الآية ٨٨ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٨٨ من سورة النحل

ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًۭا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يُفْسِدُونَ ٨٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 72 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٨ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٨ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون ) أي : عذابا على كفرهم ، وعذابا على صدهم الناس عن اتباع الحق ، كما قال تعالى : ( وهم ينهون عنه وينأون عنه ) [ الأنعام : 26 ] أي : ينهون الناس ، عن اتباعه ، ويبتعدون هم منه أيضا ( وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون ) [ الأنعام : 26 ] وهذا دليل على تفاوت الكفار في عذابهم ، كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتهم ، كما قال [ الله ] تعالى : ( قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ) [ الأعراف : 38 ] .

وقد قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا سريج بن يونس ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، عن عبد الله في قول الله : ( زدناهم عذابا فوق العذاب ) قال : زيدوا عقارب أنيابها كالنخل الطوال .

وحدثنا سريج بن يونس ، حدثنا إبراهيم بن سليمان ، حدثنا الأعمش ، عن الحسن ، عن ابن عباس أنه قال : ( زدناهم عذابا فوق العذاب ) قال : هي خمسة أنهار فوق العرش يعذبون ببعضها بالليل وببعضها بالنهار .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: الذين جحدوا يا محمد نبوّتك وكذّبوك فيما جئتهم به من عند ربك، وصَدُّوا عن الإيمان بالله وبرسوله ، ومن أراده زدناهم عذابًا يوم القيامة في جهنم فوق العذاب الذي هم فيه قبل أن يزادوه.

وقيل: تلك الزيادة التي وعدهم الله أن يزيدهموها عقارب وحيات.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله ( زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ ) قال: عقارب لها أنياب كالنخل.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية وابن عيينة، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله ( زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ ) قال: زيدوا عقارب لها أنياب كالنخل الطوال.

حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله، مثله.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن سليمان، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله، نحوه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن السدّي، عن مرّة، عن عبد الله، قال ( زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ ) قال: أفاعِيَ.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السديّ، عن مرّة، عن عبد الله، قال: أفاعيَ في النار.

حدثنا ابن وكيع ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مرّة، عن عبد الله، مثله.

حدثنا مجاهد بن موسى والفضل بن الصباح، قالا ثنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا الأعمش، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، قال: إن لجهنم جبابا فيها حيات أمثال البخت (1) وعقارب أمثال البغال الدهم، يستغيث أهل النار إلى تلك الجِباب أو الساحل، فتثب إليهم فتأخذ بشِفاههم وشفارهم إلى أقدامهم، فيستغيثون منها إلى النار، فيقولون: النارَ النارَ ، فتتبعهم حتى تجد حرّها فترجع، قال: وهي في أسراب.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، قال: إن لجهنم سواحل فيها حيات وعقارب أعناقها كأعناق البخت.

وقوله ( بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ ) يقول: زدناهم ذلك العذاب على ما بهم من العذاب بما كانوا يفسدون ، بما كانوا في الدنيا يعصُون الله ، ويأمرون عباده بمعصيته، فذلك كان إفسادهم، اللهم إنا نسألك العافية يا مالك الدنيا والآخرة الباقية.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون [ ص: 149 ] قوله تعالى : الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب قال ابن مسعود : عقارب أنيابها كالنخل الطوال ، وحيات مثل أعناق الإبل ، وأفاعي كأنها البخاتي تضربهم ، فتلك الزيادة وقيل : المعنى يخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار .

وقيل : المعنى زدنا القادة عذابا فوق السفلة ، فأحد العذابين على كفرهم والعذاب الآخر على صدهم .بما كانوا يفسدون في الدنيا من الكفر والمعصية .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

حيث كفروا بأنفسهم، وكذبوا بآيات الله، وحاربوا رسله، وصدوا الناس عن سبيل الله، وصاروا دعاة إلى الضلال فاستحقوا مضاعفة العذاب، كما تضاعف جرمهم، وكما أفسدوا في أرض الله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ) منعوا الناس عن طريق الحق ( زدناهم عذابا فوق العذاب ) قال عبد الله : عقارب لها أنياب أمثال النخل الطوال .

وقال سعيد بن جبير : حيات أمثال البخت وعقارب أمثال البغال ، تلسع إحداهن اللسعة يجد صاحبها حمتها أربعين خريفا .

وقال ابن عباس ومقاتل : يعني خمسة أنهار من صفر مذاب كالنار تسيل من تحت العرش ، يعذبون بها : ثلاثة على مقدار الليل واثنان على مقدار النهار .

وقيل : إنهم يخرجون من حر النار إلى برد الزمهرير ، فيبادرون من شدة الزمهرير إلى النار مستغيثين بها .

وقيل : يضاعف لهم العذاب .

( بما كانوا يفسدون ) في الدنيا بالكفر وصد الناس عن الإيمان .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذين كفروا وصدوا» الناس «عن سبيل الله» دينه «زدناهم عذابا فوق العذاب» الذي استحقوه بكفرهم قال ابن مسعود: عقارب أنيابها كالنخل الطوال «بما كانوا يفسدون» بصدهم الناس عن الإيمان.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الذين جحدوا وحدانية الله ونبوتك -أيها الرسول- وكذَّبوك، ومنعوا غيرهم عن الإيمان بالله ورسوله، زدناهم عذابا على كفرهم وعذابًا على صدِّهم الناس عن اتباع الحق؛ وهذا بسبب تعمُّدهم الإفساد وإضلال العباد بالكفر والمعصية.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - مصير الذين لم يكتفوا بالكفر ، بل ضموا إليه رذائل أخرى فقال - تعالى - : ( الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ العذاب بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ) أى : الذين لم يكتفوا بكفرهم ، بل أضافوا إلى ذلك أنهم ( صدوا ) غيرهم ومنعوه ( عَن سَبِيلِ الله ) أى : عن اتباع الصراط المستقيم ، والطريق القويم وهو طريق الإِسلام .

.

هؤلاء الأشقياء الذين فعلوا ذلك : ( زدناهم عذابا ) شديدا ( فوق العذاب ) الذى يستحقونه ( بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ) أى : بسبب فسادهم فى الأرض وكفرهم بالحق ، وصدهم الناس عن اتباعه .وهذه الزيادة فى عذابهم ، وردت آثار عن بعض الصحابة فى بيانها .

ومن ذلك ما روى عن ابن مسعود - رضى الله عنه - أنه قال : " زيدوا عقارب لها أنياب كالنخل الطوال ينهشونهم فى جهنم " .قال ابن كثير : وهذا دليل على تفاوت الكفار فى عذابهم ، كما يتفاوت المؤمنون فى منازلهم فى الجنة ودرجاتهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الذين كفروا، أتبعه بوعيد من ضم إلى كفره صد الغير عن سبيل الله.

وفي تفسير قوله: ﴿ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله ﴾ وجهان: قيل: معناه الصد عن المسجد الحرام، والأصح أنه يتناول جملة الإيمان بالله والرسول وبالشرائع، لأن اللفظ عام فلا معنى للتخصيص وقوله: ﴿ زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب ﴾ فالمعنى أنهم زادوا على كفرهم صد غيرهم عن الإيمان فهم في الحقيقة ازدادوا كفراً على كفر، فلا جرم يزيدهم الله تعالى عذاباً على عذاب، وأيضاً أتباعهم إنما اقتدوا بهم في الكفر، فوجب أن يحصل لهم مثل عقاب أتباعهم لقوله تعالى: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ  ﴾ ولقوله عليه السلام: «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة»، ومن المفسرين من ذكر تفصيل تلك الزيادة فقال ابن عباس: المراد بتلك الزيادة خمسة أنهار من نار تسيل من تحت العرش يعذبون بها ثلاثة بالليل واثنان بالنهار، وقال بعضهم زدناهم عذاباً بحيات وعقارب كأمثال البخت، فيستغيثون بالهرب منها إلى النار ومنهم من ذكر لكل عقرب ثلثمائة فقرة في كل فقرة ثلثمائة قلة من سم.

وقيل: عقارب لها أنياب كالنخل الطوال.

ثم قال تعالى: ﴿ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ﴾ أي هذه الزيادة من العذاب إنما حصلت معللة بذلك الصد، وهذا يدل على أن من دعا غيره إلى الكفر والضلال فقد عظم عذابه، فكذلك إذا دعا إلى الدين واليقين، فقد عظم قدره عند الله تعالى، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ في أنفسهم، وحملوا غيرهم على الكفر: يضاعف الله عقابهم كما ضاعفوا كفرهم.

وقيل في زيادة عذابهم حيات أمثال البخت وعقارب أمثال البغال تلسع إحداهن اللسعة فيجد صاحبها حمتها أربعين خريفاً.

وقيل: يخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار ﴿ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ﴾ بكونهم مفسدين الناس بصدّهم عن سبيل الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَألْقَوْا ﴾ وألْقى الَّذِينَ ظَلَمُوا.

﴿ إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ ﴾ الِاسْتِسْلامَ لِحُكْمِهِ بَعْدَ الِاسْتِكْبارِ في الدُّنْيا.

﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ وضاعَ عَنْهم وبَطَلَ.

﴿ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ مِن أنَّ آلِهَتَهم يَنْصُرُونَهم ويَشْفَعُونَ لَهم حِينَ كَذَّبُوهم وتَبَرَّؤُوا مِنهم.

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ بِالمَنعِ عَنِ الإسْلامِ والحَمْلِ عَلى الكُفْرِ.

﴿ زِدْناهم عَذابًا ﴾ لِصَدِّهِمْ.

﴿ فَوْقَ العَذابِ ﴾ المُسْتَحَقِّ بِكُفْرِهِمْ.

﴿ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ ﴾ بِكَوْنِهِمْ مُفْسِدِينَ بِصَدِّهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الذين كَفَرُواْ} في أنفسهم {وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله} وحملوا غيرهم على الكفر {زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب} أي عذاباً بكفرهم وعذاباً بصدهم عن سبيل الله {بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ} بكونهم مفسدين الناس بالصد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ في أنْفُسِهِمْ ﴿ وصَدُّوا ﴾ غَيْرَهم ﴿ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ بِمَنعِ مَن يُرِيدُ الإسْلامَ عَنْهُ وبِحَمْلِ مَنِ اسْتَخَفُّوهُ عَلى الكُفْرِ فالصَّدُّ عَنِ السَّبِيلِ أعَمُّ مِنَ المَنعِ عَنْهُ ابْتِداءً وبَقاءً كَذا قِيلَ: والظّاهِرُ الأوَّلُ، والظّاهِرُ أنَّ المَوْصُولَ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ ﴾ خَبَرُهُ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَ المَوْصُولِ بَدَلًا مِن فاعِلِ ( يَفْتَرُونَ ) ويَكُونُ ﴿ زِدْناهُمْ ﴾ مُسْتَأْنِفًا، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الأوَّلِ نَصْبًا عَلى الذَّمِّ أوْ رَفْعًا عَلَيْهِ فَيُضْمَرُ النّاصِبُ والمُبْتَدَأُ وُجُوبًا ﴿ وزِدْناهُمْ ﴾ بِحالِهِ، وهَذِهِ الزِّيادَةُ إمّا بِالشِّدَّةِ أوْ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ العَذابِ والثّانِي هو المَأْثُورُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ عَنِ البَراءِ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: «عَقارِبُ أمْثالُ النَّخْلِ الطُّوالِ يَنْهَشُونَهم في جَهَنَّمَ»» ورَوى نَحْوَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ أهْلَ النّارِ إذا جَزِعُوا مِن حَرِّها اسْتَغاثُوا بِضِحْضاحٍ في النّارِ فَإذا أتَوْهُ تَلْقاهم عَقارِبُ كَأنَّهُنَّ البِغالُ الدُّهْمُ وأفاعِي كَأنَّهُنَّ البَخاتِيُّ فَتَضْرِبُهم فَذَلِكَ الزِّيادَةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها أنْهارٌ مِن صِفْرٍ مُذابٍ يَسِيلُ مِن تَحْتِ العَرْشِ يُعَذَّبُونَ بِها، وعَنِ الزَّجّاجِ يَخْرُجُونَ مِن حَرِّ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ فَيُبادِرُونَ مِن شِدَّةِ بَرْدِهِ إلى النّارِ ﴿ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ- بِزِدْناهُمْ- أيْ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِكُفْرِهِمْ بِسَبَبِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الإفْسادِ وهو الصَّدُّ عَنِ السَّبِيلِ، وجُوِّزَ أنْ يُفَسَّرَ ذَلِكَ بِما هو أعَمُّ مِنَ الكُفْرِ والصَّدِّ، والمَعْنى زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ عَذابِهِمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِمُجَرَّدِ الكُفْرِ والصَّدَّ بِسَبَبِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ القَبِيحَيْنِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ البَقاءَ عَلى المَعْصِيَةِ يَوْمَيْنِ مَثَلًا أقْبَحُ مِنَ البَقاءِ عَلَيْها يَوْمًا والبَقاءُ ثَلاثَةَ أيّامٍ أقْبَحُ مِنَ البَقاءِ يَوْمَيْنِ وهَكَذا، ومِن هُنا قالُوا: الإصْرارُ عَلى الصَّغِيرَةِ كَبِيرَةٌ، وقِيلَ: إنَّ أهْلَ جَهَنَّمَ يَسْتَحِقُّونَ مِنَ العَذابِ مَرْتَبَةً مَخْصُوصَةً هي ما يَكُونُ لَهم أوَّلَ دُخُولِها والزِّيادَةُ عَلَيْها إنَّما هي لِحِفْظِها إذْ لَوْ لَمْ تَزِدْ لَألِفُوها وطابَتْ أنْفُسُهم بِها كَمَن وضَعَ يَدَهُ في ماءٍ حارٍّ مَثَلًا فَإنَّهُ يَجِدُ أوَّلَ زَمانِ وضْعِها ما لا يَجِدُهُ بَعْدَ مُضِيِّ ساعَةٍ وهو كَما تَرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ أي: استسلموا وخضعوا وانقادوا.

العابد والمعبود، والتابع والمتبوع، خضعوا كلهم يومئذ لله تعالى وَضَلَّ عَنْهُمْ أي: اشتغل عنهم آلهتهم بأنفسهم مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ أي: يختلفون، ويقال: بطل عنهم مَّا كَانُواْ يقولون من الكذب في الدنيا.

ثم بين عذابهم فقال: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: صرفوا الناس عن دين الإسلام زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ فوق عذاب السفلة.

ويقال: التابع والمتبوع زدناهم في كل وقت عذاباً مع العذاب.

وقال مقاتل: يجري الله عليهم خمسة أنهار من نحاس ذائب، ثلاثة أنهار في وقت الليل، واثنان في وقت النهار بِما كانُوا يُفْسِدُونَ في الدنيا.

وقال الكلبي نحو هذا.

قال الفقيه أبو الليث: حدثنا محمد بن الفضل.

قال: حدثنا محمد بن جعفر.

قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، عن عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود في قوله: زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ قال: «أفاعي في النار» .

وعن ابن مسعود قال: «زيدوا عقارب في النار، أنيابها كالنخل الطوال» .

وعن مجاهد قال: «في النار عقارب كالبغال، أنيابهن كالرماح، تضرب إحداهن على رأسه فيسقط لحمه على قدميه» .

ويقال: يسألون الله تعالى المطر في ألف سنة ليسكن ما بهم من شدة الحر والغم، فتظهر لهم سحابة فيظنون أنها تمطر عليهم الغيث، فإذا هي تمطر عليهم الحيات والعقارب.

ويقال: يسلط عليهم الجوع.

ويقال: الجرب.

قوله عز وجل: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي: رسولاً من الآدميين وَجِئْنا بِكَ يا محمد شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ أي: على أمتك وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ أي: القرآن تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ من الأمر والنهي.

إلا أن بعضه مفسر، وبعضه مجمل يحتاج إلى الاستخراج والاستنباط.

وقال مجاهد: ما يسأل الناس عن شيء إلا في كتاب الله تبيانه، ثم قرأ: تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وقال علي بن أبي طالب: «كل شيء علمه في الكتاب إلا أن آراء الرجال تعجز عنه» .

ثم قال: وَهُدىً وَرَحْمَةً أي هُدىً من الضلالة وَرَحْمَةً أي: نعمة من العذاب لمن آمن به وعمل بما فيه وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ بالجنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بِدِينَارٍ أوْ نِصْفِ دِينَار، فحمِدَ اللَّهَ عَلَيْهِ إِلاَّ لَمْ يَبْلُغْ رُكْبَتَيْهِ حَتَّى يغِفْرَ اللَّهُ لَهُ» «١» رواه الحاكمُ في «المستدرك» وقال: هذا الحديث لا أَعلم في إِسناده أحداً ذكر بجرح.

انتهى من «السلاح» .

والسرابيل التي تقي البأس: هي الدروعُ ونحوها، ومنه قولُ كَعْبِ بنِ زهيرٍ في المهاجِرِينَ: [البسيط]

شُمُّ العَرَانِينِ أَبْطَالٌ لبُوسُهُمُ ...

مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ في الهَيْجَا سَرَابِيلُ «٢»

والبأس: مسُّ الحديدِ في الحَرْب، وقرأ الجمهور «٣» «تُسْلِمُونَ» وقرأ ابن عباس «٤» :

«تَسْلَمُونَ» من السَّلاَمة، فتكون اللفظة مخصوصةً في بأْس الحرْب.

وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)

وقوله سبحانه: وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً أي: شاهداً على كُفْرهم وإيمانهم، ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ، أي: لا يُؤْذِن لهم في المعذرة، وهذا في موطن دون موطن، ويُسْتَعْتَبُونَ بمعنى: يُعْتِبُونَ تقول: أَعْتَبْتُ الرَّجُلَ، إِذَا كَفَيْتَهُ ما عُتِبَ فيه كما تقول:

أشْكَيْتُهُ إِذا كَفَيْتَهُ ما شكا.

وقال قومٌ: معناه: لا يُسْألونَ أنْ يرجعوا عمَّا كانوا عَلْيه في الدنيا.

وقال الطبريُّ «٥» : معنى يُسْتَعْتَبُونَ يُعْطَوْن الرجوعَ إلى الدنيا فتقع منهم توبةٌ وعمَلٌ.

ت: وهذا هو الراجحُ، وهو الذي تدلُّ عليه الأحاديثُ، وظواهر الآياتِ في غيرِ ما موضع.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَنَعُوا النّاسَ مِن طاعَةِ اللَّهِ والإيمانِ بِمُحَمَّدٍ  .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ ﴾ إنَّما نَكَّرَ العَذابَ [الأوَّلَ]، لِأنَّهُ نَوْعٌ خاصٌّ لِقَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ، وعَرَّفَ العَذابَ الثّانِيَ، لِأنَّهُ العَذابُ الَّذِي يُعَذَّبُ بِهِ أكْثَرُ أهْلِ النّارِ، فَكانَ في شُهْرَتِهِ بِمَنزِلَةِ النّارِ في قَوْلِ القائِلِ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النّارِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّما زِيدُوا هَذا العَذابَ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِن عَذابِهِمْ، بِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.

وَفِي صِفَةِ هَذا العَذابِ الَّذِي زِيدُوا أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها عَقارِبُ كَأمْثالِ النَّخْلِ الطِّوالِ، رَواهُ مَسْرُوقٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّها حَيّاتٌ كَأمْثالِ الفِيَلَةِ، وعَقارِبٌ كَأمْثالِ البِغالِ، رَواهُ زَرٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّالِثُ: أنَّها خَمْسَةُ أنْهارٍ مِن صُفْرٍ مُذابٍ تَسِيلُ مِن تَحْتِ العَرْشِ يُعَذَّبُونَ بِها، ثَلاثَةٌ عَلى مِقْدارِ اللَّيْلِ، واثْنانِ عَلى مِقْدارِ النَّهارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الزَّمْهَرِيرُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ الزَّجّاجُ: يَخْرُجُونَ مِن حَرِّ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ، فَيَتَبادَرُونَ مِن شِدَّةٍ بَرْدِهِ إلى النّارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ ﴾ وفي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أمَّتُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وتَمَّ الكَلامُ هاهُنا.

ثُمَّ قالَ: " ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا " قالَ الزَّجّاجُ: التِّبْيانُ: اسْمٌ في مَعْنى البَيانِ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ فَقالَ العُلَماءُ بِالمَعانِي: لِكُلِّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ، إمّا بِالنَّصِّ عَلَيْهِ، أوْ بِالإحالَةِ عَلى ما يُوجِبُ العِلْمَ، مِثْلُ بَيانِ رَسُولِ اللَّهِ  أوْ إجْماعِ المُسْلِمِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ ﴾ ﴿ وَألْقَوْا إلى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَلَمَ وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ ﴾ ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهم إذا رَأوا يَوْمَ القِيامَةِ بِأبْصارِهِمُ الأوثانَ والأصْنامَ وكُلَّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللهِ -لَأنَّها تُحْشَرُ مَعَهم تَوْبِيخًا لَهم عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ- أشارُوا إلَيْهِمْ وقالُوا: هَؤُلاءِ كُنّا نَعْبُدُهم مِن دُونِ اللهِ، كَأنَّهم أرادُوا بِذَلِكَ تَذْنِيبَ المَعْبُودِينَ وإدْخالَهم في المَعْصِيَةِ، وأضافُوا الشُرَكاءَ إلى أنْفُسِهِمْ مِن حَيْثُ هم جَعَلُوهم شُرَكاءَ، وهَذا كَما يَصِفُ رَجُلٌ آخَرَ بِأنَّهُ خَيْرٌ فَتَقُولُ لَهُ أنْتَ: ما فَعْلَ خَيْرُكَ؟

فَأضَفْتَهُ إلَيْهِ مِن حَيْثُ وصَفَهُ هو بِتِلْكَ الصِفَةِ، والضَمِيرُ في "القَوْلِ" عائِدٌ عَلى الشُرَكاءِ، فَمَن كانَ مِنَ المَعْبُودِينَ مِنَ البَشَرِ ألْقى القَوْلَ المَعْهُودَ بِلِسانِهِ، وما كانَ مِنَ الجَماداتِ تَكَلَّمَتْ بِقُدْرَةِ اللهِ بِتَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ في وصْفِهِمْ بِأنَّهم آلِهَةٌ وشُرَكاءُ لِلَّهِ، فَفي هَذا وقَعَ الكَذِبُ لا في العِبادَةِ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: إنَّكم لَكاذِبُونَ، ما كُنّا نَدْعُوكم إلى عِبادَتِنا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّهم كَذَّبُوهم في التَذْنِيبِ لَهم.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَألْقَوْا إلى اللهِ ﴾ ، الضَمِيرُ في "ألْقَوْا" عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ، والمَعْنى: ألْقَوْا إلَيْهِ الِاسْتِسْلامَ، وألْقَوْا ما بِأيْدِيهِمْ وذَلُّوا لِحُكْمِهِ ولَمْ تَكُنْ لَهم حِيلَةٌ ولا دَفْعٌ، و"السَلَمَ": الِاسْتِسْلامُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "السَلَمَ" بِفَتْحِ اللامِ، ورَوى يَعْقُوبُ عن أبِي عَمْرٍو سُكُونَ اللامِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "السُلُمَ" بِضَمِّ السِينِ واللامِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ في ضِمْنِ قَوْلِهِ: ﴿ وَضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ أنَّهُ حَلَّ بِهِمْ عَذابُ اللهِ وباشَرُوا نِقْمَتَهُ، ثُمَّ فَسَّرَهُ فَأخْبَرَ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ومَنَعُوا غَيْرَهم مِنَ الدُخُولِ في الدِينِ وسُلُوكِ سَبِيلِ اللهِ زادَهم عَذابًا أجَلَّ مِنَ العَذابِ العامِّ لِجَمِيعِ الكُفّارِ عُقُوبَةً عَلى إفْسادِهِمْ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "الَّذِينَ" بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَفْتَرُونَ"، و"زِدْناهُمْ" فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ إخْبارُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" ابْتِداءَ "زِدْناهُمْ"، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى سَلَّطَ عَلَيْهِمْ عَقارِبَ وحَيّاتٍ لَها أنْيابٌ كالنَخْلِ الطِوالِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقالَ عَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ: حَيّاتٌ لَها أنْيابٌ كالنَخْلِ، وعَقارِبُ كالبِغالِ الدُلْمِ، ونَحْوَ هَذا، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ لِجَهَنَّمَ سَواحِلَ فِيها هَذِهِ الحَيّاتُ وهَذِهِ العَقارِبُ، فَيَفِرُّ الكُفّارُ إلى السَواحِلِ مِنَ النارِ، فَتَتَلَقّاهم هَذِهِ الحَيّاتُ والعَقارِبُ، فَيَفِرُّونَ مِنها إلى النارِ، فَتَتْبَعُهم حَتّى تَجِدَ حَرَّ النارِ فَتَرْجِعُ، قالَ: وهي في أسْرابٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ ﴾ الآيَةُ، في ضِمْنِها وعِيدٌ، والمَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْها، وهو رَسُولُها الَّذِي شاهَدَ في الدُنْيا تَكْذِيبَها وكُفْرَها، وإيمانَها وهُداها، ويَجُوزُ أنْ يَبْعَثَ اللهُ شَهِيدًا مِنَ الصالِحِينَ مَعَ الرُسُلِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ الصَحابَةِ: إذا رَأيْتَ أحَدًا عَلى مَعْصِيَةٍ فانْهَهُ، فَإنْ أطاعَكَ وإلّا كُنْتَ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿ مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ بِحَسْبِ أنَّ بِعْثَةَ الرُسُلِ كَذَلِكَ هي في الدُنْيا، وذَلِكَ أنَّ الرَسُولَ الَّذِي مِن نَفْسِ الأُمَّةِ في اللِسانِ والسِيرَةِ وفَهْمِ الأغْراضِ والإشاراتِ مُتَمَكِّنُ لَهُ إفْهامُهم والرَدُّ عَلى مُعانَدَتِهِمْ، ولا يَتَمَكَّنُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ مَن هو مِنَ الأُمَّةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَبْعَثِ اللهُ نَبِيًّا قَطُّ إلّا مِنَ الأُمَّةِ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ: "هَؤُلاءِ" إشارَةً إلى هَذِهِ الأُمَّةِ.

و"الكِتابَ": القُرْآنُ، وقَوْلُهُ: "تِبْيانًا" اسْمٌ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ، كالنُقْصانِ، والمَصادِرُ في مِثْلِ هَذا التَأْوِيلِ مِنها مَفْتُوحَةٌ كالتَرْدادِ والتَكْرارِ، ونُصِبَ "تِبْيانًا" عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِمّا نَحْتاجُ في الشَرْعِ ولا بُدَّ مِنهُ في المِلَّةِ، كالحَلالِ والحَرامِ والدُعاءِ إلى اللهِ والتَخْوِيفِ مِن عَذابِهِ، وهَذا حَصْرُ ما اقْتَضَتْهُ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أُنْزِلَ في هَذا القُرْآنِ كُلُّ عِلْمٍ، وكُلُّ شَيْءٍ قَدْ بُيِّنَ لَنا في القُرْآنِ"، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما ذكر العذاب الذين هم لاقوه على كفرهم استأنف هنا بذكر زيادة العذاب لهم على الزّيادة في كفرهم بأنهم يصدّون الناس عن اتّباع الإسلام، وهو المراد بالصدّ عن سبيل الله، أي السبيل الموصلة إلى الله، أي إلى الكون في أوليائه وحزبه.

والمقصود: تنبيه المسلمين إلى كيدهم وإفسادهم، والتّعريض بالتّحذير من الوقوع في شراكهم.

وزيادة العذاب: مضاعفته.

والتّعريف في قوله تعالى: ﴿ فوق العذاب ﴾ تعريف الجنس المعهود حيث تقدّم ذكره في قوله تعالى: ﴿ وإذا رأى الذين ظلموا العذاب ﴾ [سورة النحل: 85]، لأن عذاب كفرهم لما كان معلوماً بكثرة الحديث عنه صار كالمعهود؛ وأما عذاب صدّهم الناس فلا يخطر بالبال فكان مجهولاً فناسبه التنكير.

والباء في بما كانوا يفسدون} للسببية.

والمراد: إفسادهم الراغبين في الإسلام بتسويل البقاء على الكفر، كما فعلوا مع الأعشى حين جاء مكّة راغباً في الإسلام مادحاً الرسول عليه الصلاة والسلام بقصيدة: هَل اغتمضَتْ عيناك ليلةَ أرْمَدَا *** وقصّته في كتب السيرة والأدب.

وكما فعلوا مع عامر بن الطّفيل الدّوسي فإنه قدم مكّة فمشى إليه رجال من قريش فقالوا: يا طفيل إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا وقد فرّق جماعتنا وشتّت أمرنا وإنما قوله كالسحر، وإنّا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا فلا تكلمنّه ولا تسمعَنّ منه.

وقد ذكر في قصة إسلام أبي ذرّ كيف تعرّضوا له بالأذى في المسجد الحرام حين علموا إسلامه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: اسْتِسْلامُهم لِعَذابِهِ، وخُضُوعُهم لِعِزِّهِ.

الثّانِي: إقْرارُهم بِما كانُوا يُنْكِرُونَ مِن طاعَتِهِ.

﴿ وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وبَطَلَ ما كانُوا يَأْمَلُونَ.

الثّانِي: خَذَلَهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَنْصِرُونَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الزِّيادَةَ هي عَذابُ الدُّنْيا مَعَ ما يُسْتَحَقُّ مِن عَذابِ الآخِرَةِ.

الثّانِي: أنَّ أحَدَ العَذابَيْنِ عَلى كُفْرِهِمْ، والعَذابَ الآخَرَ عَلى صَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ومَنعِهِمْ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الإيمانِ.

﴿ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ ﴾ في الدُّنْيا بِالمَعاصِي.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويوم نبعث من كل شهيداً ﴾ قال: شهيدها نبيها على أنه قد بلغ رسالات ربه.

قال الله: ﴿ وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ﴾ قال: ذكر لنا أن نبي الله- صلى الله عليه وسلم- كان إذا قرأ هذه الآية، فاضت عيناه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن العالية في قوله: ﴿ وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون ﴾ قال: هذا، كقوله: ﴿ هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فألقوا إليهم القول ﴾ قال: حدثوهم.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ وألقوا إلى الله يومئذ السلم ﴾ قال: استسلموا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وألقوا إلى الله يومئذ السلم ﴾ يقول: ذلوا واستسلموا يومئذ.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد بن السري وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ زدناهم عذاباً فوق العذاب ﴾ قال: زيدوا عقارب لها أنياب كالنخل الطوال.

وأخرج ابن مردويه والخطيب في تالي التلخيص، عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم- سئل عن قول الله: ﴿ زدناهم عذاباً فوق العذاب ﴾ قال: «عقارب أمثال النخل الطوال ينهشونهم في جهنم» .

وأخرج هناد عن ابن مسعود قال: أفاعي في النار.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية: إن أهل النار إذا جزعوا من حرها استغاثوا بضحضاح في النار، فإذا أتوه تلقاهم عقارب كأنهن البغال الدهم، وأفاع كأنهن البخاتي فضربنهم، فذلك الزيادة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن عبيد بن عمير قال: إن في جهنم لجبابا فيها حيات أمثال البخت وعقارب أمثال البغال، يستغيث أهل النار من تلك الجباب إلى الساحل، فتثب إليهم فتأخذ جباههم وشفارهم فكشطت لحومهم إلى أقدامهم فسيتغيثون منها إلى النار، فتتبعهم حتى تجد حرها فترجع وهي في أسراب.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد عن مجاهد مثله.

وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن عمرو قال: إن لجهنم سواحل فيها حيات وعقارب، أعناقها كأعناق البخت.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الأعمش، عن مالك بن الحارث قال: إذا طرح الرجل في النار هوى فيها، فإذا انتهى إلى بعض أبوابها قيل: مكانك حتى تتحف، فيسقى كأساً من سم الأساود والعقارب، فيتميز الجلد على حدة والشعر على حدة والعصب على حدة والعروق على حدة.

وأخرج أبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ زدناهم عذاباً فوق العذاب ﴾ قال: خمسة أنهار من نار صبها الله عليهم، يعذبون ببعضها بالليل وببعضها بالنهار.

وأخرج ابن مردويه عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الزيادة خمسة أنهار تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار، ثلاثة أنهار على مقدار الليل ونهران على مقدار النهار، فذلك قوله: ﴿ زدناهم عذاباً فوق العذاب بما كانوا يفسدون ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن مجاهد قال: قال ابن عباس: أتدري ما سعة جهنم؟

قلت: لا.

قال: إن ما بين شحمة أذن أحدهم وبين عاتقه مسيرة سبعين خريفاً، تجري أودية القيح والدم.

قلت له: الأنهار؟

قال: لا...

بل الأودية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن مسعود قال: إن الله أنزل في هذا الكتاب تبياناً لكل شيء، ولقد عملنا بعضاً مما بين لنا في القرآن.

ثم تلا ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن الضريس في فضائل القرآن ومحمد بن نصر في كتاب الله والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن مسعود قال: من أراد العلم فليتنوّر القرآن، فإنه فيه علم الأوّلين والآخرين.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: لا تهذوا القرآن كهذا الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: إن هذا القرآن مأدبة الله، فمن دخل فيه فهو آمن.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: إن هذه القلوب أوعية، فأشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ تبياناً لكل شيء ﴾ قال: مما أمروا به ونهوا عنه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ﴾ قال: بالسنة.

وأخرج أحمد عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً إذ شخص بصره فقال: «أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من السورة» ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان....

﴾ إلى قوله: ﴿ تذكرون ﴾ .

وأخرج أحمد والبخاري في الأدب، وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء بيته جالساً، إذ مر به عثمان بن مظعون رضي الله عنه، فجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يحدثه إذ شخص بصره إلى السماء، فنظر ساعة إلى السماء فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض، فتحرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جليسه عثمان إلى حيث وضع رأسه فأخذ ينفض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له، فلما قضى حاجته شخص بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء كما شخص أول مرة، فاتبعه بصره حتى توارى في السماء فأقبل إلى عثمان كجلسته الأولى، فسأله عثمان رضي الله عنه فقال: أتاني جبريل آنفاً.

قال: فما قال لك؟

قال: ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان...

﴾ إلى قوله: ﴿ تذكرون...

﴾ قال عثمان: رضي الله عنه فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمداً صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج الباوردي وابن السكن وابن منده وأبو نعيم في معرفة الصحابة، عن عبد الملك بن عمير رضي الله عنه قال: «بلغ أكتم بن صيفي مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يأتيه.

فأتى قومه فانتدب رجلين فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: نحن رسل أكتم، يسألك من أنت وما جئت به؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم» أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله «ثم تلا عليهما هذه الآية ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾ إلى ﴿ تذكرون ﴾ قالا: ردد علينا هذا القول.

فردده عليهما حتى حفظاه، فأتيا أكتم فأخبراه.

فلما سمع الآية قال: إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رؤوساء، ولا تكونوا فيه أذناباً» ورواه الأموي في مغازيه وزاد، فركب متوجهاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فمات في الطريق: قال: ويقال نزلت فيه هذه الآية ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت ﴾ [ النساء: 100] الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، ﴿ والإحسان ﴾ قال: أداء الفرائض، ﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ قال: إعطاء ذوي الرحم الحق الذي أوجبه الله عليك بسبب القرابة والرحم ﴿ وينهى عن الفحشاء ﴾ قال: الزنا ﴿ والمنكر ﴾ ، قال: الشرك ﴿ والبغي ﴾ قال: الكبر والظلم: ﴿ يعظكم ﴾ يوصيكم ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في الأدب، ومحمد بن نصر في الصلاة، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه في شعب الإيمان، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أعظم آية في كتاب الله تعالى ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ [ آل عمران: 2] وأجمع آية في كتاب الله للخير والشر- الآية التي في النحل- ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾ وأكثر آية في كتاب الله تفويضاً ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ [ الطلاق: 2-3] وأشد آية في كتاب الله رجاء ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ [ الزمر: 53] الآية.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾ إلى آخرها ثم قال: إن الله عز وجل جمع لكم الخير كله، والشر كله في آية واحدة، فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئا إلا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئاً إلا جمعه.

وأخرج ابن النجار في تاريخه من طريق العكلي، عن أبيه قال: مر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوم يتحدثون فقال: فيم أنتم؟!

فقالوا: نتذاكر المروءة، فقال: أو ما كفاكم الله عز وجل ذاك في كتابه؟!

إذ يقول الله: ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾ فالعدل، الانصاف.

والاحسان، التفضل، فما بقي بعد هذا؟.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾ الآية.

قال: ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويعظمونه ويخشونه إلا أمر الله به وليس من خلق سيء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدم فيه، وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال: صف لي العدل، فقلت: بخ...

سألت عن أمر جسيم، كُنْ لصغير الناس أباً ولكبيرهم ابناً، وللمثل منهم أخاً وللنساء كذلك، وعاقب الناس على قدر ذُنوبهم وعلى قدر أجسادهم ولا تضربن بغضبك سوطاً واحداً متعدياً فتكون من العادين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: قال عيسى ابن مريم: إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: يريد عن طاعة الله (١) ﴿ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ ﴾ قال ابن مسعود: عقارب لها أنيابٌ أمثالُ النخلِ الطِّوالِ (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (١) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 481، و"تنوير المقباس" ص 291.

(٢) أخرجه الطبري 14/ 160 بنصه من عدة طرق، والطبراني في "الكبير" 9/ 258، بنحوه من عدة طرق، والحاكم (2/ 356) بنحوه، وقال: على شرط الشيخين؛ ووافقه الذهبي، والثعلبي 2/ 161 ب، بنصه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 101، بنحوه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 246، بنحوه، وهود الهواري 2/ 383، بنحوه، والطوسي 6/ 417، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 36، وابن الجوزي 4/ 482، و"تفسير القرطبي" 10/ 164، والخازن 3/ 130، وأبي حيان 5/ 527، وابن كثير 2/ 641.

(٣) أخرجه الطبري 14/ 160 بلفظه من عدة طرق، والسمرقندي 2/ 246، بلفظه، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 417، وهو جزء من الرواية السابقة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 239، وعزاه إلى هناد.

(٤) جمع بُخْت؛ وهي الإبلُ الخُراسانِيَّةُ، وهي طوال الأعناق.

انظر: (بخت) في "تهذيب اللغة" 1/ 283، و"التاج" 3/ 12.

(٥) أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 239 وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وانظر: "تفسير الألوسي" 14/ 212.

(٦) أبو المنهال هو سَيَّار بن سَلاَمة الرِّياحي البصري، ثقة، روى عن أبي العالية وشهر ابن حوشب، وعنه: شعبة وحماد، مات سنة (129 هـ).

انظر: "الجرح والتعديل" 4/ 254، و"الكاشف" 1/ 475، و"تقريب التهذيب" ص261 (2715)، و"تفسير الطبري" تحقيق شاكر 5/ 217.

(٧) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 430، بنصه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لكاذبون ﴾ الضمير في القول للمعبودين والمعنى أنهم كذبوهم في قولهم أنهم كانوا يعبدونهم، كقولهم: ﴿ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴾ [الشعراء: 75] فإن قيل: كيف كذبوهم وهم قد كانوا يعبدونهم؟

فالجواب أنهم لما كانوا غير راضين بعبادتهم، فكأن عبادتهم لم تكن عبادة، ويحتمل أن يكون تكذيبهم لهم في تسميتهم شركاء لله، لا في العبادة ﴿ وَأَلْقَوْاْ إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم ﴾ أي استسلموا له وانقادوا ﴿ زدناهم عَذَاباً فَوْقَ العذاب ﴾ رُوي أن الزيادة في العذاب هي حيات وعقارب كالبغال تلسعهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولنجزين ﴾ بالنون: ابن كثير وعاصم ويزيد وعباس والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون بالياء.

﴿ قرأت القرآن ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ .

الوقوف: ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ ه ﴿ من دونك ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ لكاذبون ﴾ ه ج للعطف مع أنه رأس آية ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ يفسدون ﴾ ه ﴿ على هؤلاء ﴾ ط لواو الاستئناف ﴿ للمسلمين ﴾ ه ﴿ والبغي ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ تذكرون ﴾ ه ط ﴿ كفيلاً ﴾ ه ط ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ أنكاثاً ﴾ ط بناء على أن التقدير أتتخذون ﴿ من أمة ﴾ ط ﴿ به ﴾ ط ﴿ تختلفون ﴾ ه ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ باق ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ طيبة ﴾ ج للعدول عن الوحدان إلى الجمع مع أنهما ضميراً من ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ يتوكلون ﴾ ه ﴿ مشركون ﴾ ه.

التفسير: لما بين من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها وأن أكثرهم كافرون أتبعه أصناف وعيد يوم القيامة والتقدير ﴿ و ﴾ اذكر ﴿ يوم نبعث من كل أمة شهيداً ﴾ أو يوم وقعوا فيما وقعوا فيه.

وشهيد كل أمة نبيها يشهد لهم وعليهم بالإيمان والتصديق والكفر والتكذيب ﴿ ثم لا يؤذن للذين كفروا ﴾ أي في الاعتذار إذ لا حجة لهم ولا عذر، أو في كثرة الكلام، أو في الرجوع إلى دار الدنيا، أو إلى التكليف ليظهر لهم كونهم آيسين من رحمة الله  ، أو المراد أن يسكت أهل الجمع كلهم حتى يشهد الشهود.

﴿ ولا هم يستعتبون ﴾ لأن العتاب إنما بطلب لأجل العود إلى الرضا، فإذا كان على عزم السخط فلا فائدة في العتاب فلهذا قيل: إذا ذهب العتاب فليس ود *** ويبقى الود ما بقي العتاب وقال في الكشاف: أي لا يقال لهم أرضوا ربكم لأن الآخرة ليست بدار عمل.

ومعنى "ثم" أن المنع من الكلام أصعب من شهادة الأنبياء عليهم.

﴿ وإذا رأى الذين ظلموا ﴾ وهم المشركون ﴿ العذاب ﴾ بعينهم وثقل عليهم ﴿ فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون ﴾ ليتوبوا فإن التوبة هناك غير موجودة أو غير مقبولة وفيه أنت عذابهم خالص عن النفع دائم كما يقوله المتكلمون.

﴿ وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم ﴾ وهي الأصنام أو الشياطين الذين دعوا الكفار إلى الكفر وكانوا قرناءهم في الغي.

قاله الحسن.

﴿ قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا ﴾ أي نعبدهم من دونك.

قال أبو مسلم الأصبهاني: مقصود المشركين إحالة هذا الذنب على تلك الأصنام ظناً منهم أن ذلك ينجيهم من عذاب الله أو ينقص منه، وزيفه القاضي بأن الكفار يعلمون في الآخرة علماً ضرورياً أن العذاب ينزل بهم ولا نصرة ولا شفاعة فما الفائدة في هذا القول؟

والإنصاف أن الغريق يتعلق بكل شيء والمبهوت قد يقول ما لا فائدة فيه، على أن العلم الضروري الذي ادعاه القاضي ممنوع.

وقيل: إن المشركين يقولون هذا الكلام تعجباً من حضور تلك الأصنام مع أنه لا ذنب لها واعترافاً بأنهم كانوا خاطئين في عبادتها.

﴿ فألقوا إليهم القول ﴾ أي قال الأصنام أو الشياطين للكفار ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ فإن قيل: إن المشركين أشاروا إلى الأصنام أن هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوهم من دونك وقد كانوا صادقين في ذلك فكيف كذبتهم الأصنام؟

فالجواب أن المراد من قولهم: ﴿ هؤلاء شركاؤنا ﴾ هؤلاء شركاء الله في المعبودية فكذبتهم الأصنام في إثبات هذه الشركة وفي قولهم إنها تستحق العبادة.

قال جار الله: إن أراد بالشركاء الشياطين جاز أن يكونوا كاذبين في قوله: ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ كما يقول الشيطان { ﴿ إني كفرت بما أشركتموني من قبل  ﴾ .

﴿ وألقوا إلى الله يومئذ السلم ﴾ عن الكلبي: استسلم العابد والمعبود وأقروا لله الربوبية والبراءة من الشركاء والأنداد.

وقال آخرون: الضمير اللذين ظلموا.

وإلقاء السلم والاستسلام لأمر الله بعد الإباء في الدنيا ﴿ وضل ﴾ أي غاب ﴿ عنهم ما كانوا يفترون ﴾ من أن لله شريكاً أو أن آلهتهم تشفع لهم حين كذبوهم وتبرأوا منهم.

﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ﴾ قيل: معناه الصد عن المسجد الحرام والأصح العموم ﴿ زدناهم عذاباً ﴾ لأجل الإضلال.

﴿ فوق العذاب ﴾ الذي استحقوه للضلال.

وأيضاً عذاب الاستنان "من سن سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها".

ومن المفسرين من فصل تلك الزيادة؛ فعن ابن عباس: هي خمسة أنهار من نار تسيل من تحت العرش يعذبون بها، ثلاثة على مقدار الليل واثنان على مقدار النهار.

وقيل: حيات أمثال البخت وعقارب أشباه البغال أنيابها كالنخل الطوال تلسع إحداهن اللسعة فيجد صاحبها حمتها أربعين خريفاً.

وقيل: يخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار.

ثم علل زيادة عذابهم بكونهم مفسدين أمور الناس بالصد والإضلال فيعلم منه أن من دعا إلى الدين القويم باليد واللسان فإنه يزيده الله  أجراً على أجر.

ثم أعاد حكاية بعث الشهداء لما نيط بها من زيادة فائدتين: إحداهما كون الشهداء من أنفسهم لأن كل نبي فهو من جنس أمته، والأخرى أن الشيهد يكون وقتئذ في الأمة لا مفارقاً إياهم.

وفسر الأصم الشهيد في هذه الآية بأنه  ينطق عشرة من أعضاء الإنسان حتى تشهد عليه وهن: الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان.

ولهذا ذكر لفظة "في" ووصف الشيهد بكونه من أنفسهم.

ثم شرف نبينا  بقوله: ﴿ وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ﴾ أي على أمتك..

ولا ريب أن في تخصيصه بعد التعميم دلالة على فضله نظيره قوله في سورة النساء: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي.

الأمة عبارة عن القرن والجماعة فيعلم من الآية أنه لا بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم ويكونون شهداء على غيرهم وهم أهل الحل والعقد فيكون إجماعهم حجة.

ولقائل أن يقول: الأمة في الآية هي الجماعة الذين بعث النبي إليهم وإلى من سيوجد منهم إلى آخر زمان دينه، فيكون نبي تلك الأمة وحده شهيداً عليهم.

ولا دلالة للآية إلا على هذا القدر فمن أين حل لك أن إجماع أهل الحل والعقد في كل عصر حجة؟

ثم بين أنه أزاح علتهم فيما كلفوا فيه فلا حجة لهم ولا معذرة فقال: ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ﴾ أي بياناً له والتاء للمبالغة ونظيره من المصادر "التلقاء" ولم يأت غيرهما وقد مر في "الأعراف".

قال الفقهاء.

إنما كان القرآن بيان جميع الأحكام لأن الأحكام المستنبطة من السنة والإجماع والقياس والاجتهاد كلها تستند إلى الكتاب حيث أمر فيه باتباع رسول الله  وطاعته، وورد فيه: ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين  ﴾ وجاء ﴿ فاعتبروا  ﴾ .

وقال آخرون: إن علم أصول الدين كلها في القرآن.

وأما علم الفروع فالأصل براءة الذمة إلا ما ورد به نص القرآن فإذن القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام، والقياس ضائع ولعل التبيان إنما هو للعلماء خاصة، والهدى لجميع الخلق في أوّل أحوالهم، والرحمة في وسطها وهو مدة العمر بعد الإسلام، والبشرى في أوان الأجل كما قال  : ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله  ﴾ إلى قوله: ﴿ وأبشروا  ﴾ والله أعلم بمراده.

وِلما ذكر أن في القرآن تبيان كل شيء ذكر عقيبه آية جامعة لأصول التكاليف كلها تصديقاً لذلك فقال: ﴿ أن الله يأمر ﴾ الآية، عن ابن عباس أن عثمان بن مظعون الجمحي قال: ما أسلمت أوّلاً إلا حياء من رسول الله  ولم يتقرر الإسلام في قلبي.

فحضرته ذات يوم فبينا هو يحدثني إذ رأيت بصره شخص إلى السماء ثم خفضه عن يمينه ثم عاد لمثل ذلك فسألته فقال: بينا أنا أحدثك إذا جبرائيل  نزل عن يميني فقال: يا محمد ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ الآية.

قال عثمان: فمن وقته استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمداً  .

وعن ابن مسعود: هي أجمع آية في القرآن.

وعن قتادة: ليس من خلق حسن كان في الجاهلية يعمل ويستحسن إلا أمر الله  به في هذه الآية، وليس من خلق سيء إلا وقد نهى الله  عنه فيها.

قال المفسرون: العدل هو أداء الفرائض.

وعن ابن عباس: هو قول لا إله إلا الله ﴿ والإحسان ﴾ هو الإتيان بالمندوبات والمستحسنات شرعاً وعرفاً وأقربها صلة الرحم بالمال فلذلك أفردها بالذكر بقوله: ﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ والفحشاء هي الأمور المتزايدة في القبح فلذلك أفردها بالذكر وهي الكبائر.

وقد يخص بالزنا أو بالبخل والمنكر ما تنكره العقول ولا يعرف في شريعة ولا سنة والبغي هو الاستطالة.

قال جار الله: حين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير المؤمنين علي  وعلى نبينا الصلاة والسلام أقيمت هذه الآية مقامها.

واعلم أن العدل عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وأنه واجب الرعاية في جميع الأشياء ولنذكر له أمثلة: أما في الاعتقادات فالقول بنفي الإله تعطيل محض، وإثبات أكثر من إله واحد تشريك وتعجيز، والعدل هو قول: "لا إله إلا الله".

كما نقل عن ابن عباس، هذا ما اتفق عليه أرباب المذاهب.

ثم إن الأشعري يقول: القول بنفي الصفات عنه  تعطيل، والقول بإثبات المكان والأعضاء تشبيه، والعدل إثبات صفات الكمال من الحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام ونفي غيرها.

وبوجه آخر.

نفي الصفات تعطيل، وإثبات الصفات الحادثة تشبيه، العدل إثبات صفات أزلية قديمة غير متغيرة.

وأيضاً القول بأن العبد لا قدرة له أصلاً جبر محض، والقول بأنه مستقل في التصرف قدر محض وتفويض، والعدل أمر بين الأمرين وهو أن العبد يفعل الأفعال ولكن بواسطة قدرة وداعية يخلقها الله  فيه.

وأيضاً القول بأن الله لا يؤاخذ عبده بشيء من الذنوب مساهلة عظيمة، والقول بأنه يخلد في النار عبده العارف به بالمعصية الواحدة تشديد عظيم، والعدل أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان.

والمعتزلي يقول: العدل في هذه الأصول بنوع آخر وقد مر مراراً.

وأما رعاية العدل فيما يتعلق بأفعال الجوارح فإن قوماً من نفاة التكليف يقولون: لا يجب على العبد الاشتغال بشيء من الطاعات ولا الاحتراز عن شيء من المعاصي.

وقال: قوم من الهند وطائفة من المانوية: يجب على الإنسان أن يجتنب عن أكل الطيبات ويبالغ في تعذيب نفسه، وأن يحترز عن كل ما يميل الطبع إليه حتى التزوّج، والأولى بالمرء أن يختصي فهذان الطريقان مذمومان والوسط هو ما جاء به محمد  لأن التشديد غالب في دين موسى فليس في شرعه على القاتل إلا القصاص ويحرم مخالطة الحائض، والتساهل في دين عيسى غالب فلا قصاص على القاتل ولا يحرم وطء الحائض، والعدل ما حكم به شرعنا من جواز العفو وأخذ الدية وحرمة وطاء الحائض دون مخالطتها، ولذلك قال: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً  ﴾ ، وقال: ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً  ﴾ ولما بالغ رسول الله  في العبادات قيل له: ﴿ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى  ﴾ ولما أخذ قوم في المساهلة نزل: ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ﴾ \[المؤمنون: 115\] والمراد رعاية الوسط في كل الأمور وقد ورد في شرعنا الختان فقال بعض العقلاء: الحكمة فيه أن رأس ذلك العضو جسم شديد الحس فإذا قطعت تلك الجلدة بقي رأسه عارياً فيصلب بكثرة ملاقاة الثياب وغيرها فيضعف حسه ويقل شعوره فتقل لذة الوقاع فتقل الرغبة فيه.

فالاختصاء وقطع الآلات كما ذهب إليه المانوية مذموم، وإبقاء تلك الجلدة مبالغة في تقوية تلك اللذة مذموم، والوسط العدل هو الختان.

هذا ما قيل.

وعندي أن الحكمة في الختان بعد التعبد هو التنظيف وسهولة غسل الحشفة وإلا فلعل اللذة بعد الختان أكثر لملاقاة الحاس والمحسوس بلا حائل.

ومن الكلمات المشهورة قولهم: "بالعدل قامت السموات والأرضون".

ومعناه أن مقادير العناصر لو لم تكن معادلة مكافية بحسب الكمية والكيفية لا ستولى الغالب على المغلوب وتنقلب الطبائع كلها إلى طبيعة الجرم الغالب، ولو كان بعد الشمس من الأرض أقل مما هو الآن لاحتراق كل ما في هذا العالم، وإن كان أكثر استولى البرد والجمود، وكذا القول في مقادير حركات الكواكب ومراتب سرعتها وإبطائها فإن كلاً منها مقدر على ما يليق بنظام العالم وقوامه وقيامه.

فهذه إشارة مختصرة إلى تحقيق العدل.

وأما الإحسان فهو المبالغة في أداء الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية ومن هنا قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" فكأن المبالغ المخلص في أداء الطاعات يوصل الفعل الحسن إلى نفسه وبالحقيقة يدخل في الإحسان أنواع التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، وأشرف أنواع الإشفاق صلة الرحم بالمال فلا جرم أفرد بالذكر كما مر.

ثم إنه تعالى أودع في النفس البشرية قوى أربعاً: الشهوية البهيمية والغضبية السبعية والوهمية الشيطانية والعقلية الملكية.

وهذه الأخيرة لا تحتاج إلى التهذيب لأنها من نتائج الأرواح القدسية، وأما الثلاث الأول فتحتاج إلى التأديب والتهذيب بمقتضى الشريعة وقانون العقل والطريقة.

والنهي عن الفحشاء عبارة عن المنع من تحصيل اللذات الشهوية الخارجة عن إذن الشريعة، والنهي عن المنكر عبارة عن الإفراط الحاصل في آثار القوة الغضبية من إيذاء الناس وإيصال الشر إليهم من غير ما استحقاق، والنهي عن البغي إشارة إلى المنع من إفراط القوة الوهمية كالاستعلاء على الناس والترفع وحب الرياسة والتقدم ممن ليس أهلاً لذلك، واخس هذه المراتب عند العقلاء القوة الشهوانية، وأوسطها الغضبية، وأعلاها الوهمية فلهذا بدأ  بالفحشاء ثم بالمنكر ثم بالبغي، ولأن أصول الأخلاق والتكاليف كلها مذكورة في الآية لا جرم ختمها بقوله: ﴿ يعظكم لعلكم تذكرون ﴾ لأنها كافية في باب العظة والتذكر والارتقاء من حضيض عالم البشرية إلى ذروة عالم الأرواح المقدسة.

قال الكعبي: في الآية دلالة على أنه  لا يخلق الجور والفحشاء وإلا فكيف ينهاهم عما يخلقها فيهم؟

وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

واعلم أنه لا يلزم من إرادة الله تذكر العبد - والتذكر من فعل الله بالاتفاق لا من فعل العبد - أن يطلب الله منه التذكر فإن طلب ما ليس في وسعه محال.

فمعنى ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ إرادة أن تكونوا على حالة التذكر لا إرادة أن تحصلوا التذكر.

ثم خص من جملة المأمورات الوفاء بالعهد فقال: ﴿ وأوفوا بعهد الله ﴾ خصصه جار الله بالبيعة لرسول الله  لقوله: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ .

وقال الأصم: المراد منه الجهاد وما فرض الله في الأموال من حق الشرائع.

وقيل: هو اليمين والأصح العموم وهو كل عهد يلتزمه الإنسان باختياره بدليل قوله: ﴿ إذا عاهدتم ﴾ وقوله من قال: العهد هو اليمين يلزم منه أن يكون قوله  : ﴿ ولا تنقضوا الأَيمان بعد توكيدها ﴾ أي بعد توثيقها باسم الله تكراراً.

وأكد ووكد لغتان فصيحتان.

قال الزجاج: الأصل الواو والهمزة بدل.

وفي الآية دلالة على الفرق بين الأيمان المؤكدة وبين لغو اليمين كقولهم "لا والله" و "بلى والله".

وأيضاً الآية من العمومات التي دخلها التخصيص لما روي أنه  قال: "من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليأت بالذي هو خير ثم ليكفر" .

وقد مر بحث الأيمان في "البقرة" وفي "المائدة" في قوله: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم  ﴾ الآية.

﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ أي شاهداً ورقيباً لأن الكفيل مراع لحال المكفول به.

﴿ إن الله يعلم ما تفعلون ﴾ فيجازيكم بحسب ذلك خيراً وشراً.

وفيه ترغيب وترهيب.

ثم أكد وجوب الوفاء وتحريم النقض بقوله: ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة ﴾ أي من بعد قوّة الغزل بإمرارها وفتلها.

قال الزجاج: انتصب ﴿ أنكاثاً ﴾ على المصدر لأن معنى نقضت نكثت.

وزيف بأن ﴿ أنكاثاً ﴾ ليس مصدراً وإنما هو جمع نكث بكسر النون وهو ما ينكث فتله.

وقال الواحدي: هو مفعول ثان كما تقول كسره أقطاعاً وفرقه أجزاء أي جعله أقطاعاً وأجزاء فكذا ههنا أي جعلت غزلها أنكاثاً.

قلت: ويحتمل أن يكون حالاً مؤكدة.

قال ابن قتيبة: هذه الآية متصلة بما قبلها والتقدير: وأوفوا بعهد الله ولا تنقضوا الأيمان فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل امرأة غزلت غزلاً وأحكمته ثم جعلته أنكاثاً.

فعلى هذا المشبه به امرأة غير معينة، ولا حاجة في التشبيه إلى أن يكون للمشبه به وجود في الخارج.

وقيل: المراد امرأة معينة من قريش ريطة بنت سعد بن تيم وكانت خرقاء، اتخذت مغزلاً قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وهي الحديدة في رأس المغزل وفلكة عظيمة على قدرها، وكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن.

قال جار الله: ﴿ تتخذون ﴾ حال و ﴿ دخلاً ﴾ مفعول ثان لتتخذ أي لا تنقضوا أيمانكم متخذيها دخلاً بينكم أي مفسدة ودغلاً.

وقال الواحدي: أي غشاً وخيانة.

وقال الجوهري: أي مكراً وخديعة.

وقال غيره: الدخل ما أدخل في الشيء على فساد.

وقوله: ﴿ أن تكون ﴾ أي لأن تكون ﴿ أمة ﴾ يعني جماعة قريش هي أربى أزيد وأوفر عدداً ومالاً ﴿ من أمة ﴾ هي جماعة المؤمنين.

قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء ثم يجدون من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأولين ويحالفون الذين هم أعز وأمنع.

﴿ إنما يبلوكم الله به ﴾ أي بما يأمركم وينهاكم.

وقد تقدم ذكر الأمر والنهي.

وقال جار الله: الضمير لقوله: ﴿ أن تكون ﴾ لأنه في معنى المصدر أي يختبركم بكونهم أربى لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء مع قلة المؤمنين وفقرهم أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم.

ثم حذرهم من مخالفة ملة الإسلام وأنذرهم بقوله: ﴿ وليبينن لكم يوم القيامة ﴾ بإظهار الدرجات والكرامات للأولياء وتعيين الدركات والبليات للأشقياء.

﴿ ما كنتم فيه تختلفون ﴾ حيث تدعون أنكم على الحق والمؤمنون على الباطل فتنقضون عهودهم.

ثم بين أنه  قادر على أن يجمع المؤمنين والكافرين على الوفاء وسائر أبواب الإيمان ولكنه بحكم الإلهية ﴿ يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ والمعتزلة حملوا المشيئة على مشيئة الإلجاء بدليل قوله: ﴿ ولتسئلن عما كنتم تعملون ﴾ ولو كانت أعمال العباد بخلق الله تعالى لكان سؤالهم عبثاً.

أجابت الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل.

روى الواحدي أن عزيراً قال: يا رب خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من تشاء.

فقال: يا عزير أعرض عن هذا فأعاده ثانياً فقال: أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من النبوّة.

قال المفسرون: لما نهاهم عن نقض مطلق الأيمان أراد أن ينهاهم عن نقض أيمان مخصوصة أقدموا عليهاوهو نقض بيعة رسول الله  ، والدليل على هذا التخصيص قوله: ﴿ فتزلَّ قدم بعد ثبوتها ﴾ لأن هذا الوعيد لا يليق بنقض عهد قبيله وإنما يليق بنقض عهد النبي  .

قال جار الله: وحدت القدم ونكرت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه فكيف بأقدام كثيرة.

وهذا مثل يضرب لمن وقع في بلاء بعد عافية، ولا ريب أن من نقض عهد الإسلام وزلت قدمه عن محجة الدين القويم فقد سقط من الدرجات العالية إلى الدركات الهاوية بيانه قوله: ﴿ وتذوقوا السوء ﴾ في الدنيا ﴿ بما صددتم ﴾ بصدودكم أو بصدكم غيركم ﴿ عن سبيل الله ﴾ لأن المرتد قد يقتدي به غيره.

﴿ ولكم عذاب عظيم ﴾ في الآخرة.

ويحتمل أن يراد أن ذلك السوء الذي تذوقونه هو عذاب عظيم.

قال جار الله: كان قوم أسلموا بمكة ثم زين لهم الشيطان نقض البيعة لكونهم مستضعفين هناك فأوعدهم الله على ذلك، ثم نهاهم عن الميل إلى ما كان يعدهم قريش من عرض الدنيا إن رجعوا عن الإسلام فقال: ﴿ ولا تشتروا ﴾ الآية.

ثم ذكر دليلاً قاطعاً على أن ما عند الله خير فقال: ﴿ ما عندكم ينفد وما عند الله ﴾ من خزائن رحمته ﴿ باق ﴾ وفيه دليل على أن نعيم الجنة باقٍ لأهلها لا ينقطع.

وقال جهم بن صفوان: إنه منقطع والآية حجة عليه ﴿ ولنجزين الذين صبروا ﴾ على ما التزموه من شرائع الإسلام ﴿ أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ أي بالواجبات والمندوبات لا بالمباحات فإنه لا ثواب على فعلها ولا عقاب، أو نجزيهم بجزاء أشرف وأوفر من عملهم كقوله: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ .

ثم عمم الوعد على أي عمل صالح كان فقال: ﴿ من عمل صالحاً ﴾ ولا كلام في عمومه إلا أنه زاد قوله: ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ تأكيداً وإزالة لوهم التخصيص، والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم دلائل الكرم.

ثم جعل الإيمان شرطاً في كون العمل الصالح منتجاً للثواب حيث قال: ﴿ وهو مؤمن ﴾ فاستدل به على أن الإيمان مغاير للعمل الصالح فإن شرط الشيء مغاير لذلك الشيء.

واختلف في الحياة الطيبة فقيل: هي في الجنة.

عن الحسن وسعيد بن جبير وقتادة، لأن الإنسان في الدنيا لا يخلو من مشقة وأذية ومكروه لقوله  : ﴿ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه  ﴾ بيّن أن هذا الكدح - وهو التعب في العمل - باقٍ إلى أن يصل إلى ربه، وأما بعد ذلك فحياة بلا موت وغنى بلا فقر وصحة بلا مرض وملك بلا زوال وسعادة بلا انتقال.

وقال السدي: إن هذه الحياة في القبر.

والأكثرون على أنها في الدنيا لقوله بعد ذلك ﴿ ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كان يعملون ﴾ وعلى هذا فما سبب طيب الحياة قيل: هو الرزق الحلال.

وقيل: عبادة الله مع أكل الحلال.

وقيل: القناعة أو رزق يوم كان النبي  يدعو: "اللَّهم اجعل رزق آل محمد كفافاً" .

قال المحققون: وهذا هو المختار لأن المؤمن الذي صلح عمله إن كان موسراً فذاك، وإن كان معسراً فمعه من القنوع والعفة والرضا بالقضاء ما يطيب عيشه.

لأنه الكافر والفاجر فإن الحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه أبداً ويعظم أسفه على ما يفوته لأنه عانق الدنيا معانقة العاشق لمعشوقه، بخلاف المؤمن المنشرح قلبه بنور المعرفة والجمال فإنه قلما ينزع لحب الدنيا مالها وجاهها ويستوي عنده وجودها وفقدها وخيرها وشرها ونفعها وضرها.

وبركة الصلاح والقنوع مما لا ينكرها عاقل اللَّهم اجعلنا من أهلها.

ثم إن ظاهر الآية يقتضي أن العلم الصالح إنما يفيد الأثر المخصوص بشرط الإيمان وظاهر قوله: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره  ﴾ يدل على أن العمل الخير مطلقاً يفيد أثراً مطلقاً فلا منافاة بينهما.

ثم ذكر الاستعاذة التي هي من جملة الأعمال الصالحة وبها تخلص الأعمال عن الوساوس فقال: ﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ أي أردت قراءته إطلاقاً لاسم المسبب على السبب.

وقد مر بحث الاستعاذة مستوفى في أول هذا الكتاب.

﴿ إنه ليس له سلطان ﴾ تسلط وولاية ﴿ على الذين آمنوا على ربهم يتوكلون ﴾ وهذا معنى الاستعاذة.

فإن معناها بالحقيقة راجع إلى التبري عما سوى الله والتوجه بالكلية إليه والاعتماد في جميع الأمور عليه.

﴿ إنما سلطانه على الذين يتولونه ﴾ عن ابن عباس: أي يطيعونه.

يقال: توليته أي أطعته.

وتوليت عنه أي أعرضت عنه.

أما الضمير الواحد في قوله: ﴿ والذين هم به مشركون ﴾ فقيل: راجع إلى الرب.

وقيل: إلى الشيطان أي بسببه.

التأويل: ﴿ ويوم نبعث ﴾ فيه إشارة إلى أن لأرواح الأنبياء إشرافاً على أممهم في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وفيه أن الدينا مزرعة الآخرة فلا يقبل في القيامة اعتذار ﴿ وإذا رأى الذين ظلموا ﴾ أي وضعوا الكفر وأعمال الطبيعة موضع الإيمان وأعمال الشريعة ﴿ فلا يخفف ﴾ عن أرواحهم أثقال الأخلاق المذمية ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ لتبديل مذمومها بمحمودها ﴿ وإذا رأى الذين أشركوا ﴾ وهم عبدة الدنيا والهوى ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ في أنا دعوناكم إلى عبادتنا فإنا كنا مشغولين بتسبيح الله  وطاعته ﴿ وصدوا عن سبيل الله ﴾ منعوا الأرواح والقلوب عن طلب الله ﴿ زدناهم ﴾ عذاب الحرمان عن الكمال فوق خسران النسيان بإفساد الاستعداد الفطري.

﴿ وجئنا بك شهيداً ﴾ لأن روحه شاهد على جميع الأرواح والقلوب والنفوس لقوله: "أول ما خلق الله روحي" ﴿ تبياناً لكل شيء ﴾ يحتاج إليه السالك في أثناء سلوكه ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ وهو وضع الآلات وأسباب تحصيل الكمال في مواضعها بحيث يؤدي إلى مقام الوصال والكمال ﴿ والإحسان ﴾ وهو أن تحسن إلى الخلق بما أعطاك الله كقوله: ﴿ وأحسن كما أحسن الله إليك  ﴾ .

وفي قوله: ﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ إشارة إلى أن من جملة العدالة رعاية حال الأقرب فالأقرب.

فيبدأ بتكميل نفسه ثم بما هو أقرب إليه قرباً معنوياً لا صورياً ﴿ وينهى عن الفحشاء ﴾ وهو صرف ما آتاه الله في غير مصرفها ﴿ والمنكر ﴾ وهو ضد المعروف وهو أن لا يحسن إلى غيره ﴿ والبغي ﴾ وهو أن لا يراعي الترتيب المذكور في باب الإرشاد والتكميل.

﴿ وأوفوا بعهد الله ﴾ يوم الميثاق.

﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ بجزاء وفائكم ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ﴾ فيه إشارة إلى حال المريد المرتد ﴿ أن تكون أمة ﴾ هي أهل الدنيا في الدنيا أعلى حالاً من أمتهم أهل الآخرة.

﴿ ولا تتخذا أيمانكم ﴾ عهودكم مع المشايخ شبكة تصطادون بها الدنيا.

وقبول الخلق فتزل أقدامكم عن صراط الطلب ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ هما القلب والنفس.

والعمل الصالح من النفس استعمال الشريعة والطريقة، ومن القلب التوجه إلى الله بالكلية، والحياة الطيبة للنفس أن تصير مطمئنة مستعدة لقبول فيض ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ وللقلب أن يصير فانياً عن أنانيته باقياً بشهود الحق وجماله، وحينئذ يطيب عن دنس الاثنينية ولوث الحدوث.

﴿ فاستعذ بالله ﴾ الخطاب للنبي  وآله ظاهراً وبالحقيقة هو لأمته، لأن شيطانه أسلم على يده فلم يحتج إلا الاستعاذة من شياطنه بل هو وخواص أمته كقوله: ﴿ إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا  ﴾ وفيه أن الشيطان ليس له تسلط على أولياء الله إلا بالوسوسة، وفيها صلاح المؤمن فإن إبريز إخلاص قلبه لا يتخلص عن غش صفات نفسه إلا بنار الوسوسة، لأن المؤمن يطلع على بقايا صفات نفسه.

بما تكون الوسوسة من جنسه فيزيد في الرياضة وملازمة الذكر حتى تنمحي تلك البقايا والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ﴾ .

قال بعضهم: شهيدها: أن يشهد عليهم من نحو ما ذكر من شهادة جوارحهم عليهم، وهو قوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ...

﴾ الآية [النور: 24]، وقوله: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم...

﴾ الآية: [فصلت: 20]، وقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا  ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات التي فيها ذكر الشهادة عليهم؛ عند إنكارهم أعمالهم التي عملوها.

وقال بعضهم: شهيدها: رسولها الذي بعث إليهم يشهد عليهم أنه قد بلغ إليهم رسالات ربهم، وهو كقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  ﴾ ، والنذير: هو الرسول المبعوث إليهم، وهو ما ذكر - أيضاً -: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً  ﴾ وقال: ﴿ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ  ﴾ .

أخبر أنه يجيء بمحمد  شهيداً على أولئك: أن الرسل قد بلغوا الرسالة إليهم، وهو ما ذكر: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ...

﴾ الآية [المائدة: 109]، وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ  ﴾ : يسأل الرسل عن تبليغ الرسالة إلى قومهم، ويسأل قومهم عما أجابوا الرسل.

إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل، والله أعلم.

جميع ما ذكر في القرآن من مجيئه وإنبائه ونحوه جائز أن يكون ذلك البعث تفسير ذلك كله.

قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴾ : كذا من ذلك، وقوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ  ﴾ ، و ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ  ﴾ فهو البعث، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

قال الحسن: لا يؤذن لهم بالاعتذار؛ لأنه لا عذر لهم، وهو ما قال: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ  وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ  ﴾ ؛ لأنه لا عذر لهم، واعتذارهم لا ينفع لهم شيئاً؛ إذ اعتذارهم من نحو قولهم: ﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا  ﴾ ، وقولهم: ﴿ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ  ﴾ ونحو هذا مما لا ينفعهم ذلك؛ فلا يؤذن لهم بذلك.

﴿ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ .

قال الحسن: ولا هم يقالون، وكذلك قال في قوله: ﴿ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ  ﴾ ، أي: من المقالين، أي: لا يقالون مما كان منهم.

وقال بعضهم: لا يؤذن لهم ولا يمكن لهم من التوبة والرجوع عما كانوا؛ لأن ذلك الوقت ليس هو وقت التوبة والرجوع، كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ  ﴾ ، وهذه الآية، وقال: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ  ﴾ ، ونحوه.

﴿ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ العتاب في الخلق: هو تذكير ما كان من الفرط؛ ليرجع عما كان منه، وذلك في الآخرة لا يحتمل.

ويحتمل قوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ، أي: لا يؤذن لهم بالكلام، كقوله: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ \[المؤمنون: 108\]، أو: لا يؤذن للشفعاء أن يشفعوا للذين كفروا، ويؤذن للشفعاء أن يشفعوا للمؤمنين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلْعَذَابَ ﴾ .

أي: وقعوا فيه؛ دليله ما ذكر.

﴿ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ ﴾ .

دل هذا أنه لم يرد به رؤية العذاب؛ ولكن الوقوع فيه؛ فلا يخفف عنهم؛ لأنه يدوم، ولا تخفيف مما يدوم من العذاب.

﴿ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ .

أي: يمهلون من العذاب.

والثاني: لا يخفف عنهم عما استحقوا واستوجبوا، أو ما ذكرنا: أنه لا يكون لعذابهم انقطاع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ ﴾ .

قال الحسن: قوله: ﴿ شُرَكَآءَهُمْ ﴾ ، أي: قرناءهم وأولياءهم من الشياطين، كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ...

﴾ الآية [الصافات: 22]، وكقوله: ﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ...

﴾ الآية [فصلت: 25]، وقوله: ﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ  ﴾ وقوله: ﴿ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ...

﴾ الآية [الأنعام: 22].

وقوله: ﴿ شُرَكَآءَهُمْ ﴾ : أولياءهم، [الذين] كانوا لهم في الدنيا فهم شركاؤهم الذي ذكر.

وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ ﴾ ؛ على هذا التأويل: كنا ندعوك وإياهم من دونك.

﴿ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ ﴾ .

أي: يقولون لهم: ﴿ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .

وقال بعضهم قولهم: ﴿ هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ ﴾ : الأصنام التي عبدوها.

﴿ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ : أي: يكذبونهم، وهو ما ذكر: ﴿ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ  ﴾ ؛ يكذبونهم فيما قالوا، ويخبرون أنهم كانوا غافلين عن عبادتهم.

وقال بعضهم: شركاؤهم الملائكة الذين عبدوهم، كقوله: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ  قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ  ﴾ : أخبر أنهم إنما عبدوا الجن بأمرهم ولم يعبدوهم، أو يكون شركاؤهم رؤساءهم الذين انقاد الأتباع لهم ويحتمل الأصنام وما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .

هو ما ذكرنا: يقولون لهم: إنكم لكاذبون، أو يكذبونهم فيما يزعمون ويدعون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ ﴾ .

أي: يخضعون كلهم لله يومئذ، ويخلصون له الدين، ويسلمون له الأمر والألوهية.

﴿ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ .

أي: بطل عنهم ما طمعوا بعبادتهم الأصنام والأوثان التي عبدوها من الشفاعة وغيرها؛ كقوله: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ : بطل عنهم ما طمعوا ورجوا من عبادة أولئك من الشفاعة لهم، والقربة إلى الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ﴾ .

قال بعضهم: هؤلاء كانوا رؤساء الكفرة وقادتهم ضلوا هم بأنفسهم وأضلوا أتباعهم؛ فلهم العذاب الدائم بكفرهم بأنفسهم، وزيادة العذاب بإضلال غيرهم، وهو كقوله: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ...

﴾ الآية [العنكبوت: 13]: [أخبر أنهم يحملون أوزارهم] وأوزار الذين أضلوهم ومنعوهم عن الإسلام؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ ﴾ ؛ بما أضلوا أتباعهم، وسعوا في الأرض بالإفساد، وهو قول أبي بكر الأصم.

وقال بعضهم: إن عذابهم كلما أراد أن يفتر بنضج الجلود، زيدت لهم - بتبديل الجلود - نارها كلما أرادت أن تخمد زيد لهم سعيراً؛ كقوله: ﴿ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً  ﴾ ؛ فذلك هو الزيادة في العذاب.

ويحتمل غير ذلك، وهو أن عذاب الكفر دائم أبداً؛ فيزداد لهم عذاباً بما كان لهم في الكفر - سوى الكفر - أعمال ومساوٍ، كما يعفى ويتجاوز عن المؤمنين ما كان منهم من المساوي؛ كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ  ﴾ ؛ مقابل ما كان يعفى عن المؤمنين المساوي، زيد لأهل الكفر، على عذاب الكفر؛ لمساويهم.

وفي حرف ابن مسعود -  -: (زِدْنَهُمْ عَذَاباً ضِعْفاً بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ)، وأصله أن جزاء الآخرة من الثواب والعذاب على المضاعفة؛ لأنه دائم لا انقطاع له.

وما ذكر من الزيادة والفوق وغيره - فهو على المضاعفة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، أي: من البشر، ويحتمل ما ذكرنا من شهادة الجوارح عليهم.

وقوله - عز وجلّ -: ﴿ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ ﴾ .

هو ما ذكرنا: يشهد الرسول عليهم بالتبليغ، ويشهد لمن أجابه وأطاعه، وعلى من ردّ كذبه بالرد والتكذيب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ : ما ذكر في هذه السورة؛ لأنه ذكر فيها جميع أصناف النعم وجواهرها، ووجوه الأسباب التي بها يوصل إليها، وذكر فيها ما سخر لهم من أنواع الجواهر، وفيه ذكر ما وعد وأوعد، وأمر ونهي، وذكر ما حل بالأعداء وما ظفر أولياؤه بهم.

وفيه ذكر سلطانه وقدرته، وذكر سفه الكفرة وعنادهم، وذكر ما يؤتى ويتقى؛ فذلك تبيان لكل شيء.

أو أن يكون في الكتاب تبيان كل شيء، وفي القرآن ما ذكرنا: من الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وأخبار الأمم الماضية وأمثالهم، وجميع ما يؤتى ويتقى؛ ففيه تبيان كل شيء من الوجه الذي ذكرنا.

أو أن يكون أنزل عليه الكتاب [تبيانا] لكل ما دعا به الرسل وجاءت به الرسل والكتب جميعاً.

في هذا الكتاب جميع ما أتى به الرسل والكتب من الأمر والنهي والوعد والوعيد، كقوله: ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ  ﴾ .

ثم اختلف في ذلك البيان: قال بعضهم: تحتمل الآية وجهين: أحدهما: الخصوص على الأصول دون الفروع؛ كذكر الكمال للدين، لكن ذلك وصف الدين، وقد يقع له الكمال بالكتاب والسنة، وهذا للكتاب؛ فلم يجز التقصير عن الاشتمال عما لزمت الحاجة في أمر الديانة.

وذكر أن الكتاب تبيان لكل ما وقعت إليه حاجة في أصول الدين: من الإيمان، وأنواع العبادات، والأحكام مع الحدود والحقوق، ومكارم الأخلاق: تنتظم صلة الرحم، وعشرة الإخوان، وصحبة الجيران، ونحو ذلك؛ فتشتمل هذه الجملة على أصول الدين، وما وراءها يكون موكولاً إلى بيان الرسول؛ ليفي الكتاب بما شرط له تلاوة ودلالة الوجه.

والوجه الثاني: أن يكون تبياناً لكل شيء منتظماً لما فيه، مجمله ومبهمه ومشكله، ولبيان الرسول مجمله وتفسيره مبهمه، وإيضاحه، ودلالته على مشكله.

وقال: والسنن كلها بيان للكتاب؛ لارتباط بعض ببعض.

ثم قد يحتمل الآيات التي فيها ذكر البيان والتفصيل وجوهاً غير الوجهين اللّذين ذكرتهما: أحدها: أنه تبيان كل شيء ظهر فيه التنازع بين أهل الأديان، وألزمتهم الضرورة فيه إلى البيان؛ فجعل الله الكتاب تبياناً ألزمهم بالتدبر العلم بأنه من عند الله؛ بخروجه عما عليه وسع القوم عن نوع ما ذكر فيه من الحجج والأدلّة، وبما أعجزهم عن الطمع في تأليف مثله ونظمه؛ ليعرفوا أن الله قد أعانهم فيما مستهم الحاجة، وألجأتهم الضرورة إلى من يطلعهم على الحق فيما لو أهملوا عن ذلك لتولد منه العداوة والعناد؛ فأنعم الله عليهم به، وبين فيه جميع ما بين إليه من الحاجة لدوام الأخوة.

والثاني: أن يكون فيه تبيان كل شيء بالطلب من عنده، وبالبحث فيه الظفر بكل ما ينزل بهم من الحاجات إلى الأبد؛ فيكون هو أصل ذلك.

لكن باختلاف الأسباب يوصل إلى حقيقة العلم به، وذلك نحو ما جعل الماء حياة لكل شيء ووصف أن في السماء رزق جميع الخلق؛ [فأخبر أنه] أنزل من السماء اللّباس والرياش [لكل شيء]، وأخبر أنه خلقنا من تراب، ثم أخبر أنه خلقنا جميعاً من نفس واحدة؛ على رجوع كل ما ذكر باختلاف الأسباب والتوالد إليه، والله أعلم.

وذلك كما قال أهل الكلام في جعل المحسوسات أدلة لكل غائب: جعلها الله أدلة توصل إليه بالتأمل والنظر فيكون المحسوس مبيناً من ذلك، وإلا على اختلاف الدرجات في حد البيان مع ما قد جعله الله كذلك، حتى إن في الفلاسفة من تكلف استخراج كلية أمور العالم العلوي والسفلي.

وما على ذلك مدار ما عليه من هذا المحسوس؛ فمثله أمر القرآن، والله الموفق.

والثالث: أن يكون فيه بيان على الرمز والإشارة مرة، وعلى الكشف ثانياً؛ فما كان منه على الرمز فهو مطلوب في المعاني وطريق الرسول إلى ما في تلك المعاني من الأمور المختلفة: منها ما يقع بمعونة الوحي من غير الكتاب على اختلاف وجوه الوحي من إرسال على لسان ملك، أو رؤيا، أو إلهام.

والتأمل في ذلك، أو الاستدلال بما قد أوضحه بعد توفيق الله للحق في ذلك وعصمته عن الزيغ.

أو على ما شاء من ترتيب الحكماء في حق التفاهم لغوامض الأمور، أو غير ذلك مما يريد الله أن يطلع عليه نبيّه؛ فإن لطف ربّ العالمين بما عامل به الأخيار يجل عن احتمال العبارة عنه أو تصويره في الأوهام، نحو كتابة الحفظة، وقبض ملك الموت أرواح الخلق في وقت واحد في أطراف الأرض، ونحو ذلك، وذلك كله حدّ اللّطف الذي يعجز البشر عن الإحاطة؛ فعلى ذلك أمر تبيان كل شيء مع ما يحتمل بتأويل الآية إلى أغلب الأمور وأعمها، كقوله -  -: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ  ﴾ ، وغيره، ولا قوة إلا بالله.

والأصل عندنا: أن ليس للبيان عدد يجب حفظ العدد، على ما ذكره قوم: أنه على خمسة أوجه؛ إنما هو أمران: أحدهما: ما يبين هو.

والثاني: ما يبين غيره، لكن الوجه الذي به يقع ما غاب عن الحواس بالبيان أصله الواقع تحت الحواس؛ إذ البين الذين من جحده حرم أوّل درجات البيان [ومنع] عن فهم المجحود عنه؛ إذ الجحود يكفي كلاًّ مؤمنة خصومته، ثم غيره مما يصير بالتأمّل على الوجوه التي جعلت للوصول إليه، وإن بعد أو قرب بدليله كالمحسوس؛ إذ التأمل في الأسباب هو سبب الوصول إلى ما غاب، كاستعمال الحواس فيما يشهد؛ فمن أراد القطع على حد أو شيء يحتاج إلى دليل فيه.

وأصل البيان - حقيقة - هو الظهور، وأسباب إظهار الأشياء متفاوتة، وعلى ذلك مقاديرها من الظهور، وجملته ارتفاع التواتر عن القلوب، وتجلي حقائق الأمور لها؛ على قدر العقول في الإدراك وما يتجلى للقلوب على مقدار ما يحتمل من الظهور.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةً ﴾ .

يجب أن يكون قوله: ﴿ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةً ﴾ - كله واحد الرحمة والهدى والبيان، وبرحمته وبهداه يتبين لهم ويتضح، لكنهم قالوا: البيان للناس كافة يبين ويتضح إلا من عاند وكابر، والهدى والرحمة للمؤمنين خاصّة؛ على ما ذكر وهدى [ورحمة] وبشرى للمسلمين؛ ذلك للمسلمين خاصّة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الذين كفروا بالله، وصرفوا غيرهم عن سبيل الله زدناهم عذابًا -بسبب فسادهم وإفسادهم بإضلالهم لغيرهم- على العذاب الذي استحقوه لكفرهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.Pz8Ry"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله