الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٣ من سورة الكهف
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 31 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣ من سورة الكهف من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( ماكثين فيه ) في ثوابهم عند الله ، وهو الجنة ، خالدين فيه ) أبدا ) دائما لا زوال له ولا انقضاء .
القول في تأويل قوله تعالى: ( مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا ) خالدين، لا ينتقلون عنه، ولا ينقلون، ونصب ماكثين على الحال من قوله: (أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا) في هذه الحال في حال مكثهم في ذلك الأجر.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سَلَمة، عن ابن إسحاق (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا ) : أي في دار خلد لا يموتون فيها، الذين صدقوك بما جئت به عن الله، وعملوا بما أمرتهم.
مَاكِثِينَدائمين .فِيهِ أَبَدًالا إلى غاية .
ومع ذلك فهذا الأجر الحسن { مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا } لا يزول عنهم، ولا يزولون عنه، بل نعيمهم في كل وقت متزايد، وفي ذكر التبشير ما يقتضي ذكر الأعمال الموجبة للمبشر به، وهو أن هذا القرآن قد اشتمل على كل عمل صالح، موصل لما تستبشر به النفوس، وتفرح به الأرواح.
( ماكثين فيه أبدا ) أي : مقيمين فيه .
«ماكثين فيه أبدا» هو الجنة.
جعله الله كتابًا مستقيمًا، لا اختلاف فيه ولا تناقض؛ لينذر الكافرين من عذاب شديد من عنده، ويبشر المصدقين بالله ورسوله الذين يعملون الأعمال الصالحات، بأن لهم ثوابًا جزيلا هو الجنة، يقيمون في هذا النعيم لا يفارقونه أبدًا.
( مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً ) أى : مقيمين فيه إقامة باقية دائمة لا انتهاء لها ، فالضمير فى قوله ( فيه ) يعود إلى الأجر الذى يراد به الجنة .قال - تعالى - : ( فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المتقين وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً ).
في الآية مسائل: المسألة الأولى: أما الكلام في حقائق قولنا: ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ فقد سبق، والذي أقوله هاهنا أن التسبيح أينما جاء فإنما جاء مقدماً على التحميد، ألا ترى أنه يقال: سبحان الله والحمد لله إذا عرفت هذا فنقول: إنه جل جلاله ذكر التسبيح عندما أخبر أنه أسرى بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً ﴾ وذكر التحميد عندما ذكر أنه أنزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب ﴾ وفيه فوائد: الفائدة الأولى: أن التسبيح أول الأمر لأنه عبارة عن تنزيه الله عما لا ينبغي وهو إشارة إلى كونه كاملاً في ذاته والتحميد عبارة عن كونه مكملاً لغيره، ولا شك أن أول الأمر هو كونه كاملاً في ذاته.
ونهاية الأمر كونه مكملاً لغيره.
فلا جرم وقع الابتداء في الذكر بقولنا ﴿ سبحان الله ﴾ ثم ذكر بعده ﴿ الحمد لله ﴾ تنبيهاً على أن مقام التسبيح مبدأ ومقام التحميد نهاية.
إذا عرفت هذا فنقول: ذكر عند الإسراء لفظ التسبيح وعند إنزال الكتاب لفظ التحميد.
وهذا تنبيه على أن الإسراء به أول درجات كماله وإنزال الكتاب غاية درجات كماله، والأمر في الحقيقة كذلك لأن الإسراء به إلى المعراج يقتضي حصول الكمال له، وإنزال الكتاب عليه يقتضي كونه مكملاً للأرواح البشرية وناقلاً لها من حضيض البهيمية إلى أعلى درجات الملكية، ولا شك أن هذا الثاني أكمل.
وهذا تنبيه على أن أعلى مقامات العباد مقاماً أن يصير (العبد) عالماً في ذاته معلماً لغيره ولهذا روي في الخبر أنه عليه الصلاة والسلام قال: «من تعلم وعلم فذاك يدعى عظيماً في السموات».
الفائدة الثانية: أن الإسراء عبارة عن رفع ذاته من تحت إلى فوق وإنزال الكتاب عليه عبارة عن إنزال نور الوحي عليه من فوق إلى تحت، ولا شك أن هذا الثاني أكمل.
الفائدة الثالثة: أن منافع الإسراء به كانت مقصورة عليه ألا ترى أنه تعالى قال هنالك: ﴿ لِنُرِيَهُ مِنْ ءاياتنا ﴾ ومنافع إنزال الكتاب عليه متعدية، ألا ترى أنه قال: ﴿ لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مّن لَّدُنْهُ وَيُبَشّرَ المؤمنين ﴾ والفوائد المتعدية أفضل من القاصرة.
المسألة الثانية: المشبهة استدلوا بلفظ الإسراء في السورة المتقدمة وبلفظ الإنزال في هذه السورة على أنه تعالى مختص بجهة فوق.
والجواب عنه مذكور بالتمام في سورة الأعراف في تفسير قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ استوى عَلَى العرش ﴾ .
المسألة الثالثة: إنزال الكتاب نعمة عليه ونعمة علينا، أما كونه نعمة عليه فلأنه تعالى أطلعه بواسطة هذا الكتاب الكريم على أسرار علوم التوحيد والتنزيه وصفات الجلال والإكرام وأسرار أحوال الملائكة والأنبياء وأحوال القضاء والقدر، وتعلق أحوال العالم السفلي بأحوال العالم العلوي، وتعلق أحوال عالم الآخرة بعالم الدنيا، وكيفية نزول القضاء من عالم الغيب، وكيفية ارتباط عالم الجسمانيات بعالم الروحانيات، وتصيير النفس كالمرآة التي يتجلى فيها عالم الملكوت وينكشف فيها قدس اللاهوت فلا شك أن ذلك من أعظم النعم، وأما كون هذا الكتاب نعمة علينا فلأنه مشتمل على التكاليف والأحكام والوعد والوعيد والثواب والعقاب، وبالجملة فهو كتاب كامل في أقصى الدرجات فكل واحد ينتفع به بمقدار طاقته وفهمه فلما كان كذلك وجب على الرسول وعلى جميع أمته أن يحمدوا الله عليه فعلمهم الله تعالى كيفية ذلك التحميد فقال: ﴿ الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب ﴾ ثم إنه تعالى وصف الكتاب بوصفين فقال: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: أنا قد ذكرنا أن الشيء يجب أن يكون كاملاً في ذاته ثم يكون مكملاً لغيره ويجب أن يكون تاماً في ذاته ثم يكون فوق التمام بأن يفيض عليه كمال الغير إذا عرفت هذا فنقول في قوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ إشارة إلى كونه كاملاً في ذاته وقوله: ﴿ قَيِّماً ﴾ إشارة إلى كونه مكملاً لغيره لأن القيم عبارة عن القائم بمصالح الغير ونظيره قوله في أول سورة البقرة في صفة الكتاب: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ فقوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ إشارة إلى كونه في نفسه بالغاً في الصحة وعدم الإخلال إلى حيث يجب على العاقل أن لا يرتاب فيه وقوله: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ إشارة إلى كونه سبباً لهداية الخلق وإكمال حالهم فقوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ قائم مقام قوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ وقوله: ﴿ قَيِّماً ﴾ قائم مقام قوله: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ وهذه أسرار لطيفة.
البحث الثاني: قال أهل اللغة العوج في المعاني كالعوج في الأعيان، والمراد منه وجوه: أحدها: نفي التناقض عن آياته كما قال: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً ﴾ .
وثانيها: أن كل ما ذكر الله من التوحيد والنبوة والأحكام والتكاليف فهو حق وصدق ولا خلل في شيء منها ألبتة.
وثالثها: أن الإنسان كأنه خرج من عالم الغيب متوجهاً إلى عالم الآخرة وإلى حضرة جلال الله وهذه الدنيا كأنها رباط بني على طريق عالم القيامة حتى أن المسافر إذا نزل فيه اشتغل بالمهمات التي يجب رعايتها في هذا السفر ثم يرتحل منه متوجهاً إلى عالم الآخرة فكل ما دعاه في الدنيا إلى الآخرة ومن الجسمانيات إلى الروحانيات ومن الخلق إلى الحق ومن اللذات الشهوانية الجسدانية إلى الاستنارة بالأنوار الصمدانية فثبت أنه مبرأ عن العوج والانحراف والباطل فلهذا قال تعالى: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ .
الصفة الثانية: للكتاب وهي قوله: ﴿ قَيِّماً ﴾ قال ابن عباس يريد مستقيماً وهذا عندي مشكل لأنه لا معنى لنفي الإعوجاج إلا حصول الاستقامة فتفسير القيم بالمستقيم يوجب التكرار وأنه باطل، بل الحق ما ذكرناه وأن المراد من كونه: ﴿ قَيِّماً ﴾ أنه سبب لهداية الخلق وأنه يجري مجرى من يكون قيماً للأطفال، فالأرواح البشرية كالأطفال، والقرآن كالقيم الشفيق القائم بمصالحهم.
البحث الثالث: قال الواحدي جميع أهل اللغة والتفسير قالوا هذا من التقديم والتأخير والتقدير: أنزل على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً.
وأقول قد بينا ما يدل على فساد هذا الكلام لأنا بينا أن قوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ يدل على كونه كاملاً في ذاته، وقوله: ﴿ قَيِّماً ﴾ يدل على كونه مكملاً لغيره وكونه كاملاً في ذاته متقدم بالطبع على كونه مكملاً لغيره فثبت بالبرهان العقلي أن الترتيب الصحيح هو الذي ذكره الله تعالى وهو قوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً ﴾ فظهر أن ما ذكروه من التقديم والتأخير فاسد يمتنع العقل من الذهاب إليه.
البحث الرابع: اختلف النحويون في انتصاب قوله: ﴿ قَيِّماً ﴾ وذكروا فيه وجوهاً.
الأول: قال صاحب الكشاف لا يجوز جعله حالاً من الكتاب لأن قوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ معطوف على قوله: ﴿ أَنَزلَ ﴾ فهو داخل في حيز الصلة فجعله حالاً من ﴿ الكتاب ﴾ يوجب الفصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة، وأنه لا يجوز.
قال: ولما بطل هذا وجب أن ينتصب بمضمر والتقدير: ولم يجعل له عوجاً وجعله قيماً.
الوجه الثاني: قال الأصفهاني الذي نرى فيه أن يقال قوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ حال وقوله: ﴿ قَيِّماً ﴾ حال أخرى وهما حالان متواليان والتقدير أنزل على عبده الكتاب غير مجعول له عوجاً قيماً.
الوجه الثالث: قال السيد صاحب حل العقد يمكن أن يكون قوله: ﴿ قَيِّماً ﴾ بدلاً من قوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ لأن معنى: ﴿ لَّمْ يَجْعَلِ لَّهُ عِوَجَا ﴾ أنه جعله مستقيماً فكأنه قيل: أنزل على عبده الكتاب وجعله قيماً.
الوجه الرابع: أن يكون حالاً من الضمير في قوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ أي حال كونه قائماً بمصالح العباد وأحكام الدين، واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه: أنزل على عبده الكتاب الموصوف بهذه الصفات المذكورة أردفه ببيان ما لأجله أنزله فقال: ﴿ لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مّن لَّدُنْهُ ﴾ وأنذر متعد إلى مفعولين كقوله: ﴿ إِنَّا أنذرناكم عَذَاباً قَرِيباً ﴾ إلا أنه اقتصر هاهنا على أحدهما وأصله ﴿ لّيُنذِرَ ﴾ الذين كفروا ﴿ بَأْسًا شَدِيدًا ﴾ كما قال في ضده: ﴿ وَيُبَشّرُ المؤمنين ﴾ والبأس مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ﴾ وقد بؤس العذاب وبؤس الرجل بأساً وبآسة وقوله: ﴿ مِن لَّدُنْهُ ﴾ أي صادراً من عنده قال الزجاج وفي: لدن لغات يقال لدن ولدي ولد والمعنى واحد، قال وهي لا تتمكن تمكن عند لأنك تقول هذا القول صواب عندي ولا تقول صواب لدني وتقول عندي مال عظيم والمال غائب عنك ولدني لما يليك لا غير وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بسكون الدال مع إشمام الضم وكسر النون والهاء وهي لغة بني كلاب ثم قال تعالى: ﴿ وَيُبَشّرَ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ﴾ واعلم أن المقصود من إرسال الرسل إنذار المذنبين وبشارة المطيعين، ولما كان دفع الضرر أهم عند (ذوي) العقول من إيصال النفع لا جرم قدم الإنذار على التبشير في اللفظ، قال صاحب الكشاف وقرئ ﴿ ويبشر ﴾ بالتخفيف والتثقيل وقوله: ﴿ مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا ﴾ يعني خالدين وهو حال للمؤمنين من قوله: ﴿ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا ﴾ ، قال القاضي: الآية دالة على صحة قولنا في مسائل، أحدها: أن القرآن مخلوق وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى وصفه بالإنزال والنزول وذلك من صفات المحدثات فإن القديم لا يجوز عليه التغير.
الثاني: وصفه بكونه كتاباً والكتب هو الجمع وهو سمي كتاباً لكونه مجموعاً من الحروف والكلمات وما صح فيه التركيب والتأليف فهو محدث.
الثالث: أنه تعالى أثبت الحمد لنفسه على إنزال الكتاب والحمد إنما يستحق على النعمة والنعمة محدثة مخلوقة.
الرابع: أنه وصف الكتاب بأنه غير معوج وبأنه مستقيم والقديم لا يمكن وصفه بذلك فثبت أنه محدث مخلوق.
وثانيها: مسألة خلق الأعمال فإن هذه الآيات تدل على قولنا في هذه المسألة من وجوه: الأول: نفس الأمر بالحمد لأنه لو لم يكن للعبد فعل لم ينتفع بالكتاب إذ الانتفاع به إنما يحصل إذا قدر على أن يفعل ما دل الكتاب على أنه يجب فعله ويترك ما دل الكتاب على أنه يجب تركه وهو إنما يفعل ذلك لو كان مستقلاً بنفسه، أما إذا لم يكن مستقلاً بنفسه لم يكن لعوج الكتاب أثر في اعوجاج فعله ولم يكن لكون الكتاب قيماً أثر في استقامة فعله، أما إذا كان العبد قادراً على الفعل مختاراً فيه بقي لعوج الكتاب واستقامته أثر في فعله.
والثاني: أنه تعالى لو كان أنزل بعض الكتاب ليكون سبباً لكفر البعض وأنزل الباقي ليؤمن البعض الآخر فمن أين أن الكتاب قيم لا عوج فيه؟
لأنه لو كان فيه عوج لما زاد على ذلك.
والثالث: قوله: ﴿ لّيُنذِرَ ﴾ وفيه دلالة على أنه تعالى أراد منه صلى الله عليه وسلم إنذار الكل وتبشير الكل وبتقدير أنه يكون خالق الكفر والإيمان هو الله تعالى لم يبق للإنذار والتبشير معنى لأنه تعالى إذا خلق الإيمان فيه حصل شاء أو لم يشأ وإذا خلق الكفر فيه حصل شاء أو لم يشاء فبقي الإنذار والتبشير على الكفر والإيمان جارياً مجرى الإنذار والتبشير على كونه طويلاً قصيراً وأسود وأبيض مما لا قدرة له عليه.
والرابع: وصفه المؤمنين بأنهم يعملون الصالحات فإن كان ما وقع خلق الله تعالى فلا عمل لهم ألبتة.
الخامس: إيجابه لهم الأجر الحسن على ما عملوا فإن كان الله تعالى يخلق ذلك فيهم فلا إيجاب ولا استحقاق.
المسألة الرابعة: قال قوله: ﴿ لّيُنذِرَ ﴾ يدل على أنه تعالى إنما يفعل أفعاله لأغراض صحيحة وذلك يبطل قول من يقول إن فعله غير معلل بالغرض، واعلم أن هذه الكلمات قد تكررت في هذا الكتاب فلا فائدة في الإعادة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَيِّمًا ﴾ مُسْتَقِيمًا مُعْتَدِلًا لا إفْراطَ فِيهِ ولا تَفْرِيطَ، أوْ ﴿ قَيِّمًا ﴾ بِمَصالِحِ العِبادِ فَيَكُونُ وصْفًا لَهُ بِالتَّكْمِيلِ بَعْدَ وصْفِهِ بِالكَمالِ، أوْ عَلى الكُتُبِ السّابِقَةِ يَشْهَدُ بِصِحَّتِها، وانْتِصابُهُ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ جَعَلَهُ قَيِّمًا أوْ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ لَهُ ﴾ ، أوْ مِنَ ﴿ الكِتابَ ﴾ عَلى أنَّ الواوَ ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ ﴾ لِلْحالِ دُونَ العَطْفِ، إذْ لَوْ كانَ لِلْعَطْفِ لَكانَ المَعْطُوفُ فاصِلًا بَيْنَ أبْعاضِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ قِيلَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وقُرِئَ « قَيِّمًا» .
﴿ لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا ﴾ أيْ لِيُنْذِرَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا، فَحُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ القَرِينَةِ واقْتِصارًا عَلى الغَرَضِ المَسُوقِ إلَيْهِ.
﴿ مِن لَدُنْهُ ﴾ صادِرًا مِن عِنْدِهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِإسْكانِ الدّالِّ كَإسْكانِ الباءِ مَن سَبْعٍ مَعَ الإشْمامِ لِيَدُلَّ عَلى أصْلِهِ، وكَسْرِ النُّونِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وكَسْرِ الهاءِ لِلْإتْباعِ.
﴿ وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا ﴾ هو الجَنَّةُ.
﴿ ماكِثِينَ فِيهِ ﴾ في الأجْرِ.
﴿ أبَدًا ﴾ بِلا انْقِطاعٍ.
<div class="verse-tafsir"
{مَّاكِثِينَ} حال من هم في لهم {فِيهِ} في الأجر وهو الجنة {أَبَدًا}
﴿ قَيِّمًا ﴾ أيْ: مُسْتَقِيمًا كَما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمُرادُ مِمّا قِيلَ إنَّهُ لا خَلَلَ في لَفْظِهِ ولا في مَعْناهُ، والمُرادُ مِن هَذا أنَّهُ مُعْتَدِلٌ لا إفْراطَ فِيما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكالِيفِ حَتّى يَشُقَّ عَلى العِبادِ ولا تَفْرِيطَ فِيهِ بِإهْمالِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ حَتّى يُحْتاجَ إلى كِتابٍ آخَرَ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ﴾ ولِذا كانَ آخِرَ الكُتُبِ المُنَزَّلِ عَلى خاتَمِ الرُّسُلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ ما أُرِيدَ مِمّا قَبْلَهُ وذَكَرَهُ لِلتَّأْكِيدِ.
وقالَ الفَرّاءُ: المُرادُ قَيِّمًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ شاهِدًا بِصِحَّتِها.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ: قَيِّمًا بِمَصالِحِ العِبادِ مُتَكَفِّلًا بِها وبِبَيانِها لَهم لِاشْتِمالِهِ عَلى ما يَنْتَظِمُ بِهِ المَعاشُ والمَعادُ وهو عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ تَأْسِيسٌ أيْضًا لا تَأْكِيدٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كِتابًا صادِقًا في نَفْسِهِ مُصَدِّقًا لِغَيْرِهِ أوْ كِتابًا خالِيًا عَنِ النَّقائِصِ حالِيًا بِالفَضائِلِ وقِيلَ: المُرادُ عَلى الأخِيرِ أنَّهُ كامِلٌ في نَفْسِهِ ومُكَمِّلٌ لِغَيْرِهِ، ونَصْبُهُ بِمُضْمَرٍ أيْ جَعَلَهُ قَيِّمًا عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ جَعَلَهُ قَيِّمًا عَلى أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلُ إلّا أنَّهُ قِيلَ: إنَّ حَذْفَ حَرْفِ العَطْفِ مَعَ المَعْطُوفِ تَكَلُّفٌ، وكانَ حَفْصٌ يَسْكُتُ عَلى: ﴿ عِوَجًا ﴾ سَكْتَةً خَفِيفَةً ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ قَيِّمًا ﴾ .
واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في «لَهُ» أيْ: لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا حالَ كَوْنِهِ مُسْتَقِيمًا ولا عِوَجَ فِيهِ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا مِن مَعْنى المُسْتَقِيمِ إذْ مُحَصِّلُهُ أنَّهُ تَعالى صانَهُ عَنِ الخَلَلِ في اللَّفْظِ والمَعْنى حالَ كَوْنِهِ مُسْتَقِيمًا ولا عِوَجَ فِيهِ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا مِن مَعْنى المُسْتَقِيمِ إذْ مُحَصِّلُهُ أنَّهُ تَعالى صانَهُ عَنِ الخَلَلِ في اللَّفْظِ والمَعْنى حالَ كَوْنِهِ خالِيًا عَنِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وكَذا عَلى القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ، نَعَمْ قِيلَ: إنَّ جَعْلَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ مَعَ تَفْسِيرِ المُسْتَقِيمِ بِالخالِي عَنِ العِوَجِ رَكِيكٌ.
وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ تَنْدَفِعُ الرَّكاكَةُ بِالحَمْلِ عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ وفِيهِ بَحْثٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ العَطْفُ قَبْلَ تَمامِ الصِّلَةِ؛ لِأنَّ الحالَ بِمَنزِلَةِ جُزْءٍ مِنها، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ: ﴿ ولَمْ يَجْعَلْ ﴾ إلَخْ مِن تَتِمَّةِ الصِّلَةِ الأُولى عَلى أنَّهُ عَطْفٌ بَيانِيٌّ حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿ أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ﴾ الكامِلَ في بابِهِ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ الفَصْلُ قَبْلَ تَمامِ الصِّلَةِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ عَلى قَوْلٍ.
وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الواوُ فِي: ﴿ ولَمْ يَجْعَلْ ﴾ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ حالٌ مِن ( الكِتابَ ) كَ «قَيِّمًا» واخْتارَهُ الأصْبِهانِيُّ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ ذاكَ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ وُقُوعَ حالَيْنِ مِن ذِي حالٍ واحِدٍ بِغَيْرِ عَطْفٍ، وكَثِيرٌ مِن أصْحابِنا عَلى مَنعِهِ، وقالَ آخَرُ: إنَّ قِياسَ قَوْلِ الفارِسِيِّ في الخَبَرِ أنَّهُ لا يَتَعَدَّدُ مُخْتَلِفًا بِالإفْرادِ والجُمْلِيَّةِ أنْ يَكُونَ الحالُ كَذَلِكَ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ؛ إذْ ما ذَكَرَهُ الفارِسِيُّ خِلافُ مَذْهَبِ الجُمْهُورِ مَعَ أنَّهُ قِياسٌ مَعَ الفارِقِ فَلا يُسْمَعُ، وكَذا ما ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ عَنِ الكَثِيرِ خِلافُ المُعَوَّلِ عَلَيْهِ عِنْدَ الأكْثَرِ، نَعَمْ فِرارًا مِنَ القِيلِ والقالِ جَعَلَ بَعْضُهُمُ الواوَ لِلِاعْتِراضِ والجُمْلَةَ اعْتِراضِيَّةً، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والأصْلُ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، ورُوِيَ القَوْلُ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وذَكَرَ السَّمِينُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ حَيْثُ وقَعَتْ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ في النَّظْمِ يَجْعَلُها مُقَدَّمَةً مِن تَأْخِيرٍ، ووَجَّهَ ذَلِكَ بِأنَّها وقَعَتْ بَيْنَ لَفْظَيْنِ مُرْتَبِطَيْنِ فَهي في قُوَّةِ الخُرُوجِ مِن بَيْنِهِما، ولَمّا كانَ: ﴿ قَيِّمًا ﴾ يُفِيدُ اسْتِقامَةً ذاتِيَّةً أوْ ثابِتَةً لِكَوْنِهِ صِفَةً مُشَبَّهَةً وصِيغَةَ مُبالَغَةٍ، وما مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ إلّا وقَدْ يُتَوَهَّمُ فِيهِ أدْنى عِوَجٍ، ذَكَرَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولَمْ يَجْعَلْ ﴾ إلَخْ لِلِاحْتِراسِ، وقُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ كَما في قَوْلِهِ: ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيَّ عَلى البِلا ولا زالَ مُنْهَلًّا بِجَرْعائِكِ القَطْرُ ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ تَفْسِيرَ القَيِّمِ بِالمُسْتَقِيمِ بِالمَعْنى المُتَبادَرِ، وأنَّ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ فائِدَةُ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْيِ العِوَجِ التَّأْكِيدُ فَرُبَّ مُسْتَقِيمٍ مَشْهُودٌ لَهُ بِالِاسْتِقامَةِ، ولا يَخْلُو مِن أدْنى عِوَجٍ عِنْدَ السَّبْرِ والتَّصَفُّحِ غَيْرُ ذِي عِوَجٍ عِنْدَ السَّبْرِ والتَّصَفُّحِ، وأنَّهُ لا يُرَدُّ قَوْلُ الإمامِ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا ) يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا في ذاتِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قَيِّمًا ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، فَثَبَتَ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ أنَّ التَّرْتِيبَ الصَّحِيحَ كَما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، وأنَّ ما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ فاسِدٌ يَمْتَنِعُ العَقْلُ مِنَ الذَّهابِ إلَيْهِ.
انْتَهى.
ولَعَمْرِي إنَّ هَذا الكَلامَ لا يَنْبَغِي مِنَ الإمامِ إنْ صَحَّ عِنْدَهُ أنَّ القَوْلَ المَذْكُورَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، فَإنَّ الأوَّلَ تُرْجُمانُ القُرْآنِ وناهِيكَ بِهِ جَلالَةً ومَعْرِفَةً بِدَقائِقِ اللِّسانِ، وقَدْ قِيلَ في الثّانِي: إذا جاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ مُجاهِدٍ فَحَسْبُكَ، وقالَ صاحِبُ «حَلِّ العَقْدِ»: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَيِّمًا بَدَلًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ قالَ أبُو حَيّانَ: ويَكُونُ حِينَئِذٍ بَدَلَ مُفْرَدٍ مِن جُمْلَةٍ كَما قالُوا في عَرَفْتُ زَيْدًا أبُو مَن هُوَ؛ إنَّهُ بَدَلُ جُمْلَةٍ مِن مُفْرَدٍ، وفي جَوازِ ذَلِكَ خِلافٌ، هَذا وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ضَمِيرَ: «لَهُ» عائِدٌ عَلى «عَبْدِهِ» وحِينَئِذٍ لا يَتَأتّى جَمِيعُ التَّخارِيجِ الإعْرابِيَّةِ السّابِقَةِ، وقَرَأ أبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ «قِيَمًا» بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الياءِ المُخَفَّفَةِ، وفي بَعْضِ مَصاحِفِ الصَّحابَةِ: «ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا لَكِنَّهُ قَيِّمًا» وحُمِلَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرٌ لا قِراءَةٌ ( لِيُنْذِرَ ) مُتَعَلِّقٌ بِ «أنْزَلَ» واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، واسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ بِتَعْلِيلِ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى بِالأغْراضِ كالسَّلَفِ والماتُرِيدِيَّةِ، ومَن يَأْبى ذَلِكَ يَجْعَلُها لامَ العاقِبَةِ، وزَعَمَ الحُوفِيُّ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِ «قَيِّمًا» ولَيْسَ بِقَيِّمٍ، والفاعِلُ ضَمِيرُ الجَلالَةِ، وكَذا في الفِعْلَيْنِ المَعْطُوفَيْنِ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ في الكُلِّ ضَمِيرَ الكِتابِ أوْ ضَمِيرَهُ ، وأنْذَرَ يَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ قالَ تَعالى: ﴿ أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا ﴾ وحَذَفَ هُنا المَفْعُولُ الأوَّلُ واقْتَصَرَ عَلى الثّانِي، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَأْسًا شَدِيدًا ﴾ إيذانًا بِأنَّ ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ هو المَفْعُولُ الثّانِي، وأنَّ الأوَّلَ ظاهِرٌ لا حاجَةَ إلى ذِكْرِهِ وهو الَّذِينَ كَفَرُوا بِقَرِينَةِ ما بَعْدُ، والمُرادُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالكِتابِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ البَأْسِ الشَّدِيدِ عَذابُ الآخِرَةِ لا غَيْرَ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَنْدَرِجَ فِيهِ عَذابُ الدُّنْيا.
﴿ مِن لَدُنْهُ ﴾ أيْ: صادِرًا مِن عِنْدِهِ تَعالى نازِلًا مِن قِبَلِهِ بِمُقابَلَةِ كُفْرِهِمْ فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً ثانِيَةً لِلْبَأْسِ، ولَدُنْ هُنا بِمَعْنى عِنْدَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّهُ أخَصُّ مِنهُ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى ابْتِداءِ نِهايَةٍ نَحْوَ أقَمْتُ عِنْدَهُ مِن لَدُنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها، وقَدْ يُوضَعُ مَوْضِعَ عِنْدَ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ «لَدُنْ» أبْلَغُ مِن عِنْدَ وأخَصُّ وفِيهِ لُغاتٌ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِإشْمامِ الدّالِ بِمَعْنى تَضْعِيفِ الصَّوْتِ بِالحَرَكَةِ الفاصِلَةِ بَيْنَ الحَرْفَيْنِ فَيَكُونُ إخْفاءً لَها وبِكَسْرِ النُّونِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وكَسْرِ الهاءِ لِلْإتْباعِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قَرَأ بِالإسْكانِ مَعَ الإشْمامِ بِمَعْنى الإشارَةِ إلى الحَرَكَةِ بِضَمِّ الشَّفَتَيْنِ مَعَ انْفِراجٍ بَيْنِهِما فاسْتُشْكِلَ في الدُّرِّ المَصُونِ.
وغَيْرُهُ بِأنَّ هَذا الإشْمامَ إنَّما يَتَحَقَّقُ في الوَقْفِ عَلى الآخِرِ، وكَوْنُهُ في الوَسَطِ كَما هُنا لا يُتَصَوَّرُ، ولِذا قِيلَ: إنَّهُ يُؤْتى بِهِ هُنا بَعْدَ الوَقْفِ عَلى الهاءِ.
ودُفِعَ الِاعْتِراضُ بِأنَّهُ لا يَدُلُّ حِينَئِذٍ عَلى حَرَكَةِ الدّالِ وقَدْ عُلِّلَ بِهِ بِأنَّهُ مُتَعَيِّنٌ؛ إذْ لَيْسَ في الكَلِمَةِ ما يَصْلُحُ أنْ يُشارَ إلى حَرَكَتِهِ غَيْرُها، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وما قَدَّمْناهُ حاسِمٌ لِمادَّةِ الإشْكالِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الدّالِ والهاءِ وسُكُونِ النُّونِ إلّا أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ يَصِلُ الهاءَ بِواوٍ وغَيْرُهُ لا يَصِلُ ﴿ ويُبَشِّرَ ﴾ بِالنَّصْبِ عُطِفَ عَلى يُنْذِرَ وقُرِئَ شاذًّا بِالرَّفْعِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: «ويَبْشُرُ» بِالتَّخْفِيفِ ﴿ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيِ المُصَدِّقِينَ بِالكِتابِ كَما يُشْعِرُ بِهِ وكَذا بِما تَقَدَّمَ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ الِامْتِنانِ بِإنْزالِ الكِتابِ ﴿ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ﴾ أيِ الأعْمالَ الصّالِحَةَ الَّتِي بُيِّنَتْ في تَضاعِيفِهِ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ في الصِّلَةِ لِلْإشْعارِ بِتَجَدُّدِ العَمَلِ واسْتِمْرارِهِ، وإجْراءُ المَوْصُولِ عَلى مَوْصُوفِهِ المَذْكُورِ لِما أنَّ مَدارَ قَبُولِ العَمَلِ الإيمانُ ﴿ أنَّ لَهُمْ ﴾ أيْ: بِأنَّ لَهم بِمُقابَلَةِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ المَذْكُورِ ﴿ أجْرًا حَسَنًا ﴾ هو كَما قالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ الجَنَّةُ وفِيها مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ والثَّوابِ العَظِيمِ ما فِيها، ويُؤَيِّدُ كَوْنَ المُرادِ بِهِ الجَنَّةُ ظاهِرُ <div class="verse-tafsir"
موقع الافتتاح بهذا التحميد كموقع الخطبة يفتتح بها الكلام في الغرض المهم.
ولما كان إنزال القرآن على النبي أجزل نَعماء الله تعالى على عباده المؤمنين لأنه سبب نجاتهم في حياتهم الأبدية، وسبب فوزهم في الحياة العاجلة بطيب الحياة وانتظام الأحوال والسيادة على الناس، ونعمة على النبي بأن جعله واسطة ذلك ومبلَغه ومبينه؛ لأجل ذلك استحق الله تعالى أكمل الحمد إخباراً وإنشاءً.
وقد تقدم إفادة جملة «الحمد لله» استحقاقه أكمل الحمد في صدر سورة الفاتحة.
وهي هنا جملة خبرية، أخبر الله نبيئَه والمسلمين بأن مستحق الحمد هو الله تعالى لا غيره، فأجرى على اسم الجلالة الوصف بالموصول تنويهاً بمضمون الصلة ولما يفيده الموصول من تعليل الخبر.
وذكر النبي صلى الله عليه وسلم بوصف العبودية لله تقريب لمنزلته وتنويه به بما في إنزال الكتاب عليه من رفعة قدره كما في قوله تعالى: ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ﴾ [الفرقان: 1].
والكتاب: القرآن.
فكل مقدار منزل من القرآن فهو الكتاب}.
فالمراد بالكتاب هنا ما وقع إنزاله من يوم البعثة في غار حراء إلى يوم نزول هذه السورة، ويلحق به ما ينزل بعد هذه الآية ويزاد به مقداره.
وجملة ﴿ ولم يجعل له عوجاً ﴾ معترضة بين ﴿ الكتاب ﴾ وبين الحال منه وهو ﴿ قيماً ﴾ .
والواو اعتراضية.
ويجوز كون الجملة حالاً والواو حالية.
والعِوج بكسر العين وفتحها وبفتح الواو حقيقته: انحراف جسم ما عن الشكل المستقيم، فهو ضد الاستقامة.
ويطلق مجازاً على الانحراف عن الصواب والمعاني المقبولة المستحسنة.
والذي عليه المحققون من أيمة اللغة أن مكسور العين ومفتوحها سواء في الإطلاقين الحقيقي والمجازي.
وقيل: المكسورُ العيننِ يختص بالإطلاق المجازي وعليه درج في «الكشاف».
ويبطله قوله تعالى لما ذكر نسف الجبال ﴿ فيذرها قاعاً صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتاً ﴾ [طه: 106 107] حيث اتفق القراء على قراءته بكسر العين.
وعن ابن السكيت: أن المكسور أعم يجيء في الحقيقي والمجازي وأن المفتوح خاص بالمجازي.
والمراد بالعِوج هنا عوج مدلولات كلامه بمخالفتها للصواب وتناقضها وبعدها عن الحكمة وإصابة المراد.
والمقصود من هذه الجملة المعترضة أو الحالية إبطال ما يرميه به المشركون من قولهم: افتراه، وأساطير الأولين، وقول كاهن، لأن تلك الأمور لا تخلو من عوج، قال تعالى: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ﴾ [النساء: 82].
وضمير له } عائد إلى ﴿ الكتاب ﴾ .
وإنما عدي الجعل باللام دون (في) لأن العوج المعنوي يناسبه حرف الاختصاص دون حرف الظرفية لأن الظرفية من علائق الأجسام، وأما معنى الاختصاص فهو أعم.
فالمعنى: أنه متصف بكمال أوصاف الكتب من صحة المعاني والسلامة من الخطأ والاختلاف.
وهذا وصف كمال للكتاب في ذاته وهو مقتض أنه أهل للانتفاع به، فهذا كوصفه ب ﴿ أنه لا ريب فيه ﴾ في سورة البقرة (2).
و قيماً } حال من ﴿ الكتاب ﴾ أو من ضميره المجرور باللام، لأنه إذا جعل حالاً من أحدهما ثبت الاتصاف به للآخر إذ هما شيء واحد، فلا طائل فيما أطالوا به من الإعراب.
والقيم: صفة مبالغة من القيام المجازي الذي يطلق على دوام تعهد شيء وملازمة صلاحه، لأن التعهد يستلزم القيام لرؤية الشيء والتيقظ لأحواله، كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ الحي القيوم ﴾ في سورة البقرة (255).
والمراد به هنا أنه قيم على هدي الأمة وإصلاحها، فالمراد أن كماله متعدّ بالنفع، فوزانه وزان وصفه بأنه ﴿ هدى للمتقين ﴾ في سورة البقرة: (2).
والجمع بين قوله: ولم يجعل له عوجاً } وقوله: ﴿ قيماً ﴾ كالجمع بين ﴿ لا ريب فيه ﴾ [البقرة: 2] وبين ﴿ هدى للمتقين ﴾ [البقرة: 2] وليس هو تأكيداً لنفي العوج.
لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ} ﴿ لينذر ﴾ متعلق ب ﴿ أنزل ﴾ .
والضمير المرفوع عائد إلى اسم الجلالة، أي لينذر الله بأساً شديداً من لدنه، والمفعول الأول ل ﴿ ينذر ﴾ محذوف لقصد التعميم، أو تنزيلاً للفعل منزلة اللازم لأن المقصود المنذَر به وهو البَأس الشديد تهويلاً له ولتهديد المشركين المنكرين إنزال القرآن من الله.
والبأس: الشدة في الألم.
ويطلق على القوة في الحرب لأنها تؤلم العدو.
وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ﴾ من سورة البقرة (177).
والمراد هنا: شدة الحال في الحياة الدنيا، وذلك هو الذي أطلق على اسم البأس في القرآن، وعليه درج الطبري.
وهذا إيماء بالتهديد للمشركين بما سيلقونه من القتل والأسر بأيدي المسلمين، وذلك بأس من لدنه تعالى لأنه بتقديره وبأمره عباده أن يفعلوه، فاستعمال (لدن) هنا في معنييه الحقيقي والمجازي.
وليس في جعل الإنذار ببأس الدنيا علّةً لإنزال الكتاب ما يقتضي اقتصار عِلل إنزاله على ذلك، لأن الفعل الواحد قد تكون له علل كثيرة يذكر بعضُها ويُترك بعض.
وإنما آثَرْتُ الحمل على جعل اليأس الشديد بأسَ الدنيا للنقصي مما يرد على إعادة فعل ﴿ وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ﴾ [الكهف: 4] كما سيأتي.
ويجوز أن يراد بالبأس عذابُ الآخرة فإنه بأس شديد، ويكون قوله: من لدنه} مستعملاً في حقيقته.
وبهذا الوجه فسر جمهور المفسرين.
ويجوز أن يراد بالبأس الشديد ما يشمل بأس عذاب الآخرة وبأس عذاب الدنيا، وعلى هذا درج ابن عطية والقرطبي، ويكون استعمال من ﴿ لدنه ﴾ في معنييه الحقيقي والمجازي، أما في عذاب الآخرة فظاهر، وأما في عذاب الدنيا فلأن بعضه بالقتل والأسر وهما من أفعال الناس ولكن الله أمر المسلمين بهما فهما من لدنه.
وحذف مفعول ﴿ ينذر ﴾ لدلالة السياق عليه لظهور أنه ينذر الذين لم يؤمنوا بهذا الكتاب ولا بالمنزل عليه، ولدلالة مقابله عليه في قوله: ﴿ ويبشر المؤمنين ﴾ .
عطف على قوله: ﴿ لينذر بأساً ﴾ ، فهو سبب آخر لإنزال الكتاب أثارته مناسبة ذكر الإنذار ليبقى الإنذار موجهاً إلى غيرهم.
وقوله: ﴿ أن لهم أجراً حسناً ﴾ متعلق ب ﴿ يبشر ﴾ بحذف حرف الجر مع (أن)، أي بأن لهم أجراً حسناً.
وذكر الإيمان والعمل الصالح للإشارة إلى أن استحقاق ذلك الأجر بحصول ذلك لأمرين.
ولا يتعرض القرآن في الغالب لحالة حصول الإيمان مع شيء من الأعمال الصالحة كثيرٍ أو قليللٍ، ولحُكْمِهِ أدلة كثيرة.
والمكث: الاستقرار في المكان، شُبه ما لهم من اللذات والملائمات بالظرف الذي يستقر فيه حالُّهُ للدلالة على أن الأجر الحسن كالمحيط بهم لا يفارقهم طرفة عين، فليس قوله: ﴿ أبداً ﴾ بتأكيدٍ لمعنى ﴿ ماكثين ﴾ بل أفيد بمجموعها الإحاطة والدوام.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا ﴾ بمعنى: خالدين (١) (٢) (١) "جامع البيان" 15/ 192، و"القرطبي" 10/ 348، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 80.
(٢) "المحرر الوجيز" 9/ 229، و"البحر المحيط" 6/ 96، و"الدر المصون" 7/ 439، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 268.
<div class="verse-tafsir"
خالدين في هذا الثواب أبدًا، فلا ينقطع عنهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.dZoQP"