الآية ٩٠ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٩٠ من سورة النحل

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ٩٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 148 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٠ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٠ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أنه يأمر عباده بالعدل ، وهو القسط والموازنة ، ويندب إلى الإحسان ، كما قال تعالى : ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ) [ النحل : 126 ] وقال ( وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله ) [ الشورى : 40 ] وقال ( والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ) [ المائدة : 45 ] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا من شرعية العدل والندب إلى الفضل .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( إن الله يأمر بالعدل ) قال : شهادة أن لا إله إلا الله .

وقال سفيان بن عيينة : العدل في هذا الموضع : هو استواء السريرة والعلانية من كل عامل لله عملا .

والإحسان : أن تكون سريرته أحسن من علانيته .

والفحشاء والمنكر : أن تكون علانيته أحسن من سريرته .

وقوله : ( وإيتاء ذي القربى ) أي : يأمر بصلة الأرحام ، كما قال : ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ) [ الإسراء : 26 ] .

وقوله : ( وينهى عن الفحشاء والمنكر ) فالفواحش : المحرمات .

والمنكرات : ما ظهر منها من فاعلها ; ولهذا قيل في الموضع الآخر : ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) [ الأعراف : 33 ] .

وأما البغي فهو : العدوان على الناس .

وقد جاء في الحديث : " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا - مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة - من البغي وقطيعة الرحم " .

وقوله ) يعظكم ) أي : يأمركم بما يأمركم به من الخير ، وينهاكم عما ينهاكم عنه من الشر ، ( لعلكم تذكرون ) قال الشعبي ، عن شتير بن شكل : سمعت ابن مسعود يقول : إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) الآية .

رواه ابن جرير .

وقال سعيد عن قتادة : قوله : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) الآية ، ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به ، وليس من خلق سيئ كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدم فيه .

وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها .

قلت : ولهذا جاء في الحديث : " إن الله يحب معالي الأخلاق ، ويكره سفسافها " .

وقال الحافظ أبو نعيم في كتابه " كتاب معرفة الصحابة " : حدثنا أبو بكر محمد بن الفتح الحنبلي ، حدثنا يحيى بن محمد مولى بني هاشم ، حدثنا الحسن بن داود المنكدري ، حدثنا عمر بن علي المقدمي ، عن علي بن عبد الملك بن عمير عن أبيه قال : بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فأراد أن يأتيه فأبى قومه أن يدعوه وقالوا : أنت كبيرنا ، لم تكن لتخف إليه ، قال : فليأته من يبلغه عني ويبلغني عنه ، فانتدب رجلان فأتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالا نحن رسل أكثم بن صيفي ، وهو يسألك : من أنت ؟

وما أنت ؟

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أما من أنا فأنا محمد بن عبد الله ، وأما ما أنا فأنا عبد الله ورسوله " .

قال : ثم تلا عليهم هذه الآية : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) قالوا : اردد علينا هذا القول فردده عليهم حتى حفظوه .

فأتيا أكثم فقالا أبى أن يرفع نسبه ، فسألنا عن نسبه ، فوجدناه زاكي النسب وسطا في مضر ، وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها ، فلما سمعهن أكثم قال : إني قد أراه يأمر بمكارم الأخلاق ، وينهى عن ملائمها ، فكونوا في هذا الأمر رءوسا ، ولا تكونوا فيه أذنابا .

وقد ورد في نزول هذه الآية الكريمة حديث حسن رواه الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر ، حدثنا عبد الحميد ، حدثنا شهر ، حدثني عبد الله بن عباس قال : بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بفناء بيته جالس ، إذ مر به عثمان بن مظعون ، فكشر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ألا تجلس ؟

" فقال : بلى .

قال : فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستقبله ، فبينما هو يحدثه إذ شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببصره في السماء ، فنظر ساعة إلى [ السماء ] فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمنته في الأرض ، فتحرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره فأخذ ينغض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له ، وابن مظعون ينظر فلما قضى حاجته واستفقه ما يقال له ، شخص بصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى السماء كما شخص أول مرة ، فأتبعه بصره حتى توارى في السماء .

فأقبل إلى عثمان بجلسته الأولى فقال : يا محمد ، فيما كنت أجالسك ؟

ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة ، قال : " وما رأيتني فعلت ؟

" قال : رأيتك شخص بصرك إلى السماء ثم وضعته حيث وضعته على يمينك ، فتحرفت إليه وتركتني ، فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفقه شيئا يقال لك .

قال : " وفطنت لذلك ؟

" فقال عثمان : نعم .

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أتاني رسول الله آنفا وأنت جالس " .

قال : رسول الله ؟

قال : " نعم " .

قال : فما قال لك ؟

قال : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) قال عثمان : فذلك حين استقر الإيمان في قلبي ، وأحببت محمدا - صلى الله عليه وسلم - .

إسناد جيد متصل حسن ، قد بين فيه السماع المتصل .

ورواه ابن أبي حاتم ، من حديث عبد الحميد بن بهرام مختصرا .

حديث آخر : عن عثمان بن أبي العاص الثقفي في ذلك ، قال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، حدثنا هريم ، عن ليث ، عن شهر بن حوشب ، عن عثمان بن أبي العاص قال : كنت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسا ، إذ شخص بصره فقال : " أتاني جبريل ، فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان [ وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ] ) .

وهذا إسناد لا بأس به ، ولعله عند شهر بن حوشب من الوجهين ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: إن الله يأمر في هذا الكتاب الذي أنـزله إليك يا محمد بالعدل، وهو الإنصاف ، ومن الإنصاف: الإقرار بمن أنعم علينا بنعمته، والشكر له على إفضاله، وتولي الحمد أهله.

وإذا كان ذلك هو العدل ، ولم يكن للأوثان والأصنام عندنا يد تستحقّ الحمد عليها، كان جهلا بنا حمدها وعبادتها، وهي لا تنعِم فتشكر ، ولا تنفع فتعبد، فلزمنا أن نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولذلك قال من قال: العدل في هذا الموضع شهادة أن لا إله إلا الله.

ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى، وعلي بن داود، قالا ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ ) قال: شهادة أن لا إله إلا الله وقوله والإحسان ، فإن الإحسان الذي أمر به تعالى ذكره مع العدل الذي وصفنا صفته: الصبر لله على طاعته فيما أمر ونهى، في الشدّة والرخاء ، والمَكْرَه والمَنْشَط، وذلك هو أداء فرائضه.

كما حدثني المثنى، وعليّ بن داود، قالا ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( وَالإحْسَانِ ) يقول: أداء الفرائض .

وقوله ( وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ) يقول: وإعطاء ذي القربى الحقّ الذي أوجبه الله عليك بسبب القرابة والرحم.

كما حدثني المثنى وعلي، قالا ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ) يقول: الأرحام.

وقوله ( وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ ) قال: الفحشاء في هذا الموضع: الزنا.

* ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، وعليّ بن داود، قالا ثنا عبد الله بن صالح، عن عليّ، عن ابن عباس ( وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ ) يقول: الزنا.

وقد بيَّنا معنى الفحشاء بشواهده فيما مضى قبل.

وقوله ( والبَغْيِ) قيل: عُنِيَ بالبغي في هذا الموضع: الكبر والظلم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، وعليّ بن داود، قالا ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( والبَغْيِ) يقول: الكبر والظلم.وأصل البغي: التعدّي ومجاوزة القدر والحدّ من كلّ شيء.

وقد بيَّنا ذلك فيما مضى قبل.

وقوله ( يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) يقول: يذكركم أيها الناس ربكم لتذكروا فتنيبوا إلى أمره ونهيه، وتعرفوا الحقّ لأهله.

كما حدثني المثنى وعليّ بن داود، قالا ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( يَعِظُكُمْ) يقول: يوصيكم ( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ).

وقد ذُكر عن ابن عيينة أنه كان يقول في تأويل ذلك: إن معنى العدل في هذا الموضع استواء السريرة والعلانية من كلّ عامل لله عملا وإن معنى الإحسان: أن تكون سريرته أحسن من علانيته، وإن الفحشاء والمنكر أن تكون علانيته أحسن من سريرته.

وذُكر عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول في هذه الآية، ما حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت منصور بن النعمان، عن عامر، عن شتَير بن شَكَل، قال: سمعت عبد الله يقول: إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ) ...

إلى آخر الآية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الشعبيّ، عن سُتَيْر بن شَكَل، قال: سمعت عبد الله يقول: إن أجمع آية في القرآن لخير أو لشر، آية في سورة النحل ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ ) ....

الآية.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ) ...

الآية، إنه ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به، وليس من خُلق سيِّئ كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدّم فيه.

وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومَذامِّها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون[ ص: 150 ] فيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى : إن الله يأمر بالعدل والإحسان روي عن عثمان بن مظعون أنه قال : لما نزلت هذه الآية قرأتها على علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فتعجب فقال : يا آل غالب ، اتبعوه تفلحوا ، فوالله إن الله أرسله ليأمركم بمكارم الأخلاق .

وفي حديث - إن أبا طالب لما قيل له : إن ابن أخيك زعم أن الله أنزل عليه إن الله يأمر بالعدل والإحسان الآية ، قال : اتبعوا ابن أخي ، فوالله إنه لا يأمر إلا بمحاسن الأخلاق .

وقال عكرمة : قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - على الوليد بن المغيرة إن الله يأمر بالعدل والإحسان إلى آخرها ، فقال : يا ابن أخي أعد ، فأعاد عليه فقال : والله إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أصله لمورق ، وأعلاه لمثمر ، وما هو بقول بشر ، وذكر الغزنوي أن عثمان بن مظعون هو القارئ .

قال عثمان : ما أسلمت ابتداء إلا حياء من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزلت هذه الآية وأنا عنده فاستقر الإيمان في قلبي ، فقرأتها على الوليد بن المغيرة فقال : يا ابن أخي أعد فأعدت فقال : والله إن له لحلاوة .

.

.

وذكر تمام الخبر .

وقال ابن مسعود : هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل ، ولشر يجتنب .

وحكى النقاش قال : يقال زكاة العدل الإحسان ، وزكاة القدرة العفو ، وزكاة الغنى المعروف ، وزكاة الجاه كتب الرجل إلى إخوانه .الثانية : اختلف العلماء في تأويل العدل والإحسان ; فقال ابن عباس : العدل لا إله إلا الله ، والإحسان أداء الفرائض .

وقيل : العدل الفرض ، والإحسان النافلة .

وقال سفيان بن عيينة : العدل هاهنا استواء السريرة ، والإحسان أن تكون السريرة أفضل من العلانية .

علي بن أبي طالب : العدل الإنصاف ، والإحسان التفضل .

قال ابن عطية : العدل هو كل مفروض ، من عقائد وشرائع في أداء الأمانات ، وترك الظلم والإنصاف ، وإعطاء الحق .

والإحسان هو فعل كل مندوب إليه ; فمن الأشياء ما هو كله مندوب إليه ، ومنها ما هو فرض ، إلا أن حد الإجزاء منه داخل في العدل ، والتكميل الزائد على الإجزاء داخل في الإحسان .

وأما قول ابن عباس ففيه نظر ; لأن أداء الفرائض هي الإسلام حسبما فسره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث سؤال جبريل ، وذلك هو العدل ، وإنما الإحسان التكميلات والمندوب إليه حسبما يقتضيه تفسير النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث سؤال جبريل بقوله : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك .

فإن صح [ ص: 151 ] هذا عن ابن عباس فإنما أراد الفرائض مكملة .

وقال ابن العربي : العدل بين العبد وبين ربه إيثار حقه - تعالى - على حظ نفسه ، وتقديم رضاه على هواه ، والاجتناب للزواجر والامتثال للأوامر .

وأما العدل بينه وبين نفسه فمنعها مما فيه هلاكها ; قال الله - تعالى - : ونهى النفس عن الهوى وعزوب الأطماع عن الأتباع ، ولزوم القناعة في كل حال ومعنى .

وأما العدل بينه وبين الخلق فبذل النصيحة ، وترك الخيانة فيما قل وكثر ، والإنصاف من نفسك لهم بكل وجه ، ولا يكون منك إساءة إلى أحد بقول ولا فعل لا في سر ولا في علن ، والصبر على ما يصيبك منهم من البلوى ، وأقل ذلك الإنصاف وترك الأذى .قلت : هذا التفصيل في العدل حسن وعدل ، وأما الإحسان فقد قال علماؤنا : الإحسان مصدر أحسن يحسن إحسانا .

ويقال على معنيين : أحدهما متعد بنفسه ; كقولك : أحسنت كذا ، أي حسنته وكملته ، وهو منقول بالهمزة من حسن الشيء .

وثانيهما متعد بحرف جر ; كقولك : أحسنت إلى فلان ، أي أوصلت إليه ما ينتفع به .قلت : وهو في هذه الآية مراد بالمعنيين معا ; فإنه - تعالى - يحب من خلقه إحسان بعضهم إلى بعض ، حتى أن الطائر في سجنك والسنور في دارك لا ينبغي أن تقصر تعهده بإحسانك ; وهو - تعالى - غني عن إحسانهم ، ومنه الإحسان والنعم والفضل والمنن .

وهو في حديث جبريل بالمعنى الأول لا بالثاني ; فإن المعنى الأول راجع إلى إتقان العبادة ومراعاتها بأدائها المصححة والمكملة ، ومراقبة الحق فيها واستحضار عظمته وجلاله حالة الشروع وحالة الاستمرار .

وهو المراد بقوله أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك .

وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين : أحدهما غالب عليه مشاهدة الحق فكأنه يراه .

ولعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أشار إلى هذه الحالة بقوله : وجعلت قرة عيني في الصلاة .

وثانيهما : لا تنتهي إلى هذا ، لكن يغلب عليه أن الحق سبحانه مطلع عليه ومشاهد له ، وإليه الإشارة بقوله - تعالى - : الذي يراك حين تقوم .

وتقلبك في الساجدين وقوله : إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه .[ ص: 152 ] الثالثة : قوله تعالى : وإيتاء ذي القربى أي القرابة ; يقول : يعطيهم المال كما قال وآت ذا القربى حقه يعني صلته .

وهذا من باب عطف المندوب على الواجب ، وبه استدل الشافعي في إيجاب إيتاء المكاتب ، على ما يأتي بيانه .

وإنما خص ذا القربى لأن حقوقهم أوكد وصلتهم أوجب ; لتأكيد حق الرحم التي اشتق الله اسمها من اسمه ، وجعل صلتها من صلته ، فقال في الصحيح : أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك .

ولا سيما إذا كانوا فقراء .الرابعة : قوله تعالى : وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي الفحشاء : الفحش ، وهو كل قبيح من قول أو فعل .

ابن عباس : هو الزنا .

والمنكر : ما أنكره الشرع بالنهي عنه ، وهو يعم جميع المعاصي والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها .

وقيل هو الشرك .

والبغي : هو الكبر والظلم والحقد والتعدي ; وحقيقته تجاوز الحد ، وهو داخل تحت المنكر ، لكنه - تعالى - خصه بالذكر اهتماما به لشدة ضرره .

وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ذنب أسرع عقوبة من بغي .

وقال - عليه السلام - : الباغي مصروع .

وقد وعد الله من بغي عليه بالنصر .

وفى بعض الكتب المنزلة : لو بغى جبل على جبل لجعل الباغي منهما دكا .

.الخامسة : ترجم الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه فقال : ( باب قول الله - تعالى - : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون وقوله : إنما بغيكم على أنفسكم ، ثم بغي عليه لينصرنه الله ، وترك إثارة الشر على مسلم أو كافر ) ثم ذكر حديث عائشة في سحر لبيد بن [ ص: 153 ] الأعصم النبي - صلى الله عليه وسلم - .

قال ابن بطال : فتأول - رضي الله عنه - من هذه الآيات ترك إثارة الشر على مسلم أو كافر ; كما دل عليه حديث عائشة حيث قال - عليه السلام - : أما الله فقد شفاني وأما أنا فأكره أن أثير على الناس شرا .

ووجه ذلك - والله أعلم - أنه تأول في قول الله - تعالى - : إن الله يأمر بالعدل والإحسان الندب بالإحسان إلى المسيء وترك معاقبته على إساءته .

فإن قيل : كيف يصح هذا التأويل في آيات البغي .

قيل : وجه ذلك - والله أعلم - أنه لما أعلم الله عباده بأن ضرر البغي ينصرف على الباغي بقوله : إنما بغيكم على أنفسكم وضمن - تعالى - نصرة من بغي عليه ، كان الأولى بمن بغي عليه شكر الله على ما ضمن من نصره ومقابلة ذلك بالعفو عمن بغى عليه ; وكذلك فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - باليهودي الذي سحره ، وقد كان له الانتقام منه بقوله : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به .

ولكن آثر الصفح أخذا بقوله : ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور .السادسة : تضمنت هذه الآية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وقد تقدم القول فيهما روي أن جماعة رفعت عاملها إلى أبي جعفر المنصور العباسي ، فحاجها العامل وغلبها ; بأنهم لم يثبتوا عليه كبير ظلم ولا جوره في شيء ; فقام فتى من القوم فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإنه عدل ولم يحسن .

قال : فعجب أبو جعفر من إصابته وعزل العامل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فالعدل الذي أمر الله به يشمل العدل في حقه وفي حق عباده، فالعدل في ذلك أداء الحقوق كاملة موفرة بأن يؤدي العبد ما أوجب الله عليه من الحقوق المالية والبدنية والمركبة منهما في حقه وحق عباده، ويعامل الخلق بالعدل التام، فيؤدي كل وال ما عليه تحت ولايته سواء في ذلك ولاية الإمامة الكبرى، وولاية القضاء ونواب الخليفة، ونواب القاضي.

والعدل هو ما فرضه الله عليهم في كتابه، وعلى لسان رسوله، وأمرهم بسلوكه، ومن العدل في المعاملات أن تعاملهم في عقود البيع والشراء وسائر المعاوضات، بإيفاء جميع ما عليك فلا تبخس لهم حقا ولا تغشهم ولا تخدعهم وتظلمهم.

فالعدل واجب، والإحسان فضيلة مستحب وذلك كنفع الناس بالمال والبدن والعلم، وغير ذلك من أنواع النفع حتى إنه يدخل فيه الإحسان إلى الحيوان البهيم المأكول وغيره.

وخص الله إيتاء ذي القربى -وإن كان داخلا في العموم- لتأكد حقهم وتعين صلتهم وبرهم، والحرص على ذلك.

ويدخل في ذلك جميع الأقارب قريبهم وبعيدهم لكن كل ما كان أقرب كان أحق بالبر.

وقوله: { وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ } وهو كل ذنب عظيم استفحشته الشرائع والفطر كالشرك بالله والقتل بغير حق والزنا والسرقة والعجب والكبر واحتقار الخلق وغير ذلك من الفواحش.

ويدخل في المنكر كل ذنب ومعصية متعلق بحق الله تعالى.

وبالبغي كل عدوان على الخلق في الدماء والأموال والأعراض.

فصارت هذه الآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات لم يبق شيء إلا دخل فيها، فهذه قاعدة ترجع إليها سائر الجزئيات، فكل مسألة مشتملة على عدل أو إحسان أو إيتاء ذي القربى فهي مما أمر الله به.

وكل مسألة مشتملة على فحشاء أو منكر أو بغي فهي مما نهى الله عنه.

وبها يعلم حسن ما أمر الله به وقبح ما نهى عنه، وبها يعتبر ما عند الناس من الأقوال وترد إليها سائر الأحوال، فتبارك من جعل في كلامه الهدى والشفاء والنور والفرقان بين جميع الأشياء.

ولهذا قال: { يَعِظُكُمْ بِهِ } أي: بما بينه لكم في كتابه بأمركم بما فيه غاية صلاحكم ونهيكم عما فيه مضرتكم.

{ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ما يعظكم به فتفهمونه وتعقلونه، فإنكم إذا تذكرتموه وعقلتموه عملتم بمقتضاه فسعدتم سعادة لا شقاوة معها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( إن الله يأمر بالعدل ) بالإنصاف ، ( والإحسان ) إلى الناس .

وعن ابن عباس : " العدل " : التوحيد ، و " الإحسان " : أداء الفرائض .

وعنه : " الإحسان " : الإخلاص في التوحيد ، وذلك معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه " .

وقال مقاتل : " العدل " : التوحيد ، و " الإحسان " : العفو عن الناس .

( وإيتاء ذي القربى ) صلة الرحم .

( وينهى عن الفحشاء ) ما قبح من القول والفعل .

وقال ابن عباس : الزنا ، ( والمنكر ) ما لا يعرف في شريعة ولا سنة ، ( والبغي ) الكبر والظلم .

وقال ابن عيينة : العدل استواء السر والعلانية ، و " الإحسان " أن تكون سريرته أحسن من علانيته ، و " الفحشاء والمنكر " أن تكون علانيته أحسن من سريرته .

( يعظكم لعلكم تذكرون ) تتعظون .

قال ابن مسعود : أجمع آية في القرآن هذه الآية .

وقال أيوب عن عكرمة : إن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الوليد : ( إن الله يأمر بالعدل ) إلى آخر الآية فقال له : يا ابن أخي أعد فأعاد عليه ، فقال : إن له والله لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق ، وما هو بقول البشر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الله يأمر بالعدل» التوحيد أو الإنصاف «والإحسان» أداء الفرائض أو أن تعبد الله كأنك تراه كما في الحديث «وإيتاءِ» إعطاء «ذي القربى» القرابة خصه بالذكر اهتماما به «وينهى عن الفحشاء» الزنا «والمنكر» شرعا من الكفر والمعاصي «والبغي» الظلم للناس خصه بالذكر اهتماما كما بدأ بالفحشاء كذلك «يعظكم» بالأمر والنهي «لعلكم تذكرون» تتعظون وفيه إدغام التاء في الأصل في الذال، وفي المستدرك عن ابن مسعود وهذه أجمع آية في القرآن للخير والشر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الله سبحانه وتعالى يأمر عباده في هذا القرآن بالعدل والإنصاف في حقه بتوحيده وعدم الإشراك به، وفي حق عباده بإعطاء كل ذي حق حقه، ويأمر بالإحسان في حقه بعبادته وأداء فرائضه على الوجه المشروع، وإلى الخلق في الأقوال والأفعال، ويأمر بإعطاء ذوي القرابة ما به صلتهم وبرُّهم، وينهى عن كل ما قَبُحَ قولا أو عملا وعما ينكره الشرع ولا يرضاه من الكفر والمعاصي، وعن ظلم الناس والتعدي عليهم، والله -بهذا الأمر وهذا النهي- يَعِظكم ويذكِّركم العواقب؛ لكي تتذكروا أوامر الله وتنتفعوا بها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان ) اختلف العلماء فى تأويل العدل والإِحسان ، فقال ابن عباس : العدل : لا إله إلا الله ، والإِحسان : أداء الفرائض .

