الآية ٥٨ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٥٨ من سورة مريم

أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍۢ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّوا۟ سُجَّدًۭا وَبُكِيًّۭا ۩ ٥٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 90 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٨ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٨ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : هؤلاء النبيون .

وليس المراد هؤلاء المذكورين في هذه السورة فقط ، بل جنس الأنبياء عليهم السلام ، استطرد من ذكر الأشخاص إلى الجنس - ( الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم ) الآية .

قال السدي وابن جرير ، رحمه الله : فالذي عنى به من ذرية آدم : إدريس ، والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح : إبراهيم والذي عنى به من ذرية إبراهيم : إسحاق ويعقوب وإسماعيل ، والذي عنى به من ذرية إسرائيل : موسى ، وهارون ، وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم .

قال ابن جرير : ولذلك فرق أنسابهم ، وإن كان يجمع جميعهم آدم ; لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة ، وهو إدريس ، فإنه جد نوح .

قلت : هذا هو الأظهر أن إدريس في عمود نسب نوح ، عليهما السلام .

وقد قيل : إنه من أنبياء بني إسرائيل ، أخذا من حديث الإسراء ، حيث قال في سلامه على النبي صلى الله عليه وسلم : " مرحبا بالنبي الصالح ، والأخ الصالح " ، ولم يقل : " والولد الصالح " ، كما قال آدم وإبراهيم ، عليهما السلام .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد الله بن محمد أن إدريس أقدم من نوح بعثه الله إلى قومه ، فأمرهم أن يقولوا : " لا إله إلا الله " ، ويعملوا ما شاءوا فأبوا ، فأهلكهم الله عز وجل .

ومما يؤيد أن المراد بهذه الآية جنس الأنبياء ، أنها كقوله تعالى في سورة الأنعام : ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ) إلى أن قال : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين ) الأنعام [ : 83 - 90 ] وقال تعالى : ( منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ) [ غافر : 78 ] .

وفي صحيح البخاري ، عن مجاهد : أنه سأل ابن عباس : أفي " ص " سجدة ؟

قال : نعم ، ثم تلا هذه الآية : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) ، فنبيكم ممن أمر أن يقتدي بهم ، قال : وهو منهم ، يعني داود .

وقال الله تعالى في هذه الآية الكريمة : ( إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ) أي : إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه ، سجدوا لربهم خضوعا واستكانة ، وحمدا وشكرا على ما هم فيه من النعم العظيمة .

" والبكي " : جمع باك ، فلهذا أجمع العلماء على شرعية السجود هاهنا ، اقتداء بهم ، واتباعا لمنوالهم قال سفيان الثوري ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن أبي معمر قال : قرأ عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، سورة مريم ، فسجد وقال : هذا السجود ، فأين البكي ؟

يريد البكاء .

رواه ابن أبي حاتم وابن جرير ، وسقط من روايته ذكر " أبي معمر " فيما رأيت ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: هؤلاء الذين اقتصصتُ عليك أنباءهم في هذه السورة يا محمد، الذين أنعم الله عليهم بتوفيقه، فهداهم لطريق الرشد من الأنبياء من ذريّة آدم، ومن ذرّية من حملنا مع نوح في الفُلك، ومن ذرّية إبراهيم خليل الرحمن، ومن ذرّية إسرائيل، وممن هدينا للإيمان بالله والعمل بطاعته واجتبينا: يقول: وممن اصطفينا واخترنا لرسالتنا ووحينا، فالذي عنى به من ذرية آدم إدريس، والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح إبراهيم، والذي عنى به من ذرية إبراهيم إسحاق ويعقوب وإسماعيل، والذي عنى به من ذرية إسرائيل: موسى وهارون وزكريا وعيسى وأمه مريم، ولذلك فرق تعالى ذكره أنسابهم وإن كان يجمع جميعهم آدم لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة، وهو إدريس، وإدريس جدّ نوح.

وقوله تعالى ذكره: ( إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ ) يقول إذا تتلى على هؤلاء الذين أنعم الله عليهم من النبيين أدلة الله وحججه التي أنـزلها عليهم في كتبه، خروا لله سجدا، استكانة له وتذللا وخضوعا لأمره وانقيادا، (وَبُكِيًّا) يقول: خرّوا سجدا وهم باكون، والبُكِيّ: جمع باك، كما العُتِيّ جمع عات والجُثِيّ: جمع جاث، فجمع وهو فاعل على فعول، كما يجمع القاعد قعودا، والجالس جلوسا، وكان القياس أن يكون: وبُكوّا وعتوّا، ولكن كرهت الواو بعد الضمة فقلبت ياء، كما قيل في جمع دلو أدل.

وفي جمع البهو أبه، وأصل ذلك أفعل أدلو وأبهو، فقلبت الواو ياء لمجيئها بعد الضمة استثقالا وفي ذلك لغتان مستفيضتان، قد قرأ بكلّ واحدة علماء من القرّاء بالقرآن بكيا وعتوّا بالضم، وبكيا وعتيا بالكسر.

وقد يجوز أن يكون البكيّ هو البكاء بعينه.

وقد حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: قرأ عمر بن الخطاب سورة مريم فسجد وقال: هذا السجود، فأين البكيّ؟

يريد: فأين البكاء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيافيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم يريد إدريس وحده .

وممن حملنا مع نوح يريد إبراهيم وحده .

ومن ذرية إبراهيم يريد إسماعيل وإسحاق ويعقوب .

ومن ذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى [ ص: 45 ] وعيسى فكان لإدريس ونوح شرف القرب من آدم ، ولإبراهيم شرف القرب من نوح ولإسماعيل وإسحاق ويعقوب شرف القرب من إبراهيم .

وممن هدينا أي إلى الإسلام .

واجتبينا بالإيمان .

إذا تتلى عليهم آيات الرحمن وقرأ شبل بن عباد المكي ( يتلى ) بالتذكير لأن التأنيث غير حقيقي مع وجود الفاصل .

خروا سجدا وبكيا وصفهم بالخشوع لله والبكاء .

وقد مضى في ( سبحان ) .

يقال بكى يبكي بكاء وبكى وبكيا ، إلا أن الخليل قال : إذا قصرت البكاء فهو مثل الحزن ؛ أي ليس معه صوت كما قال الشاعر :بكت عيني وحق لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويلسجدا نصب على الحال وبكيا عطف عليه .الثانية : في هذه الآية دلالة على أن لآيات الرحمن تأثيرا في القلوب .

قال الحسن ( إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ) في الصلاة .

وقال الأصم : المراد بآيات الرحمن الكتب المتضمنة لتوحيده وحججه ، وأنهم كانوا يسجدون عند تلاوتها ، ويبكون عند ذكرها .

والمروي عن ابن عباس أن المراد به القرآن خاصة ، وأنهم كانوا يسجدون ويبكون عند تلاوته ؛ قال الكيا : وفي هذا دلالة من قوله على أن القرآن هو الذي كان يتلى على جميع الأنبياء ، ولو كان كذلك لما كان الرسول - عليه الصلاة والسلام - مختصا بإنزاله إليه .الثالثة : احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على وجوب سجود القرآن على المستمع والقارئ .

قال إلكيا : وهذا بعيد فإن هذا الوصف شامل لكل آيات الله تعالى .

وضم السجود إلى البكاء ، وأبان به عن طريقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في تعظيمهم لله تعالى وآياته ، وليس فيه دلالة على وجوب ذلك عند آية مخصوصة .الرابعة : قال العلماء : ينبغي لمن قرأ سجدة أن يدعو فيها بما يليق بآياتها ، فإن قرأ سورة السجدة الم تنزيل قال : اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك ، المسبحين بحمدك ، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك .

وإن قرأ سجدة ( سبحان ) قال : اللهم اجعلني من الباكين إليك ، الخاشعين لك .

وإن قرأ هذه قال : اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم ، المهديين الساجدين لك ، الباكين عند تلاوة آياتك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر هؤلاء الأنبياء المكرمين، وخواص المرسلين، وذكر فضائلهم ومراتبهم قال: { أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ } أي: أنعم الله عليهم نعمة لا تلحق، ومنة لا تسبق، من النبوة والرسالة، وهم الذين أمرنا أن ندعو الله أن يهدينا صراط الذين أنعمت عليهم، وأن من أطاع الله، كان { مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ } الآية.

وأن بعضهم { مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } أي: من ذريته { وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ } فهذه خير بيوت العالم، اصطفاهم الله، واختارهم، واجتباهم،.

وكان حالهم عند تلاوة آيات الرحمن عليهم، المتضمنة للإخبار بالغيوب وصفات علام الغيوب، والإخبار باليوم الآخر، والوعد والوعيد.

{ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا } أي: خضعوا لآيات الله، وخشعوا لها، وأثرت في قلوبهم من الإيمان والرغبة والرهبة، ما أوجب لهم البكاء والإنابة، والسجود لربهم، ولم يكونوا من الذين إذا سمعوا آيات الله خروا عليها صما وعميانا.

وفي إضافة الآيات إلى اسمه { الرحمن } دلالة على أن آياته، من رحمته بعباده وإحسانه إليهم حيث هداهم بها إلى الحق، وبصرهم من العمى، وأنقذهم من الضلالة، وعلمهم من الجهالة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم ) أي : إدريس ونوحا ( وممن حملنا مع نوح ) أي : ومن ذرية من حملنا مع نوح في السفينة ، يريد إبراهيم; لأنه ولد من سام بن نوح ( ومن ذرية إبراهيم ) يريد إسماعيل وإسحاق ويعقوب .

قوله : ( وإسرائيل ) أي : ومن ذرية إسرائيل وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى .

قوله : ( وممن هدينا واجتبينا ) هؤلاء كانوا ممن أرشدنا واصطفينا ( إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ) " سجدا " : جمع ساجد " وبكيا " : جمع باك أخبر الله أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا بآيات الله سجدوا وبكوا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أولئك» مبتدأ «الذين أنعم الله عليهم» صفة له «من النبيين» بيان له وهو في معنى الصفة وما بعده إلى جملة الشرط صفة للنبيين فقوله «من ذرية آدم» أي إدريس «وممن حملنا مع نوح» في السفينة أي إبراهيم ابن ابنه سام «ومن ذرية إبراهيم» أي إسماعيل وإسحاق ويعقوب «و» من ذرية «إسرائيل» هو يعقوب أي موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى «وممن هدينا واجتبينا» أي من جملتهم وخبر أولئك «إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا» جمع ساجد وباك أي فكونوا مثلهم وأصل بكي بكوي قبلت الواو ياء والضمة كسرة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هؤلاء الذين قصصتُ عليك خبرهم أيها الرسول، هم الذين أنعم الله عليهم بفضله وتوفيقه، فجعلهم أنبياء من ذرية آدم، ومِن ذرية مَن حملنا مع نوح في السفينة، ومن ذرية إبراهيم، ومن ذرية يعقوب، وممَّن هدينا للإيمان واصطفينا للرسالة والنبُوَّة، إذا تتلى عليهم آيات الرحمن المتضمنة لتوحيده وحججه خرُّوا ساجدين لله خضوعًا، واستكانة، وبكَوْا من خشيته سبحانه وتعالى.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم تسوق السورة الكريمة بعد ذلك موازنة بين هؤلاء الأخيار ، وبين من جاءوا بعدهم من أقوامهم الذين اضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ، وتفتح السورة باب التوبة ليدخله بصدق وإخلاص المخطئون ، حتى يكفر الله - تعالى - عنهم ما فرط منهم ، قال - تعالى - : ( أولئك الذين .

.

.

) .اسم الإشارة فى قوله : ( أولئك الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم .

.

) يعود إلى الأنبياء المذكورين فى هذه السورة .

وهم عشرة أولهم فى الذكر زكريا وآخرهم إدريس .قال القرطبى : " قوله - تعالى - ( أولئك الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ ) يريد إدريس وحده ( وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ) يريد إبراهيم وحده ( وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ ) يريد إسماعيل وإسحاق ويعقوب ( وَ ) من ذرية ( إِسْرَائِيلَ ) يريد موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى فكان لإدريس ونوح شرف القرب من آدم ، ولإبراهيم شرف القرب من نوح ، ولإسماعيل وإسحاق ويعقوب ، شرف القرب من إبراهيم " .وقوله : ( وَمِمَّنْ هَدَيْنَا واجتبينآ ) معطوف على قوله ( مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ ) ومن للتبعيض .أى : ومن جملة من أنعم الله عليهم ، أولئك الذين هديناهم إلى طريق الحق واجتبيناهم واخترناهم لحمل رسالتنا ووحينا .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد جمع لهؤلاء المنعم عليهم جملة من المزايا منها : أعمالهم الصالحة ، ومناقبهم الحميدة التى سبق الحديث عنها ، ومنها : كونهم من تسل هؤلاء المصطفين الأخيار ، ومنها أنهم ممن هداهم الله - تعالى - واصطفاهم لحمل رسالته .وقد بين - سبحانه - فى سورة النساء من أنعم عليهم بصورة أكثر شمولاً فقال : ( وَمَن يُطِعِ الله والرسول فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً ) وقوله - تعالى - : ( إِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرحمن خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً ) بيان لرقة مشاعرهم ، وشدة تأثرهم عند سماع آيات الله - تعالى - .فالجملة الكريمة استئناف مسوق لبيان عظم خشيتهم من الله - تعالى - أو هى خبر لاسم الإشارة ( أولئك ) و ( سُجَّداً وَبُكِيّاً ) جمع ساجد وباك .أى : أولئك الذين أنعم الله - تعالى - عليهم ، من صفاتهم أنهم إذا تتلى عليهم آيات الرحمن ، المتضمنة لتمجيده وتعظيمته وحججه .

.

.

خروا على جباههم ساجدين وباكين .

وسقطوا خاضعين خاشعين خوفاً ورجاء ، وتعظيماً وتمجيداً لله رب العالمين .وجمع - سبحانه - بين السجود والبكاء بالنسبة لهم ، للإشعار بأنهم مع تعظيمهم الشديد لمقام ربهم ، فهم أصحاب قلوب رقيقة ، وعواطف جياشة بالخوف من الله - تعالى - .وفى معنى هذه الجملة الكريمة وردت آيات كثيرة ، منه قوله - تعالى - : ( قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تؤمنوا إِنَّ الذين أُوتُواْ العلم مِن قَبْلِهِ إِذَا يتلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ) وقوله - سبحانه - : ( وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرسول ترى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فاكتبنا مَعَ الشاهدين ) فهذه الآيات الكريمة تدل على أن من صفات المؤمنين الصادقين ، أنهم يتأثرون تأثراً عظيماً عند سماعهم لكلام الله - تعالى - ، تأثراً يجعلهم يبكون ويسجدون وتقشعر جلودهم ، وتوجل قلوبهم ، وتلين نفوسهم .قال ابن كثير - رحمه الله - : " قوله - تعالى - : ( إِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرحمن خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً ) أى : إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه سجدوا لربهم خضوعاً واستكانة وشكراً على ما هم فيه من نعم .

.

.

فلهذا أجمع العلماء على شرعية السجود ههنا اقتداء بهم ، واتباعاً لمنوالهم وقرأ عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - هذه الآية فسجد وقال : هذا السجود فأين البكار " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى أثنى على كل واحد ممن تقدم ذكره من الأنبياء بما يخصه من الثناء ثم جمعهم آخراً فقال: ﴿ أُولَئِكَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم ﴾ أي بالنبوة وغيرها مما تقدم وصفه وأولئك إشارة إلى المذكورين في السورة من لدن زكريا إلى إدريس، ثم جمعهم في كونهم من ذرية آدم ثم خص بعضهم بأنه من ذرية من حمل مع نوح، والذي يختص بأنه من ذرية آدم دون من حمل مع نوح هو إدريس عليه السلام، فقد كان سابقاً على نوح على ما ثبت في الأخبار والذين هم من ذرية من حمل مع نوح هو إبراهيم عليه السلام لأنه من ولد سام بن نوح وإسمعيل وإسحاق ويعقوب من ذرية إبراهيم ثم خص بعضهم بأنهم من ولد إسرائيل أي يعقوب وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى من قبل الأم فرتب الله سبحانه وتعالى أحوال الأنبياء عليهم السلام الذين ذكرهم على هذا الترتيب منبهاً بذلك على أنهم كما فضلوا بأعمالهم فلهم مزيد في الفضل بولادتهم من هؤلاء الأنبياء، ثم بين أنهم ممن هدينا واجتبينا منبهاً بذلك على أنهم اختصوا بهذه المنازل لهداية الله تعالى لهم، ولأنه اختارهم للرسالة ثم قال: ﴿ إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً ﴾ تتلى عليهم أي على هؤلاء الأنبياء فبين تعالى أنهم مع نعم الله عليهم قد بلغوا الحد الذي عند تلاوة آيات الله يخرون سجداً وبكياً خضوعاً وخشوعاً وحذراً وخوفاً، والمراد بآيات الله ما خصهم الله تعالى به من الكتب المنزلة عليهم.

وقال أبو مسلم المراد بالآيات التي فيها ذكر العذاب المنزل بالكفار وهو بعيد لأن سائر الأيات التي فيها ذكر الجنة والنار إلى غير ذلك أولى أن يسجدوا عنده ويبكوا فيجب حمله على كل آية تتلى مما يتضمن الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، لأن كل ذلك إذا فكر فيه المتفكر صح أن يسجد عنده وأن يبكي، واختلفوا فقال بعضهم في السجود: إنه الصلاة وقال بعضهم: المراد سجود التلاوة على حسب ما تعبدنا به وقيل: المراد الخضوع والخشوع والظاهر يقتضي سجوداً مخصوصاً عند التلاوة ثم يحتمل أن يكون المراد سجود التلاوة للقرآن ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا قد تعبدوا بالسجود فيفعلون ذلك لا لأجل ذكر السجود في الآية، قال الزجاج في بكياً: جمع باك مثل شاهد وشهود وقاعد وقعود ثم قال الإنسان في حال خروره لا يكون ساجداً فالمراد خروا مقدرين للسجود ومن قال في بكياً إنه مصدر فقد أخطأ لأن سجداً جمع ساجد وبكياً معطوف عليه وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتلو القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا».

وعن صالح المري قال: قرأت القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: «يا صالح هذه القراءة فأين البكاء؟».

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقرآن نزل بحزن فاقرأوه بحزن».

ن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما اغرورقت عين به بماء إلا حرم الله على النار جسدها».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: «لا يلج النار من بكى من خشية الله».

وقال العلماء: يدعو في سجود التلاوة بما يليق بها فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك وإن قرأ سجدة سبحان قال: اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك وإن قرأ هذه السجدة قال: اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهتدين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آيات كتابك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى المذكورين في السورة من لدن زكريا إلى إدريس عليه السلام.

و (من) في ﴿ مّنَ النبيين ﴾ للبيان مثلها في قوله تعالى في آخر سورة الفتح ﴿ وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً ﴾ [الفتح: 29] لأن جميع الأنبياء منعم عليهم.

ومن الثانية للتبعيض، وكان إدريس من ذرية آدم لقربه منه لأنه جد أبي نوح.

وإبراهيم عليه السلام من ذرية من حمل مع نوح لأنه من ذرية سام بن نوح، وإسماعيل من ذرية إبراهيم.

وموسى وهارون وزكريا ويحيى من ذرية إسرائيل.

وكذلك عيسى؛ لأنّ مريم من ذرّيته ﴿ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا ﴾ يحتمل العطف على (من) الأولى والثانية.

إن جعلت الذين خبراً لأولئك كان ﴿ إِذَا تتلى ﴾ كلاماً مستأنفاً.

وإن جعلته صفة له كان خبراً.

قرأ شبل بن عباد المكي ﴿ يتلى ﴾ بالتذكير؛ لأن التأنيث غير حقيقي مع وجود الفاصل البكي: جمع باك، كالسجود والقعود في جمع ساجد وقاعد.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتْلُوا القرآنَ وابكُوا.

فإنْ لمَ تبكُوا فَتَباكَوا» وعن صالح المري رضي الله عنه: قرأتُ القرآنَ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: ﴿ هِذِهِ القراءةُ يا صالحُ، فأينَ البكاءُ ﴾ ؟

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إذا قرأتُم سجدةَ سبحانَ فلا تعجلُوا بالسجودِ حتى تبكُوا، فإنْ لم تبكِ عينُ أحدكم فليبكِ قلبُهُ.

وعن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إن القرآنَ أُنْزِلَ بحزنٍ فإذَا قرأتمُوهُ فتحازَنُوا» وقالوا: يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بآيتها، فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك.

وإن قرأ سجدة سبحان قال: اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك.

وإن قرأ هذه قال: اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهتدين، الساجدين لك، الباكين عند تلاوة آياتك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ في السُّورَةِ مِن زَكَرِيّا إلى إدْرِيسَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

﴿ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ بِأنْواعِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ مِنَ النَّبِيِّينَ ﴾ بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ.

﴿ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ بِإعادَةِ الجارِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿ مِنَ ﴾ فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِمْ أعَمُّ مِنَ الأنْبِياءِ وأخَصُّ مِنَ الذُّرِّيَّةِ.

﴿ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ﴾ أيْ ومِن ذُرِّيَّةِ مَن حَمَلْنا خُصُوصًا، وهم مَن عَدا إدْرِيسَ فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ مِن ذُرِّيَّةِ سامِ بْنِ نُوحٍ.

﴿ وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ﴾ الباقُونَ.

﴿ وَإسْرائِيلَ ﴾ عُطِفَ عَلى إبْراهِيمَ أيْ ومِن ذُرِّيَّةِ إسْرائِيلَ، وكانَ مِنهم مُوسى وهارُونُ وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أوْلادَ البَناتِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ.

﴿ وَمِمَّنْ هَدَيْنا ﴾ ومِن جُمْلَةِ مَن هَدَيْناهم إلى الحَقِّ.

﴿ واجْتَبَيْنا ﴾ لِلنُّبُوَّةِ والكَرامَةِ.

﴿ إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا ﴾ خَبَرٌ لِـ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ إنْ جَعَلْتَ المَوْصُولَ صِفَتَهُ، واسْتِئْنافٌ إنْ جَعَلْتَهُ خَبَرَهُ لِبَيانِ خَشْيَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ وإخْباتِهِمْ لَهُ مَعَ ما لَهم مِن عُلُوِّ الطَّبَقَةِ في شَرَفِ النَّسَبِ وكَمالِ النَّفْسِ والزُّلْفى مِنَ اللَّهِ تَعالى.

وَعَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «اتْلُوا القُرْآنَ وابْكُوا فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكُوا» .

والبُكِيُّ جَمْعُ باكٍ كالسُّجُودِ في جَمْعِ ساجِدٍ.

وقُرِئَ «يُتْلى» بِالياءِ لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( بِكِيًّا) بِكَسْرِ الباءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)

{أَوْلَئِكَ} إشارة إلى المذكورين في السورة من زكرياء

مريم (٦٠ - ٥٨)

إلى إدريس {الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين} من للبيان لأن جميع الأنبياء منعم عليهم {من ذرية آدم} من للتبعيض وكان إدريس من ذرية آدم لقربه منه لأنه جد أبي نوح {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} إبراهيم من ذرية من حمل مع نوح لأنه ولد سام بن نوح {ومن ذرية إبراهيم} واسمعيل واسحق ويعقوب {وإسرائيل} أي ومن ذرية إسرائيل أي يعقوب وهم موسى وهرون وزكريا ويحيى وعيسى لأن مريم من ذريته {وَمِمَّن} يحتمل العطف على من الأولى والثانية {هَدَيْنَا} لمحاسن الإسلام {واجتبينا} من الأنام أو لشرح الشريعة وكشف الحقيقة {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن} أي إذا تليت عليهم كتب الله المنزلة وهو كلام مستأنف إن جعلت الذين خبرا لأولئك وإن جعلته صفة له كان خبراً يتلى بالياء قتيبه لوجود الفاصل مع أن قتيبة لوجود الفاصل مع أن التأنيث غير حقيقي {خروا سجدا} سقطوا على وجوههم ساجدين رغبةً {وَبُكِيّاً} باكين رهبة جمع باكٍ كسجود وقعود في جمع ساجد وقاعد في الحديث اتلوا القرآن وابكوا وإن لم تبكوا فتباكوا وعن صالح المري قرأت القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي يا صالح هذه القراءة فأين البكاء ويقول في سجود التلاوة سبحان ربي الأعلى ثلاثاً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

(أُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ.

وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ بِفُنُونِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ مُجْمَلًا خَبَرُهُ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ، والحَصْرُ عِنْدَ القائِلِ بِهِ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ الباقِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهم مَعْرُوفُونَ بِكَوْنِهِمْ مُنْعَمًا عَلَيْهِمْ فَيَنْزِلُ الإنْعامُ عَلى غَيْرِهِمْ مَنزِلَةَ العَدَمِ، وقِيلَ: يُقَدَّرُ مُضافٌ أيْ بَعْضُ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ مِنَ النَّبِيِّينَ ﴾ بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ، وقِيلَ: مِن تَبْعِيضِيَّةٌ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ أُولَئِكَ المَذْكُورُونَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ المَعْهُودَةِ المَذْكُورَةِ هُنا، فَيَكُونُ المَوْضُوعُ والمَحْمُولُ مَخْصُوصًا بِمَن سُمِعْتَ وهم بَعْضُ النَّبِيِّينَ وعُمُومُ المَفْهُومِ المُرادِ مِنَ المَحْمُولِ في نَفْسِهِ ومِن حَيْثُ هو في الذِّهْنِ لا يُنافِي أنْ يُقْصَدَ بِهِ أمْرٌ خاصٌّ في الخارِجِ كَما لا يَخْفى واخْتِيرَ حَمْلُ التَّعْرِيفِ في الخَبَرِ عَنِ الجِنْسِ لِلْمُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ ﴾ ، والمَحْذُورُ مُنْدَفِعٌ بِما ذَكَرْنا و(مِنَ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﴾ قِيلَ بَيانِيَّةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ بَدَلٌ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ السّابِقِ، والمَجْرُورُ بَدَلٌ مِنَ المَجْرُورِ بِإعادَةِ الجارِّ وهو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ ذُرِّيَّتُهُ الأنْبِياءُ وهي غَيْرُ شامِلَةٍ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وقِيلَ: هي تَبْعِيضِيَّةٌ لِأنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِ أخَصُّ مِنَ الذُّرِّيَّةِ مِن وجْهٍ لِشُمُولِها بِناءً عَلى الظّاهِرِ المُتَبادِرِ مِنها غَيْرَ مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ دُونَهُ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ كَوْنُها أعَمَّ مِنها مِن وجْهٍ لِشُمُولِهِ آدَمَ والمَلَكَ.

ومُؤْمِنِي الجِنِّ دُونَها ﴿ ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ﴾ أيْ ومِن ذُرِّيَّةِ مَن حَمَلْناهم مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خُصُوصًا وهم مَن عَدا إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما سَمِعْتَ مِن أنَّهُ قَبْلَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِالإجْماعِ مِن ذُرِّيَّةِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿ ومِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ﴾ وهُمُ الباقُونَ.

(وإسْرائِيلَ) عَطْفٌ عَلى (إبْراهِيمَ) أيْ ومِن ذُرِّيَّةِ إسْرائِيلَ أيْ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ مِنهم مُوسى وهارُونُ وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أوْلادَ البَناتِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ لِدُخُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا أبَ لَهُ، وجَعْلُ إطْلاقِ الذَّرِّيَّةِ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ خِلافُ الظّاهِرِ ﴿ ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﴾ ومِن لِلتَّبْعِيضِ أيْ ومِن جُمْلَةِ مَن هَدَيْناهم إلى الحَقِّ واخْتَرْناهم لِلنُّبُوَّةِ والكَرامَةِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ مِنَ النَّبِيِّينَ ﴾ .

ومِن لِلْبَيانِ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ ظاهِرَ العَطْفِ المُغايَرَةُ فَيَحْتاجُ إلى أنْ يُقالَ: المُرادُ مِمَّنْ جَمَعْنا لَهُ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والهِدايَةِ والِاجْتِباءِ لِلْكَرامَةِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا ﴾ اسْتِئْنافٌ مُساقٌ لِبَيانِ خَشْيَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى وإخْبِاتِهِمْ لَهُ سُبْحانَهُ مَعَ ما لَهم مِن عُلُوِّ الرُّتْبَةِ وسُمُوِّ الطَّبَقَةِ في شَرَفِ النَّسَبِ وكَمالِ النَّفْسِ والزُّلْفى مِنَ اللَّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ.

وقِيلَ: خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِاسْمِ الإشارَةِ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ انْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (وإسْرائِيلَ)، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ ومِمَّنْ هَدَيْنا ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وهَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ أيْ ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا قَوْمٌ إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ إلَخْ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ، ورَوى بَعْضُ الإمامِيَّةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: نَحْنُ عُنِينا بِهَؤُلاءِ القَوْمِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا وحالُ رِواياتِ الإمامِيَّةِ لا يَخْفى عَلى أرْبابِ التَّمْيِيزِ، وظاهِرُ صَنِيعِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ اخْتِيارُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ صِفَةً لِاسْمِ الإشارَةِ عَلى ما هو الشّائِعُ فِيما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي الخَبَرُ لِأنَّ ذَلِكَ أمْدَحُ لَهم، ووَجْهُ ذَلِكَ ظاهِرٌ عِنْدَ مَن يَعْرِفُ حُكْمَ الأوْصافِ والأخْبارِ، وسُجَّدًا جَمْعُ ساجِدٍ وكَذا (بُكِيًّا) جَمْعُ باكٍ كَشاهِدِ وشُهُودٍ، وأصْلًهً بُكُوًّى اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ وحُرِّكَتِ الكافُ بِالكَسْرِ لِمُناسَبَةِ الياءِ وجَمْعُهُ المَقِيسُ بُكاةٌ كِرامٌ ورُماةٌ إلّا أنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ عَلى ما في البَحْرِ وهو مُخالِفٌ لِما في القامُوسِ وغَيْرِهِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَصْدَرُ بَكى كَجُلُوسًا مَصْدَرُ جَلَسَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، نَعَمْ رُبَّما يَقْتَضِيهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في البُكاءِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ سُورَةَ مَرْيَمَ فَسَجَدَ ثُمَّ قالَ: هَذا السُّجُودُ فَأيْنَ البُكى، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ويَحْيى والأعْمَشِ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ( بِكِيًّا ) بِكَسْرِ أوَّلِهِ ولَيْسَ كَما زَعَمَ لِأنَّ ذَلِكَ إتْباعٌ، وظاهِرُ أنَّهُ لا يُعَيِّنُ المَصْدَرِيَّةَ.

ونَصْبُ الِاسْمَيْنِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ (خَرُّوا) أيْ: ساجِدِينَ وباكِينَ والأوَّلُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ كَما قالَ الزَّجّاجُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ السُّجُودِ مَعْناهُ الشَّرْعِيُّ والمُرادُ مِنَ الآياتِ ما تَضَمَّنَتْهُ الكُتُبُ السَّماوِيَّةُ سَواءٌ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى ذِكْرِ السُّجُودِ أمْ لا وسَواءٌ كانَ مُتَضَمِّنًا لِذِكْرِ العَذابِ المُنَزَّلِ بِالكَفّارِ أمْ لا، ومِن هُنا اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى اسْتِحْبابِ السُّجُودِ والبُكاءِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ ماجَةَ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ والبَزّارُ في مَسْنَدَيْهِما مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ مَرْفُوعًا: «اتْلُوا القُرْآنَ وابْكُوا فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا»، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ السُّجُودِ سُجُودُ التِّلاوَةِ حَسْبَما تَعَبَّدْنا بِهِ عِنْدَ سَماعِ بَعْضِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ، فالمُرادُ بِآياتِ الرَّحْمَنِ آياتٌ مَخْصُوصَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِذِكْرِ السُّجُودِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ الصَّلاةُ وهو قَوْلٌ ساقِطٌ جِدًّا، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ الخُشُوعُ والخُضُوعُ، والمُرادُ مِنَ الآياتِ ما تَضَمَّنَ العَذابَ المُنَزَّلَ بِالكُفّارِ وهَذا قَرِيبٌ مِن سابِقِهِ، ونَقَلَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَنِ الرّازِيِّ أنَّهُ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ سُجُودِ التِّلاوَةِ وهو كَما قالَ الكَيا: بَعِيدٌ، وذَكَرُوا أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَدْعُوَ السّاجِدُ في سَجْدَتِهِ بِما يَلِيقُ بِآيَتِها فَها هُنا يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن عِبادِكَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمُ المُهْتَدِينَ السّاجِدِينَ لَكَ الباكِينَ عِنْدَ تِلاوَةِ آياتِكَ، وفي آيَةِ الإسْراءِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الباكِينَ إلَيْكَ الخاشِعِينَ لَكَ، وفي آيَةِ تَنْزِيلِ السَّجْدَةِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ السّاجِدِينَ لِوَجْهِكَ المُسَبِّحِينَ بِحَمْدِكَ ورَحْمَتِكَ وأعُوذُ بِكَ مِن أنْ أكُونَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ عَنْ أمْرِكَ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وشِبْلُ بْنُ عَبّادٍ وأبُو حَيْوَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ العِجْلِيُّ عَنْ حَمْزَةَ وقُتَيْبَةُ في رِوايَةٍ ووَرْشٌ في رِوايَةِ النَّحّاسِ وابْنُ ذَكْوانَ في رِوايَةِ التَّغْلِبِيِّ ( يُتْلى ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولِوُجُودِ الفاصِلِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ، يعني: خبر إدريس  .

إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا، يعني: صادقاً يُخبر عن الله عز وجل، وذكر عن وهب بن منبه أنه قال: «إنما سمي إدريس لكثرة ما يدرس من كتاب الله عز وجل والسنن، وأنزل عليه ثلاثين صحيفة، وهو أول من لبس ثوب القطن، وكانوا من قبل ذلك يلبسون جلود الضأن، واسمه أخنوخ، ويقال: إلياس» .

وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا، يعني: الجنة.

وقال مجاهد: يعني: في السماء الرابعة.

قال: أخبرني الثقة بإسناده، عن ابن عباس، أنه سئل كعب الأحبار عن إدريس فقال كعب: «إن إدريس كان رجلاً خياطاً، وكان يقوم الليل ويصوم النهار ولا يفتر عن ذِكْرِ الله عَزَّ وَجَلَّ، وكان يكتسب فيتصدق بالثلثين.

فأتاه ملك من الملائكة عليهم السلام يقال له إسرافيل، فبشره بالجنة وقال له: هل لك من حاجة؟

قال: وددت أني أعلم إلى متى أجلي فأزداد خيراً.

فقال له: ما أعلمه، ولكن إن شئت حملتك إلى السماء.

قال: فحمله إلى السماء، فلقي ملك الموت، فسأله عن أجله، ففتح كتاباً معه فقال: لم يبق من أجلك إلا سِتَّ سَاعَاتٍ أوْ سَبْعَ ساعات، وقال: أُمرتُ أن أقبض نفسك هاهنا، فقبض نفسه في السماء، فذلك قوله: رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا.

وروى الكلبي، عن زيد بن أسلم، عن رسول الله  أنه قال: «إن إدريس جد أبي نوح» وكان أهل الأرض يومئذ بعضهم مؤمناً وبعضهم كافراً، فكان يصعد لإدريس من العمل ما كان يصعد لجميع بني آدم، فأحبه ملك الموت، فاستأذن الله تعالى في خلته، فأذن له.

قال: فهبط إليه في صورة غير صورته، على صورة آدمي لكيلا يعرفه فقال: يا إدريس، إني أحب أن أصحبك وأكون معك.

فقال له إدريس: إنك لا تطيق ذلك.

قال: أنا أرجو أن يقويني الله عز وجل على ذلك، فكان معه يصحبه.

وكان إدريس  يسيح النهار كله وهو صائم، فإذا جنّه الليل أتاه رزقه حيث يمسي، فيفطر عليه، ثم يحيي الليل كله.

فساحا النهار كله صائمين، حتى إذا أمسيا أتى إدريس رزقه فأكله ودعا الآخر، فقال: لا الله الذي جعلك بشراً ما أشتهيه، فطعم إدريس ثم استقبلا الليل بالصلاة.

وإدريس تناله السآمة والفترة من الليل والآخر لا يسأم ولا يفتر، فجعل إدريس  يتعجب منه، ثم أصبحا صائمين، فساحا حتى إذا جنهما الليل أتى إدريس رزقه فجعل يطعم ودعا الآخر فقال: لا والذي جعلك بشراً ما أشتهيه فطعم إدريس.

ثم استقبلا الليل كله فإدريس تناله السآمة والفترة والآخر لا يسأم ولا يفتر، فجعل إدريس يتعجب منه، ثم أصبحا اليوم الثالث صائمين، فساحا فمرا على كرم قد أينع وطاب، فقال: يا إدريس لو أنا أخذنا من هذا الكرم فأكلنا.

فقال إدريس: ما أرى صاحبه هاهنا فأشتريه منه وإني لأكره أن آخذ بغير ثمن.

قال: فمضيا حتى مرا على غنم فقال: يا إدريس لو أخذنا من هذا الغنم شاة فأكلنا من لحمها، فقال له إدريس: إنك معي منذ ثلاثة أيام ما طعمت شيئا، فلو كنت آدمياً لطعمت، وإني لأدعوك إلى الحلال كل ليلة فتأبى علي، فكيف تدعوني إلى الحرام أن آخذه؟

فبصحبة ما بيني وبينك إلا أنبأتني من أنت؟

قال: إنك ستعلم.

قال: أخبرني من أنت؟

قال: أنا ملك الموت.

ففزع إدريس  حين قال أنا ملك الموت.

قال: فإني أسألك حاجة.

قال: ما هي؟

قال: أن تذيقني الموت- فإنه قد بلغني عنه شدة ولعلي أعلم ما شدته، فأكون له أشد استعدادا (١)  : مالي من ذلك شيء وليس لك بد من أن تذوقه قال: فأوحى الله عَزَّ وَجَلَّ إلَى ملك الموت أن يقبض روحه ساعة ثم يرسله.

قال: فقبض نفسه ساعة ثم أرسله، فقال: كيف رأيت؟

قال: لقد بلغني عنه شدة، فلقد كان أشد مما بلغني عنه.

قال: فإني أسألك حاجة أُخرى.

قال: ما هي؟

قال: أحب أن تُريني النار.

قال: ما لي من ذلك من شيء، ولكن سأطلب لك، فإن قدرت عليه فعلت.

فسأل ربه، فأمره فبسط جناحه فحمله عليه، حتى صعد به إلى السماء، فانتهى به إلى باب من أبواب النار فدقه فقيل: من هذا؟

فقال: ملك الموت.

فقال: مرحباً بأمين الله عز وجل، فهل أمرت فينا بشيء؟

فقال: لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم، ولكن هذا إدريس  سألني أن أريه النار، فأحب أن تروها إياه.

ففتح باب منها بشيء، فجاءت بأمر عظيم، فخرّ إدريس مغشياً عليه.

فحمله ملك الموت وحبسه في ناحية حتى أفاق، فقال له ملك الموت: ما أحببت أن يصيبك هذا في صحبتي، ولكن سألتني فأحببت أن أسعفك.

قال: فإني أسألك حاجة أخرى لا أسألك غيرها.

قال: ما هي؟

قال: أحب أن تريني الجنة.

قال: ما لي من ذلك من شيء، ولكن سأطلب فإن قدرت عليه فعلت.

فانطلق به إلى خزنة الجنة، فدق باباً من أبوابها فقيل: من هذا؟

فقال: أنا ملك الموت.

فقالوا: مرحباً بأمين الله عز وجل، هل أمرت فينا بشيء؟

فقال: لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم، ولكن هذا إدريس سألني أن أريه الجنة فأحب أن تروها إياه.

قال: ففتح له الباب، فدخل فنظر إلى شيء لم ينظر مثله قط، فطاف فيها ساعة ثم قال له ملك الموت: انطلق بنا فلنخرج.

فانطلق إلى شجرة فتعلق بها ثم قال: والله لا أخرج حتى يكون الله عز وجل هو الذي يخرجني.

فقال ملك الموت: إنه ليس حينها ولا زمانها، ولكن طلبت إليهم لترى، فانطلق بنا.

فأبى عليه، فقيض الله له ملكاً من الملائكة فقال له ملك الموت: اجعل هذا الملك حكماً بيني وبينك قال: نعم.

قال الملك: ما هو يا ملك الموت؟

فأخبره بالقصة، ثم نظر الملك إلى إدريس قال: ما تقول يا إدريس؟

قال: أقول إن الله يقول: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: 185] فقد ذقته ويقول الله عز وجل: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم: 71] وقد وردتها وقال لأهل الجنة: وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ [الحجر: 48] .

فو الله لا أخرج منها حتى يكون الله عز وجل هو الذي يخرجني.

قال: فسمع هاتفاً يقول: بإذني دخل وبإذني فعل فخل سبيله، فذلك قوله عز وجل: وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا» يعني: الجنة.

ويقال: وَرَفَعْناهُ في القدر والمنزلة، ويقال: وَرَفَعْناهُ في النبوة والعلم.

ثم قال عز وجل: أُولئِكَ، يعني: إبراهيم، وموسى، وإسماعيل، وإدريس، وسائر الأنبياء عليهم السلام الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ من سائر الأنبياء وهم ولد نوح  إلا إدريس  ، يعني: حملناهم على السفينة وهم في صلب نوح وأولاده، وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وهو يعقوب وَمِمَّنْ هَدَيْنا يعني: أكرمنا بالنبوة، ويقال: أكرمنا بالإسلام، وَاجْتَبَيْنا يعني: واصطفينا بعد هؤلاء.

إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ، يعني: القرآن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا يعني: يسجدون ويبكون من خوف الله عز وجل.

بكيّ: جمع باكي.

وقوله: سُجَّداً وَبُكِيًّا منصوب على الحال، وقال بعضهم: بُكِيًّا مصدر بكى يبكي بكياً، وقال الزجاج: من قال مصدر فهو خطأ، لأن سُجَّداً جمع ساجد وَبُكِيًّا عطف عليه فهو جمع باك.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

واحتجَّ الطَّبِرِيُّ «١» ، ومَكّي لهذا القول بأَن عُمَر رضي الله عنه قرأ سُورةٍ مريم، فسجد ثُمَّ قال: هذا السُّجُودُ، فأَيْنَ البُكَى «٢» ؟

يَعْنِي: البُكَاء.

قال ع «٣» : ويحتمل أَن يريد عُمر رضي الله عنه فأَين البَاكُون؟

وهذا الذي ذكروه عن عُمَر، ذكره أَبُو حَاتِمٍ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم.

فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣)

وقوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ...

الآية، الخَلْفُ، -[بسكون] «٤» اللام- مُسْتعمل إذا كان الآتي مَذْمُوماً هذا مشهورُ كَلامِ العَرَبِ، والمرادُ بالخلْف: مَنْ كفر وعَصَى بعدُ مِنْ بني إسرائيل، ثم يتناول معنى الآية مَنْ سِوَاهُم إلَى يوم القيامة، وإضاعة الصّلاة بترْكِهَا وبجحْدِها، وبإضاعة أَوْقَاتِهَا.

وروى أَبُو دَاوُدَ الطيالسي في «مسنده» بسنده عن عُبَادَةَ بنِ الصّامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إذا أَحْسَنَ الرَّجُلُ الصَّلاَةَ، فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا، وَسُجُودَهَا، قَالَتِ الصَّلاَةُ:

حَفِظَكَ اللهُ كَمَا حَفِظْتَنِي، وَتُرْفَعُ، وإذَا أَسَاءَ الصَّلاَةَ فَلَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهَا، وَلاَ سُجُودَهَا، قَالَتِ الصَّلاَةُ: ضَيَّعَكَ اللهُ كَمَا ضَيَّعْتَنِي، وَتُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلقُ، فَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُهُ» .

انتهى «٥» من «التذكرة» ، والشَّهَوَاتُ: عُمُومُ، والغَيُّ: الخسران قاله ابن زيد «٦» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ ذَكَرَهم مِنَ الأنْبِياءِ في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﴾ يَعْنِي: إدْرِيسَ، ﴿ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ﴾ يَعْنِي: إبْراهِيمَ؛ لِأنَّهُ مِن ولَدِ سامِ بْنِ نُوحٍ، ﴿ وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ﴾ يُرِيدُ: إسْماعِيلَ، وإسْحاقَ، ويَعْقُوبَ، ﴿ وَإسْرائِيلَ ﴾ يَعْنِي: ومِن ذُرِّيَّةِ إسْرائِيلَ، وهم مُوسى، وهارُونُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، وعِيسى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِمَّنْ هَدَيْنا ﴾ ؛ أيْ: هَؤُلاءِ كانُوا مِمَّنْ أرْشَدْنا، ﴿ واجْتَبَيْنا ﴾ ؛ أيْ: واصْطَفَيْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَرُّوا سُجَّدًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ سُجَّدًا ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، المَعْنى: خَرُّوا مُقَدِّرِينَ السُّجُودَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ في حالِ خُرُورِهِ لا يَكُونُ ساجِدًا، فَـ " سُجَّدًا " مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وهو جَمْعُ ساجِدٍ، ﴿ وَبُكِيًّا ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وهو جَمْعُ باكٍ، فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الأنْبِياءَ كانُوا إذا سَمِعُوا آياتِ اللَّهِ سَجَدُوا وبَكَوْا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الأعْرافِ: ١٦٩ ) .

وفي المُرادِ بِهَذا الخَلْفِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، يَأْتُونَ عِنْدَ ذَهابِ صالِحِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، يَتَبارَوْنَ بِالزِّنا، يَنْزُو بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ في الأزِقَّةِ زُناةً، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أضاعُوا الصَّلاةَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ: ( الصَّلَواتِ ) عَلى الجَمْعِ.

وَفِي المُرادِ بِإضاعَتِهِمْ إيّاها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أخَّرُوها عَنْ وقْتِها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والنَّخَعِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والقاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ.

والثّانِي: تَرَكُوها، قالَهُ القُرَظِيُّ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وذَلِكَ مِثْلَ اسْتِماعِ الغِناءِ، وشُرْبِ الخَمْرِ، والزِّنا، واللَّهْوِ، وما شاكَلَ ذَلِكَ مِمّا يَقْطَعُ عَنْ أداءِ فَرائِضِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ لَيْسَ مَعْنى هَذا اللِّقاءِ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ، وإنَّما المُرادُ بِهِ الِاجْتِماعُ والمُلابَسَةُ مَعَ الرُّؤْيَةِ.

وَفِي المُرادِ بِهَذا الغَيِّ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  ، وبِهِ قالَ كَعْبٌ.

والثّانِي: أنَّهُ نَهْرٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الخُسْرانُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ العَذابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: أنَّهُ الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ السّائِبِ.

والسّادِسُ: أنَّ المَعْنى: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ مُجازاةَ الغَيِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿ يَلْقَ أثامًا  ﴾ ؛ أيْ: مُجازاةَ الآثامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن تابَ وآمَنَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تابَ مِنَ الشِّرْكِ، وآمَنَ بِمُحَمَّدٍ  ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: تابَ مِنَ التَّقْصِيرِ في الصَّلاةِ، وآمَنَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( جَنّاتُ ) بِرَفْعِ التّاءِ.

وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( جَنَّةُ عَدْنٍ ) عَلى التَّوْحِيدِ مَعَ رَفْعِ التّاءِ.

وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ: ( جَنَّةَ عَدْنِ ) عَلى التَّوْحِيدِ مَعَ نَصْبِ التّاءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ ﴾ ؛ أيْ: وعَدَهم بِها ولَمْ يَرَوْها، فَهي غائِبَةٌ عَنْهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: آتِيًا، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو ( مَفْعُولٌ ) في مَعْنى ( فاعِلٍ )، وهو قَلِيلٌ أنْ يَأْتِيَ الفاعِلُ عَلى لَفْظِ المَفْعُولِ بِهِ.

وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: آتِيًا؛ لِأنَّ كُلَّ ما أتاكَ فَأنْتَ تَأْتِيهِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: أتَيْتُ عَلى خَمْسِينَ سَنَةً، وأتَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ [ سَنَةً ] .

والثّانِي: مَبْلُوغًا إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿ وَعْدُهُ ﴾ هاهُنا: مَوْعُودُهُ، وهو الجَنَّةُ، و ﴿ مَأْتِيًّا ﴾ : يَأْتِيهِ أوْلِياؤُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّخالُفُ عِنْدَ شُرْبِ الخَمْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: ما يُلْغى مِنَ الكَلامِ ويُؤَثَّمُ فِيهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اللَّغْوُ في العَرَبِيَّةِ: الفاسِدُ المَطَّرَحُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا سَلامًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّلامُ لَيْسَ مِنَ اللَّغْوِ، والعَرَبُ تَسْتَثْنِي الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ ولَيْسَ مِنهُ، وذَلِكَ أنَّها تُضْمِرُ فِيهِ، فالمَعْنى: إلّا أنَّهم يَسْمَعُونَ فِيها سَلامًا.

وقالابْنُ الأنْبارِيِّ: اسْتَثْنى السَّلامَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، وفي ذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ؛ لِأنَّهم إذا لَمْ يَسْمَعُوا مِنَ اللَّغْوِ إلّا السَّلامَ، فَلَيْسَ يَسْمَعُونَ لَغْوًا البَتَّةَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ العالَمِينَ  ﴾ ، إذا لَمْ يَخْرُجُ مِن عَداوَتِهِمْ لِي غَيْرُ رَبِّ العالَمِينَ، فَكُلُّهم عَدُوٌّ.

وَفِي مَعْنى هَذا السَّلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ إلّا ما يُسَلِّمُهم، ولا يَسْمَعُونَ ما يُؤَثِّمُهم، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ بُكْرَةٌ ولا عَشِيَّةٌ، ولَكِنَّهم يُؤْتَوْنَ بِرِزْقِهِمْ - عَلى مِقْدارِ ما كانُوا يَعْرِفُونَ - في الغَداةِ والعَشِيِّ.

قالَ الحَسَنُ: كانَتِ العَرَبُ لا تَعْرِفُ شَيْئًا مِنَ العَيْشِ أفْضَلَ مِنَ الغَداءِ والعَشاءِ، فَذَكَرَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ.

وقالَ قَتادَةُ: كانَتِ العَرَبُ إذا أصابَ أحَدُهُمُ الغَداءَ والعَشاءَ أُعْجِبَ بِهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ لَهم في الجَنَّةِ رِزْقُهم بُكْرَةً وعَشِيًّا عَلى قَدْرِ ذَلِكَ الوَقْتِ، ولَيْسَ ثَمَّ لَيْلٌ ولا نَهارٌ، وإنَّما هو ضَوْءٌ ونُورٌ.

ورَوى الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قالَ: سَألْتُ زُهَيْرَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ ، فَقالَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ لَيْلٌ ولا نَهارٌ، هم في نُورٍ أبَدًا، ولَهم مِقْدارُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، يَعْرِفُونَ مِقْدارَ اللَّيْلِ بِإرْخاءِ الحُجُبِ وإغْلاقِ الأبْوابِ، ويَعْرِفُونَ مِقْدارَ النَّهارِ بِرَفْعِ الحُجُبِ وفَتْحِ الأبْوابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ الجَنَّةُ ﴾ الإشارَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُورِثُ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى ﴿ نُورِثُ ﴾ : نُعْطِي المَساكِنَ الَّتِي كانَتْ لِأهْلِ النّارِ - لَوْ آمَنُوا - لِلْمُؤْمِنِينَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى " نُورِثُ ": نُعْطِي، فَيَكُونُ كالمِيراثِ لَهم مِن جِهَةِ أنَّها تَمْلِيكٌ مُسْتَأْنَفٌ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( الأعْرافِ: ٤٣ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ وابْنُ يَعْمُرَ: ( وما يَتَنَزَّلُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ.

وَفِي سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: " يا جِبْرِيلُ ما يَمْنَعُكَ أنْ تَزُورَنا أكْثَرَ مِمّا تَزُورُنا "، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ المَلَكَ أبْطَأ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ثُمَّ أتاهُ، فَقالَ: لَعَلِّي أبْطَأْتُ.

قالَ: " قَدْ فَعَلْتَ " .

قالَ: وما لِي لا أفْعَلُ وأنْتُمْ لا تَتَسَوَّكُونَ، ولا تَقُصُّونَ أظْفارَكم، ولا تُنَقُّونَ بِراجِمَكم، فَنَزَلَتِ الآيَةُ»، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: البَراجِمُ عِنْدَ العَرَبِ: الفُصُوصُ الَّتِي في فُصُولِ ظُهُورِ الأصابِعِ، تَبْدُو إذا جُمِعَتْ، وتَغْمُضُ إذا بُسِطَتْ.

والرَّواجِبُ: ما بَيْنَ البَراجِمِ، بَيْنَ كُلِّ بُرْجُمَتَيْنِ راجِبَةٌ.

والثّالِثُ: «أنَّ جِبْرِيلَ احْتُبِسَ عَنِ النَّبِيِّ  حِينَ سَألَهُ [ قَوْمُهُ ] عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وذِي القَرْنَيْنِ، والرُّوحِ، فَلَمْ يَدْرِ ما يُجِيبُهم، ورَجا أنْ يَأْتِيَهُ جِبْرِيلُ بِجَوابٍ، فَأبْطَأ عَلَيْهِ، فَشَقَّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  مَشَقَّةً شَدِيدَةً، فَلَمّا نَزَلَ جِبْرِيلُ، قالَ لَهُ: " أبْطَأْتَ عَلَيَّ حَتّى ساءَ ظَنِّي واشْتَقْتُ إلَيْكَ "، فَقالَ جِبْرِيلُ: إنِّي كُنْتُ أُشَوِّقُ، ولَكِنِّي عَبْدٌ مَأْمُورٌ، إذا بُعِثْتُ نَزَلْتُ، وإذا حُبِسْتُ احْتَبَسْتُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

وَفِي سَبَبِ احْتِباسِ جِبْرِيلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِامْتِناعِ أصْحابِهِ مِن كَمالِ النَّظافَةِ، كَما ذَكَرْنا في حَدِيثِ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: لِأنَّهم سَألُوهُ عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، فَقالَ: " غَدًا أُخْبِرُكم "، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، وقَدْ سَبَقَ هَذا في سُورَةِ ( الكَهْفِ: ٢٤ ) .

وَفِي مِقْدارِ احْتِباسِهِ عَنْهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقَدْ ذَكَرْناهُ في ( الكَهْفِ ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أرْبَعُونَ يَوْمًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: اثْنَتا عَشْرَةَ لَيْلَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: ثَلاثَةُ أيّامٍ، حَكاهُ مُقاتِلٌ.

والخامِسُ: خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

وقِيلَ: إنَّ سُورَةَ ( الضُّحى ) نَزَلَتْ في هَذا السَّبَبِ.

والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَما نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ ﴾ قَوْلُ جِبْرِيلَ.

وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّهُ قَوْلُ أهْلِ الجَنَّةِ إذا دَخَلُوها، فالمَعْنى: ما نَنْزِلُ هَذِهِ الجِنانَ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ.

وقِيلَ: ما نَنْزِلُ مَوْضِعًا مِنَ الجَنَّةِ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما بَيْنَ أيْدِينا: الآخِرَةُ، وما خَلْفَنا: الدُّنْيا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: ما بَيْنَ أيْدِينا: ما مَضى مِنَ الدُّنْيا، وما خَلْفَنا: مِنَ الآخِرَةِ، فَهو عَكْسُ الأوَّلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ الأخْفَشُ: ما بَيْنَ أيْدِينا: قَبْلَ أنْ نُخْلَقَ، وما خَلْفَنا: بَعْدَ الفَناءِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ.

والثّالِثُ: حِينَ كَوَّنَنا، قالَهُ الأخْفَشُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما وحَّدَ ذَلِكَ، والإشارَةُ إلى شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: ﴿ ما بَيْنَ أيْدِينا ﴾ ، والثّانِي: " ما خَلْفَنا "؛ لِأنَّ العَرَبَ تُوقِعُ ذَلِكَ عَلى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾ النَّسِيُّ بِمَعْنى النّاسِي.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما كانَ تارِكًا لَكَ مُنْذُ أبْطَأ الوَحْيُ عَنْكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ: ما نَسِيَكَ عِنْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ عَنْكَ.

والثّانِي: أنَّهُ عالِمٌ بِما كانَ ويَكُونُ، لا يَنْسى شَيْئًا، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْبُدْهُ ﴾ ؛ أيْ: وحِّدْهُ؛ لِأنَّ عِبادَتَهُ بِالشِّرْكِ لَيْسَتْ عِبادَةً، ﴿ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ ﴾ ؛ أيِ: اصْبِرْ عَلى تَوْحِيدِهِ، وقِيلَ: عَلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ رَوى هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كانَ يُدْغِمُ ( هَلْ تَعْلَمُ )، ووَجْهُهُ أنَّ سِيبَوَيْهِ يُجِيزُ إدْغامَ اللّامِ في التّاءِ، والثّاءِ، والدّالِ، والزّايِ، والسِّينِ، والصّادِ، والطّاءِ؛ لِأنَّ آخِرَ مَخْرَجٍ مِنَ اللّامِ قَرِيبٌ مِن مَخارِجِهِنَّ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إذا كانَ بَعْدَ ( هَلْ ) تاءٌ فَفِيهِ لُغَتانِ، بَعْضُهم يُبَيِّنُ لامَ ( هَلْ ) وبَعْضُهم يُدْغِمُها.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَثَلًا وشَبَهًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: هَلْ تَعْلَمُ أحَدًا يُسَمّى ( اللَّهَ ) غَيْرَهُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: هَلْ تَعْلَمُ أحَدًا يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ لَهُ: خالِقٌ وقادِرٌ، إلّا هو، قالَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴾ ﴿ وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَبِيِّينَ مِنَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ومِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإسْرائِيلَ ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا ﴾ إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَلامُ هو مِن أجْدادِ نُوحٍ، وهو أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ إلى أهْلِ الأرْضِ فِيما رُوِيَ بَعْدَ آدَمَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ، وهو أوَّلُ مَن خَطَّ بِالقَلَمِ، وكانَ خَيّاطًا، ووَصَفَهُ اللهُ تَعالى بِالصِدْقِ، والوَجْهُ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى العُمُومِ في الأحادِيثِ والأعْمالِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو إلْياسُ، بُعِثَ إلى قَوْمِهِ بِأنْ يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللهُ، ويَعْمَلُوا ما شاؤُوا، فَأبَوْا فَأُهْلِكُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأشْهَرُ أنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ بِإهْلاكِ أُمَّةٍ، وأنَّهُ نَبِيٌّ فَقَطْ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا ﴾ - فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: هَذا هو رَفْعُ النُبُوءَةِ والتَشْرِيفِ والمَنزِلَةِ، وهو في السَماءِ كَما سائِرِ الأنْبِياءِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ رَفْعٌ إلى السَماءِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ ذَلِكَ بِأمْرِ اللهِ كَما رَفَعَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وهُنالِكَ ماتَ إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَلامُ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ إلّا أنَّهُ قالَ: ولَمْ يَمُتْ، وكَذَلِكَ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ لِابْنِ عَبّاسٍ: كانَ لَهُ خَلِيلٌ مِنَ المَلائِكَةِ فَحَمَلَهُ عَلى جَناحِهِ وصَعِدَ بِهِ حَتّى بَلَغَ السَماءَ الرابِعَةَ، فَلَقِيَ هُنالِكَ مَلَكَ المَوْتِ.

فَقالَ لَهُ: إنَّهُ قِيلَ لِي: اهْبِطْ إلى السَماءِ الرابِعَةِ فاقْبِضْ رُوحَ إدْرِيسَ، وإنِّي لَأعْجَبُ كَيْفَ يَكُونُ هَذا، فَقالَ لَهُ المَلَكُ الصاعِدُ: هَذا إدْرِيسَ مَعِي، فَقَبَضَ رُوحَهُ.

ورُوِيَ أنَّ هَذا كُلَّهُ كانَ في السَماءِ السادِسَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وكَذَلِكَ هي رُتْبَتُهُ في حَدِيثِ الإسْراءِ في بَعْضِ الرِواياتِ، وحَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما في الإسْراءِ يَقْتَضِي أنَّهُ في السَماءِ الرابِعَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَبِيِّينَ مِنَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﴾ الآيَةُ.

الإشارَةُ بِـ " أُولَئِكَ " إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﴾ يُرِيدُ إدْرِيسَ ونُوحًا عَلَيْهِما السَلامُ، ﴿ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ﴾ يُرِيدُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ﴿ وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ﴾ يُرِيدُ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ السَلامُ، ﴿ وَإسْرائِيلَ ﴾ يُرِيدُ مُوسى وهارُونَ وزَكَرِيّا وَيَحْيى وعِيسى بْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِمُ السَلامُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَمِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا ﴾ ، مَعْناهُ: اخْتَرْنا واصْطَفَيْنا، وكَأنَّهُ مِن: "جَبَيْتُ المالَ" إذا جَمَعْتُهُ، ومِنهُ جِبايَةُ المالِ، كَأنَّ جابِيهِ يَصْطَفِيهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إذا تُتْلى" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "إذا يُتْلى" بِالياءِ.

و"الآياتُ" هُنا الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، و"سُجَّدًا" نُصِبَ عَلى الحالِ لِأنَّ مَبْدَأ السُجُودِ سُجُودٌ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والجُمْهُورُ: "وَبُكِيًّا"، قالَتْ فِرْقَةٌ: هو جَمْعُ باكٍ، كَما يُجْمَعُ عاتٍ وجاثٍ عَلى عُتِيٍّ وجُثِيٍّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى البُكاءِ، التَقْدِيرُ: وبَكَوْا بُكِيًّا، واحْتَجَّ الطَبَرِيُّ ومَكِّيُّ لِهَذا القَوْلِ بِأنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ رُوِيَ أنَّهُ قَرَأ سُورَةَ مَرْيَمَ فَسَجَدَ ثُمْ قالَ: هَذا السُجُودُ فَأيْنَ البُكِيُّ؟

يَعْنِي البُكاءَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واحْتِجاجُهُما بِهَذا فاسِدٌ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: فَأيْنَ الباكُونَ؟، فَلا حُجَّةَ فِيهِ لِهَذا، وهَذا الَّذِي ذَكَرُوهُ عن عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ ذِكْرَهُ أبُو حاتِمْ عَنِ النَبِيِّ  .

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويَحْيى، والأعْمَشُ: "وَبِكِيًّا" بِكَسْرِ الباءِ، وهو مَصْدَرٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الجملة استئناف ابتدائي، واسم الإشارة عائد إلى المذكورين من قوله ﴿ ذكر رحمة ربك عبده زكرياء ﴾ [مريم: 2] إلى هنا.

والإتيان به دون الضمير للتنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما يذكر بعد اسم الإشارة لأجل ما ذكر مع المشار إليهم من الأوصاف، أي كانوا أحرياء بنعمة الله عليهم وكونهم في عداد المهديين المجتبيْن وخليقين بمحبتهم لله تعالى وتعظيمهم إياه.

والمذكور بعد اسم الإشارة هو مضمون قوله ﴿ أنعم الله عليهم ﴾ وقوله ﴿ وممّن هدينا واجتبينا ﴾ ، فإن ذلك أحسن جزاء على ما قدموه من الأعمال، ومن أعطوه من مزايا النبوءة والصديقية ونحوهما.

وتلك وإن كانت نعماً وهداية واجتباء فقد زادت هذه الآية بإسناد تلك العطايا إلى الله تعالى تشريفاً لها، فكان ذلك التشريف هو الجزاء عليها إذ لا أزيد من المجازَى عليه إلاّ تشريفه.

وقرأ الجمهور {من النّبييّن بياءين بعد الموحدة.

وقرأه نافع وحده بهمزة بعد الموحدة.

وجملة إذَا تتلى عَليهم ءَاياتُ الرَّحْمانِ} مستأنفة دالة على شكرهم نعم الله عليهم وتقريبه إياهم بالخضوع له بالسجود عند تلاوة آياته وبالبكاء.

والمراد به البكاء الناشئ عن انفعال النفس انفعالاً مختلطاً من التعظيم والخوف.

و {سُجداً جمع ساجد.

وبُكيّاً جمع بَاك.

والأول بوزن فُعّل مثل عُذَّل، والثاني وزنه فعُول جمع فاعل مثل قوم قعود، وهو يائي لأنّ فعله بكى يبكي، فأصله: بُكُويٌ.

فلما اجتمع الواو والياء وسبق إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء وحركت عين الكلمة بحركة مناسبة للياء.

وهذا الوزن سماعي في جمع فاعل ومثله.

وهذه الآية من مواضع سجود القرآن المروية عن النبي اقتداء بأولئك الأنبياء في السجود عند تلاوة القرآن، فهم سجدوا كثيراً عند تلاوة آيات الله التي أنزلت عليهم، ونحن نسجد اقتداء بهم عند تلاوة الآيات التي أنزلت إلينا.

وأثنت على سجودهم قصداً للتشبه بهم بقدر الطاقة حين نحن متلبسون بذكر صنيعهم.

وقد سجد النبي عند هذه الآية وسنّ ذلك لأمته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا ﴾ أيْ سُجَّدًا لِلَّهِ، وبُكِيًّا جَمْعُ باكٍ، لِيَكُونَ السُّجُودُ رَغْبَةً والبُكاءُ رَهْبَةً.

وَقَدْ رُوِيَ في الحَدِيثِ: « (فَهَذا السُّجُودُ فَأيْنَ البُكاءُ؟)» يَعْنِي هَذِهِ الرَّغْبَةُ فَأيْنَ الرَّهْبَةُ؟

لِأنَّ الطّاعَةَ لا تُخْلَصُ إلّا بِالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين ﴾ قال: هذه تسمية الأنبياء الذين ذكرهم.

أما من ذرية آدم: فإدريس ونوح، وأما من حمل مع نوح: فإبراهيم- وأما ذرية إبراهيم: فإسماعيل، وإسحق، ويعقوب.

وأما بني اسرئيل: فموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ واجتبينا ﴾ قال خلصنا.

وأخرج عبد بن حميد، عن قيس بن سعد قال: جاء ابن عباس حتى قام على عبيد بن عمير وهو يقص فقال: ﴿ واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً ﴾ [ مريم: 42] ﴿ واذكر في الكتاب إسماعيل ﴾ [ مريم: 54] الآية ﴿ واذكر في الكتاب إدريس ﴾ الآية.

حتى بلغ ﴿ أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين ﴾ قال ابن عباس: ﴿ ذكرهم بأيام الله ﴾ [ إبراهيم: 6] وأثن على من أثنى الله عليه.

وأخرج ابن أبي الدنيا في البكاء، وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن عمر بن الخطاب: أنه قرأ سورة مريم فسجد، ثم قال: هذا السجود فأين البكاء؟.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ ﴾ يعني الذين ذكرهم من الأنبياء في هذه السورة، ثم بين مراتبهم في شرف النسب فقال: ﴿ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﴾ قال ابن عباس، والسدي: (يعني إدريس، ونوحا) (١) ﴿ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ﴾ إبراهيم؛ لأنه من ولد سام بن نوح، ويريد بالحمل مع نوح العمل في سفينته.

﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ يريد إسحاق، وإسماعيل، ويعقوب.

وقوله تعالى: ﴿ وَإِسْرَائِيلَ ﴾ يعني: ومن ذريته وهم: موسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ﴾ أي: هؤلاء كانوا ممن أرشدنا واصطفينا ﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ﴾ قال ابن عباس: (سجدًا متضرعين إليه) (٤) (٥) ﴿ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا  ﴾ ﴿ وَبُكِيًّا ﴾ : جمع باك مثل ساجد وسجود، وقاعد وقعود أصله: بكوي ففعل كما فعل بمرمى ومقضى، وقد ذكرنا ذلك في هذه السور (٦) (١) "جامع البيان" 1/ 976، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 141، "أضواء البيان" 4/ 305.

(٢) "جامع البيان" 16/ 97، "المحرر الوجيز" 9/ 190، "معالم التنزيل" 5/ 240، "الكشاف" 2/ 415، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 141.

(٣) "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 120.

(٤) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة انظر: "جامع البيان" 97/ 16، "المحرر الوجيز" 9/ 491، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 141، "التفسير الكبير" 21/ 234.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 335.

(٦) عند قوله سبحانه في الآية رقم: (8): ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِدْرِيسَ ﴾ هو أول نبيّ بعث إلى أهل الأرض بعد آدم، وهو أول من خط بالقلم، ونظر في علم النجوم وخاط الثياب، وهو من أجداد نوح عليه السلام ﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً ﴾ في حديث الإسراء: وإنه في السماء الرابعة، وقيل: يعني رفعة النبوة وتشريف منزلته.

والأول أشهر ورجحه الحديث ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى كل من ذكر في هذه السورة، من زكريا إلى إدريس ﴿ مِّنَ النبيين ﴾ من هنا للبيان، والتي بعدها للتبعيض ﴿ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ ﴾ يعني نوحاً وإدريس ﴿ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا ﴾ يعني إبراهيم ﴿ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ يعني إسماعيل وإسحاق ويعقوب ﴿ وَإِسْرَائِيلَ ﴾ يعني أن من ذريته موسى وهارون ومريم وعيسى وزكريا ويحيى ﴿ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا ﴾ يحتمل العطف على من الأولى أو الثانية ﴿ وَبُكِيّاً ﴾ جمع باك ووزنه فعول.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ مخلصاً ﴾ بفتح اللام: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل.

الباقون بكسرها.

﴿ إبراهام ﴾ وما بعده: هشام والأخفش عن ابن ذكوان ﴿ إذا ابتلي ﴾ بالياء التحتانية وكذلك في سورة الحج: قتيبة ﴿ نورث ﴾ بالتشديد: رويس.

الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ سوياً ﴾ ه ﴿ لا تعبد الشيطان ﴾ ط ﴿ عصياً ﴾ ه ﴿ ولياً ﴾ ه ﴿ يا إبراهيم ﴾ ط ج وقد يوصل ويوقف على ﴿ آلهتي ﴾ .

﴿ ملياً ﴾ ه ﴿ سلام عليك ﴾ ج للابتداء بسين الاستقبال مع أن القائل واحد ﴿ لك ربي ﴾ ط ﴿ حفياً ﴾ ه ﴿ وأدعو ربي ﴾ ز لانقطاع النظم والوصل أولى لأن عسى لطمع الإجابة بالدعاء ﴿ شقياً ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ لا لأن ما بعده جواب لما ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ز للأبتداء بأن مع أن المراد بالذكر إخلاص موسى ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نجياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ إسماعيل ﴾ ز لما مر ﴿ نبياً ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ والزكاة ﴾ ط ﴿ مرضيا ﴾ ه ﴿ إدريس ﴾ ز ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ مع نوح ﴾ ز على تقدير ومن ذريته إبراهيم وما بعده قوم إذا تتلى عليهم، وكذا وجه من وقف على ﴿ ذرية آدم ﴾ أو على ﴿ إسرائيل ﴾ والأصح أن الكل عطف على ذرية آدم والوقف على قوله: ﴿ واجتبينا ﴾ لئلا يحتاج إلى الحذف وليرجع ثناء السجود والبكاء إلى الكل ﴿ وبكيا ﴾ ه ﴿ عياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ جنات ﴾ بدل من ﴿ الجنة ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ط ﴿ مأتيا ﴾ ه ﴿ سلاماً ﴾ ه ﴿ وعشياً ﴾ ه ﴿ تقياً ﴾ ه ﴿ بأمر ربك ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ ذلك ﴾ ج لأن قوله: ﴿ وما كان ﴾ معطوف على ﴿ نتنزل ﴾ مع وقوع العارض ﴿ نسياً ﴾ ج ه، لأن ما بعده بدل أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ لعبادته ﴾ ط ﴿ سمياً ﴾ ه.

التفسير: إن الذين أثبتوا معبوداً سوى الله منهم من أثبت معبوداً حياً عاقلاً كالنصارى، ومنهم من عبد معبوداً جماداً كعبدة الأوثان، وكلا الفريقين ضال إلا أن الفريق الثاني أضل.

وحين بين ضلال الفريق الأول شرع في بيان ضلال الفريق الثاني تدرجاً من الأسهل إلى الأصعب.

وإنما بدأ بقصة إبراهيم  لأنه كان أبا العرب وكانوا مقرين بعلوّ شأنه وكمال دينه فكأنه قال لهم: إن كنتم مقلدين فقلدوه في ترك عبدة الأوثان وعبادتها، وإن كنتم مستدلين فانظروا في الدلائل التي ذكرها على أبيه.

والمراد بذكر الرسول إياه في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس كقوله: ﴿ واتل عليهم نبأ إبراهيم  ﴾ وإلا فهو  هو الذي يذكره في تنزيله.

وقوله: ﴿ إذ قال ﴾ بدل من ﴿ إبراهيم ﴾ وما بينهما اعتراض، ولمكان هذا الاعتراض صار الوقف على ﴿ إبراهيم ﴾ مطلقاً.

وجوز في الكشاف أن يتعلق "إذ" بـ ﴿ كان ﴾ أو بـ ﴿ صديقاً نبياً ﴾ أي كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات.

والصديق من أبنية المبالغة فهي إما مبالغة صادق لأن ملاك أمر النبوة الصدق، وإما مبالغة مصدق وذلك لكثرة تصديقه الحق وهذا أيضاً بالحقيقة يعود إلى الأول، لأن مصدق الحق لا يعتبر تصديقه.

إلا إذا كان صادقاً جداً في أقواله مصدقاً لجميع من تقدم من الأنبياء والكتب، وكان نبياً في نفسه رفيع القدر عند الله وعند الناس بحيث جعل واسطة بينه وبين عباده.

وقيل: إن "كان" بمعنى "صار" والأصح أنه بمعنى الثبوت والاستمرار أي إنه لم يزل موصوفاً بالصدق والنبوة في الأوقات الممكن له ذلك فيها.

والتاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وقد مر في أول سورة يوسف.

أورد على أبيه الدلائل والنصائح وصدر كلاً منها بالنداء المتضمن للرفق واللين استمالة لقلب أبيه وامتثالاً لأمر ربه على ما رواه أبو هريرة أن رسول الله  قال: "أوحى الله إلى إبراهيم إنك خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي وأسكنه حظيرة القدس وأدنيه من جواري" .

فقوله: {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر" منسيّ المفعول لا منويه فإن الغرض نفي الفعلين على الإطلاق دون التقييد.

و"ما" موصولة أو موصوفة أي الذي لا يسمع أو معبوداً لا يسمع و ﴿ شيئاً ﴾ مفعول به من قوله: "أغن عني وجهك" أي ادفعه.

ويجوز أن يكون بمعنى المصدر أي شيئاً من الإغناء، وعلى هذا يجوز أن يقدر نحوه مع الفعلين السابقين أي لا يسمع شيئاً من السماع إلى آخره.

وحاصل الدليل أن العبادة غاية الخضوع فلا يستحقها إلا أشرف الموجودات لا أخسها وهو الجماد غاية عذرهم عن تلك هي أنها تماثيل أشياء يتصوّر نفها أو ضرها كالكواكب وغيرها فيقال لهم: أليس الكواكب وسائر الممكنات تنتهي في الاحتياج إلى واجب الوجود؟

فإذا جعل شيء من هذه الأشياء معبوداً فقد شورك الممكن والواجب في نهاية التعظيم وهذا مما ينبو عنه الطبع السليم، ورفع الوسائط من البين أدخل في الإخلاص وأقرب إلى الخلاص.

وقوله: ﴿ يا أبت أني قد جاءني ﴾ تنبيه ونصيحة وفيه أن هذا العلم تجدد له حصوله فيكون أقرب إلى التصديق.

وفي قوله: ﴿ من العلم ما لم يأتك ﴾ فائدة هي أنه لم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ولكنه قال: إن معي طائفة من العلم ليست معك فلا تستنكف، وهب أنا في مفازة وعندي معرفة بالدلالة دونك ﴿ فاتبعني أهدك صراطاً سوياً ﴾ مستوياً مؤدّياً إلى المقصود وهو صلاح المعاش والمعاد.

استدل أرباب التعليم بالآية بأنه لا بد من الاتباع.

وأجيب بأنه لا يلزم من اتباع النبي اتباع غيره.

والإنصاف أن هذه الطريق أسهل.

ثم أكد المعنى المذكور بنصيحة أخرى زاجرة عما هو عليه فقال: ﴿ يا أبت لا تعبد الشيطان ﴾ أي لا تطعه فإن عبادة الأصنام هي طاعة الشيطان.

ثم أسقط حصة نفسه إذ لم يقل إن الشيطان عدوّ لبني آدم بل قدّم حق ربه فقال: ﴿ إن الشيطان كان للرحمن عصياً ﴾ حين ترك أمره بالسجود عناداً واستكباراً لا نسياناً وخطأ، نبهه بهذه النصيحة على وجود الرحمن ثم على وجود الشيطان، وأن الرحمن مصدر كل خير، والشيطان مظهر كل شر بدلالة الموضوع اللغوي، وهذا القدر كافٍ من التنبيه لمن تأمل وأنصف.

ثم بين الباعث على هذه النصحية فقال: ﴿ يا أبت إني أخاف ﴾ وفيه مع التخويف من سواء العاقبة أنواع من الأدب إذ ذكر الخوف والمس ونكر العذاب.

قال الفراء: معنى أخاف أعلم.

والأكثرون على أنه محمول على ظاهره لأن إبراهيم  لم يكن جازماً بموت أبيه على الكفر وإلا لم يشتغل بنصحه.

والخوف على الغير ظن وصول الضرر إلى ذلك الغير مع تألم قلبه من ذلك كما يقال: أنا خائف على ولدي.

وذكروا في الولي وجوهاً منها: أنه إذا استوجب عذاب الله كان مع اشيطان في النار والمعية سبب الولاية أو مسببها غالباً، وإطلاق أحدهما على الآخر مجاز.

وليس هناك ولاية حقيقة لقوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ  ﴾ ﴿ إني كفرت بما أشركتمون من قبل  ﴾ ومنها أن حمل العذاب على الخذلان ومنها أن الولي بمعنى التالي والتابع قال جار الله: جعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أتباعه وأوليائه أكبر من نفس العذاب، لأن ولاية الشيطان في مقابلة رضا الرحمن وقال عز من قائل: ﴿ ورضوان من الله أكبر  ﴾ وإذا كان رضوان الله أكبر من نعيم الجنة فولاية الشيطان أعظم من عذاب النار.

ثم إن الشيخ قبل ملاطفات إبراهيم بالفظاظة والغلظة قائلاً ﴿ أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ﴾ فقدم الخبر على المبتدأ إشعاراً بأنه عنده أعنى.

وفي هذا الاستفهام ضرب من التعجب والإنكار لرغبته عن آلهته.

وفي قوله: ﴿ يا إبراهيم ﴾ دون أن يقول: "يا بني" في مقابلة ﴿ يا أبت ﴾ تهاون به كيف لا وقد صرح بالإهانة قائلاً ﴿ لئن لم تنته لأرجمنك ﴾ باللسان أي لأشتمنك أو باليد أي لأقتلنك وأصله الرمي بالرجم.

ثم ههنا إضمار أي فاحذرني ﴿ واهجرني ملياً ﴾ أي زماناً طويلاً من الملاوة، أو أراد ملياً بالذهاب والهجران.

مطيقاً له قوياً عليه قبل أن أثخنك بالضرب.

فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على التمرد والجهالة ﴿ قال سلام عليك ﴾ يعني سلام توديع ومتاركة كقوله: ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً  ﴾ وفيه أن متاركة المنصوح إذا ظهر منه آثار اللجاج من سنن المرسلين، ويحتمل أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له ورفقاً به بدليل قوله: ﴿ سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيّاً ﴾ بليغاً في البر والإلطاف وقد مر ي آخر "الأعراف".

احتج بالآية بعض من طعن في عصمة الأنبياء قال: إنه استغفر لأبيه الكافر وهو منهي عنه لقوله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين  ﴾ الآية.

ولقوله في الممتحنة ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم  ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك  ﴾ فلو لم يكن هذا معصية لم يمنع من التأسي به.

والجواب لعل إبراهيم  في شرعه لم يجد ما يدل على القطع بتعذيب الكافر أو لعل بهذا الفعل منه من باب ترك الأولى، أو لعل الاستغفار بمعنى الاستبطاء كقوله: ﴿ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله  ﴾ والمعنى سأسأل ربي أن يخزيك بكفرك ما دمت حياً.

والجواب في الحقيقة ما مر في آخر سورة التوبة في قوله عز من قائل ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه  ﴾ والمنع من التأسي لا يدل على المعصية، فلعل الاستغفار مع ذلك الشرط كان من خصائصه كما أن كثيراً من الأمور كانت مباحة للرسول الله  هي محرمة علينا.

ثم صرح بما تضمنه السلام من التوديع والهجران فقال: ﴿ وأعتزلكم ﴾ أي أهاجر إلى الشام ﴿ و ﴾ أعتزل ﴿ ما تدعون ﴾ أي ما تعبدون ﴿ من دون الله ﴾ وقد يعبر بالدعاء عن العبادة لأنه منها ومن وسائطها، يدل على هذا التفسير قوله: ﴿ فلما أعتزلهم وما يعبدون ﴾ أما قوله: ﴿ وأدعو ربي ﴾ فيحتمل معنيين: العبادة والدعاء كما يجيء في سورة الشعراء.

وفي قوله: ﴿ عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً ﴾ تعريض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم وعبادتها مع التواضع وهضم النفس المستفاد من لفظ ﴿ عسى ﴾ .

قال العلماء: ما خسر على الله أحد فإن إبراهيم لما ترك أباه الكافر وقومه فراراً بدينه عوّضه الله أولاداً مؤمنين أنبياء وذلك قوله: ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاً جعلنا نبياً ووهبنا لهم ﴾ شيئاً ﴿ من رحمتنا ﴾ عن الحسن: هي النبوة.

وعن الكلبي: المال والولد.

والأظهر أنها عامة في ذلك كل خير ديني ودنيوي ولسان الصدق والثناء الحسن، عبر باللسان عما يوجد به كما عبر باليد عما يطلق بها وهو العطية وقد مر تحقيق الإضافة في أول يونس في قوله: ﴿ قدم صدق  ﴾ تبرأ إبراهيم من أبيه ابتغاء مرضاة الله فسماه الله أبا بالمؤمنين ﴿ ملة أبيكم إبراهيم  ﴾ ، وتل ولده للجبين ففداه الله بذبح عظيم، وأسلم نفسه لرب العالمين فجعل النار عليه برداً وسلاماً، وأشفق على هذه الأمة فقال وابعث فيهم رسولاً، فأشركه الله في الصلاة على النبي  في الصلوات الخمس، ووفى في حق سارة كما قال  : ﴿ وإبراهيم الذي وفى  ﴾ فجعل موطىء قدمه مباركاً ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى  ﴾ وعادى كل الخلق في الله حين قال ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين  ﴾ فلا جرم اتخذه الله خليلاً.

ثم قفى قصة إبراهيم بقصة موسى  لأنه تلوه في الشرف.

والمخلص بكسر اللام الذي أخلص العبادة عن الشرك والرياء وأخلص وجهه لله، وبالفتح الذي أخلصه الله و ﴿ كان رسولاً نبياً ﴾ الرسول الذي معه كتاب من الأنبياء والنبي الذي ينبىء عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب، وكان المناسب ذكر الأعم قبل الأخص إلا أن رعاية الفاصلة اقتضت عكس ذلك كقوله في طه ﴿ برب هرون وموسى  ﴾ ﴿ الأيمن ﴾ من اليمين أي من ناحية اليمنى من موسى أو هو من اليمن صفة للطور أو للجانب ﴿ وقربناه ﴾ حال كونه ﴿ نجياً ﴾ أي مناجياً شبه تكليمه إياه من غير واسطة ملك بتقريب بعض الملوك واحداً من ندمائه للمناجاة والمسارة.

وعن أبي العالية أن التقريب حسي، قربه حتى سمع صريف القلم الذي كتبت به التوراة والأول أظهر، ومنه قولهم للعبادة "تقرب" وللملائكة "أنهم مقربون".

﴿ ووهبنا له من رحمتنا ﴾ أي من أجلها أي بعض رحمتنا فيكون ﴿ أخاه ﴾ بدلاً و ﴿ هرون ﴾ عطف بيان كقولك "رأيت رجلاً أخاك زيداً".

و ﴿ نبياً ﴾ حال من هارون.

قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى فتنصرف الهبة إلى معاضدته وموازرته.

وذلك بدعاء موسى في قوله: ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي  ﴾ وخص إسماعيل بن إبراهيم بصدق الوعد وإن كان الأنبياء كلهم صادقين فيما بينهم وبين الله أو الناس، لأنه المشهور المتواصف من خصاله من ذلك: أنه وعد نفسه الصبر على الذبح فوفى به.

وعن ابن عباس أنه وعد صاحباً له أن ينتظره فانتظره سنة.

عن رسول الله  أنه واعد رجلاً ونسي ذلك الرجل فانتظره من الضحى إلى قريب من غروب الشمس.

وسئل الشعبي عن الرجل يعد ميعاده إلى أي وقت ينتظره؟

فقال: إذا واعدته في وقت الصلاة فانتظره إلى وقت صلاة أخرى.

وكان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لغيرهم ولأن الابتداء بالإحسان الديني والدنيوي بمن هو أقرب أولى ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً  ﴾ "بدأ من تعول" ويحسن أن يقال: أهله أمته كلهم أقارب أو أباعد من حيث إنه يلزمه في جميعهم ما يلزم المرء في أهله خاصة من قضاء حقوق النصيحة والشفقة ورعاية مصالحهم الدينية والدنيوية.

وعلى القولين يندرج في الصلاة الصلوات المفروضة والمندوبة كصلاة التهجد وغيرها، وأما الزكاة فالأقرب أنها الصدقة المفروضة.

وعن ابن عباس أنها طاعة الله والإخلاص لأن فاعلها يزكو بها عند الله.

وأما إدريس فالأصح أنه اسم عجمي بدليل منع الصرف كما مر مراراً في آدم ويعقوب وغيرهما.

وقيل: "افعيل" من الدرس لكثرة دراسته كتاب الله، ولعل معناه بالأعجمية قريب من الدراسة فظنه القائل مشتقاً منها.

وفي رفعته أقوال منها: أن المكان العليّ شرف النبوة والزلفى عند الله، وقد أنزل عليه ثلاثون صحيفة، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود، واسمه أخنوخ من أجداد نوح لأنه نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وأهل التنجيم بعضهم يسمونه هرمس ولهم نوادر في استخراج طوالع المواليد ينسبونه إليه.

وقيل: إن الله  رفعه إلى السماء وإلى الجنة وهو حي لم يمت.

وقال آخرون: رفع إلى السماء وقبض روحه.

عن ابن عباس أنه سأل كعباً عن قوله: ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ قال: جاء خليل من الملائكة فسأله أن يكلم ملك الموت حتى يؤخر قبض روحه، فحمله ذلك الملك بين جناحيه فصعد به، فلما كان في السماء الرابعة إذ بملك الموت يقول: بعثت لأقبض روح إدريس في السماء الرابعة وأنا أقول: كيف ذلك وهو في الأرض؟

فالتفت إدريس فرأى ملك الموت فقبض روحه هناك.

وعن ابن عباس أنه رفع إلى السماء السادسة.

وعن الحسن: المراد أنه رفع إلى الجنة ولا شيء أعلى منها.

﴿ أولئك ﴾ المذكورون من لدن زكريا إلى إدريس هم ﴿ الذين أنعم الله عليهم من النبيين ﴾ "من" للبيان لأن جميع الأنبياء منعم عليهم ﴿ من ذرية آدم ﴾ هي للتبعيض وكذا في قوله: ﴿ وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل ﴾ والمراد بمن هو من ذرية آدم إدريس لقربه منه، وبذرية من حمل مع نوح إبراهيم  لأنه من ولد سام بن نوح، وبذرية إبراهيم وإسماعيل، وبذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم لأن مريم من ذريته.

﴿ وممن هدينا ﴾ يحتمل العطف على من الأولى والثانية وفي هذا الترتيب تنبيه على أن هؤلاء الأنبياء اجتمع لهم مع كمال الأحساب شرف الأنساب، وأن جميع ذلك بواسطة هداية الله وبمزية اجتنائه واصطفائه.

ثم إن جعلت ﴿ الذين ﴾ خبراً ﴿ لأولئك ﴾ كان ﴿ إذا يتلى ﴾ كلاماً مستأنفاً، وإن جعلته صفة له كان خبراً وقد عرفت في الوقوف سار الوجوه من قرأ ﴿ يتلى ﴾ بالتذكير لأن تأنيث الآيات غير حقيقي والفاصل حاصل.

والبكي جمع باكٍ "فعول" كسجود في "ساجد" أبدلت الواو ياء وأدغمت وكسر ما قبلها للمناسبة.

ومن زعم أنه مصدر فقدسها لأنها قرينة سجداً.

عن رسول الله  : " اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" أراد بالآيات التي فيها ذكر العذاب وقال غيره: إطلاق الآيات والحديث المذكور يدل على العموم لأن كل آية إذا فكر فيها المفكر صح أن يسجد عندها ويبكي.

قلت: لعل المراد بآيات الله ما خصهم الله  به من الكتب المنزلة، لأن القرآن حينئذ لم يكن منزلاً واختلفوا في السجود.

فقيل: هو الخشوع والخضوع.

وقيل: الصلاة.

وقيل: سجدة التلاوة على حسب ما تعبدنا به.

ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا يتعبدون بالسجود.

قال الزجاج: الإنسان في حال خروره لا يكون ساجداً فالمراد خروا متهيئين للسجود.

عن رسول الله  : "اقرؤا القرآن بحزن فإنه نزل بحزن" وعن ابن عباس: إذا قرأتم سجدة "سبحان" فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه.

وقالت العلماء: يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بها فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللَّهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك.

وإن قرأ سجدة "سبحان" قال: اللَّهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك.

وإن قرأ ما في هذه السورة قال: اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك.

ولما مدح هؤلاء الأنبياء ترغيباً لغيرهم من سيرتهم وصف أضدادهم لتنفير الناس عن طريقتهم قائلاً ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ وهو عقب السوء كما مر في آخر "الأعراف" فإضاعة الصلاة في مقابلة الخرور سجداً، واتباع الشهوات بإزاء البكاء.

عن بان عباس: هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلوا نكاح الأخت من الأب.

وعن إبراهيم النخعي ومجاهد: أضاعوها بالتأخير.

وعن علي  في قوله: ﴿ واتبعوا الشهوات ﴾ من بني الشديد وركب المنظور ولبس المشهور.

وعن قتادة: هو في هذه الأمة ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ قال جار الله: كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد.

وقال الزجاج: هو على حذف المضاف أي جزاء غي كقوله: ﴿ ويلق أثاماً  ﴾ أي مجازاة أثام.

وقيل: غياً من طريق الجنة.

وقيل: هو وادٍ في جهنم تستعيذ منه أوديتها احتج بعضهم بقوله: ﴿ إلا من تاب وآمن ﴾ على أن تارك الصلاة كافر وإلا لم يحتج إلى تجديد الإيمان.

والجواب أنه إذا كان المذكورون هم الكفرة أو اليهود - كما رويناه عن ابن عباس - سقط الاستدلال.

واحتجت الأشاعرة في أن العمل ليس من الإيمان لأن العطف دليل التغاير.

وأجاب الكعبي بأنه عطف الإيمان على التوبة مع أنها من الإيمان، ومنع من أن التوبة من الإيمان ولكنها شرطه لأنها العزم على الترك والإيمان إقرار باللسان، وإنما حذف الموصوف ههنا وقال في الفرقان ﴿ وعمل عملاً صالحاً  ﴾ لأنه أوجز في ذكر المعاصي فأوجز في التوبة وأطال هناك فأطال هناك.

وهذا الاستثناء بحسب الغالب فقد يتوب عن كفره ويؤمن ولم يدخل بعد وقت الصلاة، أو كانت المرأة حائضاً ثم مات فهو من أهل النجاة مع أنه لم يعمل صالحاً.

ومعنى ﴿ لا يظلمون شيئاً ﴾ لا ينقصون شيئاً من جزاء أعمالهم بل يضاعف لهم تفضلاً تنبيهاً على أن تقدم الكفر لا يضرهم بعد أن يتوبوا، ويحتمل أن ينتصب ﴿ شيئاً ﴾ على المصدر أي شيئاً من الظلم.

ومعنى ﴿ جنات عدن ﴾ قد مر في سورة التوبة في قوله: ﴿ ومساكن طيبة في جنات عدن  ﴾ وصفها الله  بالإقامة والدوام خلاف ما عليه جنان الدنيا.

ولما كانت الجنة مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، ويحتمل انتصابها عل الاختصاص وكذا انتصاب "التي".

قال جار الله: عدن علم بمعنى العدن وهو الإقامة وهو علم لأرض الجنة لكونها مكان إقامة ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة.

ولما ساغ وصفها بـ "التي" ومعنى ﴿ بالغيب ﴾ مع الغيبة أي وعدوها وهي غائبة عنهم غير حاضرة، أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها، أو الباء للسببية أي وعدها عباده بسبب تصديق الغيب والإيمان به خلاف حال المنافقين.

وقوله: ﴿ إنه كان وعده مأتياً ﴾ بالأول أنسب وهو مفعول بمعنى "فاعل"، أو على أصله لأن ما أتاك فقد أتيته.

وجوز في الكشاف أن يكون من قولك: "أتى إليك إحساناً" أي كان وعده مفعولاً منجزاً.

قوله: ﴿ إلا سلاماً ﴾ استثناء متصل على التأويل لأن اللغو فضول الكلام وما لا طائل تحته كما تقدم في يمين اللغو في "البقرة" وفي "المائدة" أي إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغواً فلا يسمعون لغواً إلا ذلك كقولهم "عتابك السيف".

أو استثناء منقطع أي لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة، ويجوز أن يكون متصلاً بتأويل آخر وهو أن معنى السلام الدعاء بالسلامة وأهل دار السلام عن الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام.

وفي الآية تنبيه ظاهر على وجوب اتقاء اللغو حيث نزه الله عنه الدار التي لا تكليف فيها.

ثم إنه  من عادته ترغيب كل قوم بما أحبوه في الدنيا فلذلك ذكر أساور من الذهب والفضة لبس الحرير التي كانت للعجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة، وكانت من عادة أشراف اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء لأنها العادة الوسطى المحمودة لمتنعمين منهم فوعدهم بذلك قائلاً: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعيشاً ﴾ هذا قول الحسن.

ولا يكون ثم ليل ولا نهار ولكن على التقدير أي يأكلون على مقدار الغداة على العشي.

وقيل: أراد دوام الرزق كما تقول: أنا عند فلان صباحاً ومساء تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين.

وقوله: ﴿ تلك الجنة التي نورت ﴾ كقوله في "الأعراف" ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها  ﴾ وهي استعارة أي تبقى عليهم الجنة كما يبقى على الوارث مال الموروث منه.

قال القاضي: في الآية دلالة على أن الجنة يختص بدخولها من كان متقياً غير مرتكب للكبائر.

وأجيب بمنع الاختصاص وبأنه يصدق على صاحب الكبيرة.

أنه اتقى الكفر.

سئل ههنا أن قوله  : ﴿ تلك الجنة التي نورث ﴾ كلام الله وقوله بعده: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب ليس من كلام الله فما وجه العطف بينهما: وأجيب بأنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح، فظاهر قوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب جماعة لواحد وإنه لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول كما روي أن قريشاً بعثت خمسة رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة محمد  وهل يجدونه في كتابهم.

فسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه، وقالت اليهود: نجده في كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمان اليمامة عن خصال ثلاث فلم يعرف فاسألوه عنهن، فإن أخبركم بخصلتين منها فاتبعوه، فاسألوه عن فئة أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فلم يدر كيف يجيب، فوعدهم الجواب ولم يقل: إن شاء الله.

فاحتبس الوحي عليه أربعين يوماً - وقيل خمسة عشر يوماً - فشق عليه ذلك مشقة شديدة.

وقال المشركون: ودعه ربه وقلاه.

فنزل جبرائيل  فقال له النبي  : "أبطأت عني حتى ساء ظني واشتقت إليك." قال: كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذ حبست احتبست.

فأنزل الله الآية وأنزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً  ﴾ وسورة الضحى.

ومعنى التنزل على ما يليق بهذا الموضع هو النزول على مهل أي نزلنا في الأحايين وقتاً غب وقت ليس إلا بأمر الله عزوجل.

ثم أكد جبرائيل ما ذكره بقوله: ﴿ له ما بين أيدينا وما خلفنا ﴾ من الجهات والأماكن أو من الأزمنة الماضية والمستقبلة وما بينهما من المكان والزمان الذي نحن فيه فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة، أو من زمان إلى زمان إلا بأمر ربك ومشيئته.

وقيل: له ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة ﴿ وما بين ذلك ﴾ وهو ما بين النفختين أربعون سنة.

وقيل: ما مضى.

من أعمارنا وما غبر منها والحال التي نحن فيها أو ما قبل وجودنا وبعد فنائنا.

وقيل: الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا.

والسماء التي وراءنا، وما بين السماء والأرض وعلى الأقوال فالمراد أنه الميحط بكل شيء لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة فكيف يقدم على فعل إلا بأمره!

وقال أبو مسلم: في وجه النظم إن قوله: ﴿ وما نتنزل ﴾ من قول أهل الجنة لمن بحضرتهم أي ما ننزل الجنة إلا بأمر ربك.

أما قوله: ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ فعلى القول الأول معناه أنه ما كان امتناع النزول إلا لعدم الإذن ولم يكن لترك الله إياكم لقوله: ﴿ ما ودّعك ربك وما قلى  ﴾ وعلى قول غير أبي مسلم هو تأكيد لإحاطته  بجميع الأشياء، وأنه لا يجوز عليه أن يسهو عن شيء ما ألبته.

وعلى قول أبي مسلم المراد أنه ليس ناسياً لأعمال العاملين فيثيب كلاً منهم بحسب عمله فيكون من تتمة حكاية قول أهل الجنة، أو ابتداء كلام من الله  خطاباً لرسوله ويتصل به قوله: ﴿ رب السموات والأرض ﴾ أي بل هو ربهما ﴿ وما بينهما فاعبده ﴾ الفاء للسببية لأن كونه رب العالمين سبب موجب لأن يعبد ﴿ واصطبر لعبادته ﴾ لم يقل "على عبادته" لأنه جعل العبادة بمنزلة القرن في قولك للمحارب "اصطبر لقرنك" أي أوجد الاصطبار لأجل مقاومته.

ثم أكد وجوب عبادته بقوله: ﴿ هل تعلم له سمياً ﴾ أي ليس له مثل ونظير حتى لا تخلص العبادة له، وإن عديم النظير لا بد أن يصبر على مواجب إرادته وتكاليفه خصوصاً إذا كانت فائدتها راجعة إلى المكلف.

وقيل: أراد أنه لا شريك له في اسمه وبيانه في وجهين: أحدهما أنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله عى الوثن إلا أنهم لم يطلقوا لفظ الله على من سواه.

وعن ابن عباس: أراد لا يسمى بالرحمن غيره.

قلت: وهذا صحيح ولعله هو السر في أنه لم يكرر لفظ "الرحمن" في سورة تكريره في هذه السورة.

وثانيهما هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل أن التسمية على الباطل كلا تسمية.

التأويل: ﴿ واذكر في الكتاب ﴾ الأزلي ﴿ إبراهيم ﴾ القلب ﴿ إنه كان صديقاً ﴾ للتصديق ثلاث مراتب: صادق صدق في أقواله، وصادق صدق في أخلاقه وأحواله، وصديق صدق في قيامه مع الله في الله بالله وهو الفانى عن نفسه الباقي بربه ﴿ إذ قال لأبيه ﴾ الروح الذي يعبد صنم الدنيا بتبعية النفس ﴿ فقد جاءني من العلم ﴾ اللدني ﴿ ما لم يأتك ﴾ لما ذكرنا أن القلب محل للفيض الإلهي أقبل من الروح كالمرآة فإنها تقبل النور لصفائها وينعكس النور عنها لكثافتها وصقالتها ﴿ وهبنا له إسحاق ﴾ السر ﴿ ويعقوب ﴾ الخفي ﴿ وناديناه من جانب الطور الأيمن ﴾ أسمعنا موسى القلب من جانب طور الروح لا من جانب وادي النفس الذي هو على أيسر ﴿ وكان يأمر أهله ﴾ أي الجسم والنفس والقلب والروح بالصلاة له توجه كل منهم توجهاً يليق بحاله، وبالزكاة أي تزكية كل واحد منهم من الأخلاق الذميمة ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ في مقعد صدق عند مليك مقتدر ﴿ خروا ﴾ بقلوبهم على عتبة العبودية ﴿ سجداً ﴾ بالتسليم للأحكام الأزلية ﴿ وبكياً ﴾ بكاء السمع يذوبان الوجود على نار الشوق والمحبة ﴿ عباده بالغيب ﴾ أي بغيبتهم عن الوجود قبل التكوين كقوله: ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة  ﴾ ﴿ ولهم رزقهم ﴾ رؤية الله على ما جاء في الحديث: "وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوّاً وعشياً" ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ المقدور في علم الله، وتنادى أهل العزة من سرادقات العزة أن يا أهل الطبيعة أفيقوا من المتمنيات فإنا ما ننزل من عالم الغيب.

إلا بأمر ربك ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ ليحتاج إلى تذكير متمن، بل هو رب سموات الأرواح وأرض الأجساد وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار له ﴿ فاعبده ﴾ بأركان الشريعة بجسدك وبآداب الطريقة بنفسك وبالإعراض عن الدنيا والإقبال على المولى بقلبك وبالفناء في الله والبقاء به بروحك وبسرك.

﴿ هل تعلم له ﴾ نظيراً في المحبوبية لك.

والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ﴾ .

على قول الحسن هو صلة قوله: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ  ﴾ أي: اذكر لهم رحمة ربك إسماعيل.

وعلى قول غيره من أهل التأويل على الابتداء، أي: اذكر لهم نبأ إسماعيل وقصته في الكتاب على الاحتجاج له عليهم؛ لأن هذه الأنباء والقصص كانت في كتبهم، فأخبر رسوله عن تلك الأنباء والقصص على ما كانت؛ ليخبرهم؛ فيعلموا أنه إنما عرفها بالله؛ ليدلهم ذلك على النبوة ورسالته.

ثم اختلف في إسماعيل: قال عامة أهل التأويل: هو إسماعيل بن إبراهيم، صلوات الله عليهما.

وقال بعضهم: هو الذي قالوا: ﴿ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ  ﴾ ، ولكن لا نعلم ذلك إلا بالخبر عن الله، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: سماه: ﴿ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ ﴾ ؛ لأنه وعد رجلاً أن يقيم عليه وأن ينتظره حتى يرجع إليه، فأقام مكانه أياماً ينتظره للميعاد حتى رجع إليه.

لكن لا يحتمل أن يكون مثل إسماعيل يَعِدُ عِدَةً ولا يستثنى، وقد نهى الله رسوله أن يقول: إني فاعل كذا غداً حتى يستثني، وهو قوله: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً  إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ ، ويكون قوله: ﴿ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ ﴾ ، أي: صِدِّيقاً، والصّديق هو القائم بوفاء كل حق ظهر له؛ لأن كل مؤمن يعتقد في أصل إيمانه طاعة ربه في كل أمر يأمر به والانتهاء عن كل نهي ينهاه، ووفاء كل حق عليه، فسماه: صادق الوعد؛ لقيامه بوفاء كل حق ظهر له وتجلى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً ﴾ قد ذكرناه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ ﴾ ، أي: [يأمر] قومه بالصلاة والزكاة، وإن كانت الصلاة هي الصلاة المعروفة والزكاة المعروفة، ففيه أنهما كانتا في الأمم الماضية، وإن كان الدعاء والثناء وما به تزكو الأنفس وتصلح، فهو على جميع الخلائق، ذلك والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً ﴾ ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ ﴾ هو ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً ﴾ قد ذكرناه أيضاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً ﴾ قال الحسن: "رفعناه"، أي: نرفعه في الجنة.

وقال أهل التأويل: رفعه إلى السماء الرابعة، فهو ميت فيها، وكلام نحو هذا.

ولكن عندنا: يشبه أن يكون رفعه إياه في المنزلة والقدر والرفعة عند الله وعند الناس جميعاً، على ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم ﴾ ، أي: بالنبوة أو الرحمة التي ذكر فيما تقدم، والرحمة: هي النعمة؛ فهذا يرد قول أهل الاعتزال؛ لأنهم يقولون: لا يخص الله أحداً بالنبوة أو بشيء من الإفضال إلا من يستحق ذلك ويستوجبه، فأخبر الله - عز وجل - أن ذلك منه إنعام وإفضال عليهم.

﴿ مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ ﴾ : الأنبياء كانوا من ذرية آدم، ومن ذرية من حمل مع نوح، ومن ذرية إبراهيم أيضاً، ومن ذرية إسرائيل - أي: يعقوب - ومن ذرّية من هداه للتوحيد واجتباه للرسالة والنبوة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً ﴾ : قال بعض أهل التأويل: هذا في مؤمني أهل الكتاب: عبد الله بن سلام وأصحابه إذا تتلى عليهم آيات القرآن بعدما آمنوا ﴿ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً ﴾ .

ويشبه أن يكون هذا في أولئك الذين ذكر أنه أنعم عليهم كانت لهم آيات في كتبهم فيها سجود إذا تليت عليهم خروا لله سجداً وبكيّاً.

أو أن يكون لا على حقيقة السجود، ولكن على الخضوع له والقبول لحججه وبراهينه التي تليت عليهم، أو أن يكونوا لا يملكون أنفسهم إذا رأوا آيات الله وسلطانه، ولكن وقعوا سجداً على ما أخبر عن سحرة فرعون عند معاينتهم الآيات، حيث قال: ﴿ فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً  ﴾ ﴿ فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ  ﴾ ليس أن سجدوا له، ولكن يلقون سجداً لما لا يملكون أنفسهم عند معاينتهم الآيات.

قال أبو عوسجة: ﴿ وَبُكِيّاً ﴾ ، فيه ثلاثة لغات: بُكيا، وبَكيّا، وبِكيّا، وهو جماعة الباكي.

وقوله: ﴿ نَجِيّاً ﴾ يقال: فلان نجيُّ فلان، أي: موضع [سره].

ويحتمل قوله: ﴿ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً ﴾ : أن يكون كناية عن الصلاة، وصفهم - عز وجل - أنهم كانوا يكونون في الصلاة خاشعين باكين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أولئك المذكورون في هذه السورة ابتداءً بزكريا وختامًا بإدريس  ، هم الذين أنعم الله عليهم بالنبوة من أبناء آدم  ، ومن أبناء من حملنا في السفينة مع نوح  ، ومن أبناء إبراهيم وأبناء يعقوب  ، وممن وفقنا للهداية إلى الإِسلام، واصطفيناهم وجعلناهم أنبياء، كانوا إذا سمعوا آيات الله تقرأ سجدوا لله باكين من خشيته.

<div class="verse-tafsir" id="91.J4omn"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 14 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.6 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل