تفسير الآية ٨٧ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٨٧ من سورة النحل

وَأَلْقَوْا۟ إِلَى ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ٨٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 74 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٨٧ من سورة النحل من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٨٧ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وألقوا إلى الله يومئذ السلم ) - قال قتادة ، وعكرمة : ذلوا واستسلموا يومئذ ، أي : استسلموا لله جميعهم ، فلا أحد إلا سامع مطيع ، كما قال : ( أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا ) [ مريم : 38 ] أي : ما أسمعهم وما أبصرهم يومئذ !

وقال تعالى : ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ) [ السجدة : 12 ] وقال : ( وعنت الوجوه للحي القيوم ) [ طه : 111 ] أي : خضعت وذلت واستكانت وأنابت واستسلمت .

( وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون ) أي : ذهب واضمحل ما كانوا يعبدونه افتراء على الله فلا ناصر لهم ولا معين ولا مجيز .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وألقى المشركون إلى الله يومئذ السلم يقول: استسلموا يومئذ وذَلُّوا لحكمه فيهم، ولم تغن عنهم آلهتهم التي كانوا يدعون في الدنيا من دون الله، وتبرأت منهم، ولا قومهم، ولا عشائرهُم الذين كانوا في الدنيا يدافعون عنهم ، والعرب تقول: ألقيت إليه كذا تعني بذلك قلت له .

وقوله ( وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) يقول: وأخطأهم من آلهتهم ما كانوا يأملون من الشفاعة عند الله بالنجاة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ ) يقول: ذلوا واستسلموا يومئذ ( وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) .

-------------------------------------------------------------------------------- الهوامش: (1) البيت لمحمد بن نمير الثقفي، وكان يشبب بزينب أخت الحجاج بن يوسف الثقفي فتوعده، فهرب منه (خبره في الكامل للمبرد 289) والبيت من كلمة له (الكامل 376)، وفي (اللسان: رأي) قال.

قال: الفراء الرئي: المنظر وأهل المدينة يقرءون الآية (وريا) بغير همز.

قال: وهو وجه جيد من رأيت، لأنه من آيات لسن مهموزات الأواخر.

وقال الجوهري: من همزه جعله من المنظر من رأيت، وهو: ما رأته العين من حال حسنة، وكسوة ظاهرة.

وأنشد أبو عبيد لمحمد بن نمير الثقفي: أشــاقتك الظعــائن يــوم بـانوا بـذي الـرئى الجـميل مـن الأثـاث ومن لم يهمزه: إما أن يكون على تخفيف الهمزة، أو يكون من رويت ألوانهم وجلودهم، أي امتلأت وحسنت.

وأثاثا: أي متاعا.

قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن (1: 365).

(2) البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (ص 176) قال: وقوله (سرابيل تقيكم الحر) ولم يقل "والبرد" فترك، لأن معناه معلوم، والله أعلم، كقول الشاعر: "وما أدري ...

الخ البيت".

يريد أن الخير والشر يليني، لأنه إذا أراد الخير، فهو يتقي الشر أ ه.

وقد أفصح الشاعر في البيت الذي بعده عن مراده، وهو موافق لما قالوا: أَأَلْخَـــيْرُ الَّــذِي أنــا أبْتَغِيــهِ أمِ الشَّــرُّ الَّــذِي هُــوَ يَبْتَغِينـي? والبيتان: لسحيم بن وثيل الرياحي، من قصيدة مطلعها: أفــاطِمَ قَبْــلَ بَيْنِــكِ مَتَّعِينــي ومَنْعُــكِ مـا سـألْتِ كـأنْ تَبِينـي (3) قال في اللسان: في حديث أم زرع: وأراح على نعما ثريا: أي أعطاني.

قال: والترويح: كالإراحة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وألقوا إلى الله يومئذ السلم يعني المشركين ، أي استسلموا لعذابه وخضعوا لعزه .

وقيل : استسلم العابد والمعبود وانقادوا لحكمه فيهم .وضل عنهم ما كانوا يفترون أي زال عنهم ما زين لهم الشيطان وما كانوا يؤملون من شفاعة آلهتهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فحينئذ استسلموا لله، وخضعوا لحكمه وعلموا إنهم مستحقون للعذاب.{ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } فدخلوا النار وقد امتلأت قلوبهم من مقت أنفسهم ومن حمد ربهم وأنه لم يعاقبهم إلا بما كسبوا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وألقوا ) يعني المشركين ( إلى الله يومئذ السلم ) استسلموا وانقادوا لحكمه فيهم ، ولم تغن عنهم آلهتهم شيئا ، ( وضل ) وزال ، ( عنهم ما كانوا يفترون ) من أنها تشفع لهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وألقوا إلى الله يومئذ السلم» أي استسلموا لحكمه «وضل» غاب «عنهم ما كانوا يفترون» من أن آلهتهم تشفع لهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأظهر المشركون الاستسلام والخضوع لله يوم القيامة، وغاب عنهم ما كانوا يختلقونه من الأكاذيب، وأن آلهتهم تشفع لهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولذا وجدنا المشركين يعجزون عن الرد على شركائهم ، بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك : ( وَأَلْقَوْاْ إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) .أى : وألقى المشركون يوم القيامة ( السلم ) أى : الاستسلام والخضوع والانقياد ، لقضاء الله - تعالى - العادل فيهم ، وغاب وذهب عنهم ما كانوا يفترونه ويزعمونه فى الدنيا من أن آلهتهم ستشفع لهم ، أو ستنفعهم يوم القيامة .وقيل : إن الضمير فى قوله - تعالى - ( وألقوا ) يعود على المشركين وشركائهم .

أى .

استسلم العابدون والمعبدون وانقادوا لحكم الله الواحد القهار فيهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا أيضاً من بقية وعيد المشركين، وفي الشركاء قولان: القول الأول: أنه تعالى يبعث الأصنام التي كان يعبدها المشركون، والمقصود من إعادتها أن المشركين يشاهدونها في غاية الذلة والحقارة.

وأيضاً أنها تكذب المشركين، وكل ذلك مما يوجب زيادة الغم والحسرة في قلوبهم، وإنما وصفهم الله بكونهم شركاء لوجهين: الأول: أن الكفار كانوا يسمونها بأنها شركاء الله.

والثاني: أن الكفار جعلوا لهم نصيباً من أموالهم.

والقول الثاني: أن المراد بالشركاء الشياطين الذين دعوا الكفار إلى الكفر، وهو قول الحسن، وإنما ذهب إلى هذا القول، لأنه تعالى حكى عن أولئك الشركاء أنهم ألقوا إلى الذين أشركوا إنهم لكاذبون، والأصنام جمادات فلا يصح منهم هذا القول، فوجب أن يكون المراد من الشركاء الشياطين حتى يصح منهم هذا القول وهذا بعيد، لأنه تعالى قادر على خلق الحياة في تلك الأصنام وعلى خلق العقل والنطق فيها، وحينئذ يصح منها هذا القول، ثم حكى تعالى عن المشركين أنهم إذا رأوا تلك الشركاء قالوا: ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك.

فإن قيل: فما فائدتهم في هذا القول؟

قلنا: فيه وجهان: الأول: قال أبو مسلم الأصفهاني: مقصود المشركين إحالة الذنب على هذه الأصنام وظنوا أن ذلك ينجيهم من عذاب الله تعالى أو ينقص من عذابهم، فعند هذا تكذبهم تلك الأصنام.

قال القاضي: هذا بعيد، لأن الكفار يعلمون علماً ضرورياً في الآخرة أن العذاب سينزل بهم وأنه لا نصرة ولا فدية ولا شفاعة.

والقول الثاني: أن المشركين يقولون هذا الكلام تعجباً من حضور تلك الأصنام مع أنه لا ذنب لها واعترافاً بأنهم كانوا مخطئين في عبادتها.

ثم حكى تعالى أن الأصنام يكذبونهم، فقال: ﴿ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لكاذبون ﴾ والمعنى: أنه تعالى يخلق الحياة والعقل والنطق في تلك الأصنام حتى تقول هذا القول، وقوله: ﴿ إِنَّكُمْ لكاذبون ﴾ بدل من القول، والتقدير: فألقوا إليهم إنكم لكاذبون.

فإن قيل: إن المشركين ما قالوا إلا أنهم لما أشاروا إلى الأصنام قالوا: إن هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك وقد كانوا صادقين في كل ذلك، فكيف قالت الأصنام إنكم لكاذبون؟.

قلنا: فيه وجوه: والأصح أن يقال المراد من قولهم هؤلاء شركاؤنا هو أن هؤلاء الذين كنا نقول إنهم شركاء الله في المعبودية، فالأصنام كذبوهم في إثبات هذه الشركة.

وقيل: المراد إنكم لكاذبون في قولكم إنا نستحق العبادة ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بعبادتهم  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَأَلْقَوْاْ إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم ﴾ قال الكلبي: استسلم العابد والمعبود وأقروا لله بالربوبية وبالبراءة عن الشركاء والأنداد: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ وفيه وجهان: وقيل: ذهب عنهم ما زين لهم الشيطان من أن لله شريكاً وصاحبة وولداً.

وقيل: بطل ما كانوا يأملون من أن آلهتهم تشفع لهم عند الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

إن أرادوا بالشركاء آلهتهم، فمعنى ﴿ شُرَكَآؤُنَا ﴾ آلهتنا التي دعوناها شركاء.

وإن أرادوا الشياطين، فلأنهم شركاؤهم في الكفر وقرناؤهم في الغيّ: و ﴿ ندعو ﴾ بمعنى نعبد.

فإن قلت: لم قالوا: ﴿ إِنَّكُمْ لكاذبون ﴾ وكانوا يعبدونهم على الصحة؟

قلت: لما كانوا غير راضين بعبادتهم فكأن عبادتهم لم تكن عبادة.

والدليل عليه قول الملائكة ﴿ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن ﴾ [سبأ: 41] يعنون أن الجن كانوا راضين بعبادتهم لا نحن، فهم المعبودون دوننا.

أو كذبوهم في تسميتهم شركاء وآلهة تنزيها لله من الشريك.

وإن أريد بالشركاء الشياطين، جاز أن يكون ﴿ كاذبين ﴾ في قولهم ﴿ إِنَّكُمْ لكاذبون ﴾ كما يقول الشيطان: إني كفرت بما أشركتموني من قبل ﴿ وَأَلْقَوْاْ ﴾ يعني الذين ظلموا.

وإلقاء السلم: الاستسلام لأمر الله وحكمه بعد الإباء والاستكبار في الدنيا ﴿ وَضَلَّ عَنْهُم ﴾ وبطل عنهم ﴿ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ من أن لله شركاء، وأنهم ينصرونهم ويشفعون لهم حين كذبوهم وتبرؤا منهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ ﴾ عَذابَ جَهَنَّمَ.

﴿ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ ﴾ أيِ العَذابُ.

﴿ وَلا هم يُنْظَرُونَ ﴾ يُمْهَلُونَ.

﴿ وَإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ ﴾ أوْثانَهُمُ الَّتِي ادَّعَوْها شُرَكاءَ، أوِ الشَّياطِينَ الَّذِينَ شارَكُوهم في الكُفْرِ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ.

﴿ قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ ﴾ نَعْبُدُهم أوْ نُطِيعُهم، وهو اعْتِرافٌ بِأنَّهم كانُوا مُخْطِئِينَ في ذَلِكَ، أوِ التِماسٌ لِأنْ يُشْطَرَ عَذابُهم.

﴿ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ ﴾ أيْ أجابُوهم بِالتَّكْذِيبِ في أنَّهم شُرَكاءُ اللَّهِ، أوْ أنَّهم ما عَبَدُوهم حَقِيقَةً وإنَّما عَبَدُوا أهْواءَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ﴾ ولا يَمْتَنِعُ إنْطاقُ اللَّهِ الأصْنامَ بِهِ حِينَئِذٍ، أوْ في أنَّهم حَمَلُوهم عَلى الكُفْرِ وألْزَمُوهم إيّاهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَلْقَوْاْ} يعني الذين ظلموا {إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم} إلقاء السلم الاستسلام لأمر الله وحكمه بعد الإباء والاستكبار في الدنيا {وَضَلَّ عَنْهُم} وبطل عنهم {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من أن لله شركاء وأنهم ينصرونهم ويشفعون لهم حين كذبوهم وتبرءوا منهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وألْقَوْا ﴾ أيِ الَّذِينَ أشْرَكُوا، وقِيلَ: هم وشُرَكاؤُهم جَمِيعًا، والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ ﴿ إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ ﴾ الِاسْتِسْلامَ والِانْقِيادَ لِحُكْمِهِ تَعالى العَزِيزِ الغالِبِ بَعْدَ الإباءِ والِاسْتِكْبارِ في الدُّنْيا فَلَمْ يَكُنْ لَهم إذْ ذاكَ حِيلَةٌ ولا دَفْعٌ.

ورَوى يَعْقُوبُ عَنْ أبِي عَمْرٍو وأنَّهُ قَرَأ «(السَّلْمَ)» بِإسْكانِ اللّامِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ (السُّلُمَ) بِضَمِّ السِّينِ واللّامِ ﴿ وضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ ضاعَ وبَطَلَ ﴿ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ مِنَ أنَّ للَّهِ سُبْحانَهُ شُرَكاءَ وأنَّهم يَنْصُرُونَهم ويَشْفَعُونَ لَهم حِينَ سَمِعُوا ما سَمِعُوا.

* * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴾ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ ورُؤْيَتِهِ مِنهُ ﴿ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ ﴾ مِنَ النِّعْمَةِ بِالغَفْلَةِ عَنْ مُنْعِمِها ﴿ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ وبالَ ذَلِكَ أوْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ بِظُهُورِ التَّوْحِيدِ أنْ لا تَأْثِيرَ لِغَيْرِهِ تَعالى في شَيْءٍ ﴿ ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ ﴾ فَيَعْتَقِدُونَ فِيهِ مِنَ الجَهالاتِ ما يَعْتَقِدُونَ وهو السَّوِيُّ ﴿ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ ﴾ فَيَقُولُونَ: هو أعْطانِي كَذا ولَوْ لَمْ يُعْطِنِي لَكانَ كَذا ﴿ وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ ﴾ الإشارَةُ فِيهِ عَلى ما في أسْرارِ القُرْآنِ إلى ما تَشْرَبُهُ الأرْواحُ مِمّا يَحْصُلُ في العُقُولِ الصّافِيَةِ بَيْنَ النَّفْسِ والقَلْبِ مِن زُلالِ بَحْرِ المُشاهَدَةِ وهُناكَ مَنازِلُ اعْتِبارِ المُعْتَبِرِينَ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا ﴾ عَلى ما فِيهِ أيْضًا إلى ما تَتَّخِذُهُ الأرْواحُ والأسْرارُ مِن ثَمَراتِ نَخِيلِ القُلُوبِ وأعْنابِ العُقُولِ مِن خَمْرِ المَحَبَّةِ والأُنْسِ الآخِذَةِ بِها إلى حَضِيرَةِ القُدْسِ: ولَوْ نَضَحُوا مِنها ثَرى قَبْرِ مَيِّتٍ لَعادَتْ إلَيْهِ الرُّوحُ وانْتَعَشَ الجِسْمُ ﴿ وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ ﴾ قِيلَ أيْ نَحْلَ الأرْواحِ ﴿ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ ﴾ أيْ جِبالِ أنْوارِ الذّاتِ ﴿ بُيُوتًا ﴾ مَقارُّ لِـ تَسْكُنِينَ فِيها ﴿ ومِنَ الشَّجَرِ ﴾ أيْ ومِن أشْجارِ أنْوارِ الصِّفاتِ ﴿ ومِمّا يَعْرِشُونَ ﴾ أنْوارُ عُرُوشِ الأفْعالِ ﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ﴾ أيْ مِن ثَمَراتِ تِلْكَ الأشْجارِ الصَّفاتِيَّةِ ونُورِ بَهاءِ الأنْوارِ الذّاتِيَّةِ وأزْهارِ الأنْوارِ الإفْعالِيَّةِ ﴿ فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ﴾ وهي صَحارى قُدْسِهِ تَعالى وبَرارِي جَلالِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ ذُلُلا ﴾ مُنْقادَةً لِما أُمِرَتْ بِهِ ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ ﴾ وهو شَرابُ مَعْرِفَتِهِ تَعالى بِقِدَمِ جَلالِهِ وعِزِّ بَقائِهِ وتَقَدُّسِ ذاتِهِ سُبْحانَهُ ﴿ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ ﴾ بِاخْتِلافِ الثَّمَراتِ ﴿ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ ﴾ لِكُلِّ مَرِيضِ المَحَبَّةِ وسَقِيمِ الإلْفَةِ ولَدِيغِ الشَّوْقِ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِالنَّحْلِ إلى الَّذِينَ هم في مَبادِي السُّلُوكِ مِن أرْبابِ الِاسْتِعْدادِ، ومِن هُنا قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في مَوْلانا ابْنِ الفارِضِ قُدِّسَ سِرُّهُ حِينَ سُئِلَ عَنْهُ: نَحْلَةٌ تُدَنْدِنُ حَوْلَ الحِمى أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا أنْ يَتَّخِذُوا مَقارًّا مِنَ العَقائِدِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي هي كالجِبالِ في الرُّسُوخِ والثَّباتِ ومِنَ العِباداتِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي هي كالشَّجَرِ في التَّشَعُّبِ ومِنَ المُعامَلاتِ المَرْضِيَّةِ الَّتِي هي كالعُرُوشِ في الِارْتِفاعِ ثُمَّ يَسْلُكُوا سُبُلَهُ سُبْحانَهُ وطُرُقَهُ المُوَصِّلَةَ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ مِن تَهْذِيبِ الباطِنِ والمُراقَبَةِ والفِكْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ مُتَذَلِّلِينَ خاضِعِينَ غَيْرَ مُعْجَبِينَ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ السُّلُوكَ إنَّما يَصِحُّ بَعْدَ تَصْحِيحِ العَقائِدِ ومَعْرِفَةِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ لِيَكُونَ السّالِكُ عَلى بَصِيرَةٍ في أمْرِهِ وإلّا فَهو كَمَن رَكِبَ مَتْنَ عَمْياءَ وخَبَطَ خَبْطَ عَشْواءَ، ومَتى سَلَكَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ حَصَلَ لَهُ الفَوْزُ بِالمَطْلُوبِ وتَفَجَّرَتْ يَنابِيعُ الحِكْمَةِ مِن قَلْبِهِ وصارَ ما يَقْذِفُ بِهِ قَلْبُهُ كالعَسَلِ شِفاءً مِن عِلَلِ الشَّهَواتِ وأمْراضِ النَّفْسِ لا سِيَّما مَرَضُ التَّثَبُّطِ والتَّكاسُلِ عَنِ العِبادَةِ وهو المَرَضُ البَلْغَمِيُّ.

وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: النَّحْلَةُ لَمّا اتَّبَعَتِ الأمْرَ وسَلَكَتْ سُبُلَ رَبِّها عَلى ما أُمِرَتْ بِهِ جُعِلَ لُعابُها شِفاءً لِلنّاسِ كَذَلِكَ المُؤْمِنُ إذا اتَّبَعَ الأمْرَ وحَفِظَ السِّرَّ وأقْبَلَ عَلى رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ جُعِلَ رُؤْيَتُهُ وكَلامُهُ ومُجالَسَتُهُ شِفاءٌ لِلْخَلْقِ فَمَن نَظَرَ إلَيْهِ اعْتَبَرَ ومَن سَمِعَ كَلامَهُ اتَّعَظَ ومَن جالَسَهُ سَعِدَ انْتَهى.

وفي الآيَةِ إشارَةٌ أيْضًا إلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يُودِعُ الشَّخْصَ الحَقِيرَ الشَّيْءَ العَزِيزَ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أوْدَعَ النَّحْلَ وهي مِن أحْقَرِ الحَيَواناتِ وأضْعَفِها العَسَلَ وهو مِن ألَذِّ المَذُوقاتِ وأحَلاها فَلا يَنْبَغِي التَّقَيُّدُ بِالصُّوَرِ والِاحْتِجابُ بِالهَيْئاتِ، وفي الحَدِيثِ ««رُبَّ أشْعَثَ أغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَوْ أقْسَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى لَأبَرَّهُ»».

وعَنْ يَعْسُوبِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لا تَنْظُرْ إلى مَن قالَ وانْظُرْ إلى ما قالَ ﴿ واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ ﴾ قِيلَ: الإشارَةُ فِيهِ إلى تَفاوُتٍ أرْزاقِ السّالِكِينَ فَرِزْقُ بَعْضِهِمْ طاعاتٌ، وبَعْضٍ آخَرَ مَقاماتٌ وبَعْضٍ حالاتٌ وبَعْضٍ مُكاشَفاتٌ وبَعْضٍ مُشاهَداتٌ وبَعْضٍ مَعْرِفَةٌ وبَعْضٍ مَحَبَّةٌ وبَعْضٍ تَوْحِيدٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وذَكَرُوا أنَّ رِزْقَ الأشْباحِ العُبُودِيَّةُ ورِزْقَ الأرْواحِ رُؤْيَةُ أنْوارِ الرُّبُوبِيَّةِ ورِزْقَ العُقُولِ الأفْكارُ ورِزْقَ القُلُوبِ الأذْكارُ ورِزْقَ الأسْرارِ حَقائِقُ العُلُومِ الغَيْبِيَّةِ المَكْشُوفَةِ لَها في مَجالِسِ القُرْبِ ومُشاهَدَةِ الغَيْبِ ﴿ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ ﴾ لِتَقَدُّسِهِ تَعالى عَنِ الأوْهامِ والإشاراتِ والعِباراتِ وتَنَزُّهِهِ سُبْحانَهُ عَنْ دَرْكِ الخَلِيقَةِ فَإنَّ الخَلْقَ لا يُدْرِكُ إلّا خَلْقًا، ولِذا قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّما تَحُدُّ الأدَواتُ أنْفُسَها وتُشِيرُ الآلاتُ إلى نَظائِرِها فَلا يَعْرِفُ اللَّهَ تَعالى إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

وعُلِّلَ النَّهْيُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا ﴾ مُحِبًّا لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى ولا شَكَّ أنَّ المُحِبَّ أسِيرٌ بِيَدِ المَحْبُوبِ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لِأنَّهُ مُقَيَّدٌ بِوِثاقِ المَحَبَّةِ ﴿ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا ﴾ فَجَعَلْناهُ مُحِبًّا لَنا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ عَلَيْنا مُتَجَرِّدًا عَمّا سِوانا وآتَيْناهُ مِن لَدَنا عِلْمًا ﴿ فَهُوَ يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا ﴾ وذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ الباطِنَةِ ﴿ وجَهْرًا ﴾ وذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ ﴿ وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ ﴾ لا اسْتِعْدادَ فِيهِ لِلنُّطْقِ وهو مِثْلُ المُشْرِكِ ﴿ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ﴾ لِعَدَمِ اسْتِطاعَتِهِ وقُصُورِ قُوَّتِهِ لِلنَّقْصِ اللّازِمِ لِاسْتِعْدادِهِ ﴿ وهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ ﴾ لِعَجْزِهِ بِالطَّبْعِ عَنْ تَحْصِيلِ حاجَةٍ ﴿ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ ﴾ لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِ وشِرارَتِهِ بِالطَّبْعِ فَلا يُناسِبُ إلّا الشَّرُّ الَّذِي هو العَدَمُ ﴿ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ ﴾ وهو المُوَحِّدُ القائِمُ بِاللَّهِ تَعالى الفانِي عَنْ غَيْرِهِ، والعَدْلُ عَلى ما قِيلَ: ظِلُّ الوَحْدَةِ في عالَمِ الكَثْرَةِ ﴿ وهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ الَّذِي عَلَيْهِ خاصَّتُهُ تَعالى مِن أهْلِ البَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ المَمْدُودِ عَلى نارِ الطَّبِيعَةِ لِأهْلِ الحَقِيقَةِ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ كالبَرْقِ اللّامِعِ ﴿ ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ عِلْمُ مَراتِبِ الغُيُوبِ أوْ ما غابَ مِن حَقِيقَتِهِما أوْ ما خَفِيَ فِيهِما مِن أمْرِ القِيامَةِ الكُبْرى ﴿ وما أمْرُ السّاعَةِ ﴾ أيِ القِيامَةِ الكُبْرى بِالقِياسِ إلى الأُمُورِ الزَّمانِيَّةِ ﴿ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ ﴾ وهو بِناءٌ عَلى التَّمْثِيلِ وإلّا فَقَدَ قِيلَ: إنَّ أمْرَ السّاعَةِ لَيْسَ بِزَمانِيٍّ وما كانَ كَذَلِكَ يُدْرِكُهُ مَن يُدْرِكُهُ لا في الزَّمانِ ﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ومِن ذَلِكَ أمْرُ السّاعَةِ ﴿ واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ الآيَةَ، قالَ في أسْرارِ القُرْآنِ: أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أخْرَجَهم مِن بُطُونِ الأقْدارِ وأرْحامِ العَدَمِ وأصْلابِ المَشِيئَةِ عَلى نَعْتِ الجَهْلِ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِن أحْكامِ الرُّبُوبِيَّةِ وأُمُورِ العُبُودِيَّةِ وأوْصافِ الأزَلِ فَألْبَسَهم أسْماعًا مِن نُورٍ سَمْعِهِ وكَساهم أبْصارًا مِن نُورِ بَصَرِهِ وأوْدَعَ في قُلُوبِهِمْ عُلُومَ غَيْبَتِهِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَهُ انْتَهى.

وهو ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ بِالأفْئِدَةِ القُلُوبُ.

وذَكَرَ بَعْضُ مَن أدْرَكْناهُ مِنَ المُرْتاضِينَ في كِتابِهِ الفَوائِدِ وشَرْحِهِ أنَّ مَشاعِرَ الإنْسانِ الصَّدْرُ، والمُرادُ بِهِ الخَيالُ والنَّفْسُ الكُلِّيَّةُ الَّتِي هي مَحَلُّ الصُّوَرِ العِلْمِيَّةِ كُلِّيَّةً أوْ جُزْئِيَّةً فَهو مَحَلُّ العِلْمِ المُقابِلِ لِلْجَهْلِ، والقَلْبُ وهو مَحَلُّ المَعانِي واليَقِينُ بِالنِّسَبِ الحُكْمِيَّةِ ويُقابِلُهُ الشَّكُّ والرَّيْبُ، والفُؤادُ وهو مَحَلُّ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ المُجَرَّدُ عَنْ جَمِيعِ الصُّوَرِ والنِّسَبِ والأوْضاعِ والإشاراتِ والجِهاتِ والأوْقاتِ ويُقابِلُها الإنْكارُ وهو أعْلى المَشاعِرِ، ونُورُ اللَّهِ تَعالى المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى»».

وهُوَ الوُجُودُ لِأنَّهُ الجِهَةُ العُلْيا مِنَ الإنْسانِ أعْنِي وجْهَهُ مِن جِهَةِ رَبِّهِ وبِهِ يَعْرِفُ اللَّهَ تَعالى وهو في الإنْسانِ بِمَنزِلَةِ المَلِكِ في المَدِينَةِ والقَلْبِ بِمَنزِلَةِ الوَزِيرِ لَهُ انْتَهى، ولَهُ أيْضًا كَلامٌ في الأُمِّ وكَذا في الأبِ غَيْرُ ما ذَكَرَ، وذَلِكَ أنَّهُ يُطْلَقُ الأبُ عَلى المادَّةِ والأُمُّ عَلى الصُّورَةِ، وزَعَمَ أنَّ قَوْلَ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ المُؤْمِنِينَ مِن نُورِهِ وصَبَغَهم في رَحْمَتِهِ فالمُؤْمِنُ أخُو المُؤْمِنِ لِأبِيهِ وأُمِّهِ أبُوهُ النُّورُ وأُمُّهُ الرَّحْمَةُ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ وأنَّ ما اصْطَلَحَ عَلَيْهِ المُتَقَدِّمُونَ والحُكَماءُ مِن أنَّ الأبَ هو الصُّورَةُ والأُمَّ هي المادَّةُ وأنَّ الصُّورَةَ إذا نَكَحَتِ المادَّةَ تَوَلَّدَ عَنْهُما الشَّيْءُ تَوَهُّمًا مِنهم أنَّ النُّشُورَ والخَلْقَ في بَطْنِ المادَّةِ بَعِيدَةٌ مِن جِهَةِ المُناسَبَةِ إلى آخِرِ ما قالَ فَتَفَطَّنْ وإيّاكَ أنْ تَعْدِلَ عَنِ الطَّرِيقِ السَّوِيِّ ﴿ ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى تَسْخِيرِ طَيْرِ القُوى الرُّوحانِيَّةِ والنَّفْسانِيَّةِ مِنَ الفِكْرِ والعَقْلِ النَّظَرِيِّ والعَمَلِيِّ بَلِ الوَهْمُ والتَّخَيُّلُ في فَضاءِ عالَمِ الأرْواحِ ﴿ ما يُمْسِكُهُنَّ ﴾ مِن غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِمادَّةٍ لا اعْتِمادَ عَلى جِسْمٍ ثَقِيلٍ ﴿ إلا اللَّهُ ﴾ عَزَّ وجَلَّ ﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالا ﴾ وهو ما يُسْتَظَلُّ بِهِ مِن وهَجِ نارِ الحاجَةِ فالماءُ ظِلٌّ لِلْعَطْشانِ والطَّعامُ ظِلٌّ لِلْجِيعانِ وكُلُّ ما يَقُومُ بِحاجَةِ شَخْصٍ ظِلٌّ لَهُ، وفي الخَبَرِ «السُّلْطانُ ظِلُّ اللَّهِ تَعالى في الأرْضِ يَأْوِي إلَيْهِ كُلُّ مَظْلُومٍ،» وقِيلَ: الظِّلالُ الأوْلِياءُ يَسْتَظِلُّ بِهِمُ المُرِيدُونَ مِن شِدَّةِ حَرِّ الهِجْرانِ ويَأْوُونَ إلَيْهِمْ مِن قَهْرِ الطُّغْيانِ، وقَدْ يُؤَوَّلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا ﴾ بِنَحْوِ هَذا فَما أشْبَهَ الأوْلِياءَ بِالجِبالِ ﴿ وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى ما جُعِلَ لِلْعارِفِينَ مِن سَرابِيلِ رُوحِ الأُنْسِ لِئَلّا يَحْتَرِقُوا بِنِيرانِ القُدْسِ وأشارَ تَعالى بِقَوْلِهِ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ ﴾ إلى ما مَنَّ بِهِ مِنَ المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ لِيَدْفَعَ بِذَلِكَ كَيْدَ الشَّياطِينَ والنُّفُوسِ ﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ ﴾ تَنْقادُونَ لِأمْرِهِ سُبْحانَهُ في العُبُودِيَّةِ وتَخْضَعُونَ لِعِزِّ الرُّبُوبِيَّةِ، قالَ ابْنُ عَطاءٍ: تَمامُ النِّعْمَةِ السُّكُونُ إلى المُنْعِمِ، وقالَ حَمْدُونَ: تَمامُها في الدُّنْيا المَعْرِفَةُ وفي الآخِرَةِ الرُّؤْيَةُ، وقالَ أبُو مُحَمَّدٍ الحَرِيرِيُّ: تَمامُها خُلُوُّ القَلْبِ مِنَ الشِّرْكِ الخَفِيِّ وسَلامَةُ النَّفْسِ مِنَ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ﴾ وهي هِدايَةُ النَّبِيِّ أوْ وجُودُهُ بِقُوَّةِ الفِطْرَةِ ﴿ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ﴾ لِعِنادِهِمْ وغَلَبَةِ صِفاتِ نُفُوسِهِمْ ﴿ وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ ﴾ لِشَهادَةِ فِطَرِهِمْ بِحَقِيقَتِهِ ﴿ ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ في الِاعْتِذارِ عَنِ التَّخَلُّفِ عَنْ دَعْوَتِهِ إذْ لا عُذْرَ لَهم ﴿ ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ لِأنَّهم قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِمْ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ ﴿ وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ ﴾ قِيلَ: هَذا في المَوْقِفِ الثّانِي حِينَ تَضْعُفُ غَواشِي أنْفُسِهِمُ المُظْلِمَةِ وتَرِقُّ حُجُبُها الكَثِيفَةُ وأمّا في المَوْقِفِ الأوَّلِ حِينَ قُوَّةِ هَيْئاتِ الرَّذائِلِ وشِدَّةِ شَكِيمَةِ النَّفْسِ في الشَّيْطَنَةِ فَلا يَسْتَسْلِمُونَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ ﴾ وقِيلَ: المُسْتَسْلِمُونَ بَعْضٌ والحالِفُونَ بَعْضٌ فافْهَمْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ أي: واذكر يوم نبعث فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً أي: نبياً شاهداً على أمته بالرسالة أنه بلغها ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي: في الكلام وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أي: لا يرجعون من الآخرة إلى الدنيا.

وقال أهل اللغة: عَتَب يَعْتِب إذا وجد عليه، وأعْتَبَ يُعْتِبُ إذا رجع عن ذنبه، واستعتب يستعتب إذا طلب منهم الرجوع، أي: لا يطلب منهم الرجوع إلى الدنيا.

وقوله: وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ أي: الكفار فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ أي: العذاب حين رأوها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أي: لا يمهلون ولا يؤجلون ولا يتركون ساعة ليستريحوا.

وقوله عز وجل: وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ أي: آلهتهم قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا يقولون: نعبد من دونك، وهم أمرونا بذلك.

ويقال: يعني السفلة إذا رأوا شركاءهم.

يعني: أمراءهم ورؤساءهم قالوا: ربنا هؤلاء الذين كنا ندعو من دونك، أي: هم أَمرونا بالمعصية فأطعناهم فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ يعني: القادة والآلهة، وأجابوهم إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ ما أمرناكم بذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عَبْدٌ بهذه الصفةِ، مملوكٌ لا يَقْدِرُ على شيء من المال، ولا أمْر نفسه، وإنما هو مُسَخَّرٌ بإرادة سَيِّده، مَدَبَّرٌ، وبإزاء العبْدِ في المثالِ رجُلٌ موسَّعٌ عليه في المال، فهو يتصرَّف فيه بإِرادته، واختلف النَّاس في الذي له المَثَلُ، فقال ابن عباس وقتادة: هو مَثَلُ الكافر والمؤمِنِ «١» ، وقال مجاهد والضَّحَّاك: هذا المِثَال والمِثَالُ الآخر الذي بَعْدَه، إِنما هو مثَالٌ للَّهِ تعالى، والأصنامِ، فتلك كالعَبْدِ المملوكِ الذي لا يَقْدِرُ على شيء، واللَّه تعالى تتصرَّف قدرته دون معقب «٢» ، وكذلك فَسَّر الزَّجَّاج على نحو قول مجاهد، وهذا التأويلُ أصوبُ لأن الآية تكُونُ من معنى ما قَبْلَها، ومدارُها في تبْيِيِن أمْر اللَّه والردِّ على أمْر الأصنام.

وقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ أي: على ظهور الحجَّة.

وقوله سبحانه: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ ...

الآية: هذا مثَلٌ للَّه عزَّ وجلَّ والأصنامِ، فهي كالأبكم الذي لا نُطْقَ له ولا يَقْدِرُ على شيء، «والكلّ» الثقيل المئونة، كما الأصنامُ تحتاجُ إِلى أنْ تُنْقَلَ وتَخْدَمَ ويتعذَّب بها، ثم لا يأتي مِنْ جهتها خَيْرٌ أبداً، والذي يأمر بالعدلِ هو اللَّه تعالى.

وقوله تعالى: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ ...

الآية: المعنى، على ما قاله قتادة وغيره: ما تكونُ الساعةُ وإقامتها في قُدْرة اللَّه تعالى «٣» إِلا أنْ يقول لها: كُنْ، فلو آتَّفَقَ أنْ يقف على ذلك محصِّلٌ من البشر، لكانَتْ من السرعة بحَيْث يشكُّ، هل هي كَلَمْحِ البَصرِ أو هي أقْرَبُ، «ولمح البصر» هو وقوعه على المرئيّ.

وقوله سبحانه: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ...

الاية: «الجوُّ مسافةُ ما بين السماءِ والأرض، وقيل: هو ما يلي الأرض منها، والآيةُ عِبْرةٌ بيِّنة المعنى، تفسيرها تكلف محت، ويَوْمَ ظَعْنِكُمْ معناه رَحِيلكم، والأصواف: للضأنِ، والأوبار:

للإِبل، والأشعار: للمعز، ولم تكُنْ بلادهم بلادَ قُطْن وَكَّتانٍ، فلذلك اقتصَرَ على هذه، ويحتملُ أنَّ تَرْكَ ذكْر القُطْن والكَتَّانِ والحرير إعراضٌ عن السَّرَف، إذ ملْبَسُ عبادِ اللَّهِ الصالحينَ إِنما هو الصُّوف، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» عند قوله تعالى: لَكُمْ فِيها دِفْءٌ [النحل: ٥] : في هذه الآية دليلٌ على لبَاسِ الصُّوفِ، فهو أوَّل ذلك وأولاه، لأنه شِعارُ المتقين، ولباسُ الصالحين، وشَارَةُ الصَّحابة والتابعين، واختيار الزُّهَّاد والعارفين، وإِليه نُسِبَ جماعةٌ من النَّاس «الصُّوفِيَّةُ» لأنه لباسُهم في الغالِبَ انتهى.

«والأثاث» متاعُ البَيْت، واحِدُها أَثَاثَة هذا قول أبي زَيْد الأنْصَارِيِّ «١» وقال غيره:

«الأثَاثُ» : جميع أنواعِ المالِ، ولا واحدَ له من لفظه.

قال ع «٢» : والاشتقاق «٣» يقوي هذا المعنى الأعمَّ لأنَّ حالَ الإِنسان تَكُونُ بالمال أثِيثَةً كما تقول: شَعْرٌ أثيث، ونبات أثيث، إذا كثر والتفّ، والسرابيل: جميعُ ما يُلْبَسُ عَلَى جميع البدنِ، وذكر وقاية الحَرِّ، إِذ هو أمسُّ بتلك البلادِ، والبَرْدُ فيها معدومٌ في الأكثر، وأيضاً: فذكر أحدهما يدلّ على الآخر، وعن عمر رضي اللَّه عنه قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم يقوُلُ: مَنْ لَبِسَ ثَوباً جَدِيداً، فَقَالَ: «الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوارِي به عَوْرَتي وأَتَجَمَّلُ بِهِ في حَيَاتي، ثُمَّ عَمَدَ إلى الثَّوْب الَّذِي خَلَقَ، فَتَصَدَّقَ به- كَانَ في كَنَفِ اللَّهِ، وفي حفْظِ اللَّه، وفي سَتْر اللَّهِ حَيًّا ومَيِّتاً «٤» » رواه الترمذيُّ، واللفظُ له، وابنُ ماجَه، والحاكمُ في «المستدرك» ، وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما اشترى عبد ثوبا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ، وشاهِدُ كُلِّ أُمَّةٍ نَبِيُّها يَشْهَدُ عَلَيْها بِتَصْدِيقِها وتَكْذِيبِها، ﴿ ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ في الِاعْتِذارِ ﴿ وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ أيْ: لا يُطْلَبُ مِنهم أنْ يَرْجِعُوا إلى ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، لِأنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدار تَكْلِيفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أيْ: أشْرَكُوا ﴿ العَذابَ ﴾ يَعْنِي: النّارَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ " العَذابُ ﴿ وَلا هم يُنْظَرُونَ ﴾ لا يُؤَخَّرُونَ، ولا يُمْهَلُونَ.

" وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم " يَعْنِي: الأصْنامَ الَّتِي جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ في العِبادَةِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ كُلَّ مَعْبُودٍ مِن دُونِهِ، فَيَقُولُ المُشْرِكُونَ: ﴿ رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا ﴾ أيْ: نَعْبُدُ مِن دُونِكَ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَذا مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَما فائِدَةُ قَوْلِهِمْ: ﴿ هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا ﴾ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهم لَمّا كَتَمُوا الشِّرْكَ في قَوْلِهِمْ: واللَّهِ ما كُنّا مُشْرِكِينَ، عاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِإصْماتِ ألْسِنَتِهِمْ، وإنْطاقِ جَوارِحِهِمْ، فَقالُوا عِنْدَ مُعايَنَةِ آلِهَتِهِمْ: ﴿ رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا ﴾ أيْ: قَدْ أقْرَرْنا بَعْدَ الجَحْدِ، وصَدَّقْنا بَعْدَ الكَذِبِ، التِماسًا لِلرَّحْمَةِ، وفِرارًا مِنَ الغَضَبِ، وكَأنَّ هَذا القَوْلَ مِنهم عَلى وجْهِ الِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ، لا عَلى وجْهِ إعْلامِ مَن لا يَعْلَمُ.

والثّانِي: أنَّهم لَمّا عايَنُوا عِظَمَ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى قالُوا: هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا، تَقْدِيرَ أنْ يَعُودَ عَلَيْهِمْ مِن هَذا القَوْلِ رَوْحٌ، وأنْ تَلْزَمَ الأصْنامُ إجْرامَهم، أوْ بَعْضَ ذُنُوبِهِمْ إذْ كانُوا يَدْعُونَ لَها العَقْلَ والتَّمْيِيزَ، فَأجابَتْهُمُ الأصْنامُ بِما حَسَمَ طَمَعَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ ﴾ أيْ: أجابُوهم وقالُوا لَهم " إنَّكم لَكاذِبُونَ " قالَ الفَرّاءُ: رَدَّتْ عَلَيْهِمْ آلِهَتُهم قَوْلَهم.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " فَألْقَوْا "، أيْ: قالُوا لَهم.

يُقالُ: ألْقَيْتُ إلى فُلانٍ كَذا، أيْ: قُلْتُ لَهُ.

قالَ العُلَماءُ: كَذَّبُوهم في عِبادَتِهِمْ إيّاهم، وذَلِكَ أنَّ الأصْنامَ كانَتْ جَمادًا لا تَعْرِفُ عابِدِيها، فَظَهَرَتْ فَضِيحَتُهم يَوْمَئِذٍ إذْ عَبَدُوا مَن لَمْ يَعْلَمْ بِعِبادَتِهِمْ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ ﴾ المَعْنى: أنَّهم اسْتَسْلَمُوا لَهُ.

وفي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

ثُمَّ في مَعْنى اسْتِسْلامِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اسْتَسْلَمُوا [لَهُ] بِالإقْرارِ بِتَوْحِيدِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اسْتَسْلَمُوا لِعَذابِهِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ والأصْنامُ كُلُّهم.

قالَ الكَلْبِيُّ: والمَعْنى: أنَّهُمُ اسْتَسْلَمُوا لِلَّهِ مُنْقادِينَ لِحُكْمِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بَطَلَ قَوْلُهم أنَّها تَشْفَعُ لَهم.

والثّانِي: ذَهَبَ عَنْهم ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ووَلَدًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ ﴾ ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ ﴾ ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ ﴿ وَإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عنهم ولا هم يُنْظَرُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ فِيها مُوادَعَةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ، والمَعْنى: إنْ أعْرَضُوا فَلَسْتَ بِقادِرٍ عَلى خَلْقِ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ، وإنَّما عَلَيْكَ أنْ تُبَيِّنَ وتُبَلِّغَ أمْرَ اللهِ ونَهْيَهُ، ثُمَّ قَرَّعَهم ووَبَّخَهم بِأنَّهم يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللهِ في هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ، ويَقُولُونَ إنَّها مِن عِنْدِهِ ثُمَّ يَكْفُرُونَ بِهِ تَعالى، وذَلِكَ فِعْلُ المُنْكِرِ لِلنِّعْمَةِ الجاحِدِ لَها.

هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، فَسَمّاهم مُنْكِرِينَ لِلنِّعْمَةِ تَجَوُّزًا؛ إذْ كانَتْ لَهم أفْعالُ المُنْكِرِينَ مِنَ الكُفْرِ بِرَبِّ النِعَمِ، ولِشِرْكِهِمْ في النِعَمِ الأوثانَ عَلى وجْهٍ ما، وهو ما كانُوا يَعْتَقِدُونَ لِلْأوثانِ مِنَ الأفْعالِ مِنَ النَفْعِ والضُرِّ، وقالَ السُدِّيُّ: النِعْمَةُ هُنا: مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

ووَصَفَهم تَبارَكَ وتَعالى بِأنَّهم يَعْرِفُونَ مُعْجِزاتِهِ وآياتِ نُبُوَّتِهِ ويُنْكِرُونَ ذَلِكَ بِالتَكْذِيبِ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، ثُمَّ حَكَمَ عَلى أكْثَرِهِمْ بِالكُفْرِ وهم أهْلُ مَكَّةَ ؛ لَأنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن قَدْ داخَلَهُ الإسْلامُ ومَن أسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ﴾ آيَةُ وعِيدٍ، التَقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ نَبْعَثُ ويَرِدُ شَهِيدًا عَلى كُفْرِهِمْ وإيمانِهِمْ، فَـ "شَهِيدٌ" بِمَعْنى "شاهِدٌ"، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ المَعْنى: ثُمَّ يُنْكِرُونَها اليَوْمَ، ويَوْمَ نَبْعَثُ، أيْ: يُنْكِرُونَ كُفْرَهم فَيُكَذِّبُهُمُ الشَهِيدُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ لا يُؤْذَنُ ﴾ أيْ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينِ كَفَرُوا أيْ في المَعْذِرَةِ، وهَذا في مَوْطِنٍ دُونَ مَوْطِنٍ؛ لَأنَّ في القُرْآنِ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ تَأْتِي تُجادِلُ عن نَفْسِها ويَتَرَتَّبُ أنْ تَجِيءَ كُلُّ نَفْسِ تَجادُلُ، فَإذا اسْتَقَرَّتْ أقْوالُهم بَعَثَ اللهُ الشُهُودَ مِنَ الأُمَمِ فَتُكَذِّبُ الكُفّارَ فَلا يُؤْذَنُ لِلْكاذِبِينَ بَعْدُ في مَعْذِرَةٍ، ﴿ وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ بِمَعْنى: يُعْتَبُونَ، تَقُولُ: "عَتَبْتُ الرَجُلَ" إذا كَفَيْتَهُ ما عَتَبَ فِيهِ، كَما تَقُولُ: "أشْكَيْتُهُ ما شَكا"، كَأنَّهُ قالَ: ولا هم يُكْفَوْنَ ما يُعْتِبُونَ فِيهِ ويَشُقُّ عَلَيْهِمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ، تَقُولُ: أدْنَيْتُ الرَجُلَ واسْتَدْنَيْتُهُ، وقالَ قَوْمُ: لا يَسْألُونَ أنْ يَرْجِعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ في الدُنْيا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اسْتِعْتابٌ مَعْناهُ طَلَبَ عُتْباهُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: يَطْلُبُونَ الرُجُوعَ إلى الدُنْيا فَلا يُعْطُونَ فَيَقَعُ مِنهم تَوْبَةُ عَمَلٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ ﴾ ، أخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ الظالِمِينَ في كُفْرِهِمْ إذا أراهُمُ اللهُ عَذابَ النارِ وشارَفُوها وتَحَقَّقُوا كُنْهَ شِدَّتِها، فَإنَّ ذَلِكَ الأمْرَ الهائِلَ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ لا يُخَفَّفُ بِوَجْهٍ ولا يُؤَخَّرُ عنهُمْ، وإنَّما مَقْصِدُ الآيَةِ الفَرْقَ بَيْنَ ما يَحِلُّ بِهِمْ وبَيْنَ رَزايا الدُنْيا، فَإنَّ الإنْسانَ لا يَتَوَقَّعُ أمْرًا مِن خُطُوبِ الدُنْيا إلّا ولَهُ طَمَعٌ في أنْ يَتَأخَّرَ عنهُ، وأنْ يَجِيئَهُ في أخَفِّ ما يَتَوَهَّمُ بِرَجائِهِ، وكَذَلِكَ مَتى حَلَّ بِهِ كانَ طامِعًا في أنْ يَخِفَّ، وقَدْ يَقَعُ ذَلِكَ في خُطُوبِ الدُنْيا كَثِيرًا، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ -إذا عايَنَهُ الكافِرُ- لا طَماعِيَةً فِيهِ بِتَخْفِيفٍ ولا تَأْخِيرٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ الذين أشركوا ﴾ هم الذين ظلموا الذين يرون العذاب، وهم الذين كفروا الذين لا يؤذن لهم.

وإجراء هذه الصّلات الثلاث عليهم لزيادة التسجيل عليهم بأنواع إجرامهم الراجعة إلى تكذيب ما دعاهم الله إليه، وهو نكتة الإظهار في مقام الإضمار هنا، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ وإذا رءا الذين ظلموا العذاب ﴾ [سورة النحل: 85].

فالإشراك المقصود هنا هو إشراكهم الأصنام في صفة الإلهية مع الله تعالى، فيتعيّن أن يكون المراد بالشركاء الأصنام، أي الشركاء لله حسب اعتقادهم.

وبهذا الاعتبار أضيف لفظ شركاء إلى ضمير الذين ظلموا } في قوله تعالى: ﴿ شركاءهم ﴾ ، كقول خالد بن الصقعب النهدي لعمرو بن معديكرب وقد تحدّث عَمْرو في مجلس قوم بأنه أغار على بني نهد وقتل خالداً، وكان خالد حاضراً في ذلك المجلس فناداه: مهلاً أبا ثور قتيلُك يسمع، أي قتيلك المزعوم، فالإضافة للتهكّم.

والمعنى: إذا رأى الذين أشركوا الشركاء عندهم، أي في ظنّهم.

ولك أن تجعل لفظ «شركاء» لقباً زال منه معنى الوصف بالشركة وصار لقباً للأصنام، فتكون الإضافة على أصلها.

والمعنى: أنهم يرون الأصنام حين تقذف معهم في النار، قال تعالى: ﴿ وقودها الناس والحجارة ﴾ [سورة البقرة: 24].

وقولهم: ربنا هؤلاء شركاؤنا } إما من قبيل الاعتراف عن غير إرادة فضحاً لهم، كقوله تعالى: ﴿ يوم تشهد عليهم ألسنتهم ﴾ [سورة النور: 24]، وإما من قبيل التنصّل وإلقاء التّبعة على المعبودات كأنهم يقولون هؤلاء أغروَنا بعبادتهم من قبيل قوله تعالى: ﴿ وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرّة فنتبرّأ منهم كما تبرّأوا منا ﴾ [سورة البقرة: 167].

والفاء في ﴿ فألقوا ﴾ للتّعقيب للدّلالة على المبادرة بتكذيب ما تضمّنه مقالهم، أنطق الله تلك الأصنام فكذّبت ما تضمّنه مقالهم من كون الأصنام شركاء لله، أو من كون عبادتهم بإغراء منها تفضيحاً لهم وحسرة عليهم.

والجمع في اسم الإشارة واسم الموصول جمعُ العقلاء جرياً على اعتقادهم إلهية الأصنام.

ولما كان نطق الأصنام غير جار على المتعارف عبّر عنه بالإلقاء المؤذن بكون القول أجراه الله على أفواه الأصنام من دون أن يكونوا ناطقين فكأنه سقط منها.

وإسناد الإلقاء إلى ضمير الشركاء مجاز عقلي لأنها مَظهره.

وأجرى عليهم ضمير جمع العقلاء في فعل «ألقوا» مُشاكلةً لاسم الإشارة واسم الموصول للعقلاء.

ووصفهم بالكذب متعلّق بما تضمّنه كلامهم أن أولئك آلهة يُدعون من دون الله على نحو ما وقع في الحديث: " فيقال للنّصارى: ما كنتم تعبدون، فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم ما اتّخذَ الله من ولد ".

وأما صريح كلامهم وهو قولهم: ﴿ هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك ﴾ فهم صادقون فيه.

وجملة ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ بدل من ﴿ القول ﴾ .

وأعيد فعل ﴿ ألقَوا ﴾ في قوله: ﴿ وألقوا إلى الله يومئذٍ السلم ﴾ لاختلاف فاعل الإلقاء، فضمير القول الثاني عائد إلى ﴿ الذين أشركوا ﴾ .

ولك أن تجعل فعل ﴿ ألقوا ﴾ الثاني مماثلاً لفعل «ألقوا» السابق.

ولك أن تجعل الإلقاء تمثيلاً لحالهم بحال المحارب إذا غُلب إذ يلقي سلاحه بين يدي غالبه، ففي قوله: ﴿ ألقوا ﴾ مكنية تمثيلية مع ما في لفظ ﴿ ألقوا ﴾ من المشاكلة.

و ﴿ السلم ﴾ بفتح اللام: الاستسلام، أي الطاعة وترك العناد.

﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ أي غاب عنهم وزايلهم ما كانوا يفترونه في الدنيا من الاختلافات للأصنام من أنها تسمع لهم ونحو ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: البُيُوتُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: الشَّجَرُ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا ﴾ الأكْنانُ: جَمْعُ كِنٍّ وهو المَوْضِعُ الَّذِي يُسْتَكَنَّ فِيهِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ ظِلُّ الجِبالِ.

الثّانِي: أنَّهُ ما فِيها مِن غارٍ أوْ شَرَفٍ.

﴿ وَجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ يَعْنِي ثِيابَ القُطْنِ والكَتّانِ والصُّوفِ.

﴿ وَسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ ﴾ يَعْنِي الدُّرُوعَ الَّتِي تَقِي البَأْسَ، وهي الحَرْبُ.

قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما لُبِسَ مِن قَمِيصٍ ودُرُوعٍ فَهو سِرْبالٌ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ: ﴿ وَجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ السَّهْلَ وقالَ: ﴿ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ البَرْدَ؟

فَعَنْ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ القَوْمَ كانُوا أصْحابَ جِبالٍ ولَمْ يَكُونُوا أصْحابَ سَهْلٍ، وكانُوا أهْلَ حَرٍّ ولَمْ يَكُونُوا أهْلَ بَرْدٍ، فَذَكَرَ لَهم نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ مِمّا هو مُخْتَصٌّ بِهِمْ، قالَهُ عَطاءٌ.

الثّانِي: أنَّهُ اكْتَفى بِذِكْرِ أحَدِهِما عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ، إذْ كانَ مَعْلُومًا أنَّ مَنِ اتَّخَذَ مِنَ الجِبالِ أكْنانًا اتَّخَذَ مِنَ السَّهْلِ، والسَّرابِيلُ الَّتِي تَقِي الحَرَّ تَقِي البَرْدَ، قالَهُ الفَرّاءُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وما أدْرِي إذا يَمَّمْتُ أرْضًا أُرِيدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِينِي.

فَكَنّى عَنِ الشَّرِّ ولَمْ يَذْكُرْهُ لِأنَّهُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرَ الجِبالَ لِأنَّهُ قَدَّمُ ذِكْرَ السَّهْلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا ﴾ وذَكَرَ الحَرَّ دُونَ البَرْدِ تَحْذِيرًا مِن حَرِّ جَهَنَّمَ وتَوَقِّيًا لِاسْتِحْقاقِها بِالكَفِّ عَنِ المَعاصِي.

﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ ﴾ أيْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إذا عَرَفْتُمْ نِعَمَهُ عَلَيْكم.

وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ لَعَلَّكم تُسَلِّمُونَ بِفَتْحِ التّاءِ أيْ تَسْلَمُونَ مِنَ الضَّرَرِ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ عَنى ضَرَرَ الحَرِّ والبَرْدِ واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ضَرَرَ القِتالِ والقَتْلِ، واحْتُمِلَ أنْ يُرِيدَ ضَرَرَ العَذابِ في الآخِرَةِ إنِ اعْتَبَرْتُمْ وآمَنتُمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى النَّبِيَّ  يَعْرِفُونَ نُبُوَّتَهُ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ويُكَذِّبُونَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهم يَعْرِفُونَ ما عَدَّدَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ النِّعَمِ وأنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ ويُنْكِرُونَها بِقَوْلِهِمْ أنَّهم ورِثُوا ذَلِكَ عَنْ آبائِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّ إنْكارَها أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: لَوْلا فُلانٌ ما كانَ كَذا وكَذا ولَوْلا فُلانٌ ما أصَبْتُ كَذا، قالَهُ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

الرّابِعُ: أنَّ مَعْرِفَتَهم بِالنِّعْمَةِ إقْرارُهم بِأنَّ اللَّهَ رَزَقَهم، وإنْكارَهم قَوْلُهُمْ: رُزِقْنا ذَلِكَ بِشَفاعَةِ آلِهَتِنا.

الخامِسُ: يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ بِتَقَلُّبِهِمْ فِيها، ويُنْكِرُونَها بِتَرْكِ الشُّكْرِ عَلَيْها.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: يَعْرِفُونَها في الشِّدَّةِ، ويُنْكِرُونَها في الرَّخاءِ.

وَيَحْتَمِلُ سابِعًا يَعْرِفُونَها بِأقْوالِهِمْ، ويُنْكِرُونَها بِأفْعالِهِمْ.

قالَ الكَلْبِيُّ: هَذِهِ السُّورَةُ تُسَمّى سُورَةُ النِّعَمِ؛ لِما ذَكَرَ اللَّهُ فِيها مِن كَثْرَةِ نِعَمِهِ عَلى خَلْقِهِ.

﴿ وَأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ وجَمِيعُهم كافِرُونَ، فَعَبَّرَ عَنِ الجَمِيعِ بِالأكْثَرِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.

الثّانِي: أنَّهُ قالَ ﴿ وَأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ ﴾ لِأنَّ فِيهِمْ مَن جَرى عَلَيْهِ حُكْمُ الكُفْرِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ كالصِّبْيانِ والمَجانِينِ، فَتَوَجَّهُ الذِّكْرُ إلى المُكَلَّفِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ قال: من الشجر ومن غيرها ﴿ وجعل لكم من الجبال أكناناً ﴾ قال: غارات يسكن فيها.

﴿ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ﴾ من القطن والكتان والصوف ﴿ وسرابيل تقيكم بأسكم ﴾ من الحديد ﴿ كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ﴾ ولذلك هذه السورة تسمى سورة النعم.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الكسائي، عن حمزة عن الأعمش وأبي بكر وعاصم، أنهم قرأوا ﴿ لعلكم تسلمون ﴾ برفع التاء من أسلمت.

وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ قال: يعني الثياب ﴿ وسرابيل تقيكم بأسكم ﴾ قال: يعني الدروع والسلاح ﴿ كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ﴾ يعني من الجراحات.

وكان ابن عباس يقرؤها ﴿ تسلمون ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه: أن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله؟

فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكناً ﴾ قال: الأعرابي نعم، قال: ﴿ وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها ﴾ قال: الأعرابي نعم ثم قرأ عليه، كل ذلك يقول نعم، حتى بلغ ﴿ كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ﴾ فولى الأعرابي، فأنزل الله: ﴿ يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ﴾ قال: هي المساكن والأنعام وما ترزقون منها، وسرابيل من الحديد والثياب، تعرف هذا كفار قريش، ثم تنكره بأن تقول: هذا كان لآبائنا فورثونا إياه.

وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن كثير في الآية قال: يعلمون أن الله خلقهم وأعطاهم، بعدما أعطاهم يكفرون، فهو معرفهم نعمته، ثم إنكارهم إياها كفرهم بعد.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عون بن عبد الله في قوله: ﴿ يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ﴾ قال: انكارهم إياها، أن يقول الرجل: لولا فلان أصابني كذا وكذا، ولولا فلان لم أصب كذا وكذا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ﴾ قال محمد:- صلى الله عليه وسلم- ولفظ ابن أبي حاتم قال: هذا في حديث أبي جهل والأخنس، حين سأل الأخنس أبا جهل عن محمد: فقال: هو نبي.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ ﴾ قال ابن عباس: يريد استسلموا وأقروا لله بالربوبية (١) (٢) (٣) ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد ذهب ما زَيَّنَ لهم الشيطان أن لله شريكًا أو ولدًا وصاحبة (٤) (٥) (١) ورد بنحوه غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 206 أ، والسمرقندي 2/ 246، والثعلبي 2/ 161 ب، وابن الجوزي 4/ 481.

(٢) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 97، بنصه، وابن الجوزي 4/ 481، بمعناه، وأبي حيان 5/ 527، بمعناه، و"تنوير المقباس" ص291، بنصه.

(٣) أخرجه الطبري 14/ 160، بنحوه، ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 101، بنحوه، و"تفسير الطوسي" 6/ 417، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 640، و"الدر المنثور" 4/ 239، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.

(٤) ورد بنصه غير منسوب في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 429، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 481، والفخر الرازي 20/ 97، و"تفسير القرطبي" 10/ 163.

(٥) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 97، و"تفسير القرطبي" 10/ 163.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله ﴾ إشارة إلى ما ذكر من النعم من أول السورة إلى هنا والضمير في يعرفون للكفار، وإنكارهم لنعم الله إشراكهم به وعبادة غيره، وقيل نعمة الله نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ﴾ أي يشهد عليهم بإيمانهم وكفرهم ﴿ ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أي لا يؤذون لهم في الاعتذار ﴿ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ أي لا يسترضون، وهو من العتب بمعنى الرضى ﴿ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ يحتمل أن يكون بمعنى التأخير أو بمعنى النظر: أي لا ينظر الله إليهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تجحدون ﴾ بتاء الخطاب: أبو بكر وحماد.

الآخرون على الغيبة.

﴿ من بطون إمهاتكم ﴾ ونحوها بكسر الهمزة وفتح الميم: عليّ.

﴿ إمهاتكم ﴾ بكسرهما: حمزة.

الباقون بضم الهمزة وفتح الميم.

﴿ ألم تروا ﴾ على الخطاب: ابن عامر وحمزة وخلف وسهل ويعقوب ﴿ ظعنكم ﴾ بسكون العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ في الرزق ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ سواء ﴾ ط ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ من الطيبات ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه لا للعطف ﴿ ولا يستطيعون ﴾ ه ج لابتداء النهي مع فاء التعقيب ﴿ الأمثال ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ وجهراً ﴾ ط ﴿ هل يستوون ﴾ ط ﴿ الحمد لله ﴾ ط لأن "بل" للإعراض عن الأول.

﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ مولاه ﴾ لا لأن الجملة بعده صفة أحدهما ﴿ بخير ﴾ ط ثم لا وقف إلى مستقيم لاتحاد الكلام ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ أقرب ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ لا للعطف ﴿ والأفئدة ﴾ لا لتعلق ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ ه ﴿ السماء ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إقامتكم ﴾ لا لوقوع ﴿ جعل ﴾ على ﴿ أثاثاً ﴾ ﴿ إلى حين ﴾ ه ﴿ باسكم ﴾ ط ﴿ تسلمون ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه.

التفسير: لما بين خلق الإنسان وتقلبه في أطوار مراتب العمر أراد أن يذكره طرفاً من سائر أحواله لعله يتذكر فقال: ﴿ والله فضّل بعضكم على بعض في الرزق ﴾ ولا ريب أن ذلك أمر مقسوم من قبل القسام وإلا لم يكن الغافل رخي البال والعاقل ردي الحال، وليس هذا التفاوت مختصاً بالمال وإنما هو حاصل في الحسن والقبح والصحة والسقم وغير ذلك، فلرب ملك تقاد الجنائب بين يديه ولا يمكنه ركوب واحدة منها، وربما أحضرت الأطعمة الشهية والفواكه العطرة عنده ولا يقدر على تناول شيء منها، وربما نرى إنساناً كامل القوة صحيح المزاج شديد البطش ولا يجد ملء بطنه طعاماً.

وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أن المراد تقرير كون السعادة والنحوسة والغنى والفقر بقسمة الله تعالى، وأنه جعل بعض الناس موالي وبعضهم مماليك وليس المالك رازقاً للعبد وإنما الرازق للعبد والمولى هو الله، فلا تحسبن الموالي المفضلين أنهم يرزقون مماليكهم من عندهم شيئاً من الرزق وإنما ذلك رزقي لهم أجريته لهم على أيديهم.

وثانيهما أن المراد الرد على من أثبت لله شريكاً كالصنم أو كعيسى، فضرب له مثلاً فقال: أنتم لا تسوّون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم ولا تردّون رزقكم عليهم حتى تتساووا في المطعم والملبس.

فالفاء في قوله: ﴿ فهم فيه سواء ﴾ للتعليل.

ولك أن تقول بمعنى "حتى" أي حتى يكون عبيدهم معهم سواء في الرزق، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء؟!

"عن أبي ذر  أنه سمع رسول الله  يقول في العبيد: إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون" فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت ﴿ أفبنعمة الله ﴾ وهي أنه جعلهم موالي مفضلين لا عبيداً مفضولين ﴿ يجحدون ﴾ أو جعل عدم التسوية بينهم وبين عبيدهم من جملة جحود النعمة، أو جعل اعتقاد أهلية العبادة لغير الله كفراً بنعمة الله والجحود في معنى الكفران فلذلك عداه بالباء.

قال أبو عبيدة وأبو حاتم.

قراءة الغيبة - وهي الكثرى - أولى لقرب المخبر عنه، ولأنه لو كان خطاباً كان ظاهره للمسلمين وإنهم لا يخاطبون بجحد نعمة البتة.

الحالة الأخرى من أحوال الإنسان قوله عم طوله: ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم ﴾ أي من جنسكم ﴿ أزواجاً ﴾ ليكون الأنس به أتم.

ولا ريب أن تخليق الذكور والإناث مستند إلى قدرة الله وتكوينه.

والطبيعيون قد يذكرون له وجهاً قالوا: إن المني إذا انصب من الخصية اليمنى إلى الذكر ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكراً تاماً في الذكورة بناء على أن الذكر أسخن مراجاً وكذا الجانب الأيمن، وإن انصب من الخصية اليسرى إلى الجانب الأيسر من الرحم كان الولد تاماً في الأنوثية، وإذا انصب من اليمنى إلى الأيسر كان ذكراً في طبيعة الإناث، وإن كان بالعكس كان بالعكس.

قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه العلة ضعيفة فقد رأينا في النساء من كان مزاجه في غاية السخونة وفي الرجال من كان في غاية البرودة.

ولقائل أن يقول: الكلام في المزاج الصنفي لا في المزاج الشخصي، وهذا الإمام لم يفرق بينهما فاعترض بأحدهما على الآخر.

﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ﴾ أصل الحفد الإسراع في الخدمة.

والفاعل حافد والجمع حفدة.

فقيل: أراد بها في الآية الأختان على البنات.

وقيل: أولاد الأولاد.

وقيل: أولاد المرأة من الزوج الأوّل وقيل: الخدم والأعوان.

وقيل: البنون أنفسهم الجامعون بين الأمرين البنوّة والخدمة.

وقيل: الأولى دخول الكل فيه.

ثم ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة لأن لذة المنكوح لا تهنأ إلا بعد الفراغ من لذة المطعوم أو بعد الفراغ من تحصيل أسبابها.

وأورد "من" التبعيضية لأن لذة كل الطيبات لا تكون إلا في الجنة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ أفبالباطل يؤمنون ﴾ فقيل: الباطل هو ما اعتقدوه من منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها ونعمة الله ما عدده في الآيات السابقة.

وقيل: الباطل ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما، ونعمة الله ما أحل لهم.

وإنما قال ههنا: ﴿ وبنعمة الله هم يكفرون ﴾ وفي آخر "العنكبوت" ﴿ وبنعمة الله يكفرون  ﴾ لأن تلك الآيات استمرت على الغيبة فلم يحتج إلى زيادة ضمير الغائب.

وأما في الآية فقد سبق مخاطبات كثيرة فلم يكن بد من ضمير الغائب المؤكد لئلا يلتبس بالخطاب.

ولما عدّد بعض الآيات الدالة على الإقرار بالتوحيد أنكر صنيع أهل الشرك عليهم قائلاً ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً ﴾ قال جار الله: إن كان بمعنى المصدر نصبت به شيئاً أي لا يملك أن يرزق شيئاً، وإن أردت المرزوق كان شيئاً بدلاً منه بمعنى قليلاً أو يكون تأكيداً للا يملك أي لا يملك شيئاً من الملك.

و ﴿ من السموات والأرض ﴾ صلة للرزق إن كان مصدراً بمعنى لا يرزق من السموات مطراً ولا من الأرض نباتاً وصفة إن كان اسماً لما يرزق.

أما الضمير في ﴿ ولا يستطيعون ﴾ فعائد إلى ما بعد أن قيل لا يملك على اللفظ المفرد وجمع بالواو والنون بناء على زعمهم أن الأصنام آلهة.

والفائدة في نفي الاستطاعة عنهم أن من لا يملك شيئاً قد يكون موصوفاً باستطاعة أن يتملك بطريق من الطرق، فبيّن  أنها لا تملك ولا تستطيع تحصيل الملك.

وجوّز في الكشاف أن يكون الضمير للكفار أي لا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون فكيف بالجماد الذي لا حس له؟

﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ أي لا تشبهوه بخلقه فإن ضارب المثل مشبه حالاً بحال وقصة بقصة.

وقال الزجاج: لا تجعلوا لله مثلاً لأنه واحد لا مثل له.

وكانوا يقولون إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنهوا عن غير الحنيفية والإخلاص.

وعلل النهي بقوله: ﴿ إن الله يعلم ﴾ ما عليكم من العقاب ﴿ وأنتم لا تعلمون ﴾ ما في عبادتها من العذاب.

وفيه أن القياس الذي توهموه ليس بصحيح والنص يجب تقديمه على ذلك.

وقيل: إن الله يعلم كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون.

ثم علمهم كيف تضرب فقال: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ ثم أبدل من المثل قوله: ﴿ عبداً مملوكاً ﴾ لا حراً فإن جميع الناس عبيد لله فلا يلزم من كونه عبداً كونه مملوكاً.

وقوله: ﴿ لا يقدر على شيء ﴾ ليخرج العبد المأذون والمكاتب فإنهما يقدران على التصرف.

احتج الفقهاء بالآية على أن العبد لا يملك شيئاً وإن ملكه السيد لأن قوله: ﴿ لا يقدر ﴾ حكم مذكور عقيب الوصف المناسب، فدل على أن العبدية أينما وجدت فهي علة للذل والمقهورية وعدم القدرة، فثبت العموم وهو أن كل عبد فهو لا يقدر على التصرف.

وأيضاً قوله: ﴿ ومن رزقناه منا رزقاً حسناً ﴾ يقتضي أن لا يحصل للقسم الأوّل هذا الوصف.

فلو ملك العبد شيئاً ما صدق عليه أن الله قد آتاه الرزق الحسن فلم يثبت الامتياز، والأكثرون على أن عدم اقتدار العبد مخصوص بماله تعلق بالمال.

وعن ابن عباس أنه لا يملك الطلاق أيضاً.

قال جار الله: الظاهر أن "من" في قوله: ﴿ ومن رزقناه ﴾ موصوفة كأنه قيل: وحراً رزقناه ليطابق عبداً.

ولا يمتنع أن تكون موصولة.

وجمع قوله: ﴿ هل يستوون ﴾ لأنه أراد الأحرار والعبيد.

وللمفسرين في مضرب المثل أقوال: فالأكثرون على أنه أراد أنا لو فرضنا عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وفرضنا حراً كريماً غنياً كثير الإنفاق سراً وجهراً، فصريح العقل يشهد بأنه لا يجوز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة، فكيف يجوز للعاقل أن يسوّى بين الله القادر على الرزق والإفضال وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر ألبتة؟!

وقيل: العبد المملوك هو الكافر المحروم عن طاعة الله وعبوديته، والآخر هو المؤمن المشتغل بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله.

والغرض أنهما لا يستويان في الرتبة والشرف والقرب من رضوان الله.

وقيل: العبد هو الصنم لقوله: ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتِى الرحمن عبداً  ﴾ .

والثاني عابد الصنم.

والمراد أنهما لا يستويان في القدرة والتصرف.

لأن الأوّل جماد وهذا إنسان فكيف يجوز الحكم بأن الأول مساوٍ لرب العالمين؟!.

﴿ الحمد لله ﴾ قال ابن عباس: أراد الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد.

وقيل: معناه كل الحمد لله وليس شيء من الحمد للأصنام لأنه لا نعمة لها على أحد ﴿ بل أكثرهم لايعلمون ﴾ أن كل الحمد لي.

وقيل: أراد قل الحمد لله.

والخطاب إما للرسول  وإما لمن رزقه الله رزقاً حسناً وميزه بالقدرة والاختيار والتصرف من العبد الذليل الضعيف.

وقيل: لما ذكر مثلاً مطابقاً للغرض كاشفاً عن المقصود قال: ﴿ الحمد لله ﴾ أي على قوة هذه الحجة وظهور هذه البينة ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ قوّتها وظهورها.

ثم ضرب مثلاً ثانياً لنفسه ولما يفيض على عباده من النعم الدينية والدنيوية وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع بل يصل منها إلى من يعبدها أعظم المضار.

أما تفسير الألفاظ فالأبكم العي المفحم وقد بكم بكماً وبكامة.

وقيل: هو الأقطع اللسان الذي لا يحسن الكلام.

وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه الذي لا يسمع ولا يبصر.

وقوله: ﴿ وهو كلٌّ على مولاه ﴾ أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة.

يقال: كَلَّ السكين إذا غلظت شفرته، وكَلَّ اللسان إذا غلظ فلم يقدر على الكلام، وكَلَّ فلان عن الكلام إذا ثقل عليه ولم ينبعث فيه، وفلان كَلٌّ على مولاه أي ثقيل وعيال على من يلي أمره.

وقوله: ﴿ أينما يوجهه ﴾ حيثما يرسله ﴿ لا يأت بخير ﴾ لم ينجح في مطلبه.

والتوجيه أن ترسل صاحبك في وجه معين من الطريق ﴿ هل يستوي هو ﴾ أي الموصوف بهذه الصفات المذكورة.

﴿ ومن يأمر ﴾ الناس ﴿ بالعدل وهو ﴾ في نفسه ﴿ على صراط مستقيم ﴾ على سيرة صالحة ودين قويم غير منحرف إلى طرفي الإفراط والتفريط.

ولا شك أن الآمر بالعدل يجب أن يكون عالماً حتى يمكنه التمييز بين العدل والجور.

قادراً حتى يتأتى منه الإتيان بالخير والأمر به، وكلا الوصفين يناقض كونه أبكم لا يقدر.

قال مجاهد: هذا مثل لإله الخلق وما يدعى من دونه.

أما الأبكم فمثل الصنم لأنه لا ينطق ألبتة ولا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على عابديه لأنه لا ينفق عليهم وهم ينفقون عليه وإلى أيّ مهم يوجه الصنم لا يأتي بخير، وأما الذي يأمر بالعدل فهو الله  .

وروى الواحدي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: نزلت الآية المتقدمة في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله سراً وجهراً، ومولاه أبو الحوار الذي كان ينهاه عنه.

وهذه الآية نزلت في سعيد بن أبي العيص وفي عثمان بن عفان مولاه.

والأصح أن المقصود من الآية الأولى كل عبد موصوف بالصفات الذميمة وكل حر موصوف بالخصال الحميدة.

ومن الآية الثانية كل رجل جاهل عاجز وكل من هو بضد ذلك من كونه شامل العلم كامل القدرة وليس إلا الله  فلذلك مدح نفسه بقوله: ﴿ ولله غيب السموات والأرض ﴾ أي يختص به علم ما غاب عنه العباد فيهما، أو أراد بغيبهما يوم القيامة لأن علمه غائب عن غير الله ويؤيد هذا التفسير قوله: ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ﴾ اللمح النظر بسرعة ولا بد فيه من زمان تتقلب فيه الحدقة نحو المرئي وكل زمان قابل للتجزئة فلذلك قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ وليس هذا من قبيل المبالغة وإنما هو كلام في غاية الصدق لأن مدّة ما بين الخطاب وقيام الساعة متناهية، ومنها إلى الأبد غير متناه ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.

وقيل: معنى أمر الساعة أن إماتة الأحياء وإحياء الأموات كلهم يكون في أقرب وقت وأقله.

ثم أكده بقوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ .

ثم زاد في التأكيد بذكر حالة أخرى للإنسان دالة على غاية قدرته ونهاية رأفته فقال: ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ قال جار الله: هو في موضع الحال أي غير عالمين شيئاً من حق المنعم الذي خلقكم في البطون وسوّاكم وصوّركم ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة.

وقوله: ﴿ وجعل لكم ﴾ معناه وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه والترقي إلى ما يسعدكم.

﴿ والأفئدة ﴾ في فؤاد كالأغربة في غراب، وهو من جموع القلة التي تستعمل في مقام الكثرة أيضاً لعدم ورود غيرها.

واعلم أن جمهور الحكماء زعموا أن الإنسان في مبدأ فطرته خال عن المعارف والعلوم إلا أنه  خلق السمع والبصر والفؤاد وسائر القوى المدركة حتى ارتسم في خياله بسبب كثرة ورود المحسوسات عليه حقائق تلك الماهيات وحضرت صورها في ذهنه، ثم إن مجرد حضور تلك الحقائق إن كان كافياً في جزم الذهب بثبوت بعضها لبعض أو انتفاء بعضها عن بعض فتلك الأحكام علوم بديهية، وإن لم تكن كذلك بل كانت متوقفة على علوم سابقة عليها ولا محالة تنتهي إلى البديهيات قطعاً للدور أو التسلسل فهي علوم كسبية.

وظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس الإنسانية هو أن الله  أعطى الحواس والقوى الدرّاكة للصور الجزئية.

وعندي أن النفس قبل البدن موجودة عالمة بعلوم جمة وهي التي ينبغي أن تسمى بالبديهيات، وإنما لا يظهر آثارهاعليها عند انفصال الجنين من الأم لضعف البدن واشتغالها بتدبيره، حتى إذا قوي وترقى ظهرت آثارها شيئاً فشيئاً وقد برهنا على هذه المعاني في كتبنا الحكمية.

فالمراد بقوله: ﴿ لا تعلمون شيئاً ﴾ أنه لا يظهر أثر العلم عليكم.

ثم إنه بتوسط الحواس الظاهرة والباطنة يكتسب العلوم المتوقفة على التعلق.

ومعنى ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ إرادة أن تصرفوا كل آلة فيما خلقت لأجله.

وليس الواو للترتيب حتى يلزم من عطف ﴿ جعل ﴾ على ﴿ أخرج ﴾ أن يكون جعل السمع والبصر متأخراً عن الإخراج من البطن، وقد مر في أول البقرة في تفسيره قوله: ﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم  ﴾ أنه لم وحد السمع وجمع غيره؟

ثم ذكر دليلاً آخر على كمال قدرته فقال: ﴿ ألم يروا إلى الطير مسخرات ﴾ مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة وسائر الأسباب المواتية لذلك كرقة قوام الهواء وإلهامهن بسط الجناح وقبضه فيه عمل السابح في الماء.

وفي ﴿ جوّ السماء ﴾ أي في الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو وهو مضاعف عينه ولامه واو ﴿ ما يمسكهن إلا الله ﴾ بقدرته أو بإعطاء الآلات التي لأجلها يتسهل عليها الطيران.

ومن جملة أحوال الإنسان قوله: ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكناً ﴾ هو ما يسكن إليه من بيت أو إلف ﴿ جعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً ﴾ هي القباب والأبنية من الأدم والأنطاع ﴿ تستخفونها ﴾ أي تعدونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل ﴿ يوم ظعنكم ﴾ أي في وقت ارتحالكم.

والظعن بفتح العين وسكونها سير أهل البادية لنجعة، ثم استعمل في كل شخوص لسفر.

﴿ ويوم إقامتكم ﴾ لا يثقل عليكم حفظها ونقلها من مكان إلى مكان، ويمكن أن يكون اليوم على حقيقته أي يوم ترجعون خف عليكم حملها ونقلها ويوم تنزلون وتقيمون في مكان لم يثقل عليكم ضربها ﴿ ومن أصوافها ﴾ وهي للضأن ﴿ وأوبارها ﴾ وهي للإبل ﴿ وأشعارها ﴾ وهي للمعز ﴿ أثاثاً ﴾ وهو متاع البيت.

قال الفراء لا واحد له.

وقال أبو زيد: الأثاث المال أجمع الإبل والغنم والعبيد والمتاع الواحدة أثاثة.

قال ابن عباس: أراد طنافس وبسطاً وثياباً وكسوة.

وقال الخليل: أصله من أن النبات والشعر يئث إذا كثر.

قيل: إنه  عطف قوله: ﴿ ومتاعاً ﴾ على ﴿ أثاثاً ﴾ فوجب أن يتغايرا فما الفرق؟

وأجيب بأن الأثاث ما يكتسي به المرء ويستعمله من الغطاء والوطاء.

والمتاع ما يفرش في المنازل ويتزين به.

قلت: لا يبعد أن يراد بالأثاث والمتاع ما هو الجامع بين الوصفين كونه أثاثاً وكونه مما يتمتع به ﴿ إلى حين ﴾ أي إلى أن تقضوا أوطاركم منه أو إلى أن تبلى وتفنى أو إلى الموت أو إلى القيامة.

ثم إن المسافر قد لا يكون له خيام وأبنية يستظل بها لفقر أو لعارض آخر فيحتاج إلى أن يستظل بشجر أو جدار أو غمام ونحوها فذلك قال: ﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ وقد يحتاج المسافر إلى حصن يأوي إليه في نزوله وإلى ما يدفع به عن نفسه آفات الحر والبرد وسائر المكاره وكذا المقيم فلذلك منّ بقوله: ﴿ وجعل لكم من الجبال أكناناً ﴾ هي جمع "كن" وهو ما يستكن به ويتوقى بسببه الأمطار كالبيوت المنحوته في الجبال وكالغيران والكهوف ﴿ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ﴾ وهي القمصان والثياب من الصوف والقطن والكتان وغيرها.

وإنما لم يذكر البرد لأن الوقاية من الحر أهم عندهم لغلبة الحرارة في بلادهم على أن ذكر أحد الضدين يغني في الأغلب عن ذكر الآخرة لتلازمهما في الخطور بالبال غالباً بشهادة الوجدان.

قال الزجاج: كل ما لبسته فهو سربال فعلى هذا يشمل الرقيق والكثيف والساذج والمحشوّ من الثياب ﴿ وسرابيل تقيكم بأسكم ﴾ كالدروع والجواشن ﴿ كذلك يتم نعمته ﴾ أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإنه يتم نعم الدين والدنيا ﴿ لعلكم تسلمون ﴾ قال ابن عباس: لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الإنعامات سواه.

وعنه أنه قرأ بفتح التاء واللام من السلامة أي تسلم قلوبكم من الشرك، أو تشكرون فتسلمون من العذاب.

وقيل: تسلمون من الجرح بلبس الدروع ﴿ فان تولوا ﴾ فقد تمهد عذرك ﴿ فإنما عليك البلاغ المبين ﴾ وليس إليك الهداية.

ثم ذمهم بأنهم ﴿ يعرفون نعمة الله ﴾ التي عددناها حيث يعترفون بها وبأنها من عند الله ﴿ ثم ينكرونها ﴾ بعبادة غير من أنعم بها وبقولهم هي من الله ولكنها بشفاعة آلهتنا.

ومعنى "ثم" تبعيد رتبة الإنكار عن العرفان: وقيل: إنكارها قولهم ورثناها من آبائنا أو وصل إلينا بتربية فلان، أو أنهم لا يستعملونها في طلب رضوان الله.

وقيل: نعمة الله نبوّة محمد  كانوا يعرفونه ثم ينكرون نبوّته عناداً.

وإنما قال: ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ لأنه استعمل الأكثر مقام الكل أو أراد البالغين العقلاء منهم دون الأطفال والمجانين، أو أراد كفر الجحود ولم يكن كفر كلهم كذلك بل كان فيهم من كفر للجهل بصدق الرسول، أو لأنه لم تقم الحجة عليه بعد هذا ما قاله المفسرون.

قلت: ويحتمل أن يراد بالكافرين المصرين الثابتين على كفرهم وقد علم الله أن في مطلق الكفرة من يؤمن فلهذا استثناهم والله  أعلم.

التأويل: فضل الأرواح على القلوب في رزق المكاشفات والمشاهدات بعد الفناء والرد إلى البقاء، وفضل القلوب على النفوس في رزق الزهد والورع والتقوى والصدق واليقين والإيمان والتوكل والتسليم والرضا، وفضل النفوس على الأبدان في رزق التزكية والتخلية والتحلية، وفضل أبدان المؤمنين على أبدان الكافرين بحمل أعباء الشريعة.

فما الأرواح برادّي رزقهم على القلوب، ولا القلوب على النفوس، ولا النفوس على الأبدان.

أفبنعمة الله التي أنعم بها على أوليائه تجحدون يا منكري هذا الحديث ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ﴾ يعني ازدواج الأرواح والأشباح ﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين ﴾ وهم القلوب ﴿ وحفدة ﴾ وهن النفوس ﴿ أفبالباطل ﴾ وهو الزخارف والوساوس ﴿ يؤمنون وبنعمة الله ﴾ التي أنعم بها على أرباب القلوب ﴿ يكفرون ﴾ ويعبدون من دون الله كالدنيا والهوى ﴿ ما لا يملك لهم زرقاً ﴾ من سموات القلوب وأرض النفوس شيئاً من الكمالات التي أودع الله فيهن، ولا يستخرج منها إلا بعبادة الله ولا يستطعيون استخراجها بعبادة غير الله ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ بأن تريدوا أن تصلوا إلى المقاصد بغير طريق الله ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً ممولكاً ﴾ للهوى وللدنيا ﴿ ومن رزقناه ﴾ ولاية كاملة يتصرف بها في بواطن المستعدين وظواهرهم.

﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ أولياء الله لأنهم تحت قباب الله لا يعرفهم غيره.

﴿ أحدهما أبكم ﴾ هو النفس الحيوانية التي لا تقدر على شيء من العلم والعقل والإيمان وهو ثقل على مولى الروح المسمى بالنفس الناطقة.

﴿ لا يأت بخير ﴾ لأنها أمارة بالسوء ﴿ ولله غيب ﴾ سموات الأرواح النفوس لا يقف على خاصيتهما غيره، ولو وكل كلاً منهما إلى طبعها لم ترجع إلى ربها، ورجوعها يكون بالإماتة والإحياء ويميتها عن أوصافها ويحييها بصفاته وهو المراد بأمر الساعة لأن الإماتة بتجلي صفات الجلال والإحياء بتجلي صفات الجمال، وإذا تجلى الله لعبد لم يبق له زمان ولا مكان فلذلك قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ وحنيئذ يكون فانياً عن وجوده باقياً ببقائه ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ من أمور الدنيا والآخرة ولا مما كانت أرواحكم تعلم في عالم الأرواح ولا مما كانت تعلم ذراتكم من فهم خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وجواب ﴿ بلى  ﴾ وجعل لأجسادكم السمع والأبصار والأفئدة كما للحيوانات ولأرواحكم كما للملائكة.

ولأسراركم سمعاً يسمع به من الله وبصراً يبصر به الله وفؤاداً يعرف به الله.

وبوجه آخر: {والله أخرجكم من العدم وهو الأم الحقيقي، لا تعلمون شيئاً قبل أن يعلمكم الله  أسماء كل شيء، فتجلى لكم بربوبيته فبنور سمعه أعطاكم سمعاً تسمعون به خطاب ألست بربكم، وبنور بصره أعطاكم بصراً تبصرون به جماله، وبنور علمه أعطاكم فؤاداً تعرفون به كماله، وبنور كلامه أعطاكم لساناً.

تجيبونه بقولكم "بلى" ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ فلا تسمعون بهذا السمع إلا كلامه، ولا تبصرون بهذا البصر إلا جماله، ولا تحبون بهذا الفؤاد إلا ذاته، ولا تكلمون بهذا الكلام إلى معه ﴿ ألم يروا إلى ﴾ طير الأرواح ﴿ مسخرات في جوّ ﴾ سماء القلوب ﴿ ما يمسكهن ﴾ في سفل الأجساد ﴿ إلا الله ﴾ بحكمته فلذلك قال: ﴿ والله جعل لكم ﴾ أيها الأرواح ﴿ من بيوتكم ﴾ وهي الأجساد ﴿ سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام ﴾ التي هي أجساد اشتركت فيها سائر الحيوانات ﴿ بيوتاً ﴾ تستخف أرواحكم إياها وهي النفوس الحيوانية، وقواها وقت السير إلى الله والوقفة للاستراحة والتربية ﴿ ومن أصوافها ﴾ هي الصفات الحيوانية والحواس والقوى ﴿ أثاثاً ﴾ آلات للسير ﴿ ومتعاً ﴾ ينتفع بها ﴿ إلى حين ﴾ الوصول والوصال.

﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ أي جعل عالم الخلق ظل عالم الأمر تستظل أيها الأرواح به عند طلوع شمس التجلي وإلا لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره.

و ﴿ وجعل لكم من ﴾ جبال القلوب ما يكن به الأرواح، وجعل لأرواحكم سرابيل من الصفات البشرية تقيكم حر نار المحبة، وسرابيل من الصفات الروحانية تقيكم من سهام الوساوس والهواجس كذلك يحفظكم من الآفات من الصفات بالكرامات حتى يتم نعمة الوصول عليكم وتسلموا من قطع الطريق ﴿ يعرفون نعمة الله ﴾ بتعريفك ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ بك وبنعمة الله إظهاراً للقهر والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ .

أي: من قدر على إمساك الطير، وهي أجسام كغيرها من الأجسام في الهواء بلا إعانة في الأسفل ولا تعلق بشيء من الأعلى، لقادر على إنشاء الخلق وإعادتهم بعد الفناء.

أو يقول: أو لم يروا إلى اللطف الذي جعل في الطير، والحكمة التي أنشأ فيها حتى قدرت على الاستمساك في الهواء، والطيران في الجو: ما لو اجتمع الخلائق جميعاً أن يدركوا ذلك اللطف أو تلك الحكمة - ما قدروا على إدراكه.

وفي ذلك نقض قول المعتزلة؛ لأن الطيران فعل الطير، ثم أضاف ذلك إلى الله حيث قال: ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ : دلّ ذلك أن لله في ذلك صنعاً وفعلاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لأََيٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

جميع ما ذكر يكون آية لمن آمن؛ لأنه هو المنتفع.

قال أبو عوسجة: لمح البصر: سرعة النظر، وجوّ السماء: هواؤها، ويقال: بطن السماء، ويقال: جوف السماء، ويقال: الجوّ: ما اطمأن من الأرض.

والأوّل أشبه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ .

ظاهر هذا أنه قد جعل لنا من البيوت - أيضاً - ما ليس بسكن؛ لأنه قال: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ ، وهو ما ذكر في قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ  ﴾ : وهو كالمساجد والرباطات وغيرها.

ويشبه أن يكون ذكر هذا؛ ليعرفوا عظيم مننه ونعمه، حيث جعل الأرض بمحل يقرّون عليها ويمكن لهم المقام بها؛ بالرواسي التي ذكر أنه أثبت فيها بعدما كانت تميد بهم ولا تقر بها، أخبر أنه [جعل] فيها رواسي أو أن يكون حرف (من) صلة، أي: جعل لكم بيوتاً تسكنون فيها.

ثم قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: سخر لكم الأرض حتى قدرتْم على اتخاذ المساكن فيها تسكنون.

أو جعل لكم بيوتاً، أي: علمكم تسكنون فيها.

ثم قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ : أي [علمكم] ما تبنون فيها من البيوت ما لولا تعليمه إياكم ما تقدرون على بناء البيوت فيها؛ يذكر مننه عليهم، والله أعلم.

وفي هذه الآيات في قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً ﴾ .

ونحوه: دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه ذكر أنه جعل بيوتاً سكناً، والسكن فعل العباد؛ دلّ أنّ لله في فعلهم صنعاً.

﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً ﴾ ، قال أهل التأويل: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً ﴾ ، أي: من صوفها، لكنه أضافها إلى الجلود؛ لما من الجلود يخرج، ومنها يجزّ ويؤخذ، وهو ما ذكر.

﴿ وَمِنْ أَصْوَافِهَا ﴾ : وهو صوف الغنم.

﴿ وَأَوْبَارِهَا ﴾ : وهو صوف الإبل.

﴿ وَأَشْعَارِهَآ ﴾ : ما يخرج من المعز.

﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ﴾ : قيل: ليوم سفركم وسيركم.

﴿ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ﴾ : قال بعضهم: في المصر.

وقال بعضهم: في السفر حين النزول.

والجعل في هذا يحتمل الوجهين اللذين ذكرنا في قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ : أحدهما: على التسخير لهم، والثاني: على التعليم.

ذكر - عز وجل - في البيوت المتخذة من المدر السكني؛ حيث قال: ﴿ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ ، ولم يذكر في البيوت المتخذة من الجلود والأوبار والأشعار؛ فكأنه ترك ذكره في هذه، الذكر في الأول ذكر تصريح، وذكر في الثاني ذكر دلالة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَثَاثاً ﴾ قيل: الأثاث والرياش: واحد، وهو المال.

وقيل: ما يتخذ من الثياب والأمتعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ ﴾ .

[يحتمل إلى حين] إلى وقت بِلَى ذلك الأثاث، أو إلى حين وقت فنائهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ظِلاَلاً ﴾ البيوت التي ذكر وهي تظلهم، ويحتمل الأشجار.

﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَاناً ﴾ .

وهي الغِيرَان والبيوت التي تتخذ في الجبال؛ تقيهم من الحرّ والبرد.

﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ ﴾ .

قيل: القميص والدروع، ثم ذكر أن ما ذكر من البيوت والأكنان والسرابيل تقيكم الحرّ، وتقيكم أيضاً بأس العدو.

﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

[على] ما ذكر من أنواع النعم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ ﴾ .

ذكر أنها تقي من الحر، وهي تقي الحرّ والبرد جميعاً؛ فكان في ذكر أحدهما ذكر الآخر ذكر كفاية.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

أي: كذلك يتم [ذكر] نعمته عليكم؛ ليلزمهم الإسلام أو حجته، ثم يحتمل النعمة على ما تقدم ذكره، ويحتمل: الرسول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ .

جميع ما ذكر من النعم والآيات في هذه السّورة من أوّلها إلى آخرها؛ إنما ذكر لهذا الحرف، وهو قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ .

وما ذكر ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ و ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ : يحتمل أن يكون هذه الأحرف كلها واحداً، ويحتمل أن يكون لكل حرف من ذلك معنى غير الآخر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ .

عن الإجابة لك وعما تدعوهم إليه.

﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .

أي: ليس عليك إجابتهم، إنما عليك التبليغ إليهم والبيان لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا ﴾ .

يحتمل النعمة - هاهنا - محمداً  كانوا يعرفونه [لكنهم أنكروه؛ كقوله]: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ  ﴾ ، وما ذكر: ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ  ﴾ .

ويحتمل: ﴿ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ﴾ : يعرفون نعمة الله، وهو ما ذكر عرفوها أنها من الله ﴿ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا ﴾ ؛ بعبادتهم الأصنام، وصرفهم شكرها إلى غيره، كقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ  ﴾ ، مع ما يعرفون: أن الله هو خالقهم، وأن ما لهم كله من عند الله يعبدون الأصنام؛ فتكون عبادتهم دون الله كفران نعمة الله.

وقال أبو عوسجة: ﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ﴾ : يوم سيركم؛ ظعن يظعن: سار، والسراويل: القميص.

يقول: ﴿ تَقِيكُمُ ﴾ ، أي: تستركم.

وقال القتبي: ﴿ ظِلاَلاً ﴾ ، أي: ظلال الشجر والجبال.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ .

هذا - والله أعلم - في قوم علم الله أنهم يؤمنون بما ذكر لهم من أنواع النعم والأفضال؛ ليعلم أن الإسلام من أعظم نعم الله، لا يناله أحد إلا بنعمته.

وقال بعض أهل التأويل: سميت سورة (النحل) سورة النعم؛ لما فيها من ذكر النعم وأنواع منافع الخلق من أولها إلى آخرها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واستسلم المشركون، وانقادوا لله وحده، وذهب عنهم ما كانوا يختلقونه من ادعاء أن أصنامهم تشفع لهم عند الله.

من فوائد الآيات دلت الآيات على جواز الانتفاع بالأصواف والأوبار والأشعار على كل حال، ومنها استخدامها في البيوت والأثاث.

كثرة النعم من الأسباب الجالبة من العباد مزيد الشكر، والثناء بها على الله تعالى.

الشهيد الذي يشهد على كل أمة هو أزكي الشهداء وأعدلهم، وهم الرسل الذين إذا شهدوا تم عليهم الحكم.

في قوله تعالى: ﴿ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ﴾ دليل على اتخاذ العباد عدَّة الجهاد , ليستعينوا بها على قتال الأعداء.

<div class="verse-tafsir" id="91.jLmRQ"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله