الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٤٨ من سورة مريم
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 79 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٤٨ من سورة مريم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي ) أي : أجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله ، ( وأدعو ربي ) أي : وأعبد ربي وحده لا شريك له ، ( عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا ) و " عسى " هذه موجبة لا محالة ، فإنه عليه السلام ، سيد الأنبياء بعد محمد صلى الله عليه سلم .
وقوله ( وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) يقول: وأجتنبكم وما تدعون من دون الله من الأوثان والأصنام (وأدْعُو رَبّي) يقول: وأدعو ربي، بإخلاص العبادة له، وإفراده بالربوبية ( عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا ) يقول: عسى أن لا أشقى بدعاء ربي، ولكن يجيب دعائي، ويعطيني ما أسأله.
قوله تعالى : وأعتزلكم العزلة المفارقة وقد تقدم في ( الكهف ) بيانها .
قوله : عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا قيل : أراد بهذا الدعاء أن يهب الله تعالى له أهلا وولدا يتقوى بهم ، حتى لا يستوحش بالاعتزال عن قومه .
ولهذا قال :
فلما أيس من قومه وأبيه قال: { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ْ} أي: أنتم وأصنامكم { وَأَدْعُو رَبِّي ْ} وهذا شامل لدعاء العبادة، ودعاء المسألة { عَسَى أن لا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا ْ} أي: عسى الله أن يسعدني بإجابة دعائي، وقبول أعمالي، .وهذه وظيفة من أيس ممن دعاهم، فاتبعوا أهواءهم، فلم تنجع فيهم المواعظ، فأصروا في طغيانهم يعمهون، أن يشتغل بإصلاح نفسه، ويرجو القبول من ربه، ويعتزل الشر وأهله.
( وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ) أي : أعتزل ما تعبدون من دون الله .
قال مقاتل : كان اعتزاله إياهم أنه فارقهم من " كوثى " فهاجر منها إلى الأرض المقدسة ، ( وأدعو ربي ) أي : أعبد ربي ( عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا ) أي : عسى أن لا أشقى بدعائه وعبادته ، كما تشقون أنتم بعبادة الأصنام .
وقيل : عسى أن يجيبني إذا دعوته ولا يخيبني .
«وأعتزلكم وما تدعون» تعبدون «من دون الله وأدعو» أعبد «ربي عسى أ» ن «لا أكون بدعاء ربي» بعبادته «شقيا» كما شقيتم بعبادة الأصنام.
وأفارقكم وآلهتكم التي تعبدونها من دون الله، وأدعو ربي مخلصًا، عسى أن لا أشقى بدعاء ربي، فلا يعطيني ما أسأله.
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك أن إبراهيم - عليه السلام - عندما رأى تصميم أبيه وقومه على الكفر والضلال ، قرر اعتزالهم والابتعاد عنهم فقال - تعالى - : ( وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله وَأَدْعُو رَبِّي عسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً ) .أى : وقال إبراهيم - أيضاً - لأبيه : إنى بجانب استغفارى لك ، ودعوتى لك بالهداية ، فإنى سأعتزلك وأعتزل قومك ، وأعتزل عبادة أصنامكم التى تعبدونها من دون الله وأرتحل عنكم جميعاً إلى أرض الله الواسعة ، وأخص ربى وخالقى بالعبادة والطاعة والدعاء ، فقد عودنى - سبحانه - أن لا يخيب دعائى وتضرعى إليه .وفى تصدير كلامه بلفظ ( عسى ) دليل على تواضعه ، وعلى أدبه مع خالقه - تعالى- .
اعلم أن إبراهيم عليه السلام لما دعا أباه إلى التوحيد، وذكر الدلالة على فساد عبادة الأوثان، وأردف تلك الدلالة بالوعظ البليغ، وأورد كل ذلك مقروناً باللطف والرفق، قابله أبوه بجواب يضاد ذلك، فقابل حجته بالتقليد، فإنه لم يذكر في مقابلة حجته إلا قوله: ﴿ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ الِهَتِى ياإبراهيم ﴾ فأصر على ادعاء إلهيتها جهلاً وتقليداً وقابل وعظه بالسفاهة حيث هدده بالضرب والشتم، وقابل رفقه في قوله: ﴿ يا أبت ﴾ بالعنف حيث لم يقل له يا بني بل قال: ﴿ يا إِبْرَاهِيمَ ﴾ وإنما حكى الله تعالى ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم ليخفف على قلبه ما كان يصل إليه من أذى المشركين فيعلم أن الجهال منذ كانوا على هذه السيرة المذمومة، أما قوله: ﴿ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ الِهَتِى ياإبراهيم ﴾ فإن كان ذلك على وجه الاستفهام فهو خذلان لأنه قد عرف منه ما تكرر منه من وعظه وتنبيهه على الدلالة وهو يفيد أنه راغب عن ذلك أشد رغبة فما فائدة هذا القول.
وإن كان ذلك على سبيل التعجب فأي تعجب في الإعراض عن حجة لا فائدة فيها، وإنما التعجب كله من الإقدام على عبادتها فإن الدليل الذي ذكره إبراهيم عليه السلام كما أنه يبطل جواز عبادتها فهو يفيد التعجب من أن العاقل كيف يرضى بعبادتها فكأن أباه قابل ذلك التعجب الظاهر المبني على الدليل بتعجب فاسد غير مبني على دليل وشبهة، ولا شك أن هذا التعجب جدير بأن يتعجب منه، أما قوله: ﴿ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ واهجرنى مَلِيّاً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في الرجم هاهنا قولان: الأول: أنه الرجم باللسان، وهو الشتم والذم، ومنه قوله: ﴿ والذين يَرْمُونَ المحصنات ﴾ أي بالشتم، ومنه الرجيم، أي المرمي باللعن، قال مجاهد: الرجم في القرآن كله بمعنى الشتم.
والثاني: أنه الرجم باليد، وعلى هذا التقدير ذكروا وجوهاً: أحدها: لأرجمنك بإظهار أمرك للناس ليرجموك ويقتلوك.
وثانيها: لأرجمنك بالحجارة لتتباعد عني.
وثالثها: عن المؤرج لأقتلنك بلغة قريش.
ورابعها: قال أبو مسلم لأرجمنك المراد منه الرجم بالحجارة إلا أنه قد يقال ذلك في معنى الطرد والإبعاد اتساعاً، ويدل على أنه أراد الطرد قوله تعالى: ﴿ واهجرنى مَلِيّاً ﴾ واعلم أن أصل الرجم هو الرمي بالرجام فحمله عليه أولى، فإن قيل: أفما يدل قوله تعالى: ﴿ واهجرنى مَلِيّاً ﴾ على أن المراد به الرجم بالشتم؟
قلنا: لا، وذلك لأنه هدده بالرجم إن بقي على قربه منه وأمره أن يبعد هرباً من ذلك فهو في معنى قوله: ﴿ واهجرنى مَلِيّاً ﴾ .
المسألة الثانية: في قوله تعالى: ﴿ واهجرنى مَلِيّاً ﴾ قولان: أحدهما: المراد واهجرني بالقول.
والثاني: بالمفارقة في الدار والبلد وهي هجرة الرسول والمؤمنين أي تباعد عني لكي لا أراك وهذا الثاني أقرب إلى الظاهر.
المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ مَلِيّاً ﴾ قولان: الأول: ملياً أي مدة بعيدة مأخوذ من قولهم أتى على فلان ملاوة من الدهر أي زمان بعيد.
والثاني: ملياً بالذهاب عني والهجران قبل أن أثخنك بالضرب حتى لا تقدر أن تبرح يقال فلان ملي بكذا إذا كان مطيقاً له مضطلعاً به.
المسألة الرابعة: عطف اهجرني على معطوف عليه محذوف يدل عليه لأرجمنك، أي فاحذرني واهجرني لئلا أرجمنك، ثم إن إبراهيم عليه السلام لما سمع من أبيه ذلك أجاب عن أمرين.
أحدهما: أنه وعده التباعد منه، وذلك لأن أباه لما أمره بالتباعد أظهر الانقياد لذلك الأمر وقوله: ﴿ سلام عَلَيْكَ ﴾ توادع ومتاركة كقوله تعالى: ﴿ لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم سلام عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِى الجاهلين ﴾ ، ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً ﴾ وهذا دليل على جواز متاركة المنصوح إذا ظهر منه اللجاج، وعلى أنه تحسن مقابلة الإساءة بالإحسان، ويجوز أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له، ألا ترى أنه وعده بالاستغفار، ثم إنه لما ودع أباه بقوله: ﴿ سلام عَلَيْكَ ﴾ ضم إلى ذلك ما دل به على أنه وإن بعد عنه فاشفاقه باق عليه كما كان وهو قوله: ﴿ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي ﴾ واحتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء، وتقريره أن إبراهيم عليه السلام فعل ما لا يجوز لأنه استغفر لأبيه وهو كافر والاستغفار للكافر لا يجوز، فثبت بمجموع هذه المقدمات أن إبراهيم عليه السلام فعل ما لا يجوز، إنما قلنا إنه استغفر لأبيه لقوله تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿ سلام عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي ﴾ وقوله: ﴿ واغفر لأَبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضالين ﴾ وأما أن أباه كان كافراً فذاك بنص القرآن وبالإجماع، وأما أن الاستغفار للكافر لا يجوز فلوجهين: الأول: قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
الثاني: قوله في سورة الممتحنة: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبراهيم ﴾ إلى قوله: ﴿ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ وأمر الناس إلا في هذا الفعل فوجب أن يكون ذلك معصية منه، والجواب: لا نزاع إلا في قولكم الاستغفار للكافر لا يجوز فإن الكلام عليه من وجوه: أحدها: أن القطع على أن الله تعالى يعذب الكافر لا يعرف إلا بالسمع، فلعل إبراهيم عليه السلام لم يجد في شرعه ما يدل على القطع بعذاب الكافر فلا جرم استغفر لأبيه.
وثانيها: أن الاستغفار قد يكون بمعنى الاستماحة، كما في قوله: ﴿ قُل لّلَّذِينَ ءامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله ﴾ والمعنى سأسأل ربي أن لا يجزيك بكفرك ما كنت حياً بعذاب الدنيا المعجل.
وثالثها: أنه عليه السلام إنما استغفر لأبيه لأنه كان يرجو منه الإيمان فلما أيس من ذلك ترك الاستغفار ولعل في شرعه جواز الاستغفار للكافر الذي يرجي منه الإيمان، والدليل على وقوع هذا الاحتمال قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قربى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصحاب الجحيم ﴾ فبين أن المنع من الاستغفار إنما يحصل بعد أن يعرفوا أنهم من أصحاب الجحيم.
ثم قال بعد ذلك: ﴿ وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ﴾ فدلت الآية على أنه وعده بالاستغفار لو آمن، فلما لم يؤمن لم يستغفر له بل تبرأ منه، فإن قيل فإذا كان الأمر كذلك فلم منعنا من التأسي به في قوله: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبراهيم ﴾ إلى قوله: ﴿ إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ قلنا الآية تدل على أنه لا يجوز لنا التأسي به في ذلك لكن المنع من التأسي به في ذلك لا يدل على أن ذلك كان معصية.
فإن كثيراً من الأشياء هي من خواص رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز لنا التأسي به مع أنها كانت مباحة له عليه السلام.
ورابعها: لعل هذا الاستغفار كان من باب ترك الأولى وحسنات الأبرار سيئآت المقربين، أما قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً ﴾ أي لطيفاً رفيقاً يقال أحفى فلان في المسألة بفلان إذا لطف به وبالغ في الرفق، ومنه قوله تعالى: ﴿ وإِن يَسْئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ ﴾ أي وإن لطفت المسألة والمراد أنه سبحانه للطفه بي وإنعامه عليّ عودني الإجابة فإذا أنا استغفرت لك حصل المراد فكأنه جعله بذلك على يقين إن هو تاب أن يحصل له الغفران.
الجواب الثاني من الجوابين قوله: ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله ﴾ الاعتزال للشيء هو التباعد عنه والمراد أني أفارقكم في المكان وأفارقكم في طريقتكم أيضاً وأبعد عنكم وأتشاغل بعبادة ربي الذي ينفع ويضر والذي خلقني وأنعم علي فإنكم بعبادة الأصنام سالكون طريقة الهلاك، فواجب على مجانبتكم ومعنى قوله: ﴿ عسى أَلا أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا ﴾ أرجو أن لا أكون كذلك، وإنما ذكر ذلك على سبيل التواضع كقوله: ﴿ والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين ﴾ وأما قوله: ﴿ شَقِيّاً ﴾ مع ما فيه من التواضع لله ففيه تعريض بشقاوتهم في دعاء آلهتهم على ما قرره أولاً في قوله: ﴿ لَمْ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ سلام عَلَيْكَ ﴾ سلام توديع ومتاركة، كقوله تعالى: ﴿ لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم سلام عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِى الجاهلين ﴾ [القصص: 55] وقوله: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً ﴾ [الفرقان: 63] وهذا دليل على جواز متاركة المنصوح له والحال هذه.
ويجوز أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له.
ألا ترى أنه وعده الاستغفار.
فإن قلت: كيف جاز له أن يستغفر للكافر وأن يعده ذلك؟
قلت: قالوا أراد اشتراط التوبة عن الكفر، كما ترد الأوامر والنواهي الشرعية على الكفار والمراد اشتراط الإيمان، وكما يؤمر المحدث والفقير بالصلاة والزكاة ويراد اشتراط الوضوء والنصاب.
وقالوا: إنما استغفر له بقوله: ﴿ واغفر لأَِبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضالين ﴾ [الشعراء: 86] لأنه وعده أن يؤمن.
واستشهدوا عليه بقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأَِبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ﴾ [التوبة: 114] ولقائل أن يقول: إنّ الذي منع من الاستغفار للكافر إنما هو السمع، فأمّا القضية العقلية فلا تأباه، فيجوز أن يكون الوعد بالاستغفار والوفاء به قبل ورود السمع، بناء على قضية العقل، والذي يدل على صحته قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لأَِبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ [الممتحنة: 4] فلو كان شارطاً للإيمان لم يكن مستنكراً ومستثنى عما وجبت فيه الأسوة.
وأمّا (عن موعدة وعدها إياه) فالواعد هو إبراهيم لا آزر، أي: ما قال: (واغفر لأبي) إلا عن قوله: (لأستغفرنّ لك) وتشهد له قراءة حماد الراوية: وعدها أباه.
والله أعلم ﴿ حَفِيّاً ﴾ الحفيّ: البليغ في البر والإلطاف، حفي به وتحفى به ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ ﴾ أراد بالاعتزال المهاجرة إلى الشام.
وأدعو ربي المراد بالدعاء العبادة، لأنه منها ومن وسائطها.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «الدعاءُ هُوَ العبادةُ» ويدل عليه قولُه تعالى: ﴿ فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ ويجوز أن يراد الدعاء الذي حكاه الله في سورة الشعراء.
عرّض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم في قوله: ﴿ عسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا ﴾ مع التواضع لله بكلمة ﴿ عَسَى ﴾ وما فيه من هضم النفس.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ ﴾ تَوْدِيعٌ ومُتارَكَةٌ ومُقابَلَةٌ لِلسَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ، أيْ لا أُصِيبُكَ بِمَكْرُوهٍ ولا أقُولُ لَكَ بَعْدُ ما يُؤْذِيكَ ولَكِنْ: ﴿ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ﴾ لَعَلَّهُ يُوَفِّقُكَ لِلتَّوْبَةِ والإيمانِ، فَإنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِغْفارِ لِلْكافِرِ اسْتِدْعاءُ التَّوْفِيقِ لِما يُوجِبُ مَغْفِرَتَهُ وقَدْ مَرَّ تَقْرِيرُهُ في سُورَةِ التَّوْبَةِ ﴿ إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ﴾ بَلِيغًا في البِرِّ والإلْطافِ.
﴿ وَأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ بِالمُهاجَرَةِ بِدِينِي.
﴿ وَأدْعُو رَبِّي ﴾ وأعْبُدُهُ وحْدَهُ.
﴿ عَسى ألا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ﴾ خائِبًا ضائِعَ السَّعْيِ مِثْلَكم في دُعاءِ آلِهَتِهِمْ، وفي تَصْدِيرِ الكَلامِ بِـ ﴿ عَسى ﴾ التَّواضُعُ وهَضْمُ النَّفْسِ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الإجابَةَ والإثابَةَ تَفَضُّلٌ غَيْرُ واجِبَتَيْنِ، وأنَّ مَلاكَ الأمْرِ خاتِمَتُهُ وهو غَيْبٌ.
<div class="verse-tafsir"
{وَأَعْتَزِلُكُمْ} أراد بالاعتزال المهاجرة من أرض بابل إلى الشام {وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله} أي ما تعبدون من أصنامكم {وادعوا} وأعبد {رَبّى} ثم قال تواضعاً وهضماً للنفس ومعرضاً بشقاوتهم بدعاء آلهتهم {عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا} أي كما شقيتم أنتم بعبادة الأصنام
(وأعْتَزِلُكُمْ) الظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى (سَأسْتَغْفِرُ) والمُرادُ أتَباعَدُ عَنْكَ وعَنْ قَوْمِكَ ﴿ وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ بِالمُهاجَرَةِ بِدِينِي حَيْثُ لَمْ تُؤَثِّرْ فِيكم نَصائِحِي.
يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هاجَرَ إلى الشّامِ، وقِيلَ إلى حَرّانَ وهو قَرِيبٌ مِن ذَلِكَ وكانُوا بِأرْضِ كُوثا.
وفي هِجْرَتِهِ هَذِهِ تَزَوَّجَ سارَةَ ولَقِيَ الجَبّارَ الَّذِي أخْدَمَ سارَةَ هاجَرَ، وجُوِّزَ حَمْلُ الِاعْتِزالِ عَلى الِاعْتِزالِ بِالقَلْبِ والِاعْتِقادِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ المَأْثُورِ ﴿ وأدْعُو رَبِّي ﴾ أيْ أعْبُدُهُ سُبْحانَهُ وحْدَهُ كَما يُفْهَمُ مِنِ اجْتِنابِ غَيْرِهِ تَعالى مِنَ المَعْبُوداتِ ولِلتَّغايُرِ بَيْنَ العِبادَتَيْنِ غُوَيْرٌ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ عَبَّرَ بِالعِبادَةِ أوَّلًا لِأنَّ ذَلِكَ أوْفَقُ بِقَوْلِ أبِيهِ ﴿ أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي ﴾ مَعَ قَوْلِهِ فِيما سَبَقَ ﴿ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ﴾ إلَخْ، وعَبَّرَ ثانِيًا بِالدُّعاءِ لِأنَّهُ أظْهَرُ في الإقْبالِ المُقابِلِ لِلِاعْتِزالِ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِذَلِكَ الدُّعاءُ مُطْلَقًا أوْ ما حَكاهُ سُبْحانَهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ وهو قَوْلُهُ ﴿ رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ ﴾ وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ اسْتِدْعاءُ الوَلَدِ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ حَسْبَما يُساعِدُهُ السِّياقُ والسِّباقُ ﴿ عَسى ألا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ﴾ خائِبًا ضائِعَ السَّعْيِ.
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِشَقاوَتِهِمْ في عِبادَةِ آلِهَتِهِمْ.
وفي تَصْدِيرِ الكَلامِ بِعَسى مِن إظْهارِ التَّواضُعِ ومُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ والتَّنْبِيهِ عَلى حَقِيقَةِ الحَقِّ مِن أنَّ الإثابَةَ والإجابَةَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ لا بِطَرِيقِ الوُجُوبِ وأنَّ العِبْرَةَ بِالخاتِمَةِ وذَلِكَ مِنَ الغُيُوبِ المُخْتَصَّةِ بِالعَلِيمِ الخَبِيرِ ما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"
ثم قال: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها، يعني: نميت أهل الأرض كلهم ومن عليها، وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ في الآخرة.
قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ، يعني: خبر إبراهيم.
إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا، يعني: صادقاً.
وقال الزجاج: الصديق اسم للمبالغة في الصدق، يقال: كل من صدق بتوحيد الله عز وجل وأنبيائه عليهم السلام وفرائضه وعمل بما صدق فيه فهو صديق، ومن ذلك سمي أبو بكر الصديق.
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ ، وهو آزر بن تارخ بن تاخور وكان يعبد الأصنام: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ دعاءك وَلا يُبْصِرُ عبادتك وَلا يُغْنِي عَنْكَ من عذاب الله عز وجل شَيْئاً قرأ ابن عامر: يَا أَبَتِ بالنصب، والباقون بالكسر، وكذلك ما بعده.
والعرب تقول في النداء: يا أبت ولا تقول يا أبتي.
ثم قال: يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ من الله عز وجل من البيان، مَا لَمْ يَأْتِكَ أنه من عبد غير الله عز وجل، عذبه الله في الآخرة بالنار.
فَاتَّبِعْنِي، يعني: أطعني فيما أدعوك، ويقال: اتبع دين الله أَهْدِكَ، يعني: أرشدك صِراطاً سَوِيًّا، يعني: طريقاً عدلاً قائماً ترضاه.
ثم قال: يا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطانَ، يعني: لا تطع الشيطان، فمن أطاع شيئاً فقد عبده.
إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا، يعني: عاصياً.
ثم قال: يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ، يعني: أعلم أن يمسك عَذابٌ يعني: إن أقمت على كفرك يصيبك عذاب.
مِنَ الرَّحْمنِ، فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا يعني: قريناً في النار.
قالَ له أبوه: أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي، يعني: أتارك أنت عبادة آلهتي؟
يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ، يقول: إن لم تنته عن مقالتك ولم ترجع عنها، لأسبنك وأشتمنك.
وكل شيء في القرآن من الرجم فهو القتل غير هاهنا، فإن هاهنا أراد به السبُّ والشتم.
وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا، يعني: تباعد عني حيناً طويلاً ولا تكلمني وقال السدي: مَلِيًّا تعني أبداً، وقال قتادة: وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا يعني: تباعد عني سالماً، ويقال: لا تُكلِّمني دهراً طويلاً.
قالَ إبراهيم: سَلامٌ عَلَيْكَ، يعني: أكرمك الله بالهدى، سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي، يعني: سأدعو لك ربي.
إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا، يعني: باراً عوّدني الإجابة إذا دعوته، ويقال: تحفَّيتُ بالرجل إذا بالغتُ في إكرامه، وهذا قول القتبي، ويقال: حَفِيًّا يعني: عالماً يستجيب لي إذا دعوته، وكان يستغفر له ما دام أبوه حياً، وكان يرجو أن يهديه الله عز وجل، فلما مات كافراً، ترك الاستغفار له.
<div class="verse-tafsir"
قوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ ...
الآية، عبارةٌ عن بقائهِ- جل وعلا- بعد فناء مَخْلُوقاتِه، لا إله غَيْرَه.
وقوله: - عزَّ وجل-: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً/ نَبِيًّا ...
٤ أالآية، قوله: وَاذْكُرْ بمعنى اتل وشهر لأَن الله تعالى هو الذاكر والْكِتابِ: هو القرآن، والصديق: بناءُ مبالغَةٍ فكان إبراهيمُ عليه السلام [يُوصَفُ] «١» بالصِّدْقِ في أَفْعَالِهِ وأَقْوالِهِ.
وقوله: يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ ...
الآية، قال الطّبرِيُّ «٢» : «أخاف» بمعنى أعلمُ.
قال ع «٣» : والظَّاهِرُ عندي أَنه خوفٌ على بابه وذلك أَن إبراهيم عليه السلام في وقْتِ هذه المقالة لم يَكُن آيِساً من إيمان أَبِيه.
ت: ونحو هذا عبارة المهدوي «٤» ، قال: قيل: «أَخافُ» معناه: أَعْلَمُ، أيْ: إِنِّي أَعْلَمُ إن متَّ عَلَى ما أَنْتَ عليه.
ويجوزُ أَن يكون «أَخَافُ» على بابهِ، ويكونَ المعنى، إِنِّي أَخاف أَن تمُوتَ على كُفْرك فيمسَّكَ العذابُ.
انتهى.
وقوله: لَأَرْجُمَنَّكَ قال الضَّحَّاكُ «٥» ، وغيرُه: معناه بالقوْلِ، أَي: لأَشْتمنَّك.
وقال الحسَنُ: معناه: لأرجمنّك بالحجارة «٦» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: " مِن " زائِدَةٌ، والمَعْنى: اخْتَلَفُوا بَيْنَهم.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا تَمَسَّكَ المُؤْمِنُونَ بِالحَقِّ، كانَ اخْتِلافُ الأحْزابِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ.
وَفِي " الأحْزابِ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، فَكانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: إنَّهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، والنَّصارى تَدَّعِي فِيهِ ما لا يَلِيقُ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهم فِرَقُ النَّصارى، قالَ بَعْضُهُمْ: هو اللَّهُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: ابْنُ اللَّهِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِقَوْلِهِمْ في المَسِيحِ، ﴿ مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ؛ أيْ: مِن حُضُورِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ لِلْجَزاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناهُ الخَبَرُ، فالمَعْنى: ما أسْمَعَهم وأبْصَرَهم يَوْمَ القِيامَةِ، سَمِعُوا وأبْصَرُوا حِينَ لَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ؛ لِأنَّهم شاهَدُوا مِن أمْرِ اللَّهِ ما لا يَحْتاجُونَ مَعَهُ إلى نَظَرٍ وفِكْرٍ، فَعَلِمُوا الهُدى وأطاعُوا، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
والثّانِي: أسْمِعْ بِحَدِيثِهِمُ اليَوْمَ وأبْصِرْ كَيْفَ يَصْنَعُ بِهِمْ ﴿ يَوْمَ يَأْتُونَنا ﴾ ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكِنِ الظّالِمُونَ ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ والكُفّارِ، ﴿ اليَوْمَ ﴾ يَعْنِي: في الدُّنْيا ﴿ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْذِرْهُمْ ﴾ ؛ أيْ: خَوِّفْ كُفّارَ مَكَّةَ، ﴿ يَوْمَ الحَسْرَةِ ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ، يَتَحَسَّرُ المُسِيءُ إذْ لَمْ يُحْسِنْ، والمُقَصِّرُ إذْ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ الخَيْرِ.
وَمُوجِباتُ الحَسْرَةِ يَوْمَ القِيامَةِ كَثِيرَةٌ، فَمِن ذَلِكَ ما رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ أنَّهُ قالَ: " «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، قِيلَ: يا أهْلَ الجَنَّةِ؛ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ، وقِيلَ: يا أهْلَ النّارِ؛ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ، فَيُجاءُ بِالمَوْتِ كَأنَّهُ كَبْشٌ أمْلَحُ، فَيُقالُ لَهُمْ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟
فَيَقُولُونُ: هَذا المَوْتُ، فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يُقالَ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللهِ : ﴿ وَأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ "» .
قالَ المُفَسِّرُونُ: فَهَذِهِ هي الحَسْرَةُ إذا ذُبِحَ المَوْتُ، فَلَوْ ماتَ أحَدٌ فَرِحا ماتَ أهْلُ الجَنَّةِ، ولَوْ ماتَ أحَدٌ حُزْنًا ماتَ أهْلُ النّارِ.
وَمِن مُوجِباتِ الحَسْرَةِ ما رَوى عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ أنَّهُ قالَ: " «يُؤْتى يَوْمَ القِيامَةِ بِناسٍ إلى الجَنَّةِ، حَتّى إذا دَنَوْا مِنها، واسْتَنْشَقُوا رِيحَها، ونَظَرُوا إلى قُصُورِها، نُودُوا: أنِ اصْرِفُوهم عَنْها، لا نُصِيبُ لَهم فِيها، فَيَرْجِعُونَ بِحَسْرَةٍ ما رَجَعَ الأوَّلُونَ بِمِثْلِها، فَيَقُولُونُ: يا رَبَّنا لَوْ أدْخَلْتَنا النّارَ قَبْلَ أنْ تُرِيَنا ما أرَيْتَنا كانَ أهْوَنَ عَلَيْنا، قالَ: ذَلِكَ أرَدْتُ بِكُمْ، كُنْتُمْ إذا خَلَوْتُمْ بارَزْتُمُونِي بِالعَظائِمِ، وإذا لَقِيتُمُ النّاسَ لَقِيتُمُوهم مُخْبِتِينِ، تُراؤُونَ النّاسَ بِخِلافِ ما تُعْطُونِي مِن قُلُوبِكُمْ، هِبْتُمُ النّاسَ ولَمْ تَهابُونِي، وأجْلَلْتُمُ النّاسَ ولَمْ تُجِلُّونِي، تَرَكْتُمْ لِلنّاسِ ولَمْ تَتْرُكُوا لِي، فاليَوْمَ أُذِيقُكُمُ العَذابَ مَعَ ما حَرَمْتُكم مِنَ الثَّوابِ» " .
وَمِن مُوجِباتِ الحَسْرَةِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: لَيْسَ مِن نَفْسٍ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا وهي تَنْظُرُ إلى بَيْتٍ في الجَنَّةِ وبَيْتٍ في النّارِ، ثُمَّ يُقالُ - يَعْنِي: لِهَؤُلاءِ -: لَوْ عَمِلْتُمْ، ولِأهْلِ الجَنَّةِ: لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم.
وَمِن مُوجِباتِ الحَسْرَةِ قَطْعُ الرَّجاءَ عِنْدَ إطْباقِ النّارِ عَلى أهْلِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قُضِيَ الأمْرُ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: " قُضِيَ " في اللُّغَةِ بِمَعْنى: أُتْقِنَ وأُحْكِمَ، وإنَّما سُمِّيَ الحاكِمُ قاضِيًا لِإتْقانِهِ وإحْكامِهِ ما يُنَفِّذُ.
وفي الآَيَةِ اخْتِصارٌ، والمَعْنى: إذْ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ هَلاكُهم.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في الأمْرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ذَبْحُ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: قُضِيَ العَذابُ لَهُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم في غَفْلَةٍ ﴾ ؛ أيْ: هم في الدُّنْيا في غَفْلَةٍ عَمّا يُصْنَعُ بِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ، ﴿ وَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ بِما يَكُونُ في الآَخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ﴾ ؛ أيْ: نُمِيتُ سُكّانَها فَنَرِثُها، ﴿ وَمَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ ﴾ بَعْدَ المَوْتِ.
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في " نَحْنُ " وقَدْ كَفَتْ عَنْها " إنّا " ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ لَمّا جازَ في قَوْلِ المُعَظِّمِ: ( إنّا نَفْعَلُ )، أنْ يُوهِمَ أنَّ أتْباعَهُ فَعَلُوا، أبانَتْ " نَحْنُ " بِأنَّ الفِعْلَ مُضافٌ إلَيْهِ حَقِيقَةً.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ: ﴿ وَمَن عَلَيْها ﴾ ، وهو يَرِثُ الآَدَمِيِّينَ وغَيْرِهِمْ ؟
فالجَوابُ: أنَّ " مَن " تَخْتَصُّ أهْلَ التَّمْيِيزِ، وغَيْرَ المُمَيِّزِينَ يَدْخُلُونَ في مَعْنى الأرْضِ ويُجْرُونَ مَجْراها، ذَكَرَ الجَوابَيْنِ عَنِ السُّؤالَيْنِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴾ ﴿ إذْ قالَ لأبِيهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عنكَ شَيْئًا ﴾ ﴿ يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا ﴾ ﴿ يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَيْطانَ إنَّ الشَيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ﴾ ﴿ يا أبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا ﴾ ﴿ قالَ أراغِبٌ أنْتَ عن آلِهَتِي يا إبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ ﴾ مَعْناهُ: واتْلُ وبَلِّغْ، لِأنَّ اللهَ تَعالى هو الذاكِرُ، و"الكِتابُ" هو القُرْآنُ، وهَذا ما أشْبَهَهُ مِن لِسانِ الصِدْقِ الَّذِي أبْقاهُ اللهُ عَلَيْهِمْ، و"الصِدِّيقُ"، فَعِيلٌ، بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ الصِدْقِ، وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ: "إنَّهُ كانَ صادِقًا"، والصِدْقُ عُرْفُهُ في اللِسانِ، وهو مُطَّرِدٌ في الأفْعالِ والخَلْقِ إلّا أنَّهُ يُسْتَعارُ لِما لا يَعْقِلُ، فَيُقالُ: صَدَقَنِي الطَعامُ كَذا وكَذا قَفِيزًا، ويُقالُ: "عَوْدُ صِدْقٍ" لِلصُّلْبِ الجَيِّدِ.
فَكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ يُوصَفُ بِالصِدْقِ عَلى العُمُومِ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وذَلِكَ يَغْتَرِقُ صِدْقَ اللِسانِ الَّذِي يُضادُّ الكَذِبَ، وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ وُصِفَ بِصِدِّيقٍ لِكَثْرَةِ ما صَدَّقَ في تَصْدِيقِهِ بِالحَقائِقِ، وصَدَقَ في مُبادَرَتِهِ إلى الإيمانِ وما يُقَرِّبُ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
ولِلصَّدِيقِ مَراتِبُ، ألا تَرى أنَّ المُؤْمِنِينَ صِدِّيقُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِدِّيقُونَ ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ يا أبَتِ ﴾ ، اخْتَلَفَ النُحاةُ في التاءِ مَن "أبَتِ" -فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّها عِوَضٌ مِن ياءِ الإضافَةِ، والوُقُوفُ عِنْدَهُ عَلَيْها بِالهاءِ، ومَذْهَبُ الفَرّاءِ أنْ يُوقَفَ عَلَيْها بِالتاءِ لِأنَّ الياءَ الَّتِي لِلْإضافَةِ عِنْدَهُ مَنوِيَّةٌ، وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى كَسْرِ التاءِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "وا أبَتِ" بِواوٍ لِلنِّداءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "يا أبَتَ" بِفَتْحِ التاءِ، ووَجْهُها أنَّهُ أرادَ: "يا أبَتا" فَحَذَفَ الألِفَ وتَرَكَ الفَتْحَةَ دالَّةٌ عَلَيْها، ووَجْهٌ آخَرُ أنَّ تَكُونَ التاءُ المُقْحَمَةُ كالَّتِي في قَوْلِهِمْ "يا طَلْحَةُ أقْبِلْ"، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَدْ لَحَّنَ هارُونُ هَذِهِ القِراءَةَ.
و"الَّذِي لا يُبْصِرُ ولا يَسْمَعُ" هو الصَنَمُ، ولَوْ سَمِعَ وأبْصَرَ كَما هي حالَةُ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ عُبِدَ لَمْ يَحْسُنْ عِبادَتُها، لَكِنْ بَيَّنَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ بِنَفْيِ السَمْعِ والبَصَرُ شُنْعَةَ الرَأْيِ في عِبادَتِها وفَسادَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ قَدْ جاءَنِي ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ المُقاوَلَةَ بَعْدَ أنْ نُبِّئَ، و"الصِراطُ السَوِيُّ" مَعْناهُ: الطَرِيقُ المُسْتَقِيمُ، وهو طَرِيقُ الإيمانِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَيْطانَ ﴾ مُخاطَبَةُ بِرٍّ واسْتِعْطافٍ عَلى حالَةِ كُفْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لا تَعْبُدِ الشَيْطانَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أبُوهُ مِمَّنْ عَبَدَ الجِنَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ طاعَةَ الشَيْطانِ المَعْنَوِيِّ في عِبادَةِ الأوثانِ والكَفْرِ بِاللهِ عِبادَةً لَهُ.
و"العَصِيُّ" فَعِيلٌ مِن عَصى يَعْصِي إذا خالَفَ الأمْرَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ إنِّي أخافُ ﴾ ، قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: "أخافُ" بِمَعْنى: أعْلَمُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ عِنْدِي أنَّهُ خَوْفٌ عَلى بابِهِ؛ وذَلِكَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَكُنْ في وقْتِ هَذِهِ المُقاوَلَةِ أيِسًا مِن أبِيهِ، فَكانَ يَرْجُو ذَلِكَ، وكانَ يَخافُ ألّا يُؤْمِنَ ويَتَمادى عَلى كُفْرِهِ إلى المَوْتِ فَيَمَسُّهُ العَذابُ.
و"الوَلِيُّ": الخالِصُ المُصاحِبُ القَرِيبُ بِنَسَبٍ أو مَوَدَّةٍ.
قالَ آزَرُ -وَهُوَ تارَخُ-: ﴿ أراغِبٌ أنْتَ عن آلِهَتِي ﴾ ، والرَغْبَةُ: مَيْلُ النَفْسِ، فَقَدْ تَكُونُ الرَغْبَةُ في الشَيْءِ، وقَدْ تَكُونُ عنهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ أراغِبٌ ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و"أنْتَ" فاعِلٌ يَسُدُّ مَسَدَ الخَبَرِ، وحَسَّنَ ذَلِكَ وقَرَّبَهُ اعْتِمادُ "راغِبٌ" عَلى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "راغِبٌ" خَبَرًا مُقَدَّمًا، و"أنْتَ" مُبْتَدَأٌ، والأوَّلُ أصْوَبُ، وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ عن آلِهَتِي ﴾ يُرِيدُ الأصْنامَ، وكانَ - فِيما رُوِيَ - يَنْحِتُها ويُنْجِزُها بِيَدِهِ ويَبِيعُها ويَحُضُّ عَلَيْها، فَقَرَّرَ ابْنُهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى رَغْبَتِهِ عنها عَلى جِهَةِ الإنْكارِ عَلَيْهِ، ثُمْ أخَذَ يَتَوَعَّدُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ لأرْجُمَنَّكَ ﴾ اخْتَلَفَ فِيهِ المُتَأوِّلُونَ -فَقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: بِالقَوْلِ، أيْ: لَأشْتُمَنَّكَ واهْجُرْنِي أنْتَ إذا شِئْتَ مُدَّةً مِنَ الدَهْرِ، أو سالِمًا، حَسَبَ الخِلافِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ رَحِمَهُ اللهُ: مَعْناهُ: لَأرْجُمَنَّكَ بِالحِجارَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لَأقْتُلَنَّكَ.
وهَذانِ القَوْلانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ واهْجُرْنِي ﴾ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - إنَّما يَتَرَتَّبُ بِأنَّهُ أمَرَ عَلى حَياتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ لَمْ تَنْتَهِ قَتَلَتُكَ بِالرَجْمِ، ثُمْ قالَ لَهُ: واهْجُرْنِي، أيْ: مَعَ انْتِهائِكَ، كَأنَّهُ جَزَمَ لَهُ الأمْرَ بِالهِجْرَةِ، وإلّا فَمَعَ الرَجْمِ لا تَتَرَتَّبُ الهِجْرَةُ.
و"مَلِيًّا" مَعْناهُ: دَهْرًا طَوِيلًا، مَأْخُوذٌ مِنَ المَلَوَيْنِ، وهُما اللَيْلُ والنَهارُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، الحَسَنِ، ومُجاهِدِ، وغَيْرِهِما، فَهو ظَرْفٌ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَلِيًّا" مَعْناهُ: سَلِيمًا سَوِيًّا، فَهو حالٌ مِن [إبْراهِيمُ] عَلَيْهِ السَلامُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَلْخِيصُ هَذا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى قَوْلِهِ: مُسْتَبِدًّا بِحالِكَ عَنِّي غَنِيًّا، مَلِيًّا بِالِاكْتِفاءِ.
<div class="verse-tafsir"
سلام عليك سلام توديع ومتاركة.
وبادرهُ به قبل الكلام الذي أعقبه به إشارة إلى أنه لا يسوءه ذلك الهجر في ذات الله تعالى ومرضاته.
ومن حلم إبراهيم أن كانت متكارته أباه مثوبة بالإحسان في معاملته في آخر لحظة.
والسلام: السلامة.
و(على) للاستعلاء المجازي وهو التمكن.
وهذه كلمة تحية وإكرام، وتقدمت آنفاً عند قوله ﴿ وسلام عليه يوم ولد ﴾ [مريم: 15].
وأظهر حرصه على هداه فقال ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ﴾ [التوبة: 114].
واستغفاره له هو المحكي في قوله تعالى: ﴿ واغفر لأبي إنه كان من الضالين ﴾ [الشعراء: 86].
وجملة {سأستغفر لك ربي مستأنفة، وعلامة الاستقبال والفعل المضارع مؤذنان بأنه يكرر الاستغفار في المستقبل.
وجملة إنه كان بي حفيا تعليل لما يتضمنه الوعد بالاستغفار من رجاء المغفرة استجابة لدعوة إبراهيم بأن يوفق الله أبا إبراهيم للتوحيد ونبذِ الإشراك.
والحَفيّ: الشديد البِر والإلطاف.
وتقدم في سورة الأعراف (187) عند قوله: ﴿ يسألونك كأنك حفي عنها ﴾ وجملة وأعتزلكم عطف على جملة سأستغفر لك ربي، أي يقع الاستغفار في المستقبل ويقع اعتزالي إياكم الآن، لأن المضارع غالب في الحال.
أظهر إبراهيم العزم على اعتزالهم وأنه لا يتوانى في ذلك ولا يأسف له إذا كان في ذات الله تعالى، وهو المحكي بقوله تعالى: ﴿ وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين ﴾ [الصافات: 99]، وقد خرج من بَلد الكلدان عازماً على الالتحاق بالشام حسب أمر الله تعالى.
رأى إبراهيم أن هجرانه أباه غير مغن، لأن بقية القوم هم على رأي أبيه فرأى أن يهجرهم جميعاً، ولذلك قال له {وأعتزلكم.
وضمير جماعة المخاطبين عائد إلى أبي إبراهيم وقومه تنزيلاً لهم منزلة الحضور في ذلك المجلس، لأن أباه واحد منهم وأمرهم سواء، أو كان هذا المقال جرى بمحضر جماعة منهم.
وعُطف على ضمير القوم أصنامُهم للإشارة إلى عداوته لتلك الأصنام إعلاناً بتغيير المنكر.
وعبر عن الأصنام بطريق الموصولية بقوله ما تدعون من دون الله للإيماء إلى وجه بناء الخبر وعلّة اعتزاله إياهم وأصنامَهم: بأن تلك الأصنام تعبد من دون الله وأن القوم يعبدونها، فذلك وجه اعتزاله إياهم وأصنامهم.
والدعاء: العبادة، لأنها تستلزم دعاء المعبود.
وزاد على الإعلان باعتزال أصنامهم الإعلان بأنه يدعو الله احتراساً من أن يحسبوا أنه نوى مجرد اعتزال عبادة أصنامهم فربما اقتنعوا بإمساكه عنهم، ولذا بيّن لهم أنه بعكس ذلك يدعو الله الذي لا يعبدونه.
وعبّر عن الله بوصف الربوبية المضاف إلى ضمير نفسه للإشارة إلى انفراده من بينهم بعبادة الله تعالى فهو ربّه وحده من بينهم، فالإضافة هنا تفيد معنى القصر الإضافي، مع ما تتضمنه الإضافة من الاعتزاز بربوبية الله إياه والتشريف لنفسه بذلك.
وجملة وعسى ألا أكون بدعاء ربي شقياً في موضع الحال من ضمير وأدعوا أي راجياً أن لا أكون بدعاء ربي شقياً.
وتقدم معناه عند قوله ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ في هذه السورة (4).
وفي إعلانه هذا الرجاء بين ظهرانيهم تعريض بأنهم أشقياء بدعاء آلهتهم.
<div class="verse-tafsir"
قالَ تَعالى: ﴿ لأرْجُمَنَّكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالحِجارَةِ حَتّى تُباعِدَ عَنِّي، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: لَأرْجُمُنَّكَ بِالذَّمِّ بِاللِّسانِ والعَيْبِ بِالقَوْلِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿ واهْجُرْنِي مَلِيًّا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: دَهْرًا طَوِيلًا، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهِلٍ: فَتَصَدَّعَتْ صُمُّ الجِبالِ لِمَوْتِهِ وبَكَتْ عَلَيْهِ المُرْمَلاتُ مَلِيًّا الثّانِي: سَوِيًّا سَلِيمًا مِن عُقُوبَتِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وعَطاءٌ.
الثّالِثُ: حِينًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ ﴾ هَذا سَلامُ إبْراهِيمَ عَلى أبِيهِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَلامُ تَوْدِيعٍ وهَجْرٍ لِمَقامِهِ عَلى الكُفْرِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: وهو أظْهَرُ أنَّهُ سَلامُ بِرٍّ وإكْرامٍ، فَقابَلَ جَفْوَةَ أبِيهِ بِالبِرِّ تَأْدِيَةً لِحَقِّ الأُبُوَّةِ وشُكْرًا لِسالِفِ التَّرْبِيَةِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَأسْتَغْفِرُ لَكَ إنْ تَرَكْتَ عِبادَةَ الأوْثانِ.
الثّانِي: مَعْناهُ سَأدْعُوهُ لَكَ بِالهِدايَةِ الَّتِي تَقْتَضِي الغُفْرانَ.
﴿ إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُقَرِّبًا.
الثّانِي: مُكْرِمًا.
الثّالِثُ: رَحِيمًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الرّابِعُ: عَلِيمًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الخامِسُ: مُتَعَهِّدًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ أسمع بهم وأبصر ﴾ يقول الكفار يومئذ أسمع شيء وأبصره، وهم اليوم لا يسمعون ولا يبصرون.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ أسمع بهم وأبصر ﴾ قال: اسمع قوم وأبصر قوم ﴿ يوم يأتوننا ﴾ قال: ذلك والله يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي حاتم في قوله: ﴿ أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا ﴾ قال: والله ذلك يوم القيامة، سمعوا حين لم ينفعهم السمع، وأبصروا حين لم ينفعهم البصر.
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟، فيشرفون وينظرون ويقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، ثم يقال يا أهل النار هل تعرفون هذا؟، فيشرفون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، فيؤمر به فيذبح، فيقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة ﴾ وأشار بيده وقال:أهل الدنيا في غفلة» .
وأخرج النسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وأنذرهم يوم الحسرة ﴾ قال: ينادى يا أهل الجنة، فيشرفون، وينادى يا أهل النار، فيشرفون وينظرون، فيقال: ما تعرفون هذا؟
فيقولون: نعم، فيجاء بالموت في صورة كبش أملح، فيقال: هذا الموت فيقرب ويذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود لا موت، ويا أهل النار، خلود ولا موت، ثم قرأ ﴿ وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأنذرهم يوم الحسرة ﴾ قال: يصوّر الله الموت في صورة كبش أملح، فيذبح فييأس أهل النار من الموت فيما يرجونه، فتأخذهم الحسرة من أجل الخلود في النار.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر ﴾ قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، يأتي الموت في صورة كبش أملح حتى يوقف بين الجنة والنار، ثم ينادي مناد يا أهل الجنة، هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، ولا يبقى أحد في عليين ولا في أسفل درجة من الجنة إلا نظر إليه، ثم ينادي يا أهل النار، هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في ضحضاح من النار ولا أسفل درك من جهنم إلا نظر إليه، ثم يذبح بين الجنة والنار، ثم ينادي يا أهل الجنة، هو الخلود أبد الآبدين.
ويا أهل النار هو الخلود أبد الآبدين، فيفرح أهل الجنة فرحة لو كان أحد ميتاً من فرحة ماتوا، ويشهق أهل النار شهقة لو كان أحد ميتاً من شهقة ماتوا، فذلك قوله: ﴿ وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر ﴾ يقول: إذا ذبح الموت.
وأخرج ابن جرير من طريق علي، عن ابن عباس يوم الحسرة، هو من أسماء يوم القيامة.
وقرأ ﴿ أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ﴾ [ الزمر: 56] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن عبد العزيز: أنه كتب إلى عامله بالكوفة، أما بعد: فإن الله كتب على خلقه حين خلقهم الموت، فجعل مصيرهم إليه، فقال: فيما أنزل في كتابه الصادق الذي أنزله بعلمه، وأشهد ملائكته على خلقه أنه يرث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ صِدِّيقاً ﴾ بناء مبالغة من الصدق أو من التصديق، ووصفه بأنه صدّيق قبل الوحي نُبِّئ بعده، ويحتمل أنه جمع الوصفين ﴿ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ ﴾ يعني الأصنام ﴿ صراطا سَوِيّاً ﴾ أي قويما ﴿ لأَرْجُمَنَّكَ ﴾ قيل: يعني الرجم بالحجارة وقيل: الشتم ﴿ واهجرني مَلِيّاً ﴾ أي حيناً طويلاً، وعطف اهجرني على محذوف تقديره احذر رجمي لك ﴿ قَالَ سلام عَلَيْكَ ﴾ وداع مفارقة، وقيل: مسالمة لا تحية لأن ابتداء الكافر بالسلام لا يجوز ﴿ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ﴾ وعد، وهو الذي أشير إليه بقوله: عن موعدة وعدها إياه قال ابن عطية، معناه: سأدعو الله أن يهديك فيغفر لك بإيمانك، وذلك لأن الاستغفار للكافر لا يجوز، وقيل: وعده أن يستغفر له مع كفره، ولعله كان لم يعلم أن الله لا يغفر للكفار حتى أعلمه بذلك، ويقوي هذا القول قوله: ﴿ واغفر لأبي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضآلين ﴾ [الشعراء: 86]، ومثل ثذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ﴿ حَفِيّاً ﴾ أي باراً متلطفاً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إني أعوذ ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ ليهب لك ﴾ على الغيبة: أبو عمرو ويعقوب وورش والحلواني عن قالون وحمزة في الوقف.
الآخرون ﴿ لأهب ﴾ على التكلم ﴿ نسياً ﴾ بفتح النون: حمزة وحفص.
الباقون بكسرها.
﴿ من تحتها ﴾ بكسر الميم على أنه حرف جر وبجر التاء الثانية: أبو جعفر ونافع وسهل وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقونه بفتحهما على أن "من" موصولة والظرف صلتها ﴿ تساقط ﴾ بحذف تاء التفاعل: علي وحمزة والخزاز عن هبيرة.
﴿ تساقط ﴾ من المفاعلة: حفص غير الخزاز ﴿ يساقط ﴾ بياء الغيبة، وعلى أن الضمير للجذع وبإدغام التاء في السين: سهل ويعقوب ونصير وحماد.
الباقون مثله ولكن بتاء التأنيث على أن الضمير للنخلة ﴿ آتاني الكتاب ﴾ ممالة مفتوحة الياء: عليّ.
وقرأ حمزة مرسلة الياء مفخمة في الوصل ممالة في الوقف.
﴿ وأوصاني ﴾ بالإمالة: علي ﴿ قول الحق ﴾ بالنصب: ابن عامر وعاصم ويعقوب.
﴿ وإن الله ﴾ بكسر الهمزة: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وروح والمعدل عن زيد.
الوقوف: ﴿ مريم ﴾ لا ليصير "إذ" ظرفاً لأذكر ﴿ شرقياً ﴾ لا للعطف ﴿ زكياً ﴾ ه ﴿ بغياً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ط لما مر ﴿ هين ﴾ ج لجواز كون الواو مقحمة أو معلقة بمحذوف كما يجيء ﴿ منا ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ مقضياً ﴾ ه ﴿ قصياً ﴾ ه ﴿ النخلة ﴾ ج لترتب الماضي من غير عاطف والأولى أن يكون استئنافاً ﴿ منسياً ﴾ ه ﴿ سرياً ﴾ ه ﴿ جنياً ﴾ ه ز ﴿ عيناً ﴾ ه ج للشرط مع الفاء ﴿ أحداً ﴾ لا لأن ما بعده جواب الشرط ﴿ نسياً ﴾ ه ج للعطف مع الآية ﴿ تحمله ﴾ ط ﴿ فرياً ﴾ ه ﴿ بغياً ﴾ ه ج ﴿ إليه ﴾ ج ﴿ صبياً ﴾ ه ﴿ عبد الله ﴾ ط لأن الجملة لا تقع صفة للمعرفة.
ويمكن أن يجعل معنى التحقيق في "إن" عاملاً فيكون حالاً فلا يوقف ﴿ أينما كنت ﴾ ص لطول الكلام ﴿ حياً ﴾ ص ه لذلك والوصل أولى لأن قوله ﴿ وبراً ﴾ معطوف على قوله ﴿ مباركاً ﴾ .
﴿ بوالدتي ﴾ ج لتبدل الكلام من الإثبات إلى النفي ﴿ شقياً ﴾ ، ﴿ حياً ﴾ ه، ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ ج على القراءتين لاحتمال أن يراد أقول قول الحق وأن يجعل حالاً، وأما في قراءة الرفع فإما أن يكون بدلاً من عيسى أو يكون التقدير هو قول الحق ﴿ يمترون ﴾ ه، ﴿ من ولد ﴾ ه استعجالاً للتنزيه { } ط ﴿ فيكون ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وأن ﴾ بالكسر ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ، ه ﴿ من بينهم ﴾ ج لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ وأبصر ﴾ لا لأن ما بعده ظرف للتعجب ﴿ مبين ﴾ ه وسمعت عن مشايخي رحمهم الله أن الوقف على قوله ﴿ قضى الأمر ﴾ لازم لا أقل من المطلوب لأن ما بعده جملة مستأنفة ولو وصل لأوهم أن يكون حالاً من القضاء وليس كذلك ﴿ لا يؤمنون ﴾ ، ه ﴿ يرجعون ﴾ ه.
التفسير: هذا شروع في ابتداء خلق عيسى ولا ريب أن خلق الولد بين شيخين فانيين أقرب إلى مناهج العادات من تخليق الولد من غير أب، فلهذا أخرت قصة عيسى عن قصة يحيى ترقياً من باب التفهم من الأدنى إلى الأعلى.
وقوله "إذ" بدل الاشتمال من مريم لأن الأزمان مشتملة على ما فيها، وفي هذا الإبدال تفخيم لشأن الوقت كوقوع قصتها العجيبة فيه.
والانتباه "افتعال" من النبذ الطرح كأنها ألقت نفسها إلى جانب معتزلة عن الناس في مكان يلي شرقي بيت المقدس أو شرقي دارها.
قال ابن عباس: من ههنا اتخذت النصارى المشرق قبلة ﴿ فاتخذت من دونهم حجاباً ﴾ لا بد لهذا الاحتجاب من غرض صحيح فمن المفسرين من قال: إنها لما رأت الحيض تباعدت عن مكانها المعتاد لكي تنتظر الطهر فتغتسل وتعود، فلما طهرت جاء جبريل ، وقيل: طلبت الخلوة لأجل العبادة.
وقيل: في مشربة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أو شيء يسترها.
وقيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه، وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها بابها فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها، فانفجر السقف لها فخرجت وجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك وذلك قوله: ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ يعني جبرائيل لأن الدين يحيا به وبوحيه، والإضافة للتشريف والتسمية مجاز كما تقول لمن تحبه إنه روحي ﴿ فتمثل لها ﴾ حال كونه ﴿ بشراً سوياً ﴾ تام الخلق أو حسن الصورة.
وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه، وتدرع الروحاني كجبريل مثلاُ تارة بالهيكل العظيم وأخرى بالصغير غير مستبعد، والذين اعتقدوا أن جبرائيل جسماني جوزوا أن يكون له أجزاء أصلية قليلة وأجزاء فاضلة، فبتلك الأجزاء الأصلية يكون متمكناً من التشبه بصورة الإنسان، ولندرة أمثال هذه الأمور لا يلزم منها قدح في العلوم العادية المستندة إلى الإحساس.
فلا يلزم الشك في أن زيداً الذي نشاهده الآن هو الذي شاهدناه بالأمس.
قوله: ﴿ إن كنت تقياً ﴾ أي إن كان يرجى منك أن تتقي الله وترجع بالاستعاذة به فإني عائذة به منك.
وقيل: إنه كان في ذلك العصر إنسان فاجر اسمه تقي وكان يتتبع النساء فظننت أن ذلك المتمثل هو ذلك الشخص فاستعاذت بالله.
وقيل: "إن" نافية أي ما كنت تقياً حين استحللت النظر إلي وخلوت بي.
وحين علم جبريل خوفها ﴿ قال إنما أنا رسول ربك ﴾ أرسلني ﴿ لأهب لك ﴾ أو ليهب لك ﴿ غلاماً زكياً ﴾ طاهراً من الذنوب ينمو على النزاهة والعفة.
وكيف زال خوفها بمجرد القيل؟
احتمل أن يكون قد ظهر لها معجزة من جهة زكريا أو إرهاصاً لعيسى أو إلهاماً من الله .
وهل تقدر الملائكة على تركيب الأجزاء وخلق الحياة والنطق حتى صح قول جبرائيل ﴿ لأهب لك ﴾ ؟
قال: اجتمعت الأمة على أن لا قدرة للأجسام على إيجاد الجواهر وإعدامها وإلا فلا استبعاد في تأثير بعض الأجسام في بعضها الخاصية خصها الله بها.
ووجه صحة هذه القراءة أن جبرائيل صار سبباً في الهبة بالنفخ في الدرع.
﴿ قالت ﴾ استغراباً من حيث العادة لا تشكيكاً في قدرة الله ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ ولم تقل ههنا "رب" إما لأنها تخاطب جبرائيل، وإما اكتفاء بما سلف في آل عمران ﴿ ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ﴾ هي الفاجرة التي تبغي الرجال.
عن المبرد أن أصله يغوى على "فعول" قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء وكسرت الغين للمناسبة.
وعن ابن جنى أنه "فعيل" وإلا لقيل بغو كنهو عن المنكر خصصت بعدما عممت لزيادة الاعتبار بهذا الخزي تبرئة لساحتها عن الفحشاء.
ولما جرى في أول القصة من تمثل جبرائيل لها بصورة البشر حتى ظنت أنه يريدها بسوء فاستعاذت بالرحمن منه بخلاف هذه القصة في آل عمران.
فإنها بنيت على الأمن والبشارة بقوله: ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك ﴾ فلم تحتج إلى هذه الزيادة.
وقال جار الله: المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه في قوله: ﴿ من قبل أن تمسوهن ﴾ ﴿ أو لامستم النساء ﴾ وإنما يقال في الزنا "فجر بها" و "خبث بها" ونحو ذلك ولا يليق به الكنايات والآداب.
قلت لو سلم هذا من حيث اللغة إلا أنه لا بد لزيادة قوله: ﴿ ولم أك بغياً ﴾ في هذا المقام من فائدة وقد عرفت ما سنح لنا والله أعلم.
﴿ قال كذا قال ربك هو عليّ هين ﴾ تفسيره كما مر في قصة زكريا ﴿ ولنجعله ﴾ أي ولنجعل الغلام أو خلقه ﴿ آية للناس ﴾ يستدل بها على كمال اقتدارنا على إبداع الغرائب فعلنا ذلك، ويجوز أن يكون معطوفاً على تعليل مضمر يتعلق بما يدل عليه ﴿ هين ﴾ أي تخلقه لنبين به قدرتنا ﴿ ولنجعله آية ﴾ وقد مر مثل هذا في قوله: ﴿ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه ﴾ ﴿ ورحمة منا ﴾ على عبادنا لأن كل نبي رحمة لأمته فبه يهدون إلى صلاح الدارين ﴿ وكان أمراً مقضياً ﴾ مقدراً في اللوح أو أمراً حقيقاً بأن يقضي به لكونه آية ورحمة، وهذا مبني على أن رعاية الأصلح واجبة على الله.
وههنا إضمار قال ابن عباس: فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيب درعها فوصلت النفخة إلى بطنها فحملت.
وقيل: في ذيلها فوصلت إلى الفرج.
وقيل: في فمها.
وقيل: إن النافخ هو الله كقوله ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ وعلى هذا يقع تقديم ذكر جبرائيل كالضائع ولا سيما في قراءة من قرأ ﴿ لأهب لك ﴾ قيل: حملته وهي بنت ثلاث عشرة سنة.
وقيل: بنت عشرين وقد حاضت حيضتين قبل أن تحمل.
وكم مدة حملها؟
عن ابن عباس في رواية تسعة أشهر كما في سائر النساء لأنها لو كانت مخالفة لهن في هذه العادة لناسب أن يذكرها الله في أثناء مدائحها.
وقيل: ثمانية أشهر ولم يعش مولود لثمانية إلا عيسى.
قال أهل التنجيم: إنما لا يعيش لأنه يعود إلى تربية القمر وهو مغير معفن بسرعة حركته وغلبة التبريد والترطيب عليه.
وعن عطاء وأبي العالية والضحاك: سبعة أشهر.
وقيل: ستة أشهر.
وقيل: حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها.
وعن ابن عباس في رواية أخرى: كما حملته نبذته لقوله : ﴿ إن مثل عيسى عند الله ﴾ إلى قوله: ﴿ كن فيكون ﴾ ولفاآت التعقيب في قوله: ﴿ فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً فأجاءها المخاض ﴾ وعلى هذا فالمكان القصي هو أقصى الدار أو وراء الجبل بعيداً من أهلها.
ومعنى انتبذت به اعتزلت متلبسة به وهو في بطنها.
وقصى مبالغة قاص.
وروى الثعلبي عن وهب قال: إن مريم لما حملت فأول من عرف هو يوسف النجار ابن عمها و كانت سميت له، وكانا يخدمان المسجد ولا يعلم من أهل زمانهما أكثر عبادة وصلاحاً منهما.
فقال لها: إنه وقع في نفسي من أمرك شيء ولا أحب أن أكتمه عنك.
فقالت: قل قولاً جميلاً.
فقال: أخبريني يا مريم هل نبت زرع بغير بذر؟
قالت: نعم.
ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر!
أو تقول: إن الله لا يقدر على الإنبات حتى يستعين بالماء، ألم تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى!
فقال يوسف: لا أقول هذا ولكني أقول: إن الله قادر على ما يشاء، وزالت التهمة عن قلبه وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لضيق قلبها واستيلاء الضعف عليها من الحمل.
فحين دنا نفاسها أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، فلما بلغت تلك الدار أدركها النفاس فألجأها إلى أصل نخلة.
قال جار الله: منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء.
لا يقال: جئت المكان وأجاءنيه زيد كما يقال بلغته وأبلغنيه، ونظيره "آتى" حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم يقل "أتيت المكان وآتانيه فلان".
قلت: حاصله تخصيص باء التعدية بعد تعميم و ﴿ المخاض ﴾ بفتح الميم وجع الولادة.
قال الجوهري: مخضت الناقة بالكسر مخاضاً مثل سمع سماعاً.
قيل: طلبت الجذع لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة.
يروى أنه كان جذعاً لنخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمرة خضرة، وكان الوقت شتاء والتعريف إما كتعريف النجم والصعق لكون ذلك الجذع مشهوراً هناك، وإما للجنس أي جذع هذه الشجرة خاصة أرشدت إليها لتطعم منها الرطب الذي هو خرسة النفساء أي طعامها الموافق لها، ولأن النخلة أقل الأشياء صبراً على البرد ولا تثمر إلا باللقاح فكان ظهور ذلك الرطب من ذلك الجذع في الشتاء من دون لقاح وإبار دليلاً على حصول الولد من غير ذكر قال في الكشاف: النسي اسم ما من حقه أن يطرح وينسى كخرقة الطامث ونحوها، ونظير الذبح لما من شأنه أن يذبح.
وعن يونس: أن العرب إذا ارتحلوا قالوا: انظروا أنساءكم يعنون العصا والقدح والشظاظ ونحوها.
تمنت لو كانت شيئاً يعبأ به فحقه أن ينسى في العادة.
ومعنى ﴿ منسياً ﴾ أنه قد نسي وطرح فوجد فيه النسيان الذي هو حقه.
وإنما تمنت ذلك لما لحقها من فرط الحياء والخجل، أو لأنهم بهتوا وهي عارفة ببراءة ساحتها فشق ذلك عليها، أو لخوفها على الناس أن يعصوا الله بسببها.
ومن قرأ ﴿ نسياً ﴾ بالفتح فقد قال الفراء: هما لغتان كالوتر والوتر.
ويجوز أن يكون تسمية بالمصدر كالحمل.
وقرىء ﴿ نسأ ﴾ بالهمز وهو الحليب المخلوط بالماء ينسؤه أهله لقلته ونزارته ﴿ فناداها من تحتها ﴾ الذي هو تحتها أو إنسان تحتها يعني جبريل بناء على أنه كان يقبل الولد كالقابلة، أو أراد أسفل من مكانها لأن مريم كانت أقرب إلى الشجرة منه، أو كان جبريل تحت الأكمة وهي فوقها فصاح بها لا تحزني.
وعن الحسن وسعيد بن جبير أن المراد به عيسى لأن ذكر عيسى أقرب، ولأن موضع اللوث لا يليق بالملك، ولأن الصلة يجب أن تكون معلومة للسامع والذي علم كونه حاصلاً تحتها هو الولد ويجري القولان فيمن قرأ بكسر الميم.
وعن عكرمة وقتادة أن الضمير في تحتها للنخلة.
قوله: ﴿ سرياً ﴾ جمهور المفسرين على أن السريّ هو الجدول.
وروي ذلك عن النبي سمي بذلك لأن الماء يسري فيه.
وقيل: هو من السر ومعناه سخاء في مروءة: ويقال: فلان من سروات قومه أي من أشرافهم.
وجمع السري سراة وجمع سراة سروات.
عن الحسن: كان والله عبداً سرياً حجة هذا القائل أن النهر لا يكون تحتها بل إلى جنبها ولا يمكن أن يقال: المراد أن النهر تحت أمرها يجري بأمرها ويقف بأمرها كما في قوله: ﴿ وهذه الأنهار تجري من تحتي ﴾ لأنه خلاف الظاهر.
وأجيب بأن المكان المستوي إذا كان فيه مبدأ معين فكل من كان أقرب منه كان فوق.
وكل من كان أبعد منه كان تحت.
وأراد أن النهر تحت الأكمة وهي فوقها.
وأيضاً حمل السري على النهر موافق قوله: ﴿ وءاوينٰهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ﴾ \[المؤمنون: 50\] وقوله: ﴿ فكلي واشربي ﴾ يروى أن جبريل ضرب برجله فظهر ماء عذب.
وقيل: كان هناك ماء جار، والأول أقرب لأن قوله ﴿ قد جعل ربك ﴾ مشعر بالأحداث في ذلك الوقت.
قال القفال: الجذع من النخلة هو الأسفل وما دون الرأس الذي عليه الثمرة.
وقال قطرب: كل خشبة في أصل شجرة هي جذع، والباء في قوله: ﴿ بجذع النخلة ﴾ كالزائد لأن العرب تقول هزة وهز به والمعنى حركي جذع النخلة أو افعلي الهز به.
و ﴿ رطباً ﴾ تمييز ومفعول تساقط على حسب القراآت اللازمة والمتعدية.
وعن الأخفش المراد جواز انتصابه بــ ﴿ هزي ﴾ أي هزي إليك رطباً جنياً بجذع النخلة أي على جذعها.
والجني المأخوذ طرياً.
والظاهر أنه ما أثمر إلا الرطب وقد صار نخلاً.
وقيل: إنه كان على حاله وإنه أثمر مع الرطب غيره.
قالوا: إذا عسر ولادة المرأة لم يكن لها خير من الرطب، والتمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وكذا التحنيك.
والمراد أنه جمع لها فائدتان في السري والرطب: إحداهما الأكل والشرب وقدم الأكل مع أن ذكر السري مقدم لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال من الدماء، والثانية سلوة الصدر لكونهما معجزين لزكريا أو إرهاصاً لعيسى أو كرامتين لمريم وأشار إلى هذه بقوله: ﴿ وقري عيناً ﴾ لأن قرّة العين تلزم قوة القلب والتسلي من الهموم والأحزان.
وقيل: إن ألم النفس أشد من ألم البدن، فلم قدم دفع ألم البدن على دفع ألم القلب؟
وأجيب بأن الخوف النفسي كان قليلاً لتقدم بشارة جبريل فكان التذكر كافياً ﴿ فإما ترين ﴾ أصله ترأيين مثل تسمعين خففت الهمزة وسقطت نون الإعراب للجزم ثم ياء الضمير للساكنين وذلك بعد لحوق نون التأكيد وقد مر في قوله: ﴿ إمَّا يبلغن عندك الكبر ﴾ إذاً لتأكيد هذه الصورة يقصد به أن الشرط مما سيقع غالباً فإن مريم لا بد أن ترى أحداً من البشر عادة.
عن أنس بن مالك: الصوم هنا الصمت.
وعن ابن عباس مثله.
وقال أبو عبيدة: كان ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم.
وقيل:أراد الصيام إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم.
قال القفال: لعل مثل هذا النذر يجوز في شرعنا لأن الاحتراز عن كلام البشر يجرد الفكر لذكر الله وهو قربة، ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق والتشديد ولا حرج في الإسلام.
وفي الكشاف: نهى رسول الله عن صوم الصمت.
وروي أنه دخل أبو بكر الصديق على امرأة وقد نذرت أنها لا تتكلم فقال أبو بكر: إن الإسلام هدم هذا فتكلمي.
وفي أمرها بهذا النذر معنيان: أحدهما أن كلام عيسى أقوى في إزالة التهمة وفيه أن تفويض الأمر إلى الأفضل أولى، والثاني أن السكوت عن جدال السفهاء أصون للعرض ومن أذل الناس سفيه لم يجد مشافهاً.
وكيف أخبرتهم بالنذر؟
قيل: بالإشارة وإلا لزم النقض.
وقيل: خص هذا الكلام بالقرينة العقلية.
وقوله: ﴿ إنسياً ﴾ أراد المبالغة في نفي الكلام أو أراد أني أكلم الملائكة دون الإنس وهذا أشبه بقوله: ﴿ فإما ترين من البشر ﴾ .
﴿ فأتت به ﴾ أي بعيسى ﴿ قومها تحمله ﴾ الجملة حال.
عن وهب: قال أنساها كربة الميلاد وما سمعت من الناس ما كان من بشارة الملائكة، فلما كلمها جاءها مصداق ذلك فاحتملته فأقبلت به إلى قومها.
وعن ابن عباس: أن يوسف النجار انتهى بمريم إلى غار فلبثوا فيه أربعين يوماً حتى طهرت من نفاسها، ثم جاءت تحمله فكلمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه.
فلما دخلت به على قومها تباركوا وقالوا: ﴿ لقد جئت شيئاً فرياً ﴾ بديعاً من فرى الجلد، وليس في هذا ما يوجب تعييراً أو ذماً لأن أمرها كان خارجاً عن المعتاد، ويحتمل أن يراد إنه أمر منكر خارج عن طريق العفة والصلاح فيكون توبيخاً ويؤكده قولهم: ﴿ يأخت هرون ﴾ الآية.
واختلفوا في هارون فقيل: كان أخاها من أبيها من أمثل بين إسرائيل وهذا أظهر لأن حمل اللفظ على الحقيقة أولى من غيره.
وقيل: يروى عن النبي أنهم عنوا هارون النبي أخا موسى عليهما السلام وكانت من أعقاب من كان معه في طبقة الأخوة وبينهما ألف سنة وأكثر.
وعن السدي: كانت من أولاده والمراد أنها واحدة منهم كما يقال يا أخا همدان أي يا واحداً منهم.
وقيل: أرادوا رجلاً صالحاً في زمانها أي كنت عندنا مثله في الصلاح.
ويحكى أنه تبع جنازته أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون تبركاً به وباسمه.
وقيل: كان رجلاً طالحاً معلناً بالفسق فسموها به وبالتشبيه بسيرته.
ويروى أنهم هموا برجمها ﴿ فأشارت إليه ﴾ أي أن عيسى هو الذي يحكم.
وبم عرفت ذلك؟
إما بأن كلمها في الطريق أو بالإلهام أو بالوحي إلى زكريا أو بقول جبريل على أن أمرها بالسكوت بعد ما سبق من البشارة قيل: كان المستنطق لعيسى زكريا.
وعن السدي.
لما أشارت إليه غضبوا وقالوا لسخريتها بنا أشد علينا من زناهم ثم ﴿ قالوا كيف نكلم من كان في المهد ﴾ قال جار الله: "كان" لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماضٍ مبهم يصلح للقريب والبعيد، وههنا للزمان القريب عن الحال بدلالة الحال، أو هو حكاية حال ماضية أي كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس ﴿ صبياً ﴾ في المهد حتى تكلم هذا، ويحتمل أن يقال: "كان" زائدة نظراً إلى أصل المعنى وإن كان يفيد زيادة ارتباط مع رعاية الفاصلة، أو هي تامة ﴿ صبياً ﴾ حال مؤكدة.
ويرى أنه كان يرضع فلما سمع مقالتهم ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه وتكلم مع جاره وأشار بسبابته قائلا: ﴿ إني عبد الله ﴾ فكان فيه أوّلاً رد قول النصارى: ﴿ آتاني الكتاب ﴾ هو الإنجيل والتوراة أي فهمها.
وقيل: أكمل الله عقله واستنبأه طفلاً بل في بطن أمه.
وقيل: أراد أنه سبق في قضائه، أو جعل الآتي لا محالة كأنه قد وجد والأول أظهر وصغر الجسم لا مدح في كمال العقل وخرق العادة فيه أكذا قالوا إن كمال عقله في ذلك الوقت خارق للعادة.
فيكون المعجز متقدماً على التحدي وهو غير جائز ولو كان نبياً في ذلك الوقت وجب أن يشتغل ببيان الشرائع والأحكام ولو وقع ذلك لاشتهر ونقل.
والجواب أن بعض معجزات النبي لا بد أن يكون مقروناً بالتحدي، أما الكل فممنوع، وبعبارة أخرى لا بد أن يكون مقروناً بفعل خارق عن العادة، ولكن كل فعل خارق للعادة فإنه لا يلزم اقترانه بالتحدي، وكذا الكلام في بيان الشرائع فإن بعض أوقات النبي لا بد أن يقترن به التحدي دون كل أوقاته وحالاته، على أنه أشار إلى بعض التكاليف بقوله: ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ﴾ كما يجيء.
وعن بعضهم أنه كان نبياً لقوله: ﴿ وجعلني نبياً ﴾ ولكنه ما كان رسولاً لأنه ما جاء بالشريعة في ذلك الوقت ومعنى كونه نبياً أنه رفيع القدر عليّ الدرجة، وضعف بأن النبي في عرف الشرع أخص من ذلك.
ومعنى قوله: ﴿ مباركاً أينما كنت ﴾ نفاعاً حيثما كنت روي ذلك عن رسول الله .
وقيل معلماً للخير، وضلال كثير من أهل الكتاب باختلافهم فيه لا يقدح في منصبه كما قيل: عليّ نحت القوافي من معادنها *** وما عليّ إذا لم تفهم البقر وهذه سنة الله في أنبيائه ورسله كلهم ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً ﴾ يروى أن مريم سلمت عيسى إلى المكتب فقالت للمعلم.
أدفعه إليك على أن لا تضربه فقال له: اكتب.
فقال له: أي شيء أكتب؟
فقال: اكتب "أبجد" فقال: لا أكتب شيئاً لا أدري.
ثم قال: إن لم تعلم ما هو فأنا أعلمك.
الألف من آلاء الله، والباء من بهاء الله والجيم من جمال الله، والدال من أداء الحق إلى الله.
وقيل: البركة أصلها من بروك البعير والمعنى جعلني ثابتاً في دين الله مستقراً فيه.
وقيل: البركة هي الزيادة والعلو فكأنه قال: جعلني في جميع الأشياء غالباً منجحاً إلى أن يكرمني الله بالرفع إلى السماء عن قتادة أنه رأته امرأة وهو يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص فقالت: طوبى لبطن حملتك وثدي أرضعت به.
فقال عيسى مجيباً لها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتبع ما فيه ولم يك جباراً شقياً.
﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ﴾ أي بأدائهما إما في وقتهما المعين وهو وقت البلوغ، وإما في الحال بناء على أنه كان مع صغره كامل العقل تام التركيب بحيث يقوى على أداء التكاليف ويؤيده قوله ﴿ ما دمت حياً ﴾ وقيل: الزكاة ههنا صدقة الفطر.
وقيل: تطهير البدن من دنس الآثام.
وقيل: أوصاني بأن آمركم بهما.
وفي قوله: ﴿ وبراً بوالدتي ﴾ دلالة وإشارة إلى تبرئة أمه من الزنا وإلا لم يكن الرسول المعصوم مأموراً بالبر بها.
قال بعض العلماء: لا تجد العاق إلا جباراً شقياً وتلا قوله: ﴿ وبراً بوالدتي ﴾ ﴿ ولم يجعلني جباراً شقياً ﴾ ولا تجد سيىء الملكة إلا مختالاً فخوراً.
وقرأ ﴿ وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً ﴾ وإنما نفى عن عيسى الشقاوة ولم ينف عنه المعصية كما نفى عن يحيى لما جاء في الخبر "ما أحد من بني آدم إلا أذنب أو هم بذنب إلا يحيى بن زكريا" ومن عقائد أهل السنة أن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر.
قوله: ﴿ والسلام عليّ ﴾ قالت العلماء: إنما عرف السلام ههنا بعد تنكيره في قصة يحيى لأن النكرة إذا تكررت تعرفت على أن تعريف الجنس قريب من تنكيره.
وقيل: إن الأول من الله والقليل عنه كثير.
قليل منك يكفيني *** قليلك لا يقال له قليل وإني لأرضى منك يا هند بالذي *** لو أبصره الواشي لقرت بلابله بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى *** وبالوعد حتى يسأم الوعد آمله والثاني من عيسى والكثير منه لا يبلغ معشار سلام الله.
عن بعضهم أن عيسى قال ليحيى: أنت خير مني سلم الله عليك وسلمت على نفسي.
وأجاب الحسن بأن تسليمه على نفسه هو تسليم الله عليه.
وقال جار الله: في هذا التعريف تعريض باللعنة على متهمي مريم وأعدائها من اليهود لأنه إذا زعم أن جنس السلام خاصته فقد عرض بأن ضده عليهم نظيره في قصة موسى ﴿ والسلام على من اتبع الهدى ﴾ يعني أن العذاب على من كذب وتولى.
يروى أنه كلمهم بهذه الكلمات ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان.
وعن اليهود والنصارى أنهم أنكروا تكلم عيسى في المهد قائلين إن هذه الواقعة مما يتوفر الدواعي على نقلها، فلو وجدت لاشتهرت وتواترت مع شدة غلو النصارى فيه وفي مناقبه.
وأيضاً إن اليهود مع شدة عداوتهم له لو سمعوا كلامه في المهد بالغوا في قتله ودفعه في طفوليته.
وأجاب المسلمون من حيث العقل بأنه لولا كلامه الذي دلهم على براءتها من الذي قذفوها به لأقاموا عليها الحد ولم يتركوها، ولعل حاضري يشتغلوا وقتئذ بدفعه والله أعلم.
﴿ ذلك ﴾ الموصوف بالصفات المذكورة من قوله: ﴿ إني عبد الله ﴾ إلى آخره هو ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ وفي كونه ابن لهذه المرأة نفى كونه ابناً على ما زعمت الضالة وأكد هذا المعنى بقوله: ﴿ قول الحق ﴾ فإن كان الحق هو اسم الله فهو كقوله: "كلمة الله" وانتصابه على المدح، وإن كان بمعنى الثابت والصدق فانتصابه على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة كقولك "هو عبد الله الحق" و ﴿ قول الحق ﴾ من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل ﴿ حق اليقين ﴾ قد مر آنفاً.
وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف.
ومعنى ﴿ تمترون ﴾ تشكون من المرية الشك، أو المراد يتمارون من المراء اللجاج وذلك أن اليهود قالوا: ساحر كذاب، وقالت النصارى ابن الله وثالث ثلاثة.
ثم صرح ببطلان معتقدم فقال: ﴿ ما كان الله ﴾ ما صح له وما استقام ﴿ أن يتخذ من ولد ﴾ كما لا يستقيم أن يكون له شريك، وقد مر مثل هذه الآية في سورة البقرة.
والذي نزيده ههنا أن بعضهم قال: معنى الآية ما كان لله أن يقول لأحد إنه ولدي لأن هذا الخبر كذب والكذب لا يليق بحكمته .
وزعم الجبائي بناء على هذا التفسير أنه ليس لله أن يفعل كل شيء لأن قوله: ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد ﴾ كقولنا "ما كان لله أن يظلم" فلا يليق شيء منها بحكمته وكمال إلهيته.
وأجيب بأن الكذب على الله محال، والظلم تصرف في ملك الغير فلا يتصوّر في حقه.
فإن أردتم هذا المعنى فلا نزاع، وإن أردتم شيئاً آخر فما الدليل على استحالته؟!
احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم كلام الله لأن قوله: ﴿ كن ﴾ إن كان قديماً فهو المطلوب، وإن كان محدثاً احتاج في حدوثه إلى قوله آخر وتسلسل.
واستدلت المعتزلة بها على حدوث كلامه قالوا: إن قوله: ﴿ إذا قضى ﴾ للاستقبال وذلك القول متأخر عن القضاء المحدث، والمتأخر عن المحدث محدث.
وأيضاً الفاء في ﴿ فيكون ﴾ للتعقيب والقول متقدم عليه بلا فصل، والمتقدم على المحدث بزمان قليل محدث، وكلا الاستدلالين ضعيف لأنه لا نزاع في حدوث الحروف وإنما النزاع في كلام النفس.
وأيضاً قوله: ﴿ كن ﴾ عبارة عن نفاذ قدرته ومشيئته وإلا فليس ثم قول لأن الخطاب مع المعدوم عبث ومع الموجود تحصيل الحاصل.
ومن الناس من زعم أن المراد من قوله: ﴿ كن ﴾ هو صفة التكوين فإنها زائدة على صفة القدرة لأنه قادر على عوالم أخر سوى هذا وغير مكون لها، ولعل هذا الزاعم سمى تعلق القدرة بالمقدور تكويناً.
ومن قرأ ﴿ وأن الله ﴾ بالفتح فمعناه ولأن الله ﴿ ربي وربكم فاعبدون ﴾ وفيه أن الربوبية هي سبب العبادة فمن لم تصح ربوبيته لم يستحق أن يعبد، ولا رب بالحقيقة إلا الله لانتهاء جميع الوسائط والأسباب إليه، فلا يستحق العبادة إلا هو.
وههنا نكتة هي أن الله لا يصح أن يقول: ﴿ إن الله ربي وربكم فاعبدوه ﴾ فالتقدير قل: يا محمد بعد إظهار البراهين الباهرة على أن عيسى عبد الله ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ قال أبو مسلم الأصفهاني: إنه من تتمة كلام عيسى وما بينهما اعتراض.
وعن وهب بن منبه: عهد إليهم حين أخبرهم عن حاله وصفته أن كلنا عبيد الله ﴿ فاختلف الأحزاب من بينهم ﴾ أي من بين أهل الكتاب.
قال الكلبي: هم اليهود والنصارى.
وقيل: النصارى اختلفوا ثم اتفقوا على أن يرجعوا إلى علماء زمانهم وهم يعقوب ونسطور وملكا فقيل للأول: ما تقول في عيسى؟
فقال: هو الله هبط إلى الأرض فخلق وأحيا ثم صعد إلى السماء فتبعه على ذلك خلق كثير وهم اليعقوبية.
وسئل الثاني فقال: هو ابن الله فتابعه جم غفير وهم النسطورية، وسئل الثالث فقال: كذبوا وإنما كان عبداً مخلوقاً نبياً يطعم وينام فصارا خصمه وهو المؤمن المسلم.
وقيل: كانوا أربعة والرابع اسمه إسرائيل فقال: هو إله وأمه إله والثلاثة أقانيم والروح واحد.
واعلم أن بحث الحلول والاتحاد فيه طول وقد ينجر الكلام فيه إلى مقامات يصعب الترقي إليها، فلذلك ضل فيه من ضل وزل عنه من زل والله أعلى من جميع ذلك وأجل ﴿ فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ﴾ أي من شهودهم هذا الجزاء والحساب في ذلك اليوم، أو من زمان شهودهم، أو من مكان شهودهم فيه وهو الموقف.
ويحتمل أن يكون المشهد ومن الشهادة أي من يشهد عليهم الملائكة والأنبياء أو جوارحهم فيه بالكفر والقبائح، أو من مكان الشهادة أو وقتها.
وقيل: هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه يوم ولادته.
ومعنى"من" التعليل أي الويل لهم من أجل المشهد وبسببه قال أهل البرهان: إنما قال ههنا ﴿ فويل للذين كفروا ﴾ وفي حم الزخرف ﴿ فويل للذين ظلموا ﴾ لأن الكفر أبلغ من الظلم، وقصة عيسى في هذه السورة مشروحة وفيها ذكر نسبتهم إياه إلى الله حتى قال: ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد ﴾ فذكر بلفظ الكفر، وقصتهم في الزخرف مهملة فوصفهم بلفظ دونه وهوالظلم.
قلت: ويحتمل أن يقال: الظلم إذا أريد به الشرك كان أخص من الكفر فعمم أولاً ثم خصص لأن البيان بالمقام الثاني أليق ﴿ أسمع بهم وأبصر ﴾ صيغتان للتعجب والمراد أن هاتين الحاستين منهم جديران بتعجب منهما في ذلك اليوم بعد ما كانوا صماً وعمياً في الدنيا، وذلك لكشف الغطاء ولحاق العيان بالخبر.
والتعجب استعظام الشيء بسبب عظمه، ثم جوز استعمال لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير سبب.
قال سفيان: قرأت عند شريح ﴿ بل عجبت ويسخرون ﴾ فقال: إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم.
فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: إن شريحاً شاعر يعجبه علمه وعبد الله أعلم بذلك منه.
والمعنى أنه صدر من الله فعل لو صدر مثله عن الخلق لدل على حصول التعجب في قلوبهم.
وقيل: معنى الآية التهدد بما سيسمعون وسيبصرون مما يسوءهم.
وقيل: أراد أسمع بهؤلاء وأبصر أي عرفهم مآل القوم الذين يأتوننا ليعتبروا وينزجروا عن الإتيان بمثل فعلهم.
وقال الجبائي أن يراد أسمع الناس بهؤلاء وأبصرهم ليعتبروا بسوء عاقبتهم والوجه هو الأول يؤيده قوله: ﴿ لكن الظالمون ﴾ أي لكنهم فوضع المظهر موضع المضمر.
﴿ اليوم ﴾ وهو يوم التكليف ﴿ في ضلال مبين ﴾ حيث أغفلوا النظر والاستماع وتركوا الجد والاجتهاد في تحصيل الزاد للمعاد وهو ﴿ يوم الحسرة ﴾ لتحسر أهل النار فيه.
وقيل: أهل الجنة أيضاً إذا رأى الأدنى مقام الأعلى، والأول أصح لأن هذه الخواطر لا توجد في الجنة لأنها دار السرور.
و ﴿ إذ ﴾ بدل من يوم الحسرة أو منصوص بالحسرة.
ومعنى ﴿ قضي الأمر ﴾ فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار.
وعن النبي أنه سئل عنه فقال: "يؤتى بالموت فيذبح كما يذبح الكبش والفريقان ينظران فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرح وأهل النار غماً إلى غم" قال أرباب المعقول: إن الموت عرض فلا يمكن أن يصير حيواناً فالمراد أنه لا موت بعد ذلك.
عن الحسن ﴿ وهم في غفلة ﴾ متعلق بقوله: ﴿ في ضلال مبين ﴾ وقوله: ﴿ وأنذرهم ﴾ اعتراض.
ويحتمل أن يتعلق بـ ﴿ أنذرهم ﴾ أي أنذرهم على هذه الحال غافلين غير مؤمنين.
ويحتمل أن يكون "إذ" ظرفاً لـ ﴿ أنذر ﴾ أي أنذرهم حين قضي الأمر ببيان الدلائل وشرح أمر الثواب والعقاب.
ثم أخبر عنهم أنهم في غفلة ﴿ وهم لا يؤمنون ﴾ ثم قرر بقوله: ﴿ إنا نحن نرث ﴾ أن أمور الدنيا كلها تزول وأن الخلق كلهم يرجعون إلى حيث لا يملك الحكم إلا الله وفيه من التخويف والإنذار ما فيه.
التأويل: ﴿ واذكر في الكتاب ﴾ الأزلي ﴿ مريم ﴾ القلب ﴿ إذا انتبذت من أهلها ﴾ تفردت من أهل الدنيا متوجهاً إلى جانب شروق النور الإلهي ﴿ فاتخذت من دونهم ﴾ حجاب الخلوة والعزلة ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ وهو نور الإلهام الرباني والخاطر الرحماني كقوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ﴾ ﴿ فتمثل لها بشراً سوياً ﴾ كما تمثل روح التوحيد بحروف "لا إله إلا الله" لانتفاع الخلق به.
و ﴿ قالت إني أعوذ بالرحمن منك ﴾ ظناً منها أنه يشغلها عن الله.
﴿ قال إنما أنا رسول ﴾ الوارد الرباني ﴿ لأهب لكغلاماً زكياً ﴾ طاهراً عن لوث الظلمة الأنسية وهو النفس المطمئنة القدسية.
﴿ ولم يمسسني بشر ﴾ خاطر من عالم البشرية ﴿ ولم أك بغياً ﴾ أطلب غير ما خلقت لأجله وهو التوجه إلى عالم الروح المجرد ﴿ فحملته ﴾ بالقوة القريبة من الفعل ﴿ فانتبذت به مكاناً قصياً ﴾ لافتقاره إلى العبور على منازل الشريعة والطريقة ﴿ فأجاءها ﴾ مخاض الطلب والتعب ﴿ إلى جذع النخلة ﴾ وهي كلمة "لا إله إلا الله" التي كان أصلها ثابتاً في أرض نفسها ﴿ قالت يا ليتني مت قبل هذا ﴾ قال بعض أهل التحقيق: هذه كلمة يذكرها الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم.
قال عليّ يوم الجمل: يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.
وعن بلال: ليت بلالاً لم تلده أمه.
وقيل: إن مريم قالت ذلك لعلمها بأن الله يدخل النار خلقاً كثيراً بسبب تهمتها وبسبب الغلو والتقصير في حق ابنها قلت: إن مريم القلب قالت يا ليتني مت عن اللذات الجسمية قبل هذا الوقت الذي فزت باللذات الحقيقية وكنت نسياً منسياً، لإإن الخمول راحة والشهرة آفة ﴿ فناداها ﴾ بلسان الحال من تحت تصرفها من آلات القوى ﴿ أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك ﴾ أي تحت تصرفك ﴿ سرياً ﴾ هو الغلام الموعود أو جدول الكشوف والعلوم الدينية ﴿ وهزي إليك بجذع النخلة ﴾ بالمداومة على الذكر ﴿ تساقط عليك رطباً جنياً ﴾ من المشاهدات والمكاشفات حالاً فحالاً ﴿ فكلي واشربي ﴾ من خوان الأفضال وبحر النوال من مادته "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ وقري عينا ﴾ بأنوار الجمال في حجرة الوصال ﴿ فأما ترين ﴾ من السوانح البشرية ﴿ أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوماً ﴾ كما قيل الدنيا يوم ولنا فيه صوم أي الالتفات لغير الله.
﴿ فأتت به قومها ﴾ من عادة الجهال إنكار أحوال أهل الكمال.
﴿ يا أخت هرون ﴾ النفس المطمئنة أو الأمارة بناء على أن هارون كان صالحاً أو طالحاً ﴿ وكان أبوك ﴾ وهو الروح المفارق ﴿ إمرأ سوء وما كانت أمك ﴾ وهي القالب ﴿ بغياً ﴾ تستأنس إلى غير عالم الطبيعة التي خلقت لأجلها ﴿ فأشارت إليه ﴾ فيه أن هذا القوم هم أهل الإشارات ﴿ في المهد ﴾ مهد السر وذلك المتولد من نفخ الروح في مريم القالب ليس ابناً لله ولا محلاً له ولا نفسه.
﴿ فاختلف الأحزاب ﴾ فقوم عبدوا الله لأجله، وقوم عبدوه طمعاً في جنته، وقوم عبدوا الهوى وذلك قوله: ﴿ فويل للذين كفروا ﴾ ﴿ أسمع بهم ﴾ أي بأهل الله ﴿ وأبصر يوم يأتوننا ﴾ فإنهم بالله يسمعون وبه يبصرون.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ﴾ أي: بعيسى قومها تحمله: ﴿ قَالُواْ يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً ﴾ .
قال أبو بكر الأصم: لقد فريت عظيماً من الأمر، لكنه يخرج تأويل فريت من التقدير، يقال: فري، أي: قدر.
وقال بعضهم: لقد افتريت عظيماً، وهو قذف صريح بالزنى، كقوله: ﴿ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ شَيْئاً فَرِيّاً ﴾ كل قائم عجب، أو من عمل فهو فري، وهو هاهنا عجب فري، وهذا أقرب؛ إذ لا يجوز أن يحمل كلامهم على تصريح القذف وثم لتعريض القذف مساغ ووجه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يٰأُخْتَ هَارُونَ ﴾ قال بعضهم: كانت أخت هارون بن عمران أخي موسى، وعلى ذلك روي خبر عن رسول الله ، فإن ثبت فهو هو.
وقال بعضهم: لا، ولكن كان لها أخ من أبيها يقال له: هارون بن ماتان؛ لذلك نسبوها إليه فقالوا: ﴿ يٰأُخْتَ هَارُونَ ﴾ .
وقال بعضهم: إن هارون كان رجلاً صالحاً ناسكاً فيهم، فشبهوها به ونسبوها إليه؛ لصلاحها ونسكها.
وقال بعضهم: إن بني إسرائيل تسمّي كل صالح: هارون؛ حبّاً لهارون؛ لذلك سموها ونسبوها إلى هارون، لنسكها وصلاحها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً ﴾ أي: ما كان أبوك ما ذكر ولا أمّك ولا أنت، فمن أين كان لك هذا؟!
هذا تعريض من الكلام: ليس بتصريح، فهو ما ذكرنا: أنهم قالوا ذلك على التعجب وليس على تصريح الفرية والقذف لها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ ﴾ .
أي: آتاني علم الكتاب، ولا نفسّر أيّ كتاب هو: الإنجيل أو التوراة أو غيره؟
لأنه قال في آية أخرى: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ فذكر الكتاب وذكر معه التوراة والإنجيل؛ فهذا يدلّ أن الكتاب غير التوراة والإنجيل.
وقوله: ﴿ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ ﴾ .
هذا يدل أنّه قد تكلم بعد هذه الكلمات، وليس كما قال أهل التأويل: إنه تكلم بهؤلاء، ثم لم يتكلم بعد ذلك إلى أن بلغ المبلغ الذي يتكلم الصبيان؛ لأنه أخبر أنه جعله نبيّاً وجعله مباركاً، فلا يحتمل أن يكون نبيّاً ولا يتكلم ولا يدعو الناس إلى دين الله، وأيّ بركة تكون فيه إذا لم يتكلم بكلام خير؛ فدل ذلك منه أن ليس على ما قالوا هم، والبركة هي اسم كل خير وصلاح، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجل -: ﴿ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً ﴾ .
يحتمل: الصلاة المعروفة والزكاة المعهودة.
ويحتمل: الصلاة: الثناء له والدعاء في كل وقت وفي كل مكان، والزكاة: كل ما تزكو به النفس وتصلح وتنمو من كل خير.
فإن كان الأوّل الصّلاة المفروضة والزكاة المعروفة، فهو على تعليم الناس، كأنه قال: أوصاني أن أعلم الناس وأعلمهم من الزكاة؛ إذ لم يكن يملك عيسى ما تجب فيه الزكاة، فهو يخرج على إعلام الناس عن حكم الزكاة، أو أن يكون على المواساة، فذلك مما قل وكثر سواء.
وإن كان الثاني فهو وغيره من الناس في تلك الزكاة سواء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي ﴾ أي: جعلني برّاً بوالدتي، صلة بقوله: ﴿ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً ﴾ و ﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً ﴾ ، وجعلني برّاً بوالدتي.
﴿ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً ﴾ ، قد ذكرناه في قصة يحيى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ﴾ .
هذا - أيضاً - قد ذكرناه في قصة يحيى، غير أن الله هو مُسَلِّمٌ على يحيى في تلك الأحوال، وهاهنا ذكر أن عيسى سلم على نفسه.
وذكر في بعض القصّة: أن عيسى ويحيى - عليهما السلام - التقيا، فقال يحيى لعيسى: "أنت خير مني".
فقال عيسى: "بل أنت خير مني، سلَّم الله عليك، وسلمت أنا على نفسي"، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ﴾ أي: ذلك عيسى بن مريم، ليس على ما قالت النصارى وغيرهم أنه ابن الله، وأنه ثالث ثلاثة على ما قالوا، ولكن عيسى بن مريم عبد الله كما أقر هو بالعبودية حيث قال: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ﴾ أي: ذلك الذي أنبأتهم من نبأ عيسى: ﴿ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ ﴾ أي: هؤلاء الكفرة حيث أنكروا أنه ليس على ما أنبأتهم من نبئه، أي: الذي يشكون فيه هو قول الحق، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجل -: ﴿ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ ﴾ .
نزّه نفسه عن أن يتخذ ولداً؛ لأنه لا تقع [له] الأسباب التي لها يتخذ الولد ويطلب منه.
أو يقول: إن اتخاذ الولد يسقط الألوهية؛ لأن الولد في الشاهد يكون شكل الأب وشبيهاً له، فلا يحتمل أن تكون الألوهية لمن يشبه الخلق؛ لأن الولد في الشاهد إنما يتخذ ويطلب لأحد وجوه ثلاثة: إمّا لوحشة تأخذه فيستأنس به.
وإمّا لحاجة تمسّه فيستغني به في دفعها.
أو لخوف يخاف من أعدائه فيستنصر به، فإذا كان الله يتعالى عن ذلك وله من سرعة نفاذ أمره ما ذكر في قوله: ﴿ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ، فمن له من سرعة نفاذ الأمر ما ذكر، لا تقع له الحاجة إلى الولد في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه، الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.
ثم قول أهل التأويل: إنه نفخ في جيب مريم، أو في أنفها، أو في غيره، وغير ذلك من القصص التي ذكروها ممّا ليس في الكتاب ذكرها - فلا يجوز أن يقال ذلك إلا بخبر عن الله ، أو عمن أوحى إليه، فإنه لم يعلم صدقه ولا ثبوته، فنذكر مقدار ما في الكتاب لا يزاد على ذلك ولا ينقص؛ لأن هذه الأنباء لما ذكرت لرسول الله لتكون آية لرسالته ونبوّته؛ لأنها كانت مذكورة في الكتب المتقدمة، وكان هنالك من يعرفها، فذكرت له هذه الأنباء على ما كانت في كتبهم؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله، فلو زيد فيه أو نقص لكانت غير دالة لهم على ذلك.
قال القتبي: الصوم: الإمساك؛ صوماً: أي: صمتاً، فريّاً: أي: عظيماً عجباً، والبغي: يقال: امرأة بغي ونسوة بغايا، أي: فاجرات، وكذلك قال أبو عوسجة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ﴾ .
إنهم كانوا يعرفون أن الله هو ربهم حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، ونحوه، فكأن عيسى قال لهم: ارجعوا إلى عبادة الذي تعرفون أنه ربّي وربكم، واتركوا العبادة لمن تعرفون أنه ليس بربّكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: اختلف الذين تحزبوا في عيسى في حياته، منهم من قال: هو ساحر.
وقال بعضهم: هو كاهن.
وقال بعضهم: كذا من هذا النحو.
وقال بعضهم: اختلف الذين تحزبوا في عيسى بعد ما رفع [من] بينهم: فمنهم من قال: هو الله، وقال بعضهم: هو ابن الله، وقال بعضهم: ثالث ثلاثة، أمثال ما قالوا على علم منهم أنه لم يكن على ما وصفوه وقالوا فيه، لكنهم عاندوا وكابروا.
وقال بعضهم: ﴿ فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ : الذين تحزبوا واختلفوا في رسول الله لما بعث، فمنهم من قال: إنه ساحر، وإنه كاهن ومجنون، وإنه مفتر، وإنه كذاب، ونحو ما قالوا فيه على علم منهم أن ما يقول هو يوافق كتبهم، وأن كتابه مصدق لكتبهم، وأنه يؤمن بالرسل الذين يؤمنون هم بهم، لكنّهم قالوا ذلك على المعاندة والمكابرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
قال أصحاب التأويل: الويل: الوعيد، واختلفوا فيه، [وهو] - والله أعلم - الويل لكل كافر، ما من كافر إلا وله ذلك الوعيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ : وصف ذلك اليوم بالعظم؛ لما فيه مجمع الأوّلين والآخرين، ويشهده الجن والإنس والملائكة، فهو مشهد يوم عظيم.
ويحتمل أنه وصفه بالعظم؛ لأنه هو المقصود في خلق العالم في الدنيا، فهو إنما خلقهم لأمر عظيم وهو ذلك اليوم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ﴾ : قال الحسن: يكونون سمعاء وبصراء في الآخرة، ليس على ما كانوا في الدنيا عميا بكما صمّاً.
وقال بعضهم: ما أسمعهم وما أبصرهم يوم يأتوننا.
وقال بعضهم: لا يصح هذا؛ لأن هذا ليس على وجه النهر والتعجب، ولكن تأويله أي: يسمعون ما قالوا ويبصرون ما عملوا.
وقال بعضهم: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ﴾ أي: ﴿ أَسْمِعْ ﴾ بحديثهم إليهم وأعلمهم و ﴿ وَأَبْصِرْ ﴾ كيف نصنع بهم يوم يأتوننا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .
أي: في حسرة بينة، أو في هلاك بيّن، وقد ذكرنا ذلك في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: الحسرة: هي أن يصور الموت بصورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، فينظر إليه أهل النار وأهل الجنة، فيندم أهل النار ويكون لهم الحسرة؛ لما كانوا يطمعون الموت يتأملون منه، فذلك الحسرة التي ذكر، ولكن هذا لا يعلم إلا بخبر عن رسول الله، فإن ثبت شيء عنه فهو ذاك، وإلا فالحسرة لهم هي أعمالهم التي عملوا في الدنيا، وهو ما قال: ﴿ كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ﴾ ، ونحوه كل عمل عملوا في الدنيا يكون لهم ذلك حسرة في الآخرة وندامة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ ، أي: أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.
﴿ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ ﴾ ، أي: هم كانوا في غفلة من هذا ﴿ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾ .
هذا - والله أعلم - كناية عن فناء الخلق جميعاً وبقاء الخالق، فذلك معنى الوراثة، والله أعلم.
وعلى ذلك سمّي الوارث في الشاهد: وارثاً؛ لأنه باق بعد فناء مورثه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وأفارقكم وأفارق معبوداتكم التي تعبدونها من دون الله، وأدعو ربي وحده لا أشرك به شيئًا، عسى ألا يمنعني إذا دعوته، فأكون بدعائه شَقيًّا.
<div class="verse-tafsir" id="91.AXMka"