وقيل : العدل الفرض .

والإِحسان : النافلة ، وقال على بن أبى طالب : العدل : الإِنصاف .

والإحسان : التفضل .وقال ابن العربى : العدل بين العبد وربه : إيثار حقه - تعالى - على حظ نفسه ، وتقديم رضاه على هواه ، والاجتناب للزواجر والامتثال للأوامر .

وأما العدل بينه وبين نفسه فمنعه ما فيه هلاكها .

.

وأما العدل بينه وبين غيره فبذل النصيحة ، وترك الخيانة فيما قل أو كثر ، والإِنصاف من نفسك لهم بكل وجه .وأما الإِحسان فهو مصدر أحسن يحسن إحسانا .

ويقال على معنيين : أحدهما : متعد بنفسه ، كقولك : أحسنت كذا ، أى : حسنته وأتقنته وكملته ، وهو منقول بالهمزة من حسن الشئ .

وثانيهما : متعد بحرف جر ، كقولك : أحسنت إلى فلان ، أى : أوصلت إليه ما ينتفع به .

وهو فى هذه الآية مراد بالمعنيين معا .

.

.ومن هذا الكلام الذي نقلناه بشئ من التلخيص عن الإِمام القرطبى ، يتبين لنا أن العدل هو أن يلتزم الإِنسان جانب الحق والقسط فى كل أقواله وأعماله ، وأن الإِحسان يشمل إحسان الشئ فى ذاته سواء أكان هذا الشئ يتعلق بالعقائد أم بالعبادات أم بغيرهما ، كما يشمل إحسان المسلم إلى غيره .فالإِحسان أوسع مدلولا من العدل : لأنه إذا كان العدل معناه : أن تعطى كل ذى حق حقه ، بدون إفراط أو تفريط ، فإن الإِحسان يندرج تحته أن تضيف إلى ذلك : العفو عمن أساء إليك ، والصلة لمن قطعك ، والعطاء لمن حرمك .وإيثار صيغة المضارع فى قوله : ( إِنَّ الله يَأْمُرُ .

.

.

) لإِفادة التجدد والاستمرار .

ولم يذكر - سبحانه - متعلقات العدل والإِحسان ليعم الأمر جميع ما يعدل فيه ، وجميع ما يجب إحسانه وإتقانه من أقوال وأعمال ، وجميع ما ينبغى أن تحسن إليه من إنسان أو حيوان أو غيرهما .وقوله - تعالى - : ( وَإِيتَآءِ ذِي القربى ) فضيله ثالثة معطوفة على ما قبلها من عطف الخاص على العام ، إذ هى مندرجة فى العدل والإِحسان .وخصها - سبحانه - بالذكر اهتماما بأمرها ، وتنويها بشأنها ، وتعظيما لقدرها .والإِيتاء : مصدر بمعنى الإِعطاء ، وهو هنا مصدر مضاف لمفعوله .والمعنى : إن الله - يأمركم - أيها المسلمون - أمرا دائما وواجبا ، أن تلتزموا الحق والإِنصاف فى كل أقوالكم وأفعالكم وأحكامكم ، وأن تلتزموا التسامح والعفو والمراقبة لله - تعالى - فى كل أحوالكم .كما يأمركم أن تقدموا لأقاربكم على سبيل المعاونة والمساعدة ، ما تستطعيون تقديمه لهم من خير وبر .

.لأن هذا الفضائل متى سرت بينكم ، نلتم السعادة فى دينكم ودنياكم ، إذ بالعدل ينال كل صاحب حق حقه ، وبالإِحسان يكون التحاب والتواد والتراحم ، وبصلة الأقارب يكون التكافل والتعاون ..

.وبعد أن أمر - سبحانه - بأمهات الفضائل ، نهى عن رءوس الرذائل فقال - تعالى - : ( وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغي .

.

) .والفحشاء : كل ما اشتد قبحه من قول أو فعل .

وخصها بعضهم بالزنا .والمنكر : كل ما أنكر الشرع بالنهى عنه ، فيعم جميع المعاصى والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها .والبغى : هو تجاوز الحد فى كل شئ يقال : بغى فلان على غيره ، إذا ظلمه وتطاول عليه .وأصله من بغى الجرح إذا ترامى إليه الفساد .

.

.أى : كما أمركم - سبحانه - بالعدل والإِحسان وإيتاء ذى القربى ، فإنه - تعالى - ينهاكم عن كل قبيح وعن كل منكر ، وعن كل تجاوز لما شرعه الله - عز وجل - .وذلك لأن هذه الرذائل ما شاعت فى أمة إلا وكانت عاقبتها خسرا ، وأمرها فرطا ، والفطرة البشرية النقية تأبى الوقوع أو الاقتراب من هذه الرذائل ، لأنها تتنافى مع العقول السليمة ، ومع الطباع القويمة .ومهما روج الذين لم ينبتوا نباتا حسنا لتلك الرذائل ، فإن النفوس الطاهرة ، تلفظها بعيدا عنها ، كما يلفظ الجسم الأشياء الغريبة التى تصل إليه .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) أى : ينبهكم - سبحانه - أكمل تنبيه وأحكمه إلى ما يصلحكم عن طريق اتباع ما أمركم به وما نهاكم عنه ، لعلكم بذلك تحسنون التذكر لما ينفعكم ، وتعملون بمقتضى ما علمكم - سبحانه .هذا ، وقد ذكر المفسرون فى فضل هذه الآية كثيرا من الآثار والأقوال ، ومن ذلك ما أخرجه الحافظ أبو يعلى فى كتاب معرفة الصحابة .

.

قال : " بلغ أكثم بن صيفى مخرج النبى صلى الله عليه وسلم فأراد أن يأتيه ، فأبى قومه أن يدعوه وقالوا له : أنت كبيرنا لم تكن لتخف إليه .

قال : فليأته من يبلغه عنى ويبلغنى عنه .

فانتدب رجلان فأتيا النبى صلى الله عليه وسلم فقال له : نحن رسل أكثم بن صيفى وهو يسألك من أنت وما أنت؟

فقال النبى صلى الله عليه وسلم : " أما أنا فمحمد ابن عبدالله ، وأما ما أنا ، فأنا عبد الله ورسوله " .ثم تلا عليهم هذه الآية : ( إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان .

.

) الآية .فقالوا : ردد علينا هذا القول ، فردده عليهم حتى حفظوه ، فأتيا أكثم فقالا له : أبى أن يرفع نسبه فسألنا عن نسبه فوجدناه زاكى النسب .

.

وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها فلما سمعهن أكثم قال : إنى أراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها ، فكونوا فى هذا الامر رءوسا ، ولا تكونوا فيه أذنابا " .وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال : أعظم آية فى كتاب الله : ( الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم .

.

) وأجمع آية فى كتاب الله للخير والشر : ( إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان ) وأكثر آية فى كتاب الله تفويضا : ( وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ .

.

) وأشد آية فى كتاب الله رجاء : ( قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً .

.

).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما استقصى في شرح الوعد والوعيد والترغيب والترهيب أتبعه بقوله: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان ﴾ فجمع في هذه الآية ما يتصل بالتكليف فرضاً ونفلاً، وما يتصل بالأخلاق والآداب عموماً وخصوصاً، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في بيان فضائل هذه الآية روي عن ابن عباس أن عثمان بن مظعون الجمحي قال: ما أسلمت أولاً إلا حياء من محمد عليه السلام ولم يتقرر الإسلام في قلبي فحضرته ذات يوم فبينما هو يحدثني إذ رأيت بصره شخص إلى السماء ثم خفضه عن يمينه، ثم عاد لمثل ذلك فسألته فقال: «بينما أنا أحدثك إذا بجبريل نزل عن يميني فقال: يا محمد إن الله يأمر بالعدل والإحسان، العدل شهادة أن لا إله إلا الله والإحسان القيام بالفرائض وإيتاء ذي القربى، أي صلة ذي القرابة وينهى عن الفحشاء الزنا، والمنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة والبغي الاستطالة» قال عثمان: فوقع الإيمان في قلبي فأتيت أبا طالب فأخبرته فقال: يا معشر قريش اتبعوا ابن أخي ترشدوا ولئن كان صادقاً أو كاذباً فإنه ما يأمركم إلا بمكارم الأخلاق، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمه اللين قال: يا عماه أتأمر الناس أن يتبعوني وتدع نفسك وجهد عليه، فأبى أن يسلم فنزل قوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ  ﴾ وعن ابن مسعود رضي الله عنه: إن أجمع آية في القرآن لخير وشر هذه الآية، وعن قتادة ليس من خلق حسن كان في الجاهلية يعمل ويستحب إلا أمر الله تعالى به في هذه الآية وليس من خلق سيء إلا نهى الله عنه في هذه الآية، وروى القاضي في تفسيره عن ابن ماجه عن علي عليه السلام أنه قال: أمر الله تعالى نبيه أن يعرض نفسه على قبائل العرب، فخرج وأنا معه وأبو بكر فوقفنا على مجلس عليهم الوقار فقال أبو بكر: ممن القوم؟

فقالوا: من شيبان بن ثعلبة فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشهادتين وإلى أن ينصروه فإن قريشاً كذبوه فقال مقرون بن عمرو: إلام تدعونا أخا قريش فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان ﴾ الآية فقال مقرون بن عمرو: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك، وعن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على الوليد فاستعاده، ثم قال: إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته».

والله أعلم.

المسألة الثانية: في تفسير هذه الآية، أكثر الناس في تفسير هذه الآية قال ابن عباس في بعض الروايات العدل شهادة أن لا إله إلا الله، والإحسان أداء الفرائض وقال في رواية أخرى: العدل خلع الأنداد والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه وأن تحب للناس ما تحب لنفسك فإن كان مؤمناً أحببت أن يزداد إيماناً، وإن كان كافراً أحببت أن يصير أخاك في الإسلام.

وقال في رواية ثالثة: العدل هو التوحيد والإحسان الإخلاص فيه.

وقال آخرون: يعني بالعدل في الأفعال والإحسان في الأقوال، فلا تفعل إلا ما هو عدل ولا تقل إلا ما هو إحسان وقوله: ﴿ وَإِيتَآئِ ذِى القربى ﴾ يريد صلة الرحم بالمال فإن لم يكن فبالدعاء، روى أبو مسلم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم إن أهل البيت ليكونوا فجاراً فتنمى أموالهم ويكثر عددهم إذا وصلوا أرحامهم» وقوله: ﴿ وينهى عَنِ الفحشاء ﴾ قيل: الزنا، وقيل: البخل، وقيل: كل الذنوب سواء كانت صغيرة أو كبيرة، وسواء كانت في القول أو في الفعل، وأما المنكر فقيل: إنه الكفر بالله تعالى، وقيل: المنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة، وأما البغي فقيل: الكبر والظلم، وقيل: أن تبغي على أخيك.

واعلم أن في المأمورات كثرة وفي المنهيات أيضاً كثرة، وإنما حسن تفسير لفظ معين لشيء معين إذا حصل بين ذلك اللفظ وبين ذلك المعنى مناسبة.

أما إذا لم تحصل هذه الحالة كان ذلك التفسير فاسداً، فإذا فسرنا العدل بشيء والإحسان بشيء آخر وجب أن نبين أن لفظ العدل يناسب ذلك المعنى، ولفظ الإحسان يناسب هذا المعنى، فلما لم نبين هذا المعنى كان ذلك مجرد التحكم، ولم يكن جعل بعض تلك المعنى تفسيراً لبعض تلك الألفاظ أولى من العكس، فثبت أن هذه الوجوه التي ذكرناها ليست قوية في تفسير هذه الآية، وأقول ظاهر هذه الآية يدل على أنه تعالى أمر بثلاثة أشياء، وهي العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ونهى عن ثلاثة أشياء هي: الفحشاء، والمنكر، والبغي فوجب أن يكون العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ثلاثة أشياء متغايرة ووجب أن تكون الفحشاء والمنكر والبغي ثلاثة أشياء متغايرة، لأن العطف يوجب المغايرة فنقول: أما العدل فهو عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وذلك أمر واجب الرعاية في جميع الأشياء، ولا بد من تفصيل القول فيه فنقول: الأحوال التي وقع التكليف بها إما الاعتقادات وإما أعمال الجوارح.

أما الاعتقادات: فالعدل في كلها واجب الرعاية فأحدها: قال ابن عباس: إن المراد بالعدل هو قول لا إله إلا الله، وتحقيق القول فيه أن نفي الإله تعطيل محض وإثبات أكثر من إله واحد تشريك وتشبيه وهما مذمومان، والعدل هو إثبات الإله الواحد وهو قول لا إله إلا الله.

وثانيها: أن القول بأن الإله ليس بموجود ولا شيء تعطيل محض، والقول بأنه جسم وجوهر مركب من الأعضاء، ومختص بالمكان تشبيه محض، والعدل إثبات إله موجود متحقق بشرط أن يكون منزهاً عن الجسمية والجوهرية والأعضاء والأجزاء والمكان.

وثالثها: أن القول بأن الإله غير موصوف بالصفات من العلم والقدرة تعطيل محض، والقول بأن صفاته حادثة متغيرة تشبيه محض.

والعدل هو إثبات أن الإله عالم قادر حي مع الإعتراف بأن صفاته ليست حادثة ولا متغيرة.

ورابعها: أن القول بأن العبد ليس له قدرة ولا اختيار جبر محض، والقول بأن العبد مستقل بأفعاله قدر محض وهما مذمومان، والعدل أن يقال: إن العبد يفعل الفعل لكن بواسطة قدرة وداعية يخلقهما الله تعالى فيه.

وخامسها: القول بأن الله تعالى لا يؤاخذ عبده على شيء من الذنوب مساهلة عظيمة، والقول بأنه تعالى يخلد في النار عبده العارف بالمعصية الواحدة تشديد عظيم، والعدل أنه يخرج من النار كل من قال واعتقد أنه لا إله إلا الله، فهذه أمثلة ذكرناها في رعاية معنى العدل في الاعتقادات، وأما رعاية العدل فيما يتعلق بأفعال الجوارح، فنذكر ستة أمثلة منها: أحدها: أن قوماً من نفاة التكاليف يقولون: لا يجب على العبد الاشتغال بشيء من الطاعات ولا يجب عليه الاحتراز عن شيء من المعاصي، وليس لله عليه تكليف أصلاً وقال قوم من الهند؛ ومن المانوية إنه يجب على الإنسان أن يجتنب عن كل الطيبات وأن يبالغ في تعذيب نفسه وأن يحترز عن كل ما يميل الطبع إليه حتى أن المانوية يخصون أنفسهم ويحترزون عن التزوج ويحترزون عن أكل الطعام الطيب والهند يحرقون أنفسهم ويرمون أنفسهم من شاهق الجبل، فهذان الطريقان مذمومان، والوسط المعتدل هو هذا الشرع الذي جاءنا به محمد صلى الله عليه وسلم.

وثانيها: أن التشديد في دين موسى عليه السلام غالب جداً، والتساهل في دين عيسى عليه السلام غالب جداً والوسط العدل شريعة محمد صلى الله عليه وسلم.

قيل: كان شرع موسى عليه السلام في القتل العمد استيفاء القصاص لا محالة، وفي شرع عيسى عليه السلام العفو.

أما في شرعنا فإن شاء استوفى القصاص على سبيل المماثلة، وإن شاء استوفى الدية وإن شاء عفا، وأيضاً شرع موسى يقتضي الاحتراز العظيم عن المرأة حال حيضها وشرع عيسى يقتضي حل وطء الحائض، والعدل ما حكم به شرعنا وهو أنه يحرم وطؤها احترازاً عن التلطخ بتلك الدماء الخبيثة أما لا يجب إخراجها عن الدار.

وثالثها: أنه تعالى قال: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا  ﴾ يعني متباعدين عن طرفي الإفراط والتفريط في كل الأمور، وقال: ﴿ والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً  ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط  ﴾ ولما بالغ رسول الله صلى الله عليه وسلم في العبادات قال تعالى: ﴿ طه  مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ  ﴾ ولما أخذ قوم في المساهلة قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً  ﴾ والمراد من الكل رعاية العدل والوسط.

ورابعها: أن شريعتنا أمرت بالختان، والحكمة فيه أن رأس العضو جسم شديد الحس ولأجله عظم الالتذاذ عند الوقاع، فلو بقيت الجلدة على ذلك العضو بقي ذلك العضو على كمال القوة وشدة الإحساس فيعظم الإلتذاذ أما إذا قطعت تلك الجلدة وبقي ذلك العضو عارياً فيلقى الثياب وسائر الأجسام فيتصلب ويضعف حسه ويقل شعوره فيقل الالتذاذ بالوقاع فتقل الرغبة فيه، فكأن الشريعة إنما أمرت بالختان سعياً في تقليل تلك اللذة، حتى يصير ميل الإنسان إلى قضاء شهوة الجماع إلى حد الاعتدال، وأن لا تصير الرغبة فيه غالبة على الطبع، فالإخصاء وقطع الآلات على ما تذهب إليه المانوية مذموم لأنه إفراط، وإبقاء تلك الجلدة مبالغة في تقوية تلك اللذة، والعدل الوسط هو الإتيان بالختان، فظهر بهذه الأمثلة أن العدل واجب الرعاية في جميع الأحوال، ومن الكلمات المشهورة قولهم: وبالعدل قامت السموات والأرض، ومعناه: أن مقادير العناصر لو لم تكن متعادلة متكافئة، بل كان بعضها أزيد بحسب الكمية وبحسب الكيفية من الآخر، لاستولى الغالب على المغلوب ووهى المغلوب، وتنقلب الطبائع كلها إلى طبيعة الجرم الغالب، ولو كان بعد الشمس من الأرض أقل مما هو الآن، لعظمت السخونة في هذا العالم واحترق كل ما في هذا العالم، ولو كان بعدها أزيد مما هو الآن لاستولى البرد والجمود على هذا العالم، وكذا القول في مقادير حركات الكواكب ومراتب سرعتها وبطئها، فإن الواحد منها لو كان أزيد مما هو الآن أو كان أنقص مما هو الآن لاختلت مصالح هذا العالم فظهر بهذا السبب الذي ذكرناه صدق قولهم: وبالعدل قامت السماوات والأرض، فهذه إشارة مختصرة إلى شرح حقيقة العدل.

وأما الإحسان فاعلم أن الزيادة على العدل قد تكون إحساناً وقد تكون إساءة مثاله: أن العدل في الطاعات هو أداء الواجبات أما الزيادة على الواجبات فهي أيضاً طاعات وذلك من باب الإحسان، وبالجملة فالمبالغة في أداء الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية هو الإحسان.

والدليل عليه: أن جبريل لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان قال: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

فإن قالوا: لم سمي هذا المعنى بالإحسان؟

قلنا: كأنه بالمبالغة في الطاعة يحسن إلى نفسه ويوصل الخير والفعل الحسن إلى نفسه، والحاصل أن العدل عبارة عن القدر الواجب من الخيرات، والإحسان عبارة عن الزيادة في تلك الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية، وبحسب الدواعي والصوارف، وبحسب الاستغراق في شهود مقامات العبودية والربوبية، فهذا هو الإحسان.

واعلم أن الإحسان بالتفسير الذي ذكرناه دخل فيه التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله، ومن الظاهر أن الشفقة على خلق الله أقسام كثيرة وأشرفها وأجلها صلة الرحم لا جرم أنه سبحانه أفرده بالذكر فقال: ﴿ وَإِيتَآء ذِى القربى ﴾ فهذا تفصيل القول في هذه الثلاثة التي أمر الله تعالى بها.

وأما الثلاثة التي نهى الله عنها، وهي الفحشاء والمنكر والبغي فنقول: إنه تعالى أودع في النفس البشرية قوى أربعة، وهي الشهوانية البهيمية والغضبية السبعية والوهمية الشيطانية والعقلية الملكية وهذه القوة الرابعة أعني العقلية الملكية لا يحتاج الإنسان إلى تأديبها وتهذيبها، لأنها من جواهر الملائكة، ومن نتائج الأرواح القدسية العلوية، إنما المحتاج إلى التأديب والتهذيب تلك القوى الثلاثة الأولى.

أما القوة الشهوانية، فهي إنما ترغب في تحصيل اللذات الشهوانية، وهذا النوع مخصوص باسم الفحش، ألا ترى أنه تعالى سمى الزنا فاحشة فقال: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فاحشة وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً  ﴾ فقوله تعالى: ﴿ وينهى عَنِ الفحشاء ﴾ المراد منه المنع من تحصيل اللذات الشهوانية الخارجة عن إذن الشريعة، وأما القوة الغضبية السبعية فهي: أبداً تسعى في إيصال الشر والبلاء والإيذاء إلى سائر الناس، ولا شك أن الناس ينكرون تلك الحالة، فالمنكر عبارة عن الإفراط الحاصل في آثار القوة الغضبية.

وأما القوة الوهمية الشيطانية فهي أبداً تسعى في الاستعلاء على الناس والترفع وإظهار الرياسة والتقدم، وذلك هو المراد من البغي، فإنه لا معنى للبغي إلا التطاول على الناس والترفع عليهم، فظهر بما ذكرنا أن هذه الألفاظ الثلاثة منطبقة على أحوال هذه القوى الثلاثة، ومن العجائب في هذا الباب أن العقلاء قالوا: أخس هذه القوى الثلاثة هي الشهوانية، وأوسطها الغضبية وأعلاها الوهمية.

والله تعالى راعى هذا الترتيب فبدأ بالفحشاء التي هي نتيجة القوة الشهوانية، ثم بالمنكر الذي هو نتيجة القوة الغضبية، ثم بالبغي الذي هو نتيجة القوة الوهمية، فهذا ما وصل إليه عقلي وخاطري في تفسير هذه الألفاظ، فإن يك صواباً فمن الرحمن، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله عنه بريئان والحمد لله على ما خصنا بهذا النوع من الفضل والإحسان إنه الملك الديان.

ثم قال تعالى: ﴿ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ والمراد بقوله تعالى: ﴿ يَعِظُكُمْ ﴾ أمره تعالى بتلك الثلاثة ونهيه عن هذه الثلاثة: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أنه تعالى لما قال في الآية الأولى: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَانًا لّكُلّ شَيء  ﴾ أردفه بهذه الآية مشتملة على الأمر بهذه الثلاثة، والنهي عن هذه الثلاثة، كان ذلك تنبيهاً على أن المراد بكون القرآن تبياناً لكل شيء هو هذه التكاليف الستة وهي في الحقيقة كذلك، لأن جوهر النفس من زمرة الملائكة ومن نتائج الأرواح العالية القدسية إلا أنه دخل في هذا العالم خالياً عارياً عن التعلقات فتلك الثلاثة التي أمر الله بها هي التي ترقيها بالمعارف الإلهية والأعمال الصالحة، وتلك المعارف والأعمال هي التي ترقيها إلى عالم الغيب وسرادقات القدس، ومجاورة الملائكة المقربين في جوار رب العالمين، وتلك الثلاثة التي نهى الله عنها هي التي تصدها عن تلك السعادات وتمنعها عن الفوز بتلك الخيرات، فلما أمر الله تعالى بتلك الثلاثة، ونهى عن هذه الثلاثة فقد نبه على كل ما يحتاج إليه المسافرون من عالم الدنيا إلى مبدأ عرصة القيامة.

المسألة الثانية: قال الكعبي: الآية تدل على أنه تعالى لا يخلق الجور والفحشاء، وذلك من وجوه: الأول: أنه تعالى كيف ينهاهم عما يخترعه فيهم، وكيف ينهى عما يريد تحصيله فيهم ولو كان الأمر كما قالوا لكان كأنه تعالى قال: إن الله يأمركم أن تفعلوا خلاف ما خلقه فيكم وينهاكم عن أفعال خلقها فيكم، ومعلوم أن ذلك باطل في بديهة العقل.

والثاني: أنه تعالى لما أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، فلو أنه تعالى أمر بتلك الثلاثة ثم إنه ما فعلها لدخل تحت قوله: ﴿ أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ  ﴾ .

وتحت قوله: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ  كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ  ﴾ الثالث: أن قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ ليس المراد منه الترجي والتمني، فإن ذلك محال على الله تعالى، فوجب أن يكون معناه أنه تعالى يعظكم لإرادة أن تتذكروا طاعته، وذلك يدل على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل.

الرابع: أنه تعالى لو صرح وقال: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ولكنه تمنع منه ويصد عنه ولا يمكن العبد منه.

ثم قال: ﴿ وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغي ﴾ ولكنه يوجد كل هذه الثلاثة في العبد شاء أم أبى وأراده منه ومنعه من تركه، ومن الاحتراز عنه لحكم كل أحد عليه بالركاكة وفساد النظم والتركيب، وذلك يدل على كونه سبحانه متعالياً عن فعل القبائح.

واعلم أن هذا النوع من الاستدلال كثير، وقد مر الجواب عنه والمعتمد في دفع هذه المشاغبات التعويل على سؤال الداعي وسؤال العلم، والله أعلم.

المسألة الثالثة: اتفق المتكلمون من أهل السنة ومن المعتزلة على أن تذكر الأشياء من فعل الله لا من فعل العبد، والدليل عليه هو أن التذكرة عبارة عن طلب المتذكر فحال الطلب إما أن يكون له به شعور أو لا يكون له به شعور.

فإن كان له شعور فذلك الذكر حاصل، والحاصل لا يطلب تحصيله.

وإن لم يكن له به شعور فكيف يطلبه بعينه، لأن توجيه الطلب إليه بعينه حال ما لا يكون هو بعينه متصوراً محال.

إذا ثبت هذا فنقول: قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ معناه أن المقصود من هذا الوعظ أن يقدموا على تحصيل ذلك التذكر، فإذا لم يكن التذكر فعلاً له فكيف طلب منه تحصيله، وهذا هو الذي يحتج به أصحابنا على أن قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ لا يدل على أنه تعالى يريد منه ذلك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

العدل هو الواجب؛ لأن الله تعالى عدل فيه على عباده فجعل ما فرضه عليهم واقعاً تحت طاقتهم ﴿ والإحسان ﴾ الندب؛ وإنما علق أمره بهما جميعاً؛ لأنّ الفرض لابد من أن يقع فيه تفريط فيجبره الندب، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- لمن علمه الفرائض فقال: والله لازدت فيها ولا نقصت-: «أفلح إن صدق» فعقد الفلاح بشرط الصدق والسلامة من التفريط وقال صلى الله عليه وسلم: «استقيموا ولن تحصوا» فما ينبغي أن يترك ما يجبر كسر التفريط من النوافل.

والفواحش: ما جاوز حدود الله ﴿ والمنكر ﴾ ما تنكره العقول ﴿ والبغى ﴾ طلب التطاول بالظلم، وحين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه، أقيمت هذه الآية مقامها.

ولعمري إنها كانت فاحشة ومنكراً وبغياً، ضاعف الله لمن سنها غضباً ونكالاً وخزياً، إجابة لدعوة نبيه: «وعاد من عاداه» وكانت سبب إسلام عثمان بن مظعون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ ﴾ بِالتَّوَسُّطِ في الأُمُورِ اعْتِقادًا كالتَّوْحِيدِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ التَّعْطِيلِ والتَّشْرِيكِ، والقَوْلُ بِالكَسْبِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ مَحْضِ الجَبْرِ والقَدَرِ، وعَمَلًا كالتَّعَبُّدِ بِأداءِ الواجِباتِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ البِطالَةِ والتَّرَهُّبِ، وخُلُقًا كالجُودِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ البُخْلِ والتَّبْذِيرِ.

﴿ والإحْسانِ ﴾ إحْسانِ الطّاعاتِ، وهو إمّا بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ كالتَّطَوُّعِ بِالنَّوافِلِ أوْ بِحَسَبِ الكَيْفِيَّةِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .

﴿ وَإيتاءِ ذِي القُرْبى ﴾ وإعْطاءِ الأقارِبِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ وهو تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿ وَيَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ ﴾ عَنِ الإفْراطِ في مُتابَعَةِ القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ كالزِّنا فَإنَّهُ أقْبَحُ أحْوالِ الإنْسانِ وأشْنَعُها.

﴿ والمُنْكَرِ ﴾ ما يُنْكَرُ عَلى مُتَعاطِيهِ في إثارَةِ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ.

﴿ والبَغْيِ ﴾ والِاسْتِعْلاءِ والِاسْتِيلاءِ عَلى النّاسِ والتَّجَبُّرِ عَلَيْهِمْ، فَإنَّها الشَّيْطَنَةُ الَّتِي هي مُقْتَضى القُوَّةِ الوَهْمِيَّةِ، ولا يُوجَدُ مِنَ الإنْسانِ شَرٌّ إلّا وهو مُنْدَرِجٌ في هَذِهِ الأقْسامِ صادِرٌ بِتَوَسُّطِ إحْدى هَذِهِ القُوى الثَّلاثِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هي أجْمَعُ آيَةٍ في القُرْآنِ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ.

وصارَتْ سَبَبَ إسْلامِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ في القُرْآنِ غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ لَصَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْعالَمِينَ، ولَعَلَّ إيرادَها عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ.

﴿ يَعِظُكُمْ ﴾ بِالأمْرِ والنَّهْيِ والمَيْزِ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ.

﴿ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ تَتَّعِظُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل} بالتسوية في الحقوق فيما بينكم وترك الظلم وإيصال كل ذي حق إلى حقه {والإحسان} إلى من أساء إليكم أو هما الفرض والندب لأن الفرض لا بد من أن يقع فيه تفريط فيجبره الندب {وَإِيتَآءِ ذِى القربى} وإعطاء ذي القرابة وهو صلة الرحم {وينهى عَنِ

الفحشآء} عن الذنوب المفرطة في القبح {والمنكر} ما تنكره العقول {والبغي} طلب التطاول بالظلم والكبر {يَعِظُكُمُ} حال أو مستأنف {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تتعظون بمواعظ الله وهذه الآية سبب إسلام عثمان بن مظعون فإنه قال ما كنت أسلمت إلاحياء منه عليه السلام لكثرة ما كان يعرض علي الإسلام ولم يستقر الإيمان في قلبي حتى نزلت هذه الآية وأنا عنده فاستقر الإيمان في قلبي فقرأتها على الوليد بن المغيرة فقال والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وما هو بقول البشر وقال أبو جهل إن إلهه ليأمر بمكارم الأخلاق وهي أجمع آية القرآن للخير والشر ولهذه يقرؤها كل خطيب على المنبر في آخر كل خطبة لتكون عظة جامعة لكل مأمور ومنهي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ ﴾ أيْ فِيما نَزَّلَهُ عَلَيْكَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ لِإفادَةِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿ بِالعَدْلِ ﴾ أيْ بِمُراعاةِ التَّوَسُّطِ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ وهو رَأْسُ الفَضائِلِ كُلِّها يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ فَضِيلَةُ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ المَلَكِيَّةِ مِنَ الحِكْمَةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الجَهْبَذَةِ والبَلادَةِ، وفَضِيلَةُ القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ البَهِيمِيَّةِ مِنَ العِفَّةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الخَلاعَةِ والجُمُودِ، وفَضِيلَةُ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ السَّبْعِيَّةِ مِنَ الشَّجاعَةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ التَّهَوُّرِ والجُبْنِ.

فَمِنَ الحِكَمِ الِاعْتِقادِيَّةِ التَّوْحِيدُ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ التَّعْطِيلِ ونَفْيِ الصَّنائِعِ كَما تَقُولُهُ الدَّهْرِيَّةُ والتَّشْرِيكُ كَما تَقُولُهُ الثَّنَوِيَّةُ والوَثَنِيَّةُ، وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ العَدْلِ عَلى ما رَواهُ عَنْهُ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ.

وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُمْ، وضَمَّ إلَيْهِ بَعْضُهُمُ القَوْلَ بِالكَسْبِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ مَحْضِ الجَبْرِ والقَدَرِ.

ومِنَ الحِكَمِ العَمَلِيَّةِ التَّعَبُّدُ بِأداءِ الواجِباتِ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ الباطِلَةِ وتَرْكِ العَمَلِ لِزَعْمِ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ إذِ الشَّقِيُّ والسَّعِيدُ مُتَعَيَّنانِ في الأزَلِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المَلاحِدَةِ والتَّرَهُّبُ بِتَرْكِ المُباحاتِ تَشْبِيهًا بِالرُّهْبانِ.

ومِنَ الحِكَمِ الخُلُقِيَّةِ الجُودُ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ البُخْلِ والتَّبْذِيرِ.

وعَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّ العَدْلَ اسْتِواءُ السَّرِيرَةِ والعَلانِيَةِ في العَمَلِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ: دَعانِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ فَقالَ لِي: صِفْ لِي العَدْلَ فَقُلْتُ: بَخٍ سَألْتَ عَنْ أمْرٍ جَسِيمٍ كُنْ لِصَغِيرِ النّاسِ أبًا ولِكَبِيرِهِمُ ابْنًا ولِلْمِثْلِ مِنهم أخًا ولِلنِّساءِ كَذَلِكَ وعاقِبِ النّاسَ عَلى قَدْرِ ذُنُوبِهِمْ وعَلى قَدْرِ أجْسادِهِمْ ولا تَضْرِبَنَّ لِغَضَبِكَ سَوْطًا واحِدًا فَتَكُونَ مِنَ العادِينَ، ولَعَلَّ اخْتِيارَ ذَلِكَ لِأنَّهُ الأوْفَقُ بِمَقامِ السّائِلِ وإلّا فَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِهِ أوْلى ﴿ والإحْسانِ ﴾ أيْ إحْسانِ الأعْمالِ والعِبادَةِ أيِ الإتْيانُ بِها عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، وهو إمّا بِحَسَبِ الكَيْفِيَّةِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ ما رَواهُ البُخارِيُّ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»».

أوْ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ كالتَّطَوُّعِ بِالنَّوافِلِ الجابِرَةِ لِما في الواجِباتِ مِنَ النَّقْصِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالإحْسانِ المُتَعَدِّي بِإلى لا المُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ فَإنَّهُ يُقالُ: أحْسَنَهُ وأحْسَنَ إلَيْهِ أيِ الإحْسانُ إلى النّاسِ والتَّفَضُّلُ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ العُكْلِيِّ عَنْ أبِيهِ قالَ: مَرَّ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِقَوْمٍ يَتَحَدَّثُونَ فَقالَ: فِيمَ أنْتُمْ؟

فَقالُوا: نَتَذاكَرُ المُرُوءَةَ فَقالَ: أوَما كَفاكُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذاكَ في كِتابِهِ إذْ يَقُولُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ ﴾ فالعَدْلُ الإنْصافُ والإحْسانُ التَّفَضُّلُ فَما بَقِيَ بَعْدَ هَذا.

وأعْلى مَراتِبِ الإحْسانِ عَلى هَذا الإحْسانُ إلى المُسِيءِ وقَدْ أمَرَ بِهِ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّما الإحْسانُ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أساءَ إلَيْكَ لَيْسَ الإحْسانُ أنْ تُحْسِنَ إلى مَن أحْسَنَ إلَيْكَ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بَعْدَ ما فَسَّرَ العَدْلَ بِالتَّوْحِيدِ فَسَّرَ الإحْسانَ بِأداءِ الفَرائِضِ، وفِيهِ اعْتِبارُ الإحْسانِ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ، وقِيلَ: العَدْلُ أنْ يُنْصِفَ ويَنْتَصِفَ والإحْسانُ أنْ يُنْصِفَ ولا يَنْتَصِفَ وقِيلَ العَدْلُ في الأفْعالِ والإحْسانُ في الأقْوالِ.

﴿ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ﴾ أيْ إعْطاءِ الأقارِبِ حَقَّهم مِنَ الصِّلَةِ والبِرِّ، وهَذا داخِلٌ في العَدْلِ أوِ الإحْسانِ وصُرِّحَ بِهِ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِذِي القُرْبى ما يَعُمُّ سائِرَ الأقارِبِ سَواءٌ كانُوا مِن جِهَةِ الأُمِّ أوْ مِن جِهَةِ الأبِ، وهَذا هو المُرادُ بِذَوِي الأرْحامِ الَّذِينَ حَثَّ الشّارِعُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى صِلَتِهِمْ عَلى الأصَحِّ، وقِيلَ: ذَوُو الأرْحامِ الأقارِبُ مِن جِهَةِ الأُمِّ، وذَكَرَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ المَرْوِيَّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّ المُرادَ مِن ذِي القُرْبى هُنا قَرابَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المُرادُونَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى ﴾ .

﴿ ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ ﴾ الإفْراطِ في مُتابَعَةِ القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ كالزِّنا مَثَلًا، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما الفَحْشاءَ بِهِ، ولَعَلَّهُ تَمْثِيلٌ لا تَخْصِيصٌ (والمُنْكَرِ) ما يُنْكَرُ عَلى مُتَعاطِيهِ مِنَ الإفْراطِ في إظْهارِ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ تَفْسِيرُهُ بِالشِّرْكِ، وعَنِ ابْنِ السّائِبِ أنَّهُ ما وُعِدَ عَلَيْهِ بِالنّارِ، وعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ مُخالَفَةُ السَّرِيرَةِ لِلْعَلانِيَةِ، وقِيلَ: ما لا يُوجِبُ الحَدَّ في الدُّنْيا لَكِنْ يُوجِبُ العَذابَ في الآخِرَةِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ.

وتَعَقَّبَهُ ابْنُ المُنِيرِ فَقالَ: إنَّهُ لَفْتَةٌ إلى الِاعْتِزالِ ولَوْ قالَ: المُنْكَرُ ما أنْكَرَهُ الشَّرْعُ لَوافَقَ الحَقَّ لَكِنَّهُ لا يَدَعْ بِدْعَةَ المُعْتَزِلَةِ في التَّحْسِينِ والتَّقْبِيحِ بِالعَقْلِ، وقالَ في الكَشْفِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ أيْ بَعْدَ رَدِّهِ إلى قَوانِينِ الشَّرْعِ فالإنْكارُ بِالعَقْلِ بِالضَّرُورَةِ، وإنَّما الخِلافُ في مَأْخَذِهِ والمَقْصُودُ أنَّ ما يُمْكِنُ أنْ يَجْرِيَ عَلى المَذْهَبَيْنِ لا يَحِقُّ المُحاقَّةُ فِيهِ وهو كالتَّعْرِيضِ بِابْنِ المُنِيرِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ المُنْكَرَ أعَمُّ مِنَ الفَحْشاءِ قالَ: لِاشْتِمالِهِ عَلى المَعاصِي والرَّذائِلِ، وعَلى أوَّلًا لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿ والبَغْيِ ﴾ الِاسْتِعْلاءِ والِاسْتِيلاءِ عَلى النّاسِ والتَّجَبُّرِ عَلَيْهِمْ، وهو مِن آثارِ القُوَّةِ الوَهْمِيَّةِ الشَّيْطانِيَّةِ الَّتِي هي حاصِلَةٌ مِن رَذِيلَتَيِ القُوَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ الشَّهْوانِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ، وأصْلُ مَعْنى البَغْيِ الطَّلَبُ ثُمَّ اخْتُصَّ بِطَلَبِ التَّطاوُلِ بِالظُّلْمِ والعُدْوانِ، ومِن ثَمَّ فُسِّرَ بِما فُسِّرَ وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وتَخْصِيصُ كُلٍّ مِنَ المُتَعاطِفاتِ الثَّلاثَةِ المَنهِيِّ عَنْها بِالإشارَةِ إلى قُوَّةٍ مِنَ القُوى الثَّلاثَةِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: المُنْكَرُ أعَمُّ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ بِهِ ما يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ ويُقَبِّحُهُ مِنَ الأقْوالِ أوِ الأفْعالِ سَواءٌ عَظُمَ قُبْحُهُ ومَفْسَدَتُهُ أمْ لا وسَواءٌ كانَ مُتَعَدِّيًا إلى الغَيْرِ أمْ لا، وأنَّ المُرادَ بِالفَحْشاءِ ما عَظُمَ قُبْحُهُ مِن ذَلِكَ، ومِنهُ قِيلَ لِمَن عَظُمَ قُبْحُهُ في البُخْلِ فاحِشٌ، وعَلى ذَلِكَ حَمَلَ الرّاغِبُ قَوْلَ الشّاعِرِ: أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ والبَغْيُ التَّطاوُلُ بِالظُّلْمِ والعُدْوانِ فَفي الآيَةِ عَطْفُ العامِّ عَلى الخاصِّ وعَطْفُ الخاصِّ عَلى العامِّ، وقِيلَ: المُرادُ بِالفَحْشاءِ مُقابِلُ العَدْلِ ويُفَسَّرُ بِما خَرَجَ عَنْ سُنَنِ الِاعْتِدالِ إلى جانِبِ الإفْراطِ، وبِالمُنْكَرِ ما يُقابِلُ ما فِيهِ الإحْسانُ ويُفَسَّرُ بِما أتى بِهِ عَلى غَيْرِ الوَجْهِ اللّائِقِ بَلْ عَلى وجْهٍ يُنْكَرُ ويُسْتَقْبَحُ وبِالبَغْيِ ما يُقابِلُ إيتاءَ ذِي القُرْبى ويُفَسَّرُ بِما فُسِّرَ ويَكُونُ قَدْ قُوبِلَ في الآيَةِ الأمْرُ بِالنَّهْيِ وكُلٌّ مِنَ المَأْمُورِ بِهِ بِكُلٍّ مِنَ المَنهِيِّ عَنْهُ وجَمَعَ بَيْنَ الأمْرِ والنَّهْيِ مَعَ أنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ والنَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أمْرٌ بِضِدِّهِ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ والِاعْتِناءِ.

والإمامُ الرّازِيُّ قَدْ أطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ وذَكَرَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ بَيْنَ الثَّلاثَةِ المَأْمُورِ بِها ويَقْتَضِي أيْضًا المُغايَرَةَ بَيْنَ الثَّلاثَةِ المَنهِيِّ عَنْها وشَرَعَ في بَيانِ المُغايِرَةِ بَيْنَ الأوَّلِ ثُمَّ قالَ: والحاصِلُ أنَّ العَدْلَ عِبارَةٌ عَنِ القَدْرِ الواجِبِ مِنَ الخَيْراتِ والإحْسانَ عِبارَةٌ عَنِ الزِّيادَةِ في الطّاعاتِ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ وبِحَسَبِ الكَيْفِيَّةِ وبِحَسَبِ الدَّواعِي والصَّوارِفِ وبِحَسَبِ الِاسْتِغْراقِ في شُهُودِ مَقامِ العُبُودِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، ويَدْخُلُ في تَفْسِيرِهِ التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِهِ سُبْحانَهُ، ومِنَ الظّاهِرِ أنَّ الشَّفَقَةَ عَلى الخَلْقِ أقْسامٌ كَثِيرَةٌ أشْرَفُها وأجَلُّها صِلَةُ الرَّحِمِ لا جَرَمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ، ثُمَّ شَرَعَ في بَيانِ المُغايَرَةِ بَيْنَ الأخِيرَةِ وقالَ: تَفْصِيلُ القَوْلِ في ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى أوْدَعَ في النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ قُوىً أرْبَعَةً وهي الشَّهْوانِيَّةُ البَهِيمِيَّةُ والغَضَبِيَّةُ السَّبْعِيَّةُ والوَهْمِيَّةُ الشَّيْطانِيَّةُ والعَقْلِيَّةُ المَلَكِيَّةُ، وهَذِهِ الأخِيرَةُ لا يَحْتاجُ الإنْسانُ إلى تَهْذِيبِها لِأنَّها مِن جَوْهَرِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ونَتائِجِ الأرْواحِ القُدْسِيَّةِ العُلْوِيَّةِ وإنَّما المُحْتاجُ إلى التَّهْذِيبِ الثَّلاثَةُ قَبْلَها، ولَمّا كانَتِ الأُولى أعْنِي القُوَّةَ الشَّهْوانِيَّةَ إنَّما تَرْغَبُ في تَحْصِيلِ اللَّذّاتِ الشَّهْوانِيَّةِ وكانَ هَذا النَّوْعُ مَخْصُوصًا بِاسْمِ الفُحْشِ- ألا تَرى أنَّهُ تَعالى سَمّى الزِّنا فاحِشَةً- أشارَ إلى تَهْذِيبِها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ ﴾ المُرادُ مِنهُ المَنعُ مِن تَحْصِيلِ الذّاتِ الشَّهْوانِيَّةِ الخارِجَةِ عَنْ إذَنِ الشَّرِيعَةِ، ولَمّا كانَتِ الثّانِيَةُ أعْنِي القُوَّةَ الغَضَبِيَّةَ السَّبْعِيَّةَ تَسْعى أبَدًا في إيصالِ الشَّرِّ والبَلاءِ والإيذاءِ إلى سائِرِ النّاسِ أشارَ سُبْحانَهُ إلى تَهْذِيبِها بِنَهْيِهِ تَعالى عَنِ المُنْكَرِ إذْ لا شَكَّ أنَّ النّاسَ يُنْكِرُونَ تِلْكَ الحالَةَ فالمُنْكَرُ عِبارَةٌ عَنِ الإفْراطِ الحاصِلِ في آثارِ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ، ولَمّا كانَتِ الثّالِثَةُ أعْنِي القُوَّةَ الوَهْمِيَّةَ الشَّيْطانِيَّةَ تَسْعى أبَدًا في الِاسْتِعْلاءِ عَلى النّاسِ والتَّرَفُّعِ وإظْهارِ الرِّياسَةِ والتَّقَدُّمِ أشارَ سُبْحانَهُ إلى تَهْذِيبِها بِالنَّهْيِ عَنِ البَغْيِ إذْ لا مَعْنى لَهُ إلّا التَّطاوُلُ والتَّرَفُّعُ عَلى النّاسِ، ثُمَّ قالَ: ومِنَ العَجائِبِ في هَذا البابِ أنَّ العُقَلاءَ قالُوا: أخَسُّ هَذِهِ القُوى الثَّلاثِ الشَّهْوانِيَّةُ وأوْسَطُها الغَضَبِيَّةُ وأعْلاها الوَهْمِيَّةُ، واللَّهُ تَعالى راعى هَذا التَّرْتِيبَ فَبَدَأ سُبْحانَهُ بِذِكْرِ الفَحْشاءِ الَّتِي هي نَتِيجَةُ القُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ ثُمَّ بِالمُنْكَرِ الَّذِي هو نَتِيجَةُ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ ثُمَّ بِالبَغْيِ الَّذِي هي نَتِيجَةُ القُوَّةِ الوَهْمِيَّةِ اه.

وما تَقَدَّمَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مَأْخُوذٌ مِن هَذا، ولْيُنْظَرْ هَلْ يَثْبُتُ بِما قَرَّرَهُ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ فَيَنْدَفِعُ الِاعْتِراضُ السّابِقُ أمْ لا، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ عَلَيْهِ أنَّ عَطْفَ البَغْيِ عَلى ما قَبْلَهُ كَعَطْفِ (إيتاءِ ذِي القُرْبى) عَلى ما قَبْلَهُ.

وبِالجُمْلَةِ أنَّ الآيَةَ كَما أخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أجْمَعُ آيَةٍ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَ ذَلِكَ، وأخْرَجَ الباوَرْدِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: «بَلَغَ أكْتَمَ بْنَ صَيْفِيٍّ مَخْرَجُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأرادَ أنْ يَأْتِيَهُ فَأتى قَوْمَهُ فانْتُدِبَ رَجُلانِ فَأتَيا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالا: نَحْنُ رُسُلُ أكْتَمَ يَسْألُكَ مَن أنْتَ وما جِئْتَ بِهِ؟

فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ورَسُولُهُ ثُمَّ تَلا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ ﴾ إلَخْ قالُوا: رَدِّدْ عَلَيْنا هَذا القَوْلَ فَرَدَّدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ حَتّى حَفِظُوهُ فَأتَيا أكْتَمَ فَأخْبَراهُ فَلَمّا سَمِعَ الآيَةَ قالَ: إنِّي لَأُراهُ يَأْمُرُ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ ويَنْهى عَنْ مَذامِّها فَكُونُوا في هَذا الأمْرِ رَأْسًا ولا تَكُونُوا فِيهِ أذْنابًا».

وقَدْ صارَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا كَما أخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ والبُخارِيُّ في الأدَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ سَبَبَ اسْتِقْرارِ الإيمانِ في قَلْبِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ ومَحَبَّتِهِ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِجَمْعِها ما جَمَعَتْ أقامَها عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ حِينَ آلَتِ الخِلافَةُ إلَيْهِ مَقامَ ما كانَ بَنُو أُمَيَّةَ غَضِبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ يَجْعَلُونَهُ في أواخِرِ خُطَبِهِمْ مِن سَبِّ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ولَعَنَ كُلَّ مَن بَغَّضَهُ وسَبَّهُ وكانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ مَآثِرِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: لَوْ لَمْ يَكُنْ في القُرْآنِ غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لَكَفَتْ في كَوْنِهِ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى.

ولَعَلَّ إيرادَها عُقَيْبَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ فَإنَّها إذا نُظِرَ إلى أنَّها قَدْ جَمَعَتْ ما جَمَعَتْ مَعَ وجازَتْها اسْتَيْقَظَتْ عُيُونُ البَصائِرِ وتَحَرَّكَتْ لِلنَّظَرِ فِيما عَداها.

وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عُثْمانَ بْنِ أبِي العاصِ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالِسًا إذْ شَخَصَ بَصَرُهُ فَقالَ: أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأمَرَنِي أنْ أضَعَ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذا المَوْضِعِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ إلَخْ».

واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ صِيغَةَ أ م ر تَتَناوَلُ الواجِبَ والمَندُوبَ ومَوْضُوعُها القَدْرُ المُشْتَرَكُ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في الأُصُولِ.

﴿ يَعِظُكُمْ ﴾ أيْ يُنَبِّهُكم بِما يَأْمُرُ ويَنْهى سُبْحانَهُ أحْسَنَ تَنْبِيهٍ، وهو إمّا اسْتِئْنافٌ وإمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ ﴿ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ طَلَبًا لِأنْ تَتَّعِظُوا بِذَلِكَ وتَنْتَبِهُوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ أي: بتوحيد الله، وشهادة أن لا إله إلا الله، وَالْإِحْسانِ إلى الناس، والعفو عن الناس.

وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى أي: صلة الرحم وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ أي: عن الزنى ويقال: جميع المعاصي وَالْمُنْكَرِ يعني: ما لا يعرف في شريعة ولا في سنة.

ويقال: المنكر ما وعد الله عليه النار وَالْبَغْيِ يعني: الاستطالة والكبر.

فقد أمر بثلاثة أشياء، ونهى عن ثلاثة أشياء، وجمع في هذه الأشياء الستة علم الأولين والآخرين، وجميع الخصال المحمودة.

وروي عن عثمان بن مظعون أنه قال: ما أسلمت يوم أسلمت إلا حياءً من رسول الله  ، وذلك أنه كان يدعوني فيعرض عليَّ الإِسلام، فاستحييت منه فأسلمت، ولم يقر الإِسلام في قلبي، فمررت به ذات يوم وهو بفناء داره جالساً محتبياً فدعاني، فجلست إليه، فبينما هو يحدثني إذ رأيت بصره شخص إلى السماء حتى رأيت طرفه قد انقطع، ثم رأيته خفضه عن يمينه، ثم ولاَّني وركه ينفض رأسه كأنه يستفهم شيئاً يقال له: ثم دعا فرفع رأسه إلى السماء ثم خفضه حتى وضعه عن يساره، ثم أقبل عليَّ محمراً وجهه يفيض عرقاً، فقلت: يا رسول الله ما رأيتك صنعت هذا في طول ما كنت أجالسك فقال: «وَلَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ» ؟

قلت: نعم.

قال: «بَيْنَمَا أُحَدِّثُكَ إذْ رَفَعْتُ بَصَرِي إلى السَّمَاءِ، فَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ عَلَيَّ، فَلَمْ تَكُنْ لِي هِمَّةٌ غَيْرَهُ حَتَّى نَزَلَ عَنْ يَمِينِي فقال: يا محمد إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى إلى آخر الآية» .

قال عثمان: فوقر الإيمان في قلبي، فآمنت به وصدقته.

فأتيت أبا طالب فأخبرته بما نزل على رسول الله  فقال: يا معشر قريش، اتبعوا ابن أخي ترشدوا وتفلحوا، ولئن كان محمد صادقاً أو كاذباً، ما يأمركم إلاَّ بمكارم الأخلاق.

فلما رأى النبيّ  من عمه اللين قال: «يا عَمَّاهُ أَتَأْمُرُ النَّاسَ أَنْ يَتَّبِعُونِي وَتَدَعُ نَفْسَكَ» ؟

وجهد عليه، فأبى أن يسلم (١) قال الفقيه أبو الليث: حدثنا أبو منصور عبد الله الفرائضي بسمرقند بإسناده عن عكرمة، أن النبي  قرأ على الوليد بن المغيرة إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ إلى آخر الآية.

فقال له: يا ابن أخي أعد عليَّ، فأعاد عليه، فقال: «والله يا ابن أخي إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هذا بقول البشر» .

وقال قتادة في قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الآية.

قال: ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يستحسنونه بينهم إلا أمر الله به، وليس من خلق سيّئ يتعايرونه بينهم إلاَّ نهى الله عنه.

ثم قال تعالى: يَعِظُكُمْ أي: يأمركم وينهاكم عن هذه الأَشياء التي ذكرها الله في الآية لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي: تتعظون.

(١) عزاه السيوطي: 5/ 159 إلى أحمد والبخاري في الأدب وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ أي: إِذا رأَوْهم بأبصارِهِمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا ...

الآية، كأنهم أرادوا بهذه المقالة تذنيبَ المَعْبُودين، وقوله سبحانه: فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ ...

الآية: الضمير في فَأَلْقَوْا للمعبودينَ أنطقهم اللَّه بتكذيب المُشْركين، وقد قال سبحانه في آية أخرى: فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ [يونس: ٢٨] الآية، انظر تفسيرها في سورة يونس وغيرها.

وقوله: وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ الضمير في أَلْقَوْا هنا عائد على «المشركين» ، والسَّلَمَ الاستسلام.

وقوله تعالى: زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ ...

الآية: رُوِيَ في ذلك عن ابن مسعود، أنَّ اللَّه سبحانَهُ يسلِّط عليهم عَقَارِبَ وحَيَّاتٍ، لها أنيابٌ، كالنَّخْلِ الطِّوال «١» ، وقال عَبْيدُ بنُ عُمَيْرٍ: حَيَّات لها أنيابٌ كالنخْلِ «٢» ونحو/ هذا، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن لجهنَّمَ سواحِلَ، فيها هذه الحياتُ وهذه العقاربُ، فيفر الكافرون إلى السَّواحلِ، فتلقاهم هذه الحيَّاتُ والعقاربُ فيفرُّونَ منها إِلى النار، فتَتْبَعهم حَتَّى تجد حَرَّ النار، فتَرْجِع «٣» .

قال: وهي في أسراب.

وقوله سبحانه: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً يعني: رسولَها، ويجوز أن يبعَثَ اللَّه شهوداً من الصَّالحين مع الرسُلِ، وقد قال بعضُ الصحابة: إِذا رأَيْتُ أحداً على معصية،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الحَقُّ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اسْتِواءُ السَّرِيرَةِ والعَلانِيَةِ في العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

والرّابِعُ: أنَّهُ القَضاءُ بِالحَقِّ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ: العَدْلُ في كَلامِ العَرَبِ: الإنْصافُ، وأعْظَمُ الإنْصافِ: الِاعْتِرافُ لِلْمُنْعِمِ بِنِعْمَتِهِ.

وَفِي المُرادِ بِالإحْسانِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أداءُ الفَرائِضِ، رَواهُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: العَفْوُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: الإخْلاصُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: أنْ تَكُونَ السَّرِيرَةُ أحْسَنَ مِنَ العَلانِيَةِ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإيتاءِ ذِي القُرْبى ﴾ فالمُرادُ بِهِ: صِلَةُ الأرْحامِ.

وفي الفَحْشاءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الزِّنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: المَعاصِي، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي " المُنْكَرِ " أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الشِّرْكُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ ما لا يُعْرَفُ في شَرِيعَةٍ ولا سُنَّةٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما وعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ النّارَ، ذَكَرَهُما ابْنُ السّائِبِ.

والرّابِعُ: أنْ تَكُونَ عَلانِيَةُ الإنْسانِ أحْسَنَ مِن سَرِيرَتِهِ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

فَأمّا " البَغْيُ " فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الظُّلْمُ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ في مَواضِعَ [البَقَرَةِ:١٧٣، والأعْرافِ:٣٣، ويُونُسَ:٢٣،٩٠] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعِظُكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُؤَدِّبُكم، وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الوَعْظِ في (سُورَةِ النِّساءِ:٥٨) .

و " تَذَكَّرُونَ " بِمَعْنى: " تَتَّعِظُونَ " قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ الآيَةُ أجْمَعُ آيَةٍ في القُرْآنِ لِخَيْرٍ أوْ لِشَرٍّ.

وقالَ الحَسَنُ: واللَّهِ ما تَرَكَ العَدْلُ والإحْسانُ شَيْئًا مِن طاعَةِ [اللَّهِ] إلّا جَمَعاهُ، ولا تَرَكَتِ الفَحْشاءُ والمُنْكَرُ والبَغْيُ شَيْئًا مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا جَمَعُوهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في حِلْفِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ  .

قالَ المُفَسِّرُونَ: العَهْدُ الَّذِي يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، هو الَّذِي يَحْسُنُ فِعْلُهُ، فَإذا عاهَدَ العَبْدُ عَلَيْهِ، وجَبَ الوَفاءُ بِهِ، والوَعْدُ مِنَ العَهْدِ ﴿ وَلا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها ﴾ أيْ: بَعْدَ تَغْلِيظِها وتَشْدِيدِها بِالعَزْمِ والعَقْدِ عَلى اليَمِينِ، بِخِلاف لَغْوِ اليَمِينِ، ووَكَّدْتُ الشَّيْءَ تَوْكِيدًا، لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ.

فَأمّا أهْلُ نَجْدٍ، فَيَقُولُونَ: أكَّدْتُهُ تَأْكِيدًا.

وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: وكَّدْتُ الأمْرَ، وأكَّدْتُ لُغَتانِ جَيِّدَتانِ، والأصْلُ الواوُ، والهَمْزَةُ بَدَلٌ مِنها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلا ﴾ أيْ: بِالوَفاءِ، وذَلِكَ أنَّ مَن حَلَفَ بِاللَّهِ، فَكَأنَّهُ أكْفَلَ اللَّهَ بِالوَفاءِ بِما حَلَفَ عَلَيْهِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى " كَفِيلًا " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: شَهِيدًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: وكِيلًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: حَفِيظًا مُراعِيًا لِعَقْدِكم، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: هَذا فِعْلُ نِساءِ أهْلِ نَجْدٍ، تَنْقُضُ إحْداهُنَّ حَبْلَها، ثُمَّ تَنْفُشُهُ، ثُمَّ تَخْلِطُهُ بِالصُّوفِ فَتَغْزِلُهُ.

وقالَ مُقاتِلٌ: هي امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ تُسَمّى " رَيْطَةَ " بِنْتَ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ، كانَتْ إذا غَزَلَتْ، نَقَضَتْهُ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: اسْمُها " رائِطَةُ " وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اسْمُها " رَيْطَةُ " بِنْتُ عَمْرٍو المَرِّيَّةُ، ولَقَبُها الجَعْراءُ، وهي مِن أهْلِ مَكَّةَ، وكانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ المُخاطَبِينَ، فَعَرَفُوها بِوَصْفِها، ولَمْ يَكُنْ لَها نَظِيرٌ في فِعْلِها ذَلِكَ، كانَتْ مُتَناهِيَةَ الحُمْقَ، تَغْزِلُ الغَزْلَ مِنَ القُطْنِ أوِ الصُّوفِ فَتُحْكِمُهُ، ثُمَّ تَأْمُرُ جارِيَتها بِتَقْطِيعِهِ.

وقالَ بَعْضُهم: كانَتْ تَغْزِلُ هي وجَوارِيها، ثُمَّ تَأْمُرُهُنَّ أنْ يَنْقُضْنَ ما غَزَلْنَ، فَضَرْبَها اللَّهُ مَثَلًا لِناقِضِي العَهْدِ.

و " نَقَضَتْ " بِمَعْنى: تَنْقُضُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ  ﴾ بِمَعْنى: ويُنادِي.

وَفِي المُرادِ بِالغَزْلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الغَزْلُ المَعْرُوفُ، سَواءٌ كانَ مِن قُطْنٍ أوْ صُوفٍ أوْ شَعَرٍ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ الحَبْلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ﴾ قالَ قَتادَةُ: مِن بَعْدِ إبْرامٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ أنْكاثًا ﴾ أيْ: أنْقاضًا.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأنْكاثُ: ما نُقِضَ مِن غَزْلِ الشَّعْرِ وغَيْرِهِ.

وواحِدُها نِكْثٌ.

يَقُولُ: لا تُؤَكِّدُوا عَلى أنْفُسِكُمُ الأيْمانَ والعُهُودَ، ثُمَّ تَنْقُضُوا ذَلِكَ وتَحْنَثُوا فِيهِ، فَتَكُونُوا كامْرَأةٍ غَزَلَتْ ونَسَجَتْ، ثُمَّ نَقَضَتْ ذَلِكَ النَّسْجَ، فَجَعَلَتْهُ أنْكاثًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكُمْ ﴾ أيْ: دَغَلًا، ومَكْرًا، وخَدِيعَةً، وكُلُّ شَيْءٍ دَخَلَهُ عَيْبٌ، فَهو مَدْخُولٌ، وفِيهِ دَخَلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِأنْ تَكُونَ أُمَّةٌ، ﴿ هِيَ أرْبى ﴾ أيْ: هي أغْنى ﴿ مِن أُمَّةٍ ﴾ .

وقالَ [الزَّجّاجُ]: المَعْنى: بِأنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أكْثَرُ، يُقالُ: رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو: إذا كَثُرَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونَ: " أرْبى ": أزْيَدُ عَدَدًا.

قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يُحالِفُونَ الحُلَفاءَ فَيَجِدُونَ أكْثَرَ مِنهم وأعَزَّ، فَيَنْقُضُونَ حَلِفَ هَؤُلاءِ ويُحالِفُونَ أُولَئِكَ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.

وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: لا تَغْدِرُوا بِقَوْمٍ لِقِلَّتِهِمْ وكَثْرَتِكم، أوْ قِلَّتِكم وكَثْرَتِهِمْ وقَدْ غَرَّرْتُمُوهم بِالأيْمانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكَثْرَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّما يَخْتَبِرُكُمُ اللَّهُ بِالكَثْرَةِ، فَإذا كانَ بَيْنَ قَوْمَيْنِ عَهْدٌ، فَكَثُرَ أحَدُهُما، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَفْسَخَ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ الأقَلِّ.

فَإنْ قِيلَ: إذا كَنّى عَنِ الكَثْرَةِ، فَهَلّا قِيلَ بِها ؟

فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، بِأنَّ الكَثْرَةَ لَيْسَ تَأْنِيثُها حَقِيقِيًّا، فَحُمِلَتْ عَلى مَعْنى التَّذْكِيرِ، كَما حُمِلَتِ الصَّيْحَةُ عَلى مَعْنى الصِّياحِ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى العَهْدِ، فَإنَّهُ لِدَلالَةِ الأيْمانِ عَلَيْهِ، يَجْرِي مَجْرى المُظْهَرِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الأمْرِ بِالوَفاءِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في آخِرِ (هُودٍ:١١٨) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ﴾ صَرِيحٌ في تَكْذِيبِ القَدَرِيَّةِ، حَيْثُ أضافَ الإضْلالَ والهِدايَةَ إلَيْهِ، وعَلَّقَهُما بِمَشِيئَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَأوفُوا بِعَهْدِ اللهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللهِ عَلَيْكم كَفِيلا إنَّ اللهِ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ﴾ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أجْمَعُ آيَةً في كِتابِ اللهِ آيَةٌ في سُورَةِ النَحْلِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، ورُوِيَ عن عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَرَأتْها عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَتَعَجَّبَ وقالَ: "يا آلَ غالِبٍ اتَّبِعُوهُ تُفْلِحُوا، فَواللهِ إنَّ اللهَ أرْسَلَهُ إلَيْكم لِيَأْمُرَ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ"، وحَكى النَقّاشُ قالَ: كانَ يُقالُ: "زَكاةُ العَدْلِ الإحْسانُ، وزَكاةُ القُدْرَةِ العَفْوُ، وزَكاةُ الغِنى المَعْرُوفُ، وزَكاةُ الجاهِ كُتُبُ الرَجُلِ إلى إخْوانِهِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: العَدْلُ هو فِعْلُ كُلِّ مَفْرُوضٍ مِن عَقائِدَ وشَرائِعَ، وسَيْرٌ مَعَ الناسِ في أداءِ الأماناتِ، وتَرْكُ الظُلْمِ، والإنْصافُ وإعْطاءُ الحَقِّ، والإحْسانُ هو فِعْلُ كُلِّ مَندُوبٍ إلَيْهِ، فَمِنَ الأشْياءِ ما هو كُلُّهُ مَندُوبٌ إلَيْهِ، ومِنها ما فُرِضَ، إلّا أنَّ حَدَّ الإجْزاءِ مِنهُ داخِلٌ في العَدْلِ، والتَكْمِيلُ الزائِدُ عَلى حَدِّ الإجْزاءِ داخِلٌ في الإحْسانِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيما حَكى الطَبَرِيُّ: العَدْلُ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، والإحْسانُ: أداءُ الفَرائِضِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا القِسْمِ الأخِيرِ نَظَرٌ؛ لَأنَّ أداءَ الفَرائِضِ هي الإسْلامُ حَسْبَ ما فَسَّرَهُ رَسُولُ اللهِ  في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ هو العَدْلُ، وإنَّما الإحْسانُ: التَكْمِيلاتُ والمَندُوبُ إلَيْهِ حَسْبَ ما يَقْتَضِيهِ تَفْسِيرُ النَبِيِّ  لِسُؤالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: « "أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ"،» فَإنْ صَحَّ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَإنَّما أرادَ أداءَ الفَرائِضِ مُكَمَّلَةً.

﴿ وَإيتاءِ ذِي القُرْبى ﴾ لَفْظَةٌ تَقْتَضِي صِلَةَ الرَحِمِ، وتَعُمُّ جَمِيعَ إسْداءِ الخَيْرِ إلى القَرابَةِ.

وتَرَكُهُ مُبْهَمًا أبْلَغُ؛ لَأنَّ كُلَّ مَن وصَلَ في ذَلِكَ إلى غايَةٍ -وَإنْ عَلَتْ- يَرى أنَّهُ مُقَصِّرٌ، وهَذا المَعْنى المَأْمُورُ بِهِ في جانِبِ ذِي القُرْبى داخِلٌ تَحْتِ العَدْلِ والإحْسانِ، لَكِنَّهُ تَعالى خَصَّهُ بِالذِكْرِ اهْتِمامًا بِهِ وحَتْمًا عَلَيْهِ.

