الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٢٤ من سورة مريم
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 103 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٤ من سورة مريم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
قرأ بعضهم ) من تحتها ) بمعنى الذي تحتها .
وقرأ آخرون : ( من تحتها ) على أنه حرف جر .
واختلف المفسرون في المراد بذلك من هو ؟
فقال العوفي وغيره ، عن ابن عباس : ( فناداها من تحتها ) جبريل ، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها ، وكذا قال سعيد بن جبير ، والضحاك ، وعمرو بن ميمون ، والسدي ، وقتادة : إنه الملك جبريل عليه الصلاة والسلام ، أي : ناداها من أسفل الوادي .
وقال مجاهد : ( فناداها من تحتها ) قال : عيسى ابن مريم ، وكذا قال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة قال : قال الحسن : هو ابنها .
وهو إحدى الروايتين عن سعيد بن جبير : أنه ابنها ، قال : أولم تسمع الله يقول : ( فأشارت إليه ) [ مريم : 29 ] ؟
واختاره ابن زيد ، وابن جرير في تفسيره وقوله : ( ألا تحزني ) أي : ناداها قائلا لا تحزني ، ( قد جعل ربك تحتك سريا ) قال سفيان الثوري وشعبة ، عن أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب : ( قد جعل ربك تحتك سريا ) قال : الجدول .
وكذا قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : السري : النهر .
وبه قال عمرو بن ميمون : نهر تشرب منه .
وقال مجاهد : هو النهر بالسريانية .
وقال سعيد بن جبير : السري : النهر الصغير بالنبطية .
وقال الضحاك : هو النهر الصغير بالسريانية .
وقال إبراهيم النخعي : هو النهر الصغير .
وقال قتادة : هو الجدول بلغة أهل الحجاز .
وقال وهب بن منبه : السري : هو ربيع الماء .
وقال السدي : هو النهر ، واختار هذا القول ابن جرير .
وقد ورد في ذلك حديث مرفوع ، فقال الطبراني : حدثنا أبو شعيب الحراني : حدثنا يحيى بن عبد الله البابلتي حدثنا أيوب بن نهيك ، سمعت عكرمة مولى ابن عباس يقول : سمعت ابن عمر يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن السري الذي قال الله لمريم : ( قد جعل ربك تحتك سريا ) نهر أخرجه الله لتشرب منه " وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه .
وأيوب بن نهيك هذا هو الحبلي قال فيه أبو حاتم الرازي : ضعيف .
وقال أبو زرعة : منكر الحديث .
وقال أبو الفتح الأزدي : متروك الحديث .
وقال آخرون : المراد بالسري : عيسى ، عليه السلام ، وبه قال الحسن ، والربيع بن أنس ، ومحمد بن عباد بن جعفر .
وهو إحدى الروايتين عن قتادة ، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، والقول الأول أظهر ; ولهذا قال بعده :
اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والعراق ( فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا ) بمعنى: فناداها جبرائيل من بين يديها على اختلاف منهم في تأويله; فمن متأوّل منهم إذا قرأه ( مِنْ تَحْتِهَا ) كذلك; ومن متأوّل منهم أنه عيسى ، وأنه ناداها من تحتها بعد ما ولدته.
وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل الكوفة والبصرة ( فَنَادَاها مَنْ تَحْتَها ) وبفتح التاءين من تحت، بمعنى: فناداها الذي تحتها، على أن الذي تحتها عيسى، وأنه الذي نادى أمه.
* ذكر من قال: الذي ناداها من تحتها المَلَك ، حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت ابن عباس قرأ: ( فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا ) يعني: جبرائيل.
حدثني أحمد بن عبد الله أحمد بن يونس، قال: أخبرنا عَبثر ، قال: ثنا حصين، عن عمرو بن ميمون الأوْديّ، قال: الذي ناداها الملك.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، أنه قرأ: فخاطبها من تحتها.
حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأ: فخاطبها من تحتها.
حدثنا الرفاعي، قال: ثنا وكيع، عن أبيه، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأها كذلك.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن جويبر، عن الضحاك ( فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا ) قال: جبرائيل.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن جويبر، عن الضحاك، مثله.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا ) : أي من تحت النخلة.
حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ(فَنَادَاهَا) جبرائيل ( مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي ).
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ( فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا ) قال: المَلَك.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا ) يعني: جبرائيل كان أسفل منها.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي ، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، ( فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا ) قال: ناداها جبرائيل ولم يتكلم عيسى حتى أتت قومها.
* ذكر من قال: ناداها عيسى صلى الله عليه وسلم: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا ) قال: عيسى ابن مريم.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال : ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن ( فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا ) ابنها.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: قال الحسن: هو ابنها.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه (فَنَادَاهَا) عيسى ( مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي ) .
حدثني أبو حميد أحمد بن المغيرة الحمصي، قال: ثنا عثمان بن سعيد ، قال: ثنا محمد بن مهاجر، عن ثابت بن عجلان، عن سعيد بن جبير، قوله ( فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا ) قال عيسى: أما تسمع الله يقول فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ .
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ( فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا ) قال: عيسى; ناداها( مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ).
حُدثت عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحيّ، عن أبيّ بن كعب قال: الذي خاطبها هو الذي حملته في جوفها ودخل من فيها.
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندنا قول من قال: الذي ناداها ابنها عيسى، وذلك أنه من كناية ذكره أقرب منه من ذكر جبرائيل، فردّه على الذي هو أقرب إليه أولى من ردّه على الذي هو أبعد منه.
ألا ترى في سياق قوله فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا يعني به: فحملت عيسى فانتبذت به، ثم قيل: فناداها نسقا على ذلك من ذكر عيسى والخبر عنه.
ولعلة أخرى، وهي قوله ( فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ) ولم تشر إليه إن شاء الله ألا وقد علمت أنه ناطق في حاله تلك، وللذي كانت قد عرفت ووثقت به منه بمخاطبته إياها بقوله لها( أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) وما أخبر الله عنه أنه قال لها أشيري للقوم إليه، ولو كان ذلك قولا من جبرائيل، لكان خليقا أن يكون في ظاهر الخبر، مبينا أن عيسى سينطق، ويحتجّ عنها للقوم، وأمر منه لها بأن تشير إليه للقوم إذا سألوها عن حالها وحاله.
فإذا كان ذلك هو الصواب من التأويل الذي بينا، فبين أن كلتا القراءتين، أعني ( مِنْ تَحْتِهَا ) بالكسر، ( وَمَنْ تَحْتَها ) بالفتح صواب.
وذلك أنه إذا قرئ بالكسر كان في قوله (فَنَادَاهَا) ذكر من عيسى: وإذا قرئ( مَنْ تَحْتَها) بالفتح كان الفعل لمن وهو عيسى.
فتأويل الكلام إذن: فناداها المولود من تحتها أن لا تحزني يا أمه ( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ).
كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي ) قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي، لا ذات زوج فأقول من زوج، ولا مملوكة فأقول من سيدي، أي شيء عذري عند الناس يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام.
واختلف أهل التأويل في المعنيّ بالسريّ في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني به: النهر الصغير.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب ( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) قال: الجدول.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول في هذه الآية ( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) قال: الجدول.
حدثني عليّ، قال : ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) وهو نهر عيسى.
حدثني محمد بن سعد ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) قال: السريّ: النهر الذي كان تحت مريم حين ولدته كان يجري يسمى سَرِيا.
حدثني أبو حصين، قال: ثنا عَبثر، قال: ثنا حصين، عن عمرو بن ميمون الأوْدِيّ، قال في هذه الآية ( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) قال: السريّ: نهر يُشرب منه.
حدثنا يعقوب وأبو كريب، قالا ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عمرو بن ميمون، في قوله: ( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) قال: هو الجدول.
حدثنا محمد بن عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( سَرِيًّا) قال: نهر بالسريانية.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، قال ابن جريج: نهر إلى جنبها.
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، في قوله ( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) قال: كان سريا فقال حميد بن عبد الرحمن: إن السريّ: الجدول، فقال: غلبتنا عليك الأمراء.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير ( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) قال: هو الجدول، النهر الصغير، وهو بالنبطية: السريّ.
حدثني أبو حميد الحمصي، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا محمد بن مهاجر، عن ثابت بن عجلان قال: سألت سعيد بن جبير، عن السريّ، قال: نهر.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: النهر الصغير.
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، أنه قال: هو النهر الصغير: يعني الجدول، يعني قوله ( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ).
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك، قال: جدول صغير بالسريانية.
حدثنا عن الحسين ، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( تَحْتَكِ سَرِيًّا ) الجدول الصغير من الأنهار.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) والسريّ: هو الجدول، تسميه أهل الحجاز.
حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر ، في قوله (سَرِيًّا) قال: هو جدول.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم وعن وهب بن منبه ( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) يعني ربيع الماء.
- حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي ( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) والسريّ: هو النهر.
وقال آخرون: عنى به عيسى.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن ( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) والسريّ: عيسى نفسه.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) يعني نفسه، قال: وأيّ شيء أسرى منه، قال: والذين يقولون: السريّ: هو النهر ليس كذلك النهر، لو كان النهر لكان إنما يكون إلى جنبها، ولا يكون النهر تحتها.
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قيل من قال: عنى به الجدول، وذلك أنه أعلمها ما قد أتاها الله من الماء الذي جعله عندها، وقال لها وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي من هذا الرطب وَاشْرَبِي من هذا الماء وَقَرِّي عَيْنًا بولدك، والسريّ معروف من كلام العرب أنه النهر الصغير; ومنه قول لبيد: فَتَوَسَّـطا عُـرْضَ السَّـريّ وَصَدَّعـا مَسْـــجُورَةٌ مُتَجــاوِرًا قُلامُهــا (11) ويُروى فينا (12) مسجورة، ويُروى أيضًا: فغادرا.
قوله ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) ذكر أن الجذع كان جذعًا يابسًا، وأمرها أن تهزّه، وذلك في أيام الشتاء، وهزّها إياه كان تحريكه.
----------------------------- الهوامش : (8) البيت لزهير بن أبي سلمى ( اللسان : جيأ ) .
قال : وأجاءه إلى شيء : جاء به ، وألجأه ، واضطره إليه .
قال زهير بن أبي سلمى : " وجار .
.
.
" البيت .
قال الفراء : أصله من جئت ، وقد وقد جعلته العرب إلجاء .
وفي المثل : " شر ما أجاءك إلى مخة العرقوب ، وشر ما يجيئك إلى مخة عرقوب " قال الأصمعي : وذلك أن العرقوب لا مخ فيه ، وإنما يحوج إليه من لا يقدر على شيء .
ومنهم من يقول : شر ما ألجأك : والمعنى واحد .
وتميم تقول : شر ما أشاءك .
(9) البيت للشنفرى " اللسان : نسي " قال : والنسي : الشيء المنسي الذي لا يذكر .
وقال الأخفش : النسي : ما أغفل من شيء حقير ونسي.
وقال الزجاج : النسي في كلام العرب الشيء المطروح ، لا يؤبه له .
وقال الشنفرى : " وكأن لها .
.
.
البيت " قال ابن بري : بلت ، فالفتح : إذا قطع ، وبلت بالكسر : إذا سكن .
وقال الفراء : النسي والنسي ( بكسر النون المشددة وفتحها ) لغتان فيه تلقيه المرأة من خرق اعتلاها ( حيضها ) مثل وتر ووتر .
قال ولو أراد بالنسي ( بالفتح ) مصدر النسيان ، كان صوابا .
(10) في ( اللسان : أتى ) : الإتيان : المجيء .
أتيته أتيا وإتيانا وإتيانه ومأتاه : جئته .
واستشهد المؤلف بالبيت على أن العرب تقول نسيته نسيانا ونسيا ، كما تقول أتيته إتيانا وأتيا .
وقوله معروفة : أنث الخبر بالتاء مع أن المبتدأ وهو الأتي مذكر ، لكنه لما أضيف إلى الفواحش ، وهي جمع فاحشة .
اكتسب منها التأنيث فلذلك أنث الخبر بالتاء .
(11) البيت للبيد بن ربيعة العامري ، من معلقته المشهورة ( انظره في شرح الزوزني على المعلقات السبع ، وفي شرح التبريزي على القصائد العشر ، وفي جمهرة أشعار العرب ص 63 - 74 ) .
قال صاحب الجمهرة : توسطا ؛ : أي دخلا وسطه .
وعرض السري : أي ناحية النهر ، وأهل الحجاز .
يسمون النهر سريا .
وصدعا : أي فرقا .
ومسجورة : أي عينا مملوءة ؛ قال الله تعالى : ( والبحر المسجور ) وأقلامها ، ويروى قلامها ، وهو ضرب من الشجر الحمض ، والأقلام : قصب اليراع .
وقال الزوزني يقول : فتو سط العير والأتان جانب النهر الصغير ، وشقا عينا مملوءة ماء ، قد تجاوز قلامها ، أي قد كثر هذا الضرب من النبت عليها .
وتحرير المعنى : أنهما قد ورد عينا ممتلئة ماء ، فدخلا فيها من عرض نهرها ، وقد تجاور نبتها .
والشاهد في قوله " السري " وهو اسم للنهر الصغير .
(12) كذا في المخطوطة بغير نقط ، ولم نقف على هذه الرواية .
قوله تعالى : فناداها من تحتها قرئ بفتح الميم وكسرها .
قال ابن عباس : المراد ب ( من ) جبريل ، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها ؛ وقاله علقمة والضحاك وقتادة ؛ ففي هذا لها آية وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة التي لله فيها مراد عظيم .
وقوله : ألا تحزني تفسير النداء ، ( وأن ) مفسرة بمعنى أي ، المعنى : فلا تحزني بولادتك .
قد جعل ربك تحتك سريا يعني عيسى .
والسري من الرجال العظيم الخصال السيد .
قال الحسن : كان والله سريا من الرجال .
ويقال : سري فلان على فلان أي تكرم .
وفلان سري من قوم سراة .
وقال الجمهور : أشار لها إلى الجدول الذي كان قريب جذع النخلة .
قال ابن عباس : كان ذلك نهرا قد انقطع ماؤه فأجراه الله تعالى لمريم .
والنهر يسمى سريا ؛ لأن الماء يسري فيه ؛ قال الشاعر :سلم ترى الدالي منه أزورا إذا يعب في السري هرهراوقال لبيد :فتوسطا عرض السري وصدعا مسجورة متجاورا قلامها[ ص: 22 ] وقيل : ناداها عيسى ، وكان ذلك معجزة وآية وتسكينا لقلبها ؛ والأول أظهر .
وقرأ ابن عباس ( فناداها ملك من تحتها ) قالوا : وكان جبريل - عليه السلام - في بقعة من الأرض أخفض من البقعة التي كانت هي عليها .
فحينئذ سكن الملك روعها وثبت جأشها وناداها من تحتها، لعله في مكان أنزل من مكانها، وقال لها: لا تحزني، أي: لا تجزعي ولا تهتمي، فــ { قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ْ} أي: نهرا تشربين منه.
( فناداها من تحتها ) قرأ أبو جعفر ونافع وحمزة والكسائي وحفص : ( من تحتها ) بكسر الميم والتاء ، يعني جبريل عليه السلام ، وكانت مريم على أكمة وجبريل وراء الأكمة تحتها فناداها .
وقرأ الآخرون بفتح الميم والتاء ، وأراد جبريل عليه السلام أيضا ، ناداها من سفح الجبل .
وقيل : هو عيسى لما خرج من بطن أمه ناداها : ( ألا تحزني ) وهو قول مجاهد والحسن .
والأول قول ابن عباس رضي الله عنهما و السدي وقتادة والضحاك وجماعة : أن المنادي كان جبريل ، لما سمع كلامها وعرف جزعها ناداها ألا تحزني .
( قد جعل ربك تحتك سريا ) و " السري " : النهر الصغير .
وقيل : تحتك ، أي : جعله الله تحت أمرك ، إن أمرتيه أن يجري جرى ، وإن أمرتيه بالإمساك أمسك .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : ضرب جبريل عليه السلام ويقال : ضرب عيسى عليه الصلاة والسلام برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب وجرى .
وقيل : كان هناك نهر يابس أجرى الله سبحانه وتعالى فيه الماء وحييت النخلة اليابسة ، فأورقت وأثمرت وأرطبت .
وقال الحسن : " تحتك سريا " يعني : عيسى وكان والله عبدا سريا ، يعني : رفيعا .
«فناداها من تحتها» أي: جبريل وكان أسفل منها «ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا» نهر ماء كان قد انقطع.
فناداها جبريل أو عيسى: أن لا تَحزني، قد جعل ربك تحتك جَدْول ماء.
ثم ذكر - سبحانه - جابناً من إكرامه لمريم فى تلك الساعات العصيبة من حياتها فقال : ( فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً فَكُلِي واشربي وَقَرِّي عَيْناً .
.
) .والذى ناداها يرى بعضهم أنه جبريل - عليه السلام - .
وقوله ( مِن تَحْتِهَآ ) فيه قراءتان سبعيتان : إحداهما : بكسر الميم فى لفظ ( مِن ) على أنه حرف جر ، وخفض تاء ( تَحْتِهَآ ) على أنه مجرور بحرف الجر والفاعل محذوف أى : فناداها جبريل من مكان تحتها ، أى أسفل منها .
.
.والثانية بفتح فى لفظ ( مَن ) على أنه اسم موصول ، فاعل نادى وبفتح التاء فى ( تَحْتَهَآ ) على الظرفية ، أى : فنادها الذى هو تحتها ، وهو جبريل - عليه السلام - .قال القرطبى : قوله - تعالى - ( فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ ) .قال ابن عباس : المراد بمن تحتها جبريل ، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها .
.
.
ففى هذا لها آية وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة ، التى الله - تعالى - فيها مراد عظيم " .ويرى بعض المفسرين أن المنادى هو عيسى - عليه السلام - فيكون المعنى : فناداها ابنها عيسى الذى كان عندما وضعته موجوداً تحتها .وقد رجح الإمام ابن جرير هذا الرأى فقال : " وأولى القولين فى ذلك عندنا قول من قال : الذى ناداها ابنها عيسى ، وذلك أنه من كناية - أى ضمير - ذكره أقرب منه من ذكر جبريل ، فرده على الذى هو أقرب إليه أولى من رده على الذى هو أبعد منه ، ألا ترى أنه فى سياق قوله - تعالى - ( فَحَمَلَتْهُ فانتبذت بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً ..
) ثم قيل : فناداها نسقا على ذلك ، ولعلة أخرى وهى قوله : ( فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ .
.
) ولم تشر إليه - إن شاء الله - إلا وقد علمت أنه ناطق فى حاله تلك .
.
.
" .ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير من كون الذى نادى مريم هو ابنها عيسى ، أقرب إلى الصواب ، لأن هذا النداء منه لها فى تلك الساعة ، فيه ما فيه من إدخال الطمأنينة والسكينة على قلبها .أى : فناداها ابنها عيسى الذى كان أسفل منها عندما وضعته .
مطمئناً إياها بعد أن قالت : يا ليتنى مت قبل هذا الذى حدث لى .
.
.
ناداها بقوله : ( أَلاَّ تَحْزَنِي ) يا أماه ( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ) أى جدولاً صغيراً من الماء ، لتأخذى منه ما أنت فى حاجة إليه ، وسمى النهر الصغير من الماء سريا ، لأن الماء يسرى فيه .وقيل : المراد بالسرى : عيسى - عليه السلام - مأخوذ من السَّرْو بمعنى الرفعة والشرف .يقال : سَرُوَ الرجل يسرو - كشرف يشرف - فهو سَرِىّ ، إذا علا قدره وعظم أمره ومنه قول الشاعر :لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ...
ولا سراة إلا جهالهم سادواأى : قد جعل ربك تحتك يا مريم إنسانا رفيع القدر ، وهو ابنك عيسى ، والجلمة الكريمة تعليل لانتفاء الحزن المفهوم من النهى بقوله : ( أَلاَّ تَحْزَنِي ) قال بعض العلماء ما ملخصه : " وأظهر القولين عندى أن السرى فى الآية النهر الصغير لأمرين :أحدهما : القرينة من القرآن ، لأن قوله بعد ذلك ( فَكُلِي واشربي ) قرينة على أن ذلك المأكول والمشروب هو ما تقدم الامتنان به فى قوله : ( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ) .الثانى : ما جاء عن ابن عمر من أنه سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن السرى الذى قال الله لمريم : ( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ) نهر أخرجه الله لها لتشرب منه " .فهذا الحديث - وإن كانت طرقه لا يخلو شىء منها من ضعف - أقرب إلى الصواب من دعوى أن السرى عيسى بغير دليل يجب الرجوع إليه " .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكر الله تعالى أمر النفخ في آيات فقال: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ أي في عيسى عليه السلام كما قال لآدم عليه السلام: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى ﴾ وقال فنفخنا فيها لأن عيسى عليه السلام كان في بطنها واختلفوا في النافخ فقال بعضهم كان النفخ من الله تعالى لقوله: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ وظاهره يفيد أن النافخ هو الله تعالى لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ﴾ ومقتضى التشبيه حصول المشابهة إلا فيما أخرجه الدليل، وفي حق آدم النافخ هو الله تعالى لقوله تعالى: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى ﴾ فكذا هاهنا وقال آخرون: النافخ هو جبريل عليه السلام لأن الظاهر من قول جبريل عليه السلام: ﴿ لأَهَبَ لَكِ ﴾ أنه أمر أن يكون من قبله حتى يحصل الحمل لمريم عليها السلام فلابد من إحالة النفخ إليه، ثم اختلفوا في كيفية ذلك النفخ على قولين: الأول: قول وهب إنه نفخ جبريل في جيبها حتى وصلت إلى الرحم.
الثاني: في ذيلها فوصلت إلى الفرج.
الثالث: قول السدي أخذ بكمها فنفخ في جنب درعها فدخلت النفخة صدرها فحملت فجاءتها أختها امرأة زكريا تزورها فالتزمتها فلما التزمتها علمت أنها حبلى وذكرت مريم حالها، فقالت امرأة زكريا إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله تعالى: ﴿ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله ﴾ .
الرابع: أن النفخة كانت في فيها فوصلت إلى بطنها فحملت في الحال، إذ عرفت هذا ظهر أن في الكلام حذفاً وهو، وكان أمراً مقضياً، فنفخ فيها فحملته.
المسألة الثانية: قيل حملته وهي بنت ثلاث عشرة سنة، وقيل بنت عشرين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل.
وليس في القرآن ما يدل على شيء من هذه الأحوال.
المسألة الثالثة: ﴿ فانتبذت بِهِ ﴾ أي اعتزلت وهو في بطنها كقوله: ﴿ تَنبُتُ بالدهن ﴾ أي تنبت والدهن فيها، واختلفوا في علة الإنتباذ على وجوه: أحدها: ما رواه الثعلبي في العرائس عن وهب قال: إن مريم لما حملت بعيسى عليه السلام كان معها ابن عم لها يقال له يوسف النجار وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون، وكان يوسف ومريم يخدمان ذلك المسجد ولا يعلم في أهل زمانهما أحد أشد اجتهاداً ولا عبادة منهما، وأول من عرف حمل مريم يوسف فتحير في أمرها فكلما أراد أن يتهمها ذكر صلاحها وعبادتها، وأنها لم تغب عنه ساعة قط، وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر بها من الحمل فأول ما تكلم أن قال إنه وقع في نفسي من أمرك شيء وقد حرصت على كتمانه فغلبني ذلك فرأيت أن الكلام فيه أشفى لصدري، فقالت: قل قولاً جميلاً قال: أخبريني يا مريم هل ينبت زرع بغير بذر وهل تنبت شجرة من غير غيث، وهل يكون ولد من غير ذكر؟
قالت نعم: ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر وهذا البذر إنما حصل من الزرع الذي أنبته من غير بذر، ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الشجرة من غير غيث وبالقدرة جعل الغيث حياة الشجر بعد ما خلق كل واحد منهما على حدة، أو تقول إن الله تعالى لا يقدر على أن ينبت الشجرة حتى استعان بالماء، ولولا ذلك لم يقدر على إنباتها، فقال يوسف: لا أقول هذا ولكني أقول إن الله قادر على ما يشاء فيقول له كن فيكون، فقالت له مريم: أو لم تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى؟
فعند ذلك زالت التهمة عن قلبه وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل وضيق القلب، فلما دنا نفاسها أوحى الله إليها أن أخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، فلما بلغت تلك البلاد أدركها النفاس فألجأها إلى أصل نخلة، وذلك في زمان برد فاحتضنتها فوضعت عندها.
وثانيها: أنها استحيت من زكريا فذهبت إلى مكان بعيد لا يعلم بها زكريا.
وثالثها: أنها كانت مشهورة في بني إسرائيل بالزهد لنذر أمها وتشاح الأنبياء في تربيتها وتكفل زكريا بها، ولأن الرزق كان يأتيها من عند الله تعالى، فلما كانت في نهاية الشهرة استحيت من هذه الواقعة فذهبت إلى مكان بعيد لا يعلم بها زكريا.
ورابعها: أنها خافت على ولدها لو ولدته فيما بين أظهرهم، واعلم أن هذه الوجوه محتملة، وليس في القرآن ما يدل على شيء منها.
المسألة الرابعة: اختلفوا في مدة حملها على وجوه: الأول: قول ابن عباس رضي الله عنهما إنها كانت تسعة أشهر كما في سائر النساء بدليل أن الله تعالى ذكر مدائحها في هذا الموضع فلو كانت عادتها في مدة حملها بخلاف عادات النساء لكان ذلك أولى بالذكر.
الثاني: أنها كانت ثمانية أشهر، ولم يعش مولود وضع لثمانية إلا عيسى ابن مريم عليه السلام.
الثالث: وهو قول عطاء وأبي العالية والضحاك سبعة أشهر.
الرابع: أنها كانت ستة أشهر.
الخامس: ثلاث ساعات حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة.
السادس: وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً كانت مدة الحمل ساعة واحدة ويمكن الاستدلال عليه من وجهين: الأول: قوله تعالى: ﴿ فَحَمَلَتْهُ فانتبذت بِهِ ﴾ ﴿ فَأَجَاءهَا المخاض ﴾ ، ﴿ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا ﴾ والفاء للتعقيب فدلت هذه الفاءات على أن كل واحد من هذه الأحوال حصل عقيب الآخر من غير فصل وذلك يوجب كون مدة الحمل ساعة واحدة لا يقال انتباذها مكاناً قصياً كيف يحصل في ساعة واحدة لأنا نقول: السدي فسره بأنها ذهبت إلى أقصى موضع في جانب محرابها.
الثاني: أن الله تعالى قال في وصفه: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ فثبت أن عيسى عليه السلام كما قال الله تعالى له: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وهذا مما لا يتصور فيه مدة الحمل، وإنما تعقل تلك المدة في حق من يتولد من النطفة.
المسألة الخامسة: ﴿ قَصِيّاً ﴾ أي بعيد من أهلها، يقال مكان قاص، وقصي بمعنى واحد مثل عاص وعصي، ثم اختلفوا فقيل: أقصى الدار، وقيل وراء الجبل، وقيل: سافرت مع ابن عمها يوسف وقد تقدمت هذه الحكاية.
المسألة السادسة: قال صاحب الكشاف: أجاء منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء فإنك لا تقول جئت المكان، وأجاءنيه زيد كما تقول بلغنيه وأبلغته، والمعنى أن طلقها ألجأها إلى جذع النخلة ثم يحتمل أنها إنما ذهبت إلى النخلة طلباً لسهولة الولادة للتشبث بها.
ويحتمل للتقوية والاستناد إليها، ويحتمل للتستر بها ممن يخشى منه القالة إذا رآها، ولذلك حكى الله عنها أنها تمنت الموت.
المسألة السابعة: قال في الكشاف قرأ ابن كثير في رواية المخاض بالكسر يقال مخضت الحامل ومخاضاً وهو تمخض الولد في بطنها.
المسألة الثامنة: قال في الكشاف كان جذع نخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمر ولا خضرة، وكان الوقت شتاء والتعريف إما أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة كتعريف النجم والصعق كأن تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة مشهور عند الناس، فإذا قيل: جذع النخلة فهم منه ذلك دون سائره وإما أن يكون تعريف الجنس أي إلى جذع هذه الشجرة خاصة كان الله أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب الذي هو أشد الأشياء موافقة للنفساء، ولأن النخلة أقل الأشياء صبراً على البرد ولا تثمر إلا عند اللقاح، وإذا قطعت رأسها لم تثمر، فكأنه تعالى قال كما أن الأنثى لا تلد إلا مع الذكر فكذا النخلة لا تثمر إلا عند اللقاح، ثم إني أظهر الرطب من غير اللقاح ليدل ذلك على جواز ظهور الولد من غير ذكر.
المسألة التاسعة: لم قالت: ﴿ ياليتنى مِتُّ قَبْلَ هذا ﴾ مع أنها كانت تعلم أن الله تعالى بعث جبريل إليها وخلق ولدها من نفخ جبريل عليه السلام ووعدها بأن يجعلها وابنها آية للعالمين، والجواب من وجهين: الأول: قال وهب: أنساها كربة الغربة وما سمعته من الناس (من) بشارة الملائكة بعيسى عليه السلام.
الثاني: أن عادة الصالحين إذا وقعوا في بلاء أن يقولوا ذلك.
وروى عن أبي بكر أنه نظر إلى طائر على شجرة فقال: طوبى لك يا طائر تقع على الشجرة وتأكل من الثمر!
وددت أني ثمرة ينقرها الطائر!
وعن عمر أنه أخذ تبنة من الأرض وقال: ليتني هذه التبنة يا ليتني لم أك شيئاً!
وقال علي يوم الجمل: يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة، وعن بلال: ليت بلال لم تلده أمه.
فثبت أن هذا الكلام يذكره الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم.
الثالث: لعلها قالت ذلك لكي لا تقع المعصية ممن يتكلم فيها، وإلا فهي راضية بما بشرت به.
المسألة العاشرة: قال صاحب الكشاف النسي ما من حقه أن يطرح وينسى كخرقة الطمث ونحوها كالذبح اسم ما من شأنه أن يذبح كقوله: ﴿ وفديناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ تمنت لو كانت شيئاً تافهاً لا يؤبه به ومن حقه أن ينسى في العادة وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة نسياً بالفتح والباقون نسياً بالكسر قال الفراء: هما لغتان كالوتر والوتر والجسر والجسر، وقرأ محمد بن كعب القرظي نسيئاً بالهمزة وهو الحليب المخلوط بالماء ينساه أهله لقلته وقرأ الأعمش منسياً بالكسر على الإتباع كالمغير والمنخر، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِن تَحْتِهَا ﴾ هو جبريل عليه السلام.
قيل: كان يقبل الولد كالقابلة.
وقيل: هو عيسى، وهي قراءة عاصم وأبي عمرو.
وقيل: ﴿ تَحْتِهَا ﴾ أسفل من مكانها، كقوله: ﴿ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ [البقرة: 25] وقيل: كان أسفل منها تحت الأكمة، فصاح بها لا تحزني وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص ﴿ مِنْ تحتها ﴾ وفي ناداها ضمير الملك أو عيسى.
وعن قتادة: الضمير في تحتها للنخلة.
وقرأ زرّ وعلقمة: فخاطبها من تحتها.
سُئل النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن السريّ فقال: «هُوَ الجدولُ» قال لبيد: فَتَوَسَّطَا عُرْضَ السَّرِيِّ فَصَدَّعَا ** مَسْجُورَةً مُتَجَاوِر قُلاَّمهَا وقيل: هو من السرو.
والمراد: عيسى وعن الحسن: كان والله عبداً سرياً.
فإن قلت: ما كان حزنها لفقد الطعام والشراب حتى تسلى بالسري والرطب؟
قلت: لم تقع التسلية بهما من حيث أنهما طعام وشراب، ولكن من حيث أنهما معجزتان تريان الناس أنها من أهل العصمة والبعد من الريبة، وأن مثلها مما قرفوها به بمعزل، وأن لها أموراً إلهية خارجة عن العادات خارقة لما ألفوا واعتادوا، حتى يتبين لهم أنّ ولادها من غير فحل ليس ببدع من شأنها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَناداها مِن تَحْتِها ﴾ عِيسى، وقِيلَ جِبْرِيلُ كانَ يَقْبَلُ الوَلَدَ، وقِيلَ تَحْتَها أسْفَلَ مِن مَكانِها.
وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ورُوحٌ ﴿ مِن تَحْتِها ﴾ بِالكَسْرِ والجَرِّ عَلى أنَّ في نادى ضَمِيرُ أحَدِهِما، وقِيلَ الضَّمِيرُ فِي تَحْتِها لِلنَّخْلَةِ.
﴿ ألا تَحْزَنِي ﴾ أيْ لا تَحْزَنِي أوْ بِأنْ لا تَحْزَنِي.
﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴾ جَدْوَلًا.
هَكَذا رُوِيَ مَرْفُوعًا، وقِيلَ سَيِّدًا مِنَ السَّرْوِ وهو عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
<div class="verse-tafsir"
فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)
{فناداها من تحتها} أي الذي تحتها فمن فاعل وهو جبريل عليه السلام لأنِه كان بمكان منخفض عنها أو عيسى عليه السلام لأنه خاطبها مت تحت ذيلها من تحتها مدني وكوفي سوى أبي بكر والفاعل
مضمر وهو عيسى عليه السلام أو جبريل والهاء في تحتها للنخلة ولشدة ما لقيت سليت بقوله {أَلاَّ تَحْزَنِى} لا تهتمي بالوحدة وعدم الطعام والشراب ومقالة الناس وان بمعنى أي {قد جعل ربك تحتك} قربك أو تحت أمرك إن أمرته أن يجري جري وإن أمرته أن يقف وقف {سَرِيّاً} نهرا صغيرا عند الجمهور وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن السري فقال هو الجدول وعن الحسن سيداً كريماً يعني عيسى عليه السلام وروي أن خالد بن صفوان قال له إن العرب تسمي الجدول سرياً فقال الحسن صدقت ورجع إلى قوله وقال ابن عباس رضي الله عنهما ضرب عيسى أو جبريل عليهما السلام بعقبه الأرض فظهرت عين ماء عذب فجرى النهر اليابس فاخضرت النخلة وأثمرت وأينعت ثمرتها فقيل لها
(فَناداها) أيْ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ونَوْفٌ.
وقَرَأ عَلْقَمَةُ فَخاطَبَها قالَ أبُو حَيّانَ: ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ تَفْسِيرًا لِمُخالَفَتِها سَوادَ المُصْحَفِ، وقَرَأ الحَبْرُ ( فَناداها مَلَكٌ ) ﴿ مِن تَحْتِها ﴾ ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيُوافِقَ ما رُوِيَ عَنْهُ أوَّلًا.
ومَعْنى ﴿ مِن تَحْتِها ﴾ مِن مَكانٍ أسْفَلَ مِنها، وكانَ واقِفًا تَحْتَ الأكَمَةِ الَّتِي صَعِدَتْها مُسْرِعَةً كَما سَمِعَتْ آنِفًا، ونُقِلَ في البَحْرِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: ناداها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ في بُقْعَةٍ مِنَ الأرْضِ أخْفَضَ مِنَ البُقْعَةِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها وأقْسَمَ عَلى ذَلِكَ.
ولَعَلَّهُ إنَّما كانَ مَوْقِفُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هُناكَ إجْلالًا لَها وتَحاشِيًا مِن حُضُورِهِ بَيْنَ يَدَيْها في تِلْكَ الحالِ.
والقَوْلُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ تَحْتَها يَقْبَلُ الوَلَدَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ لِما فِيهِ مِن نِسْبَةِ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِ أمِينِ وحْيِ المَلِكِ المُتَعالِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ (تَحْتِها) لِلنَّخْلَةِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ المُنادى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والضَّمِيرُ لِمَرْيَمَ والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فَوَلَدَتْ غُلامًا فَأنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى حِينَ الوِلادَةِ فَناداها المَوْلُودُ مِن تَحْتِها.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ ووَهْبٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ زَيْدٍ والجُبّائِيُّ ونَقَلَهُ الطَّبَرَسِيُّ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا، وقَرَأ الِابْنانِ والأبَوانِ وعاصِمٌ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ في رِوايَةٍ عَنْهُما (مَن) بِفَتْحِ المِيمِ بِمَعْنى الَّذِي فاعِلُ نادى و(تَحْتَها) ظَرْفٌ مَنصُوبٌ صِلَةٌ لِمَن والمُرادُ بِهِ إمّا عِيسى أوْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ ألا تَحْزَنِي ﴾ أيْ: أيْ لا تَحْزَنِي عَلى أنَّ أنْ مُفَسِّرَةً أوْ بِأنْ لا تَحْزَنِي عَلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ قَدْ حُذِفَ عَنْها الجارُّ ﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ ﴾ بِمَكانٍ أسْفَلَ مِنكِ، وقِيلَ: تَحْتَ أمْرِكِ إنْ أمَرْتِ بِالجَرْيِ جَرى وإنْ أمَرْتِ بِالإمْساكِ أمْسَكَ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ (سَرِيًّا) أيْ جَدْوَلًا كَما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ عَنِ البَراءِ وقالَ: إنَّهُ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وذَكَرَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وأسْنَدَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ في تَفاسِيرِهِمْ عَنْهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ أيْضًا، ولَمْ يَصِحَّ الرَّفْعُ كَما أوْضَحَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُ لَبِيدٍ يَصِفُ عِيرًا وأتانًا: فَتَوَسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ فَصَدَّعا مَسْجُورَةً مُتَجاوِزًا قُلّامُها وأنْشَدَ ابْنُ عَبّاسٍ قَوْلَ الشّاعِرِ: سَهْلُ الخَلِيقَةِ ماجِدٌ ذُو نائِلٍ ∗∗∗ مَثَلُ السَّرِيِّ) تَمُدُّهُ الأنْهارُ وكانَ ذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ جَدْوَلًا مِنَ الأُرْدُنِّ أجْراهُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ لَمّا أصابَها العَطَشُ.
ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ضَرَبَ بِرِجْلِهِ الأرْضَ فَظَهَرَتْ عَيْنُ ماءٍ عَذْبٍ فَجَرى جَدْوَلًا، وقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ مَوْجُودًا مِن قَبْلُ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى نَبَّهَها عَلَيْهِ، وما تَقَدَّمَ هو المُوافِقُ لِمَقامِ بَيانِ ظُهُورِ الخَوارِقِ والمُتَبادَرُ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وسُمِّيَ الجَدْوَلُ سَرِيًّا لِأنَّ الماءَ يَسْرِي فِيهِ فَلامُهُ عَلى هَذا المَعْنى ياءٌ، وعَنِ الحَسَنِ وابْنُ زَيْدٍ والجُبّائِيُّ أنَّ المُرادَ بِالسَّرِيِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو مِنَ السِّرِّ وبِمَعْنى الرِّفْعَةِ كَما قالَ الرّاغِبُ أيْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ غُلامًا رَفِيعَ الشَّأْنِ سامِيَ القَدْرِ، وفي الصَّحّاحِ هو سَخاءٌ في مُرُوءَةِ وإرادَةِ الرَّفْعَةِ أرْفَعُ قَدْرًا ولامُهُ عَلى هَذا المَعْنى واوٌ.
والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِانْتِفاءِ الحُزْنِ المَفْهُومِ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ.
والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِها لِتَشْرِيفِها وتَأْكِيدِ التَّعْلِيلِ وتَكْمِيلِ التَّسْلِيَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ ، يعني: اذكر في القرآن خبر مريم، ومعناه: اقرأ عليهم ما أنزل عليك في القرآن من خبر مريم إِذِ انْتَبَذَتْ يعني: اعتزلت وتنحت مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ، يعني: مشرقة الشمس في دار أهلها.
فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً ، يعني: ضربت وأرخت من دونهم ستراً.
فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا ، يعني: بعثنا إليها جبريل فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ، يعني: تشبه لها في صورة شاب تامّ الخلقة فدنا منها، فأنكرت مريم مكان الرجل.
وقالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ، يعني: إن كنت مطيعاً لله عز وجل.
وإنما قالت: إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ، لأن التقي إذا وعظ بالله عز وجل اتعظ وخاف، والفاسق يخوف بالسلطان، والمنافق يخوف بالناس، فالتقيّ يخوف بالله.
ويقال: في الآية مضمر ومعناه احذر إن كنت تقياً قالَ لها جبريل : إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ، يعني: ولداً صالحاً.
قرأ أبو عمرو ونافع في إحدى الروايتين ليهب لَكَ بالياء، وقرأ الباقون لِأَهَبَ لَكِ بالألف.
فمن قرأ لِيَهَبَ، فمعناه: ليهب الله تعالى لك.
ومن قرأ لِأَهَبَ لَكِ يكون فيه مضمر، ومعناه: إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ فقال: لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا يعني: قال ربك، وهذا اختيار أبي عبيدة، وهو موافق لخط المصاحف.
قالَتْ مريم لجبريل : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ، يعني: من أين يكون لي ولد؟
وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ، يعني: لم يقربني زوج، وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا يعني: لم أك فاجرة.
قالَ لها جبريل : كَذلِكِ، يعني: هكذا كما قلت.
قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، يعني: خلقه علي يسير، وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ يعني: عبرة للناس، يعني: لبني إسرائيل، وَرَحْمَةً مِنَّا يعني: ونعمة منا.
وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا، يعني: قضاء كائناً.
<div class="verse-tafsir"
وقرأ أَبو عمرو «١» ونافعٌ بخلاف عنه «لِيَهَبَ» «٢» .
قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا، والبغي: الزانية، وروي: أن جبريلَ- عليه السلام- حين قاولها هذه المقاولة، نفخ في جيب دِرْعها فسرت النفخة بإذن الله تعالى حتَّى حملت منها قاله وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وغيرُهُ «٣» .
وقال أُبيُّ بنُ كَعْبٍ «٤» : دخل الروح المنفوخُ من فمها فذلك قوله تعالى:
فَحَمَلَتْهُ أي: فحملت الغلام، ويذكر أَنها كانت بنت ثلاث عشرة سنة، فلمَّا أحسَّت بذلك، وخافت تعنيفَ الناس، وأَن يُظنَّ بها الشَّرُ انْتَبَذَتْ
أيْ: تنحت مكاناً بعيداً حياء وفرارا على وجهها، وفَأَجاءَهَا معناه: اضطرّها، وهو تعدية [جاء] بالهمزة.
والْمَخاضُ: الطّلْقُ، وشدةُ الولادة، وأَوْجَاعُها، وروي: أَنّها بلغت إلى موضعٍ كان فيه جِذْع نخلة بالٍ يابس، في أَصْله مِذْود بقرة، على جرية ماء، فاشتدَّ بها الأَمْرُ هنالك، واحتضنت الجِذْع لشدة الوجع، وولدت عيسى عليه السلام فقالت عند ولادتها لما رأته من صعُوبة الحال من غير ما وجه: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا فتمنت الموتَ من جهة الدّين أَن يُظَنّ بها الشر، وخوفَ أَن تُفْتَتَن بتعْيِير قومها، وهذا مُباحٌ وعلى هذا الحدّ تمناه عمر- رضي الله عنه-.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ في الكِتابِ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ، ﴿ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَنَحَّتْ واعْتَزَلَتْ، ﴿ مَكانًا شَرْقِيًّا ﴾ مِمّا يَلِي المَشْرِقَ، وهو عِنْدُ العَرَبِ خَيْرٌ مِنَ الغَرْبِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ ﴾ يَعْنِي: أهْلَها، ﴿ حِجابًا ﴾ ؛ أيْ: سِتْرًا وحاجِزًا، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها ضَرَبَتْ سِتْرًا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ الشَّمْسَ أظَلَّتْها، فَلَمْ يَرَها أحَدٌ مِنهُمْ، وذَلِكَ مِمّا سَتَرَها اللَّهُ بِهِ، [ ورُوِيَ ] هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّها اتَّخَذَتْ حِجابًا مِنَ الجُدْرانِ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.
وَفِي سَبَبِ انْفِرادِها عَنْهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: [ أنَّها ] انْفَرَدَتْ لِتَطْهُرَ مِنَ الحَيْضِ وتَمْتَشِطَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لِتُفَلِّيَ رَأْسَها، قالَهُ عَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا ﴾ وهو جِبْرِيلُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: صاحِبُ رُوحِنا وهو جِبْرِيلُ.
والرُّوحُ بِمَعْنى: الرُّوحِ والفَرَحِ، ثُمَّ تُضَمُّ الرّاءُ لِتَحْقِيقِ مَذْهَبِ الِاسْمِ، وإبْطالِ طَرِيقِ المَصْدَرِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالرُّوحِ هاهُنا: الوَحْيُ، وجِبْرِيلُ صاحِبُ الوَحْيِ.
وَفِي وقْتِ مَجِيئِهِ إلَيْها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: وهي تَغْتَسِلُ.
والثّانِي: بَعْدَ فَراغِها ولُبْسِها الثِّيابَ.
والثّالِثُ: بَعْدَ دُخُولِها بَيْتَها.
وقَدْ قِيلَ: المُرادُ بِالرُّوحِ هاهُنا: [ الرُّوحُ ] الَّذِي خُلِقَ مِنهُ عِيسى، حَكاهُ الزَّجّاجُ والماوَرْدِيُّ، وهو مَضْمُونُ كَلامِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِيما سَنَذْكُرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ( فَحَمَلَتْهُ ) .
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وفِيهِ بَعْدُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا ﴾ ، والمَعْنى: تَصَوَّرَ لَها في صُورَةِ البَشَرِ التّامِّ الخِلْقَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جاءَها في صُورَةِ شابٍّ أبْيَضَ الوَجْهِ، جَعْدٍ قَطَطٍ حِينَ طَرَّ شارِبَهُ.
وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ: ( فَأرْسَلْنا إلَيْها رَوْحَنا ) بِفَتْحِ الرّاءِ مِنَ الرُّوحِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴾ المَعْنى: إنْ كُنْتَ تَتَّقِي اللَّهَ فَسَتَنْتَهِي بِتَعَوُّذِي مِنكَ، هَذا هو القَوْلُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ.
وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ في زَمانِها رَجُلٌ اسْمُهُ تَقِيٌّ، وكانَ فاجِرًا، فَظَنَتُهُ إيّاهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ والماوَرْدِيُّ.
وفي قِراءَةِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي رَجاءٍ: ( إلّا أنْ تَكُونَ تَقِيًّا ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ ﴾ ؛ أيْ: فَلا تَخافِي، " لِيَهَبَ لَكِ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( لِأهَبَ لَكِ ) بِالهَمْزِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ: ( لِيَهَبَ لَكَ ) بِغَيْرِ هَمْزٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( لِيَهَبَ ) فالمَعْنى: أرْسَلَنِي لِيَهَبَ، ومَن قَرَأ: ( لِأهَبَ ) فالمَعْنى: أرْسَلْتُ إلَيْكَ لِأهَبَ لَكَ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: أرْسَلَنِي يَقُولُ لَكَ: أرْسَلْتُ رَسُولِي إلَيْكَ لِأهَبَ لَكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غُلامًا زَكِيًّا ﴾ ؛ أيْ: طاهِرًا مِنَ الذُّنُوبِ.
والبَغِيُّ: الفاجِرَةُ الزّانِيَةُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ: ( بَغِيَّةً )؛ لِأنَّهُ وصْفٌ يَغْلُبُ عَلى النِّساءِ، فَقَلَّما تَقُولُ العَرَبُ: رَجُلٌ بَغِيٌّ، فَيَجْرِي مَجْرى حائِضٍ وعاقِرٍ.
وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: ( بُغْيَةً )؛ لِأنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ وجْهِهِ، فَهو ( فَعِيلٌ ) بِمَعْنى ( فاعِلٍ ) .
ومَعْنى الآَيَةِ: لَيْسَ لِي زَوْجٌ ولَسْتُ بِزانِيَةٍ، وإنَّما يَكُونُ الوَلَدُ مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ.
﴿ قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في قِصَّةِ زَكَرِيّا، والمَعْنى: أنَّهُ يَسِيرُ عَلى أنْ أهَبَ لَكِ غُلامًا مِن غَيْرِ أبٍ.
﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ﴾ ؛ أيْ: دَلالَةً عَلى قُدْرَتِنا كَوْنُهُ مِن غَيْرِ أبٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما دَخَلَتِ الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ ﴾ ؛ لِأنَّها عاطِفَةٌ لِما بَعْدَها عَلى كَلامٍ مُضْمَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: قالَ رَبُّكُ: خَلْقُهُ عَلَيَّ هَيِّنٌ، لِنَنْفَعَكَ بِهِ ولِنَجْعَلَهُ عِبْرَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَحْمَةً مِنّا ﴾ ؛ أيْ: لِمَن تَبِعَهُ وآَمَنَ بِهِ، ﴿ وَكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا ﴾ ؛ أيْ: وكانَ خُلُقُهُ أمْرًا مَحْكُومًا بِهِ، مَفْرُوغًا عَنْهُ، سابِقًا في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى كَوْنُهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً مِنّا وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا ﴾ ﴿ فَحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا ﴾ ﴿ فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا ﴾ قالَ لَها المَلَكُ: كَذَلِكِ هو كَما وصَفْتُ، ولَكِنْ قالَ رَبُّكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: عَلى هَذِهِ الحالِ قالَ رَبُّكِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، و"الآيَةُ": العِبْرَةُ المُعَرَضَةُ لِلنَّظَرِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "لِنَجْعَلَهُ" لِلْغُلامِ، ﴿ وَرَحْمَةً مِنّا ﴾ ، أيْ: طَرِيقَ هُدًى لِعالَمٍ كَثِيرٍ، فَيَنالُونَ الرَحْمَةَ بِذَلِكَ.
ثُمْ أعْلَمَها بِأنَّ الأمْرَ قَدْ قُضِيَ وانْتُجِزَ، و"الأمْرُ" هُنا واحِدُ الأُمُورِ، ولَيْسَ بِمَصْدَرِ: أمَرَ يَأْمُرُ، ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ -حِينَ قاوَلَها هَذِهِ المُقاوَلَةَ- نَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها، فَسَرَتِ النَفْخَةُ بِإذْنِ اللهِ حَتّى حَمَلَتْ مِنها، قالَهُوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وغَيْرُهُ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها وكَفِّها، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: دَخَلَ الرُوحُ المَنفُوخُ مِن فَمِها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَحَمَلَتْهُ ﴾ أيْ: حَمَلَتِ الغُلامَ.
ويُذْكَرُ أنَّها كانَتْ بِنْتَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمّا أحَسَّتْ بِذَلِكَ وخافَتْ تَعْنِيفَ الناسِ وأنْ يُظَنَّ بِها الشَرُّ انْتَبَذَتْ بِهِ، أيْ: تَنَحَّتْ مَكانًا بَعِيدًا حَياءً وفِرارًا عَلى وجْهِها، ورُوِيَ في هَذا أنَّها فَرَّتْ إلى بِلادِ مِصْرَ أو نَحْوِها، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، ورُوِيَ أيْضًا أنَّها خَرَجَتْ إلى مَوْضِعٍ يُعْرَفُ بِبَيْتِ لَحْمٍ، بَيْنَهُ وبَيْنَ إيلِياءَ أرْبَعَةُ أمْيالٍ.
و"أجاءَها" مَعْناهُ: فاضْطَرَّها، و"أجاءَ" هو تَعْدِيَةُ "جاءَ" بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ شِبْلُ بْنُ عَزْرَةَ -وَرُوِيَتْ عن عاصِمٍ -: "فاجَأها"، مِنَ المُفاجَأةِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فَلَمّا أجاءَها المَخاضُ"، وقالَ زُهَيْرٌ: وجارٌ سارَ مُعْتَمِدًا إلَيْكم أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَجاءُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَخاضَ" بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ فِيما رُوِيَ عنهُ - بِكَسْرِها، وهو الطَلْقُ وشِدَّةُ الوِلادَةِ وأوجاعِها، رُوِيَ أنَّها بَلَغَتْ إلى مَوْضِعٍ كانَ فِيهِ جِذْعُ نَخْلَةٍ بالٍ يابِسٌ في أصْلِهِ مِذْوَدُ بَقَرَةٍ عَلى جَرْيَةِ ماءٍ، فاشْتَدَّ بِها الأمْرُ هُنالِكَ، واحْتَضَنَتِ الجِذْعَ لِشِدَّةِ الوَجَعِ، ووَلَدَتْ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقالَتْ عِنْدَ وِلادَتِها - لِما رَأتْهُ مِنَ الآلامِ والتَغَرُّبِ وإنْكارِ قَوْمِها وصُعُوبَةِ الحالِ مِن غَيْرِ ما وجْهٍ-: يا لَيْتَنِي مِتُّ ولَمْ يَجْرِ عَلَيَّ هَذا القَدَرُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وعاصِمْ، وأبُو عَمْرٍو، وجَماعَةٌ: "مُتُّ" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، ويَحْيى، والأعْمَشُ بِكَسْرِها، واخْتُلِفَ عن نافِعٍ.
وتَمَنَّتْ مَرْيَمُ المَوْتَ مِن جِهَةِ الدِينِ؛ إذْ خافَتْ أنْ يُظَنَّ بِها الشَرُّ في دِينِها، وتُعَيَّرَ فَيَفْتِنَها ذَلِكَ، وعَلى هَذا الحَدِّ تَمَنّاهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ الصالِحِينَ، ونَهْيُ النَبِيِّ عن تَمَنِّي المَوْتِ إنَّما هو لِضُرٍّ نَزَلَ بِالبَدَنِ، وقَدْ أباحَهُ في قَوْلِهِ: «يَأْتِي عَلى الناسِ زَمانٌ يَمُرُّ الرَجُلُ بِقَبْرِ الرَجُلِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي مَكانَهُ».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّهُ زَمَنُ فِتَنٍ بِالدِينِ.
وقالَتْ: ﴿ وَكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا ﴾ ، أيْ: شَيْئًا مَتْرُوكًا مُحْتَقَرًا، والنَسْيُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَيْءُ الحَقِيرُ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يُنْسى فَلا يُتَألَّمُ لِفَقْدِهِ كالوَتَدِ والحَبْلِ لِلْمُسافِرِ ونَحْوِهُ، يُقالُ: نَسْيٌ ونِسْيٌ بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالكَسْرِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ بِالفَتْحِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمْ، وكَقِراءَةِ حَمْزَةَ قَرَأ طَلْحَةُ، والأعْمَشُ، ويَحْيى، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: "نِسْئًا" بِالهَمْزِ وكَسْرِ النُونِ، وقَرَأ نَوْفٌ البِكالِيُّ: "نَسْئًا" بِفَتْحِ النُونِ، وحَكاها أبُو الفَتْحِ، وأبُو عَمْرٍو الدانِيُّ عن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ: "نَسًّا" بِشَدِّ السِينِ وفَتْحِ النُونِ دُونَ هَمْزٍ، وقالَ الشَنْفَرى: كَأنَّ لَها في الأرْضِ نَسًّا تَقُصُّهُ ∗∗∗ إذا ما غَذَّتْ وإنْ تُحَدِّثْكَ تَبَّلَتْ وحَكى الطَبَرِيُّ في قَصَصِها أنَّها لَمّا حَمَلَتْ بِعِيسى حَمَلَتْ أيْضًا أُخْتُها بِيَحْيى، فَجاءَتْها أُخْتُها زائِرَةً فَقالَتْ: يا مَرْيَمُ، أشْعَرْتِ أنِّي حَمَلْتُ؟
قالَتْ لَها مَرْيَمُ: أشْعَرْتِ أنْتِ أنِّي حَمَلْتُ؟
قالَتْ لَها: وإنِّي أجِدُ ما في بَطْنِي يَسْجُدُ لِما في بَطْنِكِ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّها أحَسَّتْ جَنِينَها يَخِرُّ بِرَأْسِهِ إلى ناحِيَةِ بَطْنِ مَرْيَمَ، قالَ السُدِّيُّ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا كُلِّهِ ضَعْفٌ، فَتَأمَّلْهُ.
وكَذَلِكَ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ مِن قَصَصِها أنَّها خَرَجَتْ فارَّةً مَعَ رَجُلٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَهُ يُوسُفُ النَجّارُ كانَ يَخْدِمْ مَعَها المَسْجِدَ، وطَوَّلَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ فاخْتَصَرْتُهُ لِضَعْفِهِ، وهَذِهِ القِصَّةُ تَقْتَضِي أنَّها حَمَلَتْ واسْتَمَرَّتْ حامِلًا عَلى عُرْفِ البَشَرِ، واسْتَحْيَتْ مِن ذَلِكَ وفَرَّتْ بِسَبَبِهِ وهي حامِلٌ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُتَأوِّلِينَ، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: لَيْسَ إلّا أنْ حَمَلَتْ فَوَضَعَتْ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، واللهُ أعْلَمُ.
وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأجاءَها المَخاضُ ﴾ يَقْتَضِي أنَّها كانَتْ عَلى عُرْفِ النِساءِ، وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ بِأنَّها ولَدَتْهُ لِثَمانِيَةِ أشْهُرٍ؛ ولِذَلِكَ لا يَعِيشُ ابْنُ ثَمانِيَةِ أشْهُرٍ حِفْظًا لِخاصِّيَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: ولَدَتْهُ لِسَبْعَةِ أشْهُرٍ، وقِيلَ: لِسِتَّةِ أشْهُرٍ.
<div class="verse-tafsir"
ضمير الرفع المستتر في (ناداها) عائد إلى ما عاد عليه الضمير الغائب في ﴿ فحملته ﴾ [مريم: 22]، أي: ناداها المولود.
قرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وحفص، وأبو جعفر، وخلف، وروح عن يعقوب ﴿ مِنْ تَحتها ﴾ بكسر ميم (من) على أنها حرف ابتداء متعلّق ب (ناداها) وبجر ﴿ تَحتها ﴾ .
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، ورويس عن يعقوب ﴿ مَنْ بفتح الميم على أنها اسم موصول، وفتح تَحْتَهَا ﴾ على أنه ظرف جعل صلة، والمعني بالموصول هو الغلام الذي تحتها.
وهذا إرهاص لعيسى وكرامة لأمّه عليهما السلام.
وقَيْدُ ﴿ من تحتها ﴾ لتحقيق ذلك، ولإفادة أنه ناداها عند وضعه قبل أن ترفعه مبادرة للتسلية والبشارة وتصويراً لتلك الحالة التي هي حالة تمام اتّصال الصبي بأمه.
و ﴿ أنَّ من قوله ألاَّ تَحْزَني ﴾ تفسيرية لفعل (ناداها).
وجملة ﴿ قَدْ جَعلَ رَبُّككِ تحتك سَرِيّاً ﴾ خبر مراد به التعليل لجملة ﴿ ألاَّ تحزني ﴾ ، أي أن حالتك حالة جديرة بالمسرة دون الحزن لما فيها من الكرامة الإلهية.
السرّي: الجدول من الماء كالساقية، كثير الماء الجاري.
وهبَها الله طعاماً طيّباً وشراباً طيّباً كرامة لها يشهدها كل من يراها، وكان معها خطيبها يوسف النجار، ومن عسى أن يشهدها فيكون شاهداً بعصمتها وبراءتها مما يظن بها.
فأما الماء فلأنه لم يكن الشأن أن تأوي إلى مجرى ماء لتضع عنده.
وأما الرُطب فقيل كان الوقت شتاء، ولم يكن إبان رطب وكان جذع النخلة جذع نخلة ميتة فسقوط الرطب منها خارق للعادة.
وإنما أعطيت رُطباً دون التمر لأنّ الرطب أشهى للنفس إذ هو كالفاكهة وأما التمر فغذاء.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ألْجَأها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إذْ شَدَدْنا شَدَّةً صادِقَةً فَأجَأْناكم إلى سَفْحِ الجَبَلِ الثّانِي: مَعْناهُ فَجَأها المَخاضُ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ: وجارٍ سارَ مُعْتَمِدًا إلَيْنا ∗∗∗ أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ وَفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأواها ﴿ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها خافَتْ مِنَ النّاسِ أنْ يَظُنُّوا بِها سُوءًا قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: لِئَلّا يَأْثَمُ النّاسُ بِالمَعْصِيَةِ في قَذْفِها.
الثّالِثُ: لِأنَّها لَمْ تَرَ في قَوْمِها رَشِيدًا ذا فِراسَةٍ يُنَزِّهُها مِنَ السُّوءِ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُما اللَّهُ.
﴿ وَكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لَمْ أُخْلَقْ ولَمْ أكُنْ شَيْئًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لا أُعْرَفُ ولا يُدْرى مَن أنا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: النَّسْيُ المَنسِيُّ هو السَّقْطُ، قالَهُ الرَّبِيعُ، وأبُو العالِيَةِ.
الرّابِعُ: هو الحَيْضَةُ المُلْقاةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، بِمَعْنى خَرْقِ الحَيْضِ.
الخامِسُ: مَعْناهُ وكُنْتُ إذا ذُكِرْتُ لَمْ أُطْلَبْ حَكاهُ اليَزِيدِيُّ.
والنَّسْيُ عِنْدَهم في كَلامِهِمْ ما أُعْقِلَ مِن شَيْءٍ حَقِيرٍ قالَ الرّاجِزُ: ؎ كالنَّسْيِ مُلْقًى بِالجِهادِ البَسْبَسِ <div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إذ انتبذت ﴾ أي انفردت ﴿ من أهلها مكاناً شرقياً ﴾ قال: قبل المشرق شاسعاً متنحياً.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً ﴾ قال: مكاناً أظلتها الشمس أن يراها أحد منهم.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: إنما اتخذت النصارى المشرق قبلةً، لأن مريم اتخذت من أهلها مكاناً شرقياً، فاتخذوا ميلاده قبلة، وإنما سجدت اليهود على حرف، حين نتق فوقهم الجبل، فجعلوا يتخوفون وهم ينظرون إليه، يتخوفون أن يقع عليهم، فسجدوا سجدة رضيها الله فاتخذوها سنة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: إن أهل الكتاب، كتب عليهم الصلاة إلى البيت والحج إليه، وما صرفهم عنه إلا قول ربك: ﴿ فانتبذت من أهلها مكاناً شرقياً ﴾ قال: خرجت منهم مكاناً شرقياً، فصلوا قبل مطلع الشمس.
وأخرج ابن عساكر من طريق داود بن أبي هند، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما بلغت مريم، فإذا هي في بيتها منفصلة، إذ دخل عليها رجل بغير إذن، فخشيت أن يكون دخل عليها ليغتالها فقالت: ﴿ إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ﴾ قال: ﴿ إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكياً ﴾ قالت: ﴿ أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغياً ﴾ قال: ﴿ كذلك قال ربك ﴾ فجعل جبريل يردد ذلك عليها وتقول: ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ وتغفلها جبريل، فنفخ في جيب درعها، ونهض عنها، واستمر بها حملها، فقالت: إن خرجت نحو المغرب، فالقوم يصلون نحو المغرب، ولكن أخرج نحو المشرق، حيث لا يراني أحد، فخرجت نحو المشرق، فبينما هي تمشي، إذ جاءها المخاض، فنظرت هل تجد شيئاً تستتر به؟
فلم تر إلا جذع النخلة، فقال: أستتر بهذا الجذع من الناس.
وكان تحت الجذع نهر يجري، فانضمت إلى النخلة، فلما وضعته، خر كل شيء يعبد من دون الله في مشارق الأرض ومغاربها ساجداً لوجهه.
وفزع إبليس، فخرج فصعد فلم ير شيئاً ينكره، وأتى المشرق فلم ير شيئاً ينكره، وجعل لا يصبر فأتى المغرب لينظر، فلم ير شيئاً ينكره.
فبينا هو يطوف إذ مر بالنخلة، فإذا هو بامرأة معها غلام قد ولدته، وإذا بالملائكة قد أحدقوا بهَا، وبابنها وبالنخلة فقال: هاهنا حدث الأمر، فمال إليهم فقال: أي شيء هذا الذي حدث؟
فكلمته الملائكة فقالوا: نبي ولد بغير ذكر.
قال: أما والله لأضِلَّنَ به أكثر العالمين.
أضل اليهود فكفروا به، وأضل النصارى فقالوا: هو ابن الله.
قال: وناداها ملك من تحتها ﴿ قد جعل ربك تحتك سرياً ﴾ قال إبليس: ما حملت أنثى إلا بعلمي، ولا وضعته إلا على كفي، ليس هذا الغلام!
لم أعلم به حين حملته أمه، ولم أعلم به حين وضعته.
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر من طريق السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس وعن مرة بن مسعود- رضي الله عنهما- قالا: خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها، فلما طهرت إذ هي برجل معها ﴿ فتمثل لها بشراً ﴾ ففزعت، وقال: ﴿ إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ﴾ فخرجت وعليها جلبابها فأخذ بكمها، فنفخ في جيب درعها،- وكان مشقوقاً من قدامها- فدخلت النفخة صدرها، فحملت فأتتها أختها امرأة زكريا ليلة تزورها، فلما فتحت لها الباب التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريم، أشعرت أني حبلى.
قالت مريم: أشعرت أيضاً أني حبلى، فقالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطني يسجد للذي في بطنك.
فذاك قوله: ﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ فولدت امرأة زكريا يحيى.
ولما بلغ أن تضع مريم خرجت إلى جانب المحراب ﴿ فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة، قالت يا ليتني مت قبل هذا ﴾ الآية ﴿ فناداها ﴾ جبريل ﴿ من تحتها ألاَّ تحزني ﴾ فلما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بني إسرائيل: إن مريم ولدت، فلما أرادوها على الكلام، أشارت إلى عيسى فتكلم فقال: ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب ﴾ الآيات.
فلما ولد لم يبق في الأرض صنم إلا خرَّ لوجهه.
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر، عن الضحاك رضي الله عنه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ واذكر في الكتاب مريم ﴾ يقول: قص ذكرها على اليهود والنصارى ومشركي العرب ﴿ إذ انتبذت ﴾ يعني خرجت ﴿ من أهلها مكاناً شرقياً ﴾ قال: كانت خرجت من بيت المقدس مما يلي المشرق ﴿ فاتخذت من دونهم حجاباً ﴾ وذلك أن الله لما أراد أن يبتدئها بالكرامة، ويبشرها بعيسى، وكانت قد اغتسلت من المحيض فتشرفت، وجعلت بينها وبين قومها ﴿ حجاباً ﴾ يعني جبلاً فكان الجبل بين مجلسها وبين بيت المقدس ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ يعني جبريل ﴿ فتمثل لها بشراً ﴾ في صورة الآدميين ﴿ سوياً ﴾ يعني معتدلاً شاباً أبيض الوجه جعداً قططاً حين اخضر شاربه، فلما نظرت إليه قائماً بين يديها ﴿ قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ﴾ وذلك أنها شبهته بشاب كان يراها ويمشي معها يقال له يوسف من بني إسرائيل، وكان من خدم بيت المقدس، فخافت أن يكون الشيطان قد استزله، فمن ثم قالت: ﴿ إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ﴾ يعني إن كنت تخاف الله.
قال جبريل: وتبسم ﴿ إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً ﴾ يعني لله مطيعاً من غير بشر.
﴿ قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ﴾ يعني زوجاً ﴿ ولم أك بغياً ﴾ أي مومسة.
قال جبريل: ﴿ كذلك ﴾ يعني هكذا ﴿ قال ربك هو على هين ﴾ يعني خلقه من غير بشر.
﴿ ولنجعله آية للناس ﴾ يعني عبرة، والناس هنا للمؤمنين خاصة، ورحمة لمن صدق بأنه رسول الله.
﴿ وكان أمراً مقضياً ﴾ يعني كائناً أن يكون من غير بشر.
فدنا جبريل فنفخ في جيبها، فدخلت النفخة جوفها، فاحتملت كما تحمل النساء في الرحم والمشيمة، ووضعته كما تضع النساء، فأصابها العطش، فأجرى الله لها جدولاً من الأردن، فذلك قوله: ﴿ قد جعل ربك من تحتك سرياً ﴾ والسري، الجدول.
وحمل الجذع من ساعته ﴿ رطباً جنياً ﴾ فناداها من تحتها جبريل ﴿ هزي إليك بجذع النخلة ﴾ لم يكن على رأسها سقف، وكانت قد يبست منذ دهر طويل، فأحياها الله لها وحملت، فذلك قوله: ﴿ تساقط عليك رطباً جنياً ﴾ يعني طرياً بغباره ﴿ فكلي ﴾ من الرطب ﴿ واشربي ﴾ من الجدول ﴿ وقري عيناً ﴾ بولدك.
فقال: فكيف بي إذا سألوني من أين هذا؟..
قال لها جبريل: ﴿ فإما ترين ﴾ يعني فإذا رأيت ﴿ من البشر أحداً ﴾ فأعنتك في أمرك ﴿ فقولي إني نذرت للرحمن صوماً ﴾ يعني صمتاً في أمر عيسى ﴿ فلن أكلم اليوم إنسياً ﴾ في أمره.
حتى يكون هو الذي يعبر عني وعن نفسه.
قال: ففقدوا مريم من محرابها، فسألوا يوسف، فقال: لا علم لي بها، وأن مفتاح محرابها مع زكريا.
فطلبوا زكريا وفتحوا الباب وليست فيه، فاتهموه فأخذوه ووبخوه، فقال رجل: إني رأيتها في موضع كذا، فخرجوا في طلبها، فسمعوا صوت عقيق في رأس الجذع الذي مريم من تحته، فانطلقوا إليه فذلك قول الله: ﴿ فأتت به قومها تحمله ﴾ قال ابن عباس: لما رأت بأن قومها قد أقبلوا إليها، احتملت الولد إليهم حتى تلقتهم به، فذلك قوله: ﴿ فأتت به قومها تحمله ﴾ أي لا تخاف ريبة ولا تهمة، فلما نظروا إليها شق أبوها مدرعته، وجعل التراب على رأسه، وإخوتها وآل زكريا ﴿ فقالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً ﴾ يعني عظيماً ﴿ يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً ﴾ يعني زانية.
فأنَّى أتيت هذا الأمر مع هذا الأخ الصالح والأب الصالح والأم الصالحة؟!
﴿ فأشارت إليه ﴾ تقول لهم: أن كلموه، فإنه سيخبركم ﴿ فإني نذرت للرحمن صوماً ﴾ أن لا أكلمكم في أمره، فإنه سيعبر عني، فيكون لكم آية وعبرة ﴿ قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً ﴾ يعني من هو في الخرق طفلاً لا ينطق، فأنطقه الله فعبر عن أمه، وكان عبرة لهم فقال: ﴿ إني عبد الله ﴾ فلما أن قالها، ابتدأ يحيى وهو ابن ثلاث سنين، فكان أول من صدق به فقال: إني أشهد أنك عبد الله ورسوله.
لتصديق قول الله: ﴿ ومصدقاً بكلمة من الله ﴾ فقال عيسى: ﴿ آتاني الكتاب وجعلني نبياً ﴾ إليكم ﴿ وجعلني مباركاً أينما كنت ﴾ قال ابن عباس- رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البركة التي جعلها الله لعيسى، أنه كان معلماً مؤدباً حيثما توجه» ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ﴾ يعني وأمرني ﴿ وبراً بوالدتي ﴾ فلا أعقها.
قال ابن عباس حين قال: ﴿ وبراً بوالدتي ﴾ قال: زكريا: الله أكبر!
فأخذه فضمه إلى صدره، فعلموا أنه خلق من غير بشر ﴿ ولم يجعلني جباراً شقياً ﴾ يعني متعظماً سفاكاً للدم.
﴿ والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً ﴾ يقول الله: ﴿ ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ﴾ يعني يشكون بقوله لليهود، ثم أمسك عيسى عن الكلام حتى بلغ مبلغ الناس.
وأخرج ابن أبي شيبة.
عن أبي حاتم، وأبو نعيم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: قالت مريم: كنت إذا خلوت حدثني عيسى وكلمني وهو في بطني، وإذا كنت مع الناس سبح في بطني وكبر وأنا أسمع.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حين حملت وضعت.
وأخرج ابن عساكر، عن الحسن رضي الله عنه قال: بلغني أن مريم حملت لسبع أو تسع ساعات، ووضعته من يومها.
وأخرج ابن عساكر من طريق عكرمة رضي الله عنه، عن ابن عباس قال: وضعت مريم لثمانية أشهر، ولذلك لا يولد مولود لثمانية أشهر إلا مات لئلا تسب مريم بعيسى.
وأخرج الحاكم، عن زيد العمى قال: ولد عيسى يوما عاشوراء.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن نوف قال: كانت مريم عليها السلام فتاة بتولاً، وكان زكريا زوج أختها كفلها فكانت معه، فكان يدخل عليه يسلم عليها، فتقرب إليه فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فدخل عليها زكريا مرة، فقربت إليه بعض ما كانت تقرب ﴿ قال يا مريم أنى لك هذا، قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، هنالك دعا زكريا ربه ﴾ [ آل عمران: 38- 39] إلى قوله: ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا زمراً ﴾ [ آل عمران: 42] ﴿ سوياً ﴾ صحيحاً.
﴿ فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم ﴾ كتب لهم ﴿ أن سبحوا بكرة وعشياً ﴾ قال: فبينما هي جالسة في منزلها، إذا رجل قائم بين يديها قد هتك الحجب، فلما أن رأته قالت: ﴿ إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ﴾ قال فلما ذكرت الرحمن فزع جبريل عليه السلام قال: ﴿ إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً ﴾ إلى قوله: ﴿ وكان أمراً مقضياً ﴾ فنفخ في جيبها جبريل، فحملت حتى إذا أثقلت وجعت ما يجع النساء، وكانت في بيت النبوة، فاستحيت وهربت حياء من قومها، فأخذت نحو المشرق، وأخذ قومها في طلبها، فجعلوا يسألون رأيتم فتاة كذا وكذا؟
فلا يخبرهم أحد.
وأخذها ﴿ المخاض إلى جذع النخلة ﴾ فتساندت إلى النخلة قالت: ﴿ يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً ﴾ قال: حيضة من حيضة ﴿ فناداها من تحتها ﴾ قال: جبريل من أقصى الوادي ﴿ ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً ﴾ قال: جدولاً ﴿ وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً ﴾ فلما قال لها جبريل: اشتد ظهرها وطابت نفسها، فقطعت سرته ولفته في خرقة وحملته، فلقي قومها راعي بقر، وهم في طلبها.
قالوا: يا راعي، هل رأيت فتاة كذا وكذا؟
قال: لا ولكن رأيت الليلة من بقري شيئاً لم أره منها قط فيما خلا!
قال: رأيتها باتت سجداً نحو هذا الوادي، فانطلقوا حيث وصف لهم، فلما رأتهم مريم جلست وجعلت ترضع عيسى، فجاؤوا حتى وقفوا عليها ﴿ فقالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً ﴾ قال: أمراً عظيماً ﴿ فأشارت إليه ﴾ أن كلموه، فعجبوا منها: قالوا: ﴿ كيف نكلم من كان في المهد صبياً ﴾ ﴿ قال إني عبد الله آتاني الكتاب ﴾ والمهد حجرها، فلما قالوا ذلك: ترك عيسى ثديها واتكأ على يساره ثم تكلم ﴿ قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً ﴾ ﴿ وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً، وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً ﴾ قال: واختلف الناس فيه.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لعمر بن الخطاب لم أستحب النصارى الحجب على مذابحهم؟
قال: إنما يستحب النصارى الحجب على مذابحهم ومناسكهم، لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ فاتخذت من دونهم حجاباً ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ قال: بعث الله إليها ملكاً فنفخ في جيبها، فدخل في الفرج.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ قال: جبريل.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ الآية قال: نفخ جبريل في درعها، فبلغت حيث شاء الله.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء بن يسار: إن جبريل أتاها في صورة رجل فكشف الحجاب، فلما رأته تعوذت منه، فنفخ في جيب درعها فبلغت، فذكر ذلك في المدينة، فهجر زكريا وترك، وكان قبل ذلك يستفتى ويأتيه الناس، حتى إن كان ليسلم على الرجل فما يكلمه.
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي بن كعب في قوله: ﴿ فتمثل لها بشراً سوياً ﴾ قال: تمثل لها روح عيسى في صورة بشر فحملته.
قال: حملت الذي خاطبها، دخل في فيها.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي وائل في قوله: ﴿ قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ﴾ قال: لقد علمت مريم أن التقي ذو نهية.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ﴾ قال: إنما خشيت أن يكون إنما يريدها عن نفسها.
﴿ قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً ﴾ زعموا أنه نفخ في جيب درعها وكمها.
وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ لأهب لك ﴾ مهموزة بالألف، وفي قراءة عبد الله ﴿ ليهب لك ﴾ بالياء.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ غلاماً زكياً ﴾ قال: صالحاً.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ولم أك بغياً ﴾ قال زانية.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: ﴿ مكاناً قصياً ﴾ قال نائياً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ مكاناً قصياً ﴾ قال: قاصياً وفي قوله: ﴿ فأجاءها المخاض ﴾ قال: ألجأها.
وأخرج الطستي، عن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿ فأجاءها المخاض ﴾ قال: ألجأها قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت حسان بن ثابت وهو يقول: إذا شددنا شدة صادقة ** فأجأناكم إلى سفح الجبل وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ فأجاءها المخاض ﴾ قال: اضطرها.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ فأجاءها المخاض ﴾ قال فأداها.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة ﴾ قال: كان جذعاً يابساً.
وأخرج عبد بن حميد من طريق هلال بن خباب، عن أبي عبيد الله ﴿ فأجاءها المخاض إلى جذع ﴾ نخلة يابسة قد جيء به ليبنى به بيت يقال له بيت لحم، فحركته فإذا هو نخلة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي قدامة قال: أنبت لمريم نخلة، تعلق بها كما تعلق المرأة بالمرأة عند الولادة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكنت نسياً منسياً ﴾ قال: لم أخلق ولم أك شيئاً.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله: ﴿ وكنت نسياً منسياً ﴾ قال: حيضة ملقاة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ وكنت نسياً منسياً ﴾ قال: حيضة.
وأخرج عبد بن حميد، عن نوف البكالي، عن الضحاك في قوله: ﴿ وكنت نسياً منسياً ﴾ قال حيضة ملقاة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وكنت نسياً منسياً ﴾ قال: تقول لا أعرف ولا أدري من أنا.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ وكنت نسياً منسياً ﴾ قال: هو السقط والله تعالى أعلم بالصواب.
وأخرج أبو عبيد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن علقمة أنه قرأ ﴿ فخاطبها من تحتها ﴾ .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فناداها من تحتها ﴾ قال: جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها.
وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة، قال الذي ناداها هو جبريل.
وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك وعمرو بن ميمون مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن البراء ﴿ فناداها من تحتها ﴾ قال: ملك.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فناداها من تحتها ﴾ قال: جبريل من أسفل الوادي.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ فناداها من تحتها ﴾ قال: عيسى.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن ﴿ فناداها من تحتها ﴾ قال: هو عيسى.
واخرج ابن المنذر، عن أبي بن كعب قال الذي خاطبها: هو الذي حملته في جوفها، دخل من فيها.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر، عن زر بن حبيش أنه قرأ ﴿ فناداها من تحتها ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ فناداها من تحتها ﴾ أي الملك من تحت النخلة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال: من قرأ من تحتها فهو جبريل، ومن قرأ من تحتها، فهو عيسى.
وأخرج عبد بن حميد، عن أبي بكر بن عياش قال: قرأ عاصم بن أبي النجود ﴿ فناداها من تحتها ﴾ بالنصب قال: وقال عاصم: من قرأ بالنصب فهو عيسى، ومن قرأها بالخفض، فهو جبريل.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: ﴿ جعل ربك تحتك سرياً ﴾ قال: نبياً وهو عيسى.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن جرير بن حازم قال: سألني محمد بن عباد بن جعفر ما يقول أصحابكم في قوله؟
﴿ قد جعل ربك تحتك سرياً ﴾ قال: فقلت له: سمعت قتادة يقول: الجدول.
قال: فأخبر قتادة عني فإنما نزل القرآن بلغتنا إنه الرجل السري.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ قد جعل ربك تحتك سرياً ﴾ يريد نفسه أي سرى أسرى منه، قيل فالذين يقولون السري البحر قال: ليس كذلك لو كان كذلك لكان يكون إلى جنبها ولا يكون النهر تحتها.
وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن النجار، عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن السري الذي قال الله لمريم: ﴿ قد جعل ربك تحتك سرياً ﴾ نهر، أخرجه الله لها لتشرب منه» .
وأخرج الطبراني في الصغير وابن مردويه، عن البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: « ﴿ قد جعل ربك تحتك سرياً ﴾ قال: النهر» .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه وابن مردويه، عن البراء في قوله: ﴿ قد جعل ربك تحتك سرياً ﴾ قال: هو الجدول، وهو النهر الصغير.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ قد جعل ربك تحتك سرياً ﴾ قال: نهر عيسى.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر، عن عثمان بن محصن قال: سئل ابن عباس عن قوله: ﴿ سرياً ﴾ قال: الجدول.
أما سمعت قول الشاعر وهو يقول: سلم تر الدالي منه أزورا ** إذا يعج في السري هرهرا وأخرج ابن الأنباري في الوقف والطستي، عن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿ تحتك سرياً ﴾ قال: السري النهر الصغير، وهو الجدول.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت قول الشاعر: سهل الخليقة ماجد ذو نائل ** مثل السريّ تمده الأنهار وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك في قوله: ﴿ سريا ﴾ قال: الجدول.
وأخرج عبد بن حميد، عن عمرو بن ميمون وإبراهيم النخعي مثله.
وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة أن الحسن تلا هذه الآية، وإلى جنبه حميد بن عبد الرحمن الحميري ﴿ قد جعل ربك تحتك سرياً ﴾ قال: إن كان لسريا، وإن كان لكريماً فقال حميد: يا أبا سعيد، إنه الجدول فقال له: لم تزل تعجبنا مجالستك، ولكن غلبتنا عليك الأمراء.
وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة قال: السري الماء.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ سرياً ﴾ قال: نهراً بالسريانية.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ سرياً ﴾ قال نهراً بالقبطية.
وأخرج ابن عساكر، عن سفيان بن حسين في قوله: ﴿ قد جعل ربك تحتك سرياً ﴾ قال: تلاها الحسن فقال: كان والله ﴿ سرياً ﴾ يعني عيسى- عليه السلام- فقال له خالد بن صفوان: يا أبا سعيد، إن العرب تسمي الجدول السري، فقال: صدقت.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا ﴾ قال ابن عباس: (سمع جبريل كلامها وعرف جزعها فناداها من تحتها أسفل منها تحت الأكمة (١) ﴿ أَلَّا تَحْزَنِي ﴾ .
وهذا قول الضحاك، والسدي، وقتادة: (أن المنادي كان جبريل، ناداها من سفح الجبل) (٢) (٣) (٤) قال أبو إسحاق: (ويكون المعنى في مناداة عيسى لها أن يبين الله لها الآية في عيسى) (٥) وقال أبو علي: (وأن يكون المنادي لها عيسى أشبه وأشد إزالة لما خامرها من الوحشة والاغتمام لما يوجد به طعن عليها) (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴾ قال ابن عباس: (يريد السري الجدول، وكان ساقيه للماء قبل ذلك، ثم انقطع [الماء منه، فأرسل الله الماء فيه لمريم) (٩) وهذا قول عامة المفسرين (١٠) قال أبو إسحاق: (وروي عن الحسن أنه قال: (يعني عيسى ، كان والله سريا من الرجال) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) ومعنى قوله: (تَحْتَكِ) قال الكلبي: (بحيال قدميك) (١٥) (١٦) (١٧) وقيل: (معنى قوله: ﴿ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴾ لم يكن الجدول محاذيًا لهذه الجهة، ولكن المعنى جعله دونك، وقد يقال: فلان تحتنا أي: دوننا في المواضع).
قال ذلك أبو الحسن (١٨) وقال بعض المفسرين: (معنى قوله: (تَحْتَكِ) أن الله تعالى جعل النهر تحت أمرها إن أمرته أن يجري جرى، وإن أمرته بالإمساك أمسك لقوله تعالى فيما أخبر عن فرعون: (وهذه الأنهار تجرى من تحتي) (١٩) (٢٠) (١) ذكره نحوه "جامع البيان" 16/ 67، "النكت والعيون" 3/ 364، "المحرر الوجيز" 9/ 450، "معالم التنزيل" 5/ 226، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 135.
(٢) "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 7، "جامع البيان" 16/ 67 - 68، "النكت والعيون" 3/ 364، "معالم التنزيل" 5/ 226، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 321.
(٣) "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 6، "جامع البيان" 16/ 68 "بحر العلوم" 2/ 321، "النكت والعيون" 3/ 364، "المحرر الوجيز" 9/ 450.
(٤) "جامع البيان" 16/ 68، "معالم التنزيل" 5/ 226، "تفسير القرآن العظيم" == 3/ 131، "الدر المنثور" 4/ 482، وهذا ما رجحه الطبري في "تفسيره" 16/ 68، وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 246: أظهر القولين عندي أن الذي ناداها هو ابنها عيسى وتدل على ذلك قرينتان الأولى: أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور.
والقرينة الثانية: أنها لما جاءت به قومها تحمله وقالوا لها ما قالوا أشارت إلى عيسى ليكلموه، وإشارتها إليه ليكلموه قرينة على أنها عرفت قبل ذلك أنه يتكلم على سبيل خرق العادة لندائه لها عندما وضعته.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 325.
(٦) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 197.
(٧) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر: (مَن تَحْتَها) بفتح الميم والتاء.
وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: (مِن تَحْتِها) بكسر الميم والتاء.
انظر: "السبعة" ص 408، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 197، "النشر" 2/ 318.
(٨) في (س): (يعني).
(٩) ذكر نحوه "جامع البيان" 16/ 69، و"النكت والعيون" 3/ 365، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 131، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 94.
(١٠) "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 7، "جامع البيان" 16/ 69 - 70، "النكت والعيون" 3/ 365، "المحرر الوجيز" 11/ 23، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 121.
وجمهور المفسرين على ذلك وهو ما رجحه ابن جرير الطبري رحمه الله في "تفسيره" 16/ 71، وابن كثير 3/ 121.
وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 248: أظهر القولين عندي أن السري في الآية النهر الصغير، والدليل على ذلك أمران أحدهما: القرينة من القرآن فقدله: ﴿ فَكُلِي وَاشْرَبِي ﴾ قرينة على أن ذلك المأكول والمشروب هو ما تقدم الامتنان به.
الأمر الثاني: حديث جاء بذلك عن النبي - - يقول فيه: "إن السرى الذي قال الله لمريم: ﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴾ نهر أخرجه الله لها لتشرب منه".
فهذا الحديث المرفوع إلى النبي - - وإن كانت طرقه لا يخلو شيء منها من ضعف؛ أقرب إلى الصواب من دعوى أن السري عيسى بغير دليل يجب الرجوع إليه.
(١١) "جامع البيان" 16/ 70، "النكت والعيون" 3/ 365، "معالم التنزيل" 5/ 226، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 131، "زاد المسير" 5/ 222.
(١٢) السَّرِي: الجدول وهو قول جميع أهل اللغة.
انظر: "تهذيب اللغة" (سري) 2/ 1680،"لسان العرب" (سرا) 4/ 2002، "المفردات في غريب القرآن" (سري) ص 231.
(١٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 325.
(١٤) البيت للبيد وقد ورد في معلقته.
عُرْضَ: الناحية.
ومَسْجُورَة: عين مملوءة.
القُلام: نبت ينبت على الأنهار، قيل هو نوع من الحمض.
انظر "ديوانه" ص 170، "شرح القصائد العشر" للتبريزي ص 176، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 325، "الدر المصون" 7/ 584.
(١٥) "النكت والعيون" 3/ 364.
(١٦) "معالم التنزيل" 5/ 226، "الكشف والبيان" 3/ 4 أ، "التفسير الكبير" 11/ 205.
(١٧) "معالم التنزيل" 5/ 226، "روح المعاني" 16/ 83.
(١٨) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 197.
(١٩) سورة الزخرف الآية رقم: (51).
(٢٠) "معالم التنزيل" 5/ 226، "الكشف والبيان" 3/ 4 أ، "التفسير الكبير" 11/ 205، "روح المعاني" 16/ 83.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واذكر فِي الكتاب مَرْيَمَ ﴾ خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم والكتاب القرآن ﴿ إِذِ انتبذت مِنْ أَهْلِهَا ﴾ أي اعتزلت منهم وانفردت عنهم ﴿ مَكَاناً شَرْقِياً ﴾ أي إلى جهة الشرق ﴿ فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا ﴾ يعني جبريل، وقيل: عيسى، والأول هو الصحيح؛ لأن جبريل هو الذي تمثل لها باتفاق ﴿ قَالَتْ إني أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ لما رأت الملك الذي تمثل لها في صورة البشر، قد دخل عليها خافت أن يكون من بني آدم، فقالت له هذا الكلام، ومعناه: إن كنت ممن يتقي الله فابعد عني، فإني أعوذ بالله منك، وقيل: إن تقيا اسم رجل معروف بالشرّ عندهم وهذا ضعيف وبعيد ﴿ لأَهَبَ لَكِ غلاما زَكِيّاً ﴾ الغلام الزكيّ هو عيسى عليه السلام، وقرئ ليهب بالياء، والفاعل فيه هو ضمير الرب سبحانه وتعالى، وقرئ بهمزة التكلم، وهو جبريل، وإنما نسب الهبة إلى نفسه، لأنه هو الذي أرسله الله بها، أو يكون قال ذلك حكاية عن الله تعالى ﴿ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً ﴾ البغيّ هي المرأة المجاهرة بالزنا، ووزن بغيّ فعول ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً ﴾ الضمر للولد واللام تتعلق بمحذوف تقديره: لنجعله آية فعلنا ذلك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ كيهعص ﴾ بإمالة الهاء فقط: أبو عمرو ﴿ كهيعص ﴾ بإمالة الياء فقط: حمزة وخلف وقتيبة وابن ذكوان، وقرأ عليّ غير قتيبة ويحيى ويحيى وحماد بإمالتهما.
وقرأ أبو جعفر ونافع والخزاعي عن البزي وابن فليح بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب.
الباقون بتفخيمها ﴿ صاد ذكر ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وخلف وابن عامر وسهل ﴿ من ورائي ﴾ بفتح الياء مهموزاً: ابن كثر غير زمعة والخزاعي عن ا لبزي وقرأ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي ﴿ من وراي ﴾ مثل ﴿ عصاي ﴾ ﴿ يرثني ويرث ﴾ بالجزم فيهما: أبو عمرو وعليّ.
الباقون برفعهما ﴿ يبشرك ﴾ ثلاثياً وكذلك في آخر السورة: حمزة ﴿ عتباً ﴾ و ﴿ جثياً ﴾ و ﴿ صلياً ﴾ و ﴿ بكياً ﴾ بكسر الأوائل: حمزة وعلي وافق حفص إلا في ﴿ بكياً ﴾ الخزاز عن هبيرة ﴿ عتباً ﴾ الأولى بالكسر والثاني بالضم.
﴿ وقد خلقناك ﴾ حمزة وعلي.
الآخرون ﴿ خلقتك ﴾ على التوحيد ﴿ إلى آية ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن شنبوذ عن أهل مكة.
الوقوف: ﴿ كهيعص ﴾ ه كوفى ﴿ زكريا ﴾ ه ح لجواز تعلق "إذ" بـ ﴿ ذكر رحمة ربك ﴾ ولاحتمال انتصابه بأذكر محذوفاً.
﴿ خفياً ﴾ ه ﴿ شقياً ﴾ ه ﴿ ولياء ﴾ لا ﴿ آل يعقوب ﴾ ق والوجوه الوصل لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ يحيى ﴾ لا لأن ما بعده صفة غلام والاستئناف ليس بقوي.
﴿ سمياً ﴾ ه ﴿ عتياً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ه بناء على أن التقدير الأمر كذلك ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ سوياً ﴾ ه ﴿ وعشياً ﴾ ه ﴿ بقوة ﴾ ط ﴿ صبياً ﴾ ه لا للعطف أي آتيناه الحكم وحناناً منا عليه ﴿ وزكاة ﴾ ط ﴿ تقياً ﴾ ه ﴿ عصياً ﴾ ه ﴿ حياً ﴾ ه.
التفسير: حروف المعجم في الوقف ثنائية وثلاثية، وقد جرت عادة العرب بإمالة الثنائيات وبتفخيم الثلاثيات، وفي الزاي اعتيد الأمران لأنه قد يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق فيصير ثنائياً، ولا ريب أن التفخيم أصل والإمالة فرع عليه.
فمن قرأ بإمالة الهاء والياء معاً فعلى العادة، ومن قرأ بتفخيمهما جميعاً فعلى الأصل ومن قرأ بإمالة إحداهما فلرعاية الجانبين.
وقد روى صاحب الكشاف عن الحسن أنه قرأ بضمهما فقيل: لأنه تصور أن عين الكلمة فيهما واو فنبه بالضم على أصلها.
والبحث عن هذه الفواتح قد سلف في أول البقرة، ومما يختص بهذا الموضع ما روي عن ابن عباس أن قوله ﴿ كهيعص ﴾ ثناء من الله على نفسه، فالكاف كاف لأمور عباده، والهاء هاد والعين عالم أو عزيز، والصاد صادق.
وعنه أيضاً أنه حمل الكاف على الكريم أو الكبير، والياء على الكريم مرة وعلى الحكيم أخرى.
وعن الربيع بن أنس أن الياء من مجير، وهذا التفسير لا يخلو من تحكم إلا أن يسند إلى الوحي أو الإلهام، وارتفع ﴿ ذكر رحمة ﴾ على الخبر أي هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ﴿ ربك ﴾ وانتصب ﴿ عبده ﴾ على أنه مفعول لذكر و ﴿ زكريا ﴾ عطف بيان، وقرىء برفعهما على إضافة المصدر إلى المفعول، وعن الكلبي أنه قرأ ﴿ ذكر ﴾ بلفظ الماضي مشدداً تارة و ﴿ رحمة ﴾ و ﴿ عبده ﴾ منصوبان على المفعولية، والفاعل ضمير المتلو.
ومخففاً أخرى و ﴿ عبده ﴾ مرفوع على الفاعلية.
وقرىء ﴿ ذكر ﴾ على الأمر وهي قراءة ابن معمر.
وقيل: يحتمل على هذا أن تكون الرحمة عبارة عن زكريا لأن كل نبي رحمة لأمته، ويجوز أن يكون رحمة لنبينا صل الله عليه وسلم ولأمته لأن طريقه في الإخلاص والابتهال يصلح لأن يقتدى به وكان ذكره رحمة لنا ولنبينا.
وفي خفاء ندائه.
وجوه منها: أن الإخفاء أبعد عن الرياء وأدخل في الخشية ولهذا فسره الحسن بأنه نداء لا رياء فيه.
ومنها أنه أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في غير وقته.
ومنها أنه أسره من مواليه الذين خافهم.
ومنها أنه خفت صوته لضعفه وهرمه كما جاء في صفة الشيخ "صوته خفات وسمعه تارات" ولعله أتى بأقصى ما يقدر عليه من الصوت ومع ذلك كان خفياً لنهاية كبره.
ثم شرع في حكاية ندائه قائلاً: ﴿ قال رب إني وهن العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ قال علماء المعاني: في الآية لطائف وذلك أصل الكلام: يا ربي قد شخت فإن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن وشيب الرأس، ثم ترك الإجمال إلى التفصيل لتوخي زيادة التقرير فصار ضعف بدني وشاب رأسي، ثم في القرينة الأولى عدل من التصريح إلى الكناية التي هي أبلغ منه فصار وهنت عظامي فإن وهن عظام البدن لازم لضعفه، ثم بنيت الكناية على المبتدأ لتقوي الحكم فحصل أنا وهنت عظام بدني، ثم سلك طريق الإجمال والتفصيل لمزيد البيان فصار: إني وهنت العظام من بدني، لأنك إذاقلت إني وهنت العظام أفاد أن عظاماً واهنة عندك، فإذا قلت: "من بدني" فقد فصلت، ثم ترك توسيط البدن لطلب مزيد اختصاص العظام، ثم لطلب شمول العظام فرداً فرداً قصدت مرتبة ثانية وهي ترك جمع العظم إلى الإفراد لأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع فحصل ﴿ إني وهن العظم مني ﴾ فحصل أني وهنت العظام مني.
وإذا حصل الوهن في هذا الجنس الذي هو أصلب الأعضاء وبه قوام البدن وقد يكون جنة لسائر الأعضاء الرئيسة كالقحف للدماغ والقص للقلب ففي الأعضاء الأخر أولى.
وأما القرينة الأخرى فتركت الحقيقة فبها الاستعارة التي هي أبلغ فحصل اشتعل شيب رأسي.
وبيان الاستعارة فيه أنه شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته، وشبه انتشاره في الشعر وفشوّه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكتابة بأن حذف المشبه به وأداة التشبيه فصار اشتعل شيب الرأسي، ويمكن تقرير الاستعارة بوجه آخر وهو أن يكون استعمل ﴿ اشتعل ﴾ بدل "انتشر" فتكون الاستعارة تبعية تصريحية وقرينتها ذكر الشيب، ثم تركت هذه المرتبة إلى أبلغ منها وهي "اشتعل رأسي شيباً".
وكونها أبلغ من وجهات منها: إسناد الاشتعال إلى الرأس لإفادته شمول الاشتعال الرأس كما لو قلت: "اشتعل بيتي ناراً" مكان "اشتعل النار في بيتي".
ومنها الإجمال والتفصيل الواقعان في طريق التمييز، ومنها تنكير ﴿ شيباً ﴾ للتعظيم كما هو حق التمييز.
ثم عدل إلى مرتبة أخرى هي "اشتعل الرأس مني شيباً" لتوخي مزيد التقرير بالإبهام ثم البيان على نحو ﴿ وهن العظم مني ﴾ ثم ترك لفظ "مني" ذكره في القرينة الأولى ففي ذلك إحالة تأدية المعنى على العقل دون اللفظ.
وكم بين الحوالتين مع أن بناء الكلام على الاختصار حيث قال "رب" بحذف حرف النداء وياء المتكلم يناسب الاختصار في آخره.
وإنما أطنب في هذا المقام لأن هذه الآية كالعلم فيما بين علماء المعاني.
ثم إنه توسل إلى الله عز وجل بما سلف له معه من الاستجابة قائلاً ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ كما حكى أن محتاجاً قال لكريم: أنا الذي أحسنت إليّ وقت كذا فقال: مرحباً بمن توسل إلينا وقضى حاجته.
تقول العرب: سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها، وشقي بها إذا خاب ولم ينلها.
ومعنى ﴿ بدعائك ﴾ أي بدعائي إياك.
واعلم أن زكريا قدم على السؤال أموراً ثلاثة: الأول كونه ضعيفاً، والثاني أنه لم يرد دعاءه والثالث كون المطلوب بالدعاء سبباً للمنفعة في الدين وذلك قوله ﴿ وإني خفت الموالي ﴾ قال ابن عباس والحسن: أي الورثة.
وعن مجاهد العصبة.
وعن أبي صالح: الكلالة.
وعن الأصم: بني العم وهم الذين يلونه في النسب.
وعن أبي مسلم: المولى يراد به الناصر وابن العم والمالك والصاحب وهو ههنا من تقدم في ميراثة كالولد.
والمختار أن المراد من الموالي الذين يخلفون بعده إما في السياسة أو في المال الذي كان له أو في القيام بأمر الدين، وكان من عاداتهم أن كل من كان إلى صاحب الشرع أقرب كان متعيناً للحبورة.
وقوله: ﴿ من ورائي ﴾ أي بعد موتي لا يتعلق بــ ﴿ خفت ﴾ لأن الخوف بعد الموت محال ولكن بمحذوف أي الموالي الذين يخلفون من بعدي، أو بمعنى الولاية في الموالي أي خفت ولايتهم وسوى خلافتهم بعدي، فإن زكريا انضم له مع النبوّة الملك فخاف بعده على أحدهما أو عليهما.
وسبب الخوف القرائن والأمارات التي ظهرت له من صفائح أحوالهم وأخلاقهم.
وإنما قال: ﴿ خفت ﴾ بلفظ الماضي لأنه قصد به الإخبار عن تقادم الخوف، ثم استغنى بدلالة الحال كمسألة الوارث وإظهار الحاجة عن الإخبار بوجود الخوف في الحال.
وقرىء ﴿ خفت الموالي ﴾ بتشديد الفاء.
وعلى هذا فمعنى ورائي خلفي وبعدي أي قلوا وعجزوا عن أمر الدين والإقامة بوظائفه، والظرف متعلق بالموالي، أو معناه قدامي والظرف متعلق بـ ﴿ خفت ﴾ أي درجوا ولم يبق من يعتضد به.
ثم صرح بالمسألة قائلاً: ﴿ فهب لي ﴾ وأكده بقوله: ﴿ من لدنك ﴾ أي ولياً صادراً من عندك مضافاً إلى اختراعك بلا سبب لأني وامرأتي لا تصلح للولادة.
من قرأ ﴿ يرثني ويرث ﴾ بالجزم فيهما فهو جواب الدعاء، ومن قرأ برفعهما فالأكثرون ومنهم جار الله قالوا: إنه صفة.
وقال صاحب المفتاح: الأولى حمله على الاستئناف كأنه قيل: لم تطلب الولد؟
فقال مجيباً: يرثني أي لأنه يرثني لئلا يلزم منه أنه لم يوهب من وصف لهلاك يحيى قبل زكريا.
واعترض بأن حمله على الاستئناف يوجب الإخبار عما لم يقع، وكذب النبي .
أمنع من كونه غير مستجاب الدعوة.
وأجيب بأن عدم ترتب الغرض من طلب الولد لا يوجب الكذب.
وأقول: الاعتراض باق لأن المعنى يؤل إلى قولنا "هب لي ولياً موصوفاً بالوراثة" أو بأن الغرض منه الوراثة، أوهب لي ولياً أخبر عنه بأنه يرثني.
وعلى التقادير يلزم عدم الاستجابة أو الكذب.
والحق في الجواب هو ما سلف لنا في قصة زكريا من سورة آل عمران، أن النبي لا يطلب في الدعاء إلا الأصلح حتى لو كان الأصلح غير ما طلبه فصرفه الله عنه كان المصروف إليه هو بالحقيقة مطلوبه.
ويمكن أن يقال: لعل الوراثة قد تحققت من يحيى وإن قتل قبل زكريا، وذلك بأن يكون قد تلقى منه كتاب أو شرع هو المقصود من وجود يحيى وبقى ذلك الكتاب أو الشرع معمولاً به بعد زكريا أيضاً إلى حين.
وقد روى صاحب الكشاف ههنا قراآت شاذة لا فائدة كثيرة في تعدادها إلى قوله عن علي وجماعة وأرث من آل يعقوب أي يرثني به وارث ويسمى التجريد في علم البيان.
فقيل: هو أن تجرد الكلام عن ذكر الأول حتى تقول "جاءني فلان فجاءني رجل" لا تريد به إلا الأول، ولذلك تذكر اسمه في الجملة الثانية، وتجرد الكلام عنه.
وأقول: يشبه أن يكون معنى التجريد هو أنك تجرده عن جميع الأوصاف المنافية للرجولية.
وكذا في الآية كأنه جرده عن منافيات الوارثية بأسرها.
واختلف المفسرون في أنه طلب ولداً يرثه أو طلب من يقوم مقامه ولداً كان أو غيره؟
والأول أظهر لقوله في آل عمران ﴿ رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ﴾ ولقوله في سورة الأنبياء ﴿ ربي لا تذرني فرداً ﴾ حجة المخالف أنه لما بشر بالولد استعظم وقال ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ ولو كان دعاؤه لأجل الولد ما استعظم ذلك.
والجواب ما مر في آل عمران.
واختلفوا أيضاً في الوراثة فعن ابن عباس والحسن والضحاك: هي وراثة المال.
وعنهم أيضاً أن المراد يرثني المال ويرث من آل يعقوب النبوّة أو بالعكس.
وفي رواية أبي صالح أن المراد في الموضعين النبوّة.
فلفظ الإرث مستعمل في المال ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ﴾ وفي العلم ﴿ وأورثنا بني إسرائيل الكتاب ﴾ "العلماء ورثة الأنبياء" وحجة الأولين ما روي أنه قال: "رحم الله زكريا وما عليه من يرثه" فإن ظاهره يدل على أنه أراد بالوراثة المال.
وكذا قوله "إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" ، وأيضاً العلم والنبوة كيف يحصل بالميراث ولو كان المراد إرث النبوّة إلى قوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ لأن النبي لا يكون إلا مرضياً.
وأجيب بأنه إذا كان المعلوم من حال الابن أنه يصير نبياً بعده فيقوم بأمر الدين جاز أن يقال ورثه.
والمراد يكون رضياً أن لا يوجد منه معصية ولا همّ بها كما جاء في حق يحيى، وقج مر الحديث هناك.
ولا يلزم من هذا أن يكون يحيى مفضلاً على غيره من الأنبياء كلهم فلعل لبعضهم فضائل أخر تختص به.
احتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال، وأجابت المعتزلة بأنه يفعل به ضروب الألطاف فيختار ما يصير مرضياً عنده، وزيف بأن ارتكاب المجاز على خلاف الأصل، وبأن فعل الألطاف واجب على الله فطلب ذلك بالدعاء والتضرع عبث.
واعلم أن أكثر المفسرين على أن يعقوب المذكور في الآية هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم لأن زوجة زكريا كانت من ولد سليمان بن داود من ولد يهودا بن بعقوب، وأما زكريا فقد كان من ولد هرون أخي موسى وهرون وموسى ولد لاوى بن يعقوب بن إسحق، وكانت النبوّة في سبط وهو إسرائيل .
وزعم بعض المفسرين أن المراد هو يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان وهذا قول الكلبي ومقاتل.
وعن مقاتل: أن بني ماثان كانوا رؤوس بني إسرائيل وملوكها.
قوله: ﴿ يا زكريا ﴾ الكثرون على أنه نداء من الله لقرينة التخاطب من قوله: ﴿ رب إني وهو العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ رب أنى يكون لي غلام ﴾ ومنهم من قال: هو نداء الملك لقوله في آل عمران ﴿ فنادته الملائكة ﴾ وجوز بعضهم الأمرين.
واختلفوا في عدم السمي فقيل: أراد أن لم يسم أحد بيحيى قبله.
وقيل: أراد أنه لا نظير له كقوله ﴿ هل تعلم له سمياً ﴾ وذلك أنه سيداً وحصوراً ولم يعص ولم يهم بمعصية فكأنه جواب لقوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ وأيضاً سمي بيحيى قبل دخوله في الوجود ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر فلا نظير له في هذه الخواص.
قال بعض العلماء: القول الأول أظهر لما في الثاني من العدول عن الظاهر ولا يصار إليه لضرورة كما في قوله: ﴿ فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً ﴾ لأنا نعلم أن مجرد كونه تعالى لا سميّ له لا يقتضي عبادته فنقول: السميّ هناك يراد به المثل والنظير.
ويمكن أن يقال: إن التفرد بالاسم فيه ضرب من التعظيم فلا ضرورة في الآية أيضاً.
قال جار الله: إنما قيل للمثل سميّ لأن كل متشاكلين يسمى كل منهما باسم المثل والشبيه والشكل والنظير، فكل واحد منهما سمي.
قلت: ويقرب هذا من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم.
ولم سمي بيحيى؟
تكلفوا له وجوهاً.
فعن ابن عباس لأنه أحيا عقر أمه.
وعن قتادة لأنه أحيا قلبه بالإيمان والطاعة ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه ﴾ ﴿ إذا دعاكم لما يحييكم ﴾ .
ولهذا كان من أول من آمن بعيسى.
وقيل: لأنه استشهد والشهداء أحياء.
وقيل: لأن الدين أحيى به لأن زكريا سأله لأجل الدين.
قوله: ﴿ وقد بلغت من الكبر ﴾ قال جار الله: أي من أجل الكبر والطعن في السن العالية فــ"من" للتعليل، ويجوز أن تكون للابتداء أي بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى ﴿ عتياً ﴾ وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام.
يقال: عنا العود عتياً إذا غيره طول الزمان إلى حالة اليبس.
سؤال: إنه قال في آل عمران ﴿ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ﴾ فلم عكس الترتيب في هذه السورة؟
وأجيب بأن الواو لا تفيد الترتيب.
قلت: إن ذاك ورد على الأصل وهو تقديم نقص نفسه وههنا راعى الفاصلة.
﴿ قال ﴾ الأمر ﴿ كذلك ﴾ تصديقاً له.
ثم ابتدأ قائلاً ﴿ قال ربك ﴾ فمحل ﴿ كذلك ﴾ رفع، ويحتمل أن يكون نصباً ﴿ قال ﴾ وذلك إشارة إلى مبهم يفسره قوله: ﴿ هو ﴾ أي خلق الغلام ﴿ عليّ هين ﴾ ويحتمل أن يكون إشارة إلى قول زكريا ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ أي كيف تعطيني الغلام أبأن تجعلني وزوجتي شابين أو بأن تتركنا على الشيخوخة؟
فأجيب بقوله: ﴿ كذلك ﴾ أي نهب الولد لك مع بقائك وبقاء زوجتك على حالتكما.
ولفظ الهين مجاز عن كمال القدرة وهو فيعل من هان الشيء يهون إذا لم يصعب ولم يمتنع عن المراد ﴿ ولم تك شيئاً ﴾ لأن المعدوم ليس بشيء أو شيئاً بعتد به كالنطفة، أو كالجواهر التي لم تتألف بعد، فيه نفس استبعاد زكريا، لأن خلق الذات ثم تغييرها في أطوار الصفات ليس أهون من تبديل الصفات وهو أحداث القوة المولدة في زكريا وصاحبته بعد أن لم تكن ﴿ قال رب اجعل لي آية ﴾ قد مر تفسير الآية في أول عمران.
قوله: ﴿ سوياً ﴾ قيل: إنه صفة لليالي أي تامة كاملة.
والأكثرون على أنه صفة زكريا أي وأنت سليم الحواس مستوى الخلق ما بك خرس ولا عيّ ﴿ فخرج على قومه من المحراب ﴾ قيل: كان له موضع ينفرد فيه للصلاة والعبادة ثم ينتقل إلى قومه.
وقيل: كان موضعاً يصلي فيه هو وغيره إلا أنهم كانوا لا يدخلونه للصلاة إلا بإذنه.
﴿ فأوحى إليهم ﴾ عن مجاهد: أشار بدليل قوله في أول آل عمران ﴿ إلا رمزاً ﴾ وعن ابن عباس: كتب لهم على الأرض.
و ﴿ أن ﴾ هي المفسرة و ﴿ سبحوا ﴾ أي صلوا أو على الظاهر وهو قول سبحان الله.
عن أبي العالية أن البكرة صلاة الفجر والعشيّ صلاة العصر، فلعلهم كانوا يصلون معه هاتين الصلاتين في محرابه، وكان يخرج إليهم ويأذن لهم بلسانه، فلما اعتقل لسانه خرج إليهم كعادته ففهمهم المقصود بالإشارة أو الكتابة.
وههنا إضمار والمراد فبلغ يحيى المبلغ الذي يجوز أن يخاطب فقلنا له: ﴿ يا يحيى خذ الكتاب ﴾ أي التوراة لأنها المعهود حينئذ، ويحتمل أن يكون كتاباً مختصاً به وإن كنا لا نعرفه الآن كقول عيسى ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب ﴾ والمراد بالأخذ إما الأخذ من حيث الحس، وإما الأخذ من حيث المعنى وهو القيام بمواجبه كما ينبغي وذلك بتحصيل ملكة تقتضي سهولة الإقدام على المأمور به والإحجام عن المنهى عنه.
ثم أكده بقوله: ﴿ بقوة ﴾ أي بجد وعزيمة.
﴿ وآتيناه الحكم ﴾ أي الحكمة.
عن ابن عباس: هو فهم التوراة والفقه في الدين ولذلك لما دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبي قال: ما للعب خلقت.
وعن معمر: العقل.
وقيل: النبوة.
وكل هذه الأوصاف على الأقول من الخوارق كما حق عيسى فلا استبعاد إلا من حيث العادة.
والحنان أصله توقان النفس، ثم استعمل في الرحمة وهو المراد ههنا.
وما قيل إنه يحتمل أن يراد حناناً منا على زكريا أو على أمة يحيى لا يساعده وجود الواو.
وقيل: أراد آتيناه الحكم والحنان على عبادنا كقوله في نبينا ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ وأراد بقوله: ﴿ وزكاة ﴾ أنه مع الإشفاق عليهم كان لا يخل بإقامة ما يجب عليهم لأن الرأفة واللين ربما تورث ترك الواجب ولهذا قال: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ ولا يخفى أنه يساعد هذا القول وجود لفظة ﴿ من لدنا ﴾ وعن عطاء: أن معنى حناناً تعظيماً من لدنا.
وعن ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جريج: أن معنى زكاة عملاً صالحاً زكياً.
وقيل: زكيناه بحسن الثناء عليه كما يزكى الشهود.
وقيل: بركة كقول عيسى ﴿ جعلني مباركاً ﴾ وقيل: صدقة أي ينعطف على الناس ويتصدق عليهم.
ثم أخبر محمد عن جملة أحواله بقوله: ﴿ وكان تقياً ﴾ بحيث لم يعص الله ولا هم بمعصية قط ﴿ وبرّاً بوالديه ﴾ لأن تعظيم الوالدين تلو تعظيم الله ﴿ ولم يكن جباراً عصياً ﴾ وذلك أن الزاهد في الدنيا قلما يخلو عن طلب ترفع والرغبة في احترام، فذكر أنه مع غاية زهده كان موصوفاً بالتواضع للخلق وتحقيق العبودية للحق.
قال سفيان: الجبار الذي يقتل عند الغضب دليله قوله: ﴿ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلاّ أن تكون جباراً في الأرض ﴾ ثم إنه سلم عليه في ثلاثة مواطن هي أوحش المواطن وأحوجها إلى طلب السلامة فيها، ويحتمل أن يكون هذا السلام من الملائكة عليه إلا أنه لما كان بإذن الله كان كلام الله، وقيل: إنما قال: ﴿ حياً ﴾ مع أن المبعوث هو المعاد إلى حال الحياة تنبيهاً على كونه من الشهداء وهم أحياء إلا أنه يشكل بما يجيء في قصة عيسى ﴿ ويوم أبعث حياً ﴾ وذلك أنه ورد في الأخبار أن عيسى سيموت بعد النزول.
والظاهر أنه أراد ويوم يجعل حياً فوضع الأخص موضع الأعم تأكيداً.
قيل: السلام عليه يوم ولد لا بد أن يكون تفضلاً من الله لأنه لم يتقدم منه عمل يجزى عليه، وأما الآخران فيجوز أن يكونا لأجل الثواب.
قلت: أكثر أموره خارق للعادة، فيحتمل أن يوجد منه في بطن أمه عمل يستحق الثواب كما يحكى أن أمه قالت لمريم وهما حاملان: إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك.
التأويل: إن زكريا الروح ﴿ نادى ربه نداء خفياً ﴾ من سر السر ﴿ قال رب إني وهن ﴾ مني عظم الروحانية واشتعل شيب صفات البشرية، وإني خفت صفات النفس أن تغلب ﴿ وكانت امرأتي ﴾ يعني الجثة التي هي روح الروح ﴿ عاقراً ﴾ لا تلد إلا بموهبة من الله ﴿ فهب لي من لدنك ﴾ سأل ﴿ ولياً ﴾ فأعطاه الله نبياً وهو في الحقيقة القلب الذي هو معدن العلم اللدني فإنه ولد الروح والنفس أعدى عدوه ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ أي يتصف بصفة الروح وجميع الصفات الروحانية ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ بأن توطنه من تجلي صفات ربوبيتك ما يرضى به نظيره ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ ﴿ اسمه يحيى ﴾ إن الله أحياه بنوره ﴿ ولم نجعل له من قبل سمياً ﴾ لا من الحيوانات ولا من الملائكة لأنه هو الذي يقبل فيض الألوهية بلا واسطة، وهو سر حمل الأمانة كما قال: "ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن" ﴿ وقد بلغت من الكبر ﴾ أي بسبب طول زمان تعلق القلب بالقالب ﴿ عتياً ﴾ يبساً وجفافاً من غلبات صفات النفس ﴿ آيتك أن لا تكلم الناس ﴾ لا تخاطب إلا الله ولا تلتفت إلى ما سواه ﴿ ثلاث ليال ﴾ هي ثلاث مراتب الجماديات والحيوانيات والروحانيات ﴿ سوياً ﴾ متمكناً في هذا الحال من غير تلون ﴿ فخرج ﴾ زكريا الروح من محراب هواه وطبعه على قوم صفات نفسه وقلبه وأنانيته، فأشار إليهم أن كونوا متوجهين إلى الله معرضين عما سواه آناء الليل وأطراف النهار بل بكرة الأزل وعشيّ الأبد ﴿ يا يحيى ﴾ القلب ﴿ خذ ﴾ كتاب الفيض الإلهي المكتوب لك في الأزل ﴿ بقوة ﴾ ربانية لا بقوة جسدانية لأنه خلق ضعيفاً ﴿ وآتيناه الحكم ﴾ في صباه إذ خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره ﴿ زكاة ﴾ وتطهراً من الالتفات إلى غيرنا ﴿ وبراً بوالديه ﴾ الروح والقالب.
أما البروح فلأن القلب محل قبول الفيض الإلهي لأن الفيض نصيب الروح أوّلاً ولكن لا يمسكه لغاية لطافته كما أن الهواء الصافي لا يقبل الضوء وينفذ فيه، وأما القلب ففيه صفاء وكثافة فبالصفاء يقبل الفيض وبالكثافة يمسكه، وهذا أحد أسرار حمل الأمانة.
وأما بر والدة القلب فهو استعمالها على وفق الشريعة والطريقة ﴿ ولم يكن جباراً عصياً ﴾ كالنفس الأمارة بالسوء ﴿ وسلام عليه يوم يولد ﴾ في أصل خلقه ﴿ ويوم يموت ﴾ من استعمال المعاصي بالتوبة ﴿ ويوم يبعث حياً ﴾ بالتربية والترقي إلى مقام السلامة الله حسبي.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل - ﴿ يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ ، أي: لم نجعل له مثل يحيى من قبل في الفضل والمنزلة؛ لأنه روي عن نبي الله أنه قال: "لم يكن من ولد آدم إلا وقد عمل بخطيئة أو همّ بها غير يحيى بن زكريا؛ فإنه لم يهم بخطيئة ولا عمل بها" وقال بعضهم: ﴿ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ ، أي: لم يسم أحد قبله يحيى.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ ، أي: يتولّى الله تسميته يحيى، لم يول تسميته غيره، وسائر الخلق تولى أهلوهم تسميتهم.
وقوله: ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً ﴾ .
قال الحسن: إن زكريا استوهب ربه الولد، فأجابه وبَشَّره، فقال: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ ، وطلب منه الآية لذلك، فقال: ﴿ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً ﴾ ، فما عابه على ذلك، ولا وبّخه، ولكن رحمه، أو كلام نحو هذا.
وقال غيره: إنما أمسك لسانه واعتقله عقوبة لما سأل من الآية، هؤلاء كلهم يجعلون ذلك منه زلة منه، إلا أن الحسن قال: لم يعبه على ذلك، ولا عاقبه عليه، ولكن ذكر ذلك رحمة منه إليه، وغيره يجعل ذلك عقوبة لما كان منه.
وجائز أن يخرج ذلك على غير ما قالوا، وهو أن قوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ أي: على أيّ حال يكون مني الولد، على الحال التي أنا عليها، أو أراد إلى شبابي، ففي تلك الحال يكون مني الولد، فذلك منه استخبار واستعلام عن الحال الذي يكون منه الولد، ليس على أنه لم يعرف أنه قادر على إنشاء الولد في حال الكبر، وبسبب وبلا سبب، وعلى ذلك يخرج قوله حيث قال كذلك: ﴿ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ﴾ ، أي: قبل أن نخلقك لم تك شيئاً.
وطلب الآية والعلامة بعدما بشر يخرج على وجهين: أحدهما: أنّه لما بشر بالولد لعله أشكل عليه بأن تلك بشارة ملك أو غيره، فطلب منه العلامة ليعرف أن تلك بشارة ملك، وأنها من الله أو غيره لأنه ذكر في الآية: ﴿ فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ ﴾ فطلب الآية يخرج منه على استعلام بشارة الملك، وأن ذلك من الله لا أنه لم يعرف قدرة الله أنه قادر على خلقه في كل حال، هذا لا يظن بأضعف مؤمن في الدنيا فكيف يظن بنبيّ من الأنبياء؟!
أو أن يكون طلب الآية منه ليعرف وقت حملها الولد، ووقت وقوعه في الرحم؛ ليسبق له السرور بحمله عن وقت الولادة، وعن وقت وقوع بصره عليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ ، لأني أخلق بسبب، وبغير سبب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً ﴾ .
قال بعضهم: آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال، وأنت سَوِيٌّ صحيح.
وقال بعضهم: ﴿ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً ﴾ ، أي: ثلاثاً تامات بأيامها على ما قاله في آية أخرى: ﴿ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ ذكر هاهنا ثلاث ليال وفي تلك الآية ثلاثة أيام والقصة واحدة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ .
قوله: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ ﴾ ، قيل: أومأ إليهم.
وقيل: كتب لهم على الأرض.
وجائز أن يكون أوحى إليهم بالشفتين على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ ، والرمز: هو تحريك الشفة والإيماء بها.
قال أبو عوسجة: عاقر وعقيم: المرأة التي لا تلد، وقوله: ﴿ عِتِيّاً ﴾ قال: هو أشد الكبر شيباً، أي: كبر الشيب.
والمحراب، قال: إن شئت قصراً وداراً، وقال القتبي: ﴿ عِتِيّاً ﴾ ، أي: يبساً، ويقال: عِتيّاً وعَتيا، بمعنى واحد، ويقال: ملك عاتٍ، إذا كان قاسي القلب غير لين، وسويّاً أي: سليماً.
وقوله: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ ﴾ ، قد ذكرنا أنه أومأ إليهم.
وقال بعضهم: كتب لهم على الأرض.
وقوله: ﴿ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ أَن سَبِّحُواْ ﴾ ، أي: صلوا لله بكرة وعشيّاً، فإن كان التسبيح هو الصلاة، ففيه أن الصلاة كانت في الأمم الماضية في ختام الليل.
ويحتمل التسبيح نفسه والثناء على الله، والدعاء له بالغدوات والعشيات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ .
قال بعضهم: خذ الكتاب بما قواك الله وأعانك.
وقال بعضهم: خذ الكتاب واصبر على العمل بما فيه.
وقال بعضهم: خذ الكتاب بقوة، أي: بجدّ.
قال أبو بكر الأصم: الجدّ: هو الانكماش في العمل، والقوة هي احتمال ما حمل عليه.
وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون بأن القوة تتقدم الفعل، ثم لا تبقى وقتين، فيكون على قولهم آخذاً بغير قوة، وقد أمره أن يأخذه بقوة، فقولهم على خلاف ما نطق به ظاهر الكتاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ ٱلْحُكْمَ ﴾ ، أي: النبوة حال صباه.
وقال بعضهم: آتاه الله الفهم واللبّ.
وقال بعضهم: الحكمة والعلم.
فكيفما كان ففيه فساد مذهب المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يخص أحداً بنبوّة، ولا شيء من الخيرات إلا بعد أن يسبق من المختص له ما يستوجب ذلك الاختصاص، ويستحقه، فما الذي كان من يحيى في حال صباه وطفوليته ما يستوجب به النبوة، وما ذكر من الحكم أنه آتاه، فدلّ ذلك [أن] الاختصاص منه - يكون لمن كان - إفضالاً منه وإنعاماً ورحمة، لا باستحقاق من المختص له واستيجابه.
وفي قوله: ﴿ يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ دلالة أنه كان نبيّاً حيث كان أخبر أنه آتاه الكتاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا ﴾ هو على قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً ﴾ وآتيناه حناناً وزكاةً أيضاً.
ثم اختلف في قوله: ﴿ وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا ﴾ : قال ابن عباس: تعطفاً من لدنا.
وقال بعضهم: أي: رحمة من لدنا، وهو قول الحسن.
وقال بعضهم: الحنان: المحبة.
وقال أبو عوسجة: حنانك وحنانيك كلاهما يعني: رحمتك، وقال: أصله من التحنن، وهو الترحم.
وقال القتبي: أصله من حنين الناقة على ولدها.
وقوله: ﴿ وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً ﴾ .
قال بعضهم: زكاة، أي: صدقة تصدق بها على زكريا وزوجته في الوقت الذي لا يرجو فيه مثلهما الولد.
وقال بعضهم: زكاة، أي: صلاحاً وما ينمو به من الخيرات.
وجائز أن يكون الزكاة اسم كل خير وبركة، وهو كالبر من التقوى، كأنه قال: أعطيناه كل بر وخير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ تَقِيّاً ﴾ عن جميع الشرور، كقوله: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ﴾ أي: تعاونوا على البرّ وتعاونوا أيضاً على دفع الشرور.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ ﴾ هو على قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ ﴾ \[أي\]: وآتيناه البرّ بوالديه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً ﴾ .
بل كان خاضعاً لله ذليلاً مطيعاً.
وقال الحسن: ﴿ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً ﴾ ، أي: لم يكن فيمن يجبر الناس على معصية الله.
وقال أهل التأويل: ﴿ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً ﴾ أي: قتالاً، أي: لم يكن ممّن يقتل على الغضب ويضرب على الغضب.
وأصله ما ذكرنا: أنه كان - على ضدّ ما ذكر - خاضعاً لله، مطيعاً له، على ما ذكر أنه لم يرتكب ذنباً ولا هم به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً ﴾ .
يحتمل: (السلام عليه) الوجوه الثلاثة: أحدها: هو اسم كل برّ وخير، أي: عليه كل برّ وخير في هذه الأحوال التي ذكر.
والثاني: (السلام) هو الثناء، أثنى الله عليه في أوّل أمره إلى آخره، وبعد الموت في الآخرة، أو أن يكون قوله: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ ﴾ أي: السلامة عليه في هذه الأحوال التي يكون للشيطان في تلك الأحوال الاعتراض والنزغ فيها؛ لأنه وقت الولادة يعترض ويفسد الولد إن وجد السبيل إليه، وكذلك عند الموت يعترض ويسعى في إفساد أمره فأخبر أن يحيى كان سليماً سالماً عن نزغات الشيطان، محفوظاً عنه حتى لم يرتكب خطيئة، ولا همّ بها، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ وَيَوْمَ يَمُوتُ ﴾ دلالة أن الموت والقتل سواء، وإن كان في الحقيقة مختلفاً؛ لأنه ذكر في القصة أن يحيى قتل، ثم ذكر الموت، فدل أنهما واحد، فهذا يرد على المعتزلة، حيث قالوا: إن المقتول ميت قبل أجله، وفيه أن قوله: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ ﴾ إنما نهانا أن نسميهم أمواتاً في جهة ليس في الجهات كلها، حيث سمى يحيى: ميتاً، وهو كان شهيداً على ما ذكر أنه قتل.
وفي قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً ﴾ استدلال لأبي حنيفة - رحمه الله - حيث وقف في أولاد المسلمين والمشركين، فقال: لا علم لي بهم، ولم يقطع فيهم القول؛ لما يجوز أن يجعل الله لهم من المنزلة والتمييز والفهم في حال صغرهم حتى يعرفوا خالقهم ومنشئهم، على ما أعطى يحيى وعيسى في حال صباهما وصغرهما الحكم والفهم والمعرفة.
<div class="verse-tafsir"
فناداها عيسى من تحت قدميها: لا تحزني، قد جعل ربك تحتك جدول ماءٍ تشربين منه.
<div class="verse-tafsir" id="91.MyRKr"