تفسير الآية ٧٨ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٧٨ من سورة النحل

وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًۭٔا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٧٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 87 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٧٨ من سورة النحل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٧٨ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

م ذكر تعالى منته على عباده في إخراجه إياهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا ، ثم بعد هذا يرزقهم تعالى السمع الذي به يدركون الأصوات ، والأبصار اللاتي بها يحسون المرئيات ، والأفئدة - وهي العقول - التي مركزها القلب على الصحيح ، وقيل : الدماغ والعقل به يميز بين الأشياء ضارها ونافعها .

وهذه القوى والحواس تحصل للإنسان على التدريج قليلا قليلا كلما كبر زيد في سمعه وبصره وعقله حتى يبلغ أشده .

وإنما جعل تعالى هذه في الإنسان ؛ ليتمكن بها من عبادة ربه تعالى ، فيستعين بكل جارحة وعضو وقوة على طاعة مولاه ، كما جاء في صحيح البخاري ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " يقول تعالى : من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن دعاني لأجيبنه ، ولئن استعاذ بي لأعيذنه ، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن ، يكره الموت وأكره مساءته ، ولا بد له منه " .

فمعنى الحديث : أن العبد إذا أخلص الطاعة صارت أفعاله كلها لله - عز وجل - فلا يسمع إلا الله ، ولا يبصر إلا الله ، أي : ما شرعه الله له ، ولا يبطش ولا يمشي إلا في طاعة الله - عز وجل - مستعينا بالله في ذلك كله ; ولهذا جاء في بعض رواية الحديث في غير الصحيح ، بعد قوله : " ورجله التي يمشي بها " : " فبي يسمع ، وبي يبصر ، وبي يبطش ، وبي يمشي " ; ولهذا قال تعالى : ( وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) كما قال في الآية الأخرى : ( قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون ) [ الملك : 23 ، 24 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: والله تعالى أعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من بعد ما أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعقلون شيئا ولا تعلمون، فرزقكم عقولا تفقهون بها ، وتميزون بها الخير من الشرّ وبصَّركم بها ما لم تكونوا تبصرون، وجعل لكم السمع الذي تسمعون به الأصوات، فيفقه بعضكم عن بعض ما تتحاورون به بينكم والأبصار التي تبصرون بها الأشخاص فتتعارفون بها وتميزون بها بعضا من بعض.( وَالأفْئِدَةَ ) يقول: والقلوب التي تعرفون بها الأشياء فتحفظونها وتفكرون فتفقهون بها.( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) يقول: فعلنا ذلك بكم، فاشكروا الله على ما أنعم به عليكم من ذلك، دون الآلهة والأنداد، فجعلتم له شركاء في الشكر، ولم يكن له فيما أنعم به عليكم من نعمه شريك.

وقوله ( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ) كلام متناه، ثم ابتدئ الخبر، فقيل: وجعل الله لكم السمع والأبصار والأفئدة.

وإنما قلنا ذلك كذلك، لأن الله تعالى ذكره جعل العبادة والسمع والأبصار والأفئدة قبل أن يخرجهم من بطون أمهاتهم، وإنما أعطاهم العلم والعقل بعد ما أخرجهم من بطون أمهاتهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون [ ص: 137 ] قوله تعالى : والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ذكر أن من نعمه أن أخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا لا علم لكم بشيء .

وفيه ثلاثة أقاويل : أحدها : لا تعلمون شيئا مما أخذ عليكم من الميثاق في أصلاب آبائكم .

الثاني : لا تعلمون شيئا مما قضي عليكم من السعادة والشقاء .

الثالث : لا تعلمون شيئا من منافعكم ; ثم ابتدأ فقال : وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة أي التي تعلمون بها وتدركون ; لأن الله جعل ذلك لعباده قبل إخراجهم من البطون وإنما أعطاهم ذلك بعد ما أخرجهم ; أي وجعل لكم السمع لتسمعوا به الأمر والنهي ، والأبصار لتبصروا بها آثار صنعه ، والأفئدة لتصلوا بها إلى معرفته .

والأفئدة : جمع الفؤاد نحو غراب وأغربة .

وقد قيل في ضمن قوله وجعل لكم السمع إثبات النطق لأن من لم يسمع لم يتكلم ، وإذا وجدت حاسة السمع وجد النطق .وقرأ الأعمش وابن وثاب وحمزة " إمهاتكم " هنا وفي النور والزمر والنجم ، بكسر الهمزة والميم .

وأما الكسائي فكسر الهمزة وفتح الميم ; وإنما كان هذا للإتباع .

الباقون بضم الهمزة وفتح الميم على الأصل .

وأصل الأمهات : أمات ، فزيدت الهاء تأكيدا كما زادوا هاء في أهرقت الماء وأصله أرقت .

وقد تقدم هذا المعنى في ( الفاتحة ) .لعلكم تشكرون فيه تأويلان : أحدهما : تشكرون نعمه .

الثاني : يعني تبصرون آثار صنعته ; لأن إبصارها يؤدي إلى الشكر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: هو المنفرد بهذه النعم حيث { أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا } ولا تقدرون على شيء ثم إنه { جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ } خص هذه الأعضاء الثلاثة، لشرفها وفضلها ولأنها مفتاح لكل علم، فلا وصل للعبد علم إلا من أحد هذه الأبواب الثلاثة وإلا فسائر الأعضاء والقوى الظاهرة والباطنة هو الذي أعطاهم إياها، وجعل ينميها فيهم شيئا فشيئا إلى أن يصل كل أحد إلى الحالة اللائقة به، وذلك لأجل أن يشكروا الله، باستعمال ما أعطاهم من هذه الجوارح في طاعة الله، فمن استعملها في غير ذلك كانت حجة عليه وقابل النعمة بأقبح المقابلة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم ) قرأ الكسائي " بطون إمهاتكم " بكسر الهمزة ، وقرأ حمزة بكسر الميم والهمزة ، والباقون بضم الهمزة وفتح الميم ، ( لا تعلمون شيئا ) تم الكلام ، ثم ابتدأ فقال جل وعلا ( وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ) لأن الله تعالى جعل هذه الأشياء لهم قبل الخروج من بطون الأمهات ، وإنما أعطاهم العلم بعد الخروج ، ( لعلكم تشكرون ) نعمة الله .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا» الجملة حال «وجعل لكم السمع» بمعنى الأسماع «والأبصار والأفئدة» القلوب «لعلكم تشكرونـ» ـه على ذلك فتؤمنون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والله سبحانه وتعالى أخرجكم مِن بطون أمهاتكم بعد مدة الحمل، لا تدركون شيئًا مما حولكم، وجعل لكم وسائل الإدراك من السمع والبصر والقلوب؛ لعلكم تشكرون لله تعالى على تلك النعم، وتفردونه عز وجل بالعبادة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - تعالى - بعد ذلك أنواعا من نعمه على عباده فقال : ( والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ) .

أى : والله - تعالى - وحده هو الذى أخرجكم - أيها الناس - من بطون أمهاتكم إلى هذه الدنيا ، وأنتم لا تعلمون شيئا لا من العلم الدنيوى ولا من العلم الدينى ، ولا تعرفون ما يضركم أو ينفعكم ، والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك :( والله جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً .

.

) وجملة ( لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ) حال من الكاف فى ( أخرجكم ) .وقوله - سبحانه - ( وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) نعمة ثانية من نعمة الله - سبحانه - التى لا تحصى .أى : أن من نعمة الله - تعالى - أنه أخرجكم من بطون أمهاتكم - بعد أن مكثتم فيها شهورا تحت كلاءته ورعايته - وأنتم لا تعرفون شيئا ، وركب فيكم بقدرته النافذة ، وحكمته البالغة ، ( السمع ) الذى تسمعون به ، والبصر الذى بواسطته تبصرون ، ( والأفئدة ) التى عن طريقها تعقلون وتفقهون ، لعلكم بسبب كل هذه النعم التى أنعمها عليكم ، تشكرونه حق الشكر ، بأن تخلصوا له العبادة والطاعة ، وتستعملوا نعمه فى مواضعها التى وجدت من أجلها .قال الجمل : وجملة : ( وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار .

.

.

) ابتدائية ، أو معطوفة على ماقبلها ، والواو لا تقتضى ترتيبا ، فلا ينافى أن هذا الجعل قبل الإِخراج من البطون .

ونكتة تأخيره - أى الجعل - أن السمع ونحوه من آلات الادراك ، إنما يعتد به إذا أحس الإِنسان وأدرك وذلك لا يكون إلا بعد الإِخراج .

وقدم السمع على البصر ، لأنه طريق تلقى الوحى ، أو لأن إدراكه أقدم ، من إدراك البصر .

وإفراده - أى السمع - باعتبار كونه مصدرا فى الأصل .

.

.

.وقال الإِمام ابن كثير : " وهذه القوى والحواس تحصل للإِنسان على التدريج قليلا قليلا حتى يبلغ أشده .

وإنما جعل - تعالى - هذه الحواس فى الإِنسان ليتمكن بها من عبادة ربه ، فيستعين بكل جارحة وعضو وقوة على طاعة مولاه كما جاء فى صحيح البخارى عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : يقول تعالى - " من عادى لى وليا فقد بارزنى بالحرب .

وما تقرب إلى عبدى بشئ أفضل مما افترضت عليه ، ولايزال عبدى يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به ، وبصره الذى يبصر به ، ويده التى يبطش بها ، ورجله التى يمشى بها ، ولئن سألنى لأعطينه ، ولئن دعانى لأجيبنه ولئن استعاذ بى لأعيذنه ، وماترددت فى شئ أنا فاعله ترددى فى قبض نفس عبدى المؤمن ، يكره الموت ، وأكره مساءته ، ولابد له منه " .فمعنى الحديث أن العبد إذا أخلص الطاعة ، صارت أفعاله كلها لله ، فلا يسمع إلا لله ، ولا يبصر إلا لله أى : لما شرعه الله له .

.

.وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ( قُلْ هُوَ الذي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى أبطل قول عبدة الأوثان والأصنام بهذا المثل الثاني، وتقريره: أنه كما تقرر في أوائل العقول أن الأبكم العاجز لا يكون مساوياً في الفضل والشرف للناطق القادر الكامل مع استوائهما في البشرية، فلان يحكم بأن الجماد لا يكون مساوياً لرب العالمين في المعبودية كان أولى، ثم نقول: في الآية مسألتان: المسألة الأولى: أنه تعالى وصف الرجل الأول بصفات: الصفة الأولى: الأبكم وفي تفسيره أقوال نقلها الواحدي.

الأول: قال أبو زيد رجل أبكم، وهو العيي المقحم، وقد بكم بكماً وبكامة، وقال أيضاً: الأبكم الأقطع اللسان وهو الذي لا يحسن الكلام.

الثاني: روى ثعلب عن ابن الأعرابي: الأبكم الذي لا يعقل.

الثالث: قال الزجاح: الأبكم المطبق الذي لا يسمع ولا يبصر.

الصفة الثانية: قوله: ﴿ لا يقدر على شيء ﴾ وهو إشارة إلى العجز التام والنقصان الكامل.

والصفة الثالثة: قوله: ﴿ كل على مولاه ﴾ أي هذا الأبكم العاجز كل على مولاه.

قال أهل المعاني: أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة.

يقال: كل السكين إذا غلظت شفرته فلم يقطع، وكل لسانه إذا غلظ فلم يقدر على الكلام، وكل فلان عن الأمر إذا ثقل عليه فلم ينبعث فيه.

فقوله: ﴿ كل على مولاه ﴾ أي غليظ وثقيل على مولاه.

الصفة الرابعة: قوله: ﴿ أينما يوجهه لا يأت بخير ﴾ أي أينما يرسله، ومعنى التوجيه أن ترسل صاحبك في وجه معين من الطريق.

يقال: وجهته إلى موضع كذا فتوجه إليه.

وقوله: ﴿ لا يأت بخير ﴾ معناه لأنه عاجز لا يحسن ولا يفهم.

ثم قال تعالى: ﴿ هل يستوي هو ﴾ أي هذا الموصوف بهذه الصفات الأربع: ﴿ ومن يأمر بالعدل ﴾ واعلم أن الآمر بالعدل يجب أن يكون موصوفاً بالنطق وإلا لم يكن آمراً ويجب أن يكون قادراً، لأن الأمر مشعر بعلو المرتبة وذلك لا يحصل إلا مع كونه قادراً، ويجب أن يكون عالماً حتى يمكنه التمييز بين العدل وبين الجور.

فثبت أن وصفه بأنه يأمر بالعدل يتضمن وصفه بكونه قادراً عالماً، وكونه آمراً يناقض كون الأول أبكم، وكونه قادراً يناقض وصف الأول بأنه لا يقدر على شيء وبأنه كل على مولاه، وكونه عالماً يناقض وصف الأول بأنه لا يأت بخير.

ثم قال تعالى: ﴿ وهو على صراط مستقيم ﴾ معناه كونه عادلاً مبرأ عن الجور والعبث.

إذا ثبت هذا فنقول: ظاهر في بديهة العقل أن الأول والثاني لا يستويان، فكذا هاهنا والله أعلم.

المسألة الثانية: في المراد بهذا المثل أقوال كما في المثل المتقدم.

فالقول الأول: قال مجاهد: كل هذا مثل إله الخلق وما يدعى من دونه من الباطل.

وأما الأبكم فمثل الصنم، لأنه لا ينطق ألبتة وكذلك لا يقدر على شيء، وأيضاً كل على عابديه لأنه لا ينفق عليهم وهم ينفقون عليه، وأيضاً إلى أي مهم توجه الصنم لم يأت بخير، وأما الذي يأمر بالعدل فهو الله سبحانه وتعالى.

والقول الثاني: أن المراد من هذا الأبكم: هو عبد لعثمان بن عفان كان ذلك العبد يكره الإسلام، وما كان فيه خير، ومولاه وهو عثمان بن عفان كان يأمر بالعدل؛ وكان على الدين القويم والصراط المستقيم.

والقول الثالث: أن المقصود منه: كل عبد موصوف بهذه الصفات المذمومة وكل حر موصوف بتلك الصفات الحميدة، وهذا القول أولى من القول الأول، لأن وصفه تعالى إياهما بكونهما رجلين يمنع من حمل ذلك على الوثن، وكذلك بالبكم وبالكل وبالتوجه في جهات المنافع وكذلك وصف الآخر بأنه على صراط مستقيم يمنع من حمله على الله تعالى، وأيضاً فالمقصود تشبيه صورة بصورة في أمر من الأمور، وذلك التشبيه لا يتم إلا عند كون إحدى الصورتين مغايرة للأخرى.

وأما القول الثاني: فضعيف أيضاً، لأن المقصود إبانة التفرقة بين رجلين موصوفين بالصفات المذكورة، وذلك غير مختص بشخص معين، بل أيما حصل التفاوت في الصفات المذكورة حصل المقصود، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ ﴿ أمهاتكم ﴾ بضم الهمزة وكسرها، والهاء مزيدة في أمات، كما زيدت في أراق، فقيل: أهراق.

وشذت زيادتها في الواحدة قال: أُمَّهَتِي خِنْدِفٌ وَإلْيَاسُ أبي ﴿ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ في موضع الحال.

ومعناه: غير عالمين شيئاً من حق المنعم الذي خلقكم في البطون، وسوّاكم وصوّركم، ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة.

وقوله: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ ﴾ معناه: وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به، من شكر المنعم، وعبادته، والقيام بحقوقه، والترقي إلى ما يسعدكم.

والأفئدة في فؤاد، كالأغربة في غراب، وهو من جموع القلة التي جرت مجرى جموع الكثرة، والقلة إذا لم يرد في السماع غيرها، كما جاء شسوع في جمع شسع لا غير، فجرت ذلك المجرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يَخْتَصُّ بِهِ عِلْمُهُ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، وهو ما غابَ فِيهِما عَنِ العِبادِ بِأنْ لَمْ يَكُنْ مَحْسُوسًا ولَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ مَحْسُوسٌ.

وقِيلَ يَوْمَ القِيامَةِ فَإنَّ عِلْمَهُ غائِبٌ عَنْ أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ.

﴿ وَما أمْرُ السّاعَةِ ﴾ وما أمْرُ قِيامِ السّاعَةِ في سُرْعَتِهِ وسُهُولَتِهِ.

﴿ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ ﴾ إلّا كَرَجْعِ الطَّرْفِ مِن أعْلى الحَدَقَةِ إلى أسْفَلِها.

﴿ أوْ هو أقْرَبُ ﴾ أوْ أمْرُها أقْرَبُ مِنهُ بِأنْ يَكُونَ في زَمانِ نِصْفِ تِلْكَ الحَرَكَةِ بَلْ في الآنِ الَّذِي تَبْتَدِئُ فِيهِ، فَإنَّهُ تَعالى يُحْيِي الخَلائِقَ دُفْعَةً وما يُوجَدُ دُفْعَةٌ كانَ في آنٍ، و ﴿ أوْ ﴾ لِلتَّخْيِيرِ أوْ بِمَعْنى بَلْ.

وقِيلَ مَعْناهُ أنَّ قِيامَ السّاعَةِ وإنْ تَراخى فَهو عِنْدَ اللَّهِ كالشَّيْءِ الَّذِي تَقُولُونَ فِيهِ هو كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ مُبالَغَةً في اسْتِقْرابِهِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَيَقْدِرُ أنْ يُحْيِيَ الخَلائِقَ دُفْعَةً كَما قَدَرَ أنْ أحْياهم مُتَدَرِّجًا، ثُمَّ دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ فَقالَ: ﴿ واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ﴾ وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ لُغَةٌ أوْ إتْباعٌ لِما قَبْلَها، وحَمْزَةُ بِكَسْرِها وكَسْرِ المِيمِ والهاءُ مَزِيدَةٌ مِثْلُها في أهْراقَ.

﴿ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ جُهّالًا مُسْتَصْحِبِينَ جَهْلَ الجَمادِيَّةِ.

﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ ﴾ أداةً تَتَعَلَّمُونَ بِها فَتُحِسُّونَ بِمَشاعِرِكم جُزْئِيّاتِ الأشْياءِ فَتُدْرِكُونَها ثُمَّ تَتَنَبَّهُونَ بِقُلُوبِكم لِمُشارَكاتٍ ومُبايَناتٍ بَيْنَها بِتَكَرُّرِ الإحْساسِ حَتّى تَتَحَصَّلَ لَكُمُ العُلُومُ البَدِيهِيَّةُ، وتَتَمَكَّنُوا مِن تَحْصِيلِ المَعالِمِ الكَسْبِيَّةِ بِالنَّظَرِ فِيها.

﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ كَيْ تَعْرِفُوا ما أنْعَمَ عَلَيْكم طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ فَتَشْكُرُوهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم دل على قدرته بما بعده فقال {والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أمهاتكم} وبكسر الألف وفتح الميم عليّ اتباعاً لكسرة النون وبكسرهما حمزة والهاء مزيدة في أمهات للتوكيد كما زيدت في أراف فقيل أهراق وشذت زيادتها في الواحدة {لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا} حال أي غير عالمين شيئاً من حق المنعم الذي خلقكم في البطون {وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه والأفئدة في فؤاد كالأغربة في غراب وهو من جموع القلة التي جرت مجرى جموع الكثرة لعدم السماع في غيرها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا  ﴾ مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في سَلْكِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ، ويُفْهَمُ مِن قَوْلِ العَلّامَةِ الطَّيِّبِيِّ أنَّهُ تَعالى عَقَّبَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ واللَّهُ أخْرَجَكُمْ ﴾ إلَخْ مَعْطُوفًا بِالواوِ إيذانًا بِأنَّ مَقْدُوراتِهِ تَعالى لا نِهايَةَ لَها والمَذْكُورُ بَعْضٌ مِنها أنَّ العَطْفَ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( إنَّ اللَّهَ ) إلَخْ، والَّذِي تَنْبَسِطُ لَهُ النَّفْسُ هو الأوَّلُ.

والأُمَّهاتُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ أُمٍّ والهاءُ فِيهِ مَزِيدَةٌ وكَثُرَ زِيادَتُها فِيهِ ووَرَدَ بِدُونِها، والمَعْنى في الحالَيْنِ واحِدٌ، وقِيلَ: ذُو الزِّيادَةِ لِلْأناسِيِّ والعارِي عَنْها لِلْبَهائِمِ، ووَزْنُ المُفْرَدِ فُعْلٌ لِقَوْلِهِمُ الأُمُومَةُ، وجاءَ بِالهاءِ كَقَوْلِ قَصِيِّ بْنِ كِلابٍ عَلَيْهِما الرَّحْمَةُ: أُمَّهْتِي خِنْدَفُ وإلْياسُ أبِي وهو قَلِيلٌ، وأقَلُّ مِن ذَلِكَ زِيادَةُ الهاءِ في الفِعْلِ كَما قِيلَ في أهْراقَ، وفِيهِ بَحْثٌ فارْجِعْ إلى الصِّحاحِ وغَيْرِهِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والمِيمِ هُنا، وفي الزُّمُرِ، والنَّجْمِ.

والرُّومِ، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ المِيمِ فِيهِنَّ والأعْمَشُ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ المِيمِ، وابْنُ أبِي لَيْلى بِحَذْفِها وفَتْحِ المِيمِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: حَذْفُ الهَمْزَةِ رَدِيءٌ ولَكِنَّ قِراءَةَ ابْنِ أبِي لَيْلى أصْوَبُ، وكانَتْ كَذَلِكَ عَلى ما في البَحْرِ لِأنَّ كَسْرَ المِيمِ إنَّما هو لِإتْباعِها حَرَكَةَ الهَمْزَةِ فَإذا كانَتِ الهَمْزَةُ مَحْذُوفَةً زالَ الإتْباعُ بِخِلافِ قِراءَةِ ابْنِ أبِي لَيْلى فَإنَّهُ أقَرَّ المِيمَ عَلى حَرَكَتِها ﴿ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ (وشَيْئًا) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ مَفْعُولُ ( تَعْلَمُونَ )، والنَّفْيُ مُنْصَبٌّ عَلَيْهِ، والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ أيْ غَيْرَ عارِفِينَ شَيْئًا أصْلًا مِن حَقِّ المُنْعِمِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: شَيْئًا مِن مَنافِعِكُمْ، وقِيلَ: مِمّا قَضى عَلَيْكم مِنَ السَّعادَةِ أوِ الشَّقاوَةِ، وقِيلَ: مِمّا أخَذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ في أصْلابِ آبائِكُمْ، والظّاهِرُ العُمُومُ ولا داعِيَ إلى التَّخْصِيصِ.

وعَنْ وهْبٍ يُولَدُ المَوْلُودُ خَدِرًا إلى سَبْعَةِ أيّامٍ لا يُدْرِكُ راحَةً ولا ألَمًا.

وادَّعى بَعْضُهم أنَّ النَّفْسَ لا تَخْلُو في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ عَنِ العِلْمِ الحُضُورِيِّ وهو عِلْمُها بِنَفْسِها إذِ المُجَرَّدُ لا يَغِيبُ عَنْ ذاتِهِ أصْلًا، فَقَدْ قالَ الشَّيْخُ في بَعْضِ تَعْلِيقاتِهِ عِنْدَ إثْباتِ تَجَرُّدِ النَّفْسِ: إنَّكَ لا تَغْفُلُ عَنْ ذاتِكَ أصْلًا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ في حالِ النَّوْمِ والسُّكْرِ، ولَوْ جُوِّزَ أنْ يَغْفُلَ عَنْ ذاتِهِ في بَعْضِ الأحْوالِ حَتّى لا يَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَمادِ في هَذِهِ الحالَةِ فَرْقٌ فَلا يُجْدِي هَذا البُرْهانُ مَعَهُ، وقالَ بَهْمَنيارُ في التَّحْصِيلِ في فَصْلِ العَقْلِ والمَعْقُولِ: ثُمَّ إنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ تَشْعُرُ بِذاتِها فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ وُجُودُها عَقْلِيًّا فَيَكُونُ نَفْسُ وُجُودِها نَفْسَ إدْراكِها ولِهَذا لا تَعْزُبُ عَنْ ذاتِها البَتَّةَ، ومِثْلُهُ في الشِّفاءِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ عَدَمَ الخُلُوِّ مَبْنِيٌّ عَلى مُقَدِّماتٍ خَفِيَّةٍ كَتَجَرُّدِ النَّفْسِ الَّذِي أنْكَرَهُ الطَّبِيعِيُّونَ عَنْ آخِرِهِمْ وإنَّ كُلَّ مُجَرَّدٍ عالَمٌ ولا يَتِمُّ البُرْهانُ عَلَيْهِ، وأيْضًا ما نُقِلَ مِن أنَّ عِلْمَ النَّفْسِ بِذاتِها عَيْنُ ذاتِها لا يُنافِي أنْ يَكُونَ لِكَوْنِ الذّاتِ عِلْمًا بِها شَرْطٌ فَما لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ الشَّرْطُ لَمْ تَكُنِ الذّاتُ عِلْمًا بِها كَما أنَّ لِكَوْنِ المَبْدَأِ الفَيّاضِ خِزانَةً لِمَعْقُولاتِ زَيْدٍ مَثَلًا شَرْطًا إذا تَحَقَّقَ تَحَقَّقَ وإلّا فَلا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ عِلْمَ النَّفْسِ بِصِفاتِها أيْضًا نَفْسُ صِفاتِها عِنْدَهم ومَعَ ذَلِكَ يَجُوزُ الغَفْلَةُ عَنِ الصِّفَةِ في بَعْضِ الأحْيانِ كَما لا يَخْفى.

وأيْضًا إذا قُلْنا: إنَّ حَقِيقَةَ الذّاتِ غَيْرُ غائِبَةٍ عَنْها، وقُلْنا: إنَّ ذَلِكَ عِلْمٌ بِها يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةُ النَّفْسِ المُجَرَّدَةِ مَعْلُومَةً لِكُلِّ أحَدٍ ومِنِ البَيِّنِ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، عَلى أنَّ المُحَقِّقَ الطَّوْسِيُّ قَدْ مَنَعَ قَوْلَهُمْ: إنَّكَ لا تَغْفُلُ عَنْ ذاتِكَ أبَدًا، وقالَ: إنَّ المُغْمى عَلَيْهِ رُبَّما غَفَلَ عَنْ ذاتِهِ في وقْتِ الإغْماءِ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ مِنَ الأمْراضِ النَّفْسانِيَّةِ، ومِنَ العَجائِبِ أنَّ بَعْضَ الأجِلَّةِ ذَكَرَ أنَّ المُرادَ بِخُلُوِّها في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ خُلُوُّها حالَ تَعَلُّقِها بِالبَدَنِ، وقالَ: إنَّهُ لا يُنافِي ذَلِكَ ما قالَهُ الشَّيْخُ مِن أنَّ الطِّفْلَ يَتَعَلَّقُ بِالثَّدْيِ حالَ التَّوَلُّدِ بِإلْهامٍ فِطْرِيٍّ لِأنَّ حالَ التَّعَلُّقِ سابِقٌ عَلى ذَلِكَ وذَلِكَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أنَّ الخُلُوَّ في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ إنَّما يَظْهَرُ لِذَوِي الحَدْسِ بِمُلاحَظَةِ حالِ الطِّفْلِ وتَجارِبِ أحْوالِهِ ووَجْهُ العَجَبِ ظاهِرٌ فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ.

وتَفْسِيرُ العِلْمِ بِالمَعْرِفَةِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وفي أمالِي العِزِّ لا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ باقِيًا عَلى بابِهِ ويَكُونُ (شَيْئًا) مَصْدَرًا أيْ لا تَعْلَمُونَ عِلْمًا لِوَجْهَيْنِ.

الأوَّلُ أنَّهُ يَلْزَمُ حَذْفُ المَفْعُولَيْنِ وهو خِلافُ الأصْلِ.

الثّانِي أنَّهُ لَوْ كانَ باقِيًا عَلى بابِهِ لَكانَ النّاسُ يَعْلَمُونَ المُبْتَدَأ الَّذِي هو أحَدُ المَفْعُولَيْنِ قَبْلَ الخُرُوجِ مِنَ البُطُونِ وهو مُحالٌ لِاسْتِحالَةِ العِلْمِ عَلى مَن لَمْ يُولَدْ، بَيانُ ذَلِكَ أنّا إذا قُلْنا: عَلِمْتُ زَيْدًا مُقِيمًا يَجِبُ أنْ يَكُونَ العِلْمُ بِزَيْدٍ مُتَقَدِّمًا قَبْلَ هَذا العِلْمِ وهَذا العِلْمُ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِإقامَتِهِ، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ: ما عَلِمْتُ زَيْدًا مُقِيمًا فالَّذِي لَمْ يُعْلَمْ هو إقامَةُ زَيْدٍ وأمّا هو فَمَعْلُومٌ وذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِن جِهَةِ الوَضْعِ فَحَيْثُ أُثْبِتَ العِلْمُ أوْ نُفِيَ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ مَعْلُومًا فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ العِلْمِ عَلى المَعْرِفَةِ اه.

ويُعْلَمُ مِنهُ عَدَمُ اسْتِقامَةِ جَعْلِ العِلْمِ عَلى بابِهِ، (وشَيْئًا) مَفْعُولُهُ الأوَّلُ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ ﴾ يَحْتِمَلُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً ابْتِدائِيَّةً ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا والواوُ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، ونُكْتَةُ تَأْخِيرِهِ أنَّ السَّمْعَ ونَحْوَهُ مِن آلاتِ الإدْراكِ إنَّما يُعْتَدُّ بِهِ إذا أُحِسَّ وأُدْرِكَ وذَلِكَ بَعْدَ الإخْراجِ، وجَعَلَ إنْ تَعَدّى لِواحِدٍ بِأنْ كانَ بِمَعْنى خَلَقَ- لَكُمْ- مُتَعَلِّقٌ بِهِ وإنْ تَعَدّى لِاثْنَيْنِ بِأنْ كانَ بِمَعْنى صَيَّرَ فَهو مَفْعُولُهُ الثّانِي، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَنصُوباتِ لِما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ.

والمَعْنى جَعَلَ لَكم هَذِهِ الأشْياءَ آلاتٍ تُحَصِّلُونَ بِها العِلْمَ والمَعْرِفَةَ بِأنْ تُحِسُّوا بِمَشاعِرِكم جُزْئِيّاتِ الأشْياءِ وتُدْرِكُوها بِأفْئِدَتِكم وتَنْتَبِهُوا لِما بَيْنَها مِنَ المُشارَكاتِ والمُبايَناتِ بِتَكْرِيرِ الإحْساسِ فَيَحْصُلُ لَكم عُلُومٌ بَدِيهِيَّةٌ تَتَمَكَّنُونَ بِالنَّظَرِ فِيها مِن تَحْصِيلِ العُلُومِ الكَسْبِيَّةِ، وهَذا خُلاصَةُ ما ذَكَرَهُ الإمامُ في هَذا المَقامِ ومُسْتَمَدُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الكَثِيرُ مِنَ الحُكَماءِ مِن أنَّ النَّفْسَ في أوَّلِ أمْرِها خالِيَةٌ عَنِ العُلُومِ فَإذا اسْتَعْمَلَتِ الحَواسَّ الظّاهِرَةَ أدْرَكَتْ بِالقُوَّةِ الوَهْمِيَّةِ أُمُورًا جُزْئِيَّةً بِمُشارَكاتٍ ومُبايَناتٍ جُزْئِيَّةٍ بَيْنَها فاسْتَعَدَّتْ لِأنْ يُفِيدَ عَلَيْها المَبْدَأُ الفَيّاضُ المُشارَكاتِ الكُلِّيَّةَ، ويُثْبِتُونَ لِلنَّفْسِ أرْبَعَ مَراتِبَ.

مَرْتَبَةُ العَقْلِ الهُيُولانِيِّ.

ومَرْتَبَةُ العَقْلِ بِالمَلَكَةِ.

ومَرْتَبَةُ العَقْلِ بِالفِعْلِ ومَرْتَبَةُ العَقْلِ المُسْتَفادِ، ويَزْعُمُونَ أنَّ النَّفْسَ لا تُدْرِكُ الجُزْئِيَّ المادِّيَّ، ولَهم في هَذا المَقامِ كَلامٌ طَوِيلٌ وبَحْثٌ عَرِيضٌ.

وأهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: إنَّ النَّفْسَ تُدْرِكُ الكُلِّيَّ والجُزْئِيَّ مُطْلَقًا بِاسْتِعْمالِ المَشاعِرِ وبِدُونِهِ كَما فُصِّلَ في مَحَلِّهِ، وتَحْقِيقُ هَذا المَطْلَبِ بِما لَهُ وما عَلَيْهِ يَحْتاجُ إلى بَسْطٍ كَثِيرٍ، وقَدْ عُرِضَ والمُسْتَعانُ بِالحَيِّ القَيُّومِ جَلَّ جَلالُهُ وعَمَّ نَوالُهُ مِنَ الحَوادِثِ المُوجِبَةِ لِاخْتِلالِ أمْرِ الخاصَّةِ والعامَّةِ ما شَوَّشَ ذِهْنِي وحالَ بَيْنَ تَحْقِيقِ ذَلِكَ وبَيْنِي، أسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِما يَسُرُّ الفُؤادَ ويُيَسِّرُ لَنا ما يَكُونُ عَوْنًا عَلى تَحْصِيلِ المُرادِ وبِالجُمْلَةِ المَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: يُرِيدُ سُبْحانَهُ أنَّهُ جَعَلَ لَكم ذَلِكَ لِتَسْمَعُوا مَواعِظَ اللَّهِ تَعالى وتُبْصِرُوا ما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْكم مِن إخْراجِكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم إلى أنْ صِرْتُمْ رِجالًا وتَعْقِلُوا عَظَمَتَهُ سُبْحانَهُ.

وقِيلَ المَعْنى جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ لِتَسْمَعُوا بِهِ نُصُوصَ الكِتابِ والسَّنَةِ الَّتِي هي دَلائِلُ سَمْعِيَّةٌ لِتَسْتَدِلُّوا بِها عَلى ما يُصْلِحُكم في أمْرِ دِينِكُمْ، والأبْصارَ لِتُبْصِرُوا بِها عَجائِبَ مَصْنُوعاتِهِ تَعالى وغَرائِبَ مَخْلُوقاتِهِ سُبْحانَهُ فَتَسْتَدِلُّوا بِها عَلى وحْدانِيَّتِهِ جَلَّ وعَلا، والأفْئِدَةَ لِتَعْقِلُوا بِها مَعانِيَ الأشْياءِ الَّتِي جَعَلَها سُبْحانَهُ دَلائِلَ لَكُمْ، والسَّمْعُ والأبْصارُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَلى ظاهِرِهِما ولَمْ نَرَ مَن جَوَّزَ إخْراجَهُما عَنْ ذَلِكَ.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِما الحَواسُّ الظّاهِرَةُ عَلى الأوَّلِ، والأفْئِدَةُ جَمْعُ فُؤادٍ وهو وسَطُ القَلْبِ وهو مِنَ القَلْبِ كالقَلْبِ مِنَ الصَّدْرِ، وهَذا الجَمْعُ عَلى ما في الكَشّافِ مِن جُمُوعِ القِلَّةِ الجارِيَةِ مَجْرى جُمُوعِ الكَثْرَةِ والقِلَّةِ إذا لَمْ يَرِدْ في السَّماعِ غَيْرُهُما كَما جاءَ شُسُوعٌ في جَمْعِ شِسْعٍ لا غَيْرَ فَجَرى ذَلِكَ المَجْرى، وقالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يُجْمَعْ فُؤادٌ عَلى أكْثَرِ العَدَدِ ورُبَّما قِيلَ: أفْئِدَةٌ وفِئْدانُ كَما قِيلَ: أغْرِبَةٌ وغِرْبانُ في جَمْعِ غُرابٍ، وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ لَعَلَّ الفُؤادَ إنَّما جُمِعَ عَلى بِناءِ القِلَّةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ كَثِيرٌ وأمّا الفُؤادُ فَقَلِيلٌ لِأنَّهُ إنَّما خُلِقَ لِلْمَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ والعُلُومِ اليَقِينِيَّةِ وأكْثَرُ الخَلْقِ لَيْسَ لَهم ذَلِكَ بَلْ يَكُونُونَ مُشْتَغِلِينَ بِالأفْعالِ البَهِيمِيَّةِ والصِّفاتِ السَّبْعِيَّةِ فَكَأنَّ فُؤادَهم لَيْسَ بِفُؤادٍ فَلِذا ذُكِرَ في جَمْعِهِ جَمْعُ القِلَّةِ اه، ويَرُدُّ عَلَيْهِ الأبْصارُ فَإنَّهُ جَمْعُ قِلَّةٍ أيْضًا.

وفي البَحْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ أنَّهُ قَوْلٌ هَذَيانِيٌّ ولَوْلا جَلالَةُ قائِلِهِ لَمْ نُسَطِّرْهُ في الكُتُبِ وإنَّما يُقالُ في هَذا ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِمّا ذَكَرَ سابِقًا إلّا أنَّ قَوْلَهُ: لَمْ يَجِئْ في جَمْعِ شِسْعٍ إلّا شُسُوعٌ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ جاءَ فِيهِ أشْساعٌ جَمْعُ قِلَّةٍ عَلى قِلَّةٍ اه فاحْفَظْ ولا تَغْفُلْ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الفُؤادَ إنَّما يُدْرِكُ ما لَيْسَ بِمَحْدُودٍ بِنَحْوِ أيْنَ وكَيْفَ وكَمْ وغَيْرَ ذَلِكَ وإنَّ لِكُلِّ مُدْرَكٍ قُوَّةً مُدْرِكَةً لَهُ تُناسِبُهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُدْرَكَ بِغَيْرِها عَلى نَحْوِ المَحْسُوساتِ الظّاهِرَةِ مِنَ الأصْواتِ والألْوانِ والطُّعُومِ ونَحْوِها والحَواسِّ الظّاهِرَةِ مِنَ السَّمْعِ والبَصَرِ والذَّوْقِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وهو كَما تَرى.

وإفْرادُ السَّمْعِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ، وقِيلَ: إنَّما أُفْرِدَ وجُمِعَ الأبْصارُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مُدْرَكاتِهِ نَوْعٌ واحِدٌ ومُدْرَكاتِ البَصَرِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ وتَقْدِيمُهُ لِما أنَّهُ طَرِيقُ تَلَقِّي الوَحْيِ أوْ لِأنَّ إدْراكَهُ أقْدَمُ مِن إدْراكِ البَصَرِ، وقِيلَ: لِأنَّ مُدْرَكاتِهِ أقَلُّ مِن مُدْرَكاتِهِ، والخِلافُ في الأفْضَلِ مِنهُما شَهِيرٌ وقَدْ مَرَّ، وتَقْدِيمُها عَلى الأفْئِدَةِ المُشارِ بِها إلى العَقْلِ لِتَقَدُّمِ الظّاهِرِ عَلى الباطِنِ أوْ لِأنَّ لَهُما مَدْخَلًا في إدْراكِهِ في الجُمْلَةِ بَلْ هُما مِن خَدَمِهِ والخَدَمُ تَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدِي السّادَةِ، وكَثِيرٌ مِنَ السُّنَنِ أُمِرَ بِتَقْدِيمِهِ عَلى فُرُوضِ العِبادَةِ أوْ لِأنَّ مُدْرَكاتِهِما أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى مُدْرَكاتِهِ كَيْفَ لا ومُدْرَكاتِهِ لا تَكادُ تُحْصى وإنْ قِيلَ: إنَّ لِلْعَقْلِ حَدًّا يَنْتَهِي إلَيْهِ كَما أنَّ لِلْبَصَرِ حَدًّا كَذَلِكَ، واسْتَأْنَسَ بَعْضُهم بِذِكْرِ ما يُشِيرُ إلَيْهِ فَقَطْ دُونَ ضَمِّ ما يُشِيرُ إلى سائِرِ المَشاعِرِ الباطِنَةِ إلَيْهِ لِنَفْيِ الحَواسِّ الخَمْسِ الباطِنَةِ الَّتِي أثْبَتَها الحُكَماءُ بِما لا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ، وتَفْصِيلُ الكَلامِ في مَحَلِّهِ ﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ كَيْ تَعْرِفُوا ما أنْعَمَ سُبْحانَهُ بِهِ عَلَيْكم طَوْرًا غَبِّ طَوْرٍ فَتَشْكُرُوهُ، وقِيلَ: المَعْنى جَعَلَ ذَلِكَ كَيْ تَشْكُرُوهُ تَعالى بِاسْتِعْمالِ ما ذُكِرَ فِيما خَلَقَ لِأجْلِهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: ما غاب عن العباد وَما أَمْرُ السَّاعَةِ أي: قيام الساعة إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أي: كرجع البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ أي: بل هو أقرب، أي أسرع.

قال الزجاج: أخبر الله تعالى أن البعث والإحياء في قدرة الله تعالى، ومشيئته كلمح البصر.

ولم يرد أن الساعة تأتي في لمح البصر، ولكنه وصف سرعة القدرة على الإتيان بها.

ويقال: أَوْ هُوَ أَقْرَبُ الألف زائدة، ومعناه: وهو أَقْرَبُ.

إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يعني: من البعث وغيره.

قوله عز وجل: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ قرأ حمزة والكسائي أُمَّهاتِكُمْ بكسر الألف، وقرأ الباقون: بالضم، ومعناهما واحد.

وقال الزجاج: الأصل في الأمهات أمّات، ولكن الهاء زيدت مؤكدة، كما زادوها في قولهم: أهرقت الماء، وأصله أرقت الماء.

لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً أي: لا تعقلون شيئاً.

ويقال: لا تعلمون الأشياء كلها.

وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي: لكي تشكروا النعمة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

شُرَكاءَ فِي مَا رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ ...

الآية [الروم: ٢٨] ثم وقفهم سبحانه على جَحْدهم بنعمته في تنبيهه لهم على مِثْلِ هذا مِنْ مواضِع النظرِ المؤدِّية إلى الإِيمان.

وقوله سبحانهُ: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً هذه أيضاً آيةُ تعديدِ نِعَم، «والأزواجُ» هنا: الزوجاتُ، وقوله: مِنْ أَنْفُسِكُمْ: يحتملُ أن يريد خِلْقَةَ حوَّاء من نَفْس آدم، وهذا قول قتادة «١» والأَظهَرُ عندي أنْ يريد بقوله مِنْ أَنْفُسِكُمْ، أي: مِنْ نوعكم كقوله: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة: ١٢٨] ، وال حَفَدَةً: قال ابن عباس:

هم أولاد البنين «٢» وقال الحسن: هم بَنُوكَ وبَنُوَ بَنِيكَ «٣» ، / وقال مجاهد: ال حَفَدَةً الأنصار والأَعْوان «٤» وقيل غير هذا، ولا خلاف أنَّ معنى «الحفْدَ» الخِدْمَةِ والبِرُّ والمشْيُ مسرعاً في الطاعة ومنه في القنوت: «وإِلَيْكَ نَسْعَى ونحْفِدُ» ، والحَفَدَانُ أيضاً: خَبَبٌ فوق المَشْي.

وقوله سبحانه: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ ...

الآية: أي: لا تمثّلوا للَّه الأمثَال، وهو مأخوذٌ من قولك: هذا ضَرِيبُ هَذَا، أي: مثيله، والضّرب: النّوع.

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)

وقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً الآية: الذي هو مثالٌ في هذه الآية هو

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ " إمَّهاتِكِمْ " بِكَسْرِ الألِفِ والمِيمِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ الألِفِ وفَتْحِ المِيمِ، والباقُونَ بِضَمِّ الألِفِ وفَتْحِ المِيمِ، وكَذَلِكَ في (النُّورِ:٦١) و(الزُّمَرِ:٦) و(النَّجْمِ:٣٢) ولا خِلافَ بَيْنِهِمْ في الِابْتِداءِ بِضَمِّ الهَمْزَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الواحِدِ، والمُرادُ بِهِ الجَمِيعُ، وقَدْ بَيَّنّا عِلَّةَ ذَلِكَ في أوَّلِ (البَقَرَةِ:٧) .

والأفْئِدَةُ: جَمْعُ فُؤادٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: مِثْلُ: غُرابٍ وأغْرِبَةٍ، ولَمْ يُجْمَعْ " فُؤادٌ " عَلى أكْثَرِ العَدَدِ، لَمْ يَقُلْ فِيهِ:: " فِئْدانٌ " مِثْلَ غُرابٍ وغِرْبانٍ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وإنَّما جَعَلَ لَهُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَبْلَ أنْ يُخْرِجَهم، غَيْرَ أنَّ العَرَبَ تُقَدِّمُ وتُؤَخِّرُ، وأنْشَدَ " ضَخْمٌ تُعَلَّقُ أشْناقُ الدِّياتِ بِهِ إذا المِؤُونُ أُمِرَّتْ فَوْقَهُ حَمَلا [الشَّنَقُ: ما بَيْنَ الفَرِيضَتَيْنِ] .

والمِؤُونُ أعْظَمُ مِنَ الشَّنَقِ، فَبَدَأ بِالأقَلِّ قَبْلَ الأعْظَمِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَقْصُودُ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أبانَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ أخْرَجَهم جُهّالًا بِالأشْياءِ، وخَلَقَ لَهُمُ الآلاتِ الَّتِي يَتَوَصَّلُونَ بِها إلى العِلْمِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِن السَماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ ﴿ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ضَرَبَ اللهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ تَقْرِيعٍ لِلْكُفّارِ وتَوْبِيخٍ، وإظْهارٌ لِفَسادِ نَظَرِهِمْ، ووَضْعٌ لَهم مِنَ الأصْنامِ في الجِهَةِ الَّتِي فِيها سَعْيُ الناسِ وإلَيْها مَهامُّهُمْ، وهي طَلَبُ الرِزْقِ، وهَذِهِ الأصْنامُ لا تَمْلِكُ إنْزالَ المَطَرِ ولا إنْباتَ نِعْمَةٍ، مَعَ أنَّها لا تَمْلِكُ ولا تَسْتَطِيعُ أنْ تُحاوِلَ ذَلِكَ مِن مُلْكِ اللهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ: "رِزْقًا" مَصْدَرٌ، ونَصَبَهُ عَلى المَفْعُولِ بِـ "يُمْلِكُ".

وقَوْلُهُ: "شَيْئًا" ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِ، مِن قَوْلِهِ: "رِزْقًا" و"رِزْقًا" اسْمٌ، وذَهَبُ الكُوفِيُّونَ - وأبُو عَلِيٍّ مَعَهُمْ- إلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِالمَصْدَرِ فِي قَوْلِهِ: "رِزْقًا"، ولا نُقَدِّرُهُ اسْمًا، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا  ﴾ ﴿ أحْياءً وأمْواتًا  ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ أو إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ  ﴾ ﴿ يَتِيمًا  ﴾ فَنَصَبَ "يَتِيمًا" بِـ "إطْعامٌ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلَوْلا رَجاءُ النَصْرِ مِنكَ ورَهْبَةٌ ∗∗∗ عِقابَكَ قَدْ صارُوا لَنا كالمَوارِدِ والمَصْدَرُ يَعْمَلُ مُضافًا بِاتِّفاقٍ؛ لِأنَّهُ في تَقْدِيرِ الِانْفِصالِ، ولا يَعْمَلُ إذا دَخَلَهُ الألِفُ واللامُ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَوَغَّلَ في حالِ الأسْماءِ وبَعُدَ عن حالِ الفِعْلِيَّةِ، وتَقْدِيرُ الِانْفِصالِ في الإضافَةِ حَسَّنَ عَمَلَهُ، وقَدْ جاءَ عامِلًا مَعَ الألِفِ واللامِ في قَوْلِ الشاعِرِ: ضَعِيفُ النِكايَةِ أعْداءَهُ وقَوْلُهُ: عَنِ الضَرْبِ مِسْمَعًا وَقَوْلُهُ تَعالى: "يَمْلِكُ" عَلى لَفْظِ "ما"، وقَوْلُهُ: "يَسْتَطِيعُونَ" عَلى مَعْناها بِحَسَبِ اعْتِقادِ الكُفّارِ في الأصْنامِ أنَّها تَعْقِلُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "يَسْتَطِيعُونَ" لِلَّذِينِ يَعْبُدُونَ، والمَعْنى: لا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ بِبُرْهانٍ يُظْهِرُونَهُ وحُجَّةٍ يُبَيِّنُونَها.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَضْرِبُوا ﴾ أيْ: لا تُمَثِّلُوا لِلَّهِ الأمْثالَ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِكَ: "ضَرِيبُ هَذا" أيْ مَثِيلُهُ، والضَرْبُ: النَوْعُ، تَقُولُ: الحَيَوانُ عَلى ضُرُوبٍ، وهَذانَ مِن ضَرْبٍ واحِدٍ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ اللهُ مَثَلا ﴾ الآيَةُ.

الَّذِي هو مِثالٌ في هَذِهِ الآيَةِ هو عَبْدٌ بِهَذِهِ الصِفَةِ مَمْلُوكٌ، لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنَ المالِ ولا مِن أمْرِ نَفْسِهِ، وإنَّما هو مُسَخَّرٌ بِإرادَةِ سَيِّدِهِ مُدَبَّرٌ، ولا يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ العَبِيدَ كُلَّهم بِهَذِهِ الصِفَةِ كَما انْتَزَعَ بَعْضُ مَن يَنْتَحِلُ الفِقْهَ، وقَدْ قالَ في المَثّالِ الثانِي: ﴿ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ﴾ ، فَيَلْزَمُ -عَلى هَذا الِانْتِزاعِ- أنْ يَكُونَ البُكْمُ لا شَيْءَ لَهم، وبِإزاءِ العَبْدِ في المِثالِ رَجُلٌ مُوَسَّعٌ عَلَيْهِ في المالِ فَهو يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِإرادَتِهِ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْسِ المِثالِ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا يُنْفِقُ بِحَسَبِ الطاعَةِ، أما إنَّهُ أشْرَفُ أنْ يَكُونَ مِثالًا.

و"الرِزْقُ": ما صَحَّ الِانْتِفاعُ بِهِ، وقالَ أبُو مَنصُورٍ في عَقِيدَتِهِ: "الرِزْقُ ما وقَعَ الِاغْتِذاءِ بِهِ"، وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى هَذا التَخْصِيصِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ  ﴾ ، و ﴿ أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ  ﴾ ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن قَوْلِ النَبِيِّ  : « "جُعِلَ رِزْقِي في ظِلِّ رُمْحِي"،» وقَوْلُهُ: « "أرْزاقُ أُمَّتِي في سَنابِكِ خَيْلِها وأسِنَّةِ رِماحِها"،» فالغَنِيمَةُ كُلُّها رِزْقٌ.

والصَحِيحُ أنَّ ما صَحَّ الِانْتِفاعُ بِهِ هو الرِزْقُ، وهو مَراتِبٌ أعْلاها ما تُغُذِّيَ بِهِ، وقَدْ حَصَرَ رَسُولُ اللهِ  وُجُوهَ الِانْتِفاعِ في قَوْلِهِ: « "يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مالِي مالِي، وهَلْ لَكَ مِن مالِكٍ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فَأبْلَيْتَ، أو تَصَدَّقْتَ فَأمْضَيْتَ؟"».

وفي مَعْنى اللِباسِ يَدْخُلُ الرُكُوبُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الَّذِي لَهُ هَذا المَثَلُ -فَقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ: هو مِثَلُ الكافِرِ والمُؤْمِنِ، فَكَأنَّ الكافِرَ مَمْلُوكٌ مَصْرُوفٌ عَنِ الطاعَةِ، فَهو لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لِذَلِكَ، ويُشْبِهُ العَبْدَ المَذْكُورَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَمْثِيلُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- إنَّما وقَعَ في جِهَةِ الكافِرِ فَقَطْ، جَعَلَ لَهُ مَثَلًا، ثُمَّ قُرِنَ بِالمُؤْمِنِ المَرْزُوقِ، إلّا أنْ يَكُونَ المَرْزُوقُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، وإنَّما هو مِثالٌ لِلْمُؤْمِنِ، فَيَقَعُ التَمْثِيلُ مِن جِهَتَيْنِ، وقالَ مُجاهِدٌ، والضِحاكُ: هَذا المِثالُ، والمِثالُ الآخَرُ الَّذِي بَعْدَهُ، إنَّما هو لِلَّهِ تَعالى والأصْنامِ، فَتِلْكَ هي كالعَبْدِ المَمْلُوكِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، واللهُ تَعالى تَتَصَرَّفُ قُدْرَتُهُ دُونَ مُعَقِّبٍ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ الزَجاجُ عَلى نَحْوِ قَوْلِ مُجاهِدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّ الآيَةَ تَكُونُ مِن مَعْنى ما قَبْلَها وما بَعْدَها في تَبَيُّنِ أمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى والرَدِّ عَلى الأصْنامِ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وعَبْدٍ كانَ لَهُ، ورُوِيَ تَعْيِينُ غَيْرِ هَذا ولا يَصِحُّ إسْنادُهُ.

والمِثالُ لا يَحْتاجُ إلى تَعْيِينِ أحَدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ شُكْرٌ عَلى بَيانِ الأمْرِ بِهَذا المِثالِ، وعَلى إذْعانِ الخَصْمِ لَهُ، كَما تَقُولُ لِمَن أذْعَنَ لَكَ في حُجَّةٍ وسَلَّمْ ما يَنْبَنِي عَلَيْهِ قَوْلُكَ: اللهُ أكْبَرُ، وعَلى هَذا يَكُونُ كَذا وكَذا، فَلَمّا قالَ هُنا: ﴿ هَلْ يَسْتَوُونَ ﴾ فَكَأنَّ الخَصْمَ قالَ لَهُ: لا، فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، ظَهَرَتِ الحُجَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ يُرِيدُ لا يَعْلَمُونَ أبَدًا ولا يُداخِلُهم إيمانٌ، ويَتَمَكَّنَ عَلى هَذا قَوْلُهُ: "أكْثَرُهُمْ"؛ لِأنَّ الأقَلَّ مِنَ الكَفّارِ هو الَّذِي آمَنَ مِن أُولَئِكَ، ولَوْ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أيِ الآنَ لَكانَ قَوْلُهُ: "أكْثَرُهُمْ" بِمَعْنى الِاسْتِيعابِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنهم يَعْلَمُ قَوْلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عود إلى إكثار الدلائل على انفراد الله بالتصرّف وإلى تعداد النّعم على البشر عطفاً على جملة ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم ﴾ [النحل: 72] بعدما فصل بين تعداد النّعم بما اقتضاه الحال من التذكير والإنذار.

وقد اعتبر في هذه النّعم ما فيها من لطف الله تعالى بالناس ليكون من ذلك التخلّص إلى الدعوة إلى الإسلام وبيان أصول دعوة الإسلام في قوله تعالى: ﴿ كذلك يتمْ نعمته عليكم لعلّكم تسلمون ﴾ [سورة النحل: 81] إلى آخره.

والمعنى: أنه كما أخرجكم من عدم وجعل فيكم الإدراك وما يتوقّف عليه الإدراك من الحياة فكذلك ينشئكم يوم البعث بعد العدم.

وإذ كان هذا الصّنع دليلاً على إمكان البعث فهو أيضاً باعث على شكر الله بتوحيده ونبذ الإشراك فإن الإنعام يبعث العاقل على الشكر.

وافتتاح الكلام باسم الجلالة وجعل الخبر عنه فعلاً تقدم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ والله أنزل من السماء ماء ﴾ [سورة النحل: 65] والآيات بعدهُ.

والإخراج الإبراز من مكان إلى آخر.

والأمّهات: جمع أمّ.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ حرّمت عليكم أمّهاتكم ﴾ في سورة النساء (23).

والبَطن: ما بين ضلوع الصدر إلى العانة، وفيه الأمعاء والمعدة والكبد والرحم.

وجملة لا تعلمون شيئاً } حال من الضمير المنصوب في ﴿ أخرجكم ﴾ .

وذلك أن الطفل حين يولد لم يكن له علم بشيء ثم تأخذ حواسّه تنقل الأشياء تدريجاً فجعل الله في الطفل آلات الإدراك وأصول التفكّر.

فقوله تعالى: ﴿ وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ﴾ تفسيره أنه أوجد فيكم إدراك السمع والبصر والعقل، أي كوّنها في الناس حتى بلغت مبلغ كمالها الذي ينتهي بها إلى علم أشياء كثيرة، كما دلّت عليه مقابلته بقوله تعالى: ﴿ لا تعلمون شيئاً ﴾ ، أي فعلمتم أشياء.

ووجه إفراد السّمع وجمع الأبصار تقدم عند قوله تعالى: ﴿ أمّن يملك السمع والأبصار ﴾ في سورة يونس (31)، وقوله تعالى؛ ﴿ قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم ﴾ في سورة الأنعام (46).

و ﴿ الأفئدة ﴾ : جمع الفؤاد، وأصله القلب.

ويطلق كثيراً على العقل وهو المراد هنا.

فالسمع والبصر أعظم آلات الإدراك إذ بهما إدراك أهم الجزئيّات، وهما أقوى الوسائل لإدراك العلوم الضرورية.

فالمراد بالسمع: الإحساس الذي به إدراك الأصوات الذي آلته الصمّاخ، وبالإبصار: الإحساسُ المدرك للذّوات الذي آلته الحدقة.

واقتصر عليهما من بين الحواس لأنهما أهمّ، ولأن بهما إدراك دلائل الاعتقاد الحقّ.

ثم ذكر بعدهما الأفئدة، أي العقل مقرّ الإدراك كلّه، فهو الذي تنقل إليه الحواس مدركاتِها، وهي العلم بالتصوّرات المفردة.

وللعقل إدراك آخر وهو إدراك اقتران أحد المعلومين بالآخر، وهو التصديقات المنقسمة إلى البديهيّات: ككون نفي الشيء وإثباته من سائر الوجوه لا يجتمعان، وككون الكلّ أعظم من الجزء.

وإلى النظريات وتُسمّى الكسبيّات، وهي العلم بانتساب أحد المعلومين إلى الآخر بعد حركة العقل في الجمع بينهما أو التّفريق، مثل أن يحضر في العقل: أن الجسم ما هو، وأن المحدَث بفتح الدال ما هو.

فإن مجرد هذين التصوّرين في الذهن لا يكفي في جزم العقل بأن الجسم محدث بل لا بد فيه من علوم أخرى سابقة وهي ما يدلّ على المقارنة بين ماهية الجسمية وصفةِ الحدوث.

فالعلوم الكسبية لا يمكن اكتسابها إلا بواسطة العلوم البديهية.

وحصول هذه العلوم البديهية إنما يحصل عند حدوث تصوّر موضوعاتها وتصوّر محمولاتها.

وحدوث هذه التصوّرات إنما هو بسبب إعانة الحواس على جزئياتها، فكانت الحواس الخمس هي السبب الأصلي لحدوث هذه العلوم، وكان السمع والبصر أول الحواس تحصيلاً للتصوّرات وأهمّها.

وهذه العلوم نعمة من الله تعالى ولطف، لأن بها إدراك الإنسان لما ينفعه وعمَلَ عقله فيما يدلّه على الحقائق، ليسلم من الخطأ المفضي إلى الهلاك والأرزاء العظيمة، فهي نعمة كبرى.

ولذلك قال تعالى عقب ذكرها ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ ، أي هي سبب لرجاء شكرهم واهبَها سبحانه.

والكلام على معنى ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ مضى غير مرة في نظيره ومماثله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المَثَلِ المَضْرُوبِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِنَفْسِهِ ولِلْوَثَنِ، فالأبْكَمُ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ هو الوَثَنُ، والَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ هو اللَّهُ تَعالى، وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فالأبْكَمُ: الكافِرُ، والَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ: المُؤْمِنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّ الأبْكَمَ: عَبْدٌ كانَ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الإسْلامَ فَيَأْبى.

وَمَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ: عُثْمانُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم ﴾ قال: من الرحم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ﴾ قال: كرامة أكرمكم الله بها، فاشكروا نعمه.

وأخرج أحمد وابن ماجه وابن حبان والطبراني وابن مردويه، عن حبة وسواء ابنَيْ خالد أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم: وهو يعالج بناء، فقال لهما: هلم، فعالجا معه، فعالجا فلما فرغ، أمر لهما بشيء وقال لهما: «لا تَيْأَسا من الرزق ما تهزهزت رؤوسكما.

فإنه ليس من مولود يولد من أمة إلا أحمر ليس عليه قشرة ثم يرزقه الله» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ أي أخرجكم غير عالمين بمعنى: أخرجكم جاهلين.

وقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ﴾ عطف (١) ﴿ أَخْرَجَكُمْ ﴾ ، وجَعْلُ السمعِ كان قبل الإخراجِ ولم يكن بعده، وتأخيره في الذكر وتَقَدُّمُ الإخراجِ لا يدل على أن الجَعْلَ للسمع تأخر عن الإخراج؛ لأن الواو لا توجب الترتيب (٢) (٣) ﴿ وَالْأَفْئِدَةَ ﴾ جمع الفؤاد؛ نحو غراب وأغربة (٤) قال الزجاج: ولم يجمع فؤاد على أكثر العدد؛ لم يُقَل فيه: فِئْدان، كما قيل في غُراب وغِرْبَان (٥) (١) وجعلها الطبري مستأنفة؛ لأن الكلام تمَّ بقوله: ﴿ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ ، ثم ابتدأ بقوله: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ ﴾ .

انظر: "تفسير الطبري" 14/ 152، والبغوي 5/ 34.

(٢) وللخازن توجيه جيد، يقول: لمّا كان الانتفاع بهذه الحواس بعد الخروج من البطن، فكأنما خلقت في ذلك الوقت الذي ينتفع بها فيه، وإن كانت قد خلقت قبل ذلك.

"تفسير الخازن" 3/ 128.

(٣) انظر: "تفسير الخازن" 3/ 128، بنصه، و"تفسير الألوسي" 14/ 201، بنصه.

(٤) قال الزمخشري: وهو من جموع القلة التي جرت مجرى جموع الكثرة.

انظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 339.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 214، بنصه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ ﴾ الآية: مثل لله تعالى وللأصنام كالذي قبله، والمقصود منهما إبطال مذاهب المشركين، وإثبات الوحدانية لله تعالى، وقيل: إن الرجل الأبكم أبو جهل، والذي يأمر بالعدل عمار بن ياسر، والأظهر عدم التعيين ﴿ وَهُوَ كَلٌّ على مولاه ﴾ الكلّ: الثقيل يعني أنه عيال على وليه أو سيده، وهو مثل للأصنام والذي يأمر بالعدل هو الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا جرم ﴾ في المد مثل ﴿ لا ريب فيه  ﴾ ﴿ مفرطون ﴾ بكسر الراء المشددة: يزيد ﴿ مفرطون ﴾ بكسر الراء المخففة: نافع وقتيبة.

الباقون بفتحها مخففة.

﴿ نسقيكم ﴾ بفتح النون: نافع وابن عامر وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد.

الآخرون بضمها.

الوقوف: ﴿ مسمى ﴾ ج للظرف مع الفاء ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ وقيل علي ﴾ لا ثم يبدأ بجرم وهو تكلف.

﴿ مفرطون ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ لا للعطف على موضع ﴿ لتبين ﴾ تقديره إلا تبياناً وهدى ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ لعبرة ﴾ ط لأنه لو وصل اشتبه ما بعده بالوصف ﴿ للشاربين ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ يعرشون ﴾ ه ج للعطف ﴿ ذللاً ﴾ ط للعدول ﴿ للناس ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: لما حكى عن القوم عظيم كفرهم وفظيع قولهم بين غاية كرمه وسعة رحمته حيث إنه لا يعاجلهم بالعقوبة فقال: ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ﴾ الآية.

فزعم بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء أنه أضاف الظلم إلى ضمير الناس والأنبياء من جملة الناس فوجب أن يكونوا ظالمين عاصين ويؤكد هذا قوله: ﴿ ما ترك عليها من دابة ﴾ فإنه لو لم يصدر من الأنبياء ذنب لم يكن لإفنائهم وجه وحينئذ لم يصدق أنه لم يبق على الأرض واحد.

والجواب لا نسلم عموم الناس في الآية لقوله  في موضع آخر ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات  ﴾ ولا ريب أن المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين، فإذن المراد بالناس إما كل العصاة الذين استحقوا العقاب، أو الذين تقدم ذكرهم من المشركين.

وأما قوله: ﴿ من دابة ﴾ فعن ابن عباس أنه أراد من مشرك يدب عليها نظيره قوله: ﴿ إن شر الدواب عند الله الذين كفروا  ﴾ ولو سلم أن المراد بها كل من يدب عليها فلعل الهلاك في حق الظلمة يكون عذاباً وفي غيرهم امتحاناً فقد وقعت هذه الواقعة في زمان نوح  .

وأيضاً من المعلوم أنه لا أحد إلا وفي آبائه من يستحق العذاب، فلو أهلكوا لبطل نسلهم ولأدى إلى إفناء الناس، بل الدواب كلها لأن الدواب مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم.

عن أبي هريرة أنه سمع رجلاً يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه فقال: بلى والله حتى إن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم.

وعن ابن مسعود: كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم.

وقيل: لو يؤاخذهم لانقطع القطر وفي انقطاعه انقطاع النبت وفي انقطاع النبت فناء الدواب.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الظلم والمعاصي ليست من أفعال الله  وإلا لم يؤاخذهم بها فرضاً، ولم يضف الظلم إليهم ولم يذمهم على ذلك.

وفي قوله: ﴿ بظلمهم ﴾ دليل على أن الظلم هو المؤثر في العقاب، فإن الباء للعلية.

وجواب الأشاعرة معلوم وهو أنه لا يسأل عما يفعل، وأيضاً المعارضة بالعلم والدواعي ووجوب انتهاء الكل إليه.

قال بعض الأصوليين: الأصل في المضار الحرمة لأن الضرر لا يجوز أن يكون مشروعاً ابتداء بالإجماع ولقوله  : ﴿ ما جعل عليكم في الدين من حرج  ﴾ ﴿ يريد الله بكم اليسر  ﴾ ولقوله  : "لا ضرر ولا ضرار" في الإسلام "ملعون من ضر مسلماً" ولا أن يكون مشروعاً على وجه يكون جزاء عن جرم سابق بهذه الآية لأن كلمة "لو" وضعت لانتفاء الشيء لانتفاء غيره.

فالآية تقتضي أنه  ما آخذ الناس بظلمهم وأنه ترك على ظهرها دابة كما هو المشاهد إذا ثبت هذا الأصل فنقول: إذا وقعت حادثة مشتملة على المضار فإن وجدنا نصاً على كونها مشروعة قضينا به تقديماً للخاص على العام وإلا قضينا عليها بالحرمة بناء على هذا الأصل.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون الضرر مشروعاً على وجه يقع جزاء عن جرم سابق والآية لا تنافي ذلك لأنها لا تدل إلا على أنه  لا يؤاخذ بكل ظلم.

أما على أنه لا يؤاخذ ببعض أنواع الظلم فلا، دليلة قوله: ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير  ﴾ ومنهم من قال: بناء على القاعدة المذكورة إن كل ما يريده الإنسان وجب أن يكون مشروعاً في حقه لأن المنع منه ضرر والضرر غير مشروع، وكل ما يكرهه الإنسان لزم أن يكون محرماً لأن وجوده ضرر وأنه غير مشروع.

فالذي يتمسك به في إثبات الأحكام من القياس إما أن يكون على وفق هذه القاعدة أو على خلافها والأول باطل، لأن هذا الأصل يغني عنه، وكذا الثاني لأن النص راجح على القياس.

ولقائل أن يقول: توارد الأدلة على المدلول الواحد غير ممتنع.

أما قوله: ﴿ ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ﴾ فعن ابن عباس في رواية عطاء أنه يريد أجل القيامة لأن معظم العذاب يوافيهم يومئذ.

وقيل: أراد منتهى العمر لأن المشركين يؤاخذون بالذنوب إذا خرجوا من الدنيا، وباقي الآية قد مر تفسيرها في أوائل سورة الأعراف.

واعلم أنه  قال في هذه السورة ﴿ ما ترك عليها من دابة ﴾ وفي سورة الملائكة { ﴿ ما ترك على ظهرها  ﴾ فالهاء كناية عن الأرض ولم يتقدم ذكرها ههنا والعرب تجوّز ذلك في كلمات لحصولها بين يدي كل متكلم وسامع منها الأرض والسماء: "فلان أفضل من عليها وأكرم من تحتها"، ومنها الغداة "إنها اليوم لباردة".

ومنها الأصابع يقول: "والذي شقهن خمساً من واحدة" يعني الأصابع من اليد.

وإنما لم يذكر الظهر في هذه السورة لئلا يلتبس بظهر الداب فكثيراً ما يستعمل الظهر بمعنى الدابة بخلاف سورة "الملائكة" فإنه قد تقدم ذكر الأرض في قوله: ﴿ أو لم يسيروا في الأرض  ﴾ وفي قوله: ﴿ ولا في الأرض  ﴾ فلم يكن ملتبساً.

ويمكن أن يقال: لما قال ههنا ﴿ بظلمهم ﴾ لم يقل: ﴿ على ظهرها ﴾ وحين قال هنالك ﴿ بما كسبوا ﴾ قال: ﴿ على ظهرها ﴾ احترازاً عن الجمع بين الظاءين لأنها تقل في الكلام وليست لأمة من الأمم سوى العرب، فلم يجمع بينهما في شرطية واحدة.

ثم عاد إلى حكاية كلمتهم الحمقاء فقال: ﴿ ويجعلون لله ما يكرهون ﴾ لأنفسهم من البنات ولا يبعد أن يندرج فيه سائر ما يكرهون من الشركاء في الرياسة ومن الاستخفاف والتهاون برسلهم ورسالتهم، وأنهم يجعلون أرذل أموالهم لله وأكرمها للأصنام.

وعن بعضهم أنه قال لرجل من ذوي اليسار كيف تكون يوم القيامة إذا قال الله  هاتوا ما دفع إلى السلاطين وأعوانهم فيؤتى بالدواب والثياب وأنواع الأموال الفاخرة، وإذا قال هاتوا ما دفع إليّ فيؤتى بالكسر والخرق وما لا يؤبه له، أما تستحيي من ذلك الموقف؟

ثم قال: ﴿ وتصف ألسنتهم الكذب ﴾ قال الفراء والزجاج: أبدل منه قوله: ﴿ أن لهم الحسنى ﴾ عن مجاهد أن الحسنى البنون كانت قريش يقولون لله البنات ولنا البنون.

وقال غيره: هي الجنة أي إنهم مع جعلهم لله ما يكرهون حكموا لأنفسهم بالجنة والثواب من الله، وأنهم يفوزون برضوان الله بسبب هذا القول زعماً منهم أنهم على الدين الحق والمذهب الحسن.

وكيف يحكمون بذلك وكانوا منكرين للقيامة؟

الجواب أنه كان فيهم من يقر بالبعث ولذلك كانوا يربطون البعير على قبر الميت ويتركونه إلى أن يموت ظناً منهم أن الميت إذا حشر فإنه يحشر معه مركوبه، وبتقدير أنهم كانوا منكرين فلعلهم قالوا إن كان محمد  صادقاً في دعوى الحشر والقيامة فإنه يحصل لنا الجنة والثواب بسبب هذا الدين الحق الذي نحن عليه نظيره ﴿ ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى  ﴾ ومن الناس من رجح هذا القول لأنه تعالى ردّ عليهم بعد ذلك بقوله: ﴿ لا جرم أن لهم النار ﴾ قال الزجاج: لا ردّ لقولهم أي ليس الأمر كما وصفوا.

جرم أي كسب ذلك القول أن لهم النار فــ "أنَّ" مع ما بعده في محل النصب لوقوع الكسب عليه.

وقال قطرب: "أن" في موضع رفع والمعنى حق أن لهم الافتراء على الله.

وجوّز أبو علي الفارسي أن يكون من أفرط أي صار ذا فرط مثل أجرب أي صار ذا جرب، ومن قرأ بفتحها مخففة فهو من أفرطت فلاناً خلفى إذا خلفته ونسيته، فالمعنى أنهم متروكون في النار منسيون.

ومن قرأ بكسر الراء المشددة فهو من التفريط في الطاعات.

وقرىء بفتح الراء المشددة من فرّطته في طلب الماء إذا قدمته وجاء أفرطته بمعناه أيضاً، فالمراد أنهم مقدمون إلى النار معجلون إليها.

ثم بين  أن مثل صنيع قريش قد صدر عن سائر الأمم فقال: ﴿ تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ﴾ أي رسلاً ﴿ فزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ قالت المعتزلة: لو كان خالق الأعمال هو الله  فما معنى تزيين الشيطان، ومن أي وجه توجه عليه الذم، وأن خالق ذلك العمل أجدر بأن يكون ولياً لهم من الداعي إليه؟

وأجيب بأن الوسائط معتبرة وانتهاء الكل إليه ضروري.

قال جار الله: ﴿ فهو وليهم اليوم ﴾ حكاية الحال الماضية التي كان يزين لهم الشيطان أعمالهم فيها، والمراد فهو وليهم أي قرينهم في الدنيا فجعل اليوم عبارة عن زمان الدنيا أو اليوم عبارة عن يوم الآخرة الذي يعذبون فيه في النار، فهو حكاية للحال الآتية، والولي الناصر أي هو ناصرهم يوم القيامة فقط، والمراد نفي الناصر عنهم على أبلغ الوجوه لأن الشيطان لا يتصوّر منه النصرة أصلاً، وإذا كان الناصر منحصراً فيه لزم أن لا نصرة بالضرورة.

قال: ويجوز أن يرجع الضمير في ﴿ وليهم ﴾ إلى مشركي قريش وأنه زين للكفار قبلهم أعمالهم فهو ولي هؤلاء لأنهم منهم، ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي فهو ولي أمثالهم اليوم.

ثم ذكر  أنه ما هلك من هلك إلا بعد إقامة الحجة وإزاحة العلة فقال: ﴿ وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ﴾ كالشرك والتوحيد والجبر والقدر والإقرار بالبعث والإنكار له، وكتحريم الأشياء المحللة كالبحيرة والسائبة وتحليل الأشياء المحرمة كالميتة والدم.

﴿ وهدى ورحمة ﴾ انتصبا على أنهما مفعول لهما ولا حاجة إلى اللام لأنهما فعلا فاعل، والفعل المعلل بخلاف التبيين فإنه فعل المخاطب لا فعل المنزل ولهذا دخل عليه اللام، قال الكعبي: وصف القرآن بكونه هدى ورحمة ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لا ينافي كون كذلك في حق الكل.

وخص المؤمنون بالذكر من حيث إنهم قبلوه وانتفعوا به.

ولما امتد الكلام في وعيد الكفار عاد إلى تقرير الإلهيات فقال: ﴿ والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ﴾ وفي العنكبوت: { ﴿ من بعد موتها  ﴾ لأن هنالك سؤال تقرير والتقرير يحتاج إلى التحقيق فقيد الظرف بــ"من" للاستيعاب.

وأيضاً حذف "من" في هذه السورة موافقة لقوله عما قريب: ﴿ لكيلا يعلم بعد علم شيئاً ﴾ وإنما حذف "من" هنا بخلاف ما في الحج لأنه أجمل الكلام في هذه السورة فقال: ﴿ والله خلقكم ثم يتوفاكم ﴾ وأطنب في الحج فقال: ﴿ خلقناكم من تراب ثم من نطفة  ﴾ الآية.

فاقتضى الإيجاز الحذف والإطناب الإثبات ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ﴾ سماع تأمل وتدبر فمن لم يسمع متدبراً فكأنه أصم، ثم استدل بعجائب أحوال الحيوانات قائلاً: ﴿ وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه ﴾ وفي سورة المؤمنين: ﴿ مما في بطونها  ﴾ فذكر النحويون أن الأنعام من جملة الكلمات التي لفظها مفرد ومعناها جمع كالرهط والقوم والنعم.

فجاز تذكيره حملاً على اللفظ وتأنيثه حملاً على المعنى.

قال المبرد: هذا شائع في القرآن قال  : ﴿ فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي  ﴾ بمعنى هذا الشيء الطالع.

وقال: ﴿ كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره  ﴾ أي ذكر هذا الشيء.

وعند سيبويه الأنعام من الأسماء المفردة الواردة على أفعال.

وجوّز في الكشاف أن يكون تأنيثه على أنه تكسير نعم.

وقيل: إن الأنعام بمعنى النعم لأن الألف واللام تلحق الآحاد بالجمع والجمع بالآحاد.

قلت: ما ذكره الأئمة حسن إلا أنه لا يقع جواباً عن التخصيص.

ولعل السر فيه أن الضمير في هذه السورة يعود إلى البعض وهو الإناث، لأن اللبن لا يكون للكل فالتقدير: وإن لكم في بعض الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه، وأما في "المؤمنين" فإنه لما عطف عليه ما يعود على الكل ولا يقتصر على البعض وهو قوله: ﴿ ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها ﴾ \[المؤمنون: 22\] لم يتحمل أن يكون المراد به البعض فأنث ليكون نصاً على أن المراد بها الكل.

روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: إذا استقر العلف فى الكرش صار أسفله فرثاً وأعلاه دماً وأوسطه لبناً خالصاً فيجري الدم في العروق واللبن في الضروع ويبقى الفرث كما هو فذاك هو قوله  : ﴿ من بين فرث ودم لبناً خالصاً ﴾ لا يشوبه الدم ولا الفرث.

وأنكر الأطباء هذا القول لأنه على خلاف الحس والتجربة.

أما الحس فلأن الأنعام تذبح ذبحاً متوالياً ولا يرى في كرشها دم ولا لبن، وأما التجربة فلأن الدم لو كان في أعلى المعدة والكرش كان يجب إذا قاء أن يقيء الدم وليس كذلك، بل الحق أن الحيوان إذا تناول العلف حصل له في معدته أو كرشه هضم أوّل، فما كان منه صافياً انجذب إلى الكبد، وما كان كثيفاً نزل إلى الأمعاء.

ثم الذي يحصل في الكبد ينطبخ فيها ويصير دماً وذلك هو الهضم الثاني.

ويكون مخلوطاً بالصفراء والسوداء وزيادة المائية.

أما الصفراء فتذهب إلى المرارة، والسوداء إلى الطحال، والماء إلى الكلية، ومنها إلى المثانة.

وأما الدم فإنه يدخل في الأوردة وهي العروق النابتة من الكبد وهناك يحصل الهضم الثالث.

وبين الكبد والضرع عروق كثيرة فينصب الدم في تلك العروق إلى الضرع وهو لحم غددي رخو أبيض فيقلب الله الدم هناك إلى صورة اللبن، وإنما اختص هذ المعنى بالحيوان الأنثى لأن الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شيء على الوجه اللائق به، والذكر من كل حيوان أسخن واجف، والأنثى أبرد وأرطب لأن بدن الأنثى يحتاج إلى مزيد رطوبة لتصير مادة لتولد الولد ويتسع بدنها له.

ثم إن تلك الرطوبات التي كانت تصير مادة لازدياد بدن الجنين حين كان في الرحم تنصب بعد انفصال الجنين إلى الثدي لتصير مادة لغذاء الطفل.

واعلم أنه  خلق في أسفل المعدة منفذاً يخرج منه ثفل الغذاء، فإذا تناول الإنسان غذاء أو شربة رقيقة انطبق ذلك المنفذ انطباقاً كلياً إلى أن يكمل انهضامه في المعدة وينجذب ما صفا منه إلى الكبد، ويبقى الثفل هناك فحينئذ ينفتح ذلك المنفذ وينزل منه ذلك الثفل فهذا الانطباق والانتفاح بحسب الحاجة وبقدر المنفعة مما لا يتأتى إلى بتقدير الفاعل الحكيم.

وأيضاً إنه أودع في الكبد قوّة جاذبة للأجزاء اللطيفة التي في ذلك المأكول والمشروب طابخة لها حتى تنقلب دماً دون الأجزاء الكثيفة وفي المعدة بالعكس، وأودع في المرارة قوة جاذبة للصفراء، وفي الكلية قوة جاذبة لزيادة المائية، وتخصيص كل واحد من هذه الأعضاء بفعله الخاص به لا يمكن إلا بتدبير العليم الخبير.

وكذا الكلام في انصباب مادة اللبن إلى الثدي في وقت يحتاج الطفل إلى الغذاء وتوزعها على جميع البدن في غير ذلك الوقت.

ثم إنه  أحدث في حلمة الثدي ثقوباً صغيرة يخرج اللبن الخالص منها وقت المص أو الحلب فهي بمنزلة المصفاة للبن يخرج اللطيف منها ويبقى الكثيف، فبهذا الطريق يصير خالصاً سائغاً للشاربين أي سهل المرور في الحلق حتى قيل إنه لم يغص أحد باللبن قط.

ومن عجائب حال اللبن اجتماعه من أجسام مختلفة الطبائع مع أنها واحدة في الحس.

فمنها الدهن وهو حار رطب، ومنها الأجزاء المائية وهي باردة رطبة، ومنها الجبن وهو بارد يابس وكلها حاصلة من عشب واحد.

ثم إنه  ألهم الطفل الصغير مص الثدي عند انفصاله من الأم وكل ذلك دليل على عناية كاملة ورحمة شاملة وعلم تام وقدرة باهرة.

قال المحققون: في تقليب العشب في هذه الأطوار إلى أن يصير لبناً خالصاً سائغاً دليل على أنه تعال قادر على تقليب الإنسان في أطواره إلى أن يصير مستعداً للبقاء الأبدي واللقاء السرمدي.

قال جار الله: و"من" في ﴿ مما في بطونه ﴾ للتبعيض و"من" في قوله: ﴿ من بين فرث ﴾ لابتداء الغاية فهو صلة ﴿ لنسقيكم ﴾ كقولك: "سقيته من الحوض".

وجوز أن يكون حالاً من قوله: ﴿ لبناً ﴾ مقدماً عليه فيتعلق بمحذوف أي كائناً من بين كذا وكذا.

وإنما قدم لأنه موضع العبرة فهو جدير بالتقديم.

قالت الشافعية: ليس بمستنكر أن يسلك المني مسلك البول وهو طاهر كما أنه يخرج اللبن من بين الفرث والدم طاهراً.

وأما قوله: ﴿ ومن ثمرات النخيل والأعناب ﴾ فإما أن يتعلق بمحذوف أي ونسقيكم من ثمرات النخيل ومن الأعناب إذا عصرت وحذف لدلالة ما تقدم عليه فيكون قوله: ﴿ تتخذون منه ﴾ بياناً وكشفاً عن كنه حقيقة الاستقاء، وإما أن يتعلق بـ ﴿ تتخذون ﴾ فيكون قوله: ﴿ منه ﴾ تكريراً للظرف لأجل التأكيد نظيره قولك: "زيد في الدار فيها" وإنما ذكر الضمير في ﴿ منه ﴾ لأنه يعود إلى المذكور أو إلى المضاف المحذوف الذي هو العصير كأنه قيل: ومن عصير ثمرات النخيل ومن عصير الأعناب تتخذون منه، واحتمل أن يكون ﴿ تتخذون ﴾ صفة موصوف محذوف كقوله: ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ أي وما منا إلا ملك فالتقدير: ومن ثمرات النخيل ومن الأعناب ثمر.

﴿ تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ لأنهم يأكلون بعضها ويتخذون من بعضها السكر وهو الخمر سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً نحو رشد رشداً ورشداً.

وعلى هذا التفسير ففي الآية قولان: أحدهما - ويروى عن الشعبي والنخعي - أنها منسوخة فإن السورة مكية وتحريم الخمر نزل في المائدة وهي مدنية، وثانيهما أنها جامعة بين العتاب والمنة.

وذكر المنفعة لا ينافي الحرمة على أن في الآية تنبيهاً على الحرمة أيضاً لأنه ميز بينها وبين الرزق الحسن في الذكر، فوجب في السكر أن لا يكون رزقاً حسناً لا بحسب الشهوة بل بحسب الشريعة.

هذا ما عليه الأكثرون.

وقيل: السكر النبيذ وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه، ثم يترك حتى يشتد وهو حلال عند أبي حنيفة إلى حد السكر.

واحتج بأن الآية دلت على أن السكر حلال لأنه  ذكره في معرض الإنعام والمنة، ودل الحديث على أن الخمر حرام لعينها وهذا يقتضي أن يكون السكر شيئاً غير الخمر، وكل من أثبت هذه المغايرة قال إنه النبيذ المطبوخ.

ويحكى عن أبي علي الجبائي أنه صنف كتاباً في تحليل النبيذ، فلما آخذت منه السن العالية قيل له: لو شربت منه ما تتقوّى به فأبى فقيل له: فقد صنفت في تحليله.

فقال: تناولته أيدي الشيطان فقبح عند ذوي المروءات والأقدار.

وقيل: السكر الطعم قاله أبو عبيدة.

وقيل: السكر والرزق الحسن واحد كأنه قيل: تتخذون منه ما هو سكر ورزق حسن.

ومن أعجب أحوال الحيوان حال النحل المناسب عسلها اللبن في موافقة اللذة وفي الخروج من البطن فلذلك أفردها بالذكر عقيب ذلك قائلاً: ﴿ وأوحى ربك ﴾ يا محمد أو يا إنسان إلى النحل أي ألهمها وعلمها على وجه هو أعلم به، ولقد حق لغريب أمرها وعجيب صنعتها أن يطلق عليه لفظ الإيحاء وذلك أنها تبني البيوت المسدسة من الأضلاع المتساويات التي لا يمكن للعقلاء تركيب أمثالها إلا بالمساطر والفرجارات، وقد علم من الهندسة أن تلك البيوت لو كانت مشكلة بما سوى المسدسات فإنه يبقى بالضرورة فيما بينها فرج خالية ضائعة.

فاهتداء ذلك الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الدقيقة من الأعاجيب.

ومن غرائب أمرها أن لها رئيساً هو أعظم جثة من الباقين وهم يخدمونه ويتبعون نهيه وأمره، ومنها أنها إذا نفرت عن وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطبول والملاهي وآلات الموسيقى وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى أوكارها.

وبالجملة فإن غرائب هذا الحيوان أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تخفى، والغرض أن امتياز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على الذكاء والكياسة حالة شبيهة بالوحي بمعنى الإلهام.

قال الزجاج: يجوز أن يقال سميت نحلاً لأنه  نحل الناس العسل بواستطها وهي مؤنثة في لغة أهل الحجاز ولذلك قال  : ﴿ أن اتخذي ﴾ وهي "أن" المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول.

ومعنى "من" في قوله: ﴿ من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ﴾ أي يبنون ويرفعون البعضية لأنها لا تبني بيوتاً في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش، ولكنها تبني في مساكن توافقها وتليق بها وكثيراً ما يتعهدها الناس وتصلح أحوالها ﴿ ثم كلي من كل الثمرات ﴾ أي بعضاً من كل ثمرة تشتهينها فإذا أكلتها ﴿ فاسلكي سبل ربك ﴾ أي الطريق التي ألهمك وفهمك في عمل العسل ﴿ ذللاً ﴾ جمع ذلول وهي حال من السبل لأن الله ذللها لها وسهلها عليها، أو من الضمير في ﴿ فاسلكي ﴾ أي وأت ذلك منقادة لما أمرت به غير ممتنعة، أو المراد فاسلكي ما أكلت في سبل ربك المذللة أي في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المر عسلاً وهي أجوافك ومنافذ مأكلك، أو أراد أنك إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من بيوتك فاسلكي راجعة إلى بيوتك سبل ربك لا تتوعر عليك ولا تضلين فيها.

فقد يحكى أنها ربما أجدب عليها ما حولها فتسافر إلى البلد البعيد في طلب النجعة.

ويجوز أن يريد بقوله: ﴿ ثم كلي ﴾ اقصدي أكل الثمرات ﴿ فاسلكي ﴾ في طلبها من مظانها ﴿ سبل ربك ﴾ .

واعلم أن ظاهر قوله: ﴿ أن اتخذي ﴾ ﴿ ثم كلي ﴾ ﴿ فاسلكي ﴾ أمر.

فمن الناس من قال لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول يتوجه بها عليها من الله أمر ونهي، ومنهم من أنكر ذلك وقال: المراد أنه  خلق فيها غرائز وطبائع توجب هذه الأحوال.

وتمام الكلام فيه سيجيء في سورة النمل.

أما حدوث العسل من النحل فالأصح عند الأطباء أن الله  دبر هذا العالم على وجه يحدث في الهواء طل لطيف في الليالي ويقع على أوراق الأشجار فقد يكون كثيراً يجتمع منه أجزاء محسوسة وهي الترنجبين ونحوه، وقد يكون قليلاً متفرقاً على الأوراق والأزهار وهو الذي ألهم الله  هذا النحل فتلتقط تلك الذرّات بأفواهها وتأكلها وتغتذي بها فإذا شبعت التقطت مرة أخرى وذهبت بها ووضعتها في بيوتها ادخاراً لنفسها، فإذا اجتمع في بيوتها شيء محسوس من تلك الأجزاء الطلية فذاك هو العسل.

ولا يبعد أن يحصل لتلك الأجزاء في أفواهها نوع هضم وتغير ونضج لخاصية فيها فلذلك قال: ﴿ يخرج من بطونها ﴾ أي من أفواهها.

ومن الناس من زعم أن النحل تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق العطرية ما شاءت، ثم إنه  يقلب تلك الأجسام في داخل بدنه عسلاً، ثم إنه يقيء مرة أخرى فذلك هو العسل.

قال العقلاء: والقول الأول أقرب إلى التجربة والقياس: فإن طبيعة الترنجبين قريبة من العسل في الطعم والشكل، ولا شك أنه طل محدث في الهواء ويقع على أطراف الأشجار والأزهار فكذا العسل.

وأيضاً النحل إنما تغتذي بالعسل ولهذا يترك منه بقية في بيوتها بعد الأشتيار.

ولكن قوله  : ﴿ يخرج من بطونها شراب ﴾ أي ما يشرب يعضد القول الثاني.

وقوله: ﴿ مختلف ألوانه ﴾ أي منه أبيض وأصفر وأحمر وأسود بحسب اختلاف الأماكن وأمزجة النحل واختلاف الأزهار والأعشاب التي ترعى فيها.

ثم وصفه بقوله: ﴿ فيه شفاء الناس ﴾ لأنه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة النافعة ولذا يقع في أكثر المعاجين.

وتنكير ﴿ شفاء ﴾ لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء فإن كل دواء كذلك.

وعن النبي  أن رجلاً جاء إليه فقال: إن أخي يشتكي بطنه.

فقال: اسقه العسل.

فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فما نفع.

فقال: اذهب فاسقه عسلاً فقد صدق الله وكذب بطن أخيك.

فسقاه فشفاه الله فبرأ كأنما نشط من عقال.

قال أهل المعاني: إنه  كان عالماً بأنه سيظهر نفعه فلهذا قال: كذب بطن أخيك حين لم يظهر النفع في الحال.

وعن عبد الله بن مسعود: العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم بالشفاءين القرآن والعسل.

واعلم أنه  ختم الآية الأولى بقوله: ﴿ لقوم يسمعون ﴾ لأن إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض بسببه أمر مشاهد محسوس فمنكر ذلك فاقد الحس، وإنما خص بالذكر حس السمع لأن لفظ القرآن المنبه على هذه الآية مسموع.

وختم الآية الثانية بالعقل لأنه يحتاج إلى نوع تدبر فالمعرض عنه فاقد العقل دون الحس.

وختم الثالثة بالتفكر لأن أمر النحل وقصتها العجيبة من انقيادها لأميرها واتخاذها البيوت على أشكال يعجز عنها الحاذق منا، ثم تتبعها الزهر والطل ثم خروج ذلك من بطونها لعاباً أو قيئاً يقتضي فكرة بليغة.

ولما ذكر بعض عجائب أحوال الحيوان أتبعه عجيب خلق الإنسان فقال: ﴿ والله خلقكم ﴾ ولم تكونوا شيئاً ﴿ ثم يتوفاكم ﴾ عند انقضاء آجالكم ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ إلى أخسه وأحقره.

عن علي  هو خمس وسبعون سنة.

وعن قتادة تسعون سنة.

وقال السدي: هو حالة الخرف دليله قوله: ﴿ لكيلا يعلم بعد علم شيئاً ﴾ أي ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفل في النسيان وعدم التذكر وقيل: لئلا يعقل بعد عقله الأول شيئاً أي لا يعلم زيادة علم على علمه.

وقيل: إن الرد إلى أرذل العمر ليس في المسلمين والمسلم لا يزداد بسبب العمر إلا كرامة على الله  ونظير الآية قوله: ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات  ﴾ .

واعلم أن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع: أوّلها سن النشوء، وثانيها سن الوقوف وهو سن الشباب، وثالثها الانحطاط الخفي اليسير وهو سن الكهولة، ورابعها سن الانحطاط الظاهر وهو سن الشيخوخة.

وذكر الأطباء وأصحاب الطبيعي أن بدن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث وهما جوهران حارّان رطبان، والحرارة إذا عملت في الجسم الرطب قلت رطوبته فلا يزال في هذين الجوهرين من قوة الحرارة يقلل ما في العضو من الرطوبة حتى يتصلب ويظهر العظم والغضروف والعصب والوتر والرباط وسائر الأعضاء، فإذا تم تكوين البدن وكمل فعند ذلك ينفصل الجنين من رحم الأم وتكون رطوبة البدن بعد زائدة على حرارته، فتكون الأعضاء قابلة للتمدد والازدياد والنماء وهو سن النشو وغايته إلى ثلاثين أو إلى خمس وثلاثين سنة، ثم تصير رطوبات البدن أقل وتكون وافية بحفظ الحرارة الغريزية الأصلية إلا أنها لا تكون زائدة على هذا القدر وهو سن الوقوف والشباب وغايته وحينئذ يظهر النقصان قليلاً إلى ستين سنة وهي سن الكهولة، ثم يظهر جداً إلى تمام مائة وعشرين سنة.

قال المتكلمون: هذا التعليل ضعيف لأن رطوبات البدن في حال كونه منياً ودماً كانت كثيرة ولذلك كانت الحرارة الغريزية مغمورة، ثم إنها مع ذلك كانت قوية على تحليل أكثر الرطوبات حتى نقلتها من حد الدموية والمنوية إلى أن صارت عظماً وغضروفاً وعصباً ورباطاً، فعندما تولدت الأعضاء وكمل البدن وقلت الرطوبات وجب أن تقوى الحرارة الغريزية قوّة أزيد مما كانت قبل ذلك فوجب أن يكون تحليل الرطوبات بعد تولد البدن وكماله أكثر من تحليلها قبل تولد البدن وليس الأمر كذلك، لأنه قبل تولد البدن انتقل جسم الدم والمني إلى أن صار عظماً وعصباً، أما بعد تولد البدن فلم يحصل مثل هذا الانتقال ولا عشر عشيره، فعلمنا أن البدن إنما يتولد بتدبير قادر حكيم لا لأجل ما قالوه.

وبوجه آخر الحرارة الحاصلة في بدن الإنسان الكامل الغريزة إما أن تكون هي عين ما كان حاصلاً في جوهر النطفة، أو صارت أزيد مما كانت.

والأول باطل لأن الحار الغريزي الحاصل في جوهر النطفة كان بمقدار جرم النطفة، فإذا كبر البدن وجب أن لا يظهر منه في هذا البدن تأثير أصلاً.

وأما الثاني ففيه تسليم أن الحرارة تتزايد بحسب تزايد الجثة، ولا ريب أن تزايدها يوجب تزايد القوة والصحة ساعة فساعة فيلزم أن لا ينهدم البدن الحيواني أبداً وليس كذلك.

وبوجه ثالث هب أن الرطوبة الغريزية صارت معادلة للحرارة الغريزية فلم قلتم إن الحرارة الغريزية يجب أن تصير أقل مما كانت حتى ينتقل الإنسان من سن الشباب إلى سن النقصان؟

قالوا: السبب فيه أنه إذا حصل هذا الاستواء فالحرارة الغريزية بعد ذلكتؤثر في تجفيف الرطوبة الغريزية فتقل الرطوبات الغريزية حتى صارت بحيث لا تفي بحفظ الحرارة الغريزية، وإذا حصلت هذه الحال ضعفت الحرارة الغريزية أيضاً لأن الرطوبات الغريزية كالغذاء للحرارة الغريزية، فإذا قل الغذاء ضعف المغتذي فينتهي الأمر إلى أن لا يبقى من الرطوبة شيء، لأن الحرارة الغريزية توجب قلة الرطوبة الغريزية وقلتها توجب ضعف الحرارة الغريزية فيلزم من ضعف إحداهما ضعف الأخرى فتنطفىء الحرارة أيضاً ويحصل الموت.

وأورد عليهم أن الحرارة إذا أثرت في تجفيف الرطوبة وقلتها فلم لا يجوز أن تورد القوة الغاذية بدلها؟

فأجابوا بأن القوة الغاذية لا تفي بإيراد البدل.

قال الإمام فخر الدين الرازي راداً عليهم.

إن القوة الغاذية إنما تعجز عن هذا الإيراد إذا كانت الحرارة الغريزية ضعيفة وذلك ممنوع، وإنما تكون الحرارة الغريزية ضعيفة أن لو قلت الرطوبة الغريزية، وإنما تحصل هذه القلة إذا عجزت الغاذية عن إيراد البدل وهذا دور محال، فيثبت أن إسناد هذه الأحوال إلى الطبائع والقوى غير ممكن فيعين إسنادها إلى القادر المختار الحكيم، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن الله عليم قدير ﴾ يعلم مقادير المصالح والمفاسد ويقدر على تحصيلها كما يريد.

وأما الطبيعة فجاهلة عاجزة.

قلت: لا شك أن نسبة هذه الأمور إلى مجرد الطبيعة كفر وجهل، لأنها ليست واجبة الوجود بالاتفاق ولكن إنكار القوى والطبائع أيضاً بعيد عن الإنصاف.

والحق أنها وسائط وآلات لما فوقها من المبادىء والعلل إلى أن ينتهي الأمر إلى مسبب الأسباب ومبدأ الكل، وقد ثبت عند الحكيم أن كل قوة جسمانية فإنها متناهية الأثر فلا محالة تعجز القوة الغاذية آخر الأمر عن إيراد بدل ما يتحلل فيحل الأجل بتقدير العليم القدير.

التأويل: ﴿ ولو يؤاخذ الله ﴾ النفوس الناسية ﴿ بما ظلمت ﴾ على القلوب والأرواح ﴿ ما ترك على ﴾ أرض البشرية صفة من صفات الحيوانية.

ولكن يؤخر أهل السعادة إلى أجلهم وهو إفناء صفات النفس بصفات القلب والروح في حينه وأوانه، ويؤخر أهل الشقاء إلى أوان العكس من ذلك.

﴿ ويجعلون لله ما يكرهون ﴾ أي يعاملون الله بأعمال يكرهون أن يعاملهم بها غيرهم وتسوّل لهم أنفسهم أن تلك المعاملة حسنة.

والله أنزل من سماء العزة ماء بيان القرآن فأحيا به أرض قلوب الأمم بعد موتها باختلافهم على أنبيائهم ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ﴾ كلام الله من الله ﴿ وإن لكم في الأنعام ﴾ النفوس ﴿ لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ﴾ الخاطر الشيطاني ﴿ ودم ﴾ الخاطر النفساني ﴿ لبناً خالصاً ﴾ من الإلهام الرباني ﴿ سائغاً للشاربين ﴾ جائزاً لأهل هذا الشرب ﴿ ومن ثمرات ﴾ نخيل الطاعات وأعناب المجاهدات ﴿ تتخذون منه سكراً ﴾ هو ما يجعل منها شرب النفس فتسكر النفس فتارة تميل عن الحق والصراط المستقيم ميلان السكران، وتارة تظهر رعوناتها بالأفعال والأحوال رياء وسمعة وشهوة.

والرزق الحسن ما يكون منه شرب القلب والروح فيزداد منه الشوق والمحبة والصدق والطلب: شربت الحب كأساً بعد كأس *** فما نفد الشراب وما رويت ﴿ وأوحى ربك إلى النحل ﴾ إشارة إلى حال السالك السائر ﴿ أن اتخذي من الجبال بيوتاً ﴾ أراد الاعتزال عن الخلق والتبتل إلى الله.

كان رسول الله  يتحنث في غار حراء أسبوعاً وأسبوعين وشهراً، ولا بد أن يتنظف كما أن النحل يحترز عن التلوث.

وفيه أن نحل الأرواح اتخذت من جبال النفوس بيوتاً ومن شجر القلوب ومما يعرشون من الأسرار ﴿ ثم كلي من الثمرات فاسلكي سبل ربك ﴾ نظير قوله: ﴿ كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً ﴾ \[المؤمنون: 51\] فثمرات البدن الأعمال الصالحات، وثمرات النفوس الرياضيات ومخالفات الهوى، وثمرات القلوب ترك الدنيا والتوجه إلى المولى، وثمرات الأسرار شواهد الحق والتطلع على الغيوب والتقرب إلى الله، وهذه كلها أغذية نحل الأرواح فإنها بقوّة هذه الأغذية تسلك السبل إلى أن تصل إلى المقعد الصدق عند مليكها، فيكون غذاؤها مكاشفات الحق ومشاهداته فتبيت عند ربها يطعمها ويسقيها، فحينئذ يخرج من بطونها شراب الحكم والمواعظ مختلف الألوان من المعاني والأسرار والدقائق والحقائق ﴿ فيه شفاء ﴾ للقلوب الناسية القاسية عن ذكر الله ﴿ والله خلقكم ﴾ أخرجكم من العدم إلى الوجود ﴿ ثم يتوفاكم ﴾ عن الوجود المجازي ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ وهو مقام الفناء في الله ﴿ لكيلا يعلم ﴾ بعد فناء علمه شيئاً يعلمه بل يعلم بربه الأشياء كما هي والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً ﴾ فائدة ذكر هذا لنا - والله أعلم - لئلا نتبع بعض المخلوقين بأهوائنا، ولا نكل في أمورنا إلى من نعلم أنه لا يملك ضرّاً ولا نفعاً، ولا يستطيع شيئاً من الرزق، كما تبع أولئك في عبادة من يعلمون أنه لا يملك شيئاً، ولا نفعاً ولا ضرّاً فيعبدونه؛ يذكر سفههم في عبادتهم من يعلمون أنه لا يملك شيئاً من النفع والضر والرزق لئلا نعمل نحن مثل صنيعهم بمن دون الله من المخلوقين.

ثم اختلف في قوله: ﴿ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً ﴾ قال الحسن: هو على التقديم، أي: يعبدون من دون الله شيئاً لا يملك لهم ما ذكر.

وقال بعضهم: يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض، ولا يستطيعون شيئاً.

وقال بعضهم: يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض ولا [يستطيعون] شيئاً.

وقال بعضهم: يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض ولا شيئاً ﴿ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ ﴾ أي: لا تتخذوا لله أمثالا من الخلق وأشباها في ألوهيته وعبادته، أو لا تقولوا لله إن له أشباهاً وأمثالا.

أو يقول: فلا تجعلوا لله أمثالا في العبادة له، وأشباها في تسميتها آلهة، على علم منكم أن ما يكون لكم إنما يكون بالله لا بالأصنام التي تجعلونها أمثالا لله في العبادة والألوهية.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ ﴾ أي: فلا تضربوا لأولياء الله الأمثال، فإنه قد بين محل أوليائه ومكانهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ ﴾ أن لا مثل له من الخلق ولا شبه ﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ذلك، أو أن الله يعلم بمصالحكم، وأنتم لا تعلمون ما به صلاحكم وهلاككم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً ﴾ ضرب المثل بهذا من وجهين: أحدهما: أن من لا يقدر ولا يملك أن ينفق في الشاهد عندكم ليس كمن يملك ويقدر أن ينفق، فهو كقوله: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ  ﴾ أي: ليس يستوى البصير والأعمى، ولا الأصم والسميع، فعلى ذلك لا يستوي من يملك الإنفاق والإنعام على الخلق، وهو المعبود الحق، كمن لا يملك ذلك، وهو المعبود الباطل.

والثاني: ضرب مثل المؤمن والكافر، أن الكافر لا ينفق ما أنعم عليه من المال في طاعة الله [وفي خيراته]، والمؤمن ينفق جميع ما أنعم عليه [وأعطى] في طاعة الله وخيراته فليسا بسواء من أنفق في طاعة الله كمن لا ينفق شيئاً أحدهما يكون ضرب مثل الإله الحق والمعبود الحق بالمعبود الباطل، والثاني مثل المؤمن بالكافر ثم في الآية وجوه من الدلائل.

إحداها: أن القدرة لا تفارق الفعل، حيث قال: ﴿ عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ ﴾ ثم قال: ﴿ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ ﴾ جعل مقابل الفعل القدرة، فلو كانت تفارق الفعل لكان ذكر مقابل القدرة [قدرة] مثلها، أو مقابل الفعل فعلا مثله، فلما ذكر مقابل القدرة الفعل دل أنها لا تفارق الفعل، وفيه أن العبد لا يملك حقيقة الملك، حيث ذكر عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وإن قدر [على] ما يملك إنما يملك بإذن من له الملك، وكذلك الخلائق كلهم لا يملكون حقيقة الإملاك، إنما حقيقة الملك في الأشياء لله وإن قدر[وا على] ما يملكون إنما يملكون بالإذن على قدر ما أذن لهم.

وفيه أن العبد لا يملك الإنفاق والتصدق، حيث قال: ﴿ عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ ﴾ ثم قال فيمن يملك: ﴿ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ ﴾ دل أنه لا يملك العبد الإنفاق والهبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ يَسْتَوُونَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ قال بعضهم: ذكر الحمد لله على إثر ما ذكر؛ لأنه عرّف رسوله النعم وأنواع المنافع، ثم عرفه على إثر [ذلك] الحمد لله.

وقال بعضهم: الحمد لله ثناء، أخبر أن أكثرهم لا يعلمون حمد الله وثناءه.

وقوله: ﴿ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً ﴾ أي: من أوليائنا، أو من أولياء ديننا، وذلك جائز سائغ في اللغة، ثم قوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ يحتمل نفي العلم عنهم لما لم ينتفعوا بما علموا، أو على حقيقة النفي لما لم ينظروا في الآيات والحجج، ولم يتأملوا فيها فلم يعلموا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ...

﴾ إلى آخر الآية.

قالوا: هذا المثل كالأوّل، يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما في الأوّل.

أحدهما: المؤمن والكافر، شبه الكافر بالمملوك الأبكم الذي لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه، لا يأتي المولى بخير، ولا ينتفع به، وشبه المؤمن بالذي يأتي المولى بكل خير ونفع، يقول: هل استوى هذا مع هذا عندكم؟

لا يستوي، فعلى ذلك لا يستوي الكافر الذي لا يعمل شيئاً من طاعة الله، ولا يأتي بخير والمؤمن الذي يعمل كل طاعة الله، ويأتي بكل خير، ويأمر بكل عدل.

والثاني: ضرب مثل الإله المعبود الحق بالمعبود الباطل، يقول: هل يستوي من أتاكم بكل نعمة وكل خير، ويأمر بكل عدل، بمن هو أبكم لا يقدر على شيء، ولا يضرّ، ولا ينفع، ولا يجيب، وهو عيال على من يعبده ويخدمه، هل يستوى هذا مع ذلك؟

لا يستويان مثلا ألبتة غير أن المثل هاهنا ضرب بالذي لا ينفق بالحق، ولا يأمر بالعدل، ذكر مقابل الأبكم الذي يأمر بالعدل، وفي الأول ضرب مثل الذي لا يملك الإنفاق بالذي يملك الإنفاق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ أي: هو على الحق المستقيم، وهو المعبود بالحق.

قال أبو عوسجة الكل: العيال، وكذلك قال غيره من أهل الأدب.

وقال بعضهم: الكل الفقير، وهو واحد، والأبكم: الأخرس، وهو الذي لا ينطق ألبتة.

وقال: ﴿ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ﴾ بالتوحيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: ما ذكر أهل التأويل من السؤال عن الساعة وعن وقتها، كقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ لخفائها على أهلها؛ لأن كل خفي ثقيل، أخبر أنه لا يجليها إلا لوقتها، فوقت قيامها لا يعلمه غيره.

والثاني: ولله علم ما غيب أهل السماوات وأهل الأرض، أي: ما غيب بعضهم من بعض، فذلك ليس بمغيب عن الله بل ما غاب عن الخلق وما ظهر لهم، فذلك لله كله ظاهر بمحل واحد، وهو كقوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ  ﴾ .

والثالث: قوله: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: له علم ما في سرية هذه الأشياء الظاهرة ما لا سبيل للخلق إلى علم ذلك، وإن كانوا يعلمون هذه الأجسام والأشياء الظاهرة، وتقع حواسهم عليها لا يعلمون ما في سرّيتها: من نحو الماء الذي به حياة كل شيء، ونحو النطفة التي يخلق منها الإنسان - لا يعلمون المعنى الذي به يصير إنساناً، ومن نحو السمع والبصر والعقل يعلمون ويرون ظواهر [هذه] الحواس، ولكن لا يدركون المعنى الذي به يسمع وبه يبصر وبه يعقل ويفهم.

يقول - والله أعلم -: ولله علم ما غاب عن الخلق ما في هذه الأشياء الظاهرة والأجسام المرئية.

أو يقول: ولله ملك ما غاب عن أهل السماوات والأرض، وملك ما لم يغب عنهم وظهر؛ فيكون كقوله: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ كأنه قال - والله أعلم - ولله العلم الذي غيب عن أهل السماوات وأهل الأرض، وهي الساعة: لم يطلع عليها غيره.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ ﴾ .

قال بعضهم قوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ أهون على الله وأيسر من لمح البصر؛ [إذ ليس شيء أيسر وأهون على الإنسان من لمح البصر؛ لأنه يلمح البصر] ﴿ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ .

[أي:] بل هو أقرب، أي: أيسر من لمح البصر.

وقال الحسن: إعادة الخلق على الله أيسر وأهون من لمح البصر؛ لأنه يلمح بصره فيبصر به - بلحظة - ما بين الأرض إلى السماء، وهو مسيرة خمسمائة عام.

يقول: من قدر أن ينشئ في خلق من خلائقه ما يبصره بلمحة البصر مسيرة خمسمائة عام - لقادر على إعادة الخلق وبعثهم بعد الفناء، بل هو أقرب أي: إعادته إياهم أسرع وأقرب من لمح البصر، إلى هذا يذهب الحسن.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ أي: ما وقت قيام الساعة إلا لمح البصر، أي: ليس بين وقت قيامها وبين كونها إلا لمح البصر، بل هو أقرب من لمح البصر، لكنه مثل لمح البصر لما ليس شيء عند الناس أسرع وأهون من لمح البصر، ولما ذكرنا أنه يلمح [البصر] ولا يشعر به لسرعته ولخفته عليه؛ فذكر هذا على التمثل، ليس على إرادة حقيقة الوقت بقدر لمح البصر، ولكن على المبالغة في السرعة، وذكر أقصى ما يقع في الأوهام ويتصور؛ من نحو ما قال: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ  وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ  ﴾ ، وما قال: ﴿ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ  ﴾ ، ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً  ﴾ ، ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً  ﴾ ، وأمثاله كله يذكر على التمثيل ليس على التحقيق، أي: فمن يعمل من قليل وكثير يره، شرّاً كان أو خيراً، وكذلك ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً  ﴾ و ﴿ نَقِيراً  ﴾ ، أي: لا يظلمون شيئاً، وكذا ﴿ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ  ﴾ ، أي: لا يملكون شيئاً؛ لأن القطمير لا يملك؛ فإنما يذكر هذا وأمثاله على التمثيل الذي ذكرنا.

أو أن يكون تأويل قوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ ﴾ ، أي: ليس ما بين الساعة وبينكم مما مضى من الوقت إلا قدر لمح البصر، أي: لم يبق من وقت قيامها ممّا مضى إلا ما ذكر من لمح البصر أو أقرب مما ذكر على الاستقصار مما بقي.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

وعلى البعث والإعادة، وعلى كل شيء، لا يعجزه شيء.

وظاهر الآية ينقض على المعتزلة قولهم؛ لإنكارهم خلق أفعال العباد؛ لأنه أخبر أنه على كل شيء قدير، وعلى قولهم: هو غير قادر على العالم بشيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ .

يذكر بهذا قدرته وسلطانه على ما سبق: من ذكر سرعة القيامة، والعلم بها، والحكمة التي جعل في البعث؛ فقال: ﴿ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ : خلق الولد في ظلمات ثلاث، وجعل غذاه بغذاء الأمهات وبقواهن، ثم تقلبه في تلك الظلمات من حال إلى حال: ما لو اجتهد الخلائق أن يعلموا اغتذاءه بغذاء الأمهات، وتقليبه من حال إلى حال، ومن جوهر إلى جوهر - ما قدروا على ذلك؛ فيدل هذا على أن من قدر على هذا، وعلم هذا في تلك الظلمات لقادر على البعث وإعادة الخلق بعد الفناء، وعلْم ما غاب عن الخلق.

ويذكرنا ابتداء أحوالنا أنه أخرجنا من بطون أمهاتنا ونحن لا نعلم شيئاً، ثم صيّرنا بحال صرنا عالمين أشياء، يذكرنا نعمه ومننه علينا في بلوغنا إلى الأحوال التي صرنا إليها بعدما كنا ما ذكر.

والثاني: يذكرنا أنكم كنتم بالحال التي ذكر؛ لنعلم أنه صيرنا في البطون بلا استعانة بأحد منا ولا عون منه إلى أحد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ ﴾ .

فمن قدر على جعل السمع حتى يسمع الأصوات ويميز بينها، والبصر ليبصر ويميز بين ألوان الأجسام، والفؤاد ليفهم ويعقل ما له وما عليه، ما لا يدركون ماهية ما به يسمعون ويبصرون ويعقلون، وما به يميزون بين ما ذكرنا فهو قادر على إنشاء الخلق بعد الفناء والإعادة بعد الموت.

ثم ذكر على أثر قوله: ﴿ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ : السمع والبصر والأفئدة؛ فذلك يدل على أن هذه الأشياء من أسباب العلم بالأشياء، بها يوصل إلى العلم بالأشياء؛ فمن أعطي أسباب العلم بالشيء فكأنْ قد أعطي له العلم به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ .

هو حرف شك في الظاهر؛ ذكر - والله أعلم - لأنه لا كل الناس يشكرون نعمه، أو لكي يلزمهم الشكر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والله أخرجكم -أيها الناس- من بطون أمهاتكم بعد انقضاء وفت الحمل أطفالًا لا تدركون شيئًا، وجعل لكم السمع لتسمعوا به، والأبصار لتبصروا بها، والقلوب لتعقلوا بها؛ رجاء أن تشكروه على ما أنعم به عليكم منها.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZRD9k"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله