الآية ٢٥ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٢٥ من سورة مريم

وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَـٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًۭا جَنِيًّۭا ٢٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 131 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٥ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وهزي إليك بجذع النخلة ) أي : وخذي إليك بجذع النخلة .

قيل : كانت يابسة ، قاله ابن عباس .

وقيل : مثمرة .

قال مجاهد : كانت عجوة .

وقال الثوري ، عن أبي داود نفيع الأعمى : كانت صرفانة والظاهر أنها كانت شجرة ، ولكن لم تكن في إبان ثمرها ، قاله وهب بن منبه ; ولهذا امتن عليها بذلك ، أن جعل عندها طعاما وشرابا ، فقال : ( تساقط عليك رطبا جنيا)

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) قال: حركيها.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) قال: كان جذعًا يابسًا، فقال لها: هزّيه ( تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ).

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت أبا نهيك يقول: كانت نخلة يابسة.

حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه يقول في قوله: ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) فكان الرطب يتساقط عليها وذلك في الشتاء.

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) وكان جذعا منها مقطوعا فهزّته، فإذا هو نخلة، وأجري لها في المحراب نهر، فتساقطت النخلة رطبًا جنيا فقال لها فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا .

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهزّي إليك بالنخلة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، قال: قال مجاهد ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) قال: النخلة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عيسى بن ميمون، عن مجاهد، في قوله ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) قال: العجوة.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عمرو بن ميمون، أنه تلا هذه الآية: ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ) قال: فقال عمرو: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب ، وأدخلت الباء في قوله: ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) كما يقال: زوجتك فلانة، وزوّجتك بفلانة; وكما قال تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ بمعنى: تنبت الدهن.

وإنما تفعل العرب ذلك، لأن الأفعال تكنى عنها بالباء، فيقال إذا كنيت عن ضربت عمرا: فعلت به، وكذلك كلّ فعل، فلذلك تدخل الباء في الأفعال وتخرج، فيكون دخولها وخروجها بمعنى، فمعنى الكلام: وهزِّي إليك جذع النخلة ، وقد كان لو أن المفسرين كانوا فسروه وكذلك: وهزِّي إليك رطبًا بجذع النخلة، بمعنى: على جذع النخلة، وجها صحيحا، ولكن لست أحفظ عن أحد أنه فسره كذلك.

ومن الشاهد على دخول الباء في موضع دخولها وخروجها منه سواء قول الشاعر: بِـوَادٍ يَمـانٍ يُنْبِـتُ السِّـدْرَ صَـدْرُهُ وأسْـــفَلُهُ بـــالمَرْخِ والشَّــبَهانِ (13) واختلف القراء في قراءة قوله ( تَسَّاقَطُ ) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة والكوفة ( تَسَّاقَطُ) بالتاء من تساقط وتشديد السين، بمعنى: تتساقط عليك النخلة رطبًا جنيا، ثم تُدغم إحدى التاءين في الأخرى فتشدّد (14) وكأن الذين قرءوا ذلك كذلك وجهوا معنى الكلام إلى: وهزِّي إليك بجذع النخلة تساقط النخلة عليك رطبًا : وقرأ ذلك بعض قراء الكوفة ( تَساقَطُ ) بالتاء وتخفيف السين، ووجه معنى الكلام، إلى مثل ما وجه إليه مشدّدوها، غير أنهم خالفوهم في القراءة.

ورُوي عن البراء بن عازب أنه قرأ ذلك ( يُساقِط) بالياء.

حدثني بذلك أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن جرير بن حازم، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يقرؤه كذلك، وكأنه وجه معنى الكلام إلى: وهزِّي إليك بجذع النخلة يتساقط الجذع عليك رطبًا جنيا.

ورُوي عن أبي نهيك أنه كان يقرؤه ( تُسْقِطُ ) بضمّ التاء وإسقاط الألف.

حدثنا بذلك ابن حميد ، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت أبا نَهِيك يقرؤه كذلك ، وكأنه وجه معنى الكلام إلى: تسقط النخلة عليك رطبًا جنيا.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن هذه القراءات الثلاث، أعني (تَسَّاقَطُ) بالتاء وتشديد السين، وبالتاء وتخفيف السين، وبالياء وتشديد السين، قراءات متقاربات المعاني، قد قرأ بكل واحدة منهن قرّاء أهل معرفة بالقرآن ، فبأيّ ذلك قرأ القارئ فمصيب الصواب فيه، وذلك أن الجذع إذا تساقط رطبًا، وهو ثابت غير مقطوع، فقد تساقطت النخلة رطبًا، وإذا تساقطت النخلة رطبًا، فقد تساقطت النخلة بأجمعها، جذعها وغير جذعها، وذلك أن النخلة ما دامت قائمة على أصلها، فإنما هي جذع وجريد وسعف ، فإذا قطعت صارت جذعا، فالجذع الذي أمرت مريم بهزّه لم يذكر أحد نعلمه أنه كان جذعًا مقطوعًا غير السديّ، وقد زعم أنه عاد بهزِّها إياه نخلة، فقد صار معناه ومعنى من قال: كان المتساقط.

عليها رطبا نخلة واحدا، فتبين بذلك صحة ما قلنا.

وقوله: (جَنِيًّا) يعني مجنيا; وإنما كان أصله مفعولا فصرف إلى فعيل; والمجني: المأخوذ طريا، وكل ما أخذ من ثمرة، أو نقل من موضعه بطراوته فقد اجتني، ولذلك قيل: فلان يجتني الكمأة; ومنه قول ابن أخت جذيمة: هَـــذَا جَنَــايَ وخِيــارُهُ فِيــهِ إذْ كُــلُّ جــانٍ يَــدُهُ إلـى فِيـهْ (15) ------------------------ الهوامش: (13) في ( اللسان : سدر ) السدر : شجر النبق ، واحدتها سدرة .

.

.

والمرخ : شجر كثير الورى سريعه .

.

وفي ( اللسان : شبه ) الشبهان : نبت يشبه الثمام ، ويقال له الشبهان .

قال ابن سيده : والشبهان ( بالتحريك ) والشبهان ( بضمتين ) : ضرب من العضاه ؛ وقيل : هو الثمام ، يمانية ، حكاها ابن دريد.

قال رجل من عبد القيس * بـواد يمـان ينبـت الشث صدره * .

.

.

البيت .

قال ابن بري قال أبو عبيدة : البيت للأحول اليشكري .

واسمه يعلى .

قال : وتقديره : وينبت أسفله المرخ .

على أن تكون الباء زائدة .

وإن شئت قدرته : وينبت أسفله بالمرخ ، فتكون الباء للتعدية .

لما قدرت الفعل ثلاثيا .

وفي الصحاح : الشبهان : هو الثمام من الرياحين .

و ( في اللسان : شث ) الشث : ضرب من الشجر عن ابن دريد ، وأنشد البيت : * بـواد يمـان ينبـت الشث فرعه * إلخ .

وقيل : الشث : شجر طيب الريح ، مر الطعم ، يدبغ به .

قال أبو الدقيش : وينبت في جبال الغور وتهامة ونجد .

والبيت شاهد على أن الباء في قوله " بالمرخ " زائدة ، دخولها كخروجها وهي مثل الباء في قوله تعالى : ( وهزي إليك بجذع النخلة ) .

قال في ( اللسان : هز ) الهز : تحريك الشيء ، كما تهز القناة ، فتضطرب وتهز .

وهزه يهزه هزا وهز به ، وفي التنزيل العزيز : ( وهزي إليك بجذع النخلة ) أي حركي .

والعرب تقول : هزه وهز به إذا حركه .

ومثله : خذ الخطام ، وخذ بالخطام ، وتعلق زيدا وتعلق بزيد .

قال ابن سيده : وإنما عداه بالباء ، لأن في هزي معنى جري ، ( أمر من الجر ) .

(14) عبارة الجلالين ، بتاءين قبلت الثانية سينا وأدغمت في السين .

(15) البيت في ( اللسان : جنى ) قال : قال أبو عبيد : يضرب هذا مثلا للرجل يؤثر صاحبه بخيار ما عنده .

قال أبو عبيد : وذكر ابن الكلبي أن المثل لعمرو بن عدي اللخي بن أخت جذيمة ، وهو أول من قاله ، وإن خذيمة نزل منزلا ، وأمر الناس أن يجتنوا له الكمأة، فكان بعضهم يستأثر بخير ما يجد ، ويأكل طيبها ، وعمرو يأتيه بخير ما يجد ، ولا يأكل منها شيئا ، فلما أتى خاله جذيمة قال : هذا .

.

.

البيت والجنى : ما يجنى من الشجر .

ويروى * هــذا جنــاي وهجانـه فيـه * أي خياره .

أه .

وقال : وجنيت الثمر أجنيتها واجتنيتها : بمعنى .

ابن سيده : جني الثمرة ونحوها وتجناها ، كل ذلك : تناولها من شجرتها وعلى هذا استشهد المؤلف بالبيت .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : وهزي أمرها بهز الجذع اليابس لترى آية أخرى في إحياء موات الجذع .

والباء في قوله : بجذع زائدة مؤكدة كما يقال : خذ بالزمام ، وأعط بيدك قال الله تعالى : فليمدد بسبب إلى السماء أي فليمدد سببا .

وقيل : المعنى وهزي إليك رطبا على جذع النخلة .

و تساقط أي تتساقط فأدغم التاء في السين .

وقرأ حمزة ( تساقط ) مخففا فحذف التي أدغمها غيره .

وقرأ عاصم في رواية حفص تساقط بضم التاء مخففا وكسر القاف .

وقرئ ( تتساقط ) بإظهار التاءين و ( يساقط ) بالياء وإدغام التاء ( وتسقط ) و ( يسقط ) و ( تسقط ) و ( يسقط ) بالتاء للنخلة وبالياء للجذع ؛ فهذه تسع قراءات ذكرها الزمخشري - رحمة الله تعالى عليه - .رطبا نصب بالهز ؛ أي إذا هززت الجذع هززت بهزه رطبا جنيا وعلى الجملة ف ( رطبا ) يختلف نصبه بحسب معاني القراءات ؛ فمرة يستند الفعل إلى الجذع ، ومرة إلى الهز ، ومرة إلى النخلة .

وجنيا معناه قد طابت وصلحت للاجتناء ، وهي من جنيت الثمرة .

ويروى عن ابن مسعود - ولا يصح - أنه قرأ ( تساقط عليك رطبا جنيا برنيا ) .

وقال مجاهد : رطبا جنيا قال : كانت عجوة .

وقال عباس بن الفضل : سألت أبا عمرو بن العلاء عن قوله : رطبا جنيا فقال : لم يذو .

قال : وتفسيره : لم يجف ولم ييبس ولم يبعد عن يدي مجتنيه ؛ وهذا هو الصحيح .

قال الفراء : الجني والمجني واحد يذهب إلى أنهما بمنزلة القتيل والمقتول والجريح والمجروح .

وقال غير الفراء : الجني المقطوع من نخلة واحدة ، والمأخوذ من مكان نشأته ؛ وأنشدوا :وطيب ثمار في رياض أريضة وأغصان أشجار جناها على قرب[ ص: 23 ] يريد بالجنى ما يجنى منها أي يقطع ويؤخذ .

قال ابن عباس : كان جذعا نخرا فلما هزت نظرت إلى أعلى الجذع فإذا السعف قد طلع ، ثم نظرت إلى الطلع قد خرج من بين السعف ، ثم اخضر فصار بلحا ثم احمر فصار زهوا ، ثم رطبا ؛ كل ذلك في طرفة عين ، فجعل الرطب يقع بين يديها لا ينشدخ منه شيء .الثانية : استدل بعض الناس من هذه الآية على أن الرزق وإن كان محتوما ؛ فإن الله تعالى قد وكل ابن آدم إلى سعي ما فيه ؛ لأنه أمر مريم بهز النخلة لترى آية ، وكانت الآية تكون بألا تهز .الثالثة : الأمر بتكليف الكسب في الرزق سنة الله تعالى في عباده ، وأن ذلك لا يقدح في التوكل ، خلافا لما تقوله جهال المتزهدة ؛ وقد تقدم هذا المعنى والخلاف فيه .

وقد كانت قبل ذلك يأتيها رزقها من غير تكسب كما قال : كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا الآية .

فلما ولدت أمرت بهز الجذع .

قال علماؤنا : لما كان قلبها فارغا فرغ الله جارحتها عن النصب ، فلما ولدت عيسى وتعلق قلبها بحبه ، واشتغل سرها بحديثه وأمره ، وكلها إلى كسبها ، وردها إلى العادة بالتعلق بالأسباب في عباده .

وحكى الطبري عن ابن زيد أن عيسى - عليه السلام - قال لها : لا تحزني ؛ فقالت له : وكيف لا أحزن وأنت معي ؟

!

لا ذات زوج ولا مملوكة !

أي شيء عذري عند الناس ؟

!

يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فقال لها عيسى : أنا أكفيك الكلام .الرابعة : قال الربيع بن خيثم : ما للنفساء عندي خير من الرطب لهذه الآية ، ولو علم الله شيئا هو أفضل من الرطب للنفساء لأطعمه مريم ؛ ولذلك قالوا : التمر عادة للنفساء من ذلك الوقت وكذلك التحنيك .

وقيل : إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب ، ولا للمريض خير من العسل ؛ ذكره الزمخشري .

قال ابن وهب قال مالك قال الله تعالى : رطبا جنيا الجني من التمر ما طاب من غير نقش ولا إفساد .

والنقش أن ينقش من أسفل البسرة حتى ترطب ؛ فهذا مكروه ؛ يعني مالك أن هذا تعجيل للشيء قبل وقته ، فلا ينبغي لأحد أن يفعله ، [ ص: 24 ] وإن فعله فاعل ما كان ذلك مجوزا لبيعه ؛ ولا حكما بطيبه .

وقد مضى هذا القول في الأنعام .

والحمد لله .

عن طلحة بن سليمان جنيا بكسر الجيم للإتباع ؛ أي جعلنا لك في السري والرطب فائدتين : إحداهما الأكل والشرب ، الثانية سلوة الصدر لكونهما معجزتين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ْ} أي: طريا لذيذا نافعا

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وهزي إليك ) يعني قيل لمريم : حركي ( بجذع النخلة ) تقول العرب : هزه وهز به ، كما يقول : حز رأسه وحز برأسه ، وأمدد الحبل وأمدد به ، ( تساقط عليك ) القراءة المعروفة بفتح التاء والقاف وتشديد السين ، أي : تتساقط ، فأدغمت إحدى التاءين في السين ، أي : تسقط عليك النخلة رطبا ، وخفف حمزة السين وحذف التاء التي أدغمها غيره .

وقرأ حفص بضم التاء وكسر القاف خفيفا على وزن تفاعل .

وتساقط بمعنى أسقط ، والتأنيث لأجل النخلة .

وقرأ يعقوب : " يساقط " بالياء مشددة ردة إلى الجذع .

( رطبا جنيا ) مجنيا .

وقيل : الجني هو الذي بلغ الغاية ، وجاء أوان اجتنائه .

قال الربيع بن خثيم : ما للنفساء عندي خير من الرطب ، ولا للمريض خير من العسل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وهزي إليك بجذع النخلة» كانت يابسة والباء زائدة «تساقط» أصله بتاءين قلبت الثانية سينا وأدغمت في السين، وفى قراءة تركها «عليك رطبا» تمييز «جنيا» صفته.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وحَرِّكي جذع النخلة تُسَاقِطْ عليك رطبًا غَضًّا جُنِيَ مِن ساعته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة ) .

معطوف على ما قاله عيسى لأمه مريم .

والباء فى قوله ( بِجِذْعِ ) مزيدة للتوكيد ، لأن فعل الهز يتعدى بنفسه .أى : وحركى نحوك أو جهة اليمين أو الشمال جذع النخلة ( تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً ) وهو ما نضج واستوى من الثمر ( جَنِيّاً ) أى : صالحاً للأخذ والاجتناء ( فَكُلِي ) من ذلك الرطب ( واشربي ) من ذلك السرى ، ( وَقَرِّي عَيْناً ) أى : طيبى نفسا بوجودى تحتك ، واطردى عنك الأحزان .يقال : قرت عين فلان ، إذا رأت ما كانت متشوقة إلى رؤيته .

مأخوذ من القرار بمعنى الاستقرار والسكون ، لأن العين إذا رأت ما تحبه سكنت إليه ، ولم تنظر إلى غيره .وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، أن مباشرة الأسباب فى طلب الرزق أمر واجب وأن ذلك لا ينافى التوكل على الله ، لأن المؤمن يتعاطى الأسباب امتثالاً لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه لا يقع فى ملكه - سبحانه - إلا ما يشاؤه ويريده .وهنا قد أمر الله - تعالى - مريم - على لسان مولودها - بأن تهز النخلة ليتساقط لها الرطب ، مع قدرته - سبحانه - على إنزال الرطب إليها من غير هز أو تحريك ، ورحم الله القائل :ألم تر أن الله قال لمريم ...

وهزى إليك الجذع يساقط الرطبولو شاء أن تجنيه من غير هزه ...

جنته ، ولكن كل شىء له سببكما أخذوا منها أن خير ما تأكله المرأة بعد ولادتها الرطب ، قالوا : لأنه لو كان شىء أحسن للنفساء من الرطب لأطعمه الله - تعالى لمريم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: فناداها من تحتها القراءة المشهورة فناداها وقرأ زر وعلقمة فخاطبها وفي الميم فيها قراءتان فتح الميم وهو المشهور وكسره وهو قراءة نافع وحمزة والكسائي وحفص وفي المنادي ثلاثة أوجه: الأول: أنه عيسى عليه السلام وهو قول الحسن وسعيد بن جبير.

والثاني: أنه جبريل عليه السلام وأنه كان كالقابلة للولد.

والثالث: أن المنادي على القراءة بالكسر هو الملك وعلى القراءة بالفتح هو عيسى عليه السلام وهو مروي عن ابن عيينة وعاصم والأول أقرب لوجوه: الأول: أن قوله: ﴿ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا ﴾ بفتح الميم إنما يستعمل إذا كان قد علم قبل ذلك أن تحتها أحداً والذي علم كونه حاصلاً تحتها هو عيسى عليه السلام فوجب حمل اللفظ عليه، وأما القراءة بكسر الميم فهي لا تقتضي كون المنادي جبريل عليه السلام، فقد صح قولنا.

الثاني: أن ذلك الموضع موضع اللوث والنظر إلى العورة وذلك لا يليق بالملائكة.

الثالث: أن قوله فناداها فعل ولا بد وأن يكون فاعله قد تقدم ذكره ولقد تقدم قبل هذه الآية ذكر جبريل وذكر عيسى عليهما السلام إلا أن ذكر عيسى أقرب لقوله تعالى: ﴿ فَحَمَلَتْهُ فانتبذت بِهِ  ﴾ والضمير هاهنا عائد إلى المسيح فكان حمله عليه أولى.

والرابع: وهو دليل الحسن بن علي عليه السلام أن عيسى عليه السلام لو لم يكن كلمها لما علمت أنه ينطق فما كانت تشير إلى عيسى عليه السلام بالكلام فأما من قال المنادي هو عيسى عليه السلام فالمعنى أنه تعالى أنطقه لها حين وضعته تطييباً لقلبها وإزالة للوحشة عنها حتى تشاهد في أول الأمر ما بشرها به جبريل عليه السلام من علو شأن ذلك الولد ومن قال المنادي جبريل عليه السلام قال إنه أرسل إليها ليناديها بهذه الكلمات كما أرسل إليها في أول الأمر ليكون ذلك تذكيراً لها بما تقدم من أصناف البشارات، وأما قوله: ﴿ مِن تَحْتِهَا ﴾ فإن حملناه على الولد فلا سؤال وإن حملناه على الملك ففيه وجهان: الأول: أن يكونا معاً في مكان مستو ويكون هناك مبدأ معين كتلك النخلة هاهنا فكل من كان أقرب منها كان فوق وكل من كان أبعد منها كان تحت وفسر الكلبي قوله تعالى: ﴿ إِذْ جَاءوكُمْ مّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ  ﴾ بذلك وعلى هذا الوجه قال بعضهم: إنه ناداها من أقصى الوادي.

والثاني: أن يكون موضع أحدهما أعلى من موضع الآخر فيكون صاحب العلو فوق صاحب السفل وعلى هذا الوجه روي عن عكرمة أنها كانت حين ولدت على مثل رابية وفيه وجه ثالث: يحكى عن عكرمة وهو أن جبريل عليه السلام ناداها من تحت النخلة ثم على التقديرات الثلاثة يحتمل أن تكون مريم قد رأته وأنها ما رأته وليس في اللفظ ما يدل على شيء من ذلك.

المسألة الثانية: اتفق المفسرون إلا الحسن وعبد الرحمن بن زيد أن السري هو النهر والجدول سمي بذلك لأن الماء يسري فيه وأما الحسن وابن زيد فجعلا السري عيسى والسري هو النبيل الجليل يقال فلان من سروات قومه أي من أشرافهم وروي أن الحسن رجع عنه وروي عن قتادة وغيره أن الحسن تلا هذه الآية وبجنبه حميد بن عبد الرحمن الحميري: ﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ﴾ فقال: إن كان لسرياً وإن كان لكريماً، فقال له حميد: يا أبا سعيد إنما هو الجدول فقال له الحسن من ثم تعجبنا مجالستك، واحتج من حمله على النهر بوجهين: أحدهما: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن السري فقال: هو الجدول.

والثاني: أن قوله: ﴿ فَكُلِي واشربي ﴾ يدل على أنه نهر حتى ينضاف الماء إلى الرطب فتأكل وتشرب واحتج من حمله (على) عيسى بوجهين: الأول: أن النهر لا يكون تحتها بل إلى جانبها ولا يجوز أن يجاب عنه بأن المراد منه أنه جعل النهر تحت أمرها يجري بأمرها ويقف بأمرها كما في قوله: ﴿ وهذه الأنهار تَجْرِى مِن تَحْتِي  ﴾ لأن هذا حمل للفظ على مجازه ولو حملناه على عيسى عليه السلام لم يحتج إلى هذا المجاز.

الثاني: أنه موافق لقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءايَةً وءاويناهما إلى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ  ﴾ والجواب عنه ما تقدم أن المكان المستوي إذا كان فيه مبدأ معين فكل من كان أقرب منه كان فوق وكل من كان أبعد منه كان من تحت فرعان: الأول: إن حملنا السري على النهر ففيه وجهان: أحدهما: أن جبريل عليه السلام ضرب برجله فظهر ماء عذب.

والثاني: أنه كان هناك ماء جار.

والأول: أقرب لأن قوله: ﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ﴾ مشعر بالحدوث في ذلك الوقت ولأن الله تعالى ذكره تعظيماً لشأنها وذلك لا يثبت إلا على الوجه الذي قلناه.

الثاني: اختلفوا في أن السري هو النهر مطلقاً وهو قول أبي عبيدة والفراء أو النهر الصغير على ما هو قول الأخفش.

المسألة الثالثة: قال القفال: الجذع من النخلة هو الأسفل وما دون الرأس الذي عليه الثمرة وقال قطرب: كل خشبة في أصل شجرة فهي جذع وأما الباء في قوله بجذع النخلة فزائدة والمعنى هزي إليك أي حركي جذع النخلة، قال الفراء: العرب تقول هزه وهز به وخذ الخطام وخذ بالخطام وزوجتك فلانة وبفلانة، وقال الأخفش: يجوز أن يكون على معنى هزي إليك رطباً بجذع النخلة أي على جذعها، إذا عرفت هذا فنقول: قد تقدم أن الوقت كان شتاء وأن النخلة كانت يابسة، واختلفوا في أنه هل أثمر الرطب وهو على حاله أو تغير، وهل أثمر مع الرطب غيره؟

والظاهر يقتضي أنه صار نخلة لقوله بجذع النخلة وأنه ما أثمر إلا الرطب.

المسألة الرابعة: قال صاحب الكشاف: تساقط فيه تسع قراءات تساقط بإدغام التاء وتتساقط بإظهار التاءين وتساقط بطرح الثانية ويساقط بالياء وإدغام التاء وتساقط وتسقط ويسقط وتسقط ويسقط التاء للنخلة والياء للجذع.

المسألة الخامسة: رطباً تمييز أو مفعول على حسب القراءة الجني المأخوذ طرياً وعن طلحة بن سليمان جنياً بكسر الجيم للأتباع والمعنى جمعنا لك في السري والرطب فائدتين: إحداهما: الأكل والشرب.

والثانية: سلوة الصدر بكونهما معجزتين فإن قال قائل: فتلك الأفعال الخارقة للعادات لمن؟

قلنا: قالت المعتزلة: إنها كانت معجزة لزكريا وغيره من الأنبياء وهذا باطل لأن زكرياء عليه السلام ما كان له علم بحالها ومكانها فكيف بتلك المعجزات، بل الحق أنها كانت كرامات لمريم أو إرهاصاً لعيسى عليه السلام.

المسألة السادسة: فكلي واشربي وقري عيناً قرئ بكسر القاف لغة نجد ونقول قدم الأكل على الشرب لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال منها من الدماء، ثم قال: وقري عيناً، وهاهنا سؤال، وهو أن مضرة الخوف أشد من مضرة الجوع والعطش والدليل عليه أمران: أحدهما: أن الخوف ألم الروح والجوع ألم البدن وألم الروح أقوى من ألم البدن.

والثاني: ما روي أنه أجيعت شاة ثم قدم العلف إليها وربط عندها ذئب فبقيت الشاة مدة مديدة لا تتناول العلف مع جوعها الشديد خوفاً من الذئب ثم كسرت رجلها وقدم العلف إليها فتناولت العلف مع ألم البدن دلت هذه الحكاية على أن ألم الخوف أشد من ألم البدن.

إذا ثبت هذا فنقول: فلم قدم الله تعالى في الحكاية دفع ضرر الجوع والعطش على دفع ضرر الخوف، والجواب أن هذا الخوف كان قليلاً لأن بشارة جبريل عليه السلام كانت قد تقدمت فما كانت تحتاج إلى التذكير مرة أخرى.

المسألة السابعة: قال صاحب الكشاف قرأ ترئن بالهمزة ابن الرومي عن أبي عمرو وهذا من لغة من يقول لبأت بالحج وحلأت السويق وذلك لتآخ بين الهمز وحرف اللين في الإبدال ﴿ صَوْماً ﴾ صمتاً وفي مصحف عبد الله صمتاً وعن أنس بن مالك مثله وقيل صياماً إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم فعلى هذا كان ذكر الصوم دالاً على الصمت وهذا النوع من النذر كان جائزاً في شرعهم، وهل يجوز مثل هذا النذر في شرعنا قال القفال لعله يجوز لأن الاحتراز عن كلام الآدميين وتجريد الفكر لذكر الله تعالى قربة، ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق وتعذيب النفس كنذر القيام في الشمس، وروي أنه دخل أبو بكر على امرأة قد نذرت أنها لا تتكلم فقال أبو بكر: إن الإسلام هدم هذا فتكلمي، والله أعلم.

المسألة الثامنة: أمرها الله تعالى بأن تنذر الصوم لئلا تشرع مع من اتهمها في الكلام لمعنيين: أحدهما: أن كلام عيسى عليه السلام أقوى في إزالة التهمة من كلامها وفيه دلالة على أن تفويض الأمر إلى الأفضل أولى.

والثاني: كراهة مجادلة السفهاء وفيه أن السكوت عن السفيه واجب، ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافهاً.

المسألة التاسعة: اختلفوا في أنها هل قالت معهم: ﴿ إِنّى نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً ﴾ فقال قوم: إنها ما تكلمت معهم بذلك لأنها كانت مأمورة بأن تأتي بهذا النذر عند رؤيتها فإذا أتت بهذا النذر فلو تكلمت معهم بعد ذلك لوقعت في المناقضة ولكنها أمسكت وأومأت برأسها، وقال آخرون: إنها ما نذرت في الحال بل صبرت حتى أتاها القوم فذكرت لهم: ﴿ إِنّي نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً فَلَنْ أُكَلّمَ اليوم إِنسِيّاً ﴾ وهذه الصيغة وإن كانت عامة إلا أنها صارت بالقرينة مخصوصة في حق هذا الكلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ تساقط ﴾ فيه تسع قرآت: ﴿ تساقط ﴾ بإدغام التاء.

و ﴿ تتساقط ﴾ بإظهار التاءين.

و ﴿ تساقط ﴾ بطرح التاء الثانية.

و ﴿ يساقط ﴾ ، بالياء وإدغام التاء.

و ﴿ تساقط ﴾ و ﴿ تسقط ﴾ و ﴿ يسقط ﴾ ، و ﴿ تسقط ﴾ ، و ﴿ يسقط ﴾ التاء للنخلة، والياء للجذع.

ورطباً تمييز أو مفعول على حسب القراءة.

وعن المبرد: جواز انتصابه ب (هزّي) وليس بذاك.

والباء في ﴿ بِجِذْعِ النخلة ﴾ صلة للتأكيد، كقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ﴾ [البقرة: 195] أو على معنى: افعلي الهزّ به، كقوله: يَجْرَحُ فِي عَرَاقِيبِهَا نَصْلي قالوا: التمر للنفساء عادة من ذلك الوقت، وكذلك التحنيك، وقالوا: كان من العجوة.

وقيل: ما للنفساء خير من الرطب، ولا للمريض خير من العسل، وقيل: إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب.

عن طلحة بن سليمان ﴿ جَنِيّاً ﴾ بكسر الجيم للإتباع، أي جمعنا لك في السريّ والرطب فائدتين، إحداهما: الأكل والشرب، والثانية سلوة الصدر؛ لكونهما معجزتين.

وهو معنى قوله: ﴿ فَكُلِى واشربى وَقَرّى عَيْناً ﴾ أي وطيبي نفساً ولا تغتمي وارفضي عنك ما أحزنك وأَهَمَّكِ.

وقرئ و ﴿ قِرِّي ﴾ : بالكسر لغة نجد ﴿ فَإِمَّا تَرَيِنَّ ﴾ بالهمز: ابن الرومي.

عن أبي عمرو: وهذا من لغة من يقول: لبأت بالحج، وحلأت السويق، وذلك لتآخٍ بين الهمزة وحرف اللين في الإبدال ﴿ صَوْماً ﴾ صمتاً.

وفي مصحف عبد الله: صمتاً.

وعن أنس بن مالك مثله.

وقيل: صياماً، إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صومِ الصمت، لأنه نسخ في أمته، أمرها الله بأن تنذر الصوم لئلا تشرع مع البشر المتهمين لها في الكلام لمعنيين، أحدهما: أن عيسى صلوات الله عليه يكفيها الكلام بما يبريء به ساحتها.

والثاني: كراهة مجادلة السفهاء ومناقلتهم.

وفيه أن السكوت عن السفيه واجب.

ومن أذل الناس: سفيه لم يجد مسافها.

قيل: أخبرتهم بأنها نذرت الصوم بالإشارة.

وقيل: سوغ لها ذلك بالنطق ﴿ إِنسِيّاً ﴾ أي أكلم الملائكة دون الإنس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ وأمِيلِيهِ إلَيْكِ، والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوِ افْعَلِي الهَزَّ والإمالَةُ بِهِ، أوْ هُزِّي الثَّمَرَةَ بِهَزِّهِ والهَزُّ تَحْرِيكٌ بِجَذْبٍ ودَفْعٍ.

﴿ تُساقِطْ عَلَيْكِ ﴾ تَتَساقَطْ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ في السِّينِ وحَذَفَها حَمْزَةُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالياءِ وحَفْصٌ ﴿ تُساقِطْ ﴾ مِن ساقَطَتْ بِمَعْنى أسْقَطَتْ، وقُرِئَ «تَتَساقَطْ» و «تَسْقُطْ» و «يَسْقُطْ» فالتّاءُ لِلنَّخْلَةِ والياءُ لِلْجِذْعِ.

﴿ رُطَبًا جَنِيًّا ﴾ تَمْيِيزٌ أوْ مَفْعُولٌ.

رُوِيَ أنَّها كانَتْ نَخْلَةً يابِسَةً لا رَأْسَ لَها ولا ثَمَرَ وكانَ الوَقْتُ شِتاءً، فَهَزَّتْها فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَها رَأْسًا وخُوصًا ورُطَبًا.

وَتَسْلِيَتُها بِذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى بَراءَةِ ساحَتِها فَإنَّ مِثْلَها لا يُتَصَوَّرُ لِمَن يَرْتَكِبُ الفَواحِشَ، والمُنَبِّهَةِ لِمَن رَآها عَلى أنَّ مَن قَدَرَ أنْ يُثْمِرَ النَّخْلَةَ اليابِسَةَ في الشِّتاءِ قَدَرَ أنْ يُحْبِلَها مِن غَيْرِ فَحْلٍ، وأنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعٍ مِن شَأْنِها مَعَ ما فِيهِ مِنَ الشَّرابِ والطَّعامِ ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ الأمْرَيْنِ فَقالَ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَهْزِّي} حركي {إِلَيْكَ} إلى نفسك {بِجِذْعِ النخلة} قال أبو علي الباء زائدة أي هزي جذع النخلة {تساقط عَلَيْكِ} بإدغام التاء الأولى في الثانية مكي ومدني وشامي وأبو عمرو وعلي وأبو بكر والأصل تتساقط بإظهار التاءين وتساقط بفتح التاء والقاف وطرح التاء الثانية وتخفيف السين حمزة ويساقط بفتح الياء والقاف وتشديد السين يعقوب وسهل وحماد ونصير وتساقط حفص من المفاعلة وتسقط ويسقط

مريم (٣٠ - ٢٥)

وتَسقُطْ ويَسقُطْ التاء للنخلة والياء للجذع فهذه تسع قراآت {رُطَباً} تمييز أو مفعول به على حسب القراءة {جَنِيّاً} طرياً وقالوا التمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وقيل ما للنفساء خير من الرطب ولا للمريض من العسل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وهُزِّي إلَيْكِ ﴾ أيْ إلى جِهَتِكِ، والهَزُّ تَحْرِيكٌ يَمِينًا وشِمالًا سَواءٌ كانَ بِعُنْفٍ أوْ لا أوْ تَحْرِيكٌ بِجَذْبٍ ودَفْعٍ وهو مُضَمَّنُ مَعْنى المَيْلِ، فَلِذا عُدِّيَ بِإلى أوْ أنَّهُ مَجازٌ عَنْهُ أوِ اعْتُبِرَ في تَعْدِيَتِهِ ذَلِكَ لِأنَّهُ جُزْءُ مَعْناهُ كَذا قِيلَ.

ومَنَعَ أبُو حَيّانَ تَعَلُّقَهُ بِهُزِّي وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في النَّحْوِ أنَّ الفِعْلَ لا يُعَدّى إلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ، وقَدْ رُفِعَ الضَّمِيرُ المُتَّصِلُ ولَيْسَ مِن بابِ ظَنٍّ ولا فَقْدٍ ولا عَدَمٍ وهُما لِمَدْلُولٍ واحِدٍ فَلا يُقالُ: ضَرَبْتُكَ وزَيْدٌ ضَرَبَهُ عَلى مَعْنى ضَرَبْتَ نَفْسَكَ وضَرَبَ نَفْسَهُ.

والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عِنْدَهم كالضَّمِيرِ المَنصُوبِ فَلا يُقالُ: نَظَرْتُ إلَيْكَ وزَيْدٌ نَظَرَ عَلى مَعْنى نَظَرْتُ إلى نَفْسِكَ ونَظَرَ إلى نَفْسِهِ، ومِن هُنا جَعَلُوا عَلى في قَوْلِهِ: هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإنَّ الأُمُورَ بِكَفِّ الإلَهِ مَقادِيرُها اسْمًا كَما في قَوْلِهِ: غَدَتْ مِن عَلَيْهِ بَعْدَ ما تَمَّ ظَمَؤُها وجَعَلَ الجارَّ والمَجْرُورَ هُنا مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ أيْ أعْنِي إلَيْكَ ما قالُوا في سَقْيًا لَكَ ونَحْوِهِ مِمّا جِيءَ بِهِ لِلتَّبْيِينِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهم قالُوا بِمَجِيءِ إلى لِلتَّبْيِينِ لَكِنْ قالَ ابْنُ مالِكٍ.

وكَذا صاحِبُ القامُوسِ: إنَّها المُبَيِّنَةُ لِفاعِلِيَّةِ مَجْرُورِها بَعْدَ ما يُفِيدُ حُبًّا أوْ بُغْضًا مِن فِعْلِ تَعَجُّبٍ أوِ اسْمِ تَفْضِيلٍ وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ.

وقالَ في الإتْقانِ: حَكى ابْنُ عُصْفُورٍ في شَرْحِ أبْياتِ الإيضاحِ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ إلى تُسْتَعْمَلُ اسْمًا فَيُقالُ: انْصَرَفَتْ مِن إلَيْكَ كَما يُقالُ غَدَوْتُ مِن عَلَيْهِ وخَرَجَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ ﴿ وهُزِّي إلَيْكِ ﴾ وبِهِ يَنْدَفِعُ إشْكالُ أبِي حَيّانَ فِيهِ.

انْتَهى.

وكانَ عَلَيْهِ أنْ يُبَيِّنَ ما مَعْناها عَلى القَوْلِ بِالِاسْمِيَّةِ، ولَعَلَّها حِينَئِذٍ بِمَعْنى عِنْدَ فَقْدْ صَرَّحَ بِمَجِيئِها بِهَذا المَعْنى في القامُوسِ وأنْشَدَ: أمْ لا سَبِيلَ إلى الشَّبابِ وذِكْرُهُ ∗∗∗ أشْهى إلَيَّ مِنَ الرَّحِيقِ السَّلْسَلِ لَكِنْ لا يَحْلُو هَذا المَعْنى في الآيَةِ، ومِثْلُهُ ما قِيلَ إنَّها في ذَلِكَ اسْمُ فِعْلٍ، ثُمَّ إنَّ حِكايَةَ اسْتِعْمالِها اسْمًا إذا صَحَّتْ تَقْدَحُ في قَوْلِ أبِي حَيّانَ: لا يُمْكِنُ أنْ يُدْعى أنَّ إلى تَكُونُ اسْمًا لِإجْماعِ النُّحاةِ عَلى حَرْفِيَّتِها.

ولَعَلَّهُ أرادَ إجْماعَ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِنهم في نَظَرِهِ.

والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ في دَفْعِ الإشْكالِ أنَّ الفِعْلَ مُضَمَّنٌ مَعْنى المَيْلِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ لا بِالفِعْلِ الرّافِعِ لِلضَّمِيرِ، وهو مَغْزًى بَعِيدٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُسارَعَ إلَيْهِ بِالِاعْتِراضِ عَلى أنَّ في القَلْبِ مِن عَدَمِ صِحَّةِ نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ لِلْقاعِدَةِ المَذْكُورَةِ شَيْئًا لِكَثْرَةِ مَجِيءِ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ.

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾ والبَيْتُ المارُّ آنِفًا.

وقَوْلُ الشّاعِرِ: دَعْ عَنْكَ نَهْبًا صِيحَ في حَجَراتِهِ ∗∗∗ ولَكِنَّ حَدِيثًا ما حَدِيثُ الرَّواعِلِ وقَوْلُهم: اذْهَبْ إلَيْكَ وسِرْ عَنْكَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ.

وتَأْوِيلُ جَمِيعِ ما جاءَ لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ فَتَأمَّلْ وأنْصِفْ، ثُمَّ الفِعْلُ هُنا مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ كَما في قَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: فَإنْ تَعْتَذِرْ بِالمَحْلِ مِن ذِي ضُرُوعِها ∗∗∗ إلى الضَّيْفِ يَجْرَحْ في عَراقِيبِها نَصْلِي فَلِذا عُدِّيَ بِالباءِ أيِ افْعَلِي الهَزَّ ﴿ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ فالباءُ لِلْآلَةِ كَما فِي: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ.

وقِيلَ هو مُتَعَدٍّ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: هُزِّي الثَّمَرَةَ بِهَزِّ جِذْعِ النَّخْلَةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وأنَّ هَزَّ الثَّمَرَةِ لا يَخْلُو مِن رَكاكَةٍ، وعَنِ المُبَرِّدِ أنَّ مَفْعُولَهُ (رُطَبًا) الآتِي والكَلامُ مِن بابِ التَّنازُعِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ الهَزَّ عَلى الرُّطَبِ لا يَقَعُ إلّا تَبَعًا فَجَعَلَهُ أصْلًا وجَعَلَ الأصْلَ تَبَعًا حَيْثُ أدْخَلَ عَلَيْهِ الباءَ لِلِاسْتِعانَةِ غَيْرَ مُلائِمٍ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الفَصْلِ بِجَوابِ الأمْرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَفْعُولِهِ، ويَكُونُ فِيهِ إعْمالُ الأوَّلِ وهو ضَعِيفٌ لا سِيَّما في هَذا المَقامِ.

وما ذُكِرَ مِنَ التَّعْكِيسِ وارِدٌ عَلى ما فِيهِ التَّكَلُّفُ وهو ظاهِرٌ، وما قِيلَ مِن أنَّ الهَزَّ وإنْ وقَعَ بِالأصالَةِ عَلى الجِذْعِ لَكِنَّ المَقْصُودَ مِنهُ الثَّمَرَةُ، فَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ المُناسِبَةِ جُعِلَتْ أصْلًا لِأنَّ هَزَّ الثَّمَرَةِ ثَمَرَةِ الهَزِّ لا يَدْفَعُ الرَّكاكَةَ الَّتِي ذَكْرْناها مَعَ أنَّ المُفِيدَ لِذَلِكَ ما يُذْكَرُ في جَوابِ الأمْرِ.

وجَعَلَ بَعْضُهم ﴿ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِ المَفْعُولِ (رُطَبًا) أوِ الثَّمَرَةَ أيْ كائِنَةً أوْ كائِنًا بِجِذْعِ النَّخْلَةِ وفِيهِ ثَمَرَةُ ما لا تُسْمِنُ ولا تُغْنِي، وقِيلَ الباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ ﴾ وقَوْلِ الشّاعِرِ: هُنَّ الحَرائِرُ لا رَبّاتُ أخْمِرَةٍ ∗∗∗ سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ والوَجْهُ الصَّحِيحُ المُلائِمُ لِما عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ مِن غَرابَةِ النَّظْمِ كَما في الكَشْفِ هو الأوَّلُ، وقَوْلُ الفَرّاءِ: إنَّهُ يُقالُ هَزَّهُ وهَزَّ بِهِ إنْ أرادَ أنَّهُما بِمَعْنًى كَما هو الظّاهِرُ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ مَن يُعَوَّلُ عَلَيْهِ (تُساقِطْ) مِن ساقَطَتْ بِمَعْنى أسْقَطَتْ، والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ لِلنَّخْلَةِ ورُجُوعُ الضَّمِيرِ لِلْمُضافِ إلَيْهِ شائِعٌ، ومَن أنْكَرَهُ فَهو كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا.

وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْجِذْعِ لِاكْتِسابِهِ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ ) في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، وقَوْلِ الشّاعِرِ: كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ وإنْ صَحَّ.

وقَرَأ مَسْرُوقٌ وأبُو حَيْوَةَ في رِوايَةٍ ( تُسْقِطْ ) بِالتّاءِ مِن فَوْقُ مَضْمُومَةً وكَسْرِ القافِ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ أبِي حَيْوَةَ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِالياءِ مِن تَحْتُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ عَلَيْكِ رُطَبًا ﴾ في جَمِيعِ ذَلِكَ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ وهو نَضِيجُ البُسْرِ واحِدَتُهُ بِهاءٍ وجُمِعَ شاذًّا عَلى أرْطابٍ كَرُبْعٍ وأرْباعٍ، وعَنْ أبِي حَيْوَةَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ ( تَسْقُطْ ) بِالتّاءِ مِن فَوْقُ مَفْتُوحَةً وضَمِّ القافِ، وعَنْهُ أيْضًا كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِالياءِ مِن تَحْتُ فَنُصِبَ (رُطَبًا) عَلى التَّمْيِيزِ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ رَفَعَهُ في القِراءَةِ الأخِيرَةِ عَلى الفاعِلِيَّةِ.

وقَرَأ أبُو السَّمّالِ ( تَتَساقَطْ ) بِتاءَيْنِ.

وقَرَأ البَراءُ بْنُ عازِبٍ ( يَسّاقَطْ ) بِالياءِ مِن تَحْتُ مُضارِعُ أسّاقَطَ وقَرَأ الجُمْهُورُ ( تُساقِطْ ) بِفَتْحِ التّاءِ مِن فَوْقُ وشَدِّ السِّينِ بَعْدَها ألْفٌ وفَتْحِ القافِ، والنَّصْبُ عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ عَلى التَّمْيِيزِ أيْضًا.

وجُوِّزَ في بَعْضِ القِراءاتِ أنْ يَكُونَ عَلى الحالِيَّةِ المُوَطِّئَةِ وإذا أُضْمِرَ ضَمِيرٌ مُذَكَّرٌ عَلى إحْدى القِراءاتِ فَهو لِلْجِذْعِ، وإذا أُضْمِرَ ضَمِيرٌ مُؤَنَّثٌ فَهو لِلنَّخْلَةِ أوَّلُهُ ما سَمِعْتَ (جَنِيًّا) أيْ مَجْنِيًّا فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ صالِحًا لِلِاجْتِناءِ.

وفي القامُوسِ ثَمَرٌ جَنِيٌّ: جُنِيَ مِن ساعَتِهِ.

وعَلَيْهِ قِيلَ المَعْنى رُطَبًا يَقُولُ مَن يَراهُ هو جَنْيٌّ وهو صِفَةُ مَدْحٍ فَإنَّ ما يُجْنى أحْسَنُ مِمّا يَسْقُطُ بِالهَزِّ وما قَرُبَ عَهْدُهُ أحْسَنُ مِمّا بَعُدَ عَهْدُهُ، وقِيلَ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٌ أيْ رُطَبًا طَرِيًّا، وكانَ المُرادُ عَلى ما قِيلَ إنَّهُ تَمَّ نُضْجُهُ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ ( جِنِيًّا ) بِكَسْرِ الجِيمِ لِلِاتِّباعِ.

ووَجْهُ التَّذْكِيرِ ظاهِرٌ.

وعَنِ ابْنِ السَّيِّدِ أنَّهُ قالَ في شَرْحِ أدَبِ الكاتِبِ.

كانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ جَنِيَّةً إلّا أنَّهُ أُخْرِجَ بَعْضُ الكَلامِ عَلى التَّذْكِيرِ وبَعْضُهُ عَلى التَّأْنِيثِ، وفِيهِ نَظَرٌ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلنَّخْلَةِ إلّا الجِذْعُ ولَمْ يَكُنْ لَها رَأْسٌ فَلَمّا هَزَّتْهُ إذِ السَّعَفُ قَدْ طَلَعَ ثُمَّ نَظَرَتْ إلى الطَّلْعِ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ السَّعَفِ ثُمَّ اخْضَرَّ فَصارَ بَلَحًا ثُمَّ احْمَرَّ فَصارَ زَهْوًا ثُمَّ رُطَبًا كُلُّ ذَلِكَ في طَرْفَةِ عَيْنٍ فَجَعَلَ الرُّطَبَ يَقَعُ بَيْنَ يَدَيْها وكانَ بَرْنِيًّا، وقِيلَ عَجْوَةً وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

والظّاهِرُ أنَّها لَمْ تَحْمِلْ سِوى الرُّطَبِ، وقِيلَ كانَ مَعَهُ مَوْزٌ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي رَوْقٍ وإنَّما اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِغايَةِ نَفْعِهِ لِلنُّفَساءِ، فَعَنِ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَمْ تَسْتَشْفِ النُّفَساءُ بِمِثْلِ الرُّطَبِ إنَّ اللَّهَ أطْعَمَهُ مَرْيَمَ في نِفاسِها وقالُوا: ما لِلنُّفَساءِ خَيْرٌ مِنَ الرُّطَبِ ولا لِلْمَرِيضِ خَيْرٌ مِنَ العَسَلِ، وقِيلَ: المَرْأةُ إذا عَسُرَ وِلادُها لَمْ يَكُنْ لَها خَيْرٌ مِنَ الرُّطَبِ، وذُكِرَ أنَّ التَّمْرَ لِلنُّفَساءِ عادَةٌ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ وكَذا التَّحْنِيكُ وفي أمْرِها بِالهَزِّ إشارَةٌ إلى أنَّ السَّعْيَ في تَحْصِيلِ الرِّزْقِ في الجُمْلَةِ مَطْلُوبٌ وهو لا يُنافِي التَّوَكُّلَ وما أحْسَنَ ما قِيلَ: ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أوْحى لِمَرْيَمَ ∗∗∗ وهُزِّي إلَيْكِ الجِذْعَ يَسّاقَطُ الرُّطَبُ ( ؎ولَوْ شاءَ أحَنى الجِذْعَ مِن غَيْرِ هَزَّةٍ ∗∗∗ إلَيْها ولَكِنْ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: فَحَمَلَتْهُ، يعني: حملت مريم بعيسى  .

وقال وهب بن منبه: إن مريم حملت بعيسى  تسعة أشهر، وقال بعضهم: ثمانية أشهر، فتلك آية، لأنه لا يعيش مولود في ثمانية أشهر.

وروي في بعض الروايات، عن ابن عباس أنه قال: «ما هي إلا أن حملت ثم وضعت» ، وقال مقاتل: حملت في ساعة ووضعت في ساعة.

فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا ، يعني: انفردت بولادتها مكاناً بعيداً.

قال القتبي: القصيُّ أشد بعداً من القاصي.

ثم قال: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ، يعني: جاء بها وألجأها المخاض، يعني: الطلق بولادة عيسى  إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ، أي: أصل النخلة قال ابن عباس: النخلة اليابسة في شدة الشتا، يعني: الطلق.

قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا، يعني: شيئاً متروكاً لم أذكر، ويقال للشيء الحقير الذي إذا ألقي ينسى نسيٌ.

وقال قتادة: يعني، لا أعرف ولا أدري من أنا.

وقال عكرمة: يعني: جيفة ملقاة، وهكذا قال الضحاك.

وقال ربيعة بن أنس: يعني سقطاً.

قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص نَسْياً بنصب النون والباقون نَسِيّاً بكسر النون، قال أبو عبيد: وبالكسر نقرؤها، لأنها كانت أكثر في لغة العرب وأفشاها، وعليها أهل الحرمين والبصرة.

ثم قال عز وجل: فَناداها مِنْ تَحْتِها قرأ حمزة والكسائي ونافع وعاصم في رواية حفص مِنْ تَحْتِها بكسر الميم، يعني: الملك، وهكذا قرأ مجاهد والحسن، وقرأ الباقون مِنْ تَحْتِها بالنصب يعني به عيسى  وقال أبو عبيد: بالأولى نقرأ يعني: بالكسر، لأن قراءتها أكثر والمعنى فيها أعمّ، لأنه إذا قال: مِنْ تَحْتِها بالكسر فقد احتمل أن يكون الملك، ويكون عيسى.

وإذا قرأ مِنْ تَحْتِها فإنما هو عيسى خاصة.

أَلَّا تَحْزَنِي بولادة عيسى ومكان الحدث، قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا يعني: نهراً صغيراً بحبال ويقال: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا، أي بيتاً، فذكر هذا القول عند ابن حميد فأنكره وقال: هو الجدول.

ألا ترى أنه قال: فَكُلِي وَاشْرَبِي.

قال مجاهد: السريّ بالسريانية، وقال سعيد بن جبير: بالنبطية.

ثم قال عز وجل: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ يقول: حركي أصل النخلة تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا، يعني: غضاً طرياً.

قرأ حمزة تُساقِطْ بنصب التاء وتخفيف السين، وأصله تتساقط إلا أنه حذفت منه إحدى التاءين للتخفيف وهذا كقوله: لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ [النساء: 42] وأصله تتسوى، وكقوله تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [البقرة: 85] ، وكقوله وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [الفرقان: 25] وقرأ عاصم في رواية حفص تُساقِطْ بضم التاء وتخفيف السين وكسر القاف يعني: أن النخلة تساقط عليك، وقرأ الباقون بنصب التاء وتشديد السين ونصب القاف، لأن التشديد أقيم مقام التاء التي حذفت.

وروي عن البراء بن عازب أنه كان يقرأ يُسَاقِط بالياء يعني: أن الجذع يساقط عليك، وقرأ بعضهم: نُسَاقِطُ بالنون ومعناه: ونحن نساقط عليك، وروي أنها كانت نخلة بلا رأس، وكان ذلك في الشتاء، فجعل الله عز وجل لها رأساً، وأنبت فيها رطبا، فذلك قوله عز وجل: تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً أي غضاً طرياً.

قيل لها: فَكُلِي من الرطب، وَاشْرَبِي من النهر، وَقَرِّي عَيْناً يعني: طيبي نفساً بولادة عيسى  .

وقال الربيع بن خيثم: «ما للنفساء عندي دواء إلا الرطب، ولا للمريض إلا العسل» .

ثم قال عز وجل: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً، يعني: إن رأيت أحداً من الناس، فَقُولِي إن سألك سائل شيئاً فقولي: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً، يعني: صمتاً.

وروي عن ابن عباس في بعض الروايات أنه كان يقرأ إِنّى نَذَرْتُ للرّحمن صمتا.

فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا يعني: قولي ذلك بالإشارة لا بالقول، وكان المتقدمون يصومون من الكلام كما يصومون من الطعام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَكُنْتُ نَسْياً أيْ: شَيْئاً مَتْرُوكاً محتقراً، والنَّسِيُّ في كلام العرب الشيءُ الحقير الذي شأنه أَن يُنْسَى، فلا يُتَأَلَّمُ لفقده كالوتد، والحبل للمسافر، ونحوه.

وهذه القصةُ تقتضي أَنها حملت واستمرَّت حامِلاً على عُرْف البشر، واستحْيَتْ من ذلك ومرّت بسببه، وهي حاملٌ، وهو قولُ جمهور المتأوِّلين.

وروى عن ابن عباسٍ أَنه قال: ليس إلا أَن حملت، فوضعت في ساعةٍ واحدة والله أعلم «١» .

وظاهر قوله: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ أنها كانت على عرف النساء.

فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)

وقولُهُ سبحانه: فَناداها مِنْ تَحْتِها قرأ ابنُ كَثِير، وأبو عَمْرو، وابن عامرٍ، وعَاصِمٌ «٢» : «فناداها مَنْ تحتها» على أَن «مَنْ» فاعل بنادى، والمراد بِ «مَنْ» عيسى قاله مجاهدٌ، والحسنُ، وابن جبير، وأبي بن كعب «٣» .

وقال ابن عباس: المراد ب «مَنْ» جِبْرِيلُ، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها «١» .

والقول الأولُ أَظهر وأبْيَنُ، وبه يتبيّن عُذْر مريم، ولا تبقى بها استرابة.

وقرأ نافعٌ، وحمزةُ، والكِسَائِيُّ، وحَفْصٌ عن عَاصِمٍ: «مِنْ تَحْتِهَا» بكسر الميم، واختلفوا أَيضاً فقالت فرقةٌ: المرادُ عيسى، وقالت فِرْقَةٌ: المراد جِبْرِيلُ المحاور لها قَبْلُ.

قالوا: وكان في بُقْعة أَخفضَ من البُقْعة الَّتي كانت هي عليها والأَول أَظهَرُ.

وقرأ ابنُ عباس «٢» : «فَنَادَاهَا مَلَكٌ مِن تَحْتِهَا» .

والسَّرِيُّ: من الرجال العظيمُ السيّد، والسري: أَيضاً الجدولُ مِنَ الماء وبحسَبِ هذا اختلف النّاسُ في هذه الآية.

فقال قتادةُ، وابنُ زيدٍ: أَراد جعل تحتك عَظِيماً من الرجال، له شأنٌ «٣» .

وقال الجمهورُ: أَشار لها إلى الجَدْول، ثم أَمرها بهز الجِذْع اليابِس لترى آيَةً أُخْرى.

وقالت فرقةٌ: بل كانت النخْلة مطعمة رطباً، وقال السُّدِّيُّ: كان الجِذْع مقطوعاً، وأجري تحتها النهر لحينه «٤» .

قال ع «٥» : والظاهر من الآية: أَن عيسى هو المكلِّم لها، وأَن الجِذْع كان يَابِساً فهي آيات تسليها، وتسكن إليها.

قال ص: قوله: وَهُزِّي إِلَيْكِ تقرر في عِلْم النحو أَن الفِعْل لا يتعدَّى إلى ضمير مُتّصلٍ، وقد رفع المتصل، وهما لمدلول واحد، وإذا «٦» تقرر هذا ف «إِليك» لا يتعلق ب «هُزِّي» ، ولكن يمكن أَن يكون «إلَيْك» حالاً من جِذْع النخلة فيتعلَّق بمحذْوفٍ أَيْ: هزي بجذْع النخلة مُنْتهياً إليك.

انتهى.

والباء في قوله: بِجِذْعِ: زائدة مؤكّدة، وجَنِيًّا: معناه: قد طابت/ وصلحت ٣ أللاجتناء، وهو من جَنَيْتُ الثمرةَ.

وقال عَمْرُو بْنُ مَيْمُون «١» : ليس شيءٌ للنُّفَسَاءِ خيراً من التَّمر، والرُّطَب.

وقرةُ العَيْن مأْخُوذةَ من القُرِّ وذلك، أَنَّهُ يحكى: أَن دمعَ الفرح باردُ المسِّ، ودمعَ الحُزْن سخن المس «٢» ، وقِيلَ: غير هذا.

قال ص: وَقَرِّي عَيْناً أَيْ: طِيبي نفساً.

أَبو البَقَاءِ: «عيناً» تمييز.

اهـ.

وقوله سبحانه: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً ...

الآية، المعنى: أن الله عز وجل أمرها على لسان جِبْرِيلَ عليه السلام أو ابنها على الخلاف المتقدم: بأن تُمْسك عن مخاطبة البشر، وتحيل على ابنها في ذلك ليرتفع عنها خجلها، وتبين الآية فيقوم عذرها.

وظاهر الآية: أَنها أُبِيح لها أن تقولَ مضمن هذه الألفاظ الّتي في الآية وهو قول الجمهور.

وقالت فرقة: معنى فَقُولِي بالإشارة، لا بالكلام.

قال ص: وقولُه: فَقُولِي جوابُ الشرط، وبينهما جملةٌ محذوفةٌ يدل عليها المعنى أيْ فَإمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحداً، وسألك أو حاورك الكلام، فقولي.

انتهى.

وصَوْماً معناه عن الكلام إذ أَصلُ الصوم الإمساكُ.

وقرأَتْ فرقةٌ: «إني نَذَرْتُ للرحمن صَمْتاً» ولا يجوز في شَرْعِنا نذرُ الصمتِ فروي:

أَن مريم عليها السلام لمَّا اطمأنَّت بما رأت مِنَ الآياتِ، وعلمت أَن الله تعالى سيبيِّنُ عذرَها، أَتَتْ به تحمله مدلة من المكان القَصِيّ الذي كانت مُنْتبذةً به، والفَرِيُّ: العظيمُ الشَّنِيعُ قاله مجاهد «٣» ، والسُّدِّيُّ، وأكثرُ استعماله في السوء.

واختلف في معنى قوله تعالى: يا أُخْتَ هارُونَ، فقيل: كان لها أَخٌ اسمه هارون لأَن هذا الاِسْم كان كَثِيراً في بني إسْرَائِيل.

ورَوَى المغيرةُ بن شُعْبة: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم أَرسله إلى أَهْلِ نَجْرَانَ في أمْرٍ من الأُمُور، فقالتْ له النصارى: إن صَاحِبَك يزعم أَنَّ مريمَ هي أُخْت هارون، وبينهما في المدّةِ ستُّ مائةِ سنة.

قال المغيرةُ: فلم أَدر ما أقول، فلما قَدِمْتُ على النبيّ صلى الله عليه وسلّم ذكرتُ ذلك له، فقال: أَلَمْ يَعْلَمُوا أنهم كانوا يسمون بأسماء الأنبياءِ والصّالحين «١» .

قال ع «٢» : فالمعنى أَنه اسم وافق اسما.

وقيل: نسبُوها إلى هَارُون أَخِي مُوسَى لأَنها مِنْ نَسْله ومنه قوله صلى الله عليه وسلّم: «إن أَخَا صُدَاءٍ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ، فَهُوَ يقيم» «٣» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَحَمَلَتْهُ ﴾ يَعْنِي: عِيسى.

وَفِي كَيْفِيَّةِ حَمْلِها لَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ جِبْرِيلَ نَفَخَ في جَيْبِ دَرْعِها، فاسْتَمَرَّ بِها حَمْلُها، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ السُّدِّيُّ: نَفَخَ في جَيْبِ دَرْعِها وكانَ مَشْقُوقًا مِن قُدّامِها، فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ في صَدْرِها فَحَمَلَتْ مِن وقْتِها.

والثّانِي: الَّذِي خاطَبَها هو الَّذِي حَمَلَتْهُ، ودَخَلَ مِن فِيها، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

وَفِي مِقْدارِ حَمْلِها سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها حِينَ حَمَلَتْ وضَعَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والمَعْنى: أنَّهُ ما طالَ حَمْلُها، ولَيْسَ المُرادُ أنَّها وضَعَتْهُ في الحالِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ فَحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ ﴾ ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ بَيْنَ الحَمْلِ والوَضْعِ وقْتًا يَحْتَمِلُ الِانْتِباذَ بِهِ.

والثّانِي: أنَّها حَمَلَتْهُ تِسْعَ ساعاتٍ ووَضَعَتْ مِن يَوْمِها، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: تِسْعَةُ أشْهُرٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ السّائِبِ.

والرّابِعُ: ثَلاثُ ساعاتٍ، حَمَلَتْهُ في ساعَةٍ، وصُوِّرَ في ساعَةٍ، ووَضَعَتْهُ في ساعَةٍ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.

والخامِسُ: ثَمانِيَةُ أشْهُرٍ، فَعاشَ، ولَمْ يَعِشْ مَوْلُودٌ قَطُّ لِثَمانِيَةِ أشْهُرٍ، فَكانَ في هَذا آَيَةً، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

والسّادِسُ: في سِتَّةِ أشْهُرٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

والسّابِعُ: في ساعَةٍ واحِدَةٍ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْتَبَذَتْ بِهِ ﴾ يَعْنِي: بِالحَمْلِ، ﴿ مَكانًا قَصِيًّا ﴾ ؛ أيْ: بَعِيدًا.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( قاصِيًا ) .

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: مَشَتْ سِتَّةَ أمْيالٍ.

قالَ الفَرّاءُ: القَصِيُّ والقاصِي بِمَعْنًى واحِدٍ.

وقالَ غَيْرُ الفَرّاءِ: القَصِيُّ والقاصِي بِمَنزِلَةِ الشَّهِيدِ والشّاهِدِ.

وإنَّما بَعُدَتْ فِرارًا مِن قَوْمِها أنْ يُعَيِّرُوها بِوِلادَتِها مِن غَيْرِ زَوْجٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأجاءَها المَخاضُ ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( المِخاضُ ) بِكَسْرِ المِيمِ.

قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَجاءَ بِها المَخاضُ، فَلَمّا أُلْقِيَتِ الباءُ، جُعِلَتْ في الفِعْلِ ألِفًا، ومِثْلُهُ: ﴿ آتِنا غَداءَنا  ﴾ ؛ أيْ: بِغَدائِنا، ومِثْلُهُ: ﴿ آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ  ﴾ ؛ أيْ: بِزُبَرِ الحَدِيدِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أفْعَلُها مِن جاءَتْ هِيَ، وأجاءَها غَيْرُها.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: جاءَ بِها وألْجَأها، وهو مِن حَيْثُ يُقالَ: جاءَتْ بِيَ الحاجَةُ إلَيْكَ، وأجاءَتْنِي الحاجَةُ إلَيْكَ.

والمَخاضُ: الحَمْلُ.

وقالَ غَيْرُهُ: المَخاضُ: وجَعُ الوِلادَةِ.

﴿ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ وهو ساقُ النَّخْلَةِ، وكانَتْ نَخْلَةً يابِسَةً في الصَّحْراءِ، لَيْسَ لَها رَأْسٌ ولا سَعَفٌ.

﴿ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا ﴾ اليَوْمِ أوْ هَذا الأمْرِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ: ( مِتُّ ) بِكَسْرِ المِيمِ.

وَفِي سَبَبِ قَوْلِها هَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها قالَتْهُ حَياءً مِنَ النّاسِ.

والثّانِي: لِئَلّا يَأْثَمُوا بِقَذْفِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ النُّونِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( نَسْيًا ) بِفَتْحِ النُّونِ.

قالَ الفَرّاءُ: وأصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَؤُونَ: ( نَسْيًا ) بِفَتْحِ النُّونِ، وسائِرُ العَرَبِ بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ، مِثْلُ: الجِسْرِ والجَسْرِ، والوِتْرِ والوَتْرُ، والفَتْحُ أحَبُّ إلَيَّ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الكَسْرُ عَلى اللُّغَتَيْنِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن كَسَرَ النُّونَ قالَ: النَّسْيُ: اسْمٌ لِما يُنْسى، بِمَنزِلَةِ البُغْضِ اسْمٌ لِما يُبْغَضُ، والسَّبُّ اسْمٌ لِما يُسَبُّ، والنَّسْيُ بِفَتْحِ النُّونِ: اسْمٌ لِما يُنْسى أيْضًا، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ نابَ عَنِ الِاسْمِ، كَما يُقالَ: الرَّجُلُ دَنِفٌ ودَنَفٌ، فالمَكْسُورُ هو الوَصْفُ الصَّحِيحُ، والمَفْتُوحُ مَصْدَرٌ سَدَّ مَسَدَّ الوَصْفِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ النَّسْيُ والنِّسْيُ اسْمَيْنِ لِمَعْنًى، كَما يُقالَ: الرِّطْلُ والرَّطْلُ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَسْيًا مَنسِيًّا ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يا لَيْتَنِي لَمْ أكُنْ شَيْئًا، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: ﴿ وَكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا ﴾ ؛ أيْ: دَمُ حَيْضَةٍ مُلْقاةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ.

قالَ الفَرّاءُ: النَّسْيُ: ما تُلْقِيهِ المَرْأةُ مِن خَرْقِ اعْتِلالِها.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هي خِرَقُ الحَيْضِ تُلْقِيها المَرْأةُ، فَلا تَطْلُبُها ولا تَذْكُرُها.

والثّالِثُ: [ أنَّهُ مِنَ ] السَّقْطِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: يا لَيْتَنِي لا يُدْرى مَن أنا، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّهُ الشَّيْءُ التّافِهُ يَرْتَحِلُ عَنْهُ القَوْمُ، فَيَهُونُ عَلَيْهِمْ فَلا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةُ: النَّسْيُ والمَنسِيُّ: ما يُنْسى مِن إداوَةٍ وعَصًا، يَعْنِي: أنَّهُ يُنْسى في المَنزِلِ، فَلا يَرْجِعُ إلَيْهِ لِاحْتِقارِ صاحِبِهِ إيّاهُ.

وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْنى الآَيَةِ: لَيْتَنِي كُنْتُ ما إذا ذُكِرَ لَمْ يُطْلَبْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَناداها مِن تَحْتِها ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن تَحْتِها ) بِفَتْحِ المِيمِ والتّاءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن تَحْتِها ) بِكَسْرِ المِيمِ والتّاءِ.

فَمَن قَرَأ بِكَسْرِ المِيمِ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ناداها المَلِكُ مِن تَحْتِ النَّخْلَةِ.

وقِيلَ: كانَتْ عَلى نَشَزٍ، فَناداها المَلِكُ أسْفَلَ مِنها.

والثّانِي: ناداها عِيسى لَمّا خَرَجَ مِن بَطْنِها.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ ما رَفَعْتَ إلَيْهِ طَرَفَكَ فَهو فَوْقَكَ، وكُلُّ ما خَفَضْتَ إلَيْهِ طَرْفَكَ فَهو تَحْتَكَ.

ومَن قَرَأ بِفَتْحِ المِيمِ فَفِيهِ الوَجْهانِ المَذْكُورانِ.

وكانَ الفَرّاءُ يَقُولُ: ما خاطَبَها إلّا المَلِكُ عَلى القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النَّهْرُ الصَّغِيرُ، قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ واللُّغَوِيُّونَ، قالَ أبُو صالِحٍ وابْنُ جُرَيْجٍ: هو الجَدْوَلُ بِالسُّرْيانِيَّةِ.

والثّانِي: أنَّهُ عِيسى، كانَ سَرِيًّا مِنَ الرِّجالِ، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، [ وابْنُ زَيْدٍ ] .

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ رَجَعَ الحَسَنُ عَنْ هَذا القَوْلِ إلى القَوْلِ الأوَّلِ، ولَوْ كانَ وصْفًا لِعِيسى، كانَ غُلامًا سَرِيًّا أوْ سَوِيًّا مِنَ الغِلْمانِ، وقَلَّما تَقُولُ العَرَبُ: رَأيْتُ عِنْدَكَ نَبِيلًا، حَتّى يَقُولُوا: رَجُلًا نَبِيلًا.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ ناسَبَ تَسْلِيَتَها أنْ قِيلَ: لا تَحْزَنِي، فَهَذا نَهْرٌ يَجْرِي ؟

فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها حَزِنَتْ لِجَدْبِ مَكانِها الَّذِي وُلِدَتْ فِيهِ، وعَدَمِ الطَّعامِ والشَّرابِ، والماءِ الَّذِي تَتَطَهَّرُ بِهِ، فَقِيلَ: لا تَحْزَنِي قَدْ أجْرَيْنا لَكَ نَهَرًا، وأطْلَعْنا لَكِ رُطَبًا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها حَزِنَتْ لِما جَرى عَلَيْها مِن وِلادَةِ ولَدٍ عَنْ غَيْرِ زَوْجٍ، فَأجْرى اللَّهُ تَعالى لَها نَهْرًا، فَجاءَها مِنَ الأُرْدُنِ، وأخْرَجَ لَها الرُّطَبَ مِنَ الشَّجَرَةِ اليابِسَةِ، فَكانَ ذَلِكَ آَيَةً تَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في إيجادِ عِيسى، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُزِّي إلَيْكِ ﴾ الهَزُّ: التَّحْرِيكُ.

والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ  ﴾ ، قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: فَلْيَمْدُدْ سَبَبًا.

والعَرَبُ تَقُولُ: هَزَّهُ وهَزَّ بِهِ، وخُذِ الخِطامَ وخُذْ بِالخِطامِ، وتَعَلَّقَ زَيْدًا وتَعَلَّقَ بِهِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي مُؤَكَّدَةٌ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ والثّانِي: أنَّها دَخَلَتْ عَلى الجِذْعِ لِتُلْصِقَهُ بِالهَزِّ، فَهي مُفِيدَةٌ لِلْإلْصاقِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُساقِطْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والسَّكّائِي، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( تَسّاقَطْ ) بِالتّاءِ مُشَدَّدَةَ السِّينِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وعَبْدُ الوارِثِ: ( تَساقَطْ ) بِالتّاءِ مَفْتُوحَةً مُخَفَّفَةَ السِّينِ.

وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( تُساقِطْ ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ القافِ مُخَفَّفَةَ السِّينِ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ وأبُو زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ: ( يَسّاقَطُ ) بِالياءِ مَفْتُوحَةً وتَشْدِيدِ السِّينِ وفَتْحِ القافِ، فَهَذِهِ القِراءاتُ المَشاهِيرُ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو حَيْوَةَ: ( تَسْقُطُ ) بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ السِّينِ ورَفْعِ القافِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وعائِشَةُ، والحَسَنُ: ( يُساقِطْ ) بِألِفٍ وتَخْفِيفِ السِّينِ ورَفْعِ الياءِ وكَسْرِ القافِ.

وقَرَأ الضَّحّاكُ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ: ( يُسْقِطْ ) بِرَفْعِ الياءِ وكَسْرِ القافِ مَعَ سُكُونِ السِّينِ وعَدَمِ الألِفِ.

وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ مِثَلَهُ، إلّا أنَّهُ بِالتّاءِ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ وابْنُ يَعْمُرَ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ بِالنُّونِ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( يَسْقُطْ ) بِالياءِ مَفْتُوحَةً مَعَ سُكُونِ السِّينِ ورَفْعِ القافِ.

وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ العَدَوِيُّ وابْنُ حِزامٍ: ( تَتَساقَطُ ) بِتاءَيْنِ مَفْتُوحَيْنِ وبِألِفٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( يَسّاقَطْ )، فالمَعْنى: يَتَساقَطْ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ.

ومَن قَرَأُ: ( تَسّاقَطْ ) فَكَذَلِكَ أيْضًا، وأنَّثَ لِأنَّ لَفْظَ النَّخْلَةِ يُؤَنَّثُ.

ومَن قَرَأ: ( تَساقَطْ ) بِالتّاءِ والتَّخْفِيفِ، فَإنَّهُ حَذَفَ مِن ( تَتَساقَطُ ) اجْتِماعَ التّاءَيْنِ.

ومَن قَرَأ: ( يَسّاقَطْ ) ذَهَبَ إلى مَعْنى: يَسّاقَطِ الجِذْعُ عَلَيْكَ.

ومَن قَرَأ: ( نُساقِطْ ) بِالنُّونِ، فالمَعْنى: نَحْنُ نُساقِطْ عَلَيْكَ، فَنَجْعَلُهُ لَكَ آَيَةً.

والنَّحْوِيُّونَ يَقُولُونُ: إنَّ ﴿ رُطَبًا ﴾ مَنصُوبُ عَلى التَّمْيِيزِ إذا قُلْتَ: يَسّاقَطْ أوْ يَتَساقَطْ، المَعْنى: يَتَساقَطُ الجَزَعُ رُطَبًا.

وإذا قُلْتَ: تَسّاقَطْ بِالتّاءِ، فالمَعْنى: تَتَساقَطُ النَّخْلَةُ رُطَبًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَنِيًّا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الجَنِيُّ: المُجْتَنى.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو الطَّرِيُّ، والأصْلُ: مُجْنُو، صُرِفَ مِن مَفْعُولٍ إلى فَعِيلٍ، كَما يُقالَ: قَدِيدٌ وطَبِيخٌ.

وقالَ غَيْرُهُ: هو الطَّرِيُّ بِغُبارِهِ.

ولَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ النَّخْلَةِ رَأْسٌ، فَأنْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا وضَعَتْ يَدَها عَلَيْها، سَقَطَ الرُّطَبُ رَطْبًا.

وكانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّونَ لِلنُّفَساءِ الرُّطَبَ مِن أجْلِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكُلِي ﴾ ؛ أيْ: مِنَ الرُّطَبِ، ﴿ واشْرَبِي ﴾ مِنَ النَّهْرِ، ﴿ وَقَرِّي عَيْنًا ﴾ بِوِلادَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالَ: قَرِرَتْ بِهِ عَيْنًا أقَرَّ، بِفَتْحِ القافِ في المُسْتَقْبَلِ، وقَرَّرَتْ في المَكانِ أقَرَّ، بِكَسْرِ القافِ، " وعَيْنًا " مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.

ورَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: مَعْنى ﴿ وَقَرِّي عَيْنًا ﴾ : ولِتَبْرَدْ دَمْعَتُكِ؛ لِأنَّ دَمْعَةَ الفَرَحِ بارِدَةٌ ودَمْعَةُ الحُزْنِ حارَّةٌ.

واشْتِقاقُ " قَرِّي " مِنَ القُرُورِ، وهو الماءُ البارِدُ.

وقالَ لَنا أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: تَفْسِيرُ " قَرِّي عَيْنًا ": بَلَغْتَ غايَةَ أمَلِكَ حَتّى تَقَرَّ عَيْنُكَ مِنَ الِاسْتِشْرافِ إلى غَيْرِهِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِ عَمْرٍو بْنِ كُلْثُومٍ: بِيَوْمِ كَرِيهَةٍ ضَرْبًا وطَعْنًا ∗∗∗ أقَرَّ بِهِ مَوالِيكِ العَيُونا أيْ: ظَفِرُوا وبَلَغُوا مُنْتَهى أُمْنِيَّتِهِمْ، فَقَرَّتْ عَيْنُهم مِن تَطَلُّعٍ إلى غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإمّا تَرَيِنَّ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، والضَّحّاكُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( تَرَئِنَّ ) بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ ياءٍ؛ أيْ: إنْ رَأيْتِ مِنَ البَشَرِ أحَدًا فَقُولِي، وفِيهِ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ: فَسَألَكَ عَنْ أمْرِ ولَدَكِ.

﴿ فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: صَمْتًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، والضَّحّاكُ، وكَذَلِكَ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ: ( صَمْتًا ) مَكانَ قَوْلِهِ: " صَوْمًا " .

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ( صِيامًا ) .

والثّانِي: صَوْمًا عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ والكَلامِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ المُجْتَهِدُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَصُومُ عَنِ الكَلامِ كَما يَصُومُ عَنِ الطَّعامِ، إلّا مِن ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قالَ السُّدِّيُّ: فَأذِنَ لَها أنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذا القَدْرِ ثُمَّ تَسْكُتُ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أُمِرَتْ بِالصَّمْتِ؛ لِأنَّها لَمْ تَكُنْ لَها حُجَّةٌ عِنْدَ النّاسِ، فَأمَرَتْ بِالكَفِّ عَنِ الكَلامِ لِيَكْفِيَها الكَلامَ ولَدُها مِمّا يُبَرِّئُ بِها ساحَتَها.

وقِيلَ: كانَتْ تُكَلِّمُ المَلائِكَةَ ولا تُكَلِّمُ الإنْسَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الصَّوْمُ في لُغَةِ العَرَبِ عَلى أرْبَعَةِ مَعانٍ، يُقالَ: صَوْمٌ لِتَرْكِ الطَّعامِ والشَّرابِ، وصَوْمٌ لِلصَّمْتِ، وصَوْمٌ لِضَرْبٍ مِنَ الشَّجَرِ، وصَوْمٌ لِذَرْقِ النَّعامِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مِقْدارِ سِنِّ مَرْيَمَ يَوْمَ وِلادَتِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها ولَدَتْ وهي بِنْتُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

والثّانِي: بِنْتُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والثّالِثُ: بَنْتُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ مُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَناداها مِن تَحْتِها ألا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴾ ﴿ وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ﴾ ﴿ فَكُلِي واشْرَبِي وقَرِّي عَيْنًا فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ حُبَيْشٍ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وجَماعَةٌ: "فَناداها مَن تَحْتَها" عَلى أنَّ "مَن" فاعِلٌ بِـ "يُنادِي"، والمُرادُ بِـ "مَن" عِيسى، أيْ: ناداها المَوْلُودُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المُرادُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، ولَمْ يَتَكَلَّمْ حَتّى أتَتْ بِهِ قَوْمَها، وقالَ عَلْقَمَةُ والضَحّاكُ، وقَتادَةُ: فَفي هَذا آيَةٌ لَها وأمارَةٌ أنَّ هَذا مِنَ الأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ الَّتِي لِلَّهِ فِيها مُرادٌ عَظِيمٌ، لا سِيَّما والمُنادِي عِيسى، فَإنَّهُ يُبَيِّنُ بِهِ عُذْرَ مَرْيَمَ، ولا تَبْقى بِها اسْتِرابَةٌ، فَلِذَلِكَ كانَ النِداءُ ألّا يَقَعَ حُزْنٌ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمْ، والبَراءُ بْنُ عازِبٍ، والضَحّاكُ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وأهْلُ الكُوفَةِ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا، والحَسَنُ: "مِن تَحْتِها" بِكَسْرِ المِيمِ عَلى أنَّها لِابْتِداءِ الغايَةِ، واخْتَلَفُوا - فَقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ جِبْرِيلُ المُجاوِرُ لَها قَبْلُ، قالُوا: وكانَ في سِعَةٍ مِنَ الأرْضِ أخْفَضَ مِنَ البُقْعَةِ الَّتِي كانَتْ هي عَلَيْها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ وأظْهَرُ، وعَلَيْهِ كانَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ يُقْسِمْ.

وقَرَأ عَلْقَمَةُ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: "فَخاطَبَها مِن تَحْتِها"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "فَناداها مَلَكٌ مِن تَحْتِها".

وقَوْلُهُ، ﴿ ألا تَحْزَنِي ﴾ تَفْسِيرُ النِداءِ، فَـ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ بِمَعْنى: أيْ، و"السَرِيُّ" مِنَ الرِجالِ، العَظِيمُ الخِصالِ السَيِّدُ، و"السَرِيُّ" أيْضًا: الجَدْوَلُ مِنَ الماءِ، وبِحَسْبَ هَذا اخْتَلَفَ الناسُ في هَذِهِ الآيَةِ - فَقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: أرادَ: جَعَلَ تَحْتَكِ عَظِيمًا مِنَ الرِجالِ لَهُ شَأْنٌ، وقالَ الجُمْهُورُ: أشارَ لَها إلى الجَدْوَلِ الَّذِي كانَ قُرْبَ جِذْعِ النَخْلَةِ، ورُوِيَ أنَّ الحَسَنَ فَسَّرَ الآيَةَ فَقالَ: أجَلْ، لَقَدْ جَعَلَهُ اللهُ سَرِيًّا كَرِيمًا، فَقالَ حَمِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ الحَمِيرِيُّ: يا أبا سَعِيدٍ، إنَّما نَعْنِي بِالسَرِيِّ الجَدْوَلَ، فَقالَ: لِهَذِهِ وأشْباهِها أحَبُّ قُرْبَكَ، ولَكِنْ غَلَبَتْنا عَلَيْكَ الأُمَراءُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِنَ الشاهِدِ في السَرِيِّ قَوْلُ لَبِيَدٍ: فَتَوَسَّطا عُرْضَ السَرِّيِّ وصَدَّعا مَسْجُورَةً مُتَجاوِرًا قُلّامُها ثُمْ أمَرَ بِهَزِّ الجِذْعِ اليابِسِ لِتَرى آيَةً أُخْرى في إحْياءِ مَواتِ الجِذْعِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتِ النَخْلَةُ مُطَعَّمَةً رُطَبًا، وقالَ السُدِّيُّ: كانَ الجِذْعُ مَقْطُوعًا، وأجْرى النَهْرَ تَحْتَها لِحِينِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ عِيسى هو المُكَلِّمْ لَها، وأنَّ الجِذْعَ كانَ يابِسًا، وعَلى هَذا تَكُونُ آياتٍ تُسَلِّيها وتَسْكُنُ إلَيْها، والباءُ في قَوْلِهِ: "بِجِذْعِ" زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَما يُقالُ: ألْقى بِيَدِهِ، أيْ: ألْقى يَدَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا المِثالِ نَظَرٌ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: بِوادٍ يَمانٍ يُنْبِتُ السِدْرَ صَدْرُهُ ∗∗∗ وأسْفَلُهُ بِالمَزْجِ والشَبَهانِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ، والجُمْهُورُ مِنَ الناسِ: "تَسّاقَطْ" بِفَتْحِ التاءِ وشَدِّ السِينِ، يُرِيدُ النَخْلَةَ، وقَرَأ البَراءُ بْنُ عازِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والأعْمَشُ رَحِمَهُ اللهُ: "يَسّاقَطْ" يُرِيدُ الجِذْعَ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "تَساقَطْ" بِفَتْحِ التاءِ وتَخْفِيفِ السِينِ، وهي قِراءَةُ مَسْرُوقٍ، ويَحْيى بْنِ وثّابٍ، وطِلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، وأبِي عَمْرٍو بِخِلافٍ- وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَسّاقَطْ" بِالياءِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن إرادَةِ النَخْلَةِ أوِ الجِذْعِ.

وقَرَأ عاصِمْ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -: "تُساقِطْ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ السِينِ وتَخْفِيفِها، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يُسْقِطْ" بِضَمٍّ بِالياءِ، وحَكى أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ أنَّهُ قُرِئَ: "يَتَساقَطْ" بِياءٍ وتاءٍ، ورُوِيُ عن مَسْرُوقٍ: "تُسْقِطْ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ القافِ، وكَذَلِكَ عن أبِي حَيْوَةَ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ أيْضًا: "يَسْقُطْ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ القافِ، "رُطَبٌ جَنِيٌّ".

ونَصْبُ "رُطَبًا" يَخْتَلِفُ بِحَسْبَ مَعانِي القِراءاتِ المَذْكُورَةِ، فَمَرَّةً يُسْنَدُ الفِعْلَ إلى الجِذْعِ، ومَرَّةً إلى الهَزِّ، ومَرَّةً إلى النَخْلَةِ، و"جَنِيًّا" مَعْناهُ: قَدْ طابَ وصَلَحَ لِلِاجْتِناءِ، وهو مِن جَنَيْتُ الثَمَرَةَ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "جِنِيًّا" بِكَسْرِ الجِيمِ، وقالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: ما مِن شَيْءٍ خَيْرٌ لِلنُّفَساءِ مِنَ التَمْرِ والرُطَبِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: "رُطَبًا" عَجْوَةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الرِزْقَ وإنْ كانَ مَحْتُومًا فَإنَّ اللهَ تَعالى قَدْ وكَلَ ابْنَ آدَمَ إلى سَعْيِ ما فِيهِ؛ لِأنَّهُ أُمِرَتْ مَرْيَمُ بِهَزِّ الجِذْعِ لِتَرى آيَةً، وكانَتِ الآيَةُ تَكُونُ بِألّا تَهُزَّ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ لَها عِيسى: "لا تَحْزَنِي"، فَقالَتْ: وكَيْفَ لا أحْزَنُ وأنْتَ مَعِي، لا ذاتُ زَوْجٍ "فَأقُولُ مِن زَوْجٍ، ولا مَمْلُوكَةٌ فَأقُولُ مِن سَيِّدِي، أيُّ شَيْءٍ عُذْرِي عِنْدَ الناسِ؟

﴿ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا  ﴾ ، فَقالَ لَها عِيسى: "أنا أكْفِيكِ الكَلامَ".

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكُلِي واشْرَبِي وقَرِّي عَيْنًا ﴾ الآيَةُ.

قَرَأ الجُمْهُورُ: "وَقَرِّي" بِفَتْحِ القافِ، وحَكى الطَبَرِيُّ قِراءَةَ "وَقِرِّي" بِكَسْرِ القافِ، وقُرَّةُ العَيْنِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ القَرِّ، وذَلِكَ أنَّهُ يُحْكى أنَّ دَمْعَ الفَرَحِ بارِدٌ ودَمْعَ الحُزْنِ سُخْنٌ، وضَعَّفَتْ فِرْقَةٌ هَذا وقالَتِ: الدَمْعُ كُلُّهُ سُخْنٌ، وإنَّما مَعْنى قُرَّةِ العَيْنِ أنَّ البُكاءَ الَّذِي يُسْخِنُ العَيْنَ ارْتَفَعَ، أيْ: لا حُزْنَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي قَرَّتْ بِهِ العَيْنُ، وقالَ الشَيْبانِيُّ: "وَقَرِّي عَيْنًا" مَعْناهُ: نامِي، حَضَّها عَلى الأكْلِ والشُرْبِ والنَوْمِ، وقَوْلُهُ: "عَيْنًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، والفِعْلُ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو لِلْعَيْنِ، فَيُنْقَلُ ذَلِكَ إلى ذِي العَيْنِ، ويُنْصَبُ الَّذِي كانَ فاعِلًا في الحَقِيقَةِ عَلى التَفْسِيرِ، ومِثْلُهُ: طِبْتَ نَفْسًا، وتَفَقَّأْتَ شَحْمًا، وتَصَبَّبْتُ عَرَقًا، وهَذا كَثِيرٌ.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَرَيِنَّ"، وأصِلُهُ: "تَرْأيِينَ" حُذِفَتِ النُونُ لِلْجَزْمِ، ثُمْ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى الراءِ، ثُمْ قُلِبَتِ الياءُ الأُولى ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، فاجْتَمَعَ ساكِنانِ، الألْفُ [المُنْقَلِبَةُ عَنِ الياءِ]، والياءُ، فَحُذِفَتِ الألِفُ فَصارَ "تَرى"، وعَلى هَذا النَحْوِ قَوْلُ الأفْوَهِ: إمّا تَرى رَأْسِي أزْرى بِهِ ∗∗∗ البَيْتُ..............

ثُمْ دَخَلَتِ النُونُ الثَقِيلَةُ، وكُسِرَتِ الياءُ لِاجْتِماعِ ساكِنَيْنِ مِنها ومِنَ النُونِ، وإنَّما دَخَلَتِ النُونُ هُنا تَوْطِئَةً، كَما تُوَطِّئُ لِدُخُولِها أيْضًا لامُ القَسَمِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو - فِيما رُوِيَ عنهُ -: "تَرَئِنَّ" بِالهَمْزَةِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "تَرَيْنَ" بِسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ النُونِ خَفِيفَةً، قالَ أبُو الفَتْحِ: "وَهِيَ شاذَّةٌ".

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى أمْرَها - عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ أوِ ابْنِها عَلَيْهِما السَلامُ، عَلى الخِلافِ المُتَقَدِّمْ - بِأنَّ تُمْسِكُ عن مُخاطَبَةِ البَشَرِ، وتُحِيلُ عَلى ابْنِها في ذَلِكَ، لِيَرْتَفِعَ عنها خَجَلُها، وتَبِينَ الآيَةُ فَيَقُومَ عُذْرُها، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها أُبِيحَ لَها أنَّ تَقُولَ هَذِهِ الكَلِماتِ الَّتِي في الآيَةِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى "فَقُولِي" بِالإشارَةِ لا بِالكَلامِ، وإلّا فَكَأنَّ التَناقُضَ بَيِّنٌ في أمْرِها.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ: "إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ وصُمْتُ".

وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: صَوْمًا عَنِ الكَلامِ؛ إذْ أصْلُ الصَوْمِ الإمْساكُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: خَيْلٌ صِيامٌ.......

∗∗∗......................

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والسُدِّيُّ: كانَتْ سُنَّةُ الصِيامِ عِنْدَهُمُ الإمْساكُ عَنِ الأكْلِ والكَلامِ، وقَرَأتْ فَرِقْةٌ، "إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَمْتًا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا يَجُوزُ في شَرْعِنا أنْ يُنْذِرَ أحَدٌ صَوْمًا، ولَقَدْ أمَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَن فَعَلَ ذَلِكَ بِالنُطْقِ والكَلامِ، وقالَ فِرْقَةٌ: أُمِرَتْ مَرْيَمُ بِهَذا لِيَكْفِيَها عِيسى الِاحْتِجاجَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

فائدة قوله ﴿ وَهُزِي إليْككِ بِجِذْععِ النخلةوهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة تساقط عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِى ﴾ أن يكون إثمار الجذع اليابس رُطباً ببركة تحريكها إياه، وتلك كرامة أخرى لها.

ولتشاهد بعينها كيف يُثمر الجذع اليابس رطباً.

وفي ذلك كرامة لها بقوّة يقينها بمرتبتها.

والباء في ﴿ بِجِذْععِ النَّخْلَةِ ﴾ لتوكيد لصوق الفعل بمفعوله مثل ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ [المائدة: 6] وقوله ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ [البقرة: 195].

وضمن ﴿ وَهُزي ﴾ معنى قَرّبي أو أدني، فعُدي ب (إلى)، أي حرّكي جذع النخلة وقرّبيه يَدْنُ إليك ويَلِنْ بعد اليبس ويُسقط عليك رطباً.

والمعنى: أدني إلى نفسك جِذع النخلة.

فكان فاعل الفعل ومتعلقه متحداً، وكلاهما ضميرُ معادٍ واحد، ولا ضير في ذلك لصحة المعنى وورود أمثاله في الاستعمال نحو ﴿ واضمم إليك جناحك ﴾ [القصص: 32].

فالضامّ والمضموم إليه واحد.

وإنما منَع النحاة أن يكون الفاعل والمفعول ضميري معاد واحد إلاّ في أفعال القلوب، وفي فعلي: عَدِم وفَقَد، لعدم سماع ذلك، لا لفساد المعنى، فلا يقاس على ذلك منع غيره.

والرطب: تمر لم يتم جفافه.

والجَنيّ: فعيل بمعنى مفعول، أي مجتنى، وهو كناية عن حَدثان سقوطه، أي عن طراوته ولم يكن من الرطب المخبوء من قبل لأن الرطب متى كان أقرب عهداً بنخلته كان أطيب طعماً.

و ﴿ تَسَّاقط ﴾ قرأه الجمهور بفتح التاء وتشديد السين أصله تتساقط بتاءين أدغمت التاء الثانية في السين ليتأتى التخفيف بالإدغام.

وقرأه حمزة بتخفيف السين على حذف إحدى التاءين للتخفيف.

و ﴿ رُطَبَاً ﴾ على هاته القراءات تمييز لنسبة التساقط إلى النخلة.

وقرأه حفص بضم التاء وكسر السين على أنه مضارع سَاقَطَت النخلة تمرَها، مبالغة في أسقطت و ﴿ رُطَباً ﴾ مفعول به.

وقرأه يعقوب بياء تحتية مفتوحة وفتح القاف وتشديد السين فيكون الضمير المستتر عائداً إلى ﴿ جِذْع النَّخْلةِ ﴾ .

وجملة ﴿ فَكُلِي ﴾ وما بعدها فذلكة للجمل التي قبلها من قوله ﴿ قد جعل ربك تحتك سرياً، ﴾ أي فأنت في بحبوحة عيش.

وقرّة العين: كناية عن السرور بطريق المضادة، لقولهم: سَخِنت عينه إذا كثر بكاؤه، فالكناية بضد ذلك عن السرور كناية بأربع مراتب.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك ﴾ [القصص: 9].

وقرّة العين تشمل هناء العيش وتشمل الأنس بالطفل المولود.

وفي كونه قرّة عين كناية عن ضمان سلامته ونباهة شأنه.

وفتح القاف في ﴿ وقَرّي عيناً ﴾ لأنه مضارع قررت عينه من باب رضي، أدغم فنقلت حركة عين الكلمة إلى فائها في المضارع لأن الفاء ساكنة.

﴿ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً فقولى إِنِّى نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً ﴾ .

هذا من بقية ما ناداها به عيسى، وهو وحي من الله إلى مريم أجراه على لسان الطفل، تلقيناً من الله لمريم وإرشاداً لقطع المراجعة مع من يريدُ مجادلتها، فعلّمها أن تنذر صوماً يقارنه انقطاع عن الكلام، فتكون في عبادة وتستريح من سؤال السائلين ومجادلة الجهلة.

وكان الانقطاع عن الكلام من ضروب العبادة في بعض الشرائع السالفة، وقد اقتبسه العرب في الجاهلية كما دلّ عليه حديث المرأة من أحمس التي حجّت مُصمتة.

ونسخ في شريعة الإسلام بالسنة، ففي «الموطأ» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قائماً في الشمس فقال: ما بال هذا؟

فقالوا: نذر أن لا يتكلم ولا يستظل من الشمس ولا يجلسَ ويصوم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مروه فليتكلم وليستظل وليجلس وليُتم صيامه " وكان هذا الرجل يدعَى أبا إسرائيل.

وروي عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه دخل على امرأة قد نذرت أن لا تتكلم، فقال لها: «إن الإسلام قد هدم هذا فتكلمي».

وفي الحديث أن امرأة من أحْمَسَ حجّت مُصمتة، أي لا تتكلّم.

فالصمت كان عبادة في شرع من قبلنا وليس هو بشرع لنا لأنه نسخه الإسلام بقول النبي صلى الله عليه وسلم «مروه فليتكلّم»، وعمللِ أصحابه.

وقد دلّت الآثار الواردة في هذه على أشياء: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب الوفاء بالنذر في مثل هذا، فدلّ على أنه غير قربة.

الثاني: أنه لم يأمر فيه بكفارة شأن النذر الذي يتعذر الوفاء به أو الذي لم يسم له عمل معيّن كقوله: عليّ نذر.

وفي «الموطأ» عقب ذكر الحديث المذكور قال مالك: ولم يأمره بكفارة ولو كانت فيه كفارة لأمره بها فدلّ ذلك على أنه عمل لا اعتداد به بوجه.

الثالث: أنه أومأ إلى علّة عدم انعقاد النذر به بقوله: «إن الله عن تعذيب هذا نفسَه لغنيّ».

فعلمنا من ذلك أنّ معنى العبادة أن تكون قولاً أو فعلاً يشتمل على معنى يكسب النفس تزكية ويبلغ بها إلى غاية محمودة مثل الصوم والحج، فيُحتمل ما فيها من المشقة لأجل الغاية السامية، وليست العبادة بانتقام من الله لعبده ولا تعذيب له كما كان أهل الضلال يتقربون بتعذيب نفوسهم، وكما شرع في بعض الأديان التعذيب القليل لخضد جلافتهم.

وفي هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ﴾ [الحج: 36 37]، لأنهم كانوا يحسبون أن القربة إلى الله في الهدايا أن يريقوا دماءها ويتركوا لحومها ملقاة للعوافي.

وفي «البخاري»: عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيخاً يُهادَى بين ابنيه فقال: ما بال هذا؟

قالوا: نذر أن يمشي.

قال: إن الله عن تعذيب هذا نفسَه لغنيّ.

وأمره أن يركب»، فلم ير له في المشي في الطواف قربة.

وفيه عن ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ وهو يطوف بالكعبة بإنسان رَبط يده إلى إنسان بِسِيَرٍ أو بخيط أو بشيء غير ذلك، فقطعه النبي بيده ثم قال: قده بيده».

وفي «مسند أحمد» عن محمد بن عبدالله بن عمرو بن العاصي: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك رجلين وهما مقترنان.

فقال: ما بالهما؟

قالا: إنّا نذرنا لنقترنن حتى نأتي الكعبة، فقال: أطلقا أنفُسكما ليس هذا نذراً إنما النذر ما يبتغى به وجه الله " وقال: إسناده حسن.

الرابع: أنّ الراوي لبعض هذه الآثار رواها بلفظ: نهى رسول الله عن ذلك، ولذلك قال مالك في»الموطأ» عقب حديث الرجل الذي نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس: «قال مالك: قد أمره رسول الله أن يتمّ ما كان لله طاعة ويترك ما كان لله معصية».

ووجه كونه معصية أنه جراءة على الله بأن يعبده بما لم يشرع له ولو لم يكن فيه حَرج على النفس كنذر صمت ساعة، وأنه تعذيب للنفس التي كرّمها الله تعالى من التعذيب بوجوه التعذيب إلا لعمل اعتبره الإسلام مصلحة للمرء في خاصته أو للأمة أو لدرْء مفسدة مثل القصاص والجَلد.

ولذلك قال: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً ﴾ [النساء: 29].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم " إنّ دماءكم وأموالكم وأنفسكم وأبْشاركم عليكم حرام " لأن شريعة الإسلام لا تُناط شرائعها إلاّ بجلب المصالح ودَرء المفاسد.

والمأخوذ من قول مالك في هذا أنه معصية كما قاله في «الموطأ».

ولذلك قال الشيخ أبو محمد في «الرسالة»: «ومَن نذر معصية من قتل نفس أو شرب خمر أو نحوه أو ما ليس بطاعة ولا معصية فلا شيء عليه، وليستغفر الله»، فقوله: «وليستغفر الله» بناء على أنه أتى بنذره مخالفاً لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه.

ولو فعل أحد صمتاً بدون نذر ولا قصد عبادة لم يكن حراماً إلا إذا بلغ إلى حد المشقة المضنية.

وقد بقي عند النصارى اعتبار الصمت عبادة وهم يجعلونه ترحماً على الميت أن يقفوا صامتين هنيهة.

ومعنى ﴿ فقولي إني نَذَرْت للرحمنن صَوْماً ﴾ فانذري صوماً وإن لقيت من البشر أحداً فقولي: إنّي نذرت صوماً فحذفت جملة للقرينة.

وقد جعل القول المتضمن إخباراً بالنذر عبارة عن إيقاع النذر وعن الإخبار به كناية عن إيقاع النذر لتلازمهما لأن الأصل في الخبر الصدق والمطابقة للواقع مثل قوله تعالى: ﴿ قولوا آمنا بالله ﴾ [البقرة: 136].

وليس المراد أنها تقول ذلك ولا تفعله لأن الله تعالى لا يأذن في الكذب إلاّ في حال الضرورة مع عدم تأتّي الصدق معها، ولذلك جاء في الحديث: " إن في المعاريض مندوحة عن الكذب " وأطلق القول على ما يدلّ على ما في النفس، وهو الإيماء إلى أنها نذرت صوماً مجازاً بقرينة قوله ﴿ فلن أُكلِمَ اليَوْمَ إنْسِيّاً ﴾ .

فالمراد أن تؤدي ذلك بإشارة إلى أنها نذرت صوماً بأن تشير إشارة تدلّ على الانقطاع عن الأكل، وإشارةً تدل على أنها لا تتكلّم لأجل ذلك، فإن كان الصوم في شرعهم مشروطاً بترك الكلام كما قيل فالإشارة الواحدة كافية، وإن كان الصوم عبادة مستقلة قد يأتي بها الصائم مع ترك الكلام تشير إشارتين للدلالة على أنها نذرت الأمرين، وقد علمت مريم أنّ الطفل الذي كلّمها هو الذي يتولى الجواب عنها حِين تُسأل بقرينة قوله تعالى: ﴿ فأشارت إليه ﴾ [مريم: 29].

والنون في قوله ﴿ تَرَيِنَّ ﴾ نون التوكيد الشديدة اتصلت بالفعل الذي صار آخره ياء بسبب حذف نون الرفع لأجل حرف الشرط فحركت الياء بحركة مجانسة لها كما هو الشأن مع نون التوكيد الشديدة.

والإنْسِي: الإنسان، والياء فيه للنسب إلى الإنس، وهو اسم جمع إنسان، فياء النسب لإفادة فرد من الجنس مثل: ياء حَرْسي لواحد من الحرس.

وهذا نكرة في سياق النفي يُفيد العموم، أي لن أكلم أحداً.

وعدل عن أحد إلى ﴿ إنسياً ﴾ للرّعي على فاصلة الياء، وليس ذلك احترازاً عن تكليمها الملائكة إذ لا يخطر ذلك بالبال عندالمخاطبين بمن هيئت لهم هذه المقالة فالحمل عليه سماجة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَناداها مِن تَحْتِها ألا تَحْزَنِي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُنادِيَ لَها مِن تَحْتِها جِبْرِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ عِيسى ابْنُها، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.

وَفي قَوْلِهِ مِن تَحْتِها وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن أسْفَلَ مِنها في الأرْضِ وهي فَوْقُهُ عَلى رَأْسِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: مِن بَطْنِها: قالَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ، بِالقِبْطِيَّةِ.

﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ السَّرِيَّ هو ابْنُها عِيسى؛ لِأنَّ السَّرِيَّ هو الرَّفِيعُ الشَّرِيفُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ مِن سَرَواتِ قَوْمِهِ أيْ مِن أشْرافِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ عِيسى هو المُنادِي مِن تَحْتِها ﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴾ الثّانِي: أنَّ السَّرِيَّ هو النَّهْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، لِتَكُونَ النَّخْلَةُ لَها طَعامًا، والنَّهْرُ لَها شَرابًا، وعَلى هَذا يَكُونُ جِبْرِيلُ هو المُنادِي لَها ﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴾ الثّانِي: أنَّهُ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّرايَةِ فَسُمِّيَ السَّرِيُّ لِأنَّهُ يَجْرِي فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: سَهْلُ الخَلِيقَةِ ماجِدٌ ذُو نائِلٍ مِثْلُ السَّرِيِّ تَمُدُّهُ الأنْهارُ وَقِيلَ: إنَّ اسْمَ السَّرِيَّ يُطْلَقُ عَلى ما يَعْبُرُهُ النّاسُ مِنَ الأنْهارِ وثْبًا.

وَرَوى أبانُ بْنُ تَغْلِبَ في تَفْسِيرِهِ القُرْآنَ خَبَرًا عَنْ عَدَدٍ لَمْ يُسَمِّهِمْ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  بَعَثَ شَدّادَ بْنَ ثُمامَةَ مُصَدَّقًا لِبَنِي كَعْبِ بْنِ مَذْحِجٍ وكَتَبَ لَهُ كِتابًا: (عَلى ما سَقَتْهُ المَراسِمُ والجَداوِلُ والنَّواهِرُ والدَّوافِعُ العُشْرُ ونِصْفُ العُشْرِ بِقِيمَةِ عَدْلٍ إلّا الضَّوامِرَ واللَّواقِحَ وما أطَلَ الصُّوَرَ مِنَ الجَفْنِ.

وَفي كُلِّ أرْبَعِينَ شاةً شاةٌ إلّا العَقِيلَ والأكِيلَ والرَّبِيَّ.

وَمِن كُلِّ ثَلاثِينَ بَقَرَةً جِذْعٌ أوْ جِذْعَةٌ إلّا العاقِرَ والنّاشِطَ والرّاشِحَ.

وَمِن كُلِ خَمْسٍ مِنَ الإبِلِ المُوَبَّلَةِ مُسِنَّةٌ مِنَ الغَنَمِ.

وَلا صَدَقَةَ في الخَيْلِ ولا في الإبِلِ العامِلَةِ.

شَهِدَ جِرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جابِرٍ البَجَلِيُّ وشَدّادُ بْنُ ثُمامَةَ وكَتَبَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ)» فالمَراسِلُ العُيُونُ، والجَداوِلُ الأنْهارُ الصِّغارُ، والنَّواهِرُ الدَّوالِي، والدَّوافِعُ الأوْدِيَةُ، والضَّوامِرُ ما لَمْ تَحْمِلْ مِنَ النَّخْلِ، واللَّواقِحُ الفُحُولُ، والجَفْنِ الكَرْمُ، وما أطْلاهُ مِنَ الزَّرْعِ عَفْوٌ، والعَقِيلُ فَحْلُ الغَنَمِ، والأكِيلُ الَّذِي يُرَبّى لِلْأكْلِ، والرَّبِيُّ الَّتِي تُرَبِّي ولَدَها، والعاقِرُ مِنَ البَقَرِ الَّتِي لا تَحْمِلُ، والنّاشِطُ الفَحْلُ الَّذِي يَنْشَطُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، والرّاشِحُ الَّذِي يَحْرُثُ الأرْضَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ الآيَةِ.

اخْتُلِفَ في النَّخْلَةِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: كانَتْ بَرْنِيَّةً.

الثّانِي: صُرفاتَة، قالَهُ أبُو داوُدَ.

الثّالِثُ: قَرِينًا.

الرّابِعُ: عَجْوَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَفي "الجَنِيِّ" ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: المُتَرَطِّبُ البُسْرُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: البَلَحُ لَمْ يَتَغَيَّرْ، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الطَّرِيُّ بِغُبارِهِ.

وَقِيلَ لَمْ يَكُنْ لِلنَّخْلَةِ رَأْسٌ وكانَ في الشِّتاءِ فَجَعَلَهُ اللَّهُ آيَةً.

قالَ مُقاتِلٌ فاخْضَرَّتْ وهي تَنْظُرُ ثُمَّ حَمَلَتْ وهي تَنْظُرُ ثُمَّ نَضِجَتْ وهي تَنْظُرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكُلِي ﴾ يَعْنِي مِنَ الرُّطَبِ الجَنِيِّ.

﴿ واشْرَبِي ﴾ يَعْنِي مِنَ السَّرِيِّ.

﴿ وَقَرِّي عَيْنًا ﴾ يَعْنِي بِالوَلَدِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: جاءَ يُقِرُّ عَيْنَكِ سُرُورًا، قالَهُ الأصْمَعِيُّ، لِأنَّ دَمْعَةَ السُّرُورِ بارِدَةٌ ودَمْعَةَ الحُزْنِ حارَّةٌ.

الثّانِي: طِيبِي نَفْسًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: تَسْكُنُ عَيْنُكِ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: ما شَيْءٌ خَيْرٌ لِلنُّفَساءِ مِنَ الرُّطَبِ والتَّمْرِ.

﴿ فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا ﴾ يَعْنِي إمّا لِلْإنْكارِ عَلَيْكِ وإمّا لِلسُّؤالِ لَكِ.

﴿ فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي صَمْتًا، وقَدْ قُرِئَ في بَعْضِ الحُرُوفِ: لِلرَّحَمْنِ صَمْتًا وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ والضَّحّاكِ.

الثّانِي: صَوْمًا عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ والكَلامِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها امْتَنَعَتْ مِنَ الكَلامِ لِيَتَكَلَّمَ عَنْها ولَدُها فَيَكُونُ فِيهِ بَراءَةُ ساحَتِها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ مَن صامَ في ذَلِكَ الزَّمانِ لَمْ يُكَلِّمِ النّاسَ، فَأُذِنَ لَها في المِقْدارِ مِنَ الكَلامِ قالَهُ السُّدِّيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ وهزي إليك بجذع النخلة ﴾ قال: حركيها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف، عن مجاهد ﴿ وهزي إليك بجذع النخلة ﴾ قال: كانت عجوة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن البراء أنه قرأ ﴿ يساقط عليك ﴾ بالياء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قرأ ﴿ يساقط عليك ﴾ بالياء يعني الجذع.

وأخرج عبد بن حميد، عن مسروق أنه قرأ ﴿ تساقط عليك رطباً جنياً ﴾ بالتاء.

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ تساقط ﴾ مثقلة بالتاء.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن طلحة الإيابي أنه قرأ ﴿ تساقط عليك رطباً ﴾ مثقلة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي نهيك أنه قرأ ﴿ تسقط عليك رطباً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ رطباً جنياً ﴾ قال: طرياً.

وأخرج الخطيب في تالي التلخيص، عن ابن عباس في قوله: ﴿ تساقط عليك رطباً جنياً ﴾ قال: بغباره.

وأخرج ابن الأنباري والخطيب، عن أبي حباب مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي روق قال: انتهت مريم إلى جذع ليس له رأس، فأنبت الله له رأساً، وأنبت فيه رطباً وبسراً ومدبباً وموزاً، فلما هزت النخلة، سقط عليها من جميع ما فيها.

وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد، عن أبي قدام قال: أنبتت لمريم نخلة تعلق بها كما تعلق المرأة عند الولادة.

وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم وابن السني وأبو نعيم معاً في الطب النبوي والعقيلي وابن عدي وابن مردويه وابن عساكر، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم عليه السلام، وليس من الشجر شجرة تلقح غيرها» وقال صلى الله عليه وسلم: «أطعموا نساءكم الولَّد الرطب، فإن لم يكن رطب، فتمر فليس من الشجر شجرة أكرم من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران» .

وأخرج ابن عساكر، عن أبي سعيد الخدري قال: «سألنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مماذا خلقت النخلة؟

قال: خلقت النخلة والرمان والعنب من فضل طينة آدم عليه السلام» .

وأخرج ابن عساكر، عن سلمة بن قيس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أطعموا نساءكم في نفاسهن التمر، فإنه من كان طعامها في نفاسها التمر: خرج ولدها ولداً حليماً، فإنه كان طعام مريم، حيث ولدت عيسى، ولو علم الله طعاماً هو خير لها من التمر لأطعمها إياه» .

وأخرج عبد بن حميد، عن شقيق قال: لو علم الله أن شيئاً للنفساء خير من الرطب لأمر مريم به.

وأخرج عبد بن حميد، عن عمرو بن ميمون قال، ليس للنفساء خير من الرطب، أو التمر وقال: إن الله قال: ﴿ وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر، عن الربيع بن خيثم قال: ليس للنفساء عندي دواء مثل الرطب، ولا للمريض مثل العسل.

وأخرج ابن عساكر، عن الشعبي قال: كتب قيصر إلى عمر بن الخطاب أن رسلاً أتتني من قبلك، فزعمت أن قبلكم شجرة ليست بخليقة لشيء من الخير!

تخرج مثل أذان الحمير، ثم تشقق عن مثل اللؤلؤ الأبيض، ثم تصير مثل الزمرد الأخضر، ثم تصير مثل الياقوت الأحمر، ثم تينع وتنضج فتكون كأطيب فالوذج أكل، ثم تيبس فتكون عصمة للمقيم، وزاداً للمسافر، فإن لم تكن رسلي صدقتني، فلا أرى هذه الشجرة إلا من شجر الجنة، فكتب إليه عمر أن رسلك قد صدقتك، هذه الشجرة عندنا: وهي التي أنبتها الله على مريم حين نفست بعيسى.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ ﴾ الهز معناه: التحريك (١) ﴿ إِلَيْكِ ﴾ اجذبيه إليك أي: حركيه بأن تجذبيه إليك.

وقوله تعالى: ﴿ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ قال الأخفش: (الباء زائدة) (٢) بِوَادٍ يَمَانٍ يُنْبِتُ الشَّثَّ صَدْرُه ...

وَأَسْفَلُه بِالمَرْخِ والشَّبَهَانِ (٣) ونحو هذا قال الفراء، قال: (والعرب تقول: هَزَّ بِه وَهَزَّه، وقوله تعالى: ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ  ﴾ ، معناه فَلْيَمدْدُ سببا) (٤) ويقال: ألقى بيده، أي ألقى يده، قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ  ﴾ .

قال أبو علي: (ويحتمل أن يكون معنى ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ أي: بهز جذع النخله رطبا فحذف المضاف) (٥) والمعنى: إذا هززت الجذع هززت بهزه رطبا، فإذا هززت الرطب سقط.

وهذا على قول من يخصب الرطب بالهز، وهو قول المبرد، حكى عنه الزجاج قال: (والمعنى هزي إليك بجذع النخلة رطبا تساقط عليك) (٦) وقوله تعالى: ﴿ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ ﴾ أي: تتساقط فأدغمت التاء في السين، وتساقط هاهنا بمعني: تسقط، وتفاعل مطاوع فاعل كما أن تفعل مطاوع فَعَّل وكما عدّى تفعل في: تجرعته، وغليته، وتَمَزَّزْته، كذلك عدي تفاعل فمما جاء من ذلك قول الشاعر: تُطَالِعنا خَيَالاتٌ لِسَلْمَى ...

كَمَا يَتَطَالعُ الدَّينَ الغَرِيمُ (٧) ويكون المعنى: تسقط عليك النخلة رطبا جنيا، وانتصب (رُطَبًا) على أنه مفعول به (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) وروى حفص عن عاصم: تُسَاقِطْ على وزن تفاعل (١٣) (١٤) يُسَاقِطُ عَنْهُ رَوْقُهُ ضَارِيَاتِهَا ...

سِقَاطَ حَدِيدِ القَيْنِ أَخْوَلَ أَخْوَلاَ وقوله تعالى: (رُطَبًا) الرُّطَبُ: الناضج من البسر (١٥) (١٦) ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ وذلك أنه كان جذعًا نخرًا ليس له سعف فلمَّا هزته نظرت إلى أعلى الجذع فإذا السعف قد طلع، ثم نظرت إلى الطلع، ثم خرج من بين السعف، ثم نظرت إلى الطلع قد اخضر فصار بلحا، ثم نظرت إلى البلح قد احمر فصار زهوا، ثم نظرت إلى البسر الأحمر قد صار رطبا كل ذلك طرفة عين قبل أن يرتد إليها طرفها، فجعل الرطب يقع بين يديها في أقماعه ولا يتشدخ منها شيء، فطابت نفسها) (١٧) (١) انظر: "مقاييس اللغة" (هز) 6/ 9، "القاموس المحيط" (هز) ص 529، "الصحاح" (هزز) 3/ 901، "المفردات في غريب القرآن" (هزز) ص 542.

(٢) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 626، وقال أبو السعود في "تفسيره" 3/ 579: الباء صلة للتوكيد.

وقول أبو السعود أولى من القول بالزيادة، وذلك أدبا مع القرآن الكريم فإن كل حرف ورد فيه يقصد به معنى من المعاني.

ولذلك قال ابن جرير -رحمه الله- في "تفسيره" 16/ 73: تدخل الباء في الأفعال وتخرج فيكون دخولها وخروجها بمعنى فمعنى الكلام: وهزي إليك جذع النخلة.

(٣) ورد البيت في عدد من الكتب ونسب إلى رجل من عبد القيس، وقيل إنه ليعلى الأحول.

الشَّث: الكثير من الشيء وهو ضرب من الشجر طيب الريح مر الطعم.

والشبهان: ضرب من الرياحين.

انظر: "مجاز القرآن" 2/ 48، "معاني القرآن" للأخفش 2/ 626، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 200، "أدب الكاتب" 416، "الجمهرة" 1/ 45، "الدر المصون" 7/ 585، "لسان العرب" (شبه) ص 2191.

(٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 165.

(٥) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 198.

(٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 325.

(٧) البيت لسلمة بن الخرشب الأنماري.

ويريد به أن خيال صاحبته يكثر معاودته، كما يلح الدائن على المدين بكثرة ترداده عليه.

انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 199، "المحتسب" 2/ 358، "المفضليات" 39.

(٨) "الحجه للقراء السبعة" 5/ 198، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 113، "الدر المصون" 7/ 588.

(٩) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: (تساقط) بفتح التاء وتشديد السين.

وقرأ حمزة: (تَسَاقط) بفتح التاء وتخفيف السين.

انظر: "السبعة" ص 409، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 198، "المبسوط في القراءات" ص 243، "حجة القراءات" ص 442.

(١٠) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 200.

(١١) ) "معاني القرآن" للفراء 2/ 166، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 325.

(١٢) "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 113، "الدر المصون" 7/ 588.

(١٣) قرأ حفص عن عاصم: (تُسَاقِط) بضم التاء وكسر القاف مخففة السين.

وقرأ أبو بكر عن عاصم: (تَسُاقط) بفتح التاء وتشديد السين.

انظر: "السبعة" ص 409، "الحجة للقراء السبعة" 198، "العنوان في القراءات" 126، "التبصرة" ص 256.

(١٤) البيت لضابئ البرجمي، يصف الثور والكلاب.

الروق: القرن.

أَخْوَل أَخْوَلاَ: متفرقا.

انظر: "المحتسب" 2/ 41، "الخصائص" 2/ 130، "تهذيب اللغة" (خال) 1/ 969، "لسان العرب" (خول) 3/ 1294.

(١٥) انظر: "تهذيب اللغة" (رطب) 2/ 1421، "الصحاح" (رطب) 1/ 136، "لسان العرب" (رطب) 3/ 1664، "المفردات في غريب القرآن" (رطب) 197.

(١٦) انظر: "تهذيب اللغة" (جني) 1/ 674، "مقاييس اللغة" (جني) 1/ 482، "المفردات في غريب القرآن" (جنى) ص 101، "لسان العرب" (جني) 2/ 707.

(١٧) "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 95، "روح المعاني" 16/ 85، "البحر المحيط" 6/ 184.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَحَمَلَتْهُ ﴾ يعني: في بطنها وكانت مدة حملها ثمانية أشهر، وقال ابن عباس: حملته وولدته في ساعة ﴿ مَكَاناً قَصِيّاً ﴾ أي بعيداً، وإنما بعدت حياء من قومها أن يظنوا بها الشر ﴿ فَأَجَآءَهَا ﴾ معناه: ألجأها وهو منقول من جاء بهمزة التعدية ﴿ المخاض ﴾ أي النفاس ﴿ إلى جِذْعِ النخلة ﴾ رُوي أنها احتضنت الجذع لشدة وجع النفاس ﴿ قَالَتْ ياليتني مِتُّ ﴾ إنما تمنت الموت خوفاً من إنكار قومها، وظنهم بها الشر، ووقوعهم في دمها وتمني الموت جائز في مثل هذا، وليس هذا من تمني الموت لضر نزل بالبدن فإنه منهي عنه.

﴿ وَكُنتُ نَسْياً ﴾ النِسْي الشيء الحقير الذي لا يؤبه له، وقال بفتح النون وكسرها ﴿ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ ﴾ قرئ من بفتح الميم وكسرها، وقد اختلف على كلتا القراءتين، هل هو جبريل أو عيسى، وعلى أنه جبريل قيل: إنه كان تحتها كالقابلة، وقيل: كان في مكان أسفل من مكانها ﴿ أَلاَّ تَحْزَنِي ﴾ تفسير للنداء، فأن مفسرة ﴿ سَرِيّاً ﴾ جدولاً وهي ساقية من ماء كان قريباً من جذع النخلة، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم فسره بذلك وقيل: يعني عيسى فإن السري الرجل الكريم ﴿ وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة ﴾ كان جذعاً يابساً، فخلق الله فيه الرطب كرامة لها وتأنيساً، وقد استدل بعض الناس بهذه الآية على أن الإنسان ينبغي له أن يتسبب في طلب الرزق، لأن الله أمر مريم بهز النخلة، والباء في بجذع زائدة كقوله: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ﴾ [البقرة: 195] ﴿ تساقط عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ﴾ الفاعل بتساقط النخلة، وقرئ بالياء والفاعل على ذلك الجذع، ورطباً تمييز، والجني معناه: الذي طاب وصلح لأن يجتنى ﴿ فَكُلِي واشربي ﴾ أي كلي من الرطب، واشربي من ماء الجدول، وهو السري ﴿ وَقَرِّي عَيْناً ﴾ أي طيبي نفساً بما جعل الله لك من ولادة نبي كريم، أو من تيسير المأكول والمشروب ﴿ فَإِمَّا تَرَيِنَّ ﴾ هي إن الشرطية دخلت عليها ما الزائدة للتأكيد، وترين فعل خوطبت به المرأة، ودخلت عليه النون الثقيلة للتأكيد ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً ﴾ أي صمتاً عن الكلام، وقيل: يعني الصيام لأن من شرطه في شريعتهم الصمت، وإنما أمرت بالصمت صيانة لها عن الكلام، مع المتهمين لها، ولأن عيسى تكلم عنها، فإخبارها بأنها نذرت الصمت بهذا الكلام، وقيل: بالإشارة، ولا يجوز في شريعتنا نذر الصمت ﴿ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا ﴾ لما رأت الآيات: علمت أن الله سيبين عذرها، فجاءت به من المكان القصي إلى قومها ﴿ شَيْئاً فَرِيّاً ﴾ أي شنيعاً وهو من الفرية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني أعوذ ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ ليهب لك ﴾ على الغيبة: أبو عمرو ويعقوب وورش والحلواني عن قالون وحمزة في الوقف.

الآخرون ﴿ لأهب ﴾ على التكلم ﴿ نسياً ﴾ بفتح النون: حمزة وحفص.

الباقون بكسرها.

﴿ من تحتها ﴾ بكسر الميم على أنه حرف جر وبجر التاء الثانية: أبو جعفر ونافع وسهل وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقونه بفتحهما على أن "من" موصولة والظرف صلتها ﴿ تساقط ﴾ بحذف تاء التفاعل: علي وحمزة والخزاز عن هبيرة.

﴿ تساقط ﴾ من المفاعلة: حفص غير الخزاز ﴿ يساقط ﴾ بياء الغيبة، وعلى أن الضمير للجذع وبإدغام التاء في السين: سهل ويعقوب ونصير وحماد.

الباقون مثله ولكن بتاء التأنيث على أن الضمير للنخلة ﴿ آتاني الكتاب ﴾ ممالة مفتوحة الياء: عليّ.

وقرأ حمزة مرسلة الياء مفخمة في الوصل ممالة في الوقف.

﴿ وأوصاني ﴾ بالإمالة: علي ﴿ قول الحق ﴾ بالنصب: ابن عامر وعاصم ويعقوب.

﴿ وإن الله ﴾ بكسر الهمزة: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وروح والمعدل عن زيد.

الوقوف: ﴿ مريم ﴾ لا ليصير "إذ" ظرفاً لأذكر ﴿ شرقياً ﴾ لا للعطف ﴿ زكياً ﴾ ه ﴿ بغياً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ط لما مر ﴿ هين ﴾ ج لجواز كون الواو مقحمة أو معلقة بمحذوف كما يجيء ﴿ منا ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ مقضياً ﴾ ه ﴿ قصياً ﴾ ه ﴿ النخلة ﴾ ج لترتب الماضي من غير عاطف والأولى أن يكون استئنافاً ﴿ منسياً ﴾ ه ﴿ سرياً ﴾ ه ﴿ جنياً ﴾ ه ز ﴿ عيناً ﴾ ه ج للشرط مع الفاء ﴿ أحداً ﴾ لا لأن ما بعده جواب الشرط ﴿ نسياً ﴾ ه ج للعطف مع الآية ﴿ تحمله ﴾ ط ﴿ فرياً ﴾ ه ﴿ بغياً ﴾ ه ج ﴿ إليه ﴾ ج ﴿ صبياً ﴾ ه ﴿ عبد الله ﴾ ط لأن الجملة لا تقع صفة للمعرفة.

ويمكن أن يجعل معنى التحقيق في "إن" عاملاً فيكون حالاً فلا يوقف ﴿ أينما كنت ﴾ ص لطول الكلام ﴿ حياً ﴾ ص ه لذلك والوصل أولى لأن قوله ﴿ وبراً ﴾ معطوف على قوله ﴿ مباركاً ﴾ .

﴿ بوالدتي ﴾ ج لتبدل الكلام من الإثبات إلى النفي ﴿ شقياً ﴾ ، ﴿ حياً ﴾ ه، ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ ج على القراءتين لاحتمال أن يراد أقول قول الحق وأن يجعل حالاً، وأما في قراءة الرفع فإما أن يكون بدلاً من عيسى أو يكون التقدير هو قول الحق ﴿ يمترون ﴾ ه، ﴿ من ولد ﴾ ه استعجالاً للتنزيه {  } ط ﴿ فيكون ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وأن ﴾ بالكسر ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ، ه ﴿ من بينهم ﴾ ج لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ وأبصر ﴾ لا لأن ما بعده ظرف للتعجب ﴿ مبين ﴾ ه وسمعت عن مشايخي رحمهم الله أن الوقف على قوله ﴿ قضى الأمر ﴾ لازم لا أقل من المطلوب لأن ما بعده جملة مستأنفة ولو وصل لأوهم أن يكون حالاً من القضاء وليس كذلك ﴿ لا يؤمنون ﴾ ، ه ﴿ يرجعون ﴾ ه.

التفسير: هذا شروع في ابتداء خلق عيسى ولا ريب أن خلق الولد بين شيخين فانيين أقرب إلى مناهج العادات من تخليق الولد من غير أب، فلهذا أخرت قصة عيسى عن قصة يحيى ترقياً من باب التفهم من الأدنى إلى الأعلى.

وقوله "إذ" بدل الاشتمال من مريم لأن الأزمان مشتملة على ما فيها، وفي هذا الإبدال تفخيم لشأن الوقت كوقوع قصتها العجيبة فيه.

والانتباه "افتعال" من النبذ الطرح كأنها ألقت نفسها إلى جانب معتزلة عن الناس في مكان يلي شرقي بيت المقدس أو شرقي دارها.

قال ابن عباس: من ههنا اتخذت النصارى المشرق قبلة ﴿ فاتخذت من دونهم حجاباً ﴾ لا بد لهذا الاحتجاب من غرض صحيح فمن المفسرين من قال: إنها لما رأت الحيض تباعدت عن مكانها المعتاد لكي تنتظر الطهر فتغتسل وتعود، فلما طهرت جاء جبريل  ، وقيل: طلبت الخلوة لأجل العبادة.

وقيل: في مشربة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أو شيء يسترها.

وقيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه، وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها بابها فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها، فانفجر السقف لها فخرجت وجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك وذلك قوله: ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ يعني جبرائيل لأن الدين يحيا به وبوحيه، والإضافة للتشريف والتسمية مجاز كما تقول لمن تحبه إنه روحي ﴿ فتمثل لها ﴾ حال كونه ﴿ بشراً سوياً ﴾ تام الخلق أو حسن الصورة.

وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه، وتدرع الروحاني كجبريل مثلاُ تارة بالهيكل العظيم وأخرى بالصغير غير مستبعد، والذين اعتقدوا أن جبرائيل جسماني جوزوا أن يكون له أجزاء أصلية قليلة وأجزاء فاضلة، فبتلك الأجزاء الأصلية يكون متمكناً من التشبه بصورة الإنسان، ولندرة أمثال هذه الأمور لا يلزم منها قدح في العلوم العادية المستندة إلى الإحساس.

فلا يلزم الشك في أن زيداً الذي نشاهده الآن هو الذي شاهدناه بالأمس.

قوله: ﴿ إن كنت تقياً ﴾ أي إن كان يرجى منك أن تتقي الله وترجع بالاستعاذة به فإني عائذة به منك.

وقيل: إنه كان في ذلك العصر إنسان فاجر اسمه تقي وكان يتتبع النساء فظننت أن ذلك المتمثل هو ذلك الشخص فاستعاذت بالله.

وقيل: "إن" نافية أي ما كنت تقياً حين استحللت النظر إلي وخلوت بي.

وحين علم جبريل خوفها ﴿ قال إنما أنا رسول ربك ﴾ أرسلني ﴿ لأهب لك ﴾ أو ليهب لك ﴿ غلاماً زكياً ﴾ طاهراً من الذنوب ينمو على النزاهة والعفة.

وكيف زال خوفها بمجرد القيل؟

احتمل أن يكون قد ظهر لها معجزة من جهة زكريا أو إرهاصاً لعيسى أو إلهاماً من الله  .

وهل تقدر الملائكة على تركيب الأجزاء وخلق الحياة والنطق حتى صح قول جبرائيل ﴿ لأهب لك ﴾ ؟

قال: اجتمعت الأمة على أن لا قدرة للأجسام على إيجاد الجواهر وإعدامها وإلا فلا استبعاد في تأثير بعض الأجسام في بعضها الخاصية خصها الله بها.

ووجه صحة هذه القراءة أن جبرائيل صار سبباً في الهبة بالنفخ في الدرع.

﴿ قالت ﴾ استغراباً من حيث العادة لا تشكيكاً في قدرة الله ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ ولم تقل ههنا "رب" إما لأنها تخاطب جبرائيل، وإما اكتفاء بما سلف في آل عمران ﴿ ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ﴾ هي الفاجرة التي تبغي الرجال.

عن المبرد أن أصله يغوى على "فعول" قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء وكسرت الغين للمناسبة.

وعن ابن جنى أنه "فعيل" وإلا لقيل بغو كنهو عن المنكر خصصت بعدما عممت لزيادة الاعتبار بهذا الخزي تبرئة لساحتها عن الفحشاء.

ولما جرى في أول القصة من تمثل جبرائيل لها بصورة البشر حتى ظنت أنه يريدها بسوء فاستعاذت بالرحمن منه بخلاف هذه القصة في آل عمران.

فإنها بنيت على الأمن والبشارة بقوله: ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك  ﴾ فلم تحتج إلى هذه الزيادة.

وقال جار الله: المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه في قوله: ﴿ من قبل أن تمسوهن  ﴾ ﴿ أو لامستم النساء  ﴾ وإنما يقال في الزنا "فجر بها" و "خبث بها" ونحو ذلك ولا يليق به الكنايات والآداب.

قلت لو سلم هذا من حيث اللغة إلا أنه لا بد لزيادة قوله: ﴿ ولم أك بغياً ﴾ في هذا المقام من فائدة وقد عرفت ما سنح لنا والله أعلم.

﴿ قال كذا قال ربك هو عليّ هين ﴾ تفسيره كما مر في قصة زكريا ﴿ ولنجعله ﴾ أي ولنجعل الغلام أو خلقه ﴿ آية للناس ﴾ يستدل بها على كمال اقتدارنا على إبداع الغرائب فعلنا ذلك، ويجوز أن يكون معطوفاً على تعليل مضمر يتعلق بما يدل عليه ﴿ هين ﴾ أي تخلقه لنبين به قدرتنا ﴿ ولنجعله آية ﴾ وقد مر مثل هذا في قوله: ﴿ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه  ﴾ ﴿ ورحمة منا ﴾ على عبادنا لأن كل نبي رحمة لأمته فبه يهدون إلى صلاح الدارين ﴿ وكان أمراً مقضياً ﴾ مقدراً في اللوح أو أمراً حقيقاً بأن يقضي به لكونه آية ورحمة، وهذا مبني على أن رعاية الأصلح واجبة على الله.

وههنا إضمار قال ابن عباس: فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيب درعها فوصلت النفخة إلى بطنها فحملت.

وقيل: في ذيلها فوصلت إلى الفرج.

وقيل: في فمها.

وقيل: إن النافخ هو الله كقوله ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ وعلى هذا يقع تقديم ذكر جبرائيل كالضائع ولا سيما في قراءة من قرأ ﴿ لأهب لك ﴾ قيل: حملته وهي بنت ثلاث عشرة سنة.

وقيل: بنت عشرين وقد حاضت حيضتين قبل أن تحمل.

وكم مدة حملها؟

عن ابن عباس في رواية تسعة أشهر كما في سائر النساء لأنها لو كانت مخالفة لهن في هذه العادة لناسب أن يذكرها الله  في أثناء مدائحها.

وقيل: ثمانية أشهر ولم يعش مولود لثمانية إلا عيسى.

قال أهل التنجيم: إنما لا يعيش لأنه يعود إلى تربية القمر وهو مغير معفن بسرعة حركته وغلبة التبريد والترطيب عليه.

وعن عطاء وأبي العالية والضحاك: سبعة أشهر.

وقيل: ستة أشهر.

وقيل: حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها.

وعن ابن عباس في رواية أخرى: كما حملته نبذته لقوله  : ﴿ إن مثل عيسى عند الله ﴾ إلى قوله: ﴿ كن فيكون  ﴾ ولفاآت التعقيب في قوله: ﴿ فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً فأجاءها المخاض ﴾ وعلى هذا فالمكان القصي هو أقصى الدار أو وراء الجبل بعيداً من أهلها.

ومعنى انتبذت به اعتزلت متلبسة به وهو في بطنها.

وقصى مبالغة قاص.

وروى الثعلبي عن وهب قال: إن مريم لما حملت فأول من عرف هو يوسف النجار ابن عمها و كانت سميت له، وكانا يخدمان المسجد ولا يعلم من أهل زمانهما أكثر عبادة وصلاحاً منهما.

فقال لها: إنه وقع في نفسي من أمرك شيء ولا أحب أن أكتمه عنك.

فقالت: قل قولاً جميلاً.

فقال: أخبريني يا مريم هل نبت زرع بغير بذر؟

قالت: نعم.

ألم تعلم أن الله  أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر!

أو تقول: إن الله لا يقدر على الإنبات حتى يستعين بالماء، ألم تعلم أن الله  خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى!

فقال يوسف: لا أقول هذا ولكني أقول: إن الله قادر على ما يشاء، وزالت التهمة عن قلبه وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لضيق قلبها واستيلاء الضعف عليها من الحمل.

فحين دنا نفاسها أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، فلما بلغت تلك الدار أدركها النفاس فألجأها إلى أصل نخلة.

قال جار الله: منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء.

لا يقال: جئت المكان وأجاءنيه زيد كما يقال بلغته وأبلغنيه، ونظيره "آتى" حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم يقل "أتيت المكان وآتانيه فلان".

قلت: حاصله تخصيص باء التعدية بعد تعميم و ﴿ المخاض ﴾ بفتح الميم وجع الولادة.

قال الجوهري: مخضت الناقة بالكسر مخاضاً مثل سمع سماعاً.

قيل: طلبت الجذع لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة.

يروى أنه كان جذعاً لنخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمرة خضرة، وكان الوقت شتاء والتعريف إما كتعريف النجم والصعق لكون ذلك الجذع مشهوراً هناك، وإما للجنس أي جذع هذه الشجرة خاصة أرشدت إليها لتطعم منها الرطب الذي هو خرسة النفساء أي طعامها الموافق لها، ولأن النخلة أقل الأشياء صبراً على البرد ولا تثمر إلا باللقاح فكان ظهور ذلك الرطب من ذلك الجذع في الشتاء من دون لقاح وإبار دليلاً على حصول الولد من غير ذكر قال في الكشاف: النسي اسم ما من حقه أن يطرح وينسى كخرقة الطامث ونحوها، ونظير الذبح لما من شأنه أن يذبح.

وعن يونس: أن العرب إذا ارتحلوا قالوا: انظروا أنساءكم يعنون العصا والقدح والشظاظ ونحوها.

تمنت لو كانت شيئاً يعبأ به فحقه أن ينسى في العادة.

ومعنى ﴿ منسياً ﴾ أنه قد نسي وطرح فوجد فيه النسيان الذي هو حقه.

وإنما تمنت ذلك لما لحقها من فرط الحياء والخجل، أو لأنهم بهتوا وهي عارفة ببراءة ساحتها فشق ذلك عليها، أو لخوفها على الناس أن يعصوا الله بسببها.

ومن قرأ ﴿ نسياً ﴾ بالفتح فقد قال الفراء: هما لغتان كالوتر والوتر.

ويجوز أن يكون تسمية بالمصدر كالحمل.

وقرىء ﴿ نسأ ﴾ بالهمز وهو الحليب المخلوط بالماء ينسؤه أهله لقلته ونزارته ﴿ فناداها من تحتها ﴾ الذي هو تحتها أو إنسان تحتها يعني جبريل بناء على أنه كان يقبل الولد كالقابلة، أو أراد أسفل من مكانها لأن مريم كانت أقرب إلى الشجرة منه، أو كان جبريل تحت الأكمة وهي فوقها فصاح بها لا تحزني.

وعن الحسن وسعيد بن جبير أن المراد به عيسى لأن ذكر عيسى أقرب، ولأن موضع اللوث لا يليق بالملك، ولأن الصلة يجب أن تكون معلومة للسامع والذي علم كونه حاصلاً تحتها هو الولد ويجري القولان فيمن قرأ بكسر الميم.

وعن عكرمة وقتادة أن الضمير في تحتها للنخلة.

قوله: ﴿ سرياً ﴾ جمهور المفسرين على أن السريّ هو الجدول.

وروي ذلك عن النبي  سمي بذلك لأن الماء يسري فيه.

وقيل: هو من السر ومعناه سخاء في مروءة: ويقال: فلان من سروات قومه أي من أشرافهم.

وجمع السري سراة وجمع سراة سروات.

عن الحسن: كان والله عبداً سرياً حجة هذا القائل أن النهر لا يكون تحتها بل إلى جنبها ولا يمكن أن يقال: المراد أن النهر تحت أمرها يجري بأمرها ويقف بأمرها كما في قوله: ﴿ وهذه الأنهار تجري من تحتي  ﴾ لأنه خلاف الظاهر.

وأجيب بأن المكان المستوي إذا كان فيه مبدأ معين فكل من كان أقرب منه كان فوق.

وكل من كان أبعد منه كان تحت.

وأراد أن النهر تحت الأكمة وهي فوقها.

وأيضاً حمل السري على النهر موافق قوله: ﴿ وءاوينٰهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ﴾ \[المؤمنون: 50\] وقوله: ﴿ فكلي واشربي ﴾ يروى أن جبريل ضرب برجله فظهر ماء عذب.

وقيل: كان هناك ماء جار، والأول أقرب لأن قوله ﴿ قد جعل ربك ﴾ مشعر بالأحداث في ذلك الوقت.

قال القفال: الجذع من النخلة هو الأسفل وما دون الرأس الذي عليه الثمرة.

وقال قطرب: كل خشبة في أصل شجرة هي جذع، والباء في قوله: ﴿ بجذع النخلة ﴾ كالزائد لأن العرب تقول هزة وهز به والمعنى حركي جذع النخلة أو افعلي الهز به.

و ﴿ رطباً ﴾ تمييز ومفعول تساقط على حسب القراآت اللازمة والمتعدية.

وعن الأخفش المراد جواز انتصابه بــ ﴿ هزي ﴾ أي هزي إليك رطباً جنياً بجذع النخلة أي على جذعها.

والجني المأخوذ طرياً.

والظاهر أنه ما أثمر إلا الرطب وقد صار نخلاً.

وقيل: إنه كان على حاله وإنه أثمر مع الرطب غيره.

قالوا: إذا عسر ولادة المرأة لم يكن لها خير من الرطب، والتمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وكذا التحنيك.

والمراد أنه جمع لها فائدتان في السري والرطب: إحداهما الأكل والشرب وقدم الأكل مع أن ذكر السري مقدم لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال من الدماء، والثانية سلوة الصدر لكونهما معجزين لزكريا أو إرهاصاً لعيسى أو كرامتين لمريم وأشار إلى هذه بقوله: ﴿ وقري عيناً ﴾ لأن قرّة العين تلزم قوة القلب والتسلي من الهموم والأحزان.

وقيل: إن ألم النفس أشد من ألم البدن، فلم قدم دفع ألم البدن على دفع ألم القلب؟

وأجيب بأن الخوف النفسي كان قليلاً لتقدم بشارة جبريل فكان التذكر كافياً ﴿ فإما ترين ﴾ أصله ترأيين مثل تسمعين خففت الهمزة وسقطت نون الإعراب للجزم ثم ياء الضمير للساكنين وذلك بعد لحوق نون التأكيد وقد مر في قوله: ﴿ إمَّا يبلغن عندك الكبر  ﴾ إذاً لتأكيد هذه الصورة يقصد به أن الشرط مما سيقع غالباً فإن مريم لا بد أن ترى أحداً من البشر عادة.

عن أنس بن مالك: الصوم هنا الصمت.

وعن ابن عباس مثله.

وقال أبو عبيدة: كان ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم.

وقيل:أراد الصيام إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم.

قال القفال: لعل مثل هذا النذر يجوز في شرعنا لأن الاحتراز عن كلام البشر يجرد الفكر لذكر الله  وهو قربة، ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق والتشديد ولا حرج في الإسلام.

وفي الكشاف: نهى رسول الله  عن صوم الصمت.

وروي أنه دخل أبو بكر الصديق على امرأة وقد نذرت أنها لا تتكلم فقال أبو بكر: إن الإسلام هدم هذا فتكلمي.

وفي أمرها بهذا النذر معنيان: أحدهما أن كلام عيسى أقوى في إزالة التهمة وفيه أن تفويض الأمر إلى الأفضل أولى، والثاني أن السكوت عن جدال السفهاء أصون للعرض ومن أذل الناس سفيه لم يجد مشافهاً.

وكيف أخبرتهم بالنذر؟

قيل: بالإشارة وإلا لزم النقض.

وقيل: خص هذا الكلام بالقرينة العقلية.

وقوله: ﴿ إنسياً ﴾ أراد المبالغة في نفي الكلام أو أراد أني أكلم الملائكة دون الإنس وهذا أشبه بقوله: ﴿ فإما ترين من البشر ﴾ .

﴿ فأتت به ﴾ أي بعيسى ﴿ قومها تحمله ﴾ الجملة حال.

عن وهب: قال أنساها كربة الميلاد وما سمعت من الناس ما كان من بشارة الملائكة، فلما كلمها جاءها مصداق ذلك فاحتملته فأقبلت به إلى قومها.

وعن ابن عباس: أن يوسف النجار انتهى بمريم إلى غار فلبثوا فيه أربعين يوماً حتى طهرت من نفاسها، ثم جاءت تحمله فكلمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه.

فلما دخلت به على قومها تباركوا وقالوا: ﴿ لقد جئت شيئاً فرياً ﴾ بديعاً من فرى الجلد، وليس في هذا ما يوجب تعييراً أو ذماً لأن أمرها كان خارجاً عن المعتاد، ويحتمل أن يراد إنه أمر منكر خارج عن طريق العفة والصلاح فيكون توبيخاً ويؤكده قولهم: ﴿ يأخت هرون ﴾ الآية.

واختلفوا في هارون فقيل: كان أخاها من أبيها من أمثل بين إسرائيل وهذا أظهر لأن حمل اللفظ على الحقيقة أولى من غيره.

وقيل: يروى عن النبي  أنهم عنوا هارون النبي أخا موسى عليهما السلام وكانت من أعقاب من كان معه في طبقة الأخوة وبينهما ألف سنة وأكثر.

وعن السدي: كانت من أولاده والمراد أنها واحدة منهم كما يقال يا أخا همدان أي يا واحداً منهم.

وقيل: أرادوا رجلاً صالحاً في زمانها أي كنت عندنا مثله في الصلاح.

ويحكى أنه تبع جنازته أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون تبركاً به وباسمه.

وقيل: كان رجلاً طالحاً معلناً بالفسق فسموها به وبالتشبيه بسيرته.

ويروى أنهم هموا برجمها ﴿ فأشارت إليه ﴾ أي أن عيسى هو الذي يحكم.

وبم عرفت ذلك؟

إما بأن كلمها في الطريق أو بالإلهام أو بالوحي إلى زكريا أو بقول جبريل على أن أمرها بالسكوت بعد ما سبق من البشارة قيل: كان المستنطق لعيسى زكريا.

وعن السدي.

لما أشارت إليه غضبوا وقالوا لسخريتها بنا أشد علينا من زناهم ثم ﴿ قالوا كيف نكلم من كان في المهد ﴾ قال جار الله: "كان" لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماضٍ مبهم يصلح للقريب والبعيد، وههنا للزمان القريب عن الحال بدلالة الحال، أو هو حكاية حال ماضية أي كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس ﴿ صبياً ﴾ في المهد حتى تكلم هذا، ويحتمل أن يقال: "كان" زائدة نظراً إلى أصل المعنى وإن كان يفيد زيادة ارتباط مع رعاية الفاصلة، أو هي تامة ﴿ صبياً ﴾ حال مؤكدة.

ويرى أنه كان يرضع فلما سمع مقالتهم ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه وتكلم مع جاره وأشار بسبابته قائلا: ﴿ إني عبد الله ﴾ فكان فيه أوّلاً رد قول النصارى: ﴿ آتاني الكتاب ﴾ هو الإنجيل والتوراة أي فهمها.

وقيل: أكمل الله عقله واستنبأه طفلاً بل في بطن أمه.

وقيل: أراد أنه سبق في قضائه، أو جعل الآتي لا محالة كأنه قد وجد والأول أظهر وصغر الجسم لا مدح في كمال العقل وخرق العادة فيه أكذا قالوا إن كمال عقله في ذلك الوقت خارق للعادة.

فيكون المعجز متقدماً على التحدي وهو غير جائز ولو كان نبياً في ذلك الوقت وجب أن يشتغل ببيان الشرائع والأحكام ولو وقع ذلك لاشتهر ونقل.

والجواب أن بعض معجزات النبي لا بد أن يكون مقروناً بالتحدي، أما الكل فممنوع، وبعبارة أخرى لا بد أن يكون مقروناً بفعل خارق عن العادة، ولكن كل فعل خارق للعادة فإنه لا يلزم اقترانه بالتحدي، وكذا الكلام في بيان الشرائع فإن بعض أوقات النبي لا بد أن يقترن به التحدي دون كل أوقاته وحالاته، على أنه أشار إلى بعض التكاليف بقوله: ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ﴾ كما يجيء.

وعن بعضهم أنه كان نبياً لقوله: ﴿ وجعلني نبياً ﴾ ولكنه ما كان رسولاً لأنه ما جاء بالشريعة في ذلك الوقت ومعنى كونه نبياً أنه رفيع القدر عليّ الدرجة، وضعف بأن النبي في عرف الشرع أخص من ذلك.

ومعنى قوله: ﴿ مباركاً أينما كنت ﴾ نفاعاً حيثما كنت روي ذلك عن رسول الله  .

وقيل معلماً للخير، وضلال كثير من أهل الكتاب باختلافهم فيه لا يقدح في منصبه كما قيل: عليّ نحت القوافي من معادنها *** وما عليّ إذا لم تفهم البقر وهذه سنة الله في أنبيائه ورسله كلهم ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً  ﴾ يروى أن مريم سلمت عيسى إلى المكتب فقالت للمعلم.

أدفعه إليك على أن لا تضربه فقال له: اكتب.

فقال له: أي شيء أكتب؟

فقال: اكتب "أبجد" فقال: لا أكتب شيئاً لا أدري.

ثم قال: إن لم تعلم ما هو فأنا أعلمك.

الألف من آلاء الله، والباء من بهاء الله والجيم من جمال الله، والدال من أداء الحق إلى الله.

وقيل: البركة أصلها من بروك البعير والمعنى جعلني ثابتاً في دين الله مستقراً فيه.

وقيل: البركة هي الزيادة والعلو فكأنه قال: جعلني في جميع الأشياء غالباً منجحاً إلى أن يكرمني الله بالرفع إلى السماء عن قتادة أنه رأته امرأة وهو يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص فقالت: طوبى لبطن حملتك وثدي أرضعت به.

فقال عيسى  مجيباً لها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتبع ما فيه ولم يك جباراً شقياً.

﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ﴾ أي بأدائهما إما في وقتهما المعين وهو وقت البلوغ، وإما في الحال بناء على أنه كان مع صغره كامل العقل تام التركيب بحيث يقوى على أداء التكاليف ويؤيده قوله ﴿ ما دمت حياً ﴾ وقيل: الزكاة ههنا صدقة الفطر.

وقيل: تطهير البدن من دنس الآثام.

وقيل: أوصاني بأن آمركم بهما.

وفي قوله: ﴿ وبراً بوالدتي ﴾ دلالة وإشارة إلى تبرئة أمه من الزنا وإلا لم يكن الرسول المعصوم مأموراً بالبر بها.

قال بعض العلماء: لا تجد العاق إلا جباراً شقياً وتلا قوله: ﴿ وبراً بوالدتي ﴾ ﴿ ولم يجعلني جباراً شقياً ﴾ ولا تجد سيىء الملكة إلا مختالاً فخوراً.

وقرأ ﴿ وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً  ﴾ وإنما نفى عن عيسى الشقاوة ولم ينف عنه المعصية كما نفى عن يحيى لما جاء في الخبر "ما أحد من بني آدم إلا أذنب أو هم بذنب إلا يحيى بن زكريا" ومن عقائد أهل السنة أن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر.

قوله: ﴿ والسلام عليّ ﴾ قالت العلماء: إنما عرف السلام ههنا بعد تنكيره في قصة يحيى لأن النكرة إذا تكررت تعرفت على أن تعريف الجنس قريب من تنكيره.

وقيل: إن الأول من الله والقليل عنه كثير.

قليل منك يكفيني *** قليلك لا يقال له قليل وإني لأرضى منك يا هند بالذي *** لو أبصره الواشي لقرت بلابله بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى *** وبالوعد حتى يسأم الوعد آمله والثاني من عيسى والكثير منه لا يبلغ معشار سلام الله.

عن بعضهم أن عيسى  قال ليحيى: أنت خير مني سلم الله عليك وسلمت على نفسي.

وأجاب الحسن بأن تسليمه على نفسه هو تسليم الله عليه.

وقال جار الله: في هذا التعريف تعريض باللعنة على متهمي مريم وأعدائها من اليهود لأنه إذا زعم أن جنس السلام خاصته فقد عرض بأن ضده عليهم نظيره في قصة موسى ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ يعني أن العذاب على من كذب وتولى.

يروى أنه كلمهم بهذه الكلمات ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان.

وعن اليهود والنصارى أنهم أنكروا تكلم عيسى في المهد قائلين إن هذه الواقعة مما يتوفر الدواعي على نقلها، فلو وجدت لاشتهرت وتواترت مع شدة غلو النصارى فيه وفي مناقبه.

وأيضاً إن اليهود مع شدة عداوتهم له لو سمعوا كلامه في المهد بالغوا في قتله ودفعه في طفوليته.

وأجاب المسلمون من حيث العقل بأنه لولا كلامه الذي دلهم على براءتها من الذي قذفوها به لأقاموا عليها الحد ولم يتركوها، ولعل حاضري يشتغلوا وقتئذ بدفعه والله أعلم.

﴿ ذلك ﴾ الموصوف بالصفات المذكورة من قوله: ﴿ إني عبد الله ﴾ إلى آخره هو ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ وفي كونه ابن لهذه المرأة نفى كونه ابناً على ما زعمت الضالة وأكد هذا المعنى بقوله: ﴿ قول الحق ﴾ فإن كان الحق هو اسم الله فهو كقوله: "كلمة الله" وانتصابه على المدح، وإن كان بمعنى الثابت والصدق فانتصابه على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة كقولك "هو عبد الله الحق" و ﴿ قول الحق ﴾ من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل ﴿ حق اليقين  ﴾ قد مر آنفاً.

وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف.

ومعنى ﴿ تمترون ﴾ تشكون من المرية الشك، أو المراد يتمارون من المراء اللجاج وذلك أن اليهود قالوا: ساحر كذاب، وقالت النصارى ابن الله وثالث ثلاثة.

ثم صرح ببطلان معتقدم فقال: ﴿ ما كان الله ﴾ ما صح له وما استقام ﴿ أن يتخذ من ولد ﴾ كما لا يستقيم أن يكون له شريك، وقد مر مثل هذه الآية في سورة البقرة.

والذي نزيده ههنا أن بعضهم قال: معنى الآية ما كان لله أن يقول لأحد إنه ولدي لأن هذا الخبر كذب والكذب لا يليق بحكمته  .

وزعم الجبائي بناء على هذا التفسير أنه ليس لله أن يفعل كل شيء لأن قوله: ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد ﴾ كقولنا "ما كان لله أن يظلم" فلا يليق شيء منها بحكمته وكمال إلهيته.

وأجيب بأن الكذب على الله محال، والظلم تصرف في ملك الغير فلا يتصوّر في حقه.

فإن أردتم هذا المعنى فلا نزاع، وإن أردتم شيئاً آخر فما الدليل على استحالته؟!

احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم كلام الله لأن قوله: ﴿ كن ﴾ إن كان قديماً فهو المطلوب، وإن كان محدثاً احتاج في حدوثه إلى قوله آخر وتسلسل.

واستدلت المعتزلة بها على حدوث كلامه قالوا: إن قوله: ﴿ إذا قضى ﴾ للاستقبال وذلك القول متأخر عن القضاء المحدث، والمتأخر عن المحدث محدث.

وأيضاً الفاء في ﴿ فيكون ﴾ للتعقيب والقول متقدم عليه بلا فصل، والمتقدم على المحدث بزمان قليل محدث، وكلا الاستدلالين ضعيف لأنه لا نزاع في حدوث الحروف وإنما النزاع في كلام النفس.

وأيضاً قوله: ﴿ كن ﴾ عبارة عن نفاذ قدرته ومشيئته وإلا فليس ثم قول لأن الخطاب مع المعدوم عبث ومع الموجود تحصيل الحاصل.

ومن الناس من زعم أن المراد من قوله: ﴿ كن ﴾ هو صفة التكوين فإنها زائدة على صفة القدرة لأنه قادر على عوالم أخر سوى هذا وغير مكون لها، ولعل هذا الزاعم سمى تعلق القدرة بالمقدور تكويناً.

ومن قرأ ﴿ وأن الله ﴾ بالفتح فمعناه ولأن الله ﴿ ربي وربكم فاعبدون ﴾ وفيه أن الربوبية هي سبب العبادة فمن لم تصح ربوبيته لم يستحق أن يعبد، ولا رب بالحقيقة إلا الله لانتهاء جميع الوسائط والأسباب إليه، فلا يستحق العبادة إلا هو.

وههنا نكتة هي أن الله  لا يصح أن يقول: ﴿ إن الله ربي وربكم فاعبدوه ﴾ فالتقدير قل: يا محمد بعد إظهار البراهين الباهرة على أن عيسى عبد الله ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ قال أبو مسلم الأصفهاني: إنه من تتمة كلام عيسى وما بينهما اعتراض.

وعن وهب بن منبه: عهد إليهم حين أخبرهم عن حاله وصفته أن كلنا عبيد الله  ﴿ فاختلف الأحزاب من بينهم ﴾ أي من بين أهل الكتاب.

قال الكلبي: هم اليهود والنصارى.

وقيل: النصارى اختلفوا ثم اتفقوا على أن يرجعوا إلى علماء زمانهم وهم يعقوب ونسطور وملكا فقيل للأول: ما تقول في عيسى؟

فقال: هو الله هبط إلى الأرض فخلق وأحيا ثم صعد إلى السماء فتبعه على ذلك خلق كثير وهم اليعقوبية.

وسئل الثاني فقال: هو ابن الله فتابعه جم غفير وهم النسطورية، وسئل الثالث فقال: كذبوا وإنما كان عبداً مخلوقاً نبياً يطعم وينام فصارا خصمه وهو المؤمن المسلم.

وقيل: كانوا أربعة والرابع اسمه إسرائيل فقال: هو إله وأمه إله والثلاثة أقانيم والروح واحد.

واعلم أن بحث الحلول والاتحاد فيه طول وقد ينجر الكلام فيه إلى مقامات يصعب الترقي إليها، فلذلك ضل فيه من ضل وزل عنه من زل والله  أعلى من جميع ذلك وأجل ﴿ فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ﴾ أي من شهودهم هذا الجزاء والحساب في ذلك اليوم، أو من زمان شهودهم، أو من مكان شهودهم فيه وهو الموقف.

ويحتمل أن يكون المشهد ومن الشهادة أي من يشهد عليهم الملائكة والأنبياء أو جوارحهم فيه بالكفر والقبائح، أو من مكان الشهادة أو وقتها.

وقيل: هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه يوم ولادته.

ومعنى"من" التعليل أي الويل لهم من أجل المشهد وبسببه قال أهل البرهان: إنما قال ههنا ﴿ فويل للذين كفروا ﴾ وفي حم الزخرف ﴿ فويل للذين ظلموا  ﴾ لأن الكفر أبلغ من الظلم، وقصة عيسى في هذه السورة مشروحة وفيها ذكر نسبتهم إياه إلى الله حتى قال: ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد ﴾ فذكر بلفظ الكفر، وقصتهم في الزخرف مهملة فوصفهم بلفظ دونه وهوالظلم.

قلت: ويحتمل أن يقال: الظلم إذا أريد به الشرك كان أخص من الكفر فعمم أولاً ثم خصص لأن البيان بالمقام الثاني أليق ﴿ أسمع بهم وأبصر ﴾ صيغتان للتعجب والمراد أن هاتين الحاستين منهم جديران بتعجب منهما في ذلك اليوم بعد ما كانوا صماً وعمياً في الدنيا، وذلك لكشف الغطاء ولحاق العيان بالخبر.

والتعجب استعظام الشيء بسبب عظمه، ثم جوز استعمال لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير سبب.

قال سفيان: قرأت عند شريح ﴿ بل عجبت ويسخرون  ﴾ فقال: إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم.

فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: إن شريحاً شاعر يعجبه علمه وعبد الله أعلم بذلك منه.

والمعنى أنه صدر من الله فعل لو صدر مثله عن الخلق لدل على حصول التعجب في قلوبهم.

وقيل: معنى الآية التهدد بما سيسمعون وسيبصرون مما يسوءهم.

وقيل: أراد أسمع بهؤلاء وأبصر أي عرفهم مآل القوم الذين يأتوننا ليعتبروا وينزجروا عن الإتيان بمثل فعلهم.

وقال الجبائي أن يراد أسمع الناس بهؤلاء وأبصرهم ليعتبروا بسوء عاقبتهم والوجه هو الأول يؤيده قوله: ﴿ لكن الظالمون ﴾ أي لكنهم فوضع المظهر موضع المضمر.

﴿ اليوم ﴾ وهو يوم التكليف ﴿ في ضلال مبين ﴾ حيث أغفلوا النظر والاستماع وتركوا الجد والاجتهاد في تحصيل الزاد للمعاد وهو ﴿ يوم الحسرة ﴾ لتحسر أهل النار فيه.

وقيل: أهل الجنة أيضاً إذا رأى الأدنى مقام الأعلى، والأول أصح لأن هذه الخواطر لا توجد في الجنة لأنها دار السرور.

و ﴿ إذ ﴾ بدل من يوم الحسرة أو منصوص بالحسرة.

ومعنى ﴿ قضي الأمر ﴾ فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار.

وعن النبي  أنه سئل عنه فقال: "يؤتى بالموت فيذبح كما يذبح الكبش والفريقان ينظران فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرح وأهل النار غماً إلى غم" قال أرباب المعقول: إن الموت عرض فلا يمكن أن يصير حيواناً فالمراد أنه لا موت بعد ذلك.

عن الحسن ﴿ وهم في غفلة ﴾ متعلق بقوله: ﴿ في ضلال مبين ﴾ وقوله: ﴿ وأنذرهم ﴾ اعتراض.

ويحتمل أن يتعلق بـ ﴿ أنذرهم ﴾ أي أنذرهم على هذه الحال غافلين غير مؤمنين.

ويحتمل أن يكون "إذ" ظرفاً لـ ﴿ أنذر ﴾ أي أنذرهم حين قضي الأمر ببيان الدلائل وشرح أمر الثواب والعقاب.

ثم أخبر عنهم أنهم في غفلة ﴿ وهم لا يؤمنون ﴾ ثم قرر بقوله: ﴿ إنا نحن نرث ﴾ أن أمور الدنيا كلها تزول وأن الخلق كلهم يرجعون إلى حيث لا يملك الحكم إلا الله وفيه من التخويف والإنذار ما فيه.

التأويل: ﴿ واذكر في الكتاب ﴾ الأزلي ﴿ مريم ﴾ القلب ﴿ إذا انتبذت من أهلها ﴾ تفردت من أهل الدنيا متوجهاً إلى جانب شروق النور الإلهي ﴿ فاتخذت من دونهم ﴾ حجاب الخلوة والعزلة ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ وهو نور الإلهام الرباني والخاطر الرحماني كقوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ ﴿ فتمثل لها بشراً سوياً ﴾ كما تمثل روح التوحيد بحروف "لا إله إلا الله" لانتفاع الخلق به.

و ﴿ قالت إني أعوذ بالرحمن منك ﴾ ظناً منها أنه يشغلها عن الله.

﴿ قال إنما أنا رسول ﴾ الوارد الرباني ﴿ لأهب لكغلاماً زكياً ﴾ طاهراً عن لوث الظلمة الأنسية وهو النفس المطمئنة القدسية.

﴿ ولم يمسسني بشر ﴾ خاطر من عالم البشرية ﴿ ولم أك بغياً ﴾ أطلب غير ما خلقت لأجله وهو التوجه إلى عالم الروح المجرد ﴿ فحملته ﴾ بالقوة القريبة من الفعل ﴿ فانتبذت به مكاناً قصياً ﴾ لافتقاره إلى العبور على منازل الشريعة والطريقة ﴿ فأجاءها ﴾ مخاض الطلب والتعب ﴿ إلى جذع النخلة ﴾ وهي كلمة "لا إله إلا الله" التي كان أصلها ثابتاً في أرض نفسها ﴿ قالت يا ليتني مت قبل هذا ﴾ قال بعض أهل التحقيق: هذه كلمة يذكرها الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم.

قال عليّ  يوم الجمل: يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.

وعن بلال: ليت بلالاً لم تلده أمه.

وقيل: إن مريم قالت ذلك لعلمها بأن الله  يدخل النار خلقاً كثيراً بسبب تهمتها وبسبب الغلو والتقصير في حق ابنها قلت: إن مريم القلب قالت يا ليتني مت عن اللذات الجسمية قبل هذا الوقت الذي فزت باللذات الحقيقية وكنت نسياً منسياً، لإإن الخمول راحة والشهرة آفة ﴿ فناداها ﴾ بلسان الحال من تحت تصرفها من آلات القوى ﴿ أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك ﴾ أي تحت تصرفك ﴿ سرياً ﴾ هو الغلام الموعود أو جدول الكشوف والعلوم الدينية ﴿ وهزي إليك بجذع النخلة ﴾ بالمداومة على الذكر ﴿ تساقط عليك رطباً جنياً ﴾ من المشاهدات والمكاشفات حالاً فحالاً ﴿ فكلي واشربي ﴾ من خوان الأفضال وبحر النوال من مادته "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ وقري عينا ﴾ بأنوار الجمال في حجرة الوصال ﴿ فأما ترين ﴾ من السوانح البشرية ﴿ أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوماً ﴾ كما قيل الدنيا يوم ولنا فيه صوم أي الالتفات لغير الله.

﴿ فأتت به قومها ﴾ من عادة الجهال إنكار أحوال أهل الكمال.

﴿ يا أخت هرون ﴾ النفس المطمئنة أو الأمارة بناء على أن هارون كان صالحاً أو طالحاً ﴿ وكان أبوك ﴾ وهو الروح المفارق ﴿ إمرأ سوء وما كانت أمك ﴾ وهي القالب ﴿ بغياً ﴾ تستأنس إلى غير عالم الطبيعة التي خلقت لأجلها ﴿ فأشارت إليه ﴾ فيه أن هذا القوم هم أهل الإشارات ﴿ في المهد ﴾ مهد السر وذلك المتولد من نفخ الروح في مريم القالب ليس ابناً لله ولا محلاً له ولا نفسه.

﴿ فاختلف الأحزاب ﴾ فقوم عبدوا الله لأجله، وقوم عبدوه طمعاً في جنته، وقوم عبدوا الهوى وذلك قوله: ﴿ فويل للذين كفروا ﴾ ﴿ أسمع بهم ﴾ أي بأهل الله ﴿ وأبصر يوم يأتوننا ﴾ فإنهم بالله يسمعون وبه يبصرون.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ ﴾ .

قال الحسن: هو صلة قوله: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ  ﴾ أي: اذكر رحمة ربك مريم.

وقال بعضهم: واذكر نبأ مريم وقصتها في الكتاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً ﴾ ، أي: نحو المشرق.

ثم يحتمل قوله: ﴿ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا ﴾ إذا بلغت مبلغ النساء فارقت أهلها، وانتبذت منهم؛ لئلا يقع بصر غير ذي الرحم المحرم عليها، وألا يراها أحد، ولا يصلح النظر إليها.

وقال بعضهم: ﴿ مَكَاناً شَرْقِياً ﴾ أي: جلست في المشرقة؛ لأنه كان في الشتاء.

وقوله - عزّ وجل -: ﴿ فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً ﴾ : قال بعضهم: احتجبت من دونهم بالغيبة عنهم.

وقال بعضهم: أخذت من دونهم حجاباً، أي: ستراً.

وقال مقاتل: اتخذت من دونهم الجبل حجاباً وستراً، أي: جعلت الجبل بينها وبين أهلها، فلم يرها أحد منهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا ﴾ : قال أبيّ بن كعب: هو روح عيسى، أرسله الله إلى مريم في صورة بشر، ﴿ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً ﴾ .

وقال غيره من أهل التأويل: ﴿ فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا ﴾ : جبريل، وقد سمى الله جبريل: روحاً في غير آي من القرآن: ﴿ رُوحُ ٱلْقُدُسِ  ﴾ وغيره.

﴿ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً ﴾ أي: لم يكن به أثر غير البشر.

وقال بعضهم: ﴿ بَشَراً سَوِيّاً ﴾ لا عيب فيه ولا نقصان، بل كان سويّاً صحيحاً كاملاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ .

فإن قيل: كيف تعوذت بالرحمن إن كان تقيّاً، وإنما يتعوذ بالرحمن من الفاجر والفاسق؟

قال الحسن: قوله: ﴿ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ مفصول من قوله: ﴿ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ ﴾ ، فيكون على الابتداء، كأنها قالت: ﴿ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ لا ينالني منك سوء ولا يمسّني شر.

ويحتمل قوله: ﴿ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ أي: ما كنت تقيّاً، أي: حيث دخلت عليّ من غير استئذان منك ولا استئمار ما كنت تقيّاً، ويحتمل قوله: ﴿ إِن كُنتَ تَقِيّاً ﴾ أي: وقد كنت تقيّاً، فعلى هذا التأويل كأنه دخل عليها على صورة بشر عرفته بالتقى والصلاح، فكأنها قالت: قد كنت عرفتك بالتقى والصلاح فكيف دخلت عليَّ بلا إذن ولا أمر؟!

وقد يجوز أن يستعمل (إن) مكان (ما) ومكان (قد)، و [هو] في القرآن كثير، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً ﴾ هو على الإضمار، كأنه قال: ﴿ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ ﴾ بالقول بأن أهب لك غلاماً زكيّاً، أي: أرسلني إليك بهذا القول وهو قوله: ﴿ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً ﴾ .

وفي حرف ابن مسعود: (إنما أنا رسول ربك ليهب لك غلاماً زكيّاً).

وقوله - عز وجل -: ﴿ زَكِيّاً ﴾ أي: صالحاً، طاهراً عن جميع الشرور.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً ﴾ ، أي: قالت: لم يمسسني بشر، يعلم أنه لم يمسها بشر لا تقي ولا غيره، لكن كأنها قالت: لم يمسسني بشر نكاحا ولم أك بغيّاً، فمن أين يكون لي ولد؟

كأنها لم تعرف الولد إلا بسبب؛ لذلك قالت: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ ﴾ ، أي: أخلق بسبب وبلا سبب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ أي: خلق الشيء بسبب وبغير سبب هيّن عليّ.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ ﴾ للأنبياء الذين كانوا من قبل: إنه يخلق ولداً بلا أب ولا أمّ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ ﴾ ، أي: نجعل ولادته بلا أب على ما أخبر الأنبياء من قبل - آية للناس لرسالتهم؛ لأنهم أخبروا أنه يولد ولد بلا أب ولا أم، فكان ما أخبروا، فدلّ ذلك أنهم إنما عرفوا ذلك بالله؛ فيكون ذلك آية لصدقهم، ويكون قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً ﴾ أي: ذلك الخبر الذي أخبر الأنبياء من قبل، والوعد الذي وعد لهم أمراً مقضيّاً كائناً.

وقال أهل التأويل في قوله: ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ ﴾ ، أي: نجعل عيسى آية للناس حيث ولد بلا أب، وكلم الناس في المهد، وغير ذلك من الآيات التي كانت فيه.

وجائز أن يكون آية للناس للبعث؛ لأنه أنشأه بلا أب ولا سبب، وهم إنما أنكروا البعث لما لم يعاينوا الولد بغير أب أيضاً ثم كان، فعلى ذلك البعث؛ إذ لا فرق بينهما؛ لأن من قدر على إنشاء الولد بلا أب ولا أم قدر على الإحياء بعد الموت، بل هو أولى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَحْمَةً مِّنَّا ﴾ أي: رحمة منا للخلق؛ لأن من اهتدى واتبعه كان له به نجاة، وهو ما قال الله  لرسوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ وعلى ذلك جميع الأنبياء والرسل الذين بعثهم الله إلى خلقه كان ذلك رحمة منه إلى خلقه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً ﴾ أي: كان أمره كائناً، وعلى التأويل الذي ذكره أبو بكر الأصم في قوله: ﴿ قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ ﴾ يكون قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً ﴾ أي: كان وعداً وخبراً معلوماً على ما أخبر الأنبياء عن نبأ عيسى وأمّه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً ﴾ .

دلّ هذا على أن الولاد لم يكن على إثر الحمل، ولكن كان بين الولاد وبين الحمل وقت، لكن لا يعلم كم ذلك الوقت إلا بخبر عن الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: تباعدت به؛ حياء من أهلها.

وقال بعضهم: انفردت به مكاناً قصيّاً متباعداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ ﴾ : قال القتبي: ﴿ فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ ﴾ أي: جاء بها، من المجيء، وألجأها إليها، يقول: جاءت بي الحاجة إليك، وأجاءتني الحاجة.

والمخاض: هو الحمل.

ودل قوله: ﴿ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً ﴾ أن النخلة التي ألجأها المخاض إليها كانت يابسة، على ما قاله أهل التأويل؛ لأنه إنما انتبذت مكاناً قصيّاً وتباعدت حياء من أهلها، فلو كانت تلك النخلة رطبة ذات ثمار، لكان الناس يأوون إليها ويقيمون عندها، فلا يحتمل أن تأوي إليها مريم وعندها يأوي الناس، ثم التجاؤها إلى النخلة لتتساند إليها وتستعين بها على ما تقع الحاجة للنساء وقت الولادة إلى شيء يستعن به عما ينزل بهن من الشدة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً ﴾ .

يحتمل أن يكون ﴿ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً ﴾ ، أي: وكنت غير معروفة.

ويحتمل أن يكون - على ما ذكر - ﴿ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً ﴾ : لا أذكر بعد الموت بذلك، لأنه ذكر أنها كانت من أهل شرف وكرم، ومن أهل بيت النبوة، فتمنت أن تكون غير معروفة؛ لئلا تذكر بسوء بعدها ولا بقذف.

وقال أهل التأويل: ﴿ وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً ﴾ أي: حيضة ملقاة، وكذلك قال أبو عوسجة: النسي: الحيض.

قال أبو بكر الأصم: لا يحتمل هذا؛ لأنها قد عرفت قدرها عند الله، فلا يحتمل أن تتمنى ما ذكر، لكن الإنسان ربما يتمنى الأمر العظيم إذا اشتد به الأمر، نحو ما يتمنى الموت في بعض الوقت لعظم ما يحل به، فعلى ذلك غير منكر هذا من مريم أن تتمنى ما ذكر أهل التأويل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ ﴾ .

ومن تحتها اختلف فيه: قال بعضهم: ناداها ملك.

وقال بعضهم: ناداها ابنها عيسى.

قال أبو بكر الأصم: لا يحتمل أن يكون [الذي] ناداها ملكاً؛ لأنه قال: ﴿ مِن تَحْتِهَآ ﴾ ، ولو كان ملكاً لناداها من فوقها، لكن هذا ليس بشيء؛ لأن الملك إنما ينادي من حيث يؤمر، من تحت ومن فوق.

وقال بعض أهل التأويل: ناداها جبريل من تحت الوادي: ﴿ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ﴾ .

والأشبه أن يكون ابنها عيسى؛ لأنها كانت تحزن أن تشتم وتقذف به، فعيسى إذا تكلم وصار بذلك المحل تسر هي بذلك، لما تعلم أنه ينفي عنها بعض ما طعنت به وقذفت.

ويحتمل حزنها من وجه آخر: وهو أنها كانت حزنت خوفاً على نفسها وعلى ولدها؛ لأنها أقامت في مكان لا ماء فيه ولا طعام، فخافت على نفسها وولدها الهلاك، فحزنت لذلك فبشرت حيث قال لها: ﴿ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ﴾ : أمنها عن الخوف الذي كان.

ثم السري: قال بعضهم من أهل التأويل: هو الجدول، وهو النهر الصغير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ﴾ : فيه دلالة لزوم الكسب؛ لأنه أمر مريم أن تهز النخلة ليتساقط عليها الرطب، ولو شاء لسقط من غير فعل يكون منها؛ لتجتني هي، وذلك عليها أهون وأيسر؛ على ما كان رزقها عندما كانت مؤنتها على زكريا.

وفيه دلالة ألا يسع للمرء المسألة ما دام به أدنى قوة يقدر على قُوتِه.

وفيه دليل أن زكريا كان أفضل منها وأكبر منزلة عند الله حيث رزقها عندما كانت في عيال زكريا من غير تكلف كان من زكريا ولا مؤنة، فما فارت زكريا أمرها بالكسب.

وفيه دلالة: أن الآيات التي تكون للأنبياء يجوز أن يجريها على غير أيدي الأنبياء، حيث جعل لمريم نخلة يابسة رطبة تثمر رطباً، وحيث جعل من تحتها سريّاً، أي: نهراً جارياً، وحيث رزقها عندما كانت في عيال زكريا من غير تكلف أحد، فذلك يشبه آيات الأنبياء والرسل ويقاربها.

وهذه المحن التي امتحن بها مريم في الظاهر عظيمة عند الناس، وفي الباطن من أعظم كراماته إليها: أنه أخبر أنه -  - اصطفاها على نساء العالمين بقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ  ﴾ ، وسماها: صدّيقة بقوله: ﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ  ﴾ ، وذلك لا يسمّى إلا من بلغ من البشر في الصدق والصبر له غاية، والله أعلم.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ ﴾ أي: من تحت النخلة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً ﴾ .

أي: كلي الرطب الذي يتساقط عليك، واشربي من السرى الذي جعل تحتك.

و ﴿ وَقَرِّي عَيْناً ﴾ أي: وارضي مكان ما حزنت عليه وخفت على نفسك وعلى ولدك، أو طيبي نفساً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً ﴾ أي: صمتاً وسكوناً، وكذلك روي في بعض الحروف، وهو في حرف أُبي، وقال: ثم قوله: ﴿ فَقُولِيۤ ﴾ ليس على القول نفسه، ولكنه إشارة، أشارت إليهم: ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً ﴾ فإن كان على هذا، ففيه دلالة أن الإشارة إذا كانت بحالة مُفْهِمَةٍ المراد تعمل عمل القول نفسه والكلام؛ ولذلك وقع الطلاق بالإشارة والنكاح، وكل عقد من الأخرس وغيره إذا كانت الإشارة مفهومة معقولة.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَقُولِيۤ ﴾ هو على حقيقة القول، أي: أمرت أن تقول: ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً ﴾ ، فكأن نذرها الصوم للرحمن بعد هذا القول، وإلى هذا يذهب الحسن.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأمسكي بجذع النخلة وهزيه تساقط عليك رطبًا طريًّا جُنيَ من ساعته.

من فوائد الآيات الصبر على القيام بالتكاليف الشرعية مطلوب.

علو منزلة بر الوالدين ومكانتها عند الله، فالله قرنه بشكره.

مع كمال قدرة الله في آياته الباهرة التي أظهرها لمريم، إلا أنه جعلها تعمل بالأسباب ليصلها ثمرة النخلة.

<div class="verse-tafsir" id="91.GZ3lN"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل