الآية ٤٧ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٤٧ من سورة مريم

قَالَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّۭا ٤٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 87 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٧ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٧ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ومعنى قول إبراهيم لأبيه : ( سلام عليك ) يعني : أما أنا فلا ينالك مني مكروه ولا أذى ، وذلك لحرمة الأبوة ، ( سأستغفر لك ربي ) أي : ولكن سأسأل الله تعالى فيك أن يهديك ويغفر ذنبك ، ( إنه كان بي حفيا ) قال ابن عباس وغيره : لطيفا ، أي : في أن هداني لعبادته والإخلاص له .

وقال مجاهد وقتادة ، وغيرهما : ( إنه كان بي حفيا ) قال : وعوده الإجابة .

وقال السدي : " الحفي " : الذي يهتم بأمره .

وقد استغفر إبراهيم لأبيه مدة طويلة ، وبعد أن هاجر إلى الشام وبنى المسجد الحرام ، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق ، عليهما السلام ، في قوله : ( ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ) [ إبراهيم : 41 ] .

وقد استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ابتداء الإسلام ، وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك حتى أنزل الله تعالى : ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ) الآية الممتحنة : 4 ، يعني إلا في هذا القول ، فلا تتأسوا به .

ثم بين تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك ، ورجع عنه ، فقال تعالى : ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ) [ التوبة : 113 ، 114 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم لأبيه حين توعَّده على نصيحته إياه ودعائه إلى الله بالقول السيئ والعقوبة: سلام عليك يا أبت، يقول: أمنة مني لك أن أعاودك فيما كرهت، ولدعائك إليّ ما توعدتني عليه بالعقوبة، ولكني ( سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ) يقول: ولكني سأسأل ربي أن يستر عليك ذنوبك بعفوه إياك عن عقوبتك عليها( إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ) يقول: إن ربي عهدته بي لطيفا يجيب دعائي إذا دعوته ، يقال منه: تحفى بي فلان.

وقد بيَّنت ذلك بشواهده فيما مضى، بما أغنى عن إعادته هاهنا.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ) يقول: لطيفا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ) قال: إنه كان بي لطيفا، فإن الحفيّ: اللطيف.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قال سلام عليك لم يعارضه إبراهيم - عليه السلام - بسوء الرد ؛ لأنه لم يؤمر بقتاله على كفره .

والجمهور على أن المراد بسلامه المسالمة التي هي المتاركة لا التحية ؛ قال الطبري : معناه أمنة مني لك .

وعلى هذا لا يبدأ الكافر بالسلام .

وقال النقاش : حليم خاطب سفيها ؛ كما قال : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما .

وقال بعضهم في معنى تسليمه : هو تحية مفارق ؛ وجوز تحية الكافر وأن يبدأ بها .

قيل لابن عيينة : هل يجوز السلام على الكافر ؟

قال : نعم ؛ قال الله تعالى : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين .

وقال قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم الآية ؛ وقال إبراهيم لأبيه سلام عليك .قلت : الأظهر من الآية ما قاله سفيان بن عيينة ؛ وفي الباب حديثان صحيحان : روى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه خرجه البخاري ومسلم .

وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ركب حمارا عليه إكاف تحته قطيفة فدكية ، وأردف وراءه أسامة بن زيد ؛ وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج ، وذلك قبل وقعة بدر ، حتى مر في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود ، وفيهم عبد الله بن أبي ابن سلول ، وفي المجلس عبد الله بن رواحة ، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة ، خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه ، ثم قال : لا تغبروا علينا ، فسلم عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ الحديث .فالأول يفيد ترك السلام عليهم ابتداء ؛ لأن ذلك إكرام ، والكافر ليس أهله .

والحديث الثاني [ ص: 38 ] يجوز ذلك .

قال الطبري : ولا يعارض ما رواه أسامة بحديث أبي هريرة فإنه ليس في أحدهما خلاف للآخر وذلك أن حديث أبي هريرة مخرجه العموم ، وخبر أسامة يبين أن معناه الخصوص .

وقال النخعي : إذا كانت لك حاجة عند يهودي أو نصراني فابدأه بالسلام فبان بهذا أن حديث أبي هريرة لا تبدءوهم بالسلام إذا كان لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدءوهم بالسلام ، من قضاء ذمام أو حاجة تعرض لكم قبلهم ، أو حق صحبة أو جوار أو سفر .

قال الطبري : وقد روي عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب .

وفعله ابن مسعود بدهقان صحبه في طريقه ؛ قال علقمة : فقلت له يا أبا عبد الرحمن أليس يكره أن يبدءوا بالسلام ؟

!

قال : نعم ، ولكن حق الصحبة .

وكان أبو أسامة إذا انصرف إلى بيته لا يمر بمسلم ولا نصراني ولا صغير ولا كبير إلا سلم عليه ؛ قيل له في ذلك فقال : أمرنا أن نفشي السلام .

وسئل الأوزاعي عن مسلم مر بكافر فسلم عليه ، فقال : إن سلمت فقد سلم الصالحون قبلك ، وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك .

وروي عن الحسن البصري أنه قال : إذا مررت بمجلس فيه مسلمون وكفار فسلم عليهم .قلت : وقد احتج أهل المقالة الأولى بأن السلام الذي معناه التحية إنما خص به هذه الأمة ؛ لحديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله تعالى أعطى أمتي ثلاثا لم تعط أحدا قبلهم : السلام وهي تحية أهل الجنة الحديث ؛ ذكره الترمذي الحكيم ؛ وقد مضى في الفاتحة بسنده .

وقد مضى الكلام في معنى قوله : سأستغفر لك ربي وارتفع السلام بالابتداء ؛ وجاز ذلك مع نكرته لأنه نكرة مخصصة فقرنت المعرفة .

قوله تعالى : إنه كان بي حفيا الحفي المبالغ في البر والإلطاف ؛ يقال : حفي به وتحفى إذا بره .

وقال الكسائي يقال : حفي بي حفاوة وحفوة .

وقال الفراء : إنه كان بي حفيا أي عالما لطيفا يجيبني إذا دعوته .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فأجابه الخليل جواب عباد الرحمن عند خطاب الجاهلين، ولم يشتمه، بل صبر، ولم يقابل أباه بما يكره، وقال: { سَلَامٌ عَلَيْكَ ْ} أي: ستسلم من خطابي إياك بالشتم والسب وبما تكره، { سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ْ} أي: لا أزال أدعو الله لك بالهداية والمغفرة، بأن يهديك للإسلام، الذي تحصل به المغفرة، فــ { إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ْ} أي: رحيما رءوفا بحالي، معتنيا بي، فلم يزل يستغفر الله له رجاء أن يهديه الله، فلما تبين له أنه عدو لله، وأنه لا يفيد فيه شيئا، ترك الاستغفار له، وتبرأ منه.

وقد أمرنا الله باتباع ملة إبراهيم، فمن اتباع ملته، سلوك طريقه في الدعوة إلى الله، بطريق العلم والحكمة واللين والسهولة، والانتقال من مرتبة إلى مرتبة والصبر على ذلك، وعدم السآمة منه، والصبر على ما ينال الداعي من أذى الخلق بالقول والفعل، ومقابلة ذلك بالصفح والعفو، بل بالإحسان القولي والفعلي.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال ) إبراهيم ( سلام عليك ) أي سلمت مني لا أصيبك بمكروه ، وذلك أنه لم يؤمر بقتاله على كفره .

وقيل : هذا سلام هجران ومفارقة .

وقيل : سلام بر ولطف وهو جواب الحليم للسفيه .

قال الله تعالى : " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " ( الفرقان : 63 ) .

قوله تعالى : ( سأستغفر لك ربي ) قيل : إنه لما أعياه ، أمره ووعده أن يراجع الله فيه ، فيسأله أن يرزقه التوحيد ويغفر له .

معناه : سأسأل الله تعالى لك توبة تنال بها المغفرة .

( إنه كان بي حفيا ) برا لطيفا .

قال الكلبي : عالما يستجيب لي إذا دعوته .

قال مجاهد : عودني الإجابة لدعائي .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(قال سلام عليك) مني أي لا أصيبك بمكروه (سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا) من حفي أي بارا فيجيب دعائي وقد أوفى بوعده المذكور في الشعراء "" واغفر لأبي "" وهذا قبل أن يتبين له أنه عدو الله كما ذكره في براءة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال إبراهيم لأبيه: سلام عليك مني فلا ينالك مني ما تكره، وسوف أدعو الله لك بالهداية والمغفرة.

إن ربي كان رحيمًا رؤوفًا بحالي يجيبني إذا دعوته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولكن إبراهيم - عليه السلام - لم يقابل فظاظة أبيه وتهديده بالغضب والضيق ، بل قابل ذلك بصعة الصدر .وجميل المنطق ، حيث قال له : ( سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً ) .أى : لك منى - يا أبت - السلام الذى لا يخالطه جدال أو أذى ، والوداع الذى أقابل فيه إساءتك إلى بالإحسان إليك .

وفضلاً عن ذلك فإنى ( سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً ) أى : بارًّا بى ، كثير الإحسان إلى .يقال : فلان حفى بفلان حفاوة ، إذا بالغ فى إكرامه ، واهتم بشأنه .وقد وفى إبارهيم بوعده ، حيث استمر على استغفاره لأبيه إلى أن تبين له أنه عدو لله - تعالى - فتبرأ منه كما قال - تعالى - : ( وَمَا كَانَ استغفار إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن إبراهيم عليه السلام لما دعا أباه إلى التوحيد، وذكر الدلالة على فساد عبادة الأوثان، وأردف تلك الدلالة بالوعظ البليغ، وأورد كل ذلك مقروناً باللطف والرفق، قابله أبوه بجواب يضاد ذلك، فقابل حجته بالتقليد، فإنه لم يذكر في مقابلة حجته إلا قوله: ﴿ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ الِهَتِى ياإبراهيم ﴾ فأصر على ادعاء إلهيتها جهلاً وتقليداً وقابل وعظه بالسفاهة حيث هدده بالضرب والشتم، وقابل رفقه في قوله: ﴿ يا أبت  ﴾ بالعنف حيث لم يقل له يا بني بل قال: ﴿ يا إِبْرَاهِيمَ ﴾ وإنما حكى الله تعالى ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم ليخفف على قلبه ما كان يصل إليه من أذى المشركين فيعلم أن الجهال منذ كانوا على هذه السيرة المذمومة، أما قوله: ﴿ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ الِهَتِى ياإبراهيم ﴾ فإن كان ذلك على وجه الاستفهام فهو خذلان لأنه قد عرف منه ما تكرر منه من وعظه وتنبيهه على الدلالة وهو يفيد أنه راغب عن ذلك أشد رغبة فما فائدة هذا القول.

وإن كان ذلك على سبيل التعجب فأي تعجب في الإعراض عن حجة لا فائدة فيها، وإنما التعجب كله من الإقدام على عبادتها فإن الدليل الذي ذكره إبراهيم عليه السلام كما أنه يبطل جواز عبادتها فهو يفيد التعجب من أن العاقل كيف يرضى بعبادتها فكأن أباه قابل ذلك التعجب الظاهر المبني على الدليل بتعجب فاسد غير مبني على دليل وشبهة، ولا شك أن هذا التعجب جدير بأن يتعجب منه، أما قوله: ﴿ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ واهجرنى مَلِيّاً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في الرجم هاهنا قولان: الأول: أنه الرجم باللسان، وهو الشتم والذم، ومنه قوله: ﴿ والذين يَرْمُونَ المحصنات  ﴾ أي بالشتم، ومنه الرجيم، أي المرمي باللعن، قال مجاهد: الرجم في القرآن كله بمعنى الشتم.

والثاني: أنه الرجم باليد، وعلى هذا التقدير ذكروا وجوهاً: أحدها: لأرجمنك بإظهار أمرك للناس ليرجموك ويقتلوك.

وثانيها: لأرجمنك بالحجارة لتتباعد عني.

وثالثها: عن المؤرج لأقتلنك بلغة قريش.

ورابعها: قال أبو مسلم لأرجمنك المراد منه الرجم بالحجارة إلا أنه قد يقال ذلك في معنى الطرد والإبعاد اتساعاً، ويدل على أنه أراد الطرد قوله تعالى: ﴿ واهجرنى مَلِيّاً ﴾ واعلم أن أصل الرجم هو الرمي بالرجام فحمله عليه أولى، فإن قيل: أفما يدل قوله تعالى: ﴿ واهجرنى مَلِيّاً ﴾ على أن المراد به الرجم بالشتم؟

قلنا: لا، وذلك لأنه هدده بالرجم إن بقي على قربه منه وأمره أن يبعد هرباً من ذلك فهو في معنى قوله: ﴿ واهجرنى مَلِيّاً ﴾ .

المسألة الثانية: في قوله تعالى: ﴿ واهجرنى مَلِيّاً ﴾ قولان: أحدهما: المراد واهجرني بالقول.

والثاني: بالمفارقة في الدار والبلد وهي هجرة الرسول والمؤمنين أي تباعد عني لكي لا أراك وهذا الثاني أقرب إلى الظاهر.

المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ مَلِيّاً ﴾ قولان: الأول: ملياً أي مدة بعيدة مأخوذ من قولهم أتى على فلان ملاوة من الدهر أي زمان بعيد.

والثاني: ملياً بالذهاب عني والهجران قبل أن أثخنك بالضرب حتى لا تقدر أن تبرح يقال فلان ملي بكذا إذا كان مطيقاً له مضطلعاً به.

المسألة الرابعة: عطف اهجرني على معطوف عليه محذوف يدل عليه لأرجمنك، أي فاحذرني واهجرني لئلا أرجمنك، ثم إن إبراهيم عليه السلام لما سمع من أبيه ذلك أجاب عن أمرين.

أحدهما: أنه وعده التباعد منه، وذلك لأن أباه لما أمره بالتباعد أظهر الانقياد لذلك الأمر وقوله: ﴿ سلام عَلَيْكَ ﴾ توادع ومتاركة كقوله تعالى: ﴿ لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم سلام عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِى الجاهلين  ﴾ ، ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً  ﴾ وهذا دليل على جواز متاركة المنصوح إذا ظهر منه اللجاج، وعلى أنه تحسن مقابلة الإساءة بالإحسان، ويجوز أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له، ألا ترى أنه وعده بالاستغفار، ثم إنه لما ودع أباه بقوله: ﴿ سلام عَلَيْكَ ﴾ ضم إلى ذلك ما دل به على أنه وإن بعد عنه فاشفاقه باق عليه كما كان وهو قوله: ﴿ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي ﴾ واحتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء، وتقريره أن إبراهيم عليه السلام فعل ما لا يجوز لأنه استغفر لأبيه وهو كافر والاستغفار للكافر لا يجوز، فثبت بمجموع هذه المقدمات أن إبراهيم عليه السلام فعل ما لا يجوز، إنما قلنا إنه استغفر لأبيه لقوله تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿ سلام عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي ﴾ وقوله: ﴿ واغفر لأَبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضالين  ﴾ وأما أن أباه كان كافراً فذاك بنص القرآن وبالإجماع، وأما أن الاستغفار للكافر لا يجوز فلوجهين: الأول: قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ  ﴾ .

الثاني: قوله في سورة الممتحنة: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبراهيم  ﴾ إلى قوله: ﴿ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ  ﴾ وأمر الناس إلا في هذا الفعل فوجب أن يكون ذلك معصية منه، والجواب: لا نزاع إلا في قولكم الاستغفار للكافر لا يجوز فإن الكلام عليه من وجوه: أحدها: أن القطع على أن الله تعالى يعذب الكافر لا يعرف إلا بالسمع، فلعل إبراهيم عليه السلام لم يجد في شرعه ما يدل على القطع بعذاب الكافر فلا جرم استغفر لأبيه.

وثانيها: أن الاستغفار قد يكون بمعنى الاستماحة، كما في قوله: ﴿ قُل لّلَّذِينَ ءامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله  ﴾ والمعنى سأسأل ربي أن لا يجزيك بكفرك ما كنت حياً بعذاب الدنيا المعجل.

وثالثها: أنه عليه السلام إنما استغفر لأبيه لأنه كان يرجو منه الإيمان فلما أيس من ذلك ترك الاستغفار ولعل في شرعه جواز الاستغفار للكافر الذي يرجي منه الإيمان، والدليل على وقوع هذا الاحتمال قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قربى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصحاب الجحيم  ﴾ فبين أن المنع من الاستغفار إنما يحصل بعد أن يعرفوا أنهم من أصحاب الجحيم.

ثم قال بعد ذلك: ﴿ وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ  ﴾ فدلت الآية على أنه وعده بالاستغفار لو آمن، فلما لم يؤمن لم يستغفر له بل تبرأ منه، فإن قيل فإذا كان الأمر كذلك فلم منعنا من التأسي به في قوله: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبراهيم  ﴾ إلى قوله: ﴿ إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ  ﴾ قلنا الآية تدل على أنه لا يجوز لنا التأسي به في ذلك لكن المنع من التأسي به في ذلك لا يدل على أن ذلك كان معصية.

فإن كثيراً من الأشياء هي من خواص رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز لنا التأسي به مع أنها كانت مباحة له عليه السلام.

ورابعها: لعل هذا الاستغفار كان من باب ترك الأولى وحسنات الأبرار سيئآت المقربين، أما قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً ﴾ أي لطيفاً رفيقاً يقال أحفى فلان في المسألة بفلان إذا لطف به وبالغ في الرفق، ومنه قوله تعالى: ﴿ وإِن يَسْئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ  ﴾ أي وإن لطفت المسألة والمراد أنه سبحانه للطفه بي وإنعامه عليّ عودني الإجابة فإذا أنا استغفرت لك حصل المراد فكأنه جعله بذلك على يقين إن هو تاب أن يحصل له الغفران.

الجواب الثاني من الجوابين قوله: ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله ﴾ الاعتزال للشيء هو التباعد عنه والمراد أني أفارقكم في المكان وأفارقكم في طريقتكم أيضاً وأبعد عنكم وأتشاغل بعبادة ربي الذي ينفع ويضر والذي خلقني وأنعم علي فإنكم بعبادة الأصنام سالكون طريقة الهلاك، فواجب على مجانبتكم ومعنى قوله: ﴿ عسى أَلا أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا ﴾ أرجو أن لا أكون كذلك، وإنما ذكر ذلك على سبيل التواضع كقوله: ﴿ والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين  ﴾ وأما قوله: ﴿ شَقِيّاً ﴾ مع ما فيه من التواضع لله ففيه تعريض بشقاوتهم في دعاء آلهتهم على ما قرره أولاً في قوله: ﴿ لَمْ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قَالَ سلام عَلَيْكَ ﴾ سلام توديع ومتاركة، كقوله تعالى: ﴿ لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم سلام عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِى الجاهلين ﴾ [القصص: 55] وقوله: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً ﴾ [الفرقان: 63] وهذا دليل على جواز متاركة المنصوح له والحال هذه.

ويجوز أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له.

ألا ترى أنه وعده الاستغفار.

فإن قلت: كيف جاز له أن يستغفر للكافر وأن يعده ذلك؟

قلت: قالوا أراد اشتراط التوبة عن الكفر، كما ترد الأوامر والنواهي الشرعية على الكفار والمراد اشتراط الإيمان، وكما يؤمر المحدث والفقير بالصلاة والزكاة ويراد اشتراط الوضوء والنصاب.

وقالوا: إنما استغفر له بقوله: ﴿ واغفر لأَِبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضالين ﴾ [الشعراء: 86] لأنه وعده أن يؤمن.

واستشهدوا عليه بقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأَِبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ﴾ [التوبة: 114] ولقائل أن يقول: إنّ الذي منع من الاستغفار للكافر إنما هو السمع، فأمّا القضية العقلية فلا تأباه، فيجوز أن يكون الوعد بالاستغفار والوفاء به قبل ورود السمع، بناء على قضية العقل، والذي يدل على صحته قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لأَِبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ [الممتحنة: 4] فلو كان شارطاً للإيمان لم يكن مستنكراً ومستثنى عما وجبت فيه الأسوة.

وأمّا (عن موعدة وعدها إياه) فالواعد هو إبراهيم لا آزر، أي: ما قال: (واغفر لأبي) إلا عن قوله: (لأستغفرنّ لك) وتشهد له قراءة حماد الراوية: وعدها أباه.

والله أعلم ﴿ حَفِيّاً ﴾ الحفيّ: البليغ في البر والإلطاف، حفي به وتحفى به ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ ﴾ أراد بالاعتزال المهاجرة إلى الشام.

وأدعو ربي المراد بالدعاء العبادة، لأنه منها ومن وسائطها.

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «الدعاءُ هُوَ العبادةُ» ويدل عليه قولُه تعالى: ﴿ فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ ويجوز أن يراد الدعاء الذي حكاه الله في سورة الشعراء.

عرّض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم في قوله: ﴿ عسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا ﴾ مع التواضع لله بكلمة ﴿ عَسَى ﴾ وما فيه من هضم النفس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ ﴾ تَوْدِيعٌ ومُتارَكَةٌ ومُقابَلَةٌ لِلسَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ، أيْ لا أُصِيبُكَ بِمَكْرُوهٍ ولا أقُولُ لَكَ بَعْدُ ما يُؤْذِيكَ ولَكِنْ: ﴿ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ﴾ لَعَلَّهُ يُوَفِّقُكَ لِلتَّوْبَةِ والإيمانِ، فَإنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِغْفارِ لِلْكافِرِ اسْتِدْعاءُ التَّوْفِيقِ لِما يُوجِبُ مَغْفِرَتَهُ وقَدْ مَرَّ تَقْرِيرُهُ في سُورَةِ التَّوْبَةِ ﴿ إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ﴾ بَلِيغًا في البِرِّ والإلْطافِ.

﴿ وَأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ بِالمُهاجَرَةِ بِدِينِي.

﴿ وَأدْعُو رَبِّي ﴾ وأعْبُدُهُ وحْدَهُ.

﴿ عَسى ألا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ﴾ خائِبًا ضائِعَ السَّعْيِ مِثْلَكم في دُعاءِ آلِهَتِهِمْ، وفي تَصْدِيرِ الكَلامِ بِـ ﴿ عَسى ﴾ التَّواضُعُ وهَضْمُ النَّفْسِ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الإجابَةَ والإثابَةَ تَفَضُّلٌ غَيْرُ واجِبَتَيْنِ، وأنَّ مَلاكَ الأمْرِ خاتِمَتُهُ وهو غَيْبٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ سلام عَلَيْكَ} سلام توديع ومتاركة أو تقريب وملاطفة ولذا وعد بالاستغفار بقوله {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي} سأسأل الله أن يجعلك من أهل المغفرة بأن يهديك للإسلام {إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً} ملطفاً بعموم النعم أو رحيماً أو مكرماً والحفاوة الرأفة والرحمة والكرامة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

(قالَ) اسْتِئْنافٌ كَما سَلَفَ ﴿ سَلامٌ عَلَيْكَ ﴾ تَوْدِيعٌ ومُتارَكَةٌ عَلى طَرِيقَةِ مُقابَلَةِ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ فَإنَّ تَرْكَ الإساءَةِ لِلْمُسِيءِ إحْسانٌ أيْ لا أُصِيبُكَ بِمَكْرُوهٍ بَعْدُ ولا أشافِهُكَ بِما يُؤْذِيكَ، وهو نَظِيرُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ في قَوْلِهِ، وقِيلَ: هو تَحِيَّةُ مُفارِقٍ، وجَوَّزَ قائِلُ هَذا تَحِيَّةَ الكافِرِ وأنْ يَبْدَأ بِالسَّلامِ المَشْرُوعِ وهو مَذْهَبُ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ ﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ ﴾ الآيَةَ، وما اسْتَدَلَّ بِهِ مُتَأوَّلٌ وهو مَحْجُوجٌ بِما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ ( لا تَبْدَأِ اليَهُودَ والنَّصارى بِالسَّلامِ ) وقُرِئَ ( سَلامًا ) بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ والرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ ﴿ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ﴾ أيِ اسْتَدْعِيهِ سُبْحانَهُ أنْ يَغْفِرَ لَكَ بِأنْ يُوَفِّقَكَ لِلتَّوْبَةِ ويَهْدِيَكَ إلى الإيمانِ كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَعْلِيلُ قَوْلِهِ ( واغْفِرْ لِأبِي ) بِقَوْلِهِ ﴿ إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ ﴾ كَذا قِيلَ فَيَكُونُ اسْتِغْفارُهُ في قُوَّةِ قَوْلِهِ: رَبِّي اهْدِهِ إلى الإيمانِ وأخْرِجْهُ مِنَ الضَّلالِ.

والِاسْتِغْفارُ بِهَذا المَعْنى لِلْكافِرِ قَبْلَ تَبَيُّنِ تَحَتُّمِ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ مِمَّ لا رَيْبَ في جَوازِهِ كَما أنَّهُ لا رَيْبَ في عَدَمِ جَوازِهِ عِنْدَ تَبَيُّنِ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن طَلَبِ المُحالِ، فَإنَّ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِعَدَمِ وُقُوعِهِ مُحالٌ وُقُوعُهُ، ولِهَذا لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَحْيِ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في سُورَةِ التَّوْبَةِ أنَّهُ لا يُؤْمَنُ تَرْكُهُ أشَدَّ التَّرْكِ فالوَعْدُ والإنْجازُ كانا قَبْلَ التَّبْيِينِ، ولِذا لَمْ يُؤَذَنُوا بِالتَّأسِّي بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في الِاسْتِغْفارِ، قالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّ أُولَئِكَ أعْداءُ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ ﴾ وأنْ لا مَجالَ لِإظْهارِ المَوَدَّةِ بِوَجْهٍ ما ثُمَّ بالَغَ جَلَّ شَأْنُهُ في تَفْصِيلِ عَداوَتِهِمْ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾ ثُمَّ حَرَّضَهم تَعالى عَلى قَطِيعَةِ الأرْحامِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ ثُمَّ سَلّاهم عَزَّ وجَلَّ بِالتَّأسِّي في القَطِيعَةِ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ ﴿ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ﴾ فاسْتَثْنى مِنَ المَذْكُورِ ما لَمْ يَحْتَمِلْهُ المَقامُ كَما احْتَمَلَهُ ذَلِكَ المَقامُ لِلنَّصِّ القاطِعِ يَعْنِي لَكُمُ التَّأسِّي بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ في القَطِيعَةِ والهِجْرانِ لا غَيْرَ فَلا تُجامِلُوهم ولا تُبْدُوا لَهُمُ الرَّأْفَةَ والرَّحْمَةَ كَما أبْدى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِيهِ في قَوْلِهِ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ لِأنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ حِينَئِذٍ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ كَما بَدا لَكم كُفْرُ هَؤُلاءِ وعَداوَتُهُمُ.

انْتَهى.

واعْتَرَضَ بِأنَّ ما ذُكِرَ ظاهِرٌ في أنَّ الِاسْتِغْفارَ الَّذِي وقَعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِأُولِي قَرابَتِهِمْ فَنُهُوا عَنْهُ لِأنَّهُ كانَ بَعْدَ التَّبْيِينِ كانَ كاسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَعْنى طَلَبِ التَّوْفِيقِ لِلتَّوْبَةِ والهِدايَةِ لِلْإيمانِ، والَّذِي اعْتَمَدَهُ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ الآيَةَ، نَزَلَ في اسْتِغْفارِهِ  لِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ بَعْدَ مَوْتِهِ، وذَلِكَ الِاسْتِغْفارُ مِمّا لا يَكُونُ بِمَعْنى طَلَبِ الهِدايَةِ أصْلًا وكَيْفَ تُعْقَلُ الهِدايَةُ بَعْدَ المَوْتِ بَلْ لَوْ فُرِضَ أنَّ اسْتِغْفارَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ كانَ قَبْلَ المَوْتِ لا يُتَصَوَّرُ أيْضًا أنْ يَكُونَ بِهَذا المَعْنى لِأنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ بَعْدَ تَبَيُّنِ أنَّهُ مِن أصْحابِ الجَحِيمِ، وإذا فُسِّرَ بِتَحَتُّمِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ كانَ ذَلِكَ دُعاءً بِالهِدايَةِ إلى الإيمانِ مَعَ العِلْمِ بِتَحَتُّمِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ ومُحالِيَّتِهِ إذا كانَتْ مَعْلُومَةً لَنا بِما مَرَّ فَهي أظْهَرُ شَيْءٍ عِنْدَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعِنْدَ المُقْتَبِسِينَ مِن مِشْكاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو اعْتِراضٌ قَوِيٌّ بِحَسَبِ الظّاهِرِ وعَلَيْهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِيهِ بِذَلِكَ المَعْنى في حَياتِهِ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ ذَلِكَ بَعْدَ المَوْتِ وهو ظاهِرٌ.

وقَدْ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في جَوابِ السُّؤالِ بِأنَّهُ كَيْفَ جازَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِلْكافِرِ وأنْ يَعِدَهُ ذَلِكَ؟

قالُوا: أرادَ اشْتِراطَ التَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ وقالُوا: إنَّما اسْتَغْفَرَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ( واغْفِرْ لِأبِي ) لِأنَّهُ وعَدَهُ أنْ يُؤْمِنَ، واسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ ﴾ ثُمَّ قالَ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الَّذِي مَنَعَ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْكافِرِ إنَّما هو السَّمْعُ فَأمّا قَضِيَّةُ العَقْلِ فَلا تَأْباهُ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَعْدُ بِالِاسْتِغْفارِ والوَفاءِ بِهِ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ أنَّهُ اسْتَثْنى قَوْلَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ( لَأسْتَغْفِرَنَّ ) لَكَ في آيَةِ ( قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ ) إلَخْ عَمّا وجَبَتْ فِيهِ الأُسْوَةُ ولَوْ كانَ بِشَرْطِ الإيمانِ والتَّوْبَةِ لَما صَحَّ الِاسْتِثْناءُ، وأمّا كَوْنُ الوَعْدِ مِن أبِيهِ فَيُخالِفُ الظّاهِرَ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ قِراءَةُ الحَسَنِ وغَيْرِهِ ( وعَدَها أباهُ ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ قالَ في الكَشْفِ: واعْتَرَضَ الإمامُ حَدِيثَ الِاسْتِثْناءِ بِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى المَنعِ مِنَ التَّأسِّي لا أنْ ذَلِكَ كانَ مَعْصِيَةً، فَجازَ أنْ يَكُونَ مِن خَواصِّهِ كَكَثِيرٍ مِنَ المُباحاتِ الَّتِي اخْتُصَّ بِها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لَمْ يَذْهَبْ إلى أنَّ ما ارْتَكَبَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُنْكَرًا بَلْ إنَّما هو مُنْكَرٌ عَلَيْنا لِوُرُودِ السَّمْعِ.

واعْتَرَضَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ بِأنَّ نَفْيَ اللّازِمِ مَمْنُوعٌ، فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ عَمّا وجَبَتْ فِيهِ الأُسْوَةُ دَلَّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ لا عَلى أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، فَكانَ يَنْبَغِي عَمّا جازَتْ فِيهِ الأُسْوَةُ بَدَلٌ عَمّا وجَبَتْ إلَخْ، والآيَةُ لا دَلالَةَ فِيها عَلى الوُجُوبِ.

والجَوابُ: أنَّ جَعْلَهُ مُسْتَنْكَرًا ومُسْتَثْنًى يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُنْكَرٌ لا الِاسْتِثْناءُ عَمّا وجَبَتْ فِيهِ فَقَطْ، وإنَّما أتى الِاسْتِنْكارُ لِأنَّهُ مُسْتَثْنًى عَنِ الأُسْوَةِ الحَسَنَةِ، فَلَوِ اؤْتُسِيَ بِهِ فِيهِ لَكانَ أُسْوَةً قَبِيحَةً، وأمّا الدَّلالَةُ عَلى الوُجُوبِ فَبَيِّنَةٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى آخِرًا ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ﴾ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ.

والحاصِلُ أنَّ فِعْلَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مُنْكَرًا في نَفْسِهِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا ﴾ إلَخْ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الآنَ مُنْكَرٌ سَمْعًا وأنَّهُ كانَ مُسْتَنْكَرًا في زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا بَعْدَما كانَ غَيْرَ مُنْكَرٍ، ولِذا تَبَرَّأ مِنهُ، وهو ظاهِرٌ إلّا أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ جَعَلَ مُدْرِكَ الجَوازِ قَبْلَ النَّهْيِ العَقْلُ وهي مَسْألَةٌ خِلافِيَّةٌ وكَمْ قائِلٍ: إنَّهُ السَّمْعُ لِدُخُولِهِ تَحْتَ بِرِّ الوالِدَيْنِ والشَّفَقَةِ عَلى أُمَّةِ الدَّعْوَةِ بَلْ قِيلَ: إنَّ الأوَّلَ مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ انْتَهى مَعَ تَغْيِيرٍ يَسِيرٍ.

واعْتَرَضَ القَوْلُ بِأنَّهُ اسْتُنْكِرَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما كانَ غَيْرَ مُنْكَرٍ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَفْعَلْهُ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ جاءَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَعَلَهُ لِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ.

وأُجِيبُ بِجَوازِ أنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ إذْ فَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والتَّحْقِيقُ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ الِاسْتِغْفارَ لِلْكافِرِ الحَيِّ المَجْهُولِ العاقِبَةِ بِمَعْنى طَلَبِ هِدايَتِهِ لِلْإيمانِ مِمّا لا مَحْذُورَ فِيهِ عَقْلًا ونَقْلًا، وطَلَبِ ذَلِكَ لِلْكافِرِ المَعْلُومِ أنَّهُ قَدْ طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ وأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يُؤْمِنُ وعُلِمَ أنْ لا تَعْلِيقَ في أمْرِهِ أصْلًا مِمّا لا مَساغَ لَهُ عَقْلًا ونَقْلًا، ومِثْلُهُ طَلَبُ المَغْفِرَةِ لِلْكافِرِ مَعَ بَقائِهِ عَلى الكُفْرِ عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وكانَ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ لِما فِيهِ مِن إلْغاءِ أمْرِ الكُفْرِ الَّذِي لا شَيْءَ يَعْدِلُهُ مِنَ المَعاصِي وصَيْرُورَةِ التَّكْلِيفِ بِالإيمانِ الَّذِي لا شَيْءَ يَعْدِلُهُ مِنَ الطّاعاتِ عَبَثًا مَعَ ما في ذَلِكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَكادُ يَلْحَقُ بِذَلِكَ فِيما ذُكِرَ طَلَبُ المَغْفِرَةِ لِسائِرِ العُصاةِ مَعَ البَقاءِ عَلى المَعْصِيَةِ إلّا أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الكَفْرِ وسائِرِ المَعاصِي، وأمّا طَلَبُ المَغْفِرَةِ لِلْكافِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ فَلا تَأْباهُ قَضِيَّةُ العَقْلِ وإنَّما يَمْنَعُهُ السَّمْعُ وفَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ طَلَبِها لِلْكافِرِ مَعَ بَقائِهِ عَلى الكُفْرِ بِعَدَمِ جَرَيانِ التَّعْلِيلِ السّابِقِ فِيهِ ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى تَأمُّلٍ.

واسْتُدِلَّ عَلى جَوازِ ذَلِكَ عَقْلًا بِقَوْلِهِ  لِعَمِّهِ: ( «لا أزالُ أسْتَغْفِرُ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ» ) فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ الآيَةَ، وحُمِلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ ﴾ عَلى مَعْنى مِن بَعْدِ ما ظَهَرَ لَهم أنَّهم ماتُوا كَفّارًا والتُزِمَ القَوْلُ بِنُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ وإلّا فَلا يَتَسَنّى اسْتِغْفارُهُ  لِعَمِّهِ بَعْدَ العِلْمِ بِمَوْتِهِ كافِرًا وتَقَدَّمَ السَّماعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَغْفِرُ الكُفْرَ، وقِيلَ لا حاجَةَ إلى التِزامِ ذَلِكَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِوُفُورِ شَفَقَتِهِ وشِدَّةِ رَأْفَتِهِ قَدْ حَمَلَ الآيَةَ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ إذا لَمْ يُشَفَّعْ فِيهِ أوِ التَّرْكَ الَّذِي تَواطَأ فِيهِ القَلْبُ وسائِرُ الجَوارِحِ وعَلِمَ مِن عَمِّهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شِرْكُهُ كَذَلِكَ فَطَلَبَ المَغْفِرَةَ حَتّى نُهِيَ  ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فَتَأمَّلْ، فالمَقامُ مُحْتاجٌ بَعْدُ إلى كَلامٍ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

﴿ إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ﴾ بَلِيغًا في البِرِّ والإكْرامِ يُقالُ حَفِيٌّ بِهِ إذا اعْتَنى بِإكْرامِهِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ مَعَ الِاهْتِمامِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها، يعني: نميت أهل الأرض كلهم ومن عليها، وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ في الآخرة.

قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ، يعني: خبر إبراهيم.

إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا، يعني: صادقاً.

وقال الزجاج: الصديق اسم للمبالغة في الصدق، يقال: كل من صدق بتوحيد الله عز وجل وأنبيائه عليهم السلام وفرائضه وعمل بما صدق فيه فهو صديق، ومن ذلك سمي أبو بكر الصديق.

إِذْ قالَ لِأَبِيهِ ، وهو آزر بن تارخ بن تاخور وكان يعبد الأصنام: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ دعاءك وَلا يُبْصِرُ عبادتك وَلا يُغْنِي عَنْكَ من عذاب الله عز وجل شَيْئاً قرأ ابن عامر: يَا أَبَتِ بالنصب، والباقون بالكسر، وكذلك ما بعده.

والعرب تقول في النداء: يا أبت ولا تقول يا أبتي.

ثم قال: يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ من الله عز وجل من البيان، مَا لَمْ يَأْتِكَ أنه من عبد غير الله عز وجل، عذبه الله في الآخرة بالنار.

فَاتَّبِعْنِي، يعني: أطعني فيما أدعوك، ويقال: اتبع دين الله أَهْدِكَ، يعني: أرشدك صِراطاً سَوِيًّا، يعني: طريقاً عدلاً قائماً ترضاه.

ثم قال: يا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطانَ، يعني: لا تطع الشيطان، فمن أطاع شيئاً فقد عبده.

إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا، يعني: عاصياً.

ثم قال: يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ، يعني: أعلم أن يمسك عَذابٌ يعني: إن أقمت على كفرك يصيبك عذاب.

مِنَ الرَّحْمنِ، فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا يعني: قريناً في النار.

قالَ له أبوه: أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي، يعني: أتارك أنت عبادة آلهتي؟

يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ، يقول: إن لم تنته عن مقالتك ولم ترجع عنها، لأسبنك وأشتمنك.

وكل شيء في القرآن من الرجم فهو القتل غير هاهنا، فإن هاهنا أراد به السبُّ والشتم.

وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا، يعني: تباعد عني حيناً طويلاً ولا تكلمني وقال السدي: مَلِيًّا تعني أبداً، وقال قتادة: وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا يعني: تباعد عني سالماً، ويقال: لا تُكلِّمني دهراً طويلاً.

قالَ إبراهيم: سَلامٌ عَلَيْكَ، يعني: أكرمك الله بالهدى، سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي، يعني: سأدعو لك ربي.

إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا، يعني: باراً عوّدني الإجابة إذا دعوته، ويقال: تحفَّيتُ بالرجل إذا بالغتُ في إكرامه، وهذا قول القتبي، ويقال: حَفِيًّا يعني: عالماً يستجيب لي إذا دعوته، وكان يستغفر له ما دام أبوه حياً، وكان يرجو أن يهديه الله عز وجل، فلما مات كافراً، ترك الاستغفار له.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقالتْ فرقةٌ: معناه لأَقْتُلَنَّكَ، وهذان القولان بمعنًى واحدٍ.

وقوله: وَاهْجُرْنِي على هذا التَّأْوِيل إنما يترتب بأَنه أَمْرٌ على حياله كأَنه قال: إن لم تَنْتَهِ قتْلتُك بالرَّجم، ثم قال له: واهجرني، أي: مع انتهائك، ومَلِيًّا معناه: دهراً طوِيلاً مأَخوذٌ من المَلَويْنِ وهما اللّيل والنّهار هذا قول الجمهور.

وقولهُ: قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ اختُلِف في معنى تَسْلِيمه على أَبِيهِ، فقال بعضُهم: هي تحيةُ مفارقٍ، وجوَّزوا تحيةَ الكَافِر وأَن يُبْدَأ بها.

وقال الجمهورُ: ذلك السلامُ بمعنى المُسَالمةِ، لا بمعنى التَّحِيَّة.

وقال الطبريّ «١» : معناه أَمَنَة مِنّي لك وهذا قول الجمهُورِ وهم لا يَروْن ابتداءَ الكافِرِ بالسَّلاَم.

وقال النَّقَّاشُ: حليمٌ خاطب سَفِيهاً كما قال تعالى: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً «٢» [الفرقان: ٦٣] .

وقوله: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي معناه: سأَدْعُو الله تعالى في أَن يَهْدِيَكَ، فيغفِرَ لك بإيمانك، ولمّا تبيَّن له أَنه عدوٌّ للَّه تبرّأَ منه.

والحِفيُّ: المهتبلُ المتلطِّف، وهذا شُكْر من إبراهيمَ لنعم الله تعالى عليه، ثم أَخبر إبراهيمُ عليه السلام بأنه يعتزلهم، أي: يصير عنهم بمعْزِل، ويروى: أَنهم كانوا بأَرض كُوثَى، فرحل عليه السلام حتى نزل الشامَ، وفي سفرته تلك لقِي الجبَّار الَّذي أَخْدم هاجرَ ...

» الحديثَ الصحيح بطوله «٣» ، وتَدْعُونَ معناه: تعبدون.

وقوله: عَسى: تَرَجٍّ في ضمنه خَوْفٌ شديد.

وقوله سبحانه: فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ ...

إلى آخر الآية: إخبار من الله تعالى لنبِيّه صلى الله عليه وسلّم أَنَّه لما رَحَل إبراهيم عن بلد أَبِيه وقومه، عوّضَهُ اللهُ تعالى من ذلك ابنَهُ إسحاق، وابن ابنه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ ﴾ ؛ أيِ: اذْكُرْ لِقَوْمِكَ قِصَّتَهُ.

وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الصَّدِيقِ في [ النِّساءِ: ٦٩ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ﴾ ؛ أيْ: لا يَدْفَعُ عَنْكَ ضُرًّا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ﴾ بِاللَّهِ والمَعْرِفَةِ ﴿ ما لَمْ يَأْتِكَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ ﴾ ؛ أيْ: لا تُطِعْهُ فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى " كانَ " آَنِفًا.

و " عَصِيًّا "؛ أيْ: عاصِيًا، فَهو ( فَعِيلٌ ) بِمَعْنى ( فاعِلٌ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: في الآَخِرَةِ.

وقالَ غَيْرُهُ: في الدُّنْيا.

﴿ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا ﴾ ؛ أيْ: قَرِينًا في عَذابِ اللَّهِ، فَجَرْتِ المُقارَنَةُ مَجْرى المُوالاةِ.

وقِيلَ: إنَّما طَمِعَ إبْراهِيمُ في إيمانِ أبِيهِ؛ لِأنَّهُ حِينَ خَرَجَ مِنَ النّارِ قالَ لَهُ: نِعْمَ الإلَهُ إلَهُكَ يا إبْراهِيمُ، فَحِينَئِذٍ أقْبَلَ يَعِظُهُ، فَأجابَهُ أبُوهُ: ﴿ أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبْراهِيمُ ﴾ ؛ أيْ: أتارِكٌ عِبادَتَها أنْتَ ؟

﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ ﴾ عَنْ عَيْبِها وشَتْمِها، ﴿ لأرْجُمَنَّكَ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالشَّتْمِ والقَوْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: بِالحِجارَةِ حَتّى تَتَباعَدَ عَنِّي، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واهْجُرْنِي مَلِيًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اهْجُرْنِي طَوِيلًا، رَواهُ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والفَرّاءُ، والأكْثَرُونَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اهْجُرْنِي حِينًا طَوِيلًا، ومِنهُ يُقالُ: تَمَلَّيْتُ حَبِيبَكَ.

والثّانِي: اجْتَنِبْنِي سالِمًا قَبْلَ أنْ تُصِيبَكَ عُقُوبَتِي، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ من قَوْلِهِمْ: فُلانٌ مَلِيٌّ بِكَذا وكَذا: إذا كانَ مُضْطَلِعًا بِهِ، فالمَعْنى: اهْجُرْنِي وعِرْضُكَ وافِرُ، وأنْتَ سَلِيمٌ مِن أذايَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ ﴾ ؛ أيْ: سَلِمْتَ مِن أنْ أُصِيبَكَ بِمَكْرُوهٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالِهِ عَلى كُفْرِهِ، ﴿ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: سَأسْألُ اللَّهَ لَكَ تَوْبَةً تَنالُ بِها مَغْفِرَتَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ وعَدَهُ الِاسْتِغْفارَ، وهو لا يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ مَحْظُورٌ في حَقِّ المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَطِيفًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ والزَّجّاجُ.

والثّانِي: رَحِيمًا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: بارًّا عَوَّدَنِي مِنهُ الإجابَةَ إذا دَعَوْتُهُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأعْتَزِلُكُمْ ﴾ ؛ أيْ: وأتَنَحّى عَنْكُمْ، وأعْتَزِلُ " ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ " يَعْنِي: الأصْنامَ.

وَفِي مَعْنى " تَدْعُونَ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَعْبُدُونَ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: وما تَدْعُونَهُ رَبًّا، ﴿ وَأدْعُو رَبِّي ﴾ ؛ أيْ: وأعْبُدُهُ، ﴿ عَسى ألا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ﴾ ؛ أيْ: أرْجُو أنْ لا أشْقى بِعِبادَتِهِ كَما شَقِيتُمْ أنْتُمْ بِعِبادَةِ الأصْنامِ؛ لِأنَّها لا تَنْفَعُهم ولا تُجِيبُ دُعاءَهم.

﴿ فَلَمّا اعْتَزَلَهُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: هاجَرَ عَنْهم إلى أرْضِ الشّامِ، فَوَهَبَ اللَّهُ لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ، فَآَنَسَ اللَّهُ وحْشَتَهُ عَنْ فِراقِ قَوْمِهِ بِأوْلادٍ كِرامٍ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ: وإنَّما وهَبَ لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ بَعْدَ إسْماعِيلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلا ﴾ ؛ أيْ: وكُلًّا مِن هَذَيْنَ.

وقالَ مُقاتِلٌ: " وكُلًّا " يَعْنِي: إبْراهِيمَ، وإسْحاقَ، ويَعْقُوبَ، " جَعَلْناهُ نَبِيًّا " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: المالُ والوَلَدُ، والعِلْمُ والعَمَلُ، ﴿ وَجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: ذِكْرًا حَسَنًا في النّاسِ مُرْتَفِعًا، فَجَمِيعُ أهْلِ الأدْيانِ يَتَوَلَّوْنَ إبْراهِيمَ وذُرِّيَّتَهُ ويُثْنُونَ عَلَيْهِمْ، فَوَضَعَ اللِّسانَ مَكانَ القَوْلِ؛ لِأنَّ القَوْلَ يَكُونُ بِاللِّسانِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ﴾ ﴿ وَأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ وأدْعُو رَبِّي عَسى ألا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ﴾ ﴿ فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلا جَعَلْنا نَبِيًّا ﴾ ﴿ وَوَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ﴾ قَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ: "سَلامًا" بِالنَصْبِ.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مَعْنى تَسْلِيمِهِ عَلَيْهِ - فَقالَ بَعْضُهُمْ: هي تَحِيَّةُ مُفارِقٍ، وجَوَّزُوا تَحِيَّةَ الكافِرِ، وأنْ يُبْدَأ بِها، وقالَ الجُمْهُورُ: ذَلِكَ التَسْلِيمُ بِمَعْنى المُسالَمَةِ لا بِمَعْنى التَحِيَّةِ، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: أمَنَةٌ مِنِّي لَكَ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهم لا يَرَوْنَ ابْتِداءَ الكافِرِ بِالسَلامِ.

وقالَ النَقّاشُ: حَلِيمٌ خاطَبَ سَفِيهًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا  ﴾ ، ورَفْعَ "السَلامُ" بِالِابْتِداءِ، وجازَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً مُخَصَّصَةً، فَقَرُبَتْ مِنَ المَعْرِفَةِ، ولِأنَّهُ في مَوْضِعِ المَنصُوبِ الَّذِي هُوَ: سَلَّمْتَ سَلامًا، وهَذا كَما يَجُوزُ ذَلِكَ فِيما هو في مَعْنى الفاعِلِ، كَقَوْلِهِمْ: "شَرٌّ أهَرَّ ذا نابٌ"، هَذا مَقالُ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ سَأسْتَغْفِرُ ﴾ مَعْناهُ: سَأدْعُو اللهَ تَعالى في أنْ يَهْدِيَكَ، فَيَغْفِرُ لَكَ بِإيمانِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أظْهَرُ مِن أنْ يُتَأوَّلَ عَلى إبْراهِيمَ الخَلِيلِ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَغْفِرُ لِكافِرٍ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلَ نَبِيٍّ أُوحِيَ إلَيْهِ أنْ لا يُغْفَرُ لِكافِرٍ؛ لِأنَّ هَذِهِ العَقِيدَةَ إنَّما طَرِيقُها السَمْعُ، فَكانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِنهُ لِأبِيهِ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ ذَلِكَ، وإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما تَبَيَّنَ لَهُ في أبِيهِ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ بِأحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا بِمَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ كَما رُوِيَ، وإمّا بِأنْ أُوحِيَ إلَيْهِ تَعَسُّفُ الحَتْمِ عَلَيْهِ.

وقالَ مَكِّيٌّ عَنِ السُدِّيِّ: أخَّرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ إلى السَحَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَعَسُّفٌ، وإنَّما ذُكِرَ ذَلِكَ في أمْرِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ، وأمّا هَذا فَوَعْدٌ بِاسْتِغْفارٍ كَثِيرٍ مُؤْتَنِفٍ، فالسِينُ مُتَمَكِّنَةٌ.

و"الحَفِيُّ": المُبْتَهِلُ المُتَلَطِّفُ، وهَذا شُكْرٌ مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِنِعَمِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ.

ثُمْ أخْبَرَهُ أنَّهُ يَعْتَزِلُهُمْ، أيْ: يَصِيرُ عنهم بِمَعْزِلٍ، ويُرْوى أنَّهم كانُوا بِأرْضِ كَوْثى، فانْتَقَلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ إلى الشامِ، وفي هِجْرَتِهِ تِلْكَ لَقِيَ الجَبّارُ الَّذِي أخْدَمَ هاجَرَ بِسارَّةَ....

الحَدِيثُ بِطُولِهِ.

و"تَدْعُونَ": تَعْبُدُونَ.

وقَوْلُهُ: "عَسى" تَرَجٍّ وفي ضِمْنِهِ خَوْفٌ شَدِيدٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ﴾ الآيَةُ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِمُحَمَّدٍ  أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا رَحَلَ عن بَلَدِ أبِيهِ وبَلَدِ قَوْمِهِ عَوَّضَهُ اللهُ مِن ذَلِكَ ابْنَهُ إسْحاقَ وابْنَ ابْنِهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَلامُ، وجُعِلَ لَهُ الوَلَدُ تَسْلِيَةً وشَدًّا لِعَضُدِهِ، وإسْحاقُ أصْغَرُ مِن إسْماعِيلَ ؛ ولَمّا حَمَلَتْ هاجَرُ بِإسْماعِيلَ غارَتْ سارَّةُ فَحَمَلَتْ بِإسْحاقَ فِيما رُوِيَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا ﴾ يُرِيدُ العِلْمَ والمَنزِلَةَ والشَرَفَ في الدُنْيا والنَعِيمَ في الآخِرَةِ، كُلُّ ذَلِكَ مِن رَحْمَةِ اللهِ، و"لِسانُ الصِدْقِ" هو الثَناءُ الباقِي عَلَيْهِمْ آخِرَ الأبَدِ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

واللِسانُ في كَلامِ العَرَبِ المَقالَةُ الذائِعَةُ كانَتْ في خَيْرٍ أو شَرٍّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أُسِرُّ بِها مِن عُلُوٍّ لا كَذِبَ فِيها ولا سَخِرَ وقالَ آخَرٌ: نَدِمْتُ عَلى لِسانٍ فاتَ مِنِّي ∗∗∗..............

وإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ - وذُرِّيَّتُهُ - مُعَظَّمٌ في جَمِيعِ الأُمَمِ والمَمالِكِ، صَلّى اللهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

سلام عليك سلام توديع ومتاركة.

وبادرهُ به قبل الكلام الذي أعقبه به إشارة إلى أنه لا يسوءه ذلك الهجر في ذات الله تعالى ومرضاته.

ومن حلم إبراهيم أن كانت متكارته أباه مثوبة بالإحسان في معاملته في آخر لحظة.

والسلام: السلامة.

و(على) للاستعلاء المجازي وهو التمكن.

وهذه كلمة تحية وإكرام، وتقدمت آنفاً عند قوله ﴿ وسلام عليه يوم ولد ﴾ [مريم: 15].

وأظهر حرصه على هداه فقال ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ﴾ [التوبة: 114].

واستغفاره له هو المحكي في قوله تعالى: ﴿ واغفر لأبي إنه كان من الضالين ﴾ [الشعراء: 86].

وجملة {سأستغفر لك ربي مستأنفة، وعلامة الاستقبال والفعل المضارع مؤذنان بأنه يكرر الاستغفار في المستقبل.

وجملة إنه كان بي حفيا تعليل لما يتضمنه الوعد بالاستغفار من رجاء المغفرة استجابة لدعوة إبراهيم بأن يوفق الله أبا إبراهيم للتوحيد ونبذِ الإشراك.

والحَفيّ: الشديد البِر والإلطاف.

وتقدم في سورة الأعراف (187) عند قوله: ﴿ يسألونك كأنك حفي عنها ﴾ وجملة وأعتزلكم عطف على جملة سأستغفر لك ربي، أي يقع الاستغفار في المستقبل ويقع اعتزالي إياكم الآن، لأن المضارع غالب في الحال.

أظهر إبراهيم العزم على اعتزالهم وأنه لا يتوانى في ذلك ولا يأسف له إذا كان في ذات الله تعالى، وهو المحكي بقوله تعالى: ﴿ وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين ﴾ [الصافات: 99]، وقد خرج من بَلد الكلدان عازماً على الالتحاق بالشام حسب أمر الله تعالى.

رأى إبراهيم أن هجرانه أباه غير مغن، لأن بقية القوم هم على رأي أبيه فرأى أن يهجرهم جميعاً، ولذلك قال له {وأعتزلكم.

وضمير جماعة المخاطبين عائد إلى أبي إبراهيم وقومه تنزيلاً لهم منزلة الحضور في ذلك المجلس، لأن أباه واحد منهم وأمرهم سواء، أو كان هذا المقال جرى بمحضر جماعة منهم.

وعُطف على ضمير القوم أصنامُهم للإشارة إلى عداوته لتلك الأصنام إعلاناً بتغيير المنكر.

وعبر عن الأصنام بطريق الموصولية بقوله ما تدعون من دون الله للإيماء إلى وجه بناء الخبر وعلّة اعتزاله إياهم وأصنامَهم: بأن تلك الأصنام تعبد من دون الله وأن القوم يعبدونها، فذلك وجه اعتزاله إياهم وأصنامهم.

والدعاء: العبادة، لأنها تستلزم دعاء المعبود.

وزاد على الإعلان باعتزال أصنامهم الإعلان بأنه يدعو الله احتراساً من أن يحسبوا أنه نوى مجرد اعتزال عبادة أصنامهم فربما اقتنعوا بإمساكه عنهم، ولذا بيّن لهم أنه بعكس ذلك يدعو الله الذي لا يعبدونه.

وعبّر عن الله بوصف الربوبية المضاف إلى ضمير نفسه للإشارة إلى انفراده من بينهم بعبادة الله تعالى فهو ربّه وحده من بينهم، فالإضافة هنا تفيد معنى القصر الإضافي، مع ما تتضمنه الإضافة من الاعتزاز بربوبية الله إياه والتشريف لنفسه بذلك.

وجملة وعسى ألا أكون بدعاء ربي شقياً في موضع الحال من ضمير وأدعوا أي راجياً أن لا أكون بدعاء ربي شقياً.

وتقدم معناه عند قوله ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ في هذه السورة (4).

وفي إعلانه هذا الرجاء بين ظهرانيهم تعريض بأنهم أشقياء بدعاء آلهتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قالَ تَعالى: ﴿ لأرْجُمَنَّكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالحِجارَةِ حَتّى تُباعِدَ عَنِّي، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: لَأرْجُمُنَّكَ بِالذَّمِّ بِاللِّسانِ والعَيْبِ بِالقَوْلِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

﴿ واهْجُرْنِي مَلِيًّا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: دَهْرًا طَوِيلًا، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهِلٍ: فَتَصَدَّعَتْ صُمُّ الجِبالِ لِمَوْتِهِ وبَكَتْ عَلَيْهِ المُرْمَلاتُ مَلِيًّا الثّانِي: سَوِيًّا سَلِيمًا مِن عُقُوبَتِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وعَطاءٌ.

الثّالِثُ: حِينًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ ﴾ هَذا سَلامُ إبْراهِيمَ عَلى أبِيهِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَلامُ تَوْدِيعٍ وهَجْرٍ لِمَقامِهِ عَلى الكُفْرِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: وهو أظْهَرُ أنَّهُ سَلامُ بِرٍّ وإكْرامٍ، فَقابَلَ جَفْوَةَ أبِيهِ بِالبِرِّ تَأْدِيَةً لِحَقِّ الأُبُوَّةِ وشُكْرًا لِسالِفِ التَّرْبِيَةِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَأسْتَغْفِرُ لَكَ إنْ تَرَكْتَ عِبادَةَ الأوْثانِ.

الثّانِي: مَعْناهُ سَأدْعُوهُ لَكَ بِالهِدايَةِ الَّتِي تَقْتَضِي الغُفْرانَ.

﴿ إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُقَرِّبًا.

الثّانِي: مُكْرِمًا.

الثّالِثُ: رَحِيمًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الرّابِعُ: عَلِيمًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الخامِسُ: مُتَعَهِّدًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو نعيم والديلمي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حق الوالد على ولده أن لا يسميه إلا بما سمى إبراهيم أباه يا أبت ولا يسميه باسمه» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لأرجمنك ﴾ قال: لأشتمنك ﴿ واهجرني ملياً ﴾ قال: حيناً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ واهجرني ملياً ﴾ قال: اجتنبني سالماً قبل أن يصيبك مني عقوبة.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة مثله.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله: ﴿ واهجرني ملياً ﴾ قال: سالماً.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن مثله.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ واهجرني ملياً ﴾ قال: حيناً.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف، عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله: ﴿ واهجرني ملياً ﴾ ما الملي؟

قال: طويلاً، قال فيه المهلهل: وتصدعت شم الجبال لموته ** وبكت عليه المرملات ملياً وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: ﴿ إنه كان بي حفياً ﴾ قال: لطيفاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ إنه كان بي حفياً ﴾ قال: عوده الإجابة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب ﴾ قال: يقول وهبنا له إسحاق ولداً، ويعقوب ابن ابنه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجعلنا لهم لسان صدق علياً ﴾ قال الثناء الحسن.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

فقال إبراهيم مجيبا لأبيه: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكَ ﴾ أي: سلمت مني لا أصيبك بمكروه (١) ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكَ ﴾ وسئل سفيان بن عيينة: (أيجوز السلام على أهل الذمة؟

فقال: نعم، إنما حضر ذلك في دار الحرب، فأما في السلم فلا، وقد قال الله تعالى: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ  ﴾ الآية، وقال في قصة إبراهيم: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ ﴾ إلى قوله: ﴿ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ  ﴾ ، فاستثنى الاستغفار، ولم يستثن السلام) (٢) ﴿ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ﴾ سأدعو لك ربي بالمغفرة والتوبة، وذلك أنه لما أعياه أمره وعده أن يراجع الله في بابه فيسأله أن يرزقه التوحيد ويغفرله، واستغفاره له يتضمن مسألة التوحيد؛ لأنه لا يغفر له ما ثبت على شركه، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ  ﴾ أي: لما مات على شركه ترك الاستغفار له.

والمعنى على هذا سأسأل الله لك توبة تنال بها مغفرته (٣) (٤) (٥) قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: (لطيفا بارا)] (٦) قال الزجاج: (يقال: تَحَفَّى به تَحَفِّيًا، وحَفِي به حَفْوَة إذا بره وألطفه) (٧) وقال الكلبي: ( ﴿ حَفِيًّا ﴾ : عالما) (٨) (٩) (١٠) وذكر الفراء القولين جميعا (١١) ﴿ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا  ﴾ .

قوله تعالى: ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ ﴾ أي: أتنحى عنكم وأفارقكم.

يقال: عَزَلْتُه عن الشيء نحيته عنه فَاعْتَزَل (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ أي: أعتزل ما تعبدون من دون الله يعني: الأصنام (١٣) ﴿ وَأَدْعُو رَبِّي ﴾ أعبده ﴿ عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا ﴾ أرجو أن لا أشقى بعبادته، وفي هذا إشارة إلى أنهم شقوا بعبادة الأصنام؛ لأنها لا تنفعهم ولا تجيب دعاءهم (١٤) (١) "جامع البيان" 6/ 92، "النكت والعيون" 3/ 375، "المحرر الوجيز" 9/ 480، "معالم التنزيل" 3/ 198، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 137.

(٢) ذكره القرطبي 11/ 11 أو قال: والجمهور على أن المراد بسلامه المسالمة التي هي المتاركة لا التحية، وقال النقاش: حليم خاطب فيها كما قال: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ .

(٣) "بحر العلوم" 325/ 2، "النكت والعيون" 3/ 375، "المحرر الوجيز" 9/ 480، "معالم التنزيل" 5/ 235، "زاد المسير" 5/ 237.

(٤) من قوله: (وموضع الباء مع ما بعدها ..) إلى هنا ساقط من (س).

(٥) "المحرر الوجيز" 9/ 480، "ابن كثير" 3/ 137، "فتح القدير" 3/ 483.

ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ  ﴾ .

(٦) "جامع البيان" 16/ 92، "ابن كثير" 3/ 137، "زاد المسير" 5/ 238، "فتح القدير" 3/ 337.

وما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 333.

(٨) "النكت والعيون" 3/ 375، "معالم التنزيل" 5/ 235.

(٩) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.

انظر: "الكشف والبيان" 3/ 7، "معالم التنزيل" 5/ 235، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 113.

(١٠) ذكره أبو حيان في "النهر المارد" بدون نسبة 1/ 392، وكذلك ابن سعدي في "تيسير الكريم الرحمن" 5/ 113.

(١١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 169.

(١٢) انظر: "تهذيب اللغة" (عزل) 5/ 2930، "مقاييس اللغة" (عزل) 4/ 307، "المفردات في غريب القرآن" (عزل) 334، "مختار الصحاح" (عزل) 430.

(١٣) "معالم التنزيل" 5/ 236، "المحرر الوجيز" 9/ 481، "زاد المسير" 5/ 238.

(١٤) "معالم التنزيل" 5/ 239، "زاد المسير" 5/ 238.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ صِدِّيقاً ﴾ بناء مبالغة من الصدق أو من التصديق، ووصفه بأنه صدّيق قبل الوحي نُبِّئ بعده، ويحتمل أنه جمع الوصفين ﴿ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ ﴾ يعني الأصنام ﴿ صراطا سَوِيّاً ﴾ أي قويما ﴿ لأَرْجُمَنَّكَ ﴾ قيل: يعني الرجم بالحجارة وقيل: الشتم ﴿ واهجرني مَلِيّاً ﴾ أي حيناً طويلاً، وعطف اهجرني على محذوف تقديره احذر رجمي لك ﴿ قَالَ سلام عَلَيْكَ ﴾ وداع مفارقة، وقيل: مسالمة لا تحية لأن ابتداء الكافر بالسلام لا يجوز ﴿ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ﴾ وعد، وهو الذي أشير إليه بقوله: عن موعدة وعدها إياه قال ابن عطية، معناه: سأدعو الله أن يهديك فيغفر لك بإيمانك، وذلك لأن الاستغفار للكافر لا يجوز، وقيل: وعده أن يستغفر له مع كفره، ولعله كان لم يعلم أن الله لا يغفر للكفار حتى أعلمه بذلك، ويقوي هذا القول قوله: ﴿ واغفر لأبي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضآلين ﴾ [الشعراء: 86]، ومثل ثذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ﴿ حَفِيّاً ﴾ أي باراً متلطفاً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ مخلصاً ﴾ بفتح اللام: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل.

الباقون بكسرها.

﴿ إبراهام ﴾ وما بعده: هشام والأخفش عن ابن ذكوان ﴿ إذا ابتلي ﴾ بالياء التحتانية وكذلك في سورة الحج: قتيبة ﴿ نورث ﴾ بالتشديد: رويس.

الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ سوياً ﴾ ه ﴿ لا تعبد الشيطان ﴾ ط ﴿ عصياً ﴾ ه ﴿ ولياً ﴾ ه ﴿ يا إبراهيم ﴾ ط ج وقد يوصل ويوقف على ﴿ آلهتي ﴾ .

﴿ ملياً ﴾ ه ﴿ سلام عليك ﴾ ج للابتداء بسين الاستقبال مع أن القائل واحد ﴿ لك ربي ﴾ ط ﴿ حفياً ﴾ ه ﴿ وأدعو ربي ﴾ ز لانقطاع النظم والوصل أولى لأن عسى لطمع الإجابة بالدعاء ﴿ شقياً ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ لا لأن ما بعده جواب لما ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ز للأبتداء بأن مع أن المراد بالذكر إخلاص موسى ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نجياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ إسماعيل ﴾ ز لما مر ﴿ نبياً ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ والزكاة ﴾ ط ﴿ مرضيا ﴾ ه ﴿ إدريس ﴾ ز ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ مع نوح ﴾ ز على تقدير ومن ذريته إبراهيم وما بعده قوم إذا تتلى عليهم، وكذا وجه من وقف على ﴿ ذرية آدم ﴾ أو على ﴿ إسرائيل ﴾ والأصح أن الكل عطف على ذرية آدم والوقف على قوله: ﴿ واجتبينا ﴾ لئلا يحتاج إلى الحذف وليرجع ثناء السجود والبكاء إلى الكل ﴿ وبكيا ﴾ ه ﴿ عياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ جنات ﴾ بدل من ﴿ الجنة ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ط ﴿ مأتيا ﴾ ه ﴿ سلاماً ﴾ ه ﴿ وعشياً ﴾ ه ﴿ تقياً ﴾ ه ﴿ بأمر ربك ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ ذلك ﴾ ج لأن قوله: ﴿ وما كان ﴾ معطوف على ﴿ نتنزل ﴾ مع وقوع العارض ﴿ نسياً ﴾ ج ه، لأن ما بعده بدل أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ لعبادته ﴾ ط ﴿ سمياً ﴾ ه.

التفسير: إن الذين أثبتوا معبوداً سوى الله منهم من أثبت معبوداً حياً عاقلاً كالنصارى، ومنهم من عبد معبوداً جماداً كعبدة الأوثان، وكلا الفريقين ضال إلا أن الفريق الثاني أضل.

وحين بين ضلال الفريق الأول شرع في بيان ضلال الفريق الثاني تدرجاً من الأسهل إلى الأصعب.

وإنما بدأ بقصة إبراهيم  لأنه كان أبا العرب وكانوا مقرين بعلوّ شأنه وكمال دينه فكأنه قال لهم: إن كنتم مقلدين فقلدوه في ترك عبدة الأوثان وعبادتها، وإن كنتم مستدلين فانظروا في الدلائل التي ذكرها على أبيه.

والمراد بذكر الرسول إياه في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس كقوله: ﴿ واتل عليهم نبأ إبراهيم  ﴾ وإلا فهو  هو الذي يذكره في تنزيله.

وقوله: ﴿ إذ قال ﴾ بدل من ﴿ إبراهيم ﴾ وما بينهما اعتراض، ولمكان هذا الاعتراض صار الوقف على ﴿ إبراهيم ﴾ مطلقاً.

وجوز في الكشاف أن يتعلق "إذ" بـ ﴿ كان ﴾ أو بـ ﴿ صديقاً نبياً ﴾ أي كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات.

والصديق من أبنية المبالغة فهي إما مبالغة صادق لأن ملاك أمر النبوة الصدق، وإما مبالغة مصدق وذلك لكثرة تصديقه الحق وهذا أيضاً بالحقيقة يعود إلى الأول، لأن مصدق الحق لا يعتبر تصديقه.

إلا إذا كان صادقاً جداً في أقواله مصدقاً لجميع من تقدم من الأنبياء والكتب، وكان نبياً في نفسه رفيع القدر عند الله وعند الناس بحيث جعل واسطة بينه وبين عباده.

وقيل: إن "كان" بمعنى "صار" والأصح أنه بمعنى الثبوت والاستمرار أي إنه لم يزل موصوفاً بالصدق والنبوة في الأوقات الممكن له ذلك فيها.

والتاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وقد مر في أول سورة يوسف.

أورد على أبيه الدلائل والنصائح وصدر كلاً منها بالنداء المتضمن للرفق واللين استمالة لقلب أبيه وامتثالاً لأمر ربه على ما رواه أبو هريرة أن رسول الله  قال: "أوحى الله إلى إبراهيم إنك خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي وأسكنه حظيرة القدس وأدنيه من جواري" .

فقوله: {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر" منسيّ المفعول لا منويه فإن الغرض نفي الفعلين على الإطلاق دون التقييد.

و"ما" موصولة أو موصوفة أي الذي لا يسمع أو معبوداً لا يسمع و ﴿ شيئاً ﴾ مفعول به من قوله: "أغن عني وجهك" أي ادفعه.

ويجوز أن يكون بمعنى المصدر أي شيئاً من الإغناء، وعلى هذا يجوز أن يقدر نحوه مع الفعلين السابقين أي لا يسمع شيئاً من السماع إلى آخره.

وحاصل الدليل أن العبادة غاية الخضوع فلا يستحقها إلا أشرف الموجودات لا أخسها وهو الجماد غاية عذرهم عن تلك هي أنها تماثيل أشياء يتصوّر نفها أو ضرها كالكواكب وغيرها فيقال لهم: أليس الكواكب وسائر الممكنات تنتهي في الاحتياج إلى واجب الوجود؟

فإذا جعل شيء من هذه الأشياء معبوداً فقد شورك الممكن والواجب في نهاية التعظيم وهذا مما ينبو عنه الطبع السليم، ورفع الوسائط من البين أدخل في الإخلاص وأقرب إلى الخلاص.

وقوله: ﴿ يا أبت أني قد جاءني ﴾ تنبيه ونصيحة وفيه أن هذا العلم تجدد له حصوله فيكون أقرب إلى التصديق.

وفي قوله: ﴿ من العلم ما لم يأتك ﴾ فائدة هي أنه لم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ولكنه قال: إن معي طائفة من العلم ليست معك فلا تستنكف، وهب أنا في مفازة وعندي معرفة بالدلالة دونك ﴿ فاتبعني أهدك صراطاً سوياً ﴾ مستوياً مؤدّياً إلى المقصود وهو صلاح المعاش والمعاد.

استدل أرباب التعليم بالآية بأنه لا بد من الاتباع.

وأجيب بأنه لا يلزم من اتباع النبي اتباع غيره.

والإنصاف أن هذه الطريق أسهل.

ثم أكد المعنى المذكور بنصيحة أخرى زاجرة عما هو عليه فقال: ﴿ يا أبت لا تعبد الشيطان ﴾ أي لا تطعه فإن عبادة الأصنام هي طاعة الشيطان.

ثم أسقط حصة نفسه إذ لم يقل إن الشيطان عدوّ لبني آدم بل قدّم حق ربه فقال: ﴿ إن الشيطان كان للرحمن عصياً ﴾ حين ترك أمره بالسجود عناداً واستكباراً لا نسياناً وخطأ، نبهه بهذه النصيحة على وجود الرحمن ثم على وجود الشيطان، وأن الرحمن مصدر كل خير، والشيطان مظهر كل شر بدلالة الموضوع اللغوي، وهذا القدر كافٍ من التنبيه لمن تأمل وأنصف.

ثم بين الباعث على هذه النصحية فقال: ﴿ يا أبت إني أخاف ﴾ وفيه مع التخويف من سواء العاقبة أنواع من الأدب إذ ذكر الخوف والمس ونكر العذاب.

قال الفراء: معنى أخاف أعلم.

والأكثرون على أنه محمول على ظاهره لأن إبراهيم  لم يكن جازماً بموت أبيه على الكفر وإلا لم يشتغل بنصحه.

والخوف على الغير ظن وصول الضرر إلى ذلك الغير مع تألم قلبه من ذلك كما يقال: أنا خائف على ولدي.

وذكروا في الولي وجوهاً منها: أنه إذا استوجب عذاب الله كان مع اشيطان في النار والمعية سبب الولاية أو مسببها غالباً، وإطلاق أحدهما على الآخر مجاز.

وليس هناك ولاية حقيقة لقوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ  ﴾ ﴿ إني كفرت بما أشركتمون من قبل  ﴾ ومنها أن حمل العذاب على الخذلان ومنها أن الولي بمعنى التالي والتابع قال جار الله: جعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أتباعه وأوليائه أكبر من نفس العذاب، لأن ولاية الشيطان في مقابلة رضا الرحمن وقال عز من قائل: ﴿ ورضوان من الله أكبر  ﴾ وإذا كان رضوان الله أكبر من نعيم الجنة فولاية الشيطان أعظم من عذاب النار.

ثم إن الشيخ قبل ملاطفات إبراهيم بالفظاظة والغلظة قائلاً ﴿ أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ﴾ فقدم الخبر على المبتدأ إشعاراً بأنه عنده أعنى.

وفي هذا الاستفهام ضرب من التعجب والإنكار لرغبته عن آلهته.

وفي قوله: ﴿ يا إبراهيم ﴾ دون أن يقول: "يا بني" في مقابلة ﴿ يا أبت ﴾ تهاون به كيف لا وقد صرح بالإهانة قائلاً ﴿ لئن لم تنته لأرجمنك ﴾ باللسان أي لأشتمنك أو باليد أي لأقتلنك وأصله الرمي بالرجم.

ثم ههنا إضمار أي فاحذرني ﴿ واهجرني ملياً ﴾ أي زماناً طويلاً من الملاوة، أو أراد ملياً بالذهاب والهجران.

مطيقاً له قوياً عليه قبل أن أثخنك بالضرب.

فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على التمرد والجهالة ﴿ قال سلام عليك ﴾ يعني سلام توديع ومتاركة كقوله: ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً  ﴾ وفيه أن متاركة المنصوح إذا ظهر منه آثار اللجاج من سنن المرسلين، ويحتمل أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له ورفقاً به بدليل قوله: ﴿ سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيّاً ﴾ بليغاً في البر والإلطاف وقد مر ي آخر "الأعراف".

احتج بالآية بعض من طعن في عصمة الأنبياء قال: إنه استغفر لأبيه الكافر وهو منهي عنه لقوله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين  ﴾ الآية.

ولقوله في الممتحنة ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم  ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك  ﴾ فلو لم يكن هذا معصية لم يمنع من التأسي به.

والجواب لعل إبراهيم  في شرعه لم يجد ما يدل على القطع بتعذيب الكافر أو لعل بهذا الفعل منه من باب ترك الأولى، أو لعل الاستغفار بمعنى الاستبطاء كقوله: ﴿ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله  ﴾ والمعنى سأسأل ربي أن يخزيك بكفرك ما دمت حياً.

والجواب في الحقيقة ما مر في آخر سورة التوبة في قوله عز من قائل ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه  ﴾ والمنع من التأسي لا يدل على المعصية، فلعل الاستغفار مع ذلك الشرط كان من خصائصه كما أن كثيراً من الأمور كانت مباحة للرسول الله  هي محرمة علينا.

ثم صرح بما تضمنه السلام من التوديع والهجران فقال: ﴿ وأعتزلكم ﴾ أي أهاجر إلى الشام ﴿ و ﴾ أعتزل ﴿ ما تدعون ﴾ أي ما تعبدون ﴿ من دون الله ﴾ وقد يعبر بالدعاء عن العبادة لأنه منها ومن وسائطها، يدل على هذا التفسير قوله: ﴿ فلما أعتزلهم وما يعبدون ﴾ أما قوله: ﴿ وأدعو ربي ﴾ فيحتمل معنيين: العبادة والدعاء كما يجيء في سورة الشعراء.

وفي قوله: ﴿ عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً ﴾ تعريض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم وعبادتها مع التواضع وهضم النفس المستفاد من لفظ ﴿ عسى ﴾ .

قال العلماء: ما خسر على الله أحد فإن إبراهيم لما ترك أباه الكافر وقومه فراراً بدينه عوّضه الله أولاداً مؤمنين أنبياء وذلك قوله: ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاً جعلنا نبياً ووهبنا لهم ﴾ شيئاً ﴿ من رحمتنا ﴾ عن الحسن: هي النبوة.

وعن الكلبي: المال والولد.

والأظهر أنها عامة في ذلك كل خير ديني ودنيوي ولسان الصدق والثناء الحسن، عبر باللسان عما يوجد به كما عبر باليد عما يطلق بها وهو العطية وقد مر تحقيق الإضافة في أول يونس في قوله: ﴿ قدم صدق  ﴾ تبرأ إبراهيم من أبيه ابتغاء مرضاة الله فسماه الله أبا بالمؤمنين ﴿ ملة أبيكم إبراهيم  ﴾ ، وتل ولده للجبين ففداه الله بذبح عظيم، وأسلم نفسه لرب العالمين فجعل النار عليه برداً وسلاماً، وأشفق على هذه الأمة فقال وابعث فيهم رسولاً، فأشركه الله في الصلاة على النبي  في الصلوات الخمس، ووفى في حق سارة كما قال  : ﴿ وإبراهيم الذي وفى  ﴾ فجعل موطىء قدمه مباركاً ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى  ﴾ وعادى كل الخلق في الله حين قال ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين  ﴾ فلا جرم اتخذه الله خليلاً.

ثم قفى قصة إبراهيم بقصة موسى  لأنه تلوه في الشرف.

والمخلص بكسر اللام الذي أخلص العبادة عن الشرك والرياء وأخلص وجهه لله، وبالفتح الذي أخلصه الله و ﴿ كان رسولاً نبياً ﴾ الرسول الذي معه كتاب من الأنبياء والنبي الذي ينبىء عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب، وكان المناسب ذكر الأعم قبل الأخص إلا أن رعاية الفاصلة اقتضت عكس ذلك كقوله في طه ﴿ برب هرون وموسى  ﴾ ﴿ الأيمن ﴾ من اليمين أي من ناحية اليمنى من موسى أو هو من اليمن صفة للطور أو للجانب ﴿ وقربناه ﴾ حال كونه ﴿ نجياً ﴾ أي مناجياً شبه تكليمه إياه من غير واسطة ملك بتقريب بعض الملوك واحداً من ندمائه للمناجاة والمسارة.

وعن أبي العالية أن التقريب حسي، قربه حتى سمع صريف القلم الذي كتبت به التوراة والأول أظهر، ومنه قولهم للعبادة "تقرب" وللملائكة "أنهم مقربون".

﴿ ووهبنا له من رحمتنا ﴾ أي من أجلها أي بعض رحمتنا فيكون ﴿ أخاه ﴾ بدلاً و ﴿ هرون ﴾ عطف بيان كقولك "رأيت رجلاً أخاك زيداً".

و ﴿ نبياً ﴾ حال من هارون.

قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى فتنصرف الهبة إلى معاضدته وموازرته.

وذلك بدعاء موسى في قوله: ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي  ﴾ وخص إسماعيل بن إبراهيم بصدق الوعد وإن كان الأنبياء كلهم صادقين فيما بينهم وبين الله أو الناس، لأنه المشهور المتواصف من خصاله من ذلك: أنه وعد نفسه الصبر على الذبح فوفى به.

وعن ابن عباس أنه وعد صاحباً له أن ينتظره فانتظره سنة.

عن رسول الله  أنه واعد رجلاً ونسي ذلك الرجل فانتظره من الضحى إلى قريب من غروب الشمس.

وسئل الشعبي عن الرجل يعد ميعاده إلى أي وقت ينتظره؟

فقال: إذا واعدته في وقت الصلاة فانتظره إلى وقت صلاة أخرى.

وكان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لغيرهم ولأن الابتداء بالإحسان الديني والدنيوي بمن هو أقرب أولى ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً  ﴾ "بدأ من تعول" ويحسن أن يقال: أهله أمته كلهم أقارب أو أباعد من حيث إنه يلزمه في جميعهم ما يلزم المرء في أهله خاصة من قضاء حقوق النصيحة والشفقة ورعاية مصالحهم الدينية والدنيوية.

وعلى القولين يندرج في الصلاة الصلوات المفروضة والمندوبة كصلاة التهجد وغيرها، وأما الزكاة فالأقرب أنها الصدقة المفروضة.

وعن ابن عباس أنها طاعة الله والإخلاص لأن فاعلها يزكو بها عند الله.

وأما إدريس فالأصح أنه اسم عجمي بدليل منع الصرف كما مر مراراً في آدم ويعقوب وغيرهما.

وقيل: "افعيل" من الدرس لكثرة دراسته كتاب الله، ولعل معناه بالأعجمية قريب من الدراسة فظنه القائل مشتقاً منها.

وفي رفعته أقوال منها: أن المكان العليّ شرف النبوة والزلفى عند الله، وقد أنزل عليه ثلاثون صحيفة، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود، واسمه أخنوخ من أجداد نوح لأنه نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وأهل التنجيم بعضهم يسمونه هرمس ولهم نوادر في استخراج طوالع المواليد ينسبونه إليه.

وقيل: إن الله  رفعه إلى السماء وإلى الجنة وهو حي لم يمت.

وقال آخرون: رفع إلى السماء وقبض روحه.

عن ابن عباس أنه سأل كعباً عن قوله: ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ قال: جاء خليل من الملائكة فسأله أن يكلم ملك الموت حتى يؤخر قبض روحه، فحمله ذلك الملك بين جناحيه فصعد به، فلما كان في السماء الرابعة إذ بملك الموت يقول: بعثت لأقبض روح إدريس في السماء الرابعة وأنا أقول: كيف ذلك وهو في الأرض؟

فالتفت إدريس فرأى ملك الموت فقبض روحه هناك.

وعن ابن عباس أنه رفع إلى السماء السادسة.

وعن الحسن: المراد أنه رفع إلى الجنة ولا شيء أعلى منها.

﴿ أولئك ﴾ المذكورون من لدن زكريا إلى إدريس هم ﴿ الذين أنعم الله عليهم من النبيين ﴾ "من" للبيان لأن جميع الأنبياء منعم عليهم ﴿ من ذرية آدم ﴾ هي للتبعيض وكذا في قوله: ﴿ وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل ﴾ والمراد بمن هو من ذرية آدم إدريس لقربه منه، وبذرية من حمل مع نوح إبراهيم  لأنه من ولد سام بن نوح، وبذرية إبراهيم وإسماعيل، وبذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم لأن مريم من ذريته.

﴿ وممن هدينا ﴾ يحتمل العطف على من الأولى والثانية وفي هذا الترتيب تنبيه على أن هؤلاء الأنبياء اجتمع لهم مع كمال الأحساب شرف الأنساب، وأن جميع ذلك بواسطة هداية الله وبمزية اجتنائه واصطفائه.

ثم إن جعلت ﴿ الذين ﴾ خبراً ﴿ لأولئك ﴾ كان ﴿ إذا يتلى ﴾ كلاماً مستأنفاً، وإن جعلته صفة له كان خبراً وقد عرفت في الوقوف سار الوجوه من قرأ ﴿ يتلى ﴾ بالتذكير لأن تأنيث الآيات غير حقيقي والفاصل حاصل.

والبكي جمع باكٍ "فعول" كسجود في "ساجد" أبدلت الواو ياء وأدغمت وكسر ما قبلها للمناسبة.

ومن زعم أنه مصدر فقدسها لأنها قرينة سجداً.

عن رسول الله  : " اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" أراد بالآيات التي فيها ذكر العذاب وقال غيره: إطلاق الآيات والحديث المذكور يدل على العموم لأن كل آية إذا فكر فيها المفكر صح أن يسجد عندها ويبكي.

قلت: لعل المراد بآيات الله ما خصهم الله  به من الكتب المنزلة، لأن القرآن حينئذ لم يكن منزلاً واختلفوا في السجود.

فقيل: هو الخشوع والخضوع.

وقيل: الصلاة.

وقيل: سجدة التلاوة على حسب ما تعبدنا به.

ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا يتعبدون بالسجود.

قال الزجاج: الإنسان في حال خروره لا يكون ساجداً فالمراد خروا متهيئين للسجود.

عن رسول الله  : "اقرؤا القرآن بحزن فإنه نزل بحزن" وعن ابن عباس: إذا قرأتم سجدة "سبحان" فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه.

وقالت العلماء: يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بها فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللَّهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك.

وإن قرأ سجدة "سبحان" قال: اللَّهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك.

وإن قرأ ما في هذه السورة قال: اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك.

ولما مدح هؤلاء الأنبياء ترغيباً لغيرهم من سيرتهم وصف أضدادهم لتنفير الناس عن طريقتهم قائلاً ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ وهو عقب السوء كما مر في آخر "الأعراف" فإضاعة الصلاة في مقابلة الخرور سجداً، واتباع الشهوات بإزاء البكاء.

عن بان عباس: هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلوا نكاح الأخت من الأب.

وعن إبراهيم النخعي ومجاهد: أضاعوها بالتأخير.

وعن علي  في قوله: ﴿ واتبعوا الشهوات ﴾ من بني الشديد وركب المنظور ولبس المشهور.

وعن قتادة: هو في هذه الأمة ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ قال جار الله: كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد.

وقال الزجاج: هو على حذف المضاف أي جزاء غي كقوله: ﴿ ويلق أثاماً  ﴾ أي مجازاة أثام.

وقيل: غياً من طريق الجنة.

وقيل: هو وادٍ في جهنم تستعيذ منه أوديتها احتج بعضهم بقوله: ﴿ إلا من تاب وآمن ﴾ على أن تارك الصلاة كافر وإلا لم يحتج إلى تجديد الإيمان.

والجواب أنه إذا كان المذكورون هم الكفرة أو اليهود - كما رويناه عن ابن عباس - سقط الاستدلال.

واحتجت الأشاعرة في أن العمل ليس من الإيمان لأن العطف دليل التغاير.

وأجاب الكعبي بأنه عطف الإيمان على التوبة مع أنها من الإيمان، ومنع من أن التوبة من الإيمان ولكنها شرطه لأنها العزم على الترك والإيمان إقرار باللسان، وإنما حذف الموصوف ههنا وقال في الفرقان ﴿ وعمل عملاً صالحاً  ﴾ لأنه أوجز في ذكر المعاصي فأوجز في التوبة وأطال هناك فأطال هناك.

وهذا الاستثناء بحسب الغالب فقد يتوب عن كفره ويؤمن ولم يدخل بعد وقت الصلاة، أو كانت المرأة حائضاً ثم مات فهو من أهل النجاة مع أنه لم يعمل صالحاً.

ومعنى ﴿ لا يظلمون شيئاً ﴾ لا ينقصون شيئاً من جزاء أعمالهم بل يضاعف لهم تفضلاً تنبيهاً على أن تقدم الكفر لا يضرهم بعد أن يتوبوا، ويحتمل أن ينتصب ﴿ شيئاً ﴾ على المصدر أي شيئاً من الظلم.

ومعنى ﴿ جنات عدن ﴾ قد مر في سورة التوبة في قوله: ﴿ ومساكن طيبة في جنات عدن  ﴾ وصفها الله  بالإقامة والدوام خلاف ما عليه جنان الدنيا.

ولما كانت الجنة مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، ويحتمل انتصابها عل الاختصاص وكذا انتصاب "التي".

قال جار الله: عدن علم بمعنى العدن وهو الإقامة وهو علم لأرض الجنة لكونها مكان إقامة ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة.

ولما ساغ وصفها بـ "التي" ومعنى ﴿ بالغيب ﴾ مع الغيبة أي وعدوها وهي غائبة عنهم غير حاضرة، أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها، أو الباء للسببية أي وعدها عباده بسبب تصديق الغيب والإيمان به خلاف حال المنافقين.

وقوله: ﴿ إنه كان وعده مأتياً ﴾ بالأول أنسب وهو مفعول بمعنى "فاعل"، أو على أصله لأن ما أتاك فقد أتيته.

وجوز في الكشاف أن يكون من قولك: "أتى إليك إحساناً" أي كان وعده مفعولاً منجزاً.

قوله: ﴿ إلا سلاماً ﴾ استثناء متصل على التأويل لأن اللغو فضول الكلام وما لا طائل تحته كما تقدم في يمين اللغو في "البقرة" وفي "المائدة" أي إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغواً فلا يسمعون لغواً إلا ذلك كقولهم "عتابك السيف".

أو استثناء منقطع أي لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة، ويجوز أن يكون متصلاً بتأويل آخر وهو أن معنى السلام الدعاء بالسلامة وأهل دار السلام عن الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام.

وفي الآية تنبيه ظاهر على وجوب اتقاء اللغو حيث نزه الله عنه الدار التي لا تكليف فيها.

ثم إنه  من عادته ترغيب كل قوم بما أحبوه في الدنيا فلذلك ذكر أساور من الذهب والفضة لبس الحرير التي كانت للعجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة، وكانت من عادة أشراف اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء لأنها العادة الوسطى المحمودة لمتنعمين منهم فوعدهم بذلك قائلاً: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعيشاً ﴾ هذا قول الحسن.

ولا يكون ثم ليل ولا نهار ولكن على التقدير أي يأكلون على مقدار الغداة على العشي.

وقيل: أراد دوام الرزق كما تقول: أنا عند فلان صباحاً ومساء تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين.

وقوله: ﴿ تلك الجنة التي نورت ﴾ كقوله في "الأعراف" ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها  ﴾ وهي استعارة أي تبقى عليهم الجنة كما يبقى على الوارث مال الموروث منه.

قال القاضي: في الآية دلالة على أن الجنة يختص بدخولها من كان متقياً غير مرتكب للكبائر.

وأجيب بمنع الاختصاص وبأنه يصدق على صاحب الكبيرة.

أنه اتقى الكفر.

سئل ههنا أن قوله  : ﴿ تلك الجنة التي نورث ﴾ كلام الله وقوله بعده: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب ليس من كلام الله فما وجه العطف بينهما: وأجيب بأنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح، فظاهر قوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب جماعة لواحد وإنه لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول كما روي أن قريشاً بعثت خمسة رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة محمد  وهل يجدونه في كتابهم.

فسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه، وقالت اليهود: نجده في كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمان اليمامة عن خصال ثلاث فلم يعرف فاسألوه عنهن، فإن أخبركم بخصلتين منها فاتبعوه، فاسألوه عن فئة أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فلم يدر كيف يجيب، فوعدهم الجواب ولم يقل: إن شاء الله.

فاحتبس الوحي عليه أربعين يوماً - وقيل خمسة عشر يوماً - فشق عليه ذلك مشقة شديدة.

وقال المشركون: ودعه ربه وقلاه.

فنزل جبرائيل  فقال له النبي  : "أبطأت عني حتى ساء ظني واشتقت إليك." قال: كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذ حبست احتبست.

فأنزل الله الآية وأنزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً  ﴾ وسورة الضحى.

ومعنى التنزل على ما يليق بهذا الموضع هو النزول على مهل أي نزلنا في الأحايين وقتاً غب وقت ليس إلا بأمر الله عزوجل.

ثم أكد جبرائيل ما ذكره بقوله: ﴿ له ما بين أيدينا وما خلفنا ﴾ من الجهات والأماكن أو من الأزمنة الماضية والمستقبلة وما بينهما من المكان والزمان الذي نحن فيه فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة، أو من زمان إلى زمان إلا بأمر ربك ومشيئته.

وقيل: له ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة ﴿ وما بين ذلك ﴾ وهو ما بين النفختين أربعون سنة.

وقيل: ما مضى.

من أعمارنا وما غبر منها والحال التي نحن فيها أو ما قبل وجودنا وبعد فنائنا.

وقيل: الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا.

والسماء التي وراءنا، وما بين السماء والأرض وعلى الأقوال فالمراد أنه الميحط بكل شيء لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة فكيف يقدم على فعل إلا بأمره!

وقال أبو مسلم: في وجه النظم إن قوله: ﴿ وما نتنزل ﴾ من قول أهل الجنة لمن بحضرتهم أي ما ننزل الجنة إلا بأمر ربك.

أما قوله: ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ فعلى القول الأول معناه أنه ما كان امتناع النزول إلا لعدم الإذن ولم يكن لترك الله إياكم لقوله: ﴿ ما ودّعك ربك وما قلى  ﴾ وعلى قول غير أبي مسلم هو تأكيد لإحاطته  بجميع الأشياء، وأنه لا يجوز عليه أن يسهو عن شيء ما ألبته.

وعلى قول أبي مسلم المراد أنه ليس ناسياً لأعمال العاملين فيثيب كلاً منهم بحسب عمله فيكون من تتمة حكاية قول أهل الجنة، أو ابتداء كلام من الله  خطاباً لرسوله ويتصل به قوله: ﴿ رب السموات والأرض ﴾ أي بل هو ربهما ﴿ وما بينهما فاعبده ﴾ الفاء للسببية لأن كونه رب العالمين سبب موجب لأن يعبد ﴿ واصطبر لعبادته ﴾ لم يقل "على عبادته" لأنه جعل العبادة بمنزلة القرن في قولك للمحارب "اصطبر لقرنك" أي أوجد الاصطبار لأجل مقاومته.

ثم أكد وجوب عبادته بقوله: ﴿ هل تعلم له سمياً ﴾ أي ليس له مثل ونظير حتى لا تخلص العبادة له، وإن عديم النظير لا بد أن يصبر على مواجب إرادته وتكاليفه خصوصاً إذا كانت فائدتها راجعة إلى المكلف.

وقيل: أراد أنه لا شريك له في اسمه وبيانه في وجهين: أحدهما أنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله عى الوثن إلا أنهم لم يطلقوا لفظ الله على من سواه.

وعن ابن عباس: أراد لا يسمى بالرحمن غيره.

قلت: وهذا صحيح ولعله هو السر في أنه لم يكرر لفظ "الرحمن" في سورة تكريره في هذه السورة.

وثانيهما هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل أن التسمية على الباطل كلا تسمية.

التأويل: ﴿ واذكر في الكتاب ﴾ الأزلي ﴿ إبراهيم ﴾ القلب ﴿ إنه كان صديقاً ﴾ للتصديق ثلاث مراتب: صادق صدق في أقواله، وصادق صدق في أخلاقه وأحواله، وصديق صدق في قيامه مع الله في الله بالله وهو الفانى عن نفسه الباقي بربه ﴿ إذ قال لأبيه ﴾ الروح الذي يعبد صنم الدنيا بتبعية النفس ﴿ فقد جاءني من العلم ﴾ اللدني ﴿ ما لم يأتك ﴾ لما ذكرنا أن القلب محل للفيض الإلهي أقبل من الروح كالمرآة فإنها تقبل النور لصفائها وينعكس النور عنها لكثافتها وصقالتها ﴿ وهبنا له إسحاق ﴾ السر ﴿ ويعقوب ﴾ الخفي ﴿ وناديناه من جانب الطور الأيمن ﴾ أسمعنا موسى القلب من جانب طور الروح لا من جانب وادي النفس الذي هو على أيسر ﴿ وكان يأمر أهله ﴾ أي الجسم والنفس والقلب والروح بالصلاة له توجه كل منهم توجهاً يليق بحاله، وبالزكاة أي تزكية كل واحد منهم من الأخلاق الذميمة ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ في مقعد صدق عند مليك مقتدر ﴿ خروا ﴾ بقلوبهم على عتبة العبودية ﴿ سجداً ﴾ بالتسليم للأحكام الأزلية ﴿ وبكياً ﴾ بكاء السمع يذوبان الوجود على نار الشوق والمحبة ﴿ عباده بالغيب ﴾ أي بغيبتهم عن الوجود قبل التكوين كقوله: ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة  ﴾ ﴿ ولهم رزقهم ﴾ رؤية الله على ما جاء في الحديث: "وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوّاً وعشياً" ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ المقدور في علم الله، وتنادى أهل العزة من سرادقات العزة أن يا أهل الطبيعة أفيقوا من المتمنيات فإنا ما ننزل من عالم الغيب.

إلا بأمر ربك ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ ليحتاج إلى تذكير متمن، بل هو رب سموات الأرواح وأرض الأجساد وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار له ﴿ فاعبده ﴾ بأركان الشريعة بجسدك وبآداب الطريقة بنفسك وبالإعراض عن الدنيا والإقبال على المولى بقلبك وبالفناء في الله والبقاء به بروحك وبسرك.

﴿ هل تعلم له ﴾ نظيراً في المحبوبية لك.

والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .

قال الحسن: هو صلة ﴿ كۤهيعۤصۤ  ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ  ﴾ .

يقول: اذكر رحمة ربك إبراهيم، وكذلك يجعل جميع ما ذكر في هذه [السورة] من نحو هذا صلة ذلك، كأنه ذكر ﴿ كۤهيعۤصۤ ﴾ ، في كل ذلك؛ لأنه يجعل تفسير ﴿ كۤهيعۤصۤ ﴾ في كل ذلك على ما ذكر على إثره، وكذلك يقول في جميع الحروف المقطعة: إن تفسيرها ما ذكر على إثرها.

وأمّا غيره من أهل التأويل فإنه يقول: واذكر لهم نبأ إبراهيم وقصته في الكتاب لهم، واذكر في الكتاب نبأ موسى وخبره وذكره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً ﴾ : الصديق: إنما يقال لمن كثر منه ما يستحق ذلك الاسم، وكذلك التشديد إنما يشدد إذا كثر الفعل منه وصار كالعادة له والطبع، فكأنه سمي بهذا لما لم يكن يجعل بين ما ظهر له من الحقوق والفعل وبين وفائها وأدائها إليها نظرة ولا مهلة، بل كان يفي بها ويؤديها كما ظهره له، ولذلك سماه - والله أعلم -: وفيّاً بقوله: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ  ﴾ سماه: وفيّاً، كانت عادته القيام بوفاء ما ظهر له وإتمام ما ابتلاه به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ ﴾ إذا دعوته ﴿ وَلاَ يُبْصِرُ ﴾ لو عبدته ﴿ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً ﴾ إذا احتجت إليه وسألته.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ مَا لاَ يَسْمَعُ ﴾ أي: لا يجيب لو دعوته واحتجب إليه، ﴿ وَلاَ يُبْصِرُ ﴾ حاجتك إذا احتجت إليه، ﴿ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً ﴾ ، أي: لا ينصرك.

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً ﴾ من عذاب الله في الآخرة.

يقول: كيف لا تعبد من إذا دعوته سمع، وإذا عبدته أبصر، ونصرك إذا احتجت إليه وسألته، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ ﴾ ، أي: من بيان ما يحل بك بعد الموت، إذا مت على ما أنت عليه، ﴿ مَا لَمْ يَأْتِكَ ﴾ ذلك ﴿ فَٱتَّبِعْنِيۤ ﴾ إلى ما أدعوك إليه من دين الله، ﴿ أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً ﴾ ، أي: ديناً عدلاً سويّاً قيما لا عوج فيه، فهذا يدلّ منه أنه قد أوحى [إليه] في ذلك الوقت، ويشبه أن يكون عرف ذلك استدلالاً منه واجتهاداً على غير وحي، كقوله: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ  ﴾ حتى انتهى إلى قوله: ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً  ﴾ وكل ذلك كان له من الله؛ ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً ﴾ ، هم لم يكونوا يعبدون الشيطان عند أنفسهم، ولكن يحتمل إضافة عبادتهم إلى الشيطان وجوهاً: أحدها: أن الأصنام التي عبدوها كانت لا تأمرهم بالعبادة ولا تدعوهم إليها ثم عبدوها، فإنما عبدوها بأمر الشيطان وبدعائه إياهم، فأضاف ذلك إليه للأمر الّذي كان منه بذلك.

والثاني: ذكر أن الشيطان كان ينطق من جوف الصنم، فعبدوها لكلامه، فكأنهم عبدوا الشيطان، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ ﴾ : أي: أعلم أنه يمسّك عذاب من الرحمن لو دمت على الكفر وختمت به، فإن كان تأويله العلم فهو على هذا الشرط يخرج.

ويحتمل أن يكون الخوف في موضع الخوف، أي: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ إن لم تنجز وعدك ﴿ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً ﴾ أي: قريناً في العذاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ ﴾ ولا شك أنه كان راغباً عن عبادة آلهتهم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: ﴿ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ ﴾ عن دينك الذي أنت عليه ﴿ لأَرْجُمَنَّكَ ﴾ ، أي: لأقتلنّك.

والثاني: ﴿ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ ﴾ عن قذف آلهتنا وسبّها وذكرها بسوء ﴿ لأَرْجُمَنَّكَ ﴾ ، أي: لأشتمنّك مكان شتمك وقذفك آلهتنا، فالرجم يشتمل على هذه الوجوه الثلاثة: القتل، والطرد، والشتم، فإن كان على القتل فهو مقابل الدين، أي: لئن لم تنته عن دينك لأقتلنّك، وإن كان على الطرد فهو مقابل الدعاء، أي: لئن لم تنته عن دعائك إياي إلى ما تدعو لأطردنك، وإن كان علي الشتم فهو مقابل الشتم، أي: لئن لم تنته عن شتمك آلهتنا لأشتمنّك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: طويلاً.

وقال بعضهم: دهراً.

فإن كان ﴿ مَلِيّاً ﴾ ، أي: بعيداً فهو على بعده منه، أي: ابعد مني، وتباعد مني داره ومقامه.

وإن كان على الدهر والطول فهو يخرج، أي: لا تكلّمني أبداً، والله أعلم.

وقوله - عز وجلّ -: ﴿ قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ ﴾ يحتمل أنه ليس على أن سلّم عليه، ولكن كلمة بكلام السداد، كقوله: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً  ﴾ هو أن يقولوا لهم كلام السداد ليس على أن يسلموا عليهم.

ويحتمل ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكَ ﴾ على حقيقة السلام المعروف، لكنه يخرج على الإضمار، أي: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكَ ﴾ إذا أسلمت.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ ﴾ إذا أسلمت على نحو ما قلنا.

ويحتمل قوله: ﴿ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ ﴾ أي: أسأل ربي ليوفقك على السبب الذي تستوجب به الاستغفار، وتكون أهلاً للاستغفار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: أي: برّاً لطيفاً.

وقال بعضهم: ﴿ حَفِيّاً ﴾ : عالماً.

وقال بعضهم: إنه كان عودني الإجابة.

قال أبو عوسجة: الحفي: العالم بالأمر، ويقال: حفى الرجل يحفي: إذا سار بلا نعل ولا خف، وجمعه: حفاة، واحتفى يحتفي: إذا اجتنى حشيشاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ : الاعتزال - هاهنا - اعتزال هجرة إلى أرض الشام، ومفارقته إياهم مفارقة المكان والدار، كقوله: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ  ﴾ ، فقوله: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ ﴾ النجاة بالفراق منهم.

وقوله: ﴿ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ أي: وأعتزلكم وما تعبدون من دون الله أيضاً، ففيه إخبار عن اعتزاله عنهم بالدار والمكان، وعن فعلهم أيضاً، اعتزلهم عن الأمرين جميعاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أي أدعو ربي عسى ألا أكون بعبادة غير الله شقيّاً، كما كان قومه بعبادة غير الله أشقياء.

والثاني: ﴿ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي ﴾ إذا دعوته ﴿ شَقِيّاً ﴾ ، أي: خائباً مردود الدعاء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ ﴾ : اعتزال الدّار والمكان بالهجرة إلى الأرض المباركة التي ذكر أنه نجاه [إليها]، واعتزل - أيضاً - صنيعهم الذي كانوا يصنعون من عبادتهم غير الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً  ﴾ ذكر الهبة؛ لأن الولد هبة من الله  ، خلقه على الإفضال منه والإنعام عليه؛ لأنه يعطى لا عن حق كان لهم عليه، فذلك فائدة ذكر الولد هبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً ﴾ هو ظاهر، وهب له ما ذكر، ثم أخبر - عز وجل - أنه جعلهم أنبياء.

وقوله: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا ﴾ : اختلفوا فيه: قال بعضهم: الرحمة - هاهنا -: هي النبوة، أي: وهبنا لهم النبوة.

وقال بعضهم: الرحمة: النعمة، أي: من نعمته وهب لهم ما وهب من النبوة وغيرها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ لِسَانَ صِدْقٍ ﴾ : هي الكتب التي أنزلها الله فيها أنباء صدقهم وفضلهم، ومنزلتهم.

وقال بعضهم: ﴿ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً ﴾ هم أولادهم الذين جعلهم أنبياء [و]رسلاً يذكرون ويعظون من بعدهم؛ لأن جميع الأنبياء والرسل كانوا من نسل إبراهيم من لدنه إلى لدن محمد  ؛ فهم كانوا لسان صدق عليّاً، حيث يذكرون بكل خير وبكل بركة ويمن.

وقال بعضهم: ﴿ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً ﴾ هو ما آمن جميع أهل الأديان به - أعني: بإبراهيم - ودانوا به جميعاً، وعلى ذلك يخرج تخصيص إبراهيم وآله بالصلاة وبالبركة عليهم والثناء على قول قوم حيث قالوا: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم".

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال إبراهيم  لأبيه: سلام عليك مني، لا ينالك ما تكره مني، سأطلب لك المغفرة من ربي والهداية، إنه سبحانه كان كثير اللطف بي.

<div class="verse-tafsir" id="91.Zpewa"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
اللهم صل على محمد