة الباطلة مع الله تعالى.
ويقال: نزلت الآية في وفد نجران حين قالوا في عيسى ما قالوا.
ثم قال تعالى: أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ يقول: بوحدانية الله تعالى تكفرون وترضون له ما لا ترضون لأنفسكم.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ ...
الآية: هذه آية ضرب مثل لهم بمَنْ سَلَف، في ضِمْنها وعيدٌ لهم، وتأنيس للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقوله: فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ: يحتمل أنْ يريد ب الْيَوْمَ يومَ الإِخبار، ويحتملُ أنْ يريد يَوْمَ القيامةِ، أي: وليهم في اليَوْمِ المشهورِ.
وقوله سبحانه: إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ: لِتُبَيِّنَ: في موضع المفعولِ من أجلِهِ، أي: إلا لأجل البيان، والَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ: لَفْظٌ عامٌّ لأنواعِ كُفْر الكفرة، لكن الإِشارة هنا إِلى تشريكهم الأَصْنَامَ في الإلهية.
ثم أَخَذَ سبحانه يَنصُّ العِبَرَ المؤدِّية إِلى بيان وحدانيته، وعظيمِ قدرَتِهِ، فبدأ بنعمَةِ المَطَرَ التي هِيَ أَبينُ العبر، وهي مِلاَكُ الحياة، وهي في غاية الظهور، لا يخالف فيها عاقل.
وقوله: مِمَّا فِي بُطُونِهِ: الضمير عائد على الجِنْس، وعلى المذكور، وهذا كثيرٌ.
وقوله سبحانه: سائِغاً لِلشَّارِبِينَ/ «السائغ» : السَّهْلُ في الشرْبِ اللذيذُ.
ت: وعن ابن عبَّاس، قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ أَطْعَمَهُ اللَّهُ طَعَاماً، فَلْيَقُلْ:
اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَأَطْعِمْنَا خَيْراً مِنْهُ، وَمَنْ سَقَاهُ اللَّهُ لَبَناً، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وزدنا منه» ، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِىءُ مَكَانَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرُ اللَّبَنِ» «١» ، رواه أبو داود والترمذيُّ وابن ماجه، وقال الترمذيُّ، واللفظ له: هذا حديثٌ حسنٌ، انتهى من «السلاح» .
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)
وقوله سبحانه: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً ...
الآية:
«السَّكَر» : ما يُسْكِرُ هذا هو المشهور في اللغة، قال ابن عباس: نزلَتْ هذه الآية قبل تحريمِ الخَمْرِ «١» ، وأراد ب «السَّكَر» : الخمرَ، وب «الرِّزْق الحسن» جميعَ ما يُشْرَبُ ويؤكل حلالاً من هَاتَيْنِ الشجرتَيْن، فالحَسَنُ هنا: الحلال، وقال بهذا القولِ ابنُ جُبَيْر وجماعة «٢» وصحَّح ابنُ العربيِّ «٣» هذا القولِ، ولفظه: والصحيحُ أَنَّ ذلك كان قبل تحريمِ الخَمْرِ، فإِن هذه الآية مكِّيَّة باتفاق العلماء، وتحريمُ الخَمْر مدنيٌّ انتهى من «أحكام القرآن» ، وقال مجاهد وغيره: السكر المائعُ من هاتَيْنِ الشجرتَيْنِ، كالخَلِّ، والرّبِّ، والنَّبِيذِ، والرزقُ الحَسَنُ: العنبُ والتمرُ «٤» .
قال الطبريُّ «٥» : والسّكَر أيضاً في كلام العرب ما يُطْعَم، ورجَّح الطبريُّ هذا القول، ولا مدخَلَ للخَمْر فيه، ولا نَسْخَ في الآية.
وقوله تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ...
الآية: الوحْيُ في كلام العرب:
إلقاء المعنى من المُوحى إلى الموحى إِليه في خفاءٍ، فمنه الوحْيُ إِلى الأنبياء برسالةِ المَلَكِ، ومنه وَحْيُ الرؤيا، ومنه وَحْيُ الإِلهام، وهو الذي في آيتنا باتفاق من المتأوِّلينِ، والوحْيُ أيضاً بمعنى الأمر كما قال تعالى: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة: ٥] ، وقد جعل اللَّه بيوتَ النحل في هذه الثلاثة الأنواعِ: إمَّا في الجبالِ وكُوَاها، وإِما في متجوَّفِ الأشجار، وإِما فيما يَعْرِشُ ابنُ آدَمَ من الأَجْبَاحِ والحِيطان، ونحوها، وعرش: معناه: هيّأ، والسبل الطرق، وهي مسالكها في الطيران وغيره، وذُلُلًا: يحتمل أن يكون حالاً من «النحل» ، أي: مطيعةً منقادةً، قاله قتادة «٦» .
قال ابن زَيْد: فهم يخرجون بالنحل
ينتجعون، وهي تتبعهم «١» وقرأ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً ...
[يس: ٧١] الآية، ويحتملُ أنْ يكون حالاً من «السُّبُل» ، أي: مسَّهلةً مستقيمةً قاله مجاهد «٢» ، لا يتوعَّر عليها سبيلٌ تسلُكُه.
ثم ذكر تعالى على جهة تعديد النعمة، والتنبيه على العِبْرة- أمْرَ العَسَل في قوله:
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ، وجمهور الناس على أنَّ العسل يخرُجْ من أفواهِ النَّحْلِ، واختلافُ الألوان في العسل بحسب آختلاف النَّحْلِ والمَرَاعِي، أيُّ والفصول.
ت: قال الهرويُّ: قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ، وذلك أنه يستحيلُ في بطونها، ثم تمجُّه من أفواهها انتهى.
وقوله: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ الضمير للعَسَل قاله الجمهور: / قال ابن «٣» العربيِّ في «أحكامه» وقد روى الأئمة، واللفظُ للبخاريّ، عن عائشة، قالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم يُحِبُّ الحْلَوَاءَ والعَسَل «٤» ، وروى أبو سعيد الخُدْرِيُّ: أنّ رجلا أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ: إنَّ أخِي يَشْتَكى بَطْنَهُ فَقَالَ: «اسقه عَسَلاً» ، ثم أتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «اسقه عَسَلاً» ، ثُمَّ أتاه فَقَالَ:
فَعَلْتُ فَمَا زَادَهُ ذَلِكَ إِلاَّ استطلاقا، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: «صَدَق اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ، اسقه عَسَلاً» فسَقَاهُ، فَبَرأ «٥» ، وروي أنَّ عوف بنَ مالك الأشْجَعِيَّ مَرِضَ، فقيل له: ألا نُعَالِجُكَ؟
فَقَالَ: ائتوني بمَاءِ سَمَاءٍ، فإِنَّ اللَّهَ تعالى يقُولُ: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً [ق: ٩]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ خَلَقَكُمْ ﴾ أيْ: أوْجَدَكم ولَمْ تَكُونُوا شَيْئًا ﴿ ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ ﴾ عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِكم، ﴿ وَمِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴾ وهو أرْدَؤُهُ، وأدْوَنُهُ، وهي حالَةُ الهَرَمِ.
وفي مِقْدارِهِ مِن السِّنِينَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: خَمْسٌ وسَبْعُونَ سَنَةً، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّانِي: تِسْعُونَ سَنَةً، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: ثَمانُونَ سَنَةً، قالَهُ قُطْرُبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لِكَيْ لا يَعْقِلَ مِن بَعْدِ عَقْلِهِ الأوَّلِ شَيْئًا.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: حَتّى لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالأُمُورِ شَيْئًا، لِشِدَّةِ هَرَمِهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ مِنكم مَن يَكْبُرُ حَتّى يَذْهَبَ عَقْلُهُ خَرَفًا، فَيَصِيرُ بَعْدَ أنْ كانَ عالِمًا جاهِلًا، لِيُرِيَكم مِن قُدْرَتِهِ، كَما قَدَرَ عَلى إماتَتِهِ وإحْيائِهِ، أنَّهُ قادِرٌ عَلى نَقْلِهِ مِنَ العِلْمِ إلى الجَهْلِ.
ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ هَذا في المُسْلِمِينَ، المُسْلِمُ لا يَزْدادُ في طُولِ العُمُرِ والبَقاءِ إلّا كَرامَةً عِنْدَ اللَّهِ، وعَقْلًا، ومَعْرِفَةً.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مَن قَرَأ القُرْآنَ، لَمْ يُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكم ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ واللهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِزْقِ فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَهم فِيهِ سَواءٌ أفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ ﴾ ﴿ واللهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً ورَزَقَكم مِن الطَيِّباتِ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَتِ اللهِ هم يَكْفُرُونَ ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الِاعْتِبارِ في إيجادِنا بَعْدَ العَدَمِ وإماتَتِنا بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ اعْتَرَضَ بِمَن يُنَكِّسُ مِنَ الناسِ لِأنَّهم مَوْضِعُ عِبْرَةٍ، و ﴿ أرْذَلِ العُمُرِ ﴾ : آخِرُهُ الَّذِي تَفْسَدُ فِيهِ الحَواسُّ ويَخْتَلُّ النُطْقُ، وخَصَّ ذَلِكَ بِالرَذِيلَةِ -وَإنَّ كانَتْ حالَةُ الطُفُولِيَّةِ كَذَلِكَ- مِن حَيْثُ كانَتْ هَذِهِ لِأرْجاءٍ مَعَها، والطُفُولَةُ إنَّما هي بُداءَةُ والرَجاءُ مَعَها مُتَمَكِّنٌ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: أوَّلُ أرْذَلِ العُمْرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ سَنَةً، رُوِيَ ذَلِكَ عن عَلِيٍّ رَضْيَ اللهُ عنهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا في الأغْلَبِ، وهو لا يَنْحَصِرُ إلى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، وإنَّما هو بِحَسَبِ إنْسانٍ إنْسانٍ.
والمَعْنى: ومِنكم مَن يَرْتَدُّ إلى أرْذَلِ عُمْرِهِ، ورُبَّ مَن يَكُونُ ابْنَ خَمْسِينَ سَنَةً وهو في أرْذَلِ عُمْرِهِ، ورُبَّ ابْنِ مِائَةٍ أوَ تِسْعِينَ لَيْسَ في أرْذَلِ عُمْرِهِ، واللامُ في "لِكَيْلا" يُشَبِهَ أنْ يَكُونَ لامَ صَيْرُورَةٍ، ولَيْسَ بِبَيِّنٍ، والمَعْنى: لِيَصِيرَ أمْرُهُ بَعْدَ العِلْمِ بِالأشْياءِ إلى ألّا يَعْلَمَ شَيْئًا، وهَذِهِ عِبارَةٌ عن قِلَّةِ عِلْمِهِ، لا أنَّهُ لا يَعْلَمُ شَيْئًا البَتَّةَ، ولَمْ تَحُلْ "لا" بَيْنَ كَيْ ومَعْمُولِها لِتَصَرُّفِها، وأنَّها قَدْ تَكُونُ زائِدَةً.
ثُمَّ قَرَّرَ تَبارَكَ وتَعالى عِلْمَهُ وقُدْرَتَهُ الَّتِي لا تَتَبَدَّلُ، ولا تُحِيلُها الحَوادِثُ، ولا تَتَغَيَّرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِزْقِ ﴾ إخْبارٌ يُرادُ بِهِ العِبْرَةُ، وإنَّما هي قاعِدَةُ بُنِيَ المَثَلُ عَلَيْها، والمَثَلَ هو أنَّ المُفَضَّلَيْنِ لا يَصِحُّ مِنهم أنْ يُساهِمُوا مَمالِيكَهم فِيما أعْطَوْا حَتّى تَسْتَوِيَ أحْوالُهُمْ، فَإذا كانَ هَذا في اليَسِيرِ فَكَيْفَ تَنْسُبُونَ أنْتُمْ أيُّها الكَفَرَةُ إلى اللهِ تَعالى أنَّهُ يَسْمَحُ بِأنْ يُشْرَكَ في أُلُوهِيَّتِهِ الأوثانُ والأنْصابُ وهم خَلْقُهُ، وغَيْرُ هَذا مِمّا عُبِدَ كالمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ وهم عَبِيدُهُ وخَلْقُهُ؟
هَذا تَأْوِيلُ الطَبَرِيُّ، وحَكاهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وحُكِيَ عنهُ أنَّ الآيَةَ مُشِيرَةٌ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ الآيَةُ، ثُمَّ وقَّفَهم عَلى جَحْدِهِمْ نِعْمَةَ اللهِ في تَنْبِيهِهِ لَهم عَلى مَثْلِ هَذا مِن مُواطِنِ النَظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "يَجْحَدُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأها أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ بِالتاءِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْرَجُ -بِخِلافٍ عنهُ-، وهي عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، قالَ قَتادَةُ: لا يَكُونُ الجَحْدُ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ جَعَلَ لَكُمْ ﴾ الآيَةُ آيَةُ تَعْدِيدِ نِعَمٍ، و"الأزْواجُ": الزَوْجاتُ، ولا يَتَرَتَّبُ في هَذِهِ الآيَةِ الأنْواعُ ولا غَيْرُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ خَلْقَهُ حَوّاءَ مِن نَفْسِ آدَمَ وجِسْمِهِ، فَمِن حَيْثُ كانا مُبْتَدَأ الجَمِيعِ ساغَ حَمْلَ أمْرِهِما عَلى الجَمِيعِ حَتّى صارَ الأمْرُ كَأنَّ النِساءَ خُلِقْنَ مِن أنْفُسِ الرِجالِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةُ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ أيْ: مِن نَوْعِكم وعَلى خِلْقَتِكُمْ، كَما قالَ: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ الآيَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ ﴾ ظاهِرٌ في تَعْدِيدِ النِعْمَةِ في الأبْناءِ، واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ: "وَحَفَدَةً" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَفَدَةُ: أولادُ البَنِينَ، وقالَ الحَسَنُ: هم بَنُوكَ وبَنُو بَنِيكَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الضُحى، وإبْراهِيمُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الحَفَدَةُ: الأصْهارُ، وهم قُرابَةُ الزَوْجَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحَفَدَةُ: الأنْصارُ والأعْوانُ والخَدَمُ، وحَكى الزَجاجُ أنَّ الحِفْدَةَ البَناتُ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ، قالَ الزَهْراوِيُّ: لِأنَّهُنَّ خَدَمُ الأبَوَيْنِ، ولِأنَّ لَفْظَةَ "البَنِينَ" لا تَدُلُّ عَلَيْهِنَّ، ألا تَرى أنَّهُنَّ لَيْسَ في قَوْلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا ﴾ ، وإنَّما الزِينَةُ في الذُكُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: الحَفَدَةُ: أولادُ زَوْجَةِ الرَجُلِ مِن غَيْرِهِ، ولا خِلافَ أنَّ مَعْنى "الحَفْدُ" هو الخِدْمَةُ والبِرُّ والمَشْيُ في الطاعَةِ مُسْرِعًا، ومِنهُ في القُنُوتِ: "وَإلَيْكَ نَسْعى ونُحْفِدُ"، والحَفَدانُ: خَبَبٌ فَوْقَ المَشْيِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو جَمِيلُ بْنُ مُعَمَّرٍ: حَفَدَ الوَلائِدُ بَيْنَهُنَّ وأُسْلِمَتْ ∗∗∗ بِأكُفِّهِنَّ أزِمَّةُ الأجْمالِ وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرُ: كَلَّفْتُ مَجْهُولَها نُوقًا يَمانِيَةً ∗∗∗ ∗∗∗ إذا الحُداةُ عَلى أكْسائِها حَفَدُوا قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الفِرَقُ الَّتِي ذَكَرْتُ أقْوالَها إنَّما بَنَتْ عَلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ جُعَلَ لَهُ مِن أزْواجِهِ بَنِينَ وحِفْدَةٍ، وهَذا إنَّما هو في الغالِبِ وعُظْمِ الناسِ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ مِن أزْواجِكُمْ ﴾ إنَّما هو عَلى العُمُومِ والِاشْتِراكِ، أيْ: مِن أزْواجِ البَشَرِ جَعَلَ اللهُ لَهُمُ البَنِينَ، ومِنهم جَعَلَ الخِدْمَةِ، فَمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةً فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُ حَفَدَةً وحَصَّلَ تِلْكَ النِعْمَةَ، وأُولَئِكَ الحَفَدَةُ هم مِنَ الأزْواجِ، وهَكَذا تَتَرَتَّبُ النِعْمَةُ الَّتِي تَشْمَلُ جَمِيعَ العالَمِ، وتَسْتَقِيمُ لَفْظَةُ "الحَفَدَةُ" عَلى مَجْراها في اللُغَةِ، إذِ البَشَرُ بِجُمْلَتِهِمْ لا يَسْتَغْنِي أحَدٌ مِنهم عن حَفَدَةٍ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الحَفَدَةُ هُمُ البَنُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَسْتَقِيمُ عَلى أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً صِفَةً لَهُمْ، كَما لَوْ قالَ: جَعَلْنا لَهم بَنِينَ وأعْوانًا، أيْ: وهم لَهم أعْوانٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: وهم حَفَدَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَزَقَكم مِنَ الطَيِّباتِ ﴾ يُرِيدُ:المُلَّذَ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَطِيبُ لِمَن يُرْزَقُها، ولا يَقْتَصِرُ هُنا عَلى الحَلالِ؛ لِأنَّهم كُفّارٌ لا يَكْتَسِبُونَ بِشَرْعٍ، وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن قالَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ: "إنِ الرِزْقَ إنَّما يَكُونُ الحَلالُ فَقَطْ"، ولَهم تَعَلُّقُ في لَفْظَةِ "مِن" إذْ هي لِلتَّبْعِيضِ، فَيَقُولُونَ: لَيْسَ الرِزْقُ المُعَدِّدُ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ ما بِأيْدِيهِمْ إلّا ما كانَ حَلالًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُؤَمِّنُونَ"، وتَجِيءُ الآيَةُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- تَوْقِيفًا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَلى إيمانِهِمْ بِالباطِلِ وكُفْرِهِمْ بِنِعْمَةِ اللهِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هم يَكْفُرُونَ ﴾ إخْبارًا مُجَرَّدًا عنهُمْ، وحُكْمًا عَلَيْهِمْ لا تَوْفِيقًا، وقَدْ يُحْتَمَلُ التَوْقِيفُ أيْضًا عَلى قِلَّةِ اطِّرادٍ في القَوْلِ.
<div class="verse-tafsir"
انتقال من الاستدلال بدقائق صنع الله على وحدانيته إلى الاستدلال بتصرّفه في الخلق التصرّفَ الغالب لهم الذي لا يستطيعون دفعهُ، على انفراده بربوبيّتهم، وعلى عظيم قدرته.
كما دلّ عليه تذييلها بجملة ﴿ إن الله عليم قدير ﴾ فهو خَلقهم بدون اختيار منهم ثم يتوفّاهم كَرهاً عليهم أو يردّهم إلى حالة يكرهونها فلا يستطيعون ردّاً لذلك ولا خلاصاً منه، وبذلك يتحقّق معنى العبودية بأوضح مظهر.
وابتدئت الجملة باسم الجلالة للغرض الذي شرحناه عند قوله تعالى: ﴿ والله أنزل من السماء ماء ﴾ [سورة النحل: 65].
وأما إعادة اسم الجلالة هنا دون الإضمار فلأن مقام الاستدلال يقتضي تكرير اسمَ المستدلّ بفتح الدال على إثبات صفاته تصريحاً واضحاً.
وجيء بالمسند فعلياً لإفادة تخصيص المسند إليه بالمسند الفعلي في الإثبات، نحو: أنا سعيت في حاجتك.
وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: ﴿ والله أنزل من السماء ماء ﴾ .
فهذه عبرة وهي أيضاً منّة، لأن الخلق وهو الإيجاد نعمة لشرف الوجود والإنسانية، وفي التوفّي أيضاً نعم على المتوفّى لأن به تندفع آلام الهَرم، ونعم على نوعه إذ به ينتظم حال أفراد النوع الباقين بعد ذهاب من قبلهم، هذا كلّه بحسب الغالب فرداً ونوعاً، والله يخصّ بنعمته وبمقدارها من يشاء.
ولما قوبل «ثم توفّاكم» بقوله تعالى: ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ علم أن المعنى ثم يتوفّاكم في إبان الوفاة، وهو السنّ المعتادة الغالبة لأن الوصول إلى أرذل العمر نادر.
والأرذل: تفضيل في الرذالة، وهي الرداءة في صفات الاستياء.
و ﴿ العمر ﴾ : مدة البقاء في الحياة، لأنه مشتقّ من العَمْر، وهو شغل المكان، أي عَمر الأرض، قال تعالى: ﴿ وأثاروا الأرض وعمروها ﴾ [سورة الروم: 9].
فإضافة ﴿ أرذل ﴾ إلى ﴿ العمر ﴾ التي هي من إضافة الصّفة إلى الموصوف على طريقة المجاز العقلي، لأن الموصوف بالأرذل حقيقة هو حال الإنسان في عمره لا نفسُ العُمر.
فأرذل العمر هو حال هرم البدن وضعف العقل، وهو حال في مدة العمر.
وأما نفس مدّة العمر فهي هي لا توصف برذالة ولا شرف.
والهرم لا ينضبط حصوله بعدد من السنين، لأنه يختلف باختلاف الأبدان والبلدان والصحة والاعتلال على تفاوت الأمزجة المعتدلة، وهذه الرذالة رذالة في الصحّة لا تعلّق لها بحالة النفس، فهي مما يعرض للمسلم والكافر فتسمّى أرذل العمر فيهما، وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يردّ إلى أرذل العمر.
ولام التعليل الداخلة على (كي) المصدرية مستعملة في معنى الصيرورة والعاقبة تشبيهاً للصيرورة بالعلّة استعارة تشير إلى أنه لا غاية للمرء في ذلك التعمير تعريضاً بالناس، إذ يرغبون في طول الحياة؛ وتنبيهاً على وجوب الإقصار من تلك الرغبة، كأنه قيل: منكم من يردّ إلى أرذل العمر ليصير غير قابل لعلم ما لم يعلمه لأنه يبطئ قبولُه للعلم.
وربّما لم يتصوّر ما يتلقاه ثم يسْرع إليه النسيان.
والإنسان يكره حالة انحطاط علمه لأنه يصير شبيهاً بالعجماوات.
واستعارة حرف العلّة إلى معنى العاقبة مستعملة في الكلام البليغ في مقام التوبيخ أو التخطئة أو نحو ذلك.
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ﴾ في سورة آل عمران: (178).
وقد تقدّم القول قريباً في ذلك عند قوله تعالى: ﴿ إذا فريق منكم بربّهم يشركون ليكفروا بما ءاتيناهم ﴾ في هذه السورة (55).
وتنكير ﴿ علم ﴾ تنكير الجنس.
والمعنى: لكيلا يعلم شيئاً بعد أن كان له علم، أي ليزول منه قبول العلم.
وجملة ﴿ إن الله عليم قدير ﴾ تذييل تنبيهاً على أن المقصود من الجملة الدلالة على عظم قدرة الله وعظم علمه.
وقدم وصف العليم لأن القدرة تتعلّق على وفق العلم، وبمقدار سعة العلم يكون عظم القدرة، فضعيف القدرة يناله تعب من قوة علمه لأن همّته تدعوه إلى ما ليس بالنائل، كما قال أبو الطيّب: وإذا كانت النفوس كبارا *** تعبت في مرادها الأجسام <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أوَضَعَهُ وأنْقَصَهُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
الثّانِي: أنَّهُ الهَرِمُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: ثَمانُونَ سَنَةً، حَكاهُ قُطْرُبٌ.
الرّابِعُ: خَمْسٌ وسَبْعُونَ سَنَةً، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
﴿ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾ يَعْنِي أنَّهُ يَعُودُ جاهِلًا لا يَعْلَمُ شَيْئًا كَما كانَ في حالِ صِغَرِهِ.
أوْ لِأنَّهُ قَدْ نَسِيَ ما كانَ يَعْلَمُ، ولا يَسْتَفِيدُ ما لا يَعْلَمُ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ لِكَيْ لا يَعْمَلَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا، فَعَبَّرَ عَنِ العَمَلِ بِالعِلْمِ لِافْتِقارِهِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ تَأْثِيرَ الكِبَرِ في عَمَلِهِ أبْلَغُ مِن تَأْثِيرِهِ في عِلْمِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأوحى ربك إلى النحل ﴾ قال: ألهمها.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال: النحل دابة أصغر من الجندب، ووحيه إليها قذف في قلوبها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ وأوحى ربك إلى النحل ﴾ قال: ألهمها إلهاماً، ولم يرسل إليها رسولاً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأوحى ربك إلى النحل ﴾ قال: أمرها أن تأكل من كل الثمرات، وأمرها أن تتبع سبل ربها ذللاً.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ فاسلكي سبل ربك ذللاً ﴾ قال: طرقاً لا يتوعر عليها مكان سلكته.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ فاسلكي سبل ربك ذللاً ﴾ قال: مطيعة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد في الآية قال: الذلول الذي يقاد ويذهب به حيث أراد صاحبه.
قال: فهم يخرجون بالنحل وينتجعون بها.
ويذهبون وهي تتبعهم.
وقرأ ﴿ أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لهم مالكون وذللناها لهم ﴾ [ يس: 71-72] الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاسلكي سبل ربك ذللاً ﴾ قال: ذليلة لذلك.
وفي قوله: ﴿ يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه ﴾ قال: هذا العسل ﴿ فيه شفاء للناس ﴾ يقول: فيه شفاء الأوجاع التي شفاؤها فيه.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ﴾ يعني العسل.
وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ﴾ قال: هو العسل فيه الشفاء، وفي القرآن.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن العسل فيه شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن مسعود قال: عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن.
وأخرج ابن ماجه وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالشفاءين العسل والقرآن» .
وأخرج البخاري، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنا أنهي أمتي عن الكي» .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أخي استطلق بطنه، فقال: «اسقه عسلاً» فسقاه عسلاً، ثم جاء فقال: ما زاده إلا استطلاقاً: قال: «اذهب فاسقه عسلاً» فسقاه عسلاً، ثم جاء فقال: ما زاده إلا استطلاقاً!
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلاً» فذهب فسقاه فبرأ.
وأخرج ابن ماجه وابن السني والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لعق العسل ثلاث غدوات كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء» .
وأخرج البيهقي في الشعب، عن عامر بن مالك قال: بعثت إلى النبي صلى الله عليه وسلم من وعك كان بي ألتمس منه دواء أو شفاء، فبعث إليّ بعَكَّة من عسل.
وأخرج حميد بن زنجويه، عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان لا يشكو قرحة ولا شيئاً إلا جعل عليه عسلاً حتى الدُّمَّلَ إذا كان به طلاه عسلاً، فقلنا له: تداوي الدُمَّلَّ بالعسل؟
فقال أليس يقول الله: ﴿ فيه شفاء للناس ﴾ .
وأخرج أحمد والنسائي، عن معاوية بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن كان في شيء شفاء ففي شرطة من محجم أو شربة من عسل أو كية بنار تصيب ألماً، وما أحب أن أكتوى» .
وأخرج ابن أبي شيبة، عن حشرم المجمري: أن ملاعب الأسنة عامر بن مالك بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله الدواء والشفاء من داء نزل به؟
فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم بعسل أو بعكة من عسل.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن عمر وقال: مثل المؤمن كمثل النحلة تأكل طيبا وتضع طيباً.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن الزهري قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النمل والنحل.
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل بلالٍ كمثل النحلة، غدت تأكل من الحلو والمر، ثم هو حلو كله» .
وأخرج الحاكم وصححه، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يحب الفاحش ولا المتفحش وسوء الجوار وقطيعة الرحم، ثم قال: إنما مثل المؤمن كمثل النحلة رتعت فأكلت طيباً ثم سقطت فلم تؤذ ولم تكسر» .
وأخرج الطبراني عن سهل بن سعد الساعدي: أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد والضفدع.
وأخرج الخطيب في تاريخه، عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد.
وأخرج أبو يعلى عن أنس قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «عمر الذباب أربعون يوماً، والذباب كله في النار، إلا النحل» .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف من طريق مجاهد، عن عبيد بن عمير أو ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل الذباب في النار إلا النحل» وكان ينهى عن قتلها.
وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذباب كلها في النار إلا النحل» .
وأخرج ابن جرير، عن علي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ قال: خمس وسبعون سنة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ الآية.
أرذل العمر هو الخوف.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر، ثم قرأ ﴿ لكي لا يعلم بعد علم شيئاً ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة، عن طاوس قال: إن العالم لا يخرف.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبد الملك بن عمير قال: كان يقال أن أبقى الناس عقولاً قراء القرآن.
وأخرج البخاري وابن مردويه، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو، «أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة الدجال وفتنة المحيا وفتنة الممات» .
وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود قال: كان دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم «أعوذ بالله من دعاء لا يسمع ومن قلب لا يخشع ومن علم لا ينفع ومن نفس لا تشبع، اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع.
ومن الخيانة فإنها بئست البطانة.
وأعوذ بك من الكسل والهرم والبخل والجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدجال وعذاب القبر» .
وأخرج ابن مردويه، عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يدعو «اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر» .
وأخرج ابن مردويه، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المولود حتى يبلغ الحنث ما يعمل من حسنة أثبت لوالده أو لوالديه، وإن عمل سيئة لم تكتب عليه ولا على والديه، فإذا بلغ الحنث وجرى عليه القلم أمر الملكان اللذان معه فحفظاه وسددا، فإذا بلغ أربعين سنة في الإسلام، آمنه الله من البلايا الثلاثة: من الجنون والجذام والبرص، فإذا بلغ الخمسين ضاعف الله حسناته، فإذا بلغ ستين رزقه الله الانابة إليه فيما يحب، فإذا بلغ سبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ تسعين سنة غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر وشفعه في أهل بيته وكان اسمه عنده أسير الله في أرضه، فإذا بلغ إلى أرذل العمر ﴿ لكي لا يعلم بعد علم شيئاً ﴾ كتب الله له مثل ما كان يعمل في صحته من الخير، وإن عمل سيئة لم تكتب عليه» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَاللهُ خَلَقَكُمْ ﴾ الآية.
قال المفسرون: ولم تكونوا شيئًا (١) ﴿ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ﴾ عند إنقضاء آجالكم، ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ﴾ وهو أَرْدَاه وأَوْضَعه، يقال: رَذُلَ الشيء يَرْذُلُ رَذَالَةً، وأَرْذَلَه غيره (٢) ﴿ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا ﴾ ، ﴿ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ﴾ .
روى أسباط عن السُّدّي: ﴿ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ﴾ قال: الخرف (٣) ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾ ، ونظير هذه الآية لفظًا ومعنى في الحج [[آية: [5]، وهي ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾ .]]، وقال مقاتل: ﴿ أَرْذَلِ الْعُمُرِ ﴾ : الهرم (٤) (٥) - قال: ﴿ أَرْذَلِ الْعُمُرِ ﴾ : خمس وسبعون سنة (٦) قوله تعالى: ﴿ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾ أي ليرجع إلى حال الطفولية بنسيان ما كان علم؛ للكِبَر، قال ابن عباس: كي يصير كالصبي الذي لا عقل له (٧) وقال أبو إسحاق: معنى قوله: ﴿ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾ ، أي: ليريكم من قدرته أنه كما قدّر إماتته وإحياءَه، إنه علي نقله من العلم إلى الجهل قادر (٨) قال عطاء عن ابن عباس: ليس هذا في المسلمين، والمسلم لا يزداد في طول العمر والبقاء عند الله إلا كرامة وعقلاً ومعرفة (٩) ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾ ، يريد الكافر، ثم استثنى المؤمنين فقال: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ (١٠) ونحو هذا روى عاصم (١١) وذكره الألوسي في "روح المعاني" 14/ 188، وهذا القول غير صحيح وواقع الناس على خلافه؛ فكم رد من المسلمين إلى أرذل العمر، وقد يكونون من العلماء، ومشهور بين علماء الحديث مصطلح اختلط بأخرة.
وقد رده الألوسي قائلاً: والمشاهدة تكذب كلا القولين، [أي عدم رد المسلمين ومن قرأ القرآن]؛ فكم رأينا مسلمًا قارئًا القرآن قد رد إلى ذلك، والاستدلال بالآية على خلافه فيه نظر، وكان من دعائه - - "اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أُرد أرذل العمر" رواه البخاري (6370) كتاب: الدعوات، باب: التعوذ من البخل.]]، وقال في قوله: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِخَتِ ﴾ : قرؤوا القرآن (١٢) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد بما صنع بأوليائه وأعدائه، ﴿ قَدِيرٌ ﴾ : على ما يريد (١٣) (١) ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 204 ب، بنصه، والطبرى 14/ 141 بنصه، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 77، والخازن 3/ 125.
(٢) انظر: (رذل) في "تهذيب اللغة" 2/ 1398، و"المحيط في اللغة" 10/ 71، و"الصحاح" 4/ 1708، و"اللسان" 3/ 1633.
(٣) انظر: "تفسير الرازي" 20/ 77، و"الدر المنثور" 4/ 232، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وتصحفت الكلمة فيه إلى (الخوف).
(٤) "تفسير مقاتل" 1/ 204 ب، بلفظه.
(٥) في جميع النسخ: تسعون، وكذلك في "تفسير الثعلبي" 7/ 199 أ، نسخة المحمودية، لكن في نسخة الحرم النبوي (2/ 159 ب) ذكرت أنها سبعون سنة، والصحيح الأول كما دلت عليه المصادر الأخرى، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 30، والزمخشري 2/ 336، وابن الجوزي 4/ 467، والفخر الرازي 20/ 77، والخازن 3/ 125، وأبي حيان 5/ 514.
(٦) أخرجه الطبري 14/ 141 بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 159ب، بنصه، و"تفسير الماوردي" 3/ 200، بنصه، والطوسي 6/ 405 بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 30، والزمخشري 2/ 336، وابن عطية 8/ 464، وابن الجوزى 4/ 467، والفخر الرازي 20/ 77، والخازن 3/ 125، وأبي حيان 5/ 514، وابن كثير 2/ 635، و"الدر المنثور" 5/ 232، وما ذكره علي - - هو الأغلب؛ والأمر يختلف من إنسان لآخر؛ فمنهم من يرد إلى أرذل العمر قبل ذلك، ومنهم من يتعدى ذلك وهو بكامل قواه العقلية؛ كالعلماء.
انظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 464، وأبي حيان 5/ 514.
(٧) انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 140، بنصه، والخازن 3/ 125، بنصه، وورد في "تفسير هود الهواري" 2/ 378، بنحوه بلا نسبة.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 211، بنصه.
(٩) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 468، بنصه، والخازن 3/ 125، بنصه، والفخر الرازي 20/ 77، بلا نسبة.
(١٠) الاستدلال بهذه الآية فيه نظر؛ فقد اختلف السلف في تأويلها وفي المراد بقوله تعالى.
﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾ ، فقال ابن عباس وعكرمة وقتادة والضحاك والنخعي: معناه الهرم والخرف وذهاب العقل، وهو اختيار ابن جرير، واستحسنه ابن عطية، وقال الحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد وأبو العالية: معناه رددناه إلى النار، وهو اختيار ابن كثير والسعدي والشنقيطي.
انظر: "تفسير الطبري" 30/ 244، وابن عطية 15/ 504، وابن كثير 4/ 559، والسعدي 1599، والشنقيطي 10/ 338.
والراجح القول الأول؛ وهو رده إلى الهرم، وعليه فيكون الاستثناء في قوله: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ منقطعًا، ويكون المراد أن المؤمن وإن ردّ إلى الهرم فإن أجر عمله الصالح لا ينقطع لعجزه بل يستمر على ما كان عليه قبل الهرم.
أملاه عليّ شيخي.
(١١) عاصم بن سليمان الأحول، البصري الحافظ الثقة، من أكبر شيوخه عبد الله بن سرجس، وأنس، وعمرو بن سلمة؛ وعنه: شعبة ويزيد بن هارون، كان على قضاء المدائن، وولي حسبة الكوفة، مات سنة (142هـ).
انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 343، و"ميزان الاعتدال" 3/ 64، و"الكاشف" 1/ 519 (2501)، و"تقريب التهذيب" ص 285 (3060).
(١٢) انظر: "تفسير الخازن" 3/ 125، بنصه.
(١٣) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 77 بنصه، والخازن 3/ 125 بنصه غير منسوب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إلى أَرْذَلِ العمر ﴾ أي إلى أخسه وأحقره، وهو الهرم.
وقيل: حدّه خمسة وسبعون عاماً، وقيل: ثمانون، والصحيح أنه لا يحصر إلى مدة معينة، وأنه يختلف بحسب الناس ﴿ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾ اللام لام الصيرورة أي يصير إذا هرم لا يعلم شيئاً بعد أن كان يعلم قبل الهرم، وليس المراد نفي العلم بالكلية، بل ذلك عبارة عن قلة العلم لغلبة النسيان، وقيل: المعنى لئلا يعلم زيادة على علمه شيئاً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لا جرم ﴾ في المد مثل ﴿ لا ريب فيه ﴾ ﴿ مفرطون ﴾ بكسر الراء المشددة: يزيد ﴿ مفرطون ﴾ بكسر الراء المخففة: نافع وقتيبة.
الباقون بفتحها مخففة.
﴿ نسقيكم ﴾ بفتح النون: نافع وابن عامر وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد.
الآخرون بضمها.
الوقوف: ﴿ مسمى ﴾ ج للظرف مع الفاء ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ وقيل علي ﴾ لا ثم يبدأ بجرم وهو تكلف.
﴿ مفرطون ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ لا للعطف على موضع ﴿ لتبين ﴾ تقديره إلا تبياناً وهدى ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ لعبرة ﴾ ط لأنه لو وصل اشتبه ما بعده بالوصف ﴿ للشاربين ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ يعرشون ﴾ ه ج للعطف ﴿ ذللاً ﴾ ط للعدول ﴿ للناس ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.
التفسير: لما حكى عن القوم عظيم كفرهم وفظيع قولهم بين غاية كرمه وسعة رحمته حيث إنه لا يعاجلهم بالعقوبة فقال: ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ﴾ الآية.
فزعم بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء أنه أضاف الظلم إلى ضمير الناس والأنبياء من جملة الناس فوجب أن يكونوا ظالمين عاصين ويؤكد هذا قوله: ﴿ ما ترك عليها من دابة ﴾ فإنه لو لم يصدر من الأنبياء ذنب لم يكن لإفنائهم وجه وحينئذ لم يصدق أنه لم يبق على الأرض واحد.
والجواب لا نسلم عموم الناس في الآية لقوله في موضع آخر ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ﴾ ولا ريب أن المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين، فإذن المراد بالناس إما كل العصاة الذين استحقوا العقاب، أو الذين تقدم ذكرهم من المشركين.
وأما قوله: ﴿ من دابة ﴾ فعن ابن عباس أنه أراد من مشرك يدب عليها نظيره قوله: ﴿ إن شر الدواب عند الله الذين كفروا ﴾ ولو سلم أن المراد بها كل من يدب عليها فلعل الهلاك في حق الظلمة يكون عذاباً وفي غيرهم امتحاناً فقد وقعت هذه الواقعة في زمان نوح .
وأيضاً من المعلوم أنه لا أحد إلا وفي آبائه من يستحق العذاب، فلو أهلكوا لبطل نسلهم ولأدى إلى إفناء الناس، بل الدواب كلها لأن الدواب مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم.
عن أبي هريرة أنه سمع رجلاً يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه فقال: بلى والله حتى إن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم.
وعن ابن مسعود: كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم.
وقيل: لو يؤاخذهم لانقطع القطر وفي انقطاعه انقطاع النبت وفي انقطاع النبت فناء الدواب.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الظلم والمعاصي ليست من أفعال الله وإلا لم يؤاخذهم بها فرضاً، ولم يضف الظلم إليهم ولم يذمهم على ذلك.
وفي قوله: ﴿ بظلمهم ﴾ دليل على أن الظلم هو المؤثر في العقاب، فإن الباء للعلية.
وجواب الأشاعرة معلوم وهو أنه لا يسأل عما يفعل، وأيضاً المعارضة بالعلم والدواعي ووجوب انتهاء الكل إليه.
قال بعض الأصوليين: الأصل في المضار الحرمة لأن الضرر لا يجوز أن يكون مشروعاً ابتداء بالإجماع ولقوله : ﴿ ما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ ولقوله : "لا ضرر ولا ضرار" في الإسلام "ملعون من ضر مسلماً" ولا أن يكون مشروعاً على وجه يكون جزاء عن جرم سابق بهذه الآية لأن كلمة "لو" وضعت لانتفاء الشيء لانتفاء غيره.
فالآية تقتضي أنه ما آخذ الناس بظلمهم وأنه ترك على ظهرها دابة كما هو المشاهد إذا ثبت هذا الأصل فنقول: إذا وقعت حادثة مشتملة على المضار فإن وجدنا نصاً على كونها مشروعة قضينا به تقديماً للخاص على العام وإلا قضينا عليها بالحرمة بناء على هذا الأصل.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون الضرر مشروعاً على وجه يقع جزاء عن جرم سابق والآية لا تنافي ذلك لأنها لا تدل إلا على أنه لا يؤاخذ بكل ظلم.
أما على أنه لا يؤاخذ ببعض أنواع الظلم فلا، دليلة قوله: ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ﴾ ومنهم من قال: بناء على القاعدة المذكورة إن كل ما يريده الإنسان وجب أن يكون مشروعاً في حقه لأن المنع منه ضرر والضرر غير مشروع، وكل ما يكرهه الإنسان لزم أن يكون محرماً لأن وجوده ضرر وأنه غير مشروع.
فالذي يتمسك به في إثبات الأحكام من القياس إما أن يكون على وفق هذه القاعدة أو على خلافها والأول باطل، لأن هذا الأصل يغني عنه، وكذا الثاني لأن النص راجح على القياس.
ولقائل أن يقول: توارد الأدلة على المدلول الواحد غير ممتنع.
أما قوله: ﴿ ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ﴾ فعن ابن عباس في رواية عطاء أنه يريد أجل القيامة لأن معظم العذاب يوافيهم يومئذ.
وقيل: أراد منتهى العمر لأن المشركين يؤاخذون بالذنوب إذا خرجوا من الدنيا، وباقي الآية قد مر تفسيرها في أوائل سورة الأعراف.
واعلم أنه قال في هذه السورة ﴿ ما ترك عليها من دابة ﴾ وفي سورة الملائكة { ﴿ ما ترك على ظهرها ﴾ فالهاء كناية عن الأرض ولم يتقدم ذكرها ههنا والعرب تجوّز ذلك في كلمات لحصولها بين يدي كل متكلم وسامع منها الأرض والسماء: "فلان أفضل من عليها وأكرم من تحتها"، ومنها الغداة "إنها اليوم لباردة".
ومنها الأصابع يقول: "والذي شقهن خمساً من واحدة" يعني الأصابع من اليد.
وإنما لم يذكر الظهر في هذه السورة لئلا يلتبس بظهر الداب فكثيراً ما يستعمل الظهر بمعنى الدابة بخلاف سورة "الملائكة" فإنه قد تقدم ذكر الأرض في قوله: ﴿ أو لم يسيروا في الأرض ﴾ وفي قوله: ﴿ ولا في الأرض ﴾ فلم يكن ملتبساً.
ويمكن أن يقال: لما قال ههنا ﴿ بظلمهم ﴾ لم يقل: ﴿ على ظهرها ﴾ وحين قال هنالك ﴿ بما كسبوا ﴾ قال: ﴿ على ظهرها ﴾ احترازاً عن الجمع بين الظاءين لأنها تقل في الكلام وليست لأمة من الأمم سوى العرب، فلم يجمع بينهما في شرطية واحدة.
ثم عاد إلى حكاية كلمتهم الحمقاء فقال: ﴿ ويجعلون لله ما يكرهون ﴾ لأنفسهم من البنات ولا يبعد أن يندرج فيه سائر ما يكرهون من الشركاء في الرياسة ومن الاستخفاف والتهاون برسلهم ورسالتهم، وأنهم يجعلون أرذل أموالهم لله وأكرمها للأصنام.
وعن بعضهم أنه قال لرجل من ذوي اليسار كيف تكون يوم القيامة إذا قال الله هاتوا ما دفع إلى السلاطين وأعوانهم فيؤتى بالدواب والثياب وأنواع الأموال الفاخرة، وإذا قال هاتوا ما دفع إليّ فيؤتى بالكسر والخرق وما لا يؤبه له، أما تستحيي من ذلك الموقف؟
ثم قال: ﴿ وتصف ألسنتهم الكذب ﴾ قال الفراء والزجاج: أبدل منه قوله: ﴿ أن لهم الحسنى ﴾ عن مجاهد أن الحسنى البنون كانت قريش يقولون لله البنات ولنا البنون.
وقال غيره: هي الجنة أي إنهم مع جعلهم لله ما يكرهون حكموا لأنفسهم بالجنة والثواب من الله، وأنهم يفوزون برضوان الله بسبب هذا القول زعماً منهم أنهم على الدين الحق والمذهب الحسن.
وكيف يحكمون بذلك وكانوا منكرين للقيامة؟
الجواب أنه كان فيهم من يقر بالبعث ولذلك كانوا يربطون البعير على قبر الميت ويتركونه إلى أن يموت ظناً منهم أن الميت إذا حشر فإنه يحشر معه مركوبه، وبتقدير أنهم كانوا منكرين فلعلهم قالوا إن كان محمد صادقاً في دعوى الحشر والقيامة فإنه يحصل لنا الجنة والثواب بسبب هذا الدين الحق الذي نحن عليه نظيره ﴿ ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ﴾ ومن الناس من رجح هذا القول لأنه تعالى ردّ عليهم بعد ذلك بقوله: ﴿ لا جرم أن لهم النار ﴾ قال الزجاج: لا ردّ لقولهم أي ليس الأمر كما وصفوا.
جرم أي كسب ذلك القول أن لهم النار فــ "أنَّ" مع ما بعده في محل النصب لوقوع الكسب عليه.
وقال قطرب: "أن" في موضع رفع والمعنى حق أن لهم الافتراء على الله.
وجوّز أبو علي الفارسي أن يكون من أفرط أي صار ذا فرط مثل أجرب أي صار ذا جرب، ومن قرأ بفتحها مخففة فهو من أفرطت فلاناً خلفى إذا خلفته ونسيته، فالمعنى أنهم متروكون في النار منسيون.
ومن قرأ بكسر الراء المشددة فهو من التفريط في الطاعات.
وقرىء بفتح الراء المشددة من فرّطته في طلب الماء إذا قدمته وجاء أفرطته بمعناه أيضاً، فالمراد أنهم مقدمون إلى النار معجلون إليها.
ثم بين أن مثل صنيع قريش قد صدر عن سائر الأمم فقال: ﴿ تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ﴾ أي رسلاً ﴿ فزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ قالت المعتزلة: لو كان خالق الأعمال هو الله فما معنى تزيين الشيطان، ومن أي وجه توجه عليه الذم، وأن خالق ذلك العمل أجدر بأن يكون ولياً لهم من الداعي إليه؟
وأجيب بأن الوسائط معتبرة وانتهاء الكل إليه ضروري.
قال جار الله: ﴿ فهو وليهم اليوم ﴾ حكاية الحال الماضية التي كان يزين لهم الشيطان أعمالهم فيها، والمراد فهو وليهم أي قرينهم في الدنيا فجعل اليوم عبارة عن زمان الدنيا أو اليوم عبارة عن يوم الآخرة الذي يعذبون فيه في النار، فهو حكاية للحال الآتية، والولي الناصر أي هو ناصرهم يوم القيامة فقط، والمراد نفي الناصر عنهم على أبلغ الوجوه لأن الشيطان لا يتصوّر منه النصرة أصلاً، وإذا كان الناصر منحصراً فيه لزم أن لا نصرة بالضرورة.
قال: ويجوز أن يرجع الضمير في ﴿ وليهم ﴾ إلى مشركي قريش وأنه زين للكفار قبلهم أعمالهم فهو ولي هؤلاء لأنهم منهم، ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي فهو ولي أمثالهم اليوم.
ثم ذكر أنه ما هلك من هلك إلا بعد إقامة الحجة وإزاحة العلة فقال: ﴿ وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ﴾ كالشرك والتوحيد والجبر والقدر والإقرار بالبعث والإنكار له، وكتحريم الأشياء المحللة كالبحيرة والسائبة وتحليل الأشياء المحرمة كالميتة والدم.
﴿ وهدى ورحمة ﴾ انتصبا على أنهما مفعول لهما ولا حاجة إلى اللام لأنهما فعلا فاعل، والفعل المعلل بخلاف التبيين فإنه فعل المخاطب لا فعل المنزل ولهذا دخل عليه اللام، قال الكعبي: وصف القرآن بكونه هدى ورحمة ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لا ينافي كون كذلك في حق الكل.
وخص المؤمنون بالذكر من حيث إنهم قبلوه وانتفعوا به.
ولما امتد الكلام في وعيد الكفار عاد إلى تقرير الإلهيات فقال: ﴿ والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ﴾ وفي العنكبوت: { ﴿ من بعد موتها ﴾ لأن هنالك سؤال تقرير والتقرير يحتاج إلى التحقيق فقيد الظرف بــ"من" للاستيعاب.
وأيضاً حذف "من" في هذه السورة موافقة لقوله عما قريب: ﴿ لكيلا يعلم بعد علم شيئاً ﴾ وإنما حذف "من" هنا بخلاف ما في الحج لأنه أجمل الكلام في هذه السورة فقال: ﴿ والله خلقكم ثم يتوفاكم ﴾ وأطنب في الحج فقال: ﴿ خلقناكم من تراب ثم من نطفة ﴾ الآية.
فاقتضى الإيجاز الحذف والإطناب الإثبات ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ﴾ سماع تأمل وتدبر فمن لم يسمع متدبراً فكأنه أصم، ثم استدل بعجائب أحوال الحيوانات قائلاً: ﴿ وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه ﴾ وفي سورة المؤمنين: ﴿ مما في بطونها ﴾ فذكر النحويون أن الأنعام من جملة الكلمات التي لفظها مفرد ومعناها جمع كالرهط والقوم والنعم.
فجاز تذكيره حملاً على اللفظ وتأنيثه حملاً على المعنى.
قال المبرد: هذا شائع في القرآن قال : ﴿ فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ﴾ بمعنى هذا الشيء الطالع.
وقال: ﴿ كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره ﴾ أي ذكر هذا الشيء.
وعند سيبويه الأنعام من الأسماء المفردة الواردة على أفعال.
وجوّز في الكشاف أن يكون تأنيثه على أنه تكسير نعم.
وقيل: إن الأنعام بمعنى النعم لأن الألف واللام تلحق الآحاد بالجمع والجمع بالآحاد.
قلت: ما ذكره الأئمة حسن إلا أنه لا يقع جواباً عن التخصيص.
ولعل السر فيه أن الضمير في هذه السورة يعود إلى البعض وهو الإناث، لأن اللبن لا يكون للكل فالتقدير: وإن لكم في بعض الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه، وأما في "المؤمنين" فإنه لما عطف عليه ما يعود على الكل ولا يقتصر على البعض وهو قوله: ﴿ ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها ﴾ \[المؤمنون: 22\] لم يتحمل أن يكون المراد به البعض فأنث ليكون نصاً على أن المراد بها الكل.
روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: إذا استقر العلف فى الكرش صار أسفله فرثاً وأعلاه دماً وأوسطه لبناً خالصاً فيجري الدم في العروق واللبن في الضروع ويبقى الفرث كما هو فذاك هو قوله : ﴿ من بين فرث ودم لبناً خالصاً ﴾ لا يشوبه الدم ولا الفرث.
وأنكر الأطباء هذا القول لأنه على خلاف الحس والتجربة.
أما الحس فلأن الأنعام تذبح ذبحاً متوالياً ولا يرى في كرشها دم ولا لبن، وأما التجربة فلأن الدم لو كان في أعلى المعدة والكرش كان يجب إذا قاء أن يقيء الدم وليس كذلك، بل الحق أن الحيوان إذا تناول العلف حصل له في معدته أو كرشه هضم أوّل، فما كان منه صافياً انجذب إلى الكبد، وما كان كثيفاً نزل إلى الأمعاء.
ثم الذي يحصل في الكبد ينطبخ فيها ويصير دماً وذلك هو الهضم الثاني.
ويكون مخلوطاً بالصفراء والسوداء وزيادة المائية.
أما الصفراء فتذهب إلى المرارة، والسوداء إلى الطحال، والماء إلى الكلية، ومنها إلى المثانة.
وأما الدم فإنه يدخل في الأوردة وهي العروق النابتة من الكبد وهناك يحصل الهضم الثالث.
وبين الكبد والضرع عروق كثيرة فينصب الدم في تلك العروق إلى الضرع وهو لحم غددي رخو أبيض فيقلب الله الدم هناك إلى صورة اللبن، وإنما اختص هذ المعنى بالحيوان الأنثى لأن الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شيء على الوجه اللائق به، والذكر من كل حيوان أسخن واجف، والأنثى أبرد وأرطب لأن بدن الأنثى يحتاج إلى مزيد رطوبة لتصير مادة لتولد الولد ويتسع بدنها له.
ثم إن تلك الرطوبات التي كانت تصير مادة لازدياد بدن الجنين حين كان في الرحم تنصب بعد انفصال الجنين إلى الثدي لتصير مادة لغذاء الطفل.
واعلم أنه خلق في أسفل المعدة منفذاً يخرج منه ثفل الغذاء، فإذا تناول الإنسان غذاء أو شربة رقيقة انطبق ذلك المنفذ انطباقاً كلياً إلى أن يكمل انهضامه في المعدة وينجذب ما صفا منه إلى الكبد، ويبقى الثفل هناك فحينئذ ينفتح ذلك المنفذ وينزل منه ذلك الثفل فهذا الانطباق والانتفاح بحسب الحاجة وبقدر المنفعة مما لا يتأتى إلى بتقدير الفاعل الحكيم.
وأيضاً إنه أودع في الكبد قوّة جاذبة للأجزاء اللطيفة التي في ذلك المأكول والمشروب طابخة لها حتى تنقلب دماً دون الأجزاء الكثيفة وفي المعدة بالعكس، وأودع في المرارة قوة جاذبة للصفراء، وفي الكلية قوة جاذبة لزيادة المائية، وتخصيص كل واحد من هذه الأعضاء بفعله الخاص به لا يمكن إلا بتدبير العليم الخبير.
وكذا الكلام في انصباب مادة اللبن إلى الثدي في وقت يحتاج الطفل إلى الغذاء وتوزعها على جميع البدن في غير ذلك الوقت.
ثم إنه أحدث في حلمة الثدي ثقوباً صغيرة يخرج اللبن الخالص منها وقت المص أو الحلب فهي بمنزلة المصفاة للبن يخرج اللطيف منها ويبقى الكثيف، فبهذا الطريق يصير خالصاً سائغاً للشاربين أي سهل المرور في الحلق حتى قيل إنه لم يغص أحد باللبن قط.
ومن عجائب حال اللبن اجتماعه من أجسام مختلفة الطبائع مع أنها واحدة في الحس.
فمنها الدهن وهو حار رطب، ومنها الأجزاء المائية وهي باردة رطبة، ومنها الجبن وهو بارد يابس وكلها حاصلة من عشب واحد.
ثم إنه ألهم الطفل الصغير مص الثدي عند انفصاله من الأم وكل ذلك دليل على عناية كاملة ورحمة شاملة وعلم تام وقدرة باهرة.
قال المحققون: في تقليب العشب في هذه الأطوار إلى أن يصير لبناً خالصاً سائغاً دليل على أنه تعال قادر على تقليب الإنسان في أطواره إلى أن يصير مستعداً للبقاء الأبدي واللقاء السرمدي.
قال جار الله: و"من" في ﴿ مما في بطونه ﴾ للتبعيض و"من" في قوله: ﴿ من بين فرث ﴾ لابتداء الغاية فهو صلة ﴿ لنسقيكم ﴾ كقولك: "سقيته من الحوض".
وجوز أن يكون حالاً من قوله: ﴿ لبناً ﴾ مقدماً عليه فيتعلق بمحذوف أي كائناً من بين كذا وكذا.
وإنما قدم لأنه موضع العبرة فهو جدير بالتقديم.
قالت الشافعية: ليس بمستنكر أن يسلك المني مسلك البول وهو طاهر كما أنه يخرج اللبن من بين الفرث والدم طاهراً.
وأما قوله: ﴿ ومن ثمرات النخيل والأعناب ﴾ فإما أن يتعلق بمحذوف أي ونسقيكم من ثمرات النخيل ومن الأعناب إذا عصرت وحذف لدلالة ما تقدم عليه فيكون قوله: ﴿ تتخذون منه ﴾ بياناً وكشفاً عن كنه حقيقة الاستقاء، وإما أن يتعلق بـ ﴿ تتخذون ﴾ فيكون قوله: ﴿ منه ﴾ تكريراً للظرف لأجل التأكيد نظيره قولك: "زيد في الدار فيها" وإنما ذكر الضمير في ﴿ منه ﴾ لأنه يعود إلى المذكور أو إلى المضاف المحذوف الذي هو العصير كأنه قيل: ومن عصير ثمرات النخيل ومن عصير الأعناب تتخذون منه، واحتمل أن يكون ﴿ تتخذون ﴾ صفة موصوف محذوف كقوله: ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾ أي وما منا إلا ملك فالتقدير: ومن ثمرات النخيل ومن الأعناب ثمر.
﴿ تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ لأنهم يأكلون بعضها ويتخذون من بعضها السكر وهو الخمر سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً نحو رشد رشداً ورشداً.
وعلى هذا التفسير ففي الآية قولان: أحدهما - ويروى عن الشعبي والنخعي - أنها منسوخة فإن السورة مكية وتحريم الخمر نزل في المائدة وهي مدنية، وثانيهما أنها جامعة بين العتاب والمنة.
وذكر المنفعة لا ينافي الحرمة على أن في الآية تنبيهاً على الحرمة أيضاً لأنه ميز بينها وبين الرزق الحسن في الذكر، فوجب في السكر أن لا يكون رزقاً حسناً لا بحسب الشهوة بل بحسب الشريعة.
هذا ما عليه الأكثرون.
وقيل: السكر النبيذ وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه، ثم يترك حتى يشتد وهو حلال عند أبي حنيفة إلى حد السكر.
واحتج بأن الآية دلت على أن السكر حلال لأنه ذكره في معرض الإنعام والمنة، ودل الحديث على أن الخمر حرام لعينها وهذا يقتضي أن يكون السكر شيئاً غير الخمر، وكل من أثبت هذه المغايرة قال إنه النبيذ المطبوخ.
ويحكى عن أبي علي الجبائي أنه صنف كتاباً في تحليل النبيذ، فلما آخذت منه السن العالية قيل له: لو شربت منه ما تتقوّى به فأبى فقيل له: فقد صنفت في تحليله.
فقال: تناولته أيدي الشيطان فقبح عند ذوي المروءات والأقدار.
وقيل: السكر الطعم قاله أبو عبيدة.
وقيل: السكر والرزق الحسن واحد كأنه قيل: تتخذون منه ما هو سكر ورزق حسن.
ومن أعجب أحوال الحيوان حال النحل المناسب عسلها اللبن في موافقة اللذة وفي الخروج من البطن فلذلك أفردها بالذكر عقيب ذلك قائلاً: ﴿ وأوحى ربك ﴾ يا محمد أو يا إنسان إلى النحل أي ألهمها وعلمها على وجه هو أعلم به، ولقد حق لغريب أمرها وعجيب صنعتها أن يطلق عليه لفظ الإيحاء وذلك أنها تبني البيوت المسدسة من الأضلاع المتساويات التي لا يمكن للعقلاء تركيب أمثالها إلا بالمساطر والفرجارات، وقد علم من الهندسة أن تلك البيوت لو كانت مشكلة بما سوى المسدسات فإنه يبقى بالضرورة فيما بينها فرج خالية ضائعة.
فاهتداء ذلك الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الدقيقة من الأعاجيب.
ومن غرائب أمرها أن لها رئيساً هو أعظم جثة من الباقين وهم يخدمونه ويتبعون نهيه وأمره، ومنها أنها إذا نفرت عن وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطبول والملاهي وآلات الموسيقى وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى أوكارها.
وبالجملة فإن غرائب هذا الحيوان أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تخفى، والغرض أن امتياز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على الذكاء والكياسة حالة شبيهة بالوحي بمعنى الإلهام.
قال الزجاج: يجوز أن يقال سميت نحلاً لأنه نحل الناس العسل بواستطها وهي مؤنثة في لغة أهل الحجاز ولذلك قال : ﴿ أن اتخذي ﴾ وهي "أن" المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول.
ومعنى "من" في قوله: ﴿ من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ﴾ أي يبنون ويرفعون البعضية لأنها لا تبني بيوتاً في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش، ولكنها تبني في مساكن توافقها وتليق بها وكثيراً ما يتعهدها الناس وتصلح أحوالها ﴿ ثم كلي من كل الثمرات ﴾ أي بعضاً من كل ثمرة تشتهينها فإذا أكلتها ﴿ فاسلكي سبل ربك ﴾ أي الطريق التي ألهمك وفهمك في عمل العسل ﴿ ذللاً ﴾ جمع ذلول وهي حال من السبل لأن الله ذللها لها وسهلها عليها، أو من الضمير في ﴿ فاسلكي ﴾ أي وأت ذلك منقادة لما أمرت به غير ممتنعة، أو المراد فاسلكي ما أكلت في سبل ربك المذللة أي في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المر عسلاً وهي أجوافك ومنافذ مأكلك، أو أراد أنك إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من بيوتك فاسلكي راجعة إلى بيوتك سبل ربك لا تتوعر عليك ولا تضلين فيها.
فقد يحكى أنها ربما أجدب عليها ما حولها فتسافر إلى البلد البعيد في طلب النجعة.
ويجوز أن يريد بقوله: ﴿ ثم كلي ﴾ اقصدي أكل الثمرات ﴿ فاسلكي ﴾ في طلبها من مظانها ﴿ سبل ربك ﴾ .
واعلم أن ظاهر قوله: ﴿ أن اتخذي ﴾ ﴿ ثم كلي ﴾ ﴿ فاسلكي ﴾ أمر.
فمن الناس من قال لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول يتوجه بها عليها من الله أمر ونهي، ومنهم من أنكر ذلك وقال: المراد أنه خلق فيها غرائز وطبائع توجب هذه الأحوال.
وتمام الكلام فيه سيجيء في سورة النمل.
أما حدوث العسل من النحل فالأصح عند الأطباء أن الله دبر هذا العالم على وجه يحدث في الهواء طل لطيف في الليالي ويقع على أوراق الأشجار فقد يكون كثيراً يجتمع منه أجزاء محسوسة وهي الترنجبين ونحوه، وقد يكون قليلاً متفرقاً على الأوراق والأزهار وهو الذي ألهم الله هذا النحل فتلتقط تلك الذرّات بأفواهها وتأكلها وتغتذي بها فإذا شبعت التقطت مرة أخرى وذهبت بها ووضعتها في بيوتها ادخاراً لنفسها، فإذا اجتمع في بيوتها شيء محسوس من تلك الأجزاء الطلية فذاك هو العسل.
ولا يبعد أن يحصل لتلك الأجزاء في أفواهها نوع هضم وتغير ونضج لخاصية فيها فلذلك قال: ﴿ يخرج من بطونها ﴾ أي من أفواهها.
ومن الناس من زعم أن النحل تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق العطرية ما شاءت، ثم إنه يقلب تلك الأجسام في داخل بدنه عسلاً، ثم إنه يقيء مرة أخرى فذلك هو العسل.
قال العقلاء: والقول الأول أقرب إلى التجربة والقياس: فإن طبيعة الترنجبين قريبة من العسل في الطعم والشكل، ولا شك أنه طل محدث في الهواء ويقع على أطراف الأشجار والأزهار فكذا العسل.
وأيضاً النحل إنما تغتذي بالعسل ولهذا يترك منه بقية في بيوتها بعد الأشتيار.
ولكن قوله : ﴿ يخرج من بطونها شراب ﴾ أي ما يشرب يعضد القول الثاني.
وقوله: ﴿ مختلف ألوانه ﴾ أي منه أبيض وأصفر وأحمر وأسود بحسب اختلاف الأماكن وأمزجة النحل واختلاف الأزهار والأعشاب التي ترعى فيها.
ثم وصفه بقوله: ﴿ فيه شفاء الناس ﴾ لأنه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة النافعة ولذا يقع في أكثر المعاجين.
وتنكير ﴿ شفاء ﴾ لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء فإن كل دواء كذلك.
وعن النبي أن رجلاً جاء إليه فقال: إن أخي يشتكي بطنه.
فقال: اسقه العسل.
فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فما نفع.
فقال: اذهب فاسقه عسلاً فقد صدق الله وكذب بطن أخيك.
فسقاه فشفاه الله فبرأ كأنما نشط من عقال.
قال أهل المعاني: إنه كان عالماً بأنه سيظهر نفعه فلهذا قال: كذب بطن أخيك حين لم يظهر النفع في الحال.
وعن عبد الله بن مسعود: العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم بالشفاءين القرآن والعسل.
واعلم أنه ختم الآية الأولى بقوله: ﴿ لقوم يسمعون ﴾ لأن إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض بسببه أمر مشاهد محسوس فمنكر ذلك فاقد الحس، وإنما خص بالذكر حس السمع لأن لفظ القرآن المنبه على هذه الآية مسموع.
وختم الآية الثانية بالعقل لأنه يحتاج إلى نوع تدبر فالمعرض عنه فاقد العقل دون الحس.
وختم الثالثة بالتفكر لأن أمر النحل وقصتها العجيبة من انقيادها لأميرها واتخاذها البيوت على أشكال يعجز عنها الحاذق منا، ثم تتبعها الزهر والطل ثم خروج ذلك من بطونها لعاباً أو قيئاً يقتضي فكرة بليغة.
ولما ذكر بعض عجائب أحوال الحيوان أتبعه عجيب خلق الإنسان فقال: ﴿ والله خلقكم ﴾ ولم تكونوا شيئاً ﴿ ثم يتوفاكم ﴾ عند انقضاء آجالكم ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ إلى أخسه وأحقره.
عن علي هو خمس وسبعون سنة.
وعن قتادة تسعون سنة.
وقال السدي: هو حالة الخرف دليله قوله: ﴿ لكيلا يعلم بعد علم شيئاً ﴾ أي ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفل في النسيان وعدم التذكر وقيل: لئلا يعقل بعد عقله الأول شيئاً أي لا يعلم زيادة علم على علمه.
وقيل: إن الرد إلى أرذل العمر ليس في المسلمين والمسلم لا يزداد بسبب العمر إلا كرامة على الله ونظير الآية قوله: ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ .
واعلم أن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع: أوّلها سن النشوء، وثانيها سن الوقوف وهو سن الشباب، وثالثها الانحطاط الخفي اليسير وهو سن الكهولة، ورابعها سن الانحطاط الظاهر وهو سن الشيخوخة.
وذكر الأطباء وأصحاب الطبيعي أن بدن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث وهما جوهران حارّان رطبان، والحرارة إذا عملت في الجسم الرطب قلت رطوبته فلا يزال في هذين الجوهرين من قوة الحرارة يقلل ما في العضو من الرطوبة حتى يتصلب ويظهر العظم والغضروف والعصب والوتر والرباط وسائر الأعضاء، فإذا تم تكوين البدن وكمل فعند ذلك ينفصل الجنين من رحم الأم وتكون رطوبة البدن بعد زائدة على حرارته، فتكون الأعضاء قابلة للتمدد والازدياد والنماء وهو سن النشو وغايته إلى ثلاثين أو إلى خمس وثلاثين سنة، ثم تصير رطوبات البدن أقل وتكون وافية بحفظ الحرارة الغريزية الأصلية إلا أنها لا تكون زائدة على هذا القدر وهو سن الوقوف والشباب وغايته وحينئذ يظهر النقصان قليلاً إلى ستين سنة وهي سن الكهولة، ثم يظهر جداً إلى تمام مائة وعشرين سنة.
قال المتكلمون: هذا التعليل ضعيف لأن رطوبات البدن في حال كونه منياً ودماً كانت كثيرة ولذلك كانت الحرارة الغريزية مغمورة، ثم إنها مع ذلك كانت قوية على تحليل أكثر الرطوبات حتى نقلتها من حد الدموية والمنوية إلى أن صارت عظماً وغضروفاً وعصباً ورباطاً، فعندما تولدت الأعضاء وكمل البدن وقلت الرطوبات وجب أن تقوى الحرارة الغريزية قوّة أزيد مما كانت قبل ذلك فوجب أن يكون تحليل الرطوبات بعد تولد البدن وكماله أكثر من تحليلها قبل تولد البدن وليس الأمر كذلك، لأنه قبل تولد البدن انتقل جسم الدم والمني إلى أن صار عظماً وعصباً، أما بعد تولد البدن فلم يحصل مثل هذا الانتقال ولا عشر عشيره، فعلمنا أن البدن إنما يتولد بتدبير قادر حكيم لا لأجل ما قالوه.
وبوجه آخر الحرارة الحاصلة في بدن الإنسان الكامل الغريزة إما أن تكون هي عين ما كان حاصلاً في جوهر النطفة، أو صارت أزيد مما كانت.
والأول باطل لأن الحار الغريزي الحاصل في جوهر النطفة كان بمقدار جرم النطفة، فإذا كبر البدن وجب أن لا يظهر منه في هذا البدن تأثير أصلاً.
وأما الثاني ففيه تسليم أن الحرارة تتزايد بحسب تزايد الجثة، ولا ريب أن تزايدها يوجب تزايد القوة والصحة ساعة فساعة فيلزم أن لا ينهدم البدن الحيواني أبداً وليس كذلك.
وبوجه ثالث هب أن الرطوبة الغريزية صارت معادلة للحرارة الغريزية فلم قلتم إن الحرارة الغريزية يجب أن تصير أقل مما كانت حتى ينتقل الإنسان من سن الشباب إلى سن النقصان؟
قالوا: السبب فيه أنه إذا حصل هذا الاستواء فالحرارة الغريزية بعد ذلكتؤثر في تجفيف الرطوبة الغريزية فتقل الرطوبات الغريزية حتى صارت بحيث لا تفي بحفظ الحرارة الغريزية، وإذا حصلت هذه الحال ضعفت الحرارة الغريزية أيضاً لأن الرطوبات الغريزية كالغذاء للحرارة الغريزية، فإذا قل الغذاء ضعف المغتذي فينتهي الأمر إلى أن لا يبقى من الرطوبة شيء، لأن الحرارة الغريزية توجب قلة الرطوبة الغريزية وقلتها توجب ضعف الحرارة الغريزية فيلزم من ضعف إحداهما ضعف الأخرى فتنطفىء الحرارة أيضاً ويحصل الموت.
وأورد عليهم أن الحرارة إذا أثرت في تجفيف الرطوبة وقلتها فلم لا يجوز أن تورد القوة الغاذية بدلها؟
فأجابوا بأن القوة الغاذية لا تفي بإيراد البدل.
قال الإمام فخر الدين الرازي راداً عليهم.
إن القوة الغاذية إنما تعجز عن هذا الإيراد إذا كانت الحرارة الغريزية ضعيفة وذلك ممنوع، وإنما تكون الحرارة الغريزية ضعيفة أن لو قلت الرطوبة الغريزية، وإنما تحصل هذه القلة إذا عجزت الغاذية عن إيراد البدل وهذا دور محال، فيثبت أن إسناد هذه الأحوال إلى الطبائع والقوى غير ممكن فيعين إسنادها إلى القادر المختار الحكيم، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن الله عليم قدير ﴾ يعلم مقادير المصالح والمفاسد ويقدر على تحصيلها كما يريد.
وأما الطبيعة فجاهلة عاجزة.
قلت: لا شك أن نسبة هذه الأمور إلى مجرد الطبيعة كفر وجهل، لأنها ليست واجبة الوجود بالاتفاق ولكن إنكار القوى والطبائع أيضاً بعيد عن الإنصاف.
والحق أنها وسائط وآلات لما فوقها من المبادىء والعلل إلى أن ينتهي الأمر إلى مسبب الأسباب ومبدأ الكل، وقد ثبت عند الحكيم أن كل قوة جسمانية فإنها متناهية الأثر فلا محالة تعجز القوة الغاذية آخر الأمر عن إيراد بدل ما يتحلل فيحل الأجل بتقدير العليم القدير.
التأويل: ﴿ ولو يؤاخذ الله ﴾ النفوس الناسية ﴿ بما ظلمت ﴾ على القلوب والأرواح ﴿ ما ترك على ﴾ أرض البشرية صفة من صفات الحيوانية.
ولكن يؤخر أهل السعادة إلى أجلهم وهو إفناء صفات النفس بصفات القلب والروح في حينه وأوانه، ويؤخر أهل الشقاء إلى أوان العكس من ذلك.
﴿ ويجعلون لله ما يكرهون ﴾ أي يعاملون الله بأعمال يكرهون أن يعاملهم بها غيرهم وتسوّل لهم أنفسهم أن تلك المعاملة حسنة.
والله أنزل من سماء العزة ماء بيان القرآن فأحيا به أرض قلوب الأمم بعد موتها باختلافهم على أنبيائهم ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ﴾ كلام الله من الله ﴿ وإن لكم في الأنعام ﴾ النفوس ﴿ لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ﴾ الخاطر الشيطاني ﴿ ودم ﴾ الخاطر النفساني ﴿ لبناً خالصاً ﴾ من الإلهام الرباني ﴿ سائغاً للشاربين ﴾ جائزاً لأهل هذا الشرب ﴿ ومن ثمرات ﴾ نخيل الطاعات وأعناب المجاهدات ﴿ تتخذون منه سكراً ﴾ هو ما يجعل منها شرب النفس فتسكر النفس فتارة تميل عن الحق والصراط المستقيم ميلان السكران، وتارة تظهر رعوناتها بالأفعال والأحوال رياء وسمعة وشهوة.
والرزق الحسن ما يكون منه شرب القلب والروح فيزداد منه الشوق والمحبة والصدق والطلب: شربت الحب كأساً بعد كأس *** فما نفد الشراب وما رويت ﴿ وأوحى ربك إلى النحل ﴾ إشارة إلى حال السالك السائر ﴿ أن اتخذي من الجبال بيوتاً ﴾ أراد الاعتزال عن الخلق والتبتل إلى الله.
كان رسول الله يتحنث في غار حراء أسبوعاً وأسبوعين وشهراً، ولا بد أن يتنظف كما أن النحل يحترز عن التلوث.
وفيه أن نحل الأرواح اتخذت من جبال النفوس بيوتاً ومن شجر القلوب ومما يعرشون من الأسرار ﴿ ثم كلي من الثمرات فاسلكي سبل ربك ﴾ نظير قوله: ﴿ كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً ﴾ \[المؤمنون: 51\] فثمرات البدن الأعمال الصالحات، وثمرات النفوس الرياضيات ومخالفات الهوى، وثمرات القلوب ترك الدنيا والتوجه إلى المولى، وثمرات الأسرار شواهد الحق والتطلع على الغيوب والتقرب إلى الله، وهذه كلها أغذية نحل الأرواح فإنها بقوّة هذه الأغذية تسلك السبل إلى أن تصل إلى المقعد الصدق عند مليكها، فيكون غذاؤها مكاشفات الحق ومشاهداته فتبيت عند ربها يطعمها ويسقيها، فحينئذ يخرج من بطونها شراب الحكم والمواعظ مختلف الألوان من المعاني والأسرار والدقائق والحقائق ﴿ فيه شفاء ﴾ للقلوب الناسية القاسية عن ذكر الله ﴿ والله خلقكم ﴾ أخرجكم من العدم إلى الوجود ﴿ ثم يتوفاكم ﴾ عن الوجود المجازي ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ وهو مقام الفناء في الله ﴿ لكيلا يعلم ﴾ بعد فناء علمه شيئاً يعلمه بل يعلم بربه الأشياء كما هي والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾ فإن قيل لنا أي منة له علينا في ذكر خلقنا ثم توفيه إيانا ورده لنا إلى الحال التي ذكر وهو حال الجهل حتى لا نعلم شيئاً.
قيل ذكر هذا - والله أعلم - يحتمل وجوهاً: أحدها: يذكرهم أنه هو الذي خلقكم، ثم هو يتوفاكم، ثم هو يملك ردكم إلى الحال التي لا تعلمون شيئاً، وفي ملكه وسلطانه تتقلبون، فكيف عبدتم الأصنام والأوثان التي لا يملكون شيئاً من ذلك وأشركتموها في ألوهيته وعبادته، أو يذكر هذا أنه خلقكم ولم تكونوا شيئاً، ثم يتوفاكم بعد ما أحياكم، ثم يردكم إلى الحال التي لا تعقلون شيئاً بعدما جعلكم عقلاء علماء، فمن يملك هذا ويقدر على هذا، يقدر على الإحياء بعد الموت والبعث بعد الفناء.
أو يذكر هذا؛ ليعلموا أنه لم يكن المقصود بخلقهم الفناء خاصة، لكن لأمر آخر قصد بخلقهم، وهو ما ذكر فيما تقدم من أنواع النعم وتسخير ما ذكر من الأشياء لهم ليعلموا أن المقصود في خلقهم لم يكن الفناء خاصة؛ إذ لو كان الفناء خاصة لم يحتج إلى ما خلق لهم من الأغذية والنعم التي أنشأ لهم والأشياء التي سخرها لهم.
وقال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ﴾ وكنتم نطفاً أمواتاً فأحياكم، ثم يتوفاكم أطفالا وشيوخاً، ومنكم من يعمر إلى أرذل العمر، يقول: يرده بعد قوة وعلم وتدبير الأمور إلى الخرف والجهل بعد العلم ليبين لخلقه أن العمر والرزق ليس بهما ربي وقوي؛ لأنهما ثابتان ثم يبلى ويفنى بهما ويرجع إلى الجهل، ولكن بلطف من الله وتدبير منه، لا بالأغذية، والله أعلم.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ ﴾ بما دبر في خلقه مما يدركون به قدرة خالقهم، وتصريفه الأمور، وبما يكونون به حكماء وعلماء أن الذي دبرها حكيم قدير على ما شاء، والحكمة فيما ذكر من تفريق الآجال ليكونوا أبداً خائفين راجين؛ لأنه لو كانت آجالهم واحدة يأمنون ويتعاطون المعاصي على أمن، لما يعلمون وقت نزول الموت بهم.
والثاني: ليعلموا أن التدبير في أنفسهم وملكهم لغيرهم لا لهم؛ لأن التدبير والأمر لو كان إليهم لكان كل منهم يختار من الحال ما هو أقوى وآكد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: [يذكر] هذا مقابل ما أشركوا خلقه وعباده في ألوهيته [وعبادته]، يقول: فضل الله بعضكم على بعض في الرزق والأموال حتى بلغوا السادة والموالي فلا ترضون أن يكون عبيدكم ومماليككم شركاء في ملككم وأموالكم، فكيف ترضون لله أن يكون عبيده ومماليكه شركاء، إلى هذا ذهب بعض أهل التأويل.
وقال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ ﴾ أغنى بعضكم، وأفقر بعضاً، وجعل منكم أحراراً وعبيداً ﴿ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ ﴾ بالغنى والتمليك ﴿ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ من عبيدهم ﴿ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ﴾ إذ يستوي المولى وعبده فيما ملكت يمينه، يقول: فليس أحد منكم يرضى أن يكون عبده بمنزلته فيما يملك سواء، فإذا رأيتم أنتم ذلك نقصا بكم لو فعلتم، فكيف زعمتم أن الله أشرك بينه وبين أحجار حتى أشركتم ما ملككم الله بينه وبين الأوثان في العبادة وفيما آتاكم من رزق، فقلتم: هذا لله، وهذا لشركائنا ﴿ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ يقول أنعم الله عليهم بأنفسهم وأرزاقهم وأموالهم وأولادهم، فأشركوا غير الله فيها، وجحدوا نعمة الله عليهم [بها عصوا]، وبها كفروا، ثم ألزمهم النظر في الفضل الذي ذكر أنه فضل بعضهم على بعض إلى عين الفضل الذي كان من الله، لا إلى الأسباب التي اكتسبوها، ليعلموا أنهم لم ينالوا تلك الفضائل باستحقاق منهم، ولكن إنما نالوا بفضل منه ورحمة، فيكون ذلك دليلا لهم فيما أنكروا من أفضال الله، واختصاصه بعضهم بالرسالة والنبوة، وإن كانوا جميعاً من بشر، ومن جنس واحد على ما فضل بعضهم على بعض في الرزق، والسعة، والملك، والحرية والسلطان، وإن كانوا جميعاً في الجنس واحد، فإذا لم تنكروا هذا النوع من الفضل والاختصاص لبعض على بعض، فكيف أنكرتم ذلك الفضل والاختصاص بالرسالة ممن فضله ورحمته، فلذلك قال - والله أعلم -: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾ أخبر أنه برحمته وفضله ينال ما ينال من الرسالة وغيرها، لا بالاستحقاق والاستيجاب كان منهم، أو أن يذكر سفههم بأنهم يأنفون أن يشركوا عبيدهم ومماليكهم في ملكهم وأموالهم ولهم بهم منافع من الخدمة والإعانة في الأمور، فما بالهم يشركون أحجاراً وخشبا، لا منفعة لأحد منهما في ألوهية الله وربوبيته وفي عبادته: ﴿ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ على تأويل النبوة أبفضل الله وبرحمته يجحدون أنه لا يفضل بعضا على بعض بالرسالة، أو يجحدون ما آتاهم الله من النعم، فيصرفون نعمه إلى غيره، وهي الأصنام التي عبدوها، فقالوا: هذا لشركائنا، أو يصرفون شكر نعمه إلى غيره، وهي الأوثان التي عبدوها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً ﴾ قال الحسن وغيره: الحفدة: الخدم والمماليك، فهو على التقديم، على تأويل هؤلاء، يقول: جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وخدماً من جنسكم؛ لأنه ذكر فيما تقدم: ﴿ وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ...
﴾ الآية، يذكرهم نعمه وفضله الذي ذكر أنه جعل لكم من جنسكم أزواجاً وخدماً تحت أيديهم، يستمتعون بالأزواج، ويستخدمون الخدم والمماليك، وهم من جنسهم وجوهرهم، يذكرهم فضله ومننه عليهم.
أو يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً...
﴾ الآية، كانوا يأنفون عن البنات، ويدفنونهن أحياء إذا ولدن أنفا منهن، يقول - والله أعلم -: كيف تأنفون منهن وقد جعل لكم من البنات أزواجاً تستمتعون بهن حتى لا تصبروا عنهن، وكذلك جعل لكم من البنات والبنين الذين ترغب أنفسكم فيهم ما لولا البنات لم تكن لكم الأزواج التي تستمتعون بهن، ولم يكن لكم البنون الذين ترغبون فيهم، والأنصار والأعوان والخدم الذين ترغبون فيهم، يبين ويذكر تناقضهم في الأنفة منهن يأنفون منهن، ومن البنات يكون ما يرغبون فيهم؛ فهذا يدل أن النساء يصرن كالملك للأزواج، ويصرن تحت أيديهم في حق ملك الاستمتاع، كالمماليك في حق ملك الرقاب، ثم جعل - عز وجل - التناسل في الخلق على التفاريق، وتقلبهم من حال إلى حال، وتنقلهم أبداً كذلك ليكون أذكر لتدبيره، وأنظر في آياته ودلالاته، ولو شاء لأنشأ الخلق كله بمرة واحدة، وأفناهم بدفعة واحدة، وكذلك ما جعل لهم من الأرزاق وأنواع النبات، لو شاء لأخرج لهم ذلك كله بمرة واحدة في وقت واحد، لكنه أنشأ لهم بالتفاريق ليذكرهم النظر في آياته وتدبيره، ليكون ذلك لهم أدعى إلى المرغوب، وأحذر للمرهوب، وكذلك ماردد من الأنباء والقصص، والمواعيد، وذكر الجنة والنار في القرآن في غير موضع ليبعثهم ويحثهم على النظر في آياته وتدبيره، ويرغبهم في كل وقت في المرغوب، ويحذرهم عن المحذور والمرهوب، ثم قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ ونحوه، ذكر الأنفس في [هذا] كله، ثم لم يفهم أهل الخطاب من هذا كله معنى واحداً وشيئاً واحداً، وإن كان في حق اللسان واللغة واحدا لكنهم فهموا في كل غير ما فهموا في آخر، فهذا يدل أنه لا يفهم الحكمة والمعنى في الخطاب بحق ظاهر اللسان واللغة، ولكن بدليل الحكمة المجعولة في الخطاب، ومن اعتقد في الخطاب الظاهر حسم باب طلب الحكمة [فيه] والمعنى؛ لأنه يجعل المراد منه الظاهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً ﴾ هو ما ذكرنا، وحفدة اختلف فيه، قال بعضهم: الحفدة: الخدم والمماليك.
وقال بعضهم: الحفدة: ولد الولد.
وقال ابن مسعود : الحفدة: الأختان وروي عنه أنه قال: الحفدة: الأصهار فالأصهار والأختان عنده واحد، وقيل: الحفدة: الأعوان والأنصار [يذكرهم التناقض فيما يأنفون من البنات أن كيف يأنفون عنهن ومنهن يكون لكم الأعوان والأنصار] والأختان في أمر الدنيا.
وقال أبو عوسجة: الحفدة: بنو البنين، وقال أيضاً: الحفدة: الأعوان، والحافد: المجتهد في العبادة وفي العمل، يقول: حفد يحفد، أي: خدم واجتهد، وقوله: وإليك نسعى ونحفد، أي: نجتهد.
وقال القتبي: الحفدة: الخدم والأعوان، يقال: هم بنون وخدم.
وقال: أصل الحفد: مداركة الخطو والإسراع في المشي، وإنما يفعل ذلك الخدم، فقيل لهم: حفدة، واحدها: حافد.
وقال: ومنه يقال في دعاء الوتر: وإليك نسعى ونحفد.
وقال أبو عبيد: وأصل الحفد: العمل.
وقال: ومنه الحرف في القنوت: نحفد، أي: نعمل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ قال بعضهم: الطيبات: الحلالات.
وقال بعضهم: الطيبات: أي: كل ما طاب ولان ولطف، ورزق غيركم من الدواب والبهائم كل ما خشن، وخبث يذكرهم مننه عليهم ونعمه [عليهم] ليستأدي بذلك شكره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ قال بعضهم: أبالشيطان يصدّقون، ويجيبونه إلى ما دعاهم من الأنفة من البنات، وبنعمة الله هم يكفرون، أي: هذه البنات لكم نعمة، فكيف تكفرونها، وقال: ﴿ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: أبالشيطان إلى ما دعاكم وبنعمة الله أي: بمحمد يكفرون، أو بالإسلام، أو بالقرآن.
وقال أبو بكر الأصم: ﴿ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ يقول: تقرون بأنكم عبيد لأحجار وتذلون لها وتعبدونها، ﴿ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴾ يقول: وبما أنعم الله عليكم في أنفسكم وما خولكم ورزقكم تكفرون به، وكان الشكر أولى بكم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
والله خلقكم على غير مثال سابق، ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم، ومنكم من يمتد عمره إلى أسوأ مراحل العمر وهو الهرم، فلا يعلم مما كان يعلمه شيئًا، إن الله عليم لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده، قدير لا يعجزه شيء.
<div class="verse-tafsir" id="91.2GdjZ"