و"الفَحْشاءِ": الزِنى -قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - وغَيْرُهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي شُنْعَتُها ظاهِرَةٌ، وفاعِلُها أبَدًا مُتَسَتِّرٌ بِها، وكَأنَّهم خَصُّوها بِمَعانِي الفُرُوجِ و"المُنْكَرِ" أعَمُّ مِنهُ؛ لَأنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ المَعاصِي والرَذائِلِ والإذاياتِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها، و"البَغْيِ" هو إنْشاءُ ظُلْمِ الإنْسانِ والسِعايَةِ فِيهِ، وهو داخِلٌ تَحْتِ المُنْكَرِ، لَكِنَّهُ تَعالى خُصُّهُ بِالذِكْرِ اهْتِمامًا بِهِ لِشِدَّةِ ضَرَرِهِ بِالناسِ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لا ذَنْبَ أسْرَعُ عُقُوبَةً مِن بَغْيٍ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "الباغِي مَصْرُوعٌ"،» وقَدْ وعَدَ اللهُ مِن بُغِيَ عَلَيْهِ بِالنَصْرِ، وفي بَعْضِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ: « "لَوْ بَغى جَبَلٌ عَلى جَبَلٍ لَجَعَلَ اللهُ الباغِيَ مِنهُما دَكًّا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَغْيِيرُ المُنْكِرِ فَرْضٌ عَلى الوُلاةِ، إلّا أنَّ المُغَيِّرَ لا يَعِنُّ لِمَسْتُورٍ، ولا يَعْمَلُ ظَنًّا، ولا يَتَجَسَّسُ، ولا يُغَيِّرُ إلّا ما بَدَتْ صَفْحَتُهُ، ويَكُونُ أمْرُهُ ونَهْيُهُ بِمَعْرُوفٍ، وهَذا كُلُّهُ لِغَيْرِ الوُلاةِ ألْزَمُ، وفَرْضٌ عَلى المُسْلِمِينَ عامَّةً، ما لَمْ يَخَفِ المُغَيِّرُ إذايَةً أو ذُلًّا، ولا يُغَيِّرُ المُؤْمِنُ بِيَدِهِ ما وجَدَ سُلْطانًا، فَإنَّ عَدِمَهُ غَيَّرَ بِيَدِهِ، إلّا أنَّهُ لا يَصِلُ إلى نَصْبِ القِتالِ والمُداراةِ وإعْمالِ السِلاحِ إلّا مَعَ الرِياسَةِ والإمامِ المُتَّبَعِ، ويَنْبَغِي لِلنّاسِ أنْ يُغَيِّرَ المُنْكِرَ مِنهم كُلُّ أحَدٍ مِنهُمْ، تَقِيٌّ وغَيْرُ تَقِيٍّ، ولَوْ لَمْ يُغَيِّرْ إلّا تَقِيٍّ لَمْ يَتَغَيَّرْ مُنْكِرٌ في الأغْلَبِ، وقَدْ ذَمَّ اللهُ تَعالى قَوْمًا بِأنَّهم لَمْ يَتَناهَوْا عنهُ، وكُلُّ مُنْكَرٍ فِيهِ مُدْخَلٌ لِلنَّظَرِ فَلا مَدْخَلَ لِغَيْرِ حَمَلَةِ العِلْمِ فِيهِ، فَهَذِهِ نُبْذَةٌ مِنَ القَوْلِ في تَغْيِيرِ المُنْكِرِ تَضَمَّنَتْ ثَمانِيَةَ شُرُوطٍ، ورُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِنَ الصَحابَةِ رَفَعَتْ عَلى عامِلِها إلى أبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ، فَحاجَّها العامِلُ وغَلَبَها بِأنَّهم لَمْ يُثْبِتُوا عَلَيْهِ كَبِيرَ ظُلْمٍ ولا جَوْرَهُ في شَيْءٍ.

فَقامَ فَتًى مِنَ القَوْمِ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّ اللهَ أمَرَ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، وإنَّهُ عَدَلَ ولَمْ يُحْسِنْ، قالَ: فَعَجِبَ أبُو جَعْفَرٍ مِن إصابَتِهِ وعَزَلَ العامِلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوفُوا بِعَهْدِ اللهِ إذا عاهَدْتُمْ ﴾ الآيَةُ.

يَتَضَمَّنُ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ ﴾ الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها: "افْعَلُوا كَذا وانْتَهُوا عن كَذا"، فَعَطَفَ عَلى ذَلِكَ التَقْدِيرِ قَوْلَهُ: "وَأوفُوا"، و"عَهْدُ اللهِ" لَفْظٌ لِجَمِيعِ ما يُعْقَدُ بِاللِسانِ ويَلْزَمُهُ الإنْسانُ، مِن بَيْعٍ أو صِلَةٍ أو مُواثَقَةٍ في أمْرٍ مُوافِقٍ لِلدِّيانَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها ﴾ خَصَّ في هَذِهِ الآيَةِ الألْفاظَ المَعْهُودَةَ الَّتِي يُقْرَنُ بِها أيْمانٌ تَهَمُّمًا بِها وتَنْبِيهًا عَلَيْها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ فِيما كانَ الثُبُوتُ فِيهِ عَلى اليَمِينِ طاعَةً لِلَّهِ تَعالى وما كانَ الِانْصِرافُ عنهُ أصْوَبَ في الحَقِّ فَهو الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولَ اللهِ  : « "مِن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيُكَفِّرْ عن يَمِينِهِ ولْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ"،» ويُقالُ: تَوْكِيدٌ وتَأْكِيدٌ، ووَكَّدَ وَأكَّدَ، وهُما لُغَتانِ، وقالَ الزَجّاجُ: الهَمْزَةُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَيْرُ بَيِّنٍ؛ لَأنَّهُ لَيْسَ في وُجُودِ تَصْرِيفِهِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.

و"كَفِيلًا" مَعْناهُ: مُتَكَفِّلًا بِوَفائِكُمْ، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ في ضِمْنِ خَبَرٍ بِعِلْمِ اللهِ تَعالى بِأفْعالِ عِبادِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الَّذِينَ بايَعُوا رَسُولَ اللهِ  عَلى الإسْلامِ، رَواهُ أبُو لَيْلى عن بِرَيْدَةَ، وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ فِيما كانَ مِن تَحالُفِ الجاهِلِيَّةِ في أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أو نَهْيٍ عن مُنْكَرٍ، فَزادَها الإسْلامُ شِدَّةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَما قالَ  : « "لا حِلْفَ في الإسْلامِ وما كانَ مِن حِلْفٍ في الجاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً"،» وهَذا حَدِيثُ مَعْنى، وإنَّ كانَ السَبَبُ بَعْضَ هَذا الأشْياءِ فَألْفاظُ الآيَةِ عامَّةٌ عَلى جِهَةِ مُخاطَبَةِ العالَمِينَ أجْمَعِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما جاء أن هذا القرآن تبيان لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين حسن التخلّص إلى تبيان أصول الهدى في التشريع للدين الإسلامي العائدة إلى الأمر والنهي، إذ الشريعة كلها أمر ونهي، والتّقوى منحصرة في الامتثال والاجتناب، فهذه الآية استئناف لبيان كون الكتاب تبياناً لكل شيء، فهي جامعة أصول التّشريع.

وافتتاح الجملة بحرف التوكيد للاهتام بشأن ما حوته.

وتصديرُهما باسم الجلالة للتّشريف، وذكر ﴿ يأمر ﴾ ﴿ وينهى ﴾ دون أن يقال: اعدلوا واجتنبوا الفحشاء، للتّشويق.

ونظيره ما في الحديث " إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً " الحديث.

والعدل: إعطاء الحقّ إلى صاحبه.

وهو الأصل الجامع للحقوق الراجعة إلى الضروري والحاجي من الحقوق الذاتية وحقوق المُعاملات، إذ المسلم مأمور بالعدل في ذاته، قال تعالى: ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ [سورة البقرة: 191]، ومأمور بالعدل في المعاملة، وهي معاملة مع خالقه بالاعتراف له بصفاته وبأداء حقوقه؛ ومعاملة مع المخلوقات من أصول المعاشرة العائلية والمخالطة الاجتماعية وذلك في الأقوال والأفعال، قال تعالى: ﴿ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ﴾ [سورة الأنعام: 152]، وقال تعالى: ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ وقد تقدم في سورة النساء (58).

ومن هذا تفرّعت شعب نظام المعاملات الاجتماعية من آداب، وحقوق وأقضية، وشهادات، ومعاملة مع الأمم، قال تعالى: ﴿ ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾ [سورة المائدة: 8].

ومرجع تفاصيل العدل إلى أدلّة الشريعة.

فالعدل هنا كلمة مُجملة جامعة فهي بإجمالها مناسبة إلى أحوال المسلمين حين كانوا بمكّة، فيصار فيها إلى ما هو مقرّر بين الناس في أصول الشرائع وإلى ما رسمته الشريعة من البيان في مواضع الخفاء، فحقوق المسلمين بعضهم على بعض من الأخوّة والتناصح قد أصبحت من العدل بوضع الشريعة الإسلامية.

وأما الإحسان فهو معاملة بالحسنى ممن لا يلزمه إلى من هو أهلها.

والحسَن: ما كان محبوباً عند المعامَل به ولم يكن لازماً لفاعله، وأعلاه ما كان في جانب الله تعالى مما فسّره النبي بقوله: الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

ودون ذلك التقرّب إلى الله بالنوافل.

ثم الإحسان في المعاملة فيما زاد على العدل الواجب، وهو يدخل في جميع الأقوال والأفعال ومع سائر الأصناف إلا ما حُرم الإحسانَ بحكم الشرع.

ومن أدْنى مراتب الإحسان ما في حديث الموطأ: «أن امرأة بَغِيّا رأت كلباً يلهث من العطش يأكل الثّرى فنزعت خُفَّها وأدْلَتْه في بئر ونزعت فسقته فغفر الله لها».

وفي الحديث " إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِبْحة ".

ومن الإحسان أن يجازي المحسَنُ إليه المحسِن على إحسانه إذ ليس الجزاء بواجب.

فإلى حقيقة الإحسان ترجع أصول وفروع آداب المعاشرة كلها في العائلة والصحبة.

والعفوُ عن الحقوق الواجبة من الإحسان لقوله تعالى: ﴿ والعافيّن عن الناس والله يحبّ المحسنين ﴾ [سورة آل عمران: 134].

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ في سورة الأنعام (151).

وخَصّ الله بالذّكر من جنس أنواع العدل والإحسان نوعاً مُهمّاً يكثر أن يغفل الناس عنه ويتهاونوا بحقّه أو بفضله، وهو إيتاء ذي القربى فقد تقرّر في نفوس الناس الاعتناء باجتلاب الأبعدِ واتّقاء شرّه، كما تقرّر في نفوسهم الغفلة عن القريب والاطمئنان من جانبه وتعوّد التساهل في حقوقه.

ولأجل ذلك كثر أن يأخذوا أموال الأيتام من مواليهم، قال تعالى: ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ [سورة النساء: 2]، وقال: ﴿ وآت ذا القربى حقّه ﴾ [سورة الإسراء: 26]، وقال: ﴿ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء ﴾ [سورة النساء: 127] الآية.

ولأجل ذلك صرفوا معظم إحسانهم إلى الأبْعدين لاجتلاب المحمدة وحسن الذّكر بين الناس.

ولم يزل هذا الخلق متفشّياً في الناس حتى في الإسلام إلى الآن ولا يكترثون بالأقربين.

وقد كانوا في الجاهلية يقصدون بوصايا أموالهم أصحابهم من وجوه القوم، ولذلك قال تعالى: ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين ﴾ [سورة البقرة: 180].

فخصّ الله بالذكر من بين جنس العدل وجنس الإحسان إيتاء المال إلى ذي القربى تنبيهاً للمؤمنين يومئذٍ بأن القريب أحقّ بالإنصاف من غيره.

وأحقّ بالإحسان من غيره لأنه محل الغفلة ولأن مصلحته أجدى من مصلحة أنواع كثيرة.

وهذا راجع إلى تقويم نظام العائلة والقبيلة تهيئةً بنفوس الناس إلى أحكام المواريث التي شرعت فيما بعد.

وعطف الخاص على العام اهتماماً به كثير في الكلام، فإيتاء ذي القربى ذو حكمين: وجوب لبعضه، وفضيلة لبعضه، وذلك قبل فرض الوصية، ثم فرض المواريث.

وذو القربى: هو صاحب القرابة، أي من المؤتي.

وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ﴾ في سورة الأنعام (152).

والإيتاء الإعطاء.

والمراد إعطاء المال، قال تعالى: ﴿ قال أتمدّونني بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم ﴾ [سورة النمل: 76]، وقال: ﴿ وآتى المال على حبّه ﴾ [سورة البقرة: 177].

ونهى الله عن الفحشاء والمنكر والبغي وهي أصول المفاسد.

فأما الفحشاء: فاسم جامع لكل عمل أو قول تستفظعه النفوس لفساده من الآثام التي تفسد نفس المرء: من اعتقاد باطل أو عمل مفسد للخلق، والتي تضرّ بأفراد الناس بحيث تلقي فيهم الفساد من قتل أو سرقة أو قذف أو غصب مال، أو تضرّ بحال المجتمع وتدخل عليه الاضطراب من حرابة أو زنا أو تقامر أو شرب خمر.

فدخل في الفحشاء كل ما يوجب اختلال المناسب الضروري، وقد سمّاها الله الفواحش.

وتقدم ذكر الفحشاء عند قوله تعالى: ﴿ إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ﴾ في سورة البقرة (169)، وقوله: ﴿ قل إنما حرّم ربّي الفواحش ﴾ في سورة الأعراف (33) وهي مكية.

وأما المنكر فهو ما تستنكره النفوس المعتدلة وتكرهه الشريعة من فعل أو قول، قال تعالى: ﴿ وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً ﴾ [سورة المجادلة: 2]، وقال: ﴿ وتأتون في ناديكم المنكر ﴾ [سورة العنكبوت: 29].

والاستنكار مراتب، منها مرتبة الحرام، ومنها مرتبة المكروه فإنه منهيّ عنه.

وشمل المنكر كل ما يفضي إلى الإخلال بالمناسب الحاجي، وكذلك ما يعطّل المناسب التحسيني بدون ما يفضي منه إلى ضرّ.

وخصّ الله بالذّكر نوعاً من الفحشاء والمنكر، وهو البغي اهتماماً بالنّهي عنه وسدّاً لذريعة وقوعه، لأن النفوس تنساق إليه بدافع الغضب وتغفل عما يشمله من النهي من عموم الفحشاء بسبب فُشُوّه بين الناس؛ وذلك أن العرب كانوا أهل بأس وشجاعة وإباء، فكانوا يكثر فيهم البغي على الغير إذا لقي المُعجَب بنفسه من أحد شيئاً يكرهه أو معاملةً يعُدّها هضيمة وتقصيراً في تعظيمه.

وبذلك كان يختلط على مُريد البغي حُسْنُ الذبّ عما يسمّيه الشرف وقُبْحُ مجاوزة حدّ الجزاء.

فالبغيُ هو الاعتداء في المعاملة، إما بدون مقابلة ذنب كالغارة التي كانت وسيلة كسب في الجاهلية، وإما بمجاوزة الحدّ في مقابلة الذنب كالإفراط في المؤاخذة، ولذا قال تعالى: ﴿ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتّقوا الله ﴾ [سورة البقرة: 194].

وقال: ﴿ ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بُغِيَ عليه لينصرنّه الله ﴾ [سورة الحج: 60].

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ والإثم والبغي بغير الحقّ ﴾ في سورة الأعراف (33).

فهذه الآية جمعت أصول الشريعة في الأمر بثلاثة، والنهي عن ثلاثة، بل في الأمر بشيئين وتكملة، والنّهي عن شيئين وتكملة.

روى أحمد بن حنبل: أن هذه كانت السبب في تمكّن الإيمان من عثمان بن مظعون، فإنها لما نزلت كان عثمان بن مظعون بجانب رسول الله وكان حديثَ الإسلام، وكان إسلامه حياءً من النبي وقرأها النبي عليه.

قال عثمان: فذلك حين استقرّ الإيمان في قلبي.

وعن عثمان بن أبي العاص: كنت عند رسول الله جالساً إذ شخص بصره، فقال: أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ الآية اه.

وهذا يقتضي أن هذه الآية لم تنزل متّصلة بالآيات التي قبلها فكان وضعها في هذا الموضع صَالحاً لأن يكون بياناً لآية ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ﴾ [سورة النحل: 89] الخ، ولأن تكون مقدّمة لما بعدها ﴿ وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ﴾ [سورة النحل: 91] الآية.

وعن ابن مسعود: أن هذه الآية أجمع آية في القرآن.

وعن قتادة: ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به في هذه الآية، وليس من خلق كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدح فيه، وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامّها.

وروى ابن ماجه عن عليّ قال: أمر الله نبيئه أن يعرض نفسه على قبائل العرب، فخرج، فوقف على مجلس قوم من شيبان بن ثعلبة في الموسم.

فدعاهم إلى الإسلام وأن ينصروه، فقال مفروق بن عمرو منهم: إلاَم تدعونا أخا قريش، فتلا عليهم رسول الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان} الآية.

فقال: دعوتَ والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ولقد أفك قوم كذّبوك وظاهروا عليك.

وقد روي أن الفقرات الشهيرة التي شهد بها الوليد بن المغيرة للقرآن من قوله: «إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بكلام بشر» قالها عند سماع هذه الآية.

وقد اهتدى الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى ما جمعته هذه الآية من معاني الخير فلما استخلف سنة 99 كتب يأمر الخطباء بتلاوة هذه الآية في الخطبة يوم الجمعة وتُجعل تلاوتها عوضاً عما كانوا يأتونه في خطبة الجمعة من كلمات سبّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.

وفي تلاوة هذه الآية عوضاً عن ذلك السبّ دقيقةُ أنها تقتضي النّهي عن ذلك السبّ إذ هو من الفحشاء والمنكر والبغي.

ولم أقف على تعيين الوقت التي ابتدع فيه هذا السبّ ولكنه لم يكن في خلافة معاوية رضي الله عنه.

وفي «السيرة الحلبية» أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام ألّف كتاباً سماه «الشجرة» بيّن فيه أن هذه الآية اشتملت على جميع الأحكام الشرعية في سائر الأبواب الفقهية وسمّاه السبكي في الطبقات «شجرة المعارف».

وجملة ﴿ يعظكم ﴾ في موضع الحال من اسم الجلالة.

والوعظ: كلام يقصد منه إبعاد المخاطب به عن الفساد وتحريضه على الصلاح.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فأعرض عنهم وعظهم ﴾ في سورة النساء (63).

والخطاب للمسلمين لأن الموعظة من شأن من هو محتاج للكمال النفساني، ولذلك قارنها بالرجاء بلعلكم تذَّكرون}.

والتذكر: مراجعة المنسيّ المغفول عنه، أي رجاء أن تتذكروا، أي تتذكروا بهذه الموعظة ما اشتملت عليه فإنها جامعة باقية في نفوسكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ ﴾ الآيَةِ.

في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ العَدْلَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والإحْسانُ: الصَّبْرُ عَلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ وطاعَةُ اللَّهِ في سِرِّهِ وجَهْرِهِ ﴿ وَإيتاءِ ذِي القُرْبى ﴾ صِلَةُ الرَّحِمِ، ﴿ وَيَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ ﴾ يَعْنِي الزِّنا، ﴿ والمُنْكَرِ ﴾ القَبائِحُ.

﴿ والبَغْيِ ﴾ الكِبْرُ والظُّلْمُ حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.

الثّانِي: أنَّ العَدْلَ: القَضاءُ بِالحَقِّ، والإحْسانَ: التَّفَضُّلُ بِالإنْعامِ، وإيتاءُ ذِي القُرْبى: ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ النَّفَقاتِ.

وَيَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ ما يُسْتَسَرُّ بِفِعْلِهِ مِنَ القَبائِحِ.

والمُنْكَرُ: ما يُتَظاهَرُ بِهِ مِنها فَيُنْكَرُ.

والبَغْيُ: ما يُتَطاوَلُ بِهِ مِن ظُلْمٍ وغَيْرِهِ، وهَذا مَعْنى ما ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: أنَّ العَدْلَ ها هُنا اسْتِواءُ السَّرِيرَةِ والعَلانِيَةِ في العَمَلِ لِلَّهِ.

والإحْسانَ أنْ تَكُونَ سَرِيرَتُهُ أحْسَنَ مِن عَلانِيَتِهِ.

والفَحْشاءَ والمُنْكَرَ: أنْ تَكُونَ عَلانِيَتُهُ أحْسَنَ مِن سَرِيرَتِهِ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

فَأمَرَ بِثَلاثٍ ونَهى عَنْ ثَلاثٍ.

﴿ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَتَذَكَّرُونَ ما أمَرَكم بِهِ وما نَهاكم عَنْهُ.

الثّانِي: تَتَذَكَّرُونَ ما أعَدَّهُ مِن ثَوابِ طاعَتِهِ وعِقابِ مَعْصِيَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويوم نبعث من كل شهيداً ﴾ قال: شهيدها نبيها على أنه قد بلغ رسالات ربه.

قال الله: ﴿ وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ﴾ قال: ذكر لنا أن نبي الله- صلى الله عليه وسلم- كان إذا قرأ هذه الآية، فاضت عيناه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن العالية في قوله: ﴿ وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون ﴾ قال: هذا، كقوله: ﴿ هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فألقوا إليهم القول ﴾ قال: حدثوهم.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ وألقوا إلى الله يومئذ السلم ﴾ قال: استسلموا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وألقوا إلى الله يومئذ السلم ﴾ يقول: ذلوا واستسلموا يومئذ.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد بن السري وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ زدناهم عذاباً فوق العذاب ﴾ قال: زيدوا عقارب لها أنياب كالنخل الطوال.

وأخرج ابن مردويه والخطيب في تالي التلخيص، عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم- سئل عن قول الله: ﴿ زدناهم عذاباً فوق العذاب ﴾ قال: «عقارب أمثال النخل الطوال ينهشونهم في جهنم» .

وأخرج هناد عن ابن مسعود قال: أفاعي في النار.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية: إن أهل النار إذا جزعوا من حرها استغاثوا بضحضاح في النار، فإذا أتوه تلقاهم عقارب كأنهن البغال الدهم، وأفاع كأنهن البخاتي فضربنهم، فذلك الزيادة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن عبيد بن عمير قال: إن في جهنم لجبابا فيها حيات أمثال البخت وعقارب أمثال البغال، يستغيث أهل النار من تلك الجباب إلى الساحل، فتثب إليهم فتأخذ جباههم وشفارهم فكشطت لحومهم إلى أقدامهم فسيتغيثون منها إلى النار، فتتبعهم حتى تجد حرها فترجع وهي في أسراب.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد عن مجاهد مثله.

وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن عمرو قال: إن لجهنم سواحل فيها حيات وعقارب، أعناقها كأعناق البخت.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الأعمش، عن مالك بن الحارث قال: إذا طرح الرجل في النار هوى فيها، فإذا انتهى إلى بعض أبوابها قيل: مكانك حتى تتحف، فيسقى كأساً من سم الأساود والعقارب، فيتميز الجلد على حدة والشعر على حدة والعصب على حدة والعروق على حدة.

وأخرج أبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ زدناهم عذاباً فوق العذاب ﴾ قال: خمسة أنهار من نار صبها الله عليهم، يعذبون ببعضها بالليل وببعضها بالنهار.

وأخرج ابن مردويه عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الزيادة خمسة أنهار تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار، ثلاثة أنهار على مقدار الليل ونهران على مقدار النهار، فذلك قوله: ﴿ زدناهم عذاباً فوق العذاب بما كانوا يفسدون ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن مجاهد قال: قال ابن عباس: أتدري ما سعة جهنم؟

قلت: لا.

قال: إن ما بين شحمة أذن أحدهم وبين عاتقه مسيرة سبعين خريفاً، تجري أودية القيح والدم.

قلت له: الأنهار؟

قال: لا...

بل الأودية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن مسعود قال: إن الله أنزل في هذا الكتاب تبياناً لكل شيء، ولقد عملنا بعضاً مما بين لنا في القرآن.

ثم تلا ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن الضريس في فضائل القرآن ومحمد بن نصر في كتاب الله والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن مسعود قال: من أراد العلم فليتنوّر القرآن، فإنه فيه علم الأوّلين والآخرين.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: لا تهذوا القرآن كهذا الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: إن هذا القرآن مأدبة الله، فمن دخل فيه فهو آمن.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: إن هذه القلوب أوعية، فأشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ تبياناً لكل شيء ﴾ قال: مما أمروا به ونهوا عنه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ﴾ قال: بالسنة.

وأخرج أحمد عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً إذ شخص بصره فقال: «أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من السورة» ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان....

﴾ إلى قوله: ﴿ تذكرون ﴾ .

وأخرج أحمد والبخاري في الأدب، وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء بيته جالساً، إذ مر به عثمان بن مظعون رضي الله عنه، فجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يحدثه إذ شخص بصره إلى السماء، فنظر ساعة إلى السماء فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض، فتحرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جليسه عثمان إلى حيث وضع رأسه فأخذ ينفض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له، فلما قضى حاجته شخص بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء كما شخص أول مرة، فاتبعه بصره حتى توارى في السماء فأقبل إلى عثمان كجلسته الأولى، فسأله عثمان رضي الله عنه فقال: أتاني جبريل آنفاً.

قال: فما قال لك؟

قال: ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان...

﴾ إلى قوله: ﴿ تذكرون...

﴾ قال عثمان: رضي الله عنه فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمداً صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج الباوردي وابن السكن وابن منده وأبو نعيم في معرفة الصحابة، عن عبد الملك بن عمير رضي الله عنه قال: «بلغ أكتم بن صيفي مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يأتيه.

فأتى قومه فانتدب رجلين فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: نحن رسل أكتم، يسألك من أنت وما جئت به؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم» أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله «ثم تلا عليهما هذه الآية ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾ إلى ﴿ تذكرون ﴾ قالا: ردد علينا هذا القول.

فردده عليهما حتى حفظاه، فأتيا أكتم فأخبراه.

فلما سمع الآية قال: إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رؤوساء، ولا تكونوا فيه أذناباً» ورواه الأموي في مغازيه وزاد، فركب متوجهاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فمات في الطريق: قال: ويقال نزلت فيه هذه الآية ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت ﴾ [ النساء: 100] الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، ﴿ والإحسان ﴾ قال: أداء الفرائض، ﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ قال: إعطاء ذوي الرحم الحق الذي أوجبه الله عليك بسبب القرابة والرحم ﴿ وينهى عن الفحشاء ﴾ قال: الزنا ﴿ والمنكر ﴾ ، قال: الشرك ﴿ والبغي ﴾ قال: الكبر والظلم: ﴿ يعظكم ﴾ يوصيكم ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في الأدب، ومحمد بن نصر في الصلاة، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه في شعب الإيمان، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أعظم آية في كتاب الله تعالى ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ [ آل عمران: 2] وأجمع آية في كتاب الله للخير والشر- الآية التي في النحل- ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾ وأكثر آية في كتاب الله تفويضاً ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ [ الطلاق: 2-3] وأشد آية في كتاب الله رجاء ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ [ الزمر: 53] الآية.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾ إلى آخرها ثم قال: إن الله عز وجل جمع لكم الخير كله، والشر كله في آية واحدة، فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئا إلا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئاً إلا جمعه.

وأخرج ابن النجار في تاريخه من طريق العكلي، عن أبيه قال: مر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوم يتحدثون فقال: فيم أنتم؟!

فقالوا: نتذاكر المروءة، فقال: أو ما كفاكم الله عز وجل ذاك في كتابه؟!

إذ يقول الله: ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾ فالعدل، الانصاف.

والاحسان، التفضل، فما بقي بعد هذا؟.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾ الآية.

قال: ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويعظمونه ويخشونه إلا أمر الله به وليس من خلق سيء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدم فيه، وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال: صف لي العدل، فقلت: بخ...

سألت عن أمر جسيم، كُنْ لصغير الناس أباً ولكبيرهم ابناً، وللمثل منهم أخاً وللنساء كذلك، وعاقب الناس على قدر ذُنوبهم وعلى قدر أجسادهم ولا تضربن بغضبك سوطاً واحداً متعدياً فتكون من العادين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: قال عيسى ابن مريم: إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي: العدل: شهادة أن لا إله إلا الله، والإحسان: أداء الفرائض (١) (٢) (٣) وقال في رواية باذان (٤) (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد صلة القرابة (٨) (٩) (١٠)  - قال: "إنّ أعْجَلَ الطاعةِ ثَوابًا صِلةُ الرحم، [حتى] (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ ﴾ قال في رواية علي: يقول: الزنى (١٢) (١٣) (١٤) (وقوله تعالى ﴿ وَالْمُنْكَرِ ﴾ قال في الروايتين: الشرك والكفر بالله (١٥) (١٦) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ وَالْبَغْيِ ﴾ قال علي عن ابن عباس: الكِبْر والظلم (١٨) (١٩) وقال أهل المعاني في هذه الآية: إنما جمعت الأوصاف الثلاثة للبيان عن تفصيل المنهي عنه؛ فالفحشاء قد تكون بما يفعله الإنسان مما لا يظهر أمره وهو مما يعظم قبحه، والمنكر: ما يظهر للناس مما يجب إنكاره، والبغي: ما يتطاول به من الظلم لغيره، ولا يكون إلا من الفاعل على غيره، والظلم قد يكون ظلم الفاعل لنفسه (٢٠) وروى مجاهد عن ابن عباس قال: لو (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد ينهاكم عن هذا كله ويأمركم أن تتحاضوا على ما فيه لله رضا؛ لكي تتعظوا (٢٥) (٢٦) ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، ثم بين في هذه الآية المأمور به والمنهي عنه مجملًا، فما من شيء يُحتاجُ إليه في أمر دينهم مما يجب أن يؤتى أو يترك إلا وقد اشتملت عليه هذه الآية (٢٧) (١) أخرجه الطبري 14/ 162 بنصه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 134، مجملاً، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 161 ب، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 38، وابن عطية 8/ 494، وابن الجوزي 4/ 483، والفخر الرازي 20/ 101، و"تفسير القرطبي" 10/ 165، والخازن 3/ 131، وأبي حيان 5/ 529، وابن كثير 2/ 642، و"الدر المنثور" 4/ 241 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٢) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 161 ب، بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 483، والفخر الرازي 20/ 101.

(٣) نقله الفخر الرازي والخازن بنصه دون عزو.

انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 101، والخازن 3/ 131.

(٤) باذان هو أبو صالح مولى أم هانىء، وقد تقدمت ترجمته.

(٥) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 161ب، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 38، وابن الجوزي 4/ 483، والفخر الرازي 20/ 101، والخازن 3/ 131.

(٦) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 162 أ، بنصه.

(٧) نقله الفخر الرازى والخازن بنصه دون عزو.

انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 101، والخازن 3/ 131.

(٨) أخرجه الطبري 14/ 162 من طريق ابن أبي طلحة، قال: الأرحام، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 100، و"تنوير المقباس" ص291، و"الدر المنثور" 4/ 241، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 247، والماوردي 3/ 209، والطوسي 6/ 419، والبغوي 5/ 38، وابن عطية 8/ 495، وابن الجوزي 4/ 483، والخازن 3/ 131.

(٩) نقله الفخر الرازي بنصه دون عزو.

انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 101.

(١٠) أبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، أحد الأعلام بالمدينة، روى عن أبيه وعن زيد بن ثابت وأبي هريرة، وعنه: ابنه عمر والزهري، كان ثقة فقيهًا كثير الحديث، مات سنة (94 هـ)، وقيل: (104 هـ) والأول أصح، وعمره (72 سنة).

انظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 155، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 287، و"الكاشف" 3/ 431، و"تقريب التهذيب" ص 645 (8142).

(١١) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق، وهي ثابتة في مكارم الأخلاق، وفي بعض المصادر زيادة (واو) بدل حتى.

(١٢) أخرجه الطبري 14/ 163 بلفظه من طريق علي صحيحة، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 162 أ، بلفظه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 38، وابن عطية (8/ 496، وابن الجوزي 4/ 483، و"تفسير القرطبي" 10/ 167، والخازن 3/ 131، و"الدر المنثور" 4/ 241، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(١٣) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 101، بلا نسبة.

(١٤) انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 167، والخازن 3/ 131، وأبي حيان 5/ 530، وهو الأرجح لكونه عامًّا وشاملاً لكل الفواحش.

(١٥) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 484، والخازن 3/ 131، و"الدر المنثور" 4/ 241، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، و"تفسير الفخر الرازي" 20/ 101، بلا نسبة.

(١٦) ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 247، بنصه، والثعلبي 2/ 162 أ، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 38، وابن الجوزي 4/ 484، والفخر الرازي 20/ 101، و"تفسير القرطبي" 10/ 167، والخازن 3/ 131، والأولى ترك اللفظ على عمومه ليشمل كل منكر قولي أو فعلي، عرف بالشرع أو العقل أو الحرف، كما أنه ليس كل ما لم يعرف في شريعة أو سنة يعد منكرًا.

(١٧) ما بين القوسين مكتوب على الهامش الأيمن من نسخة (ش).

(١٨) أخرجه الطبري 14/ 163 بنصه من طريق علي صحيحة، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 38، وابن الجوزي 4/ 484، و"الدر المنثور" 4/ 241، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وورد غير منسوب في "تفسير الثعلبي" 2/ 162 أ، بنصه، والفخر الرازي 20/ 101، و"تفسير القرطبي" 10/ 167، والخازن 3/ 131.

(١٩) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 101.

(٢٠) ورد في "تفسير الجصاص" 3/ 190، بنحوه، و"تفسير الطوسي" 6/ 419، بنصه.

(٢١) في جميع النسخ: (لو قال) ولا معنى لها، والظاهر أنها تكررت.

(٢٢) ورد في تفسير هود الهواري 2/ 384، بنصه، وانظره بلا نسبة في "تفسير القرطبي" 10/ 167، والخازن 3/ 131.

(٢٣) خالد بن بَاب الربعى الأحدب، روى عن شهر بن حوشب وصفوان بن محرز، وعنه: أبو الأشهب وحميد بن مهران، قال أبو زرعة: متروك الحديث.

انظر: "التاريخ الكبير" 3/ 141، و"الجرح والتعديل" 3/ 322، و"ميزان الاعتدال" 2/ 151.

(٢٤) لم أقف عليه.

(٢٥) أخرجه الطبري 14/ 163 من طريق ابن أبي طلحة، قال: يوصيكم، وانظر: "تفسير الخازن" 3/ 131، بنحوه غير منسوب.

(٢٦) أخرجه البخاري ص166 (489) في "الأدب المفرد" /الألباني: باب الظلم ظلمات، بنحوه، والطبري 14/ 163 بنصه وبنحوه، والطبراني في "الكبير" 9/ 142 من عدة طرق بنصه وبنحوه، والحاكم: تفسير النحل 2/ 356 بنصه، وقال: على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، والبيهقي في "الشعب" 2/ 473 بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 162أ، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 39، وابن عطية 8/ 493، وابن الجوزي 4/ 484، والفخر الرازي 20/ 100، والخازن 3/ 131، و"الدر المنثور" 4/ 241، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور ومحمد بن نصر في الصلاة وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٢٧) انظر: "تفسير الخازن" 3/ 131، بنصه، وحَمْلُ الآية على العموم أولى من التخصيص، خاصة أن بعض الروايات ضعيفة، وقد ضَعَّفَ الفخر الرازي تخصيص الآية بما ورد من أقوال منسوبة أو مطلقة، ورأى أن تخصيص الآية تَحَكُّم بدون داعٍ أو دليل، وقبله ضعف ابن عطية القول الأول في تفسير العدل والإحسان لكونه مخالفًا لتفسير الرسول -  - للإحسان، وعزا ذلك إلى احتمال ضعف الأثر عن ابن عباس؛ وقال: فإن صح هذا عن ابن عباس -  ما - وقد صح- فإنما أراد أداء الفرائض مكمَّلة.

انظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 494، والفخر الرازي 20/ 101، و"تفسير القرطبي" 10/ 166.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان ﴾ يعني بالعدل: فعل الواجبات، وبالإحسان: المندوبات، وذلك في حقوق الله تعالى وفي حقوق المخلوقين، قال ابن مسعود: هذه أجمع آية في كتاب الله تعالى ﴿ وَإِيتَآءِ ذِي القربى ﴾ الإيتاء مصدر آتى بمعنى أعطى، وقد دخل ذلك في العدل والإحسان، ولكنه جرده بالذكر اهتماماً به ﴿ وينهى عَنِ الفحشاء ﴾ قيل: يعني الزنا، واللفظ أعم من ذلك ﴿ والمنكر ﴾ هو أعم من الفحشاء، لأنه يعم جميع المعاصي ﴿ والبغي ﴾ يعني الظلم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولنجزين ﴾ بالنون: ابن كثير وعاصم ويزيد وعباس والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون بالياء.

﴿ قرأت القرآن ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ .

الوقوف: ﴿ يستعتبون ﴾ ه ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ ه ﴿ من دونك ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ لكاذبون ﴾ ه ج للعطف مع أنه رأس آية ﴿ يفترون ﴾ ه ﴿ يفسدون ﴾ ه ﴿ على هؤلاء ﴾ ط لواو الاستئناف ﴿ للمسلمين ﴾ ه ﴿ والبغي ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ تذكرون ﴾ ه ط ﴿ كفيلاً ﴾ ه ط ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ أنكاثاً ﴾ ط بناء على أن التقدير أتتخذون ﴿ من أمة ﴾ ط ﴿ به ﴾ ط ﴿ تختلفون ﴾ ه ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ باق ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ طيبة ﴾ ج للعدول عن الوحدان إلى الجمع مع أنهما ضميراً من ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ يتوكلون ﴾ ه ﴿ مشركون ﴾ ه.

التفسير: لما بين من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها وأن أكثرهم كافرون أتبعه أصناف وعيد يوم القيامة والتقدير ﴿ و ﴾ اذكر ﴿ يوم نبعث من كل أمة شهيداً ﴾ أو يوم وقعوا فيما وقعوا فيه.

وشهيد كل أمة نبيها يشهد لهم وعليهم بالإيمان والتصديق والكفر والتكذيب ﴿ ثم لا يؤذن للذين كفروا ﴾ أي في الاعتذار إذ لا حجة لهم ولا عذر، أو في كثرة الكلام، أو في الرجوع إلى دار الدنيا، أو إلى التكليف ليظهر لهم كونهم آيسين من رحمة الله  ، أو المراد أن يسكت أهل الجمع كلهم حتى يشهد الشهود.

﴿ ولا هم يستعتبون ﴾ لأن العتاب إنما بطلب لأجل العود إلى الرضا، فإذا كان على عزم السخط فلا فائدة في العتاب فلهذا قيل: إذا ذهب العتاب فليس ود *** ويبقى الود ما بقي العتاب وقال في الكشاف: أي لا يقال لهم أرضوا ربكم لأن الآخرة ليست بدار عمل.

ومعنى "ثم" أن المنع من الكلام أصعب من شهادة الأنبياء عليهم.

﴿ وإذا رأى الذين ظلموا ﴾ وهم المشركون ﴿ العذاب ﴾ بعينهم وثقل عليهم ﴿ فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون ﴾ ليتوبوا فإن التوبة هناك غير موجودة أو غير مقبولة وفيه أنت عذابهم خالص عن النفع دائم كما يقوله المتكلمون.

﴿ وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم ﴾ وهي الأصنام أو الشياطين الذين دعوا الكفار إلى الكفر وكانوا قرناءهم في الغي.

قاله الحسن.

﴿ قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا ﴾ أي نعبدهم من دونك.

قال أبو مسلم الأصبهاني: مقصود المشركين إحالة هذا الذنب على تلك الأصنام ظناً منهم أن ذلك ينجيهم من عذاب الله أو ينقص منه، وزيفه القاضي بأن الكفار يعلمون في الآخرة علماً ضرورياً أن العذاب ينزل بهم ولا نصرة ولا شفاعة فما الفائدة في هذا القول؟

والإنصاف أن الغريق يتعلق بكل شيء والمبهوت قد يقول ما لا فائدة فيه، على أن العلم الضروري الذي ادعاه القاضي ممنوع.

وقيل: إن المشركين يقولون هذا الكلام تعجباً من حضور تلك الأصنام مع أنه لا ذنب لها واعترافاً بأنهم كانوا خاطئين في عبادتها.

﴿ فألقوا إليهم القول ﴾ أي قال الأصنام أو الشياطين للكفار ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ فإن قيل: إن المشركين أشاروا إلى الأصنام أن هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوهم من دونك وقد كانوا صادقين في ذلك فكيف كذبتهم الأصنام؟

فالجواب أن المراد من قولهم: ﴿ هؤلاء شركاؤنا ﴾ هؤلاء شركاء الله في المعبودية فكذبتهم الأصنام في إثبات هذه الشركة وفي قولهم إنها تستحق العبادة.

قال جار الله: إن أراد بالشركاء الشياطين جاز أن يكونوا كاذبين في قوله: ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ كما يقول الشيطان { ﴿ إني كفرت بما أشركتموني من قبل  ﴾ .

﴿ وألقوا إلى الله يومئذ السلم ﴾ عن الكلبي: استسلم العابد والمعبود وأقروا لله الربوبية والبراءة من الشركاء والأنداد.

وقال آخرون: الضمير اللذين ظلموا.

وإلقاء السلم والاستسلام لأمر الله بعد الإباء في الدنيا ﴿ وضل ﴾ أي غاب ﴿ عنهم ما كانوا يفترون ﴾ من أن لله شريكاً أو أن آلهتهم تشفع لهم حين كذبوهم وتبرأوا منهم.

﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ﴾ قيل: معناه الصد عن المسجد الحرام والأصح العموم ﴿ زدناهم عذاباً ﴾ لأجل الإضلال.

﴿ فوق العذاب ﴾ الذي استحقوه للضلال.

وأيضاً عذاب الاستنان "من سن سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها".

ومن المفسرين من فصل تلك الزيادة؛ فعن ابن عباس: هي خمسة أنهار من نار تسيل من تحت العرش يعذبون بها، ثلاثة على مقدار الليل واثنان على مقدار النهار.

وقيل: حيات أمثال البخت وعقارب أشباه البغال أنيابها كالنخل الطوال تلسع إحداهن اللسعة فيجد صاحبها حمتها أربعين خريفاً.

وقيل: يخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار.

ثم علل زيادة عذابهم بكونهم مفسدين أمور الناس بالصد والإضلال فيعلم منه أن من دعا إلى الدين القويم باليد واللسان فإنه يزيده الله  أجراً على أجر.

ثم أعاد حكاية بعث الشهداء لما نيط بها من زيادة فائدتين: إحداهما كون الشهداء من أنفسهم لأن كل نبي فهو من جنس أمته، والأخرى أن الشيهد يكون وقتئذ في الأمة لا مفارقاً إياهم.

وفسر الأصم الشهيد في هذه الآية بأنه  ينطق عشرة من أعضاء الإنسان حتى تشهد عليه وهن: الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان.

ولهذا ذكر لفظة "في" ووصف الشيهد بكونه من أنفسهم.

ثم شرف نبينا  بقوله: ﴿ وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ﴾ أي على أمتك..

ولا ريب أن في تخصيصه بعد التعميم دلالة على فضله نظيره قوله في سورة النساء: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي.

الأمة عبارة عن القرن والجماعة فيعلم من الآية أنه لا بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم ويكونون شهداء على غيرهم وهم أهل الحل والعقد فيكون إجماعهم حجة.

ولقائل أن يقول: الأمة في الآية هي الجماعة الذين بعث النبي إليهم وإلى من سيوجد منهم إلى آخر زمان دينه، فيكون نبي تلك الأمة وحده شهيداً عليهم.

ولا دلالة للآية إلا على هذا القدر فمن أين حل لك أن إجماع أهل الحل والعقد في كل عصر حجة؟

ثم بين أنه أزاح علتهم فيما كلفوا فيه فلا حجة لهم ولا معذرة فقال: ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء ﴾ أي بياناً له والتاء للمبالغة ونظيره من المصادر "التلقاء" ولم يأت غيرهما وقد مر في "الأعراف".

قال الفقهاء.

إنما كان القرآن بيان جميع الأحكام لأن الأحكام المستنبطة من السنة والإجماع والقياس والاجتهاد كلها تستند إلى الكتاب حيث أمر فيه باتباع رسول الله  وطاعته، وورد فيه: ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين  ﴾ وجاء ﴿ فاعتبروا  ﴾ .

وقال آخرون: إن علم أصول الدين كلها في القرآن.

وأما علم الفروع فالأصل براءة الذمة إلا ما ورد به نص القرآن فإذن القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام، والقياس ضائع ولعل التبيان إنما هو للعلماء خاصة، والهدى لجميع الخلق في أوّل أحوالهم، والرحمة في وسطها وهو مدة العمر بعد الإسلام، والبشرى في أوان الأجل كما قال  : ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله  ﴾ إلى قوله: ﴿ وأبشروا  ﴾ والله أعلم بمراده.

وِلما ذكر أن في القرآن تبيان كل شيء ذكر عقيبه آية جامعة لأصول التكاليف كلها تصديقاً لذلك فقال: ﴿ أن الله يأمر ﴾ الآية، عن ابن عباس أن عثمان بن مظعون الجمحي قال: ما أسلمت أوّلاً إلا حياء من رسول الله  ولم يتقرر الإسلام في قلبي.

فحضرته ذات يوم فبينا هو يحدثني إذ رأيت بصره شخص إلى السماء ثم خفضه عن يمينه ثم عاد لمثل ذلك فسألته فقال: بينا أنا أحدثك إذا جبرائيل  نزل عن يميني فقال: يا محمد ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ الآية.

قال عثمان: فمن وقته استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمداً  .

وعن ابن مسعود: هي أجمع آية في القرآن.

وعن قتادة: ليس من خلق حسن كان في الجاهلية يعمل ويستحسن إلا أمر الله  به في هذه الآية، وليس من خلق سيء إلا وقد نهى الله  عنه فيها.

قال المفسرون: العدل هو أداء الفرائض.

وعن ابن عباس: هو قول لا إله إلا الله ﴿ والإحسان ﴾ هو الإتيان بالمندوبات والمستحسنات شرعاً وعرفاً وأقربها صلة الرحم بالمال فلذلك أفردها بالذكر بقوله: ﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ والفحشاء هي الأمور المتزايدة في القبح فلذلك أفردها بالذكر وهي الكبائر.

وقد يخص بالزنا أو بالبخل والمنكر ما تنكره العقول ولا يعرف في شريعة ولا سنة والبغي هو الاستطالة.

قال جار الله: حين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير المؤمنين علي  وعلى نبينا الصلاة والسلام أقيمت هذه الآية مقامها.

واعلم أن العدل عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وأنه واجب الرعاية في جميع الأشياء ولنذكر له أمثلة: أما في الاعتقادات فالقول بنفي الإله تعطيل محض، وإثبات أكثر من إله واحد تشريك وتعجيز، والعدل هو قول: "لا إله إلا الله".

كما نقل عن ابن عباس، هذا ما اتفق عليه أرباب المذاهب.

ثم إن الأشعري يقول: القول بنفي الصفات عنه  تعطيل، والقول بإثبات المكان والأعضاء تشبيه، والعدل إثبات صفات الكمال من الحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام ونفي غيرها.

وبوجه آخر.

نفي الصفات تعطيل، وإثبات الصفات الحادثة تشبيه، العدل إثبات صفات أزلية قديمة غير متغيرة.

وأيضاً القول بأن العبد لا قدرة له أصلاً جبر محض، والقول بأنه مستقل في التصرف قدر محض وتفويض، والعدل أمر بين الأمرين وهو أن العبد يفعل الأفعال ولكن بواسطة قدرة وداعية يخلقها الله  فيه.

وأيضاً القول بأن الله لا يؤاخذ عبده بشيء من الذنوب مساهلة عظيمة، والقول بأنه يخلد في النار عبده العارف به بالمعصية الواحدة تشديد عظيم، والعدل أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان.

والمعتزلي يقول: العدل في هذه الأصول بنوع آخر وقد مر مراراً.

وأما رعاية العدل فيما يتعلق بأفعال الجوارح فإن قوماً من نفاة التكليف يقولون: لا يجب على العبد الاشتغال بشيء من الطاعات ولا الاحتراز عن شيء من المعاصي.

وقال: قوم من الهند وطائفة من المانوية: يجب على الإنسان أن يجتنب عن أكل الطيبات ويبالغ في تعذيب نفسه، وأن يحترز عن كل ما يميل الطبع إليه حتى التزوّج، والأولى بالمرء أن يختصي فهذان الطريقان مذمومان والوسط هو ما جاء به محمد  لأن التشديد غالب في دين موسى فليس في شرعه على القاتل إلا القصاص ويحرم مخالطة الحائض، والتساهل في دين عيسى غالب فلا قصاص على القاتل ولا يحرم وطء الحائض، والعدل ما حكم به شرعنا من جواز العفو وأخذ الدية وحرمة وطاء الحائض دون مخالطتها، ولذلك قال: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً  ﴾ ، وقال: ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً  ﴾ ولما بالغ رسول الله  في العبادات قيل له: ﴿ طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى  ﴾ ولما أخذ قوم في المساهلة نزل: ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ﴾ \[المؤمنون: 115\] والمراد رعاية الوسط في كل الأمور وقد ورد في شرعنا الختان فقال بعض العقلاء: الحكمة فيه أن رأس ذلك العضو جسم شديد الحس فإذا قطعت تلك الجلدة بقي رأسه عارياً فيصلب بكثرة ملاقاة الثياب وغيرها فيضعف حسه ويقل شعوره فتقل لذة الوقاع فتقل الرغبة فيه.

فالاختصاء وقطع الآلات كما ذهب إليه المانوية مذموم، وإبقاء تلك الجلدة مبالغة في تقوية تلك اللذة مذموم، والوسط العدل هو الختان.

هذا ما قيل.

وعندي أن الحكمة في الختان بعد التعبد هو التنظيف وسهولة غسل الحشفة وإلا فلعل اللذة بعد الختان أكثر لملاقاة الحاس والمحسوس بلا حائل.

ومن الكلمات المشهورة قولهم: "بالعدل قامت السموات والأرضون".

ومعناه أن مقادير العناصر لو لم تكن معادلة مكافية بحسب الكمية والكيفية لا ستولى الغالب على المغلوب وتنقلب الطبائع كلها إلى طبيعة الجرم الغالب، ولو كان بعد الشمس من الأرض أقل مما هو الآن لاحتراق كل ما في هذا العالم، وإن كان أكثر استولى البرد والجمود، وكذا القول في مقادير حركات الكواكب ومراتب سرعتها وإبطائها فإن كلاً منها مقدر على ما يليق بنظام العالم وقوامه وقيامه.

فهذه إشارة مختصرة إلى تحقيق العدل.

وأما الإحسان فهو المبالغة في أداء الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية ومن هنا قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" فكأن المبالغ المخلص في أداء الطاعات يوصل الفعل الحسن إلى نفسه وبالحقيقة يدخل في الإحسان أنواع التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، وأشرف أنواع الإشفاق صلة الرحم بالمال فلا جرم أفرد بالذكر كما مر.

ثم إنه تعالى أودع في النفس البشرية قوى أربعاً: الشهوية البهيمية والغضبية السبعية والوهمية الشيطانية والعقلية الملكية.

وهذه الأخيرة لا تحتاج إلى التهذيب لأنها من نتائج الأرواح القدسية، وأما الثلاث الأول فتحتاج إلى التأديب والتهذيب بمقتضى الشريعة وقانون العقل والطريقة.

والنهي عن الفحشاء عبارة عن المنع من تحصيل اللذات الشهوية الخارجة عن إذن الشريعة، والنهي عن المنكر عبارة عن الإفراط الحاصل في آثار القوة الغضبية من إيذاء الناس وإيصال الشر إليهم من غير ما استحقاق، والنهي عن البغي إشارة إلى المنع من إفراط القوة الوهمية كالاستعلاء على الناس والترفع وحب الرياسة والتقدم ممن ليس أهلاً لذلك، واخس هذه المراتب عند العقلاء القوة الشهوانية، وأوسطها الغضبية، وأعلاها الوهمية فلهذا بدأ  بالفحشاء ثم بالمنكر ثم بالبغي، ولأن أصول الأخلاق والتكاليف كلها مذكورة في الآية لا جرم ختمها بقوله: ﴿ يعظكم لعلكم تذكرون ﴾ لأنها كافية في باب العظة والتذكر والارتقاء من حضيض عالم البشرية إلى ذروة عالم الأرواح المقدسة.

قال الكعبي: في الآية دلالة على أنه  لا يخلق الجور والفحشاء وإلا فكيف ينهاهم عما يخلقها فيهم؟

وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

واعلم أنه لا يلزم من إرادة الله تذكر العبد - والتذكر من فعل الله بالاتفاق لا من فعل العبد - أن يطلب الله منه التذكر فإن طلب ما ليس في وسعه محال.

فمعنى ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ إرادة أن تكونوا على حالة التذكر لا إرادة أن تحصلوا التذكر.

ثم خص من جملة المأمورات الوفاء بالعهد فقال: ﴿ وأوفوا بعهد الله ﴾ خصصه جار الله بالبيعة لرسول الله  لقوله: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ .

وقال الأصم: المراد منه الجهاد وما فرض الله في الأموال من حق الشرائع.

وقيل: هو اليمين والأصح العموم وهو كل عهد يلتزمه الإنسان باختياره بدليل قوله: ﴿ إذا عاهدتم ﴾ وقوله من قال: العهد هو اليمين يلزم منه أن يكون قوله  : ﴿ ولا تنقضوا الأَيمان بعد توكيدها ﴾ أي بعد توثيقها باسم الله تكراراً.

وأكد ووكد لغتان فصيحتان.

قال الزجاج: الأصل الواو والهمزة بدل.

وفي الآية دلالة على الفرق بين الأيمان المؤكدة وبين لغو اليمين كقولهم "لا والله" و "بلى والله".

وأيضاً الآية من العمومات التي دخلها التخصيص لما روي أنه  قال: "من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليأت بالذي هو خير ثم ليكفر" .

وقد مر بحث الأيمان في "البقرة" وفي "المائدة" في قوله: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم  ﴾ الآية.

﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ أي شاهداً ورقيباً لأن الكفيل مراع لحال المكفول به.

﴿ إن الله يعلم ما تفعلون ﴾ فيجازيكم بحسب ذلك خيراً وشراً.

وفيه ترغيب وترهيب.

ثم أكد وجوب الوفاء وتحريم النقض بقوله: ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة ﴾ أي من بعد قوّة الغزل بإمرارها وفتلها.

قال الزجاج: انتصب ﴿ أنكاثاً ﴾ على المصدر لأن معنى نقضت نكثت.

وزيف بأن ﴿ أنكاثاً ﴾ ليس مصدراً وإنما هو جمع نكث بكسر النون وهو ما ينكث فتله.

وقال الواحدي: هو مفعول ثان كما تقول كسره أقطاعاً وفرقه أجزاء أي جعله أقطاعاً وأجزاء فكذا ههنا أي جعلت غزلها أنكاثاً.

قلت: ويحتمل أن يكون حالاً مؤكدة.

قال ابن قتيبة: هذه الآية متصلة بما قبلها والتقدير: وأوفوا بعهد الله ولا تنقضوا الأيمان فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل امرأة غزلت غزلاً وأحكمته ثم جعلته أنكاثاً.

فعلى هذا المشبه به امرأة غير معينة، ولا حاجة في التشبيه إلى أن يكون للمشبه به وجود في الخارج.

وقيل: المراد امرأة معينة من قريش ريطة بنت سعد بن تيم وكانت خرقاء، اتخذت مغزلاً قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وهي الحديدة في رأس المغزل وفلكة عظيمة على قدرها، وكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن.

قال جار الله: ﴿ تتخذون ﴾ حال و ﴿ دخلاً ﴾ مفعول ثان لتتخذ أي لا تنقضوا أيمانكم متخذيها دخلاً بينكم أي مفسدة ودغلاً.

وقال الواحدي: أي غشاً وخيانة.

وقال الجوهري: أي مكراً وخديعة.

وقال غيره: الدخل ما أدخل في الشيء على فساد.

وقوله: ﴿ أن تكون ﴾ أي لأن تكون ﴿ أمة ﴾ يعني جماعة قريش هي أربى أزيد وأوفر عدداً ومالاً ﴿ من أمة ﴾ هي جماعة المؤمنين.

قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء ثم يجدون من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأولين ويحالفون الذين هم أعز وأمنع.

﴿ إنما يبلوكم الله به ﴾ أي بما يأمركم وينهاكم.

وقد تقدم ذكر الأمر والنهي.

وقال جار الله: الضمير لقوله: ﴿ أن تكون ﴾ لأنه في معنى المصدر أي يختبركم بكونهم أربى لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء مع قلة المؤمنين وفقرهم أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم.

ثم حذرهم من مخالفة ملة الإسلام وأنذرهم بقوله: ﴿ وليبينن لكم يوم القيامة ﴾ بإظهار الدرجات والكرامات للأولياء وتعيين الدركات والبليات للأشقياء.

﴿ ما كنتم فيه تختلفون ﴾ حيث تدعون أنكم على الحق والمؤمنون على الباطل فتنقضون عهودهم.

ثم بين أنه  قادر على أن يجمع المؤمنين والكافرين على الوفاء وسائر أبواب الإيمان ولكنه بحكم الإلهية ﴿ يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ والمعتزلة حملوا المشيئة على مشيئة الإلجاء بدليل قوله: ﴿ ولتسئلن عما كنتم تعملون ﴾ ولو كانت أعمال العباد بخلق الله تعالى لكان سؤالهم عبثاً.

أجابت الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل.

روى الواحدي أن عزيراً قال: يا رب خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من تشاء.

فقال: يا عزير أعرض عن هذا فأعاده ثانياً فقال: أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من النبوّة.

قال المفسرون: لما نهاهم عن نقض مطلق الأيمان أراد أن ينهاهم عن نقض أيمان مخصوصة أقدموا عليهاوهو نقض بيعة رسول الله  ، والدليل على هذا التخصيص قوله: ﴿ فتزلَّ قدم بعد ثبوتها ﴾ لأن هذا الوعيد لا يليق بنقض عهد قبيله وإنما يليق بنقض عهد النبي  .

قال جار الله: وحدت القدم ونكرت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه فكيف بأقدام كثيرة.

وهذا مثل يضرب لمن وقع في بلاء بعد عافية، ولا ريب أن من نقض عهد الإسلام وزلت قدمه عن محجة الدين القويم فقد سقط من الدرجات العالية إلى الدركات الهاوية بيانه قوله: ﴿ وتذوقوا السوء ﴾ في الدنيا ﴿ بما صددتم ﴾ بصدودكم أو بصدكم غيركم ﴿ عن سبيل الله ﴾ لأن المرتد قد يقتدي به غيره.

﴿ ولكم عذاب عظيم ﴾ في الآخرة.

ويحتمل أن يراد أن ذلك السوء الذي تذوقونه هو عذاب عظيم.

قال جار الله: كان قوم أسلموا بمكة ثم زين لهم الشيطان نقض البيعة لكونهم مستضعفين هناك فأوعدهم الله على ذلك، ثم نهاهم عن الميل إلى ما كان يعدهم قريش من عرض الدنيا إن رجعوا عن الإسلام فقال: ﴿ ولا تشتروا ﴾ الآية.

ثم ذكر دليلاً قاطعاً على أن ما عند الله خير فقال: ﴿ ما عندكم ينفد وما عند الله ﴾ من خزائن رحمته ﴿ باق ﴾ وفيه دليل على أن نعيم الجنة باقٍ لأهلها لا ينقطع.

وقال جهم بن صفوان: إنه منقطع والآية حجة عليه ﴿ ولنجزين الذين صبروا ﴾ على ما التزموه من شرائع الإسلام ﴿ أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ أي بالواجبات والمندوبات لا بالمباحات فإنه لا ثواب على فعلها ولا عقاب، أو نجزيهم بجزاء أشرف وأوفر من عملهم كقوله: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ .

ثم عمم الوعد على أي عمل صالح كان فقال: ﴿ من عمل صالحاً ﴾ ولا كلام في عمومه إلا أنه زاد قوله: ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ تأكيداً وإزالة لوهم التخصيص، والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم دلائل الكرم.

ثم جعل الإيمان شرطاً في كون العمل الصالح منتجاً للثواب حيث قال: ﴿ وهو مؤمن ﴾ فاستدل به على أن الإيمان مغاير للعمل الصالح فإن شرط الشيء مغاير لذلك الشيء.

واختلف في الحياة الطيبة فقيل: هي في الجنة.

عن الحسن وسعيد بن جبير وقتادة، لأن الإنسان في الدنيا لا يخلو من مشقة وأذية ومكروه لقوله  : ﴿ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه  ﴾ بيّن أن هذا الكدح - وهو التعب في العمل - باقٍ إلى أن يصل إلى ربه، وأما بعد ذلك فحياة بلا موت وغنى بلا فقر وصحة بلا مرض وملك بلا زوال وسعادة بلا انتقال.

وقال السدي: إن هذه الحياة في القبر.

والأكثرون على أنها في الدنيا لقوله بعد ذلك ﴿ ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كان يعملون ﴾ وعلى هذا فما سبب طيب الحياة قيل: هو الرزق الحلال.

وقيل: عبادة الله مع أكل الحلال.

وقيل: القناعة أو رزق يوم كان النبي  يدعو: "اللَّهم اجعل رزق آل محمد كفافاً" .

قال المحققون: وهذا هو المختار لأن المؤمن الذي صلح عمله إن كان موسراً فذاك، وإن كان معسراً فمعه من القنوع والعفة والرضا بالقضاء ما يطيب عيشه.

لأنه الكافر والفاجر فإن الحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه أبداً ويعظم أسفه على ما يفوته لأنه عانق الدنيا معانقة العاشق لمعشوقه، بخلاف المؤمن المنشرح قلبه بنور المعرفة والجمال فإنه قلما ينزع لحب الدنيا مالها وجاهها ويستوي عنده وجودها وفقدها وخيرها وشرها ونفعها وضرها.

وبركة الصلاح والقنوع مما لا ينكرها عاقل اللَّهم اجعلنا من أهلها.

ثم إن ظاهر الآية يقتضي أن العلم الصالح إنما يفيد الأثر المخصوص بشرط الإيمان وظاهر قوله: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره  ﴾ يدل على أن العمل الخير مطلقاً يفيد أثراً مطلقاً فلا منافاة بينهما.

ثم ذكر الاستعاذة التي هي من جملة الأعمال الصالحة وبها تخلص الأعمال عن الوساوس فقال: ﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ أي أردت قراءته إطلاقاً لاسم المسبب على السبب.

وقد مر بحث الاستعاذة مستوفى في أول هذا الكتاب.

﴿ إنه ليس له سلطان ﴾ تسلط وولاية ﴿ على الذين آمنوا على ربهم يتوكلون ﴾ وهذا معنى الاستعاذة.

فإن معناها بالحقيقة راجع إلى التبري عما سوى الله والتوجه بالكلية إليه والاعتماد في جميع الأمور عليه.

﴿ إنما سلطانه على الذين يتولونه ﴾ عن ابن عباس: أي يطيعونه.

يقال: توليته أي أطعته.

وتوليت عنه أي أعرضت عنه.

أما الضمير الواحد في قوله: ﴿ والذين هم به مشركون ﴾ فقيل: راجع إلى الرب.

وقيل: إلى الشيطان أي بسببه.

التأويل: ﴿ ويوم نبعث ﴾ فيه إشارة إلى أن لأرواح الأنبياء إشرافاً على أممهم في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وفيه أن الدينا مزرعة الآخرة فلا يقبل في القيامة اعتذار ﴿ وإذا رأى الذين ظلموا ﴾ أي وضعوا الكفر وأعمال الطبيعة موضع الإيمان وأعمال الشريعة ﴿ فلا يخفف ﴾ عن أرواحهم أثقال الأخلاق المذمية ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ لتبديل مذمومها بمحمودها ﴿ وإذا رأى الذين أشركوا ﴾ وهم عبدة الدنيا والهوى ﴿ إنكم لكاذبون ﴾ في أنا دعوناكم إلى عبادتنا فإنا كنا مشغولين بتسبيح الله  وطاعته ﴿ وصدوا عن سبيل الله ﴾ منعوا الأرواح والقلوب عن طلب الله ﴿ زدناهم ﴾ عذاب الحرمان عن الكمال فوق خسران النسيان بإفساد الاستعداد الفطري.

﴿ وجئنا بك شهيداً ﴾ لأن روحه شاهد على جميع الأرواح والقلوب والنفوس لقوله: "أول ما خلق الله روحي" ﴿ تبياناً لكل شيء ﴾ يحتاج إليه السالك في أثناء سلوكه ﴿ إن الله يأمر بالعدل ﴾ وهو وضع الآلات وأسباب تحصيل الكمال في مواضعها بحيث يؤدي إلى مقام الوصال والكمال ﴿ والإحسان ﴾ وهو أن تحسن إلى الخلق بما أعطاك الله كقوله: ﴿ وأحسن كما أحسن الله إليك  ﴾ .

وفي قوله: ﴿ وإيتاء ذي القربى ﴾ إشارة إلى أن من جملة العدالة رعاية حال الأقرب فالأقرب.

فيبدأ بتكميل نفسه ثم بما هو أقرب إليه قرباً معنوياً لا صورياً ﴿ وينهى عن الفحشاء ﴾ وهو صرف ما آتاه الله في غير مصرفها ﴿ والمنكر ﴾ وهو ضد المعروف وهو أن لا يحسن إلى غيره ﴿ والبغي ﴾ وهو أن لا يراعي الترتيب المذكور في باب الإرشاد والتكميل.

﴿ وأوفوا بعهد الله ﴾ يوم الميثاق.

﴿ وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ بجزاء وفائكم ﴿ ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ﴾ فيه إشارة إلى حال المريد المرتد ﴿ أن تكون أمة ﴾ هي أهل الدنيا في الدنيا أعلى حالاً من أمتهم أهل الآخرة.

﴿ ولا تتخذا أيمانكم ﴾ عهودكم مع المشايخ شبكة تصطادون بها الدنيا.

وقبول الخلق فتزل أقدامكم عن صراط الطلب ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ هما القلب والنفس.

والعمل الصالح من النفس استعمال الشريعة والطريقة، ومن القلب التوجه إلى الله بالكلية، والحياة الطيبة للنفس أن تصير مطمئنة مستعدة لقبول فيض ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ وللقلب أن يصير فانياً عن أنانيته باقياً بشهود الحق وجماله، وحينئذ يطيب عن دنس الاثنينية ولوث الحدوث.

﴿ فاستعذ بالله ﴾ الخطاب للنبي  وآله ظاهراً وبالحقيقة هو لأمته، لأن شيطانه أسلم على يده فلم يحتج إلا الاستعاذة من شياطنه بل هو وخواص أمته كقوله: ﴿ إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا  ﴾ وفيه أن الشيطان ليس له تسلط على أولياء الله إلا بالوسوسة، وفيها صلاح المؤمن فإن إبريز إخلاص قلبه لا يتخلص عن غش صفات نفسه إلا بنار الوسوسة، لأن المؤمن يطلع على بقايا صفات نفسه.

بما تكون الوسوسة من جنسه فيزيد في الرياضة وملازمة الذكر حتى تنمحي تلك البقايا والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

قال الحسن: قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ﴾ فيما بين الناس، أي: يأمر بالحكم فيها بينهم بالعدل، ﴿ وَٱلإحْسَانِ ﴾ : هو ما كلفهم بالطاعة له، أو أن يكون الأمر بالإحسان إلى أنفسهم أو إلى الناس، وجَائز أن يكون الأمر بالعدل فيما بينه وبين الله، والإحسان فيما بينه وبين الخلق، أي: يعامل ربه بالعدل؛ لأن العدل هو وضع الشيء موضعه، وهو لا يقدر على المجاوزة عن العدل حتى يكون في حد الإحسان فيما بينه وبين ربه، ويقدر أن يصنع إلى خلقه أكثر مما يصنعون هم إليه؛ فيكون محسناً إليهم، وأما إلى الله فلا يكون محسناً.

﴿ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .

أي: إعطاء ذي القربى الصدقة من غير الزكاة المفروضة.

﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ ﴾ .

هي المعاصي، أي: نهى عن المعاصي كلها.

وقال أبو بكر الأصم: ﴿ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ﴾ ، أي: بالحق الذي له عليهم، والإحسان: هو ما تعبدهم من العبادات والطاعات التي جعل بسبب عطف بعضهم على بعض.

﴿ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .

صلة القرابة والأرحام.

﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ ﴾ .

قال ابن عباس ومقاتل وقتادة وهؤلاء: قوله: ﴿ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ﴾ : بالتوحيد، ﴿ وَٱلإحْسَانِ ﴾ ، أي: أداء الفرائض، وهو قول ابن عباس وقتادة.

وقال مقاتل: قوله: ﴿ وَٱلإحْسَانِ ﴾ : هو فيما بينهم، يحسن بعضهم إلى بعض، ﴿ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ : صلة الأرحام، ﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ ﴾ ، أي: الزنى، ﴿ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، أي: السكر، ﴿ وَٱلْبَغْيِ ﴾ مظالم الناس.

وقال بعضهم: المنكر: ما لا يعرف في الشرائع والسنن.

ويقال: المنكر: ما أوعد الله عليه النار، والبغي: الاستطالة، والظلم، ثم يجب [أن نقرر] حقيقة العدل: ما هو؟

فهو - والله أعلم -: وضع كل شيء موضعه؛ فيدخل فيه كل شيء: التوحيد وغيره؛ بجعل الربوبيّة والألوهيةِ لله لا شريك فيها غيره، ولا يصرفها إلى غيْره، ولا يضيف، بل ينسب الرّبوبيّة والألوهية إلى الله، والعبودية إلى العباد، ولا يضاف العبودية إلى الله، ولا الربوبية والألوهية إلى العباد؛ فذلك العدل ووضع كل شيء موضعه: الربوبية في موضعها، والعبودية في موضعها، هذا - والله أعلم - معنى العدل.

وأمّا الإحسان: فهو ما قال النبي  : "إن جبريل سأله عن الإحسانِ حين سأله عن الإيمان والإسلام؛ فقال ما الإحسان؟

فقال: أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" .

ومن يعمل لآخر بحيث يراه وينظر إليه يكون أبداً طالب رضاه في ذلك العمل، وإخلاصه له وطلب مرضاته فيه؛ فهو يحتمل وجوهاً ثلاثة - أعني الإحسان -: أحدها: ما ذكر أنه يعمل له كأنه يراه، وذلك فيما بينه وبين ربه.

والثاني: فيما بينه وبين الخلق، وهو أن يحب لهم كما يحب لنفسه فيما أذن له في ذلك، أو نقول على الإطلاق يحب لهم كما يحب لنفسه.

فإن عورض بالقتال والحروب التي بيننا وبين أهل الحرب، وذلك بالذي لا نحب لأنفسنا ونحب لهم - قيل: في ذلك طلب نجاتهم وتخليصهم من الهلاك والعذاب الدائم الأبدي، وذلك ما نحبه نحن لأنفسنا: أن يسعى أحد في نجاة أحدنا من المهلكة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ وليس [في القتال] في الظاهر رحمة، لكن في الحقيقة رحمةٌ، حيث يحملهم القتال على الإسلام؛ إذ كان قبل نصب القتال والحروب معهم لم يسلم إلا قليل منهم؛ فلما نصب الحروب معهم والقتال دخلوا في الإسلام أفواجاً أفواجاً؛ فصار ذلك في الحقيقة رحمة، وإن كان في رأي العين في الظاهر ليس برحمة.

وكذلك هذه المصائب والبلايا التي تحل بالخلق، هي في الحقيقة نعمة ورحمة؛ ولذلك عدها وسماها بعض الناس؛ لما تعقب من الثواب والنعمة إذا صبر عليها، ورأى ذلك منه حقّاً وعدلاً، ورأى حال الضراء والسراء منه؛ فهو بطيب نفسه في جميع الأحوال تنصرف به من الشدة والضيق، فإذا رأى نعمة، لما تعقب من الخير والنفع في العاقبة - فمن هذه الجهة يجوز أن يقال: ذلك نعمة ورحمة، وأمّا في ظاهر الحال فلا؛ وذلك أن كل بلاء ينزل بأحدٍ، فصبر عليهِ كان في ذلك خصال أربعة: أحدها: تكفير ما كان ارتكب من المعاصي.

والثاني: معرفة العبودة وملك غيره عليه.

والثالث: ما يعقب من الثواب والنعيم الدائم.

والرابع: معرفة النعم من الشدة؛ [لأنه بالشدة] يعرف النعم.

وأمّا الإحسان إلى نفسه: فهو أن يحفظها عما فيه هلاكها.

وقوله: ﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ ﴾ .

هو ما يكبر ويفحش من الشيء.

﴿ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ .

هو الشيء الغريب الذي لا يعرف؛ ألا ترى إلى قول إبراهيم: ﴿ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ  ﴾ ؛ سماهم منكرين لما لم يعرفهم؛ فالمنكر: ما يفعل من هو معروف بالخير والصلاح من الزلات لما يكون ذلك منهم غريباً؛ إذ لم يعرفوا بذلك، فذلك منهم [منكر].

﴿ وَٱلْفَحْشَآءِ ﴾ .

ما يكون من أهل الفساد والشرور، وذلك مما يكبر ويفحش ذلك منهم.

﴿ وَٱلْبَغْيِ ﴾ .

هو الظلم، ويحتمل أن يكون هذا كله المنكر والفحشاء والبغي وكله واحد: الفحشاء هو المنكر، والفحشاء هي البغي، والمنكر هو الفحشاء والبغي، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعِظُكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: أي: ينهاكم عما ذكر كله.

﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ .

وتنتهون عنه، وقال بعضهم: الموعظة هي التي تلين القلوب القاسية، وتصرفها إلى طاعة الله، وقد ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ .

يحتمل أمره بوفاء العهد، العهود التي يُعطي بعضهم لبعض، أمرهم بوفاء ذلك، ونهاهم عن نقضها، ويلزمهم وفاء عهد الله وإن لم يعاهدوا في ذلك، لكنه ذكر وفاء العهد إذا عاهدوا ونهى عن النقض؛ لأن ترك وفاء ما عاهدوا، ونقض ما أعطوا على ذلك شرطاً أقبح وأفحش مما لم يعاهدوا، وهو كقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا  ﴾ ؛ ترك الوفاء ونقضه بعد قولهم: ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا  ﴾ : أفحش، وأفحش من نقضه إذا لم يكن لهم عهد سابق وشرط متقدم، وهذا - والله أعلم - معنى أمره بوفاء العهد إذا عاهدوا، وإن كان وفاء العهد لازماً لهم، وإن لم يعاهدوا؛ إذ جعل الله البشر بحيث يقبلون الحكمة والمحنة، وجعل بنيتهم وخلقتهم بحيث يقدرون على القيام بذلك، كقوله: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا...

﴾ الآية [الأحزاب: 72]، أي: أبي خلقتهم وبنيتهم، أي: لم يجعل خلقة هذه الأشياء وبنيتها [بحيث] تحتمل ذلك، ﴿ وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ  ﴾ ، أي خلقته وبنيته تحتمل ذلك والقيام بها، وتحتمل أن تكون العهود التي أمر بوفائها إذا عاهدوا على الأيمان التي يقيمون بها، حيث قال: ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ : ذكر الأيمان ونهى عن نقضها، ثم لا يحتمل أن يكون النهي عن النقض في الأيمان التي يأثم بها المرء إذا حلف؛ لأنه نهى عن نقضها، ولو كان يأثم بعقدها لكان لا ينهى عن نقضها؛ لأن الأيمان التي يأثم بها المرء إذا حلف [يؤمر] بنقضها أو لا يؤمر بوفائها وحفظها، ثم ذكر فيه بعد توكيدها، ولم يسغ نقض اليمين، وإن لم يؤكدها إذا لم يكن في الوفاء بها إثم، لكنه ذكر التوكيد؛ لأن النقض بعد ذلك أقبح وأفحش من النقض على غير التوكيد؛ على ما ذكر من القبح والفحش في بعض العهود بعد ما عاهدوا.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ هو حَلِفُهم بالله؛ لأن مشركي العرب كانوا لا يقسمون بالله إلا ما يعظم من الأمر ويجل، وذلك آخر أقسامهم؛ ولذلك قال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ  ﴾ : يقول: جهد أيمانهم هو قسمهم بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ﴾ .

قيل: كانوا يحلفون فيما بينهم على جعل الله كفيلاً عليهم، وقيل: الكفيل: هو الشهيد الحافظ، وهكذا يؤخذ الكفيل فيما يؤخذ؛ ليحفظ المال أو النفس.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ .

من الوفاء بما عاهدوا أو النقض، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ﴾ .

اختلف في تأويل الآية: قال بعضهم: الآية نزلت في مخالفة أهل الكفر بعضهم بعضاً، وهو أن يرث بعضهم بعضاً، وينصر ويعين بعضهم بعضاً، ويحلفون على ذلك ويقسمون؛ فإن هلكوا في ذلك - أي: في نصر بعضهم بعضاً [وإعانة بعضهم بعضا] - ثم إذا رأوا الكثرة والغلبة مع غير الذين خالفوهم - نقضوا ذلك، ورجعوا إلى الذين معهم الكثرة والغلبة؛ فنهوا عن ذلك.

وقال بعضهم: الآية في الذين يكونون بعد رسول الله وأصحابه لما علم أنه يكون خوارج وأهل اختلاف في الدّين، فربما كانت الكثرة والغلبة لهم على أهل العدل؛ فنهى من عاهد أهل العدل وبايعهم - أن يترك بكثرتهم وغلبتهم الكون مع أهل العدل، وإعانتهم، ونقض ما عاهدوا؛ ولذلك قال: ﴿ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ ﴾ .

وقال: هذا يدل أنه في أهل الإسلام.

وقال بعضهم: الآية في أهل النفاق؛ أنهم كانوا يقسمون بالله إنهم ينصرون رسول الله وأصحابه، ويقولون: إنا معكم، كقوله: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 56] كانوا يُرُون من أنفسهم الموافقة لهم، والنصر، والعون لهم على أعدائهم ويحلفون على ذلك، ثم إذا رأوا الكثرة مع الكفرة والغلبة، وقلة المؤمنين - تحولوا إلى أولئك، ونقضوا أيمانهم، وكانوا معهم، كقوله: ﴿ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ...

﴾ الآية [النساء: 141].

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ...

﴾ أي: لا تكونوا في نقض العهود والمواثيق كالمرأة التي تنقض غزلها من بعد قوة، وجائز أن يكون غير هذا.

يقول: ولا تظنوا في الله أن يكون في إنشاء الخلق كالمرأة التي نقضت غزلها من بعد قوة؛ فلو لم يكن بعث لكان يكون في إنشاء الخلق كالمرأة التي نقضت غزلها من بعد قوة، وقد عرفتم قبح ذلك؛ فعلى ذلك: إنشاء الخلق إذا لم يكن بعث يكون في القبح ما ذكر.

ثم ضرب الله مثل من أعطى العهد والمواثيق ووكد الأيمان في ذلك، ثم نقض ذلك بامرأة تغزل ثم تنقض ذلك الغزل من بعد قوة أنكاثاً؛ يقول - والله أعلم -: كما لم تنتفع هذه المرأة بغزلها إذا نقضته من بعد إبرامها إياه؛ كذلك لا ينتفع ولا يوثق بمن أعطى العهد، ثم نقضه.

يقول: فلا هي تركت الغزل تنتفع به، ولا هي تركت القطن والكتان كما هو؛ فكذلك الذي يعطي العهد ثم ينقضه فلا هو حين أعطاه وفي به، ولا هو ترك [العهد] فلم يعطه ونحوه.

ثم اختلف في تلك المرأة: قال بعضهم: هي امرأة من قريش حمقاء بمكة، كانت إذا غزلت نقضته.

وقال بعضهم: هذا على التمثيل؛ يقول - والله أعلم -: أي لو سمعتم بامرأة نقضت غزلها من بعد إبرامه - لقلتم: ما أحمق هذه!!

فعلى ذلك من أعطى العهد والميثاق، ثم نقض - فهو كذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: الدخل: الذي لا يصحّ ولا يستقيم؛ يقال: هذا مدخول، أي: غير صحيح.

وقال غيره: ﴿ دَخَلاً ﴾ ، أي: خديعة ومكراً يخدع بعضكم بعضاً، وهو قول أبي عوسجة أيضاً.

وقال القتبي: ﴿ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ ، أي: خيانة ودغلاً بينكم.

﴿ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ ﴾ .

أي: فريق.

﴿ أَرْبَىٰ ﴾ .

من فريق.

وقال أبو عوسجة: ﴿ أَنكَاثاً ﴾ : هي جمع "نِكْثٍ"، والنكث - من الحبل - خيوط تنكث ثم تطرق وتصير صوفاً، ثم من بعد ذلك تفتل.

قال: والمِطْرَق: قضيب يضرب به الصوف حتى ينفش ويلين كما يُنْدَف القطن، يقال: طرقت الصوف - أطرقه طرقاً - أي: ضربته، ويقال: نفشته - أنفشه نفشاً - أي: فرقت بينه فتفرق، ومنه قوله: ﴿ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ  ﴾ .

ويقال: حبل مَثْنِي: إذا كان طاقين، ومثلوث، ومربوع، ومخموس ومسدوس [ومسبوع] ومثمون ومتسوع، ومعشور.

وقال القتبي: الأنكاث: ما نقض من غزل الشعر وغيره، واحدها: نكث.

يقول: لا تؤكدوا على أنفسكم الأيمان والعهود ثم تنقضوا ذلك وتحنثوا؛ فتكونوا كامرأة غزلت ونسجت ثم نقضت ذلك فجعلته أنكاثاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ .

قال الحسن: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ المشيئة - هاهنا - مشيئة القهر والقسر، أي: لو شاء لجبرهم وقهرهم على الإيمان فآمنوا جميعاً.

فهذا فاسد؛ لأنه لا يكون بالقهر والجبر إيمان؛ لأنه لا صنع للعبد في حال القهر والجبر؛ فيبطل تأويله؛ إذ لا يجوز أن يثبت إيمان في تلك الحال.

وقال أبو بكر: تأويله قوله: لو شاء لأنزل لهم آية حتى يؤمنوا جميعاً بتلك الآية، كقوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ  ﴾ : أخبر أنه لو أنزل آية [يكونون] لها خاضعين، لكن عندنا أنهم ليسوا يؤمنون ويخضعون للآية، ولكن بما شاء لهم ذلك، ولا يحتمل أن تحملهم الآية على الإيمان، شاءوا أو أبوا؛ ألا ترى أنهم يكذبون يوم الحشر عند معاينتهم الآيات، وهو قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ : أخبر أنهم يكذبون وقد عاينوا الآيات، وليست الآية التي تنزل عليهم في الدنيا بأعظم من الآيات التي يعاينونها يوم القيامة، ثم لم يمنعهم ذلك عن الكذب؛ دلّ أن الآية ليست تحملهم على الإيمان، ولا تضطرهم عليه، ولكن لو شاء لآمنوا بالاختيار فيبطل تأويله.

ثم الآية تحتمل عندنا وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ بظاهر السبب الذي إذا أعطاهم لآمنوا له، ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً...

﴾ الآية [الزخرف: 33]: أخبر أنه لو ما يرغب الناس في الكفر فيكونون كفاراً كلهم، وإلا جعل سقف أهل الكفر ومعارجهم من فضة؛ فلو أنه جعل ذلك بعينه لأهل الإسلام وفي أيديهم لآمنوا - أيضاً - كلهم؛ لأنه لا يحتمل أن يكون ذلك في أيدي الكفرة؛ فيحمل أهل الإسلام على الكفر، وإذا كان ذلك بعينه لأهل الإسلام - لا يحمل أهل الكفر على ترك الكفر والدخول في الإسلام.

والوجه الثاني: لو شاء لجعلهم أمّة واحدة بلطف منه: يشرح صدره للإسلام من غير أن يعلم أن أحداً ألقى ذلك في قلبه، من نحو ما مكّن للشيطان عدو الله؛ حتى يقذف في قلوب الخلق ويلقي وساوس، من غير أن يعلموا أن أحداً دعا إلى ذلك وألقى إلى قلوبهم؛ ألا ترى أن إبليس لما وسوس إلى آدم -  - ليتناول من الشجرة التي نهى عنها ربّه لو علم أنه إبليس لما أجابه؛ وكذلك ما مكن للملائكة من تثبيت قلوب الذين آمنوا، وإلقاء أشياء في قلوبهم، ويلهمونهم، وهو قوله: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ  ﴾ من غير أن يعلموا [أنَّ] أحداً دعاهم إلى ذلك، أو ألقى أحد ذلك في قلوبهم؛ فمن ملك تمكين عدوه وملائكته على ما ذكرنا يملك شرح الصّدر للإسلام والدعاء إلى ذلك من غير أن يعلموا أن أحداً فعل ذلك.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ .

على قول الحسن: على الحكم لذلك.

وقال أبو بكر الأصم: يضل بالنهي من نهى، ويهدي بالأمر.

لكن هذا فاسد؛ لأنه لو كان بالنهي مضلاًّ وبالأمر هادياً - لكان مضلاًّ للأنبياء والرسل؛ لأنه قد نهاهم بمناهٍ؛ فيكون مضلاًّ لهم.

فإن قيل: لم يصر ما ذكرت؛ لأنهم لم يرتكبوا المناهي - قيل: الارتكاب فعلهم؛ فلا يحتمل أن يكون بفعلهم ذلك؛ فدل أن ما ذكرنا فاسد، وعلى قولهم يكون بالنهي عاصياً مضلاًّ، وعندنا قوله: ﴿ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ﴾ أي: يخلق فعل الضلال منهم، أو يضل من علم أنه يختار الضلال على الهدى ويخذلهم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .

هو ظاهر.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ .

قد ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ .

قال أبو بكر: دلّ قوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ أن الآيات التي تقدم ذكرها في أهل الإسلام؛ لأنه أخبر أنه تزل قدم بعد ثبوتها، وهو الكفر بعد الإسلام.

وعندنا هو ما ذكرنا أن قوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ ﴾ بالخوف، ﴿ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ أي: بعدما كانوا آمنين؛ لأنهم بأيمانهم كانوا يأمنون، وبنقضهم العهود والأيمان يخافون، فيكون قوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ ﴾ كناية عن الخوف، والثبوت كناية عن الأمن، أي صاروا خائفين بنقضهم العهود والأيمان بعدما كانوا آمنين [بها]، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوۤءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .

على هذا التأويل: يذوقون ذلك في الدنيا؛ بالقتل والقهر، ويحتمل في الآخرة؛ بما صدّوا الناس عن دين الله، واستبدلوا به الكفر بعد الإيمان.

﴿ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

وقوله - عزّ وجل -: ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .

قال بعضهم: عهد الله: دين الله.

وقال بعضهم: عهد الله الذي عهد إليهم.

ويحتمل عهد الله: ما أعطوا من العهد والأيمان، أي: ينقضوها بشيء يسير؛ إنما عند الله هو خير لكم دائم باقٍ، وهذا زائِل فانٍ، أو ما يجزي بوفاء ما عهدوا خير لكم من هذا، أي: يجزيكم بوفاء ما ذكر من العهد - خير لكم من غيره، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ ﴾ .

أي: ما أخذتم من الأموال واكتسبتم بنقض العهود والأيمان ينفد ويفنى، وما عند الله من الجزاء والثواب بوفاء العهد باقٍ.

﴿ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ أَجْرَهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ صَبَرُوۤاْ ﴾ على ما أمروا به، ونهوا عنه، وصبروا على وفاء العهد.

﴿ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ بِأَحْسَنِ ﴾ ، أي: الجزاء الذي يجزيهم على الصّبر أحسن من وفاء العهد، أو يجزيهم بأحسن ما عملوا، أي: يجعل سيئاتهم حسنات؛ كقوله: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ  ﴾ ، وقوْله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجل -: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ .

اختلف أهل التأويل [في قوله]: ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ في الآخرة، وهي الجنة.

وقال بعضهم: ﴿ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ في الدنيا.

فمن قال: الحياة الطيبة هي الجنّة، في الآخرة، يكون تأويله: من يكن عمله في الدنيا صالحاً فليحيينه الله في الآخرة حياة طيبة؛ وإلا ظاهر قوله: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً ﴾ إنما هو على عمل واحد، وكذلك قوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً  ﴾ : ظاهره على حسنة واحدة، لكن الوجه فيه ما ذكرنا: من يكن عمله في الدنيا صالحاً فيفعل ما ذكر.

وقوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً  ﴾ ، أي: ما تؤتينا في الدنيا آتنا حسنة، أو أن يكون على الختم به، أي: من ختم بالعمل الصالح فيحييه الله حياة طيبة في الجنة، كقوله: من جاء بالحسنة فله كذا.

وقال الحسن: الحياة الطيبة هي الجنة؛ لأن في الدنيا ما ينغص حياته.

وقال بعضهم: الحياة الطيبة في الدنيا؛ فتأويله: من يكن همه وجهده في الدنيا العمل الصالح فلنحيينّه حياة [طيبة]، أي: نوفقه ونيسّره الخيرات والعمل الصالح والطاعات، وهو ما روي أنه قال: "كُلُّ مُيَسّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" ، وكقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ  وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ  فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  ﴾ ونحوه؛ فذلك هو الحياة الطيّبة في الدنيا؛ حيث يسّر عليه العمل الصالح، ووفق للطاعات والخيرات.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ ﴾ ، أي: قنع في الدنيا بما قسم الله له ورزقه، ورضي به، ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ مما أزال عنه هم طلب الفضل، وغمهُ، وذلّه وحرصه عليه؛ لأن أكثر هموم الناس في الدنيا وذلهم؛ لما لم يرضوا بما قسم الله لهم، ولم يقنعوا به؛ فهو يحيا حياة طيّبة لما عصم من ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ ﴾ .

أي: في الآخرة.

﴿ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

على تأويل من قال: الحياة الطيّبة في الدّنيا.

وقال بعضهم - وهو قول أبي بكر -: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ : في الدنيا، ما ذكر هؤلاء.

وقال بعضهم: ﴿ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ الرزق الحلال.

وقوله: ﴿ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ : وقد ذكرنا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الله يأمر عباده بالعدل بأن يؤدي العبد حقوق الله وحقوق العباد، وألا يفضّل أحدًا على أحد في الحكم إلا بحق يوجب ذلك التفضيل، ويأمر بالإحسان بأن يتفضل العبد بما لا يلزمه كالإنفاق تطوعًا والعفو عن الظالم، ويأمر بإعطاء الأقرباء ما يحتاجون إليه، وينهى عن كل ما قبح، قولًا كفحش القول، أو فعلًا كالزنى، وينهى عما ينكره الشرع، وهو كل المعاصي، وينهى عن الظلم والتكبر على الناس، يعظكم الله بما أمركم به، ونهاكم عنه في هذه الآية رجاء أن تعتبروا بما وعظكم به.

<div class="verse-tafsir" id="91.jVjY9"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله