الآية ٨٩ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٨٩ من سورة النحل

وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَـٰنًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ ٨٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 104 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٩ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٩ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخاطبا عبده ورسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - : ( ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ) يعني أمته .

أي : اذكر ذلك اليوم وهوله وما منحك الله فيه من الشرف العظيم والمقام الرفيع .

وهذه الآية شبيهة بالآية التي انتهى إليها عبد الله بن مسعود حين قرأ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدر سورة " النساء " فلما وصل إلى قوله تعالى : ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) [ النساء : 41 ] .

فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " حسبك " .

قال ابن مسعود - رضي الله عنه - : فالتفت فإذا عيناه تذرفان .

وقوله : ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ) قال ابن مسعود : [ و ] قد بين لنا في هذا القرآن كل علم ، وكل شيء .

وقال مجاهد : كل حلال وحرام .

وقول ابن مسعود أعم وأشمل ; فإن القرآن اشتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق ، وعلم ما سيأتي ، وحكم كل حلال وحرام ، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم ، ومعاشهم ومعادهم .

( وهدى ) أي : للقلوب ، ( ورحمة وبشرى للمسلمين ) وقال الأوزاعي : ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ) أي : بالسنة .

ووجه اقتران قوله : ( ونزلنا عليك الكتاب ) مع قوله : ( وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ) أن المراد - والله أعلم - : إن الذي فرض عليك تبليغ الكتاب - الذي أنزله عليك - سائلك عن ذلك يوم القيامة ، ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ) [ الأعراف : 6 ] ( فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ) [ الحجر : 92 ، 93 ] ( يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب ) [ المائدة : 109 ] وقال تعالى : ( إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ) [ القصص : 85 ] أي : إن الذي أوجب عليك تبليغ القرآن لرادك إليه ، ومعيدك يوم القيامة ، وسائلك عن أداء ما فرض عليك .

هذا أحد الأقوال ، وهو متجه حسن .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) يقول: نسأل نبيهم الذي بعثناه إليهم للدعاء إلى طاعتنا ، وقال ( مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) لأنه تعالى ذكره كان يبعث إلى أمم أنبياءها منها: ماذا أجابوكم، وما ردّوا عليكم ( وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ ) يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وجئنا بك يا محمد شاهدا على قومك وأمتك الذين أرسلتك إليهم بما أجابوك ، وماذا عملوا فيما أرسلتك به إليهم.

وقوله ( وَنـزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ) يقول: نـزل عليك يا محمد هذا القرآن بيانا لكلّ ما بالناس إليه الحاجة من معرفة الحلال والحرام والثواب والعقاب (وَهُدًى) من الضلال (وَرَحْمَةً) لمن صدّق به، وعمل بما فيه من حدود الله ، وأمره ونهيه، فأحل حلاله ، وحرّم حرامه ( وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) يقول: وبشارة لمن أطاع الله وخضع له بالتوحيد ، وأذعن له بالطاعة، يبشره بجزيل ثوابه في الآخرة ، وعظيم كرامته.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، قال: ثنا أبان بن تغلب، عن الحكم، عن مجاهد ( تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ) قال: مما أحلّ وحرّم.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن أبان بن تغلب، عن مجاهد، في قوله ( تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ) مما أحلّ لهم وحرّم عليهم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، قوله ( تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ) قال: ما أمر به، وما نَهَى عنه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله ( وَنـزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ) قال: ما أُمِروا به، ونهوا عنه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن أشعث، عن رجل، قال: قال ابن مسعود: أنـزل في هذا القرآن كل علم وكلّ شيء قد بين لنا في القرآن.

ثم تلا هذه الآية.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمينقوله تعالى : ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وهم الأنبياء شهداء على أممهم يوم القيامة بأنهم قد بلغوا الرسالة ودعوهم إلى الإيمان ، في كل زمان شهيد وإن لم يكن نبيا ; وفيهم قولان : أحدهما : أنهم أئمة الهدى الذين هم خلفاء الأنبياء .

الثاني : أنهم العلماء الذين حفظ الله بهم شرائع أنبيائه .قلت : فعلى هذا لم تكن فترة إلا وفيها من يوحد الله ; كقس بن ساعدة ، وزيد بن عمرو بن نفيل الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - : يبعث أمة وحده ، وسطيح ، وورقة بن نوفل الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - : رأيته ينغمس في أنهار الجنة .

فهؤلاء ومن كان مثلهم حجة على أهل زمانهم وشهيد عليهم .

والله أعلم .كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يدعى نوح - عليه السلام - يوم القيامة فيقول لبيك وسعديك يا رب فيقول هل بلغت فيقول نعم فيقال لأمته هل بلغكم فيقولون ما أتانا من نذير فيقول من يشهد لك فيقول محمد وأمته فيشهدون أنه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيدا فذلك قوله - عز وجل - وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا .

.

.

.

وذكر هذا الحديث مطولا ابن المبارك بمعناه ، وفيه : فتقول تلك الأمم كيف يشهد علينا من لم يدركنا فيقول لهم الرب سبحانه كيف تشهدون على من لم تدركوا فيقولون ربنا بعثت إلينا رسولا وأنزلت إلينا عهدك وكتابك وقصصت علينا أنهم قد بلغوا فشهدنا بما عهدت إلينا فيقول الرب صدقوا فذلك قوله - عز وجل - وكذلك جعلناكم أمة وسطا - والوسط العدل - لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا .قوله تعالى : ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء نظيره : ما فرطنا في الكتاب من شيء .

وقد تقدم فلينظر هناك وقال مجاهد : تبيانا للحلال والحرام .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر فيما تقدم أنه يبعث { فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } ذكر ذلك أيضا هنا، وخص منهم هذا الرسول الكريم فقال: { وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ } أي: على أمتك تشهد عليهم بالخير والشر، وهذا من كمال عدل الله تعالى أن كل رسول يشهد على أمته لأنه أعظم اطلاعا من غيره على أعمال أمته، وأعدل وأشفق من أن يشهد عليهم إلا بما يستحقون.

وهذا كقوله تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } وقال تعالى: { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ } وقوله: { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ } في أصول الدين وفروعه، وفي أحكام الدارين وكل ما يحتاج إليه العباد، فهو مبين فيه أتم تبيين بألفاظ واضحة ومعان جلية، حتى إنه تعالى يثني فيه الأمور الكبار التي يحتاج القلب لمرورها عليه كل وقت، وإعادتها في كل ساعة، ويعيدها ويبديها بألفاظ مختلفة وأدلة متنوعة لتستقر في القلوب فتثمر من الخير والبر بحسب ثبوتها في القلب، وحتى إنه تعالى يجمع في اللفظ القليل الواضح معاني كثيرة يكون اللفظ لها كالقاعدة والأساس، واعتبر هذا بالآية التي بعد هذه الآية وما فيها من أنواع الأوامر والنواهي التي لا تحصى، فلما كان هذا القرآن تبيانا لكل شيء صار حجة الله على العباد كلهم.

فانقطعت به حجة الظالمين وانتفع به المسلمون فصار هدى لهم يهتدون به إلى أمر دينهم ودنياهم، ورحمة ينالون به كل خير في الدنيا والآخرة.

فالهدى ما نالوه به من علم نافع وعمل صالح.

والرحمة ما ترتب على ذلك من ثواب الدنيا والآخرة، كصلاح القلب وبره وطمأنينته، وتمام العقل الذي لا يتم إلا بتربيته على معانيه التي هي أجل المعاني وأعلاها، والأعمال الكريمة والأخلاق الفاضلة، والرزق الواسع والنصر على الأعداء بالقول والفعل ونيل رضا الله تعالى وكرامته العظيمة التي لا يعلم ما فيها من النعيم المقيم إلا الرب الرحيم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم ) يعني : نبيها من أنفسهم ، لأن الأنبياء كانت تبعث إلى الأمم منها .

( وجئنا بك ) يا محمد ، ( شهيدا على هؤلاء ) الذين بعثت إليهم .

( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ) بيانا ، ( لكل شيء ) يحتاج إليه من الأمر والنهي ، والحلال والحرام ، والحدود والأحكام ، ( وهدى ) من الضلالة ، ( ورحمة وبشرى ) بشارة ( للمسلمين )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» اذكر «يوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم» وهو نبيهم «وجئنا بك» يا محمد «شهيدا على هؤلاء» أي قومك «ونزلنا عليك الكتاب» القرآن «تبيانا» بيانا «لكل شيء» يحتاج إليه الناس من أمر الشريعة «وهدى» من الضلالة «ورحمة وبشرى» بالجنة «للمسلمين» الموحدين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكر -أيها الرسول- حين نبعث يوم القيامة في كل أمة من الأمم شهيدًا عليهم، هو الرسول الذي بعثه الله إليهم من أنفسهم وبلسانهم، وجئنا بك -أيها الرسول- شهيدًا على أمتك، وقد نَزَّلْنا عليك القرآن توضيحًا لكل أمر يحتاج إلى بيان، كأحكام الحلال والحرام، والثواب والعقاب، وغير ذلك، وليكون هداية من الضلال، ورحمة لمن صدَّق وعمل به، وبشارة طيبة للمؤمنين بحسن مصيرهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أكد - سبحانه - أمر البعث ، وأنه آت لا ريب فيه ، فقال - تعالى - : ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ) .والمراد بالشهيد هنا : كل نبى بعثه الله - تعالى - لأمة من الأمم السابقة كنوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، وغيرهم من الأنبياء السابقين - عليهم الصلاة والسلام - .والظرف ( يوم ) متعلق بمحذوف تقديره : اذكر .والمعنى : واذكر - أيها العاقل لتتعظ وتعتبر - يوم القيامة - يوم نبعث فى كل أمة من الأمم السابقة ، نبيها الذى أرسل إليها فى الدنيا ، ليشهد عليها الشهادة الحق ، بأن يشهد لمؤمنها بالإِيمان ، ولكافرها بالكفر .وقوله - سبحانه - : ( من أنفسهم ) أى : من جنسهم وبيئتهم ، ليكون أتم للحجة ، وأقطع للمعذرة ، وأدعى إلى العدالة والإنصاف .قال الآلوسى : ولا يرد لوط - عليه السلام - فإنه لما تأهل فيهم وسكن معهم عد منهم - أيضا - .وقال ابن عطية : يجوز أن يبعث الله شهداء من الصالحين مع الأنبياء - عليهم السلام - .وقد قال بعض الصحابة : إذا رأيت أحدا على معصية فانهه فإن أطاعك وإلا كنت شهيدا عليه يوم القيامة .وقوله - سبحانه - : ( وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً على هؤلاءآء ) خطاب للنبى صلى الله عليه وسلم على سبيل التشريف والتكريم .

أى : وجئنا بك - أيها الرسول الكريم - يوم القيامة شهيدا على هؤلاء الذين أرسلك الله - تعالى - لإِخراجهم من الظلمات إلى النور .وإيثار لفظ المجئ على البعث ، لكمال العناية بشأنه صلى الله عليه وسلم .قال ابن كثير قوله : ( وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً على هؤلاءآء ) يعنى أمتك .

أى اذكر ذلك اليوم وهوله ، وما منحك الله فيه من الشرف العظيم ، والمقام الرفيع .

" وهذه الآية شبيهة بالآية التى انتهى إليها عبد الله بن مسعود حين قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم صدر سورة النساء فلما وصل إلى قوله - تعالى - ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً ) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " حسبك " .

فقال ابن مسعود : فالتفت فإذا عيناه صلى الله عليه وسلم تذرفان .

أى بالدموع .

.

.

" .والمراد بشهادته على أمته صلى الله عليه وسلم : تصريحه بأنه قد بلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح لأمته ، وتزكيته لأعمال الصالحين منها ، ورجاؤه من الله - تعالى - فى هذا اليوم العصيب أن يغفر للعصاة من هذه الأمة .ويرى بعضهم أن المراد بهؤلاء فى قوله : ( وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً على هؤلاءآء ) أى : على الأنبياء السابقين وأممهم .ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأنه هو الظاهر من معنى الجملة الكريمة ، ولأن آية سورة النساء

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا نوع آخر من التهديدات المانعة للمكلفين عن المعاصي.

واعلم أن الأمة عبارة عن القرن والجماعة.

إذا ثبت هذا فنقول: في الآية قولان: الأول: أن المراد أن كل نبي شاهد على أمته.

والثاني: أن كل جمع وقرن يحصل في الدنيا فلابد وأن يحصل فيهم واحد يكون شهيداً عليهم.

أما الشهيد على الذين كانوا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الرسول بدليل قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  ﴾ وثبت أيضاً أنه لابد في كل زمان بعد زمان الرسول من الشهيد فحصل من هذا أن عصراً من الإعصار لا يخلو من شهيد على الناس وذلك الشهيد لابد وأن يكون غير جائز الخطأ، وإلا لافتقر إلى شهيد آخر ويمتد ذلك إلى غير النهاية وذلك باطل، فثبت أنه لابد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم وذلك يقتضي أن يكون إجماع الأمة حجة.

قال أبو بكر الأصم: المراد بذلك الشهيد هو أنه تعالى ينطق عشرة من أعضاء الإنسان حتى أنها تشهد عليه وهي: الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان.

قال: والدليل عليه أنه قال في صفة الشهيد أنه من أنفسهم وهذه الأعضاء لا شك أنها من أنفسهم.

أجاب القاضي عنه من وجوه: الأول: أنه تعالى قال: ﴿ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ ﴾ أي على الأمة فيجب أن يكون غيرهم.

الثاني: أنه قال: ﴿ مِن كُلّ أمَّةٍ ﴾ فوجب أن يكون ذلك الشهيد من الأمة وآحاد الأعضاء لا يصح وصفها بأنها من الأمة، وأما حمل هؤلاء الشهداء على الأنبياء فبعيد، وذلك لأن كونهم أنبياء مبعوثين إلى الخلق أمر معلوم بالضرورة فلا فائدة في حمل هذه الآية عليه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيء ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: وجه تعلق هذا الكلام بما قبله أنه تعالى لما قال: ﴿ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا على هؤلاءآء ﴾ بين أنه أزاح علتهم فيما كلفوا فلا حجة لهم ولا معذرة.

المسألة الثانية: من الناس من قال: القرآن تبيان لكل شيء وذلك لأن العلوم إما دينية أو غير دينية، أما العلوم التي ليست دينية فلا تعلق لها بهذه الآية، لأن من المعلوم بالضرورة أن الله تعالى إنما مدح القرآن بكونه مشتملاً على علوم الدين فأما ما لا يكون من علوم الدين فلا التفات إليه، وأما علوم الدين فإما الأصول، وإما الفروع، أما علم الأصول فهو بتمامه موجود في القرآن وأما علم الفروع فالأصل براءة الذمة إلا ما ورد على سبيل التفصيل في هذا الكتاب، وذلك يدل على أنه لا تكليف من الله تعالى إلا ما ورد في هذا القرآن، وإذا كان كذلك كان القول بالقياس باطلاً، وكان القرآن وافياً ببيان كل الأحكام، وأما الفقهاء فإنهم قالوا: القرآن إنما كان تبياناً لكل شيء، لأنه يدل على أن الإجماع وخبر الواحد والقياس حجة، فإذا ثبت حكم من الأحكام بأحد هذه الأصول كان ذلك الحكم ثابتاً بالقرآن، وهذه المسألة قد سبق ذكرها بالاستقصاء في سورة الأعراف، والله أعلم.

المسألة الثالثة: روى الواحدي بإسناده عن الزجاج أنه قال: تبياناً في معنى اسم البيان ومثل التبيان التلقاء، وروى ثعلب عن الكوفيين، والمبرد عن البصريين أنهم قالوا: لم يأت من المصادر على تفعال إلا حرفان تبياناً وتلقاء، وإذا تركت هذين اللفظين استوى لك القياس فقلت: في كل مصدر تفعال بفتح التاء مثل تسيار وتذكار وتكرار، وقلت: في كل اسم تفعال بكسر التاء مثل تقصار وتمثال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مّنْ أَنفُسِهِمْ ﴾ يعني نبيهم؛ لأنه كان يبعث أنبياء الأمم فيهم منهم ﴿ وَجِئْنَا بِكَ ﴾ يا محمد ﴿ شَهِيدًا على هَؤُلآء ﴾ على أمتك ﴿ تِبْيَانًا ﴾ بياناً بليغاً ونظير (تبيان) (تلقاء) في كسر أوله، وقد جوز الزجاج فتحه في غير القرآن.

فإن قلت: كيف كان القرآن تبياناً ﴿ لّكُلّ شَيْء ﴾ ؟

قلت: المعنى أنه بين كل شيء من أمور الدين، حيث كان نصاً على بعضها وإحالة على السنة، حيث أمر فيه باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته.

وقيل: وما ينطق عن الهوى.

وحثاً على الإجماع في قوله: ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين ﴾ [النساء: 115] وقد رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته اتباع أصحابه والاقتداء بآثارهم في قوله صلى الله عليه وسلم: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهديتم» وقد اجتهدوا وقاسوا ووطؤا طرق القياس والاجتهاد، فكانت السنة والإجماع والقياس والاجتهاد، مستندة إلى تبيان الكتاب، فمن ثمّ كان تبياناً لكل شيء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ يَعْنِي نَبِيَّهم فَإنَّ نَبِيَّ كُلِّ أُمَّةٍ بُعِثَ مِنهم.

﴿ وَجِئْنا بِكَ ﴾ يا مُحَمَّدُ.

﴿ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ ﴾ عَلى أُمَّتِكَ.

﴿ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ.

﴿ تِبْيانًا ﴾ بَيانًا بَلِيغًا.

﴿ لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِن أُمُورِ الدِّينِ عَلى التَّفْصِيلِ أوِ الإجْمالِ بِالإحالَةِ إلى السُّنَّةِ أوِ القِياسِ.

﴿ وَهُدًى ورَحْمَةً ﴾ لِلْجَمِيعِ وإنَّما حِرْمانُ المَحْرُومِ مِن تَفْرِيطِهِ.

﴿ وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ خاصَّةً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنفُسِهِمْ} يعني نبيهم لأنه كان يبعث أنبياء الأمم فيهم منهم {وَجِئْنَا بِكَ} يا محمد {شَهِيدًا على هَؤُلآءِ} على أمتك {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَانًا} بليغاً {لّكُلِّ شَىْءٍ} من أمور الدين أما في الأحكام المنصوصة فظاهر وكذا فيما ثبت بالسنة أو بالإجماع أو بقول الصحابة أو بالقياس لأن مرجع الكل إلى الكتاب حيث أمرنا فيه باتباع رسوله عليه السلام وطاعته بقوله أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وحثنا على الإجماع فيه بقوله

النحل (٨٩ _ ٩٢)

ويتبع غير سبيل المؤمنين وقد رضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته باتباع أصحابه بقوله أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وقد اجتهدوا وقاسوا ووطّئوا طرق الاجتهاد والقياس مع أنه أمرنا به بقوله فاعتبروا يا أولى الأبصار فكانت السنة والإجماع وقول الصحابي والقياس مستندة إلى تبيان الكتاب فنتبين أنه كان تبياناً لكل شيء {وَهُدًى وَرَحْمَةً وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ} ودلالة إلى الحق ورحمة لهم وبشارة لهم بالجنة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ ﴾ وهو كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَبِيُّهُمُ الَّذِي بُعِثَ فِيهِمْ في الدُّنْيا، ومَعْنى كَوْنِهِ ﴿ مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ أنَّهُ مِنهُمْ، وذَلِكَ لِيَكُونَ أقْطَعَ لِلْمَعْذِرَةِ، ولا يَرِدُ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ لَما تَأهَّلَ فِيهِمْ وسَكَنَ مَعَهم عُدَّ مِنهم أيْضًا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى شُهَداءً مِنَ الصّالِحِينَ مَعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَدْ قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: إذا رَأيْتَ أحَدًا عَلى مَعْصِيَةٍ فانْهَهُ فَإنْ أطاعَكَ وإلّا كُنْتَ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وذَكَرَ الإمامُ في الآيَةِ قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شاهِدٌ عَلى قَوْمِهِ كَما تَقَدَّمَ، والثّانِي أنَّ كُلَّ قَرْنٍ وجَمْعٍ يَحْصُلُ في الدُّنْيا فَلا بُدَّ أنْ يَحْصُلَ فِيهِمْ مَن يَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ ولا بُدَّ أنْ لا يَكُونَ جائِزَ الخَطَأِ وإلّا لاحْتاجَ إلى آخَرَ وهَكَذا فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، ووُجُودُ الشَّهِيدِ كَذَلِكَ في عَصْرِ النَّبِيِّ  ظاهِرٌ، وأمّا بَعْدَهُ فَلا بُدَّ في كُلِّ عَصْرٍ مِن أقْوامٍ تَقُومُ الحُجَّةُ بِقَوْلِهِمْ وهم قائِمُونَ مَقامَ الشَّهِيدِ المَعْصُومِ، ثُمَّ قالَ: وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ إجْماعُ الأُمَّةِ حُجَّةً انْتَهى، وإلى أنَّهُ لا بُدَّ في كُلِّ عَصْرٍ مِمَّنْ يَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً عَلى أهْلِ عَصْرِهِ ذَهَبَ الجَبائِيُّ وأكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ، قالَ الطَّبَرْسِيُّ في مَجْمَعِ البَيانِ: ومَذْهَبُهم يُوافِقُ مَذْهَبَ أصْحابِنا يَعْنِي الشِّيعَةَ وإنْ خالَفَهُ في أنَّ ذَلِكَ الحُجَّةَ مَن هو.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى هَذا المَطْلَبِ ضَعِيفٌ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ في ذَلِكَ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ.

وقالَ الأصَمُّ: المُرادُ بِالشَّهِيدِ أجْزاءٌ مِنَ الإنْسانِ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى يَنْطِقُ عَشَرَةُ أجْزاءٍ مِنهُ وهي الأُذُنانِ والعَيْنانِ والرِّجْلانِ واليَدانِ والجِلْدُ واللِّسانُ فَتَشْهَدُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ في صِفَةِ الشَّهِيدِ مِن أنْفُسِهِمْ.

وتَعَقَّبَهُ القاضِي وغَيْرُهُ بِأنَّ كَوْنَهُ شَهِيدًا عَلى الأُمَّةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ غَيْرَهم.

وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي كُلِّ أُمَّةٍ ﴾ يَأْبى ذَلِكَ إذْ لا يَصِحُّ وصْفُ آحادِ الأعْضاءِ بِأنَّها مِنَ الأُمَّةِ وأيْضًا مُقابَلَةُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ ﴾ يُبْعِدُ ما ذُكِرَ كَما لا يَخْفى، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ أُمَّتُهُ  عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، ولَمْ يُسْتَبْعَدْ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمْ ما يَشْمَلُ الحاضِرِينَ وقْتَ النُّزُولِ وغَيْرَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَإنَّ أعْمالَ أُمَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تُعْرَضُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.

فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««حَياتِي خَيْرٌ لَكم تُحَدِّثُونَ ويُحَدَّثُ لَكم ومَماتِي خَيْرٌ لَكم تُعْرَضُ عَلَيَّ أعْمالُكم فَما رَأيْتُ مِن خَيْرٍ حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَيْهِ وما رَأيْتُ مِن شَرٍّ اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ تَعالى لَكم»».

بَلْ جاءَ أنَّ أعْمالَ العَبْدِ تُعْرَضُ عَلى أقارِبِهِ مِنَ المَوْتى، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: «لا تَفْضَحُوا أمْواتَكم بِسَيِّئاتِ أعْمالِكم فَإنَّها تُعْرَضُ عَلى أوْلِيائِكم مِن أهْلِ القُبُورِ»».

وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا ««إنَّ أعْمالَكم تُعْرَضُ عَلى أقارِبِكم وعَشائِرِكم مِنَ الأمْواتِ فَإنْ كانَ خَيْرًا اسْتَبْشَرُوا وإنْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ قالُوا: اللَّهُمَّ لا تُمِتْهم حَتّى تَهْدِيَهم كَما هَدَيْتَنا»» وأخْرَجَهُ أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ بِزِيادَةِ ««وألْهِمْهم أنْ يَعْمَلُوا بِطاعَتِكَ»».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ قالَ: «إنَّ أعْمالَكم تُعْرَضُ عَلى مَوْتاكم فَيُسَرُّونَ ويُساءُونَ» فَكانَ أبُو الدَّرْداءِ يَقُولُ عَنْهُ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ يَمْقُتَنِي خالِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ إذا لَقِيتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ في سُجُودِهِ.

والنَّبِيُّ  لِأُمَّتِهِ بِمَنزِلَةِ الوالِدِ بَلْ أوْلى، ولَمْ أقِفْ عَلى عَرْضِ أعْمالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ عَلى أنْبِيائِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ ولَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِذَلِكَ لا نَفْيًا ولا إثْباتًا، فَإنْ قِيلَ: إنَّها تُعْرَضُ فَأمْرُ الشَّهادَةِ مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ في نَبِيٍّ لَمْ يُبْعَثْ في أُمَّتِهِ بَعْدَ خُلُوِّهِمْ عَنْهُ نَبِيٌّ آخَرُ، وإنْ قِيلَ: إنَّها لا تُعْرَضُ احْتاجَ أمْرُ الشَّهادَةِ إلى الفَحْصِ عَنْ وُجُودِ أمْرٍ يُفِيدُ العِلْمَ المُصَحِّحَ لَها أوِ التِزامِ أنَّ الشَّهِيدَ لَيْسَ هو النَّبِيُّ وحْدَهُ كَما سَمِعْتَ فِيما سَبَقَ، ثُمَّ إنَّ حَدِيثَ العَرْضِ عَلى نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُشْكِلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ ««لَيُذادُنَّ عَنِ الحَوْضِ أقْوامٌ»» الخَبَرَ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ المَناوِيُّ ولَمْ يُجِبْ عَنْهُ، وقَدْ أجَبْتُ عَنْهُ في بَعْضِ تَعْلِيقاتِي فَتَأمَّلْ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ شُهَداءُ الأُمَمِ وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِعِلْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعَقائِدِهِمْ واسْتِجْماعِ شَرْعِهِ لِقَواعِدِهِمْ لا الأُمَّةِ لِأنَّ كَوْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَهِيدًا عَلى أُمَّتِهِ عُلِمَ مِمّا تَقَدَّمَ فالآيَةُ مَسُوقَةٌ لِشَهادَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الأنْبِياءِ  فَتَخْلُو عَنِ التَّكْرارِ.

ورُدَّ بِأنَّ المُرادَ بِشَهادَتِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أُمَّتِهِ تَزْكِيَتُهُ وتَعْدِيلُهُ لَهم بَعْدَ أنْ يَشْهَدُوا عَلى تَبْلِيغِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَسْبَما عَلِمُوهُ مِن كِتابِهِمْ وهَذا لَمْ يُعْلَمْ مِمّا مَرَّ لِيَكُونَ تَكْرارًا وهو الوارِدُ في الحَدِيثِ، وقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا ﴾ ( وعَلى ) لا مَضَرَّةَ فِيها وإنْ ضَرَّتْ فالضَّرَرُ مُشْتَرَكٌ.

نَعَمْ لَمْ يُفْهَمْ مِمّا قَبْلَ شَهادَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى تَبْلِيغِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِيَظْهَرَ كَوْنُ هَذِهِ الشَّهادَةِ لِلتَّزْكِيَةِ كَما في آيَةِ البَقَرَةِ، ولَعَلَّ الأمْرَ في ذَلِكَ سَهْلٌ.

وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ويَوْمَ نَبْعَثُ ﴾ تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ تَثْنِيَةً لِلتَّهْدِيدِ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ الأُمَمُ وشُهَداؤُهُمْ، وإيثارُ لَفْظِ المَجِيءِ عَلى البَعْثِ لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ انْتَهى.

وتُعِقِّبَ بِأنَّ حَمْلَ ( هَؤُلاءِ ) عَلى ما ذُكِرَ خِلافُ الظّاهِرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إيثارُ المَجِيءِ عَلى البَعْثِ لِلْإيذانِ بِالمُغايَرَةِ بَيْنَ الشَّهادَتَيْنِ بِناءً عَلى أنَّ شَهادَتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أُمَّتِهِ لِلتَّزْكِيَةِ ولا كَذَلِكَ شَهادَةُ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أُمَمِهِمْ.

والظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ كَما مَرَّ، والمُرادُ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ ﴿ ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ الكامِلَ في الكِتابِيَّةِ الحَقِيقَ بِأنْ يُخَصَّ بِهِ اسْمُ الجِنْسِ، وهَذا- عَلى ما في البَحْرِ- اسْتِئْنافُ أخْبارٍ ولَيْسَ داخِلًا مَعَ ما قَبْلَهُ لِاخْتِلافِ الزَّمانَيْنِ.

وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنَهُ حالًا بِتَقْدِيرِ قَدْ، وذَكَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وجِئْنا بِكَ ﴾ إلَخْ إنْ كانَ كَلامًا مُبْتَدَأٌ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (نَبْعَثُ) و (شَهِيدًا) حالًا مُقَدَّرَةً فَلا إشْكالَ في الحالِيَّةِ وإنْ كانَ عَطْفًا عَلَيْهِ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِما عُرِفَ في أمْثالِهِ، فَمَضْمُونُ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ مُتَقَدِّمٌ بِكَثِيرٍ فَلا يَتَمَشّى التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرُوهُ في تَصْحِيحِ كَوْنِ الماضَوِيَّةِ حالًا هُنا، فَفي صِحَّةِ كَوْنِهِ حالًا كَلامٌ إلّا أنْ يُبْنى عَلى عَدَمِ جَرَيانِ الزَّمانِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ العَقائِدُ والقَواعِدُ بِالدُّخُولِ الأوْلى، وذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ إلى البَعْثِ وما بَعْدَهُ، ولا حاجَةَ إلى ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى بِحَيْثُ أوْ بِحالٍ أنّا كَما نَزَّلْنا عَلَيْكَ وتِلْكَ الحَيْثِيَّةُ ثابِتَةٌ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى الأبَدِ انْتَهى، وفِيهِ نَظَرٌ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِن ضَمِيرِ الرَّفْعِ في الفِعْلِ العامِلِ في الظَّرْفِ أيْ خَوْفَهَمْ ذَلِكَ اليَوْمَ وقَدْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ، وهو كَما تَرى والأسْلَمُ الِاسْتِئْنافُ والتِّبْيانُ مَصْدَرٌ يَدُلُّ عَلى التَّكْثِيرِ عَلى ما رَوى ثَعْلَبٌ عَنِ الكُوفِيِّينَ، والمُبَرِّدُ عَنِ البَصْرِيِّينَ، قالَ سَلامَةُ الأنْبارِيُّ في شَرْحِ المَقاماتِ: كُلُّ ما ورَدَ مِنَ المَصادِرِ عَنِ العَرَبِ عَلى تَفْعالٍ فَهو بِفَتْحِ التّاءِ إلّا لَفْظَتَيْنِ وهُما تِبْيانٌ وتِلْقاءٌ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو اسْمٌ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ، وهَذِهِ الصِّيغَةُ أيْضًا في الأسْماءِ قَلِيلَةٌ، فَعَنِ ابْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ في نَظْمِ الفَرائِدِ: جاءَ عَلى تِفْعالٍ بِالكَسْرِ وهو غَيْرُ مَصْدَرٍ رَجُلٌ تِكْلامٌ وتِلْقامٌ وتِلْعابٌ وتِمْساحٌ لِلْكَذّابِ وتِضْرابٌ لِلنّاقَةِ القَرِيبَةِ بِضِرابِ الفَحْلِ وتِمْرادٌ لِبَيْتِ الحَمامِ وتِلْفافٌ لِثَوْبَيْنِ مَلْفُوفَيْنِ وتِجْفافٌ لِما تَجَلَّلَ بِهِ الفَرَسُ وتِهْواءٌ لِجُزْءٍ ماضٍ مِنَ اللَّيْلِ وتِنْبالٌ لِلْقَصِيرِ اللَّئِيمِ وتِعْشارٌ وتِبْراكٌ لِمَوْضِعَيْنِ، وزادَ ابْنُ جَعْوانَ تِمْثالٌ وتِيفاقٌ لِمُوافَقَةِ الهِلالِ، واقْتَصَرَ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ في شَرْحِ المُعَلَّقاتِ عَلى أقَلِّ مِن ذَلِكَ فَقالَ: لَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى تِفْعالٍ إلّا أرْبَعَةُ أسْماءَ وخامِسٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ يُقالُ تِبْيانٌ ويُقالُ لِقِلادَةِ المَرْأةِ تِقْصارٌ وتِعْشارٌ وتِبْراكٌ والخامِسُ تِمْساحٌ وتِمْسَحٌ أكْثَرُ وأفْصَحُ انْتَهى، والمَعْرُوفُ أنَّ (تِبْيانًا) مَصْدَرٌ ولَيْسَ بِاسْمٍ وإنْ قِيلَ: إنَّهُ قَوْلُ أكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ فِيهِ الفَتْحَ في غَيْرِ القُرْآنِ، والمُرادُ مِن كُلِّ شَيْءٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ ما يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الدِّينِ أيْ بَيانًا بَلِيغًا لِكُلِّ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ ومِن جُمْلَتِهِ أحْوالُ الأُمَمِ مِن أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكَذا ما أخْبَرَتْ بِهِ هَذِهِ الآيَةُ مِن بَعْثِ الشُّهَداءِ وبَعْثِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فانْتِظامُ الآيَةِ بِما قَبْلَها ظاهِرٌ، والدَّلِيلُ عَلى تَقْدِيرِ الوَصْفِ المُخَصَّصِ لِلشَّيْءِ المُقامِ وأنَّ بِعْثَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما هي لِبَيانِ الدِّينِ، ولِذا أُجِيبَ السُّؤالُ عَنِ الأهِلَّةِ بِما أُجِيبَ، وقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أنْتُمْ أعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْياكم»» وكَوْنُ الكِتابِ تِبْيانًا لِذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّ فِيهِ نَصًّا عَلى البَعْضِ وإحالَةً لِلْبَعْضِ الآخَرِ عَلى السُّنَّةِ حَيْثُ أُمِرَ بِاتِّباعِ النَّبِيِّ  ، وقِيلَ فِيهِ: ﴿ وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى ﴾ وحَثًّا عَلى الإجْماعِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ ﴾ الآيَةَ فَإنَّها عَلى ما رُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ وجَماعَةٍ دَلِيلُ الإجْماعِ، وقَدْ رَضِيَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ بِاتِّباعِ أصْحابِهِ حَيْثُ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

««عَلَيْكم بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْها بِالنَّواجِذِ»».

وقَدِ اجْتَهَدُوا وقاسَوْا ووَطِؤُوا طُرُقَ الِاجْتِهادِ فَكانَتِ السُّنَّةُ والإجْماعُ والقِياسُ مُسْتَنِدَةً إلى تِبْيانِ الكِتابِ، وقالَ بَعْضٌ: كُلٌّ لِلتَّكْثِيرِ والتَّفْخِيمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها ﴾ إذْ يَأْبى الإحاطَةَ والتَّعْمِيمَ ما في التِّبْيانِ مِنَ المُبالَغَةِ في البَيانِ وأنَّ مِن أُمُورِ الدِّينِ تَخْصِيصًا لا يَقْتَضِيهِ المَقامُ.

ورَدَّ الثّانِي بِما سَمِعْتَ آنِفًا والأوَّلُ بِأنَّ المُبالَغَةَ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ لا الكَيْفِيَّةِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ إنَّهُ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ ظالِمٌ لِعَبْدِهِ وظَلّامٌ لِعَبِيدِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ ﴾ وقالَ بَعْضُهُمْ: لِكُلٍّ مِنَ القَوْلَيْنِ وجْهَةٌ والمُرَجِّحُ لِلْأوَّلِ إبْقاءُ كُلٍّ عَلى حَقِيقَتِها في الجُمْلَةِ، وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ يُرَجِّحُ الثّانِي إبْقاءُ ( شَيْءٍ ) عَلى العُمُومِ وسَلامَتُهُ مِنَ التَّقْدِيرِ الَّذِي هو خِلافُ الأصْلِ ومِنَ المَجازِ عَلى قَوْلِ نَعَمْ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى اعْتِبارِ التَّخْصِيصِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ.

وقالَ الجَلالُ المَحَلِّيُّ في الرَّدِّ عَلى مَن لَمْ يُجَوِّزْ تَخْصِيصَ السُّنَّةِ بِالكِتابِ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلى الجَوازِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ وإنْ خُصَّ مِن عُمُومِهِ ما خُصَّ بِغَيْرِ القُرْآنِ، وتَوْجِيهُ كَوْنِهِ تِبْيانًا لِكُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ بِما تَقَدَّمَ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الأجِلَّةِ.

فَعَنِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ مَرَّةً بِمَكَّةَ: سَلُونِي عَمّا شِئْتُمْ أُخْبِرُكم عَنْهُ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَقِيلَ لَهُ: ما تَقُولُ في المُحْرِمِ يَقْتُلُ الزُّنْبُورَ؟

فَقالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا ﴾ وحَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِراشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِن بَعْدِي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ»».

وحَدَّثَنا سُفْيانُ عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدامٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ أمَرَ بِقَتْلِ المُحْرِمِ الزُّنْبُورَ، ورَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ««لَعَنَ اللَّهُ تَعالى الواشِماتِ والمُتَوَشِّماتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللَّهِ تَعالى» فَقالَتْ لَهُ امْرَأةْ في ذَلِكَ فَقالَ: ما لِي لا ألْعَنُ مَن لَعَنَ رَسُولِ اللَّهِ  وهو في كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَقالَتْ لَهُ: لَقَدْ قَرَأْتُ ما بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَما وجَدْتُ فِيهِ ما تَقُولُ فَقالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وجَدِّتِيهِ أما قَرَأتِ «وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا» قالَتْ: بَلى.

قالَ: فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ نَهى عَنْهُ».

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ غَيْرُ قائِلٍ بِالتَّخْصِيصِ ولا بِأنَّ (كُلٌّ) لِلتَّكْثِيرِ فَقالَ: ما مِن شَيْءٍ مِن أمْرِ الدِّينِ والدُّنْيا إلّا يُمْكِنُ اسْتِخْراجُهُ مِنَ القُرْآنِ وقَدْ بَيَّنَ فِيهِ كُلَّ شَيْءٍ بَيانًا بَلِيغًا واعْتُبِرَ في ذَلِكَ مَراتِبُ النّاسِ في الفَهْمِ فَرُبَّ شَيْءٍ يَكُونُ بَيانًا بَلِيغًا ولا يَكُونُ كَذَلِكَ لِآخَرِينَ بَلْ قَدْ يَكُونُ بَيانًا لِواحِدٍ ولا يَكُونُ بَيانًا لِآخَرَ فَضْلًا عَنْ كَوْنِ البَيانِ بَلِيغًا أوْ غَيْرَ بَلِيغٍ ولَيْسَ هَذا إلّا لِتَفاوُتِ قُوى البَصائِرِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ اخْتِلافُ مَراتِبِ الإحْساسِ لِتَفاوُتِ قُوى الإبْصارِ، وقِيلَ: مَعْنى كَوْنِهِ تِبْيانًا أنَّهُ كَذَلِكَ في نَفْسِهِ وهو لا يَسْتَدْعِي وُجُودَ مُبَيِّنٍ لَهُ فَضْلًا عَنْ تَشارُكِ الجَمِيعِ في تَحَقُّقِ هَذا الوَصْفِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ بِأنْ يَفْهَمُوا حالَ كُلِّ شَيْءٍ مِنهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، ونَظِيرُ ذَلِكَ الشَّمْسُ فَإنَّها مُنِيرَةٌ في حَدِّ ذاتِها وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مُسْتَنِيرٌ أوْ ناظِرٌ، ويُغْنِي عَنْ هَذا الِاعْتِبارِ اعْتِبارُ أنَّ المُبالَغَةَ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ لا الكَيْفِيَّةِ، ويُؤَيِّدُ القَوْلُ بِالظّاهِرِ أنَّ الشَّيْخَ الأكْبَرَ قُدِّسَ سِرُّهُ وغَيْرَهُ قَدِ اسْتَخْرَجُوا مِنهُ ما لا يُحْصى مِنَ الحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ.

وقَدْ رَأيْتُ جَدْوَلًا حَرْفِيًّا مَنسُوبًا إلى الشَّيْخِ كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ يُعْرَفُ مِنهُ حَوادِثُ أهْلِ المَحْشَرِ، وآخَرَ كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ يُعْرَفُ مِنهُ حَوادِثُ أهْلِ الجَنَّةِ، وآخَرَ كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ يُعْرَفُ مِنهُ حَوادِثُ أهْلِ النّارِ وكُلُّ ذَلِكَ عَلى ما يَزْعُمُونَ مُسْتَخْرَجٌ مِنَ الكِتابِ الكَرِيمِ، ومِثْلُ هَذا الجَفْرِ الجامِعِ المَنسُوبِ إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَإنَّهم قالُوا: إنَّهُ جامِعٌ لِما شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ وهو أيْضًا مُسْتَخْرَجٌ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ.

وقَدْ نَقَلَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَنِ المُرْسِي أنَّهُ قالَ: جَمَعَ القُرْآنُ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ بِحَيْثُ لَمْ يُحِطْ بِها عِلْمًا حَقِيقَةً إلّا المُتَكَلِّمُ بِهِ ثُمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَلا ما اسْتَأْثَرَ بِهِ سُبْحانَهُ ثُمَّ ورِثَ عَنْهُ مُعْظَمَ ذَلِكَ ساداتُ الصَّحابَةِ وأعْلامُهم مِثْلُ الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ ومِثْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ حَتّى قالَ الأوَّلُ: لَوْ ضاعَ لِي عِقالُ بَعِيرٍ لَوَجَدْتُهُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ ورِثَ عَنْهُمُ التّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ ثُمَّ تَقاصَرَتِ الهِمَمُ وفَتَرَتِ العَزائِمُ وتَضاءَلَ أهْلُ العِلْمِ وضَعُفُوا عَنْ حَمْلِ ما حَمَلَهُ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ مِن عُلُومِهِ وسائِرِ فُنُونِهِ فَنَوَّعُوا عُلُومَهُ وقامَتْ كُلُّ طائِفَةٍ بِفَنٍّ مِن فُنُونِهِ، وقِيلَ: لا يَخْلُو الزَّمانُ مِن عارِفٍ بِجَمِيعِ ذَلِكَ وهو الوارِثُ المُحَمَّدِيُّ ويُسَمّى الغَوْثَ وقُطْبَ الأقْطابِ والمُظْهِرَ الأتَمَّ ومُظْهِرَ الِاسْمِ الأعْظَمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ويَرُدُّ عَلى هَؤُلاءِ القائِلِينَ حَدِيثُ التَّأْبِيرِ وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أنْتُمْ أعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْياكم»».

وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهُ  قَبْلَ نُزُولِهِ ما يُعْلَمُ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حالَ التَّأْبِيرِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ النُّزُولِ وقالَ ذَلِكَ  قَبْلَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ والنَّظَرِ فِيهِ ولَوْ رَجَعَ ونَظَرَ لَعَلِمَ فَوْقَ ما عَلِمُوا فَأعَلْمَيِتُّهم بِأُمُورِ دُنْياهم إنَّما جاءَتْ لِكَوْنِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ لا يَحْتاجُ إلى الرُّجُوعِ والنَّظَرِ وعِلْمُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ وهَذا كَما قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لَوِ اسْتَقْبَلْتُ ما اسْتَدْبَرْتُ لَما سُقْتُ الهَدْيَ»».

مَعَ أنَّ سَوْقَ الهَدْيِ مِنَ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وقَدْ قالُوا: إنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ تِبْيانٌ لَها، وهَذا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ لَوْلا هَذا الجَوابُ فَتَأمَّلْ فالبَحْثُ بَعْدُ غَيْرُ خالٍ عَنِ القِيلِ والقالِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الأُمُورَ إمّا دِينِيَّةٌ أوْ دُنْيَوِيَّةٌ والدُّنْيَوِيَّةُ لا اهْتِمامَ لِلشّارِعِ بِها إذْ لَمْ يُبْعَثُ لَها والدِّينِيَّةُ إمّا أصْلِيَّةٌ أوْ فَرْعِيَّةٌ والِاهْتِمامُ بِالفَرْعِيَّةِ دُونَ الِاهْتِمامِ بِالأصْلِيَّةِ فَإنَّ المَطْلُوبَ أوَّلًا بِالذّاتِ مِن بَعْثَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ هو التَّوْحِيدُ وما أشْبَهَهُ بَلِ المَطْلُوبُ مِن خَلْقِ العِبادِ هو مَعْرِفَتُهُ تَعالى كَما يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ بِناءً عَلى تَفْسِيرِ كَثِيرِ العِبادَةِ بِالمَعْرِفَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ المَشْهُورِ عَلى الألْسِنَةِ المُصَحَّحِ مِن طَرِيقِ الصُّوفِيَّةِ: ««كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا فَأحْبَبْتُ أنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الخَلْقَ لِأُعْرَفَ»».

والقُرْآنُ العَظِيمُ قَدْ تَكَفَّلَ بِبَيانِ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ الأصْلِيَّةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فَلْيَكُنِ المُرادُ مِن كُلِّ شَيْءٍ ذَلِكَ، ولا يَحْتاجُ هَذا إلى تَوْجِيهِ كَوْنِهِ تِبْيانًا إلى ما احْتاجَ إلَيْهِ حَمَلُ كُلِّ شَيْءٍ عَلى أُمُورِ الدِّينِ مُطْلَقًا مِن قَوْلِنا: إنَّهُ بِاعْتِبارِ أنَّ فِيهِ نَصًّا عَلى البَعْضِ وإحالَةً لِلْبَعْضِ الآخَرِ عَلى السُّنَّةِ إلَخْ، واخْتارَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ إنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَلى ظاهِرِهِ إلّا أنَّ المُرادَ بِالتِّبْيانِ التِّبْيانُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ وما مِن شَيْءٍ إلّا بُيِّنَ في الكِتابِ حالُهُ إجْمالًا، ويَكْفِي في ذَلِكَ بَيانُ بَعْضِ أحْوالِهِ والمُبالَغَةِ بِاعْتِبارِ الكَمِّيَّةِ لا الكَيْفِيَّةِ عَلى ما عَلِمْتَ سابِقًا، ولَوْ حُمِلَ التِّبْيانُ عَلى ما يَعُمُّ الإجْمالَ والتَّفْصِيلَ مَعَ اعْتِبارِ المُبَيِّنِ لَهم واعْتُبِرَ التَّوْزِيعُ جازَ أيْضًا فَلْيُتَدَبَّرْ، ونَصْبُ ﴿ تِبْيانًا ﴾ عَلى الحالِ كَما قالَ أبُو حَيّانَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِأجْلِ التِّبْيانِ ﴿ وهُدًى ورَحْمَةً ﴾ لِلْجَمِيعِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ وحِرْمانُ الكَفَرَةِ مِن جِهَةِ تَفْرِيطِهِمْ ﴿ وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ خاصَّةٌ، وجُوِّزَ صَرْفُ الجَمِيعِ لَهم لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ أوْ لِأنَّهُ الهِدايَةُ الدَّلالَةُ المُوَصِّلَةُ والرَّحْمَةُ الرَّحْمَةُ التّامَّةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ أي: استسلموا وخضعوا وانقادوا.

العابد والمعبود، والتابع والمتبوع، خضعوا كلهم يومئذ لله تعالى وَضَلَّ عَنْهُمْ أي: اشتغل عنهم آلهتهم بأنفسهم مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ أي: يختلفون، ويقال: بطل عنهم مَّا كَانُواْ يقولون من الكذب في الدنيا.

ثم بين عذابهم فقال: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: صرفوا الناس عن دين الإسلام زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ فوق عذاب السفلة.

ويقال: التابع والمتبوع زدناهم في كل وقت عذاباً مع العذاب.

وقال مقاتل: يجري الله عليهم خمسة أنهار من نحاس ذائب، ثلاثة أنهار في وقت الليل، واثنان في وقت النهار بِما كانُوا يُفْسِدُونَ في الدنيا.

وقال الكلبي نحو هذا.

قال الفقيه أبو الليث: حدثنا محمد بن الفضل.

قال: حدثنا محمد بن جعفر.

قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، عن عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود في قوله: زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ قال: «أفاعي في النار» .

وعن ابن مسعود قال: «زيدوا عقارب في النار، أنيابها كالنخل الطوال» .

وعن مجاهد قال: «في النار عقارب كالبغال، أنيابهن كالرماح، تضرب إحداهن على رأسه فيسقط لحمه على قدميه» .

ويقال: يسألون الله تعالى المطر في ألف سنة ليسكن ما بهم من شدة الحر والغم، فتظهر لهم سحابة فيظنون أنها تمطر عليهم الغيث، فإذا هي تمطر عليهم الحيات والعقارب.

ويقال: يسلط عليهم الجوع.

ويقال: الجرب.

قوله عز وجل: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي: رسولاً من الآدميين وَجِئْنا بِكَ يا محمد شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ أي: على أمتك وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ أي: القرآن تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ من الأمر والنهي.

إلا أن بعضه مفسر، وبعضه مجمل يحتاج إلى الاستخراج والاستنباط.

وقال مجاهد: ما يسأل الناس عن شيء إلا في كتاب الله تبيانه، ثم قرأ: تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وقال علي بن أبي طالب: «كل شيء علمه في الكتاب إلا أن آراء الرجال تعجز عنه» .

ثم قال: وَهُدىً وَرَحْمَةً أي هُدىً من الضلالة وَرَحْمَةً أي: نعمة من العذاب لمن آمن به وعمل بما فيه وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ بالجنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ أي: إِذا رأَوْهم بأبصارِهِمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا ...

الآية، كأنهم أرادوا بهذه المقالة تذنيبَ المَعْبُودين، وقوله سبحانه: فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ ...

الآية: الضمير في فَأَلْقَوْا للمعبودينَ أنطقهم اللَّه بتكذيب المُشْركين، وقد قال سبحانه في آية أخرى: فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ [يونس: ٢٨] الآية، انظر تفسيرها في سورة يونس وغيرها.

وقوله: وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ الضمير في أَلْقَوْا هنا عائد على «المشركين» ، والسَّلَمَ الاستسلام.

وقوله تعالى: زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ ...

الآية: رُوِيَ في ذلك عن ابن مسعود، أنَّ اللَّه سبحانَهُ يسلِّط عليهم عَقَارِبَ وحَيَّاتٍ، لها أنيابٌ، كالنَّخْلِ الطِّوال «١» ، وقال عَبْيدُ بنُ عُمَيْرٍ: حَيَّات لها أنيابٌ كالنخْلِ «٢» ونحو/ هذا، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن لجهنَّمَ سواحِلَ، فيها هذه الحياتُ وهذه العقاربُ، فيفر الكافرون إلى السَّواحلِ، فتلقاهم هذه الحيَّاتُ والعقاربُ فيفرُّونَ منها إِلى النار، فتَتْبَعهم حَتَّى تجد حَرَّ النار، فتَرْجِع «٣» .

قال: وهي في أسراب.

وقوله سبحانه: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً يعني: رسولَها، ويجوز أن يبعَثَ اللَّه شهوداً من الصَّالحين مع الرسُلِ، وقد قال بعضُ الصحابة: إِذا رأَيْتُ أحداً على معصية،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَنَعُوا النّاسَ مِن طاعَةِ اللَّهِ والإيمانِ بِمُحَمَّدٍ  .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ ﴾ إنَّما نَكَّرَ العَذابَ [الأوَّلَ]، لِأنَّهُ نَوْعٌ خاصٌّ لِقَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ، وعَرَّفَ العَذابَ الثّانِيَ، لِأنَّهُ العَذابُ الَّذِي يُعَذَّبُ بِهِ أكْثَرُ أهْلِ النّارِ، فَكانَ في شُهْرَتِهِ بِمَنزِلَةِ النّارِ في قَوْلِ القائِلِ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النّارِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّما زِيدُوا هَذا العَذابَ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِن عَذابِهِمْ، بِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.

وَفِي صِفَةِ هَذا العَذابِ الَّذِي زِيدُوا أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها عَقارِبُ كَأمْثالِ النَّخْلِ الطِّوالِ، رَواهُ مَسْرُوقٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّها حَيّاتٌ كَأمْثالِ الفِيَلَةِ، وعَقارِبٌ كَأمْثالِ البِغالِ، رَواهُ زَرٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّالِثُ: أنَّها خَمْسَةُ أنْهارٍ مِن صُفْرٍ مُذابٍ تَسِيلُ مِن تَحْتِ العَرْشِ يُعَذَّبُونَ بِها، ثَلاثَةٌ عَلى مِقْدارِ اللَّيْلِ، واثْنانِ عَلى مِقْدارِ النَّهارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الزَّمْهَرِيرُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ الزَّجّاجُ: يَخْرُجُونَ مِن حَرِّ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ، فَيَتَبادَرُونَ مِن شِدَّةٍ بَرْدِهِ إلى النّارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ ﴾ وفي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أمَّتُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وتَمَّ الكَلامُ هاهُنا.

ثُمَّ قالَ: " ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا " قالَ الزَّجّاجُ: التِّبْيانُ: اسْمٌ في مَعْنى البَيانِ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ فَقالَ العُلَماءُ بِالمَعانِي: لِكُلِّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ، إمّا بِالنَّصِّ عَلَيْهِ، أوْ بِالإحالَةِ عَلى ما يُوجِبُ العِلْمَ، مِثْلُ بَيانِ رَسُولِ اللَّهِ  أوْ إجْماعِ المُسْلِمِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ ﴾ ﴿ وَألْقَوْا إلى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَلَمَ وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ ﴾ ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهم إذا رَأوا يَوْمَ القِيامَةِ بِأبْصارِهِمُ الأوثانَ والأصْنامَ وكُلَّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللهِ -لَأنَّها تُحْشَرُ مَعَهم تَوْبِيخًا لَهم عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ- أشارُوا إلَيْهِمْ وقالُوا: هَؤُلاءِ كُنّا نَعْبُدُهم مِن دُونِ اللهِ، كَأنَّهم أرادُوا بِذَلِكَ تَذْنِيبَ المَعْبُودِينَ وإدْخالَهم في المَعْصِيَةِ، وأضافُوا الشُرَكاءَ إلى أنْفُسِهِمْ مِن حَيْثُ هم جَعَلُوهم شُرَكاءَ، وهَذا كَما يَصِفُ رَجُلٌ آخَرَ بِأنَّهُ خَيْرٌ فَتَقُولُ لَهُ أنْتَ: ما فَعْلَ خَيْرُكَ؟

فَأضَفْتَهُ إلَيْهِ مِن حَيْثُ وصَفَهُ هو بِتِلْكَ الصِفَةِ، والضَمِيرُ في "القَوْلِ" عائِدٌ عَلى الشُرَكاءِ، فَمَن كانَ مِنَ المَعْبُودِينَ مِنَ البَشَرِ ألْقى القَوْلَ المَعْهُودَ بِلِسانِهِ، وما كانَ مِنَ الجَماداتِ تَكَلَّمَتْ بِقُدْرَةِ اللهِ بِتَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ في وصْفِهِمْ بِأنَّهم آلِهَةٌ وشُرَكاءُ لِلَّهِ، فَفي هَذا وقَعَ الكَذِبُ لا في العِبادَةِ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: إنَّكم لَكاذِبُونَ، ما كُنّا نَدْعُوكم إلى عِبادَتِنا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّهم كَذَّبُوهم في التَذْنِيبِ لَهم.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَألْقَوْا إلى اللهِ ﴾ ، الضَمِيرُ في "ألْقَوْا" عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ، والمَعْنى: ألْقَوْا إلَيْهِ الِاسْتِسْلامَ، وألْقَوْا ما بِأيْدِيهِمْ وذَلُّوا لِحُكْمِهِ ولَمْ تَكُنْ لَهم حِيلَةٌ ولا دَفْعٌ، و"السَلَمَ": الِاسْتِسْلامُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "السَلَمَ" بِفَتْحِ اللامِ، ورَوى يَعْقُوبُ عن أبِي عَمْرٍو سُكُونَ اللامِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "السُلُمَ" بِضَمِّ السِينِ واللامِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ في ضِمْنِ قَوْلِهِ: ﴿ وَضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ أنَّهُ حَلَّ بِهِمْ عَذابُ اللهِ وباشَرُوا نِقْمَتَهُ، ثُمَّ فَسَّرَهُ فَأخْبَرَ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ومَنَعُوا غَيْرَهم مِنَ الدُخُولِ في الدِينِ وسُلُوكِ سَبِيلِ اللهِ زادَهم عَذابًا أجَلَّ مِنَ العَذابِ العامِّ لِجَمِيعِ الكُفّارِ عُقُوبَةً عَلى إفْسادِهِمْ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "الَّذِينَ" بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَفْتَرُونَ"، و"زِدْناهُمْ" فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ إخْبارُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" ابْتِداءَ "زِدْناهُمْ"، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى سَلَّطَ عَلَيْهِمْ عَقارِبَ وحَيّاتٍ لَها أنْيابٌ كالنَخْلِ الطِوالِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقالَ عَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ: حَيّاتٌ لَها أنْيابٌ كالنَخْلِ، وعَقارِبُ كالبِغالِ الدُلْمِ، ونَحْوَ هَذا، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ لِجَهَنَّمَ سَواحِلَ فِيها هَذِهِ الحَيّاتُ وهَذِهِ العَقارِبُ، فَيَفِرُّ الكُفّارُ إلى السَواحِلِ مِنَ النارِ، فَتَتَلَقّاهم هَذِهِ الحَيّاتُ والعَقارِبُ، فَيَفِرُّونَ مِنها إلى النارِ، فَتَتْبَعُهم حَتّى تَجِدَ حَرَّ النارِ فَتَرْجِعُ، قالَ: وهي في أسْرابٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ ﴾ الآيَةُ، في ضِمْنِها وعِيدٌ، والمَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْها، وهو رَسُولُها الَّذِي شاهَدَ في الدُنْيا تَكْذِيبَها وكُفْرَها، وإيمانَها وهُداها، ويَجُوزُ أنْ يَبْعَثَ اللهُ شَهِيدًا مِنَ الصالِحِينَ مَعَ الرُسُلِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ الصَحابَةِ: إذا رَأيْتَ أحَدًا عَلى مَعْصِيَةٍ فانْهَهُ، فَإنْ أطاعَكَ وإلّا كُنْتَ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿ مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ بِحَسْبِ أنَّ بِعْثَةَ الرُسُلِ كَذَلِكَ هي في الدُنْيا، وذَلِكَ أنَّ الرَسُولَ الَّذِي مِن نَفْسِ الأُمَّةِ في اللِسانِ والسِيرَةِ وفَهْمِ الأغْراضِ والإشاراتِ مُتَمَكِّنُ لَهُ إفْهامُهم والرَدُّ عَلى مُعانَدَتِهِمْ، ولا يَتَمَكَّنُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ مَن هو مِنَ الأُمَّةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَبْعَثِ اللهُ نَبِيًّا قَطُّ إلّا مِنَ الأُمَّةِ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ: "هَؤُلاءِ" إشارَةً إلى هَذِهِ الأُمَّةِ.

و"الكِتابَ": القُرْآنُ، وقَوْلُهُ: "تِبْيانًا" اسْمٌ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ، كالنُقْصانِ، والمَصادِرُ في مِثْلِ هَذا التَأْوِيلِ مِنها مَفْتُوحَةٌ كالتَرْدادِ والتَكْرارِ، ونُصِبَ "تِبْيانًا" عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِمّا نَحْتاجُ في الشَرْعِ ولا بُدَّ مِنهُ في المِلَّةِ، كالحَلالِ والحَرامِ والدُعاءِ إلى اللهِ والتَخْوِيفِ مِن عَذابِهِ، وهَذا حَصْرُ ما اقْتَضَتْهُ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أُنْزِلَ في هَذا القُرْآنِ كُلُّ عِلْمٍ، وكُلُّ شَيْءٍ قَدْ بُيِّنَ لَنا في القُرْآنِ"، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تكرير لجملة ﴿ ويوم نبعث من كل أمةٍ شهيداً ثم لا يؤذن للذين كفروا ﴾ [سورة النحل: 84] ليبنى عليه عطف جملة وجئنا بك شهيداً على هؤلاء وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا على هؤلاءآء } على جملة ﴿ ويوم نبعث في كل أمةٍ شهيداً عليهم ﴾ .

ولما كان تكريراً أعيد نظير الجملة على صورة الجملة المؤكّدة مقترنة بالواو، ولأن في هذه الجملة زيادة وصف ﴿ من أنفسهم ﴾ فحصلت مغايرة مع الجملة السابقة والمغايرة مقتضية للعطف أيضاً.

ومن دواعي تكرير مضمون الجملة السابقة أنه لبعد ما بين الجملتين بما اعترض بينهما من قوله تعالى: ﴿ ثم لا يؤذن للذين كفروا ﴾ إلى قوله: ﴿ بما كانوا يفسدون ﴾ [سورة النحل: 84، 88]، فهو كالإعادة في قول لبيد: فتنازعا سبطاً يطير طلالُه *** كدخان مشعلة يشبّ ضِرامها مشمولةٍ غلثت بنابت عرفج *** كدخان نار ساطع أسنامها مع أن الإعادة هنا أجدر لأن الفصل أطول.

وقد حصل من هذه الإعادة تأكيد التهديد والتسجيل.

وعُدّي فعل ﴿ نبعث ﴾ هنا بحرف ﴿ في ﴾ ، وعُدّي نظيره في الجملة السابقة بحرف (مِن) ليحصل التفنّن بين المكرّرين تجديداً لنشاط السامعين.

وزيد في هذه الجملة أن الشهيد يكون من أنفسهم زيادة في التذكير بأن شهادة الرسل على الأمم شهادة لا مطعن لهم فيها لأنها شهود من قومهم لا يجد المشهود عليهم فيها مساغاً للطعن.

ولم تخل أيضاً بعد التعريض بالتحذير من صدّ الكافرين عن سبيل الله من حسن موقع تذكير المسلمين بنعمة الله عليهم إذ بعث فيهم شهيداً يشهد لهم بما ينفعهم وبما يضرّ أعداءهم.

والقول في بقيّة هذه الجملة مثل ما سبق في نظيرتها.

ولما كان بعث الشهداء للأمم الماضية مراداً به بعثهم يوم القيامة عبّر عنه بالمضارع.

وجملة ﴿ وجئنا بك شهيداً ﴾ يجوز أن تكون معطوفة على جملة ﴿ ويوم نبعث ﴾ كلّها.

فالمعنى: وجئنا بك لما أرسلناك إلى أمّتك شهيداً عليهم، أي مقدّراً أن تكون شهيداً عليهم يوم القيامة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان حيّاً في آن نزول هذه الآية كان شهيداً في الحال والاستقبال، فاختير لفظ الماضي في ﴿ جئنا ﴾ للإشارة إلى أنه مجيء حصل من يوم بعثته.

ويعلم من ذلك أنه يحصل يوم القيامة بطريق المساواة لبقيّة إخوانه الشهداء على الأمم، إذ المقصود من ذلك كلّه تهديد قومه وتحذيرهم.

وهذا الوجه شديد المناسبة بأن يعطف عليه قوله تعالى: ﴿ ونزلنا عليك الكتاب ﴾ [سورة النحل: 89] الآية.

وقد علمت من هذا أن جملة ﴿ وجئنا بك شهيداً ﴾ ليست معطوفة على ﴿ نبعث ﴾ بحيث تدخل في حيّز الظرف وهو ﴿ يوم ﴾ ، بل معطوفة على مجموع جملة ﴿ يوم نبعث ﴾ ، لأن المقصود وجئنا بك شهيداً من وقت إرسالك.

وعلى هذا يكون الكلام تَمّ عند قوله: ﴿ من أنفسهم ﴾ ، فيحسن الوقف عليه لذلك.

ويجوز أن تعطف على جملة ﴿ نبعث في كل أمّة شهيداً ﴾ فتدخل في حيّز الظرف ويكون الماضي مستعملاً في معنى الاستقبال مجازاً لتحقّق وقوعه، فشابه به ما حصل ومضى، فيكون الوقف على قوله: ﴿ شهيداً ﴾ .

ويتحصّل من تغيير صيغة الفعل عن المضارع إلى الماضي تهيئة عطف ﴿ ونزلنا عليك الكتاب ﴾ .

ولم يوصف الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه من أنفسهم لأنه مبعوث إلى جميع الأمم، وشهيد عليهم جميعاً، وأما وصفه بذلك في قوله تعالى: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفُسكم ﴾ في سورة التوبة (128) فذلك وصف كاشف اقتضاه مقام التّذكير للمخاطبين من المنافقين الذين ضَمّوا إلى الكفر بالله كفران نعمة بعث رسول إليهم من قومهم.

وليس في قوله: ﴿ على هؤلاء ﴾ ما يقتضي تخصيص شهادته بكونها شهادة على المتحدّث عنهم من أهل الشرك، ولكن اقتصر عليهم لأن الكلام جار في تهديدهم وتحذيرهم.

و ﴿ هؤلاء ﴾ إشارة إلى حاضر في الذّهن وهم المشركون الذين أكثر الحديث عليهم.

وقد تتبّعتُ مواقع أمثال اسم الإشارة هذا في القرآن فرأيته يُعنى به المشركون من أهل مكّة.

وتقدّم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ﴾ في سورة النساء (41)، وقوله تعالى: ﴿ فإن يكفر بها هؤلاء ﴾ في سورة الأنعام (89).

عطف على جملة ﴿ وجئنا بك شهيداً ﴾ أي أرسلناك شهيداً على المشركين وأنزلنا عليك القرآن لينتفع به المسلمون، فرسول الله صلى الله عليه وسلم شهيد على المكذّبين ومرشد للمؤمنين.

وهذا تخلّص للشروع في تعداد النّعم على المؤمنين من نعم الإرشاد ونعم الجزاء على الامتثال وبيان بركات هذا الكتاب المنزّل لهم.

وتعريف الكتاب للعهد، وهو القرآن.

و ﴿ تبياناً ﴾ مفعول لأجله.

والتّبيان مصدر دالّ على المبالغة في المصدرية، ثم أريد به اسم الفاعل فحصلت مبالغتان، وهو بكسر التاء، ولا يوجد مصدر بوزن تفعال بكسر التاء إلا تِبيان بمعنى البيان كما هنا.

وتِلقاء بمعنى اللّقاء لا بمعنى المكان، وما سوى ذلك من المصادر الواردة على هذه الزّنة فهي بفتح التاء.

وأما أسماء الذوات والصفاتُ الواردة على هذه الزنة فهي بكسر التاء وهي قليلة، عدّ منها: تمثال، وتنبال، للقصير.

وأنهاها ابن مالك في نظم الفوائد إلى أربع عشرة كلمة.

و«كلّ شيء» يفيد العموم؛ إلا أنه عموم عرفي في دائرة ما لمثله تجيء الأديان والشّرائع: من إصلاح النفوس، وإكمال الأخلاق، وتقويم المجتمع المدنيّ، وتبيّن الحقوق، وما تتوقّف عليه الدعوة من الاستدلال على الوحدانية، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وما يأتي في خلال ذلك من الحقائق العلمية والدقائق الكونية، ووصف أحوال الأمم، وأسباب فلاحها وخسارها، والموعظة بآثارها بشواهد التاريخ، وما يتخلّل ذلك من قوانينهم وحضاراتهم وصنائعهم.

وفي خلال ذلك كلّه أسرار ونكت من أصول العلوم والمعارف صالحة لأن تكون بياناً لكل شيء على وجه العموم الحقيقي إن سلك في بيانها طريق التفصيل واستنير فيها بما شرح الرسول صلى الله عليه وسلم وما قفّاه به أصحابه وعلماء أمّته، ثم ما يعود إلى الترغيب والترهيب من وصف ما أعدّ للطائعين وما أعدّ للمعرضين، ووصف عالم الغيب والحياة الآخرة.

ففي كل ذلك بيان لكل شيء يقصد بيانه للتبصّر في هذا الغرض الجليل، فيؤول ذلك العموم العرفي بصريحه إلى عموم حقيقي بضمنه ولوازمه.

وهذا من أبدع الإعجاز.

وخصّ بالذّكر الهدى والرحمة والبُشرى لأهميتها؛ فالهدى ما يرجع من التّبيان إلى تقويم العقائد والأفهام والإنقاذ من الضلال.

والرحمة ما يرجع منه إلى سعادة الحياتين الدنيا والأخرى، والبُشرى ما فيه من الوعد بالحسنيين الدنيوية والأخروية.

وكل ذلك للمسلمين دون غيرهم لأن غيرهم لما أعرضوا عنه حَرموا أنفسهم الانتفاع بخواصّه كلها.

فاللام في ﴿ لكل شيء ﴾ متعلق بالتبيان، وهي لام التقوية، لأن «كل شيء» في معنى المفعول به ل ﴿ تبياناً ﴾ .

واللام في ﴿ للمسلمين ﴾ لام العلّة يتنازع تعلّقها «تبيان وهدى ورحمة وبُشرى» وهذا هو الوجه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ وهُمُ الأنْبِياءُ شُهَداءُ عَلى أُمَمِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ وفي كُلِّ زَمانٍ شَهِيدٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا.

وَفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أئِمَّةُ الهُدى الَّذِينَ هم خُلَفاءُ الأنْبِياءِ.

الثّانِي: أنَّهُمُ العُلَماءُ الَّذِينَ حَفِظَ اللَّهُ بِهِمْ شَرائِعَ أنْبِيائِهِ.

﴿ وَجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا  شَهِيدًا عَلى أُمَّتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويوم نبعث من كل شهيداً ﴾ قال: شهيدها نبيها على أنه قد بلغ رسالات ربه.

قال الله: ﴿ وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ﴾ قال: ذكر لنا أن نبي الله- صلى الله عليه وسلم- كان إذا قرأ هذه الآية، فاضت عيناه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن العالية في قوله: ﴿ وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون ﴾ قال: هذا، كقوله: ﴿ هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فألقوا إليهم القول ﴾ قال: حدثوهم.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ وألقوا إلى الله يومئذ السلم ﴾ قال: استسلموا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وألقوا إلى الله يومئذ السلم ﴾ يقول: ذلوا واستسلموا يومئذ.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد بن السري وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ زدناهم عذاباً فوق العذاب ﴾ قال: زيدوا عقارب لها أنياب كالنخل الطوال.

وأخرج ابن مردويه والخطيب في تالي التلخيص، عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم- سئل عن قول الله: ﴿ زدناهم عذاباً فوق العذاب ﴾ قال: «عقارب أمثال النخل الطوال ينهشونهم في جهنم» .

وأخرج هناد عن ابن مسعود قال: أفاعي في النار.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية: إن أهل النار إذا جزعوا من حرها استغاثوا بضحضاح في النار، فإذا أتوه تلقاهم عقارب كأنهن البغال الدهم، وأفاع كأنهن البخاتي فضربنهم، فذلك الزيادة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن عبيد بن عمير قال: إن في جهنم لجبابا فيها حيات أمثال البخت وعقارب أمثال البغال، يستغيث أهل النار من تلك الجباب إلى الساحل، فتثب إليهم فتأخذ جباههم وشفارهم فكشطت لحومهم إلى أقدامهم فسيتغيثون منها إلى النار، فتتبعهم حتى تجد حرها فترجع وهي في أسراب.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد عن مجاهد مثله.

وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن عمرو قال: إن لجهنم سواحل فيها حيات وعقارب، أعناقها كأعناق البخت.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الأعمش، عن مالك بن الحارث قال: إذا طرح الرجل في النار هوى فيها، فإذا انتهى إلى بعض أبوابها قيل: مكانك حتى تتحف، فيسقى كأساً من سم الأساود والعقارب، فيتميز الجلد على حدة والشعر على حدة والعصب على حدة والعروق على حدة.

وأخرج أبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ زدناهم عذاباً فوق العذاب ﴾ قال: خمسة أنهار من نار صبها الله عليهم، يعذبون ببعضها بالليل وببعضها بالنهار.

وأخرج ابن مردويه عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الزيادة خمسة أنهار تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار، ثلاثة أنهار على مقدار الليل ونهران على مقدار النهار، فذلك قوله: ﴿ زدناهم عذاباً فوق العذاب بما كانوا يفسدون ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن مجاهد قال: قال ابن عباس: أتدري ما سعة جهنم؟

قلت: لا.

قال: إن ما بين شحمة أذن أحدهم وبين عاتقه مسيرة سبعين خريفاً، تجري أودية القيح والدم.

قلت له: الأنهار؟

قال: لا...

بل الأودية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن مسعود قال: إن الله أنزل في هذا الكتاب تبياناً لكل شيء، ولقد عملنا بعضاً مما بين لنا في القرآن.

ثم تلا ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن الضريس في فضائل القرآن ومحمد بن نصر في كتاب الله والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن مسعود قال: من أراد العلم فليتنوّر القرآن، فإنه فيه علم الأوّلين والآخرين.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: لا تهذوا القرآن كهذا الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: إن هذا القرآن مأدبة الله، فمن دخل فيه فهو آمن.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: إن هذه القلوب أوعية، فأشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ تبياناً لكل شيء ﴾ قال: مما أمروا به ونهوا عنه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ﴾ قال: بالسنة.

وأخرج أحمد عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً إذ شخص بصره فقال: «أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من السورة» ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان....

﴾ إلى قوله: ﴿ تذكرون ﴾ .

وأخرج أحمد والبخاري في الأدب، وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء بيته جالساً، إذ مر به عثمان بن مظعون رضي الله عنه، فجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يحدثه إذ شخص بصره إلى السماء، فنظر ساعة إلى السماء فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض، فتحرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جليسه عثمان إلى حيث وضع رأسه فأخذ ينفض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له، فلما قضى حاجته شخص بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء كما شخص أول مرة، فاتبعه بصره حتى توارى في السماء فأقبل إلى عثمان كجلسته الأولى، فسأله عثمان رضي الله عنه فقال: أتاني جبريل آنفاً.

قال: فما قال لك؟

قال: ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان...

﴾ إلى قوله: ﴿ تذكرون...

﴾ قال عثمان: رضي الله عنه فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمداً صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج الباوردي وابن السكن وابن منده وأبو نعيم في معرفة الصحابة، عن عبد الملك بن عمير رضي الله عنه قال: «بلغ أكتم بن صيفي مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يأتيه.

فأتى قومه فانتدب رجلين فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: نحن رسل أكتم، يسألك من أنت وما جئت به؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم» أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله «ثم تلا عليهما هذه الآية ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾ إلى ﴿ تذكرون ﴾ قالا: ردد علينا هذا القول.

فردده عليهما حتى حفظاه، فأتيا أكتم فأخبراه.

فلما سمع الآية قال: إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رؤوساء، ولا تكونوا فيه أذناباً» ورواه الأموي في مغازيه وزاد، فركب متوجهاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فمات في الطريق: قال: ويقال نزلت فيه هذه الآية ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت ﴾ [ النساء: 100] الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، ﴿ والإحسان ﴾ قال: أداء الفرائض، ﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ قال: إعطاء ذوي الرحم الحق الذي أوجبه الله عليك بسبب القرابة والرحم ﴿ وينهى عن الفحشاء ﴾ قال: الزنا ﴿ والمنكر ﴾ ، قال: الشرك ﴿ والبغي ﴾ قال: الكبر والظلم: ﴿ يعظكم ﴾ يوصيكم ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في الأدب، ومحمد بن نصر في الصلاة، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه في شعب الإيمان، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أعظم آية في كتاب الله تعالى ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ [ آل عمران: 2] وأجمع آية في كتاب الله للخير والشر- الآية التي في النحل- ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾ وأكثر آية في كتاب الله تفويضاً ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ [ الطلاق: 2-3] وأشد آية في كتاب الله رجاء ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ [ الزمر: 53] الآية.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾ إلى آخرها ثم قال: إن الله عز وجل جمع لكم الخير كله، والشر كله في آية واحدة، فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئا إلا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئاً إلا جمعه.

وأخرج ابن النجار في تاريخه من طريق العكلي، عن أبيه قال: مر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوم يتحدثون فقال: فيم أنتم؟!

فقالوا: نتذاكر المروءة، فقال: أو ما كفاكم الله عز وجل ذاك في كتابه؟!

إذ يقول الله: ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾ فالعدل، الانصاف.

والاحسان، التفضل، فما بقي بعد هذا؟.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾ الآية.

قال: ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويعظمونه ويخشونه إلا أمر الله به وليس من خلق سيء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدم فيه، وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال: صف لي العدل، فقلت: بخ...

سألت عن أمر جسيم، كُنْ لصغير الناس أباً ولكبيرهم ابناً، وللمثل منهم أخاً وللنساء كذلك، وعاقب الناس على قدر ذُنوبهم وعلى قدر أجسادهم ولا تضربن بغضبك سوطاً واحداً متعدياً فتكون من العادين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: قال عيسى ابن مريم: إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ﴾ قال ابن عباس: يريد الأنبياء (١) (٢) ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا  ﴾ و ﴿ فِي كُلِّ أُمَّةٍ ﴾ هاهنا كقوله: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا  ﴾ فيجوز أن يكون من صلة الشهيد؛ كأنه قيل: ويوم نبعث شهيدًا في كل أمة.

وقوله تعالى: ﴿ عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ : الأنبياء شهداء (٣) ﴿ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ ﴾ قال ابن عباس: يريد على قومك (٤) ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ قال مجاهد: يعني لِمَا أَمَر به وما نهى عنه (٥)  - أو إجماع، فهو الأصل والمفتاح لعلوم (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) ﴿ تِبْيَانًا ﴾ على أنه مفعول له؛ أي للبيان.

(١) انظر: "تفسير الخازن" 3/ 131، وورد بلا نسبة في "تفسير الماوردي" 3/ 208، و"تفسير القرطبي" 10/ 164.

(٢) ورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 216، بنصه، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 100، بنحوه، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 98، والخازن 3/ 131.

(٣) في (أ)، (د): (شهيدًا).

(٤) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 482، و"تنوير المقباس" ص291، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 206 ب، والطبري 14/ 161، والسمرقندي 2/ 246، والطوسي 6/ 418، والخازن 3/ 131.

(٥) أخرجه الطبري 14/ 161 - 162 بنصه وبنحوه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 101، بنحوه، وانظر: "تفسير الخازن" 3/ 131، وابن كثير 2/ 641، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 206ب، والسمرقندي 2/ 246، وهود الهواري 2/ 383، والثعلبي 2/ 161 ب، و"الدر المنثور" 4/ 140 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.

(٦) في (أ)، (د): (بعلوم)، والمثبت من (ش)، (ع)، هو الصحيح المناسب للسياق، وهكذا وردت في تفسيره "الوسيط".

(٧) ورد في تفسيره "الوسيط" 2/ 431، بنصه، و"تفسير الطوسي" 6/ 418، بنحوه، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 341، وابن الجوزي 4/ 482، والخازن 3/ 131، وأبي حيان 5/ 527، و"تفسير الألوسي" 14/ 215.

(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 217، بنصه.

(٩) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها الكلام، وبدونها يبدو الكلام ناقصًا، وهي ثابتة في المصدر، فلعلها سقطت.

(١٠) أبو الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الفارسي ثم النيسابوري، كان عالماً عابدًا جليل القدر عُمر طويلاً، روي صحيح مسلم عن أبي عمرو به وغريب الخطابي عن المؤلف، توفي سنة (448 هـ) وله (96) سنة.

انظر: "المنتخب من السياق" ص361، 387، و"سير أعلام النبلاء" 18/ 19، و"شذرات الذهب" 3/ 277.

(١١) أبو عمر محمد بن عبدالواحد، اللغوي الزاهد، المعروف بغلام ثعلب، تقدمت ترجمته.

(١٢) ورد في "تهذيب اللغة" (بان) 1/ 264، بنحوه غير منسوب، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 99، بنحوه ونسبه للواحدي، وأبي حيان 5/ 527، و"تفسير الألوسي" 14/ 214.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لكاذبون ﴾ الضمير في القول للمعبودين والمعنى أنهم كذبوهم في قولهم أنهم كانوا يعبدونهم، كقولهم: ﴿ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴾ [الشعراء: 75] فإن قيل: كيف كذبوهم وهم قد كانوا يعبدونهم؟

فالجواب أنهم لما كانوا غير راضين بعبادتهم، فكأن عبادتهم لم تكن عبادة، ويحتمل أن يكون تكذيبهم لهم في تسميتهم شركاء لله، لا في العبادة ﴿ وَأَلْقَوْاْ إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم ﴾ أي استسلموا له وانقادوا ﴿ زدناهم عَذَاباً فَوْقَ العذاب ﴾ رُوي أن الزيادة في العذاب هي حيات وعقارب كالبغال تلسعهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولنجزين ﴾ بالنون: ابن كثير وعاصم ويزيد وعباس والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون بالياء.

﴿ قرأت القرآن ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ .

الوقوف: ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ ه ﴿ من دونك ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ لكاذبون ﴾ ه ج للعطف مع أنه رأس آية ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ يفسدون ﴾ ه ﴿ على هؤلاء ﴾ ط لواو الاستئناف ﴿ للمسلمين ﴾ ه ﴿ والبغي ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ تذكرون ﴾ ه ط ﴿ كفيلاً ﴾ ه ط ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ أنكاثاً ﴾ ط بناء على أن التقدير أتتخذون ﴿ من أمة ﴾ ط ﴿ به ﴾ ط ﴿ تختلفون ﴾ ه ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ باق ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ طيبة ﴾ ج للعدول عن الوحدان إلى الجمع مع أنهما ضميراً من ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ يتوكلون ﴾ ه ﴿ مشركون ﴾ ه.

التفسير: لما بين من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها وأن أكثرهم كافرون أتبعه أصناف وعيد يوم القيامة والتقدير ﴿ و ﴾ اذكر ﴿ يوم نبعث من كل أمة شهيداً ﴾ أو يوم وقعوا فيما وقعوا فيه.

وشهيد كل أمة نبيها يشهد لهم وعليهم بالإيمان والتصديق والكفر والتكذيب ﴿ ثم لا يؤذن للذين كفروا ﴾ أي في الاعتذار إذ لا حجة لهم ولا عذر، أو في كثرة الكلام، أو في الرجوع إلى دار الدنيا، أو إلى التكليف ليظهر لهم كونهم آيسين من رحمة الله  ، أو المراد أن يسكت أهل الجمع كلهم حتى يشهد الشهود.

﴿ ولا هم يستعتبون ﴾ لأن العتاب إنما بطلب لأجل العود إلى الرضا، فإذا كان على عزم السخط فلا فائدة في العتاب فلهذا قيل: إذا ذهب العتاب فليس ود *** ويبقى الود ما بقي العتاب وقال في الكشاف: أي لا يقال لهم أرضوا ربكم لأن الآخرة ليست بدار عمل.

ومعنى "ثم" أن المنع من الكلام أصعب من شهادة الأنبياء عليهم.

﴿ وإذا رأى الذين ظلموا ﴾ وهم المشركون ﴿ العذاب ﴾ بعينهم وثقل عليهم ﴿ فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون ﴾ ليتوبوا فإن التوبة هناك غير موجودة أو غير مقبولة وفيه أنت عذابهم خالص عن النفع دائم كما يقوله المتكلمون.

﴿ وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم ﴾ وهي الأصنام أو الشياطين الذين دعوا الكفار إلى الكفر وكانوا قرناءهم في الغي.

قاله الحسن.

﴿ قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا ﴾ أي نعبدهم من دونك.

قال أبو مسلم الأصبهاني: مقصود المشركين إحالة هذا الذنب على تلك الأصنام ظناً منهم أن ذلك ينجيهم من عذاب الله أو ينقص منه، وزيفه القاضي بأن الكفار يعلمون في الآخرة علماً ضرورياً أن العذاب ينزل بهم ولا نصرة ولا شفاعة فما الفائدة في هذا القول؟

والإنصاف أن الغريق يتعلق بكل شيء والمبهوت قد يقول ما لا فائدة فيه، على أن العلم الضروري الذي ادعاه القاضي ممنوع.

وقيل: إن المشركين يقولون هذا الكلام تعجباً من حضور تلك الأصنام مع أنه لا ذنب لها واعترافاً بأنهم كانوا خاطئين في عبادتها.

﴿ فألقوا إليهم القول ﴾ أي قال الأصنام أو الشياطين للكفار ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ فإن قيل: إن المشركين أشاروا إلى الأصنام أن هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوهم من دونك وقد كانوا صادقين في ذلك فكيف كذبتهم الأصنام؟

فالجواب أن المراد من قولهم: ﴿ هؤلاء شركاؤنا ﴾ هؤلاء شركاء الله في المعبودية فكذبتهم الأصنام في إثبات هذه الشركة وفي قولهم إنها تستحق العبادة.

قال جار الله: إن أراد بالشركاء الشياطين جاز أن يكونوا كاذبين في قوله: ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ كما يقول الشيطان { ﴿ إني كفرت بما أشركتموني من قبل  ﴾ .

﴿ وألقوا إلى الله يومئذ السلم ﴾ عن الكلبي: استسلم العابد والمعبود وأقروا لله الربوبية والبراءة من الشركاء والأنداد.

وقال آخرون: الضمير اللذين ظلموا.

وإلقاء السلم والاستسلام لأمر الله بعد الإباء في الدنيا ﴿ وضل ﴾ أي غاب ﴿ عنهم ما كانوا يفترون ﴾ من أن لله شريكاً أو أن آلهتهم تشفع لهم حين كذبوهم وتبرأوا منهم.

﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ﴾ قيل: معناه الصد عن المسجد الحرام والأصح العموم ﴿ زدناهم عذاباً ﴾ لأجل الإضلال.

﴿ فوق العذاب ﴾ الذي استحقوه للضلال.

وأيضاً عذاب الاستنان "من سن سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها".

ومن المفسرين من فصل تلك الزيادة؛ فعن ابن عباس: هي خمسة أنهار من نار تسيل من تحت العرش يعذبون بها، ثلاثة على مقدار الليل واثنان على مقدار النهار.

وقيل: حيات أمثال البخت وعقارب أشباه البغال أنيابها كالنخل الطوال تلسع إحداهن اللسعة فيجد صاحبها حمتها أربعين خريفاً.

وقيل: يخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار.

ثم علل زيادة عذابهم بكونهم مفسدين أمور الناس بالصد والإضلال فيعلم منه أن من دعا إلى الدين القويم باليد واللسان فإنه يزيده الله  أجراً على أجر.

ثم أعاد حكاية بعث الشهداء لما نيط بها من زيادة فائدتين: إحداهما كون الشهداء من أنفسهم لأن كل نبي فهو من جنس أمته، والأخرى أن الشيهد يكون وقتئذ في الأمة لا مفارقاً إياهم.

وفسر الأصم الشهيد في هذه الآية بأنه  ينطق عشرة من أعضاء الإنسان حتى تشهد عليه وهن: الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان.

ولهذا ذكر لفظة "في" ووصف الشيهد بكونه من أنفسهم.

ثم شرف نبينا  بقوله: ﴿ وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ﴾ أي على أمتك..

ولا ريب أن في تخصيصه بعد التعميم دلالة على فضله نظيره قوله في سورة النساء: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي.

الأمة عبارة عن القرن والجماعة فيعلم من الآية أنه لا بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم ويكونون شهداء على غيرهم وهم أهل الحل والعقد فيكون إجماعهم حجة.

ولقائل أن يقول: الأمة في الآية هي الجماعة الذين بعث النبي إليهم وإلى من سيوجد منهم إلى آخر زمان دينه، فيكون نبي تلك الأمة وحده شهيداً عليهم.

ولا دلالة للآية إلا على هذا القدر فمن أين حل لك أن إجماع أهل الحل والعقد في كل عصر حجة؟

ثم بين أنه أزاح علتهم فيما كلفوا فيه فلا حجة لهم ولا معذرة فقال: ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ﴾ أي بياناً له والتاء للمبالغة ونظيره من المصادر "التلقاء" ولم يأت غيرهما وقد مر في "الأعراف".

قال الفقهاء.

إنما كان القرآن بيان جميع الأحكام لأن الأحكام المستنبطة من السنة والإجماع والقياس والاجتهاد كلها تستند إلى الكتاب حيث أمر فيه باتباع رسول الله  وطاعته، وورد فيه: ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين  ﴾ وجاء ﴿ فاعتبروا  ﴾ .

وقال آخرون: إن علم أصول الدين كلها في القرآن.

وأما علم الفروع فالأصل براءة الذمة إلا ما ورد به نص القرآن فإذن القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام، والقياس ضائع ولعل التبيان إنما هو للعلماء خاصة، والهدى لجميع الخلق في أوّل أحوالهم، والرحمة في وسطها وهو مدة العمر بعد الإسلام، والبشرى في أوان الأجل كما قال  : ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله  ﴾ إلى قوله: ﴿ وأبشروا  ﴾ والله أعلم بمراده.

وِلما ذكر أن في القرآن تبيان كل شيء ذكر عقيبه آية جامعة لأصول التكاليف كلها تصديقاً لذلك فقال: ﴿ أن الله يأمر ﴾ الآية، عن ابن عباس أن عثمان بن مظعون الجمحي قال: ما أسلمت أوّلاً إلا حياء من رسول الله  ولم يتقرر الإسلام في قلبي.

فحضرته ذات يوم فبينا هو يحدثني إذ رأيت بصره شخص إلى السماء ثم خفضه عن يمينه ثم عاد لمثل ذلك فسألته فقال: بينا أنا أحدثك إذا جبرائيل  نزل عن يميني فقال: يا محمد ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ الآية.

قال عثمان: فمن وقته استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمداً  .

وعن ابن مسعود: هي أجمع آية في القرآن.

وعن قتادة: ليس من خلق حسن كان في الجاهلية يعمل ويستحسن إلا أمر الله  به في هذه الآية، وليس من خلق سيء إلا وقد نهى الله  عنه فيها.

قال المفسرون: العدل هو أداء الفرائض.

وعن ابن عباس: هو قول لا إله إلا الله ﴿ والإحسان ﴾ هو الإتيان بالمندوبات والمستحسنات شرعاً وعرفاً وأقربها صلة الرحم بالمال فلذلك أفردها بالذكر بقوله: ﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ والفحشاء هي الأمور المتزايدة في القبح فلذلك أفردها بالذكر وهي الكبائر.

وقد يخص بالزنا أو بالبخل والمنكر ما تنكره العقول ولا يعرف في شريعة ولا سنة والبغي هو الاستطالة.

قال جار الله: حين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير المؤمنين علي  وعلى نبينا الصلاة والسلام أقيمت هذه الآية مقامها.

واعلم أن العدل عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وأنه واجب الرعاية في جميع الأشياء ولنذكر له أمثلة: أما في الاعتقادات فالقول بنفي الإله تعطيل محض، وإثبات أكثر من إله واحد تشريك وتعجيز، والعدل هو قول: "لا إله إلا الله".

كما نقل عن ابن عباس، هذا ما اتفق عليه أرباب المذاهب.

ثم إن الأشعري يقول: القول بنفي الصفات عنه  تعطيل، والقول بإثبات المكان والأعضاء تشبيه، والعدل إثبات صفات الكمال من الحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام ونفي غيرها.

وبوجه آخر.

نفي الصفات تعطيل، وإثبات الصفات الحادثة تشبيه، العدل إثبات صفات أزلية قديمة غير متغيرة.

وأيضاً القول بأن العبد لا قدرة له أصلاً جبر محض، والقول بأنه مستقل في التصرف قدر محض وتفويض، والعدل أمر بين الأمرين وهو أن العبد يفعل الأفعال ولكن بواسطة قدرة وداعية يخلقها الله  فيه.

وأيضاً القول بأن الله لا يؤاخذ عبده بشيء من الذنوب مساهلة عظيمة، والقول بأنه يخلد في النار عبده العارف به بالمعصية الواحدة تشديد عظيم، والعدل أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان.

والمعتزلي يقول: العدل في هذه الأصول بنوع آخر وقد مر مراراً.

وأما رعاية العدل فيما يتعلق بأفعال الجوارح فإن قوماً من نفاة التكليف يقولون: لا يجب على العبد الاشتغال بشيء من الطاعات ولا الاحتراز عن شيء من المعاصي.

وقال: قوم من الهند وطائفة من المانوية: يجب على الإنسان أن يجتنب عن أكل الطيبات ويبالغ في تعذيب نفسه، وأن يحترز عن كل ما يميل الطبع إليه حتى التزوّج، والأولى بالمرء أن يختصي فهذان الطريقان مذمومان والوسط هو ما جاء به محمد  لأن التشديد غالب في دين موسى فليس في شرعه على القاتل إلا القصاص ويحرم مخالطة الحائض، والتساهل في دين عيسى غالب فلا قصاص على القاتل ولا يحرم وطء الحائض، والعدل ما حكم به شرعنا من جواز العفو وأخذ الدية وحرمة وطاء الحائض دون مخالطتها، ولذلك قال: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً  ﴾ ، وقال: ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً  ﴾ ولما بالغ رسول الله  في العبادات قيل له: ﴿ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى  ﴾ ولما أخذ قوم في المساهلة نزل: ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ﴾ \[المؤمنون: 115\] والمراد رعاية الوسط في كل الأمور وقد ورد في شرعنا الختان فقال بعض العقلاء: الحكمة فيه أن رأس ذلك العضو جسم شديد الحس فإذا قطعت تلك الجلدة بقي رأسه عارياً فيصلب بكثرة ملاقاة الثياب وغيرها فيضعف حسه ويقل شعوره فتقل لذة الوقاع فتقل الرغبة فيه.

فالاختصاء وقطع الآلات كما ذهب إليه المانوية مذموم، وإبقاء تلك الجلدة مبالغة في تقوية تلك اللذة مذموم، والوسط العدل هو الختان.

هذا ما قيل.

وعندي أن الحكمة في الختان بعد التعبد هو التنظيف وسهولة غسل الحشفة وإلا فلعل اللذة بعد الختان أكثر لملاقاة الحاس والمحسوس بلا حائل.

ومن الكلمات المشهورة قولهم: "بالعدل قامت السموات والأرضون".

ومعناه أن مقادير العناصر لو لم تكن معادلة مكافية بحسب الكمية والكيفية لا ستولى الغالب على المغلوب وتنقلب الطبائع كلها إلى طبيعة الجرم الغالب، ولو كان بعد الشمس من الأرض أقل مما هو الآن لاحتراق كل ما في هذا العالم، وإن كان أكثر استولى البرد والجمود، وكذا القول في مقادير حركات الكواكب ومراتب سرعتها وإبطائها فإن كلاً منها مقدر على ما يليق بنظام العالم وقوامه وقيامه.

فهذه إشارة مختصرة إلى تحقيق العدل.

وأما الإحسان فهو المبالغة في أداء الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية ومن هنا قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" فكأن المبالغ المخلص في أداء الطاعات يوصل الفعل الحسن إلى نفسه وبالحقيقة يدخل في الإحسان أنواع التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، وأشرف أنواع الإشفاق صلة الرحم بالمال فلا جرم أفرد بالذكر كما مر.

ثم إنه تعالى أودع في النفس البشرية قوى أربعاً: الشهوية البهيمية والغضبية السبعية والوهمية الشيطانية والعقلية الملكية.

وهذه الأخيرة لا تحتاج إلى التهذيب لأنها من نتائج الأرواح القدسية، وأما الثلاث الأول فتحتاج إلى التأديب والتهذيب بمقتضى الشريعة وقانون العقل والطريقة.

والنهي عن الفحشاء عبارة عن المنع من تحصيل اللذات الشهوية الخارجة عن إذن الشريعة، والنهي عن المنكر عبارة عن الإفراط الحاصل في آثار القوة الغضبية من إيذاء الناس وإيصال الشر إليهم من غير ما استحقاق، والنهي عن البغي إشارة إلى المنع من إفراط القوة الوهمية كالاستعلاء على الناس والترفع وحب الرياسة والتقدم ممن ليس أهلاً لذلك، واخس هذه المراتب عند العقلاء القوة الشهوانية، وأوسطها الغضبية، وأعلاها الوهمية فلهذا بدأ  بالفحشاء ثم بالمنكر ثم بالبغي، ولأن أصول الأخلاق والتكاليف كلها مذكورة في الآية لا جرم ختمها بقوله: ﴿ يعظكم لعلكم تذكرون ﴾ لأنها كافية في باب العظة والتذكر والارتقاء من حضيض عالم البشرية إلى ذروة عالم الأرواح المقدسة.

قال الكعبي: في الآية دلالة على أنه  لا يخلق الجور والفحشاء وإلا فكيف ينهاهم عما يخلقها فيهم؟

وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

واعلم أنه لا يلزم من إرادة الله تذكر العبد - والتذكر من فعل الله بالاتفاق لا من فعل العبد - أن يطلب الله منه التذكر فإن طلب ما ليس في وسعه محال.

فمعنى ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ إرادة أن تكونوا على حالة التذكر لا إرادة أن تحصلوا التذكر.

ثم خص من جملة المأمورات الوفاء بالعهد فقال: ﴿ وأوفوا بعهد الله ﴾ خصصه جار الله بالبيعة لرسول الله  لقوله: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ .

وقال الأصم: المراد منه الجهاد وما فرض الله في الأموال من حق الشرائع.

وقيل: هو اليمين والأصح العموم وهو كل عهد يلتزمه الإنسان باختياره بدليل قوله: ﴿ إذا عاهدتم ﴾ وقوله من قال: العهد هو اليمين يلزم منه أن يكون قوله  : ﴿ ولا تنقضوا الأَيمان بعد توكيدها ﴾ أي بعد توثيقها باسم الله تكراراً.

وأكد ووكد لغتان فصيحتان.

قال الزجاج: الأصل الواو والهمزة بدل.

وفي الآية دلالة على الفرق بين الأيمان المؤكدة وبين لغو اليمين كقولهم "لا والله" و "بلى والله".

وأيضاً الآية من العمومات التي دخلها التخصيص لما روي أنه  قال: "من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليأت بالذي هو خير ثم ليكفر" .

وقد مر بحث الأيمان في "البقرة" وفي "المائدة" في قوله: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم  ﴾ الآية.

﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ أي شاهداً ورقيباً لأن الكفيل مراع لحال المكفول به.

﴿ إن الله يعلم ما تفعلون ﴾ فيجازيكم بحسب ذلك خيراً وشراً.

وفيه ترغيب وترهيب.

ثم أكد وجوب الوفاء وتحريم النقض بقوله: ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة ﴾ أي من بعد قوّة الغزل بإمرارها وفتلها.

قال الزجاج: انتصب ﴿ أنكاثاً ﴾ على المصدر لأن معنى نقضت نكثت.

وزيف بأن ﴿ أنكاثاً ﴾ ليس مصدراً وإنما هو جمع نكث بكسر النون وهو ما ينكث فتله.

وقال الواحدي: هو مفعول ثان كما تقول كسره أقطاعاً وفرقه أجزاء أي جعله أقطاعاً وأجزاء فكذا ههنا أي جعلت غزلها أنكاثاً.

قلت: ويحتمل أن يكون حالاً مؤكدة.

قال ابن قتيبة: هذه الآية متصلة بما قبلها والتقدير: وأوفوا بعهد الله ولا تنقضوا الأيمان فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل امرأة غزلت غزلاً وأحكمته ثم جعلته أنكاثاً.

فعلى هذا المشبه به امرأة غير معينة، ولا حاجة في التشبيه إلى أن يكون للمشبه به وجود في الخارج.

وقيل: المراد امرأة معينة من قريش ريطة بنت سعد بن تيم وكانت خرقاء، اتخذت مغزلاً قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وهي الحديدة في رأس المغزل وفلكة عظيمة على قدرها، وكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن.

قال جار الله: ﴿ تتخذون ﴾ حال و ﴿ دخلاً ﴾ مفعول ثان لتتخذ أي لا تنقضوا أيمانكم متخذيها دخلاً بينكم أي مفسدة ودغلاً.

وقال الواحدي: أي غشاً وخيانة.

وقال الجوهري: أي مكراً وخديعة.

وقال غيره: الدخل ما أدخل في الشيء على فساد.

وقوله: ﴿ أن تكون ﴾ أي لأن تكون ﴿ أمة ﴾ يعني جماعة قريش هي أربى أزيد وأوفر عدداً ومالاً ﴿ من أمة ﴾ هي جماعة المؤمنين.

قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء ثم يجدون من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأولين ويحالفون الذين هم أعز وأمنع.

﴿ إنما يبلوكم الله به ﴾ أي بما يأمركم وينهاكم.

وقد تقدم ذكر الأمر والنهي.

وقال جار الله: الضمير لقوله: ﴿ أن تكون ﴾ لأنه في معنى المصدر أي يختبركم بكونهم أربى لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء مع قلة المؤمنين وفقرهم أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم.

ثم حذرهم من مخالفة ملة الإسلام وأنذرهم بقوله: ﴿ وليبينن لكم يوم القيامة ﴾ بإظهار الدرجات والكرامات للأولياء وتعيين الدركات والبليات للأشقياء.

﴿ ما كنتم فيه تختلفون ﴾ حيث تدعون أنكم على الحق والمؤمنون على الباطل فتنقضون عهودهم.

ثم بين أنه  قادر على أن يجمع المؤمنين والكافرين على الوفاء وسائر أبواب الإيمان ولكنه بحكم الإلهية ﴿ يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ والمعتزلة حملوا المشيئة على مشيئة الإلجاء بدليل قوله: ﴿ ولتسئلن عما كنتم تعملون ﴾ ولو كانت أعمال العباد بخلق الله تعالى لكان سؤالهم عبثاً.

أجابت الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل.

روى الواحدي أن عزيراً قال: يا رب خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من تشاء.

فقال: يا عزير أعرض عن هذا فأعاده ثانياً فقال: أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من النبوّة.

قال المفسرون: لما نهاهم عن نقض مطلق الأيمان أراد أن ينهاهم عن نقض أيمان مخصوصة أقدموا عليهاوهو نقض بيعة رسول الله  ، والدليل على هذا التخصيص قوله: ﴿ فتزلَّ قدم بعد ثبوتها ﴾ لأن هذا الوعيد لا يليق بنقض عهد قبيله وإنما يليق بنقض عهد النبي  .

قال جار الله: وحدت القدم ونكرت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه فكيف بأقدام كثيرة.

وهذا مثل يضرب لمن وقع في بلاء بعد عافية، ولا ريب أن من نقض عهد الإسلام وزلت قدمه عن محجة الدين القويم فقد سقط من الدرجات العالية إلى الدركات الهاوية بيانه قوله: ﴿ وتذوقوا السوء ﴾ في الدنيا ﴿ بما صددتم ﴾ بصدودكم أو بصدكم غيركم ﴿ عن سبيل الله ﴾ لأن المرتد قد يقتدي به غيره.

﴿ ولكم عذاب عظيم ﴾ في الآخرة.

ويحتمل أن يراد أن ذلك السوء الذي تذوقونه هو عذاب عظيم.

قال جار الله: كان قوم أسلموا بمكة ثم زين لهم الشيطان نقض البيعة لكونهم مستضعفين هناك فأوعدهم الله على ذلك، ثم نهاهم عن الميل إلى ما كان يعدهم قريش من عرض الدنيا إن رجعوا عن الإسلام فقال: ﴿ ولا تشتروا ﴾ الآية.

ثم ذكر دليلاً قاطعاً على أن ما عند الله خير فقال: ﴿ ما عندكم ينفد وما عند الله ﴾ من خزائن رحمته ﴿ باق ﴾ وفيه دليل على أن نعيم الجنة باقٍ لأهلها لا ينقطع.

وقال جهم بن صفوان: إنه منقطع والآية حجة عليه ﴿ ولنجزين الذين صبروا ﴾ على ما التزموه من شرائع الإسلام ﴿ أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ أي بالواجبات والمندوبات لا بالمباحات فإنه لا ثواب على فعلها ولا عقاب، أو نجزيهم بجزاء أشرف وأوفر من عملهم كقوله: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ .

ثم عمم الوعد على أي عمل صالح كان فقال: ﴿ من عمل صالحاً ﴾ ولا كلام في عمومه إلا أنه زاد قوله: ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ تأكيداً وإزالة لوهم التخصيص، والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم دلائل الكرم.

ثم جعل الإيمان شرطاً في كون العمل الصالح منتجاً للثواب حيث قال: ﴿ وهو مؤمن ﴾ فاستدل به على أن الإيمان مغاير للعمل الصالح فإن شرط الشيء مغاير لذلك الشيء.

واختلف في الحياة الطيبة فقيل: هي في الجنة.

عن الحسن وسعيد بن جبير وقتادة، لأن الإنسان في الدنيا لا يخلو من مشقة وأذية ومكروه لقوله  : ﴿ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه  ﴾ بيّن أن هذا الكدح - وهو التعب في العمل - باقٍ إلى أن يصل إلى ربه، وأما بعد ذلك فحياة بلا موت وغنى بلا فقر وصحة بلا مرض وملك بلا زوال وسعادة بلا انتقال.

وقال السدي: إن هذه الحياة في القبر.

والأكثرون على أنها في الدنيا لقوله بعد ذلك ﴿ ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كان يعملون ﴾ وعلى هذا فما سبب طيب الحياة قيل: هو الرزق الحلال.

وقيل: عبادة الله مع أكل الحلال.

وقيل: القناعة أو رزق يوم كان النبي  يدعو: "اللَّهم اجعل رزق آل محمد كفافاً" .

قال المحققون: وهذا هو المختار لأن المؤمن الذي صلح عمله إن كان موسراً فذاك، وإن كان معسراً فمعه من القنوع والعفة والرضا بالقضاء ما يطيب عيشه.

لأنه الكافر والفاجر فإن الحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه أبداً ويعظم أسفه على ما يفوته لأنه عانق الدنيا معانقة العاشق لمعشوقه، بخلاف المؤمن المنشرح قلبه بنور المعرفة والجمال فإنه قلما ينزع لحب الدنيا مالها وجاهها ويستوي عنده وجودها وفقدها وخيرها وشرها ونفعها وضرها.

وبركة الصلاح والقنوع مما لا ينكرها عاقل اللَّهم اجعلنا من أهلها.

ثم إن ظاهر الآية يقتضي أن العلم الصالح إنما يفيد الأثر المخصوص بشرط الإيمان وظاهر قوله: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره  ﴾ يدل على أن العمل الخير مطلقاً يفيد أثراً مطلقاً فلا منافاة بينهما.

ثم ذكر الاستعاذة التي هي من جملة الأعمال الصالحة وبها تخلص الأعمال عن الوساوس فقال: ﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ أي أردت قراءته إطلاقاً لاسم المسبب على السبب.

وقد مر بحث الاستعاذة مستوفى في أول هذا الكتاب.

﴿ إنه ليس له سلطان ﴾ تسلط وولاية ﴿ على الذين آمنوا على ربهم يتوكلون ﴾ وهذا معنى الاستعاذة.

فإن معناها بالحقيقة راجع إلى التبري عما سوى الله والتوجه بالكلية إليه والاعتماد في جميع الأمور عليه.

﴿ إنما سلطانه على الذين يتولونه ﴾ عن ابن عباس: أي يطيعونه.

يقال: توليته أي أطعته.

وتوليت عنه أي أعرضت عنه.

أما الضمير الواحد في قوله: ﴿ والذين هم به مشركون ﴾ فقيل: راجع إلى الرب.

وقيل: إلى الشيطان أي بسببه.

التأويل: ﴿ ويوم نبعث ﴾ فيه إشارة إلى أن لأرواح الأنبياء إشرافاً على أممهم في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وفيه أن الدينا مزرعة الآخرة فلا يقبل في القيامة اعتذار ﴿ وإذا رأى الذين ظلموا ﴾ أي وضعوا الكفر وأعمال الطبيعة موضع الإيمان وأعمال الشريعة ﴿ فلا يخفف ﴾ عن أرواحهم أثقال الأخلاق المذمية ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ لتبديل مذمومها بمحمودها ﴿ وإذا رأى الذين أشركوا ﴾ وهم عبدة الدنيا والهوى ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ في أنا دعوناكم إلى عبادتنا فإنا كنا مشغولين بتسبيح الله  وطاعته ﴿ وصدوا عن سبيل الله ﴾ منعوا الأرواح والقلوب عن طلب الله ﴿ زدناهم ﴾ عذاب الحرمان عن الكمال فوق خسران النسيان بإفساد الاستعداد الفطري.

﴿ وجئنا بك شهيداً ﴾ لأن روحه شاهد على جميع الأرواح والقلوب والنفوس لقوله: "أول ما خلق الله روحي" ﴿ تبياناً لكل شيء ﴾ يحتاج إليه السالك في أثناء سلوكه ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ وهو وضع الآلات وأسباب تحصيل الكمال في مواضعها بحيث يؤدي إلى مقام الوصال والكمال ﴿ والإحسان ﴾ وهو أن تحسن إلى الخلق بما أعطاك الله كقوله: ﴿ وأحسن كما أحسن الله إليك  ﴾ .

وفي قوله: ﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ إشارة إلى أن من جملة العدالة رعاية حال الأقرب فالأقرب.

فيبدأ بتكميل نفسه ثم بما هو أقرب إليه قرباً معنوياً لا صورياً ﴿ وينهى عن الفحشاء ﴾ وهو صرف ما آتاه الله في غير مصرفها ﴿ والمنكر ﴾ وهو ضد المعروف وهو أن لا يحسن إلى غيره ﴿ والبغي ﴾ وهو أن لا يراعي الترتيب المذكور في باب الإرشاد والتكميل.

﴿ وأوفوا بعهد الله ﴾ يوم الميثاق.

﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ بجزاء وفائكم ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ﴾ فيه إشارة إلى حال المريد المرتد ﴿ أن تكون أمة ﴾ هي أهل الدنيا في الدنيا أعلى حالاً من أمتهم أهل الآخرة.

﴿ ولا تتخذا أيمانكم ﴾ عهودكم مع المشايخ شبكة تصطادون بها الدنيا.

وقبول الخلق فتزل أقدامكم عن صراط الطلب ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ هما القلب والنفس.

والعمل الصالح من النفس استعمال الشريعة والطريقة، ومن القلب التوجه إلى الله بالكلية، والحياة الطيبة للنفس أن تصير مطمئنة مستعدة لقبول فيض ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ وللقلب أن يصير فانياً عن أنانيته باقياً بشهود الحق وجماله، وحينئذ يطيب عن دنس الاثنينية ولوث الحدوث.

﴿ فاستعذ بالله ﴾ الخطاب للنبي  وآله ظاهراً وبالحقيقة هو لأمته، لأن شيطانه أسلم على يده فلم يحتج إلا الاستعاذة من شياطنه بل هو وخواص أمته كقوله: ﴿ إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا  ﴾ وفيه أن الشيطان ليس له تسلط على أولياء الله إلا بالوسوسة، وفيها صلاح المؤمن فإن إبريز إخلاص قلبه لا يتخلص عن غش صفات نفسه إلا بنار الوسوسة، لأن المؤمن يطلع على بقايا صفات نفسه.

بما تكون الوسوسة من جنسه فيزيد في الرياضة وملازمة الذكر حتى تنمحي تلك البقايا والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ﴾ .

قال بعضهم: شهيدها: أن يشهد عليهم من نحو ما ذكر من شهادة جوارحهم عليهم، وهو قوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ...

﴾ الآية [النور: 24]، وقوله: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم...

﴾ الآية: [فصلت: 20]، وقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا  ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات التي فيها ذكر الشهادة عليهم؛ عند إنكارهم أعمالهم التي عملوها.

وقال بعضهم: شهيدها: رسولها الذي بعث إليهم يشهد عليهم أنه قد بلغ إليهم رسالات ربهم، وهو كقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  ﴾ ، والنذير: هو الرسول المبعوث إليهم، وهو ما ذكر - أيضاً -: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً  ﴾ وقال: ﴿ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ  ﴾ .

أخبر أنه يجيء بمحمد  شهيداً على أولئك: أن الرسل قد بلغوا الرسالة إليهم، وهو ما ذكر: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ...

﴾ الآية [المائدة: 109]، وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ  ﴾ : يسأل الرسل عن تبليغ الرسالة إلى قومهم، ويسأل قومهم عما أجابوا الرسل.

إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل، والله أعلم.

جميع ما ذكر في القرآن من مجيئه وإنبائه ونحوه جائز أن يكون ذلك البعث تفسير ذلك كله.

قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴾ : كذا من ذلك، وقوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ  ﴾ ، و ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ  ﴾ فهو البعث، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

قال الحسن: لا يؤذن لهم بالاعتذار؛ لأنه لا عذر لهم، وهو ما قال: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ  وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ  ﴾ ؛ لأنه لا عذر لهم، واعتذارهم لا ينفع لهم شيئاً؛ إذ اعتذارهم من نحو قولهم: ﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا  ﴾ ، وقولهم: ﴿ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ  ﴾ ونحو هذا مما لا ينفعهم ذلك؛ فلا يؤذن لهم بذلك.

﴿ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ .

قال الحسن: ولا هم يقالون، وكذلك قال في قوله: ﴿ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ  ﴾ ، أي: من المقالين، أي: لا يقالون مما كان منهم.

وقال بعضهم: لا يؤذن لهم ولا يمكن لهم من التوبة والرجوع عما كانوا؛ لأن ذلك الوقت ليس هو وقت التوبة والرجوع، كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ  ﴾ ، وهذه الآية، وقال: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ  ﴾ ، ونحوه.

﴿ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ العتاب في الخلق: هو تذكير ما كان من الفرط؛ ليرجع عما كان منه، وذلك في الآخرة لا يحتمل.

ويحتمل قوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ، أي: لا يؤذن لهم بالكلام، كقوله: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ \[المؤمنون: 108\]، أو: لا يؤذن للشفعاء أن يشفعوا للذين كفروا، ويؤذن للشفعاء أن يشفعوا للمؤمنين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلْعَذَابَ ﴾ .

أي: وقعوا فيه؛ دليله ما ذكر.

﴿ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ ﴾ .

دل هذا أنه لم يرد به رؤية العذاب؛ ولكن الوقوع فيه؛ فلا يخفف عنهم؛ لأنه يدوم، ولا تخفيف مما يدوم من العذاب.

﴿ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ .

أي: يمهلون من العذاب.

والثاني: لا يخفف عنهم عما استحقوا واستوجبوا، أو ما ذكرنا: أنه لا يكون لعذابهم انقطاع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا رَأى ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ ﴾ .

قال الحسن: قوله: ﴿ شُرَكَآءَهُمْ ﴾ ، أي: قرناءهم وأولياءهم من الشياطين، كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ...

﴾ الآية [الصافات: 22]، وكقوله: ﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ...

﴾ الآية [فصلت: 25]، وقوله: ﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ  ﴾ وقوله: ﴿ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ...

﴾ الآية [الأنعام: 22].

وقوله: ﴿ شُرَكَآءَهُمْ ﴾ : أولياءهم، [الذين] كانوا لهم في الدنيا فهم شركاؤهم الذي ذكر.

وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ ﴾ ؛ على هذا التأويل: كنا ندعوك وإياهم من دونك.

﴿ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ ﴾ .

أي: يقولون لهم: ﴿ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .

وقال بعضهم قولهم: ﴿ هَـٰؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ ﴾ : الأصنام التي عبدوها.

﴿ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ : أي: يكذبونهم، وهو ما ذكر: ﴿ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ  ﴾ ؛ يكذبونهم فيما قالوا، ويخبرون أنهم كانوا غافلين عن عبادتهم.

وقال بعضهم: شركاؤهم الملائكة الذين عبدوهم، كقوله: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ  قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ  ﴾ : أخبر أنهم إنما عبدوا الجن بأمرهم ولم يعبدوهم، أو يكون شركاؤهم رؤساءهم الذين انقاد الأتباع لهم ويحتمل الأصنام وما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .

هو ما ذكرنا: يقولون لهم: إنكم لكاذبون، أو يكذبونهم فيما يزعمون ويدعون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ ﴾ .

أي: يخضعون كلهم لله يومئذ، ويخلصون له الدين، ويسلمون له الأمر والألوهية.

﴿ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ .

أي: بطل عنهم ما طمعوا بعبادتهم الأصنام والأوثان التي عبدوها من الشفاعة وغيرها؛ كقوله: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ : بطل عنهم ما طمعوا ورجوا من عبادة أولئك من الشفاعة لهم، والقربة إلى الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ﴾ .

قال بعضهم: هؤلاء كانوا رؤساء الكفرة وقادتهم ضلوا هم بأنفسهم وأضلوا أتباعهم؛ فلهم العذاب الدائم بكفرهم بأنفسهم، وزيادة العذاب بإضلال غيرهم، وهو كقوله: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ...

﴾ الآية [العنكبوت: 13]: [أخبر أنهم يحملون أوزارهم] وأوزار الذين أضلوهم ومنعوهم عن الإسلام؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ ﴾ ؛ بما أضلوا أتباعهم، وسعوا في الأرض بالإفساد، وهو قول أبي بكر الأصم.

وقال بعضهم: إن عذابهم كلما أراد أن يفتر بنضج الجلود، زيدت لهم - بتبديل الجلود - نارها كلما أرادت أن تخمد زيد لهم سعيراً؛ كقوله: ﴿ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً  ﴾ ؛ فذلك هو الزيادة في العذاب.

ويحتمل غير ذلك، وهو أن عذاب الكفر دائم أبداً؛ فيزداد لهم عذاباً بما كان لهم في الكفر - سوى الكفر - أعمال ومساوٍ، كما يعفى ويتجاوز عن المؤمنين ما كان منهم من المساوي؛ كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ  ﴾ ؛ مقابل ما كان يعفى عن المؤمنين المساوي، زيد لأهل الكفر، على عذاب الكفر؛ لمساويهم.

وفي حرف ابن مسعود -  -: (زِدْنَهُمْ عَذَاباً ضِعْفاً بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ)، وأصله أن جزاء الآخرة من الثواب والعذاب على المضاعفة؛ لأنه دائم لا انقطاع له.

وما ذكر من الزيادة والفوق وغيره - فهو على المضاعفة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، أي: من البشر، ويحتمل ما ذكرنا من شهادة الجوارح عليهم.

وقوله - عز وجلّ -: ﴿ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ ﴾ .

هو ما ذكرنا: يشهد الرسول عليهم بالتبليغ، ويشهد لمن أجابه وأطاعه، وعلى من ردّ كذبه بالرد والتكذيب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ : ما ذكر في هذه السورة؛ لأنه ذكر فيها جميع أصناف النعم وجواهرها، ووجوه الأسباب التي بها يوصل إليها، وذكر فيها ما سخر لهم من أنواع الجواهر، وفيه ذكر ما وعد وأوعد، وأمر ونهي، وذكر ما حل بالأعداء وما ظفر أولياؤه بهم.

وفيه ذكر سلطانه وقدرته، وذكر سفه الكفرة وعنادهم، وذكر ما يؤتى ويتقى؛ فذلك تبيان لكل شيء.

أو أن يكون في الكتاب تبيان كل شيء، وفي القرآن ما ذكرنا: من الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وأخبار الأمم الماضية وأمثالهم، وجميع ما يؤتى ويتقى؛ ففيه تبيان كل شيء من الوجه الذي ذكرنا.

أو أن يكون أنزل عليه الكتاب [تبيانا] لكل ما دعا به الرسل وجاءت به الرسل والكتب جميعاً.

في هذا الكتاب جميع ما أتى به الرسل والكتب من الأمر والنهي والوعد والوعيد، كقوله: ﴿ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ  ﴾ .

ثم اختلف في ذلك البيان: قال بعضهم: تحتمل الآية وجهين: أحدهما: الخصوص على الأصول دون الفروع؛ كذكر الكمال للدين، لكن ذلك وصف الدين، وقد يقع له الكمال بالكتاب والسنة، وهذا للكتاب؛ فلم يجز التقصير عن الاشتمال عما لزمت الحاجة في أمر الديانة.

وذكر أن الكتاب تبيان لكل ما وقعت إليه حاجة في أصول الدين: من الإيمان، وأنواع العبادات، والأحكام مع الحدود والحقوق، ومكارم الأخلاق: تنتظم صلة الرحم، وعشرة الإخوان، وصحبة الجيران، ونحو ذلك؛ فتشتمل هذه الجملة على أصول الدين، وما وراءها يكون موكولاً إلى بيان الرسول؛ ليفي الكتاب بما شرط له تلاوة ودلالة الوجه.

والوجه الثاني: أن يكون تبياناً لكل شيء منتظماً لما فيه، مجمله ومبهمه ومشكله، ولبيان الرسول مجمله وتفسيره مبهمه، وإيضاحه، ودلالته على مشكله.

وقال: والسنن كلها بيان للكتاب؛ لارتباط بعض ببعض.

ثم قد يحتمل الآيات التي فيها ذكر البيان والتفصيل وجوهاً غير الوجهين اللّذين ذكرتهما: أحدها: أنه تبيان كل شيء ظهر فيه التنازع بين أهل الأديان، وألزمتهم الضرورة فيه إلى البيان؛ فجعل الله الكتاب تبياناً ألزمهم بالتدبر العلم بأنه من عند الله؛ بخروجه عما عليه وسع القوم عن نوع ما ذكر فيه من الحجج والأدلّة، وبما أعجزهم عن الطمع في تأليف مثله ونظمه؛ ليعرفوا أن الله قد أعانهم فيما مستهم الحاجة، وألجأتهم الضرورة إلى من يطلعهم على الحق فيما لو أهملوا عن ذلك لتولد منه العداوة والعناد؛ فأنعم الله عليهم به، وبين فيه جميع ما بين إليه من الحاجة لدوام الأخوة.

والثاني: أن يكون فيه تبيان كل شيء بالطلب من عنده، وبالبحث فيه الظفر بكل ما ينزل بهم من الحاجات إلى الأبد؛ فيكون هو أصل ذلك.

لكن باختلاف الأسباب يوصل إلى حقيقة العلم به، وذلك نحو ما جعل الماء حياة لكل شيء ووصف أن في السماء رزق جميع الخلق؛ [فأخبر أنه] أنزل من السماء اللّباس والرياش [لكل شيء]، وأخبر أنه خلقنا من تراب، ثم أخبر أنه خلقنا جميعاً من نفس واحدة؛ على رجوع كل ما ذكر باختلاف الأسباب والتوالد إليه، والله أعلم.

وذلك كما قال أهل الكلام في جعل المحسوسات أدلة لكل غائب: جعلها الله أدلة توصل إليه بالتأمل والنظر فيكون المحسوس مبيناً من ذلك، وإلا على اختلاف الدرجات في حد البيان مع ما قد جعله الله كذلك، حتى إن في الفلاسفة من تكلف استخراج كلية أمور العالم العلوي والسفلي.

وما على ذلك مدار ما عليه من هذا المحسوس؛ فمثله أمر القرآن، والله الموفق.

والثالث: أن يكون فيه بيان على الرمز والإشارة مرة، وعلى الكشف ثانياً؛ فما كان منه على الرمز فهو مطلوب في المعاني وطريق الرسول إلى ما في تلك المعاني من الأمور المختلفة: منها ما يقع بمعونة الوحي من غير الكتاب على اختلاف وجوه الوحي من إرسال على لسان ملك، أو رؤيا، أو إلهام.

والتأمل في ذلك، أو الاستدلال بما قد أوضحه بعد توفيق الله للحق في ذلك وعصمته عن الزيغ.

أو على ما شاء من ترتيب الحكماء في حق التفاهم لغوامض الأمور، أو غير ذلك مما يريد الله أن يطلع عليه نبيّه؛ فإن لطف ربّ العالمين بما عامل به الأخيار يجل عن احتمال العبارة عنه أو تصويره في الأوهام، نحو كتابة الحفظة، وقبض ملك الموت أرواح الخلق في وقت واحد في أطراف الأرض، ونحو ذلك، وذلك كله حدّ اللّطف الذي يعجز البشر عن الإحاطة؛ فعلى ذلك أمر تبيان كل شيء مع ما يحتمل بتأويل الآية إلى أغلب الأمور وأعمها، كقوله -  -: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ  ﴾ ، وغيره، ولا قوة إلا بالله.

والأصل عندنا: أن ليس للبيان عدد يجب حفظ العدد، على ما ذكره قوم: أنه على خمسة أوجه؛ إنما هو أمران: أحدهما: ما يبين هو.

والثاني: ما يبين غيره، لكن الوجه الذي به يقع ما غاب عن الحواس بالبيان أصله الواقع تحت الحواس؛ إذ البين الذين من جحده حرم أوّل درجات البيان [ومنع] عن فهم المجحود عنه؛ إذ الجحود يكفي كلاًّ مؤمنة خصومته، ثم غيره مما يصير بالتأمّل على الوجوه التي جعلت للوصول إليه، وإن بعد أو قرب بدليله كالمحسوس؛ إذ التأمل في الأسباب هو سبب الوصول إلى ما غاب، كاستعمال الحواس فيما يشهد؛ فمن أراد القطع على حد أو شيء يحتاج إلى دليل فيه.

وأصل البيان - حقيقة - هو الظهور، وأسباب إظهار الأشياء متفاوتة، وعلى ذلك مقاديرها من الظهور، وجملته ارتفاع التواتر عن القلوب، وتجلي حقائق الأمور لها؛ على قدر العقول في الإدراك وما يتجلى للقلوب على مقدار ما يحتمل من الظهور.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةً ﴾ .

يجب أن يكون قوله: ﴿ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةً ﴾ - كله واحد الرحمة والهدى والبيان، وبرحمته وبهداه يتبين لهم ويتضح، لكنهم قالوا: البيان للناس كافة يبين ويتضح إلا من عاند وكابر، والهدى والرحمة للمؤمنين خاصّة؛ على ما ذكر وهدى [ورحمة] وبشرى للمسلمين؛ ذلك للمسلمين خاصّة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكر -أيها الرسول- يوم نبعث في كل أمة رسولًا يشهد عليهم بما كانوا عليه من ويتكلم بلسانهم، وجئنا لك -أيها الرسول- شهيدًا على الأمم جميعًا، ونزلنا عليك القران لتبيين كل ما يحتاج إلى تبيين من الحلال والحرام والثواب والعقاب وغير ذلك، ونزلناه هداية للناس إلى الحق، ورحمة لمن آمن به وعمل بما فيه، وتبشيرًا للمؤمنين بالله بما ينتظرون من النعيم المقيم.

<div class="verse-tafsir" id="91.kxnqL"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله