تفسير الآية ٥٨ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٥٨ من سورة مريم

أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍۢ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّوا۟ سُجَّدًۭا وَبُكِيًّۭا ۩ ٥٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 91 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٥٨ من سورة مريم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٥٨ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : هؤلاء النبيون .

وليس المراد هؤلاء المذكورين في هذه السورة فقط ، بل جنس الأنبياء عليهم السلام ، استطرد من ذكر الأشخاص إلى الجنس - ( الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم ) الآية .

قال السدي وابن جرير ، رحمه الله : فالذي عنى به من ذرية آدم : إدريس ، والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح : إبراهيم والذي عنى به من ذرية إبراهيم : إسحاق ويعقوب وإسماعيل ، والذي عنى به من ذرية إسرائيل : موسى ، وهارون ، وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم .

قال ابن جرير : ولذلك فرق أنسابهم ، وإن كان يجمع جميعهم آدم ; لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة ، وهو إدريس ، فإنه جد نوح .

قلت : هذا هو الأظهر أن إدريس في عمود نسب نوح ، عليهما السلام .

وقد قيل : إنه من أنبياء بني إسرائيل ، أخذا من حديث الإسراء ، حيث قال في سلامه على النبي صلى الله عليه وسلم : " مرحبا بالنبي الصالح ، والأخ الصالح " ، ولم يقل : " والولد الصالح " ، كما قال آدم وإبراهيم ، عليهما السلام .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد الله بن محمد أن إدريس أقدم من نوح بعثه الله إلى قومه ، فأمرهم أن يقولوا : " لا إله إلا الله " ، ويعملوا ما شاءوا فأبوا ، فأهلكهم الله عز وجل .

ومما يؤيد أن المراد بهذه الآية جنس الأنبياء ، أنها كقوله تعالى في سورة الأنعام : ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ) إلى أن قال : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين ) الأنعام [ : 83 - 90 ] وقال تعالى : ( منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ) [ غافر : 78 ] .

وفي صحيح البخاري ، عن مجاهد : أنه سأل ابن عباس : أفي " ص " سجدة ؟

قال : نعم ، ثم تلا هذه الآية : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) ، فنبيكم ممن أمر أن يقتدي بهم ، قال : وهو منهم ، يعني داود .

وقال الله تعالى في هذه الآية الكريمة : ( إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ) أي : إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه ، سجدوا لربهم خضوعا واستكانة ، وحمدا وشكرا على ما هم فيه من النعم العظيمة .

" والبكي " : جمع باك ، فلهذا أجمع العلماء على شرعية السجود هاهنا ، اقتداء بهم ، واتباعا لمنوالهم قال سفيان الثوري ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن أبي معمر قال : قرأ عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، سورة مريم ، فسجد وقال : هذا السجود ، فأين البكي ؟

يريد البكاء .

رواه ابن أبي حاتم وابن جرير ، وسقط من روايته ذكر " أبي معمر " فيما رأيت ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: هؤلاء الذين اقتصصتُ عليك أنباءهم في هذه السورة يا محمد، الذين أنعم الله عليهم بتوفيقه، فهداهم لطريق الرشد من الأنبياء من ذريّة آدم، ومن ذرّية من حملنا مع نوح في الفُلك، ومن ذرّية إبراهيم خليل الرحمن، ومن ذرّية إسرائيل، وممن هدينا للإيمان بالله والعمل بطاعته واجتبينا: يقول: وممن اصطفينا واخترنا لرسالتنا ووحينا، فالذي عنى به من ذرية آدم إدريس، والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح إبراهيم، والذي عنى به من ذرية إبراهيم إسحاق ويعقوب وإسماعيل، والذي عنى به من ذرية إسرائيل: موسى وهارون وزكريا وعيسى وأمه مريم، ولذلك فرق تعالى ذكره أنسابهم وإن كان يجمع جميعهم آدم لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة، وهو إدريس، وإدريس جدّ نوح.

وقوله تعالى ذكره: ( إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ ) يقول إذا تتلى على هؤلاء الذين أنعم الله عليهم من النبيين أدلة الله وحججه التي أنـزلها عليهم في كتبه، خروا لله سجدا، استكانة له وتذللا وخضوعا لأمره وانقيادا، (وَبُكِيًّا) يقول: خرّوا سجدا وهم باكون، والبُكِيّ: جمع باك، كما العُتِيّ جمع عات والجُثِيّ: جمع جاث، فجمع وهو فاعل على فعول، كما يجمع القاعد قعودا، والجالس جلوسا، وكان القياس أن يكون: وبُكوّا وعتوّا، ولكن كرهت الواو بعد الضمة فقلبت ياء، كما قيل في جمع دلو أدل.

وفي جمع البهو أبه، وأصل ذلك أفعل أدلو وأبهو، فقلبت الواو ياء لمجيئها بعد الضمة استثقالا وفي ذلك لغتان مستفيضتان، قد قرأ بكلّ واحدة علماء من القرّاء بالقرآن بكيا وعتوّا بالضم، وبكيا وعتيا بالكسر.

وقد يجوز أن يكون البكيّ هو البكاء بعينه.

وقد حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: قرأ عمر بن الخطاب سورة مريم فسجد وقال: هذا السجود، فأين البكيّ؟

يريد: فأين البكاء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيافيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم يريد إدريس وحده .

وممن حملنا مع نوح يريد إبراهيم وحده .

ومن ذرية إبراهيم يريد إسماعيل وإسحاق ويعقوب .

ومن ذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى [ ص: 45 ] وعيسى فكان لإدريس ونوح شرف القرب من آدم ، ولإبراهيم شرف القرب من نوح ولإسماعيل وإسحاق ويعقوب شرف القرب من إبراهيم .

وممن هدينا أي إلى الإسلام .

واجتبينا بالإيمان .

إذا تتلى عليهم آيات الرحمن وقرأ شبل بن عباد المكي ( يتلى ) بالتذكير لأن التأنيث غير حقيقي مع وجود الفاصل .

خروا سجدا وبكيا وصفهم بالخشوع لله والبكاء .

وقد مضى في ( سبحان ) .

يقال بكى يبكي بكاء وبكى وبكيا ، إلا أن الخليل قال : إذا قصرت البكاء فهو مثل الحزن ؛ أي ليس معه صوت كما قال الشاعر :بكت عيني وحق لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويلسجدا نصب على الحال وبكيا عطف عليه .الثانية : في هذه الآية دلالة على أن لآيات الرحمن تأثيرا في القلوب .

قال الحسن ( إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ) في الصلاة .

وقال الأصم : المراد بآيات الرحمن الكتب المتضمنة لتوحيده وحججه ، وأنهم كانوا يسجدون عند تلاوتها ، ويبكون عند ذكرها .

والمروي عن ابن عباس أن المراد به القرآن خاصة ، وأنهم كانوا يسجدون ويبكون عند تلاوته ؛ قال الكيا : وفي هذا دلالة من قوله على أن القرآن هو الذي كان يتلى على جميع الأنبياء ، ولو كان كذلك لما كان الرسول - عليه الصلاة والسلام - مختصا بإنزاله إليه .الثالثة : احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على وجوب سجود القرآن على المستمع والقارئ .

قال إلكيا : وهذا بعيد فإن هذا الوصف شامل لكل آيات الله تعالى .

وضم السجود إلى البكاء ، وأبان به عن طريقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في تعظيمهم لله تعالى وآياته ، وليس فيه دلالة على وجوب ذلك عند آية مخصوصة .الرابعة : قال العلماء : ينبغي لمن قرأ سجدة أن يدعو فيها بما يليق بآياتها ، فإن قرأ سورة السجدة الم تنزيل قال : اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك ، المسبحين بحمدك ، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك .

وإن قرأ سجدة ( سبحان ) قال : اللهم اجعلني من الباكين إليك ، الخاشعين لك .

وإن قرأ هذه قال : اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم ، المهديين الساجدين لك ، الباكين عند تلاوة آياتك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر هؤلاء الأنبياء المكرمين، وخواص المرسلين، وذكر فضائلهم ومراتبهم قال: { أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ } أي: أنعم الله عليهم نعمة لا تلحق، ومنة لا تسبق، من النبوة والرسالة، وهم الذين أمرنا أن ندعو الله أن يهدينا صراط الذين أنعمت عليهم، وأن من أطاع الله، كان { مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ } الآية.

وأن بعضهم { مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } أي: من ذريته { وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ } فهذه خير بيوت العالم، اصطفاهم الله، واختارهم، واجتباهم،.

وكان حالهم عند تلاوة آيات الرحمن عليهم، المتضمنة للإخبار بالغيوب وصفات علام الغيوب، والإخبار باليوم الآخر، والوعد والوعيد.

{ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا } أي: خضعوا لآيات الله، وخشعوا لها، وأثرت في قلوبهم من الإيمان والرغبة والرهبة، ما أوجب لهم البكاء والإنابة، والسجود لربهم، ولم يكونوا من الذين إذا سمعوا آيات الله خروا عليها صما وعميانا.

وفي إضافة الآيات إلى اسمه { الرحمن } دلالة على أن آياته، من رحمته بعباده وإحسانه إليهم حيث هداهم بها إلى الحق، وبصرهم من العمى، وأنقذهم من الضلالة، وعلمهم من الجهالة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم ) أي : إدريس ونوحا ( وممن حملنا مع نوح ) أي : ومن ذرية من حملنا مع نوح في السفينة ، يريد إبراهيم; لأنه ولد من سام بن نوح ( ومن ذرية إبراهيم ) يريد إسماعيل وإسحاق ويعقوب .

قوله : ( وإسرائيل ) أي : ومن ذرية إسرائيل وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى .

قوله : ( وممن هدينا واجتبينا ) هؤلاء كانوا ممن أرشدنا واصطفينا ( إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ) " سجدا " : جمع ساجد " وبكيا " : جمع باك أخبر الله أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا بآيات الله سجدوا وبكوا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أولئك» مبتدأ «الذين أنعم الله عليهم» صفة له «من النبيين» بيان له وهو في معنى الصفة وما بعده إلى جملة الشرط صفة للنبيين فقوله «من ذرية آدم» أي إدريس «وممن حملنا مع نوح» في السفينة أي إبراهيم ابن ابنه سام «ومن ذرية إبراهيم» أي إسماعيل وإسحاق ويعقوب «و» من ذرية «إسرائيل» هو يعقوب أي موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى «وممن هدينا واجتبينا» أي من جملتهم وخبر أولئك «إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا» جمع ساجد وباك أي فكونوا مثلهم وأصل بكي بكوي قبلت الواو ياء والضمة كسرة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هؤلاء الذين قصصتُ عليك خبرهم أيها الرسول، هم الذين أنعم الله عليهم بفضله وتوفيقه، فجعلهم أنبياء من ذرية آدم، ومِن ذرية مَن حملنا مع نوح في السفينة، ومن ذرية إبراهيم، ومن ذرية يعقوب، وممَّن هدينا للإيمان واصطفينا للرسالة والنبُوَّة، إذا تتلى عليهم آيات الرحمن المتضمنة لتوحيده وحججه خرُّوا ساجدين لله خضوعًا، واستكانة، وبكَوْا من خشيته سبحانه وتعالى.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم تسوق السورة الكريمة بعد ذلك موازنة بين هؤلاء الأخيار ، وبين من جاءوا بعدهم من أقوامهم الذين اضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ، وتفتح السورة باب التوبة ليدخله بصدق وإخلاص المخطئون ، حتى يكفر الله - تعالى - عنهم ما فرط منهم ، قال - تعالى - : ( أولئك الذين .

.

.

) .اسم الإشارة فى قوله : ( أولئك الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم .

.

) يعود إلى الأنبياء المذكورين فى هذه السورة .

وهم عشرة أولهم فى الذكر زكريا وآخرهم إدريس .قال القرطبى : " قوله - تعالى - ( أولئك الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ ) يريد إدريس وحده ( وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ) يريد إبراهيم وحده ( وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ ) يريد إسماعيل وإسحاق ويعقوب ( وَ ) من ذرية ( إِسْرَائِيلَ ) يريد موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى فكان لإدريس ونوح شرف القرب من آدم ، ولإبراهيم شرف القرب من نوح ، ولإسماعيل وإسحاق ويعقوب ، شرف القرب من إبراهيم " .وقوله : ( وَمِمَّنْ هَدَيْنَا واجتبينآ ) معطوف على قوله ( مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ ) ومن للتبعيض .أى : ومن جملة من أنعم الله عليهم ، أولئك الذين هديناهم إلى طريق الحق واجتبيناهم واخترناهم لحمل رسالتنا ووحينا .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد جمع لهؤلاء المنعم عليهم جملة من المزايا منها : أعمالهم الصالحة ، ومناقبهم الحميدة التى سبق الحديث عنها ، ومنها : كونهم من تسل هؤلاء المصطفين الأخيار ، ومنها أنهم ممن هداهم الله - تعالى - واصطفاهم لحمل رسالته .وقد بين - سبحانه - فى سورة النساء من أنعم عليهم بصورة أكثر شمولاً فقال : ( وَمَن يُطِعِ الله والرسول فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً ) وقوله - تعالى - : ( إِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرحمن خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً ) بيان لرقة مشاعرهم ، وشدة تأثرهم عند سماع آيات الله - تعالى - .فالجملة الكريمة استئناف مسوق لبيان عظم خشيتهم من الله - تعالى - أو هى خبر لاسم الإشارة ( أولئك ) و ( سُجَّداً وَبُكِيّاً ) جمع ساجد وباك .أى : أولئك الذين أنعم الله - تعالى - عليهم ، من صفاتهم أنهم إذا تتلى عليهم آيات الرحمن ، المتضمنة لتمجيده وتعظيمته وحججه .

.

.

خروا على جباههم ساجدين وباكين .

وسقطوا خاضعين خاشعين خوفاً ورجاء ، وتعظيماً وتمجيداً لله رب العالمين .وجمع - سبحانه - بين السجود والبكاء بالنسبة لهم ، للإشعار بأنهم مع تعظيمهم الشديد لمقام ربهم ، فهم أصحاب قلوب رقيقة ، وعواطف جياشة بالخوف من الله - تعالى - .وفى معنى هذه الجملة الكريمة وردت آيات كثيرة ، منه قوله - تعالى - : ( قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تؤمنوا إِنَّ الذين أُوتُواْ العلم مِن قَبْلِهِ إِذَا يتلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ) وقوله - سبحانه - : ( وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرسول ترى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فاكتبنا مَعَ الشاهدين ) فهذه الآيات الكريمة تدل على أن من صفات المؤمنين الصادقين ، أنهم يتأثرون تأثراً عظيماً عند سماعهم لكلام الله - تعالى - ، تأثراً يجعلهم يبكون ويسجدون وتقشعر جلودهم ، وتوجل قلوبهم ، وتلين نفوسهم .قال ابن كثير - رحمه الله - : " قوله - تعالى - : ( إِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرحمن خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً ) أى : إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه سجدوا لربهم خضوعاً واستكانة وشكراً على ما هم فيه من نعم .

.

.

فلهذا أجمع العلماء على شرعية السجود ههنا اقتداء بهم ، واتباعاً لمنوالهم وقرأ عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - هذه الآية فسجد وقال : هذا السجود فأين البكار " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى أثنى على كل واحد ممن تقدم ذكره من الأنبياء بما يخصه من الثناء ثم جمعهم آخراً فقال: ﴿ أُولَئِكَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم ﴾ أي بالنبوة وغيرها مما تقدم وصفه وأولئك إشارة إلى المذكورين في السورة من لدن زكريا إلى إدريس، ثم جمعهم في كونهم من ذرية آدم ثم خص بعضهم بأنه من ذرية من حمل مع نوح، والذي يختص بأنه من ذرية آدم دون من حمل مع نوح هو إدريس عليه السلام، فقد كان سابقاً على نوح على ما ثبت في الأخبار والذين هم من ذرية من حمل مع نوح هو إبراهيم عليه السلام لأنه من ولد سام بن نوح وإسمعيل وإسحاق ويعقوب من ذرية إبراهيم ثم خص بعضهم بأنهم من ولد إسرائيل أي يعقوب وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى من قبل الأم فرتب الله سبحانه وتعالى أحوال الأنبياء عليهم السلام الذين ذكرهم على هذا الترتيب منبهاً بذلك على أنهم كما فضلوا بأعمالهم فلهم مزيد في الفضل بولادتهم من هؤلاء الأنبياء، ثم بين أنهم ممن هدينا واجتبينا منبهاً بذلك على أنهم اختصوا بهذه المنازل لهداية الله تعالى لهم، ولأنه اختارهم للرسالة ثم قال: ﴿ إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً ﴾ تتلى عليهم أي على هؤلاء الأنبياء فبين تعالى أنهم مع نعم الله عليهم قد بلغوا الحد الذي عند تلاوة آيات الله يخرون سجداً وبكياً خضوعاً وخشوعاً وحذراً وخوفاً، والمراد بآيات الله ما خصهم الله تعالى به من الكتب المنزلة عليهم.

وقال أبو مسلم المراد بالآيات التي فيها ذكر العذاب المنزل بالكفار وهو بعيد لأن سائر الأيات التي فيها ذكر الجنة والنار إلى غير ذلك أولى أن يسجدوا عنده ويبكوا فيجب حمله على كل آية تتلى مما يتضمن الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، لأن كل ذلك إذا فكر فيه المتفكر صح أن يسجد عنده وأن يبكي، واختلفوا فقال بعضهم في السجود: إنه الصلاة وقال بعضهم: المراد سجود التلاوة على حسب ما تعبدنا به وقيل: المراد الخضوع والخشوع والظاهر يقتضي سجوداً مخصوصاً عند التلاوة ثم يحتمل أن يكون المراد سجود التلاوة للقرآن ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا قد تعبدوا بالسجود فيفعلون ذلك لا لأجل ذكر السجود في الآية، قال الزجاج في بكياً: جمع باك مثل شاهد وشهود وقاعد وقعود ثم قال الإنسان في حال خروره لا يكون ساجداً فالمراد خروا مقدرين للسجود ومن قال في بكياً إنه مصدر فقد أخطأ لأن سجداً جمع ساجد وبكياً معطوف عليه وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتلو القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا».

وعن صالح المري قال: قرأت القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: «يا صالح هذه القراءة فأين البكاء؟».

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقرآن نزل بحزن فاقرأوه بحزن».

ن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما اغرورقت عين به بماء إلا حرم الله على النار جسدها».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: «لا يلج النار من بكى من خشية الله».

وقال العلماء: يدعو في سجود التلاوة بما يليق بها فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك وإن قرأ سجدة سبحان قال: اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك وإن قرأ هذه السجدة قال: اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهتدين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آيات كتابك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى المذكورين في السورة من لدن زكريا إلى إدريس عليه السلام.

و (من) في ﴿ مّنَ النبيين ﴾ للبيان مثلها في قوله تعالى في آخر سورة الفتح ﴿ وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً ﴾ [الفتح: 29] لأن جميع الأنبياء منعم عليهم.

ومن الثانية للتبعيض، وكان إدريس من ذرية آدم لقربه منه لأنه جد أبي نوح.

وإبراهيم عليه السلام من ذرية من حمل مع نوح لأنه من ذرية سام بن نوح، وإسماعيل من ذرية إبراهيم.

وموسى وهارون وزكريا ويحيى من ذرية إسرائيل.

وكذلك عيسى؛ لأنّ مريم من ذرّيته ﴿ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا ﴾ يحتمل العطف على (من) الأولى والثانية.

إن جعلت الذين خبراً لأولئك كان ﴿ إِذَا تتلى ﴾ كلاماً مستأنفاً.

وإن جعلته صفة له كان خبراً.

قرأ شبل بن عباد المكي ﴿ يتلى ﴾ بالتذكير؛ لأن التأنيث غير حقيقي مع وجود الفاصل البكي: جمع باك، كالسجود والقعود في جمع ساجد وقاعد.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتْلُوا القرآنَ وابكُوا.

فإنْ لمَ تبكُوا فَتَباكَوا» وعن صالح المري رضي الله عنه: قرأتُ القرآنَ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: ﴿ هِذِهِ القراءةُ يا صالحُ، فأينَ البكاءُ ﴾ ؟

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إذا قرأتُم سجدةَ سبحانَ فلا تعجلُوا بالسجودِ حتى تبكُوا، فإنْ لم تبكِ عينُ أحدكم فليبكِ قلبُهُ.

وعن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إن القرآنَ أُنْزِلَ بحزنٍ فإذَا قرأتمُوهُ فتحازَنُوا» وقالوا: يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بآيتها، فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك.

وإن قرأ سجدة سبحان قال: اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك.

وإن قرأ هذه قال: اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهتدين، الساجدين لك، الباكين عند تلاوة آياتك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ في السُّورَةِ مِن زَكَرِيّا إلى إدْرِيسَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

﴿ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ بِأنْواعِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ مِنَ النَّبِيِّينَ ﴾ بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ.

﴿ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ بِإعادَةِ الجارِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿ مِنَ ﴾ فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِمْ أعَمُّ مِنَ الأنْبِياءِ وأخَصُّ مِنَ الذُّرِّيَّةِ.

﴿ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ﴾ أيْ ومِن ذُرِّيَّةِ مَن حَمَلْنا خُصُوصًا، وهم مَن عَدا إدْرِيسَ فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ مِن ذُرِّيَّةِ سامِ بْنِ نُوحٍ.

﴿ وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ﴾ الباقُونَ.

﴿ وَإسْرائِيلَ ﴾ عُطِفَ عَلى إبْراهِيمَ أيْ ومِن ذُرِّيَّةِ إسْرائِيلَ، وكانَ مِنهم مُوسى وهارُونُ وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أوْلادَ البَناتِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ.

﴿ وَمِمَّنْ هَدَيْنا ﴾ ومِن جُمْلَةِ مَن هَدَيْناهم إلى الحَقِّ.

﴿ واجْتَبَيْنا ﴾ لِلنُّبُوَّةِ والكَرامَةِ.

﴿ إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا ﴾ خَبَرٌ لِـ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ إنْ جَعَلْتَ المَوْصُولَ صِفَتَهُ، واسْتِئْنافٌ إنْ جَعَلْتَهُ خَبَرَهُ لِبَيانِ خَشْيَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ وإخْباتِهِمْ لَهُ مَعَ ما لَهم مِن عُلُوِّ الطَّبَقَةِ في شَرَفِ النَّسَبِ وكَمالِ النَّفْسِ والزُّلْفى مِنَ اللَّهِ تَعالى.

وَعَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «اتْلُوا القُرْآنَ وابْكُوا فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكُوا» .

والبُكِيُّ جَمْعُ باكٍ كالسُّجُودِ في جَمْعِ ساجِدٍ.

وقُرِئَ «يُتْلى» بِالياءِ لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( بِكِيًّا) بِكَسْرِ الباءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)

{أَوْلَئِكَ} إشارة إلى المذكورين في السورة من زكرياء

مريم (٦٠ - ٥٨)

إلى إدريس {الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين} من للبيان لأن جميع الأنبياء منعم عليهم {من ذرية آدم} من للتبعيض وكان إدريس من ذرية آدم لقربه منه لأنه جد أبي نوح {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} إبراهيم من ذرية من حمل مع نوح لأنه ولد سام بن نوح {ومن ذرية إبراهيم} واسمعيل واسحق ويعقوب {وإسرائيل} أي ومن ذرية إسرائيل أي يعقوب وهم موسى وهرون وزكريا ويحيى وعيسى لأن مريم من ذريته {وَمِمَّن} يحتمل العطف على من الأولى والثانية {هَدَيْنَا} لمحاسن الإسلام {واجتبينا} من الأنام أو لشرح الشريعة وكشف الحقيقة {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن} أي إذا تليت عليهم كتب الله المنزلة وهو كلام مستأنف إن جعلت الذين خبرا لأولئك وإن جعلته صفة له كان خبراً يتلى بالياء قتيبه لوجود الفاصل مع أن قتيبة لوجود الفاصل مع أن التأنيث غير حقيقي {خروا سجدا} سقطوا على وجوههم ساجدين رغبةً {وَبُكِيّاً} باكين رهبة جمع باكٍ كسجود وقعود في جمع ساجد وقاعد في الحديث اتلوا القرآن وابكوا وإن لم تبكوا فتباكوا وعن صالح المري قرأت القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي يا صالح هذه القراءة فأين البكاء ويقول في سجود التلاوة سبحان ربي الأعلى ثلاثاً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

(أُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ.

وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ بِفُنُونِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ مُجْمَلًا خَبَرُهُ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ، والحَصْرُ عِنْدَ القائِلِ بِهِ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ الباقِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهم مَعْرُوفُونَ بِكَوْنِهِمْ مُنْعَمًا عَلَيْهِمْ فَيَنْزِلُ الإنْعامُ عَلى غَيْرِهِمْ مَنزِلَةَ العَدَمِ، وقِيلَ: يُقَدَّرُ مُضافٌ أيْ بَعْضُ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ مِنَ النَّبِيِّينَ ﴾ بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ، وقِيلَ: مِن تَبْعِيضِيَّةٌ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ أُولَئِكَ المَذْكُورُونَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ المَعْهُودَةِ المَذْكُورَةِ هُنا، فَيَكُونُ المَوْضُوعُ والمَحْمُولُ مَخْصُوصًا بِمَن سُمِعْتَ وهم بَعْضُ النَّبِيِّينَ وعُمُومُ المَفْهُومِ المُرادِ مِنَ المَحْمُولِ في نَفْسِهِ ومِن حَيْثُ هو في الذِّهْنِ لا يُنافِي أنْ يُقْصَدَ بِهِ أمْرٌ خاصٌّ في الخارِجِ كَما لا يَخْفى واخْتِيرَ حَمْلُ التَّعْرِيفِ في الخَبَرِ عَنِ الجِنْسِ لِلْمُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ ﴾ ، والمَحْذُورُ مُنْدَفِعٌ بِما ذَكَرْنا و(مِنَ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﴾ قِيلَ بَيانِيَّةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ بَدَلٌ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ السّابِقِ، والمَجْرُورُ بَدَلٌ مِنَ المَجْرُورِ بِإعادَةِ الجارِّ وهو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ ذُرِّيَّتُهُ الأنْبِياءُ وهي غَيْرُ شامِلَةٍ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وقِيلَ: هي تَبْعِيضِيَّةٌ لِأنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِ أخَصُّ مِنَ الذُّرِّيَّةِ مِن وجْهٍ لِشُمُولِها بِناءً عَلى الظّاهِرِ المُتَبادِرِ مِنها غَيْرَ مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ دُونَهُ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ كَوْنُها أعَمَّ مِنها مِن وجْهٍ لِشُمُولِهِ آدَمَ والمَلَكَ.

ومُؤْمِنِي الجِنِّ دُونَها ﴿ ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ﴾ أيْ ومِن ذُرِّيَّةِ مَن حَمَلْناهم مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خُصُوصًا وهم مَن عَدا إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما سَمِعْتَ مِن أنَّهُ قَبْلَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِالإجْماعِ مِن ذُرِّيَّةِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿ ومِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ﴾ وهُمُ الباقُونَ.

(وإسْرائِيلَ) عَطْفٌ عَلى (إبْراهِيمَ) أيْ ومِن ذُرِّيَّةِ إسْرائِيلَ أيْ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ مِنهم مُوسى وهارُونُ وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أوْلادَ البَناتِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ لِدُخُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا أبَ لَهُ، وجَعْلُ إطْلاقِ الذَّرِّيَّةِ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ خِلافُ الظّاهِرِ ﴿ ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﴾ ومِن لِلتَّبْعِيضِ أيْ ومِن جُمْلَةِ مَن هَدَيْناهم إلى الحَقِّ واخْتَرْناهم لِلنُّبُوَّةِ والكَرامَةِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ مِنَ النَّبِيِّينَ ﴾ .

ومِن لِلْبَيانِ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ ظاهِرَ العَطْفِ المُغايَرَةُ فَيَحْتاجُ إلى أنْ يُقالَ: المُرادُ مِمَّنْ جَمَعْنا لَهُ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والهِدايَةِ والِاجْتِباءِ لِلْكَرامَةِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا ﴾ اسْتِئْنافٌ مُساقٌ لِبَيانِ خَشْيَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى وإخْبِاتِهِمْ لَهُ سُبْحانَهُ مَعَ ما لَهم مِن عُلُوِّ الرُّتْبَةِ وسُمُوِّ الطَّبَقَةِ في شَرَفِ النَّسَبِ وكَمالِ النَّفْسِ والزُّلْفى مِنَ اللَّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ.

وقِيلَ: خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِاسْمِ الإشارَةِ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ انْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (وإسْرائِيلَ)، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ ومِمَّنْ هَدَيْنا ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وهَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ أيْ ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا قَوْمٌ إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ إلَخْ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ، ورَوى بَعْضُ الإمامِيَّةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: نَحْنُ عُنِينا بِهَؤُلاءِ القَوْمِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا وحالُ رِواياتِ الإمامِيَّةِ لا يَخْفى عَلى أرْبابِ التَّمْيِيزِ، وظاهِرُ صَنِيعِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ اخْتِيارُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ صِفَةً لِاسْمِ الإشارَةِ عَلى ما هو الشّائِعُ فِيما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي الخَبَرُ لِأنَّ ذَلِكَ أمْدَحُ لَهم، ووَجْهُ ذَلِكَ ظاهِرٌ عِنْدَ مَن يَعْرِفُ حُكْمَ الأوْصافِ والأخْبارِ، وسُجَّدًا جَمْعُ ساجِدٍ وكَذا (بُكِيًّا) جَمْعُ باكٍ كَشاهِدِ وشُهُودٍ، وأصْلًهً بُكُوًّى اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ وحُرِّكَتِ الكافُ بِالكَسْرِ لِمُناسَبَةِ الياءِ وجَمْعُهُ المَقِيسُ بُكاةٌ كِرامٌ ورُماةٌ إلّا أنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ عَلى ما في البَحْرِ وهو مُخالِفٌ لِما في القامُوسِ وغَيْرِهِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَصْدَرُ بَكى كَجُلُوسًا مَصْدَرُ جَلَسَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، نَعَمْ رُبَّما يَقْتَضِيهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في البُكاءِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ سُورَةَ مَرْيَمَ فَسَجَدَ ثُمَّ قالَ: هَذا السُّجُودُ فَأيْنَ البُكى، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ويَحْيى والأعْمَشِ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ( بِكِيًّا ) بِكَسْرِ أوَّلِهِ ولَيْسَ كَما زَعَمَ لِأنَّ ذَلِكَ إتْباعٌ، وظاهِرُ أنَّهُ لا يُعَيِّنُ المَصْدَرِيَّةَ.

ونَصْبُ الِاسْمَيْنِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ (خَرُّوا) أيْ: ساجِدِينَ وباكِينَ والأوَّلُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ كَما قالَ الزَّجّاجُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ السُّجُودِ مَعْناهُ الشَّرْعِيُّ والمُرادُ مِنَ الآياتِ ما تَضَمَّنَتْهُ الكُتُبُ السَّماوِيَّةُ سَواءٌ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى ذِكْرِ السُّجُودِ أمْ لا وسَواءٌ كانَ مُتَضَمِّنًا لِذِكْرِ العَذابِ المُنَزَّلِ بِالكَفّارِ أمْ لا، ومِن هُنا اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى اسْتِحْبابِ السُّجُودِ والبُكاءِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ ماجَةَ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ والبَزّارُ في مَسْنَدَيْهِما مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ مَرْفُوعًا: «اتْلُوا القُرْآنَ وابْكُوا فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا»، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ السُّجُودِ سُجُودُ التِّلاوَةِ حَسْبَما تَعَبَّدْنا بِهِ عِنْدَ سَماعِ بَعْضِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ، فالمُرادُ بِآياتِ الرَّحْمَنِ آياتٌ مَخْصُوصَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِذِكْرِ السُّجُودِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ الصَّلاةُ وهو قَوْلٌ ساقِطٌ جِدًّا، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ الخُشُوعُ والخُضُوعُ، والمُرادُ مِنَ الآياتِ ما تَضَمَّنَ العَذابَ المُنَزَّلَ بِالكُفّارِ وهَذا قَرِيبٌ مِن سابِقِهِ، ونَقَلَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَنِ الرّازِيِّ أنَّهُ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ سُجُودِ التِّلاوَةِ وهو كَما قالَ الكَيا: بَعِيدٌ، وذَكَرُوا أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَدْعُوَ السّاجِدُ في سَجْدَتِهِ بِما يَلِيقُ بِآيَتِها فَها هُنا يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن عِبادِكَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمُ المُهْتَدِينَ السّاجِدِينَ لَكَ الباكِينَ عِنْدَ تِلاوَةِ آياتِكَ، وفي آيَةِ الإسْراءِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الباكِينَ إلَيْكَ الخاشِعِينَ لَكَ، وفي آيَةِ تَنْزِيلِ السَّجْدَةِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ السّاجِدِينَ لِوَجْهِكَ المُسَبِّحِينَ بِحَمْدِكَ ورَحْمَتِكَ وأعُوذُ بِكَ مِن أنْ أكُونَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ عَنْ أمْرِكَ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وشِبْلُ بْنُ عَبّادٍ وأبُو حَيْوَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ العِجْلِيُّ عَنْ حَمْزَةَ وقُتَيْبَةُ في رِوايَةٍ ووَرْشٌ في رِوايَةِ النَّحّاسِ وابْنُ ذَكْوانَ في رِوايَةِ التَّغْلِبِيِّ ( يُتْلى ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولِوُجُودِ الفاصِلِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ، يعني: خبر إدريس  .

إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا، يعني: صادقاً يُخبر عن الله عز وجل، وذكر عن وهب بن منبه أنه قال: «إنما سمي إدريس لكثرة ما يدرس من كتاب الله عز وجل والسنن، وأنزل عليه ثلاثين صحيفة، وهو أول من لبس ثوب القطن، وكانوا من قبل ذلك يلبسون جلود الضأن، واسمه أخنوخ، ويقال: إلياس» .

وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا، يعني: الجنة.

وقال مجاهد: يعني: في السماء الرابعة.

قال: أخبرني الثقة بإسناده، عن ابن عباس، أنه سئل كعب الأحبار عن إدريس فقال كعب: «إن إدريس كان رجلاً خياطاً، وكان يقوم الليل ويصوم النهار ولا يفتر عن ذِكْرِ الله عَزَّ وَجَلَّ، وكان يكتسب فيتصدق بالثلثين.

فأتاه ملك من الملائكة عليهم السلام يقال له إسرافيل، فبشره بالجنة وقال له: هل لك من حاجة؟

قال: وددت أني أعلم إلى متى أجلي فأزداد خيراً.

فقال له: ما أعلمه، ولكن إن شئت حملتك إلى السماء.

قال: فحمله إلى السماء، فلقي ملك الموت، فسأله عن أجله، ففتح كتاباً معه فقال: لم يبق من أجلك إلا سِتَّ سَاعَاتٍ أوْ سَبْعَ ساعات، وقال: أُمرتُ أن أقبض نفسك هاهنا، فقبض نفسه في السماء، فذلك قوله: رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا.

وروى الكلبي، عن زيد بن أسلم، عن رسول الله  أنه قال: «إن إدريس جد أبي نوح» وكان أهل الأرض يومئذ بعضهم مؤمناً وبعضهم كافراً، فكان يصعد لإدريس من العمل ما كان يصعد لجميع بني آدم، فأحبه ملك الموت، فاستأذن الله تعالى في خلته، فأذن له.

قال: فهبط إليه في صورة غير صورته، على صورة آدمي لكيلا يعرفه فقال: يا إدريس، إني أحب أن أصحبك وأكون معك.

فقال له إدريس: إنك لا تطيق ذلك.

قال: أنا أرجو أن يقويني الله عز وجل على ذلك، فكان معه يصحبه.

وكان إدريس  يسيح النهار كله وهو صائم، فإذا جنّه الليل أتاه رزقه حيث يمسي، فيفطر عليه، ثم يحيي الليل كله.

فساحا النهار كله صائمين، حتى إذا أمسيا أتى إدريس رزقه فأكله ودعا الآخر، فقال: لا الله الذي جعلك بشراً ما أشتهيه، فطعم إدريس ثم استقبلا الليل بالصلاة.

وإدريس تناله السآمة والفترة من الليل والآخر لا يسأم ولا يفتر، فجعل إدريس  يتعجب منه، ثم أصبحا صائمين، فساحا حتى إذا جنهما الليل أتى إدريس رزقه فجعل يطعم ودعا الآخر فقال: لا والذي جعلك بشراً ما أشتهيه فطعم إدريس.

ثم استقبلا الليل كله فإدريس تناله السآمة والفترة والآخر لا يسأم ولا يفتر، فجعل إدريس يتعجب منه، ثم أصبحا اليوم الثالث صائمين، فساحا فمرا على كرم قد أينع وطاب، فقال: يا إدريس لو أنا أخذنا من هذا الكرم فأكلنا.

فقال إدريس: ما أرى صاحبه هاهنا فأشتريه منه وإني لأكره أن آخذ بغير ثمن.

قال: فمضيا حتى مرا على غنم فقال: يا إدريس لو أخذنا من هذا الغنم شاة فأكلنا من لحمها، فقال له إدريس: إنك معي منذ ثلاثة أيام ما طعمت شيئا، فلو كنت آدمياً لطعمت، وإني لأدعوك إلى الحلال كل ليلة فتأبى علي، فكيف تدعوني إلى الحرام أن آخذه؟

فبصحبة ما بيني وبينك إلا أنبأتني من أنت؟

قال: إنك ستعلم.

قال: أخبرني من أنت؟

قال: أنا ملك الموت.

ففزع إدريس  حين قال أنا ملك الموت.

قال: فإني أسألك حاجة.

قال: ما هي؟

قال: أن تذيقني الموت- فإنه قد بلغني عنه شدة ولعلي أعلم ما شدته، فأكون له أشد استعدادا (١)  : مالي من ذلك شيء وليس لك بد من أن تذوقه قال: فأوحى الله عَزَّ وَجَلَّ إلَى ملك الموت أن يقبض روحه ساعة ثم يرسله.

قال: فقبض نفسه ساعة ثم أرسله، فقال: كيف رأيت؟

قال: لقد بلغني عنه شدة، فلقد كان أشد مما بلغني عنه.

قال: فإني أسألك حاجة أُخرى.

قال: ما هي؟

قال: أحب أن تُريني النار.

قال: ما لي من ذلك من شيء، ولكن سأطلب لك، فإن قدرت عليه فعلت.

فسأل ربه، فأمره فبسط جناحه فحمله عليه، حتى صعد به إلى السماء، فانتهى به إلى باب من أبواب النار فدقه فقيل: من هذا؟

فقال: ملك الموت.

فقال: مرحباً بأمين الله عز وجل، فهل أمرت فينا بشيء؟

فقال: لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم، ولكن هذا إدريس  سألني أن أريه النار، فأحب أن تروها إياه.

ففتح باب منها بشيء، فجاءت بأمر عظيم، فخرّ إدريس مغشياً عليه.

فحمله ملك الموت وحبسه في ناحية حتى أفاق، فقال له ملك الموت: ما أحببت أن يصيبك هذا في صحبتي، ولكن سألتني فأحببت أن أسعفك.

قال: فإني أسألك حاجة أخرى لا أسألك غيرها.

قال: ما هي؟

قال: أحب أن تريني الجنة.

قال: ما لي من ذلك من شيء، ولكن سأطلب فإن قدرت عليه فعلت.

فانطلق به إلى خزنة الجنة، فدق باباً من أبوابها فقيل: من هذا؟

فقال: أنا ملك الموت.

فقالوا: مرحباً بأمين الله عز وجل، هل أمرت فينا بشيء؟

فقال: لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم، ولكن هذا إدريس سألني أن أريه الجنة فأحب أن تروها إياه.

قال: ففتح له الباب، فدخل فنظر إلى شيء لم ينظر مثله قط، فطاف فيها ساعة ثم قال له ملك الموت: انطلق بنا فلنخرج.

فانطلق إلى شجرة فتعلق بها ثم قال: والله لا أخرج حتى يكون الله عز وجل هو الذي يخرجني.

فقال ملك الموت: إنه ليس حينها ولا زمانها، ولكن طلبت إليهم لترى، فانطلق بنا.

فأبى عليه، فقيض الله له ملكاً من الملائكة فقال له ملك الموت: اجعل هذا الملك حكماً بيني وبينك قال: نعم.

قال الملك: ما هو يا ملك الموت؟

فأخبره بالقصة، ثم نظر الملك إلى إدريس قال: ما تقول يا إدريس؟

قال: أقول إن الله يقول: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: 185] فقد ذقته ويقول الله عز وجل: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم: 71] وقد وردتها وقال لأهل الجنة: وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ [الحجر: 48] .

فو الله لا أخرج منها حتى يكون الله عز وجل هو الذي يخرجني.

قال: فسمع هاتفاً يقول: بإذني دخل وبإذني فعل فخل سبيله، فذلك قوله عز وجل: وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا» يعني: الجنة.

ويقال: وَرَفَعْناهُ في القدر والمنزلة، ويقال: وَرَفَعْناهُ في النبوة والعلم.

ثم قال عز وجل: أُولئِكَ، يعني: إبراهيم، وموسى، وإسماعيل، وإدريس، وسائر الأنبياء عليهم السلام الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ من سائر الأنبياء وهم ولد نوح  إلا إدريس  ، يعني: حملناهم على السفينة وهم في صلب نوح وأولاده، وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وهو يعقوب وَمِمَّنْ هَدَيْنا يعني: أكرمنا بالنبوة، ويقال: أكرمنا بالإسلام، وَاجْتَبَيْنا يعني: واصطفينا بعد هؤلاء.

إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ، يعني: القرآن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا يعني: يسجدون ويبكون من خوف الله عز وجل.

بكيّ: جمع باكي.

وقوله: سُجَّداً وَبُكِيًّا منصوب على الحال، وقال بعضهم: بُكِيًّا مصدر بكى يبكي بكياً، وقال الزجاج: من قال مصدر فهو خطأ، لأن سُجَّداً جمع ساجد وَبُكِيًّا عطف عليه فهو جمع باك.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يعقوبَ- على جميعهم السلام- وجعلَ الولدَ له تَسْلِيةً، وشَدًّا لِعَضُدِهِ.

وإسحاقُ أَصغر من إسماعيل، ولما حملت هاجرِ بإسْمَاعِيل، غارَتْ سَارَةُ فحملت بإسحاقِ، هكذا فيما روي.

وقوله تعالى: وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا يريد: العِلْم، والمنزِلَة، والشَّرَف في الدنيا، والنَّعيم في الآخرة كُلُّ ذلك من رحمة الله عز وجل، ولِسَانُ الصَّدْق: هو الثَّناءُ البَاقِي عليهم آخر الأبد قاله ابن عباس «١» وإبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلّم وذريته مُعظَّمة في جميع الأُمم والمِلَل.

قال ص: وَكُلًّا جَعَلْنا [نَبِيًّا] «٢» أَبو البقاء: هو منصوبٌ ب جَعَلْنا.

انتهى.

وقوله (عزَّ وجل) : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى، أي: على جهة التَّشْرِيف له، وَنادَيْناهُ هو تَكْلِيمُ الله له، والأَيْمن: صفةُ لجَانِب، وكان على يَمِينِ موسى، وإلا فالجبل نفسُه لاَ يَمْنةً له ولا يَسْرة، ويحتمل أَن يكون الأَمن مأْخُوذاً من الأَيمن، وَقَرَّبْناهُ أَيْ: تقريب تشريف، والنّجيّ: من المناجاة.

وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧) أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨)

وقوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ هو أيضاً من لسانِ الصِّدْقِ المضمون بقاؤه على إبراهيمَ عليه السلام وإسماعيلُ عليه السلام: هو أَبو العربِ اليومَ وذلك أَنَّ اليَمَنِية والمُضَرِية ترجع إلى ولد إسماعيل، وهو الذِّبِيحُ في قول الجمهُور.

وهو الرَّاجِحُ من وجوهٍ: / منها قوله تعالى: وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ ٤ ب [هود: ٧١] .

فَوَلَدٌ بُشِّر أَبواه بأن سَيَكُونُ منه ولدٌ كيف يُؤْمَرُ بذبحه؟!.

ومنها أَن أَمْرَ الذبح كان بِمِنًى بلا خِلاَفٍ، وما روي قَطُّ أَن إسحاقَ دخل تلك البلاد، وإسماعيلُ بها نَشَأ، وكان أَبوه يزُورُه مِرَاراً كَثِيرةً يأْتي من الشام، ويرجِعُ من يَوْمِهِ على البُرَاق وهو مركب الأنبياء.

ومنها قوله صلى الله عليه وسلّم: «أَنَا ابن الذَّبِيحَيْنِ» «١» وهو أَبُوهُ عبدُ اللهِ، والذَّبِيحُ الثَّانِي هو إسْماعِيلُ.

ومنها [تَرْتِيبُ] «٢» آيات سورة «والصَّافَّاتِ» يكاد ينصُّ على أَنَّ الذبيح غيرُ إسحاق، ووصفه اللهُ تعالى بصِدْق الوَعْد لأَنه كان مُبَالِغاً في ذلك وروي أَنَّه وعد رَجُلاً أَنْ يلقاه في مَوْضِعٍ، فبقي في انْتِظاره يَوْمَهُ ولَيلَتَهُ، فلما كان في اليوْمِ الآخر جاء الرجُلُ، فقال له إسماعيلُ: ما زِلْتُ هنا في انتظارك منذ أَمْسِ، وقد فعل مثله نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلّم قبل مَبْعَثِه، خرَّجه التّرمِذِيّ وغيرُه.

قال سُفْيان بن عُيَيْنَةَ «٣» : أَسْوَأُ الكَذِبِ إخْلاَفُ المِيعَادِ، ورَمْي الأبرياء بالتّهم.

وأَهْلَهُ المرادُ بهم قومه، وأُمَّته قاله الحسنُ «٤» .

وفي مصحف ابن مسعود: «وكان يَأْمُرُ قَوْمَهُ» .

وإدْريسُ عليه السلام من أَجْدَاد نوح عليه السلام.

وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا قالت فرقةٌ من العلماء: رُفِع إلى السماءِ.

قال ابنُ عَبَّاسٍ: كان ذلك بأَمْرِ الله تعالى «٥» .

وقوله: وَبُكِيًّا قالت فرقةٌ: جمع «٦» بَاكٍ، وقالت فرقةٌ: هو مَصْدَرٌ بمعنى البكاء التقدير: وبكوا بكيّا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ ﴾ هَذا عامٌّ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ، وفِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يَعِدْ رَبُّهُ بِوَعْدٍ قَطُّ إلّا وفى لَهُ بِهِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ خَصَّ بِصِدْقِ الوَعْدِ إسْماعِيلَ، ولَيْسَ في الأنْبِياءِ مَن لَيْسَ كَذَلِكَ ؟

فالجَوابُ: أنَّ إسْماعِيلَ عانى [ في الوَفاءِ ] بِالوَعْدِ ما لَمْ يُعانِهِ غَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ، فَأثْنى عَلَيْهِ بِذَلِكَ.

وذَكَرَ المُفَسِّرُونُ: أنَّهُ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَجُلٍ مِيعادٌ، فَأقامَ يَنْتَظِرُهُ مُدَّةً فِيها لَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أقامَ حَوْلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ يَوْمًا، قالَهُ الرُّقاشِيُّ.

والثّالِثُ: ثَلاثَةُ أيّامٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ رَسُولا ﴾ إلى قَوْمِهِ، وهم جُرْهم.

﴿ وَكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي: قَوْمَهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: أهْلُهُ: جَمِيعُ أُمَّتِهِ.

فَأمّا الصَّلاةُ والزَّكاةُ فَهُما العِبادَتانِ المَعْرُوفَتانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ في السَّماءِ الرّابِعَةِ، رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ «عَنْ رَسُولِ اللهِ  في حَدِيثِ المِعْراجِ: أنَّهُ رَأى إدْرِيسَ في السَّماءِ الرّابِعَةِ،» وبِهَذا قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ في الجَنَّةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وهَذا يَرْجِعُ إلى الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ الرّابِعَةِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ في السَّماءِ السّابِعَةِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وَفِي سَبَبِ صُعُودِهِ إلى السَّماءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ يُصْعَدُ لَهُ مِنَ العَمَلِ مِثْلُ ما يُصْعَدُ لِجَمِيعِ بَنِي آَدَمَ، فَأحَبَّهُ مَلَكُ المَوْتِ، فاسْتَأْذَنَ اللَّهَ في خُلَّتِهِ، فَأذِنَ لَهُ، فَهَبَطَ إلَيْهِ في صُورَةِ آَدَمِيٍّ، وَكانَ يَصْحَبُهُ، فَلَمّا عَرَفَهُ قالَ: إنِّي أسْألُكَ حاجَةً، قالَ: ما هي ؟

قالَ: تُذِيقُنِي المَوْتَ، فَلَعَلِّيَ أعْلَمُ ما شِدَّتُهُ، فَأكُونُ لَهُ أشَدَّ اسْتِعْدادًا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنِ اقْبِضْ رُوحَهُ ساعَةً ثُمَّ أرْسِلْهُ، فَفَعَلَ، ثُمَّ قالَ: كَيْفَ رَأيْتَ ؟

قالَ: كانَ أشَدَّ مِمّا بَلَغَنِي عَنْهُ، وإنِّي أُحِبُّ أنْ تُرِيَنِي النّارَ.

قالَ: فَحَمَلَهُ فَأراهُ إيّاها، قالَ: إنِّي أُحِبُّ أنْ تُرِيَنِي الجَنَّةَ، فَأراهُ إيّاها، فَلَمّا دَخَلَها طافَ فِيها، قالَ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ: اخْرُجْ، فَقالَ: واللَّهِ لا أخْرُجُ حَتّى يَكُونَ اللَّهُ تَعالى يُخْرِجُنِي، فَبَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا فَحَكَمَ بَيْنَهُما، فَقالَ: ما تَقُولُ يا مَلَكَ المَوْتِ ؟

فَقَصَّ عَلَيْهِ ما جَرى، فَقالَ: ما تَقُولُ يا إدْرِيسُ ؟

قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ  ﴾ وقَدْ ذُقْتُهُ، وقالَ: ﴿ وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها  ﴾ وقَدْ ورَدْتُها، وقالَ لِأهْلِ الجَنَّةِ: ﴿ وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ  ﴾ ؛ فَواللَّهِ لا أخْرُجُ حَتّى يَكُونَ اللَّهُ يُخْرِجُنِي، فَسَمِعَ هاتِفًا مِن فَوْقِهِ يَقُولُ: بِإذْنِي دَخَلَ وبِأمْرِي فَعَلَ، فَخَلَّ سَبِيلَهُ، هَذا مَعْنى ما رَواهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ  .

فَإنْ سَألَ سائِلٌ فَقالَ: مِن أيْنَ لِإدْرِيسَ هَذِهِ الآَياتِ وهي في كِتابِنا ؟

فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ، قالَ: كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أعْلَمَ إدْرِيسَ بِما ذَكَرَ في القُرْآَنِ مِن وُجُوبِ الوُرُودِ، وامْتِناعِ الخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، فَقالَ ما قالَهُ بِعِلْمٍ.

والثّانِي: أنَّ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أنْ يَهْبِطَ إلى إدْرِيسَ، فَأذِنَ لَهُ، فَلَمّا عَرَفَهُ إدْرِيسُ قالَ: هَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَ مَلَكِ المَوْتِ قَرابَةٌ ؟

قالَ: ذاكَ أخِي مِنَ المَلائِكَةِ.

قالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَنْفَعَنِي عِنْدَ مَلَكِ المَوْتِ ؟

قالَ: سَأُكَلِّمُهُ فِيكَ فَيَرْفُقُ بِكَ، ارْكَبْ بَبْنَ جَناحِي، فَرَكِبَ إدْرِيسُ فَصَعِدَ بِهِ إلى السَّماءِ، فَلَقِيَ مَلَكَ المَوْتِ، فَقالَ: إنَّ لِي إلَيْكَ حاجَةً.

قالَ: أعْلَمُ ما حاجَتُكَ، تُكَلِّمُنِي في إدْرِيسَ، وقَدْ مُحِيَ اسْمُهُ مِن الصَّحِيفَةِ، ولَمْ يَبْقَ مِن أجْلِهِ إلّا نِصْفُ طَرْفَةِ عَيْنٍ ؟

فَماتَ إدْرِيسُ بَيْنَ جَناحَيِ المَلَكِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَقَبَضَ مَلَكُ المَوْتِ رُوحَ إدْرِيسَ في السَّماءِ السّادِسَةِ.

والثّالِثُ: أنَّ إدْرِيسَ مَشى يَوْمًا في الشَّمْسِ فَأصابَهُ وهَجُها، فَقالَ: اللَّهُمَّ خَفِّفْ ثِقَلَها عَمَّنْ يَحْمِلُها، يَعْنِي بِهِ: المَلَكَ المُوَكَّلَ بِالشَّمْسِ، فَلَمّا أصْبَحَ المَلَكُ وجَدَ مِن خِفَّةِ الشَّمْسِ وحَرِّها ما لا يَعْرِفُ، فَسَألَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ عَبْدِي إدْرِيسَ سَألَنِي أنْ أُخَفِّفَ عَنْكَ حِمْلَها وحَرَّها فَأجَبْتُهُ.

فَقالَ: يا رَبِّ اجْمَعْ بَيْنِي وبَيْنَهُ واجْعَلْ بَيْنَنا خُلَّةً، فَأذِنَ لَهُ، [ فَأتاهُ ]، فَكانَ مِمّا قالَ لَهُ إدْرِيسُ: اشْفَعْ لِي إلى مَلَكِ المَوْتِ لِيُؤَخِّرَ أجَلِي، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لا يُؤَخِّرُ نَفْسًا إذا جاءَ أجْلُها، ولَكِنْ أُكَلِّمُهُ فِيكَ، فَما كانَ مُسْتَطِيعًا أنْ يَفْعَلَ بِأحَدٍ مِن بَنِي آَدَمَ فَعَلَ بِكَ، ثُمَّ حَمَلَهُ المَلَكُ عَلى جَناحِهِ فَرَفْعَهُ إلى السَّماءِ، فَوَضَعَهُ عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، ثُمَّ أتى مَلَكَ المَوْتِ فَقالَ: إنَّ لِي إلَيْكَ حاجَةَ صَدِيقٍ لِي مِن بَنِي آَدَمَ تَشْفَعُ بِي إلَيْكَ لِتُؤَخِّرَ أجْلَهُ، قالَ: لَيْسَ ذاكَ إلَيَّ، ولَكِنْ إنْ أحْبَبْتَ أعْلَمْتُهُ مَتى يَمُوتُ، فَنَظَرَ في دِيوانِهِ فَقالَ: إنَّكَ كَلَّمْتَنِي في إنْسانٍ ما أراهُ يَمُوتُ أبَدًا، ولا أجِدُهُ يَمُوتُ إلّا عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، فَقالَ: إنِّي أتَيْتُكَ وتَرَكْتُهُ هُناكَ، قالَ: انْطَلِقْ فَما أراكَ تَجِدُهُ إلّا مَيِّتًا، فَواللَّهِ ما بَقِيَ مِن أجْلِهِ شَيْءٌ، فَرَجَعَ المَلَكُ فَرَآَهُ مَيِّتًا.

وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وكَعْبٍ في آَخَرِينَ، فَهَذا القَوْلُ والَّذِي قَبْلَهُ يَدُلّانِ عَلى أنَّهُ مَيِّتٌ، والقَوْلُ الأوَّلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَيٌّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴾ ﴿ وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَبِيِّينَ مِنَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ومِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإسْرائِيلَ ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا ﴾ إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَلامُ هو مِن أجْدادِ نُوحٍ، وهو أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ إلى أهْلِ الأرْضِ فِيما رُوِيَ بَعْدَ آدَمَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ، وهو أوَّلُ مَن خَطَّ بِالقَلَمِ، وكانَ خَيّاطًا، ووَصَفَهُ اللهُ تَعالى بِالصِدْقِ، والوَجْهُ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى العُمُومِ في الأحادِيثِ والأعْمالِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو إلْياسُ، بُعِثَ إلى قَوْمِهِ بِأنْ يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللهُ، ويَعْمَلُوا ما شاؤُوا، فَأبَوْا فَأُهْلِكُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأشْهَرُ أنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ بِإهْلاكِ أُمَّةٍ، وأنَّهُ نَبِيٌّ فَقَطْ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا ﴾ - فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: هَذا هو رَفْعُ النُبُوءَةِ والتَشْرِيفِ والمَنزِلَةِ، وهو في السَماءِ كَما سائِرِ الأنْبِياءِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ رَفْعٌ إلى السَماءِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ ذَلِكَ بِأمْرِ اللهِ كَما رَفَعَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وهُنالِكَ ماتَ إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَلامُ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ إلّا أنَّهُ قالَ: ولَمْ يَمُتْ، وكَذَلِكَ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ لِابْنِ عَبّاسٍ: كانَ لَهُ خَلِيلٌ مِنَ المَلائِكَةِ فَحَمَلَهُ عَلى جَناحِهِ وصَعِدَ بِهِ حَتّى بَلَغَ السَماءَ الرابِعَةَ، فَلَقِيَ هُنالِكَ مَلَكَ المَوْتِ.

فَقالَ لَهُ: إنَّهُ قِيلَ لِي: اهْبِطْ إلى السَماءِ الرابِعَةِ فاقْبِضْ رُوحَ إدْرِيسَ، وإنِّي لَأعْجَبُ كَيْفَ يَكُونُ هَذا، فَقالَ لَهُ المَلَكُ الصاعِدُ: هَذا إدْرِيسَ مَعِي، فَقَبَضَ رُوحَهُ.

ورُوِيَ أنَّ هَذا كُلَّهُ كانَ في السَماءِ السادِسَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وكَذَلِكَ هي رُتْبَتُهُ في حَدِيثِ الإسْراءِ في بَعْضِ الرِواياتِ، وحَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الإسْراءِ يَقْتَضِي أنَّهُ في السَماءِ الرابِعَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَبِيِّينَ مِنَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﴾ الآيَةُ.

الإشارَةُ بِـ " أُولَئِكَ " إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﴾ يُرِيدُ إدْرِيسَ ونُوحًا عَلَيْهِما السَلامُ، ﴿ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ﴾ يُرِيدُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ﴿ وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ﴾ يُرِيدُ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ السَلامُ، ﴿ وَإسْرائِيلَ ﴾ يُرِيدُ مُوسى وهارُونَ وزَكَرِيّا وَيَحْيى وعِيسى بْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِمُ السَلامُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَمِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا ﴾ ، مَعْناهُ: اخْتَرْنا واصْطَفَيْنا، وكَأنَّهُ مِن: "جَبَيْتُ المالَ" إذا جَمَعْتُهُ، ومِنهُ جِبايَةُ المالِ، كَأنَّ جابِيهِ يَصْطَفِيهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إذا تُتْلى" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "إذا يُتْلى" بِالياءِ.

و"الآياتُ" هُنا الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، و"سُجَّدًا" نُصِبَ عَلى الحالِ لِأنَّ مَبْدَأ السُجُودِ سُجُودٌ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والجُمْهُورُ: "وَبُكِيًّا"، قالَتْ فِرْقَةٌ: هو جَمْعُ باكٍ، كَما يُجْمَعُ عاتٍ وجاثٍ عَلى عُتِيٍّ وجُثِيٍّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى البُكاءِ، التَقْدِيرُ: وبَكَوْا بُكِيًّا، واحْتَجَّ الطَبَرِيُّ ومَكِّيُّ لِهَذا القَوْلِ بِأنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ رُوِيَ أنَّهُ قَرَأ سُورَةَ مَرْيَمَ فَسَجَدَ ثُمْ قالَ: هَذا السُجُودُ فَأيْنَ البُكِيُّ؟

يَعْنِي البُكاءَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واحْتِجاجُهُما بِهَذا فاسِدٌ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: فَأيْنَ الباكُونَ؟، فَلا حُجَّةَ فِيهِ لِهَذا، وهَذا الَّذِي ذَكَرُوهُ عن عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ ذِكْرَهُ أبُو حاتِمْ عَنِ النَبِيِّ  .

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويَحْيى، والأعْمَشُ: "وَبِكِيًّا" بِكَسْرِ الباءِ، وهو مَصْدَرٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الجملة استئناف ابتدائي، واسم الإشارة عائد إلى المذكورين من قوله ﴿ ذكر رحمة ربك عبده زكرياء ﴾ [مريم: 2] إلى هنا.

والإتيان به دون الضمير للتنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما يذكر بعد اسم الإشارة لأجل ما ذكر مع المشار إليهم من الأوصاف، أي كانوا أحرياء بنعمة الله عليهم وكونهم في عداد المهديين المجتبيْن وخليقين بمحبتهم لله تعالى وتعظيمهم إياه.

والمذكور بعد اسم الإشارة هو مضمون قوله ﴿ أنعم الله عليهم ﴾ وقوله ﴿ وممّن هدينا واجتبينا ﴾ ، فإن ذلك أحسن جزاء على ما قدموه من الأعمال، ومن أعطوه من مزايا النبوءة والصديقية ونحوهما.

وتلك وإن كانت نعماً وهداية واجتباء فقد زادت هذه الآية بإسناد تلك العطايا إلى الله تعالى تشريفاً لها، فكان ذلك التشريف هو الجزاء عليها إذ لا أزيد من المجازَى عليه إلاّ تشريفه.

وقرأ الجمهور {من النّبييّن بياءين بعد الموحدة.

وقرأه نافع وحده بهمزة بعد الموحدة.

وجملة إذَا تتلى عَليهم ءَاياتُ الرَّحْمانِ} مستأنفة دالة على شكرهم نعم الله عليهم وتقريبه إياهم بالخضوع له بالسجود عند تلاوة آياته وبالبكاء.

والمراد به البكاء الناشئ عن انفعال النفس انفعالاً مختلطاً من التعظيم والخوف.

و {سُجداً جمع ساجد.

وبُكيّاً جمع بَاك.

والأول بوزن فُعّل مثل عُذَّل، والثاني وزنه فعُول جمع فاعل مثل قوم قعود، وهو يائي لأنّ فعله بكى يبكي، فأصله: بُكُويٌ.

فلما اجتمع الواو والياء وسبق إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء وحركت عين الكلمة بحركة مناسبة للياء.

وهذا الوزن سماعي في جمع فاعل ومثله.

وهذه الآية من مواضع سجود القرآن المروية عن النبي اقتداء بأولئك الأنبياء في السجود عند تلاوة القرآن، فهم سجدوا كثيراً عند تلاوة آيات الله التي أنزلت عليهم، ونحن نسجد اقتداء بهم عند تلاوة الآيات التي أنزلت إلينا.

وأثنت على سجودهم قصداً للتشبه بهم بقدر الطاقة حين نحن متلبسون بذكر صنيعهم.

وقد سجد النبي عند هذه الآية وسنّ ذلك لأمته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا ﴾ أيْ سُجَّدًا لِلَّهِ، وبُكِيًّا جَمْعُ باكٍ، لِيَكُونَ السُّجُودُ رَغْبَةً والبُكاءُ رَهْبَةً.

وَقَدْ رُوِيَ في الحَدِيثِ: « (فَهَذا السُّجُودُ فَأيْنَ البُكاءُ؟)» يَعْنِي هَذِهِ الرَّغْبَةُ فَأيْنَ الرَّهْبَةُ؟

لِأنَّ الطّاعَةَ لا تُخْلَصُ إلّا بِالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين ﴾ قال: هذه تسمية الأنبياء الذين ذكرهم.

أما من ذرية آدم: فإدريس ونوح، وأما من حمل مع نوح: فإبراهيم- وأما ذرية إبراهيم: فإسماعيل، وإسحق، ويعقوب.

وأما بني اسرئيل: فموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ واجتبينا ﴾ قال خلصنا.

وأخرج عبد بن حميد، عن قيس بن سعد قال: جاء ابن عباس حتى قام على عبيد بن عمير وهو يقص فقال: ﴿ واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً ﴾ [ مريم: 42] ﴿ واذكر في الكتاب إسماعيل ﴾ [ مريم: 54] الآية ﴿ واذكر في الكتاب إدريس ﴾ الآية.

حتى بلغ ﴿ أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين ﴾ قال ابن عباس: ﴿ ذكرهم بأيام الله ﴾ [ إبراهيم: 6] وأثن على من أثنى الله عليه.

وأخرج ابن أبي الدنيا في البكاء، وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن عمر بن الخطاب: أنه قرأ سورة مريم فسجد، ثم قال: هذا السجود فأين البكاء؟.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ ﴾ يعني الذين ذكرهم من الأنبياء في هذه السورة، ثم بين مراتبهم في شرف النسب فقال: ﴿ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﴾ قال ابن عباس، والسدي: (يعني إدريس، ونوحا) (١) ﴿ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ﴾ إبراهيم؛ لأنه من ولد سام بن نوح، ويريد بالحمل مع نوح العمل في سفينته.

﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ يريد إسحاق، وإسماعيل، ويعقوب.

وقوله تعالى: ﴿ وَإِسْرَائِيلَ ﴾ يعني: ومن ذريته وهم: موسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ﴾ أي: هؤلاء كانوا ممن أرشدنا واصطفينا ﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ﴾ قال ابن عباس: (سجدًا متضرعين إليه) (٤) (٥) ﴿ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا  ﴾ ﴿ وَبُكِيًّا ﴾ : جمع باك مثل ساجد وسجود، وقاعد وقعود أصله: بكوي ففعل كما فعل بمرمى ومقضى، وقد ذكرنا ذلك في هذه السور (٦) (١) "جامع البيان" 1/ 976، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 141، "أضواء البيان" 4/ 305.

(٢) "جامع البيان" 16/ 97، "المحرر الوجيز" 9/ 190، "معالم التنزيل" 5/ 240، "الكشاف" 2/ 415، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 141.

(٣) "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 120.

(٤) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة انظر: "جامع البيان" 97/ 16، "المحرر الوجيز" 9/ 491، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 141، "التفسير الكبير" 21/ 234.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 335.

(٦) عند قوله سبحانه في الآية رقم: (8): ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِدْرِيسَ ﴾ هو أول نبيّ بعث إلى أهل الأرض بعد آدم، وهو أول من خط بالقلم، ونظر في علم النجوم وخاط الثياب، وهو من أجداد نوح عليه السلام ﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً ﴾ في حديث الإسراء: وإنه في السماء الرابعة، وقيل: يعني رفعة النبوة وتشريف منزلته.

والأول أشهر ورجحه الحديث ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى كل من ذكر في هذه السورة، من زكريا إلى إدريس ﴿ مِّنَ النبيين ﴾ من هنا للبيان، والتي بعدها للتبعيض ﴿ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ ﴾ يعني نوحاً وإدريس ﴿ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا ﴾ يعني إبراهيم ﴿ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ يعني إسماعيل وإسحاق ويعقوب ﴿ وَإِسْرَائِيلَ ﴾ يعني أن من ذريته موسى وهارون ومريم وعيسى وزكريا ويحيى ﴿ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا ﴾ يحتمل العطف على من الأولى أو الثانية ﴿ وَبُكِيّاً ﴾ جمع باك ووزنه فعول.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني أعوذ ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ ليهب لك ﴾ على الغيبة: أبو عمرو ويعقوب وورش والحلواني عن قالون وحمزة في الوقف.

الآخرون ﴿ لأهب ﴾ على التكلم ﴿ نسياً ﴾ بفتح النون: حمزة وحفص.

الباقون بكسرها.

﴿ من تحتها ﴾ بكسر الميم على أنه حرف جر وبجر التاء الثانية: أبو جعفر ونافع وسهل وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقونه بفتحهما على أن "من" موصولة والظرف صلتها ﴿ تساقط ﴾ بحذف تاء التفاعل: علي وحمزة والخزاز عن هبيرة.

﴿ تساقط ﴾ من المفاعلة: حفص غير الخزاز ﴿ يساقط ﴾ بياء الغيبة، وعلى أن الضمير للجذع وبإدغام التاء في السين: سهل ويعقوب ونصير وحماد.

الباقون مثله ولكن بتاء التأنيث على أن الضمير للنخلة ﴿ آتاني الكتاب ﴾ ممالة مفتوحة الياء: عليّ.

وقرأ حمزة مرسلة الياء مفخمة في الوصل ممالة في الوقف.

﴿ وأوصاني ﴾ بالإمالة: علي ﴿ قول الحق ﴾ بالنصب: ابن عامر وعاصم ويعقوب.

﴿ وإن الله ﴾ بكسر الهمزة: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وروح والمعدل عن زيد.

الوقوف: ﴿ مريم ﴾ لا ليصير "إذ" ظرفاً لأذكر ﴿ شرقياً ﴾ لا للعطف ﴿ زكياً ﴾ ه ﴿ بغياً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ط لما مر ﴿ هين ﴾ ج لجواز كون الواو مقحمة أو معلقة بمحذوف كما يجيء ﴿ منا ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ مقضياً ﴾ ه ﴿ قصياً ﴾ ه ﴿ النخلة ﴾ ج لترتب الماضي من غير عاطف والأولى أن يكون استئنافاً ﴿ منسياً ﴾ ه ﴿ سرياً ﴾ ه ﴿ جنياً ﴾ ه ز ﴿ عيناً ﴾ ه ج للشرط مع الفاء ﴿ أحداً ﴾ لا لأن ما بعده جواب الشرط ﴿ نسياً ﴾ ه ج للعطف مع الآية ﴿ تحمله ﴾ ط ﴿ فرياً ﴾ ه ﴿ بغياً ﴾ ه ج ﴿ إليه ﴾ ج ﴿ صبياً ﴾ ه ﴿ عبد الله ﴾ ط لأن الجملة لا تقع صفة للمعرفة.

ويمكن أن يجعل معنى التحقيق في "إن" عاملاً فيكون حالاً فلا يوقف ﴿ أينما كنت ﴾ ص لطول الكلام ﴿ حياً ﴾ ص ه لذلك والوصل أولى لأن قوله ﴿ وبراً ﴾ معطوف على قوله ﴿ مباركاً ﴾ .

﴿ بوالدتي ﴾ ج لتبدل الكلام من الإثبات إلى النفي ﴿ شقياً ﴾ ، ﴿ حياً ﴾ ه، ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ ج على القراءتين لاحتمال أن يراد أقول قول الحق وأن يجعل حالاً، وأما في قراءة الرفع فإما أن يكون بدلاً من عيسى أو يكون التقدير هو قول الحق ﴿ يمترون ﴾ ه، ﴿ من ولد ﴾ ه استعجالاً للتنزيه {  } ط ﴿ فيكون ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وأن ﴾ بالكسر ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ، ه ﴿ من بينهم ﴾ ج لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ وأبصر ﴾ لا لأن ما بعده ظرف للتعجب ﴿ مبين ﴾ ه وسمعت عن مشايخي رحمهم الله أن الوقف على قوله ﴿ قضى الأمر ﴾ لازم لا أقل من المطلوب لأن ما بعده جملة مستأنفة ولو وصل لأوهم أن يكون حالاً من القضاء وليس كذلك ﴿ لا يؤمنون ﴾ ، ه ﴿ يرجعون ﴾ ه.

التفسير: هذا شروع في ابتداء خلق عيسى ولا ريب أن خلق الولد بين شيخين فانيين أقرب إلى مناهج العادات من تخليق الولد من غير أب، فلهذا أخرت قصة عيسى عن قصة يحيى ترقياً من باب التفهم من الأدنى إلى الأعلى.

وقوله "إذ" بدل الاشتمال من مريم لأن الأزمان مشتملة على ما فيها، وفي هذا الإبدال تفخيم لشأن الوقت كوقوع قصتها العجيبة فيه.

والانتباه "افتعال" من النبذ الطرح كأنها ألقت نفسها إلى جانب معتزلة عن الناس في مكان يلي شرقي بيت المقدس أو شرقي دارها.

قال ابن عباس: من ههنا اتخذت النصارى المشرق قبلة ﴿ فاتخذت من دونهم حجاباً ﴾ لا بد لهذا الاحتجاب من غرض صحيح فمن المفسرين من قال: إنها لما رأت الحيض تباعدت عن مكانها المعتاد لكي تنتظر الطهر فتغتسل وتعود، فلما طهرت جاء جبريل  ، وقيل: طلبت الخلوة لأجل العبادة.

وقيل: في مشربة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أو شيء يسترها.

وقيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه، وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها بابها فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها، فانفجر السقف لها فخرجت وجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك وذلك قوله: ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ يعني جبرائيل لأن الدين يحيا به وبوحيه، والإضافة للتشريف والتسمية مجاز كما تقول لمن تحبه إنه روحي ﴿ فتمثل لها ﴾ حال كونه ﴿ بشراً سوياً ﴾ تام الخلق أو حسن الصورة.

وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه، وتدرع الروحاني كجبريل مثلاُ تارة بالهيكل العظيم وأخرى بالصغير غير مستبعد، والذين اعتقدوا أن جبرائيل جسماني جوزوا أن يكون له أجزاء أصلية قليلة وأجزاء فاضلة، فبتلك الأجزاء الأصلية يكون متمكناً من التشبه بصورة الإنسان، ولندرة أمثال هذه الأمور لا يلزم منها قدح في العلوم العادية المستندة إلى الإحساس.

فلا يلزم الشك في أن زيداً الذي نشاهده الآن هو الذي شاهدناه بالأمس.

قوله: ﴿ إن كنت تقياً ﴾ أي إن كان يرجى منك أن تتقي الله وترجع بالاستعاذة به فإني عائذة به منك.

وقيل: إنه كان في ذلك العصر إنسان فاجر اسمه تقي وكان يتتبع النساء فظننت أن ذلك المتمثل هو ذلك الشخص فاستعاذت بالله.

وقيل: "إن" نافية أي ما كنت تقياً حين استحللت النظر إلي وخلوت بي.

وحين علم جبريل خوفها ﴿ قال إنما أنا رسول ربك ﴾ أرسلني ﴿ لأهب لك ﴾ أو ليهب لك ﴿ غلاماً زكياً ﴾ طاهراً من الذنوب ينمو على النزاهة والعفة.

وكيف زال خوفها بمجرد القيل؟

احتمل أن يكون قد ظهر لها معجزة من جهة زكريا أو إرهاصاً لعيسى أو إلهاماً من الله  .

وهل تقدر الملائكة على تركيب الأجزاء وخلق الحياة والنطق حتى صح قول جبرائيل ﴿ لأهب لك ﴾ ؟

قال: اجتمعت الأمة على أن لا قدرة للأجسام على إيجاد الجواهر وإعدامها وإلا فلا استبعاد في تأثير بعض الأجسام في بعضها الخاصية خصها الله بها.

ووجه صحة هذه القراءة أن جبرائيل صار سبباً في الهبة بالنفخ في الدرع.

﴿ قالت ﴾ استغراباً من حيث العادة لا تشكيكاً في قدرة الله ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ ولم تقل ههنا "رب" إما لأنها تخاطب جبرائيل، وإما اكتفاء بما سلف في آل عمران ﴿ ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ﴾ هي الفاجرة التي تبغي الرجال.

عن المبرد أن أصله يغوى على "فعول" قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء وكسرت الغين للمناسبة.

وعن ابن جنى أنه "فعيل" وإلا لقيل بغو كنهو عن المنكر خصصت بعدما عممت لزيادة الاعتبار بهذا الخزي تبرئة لساحتها عن الفحشاء.

ولما جرى في أول القصة من تمثل جبرائيل لها بصورة البشر حتى ظنت أنه يريدها بسوء فاستعاذت بالرحمن منه بخلاف هذه القصة في آل عمران.

فإنها بنيت على الأمن والبشارة بقوله: ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك  ﴾ فلم تحتج إلى هذه الزيادة.

وقال جار الله: المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه في قوله: ﴿ من قبل أن تمسوهن  ﴾ ﴿ أو لامستم النساء  ﴾ وإنما يقال في الزنا "فجر بها" و "خبث بها" ونحو ذلك ولا يليق به الكنايات والآداب.

قلت لو سلم هذا من حيث اللغة إلا أنه لا بد لزيادة قوله: ﴿ ولم أك بغياً ﴾ في هذا المقام من فائدة وقد عرفت ما سنح لنا والله أعلم.

﴿ قال كذا قال ربك هو عليّ هين ﴾ تفسيره كما مر في قصة زكريا ﴿ ولنجعله ﴾ أي ولنجعل الغلام أو خلقه ﴿ آية للناس ﴾ يستدل بها على كمال اقتدارنا على إبداع الغرائب فعلنا ذلك، ويجوز أن يكون معطوفاً على تعليل مضمر يتعلق بما يدل عليه ﴿ هين ﴾ أي تخلقه لنبين به قدرتنا ﴿ ولنجعله آية ﴾ وقد مر مثل هذا في قوله: ﴿ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه  ﴾ ﴿ ورحمة منا ﴾ على عبادنا لأن كل نبي رحمة لأمته فبه يهدون إلى صلاح الدارين ﴿ وكان أمراً مقضياً ﴾ مقدراً في اللوح أو أمراً حقيقاً بأن يقضي به لكونه آية ورحمة، وهذا مبني على أن رعاية الأصلح واجبة على الله.

وههنا إضمار قال ابن عباس: فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيب درعها فوصلت النفخة إلى بطنها فحملت.

وقيل: في ذيلها فوصلت إلى الفرج.

وقيل: في فمها.

وقيل: إن النافخ هو الله كقوله ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ وعلى هذا يقع تقديم ذكر جبرائيل كالضائع ولا سيما في قراءة من قرأ ﴿ لأهب لك ﴾ قيل: حملته وهي بنت ثلاث عشرة سنة.

وقيل: بنت عشرين وقد حاضت حيضتين قبل أن تحمل.

وكم مدة حملها؟

عن ابن عباس في رواية تسعة أشهر كما في سائر النساء لأنها لو كانت مخالفة لهن في هذه العادة لناسب أن يذكرها الله  في أثناء مدائحها.

وقيل: ثمانية أشهر ولم يعش مولود لثمانية إلا عيسى.

قال أهل التنجيم: إنما لا يعيش لأنه يعود إلى تربية القمر وهو مغير معفن بسرعة حركته وغلبة التبريد والترطيب عليه.

وعن عطاء وأبي العالية والضحاك: سبعة أشهر.

وقيل: ستة أشهر.

وقيل: حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها.

وعن ابن عباس في رواية أخرى: كما حملته نبذته لقوله  : ﴿ إن مثل عيسى عند الله ﴾ إلى قوله: ﴿ كن فيكون  ﴾ ولفاآت التعقيب في قوله: ﴿ فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً فأجاءها المخاض ﴾ وعلى هذا فالمكان القصي هو أقصى الدار أو وراء الجبل بعيداً من أهلها.

ومعنى انتبذت به اعتزلت متلبسة به وهو في بطنها.

وقصى مبالغة قاص.

وروى الثعلبي عن وهب قال: إن مريم لما حملت فأول من عرف هو يوسف النجار ابن عمها و كانت سميت له، وكانا يخدمان المسجد ولا يعلم من أهل زمانهما أكثر عبادة وصلاحاً منهما.

فقال لها: إنه وقع في نفسي من أمرك شيء ولا أحب أن أكتمه عنك.

فقالت: قل قولاً جميلاً.

فقال: أخبريني يا مريم هل نبت زرع بغير بذر؟

قالت: نعم.

ألم تعلم أن الله  أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر!

أو تقول: إن الله لا يقدر على الإنبات حتى يستعين بالماء، ألم تعلم أن الله  خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى!

فقال يوسف: لا أقول هذا ولكني أقول: إن الله قادر على ما يشاء، وزالت التهمة عن قلبه وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لضيق قلبها واستيلاء الضعف عليها من الحمل.

فحين دنا نفاسها أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، فلما بلغت تلك الدار أدركها النفاس فألجأها إلى أصل نخلة.

قال جار الله: منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء.

لا يقال: جئت المكان وأجاءنيه زيد كما يقال بلغته وأبلغنيه، ونظيره "آتى" حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم يقل "أتيت المكان وآتانيه فلان".

قلت: حاصله تخصيص باء التعدية بعد تعميم و ﴿ المخاض ﴾ بفتح الميم وجع الولادة.

قال الجوهري: مخضت الناقة بالكسر مخاضاً مثل سمع سماعاً.

قيل: طلبت الجذع لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة.

يروى أنه كان جذعاً لنخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمرة خضرة، وكان الوقت شتاء والتعريف إما كتعريف النجم والصعق لكون ذلك الجذع مشهوراً هناك، وإما للجنس أي جذع هذه الشجرة خاصة أرشدت إليها لتطعم منها الرطب الذي هو خرسة النفساء أي طعامها الموافق لها، ولأن النخلة أقل الأشياء صبراً على البرد ولا تثمر إلا باللقاح فكان ظهور ذلك الرطب من ذلك الجذع في الشتاء من دون لقاح وإبار دليلاً على حصول الولد من غير ذكر قال في الكشاف: النسي اسم ما من حقه أن يطرح وينسى كخرقة الطامث ونحوها، ونظير الذبح لما من شأنه أن يذبح.

وعن يونس: أن العرب إذا ارتحلوا قالوا: انظروا أنساءكم يعنون العصا والقدح والشظاظ ونحوها.

تمنت لو كانت شيئاً يعبأ به فحقه أن ينسى في العادة.

ومعنى ﴿ منسياً ﴾ أنه قد نسي وطرح فوجد فيه النسيان الذي هو حقه.

وإنما تمنت ذلك لما لحقها من فرط الحياء والخجل، أو لأنهم بهتوا وهي عارفة ببراءة ساحتها فشق ذلك عليها، أو لخوفها على الناس أن يعصوا الله بسببها.

ومن قرأ ﴿ نسياً ﴾ بالفتح فقد قال الفراء: هما لغتان كالوتر والوتر.

ويجوز أن يكون تسمية بالمصدر كالحمل.

وقرىء ﴿ نسأ ﴾ بالهمز وهو الحليب المخلوط بالماء ينسؤه أهله لقلته ونزارته ﴿ فناداها من تحتها ﴾ الذي هو تحتها أو إنسان تحتها يعني جبريل بناء على أنه كان يقبل الولد كالقابلة، أو أراد أسفل من مكانها لأن مريم كانت أقرب إلى الشجرة منه، أو كان جبريل تحت الأكمة وهي فوقها فصاح بها لا تحزني.

وعن الحسن وسعيد بن جبير أن المراد به عيسى لأن ذكر عيسى أقرب، ولأن موضع اللوث لا يليق بالملك، ولأن الصلة يجب أن تكون معلومة للسامع والذي علم كونه حاصلاً تحتها هو الولد ويجري القولان فيمن قرأ بكسر الميم.

وعن عكرمة وقتادة أن الضمير في تحتها للنخلة.

قوله: ﴿ سرياً ﴾ جمهور المفسرين على أن السريّ هو الجدول.

وروي ذلك عن النبي  سمي بذلك لأن الماء يسري فيه.

وقيل: هو من السر ومعناه سخاء في مروءة: ويقال: فلان من سروات قومه أي من أشرافهم.

وجمع السري سراة وجمع سراة سروات.

عن الحسن: كان والله عبداً سرياً حجة هذا القائل أن النهر لا يكون تحتها بل إلى جنبها ولا يمكن أن يقال: المراد أن النهر تحت أمرها يجري بأمرها ويقف بأمرها كما في قوله: ﴿ وهذه الأنهار تجري من تحتي  ﴾ لأنه خلاف الظاهر.

وأجيب بأن المكان المستوي إذا كان فيه مبدأ معين فكل من كان أقرب منه كان فوق.

وكل من كان أبعد منه كان تحت.

وأراد أن النهر تحت الأكمة وهي فوقها.

وأيضاً حمل السري على النهر موافق قوله: ﴿ وءاوينٰهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ﴾ \[المؤمنون: 50\] وقوله: ﴿ فكلي واشربي ﴾ يروى أن جبريل ضرب برجله فظهر ماء عذب.

وقيل: كان هناك ماء جار، والأول أقرب لأن قوله ﴿ قد جعل ربك ﴾ مشعر بالأحداث في ذلك الوقت.

قال القفال: الجذع من النخلة هو الأسفل وما دون الرأس الذي عليه الثمرة.

وقال قطرب: كل خشبة في أصل شجرة هي جذع، والباء في قوله: ﴿ بجذع النخلة ﴾ كالزائد لأن العرب تقول هزة وهز به والمعنى حركي جذع النخلة أو افعلي الهز به.

و ﴿ رطباً ﴾ تمييز ومفعول تساقط على حسب القراآت اللازمة والمتعدية.

وعن الأخفش المراد جواز انتصابه بــ ﴿ هزي ﴾ أي هزي إليك رطباً جنياً بجذع النخلة أي على جذعها.

والجني المأخوذ طرياً.

والظاهر أنه ما أثمر إلا الرطب وقد صار نخلاً.

وقيل: إنه كان على حاله وإنه أثمر مع الرطب غيره.

قالوا: إذا عسر ولادة المرأة لم يكن لها خير من الرطب، والتمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وكذا التحنيك.

والمراد أنه جمع لها فائدتان في السري والرطب: إحداهما الأكل والشرب وقدم الأكل مع أن ذكر السري مقدم لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال من الدماء، والثانية سلوة الصدر لكونهما معجزين لزكريا أو إرهاصاً لعيسى أو كرامتين لمريم وأشار إلى هذه بقوله: ﴿ وقري عيناً ﴾ لأن قرّة العين تلزم قوة القلب والتسلي من الهموم والأحزان.

وقيل: إن ألم النفس أشد من ألم البدن، فلم قدم دفع ألم البدن على دفع ألم القلب؟

وأجيب بأن الخوف النفسي كان قليلاً لتقدم بشارة جبريل فكان التذكر كافياً ﴿ فإما ترين ﴾ أصله ترأيين مثل تسمعين خففت الهمزة وسقطت نون الإعراب للجزم ثم ياء الضمير للساكنين وذلك بعد لحوق نون التأكيد وقد مر في قوله: ﴿ إمَّا يبلغن عندك الكبر  ﴾ إذاً لتأكيد هذه الصورة يقصد به أن الشرط مما سيقع غالباً فإن مريم لا بد أن ترى أحداً من البشر عادة.

عن أنس بن مالك: الصوم هنا الصمت.

وعن ابن عباس مثله.

وقال أبو عبيدة: كان ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم.

وقيل:أراد الصيام إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم.

قال القفال: لعل مثل هذا النذر يجوز في شرعنا لأن الاحتراز عن كلام البشر يجرد الفكر لذكر الله  وهو قربة، ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق والتشديد ولا حرج في الإسلام.

وفي الكشاف: نهى رسول الله  عن صوم الصمت.

وروي أنه دخل أبو بكر الصديق على امرأة وقد نذرت أنها لا تتكلم فقال أبو بكر: إن الإسلام هدم هذا فتكلمي.

وفي أمرها بهذا النذر معنيان: أحدهما أن كلام عيسى أقوى في إزالة التهمة وفيه أن تفويض الأمر إلى الأفضل أولى، والثاني أن السكوت عن جدال السفهاء أصون للعرض ومن أذل الناس سفيه لم يجد مشافهاً.

وكيف أخبرتهم بالنذر؟

قيل: بالإشارة وإلا لزم النقض.

وقيل: خص هذا الكلام بالقرينة العقلية.

وقوله: ﴿ إنسياً ﴾ أراد المبالغة في نفي الكلام أو أراد أني أكلم الملائكة دون الإنس وهذا أشبه بقوله: ﴿ فإما ترين من البشر ﴾ .

﴿ فأتت به ﴾ أي بعيسى ﴿ قومها تحمله ﴾ الجملة حال.

عن وهب: قال أنساها كربة الميلاد وما سمعت من الناس ما كان من بشارة الملائكة، فلما كلمها جاءها مصداق ذلك فاحتملته فأقبلت به إلى قومها.

وعن ابن عباس: أن يوسف النجار انتهى بمريم إلى غار فلبثوا فيه أربعين يوماً حتى طهرت من نفاسها، ثم جاءت تحمله فكلمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه.

فلما دخلت به على قومها تباركوا وقالوا: ﴿ لقد جئت شيئاً فرياً ﴾ بديعاً من فرى الجلد، وليس في هذا ما يوجب تعييراً أو ذماً لأن أمرها كان خارجاً عن المعتاد، ويحتمل أن يراد إنه أمر منكر خارج عن طريق العفة والصلاح فيكون توبيخاً ويؤكده قولهم: ﴿ يأخت هرون ﴾ الآية.

واختلفوا في هارون فقيل: كان أخاها من أبيها من أمثل بين إسرائيل وهذا أظهر لأن حمل اللفظ على الحقيقة أولى من غيره.

وقيل: يروى عن النبي  أنهم عنوا هارون النبي أخا موسى عليهما السلام وكانت من أعقاب من كان معه في طبقة الأخوة وبينهما ألف سنة وأكثر.

وعن السدي: كانت من أولاده والمراد أنها واحدة منهم كما يقال يا أخا همدان أي يا واحداً منهم.

وقيل: أرادوا رجلاً صالحاً في زمانها أي كنت عندنا مثله في الصلاح.

ويحكى أنه تبع جنازته أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون تبركاً به وباسمه.

وقيل: كان رجلاً طالحاً معلناً بالفسق فسموها به وبالتشبيه بسيرته.

ويروى أنهم هموا برجمها ﴿ فأشارت إليه ﴾ أي أن عيسى هو الذي يحكم.

وبم عرفت ذلك؟

إما بأن كلمها في الطريق أو بالإلهام أو بالوحي إلى زكريا أو بقول جبريل على أن أمرها بالسكوت بعد ما سبق من البشارة قيل: كان المستنطق لعيسى زكريا.

وعن السدي.

لما أشارت إليه غضبوا وقالوا لسخريتها بنا أشد علينا من زناهم ثم ﴿ قالوا كيف نكلم من كان في المهد ﴾ قال جار الله: "كان" لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماضٍ مبهم يصلح للقريب والبعيد، وههنا للزمان القريب عن الحال بدلالة الحال، أو هو حكاية حال ماضية أي كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس ﴿ صبياً ﴾ في المهد حتى تكلم هذا، ويحتمل أن يقال: "كان" زائدة نظراً إلى أصل المعنى وإن كان يفيد زيادة ارتباط مع رعاية الفاصلة، أو هي تامة ﴿ صبياً ﴾ حال مؤكدة.

ويرى أنه كان يرضع فلما سمع مقالتهم ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه وتكلم مع جاره وأشار بسبابته قائلا: ﴿ إني عبد الله ﴾ فكان فيه أوّلاً رد قول النصارى: ﴿ آتاني الكتاب ﴾ هو الإنجيل والتوراة أي فهمها.

وقيل: أكمل الله عقله واستنبأه طفلاً بل في بطن أمه.

وقيل: أراد أنه سبق في قضائه، أو جعل الآتي لا محالة كأنه قد وجد والأول أظهر وصغر الجسم لا مدح في كمال العقل وخرق العادة فيه أكذا قالوا إن كمال عقله في ذلك الوقت خارق للعادة.

فيكون المعجز متقدماً على التحدي وهو غير جائز ولو كان نبياً في ذلك الوقت وجب أن يشتغل ببيان الشرائع والأحكام ولو وقع ذلك لاشتهر ونقل.

والجواب أن بعض معجزات النبي لا بد أن يكون مقروناً بالتحدي، أما الكل فممنوع، وبعبارة أخرى لا بد أن يكون مقروناً بفعل خارق عن العادة، ولكن كل فعل خارق للعادة فإنه لا يلزم اقترانه بالتحدي، وكذا الكلام في بيان الشرائع فإن بعض أوقات النبي لا بد أن يقترن به التحدي دون كل أوقاته وحالاته، على أنه أشار إلى بعض التكاليف بقوله: ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ﴾ كما يجيء.

وعن بعضهم أنه كان نبياً لقوله: ﴿ وجعلني نبياً ﴾ ولكنه ما كان رسولاً لأنه ما جاء بالشريعة في ذلك الوقت ومعنى كونه نبياً أنه رفيع القدر عليّ الدرجة، وضعف بأن النبي في عرف الشرع أخص من ذلك.

ومعنى قوله: ﴿ مباركاً أينما كنت ﴾ نفاعاً حيثما كنت روي ذلك عن رسول الله  .

وقيل معلماً للخير، وضلال كثير من أهل الكتاب باختلافهم فيه لا يقدح في منصبه كما قيل: عليّ نحت القوافي من معادنها *** وما عليّ إذا لم تفهم البقر وهذه سنة الله في أنبيائه ورسله كلهم ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً  ﴾ يروى أن مريم سلمت عيسى إلى المكتب فقالت للمعلم.

أدفعه إليك على أن لا تضربه فقال له: اكتب.

فقال له: أي شيء أكتب؟

فقال: اكتب "أبجد" فقال: لا أكتب شيئاً لا أدري.

ثم قال: إن لم تعلم ما هو فأنا أعلمك.

الألف من آلاء الله، والباء من بهاء الله والجيم من جمال الله، والدال من أداء الحق إلى الله.

وقيل: البركة أصلها من بروك البعير والمعنى جعلني ثابتاً في دين الله مستقراً فيه.

وقيل: البركة هي الزيادة والعلو فكأنه قال: جعلني في جميع الأشياء غالباً منجحاً إلى أن يكرمني الله بالرفع إلى السماء عن قتادة أنه رأته امرأة وهو يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص فقالت: طوبى لبطن حملتك وثدي أرضعت به.

فقال عيسى  مجيباً لها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتبع ما فيه ولم يك جباراً شقياً.

﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ﴾ أي بأدائهما إما في وقتهما المعين وهو وقت البلوغ، وإما في الحال بناء على أنه كان مع صغره كامل العقل تام التركيب بحيث يقوى على أداء التكاليف ويؤيده قوله ﴿ ما دمت حياً ﴾ وقيل: الزكاة ههنا صدقة الفطر.

وقيل: تطهير البدن من دنس الآثام.

وقيل: أوصاني بأن آمركم بهما.

وفي قوله: ﴿ وبراً بوالدتي ﴾ دلالة وإشارة إلى تبرئة أمه من الزنا وإلا لم يكن الرسول المعصوم مأموراً بالبر بها.

قال بعض العلماء: لا تجد العاق إلا جباراً شقياً وتلا قوله: ﴿ وبراً بوالدتي ﴾ ﴿ ولم يجعلني جباراً شقياً ﴾ ولا تجد سيىء الملكة إلا مختالاً فخوراً.

وقرأ ﴿ وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً  ﴾ وإنما نفى عن عيسى الشقاوة ولم ينف عنه المعصية كما نفى عن يحيى لما جاء في الخبر "ما أحد من بني آدم إلا أذنب أو هم بذنب إلا يحيى بن زكريا" ومن عقائد أهل السنة أن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر.

قوله: ﴿ والسلام عليّ ﴾ قالت العلماء: إنما عرف السلام ههنا بعد تنكيره في قصة يحيى لأن النكرة إذا تكررت تعرفت على أن تعريف الجنس قريب من تنكيره.

وقيل: إن الأول من الله والقليل عنه كثير.

قليل منك يكفيني *** قليلك لا يقال له قليل وإني لأرضى منك يا هند بالذي *** لو أبصره الواشي لقرت بلابله بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى *** وبالوعد حتى يسأم الوعد آمله والثاني من عيسى والكثير منه لا يبلغ معشار سلام الله.

عن بعضهم أن عيسى  قال ليحيى: أنت خير مني سلم الله عليك وسلمت على نفسي.

وأجاب الحسن بأن تسليمه على نفسه هو تسليم الله عليه.

وقال جار الله: في هذا التعريف تعريض باللعنة على متهمي مريم وأعدائها من اليهود لأنه إذا زعم أن جنس السلام خاصته فقد عرض بأن ضده عليهم نظيره في قصة موسى ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ يعني أن العذاب على من كذب وتولى.

يروى أنه كلمهم بهذه الكلمات ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان.

وعن اليهود والنصارى أنهم أنكروا تكلم عيسى في المهد قائلين إن هذه الواقعة مما يتوفر الدواعي على نقلها، فلو وجدت لاشتهرت وتواترت مع شدة غلو النصارى فيه وفي مناقبه.

وأيضاً إن اليهود مع شدة عداوتهم له لو سمعوا كلامه في المهد بالغوا في قتله ودفعه في طفوليته.

وأجاب المسلمون من حيث العقل بأنه لولا كلامه الذي دلهم على براءتها من الذي قذفوها به لأقاموا عليها الحد ولم يتركوها، ولعل حاضري يشتغلوا وقتئذ بدفعه والله أعلم.

﴿ ذلك ﴾ الموصوف بالصفات المذكورة من قوله: ﴿ إني عبد الله ﴾ إلى آخره هو ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ وفي كونه ابن لهذه المرأة نفى كونه ابناً على ما زعمت الضالة وأكد هذا المعنى بقوله: ﴿ قول الحق ﴾ فإن كان الحق هو اسم الله فهو كقوله: "كلمة الله" وانتصابه على المدح، وإن كان بمعنى الثابت والصدق فانتصابه على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة كقولك "هو عبد الله الحق" و ﴿ قول الحق ﴾ من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل ﴿ حق اليقين  ﴾ قد مر آنفاً.

وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف.

ومعنى ﴿ تمترون ﴾ تشكون من المرية الشك، أو المراد يتمارون من المراء اللجاج وذلك أن اليهود قالوا: ساحر كذاب، وقالت النصارى ابن الله وثالث ثلاثة.

ثم صرح ببطلان معتقدم فقال: ﴿ ما كان الله ﴾ ما صح له وما استقام ﴿ أن يتخذ من ولد ﴾ كما لا يستقيم أن يكون له شريك، وقد مر مثل هذه الآية في سورة البقرة.

والذي نزيده ههنا أن بعضهم قال: معنى الآية ما كان لله أن يقول لأحد إنه ولدي لأن هذا الخبر كذب والكذب لا يليق بحكمته  .

وزعم الجبائي بناء على هذا التفسير أنه ليس لله أن يفعل كل شيء لأن قوله: ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد ﴾ كقولنا "ما كان لله أن يظلم" فلا يليق شيء منها بحكمته وكمال إلهيته.

وأجيب بأن الكذب على الله محال، والظلم تصرف في ملك الغير فلا يتصوّر في حقه.

فإن أردتم هذا المعنى فلا نزاع، وإن أردتم شيئاً آخر فما الدليل على استحالته؟!

احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم كلام الله لأن قوله: ﴿ كن ﴾ إن كان قديماً فهو المطلوب، وإن كان محدثاً احتاج في حدوثه إلى قوله آخر وتسلسل.

واستدلت المعتزلة بها على حدوث كلامه قالوا: إن قوله: ﴿ إذا قضى ﴾ للاستقبال وذلك القول متأخر عن القضاء المحدث، والمتأخر عن المحدث محدث.

وأيضاً الفاء في ﴿ فيكون ﴾ للتعقيب والقول متقدم عليه بلا فصل، والمتقدم على المحدث بزمان قليل محدث، وكلا الاستدلالين ضعيف لأنه لا نزاع في حدوث الحروف وإنما النزاع في كلام النفس.

وأيضاً قوله: ﴿ كن ﴾ عبارة عن نفاذ قدرته ومشيئته وإلا فليس ثم قول لأن الخطاب مع المعدوم عبث ومع الموجود تحصيل الحاصل.

ومن الناس من زعم أن المراد من قوله: ﴿ كن ﴾ هو صفة التكوين فإنها زائدة على صفة القدرة لأنه قادر على عوالم أخر سوى هذا وغير مكون لها، ولعل هذا الزاعم سمى تعلق القدرة بالمقدور تكويناً.

ومن قرأ ﴿ وأن الله ﴾ بالفتح فمعناه ولأن الله ﴿ ربي وربكم فاعبدون ﴾ وفيه أن الربوبية هي سبب العبادة فمن لم تصح ربوبيته لم يستحق أن يعبد، ولا رب بالحقيقة إلا الله لانتهاء جميع الوسائط والأسباب إليه، فلا يستحق العبادة إلا هو.

وههنا نكتة هي أن الله  لا يصح أن يقول: ﴿ إن الله ربي وربكم فاعبدوه ﴾ فالتقدير قل: يا محمد بعد إظهار البراهين الباهرة على أن عيسى عبد الله ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ قال أبو مسلم الأصفهاني: إنه من تتمة كلام عيسى وما بينهما اعتراض.

وعن وهب بن منبه: عهد إليهم حين أخبرهم عن حاله وصفته أن كلنا عبيد الله  ﴿ فاختلف الأحزاب من بينهم ﴾ أي من بين أهل الكتاب.

قال الكلبي: هم اليهود والنصارى.

وقيل: النصارى اختلفوا ثم اتفقوا على أن يرجعوا إلى علماء زمانهم وهم يعقوب ونسطور وملكا فقيل للأول: ما تقول في عيسى؟

فقال: هو الله هبط إلى الأرض فخلق وأحيا ثم صعد إلى السماء فتبعه على ذلك خلق كثير وهم اليعقوبية.

وسئل الثاني فقال: هو ابن الله فتابعه جم غفير وهم النسطورية، وسئل الثالث فقال: كذبوا وإنما كان عبداً مخلوقاً نبياً يطعم وينام فصارا خصمه وهو المؤمن المسلم.

وقيل: كانوا أربعة والرابع اسمه إسرائيل فقال: هو إله وأمه إله والثلاثة أقانيم والروح واحد.

واعلم أن بحث الحلول والاتحاد فيه طول وقد ينجر الكلام فيه إلى مقامات يصعب الترقي إليها، فلذلك ضل فيه من ضل وزل عنه من زل والله  أعلى من جميع ذلك وأجل ﴿ فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ﴾ أي من شهودهم هذا الجزاء والحساب في ذلك اليوم، أو من زمان شهودهم، أو من مكان شهودهم فيه وهو الموقف.

ويحتمل أن يكون المشهد ومن الشهادة أي من يشهد عليهم الملائكة والأنبياء أو جوارحهم فيه بالكفر والقبائح، أو من مكان الشهادة أو وقتها.

وقيل: هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه يوم ولادته.

ومعنى"من" التعليل أي الويل لهم من أجل المشهد وبسببه قال أهل البرهان: إنما قال ههنا ﴿ فويل للذين كفروا ﴾ وفي حم الزخرف ﴿ فويل للذين ظلموا  ﴾ لأن الكفر أبلغ من الظلم، وقصة عيسى في هذه السورة مشروحة وفيها ذكر نسبتهم إياه إلى الله حتى قال: ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد ﴾ فذكر بلفظ الكفر، وقصتهم في الزخرف مهملة فوصفهم بلفظ دونه وهوالظلم.

قلت: ويحتمل أن يقال: الظلم إذا أريد به الشرك كان أخص من الكفر فعمم أولاً ثم خصص لأن البيان بالمقام الثاني أليق ﴿ أسمع بهم وأبصر ﴾ صيغتان للتعجب والمراد أن هاتين الحاستين منهم جديران بتعجب منهما في ذلك اليوم بعد ما كانوا صماً وعمياً في الدنيا، وذلك لكشف الغطاء ولحاق العيان بالخبر.

والتعجب استعظام الشيء بسبب عظمه، ثم جوز استعمال لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير سبب.

قال سفيان: قرأت عند شريح ﴿ بل عجبت ويسخرون  ﴾ فقال: إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم.

فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: إن شريحاً شاعر يعجبه علمه وعبد الله أعلم بذلك منه.

والمعنى أنه صدر من الله فعل لو صدر مثله عن الخلق لدل على حصول التعجب في قلوبهم.

وقيل: معنى الآية التهدد بما سيسمعون وسيبصرون مما يسوءهم.

وقيل: أراد أسمع بهؤلاء وأبصر أي عرفهم مآل القوم الذين يأتوننا ليعتبروا وينزجروا عن الإتيان بمثل فعلهم.

وقال الجبائي أن يراد أسمع الناس بهؤلاء وأبصرهم ليعتبروا بسوء عاقبتهم والوجه هو الأول يؤيده قوله: ﴿ لكن الظالمون ﴾ أي لكنهم فوضع المظهر موضع المضمر.

﴿ اليوم ﴾ وهو يوم التكليف ﴿ في ضلال مبين ﴾ حيث أغفلوا النظر والاستماع وتركوا الجد والاجتهاد في تحصيل الزاد للمعاد وهو ﴿ يوم الحسرة ﴾ لتحسر أهل النار فيه.

وقيل: أهل الجنة أيضاً إذا رأى الأدنى مقام الأعلى، والأول أصح لأن هذه الخواطر لا توجد في الجنة لأنها دار السرور.

و ﴿ إذ ﴾ بدل من يوم الحسرة أو منصوص بالحسرة.

ومعنى ﴿ قضي الأمر ﴾ فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار.

وعن النبي  أنه سئل عنه فقال: "يؤتى بالموت فيذبح كما يذبح الكبش والفريقان ينظران فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرح وأهل النار غماً إلى غم" قال أرباب المعقول: إن الموت عرض فلا يمكن أن يصير حيواناً فالمراد أنه لا موت بعد ذلك.

عن الحسن ﴿ وهم في غفلة ﴾ متعلق بقوله: ﴿ في ضلال مبين ﴾ وقوله: ﴿ وأنذرهم ﴾ اعتراض.

ويحتمل أن يتعلق بـ ﴿ أنذرهم ﴾ أي أنذرهم على هذه الحال غافلين غير مؤمنين.

ويحتمل أن يكون "إذ" ظرفاً لـ ﴿ أنذر ﴾ أي أنذرهم حين قضي الأمر ببيان الدلائل وشرح أمر الثواب والعقاب.

ثم أخبر عنهم أنهم في غفلة ﴿ وهم لا يؤمنون ﴾ ثم قرر بقوله: ﴿ إنا نحن نرث ﴾ أن أمور الدنيا كلها تزول وأن الخلق كلهم يرجعون إلى حيث لا يملك الحكم إلا الله وفيه من التخويف والإنذار ما فيه.

التأويل: ﴿ واذكر في الكتاب ﴾ الأزلي ﴿ مريم ﴾ القلب ﴿ إذا انتبذت من أهلها ﴾ تفردت من أهل الدنيا متوجهاً إلى جانب شروق النور الإلهي ﴿ فاتخذت من دونهم ﴾ حجاب الخلوة والعزلة ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ وهو نور الإلهام الرباني والخاطر الرحماني كقوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ ﴿ فتمثل لها بشراً سوياً ﴾ كما تمثل روح التوحيد بحروف "لا إله إلا الله" لانتفاع الخلق به.

و ﴿ قالت إني أعوذ بالرحمن منك ﴾ ظناً منها أنه يشغلها عن الله.

﴿ قال إنما أنا رسول ﴾ الوارد الرباني ﴿ لأهب لكغلاماً زكياً ﴾ طاهراً عن لوث الظلمة الأنسية وهو النفس المطمئنة القدسية.

﴿ ولم يمسسني بشر ﴾ خاطر من عالم البشرية ﴿ ولم أك بغياً ﴾ أطلب غير ما خلقت لأجله وهو التوجه إلى عالم الروح المجرد ﴿ فحملته ﴾ بالقوة القريبة من الفعل ﴿ فانتبذت به مكاناً قصياً ﴾ لافتقاره إلى العبور على منازل الشريعة والطريقة ﴿ فأجاءها ﴾ مخاض الطلب والتعب ﴿ إلى جذع النخلة ﴾ وهي كلمة "لا إله إلا الله" التي كان أصلها ثابتاً في أرض نفسها ﴿ قالت يا ليتني مت قبل هذا ﴾ قال بعض أهل التحقيق: هذه كلمة يذكرها الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم.

قال عليّ  يوم الجمل: يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.

وعن بلال: ليت بلالاً لم تلده أمه.

وقيل: إن مريم قالت ذلك لعلمها بأن الله  يدخل النار خلقاً كثيراً بسبب تهمتها وبسبب الغلو والتقصير في حق ابنها قلت: إن مريم القلب قالت يا ليتني مت عن اللذات الجسمية قبل هذا الوقت الذي فزت باللذات الحقيقية وكنت نسياً منسياً، لإإن الخمول راحة والشهرة آفة ﴿ فناداها ﴾ بلسان الحال من تحت تصرفها من آلات القوى ﴿ أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك ﴾ أي تحت تصرفك ﴿ سرياً ﴾ هو الغلام الموعود أو جدول الكشوف والعلوم الدينية ﴿ وهزي إليك بجذع النخلة ﴾ بالمداومة على الذكر ﴿ تساقط عليك رطباً جنياً ﴾ من المشاهدات والمكاشفات حالاً فحالاً ﴿ فكلي واشربي ﴾ من خوان الأفضال وبحر النوال من مادته "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ وقري عينا ﴾ بأنوار الجمال في حجرة الوصال ﴿ فأما ترين ﴾ من السوانح البشرية ﴿ أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوماً ﴾ كما قيل الدنيا يوم ولنا فيه صوم أي الالتفات لغير الله.

﴿ فأتت به قومها ﴾ من عادة الجهال إنكار أحوال أهل الكمال.

﴿ يا أخت هرون ﴾ النفس المطمئنة أو الأمارة بناء على أن هارون كان صالحاً أو طالحاً ﴿ وكان أبوك ﴾ وهو الروح المفارق ﴿ إمرأ سوء وما كانت أمك ﴾ وهي القالب ﴿ بغياً ﴾ تستأنس إلى غير عالم الطبيعة التي خلقت لأجلها ﴿ فأشارت إليه ﴾ فيه أن هذا القوم هم أهل الإشارات ﴿ في المهد ﴾ مهد السر وذلك المتولد من نفخ الروح في مريم القالب ليس ابناً لله ولا محلاً له ولا نفسه.

﴿ فاختلف الأحزاب ﴾ فقوم عبدوا الله لأجله، وقوم عبدوه طمعاً في جنته، وقوم عبدوا الهوى وذلك قوله: ﴿ فويل للذين كفروا ﴾ ﴿ أسمع بهم ﴾ أي بأهل الله ﴿ وأبصر يوم يأتوننا ﴾ فإنهم بالله يسمعون وبه يبصرون.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ﴾ .

على قول الحسن هو صلة قوله: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ  ﴾ أي: اذكر لهم رحمة ربك إسماعيل.

وعلى قول غيره من أهل التأويل على الابتداء، أي: اذكر لهم نبأ إسماعيل وقصته في الكتاب على الاحتجاج له عليهم؛ لأن هذه الأنباء والقصص كانت في كتبهم، فأخبر رسوله عن تلك الأنباء والقصص على ما كانت؛ ليخبرهم؛ فيعلموا أنه إنما عرفها بالله؛ ليدلهم ذلك على النبوة ورسالته.

ثم اختلف في إسماعيل: قال عامة أهل التأويل: هو إسماعيل بن إبراهيم، صلوات الله عليهما.

وقال بعضهم: هو الذي قالوا: ﴿ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ  ﴾ ، ولكن لا نعلم ذلك إلا بالخبر عن الله، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: سماه: ﴿ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ ﴾ ؛ لأنه وعد رجلاً أن يقيم عليه وأن ينتظره حتى يرجع إليه، فأقام مكانه أياماً ينتظره للميعاد حتى رجع إليه.

لكن لا يحتمل أن يكون مثل إسماعيل يَعِدُ عِدَةً ولا يستثنى، وقد نهى الله رسوله أن يقول: إني فاعل كذا غداً حتى يستثني، وهو قوله: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً  إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ ، ويكون قوله: ﴿ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ ﴾ ، أي: صِدِّيقاً، والصّديق هو القائم بوفاء كل حق ظهر له؛ لأن كل مؤمن يعتقد في أصل إيمانه طاعة ربه في كل أمر يأمر به والانتهاء عن كل نهي ينهاه، ووفاء كل حق عليه، فسماه: صادق الوعد؛ لقيامه بوفاء كل حق ظهر له وتجلى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً ﴾ قد ذكرناه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ ﴾ ، أي: [يأمر] قومه بالصلاة والزكاة، وإن كانت الصلاة هي الصلاة المعروفة والزكاة المعروفة، ففيه أنهما كانتا في الأمم الماضية، وإن كان الدعاء والثناء وما به تزكو الأنفس وتصلح، فهو على جميع الخلائق، ذلك والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً ﴾ ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ ﴾ هو ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً ﴾ قد ذكرناه أيضاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً ﴾ قال الحسن: "رفعناه"، أي: نرفعه في الجنة.

وقال أهل التأويل: رفعه إلى السماء الرابعة، فهو ميت فيها، وكلام نحو هذا.

ولكن عندنا: يشبه أن يكون رفعه إياه في المنزلة والقدر والرفعة عند الله وعند الناس جميعاً، على ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم ﴾ ، أي: بالنبوة أو الرحمة التي ذكر فيما تقدم، والرحمة: هي النعمة؛ فهذا يرد قول أهل الاعتزال؛ لأنهم يقولون: لا يخص الله أحداً بالنبوة أو بشيء من الإفضال إلا من يستحق ذلك ويستوجبه، فأخبر الله - عز وجل - أن ذلك منه إنعام وإفضال عليهم.

﴿ مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ ﴾ : الأنبياء كانوا من ذرية آدم، ومن ذرية من حمل مع نوح، ومن ذرية إبراهيم أيضاً، ومن ذرية إسرائيل - أي: يعقوب - ومن ذرّية من هداه للتوحيد واجتباه للرسالة والنبوة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً ﴾ : قال بعض أهل التأويل: هذا في مؤمني أهل الكتاب: عبد الله بن سلام وأصحابه إذا تتلى عليهم آيات القرآن بعدما آمنوا ﴿ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً ﴾ .

ويشبه أن يكون هذا في أولئك الذين ذكر أنه أنعم عليهم كانت لهم آيات في كتبهم فيها سجود إذا تليت عليهم خروا لله سجداً وبكيّاً.

أو أن يكون لا على حقيقة السجود، ولكن على الخضوع له والقبول لحججه وبراهينه التي تليت عليهم، أو أن يكونوا لا يملكون أنفسهم إذا رأوا آيات الله وسلطانه، ولكن وقعوا سجداً على ما أخبر عن سحرة فرعون عند معاينتهم الآيات، حيث قال: ﴿ فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً  ﴾ ﴿ فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ  ﴾ ليس أن سجدوا له، ولكن يلقون سجداً لما لا يملكون أنفسهم عند معاينتهم الآيات.

قال أبو عوسجة: ﴿ وَبُكِيّاً ﴾ ، فيه ثلاثة لغات: بُكيا، وبَكيّا، وبِكيّا، وهو جماعة الباكي.

وقوله: ﴿ نَجِيّاً ﴾ يقال: فلان نجيُّ فلان، أي: موضع [سره].

ويحتمل قوله: ﴿ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً ﴾ : أن يكون كناية عن الصلاة، وصفهم - عز وجل - أنهم كانوا يكونون في الصلاة خاشعين باكين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أولئك المذكورون في هذه السورة ابتداءً بزكريا وختامًا بإدريس  ، هم الذين أنعم الله عليهم بالنبوة من أبناء آدم  ، ومن أبناء من حملنا في السفينة مع نوح  ، ومن أبناء إبراهيم وأبناء يعقوب  ، وممن وفقنا للهداية إلى الإِسلام، واصطفيناهم وجعلناهم أنبياء، كانوا إذا سمعوا آيات الله تقرأ سجدوا لله باكين من خشيته.

<div class="verse-tafsir" id="91.J4omn"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله