الآية ٥٩ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٥٩ من سورة مريم

۞ فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلشَّهَوَٰتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ٥٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 116 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٩ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٩ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ذكر تعالى حزب السعداء ، وهم الأنبياء ، عليهم السلام ، ومن اتبعهم ، من القائمين بحدود الله وأوامره ، المؤدين فرائض الله ، التاركين لزواجره - ذكر أنه ( خلف من بعدهم خلف ) أي : قرون أخر ، ( أضاعوا الصلاة ) - وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع ; لأنها عماد الدين وقوامه ، وخير أعمال العباد - وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها ، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ، فهؤلاء سيلقون غيا ، أي : خسارا يوم القيامة .

وقد اختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة هاهنا ، فقال قائلون : المراد بإضاعتها تركها بالكلية ، قاله محمد بن كعب القرظي ، وابن زيد بن أسلم ، والسدي ، واختاره ابن جرير .

ولهذا ذهب من ذهب من السلف والخلف والأئمة كما هو المشهور عن الإمام أحمد ، وقول عن الشافعي إلى تكفير تارك الصلاة ، للحديث : " بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة " ، والحديث الآخر : " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ، فمن تركها فقد كفر " .

وليس هذا محل بسط هذه المسألة .

وقال الأوزاعي ، عن موسى بن سليمان ، عن القاسم بن مخيمرة في قوله : ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ) ، قال : إنما أضاعوا المواقيت ، ولو كان تركا كان كفرا .

وقال وكيع ، عن المسعودي ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، والحسن بن سعد ، عن ابن مسعود أنه قيل له : إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن : ( الذين هم عن صلاتهم ساهون ) و ( على صلاتهم دائمون ) و ( على صلاتهم يحافظون ) ؟

قال ابن مسعود : على مواقيتها .

قالوا : ما كنا نرى ذلك إلا على الترك ؟

قال : ذاك الكفر .

وقال مسروق : لا يحافظ أحد على الصلوات الخمس ، فيكتب من الغافلين ، وفي إفراطهن الهلكة ، وإفراطهن : إضاعتهن عن وقتهن .

وقال الأوزاعي ، عن إبراهيم بن يزيد : أن عمر بن عبد العزيز قرأ : ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ) ، ثم قال : لم تكن إضاعتهم تركها ، ولكن أضاعوا الوقت .

وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ) قال : عند قيام الساعة ، وذهاب صالحي أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ينزو بعضهم على بعض في الأزقة ، وكذا روى ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله .

وروى جابر الجعفي ، عن مجاهد ، وعكرمة ، وعطاء بن أبي رباح : أنهم من هذه الأمة ، يعنون في آخر الزمان .

وقال ابن جرير : حدثني الحارث ، حدثنا الحسن الأشيب ، حدثنا شريك ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد : ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ) ، قال : هم في هذه الأمة ، يتراكبون تراكب الأنعام والحمر في الطرق ، لا يخافون الله في السماء ، ولا يستحيون الناس في الأرض .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان الواسطي ، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ ، حدثنا حيوة ، حدثنا بشير بن أبي عمرو الخولاني : أن الوليد بن قيس حدثه ، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يكون خلف بعد ستين سنة ، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ، فسوف يلقون غيا .

ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم .

ويقرأ القرآن ثلاثة : مؤمن ، ومنافق ، وفاجر " .

قال بشير : قلت للوليد : ما هؤلاء الثلاثة ؟

قال : المؤمن مؤمن به ، والمنافق كافر به ، والفاجر يأكل به .

وهكذا رواه أحمد عن أبي عبد الرحمن ، المقرئ ، به وقال ابن أبي حاتم أيضا : حدثني أبي ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، أنبأنا عيسى بن يونس ، حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب ، عن مالك ، عن أبي الرجال ، أن عائشة كانت ترسل بالشيء صدقة لأهل الصفة ، وتقول : لا تعطوا منه بربريا ولا بربرية ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " هم الخلف الذين قال الله تعالى : ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ) .

هذا حديث غريب .

وقال أيضا : حدثني أبي ، حدثنا عبد الرحمن بن الضحاك ، حدثنا الوليد ، حدثنا حريز ، عن شيخ من أهل المدينة; أنه سمع محمد بن كعب القرظي يقول في قوله : ( فخلف من بعدهم خلف ) الآية ، قال : هم أهل الغرب ، يملكون وهم شر من ملك .

وقال كعب الأحبار : والله إني لأجد صفة المنافقين في كتاب الله عز وجل : شرابين للقهوات تراكين للصلوات ، لعابين بالكعبات ، رقادين عن العتمات ، مفرطين في الغدوات ، تراكين للجمعات قال : ثم تلا هذه الآية : ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ) .

وقال الحسن البصري : عطلوا المساجد ، ولزموا الضيعات .

وقال أبو الأشهب العطاردي : أوحى الله - تعالى - إلى داود : يا داود ، حذر وأنذر أصحابك أكل الشهوات ; فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة ، وإن أهون ما أصنع بالعبد من عبيدي إذا آثر شهوة من شهواته علي أن أحرمه طاعتي .

وقال الإمام أحمد : حدثنا زيد بن الحباب حدثنا أبو السمح التميمي ، عن أبي قبيل ، أنه سمع عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني أخاف على أمتي اثنتين : القرآن واللبن ، أما اللبن فيتبعون الريف ، ويتبعون الشهوات ويتركون الصلوات ، وأما القرآن فيتعلمه المنافقون ، فيجادلون به المؤمنين " .

ورواه عن حسن بن موسى ، عن ابن لهيعة ، حدثنا أبو قبيل ، عن عقبة ، به مرفوعا بنحوه تفرد به .

وقوله : ( فسوف يلقون غيا ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( فسوف يلقون غيا ) أي : خسرانا .

وقال قتادة : شرا .

وقال سفيان الثوري ، وشعبة ، ومحمد بن إسحاق ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله بن مسعود : ( فسوف يلقون غيا ) قال : واد في جهنم ، بعيد القعر ، خبيث الطعم .

وقال الأعمش ، عن زياد ، عن أبي عياض في قوله : ( فسوف يلقون غيا ) قال : واد في جهنم من قيح ودم .

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثني عباس بن أبي طالب ، حدثنا محمد بن زياد بن زيان ، حدثنا شرقي بن قطامي ، عن لقمان بن عامر الخزاعي قال : جئت أبا أمامة صدي بن عجلان الباهلي فقلت : حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فدعا بطعام ، ثم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ، ما بلغت قعرها خمسين خريفا ، ثم تنتهي إلى غي وآثام " .

قال : قلت : وما غي وآثام ؟

قال : " بئران في أسفل جهنم ، يسيل فيهما صديد أهل النار ، وهما اللتان ذكر الله في كتابه : ( أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ) وقوله في الفرقان : ( ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ) هذا حديث غريب ورفعه منكر .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: فحدث من بعد هؤلاء الذين ذكرت من الأنبياء الذين أنعمت عليهم، ووصفت صفتهم في هذه السورة، خلْف سوء في الأرض أضاعوا الصلاة.

ثم اختلف أهل التأويل في صفة إضاعتهم الصلاة، فقال بعضهم: كانت إضاعتهموها تأخيرهم إياها عن مواقيتها ، وتضييعهم أوقاتها.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ بن سعد الكندي، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن موسى بن سليمان، عن القاسم بن مخيمرة، في قوله ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ ) قال: إنما أضاعوا المواقيت، ولو كان تركا كان كفرا.

حدثنا إسحاق بن زيد الخطابي، قال: ثنا الفريابي، عن الأوزاعي، عن القاسم بن مخيمرة، نحوه.

حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير، قال: ثني الوليد بن مسلم، عن أبي عمرو، عن القاسم بن مخيمرة، قال: أضاعوا المواقيت، ولو تركوها لصاروا بتركها كفارا.

حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن القاسم، نحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عيسى، عن الأوزاعي، عن إبراهيم بن يزيد، أن عمر بن عبد العزيز بعث رجلا إلى مصر لأمر أعجله للمسلمين، فخرج إلى حرسه، وقد كان تقدم إليهم أن لا يقوموا إذا رأوه، قال: فأوسعوا له، فجلس بينهم فقال: أيكم يعرف الرجل الذي بعثناه إلى مصر؟

فقالوا: كلنا نعرفه، قال: فليقم أحدثكم سنا، فليدعه، فأتاه الرسول فقال: لا تعجلني أشدّ عليّ ثيابي، فأتاه فقال: إن اليوم الجمعة، فلا تبرحن حتى تصلي، وإنا بعثناك في أمر أعجله للمسلمين، فلا يعجلنك ما بعثناك له أن تؤخر الصلاة عن ميقاتها، فإنك مصليها لا محالة، ثم قرأ ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) ثم قال: لم يكن إضاعتهم تركها، ولكن أضاعوا الوقت.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، والحسن بن مسعود، عن ابن مسعود، أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ و عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ و عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ فقال ابن مسعود رضي الله عنه: على مواقيتها ، قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على الترك، قال: ذاك الكفر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عمر أبو حفص الأبار، عن منصور بن المعتمر، قال: قال مسروق: لا يحافظ أحد على الصلوات الخمس، فيكتب من الغافلين، وفي إفراطهنّ الهلكة، وإفراطهنّ: إضاعتهنّ عن وقتهنّ.

وقال آخرون: بل كانت إضاعتهموها: تركها.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا أبو صخر، عن القرظي، أنه قال في هذه الآية ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ) يقول: تركوا الصلاة.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك عندي بتأويل الآية، قول من قال: إضاعتهموها تركهم إياها لدلالة قول الله تعالى ذكره بعده على أن ذلك كذلك، وذلك قوله جلّ ثناؤه إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فلو كان الذين وصفهم بأنهم ضيعوها مؤمنين لم يستثن منهم من آمن، وهم مؤمنون ولكنهم كانوا كفارا لا يصلون لله، ولا يؤدّون له فريضة فسقة قد آثروا شهوات أنفسهم على طاعة الله، وقد قيل: إن الذين وصفهم الله بهذه الصفة قوم من هذه الأمة يكونون في آخر الزمان.

حدثني محمد بن عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى.

وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن.

قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) قال: عند قيام الساعة، وذهاب صالحي أمة محمد صلى الله عليه وسلم ينـزو بعضهم على بعض في الأزقة.

قال محمد بن عمرو : زنا.

وقال الحارث: زناة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريح، عن مجاهد مثله، وقال: زنا كما قال ابن عمرو.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزه، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد وعطاء بن أبي رباح ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ )....

الآية، قال: هم أمة محمد.

وحدثني الحارث، قال: ثنا الأشيب، قال : ثنا شريك، عن أبي تميم بن مهاجر في قول الله: ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ ) قال: هم في هذه الأمة يتراكبون تراكب الأنعام والحمر في الطرق، لا يخافون الله في السماء، ولا يستحيون الناس في الأرض.

وأما قوله ( فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) فإنه يعني أن هؤلاء الخلْف الذين خلفوا بعد أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين سيدخلون غيا، وهو اسم واد من أودية جهنم، أو اسم بئر من آبارها.

كما حدثني عباس بن أبي طالب، قال: ثنا محمد بن زياد بن رزان (2) قال: ثنا شرقي بن قطامي، عن لقمان بن عامر الخزاعي، قال: جئت أبا أمامة صديّ بن عجلان الباهلي، فقلت: حدِّثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فدعا بطعام، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَوْ أنَّ صَخْرَةً زنَةَ عَشْرِ أوَاقٍ قُذِفَ بِها من شَفيرِ جَهَنَّمَ ما بَلَغَتْ قَعْرَها خَمْسِينَ خَرِيفا، ثُمَّ تَنْتَهي إلى غَيٍّ وأثامٍ ، قال: قُلْتُ وَما غَيّ ومَا أثامٌ؟

قالَ: بِئْرَانِ في أسْفَلِ جَهَنَّمَ يَسِيلُ فِيهِما صَدِيدُ أهْلِ النَّارِ، وَهُما اللَّتانِ ذَكَرَ اللهُ في كِتابِهِ( أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) ، وقوله في الفرقان وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا .

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عمرو بن عاصم، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو ( فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) قال: واديا في جهنم.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن ، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله ( فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) قال: واديا في النار.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة، عن عبد الله أنه قال في هذه الآية ( فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) قال: نهر في جهنم خبيث الطعم بعيد القعر.

حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن أبيه، في قوله ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) قال: الغيّ: نهر جهنم في النار، يعذّب فيه الذين اتبعوا الشهوات.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن أبيه، في قوله ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) قال: الغيّ: نهر جهنم في النار، يعذّب فيه الذين اتبعوا الشهوات.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله ( أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) قال: نهر في النار يقذف فيه الذين اتبعوا الشهوات.

وقال آخرون: بل عنى بالغيّ في هذا الموضع: الخسران.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) يقول: خسرانا.

وقال آخرون: بل عنى به الشرّ.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) قال: الغيّ: الشرّ.

ومنه قول الشاعر: فَمَـنْ يَلْـقَ خَـيْرًا يَحْـمَد النَّاس أمْرَهُ وَمَـنْ يَغْـوَ لا يَعْـدَمْ على الغَيّ لائما (3) قال أبو جعفر: وكلّ هذه الأقوال متقاربات المعاني، وذلك أن من ورد البئرين اللتين ذكرهما النبيّ صلى الله عليه وسلم، والوادي الذي ذكره ابن مسعود في جهنم، فدخل ذلك، فقد لاقى خسرانا وشرّا، حسبه به شرّا.

------------------------ الهوامش: (2) ذكر صاحب تاج العروس : الحافظ أبا بكر : محمد بن علي بن عاصم بن رازان ، بسند أصبهان المعروف بابن المقري ، بألف بعد الراء فلعل " رزان " هنا محرف عن " رازان " .

(3) البيت للمرقش الأصغر : ربيعة بن سليمان بن سعد بن مالك ضييعة بن قيس بن ثعلبة ، وهو ابن أخي المرقش الأكبر ، وعم طرفة بن العبد ( المفضليات ، طبع القاهرة ص 118 ) .

وفي ( اللسان : غوى ) قال : الغي : الضلال والخيبة .

غوى ( بالفتح ) غيا ، وغوى ( بالكسر ) غواية .

الأخيرة عن أبي عبيد : ضل .

ورجل غاو ، وغو ، وغوى ، وغيان : ضال .

وأغواه هو .

وأنشد للمرقش : " فمن يلق .

.

.

.

البيت " .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فخلف من بعدهم خلف أي أولاد سوء .

قال أبو عبيدة : حدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد قال : ذلك عند قيام الساعة ، وذهاب صالحي هذه الأمة أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ينزو بعضهم على بعض في الأزقة زنى .

وقد تقدم القول في ( خلف ) في ( الأعراف ) فلا معنى للإعادة .

الثانية : قوله تعالى : أضاعوا الصلاة وقرأ عبد الله والحسن ( أضاعوا الصلوات ) على الجمع .

وهو ذم ونص في أن إضاعة الصلاة من الكبائر التي يوبق بها صاحبها ولا خلاف في ذلك ، وقد قال عمر : ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع .

واختلفوا فيمن المراد بهذه الآية ؛ فقال مجاهد : النصارى خلفوا بعد اليهود .

وقال محمد بن كعب القرظي ومجاهد أيضا وعطاء : هم قوم من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - في آخر الزمان ؛ أي يكون في هذه الأمة من هذه صفته لا أنهم المراد بهذه الآية .واختلفوا أيضا في معنى إضاعتها ؛ فقال القرظي : هي إضاعة كفر وجحد بها .

وقال القاسم بن مخيمرة ، وعبد الله بن مسعود : هي إضاعة أوقاتها ، وعدم القيام بحقوقها وهو الصحيح ، وأنها إذا صليت مخلى بها لا تصح ولا تجزئ ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي صلى وجاء فسلم عليه ارجع فصل فإنك لم تصل ثلاث مرات خرجه مسلم ، وقال حذيفة لرجل يصلي فطفف : منذ كم تصلي هذه الصلاة ؟

قال منذ أربعين عاما .

قال : ما صليت ، ولو مت وأنت تصلي هذه الصلاة لمت على غير فطرة محمد - صلى الله عليه وسلم - .

ثم قال : إن الرجل ليخفف الصلاة [ ص: 47 ] ويتم ويحسن .

خرجه البخاري واللفظ للنسائي ، وفي الترمذي عن أبي مسعود الأنصاري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تجزئ صلاة لا يقيم فيها الرجل يعني صلبه في الركوع والسجود ؛ قال : حديث حسن صحيح ؛ والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم ؛ يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود ؛ قال الشافعي وأحمد وإسحاق : من لم يقم صلبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة ؛ قال - صلى الله عليه وسلم - تلك الصلاة صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا .

وهذا ذم لمن يفعل ذلك .

وقال فروة بن خالد بن سنان : استبطأ أصحاب الضحاك مرة أميرا في صلاة العصر حتى كادت الشمس تغرب ؛ فقرأ الضحاك هذه الآية ، ثم قال : والله لأن أدعها أحب إلي من أن أضيعها .

وجملة القول في هذا الباب أن من لم يحافظ على كمال وضوئها وركوعها وسجودها فليس بمحافظ عليها ، ومن لم يحافظ عليها فقد ضيعها ، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع ، كما أن من حافظ عليها حفظ الله عليه دينه ، ولا دين لمن لا صلاة له .

وقال الحسن : عطلوا المساجد ، واشتغلوا بالصنائع والأسباب .

واتبعوا الشهوات أي اللذات والمعاصي .روى الترمذي وأبو داود عن أنس بن حكيم الضبي أنه أتى المدينة فلقي أبا هريرة فقال له : يا فتى ألا أحدثك حديثا لعل الله تعالى أن ينفعك به ؛ قلت : بلى .

قال : إن أول ما يحاسب به الناس يوم القيامة من أعمالهم الصلاة فيقول الله تبارك وتعالى لملائكته وهو أعلم انظروا في صلاة عبدي أتمها أو نقصها فإن كانت تامة كتبت له تامة وإن كان انتقص منها شيئا قال انظروا هل لعبدي من تطوع فإن كان له تطوع قال أكملوا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال على ذلك .

قال يونس : وأحسبه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لفظ أبي داود .

وقال : حدثنا [ ص: 48 ] موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا داود بن أبي هند عن زرارة بن أوفى عن تميم الداري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا المعنى .

قال : ثم الزكاة مثل ذلك ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك .

وأخرجه النسائي عن همام عن الحسن عن حريث بن قبيصة عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة بصلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر - قال همام : لا أدري هذا من كلام قتادة أو من الرواية - فإن انتقص من فريضته شيء قال انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل به ما نقص من الفريضة ثم يكون سائر عمله على نحو ذلك .خالفه أبو العوام فرواه عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن وجدت تامة كتبت تامة وإن كان انتقص منها شيء قال انظروا هل تجدون له من تطوع يكمل له ما ضيع من فريضته من تطوعه ثم سائر الأعمال تجري على حسب ذلكقال النسائي : أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا النضر بن شميل قال أنبأنا حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن يحيى بن يعمر عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن كان أكملها وإلا قال الله - عز وجل - انظروا لعبدي من تطوع فإن وجد له تطوع قال أكملوا به الفريضة قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب ( التمهيد ) : أما إكمال الفريضة من التطوع فإنما يكون والله أعلم فيمن سها عن فريضة فلم يأت بها ، أو لم يحسن ركوعها وسجودها ولم يدر قدر ذلك وأما من تركها ، أو نسي ثم ذكرها فلم يأت بها عامدا واشتغل بالتطوع عن أداء فرضها وهو ذاكر له فلا تكمل له فريضة من تطوعه والله أعلم وقد روي من حديث الشاميين في هذا الباب حديث منكر يرويه محمد بن حمير عن عمرو بن قيس السكوني عن عبد الله بن قرط عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال من صلى صلاة لم يكمل فيها ركوعه وسجوده زيد فيها من تسبيحاته حتى تتم قال أبو عمر وهذا لا يحفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا من هذا الوجه وليس بالقوي وإن كان صح كان معناه أنه خرج من صلاة كان قد أتمها عند نفسه وليست في الحكم بتامة .[ ص: 49 ] قلت : فينبغي للإنسان أن يحسن فرضه ونفله حتى يكون له نفل يجده زائدا على فرضه يقربه من ربه كما قال سبحانه وتعالى : وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه الحديث .

فأما إذا كان نفل يكمل به الفرض فحكمه في المعنى حكم الفرض ، ومن لا يحسن أن يصلي الفرض فأحرى وأولى ألا يحسن التنفل ، لا جرم تنفل الناس في أشد ما يكون من النقصان والخلل لخفته عندهم وتهاونهم به ، حتى كأنه غير معتد به ولعمر الله لقد يشاهد في الوجود من يشار إليه ويظن به العلم تنفله كذلك ، بل فرضه إذ ينقره نقر الديك لعدم معرفته بالحديث فكيف بالجهال الذين لا يعلمون ، وقد قال العلماء : ولا يجزئ ركوع ولا سجود ولا وقوف بعد الركوع ولا جلوس بين السجدتين حتى يعتدل راكعا وواقفا وساجدا وجالسا وهذا هو الصحيح في الأثر وعليه جمهور العلماء وأهل النظر ، وهذه رواية ابن وهب وأبي مصعب عن مالك وقد مضى هذا المعنى في ( البقرة ) وإذا كان هذا فكيف يكمل بذلك التنفل ما نقص من هذا الفرض على سبيل الجهل والسهو ؟

!

بل كل ذلك غير صحيح ولا مقبول لأنه وقع على غير المطلوب والله أعلم .قوله تعالى : واتبعوا الشهوات وعن علي - رضي الله تعالى عنه - في قوله تعالى : واتبعوا الشهوات هو من بنى المشيد وركب المنظور ولبس المشهور .قلت : الشهوات عبارة عما يوافق الإنسان ويشتهيه ويلائمه ولا يتقيه وفي الصحيح حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات وما ذكر عن علي - رضي الله عنه - جزء من هذا .قوله تعالى : فسوف يلقون غيا قال ابن زيد شرا أو ضلالا أو خيبة قال :فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائماوقال عبد الله بن مسعود : هو واد في جهنم والتقدير عند أهل اللغة فسوف يلقون هذا [ ص: 50 ] الغي ؛ كما قال جل ذكره : ومن يفعل ذلك يلق أثاما والأظهر أن الغي اسم للوادي سمي به لأن الغاوين يصيرون إليه .

قال كعب : يظهر في آخر الزمان قوم بأيديهم سياط كأذناب البقر ، ثم قرأ فسوف يلقون غيا أي هلاكا وضلالا في جهنم ، وعنه : غي واد في جهنم أبعدها قعرا ؛ وأشدها حرا ، فيه بئر يسمى البهيم ، كلما خبت جهنم فتح الله تعالى تلك البئر فتسعر بها جهنم ، وقال ابن عباس : غي واد في جهنم ، وأن أودية جهنم لتستعيذ من حره ، أعد الله تعالى ذلك الوادي للزاني المصر على الزنا ، ولشارب الخمر المدمن عليه ، ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه ، ولأهل العقوق ، ولشاهد الزور ، ولامرأة أدخلت على زوجها ولدا ليس منه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر تعالى هؤلاء الأنبياء المخلصون المتبعون لمراضي ربهم، المنيبون إليه، ذكر من أتى بعدهم، وبدلوا ما أمروا به، وأنه خلف من بعدهم خلف، رجعوا إلى الخلف والوراء، فأضاعوا الصلاة التي أمروا بالمحافظة عليها وإقامتها، فتهاونوا بها وضيعوها، وإذا ضيعوا الصلاة التي هي عماد الدين، وميزان الإيمان والإخلاص لرب العالمين، التي هي آكد الأعمال، وأفضل الخصال، كانوا لما سواها من دينهم أضيع، وله أرفض، والسبب الداعي لذلك، أنهم اتبعوا شهوات أنفسهم وإراداتها فصارت هممهم منصرفة إليها، مقدمة لها على حقوق الله،.فنشأ من ذلك التضييع لحقوقه، والإقبال على شهوات أنفسهم، مهما لاحت لهم، حصلوها، وعلى أي: وجه اتفقت تناولوها.{ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } أي: عذابا مضاعفا شديدا

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( فخلف من بعدهم خلف ) أي : من بعد النبيين المذكورين خلف وهم قوم سوء ، " والخلف " بالفتح الصالح ، وبالجزم الطالح .

قال السدي : أراد بهم اليهود ومن لحق بهم .

وقال مجاهد وقتادة : هم في هذه الأمة .

( أضاعوا الصلاة ) تركوا الصلاة المفروضة .

وقال ابن مسعود وإبراهيم : أخروها عن وقتها .

وقال سعيد بن المسيب : هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر ، ولا العصر حتى تغرب الشمس .

( واتبعوا الشهوات ) أي : المعاصي وشرب الخمر ، يعني آثروا شهوات أنفسهم على طاعة الله .

وقال مجاهد : هؤلاء قوم يظهرون في آخر الزمان ينزو بعضهم على بعض في الأسواق والأزقة .

( فسوف يلقون غيا ) قال وهب : " الغي " نهر في جهنم بعيد قعره خبيث طعمه .

وقال ابن عباس : " الغي " واد في جهنم ، وإن أودية جهنم لتستعيذ من حره أعد للزاني المصر عليه ولشارب الخمر المدمن عليها ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه ولأهل العقوق ولشاهد الزور .

وقال عطاء : " الغي " : واد في جهنم يسيل قيحا ودما .

وقال كعب : هو واد في جهنم أبعدها قعرا ، وأشدها حرا في بئر تسمى " الهيم " كلما خبت جهنم فتح الله تلك البئر فيسعر بها جهنم .

أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا محمد بن أحمد الحارثي أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي أخبرنا عبد الله بن محمود أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال وأخبرنا عبد الله بن المبارك عن هشيم بن بشير أخبرنا زكريا بن أبي مريم الخزاعي قال : سمعت أبا أمامة الباهلي يقول : " إن ما بين شفير جهنم إلى قعرها مسيرة سبعين خريفا من حجر يهوي ، أو قال صخرة تهوي ، عظمها كعشر عشروات عظام سمان فقال له مولى لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد : هل تحت ذلك شيء يا أبا أمامة؟

قال : نعم غي وآثام " .

وقال الضحاك : غيا وخسرانا .

وقيل : هلاكا .

وقيل : عذابا .

وقوله : ( فسوف يلقون غيا ) ليس معناه يرون فقط ، بل معناه الاجتماع والملابسة مع الرؤية .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة» بتركها كاليهود والنصارى «واتبعوا الشهوات» من المعاصي «فسوف يلقون غيّا» هو واد في جهنم، أي يقعون فيه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فأتى مِن بعد هؤلاء المنعَم عليهم أتباع سَوْء تركوا الصلاة كلها، أو فوتوا وقتها، أو تركوا أركانها وواجباتها، واتبعوا ما يوافق شهواتهم ويلائمها، فسوف يلقون شرًا وضلالا وخيبة في جهنم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما حدث من الذين جاءوا بعد هؤلاء المنعم عليهم فقال : ( فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصلاة واتبعوا الشهوات فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً ) .ولفظ ( الخلف ) بسكون اللام - الأولاد ، والواحد والجمع فيه سواء ، وأكثر ما يطلق على الأشرار والطالحين ، ومنه المثل السائر : " سكت ألفا ونطق خلفا " وقوله الشاعر :ذهب الذين نعيش فى أكنافهم ...

وبقيت فى خلف كجلد الأجربوالمراد بهذا اللفظ فى الآية : اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين الذين جاءوا بعد أبنيائهم ، ولكنهم خالفوا شريعتهم ، وأهملوا ما أمروهم به وما نهوهم عنه .أما لفظ " الخلف " بفتح اللام - فيطلق على البدل ولدا كان أو غير ولد وأكثر استعمالاته فى المدح ، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله .

.

" .والمعنى : فخلف من بعد أولئك الأخيار الذين أنعم الله عليهم ، خلف سوء وشر ، ومن الأدلة على سوئهم وفجورهم أنهم ( أَضَاعُواْ الصلاة ) بأن تركوها ، أو لم يؤدوها على وجهها المشروع ( واتبعوا الشهوات ) التى جعلتهم ينهمكون فى المعاصى ، ويسارعون فى اقتراف المنكرات .وقوله ( فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً ) بيان لسوء عاقبتهم ، أى : فسوف يلقى هؤلاء المضيعون للصلاة ، المتبعون للشهوات ، خسراناً وشراً فى دنياهم وآخرتهم ، بسبب ضلالهم وتنكيهم الصراط المستقيم .فالمراد بالغىِّ : الخسران والضلال .

يقال : غوى فلان يغوى إذ ضل .

والاسم الغواية .وقيل : المراد بالغى هنا : وادى فى جهنم تستعيذ من حره أوديتها .

وقيل : هو نهر فى أسفل جهنم يسيل فيه صديد أهلها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما وصف هؤلاء الأنبياء بصفات المدح ترغيباً لنا في التأسي بطريقتهم ذكر بعدهم من هو بالضد منهم فقال: فخلف من بعدهم خلف، وظاهر الكلام أن المراد من بعد هؤلاء الأنبياء خلف من أولادهم يقال: خلفه إذا أعقبه ثم قيل في عقب الخبر خلف بفتح اللام وفي عقب الشر خلف بالسكون، كما قالوا: وعد في ضمان الخير ووعيد في ضمان الشر وفي الحديث: «في الله خلف من كل هالك» وفي الشعر للبيد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم *** وبقيت في خلف كجلد الأجرب ثم وصفهم بإضاعة الصلاة واتباع الشهوات فإضاعة الصلاة في مقابلة قوله: ﴿ خَرُّواْ سُجَّداً  ﴾ واتباع الشهوات في مقابلة قوله: ﴿ وَبُكِيّاً ﴾ لأن بكاءهم يدل على خوفهم واتباع هؤلاء لشهواتهم يدل على عدم الخوف لهم وظاهر قوله: ﴿ أضاعوا الصلاة ﴾ تركوها لكن تركها قد يكون بأن لا تفعل أصلاً وقد يكون بأن لا تفعل في وقتها وإن كان الأظهر هو الأول وأما اتباع الشهوات فقال ابن عباس رضي الله عنهما هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلوا نكاح الأخت من الأب واحتج بعضهم بقوله: ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ ﴾ على أن تارك الصلاة كافر، واحتج أصحابنا بها في أن الإيمان غير العمل لأنه تعالى قال: ﴿ وآمَنَ وَعَمِلَ صالحا ﴾ فعطف العمل على الإيمان والمعطوف غير المعطوف عليه، أجاب الكعبي عنه: بأنه تعالى فرق بين التوبة والإيمان والتوبة من الإيمان فكذلك العمل الصالح يكون من الإيمان وإن فرق بينهما، وهذا الجواب ضعيف لأن عطف الإيمان على التوبة يقتضي وقوع المغايرة بينهما لأن التوبة عزم على الترك والإيمان إقرار بالله تعالى وهما متغايران، فكذا في هذه الصورة.

ثم بين تعالى أن من هذه صفته ﴿ يَلْقُونَ غَيّاً ﴾ وذكروا في الغي وجوهاً: أحدها: أن كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد، قال الشاعر: فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره *** ومن يغو لا يعدم على الغي لائما وثانيها: قال الزجاج: ﴿ يَلْقُونَ غَيّاً ﴾ أي يلقون جزاء الغي، كقوله تعالى: ﴿ يَلْقَ أَثَاماً  ﴾ أي مجازاة الآثام.

وثالثها: غياً عن طريق الجنة.

ورابعها: الغي واد في جهنم يستعيذ منه أوديتها والوجهان الأولان أقرب فإن كان في جهنم موضع يسمى بذلك جاز ولا يخرج من أن يكون المراد ما قدمنا لأنه المعقول في اللغة، ثم بين سبحانه أن هذا الوعيد فيمن لم يتب، وأما من تاب وآمن وعمل صالحاً فلهم الجنة لا يلحقهم ظلم، وهاهنا سؤالان: الأول: الاستثناء دل على أنه لابد من التوبة والإيمان والعمل الصالح وليس الأمر كذلك، لأن من تاب عن كفره ولم يدخل وقت الصلاة، أو كانت المرأة حائضاً فإنه لا يجب عليها الصلاة والزكاة أيضاً غير واجبة، وكذا الصوم فهاهنا لو مات في ذلك الوقت كان من أهل النجاة مع أنه لم يصدر عنه عمل فلم يجز توقف الأجر على العمل الصالح، والجواب أن هذه الصورة نادرة، والمراد منه الغالب.

السؤال الثاني: قوله: ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ هذا إنما يصح لو كان الثواب مستحقاً على العمل، لأنه لو كان الكل بالتفضل لاستحال حصول الظلم لكن من مذهبكم أنه لا استحقاق للعبد بعمله إلا بالوعد.

الجواب: أنه لما أشبهه أجرى على حكمه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

خلفه: إذا عقبه، ثم قيل في عقب الخير ﴿ خلف ﴾ بالفتح، وفي عقب السوء: خلف، بالسكون، كما قالوا ﴿ وعد ﴾ في ضمان الخير، و ﴿ عيد ﴾ في ضمان الشر.

عن ابن عباس رضي الله عنه: هم اليهود، تركوا الصلاة المفروضة، وشربوا الخمر، واستحلوا نكاح الأخت من الأب.

وعن إبراهيم ومجاهد رضي الله عنهما: أضاعوها بالتأخير.

وينصر الأول قوله: ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ ﴾ يعني الكفار.

وعن علي رضي الله عنه في قوله: ﴿ واتبعوا الشهوات ﴾ من بني الشديد، وركب المنظور، ولبس المشهور.

وعن قتادة رضي الله عنه: هو في هذه الأمة.

وقرأ ابن مسعود والحسن والضحاك رضي الله عنهم: ﴿ الصلوات ﴾ بالجمع.

كل شر عند العرب: غيّ، وكل خير: رشاد.

قال المرقش: فَمَنْ يَلْقَ خَيْراً تَحْمَدِ النَّاسَ أمْرَهُ ** وَمَنْ يَغْوَ لاَ يَعْدَمْ عَلَى الغَيِّ لاَئِمَا وعن الزجاج: جزاء غيّ، كقوله تعالى: ﴿ يَلْقَ أَثَاماً ﴾ [الفرقان: 68] أي مجازاة أثام.

أو غياً عن طريق الجنة.

وقيل: ﴿ غيّ ﴾ واد في جهنم تستعيذ منه أوديتها.

وقرأ الأخفش ﴿ يلقون ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ فَعَقِبَهم وجاءَ بَعْدَهم عَقِبُ سُوءٍ يُقالُ خَلَفُ صِدْقٍ بِالفَتْحِ، وخَلْفُ سُوءٍ بِالسُّكُونِ.

﴿ أضاعُوا الصَّلاةَ ﴾ تَرَكُوها أوْ أخَّرُوها عَنْ وقْتِها.

﴿ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ ﴾ كَشُرْبِ الخَمْرِ واسْتِحْلالِ نِكاحِ الأُخْتِ مِنَ الأبِ والِانْهِماكِ في المَعاصِي.

وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ ﴾ : مِن بُنى الشَّدِيدِ، ورَكْبِ المَنظُورِ، ولُبْسِ المَشْهُورِ.

﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ شَرًّا كَقَوْلِهِ: فَمَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النّاسُ أمْرَهُ.

.

.

ومَن يَغْوِ لا يُعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِمًا أوْ جَزاءَ غَيٍّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَلْقَ أثامًا ﴾ أوْ غَيًّا عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، وقِيلَ هو وادٍ في جَهَنَّمَ يَسْتَعِيذُ مِنهُ أوْدِيَتُها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)

{فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ} فجاء من بعد هؤلاء المفضلين {خَلْفٌ} أولاد سوء وبفتح اللام العقب الخير عن ابن عباس هم اليهود {أَضاعُوا الصلاة} تركوا الصلاة المفروضة {واتبعوا الشهوات} ملاذ النفوس وعن علي رضي الله عنه من بنى الشديد وركب المنظور ولبس

المشهور وعن قتادة رضي الله عنه هو في هذه الأمة {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} جزاء غي وكل شر عند العرب غي وكل خير رشاد وعن ابن عباس وابن مسعود هو وادٍ في جهنم أعدّ للمصرين على الزن وشارب الخمر وآكل الربا والعاق وشاهد الزور

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ أيْ جاءَ بَعْدَهم عَقِبُ سُوءٍ، فَإنَّ المَشْهُورَ في الخَلْفِ ساكِنُ اللّامِ ذَلِكَ والمَشْهُورَ في مَفْتُوحِ اللّامِ ضِدُّهُ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: الخَلْفُ بِالسُّكُونِ الأوْلادُ الجَمْعُ والواحِدُ فِيهِ سَواءٌ وبِالفَتْحِ البَدَلُ ولَدًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الخَلْفُ بِالتَّحْرِيكِ والإسْكانِ القَرْنُ السُّوءُ أمّا الصّالِحُ فالتَّحْرِيكُ لا غَيْرَ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أكْثَرُ ما جاءَ في المَدْحِ بِفَتْحِ اللّامِ وفي الذَّمِّ بِتَسْكِينِها وقَدْ يُعْكَسُ، وعَلى اسْتِعْمالِ المَفْتُوحِ في الذَّمِّ جاءَ قَوْلُ لَبِيدٍ: ذَهَبَ الَّذِينَ يُعاشُ في أكْنافِهِمْ وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ ﴿ أضاعُوا الصَّلاةَ ﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ والضَّحّاكُ وابْنُ مِقْسَمٍ ( الصَّلَواتِ ) بِالجَمْعِ وهو ظاهِرٌ، ولَعَلَّ الأفْرادَ لِلِاتِّفاقِ في النَّوْعِ، وإضاعَتُها عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخَعِيِّ والقاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ ومُجاهِدٍ وإبْراهِيمَ.

وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ تَأْخِيرُها عَنْ وقْتِها، ورَوى ذَلِكَ الإمامِيَّةُ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، واخْتارَ الزَّجّاجُ أنَّ إضاعَتَها الِاخْتِلالُ بِشُرُوطِها مِنَ الوَقْتِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: إقامَتُها في غَيْرِ جَماعَةٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّ إضاعَتَها تَرْكُها، وقِيلَ: عَدَمُ اعْتِقادِ وُجُوبِها، وعَلى هَذا الآيَةُ في الكُفّارِ وعَلى ما قَبْلَهُ لا قَطْعَ، واسْتَظْهَرَ أنَّها عَلَيْهِ في قَوْمٍ مُسْلِمِينَ بِناءً عَلى أنَّ الكَفّارَ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ بِالفُرُوعِ إلّا أنْ يُقالَ: المُرادُ أنَّ مِن شَأْنِهِمْ ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ، وعَلى ما قَبْلَهُما في قَوْمٍ مُسْلِمِينَ قَوْلًا واحِدًا.

والمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ أنَّها في اليَهُودِ، وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّها فِيهِمْ وفي النَّصارى، واخْتِيرَ كَوْنُها في الكَفَرَةِ مُطْلَقًا لِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا، وعَلَيْهِ بَنى حَسَنٌ مَوْقِعَ حِكايَةِ قَوْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ الآتِي، وكَوْنُها في قَوْمٍ مُسْلِمِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وعَطاءٍ وغَيْرِهِمْ قالُوا: إنَّهم يَأْتُونَ عِنْدَ ذَهابِ الصّالِحِينَ يَتَبادَرُونَ بِالزِّنا يَنْزُو بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ في الأزِقَّةِ كالأنْعامِ لا يَسْتَحْيُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَخافُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ ﴾ وانْهَمَكُوا في المَعاصِي المُخْتَلِفَةِ الأنْواعِ، وفي البَحْرِ (الشَّهَواتِ) عامٌّ في كُلِّ مُشْتَهًى يُشْغِلُ عَنِ الصَّلاةِ وعَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وعَدَّ بَعْضُهم مِن ذَلِكَ نِكاحَ الأُخْتِ مِنَ الأبِ وهو عَلى القَوْلِ بِأنَّ الآيَةَ فِيما يَعُمُّ اليَهُودَ لِأنَّ مِن مَذْهَبِهِمْ فِيما قِيلَ ذَلِكَ ولَيْسَ بِحَقٍّ.

والَّذِي صَحَّ عَنْهم أنَّهم يُجَوِّزُونَ نِكاحَ بِنْتِ الأخِ وبِنْتِ الأُخْتِ ونَحْوِهِما، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: مَن بَنى المُشَيَّدَ ورَكِبَ المَنظُورَ ولَبِسَ المَشْهُورَ ﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا «أنَّهُ نَهْرٌ في أسْفَلِ جَهَنَّمَ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ وفِيهِ لَوْ أنَّ صَخْرَةً زِنَةَ عَشْرِ عُشَراواتِ قُذِفَ بِها مِن شَفِيرِ جَهَنَّمَ ما بَلَغَتْ قَعْرَها سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ تَنْتَهِي إلى غَيٍّ وأثامٍ»، ويُعْلَمُ مِنهُ سِرُّ التَّعْبِيرِ بِسَوْفَ يَلْقَوْنَ.

وأخْرَجَ جَماعَةٌ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: (الغَيُّ) نَهْرٌ أوْ وادٍ في جَهَنَّمَ مِن قَيْحٍ بَعِيدُ القَعْرِ خَبِيثُ الطَّعْمِ يُقْذَفُ فِيهِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ، وحَكى الكِرْمانِيُّ أنَّهُ آبارٌ في جَهَنَّمَ يَسِيلُ إلَيْها الصَّدِيدُ والقَيْحُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّ الغَيَّ السُّوءُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ مُرَقِّشٍ الأصْغَرِ: فَمَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النّاسُ أمْرَهُ ∗∗∗ ومَن يَغْوَ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِما وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ الضَّلالُ وهو المَعْنى المَشْهُورُ، وعَلَيْهِ قِيلَ المُرادُ جَزاءُ غَيٍّ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: المُرادُ غَيًّا عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ.

وقُرِئَ فِيما حَكى الأخْفَشُ ( يُلَقَّوْنَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ وشَدِّ القافِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ، يعني: بقي بعد الأنبياء الذين ذكرناهم من أول السورة إلى هنا بقيات سوء، وهم اليهود والنصارى.

يقال: في الرداءة خَلْفٌ بإسكان اللام، وفي الصلاح خَلَفَ بفتح اللام.

ثم وصفهم فقال: أَضاعُوا الصَّلاةَ، يعني: عن وقتها، ويقال: تركوها، ويقال: تركوا الصلاة فلم يؤدُّوها وجحدوا بها فكفروا، وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ يعني: شرب الخمر، ويقال: استحلوا الزنى، ويقال: استحلوا نكاح الأخت من الأب.

فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا، يعني: شراً، ويقال: وادي في جهنم يسمى غَيّاً، ويقال: مجازاة الغيّ كما قال الله عزّ وجلّ يَلْقَ أَثاماً [الفرقان: 68] أي مجازاة الآثام.

ثم استثنى فقال تعالى: إِلَّا مَنْ تابَ، يعني: رجع عن الكفر وَآمَنَ، يعني: صدق بتوحيد الله عز وجل، وَعَمِلَ صالِحاً بعد التوبة.

فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً، يعني: لا ينقصون شيئاً من ثواب أعمالهم.

ثم قال عز وجل: جَنَّاتِ عَدْنٍ صار خفضاً، لأن معناه يدخلون في جَنَّاتِ عَدْنٍ.

الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ، يعني: ما غاب عن العباد والله عز وجل لا يغيب عنه شيء.

إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا، يعني: جائياً كائناً.

وقال القتبي: مَأْتِيًّا يعني: المفعول بمعنى الفاعل، يعني: جائياً.

وقال الزجاج: مَأْتِيًّا مفعول من الإتيان، لأن كل من وصل إليك فقد وصلت إليه، وكل من أتاك فقد أتيته.

ثم قال عز وجل: لاَّ يَسْمَعُونَ فِيها، يعني: في الجنة لَغْواً، يعني: حَلفاً وباطلاً.

إِلَّا سَلاماً، يعني: ويسمعون السلام، يسلم بعضهم على بعض.

وقال الزجاج: اللغو ما يلغى من الكلام ويؤثم فيه، والسلام اسم جامع للخير، لأنه يتضمن السلامة، يعني: لا يسمعون إلا سلامهم.

ثمّ قال: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا، يعني: طعامهم على مقدار البكرة والعشي، وليس هناك بُكرة ولا عشيّ.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء أعجبهم ذلك، فأخبرهم الله تعالى أن لهم في الجنة هذه الحالة.

وقال القتبي: الناس يختلفون في طاعمهم، فمنهم من يأكل الوجبة، أي مرة واحدة في كل يوم، ومنهم من يأكل متى وجد بغير وقت ولا عدد، ومنهم من يأكل الغداء والعشاء، فأعدل هذه الأحوال كلها وأنفعها الغداء والعشاء.

والعرب تقول: من ترك العشاء يهرمه، ويذهب بلحم الكارة، يعني: باطن الفخذ، فجعل طعام أهل الجنة على قدر ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

واحتجَّ الطَّبِرِيُّ «١» ، ومَكّي لهذا القول بأَن عُمَر رضي الله عنه قرأ سُورةٍ مريم، فسجد ثُمَّ قال: هذا السُّجُودُ، فأَيْنَ البُكَى «٢» ؟

يَعْنِي: البُكَاء.

قال ع «٣» : ويحتمل أَن يريد عُمر رضي الله عنه فأَين البَاكُون؟

وهذا الذي ذكروه عن عُمَر، ذكره أَبُو حَاتِمٍ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم.

فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣)

وقوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ...

الآية، الخَلْفُ، -[بسكون] «٤» اللام- مُسْتعمل إذا كان الآتي مَذْمُوماً هذا مشهورُ كَلامِ العَرَبِ، والمرادُ بالخلْف: مَنْ كفر وعَصَى بعدُ مِنْ بني إسرائيل، ثم يتناول معنى الآية مَنْ سِوَاهُم إلَى يوم القيامة، وإضاعة الصّلاة بترْكِهَا وبجحْدِها، وبإضاعة أَوْقَاتِهَا.

وروى أَبُو دَاوُدَ الطيالسي في «مسنده» بسنده عن عُبَادَةَ بنِ الصّامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إذا أَحْسَنَ الرَّجُلُ الصَّلاَةَ، فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا، وَسُجُودَهَا، قَالَتِ الصَّلاَةُ:

حَفِظَكَ اللهُ كَمَا حَفِظْتَنِي، وَتُرْفَعُ، وإذَا أَسَاءَ الصَّلاَةَ فَلَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهَا، وَلاَ سُجُودَهَا، قَالَتِ الصَّلاَةُ: ضَيَّعَكَ اللهُ كَمَا ضَيَّعْتَنِي، وَتُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلقُ، فَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُهُ» .

انتهى «٥» من «التذكرة» ، والشَّهَوَاتُ: عُمُومُ، والغَيُّ: الخسران قاله ابن زيد «٦» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ ذَكَرَهم مِنَ الأنْبِياءِ في هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﴾ يَعْنِي: إدْرِيسَ، ﴿ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ﴾ يَعْنِي: إبْراهِيمَ؛ لِأنَّهُ مِن ولَدِ سامِ بْنِ نُوحٍ، ﴿ وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ﴾ يُرِيدُ: إسْماعِيلَ، وإسْحاقَ، ويَعْقُوبَ، ﴿ وَإسْرائِيلَ ﴾ يَعْنِي: ومِن ذُرِّيَّةِ إسْرائِيلَ، وهم مُوسى، وهارُونُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، وعِيسى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِمَّنْ هَدَيْنا ﴾ ؛ أيْ: هَؤُلاءِ كانُوا مِمَّنْ أرْشَدْنا، ﴿ واجْتَبَيْنا ﴾ ؛ أيْ: واصْطَفَيْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَرُّوا سُجَّدًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ سُجَّدًا ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، المَعْنى: خَرُّوا مُقَدِّرِينَ السُّجُودَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ في حالِ خُرُورِهِ لا يَكُونُ ساجِدًا، فَـ " سُجَّدًا " مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وهو جَمْعُ ساجِدٍ، ﴿ وَبُكِيًّا ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وهو جَمْعُ باكٍ، فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الأنْبِياءَ كانُوا إذا سَمِعُوا آياتِ اللَّهِ سَجَدُوا وبَكَوْا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الأعْرافِ: ١٦٩ ) .

وفي المُرادِ بِهَذا الخَلْفِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، يَأْتُونَ عِنْدَ ذَهابِ صالِحِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، يَتَبارَوْنَ بِالزِّنا، يَنْزُو بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ في الأزِقَّةِ زُناةً، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أضاعُوا الصَّلاةَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ: ( الصَّلَواتِ ) عَلى الجَمْعِ.

وَفِي المُرادِ بِإضاعَتِهِمْ إيّاها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أخَّرُوها عَنْ وقْتِها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والنَّخَعِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والقاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ.

والثّانِي: تَرَكُوها، قالَهُ القُرَظِيُّ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وذَلِكَ مِثْلَ اسْتِماعِ الغِناءِ، وشُرْبِ الخَمْرِ، والزِّنا، واللَّهْوِ، وما شاكَلَ ذَلِكَ مِمّا يَقْطَعُ عَنْ أداءِ فَرائِضِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ لَيْسَ مَعْنى هَذا اللِّقاءِ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ، وإنَّما المُرادُ بِهِ الِاجْتِماعُ والمُلابَسَةُ مَعَ الرُّؤْيَةِ.

وَفِي المُرادِ بِهَذا الغَيِّ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  ، وبِهِ قالَ كَعْبٌ.

والثّانِي: أنَّهُ نَهْرٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الخُسْرانُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ العَذابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: أنَّهُ الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ السّائِبِ.

والسّادِسُ: أنَّ المَعْنى: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ مُجازاةَ الغَيِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿ يَلْقَ أثامًا  ﴾ ؛ أيْ: مُجازاةَ الآثامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن تابَ وآمَنَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تابَ مِنَ الشِّرْكِ، وآمَنَ بِمُحَمَّدٍ  ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: تابَ مِنَ التَّقْصِيرِ في الصَّلاةِ، وآمَنَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( جَنّاتُ ) بِرَفْعِ التّاءِ.

وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( جَنَّةُ عَدْنٍ ) عَلى التَّوْحِيدِ مَعَ رَفْعِ التّاءِ.

وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ: ( جَنَّةَ عَدْنِ ) عَلى التَّوْحِيدِ مَعَ نَصْبِ التّاءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ ﴾ ؛ أيْ: وعَدَهم بِها ولَمْ يَرَوْها، فَهي غائِبَةٌ عَنْهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: آتِيًا، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو ( مَفْعُولٌ ) في مَعْنى ( فاعِلٍ )، وهو قَلِيلٌ أنْ يَأْتِيَ الفاعِلُ عَلى لَفْظِ المَفْعُولِ بِهِ.

وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: آتِيًا؛ لِأنَّ كُلَّ ما أتاكَ فَأنْتَ تَأْتِيهِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: أتَيْتُ عَلى خَمْسِينَ سَنَةً، وأتَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ [ سَنَةً ] .

والثّانِي: مَبْلُوغًا إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿ وَعْدُهُ ﴾ هاهُنا: مَوْعُودُهُ، وهو الجَنَّةُ، و ﴿ مَأْتِيًّا ﴾ : يَأْتِيهِ أوْلِياؤُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّخالُفُ عِنْدَ شُرْبِ الخَمْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: ما يُلْغى مِنَ الكَلامِ ويُؤَثَّمُ فِيهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اللَّغْوُ في العَرَبِيَّةِ: الفاسِدُ المَطَّرَحُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا سَلامًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّلامُ لَيْسَ مِنَ اللَّغْوِ، والعَرَبُ تَسْتَثْنِي الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ ولَيْسَ مِنهُ، وذَلِكَ أنَّها تُضْمِرُ فِيهِ، فالمَعْنى: إلّا أنَّهم يَسْمَعُونَ فِيها سَلامًا.

وقالابْنُ الأنْبارِيِّ: اسْتَثْنى السَّلامَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، وفي ذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ؛ لِأنَّهم إذا لَمْ يَسْمَعُوا مِنَ اللَّغْوِ إلّا السَّلامَ، فَلَيْسَ يَسْمَعُونَ لَغْوًا البَتَّةَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ العالَمِينَ  ﴾ ، إذا لَمْ يَخْرُجُ مِن عَداوَتِهِمْ لِي غَيْرُ رَبِّ العالَمِينَ، فَكُلُّهم عَدُوٌّ.

وَفِي مَعْنى هَذا السَّلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهم لا يَسْمَعُونَ إلّا ما يُسَلِّمُهم، ولا يَسْمَعُونَ ما يُؤَثِّمُهم، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ بُكْرَةٌ ولا عَشِيَّةٌ، ولَكِنَّهم يُؤْتَوْنَ بِرِزْقِهِمْ - عَلى مِقْدارِ ما كانُوا يَعْرِفُونَ - في الغَداةِ والعَشِيِّ.

قالَ الحَسَنُ: كانَتِ العَرَبُ لا تَعْرِفُ شَيْئًا مِنَ العَيْشِ أفْضَلَ مِنَ الغَداءِ والعَشاءِ، فَذَكَرَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ.

وقالَ قَتادَةُ: كانَتِ العَرَبُ إذا أصابَ أحَدُهُمُ الغَداءَ والعَشاءَ أُعْجِبَ بِهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ لَهم في الجَنَّةِ رِزْقُهم بُكْرَةً وعَشِيًّا عَلى قَدْرِ ذَلِكَ الوَقْتِ، ولَيْسَ ثَمَّ لَيْلٌ ولا نَهارٌ، وإنَّما هو ضَوْءٌ ونُورٌ.

ورَوى الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قالَ: سَألْتُ زُهَيْرَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ ، فَقالَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ لَيْلٌ ولا نَهارٌ، هم في نُورٍ أبَدًا، ولَهم مِقْدارُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، يَعْرِفُونَ مِقْدارَ اللَّيْلِ بِإرْخاءِ الحُجُبِ وإغْلاقِ الأبْوابِ، ويَعْرِفُونَ مِقْدارَ النَّهارِ بِرَفْعِ الحُجُبِ وفَتْحِ الأبْوابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ الجَنَّةُ ﴾ الإشارَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُورِثُ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى ﴿ نُورِثُ ﴾ : نُعْطِي المَساكِنَ الَّتِي كانَتْ لِأهْلِ النّارِ - لَوْ آمَنُوا - لِلْمُؤْمِنِينَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى " نُورِثُ ": نُعْطِي، فَيَكُونُ كالمِيراثِ لَهم مِن جِهَةِ أنَّها تَمْلِيكٌ مُسْتَأْنَفٌ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( الأعْرافِ: ٤٣ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ وابْنُ يَعْمُرَ: ( وما يَتَنَزَّلُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ.

وَفِي سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: " يا جِبْرِيلُ ما يَمْنَعُكَ أنْ تَزُورَنا أكْثَرَ مِمّا تَزُورُنا "، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ المَلَكَ أبْطَأ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ثُمَّ أتاهُ، فَقالَ: لَعَلِّي أبْطَأْتُ.

قالَ: " قَدْ فَعَلْتَ " .

قالَ: وما لِي لا أفْعَلُ وأنْتُمْ لا تَتَسَوَّكُونَ، ولا تَقُصُّونَ أظْفارَكم، ولا تُنَقُّونَ بِراجِمَكم، فَنَزَلَتِ الآيَةُ»، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: البَراجِمُ عِنْدَ العَرَبِ: الفُصُوصُ الَّتِي في فُصُولِ ظُهُورِ الأصابِعِ، تَبْدُو إذا جُمِعَتْ، وتَغْمُضُ إذا بُسِطَتْ.

والرَّواجِبُ: ما بَيْنَ البَراجِمِ، بَيْنَ كُلِّ بُرْجُمَتَيْنِ راجِبَةٌ.

والثّالِثُ: «أنَّ جِبْرِيلَ احْتُبِسَ عَنِ النَّبِيِّ  حِينَ سَألَهُ [ قَوْمُهُ ] عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وذِي القَرْنَيْنِ، والرُّوحِ، فَلَمْ يَدْرِ ما يُجِيبُهم، ورَجا أنْ يَأْتِيَهُ جِبْرِيلُ بِجَوابٍ، فَأبْطَأ عَلَيْهِ، فَشَقَّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  مَشَقَّةً شَدِيدَةً، فَلَمّا نَزَلَ جِبْرِيلُ، قالَ لَهُ: " أبْطَأْتَ عَلَيَّ حَتّى ساءَ ظَنِّي واشْتَقْتُ إلَيْكَ "، فَقالَ جِبْرِيلُ: إنِّي كُنْتُ أُشَوِّقُ، ولَكِنِّي عَبْدٌ مَأْمُورٌ، إذا بُعِثْتُ نَزَلْتُ، وإذا حُبِسْتُ احْتَبَسْتُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

وَفِي سَبَبِ احْتِباسِ جِبْرِيلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِامْتِناعِ أصْحابِهِ مِن كَمالِ النَّظافَةِ، كَما ذَكَرْنا في حَدِيثِ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: لِأنَّهم سَألُوهُ عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، فَقالَ: " غَدًا أُخْبِرُكم "، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، وقَدْ سَبَقَ هَذا في سُورَةِ ( الكَهْفِ: ٢٤ ) .

وَفِي مِقْدارِ احْتِباسِهِ عَنْهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقَدْ ذَكَرْناهُ في ( الكَهْفِ ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أرْبَعُونَ يَوْمًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: اثْنَتا عَشْرَةَ لَيْلَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: ثَلاثَةُ أيّامٍ، حَكاهُ مُقاتِلٌ.

والخامِسُ: خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

وقِيلَ: إنَّ سُورَةَ ( الضُّحى ) نَزَلَتْ في هَذا السَّبَبِ.

والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَما نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ ﴾ قَوْلُ جِبْرِيلَ.

وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّهُ قَوْلُ أهْلِ الجَنَّةِ إذا دَخَلُوها، فالمَعْنى: ما نَنْزِلُ هَذِهِ الجِنانَ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ.

وقِيلَ: ما نَنْزِلُ مَوْضِعًا مِنَ الجَنَّةِ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما بَيْنَ أيْدِينا: الآخِرَةُ، وما خَلْفَنا: الدُّنْيا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: ما بَيْنَ أيْدِينا: ما مَضى مِنَ الدُّنْيا، وما خَلْفَنا: مِنَ الآخِرَةِ، فَهو عَكْسُ الأوَّلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ الأخْفَشُ: ما بَيْنَ أيْدِينا: قَبْلَ أنْ نُخْلَقَ، وما خَلْفَنا: بَعْدَ الفَناءِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ.

والثّالِثُ: حِينَ كَوَّنَنا، قالَهُ الأخْفَشُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما وحَّدَ ذَلِكَ، والإشارَةُ إلى شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: ﴿ ما بَيْنَ أيْدِينا ﴾ ، والثّانِي: " ما خَلْفَنا "؛ لِأنَّ العَرَبَ تُوقِعُ ذَلِكَ عَلى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾ النَّسِيُّ بِمَعْنى النّاسِي.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما كانَ تارِكًا لَكَ مُنْذُ أبْطَأ الوَحْيُ عَنْكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ: ما نَسِيَكَ عِنْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ عَنْكَ.

والثّانِي: أنَّهُ عالِمٌ بِما كانَ ويَكُونُ، لا يَنْسى شَيْئًا، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْبُدْهُ ﴾ ؛ أيْ: وحِّدْهُ؛ لِأنَّ عِبادَتَهُ بِالشِّرْكِ لَيْسَتْ عِبادَةً، ﴿ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ ﴾ ؛ أيِ: اصْبِرْ عَلى تَوْحِيدِهِ، وقِيلَ: عَلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ رَوى هارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كانَ يُدْغِمُ ( هَلْ تَعْلَمُ )، ووَجْهُهُ أنَّ سِيبَوَيْهِ يُجِيزُ إدْغامَ اللّامِ في التّاءِ، والثّاءِ، والدّالِ، والزّايِ، والسِّينِ، والصّادِ، والطّاءِ؛ لِأنَّ آخِرَ مَخْرَجٍ مِنَ اللّامِ قَرِيبٌ مِن مَخارِجِهِنَّ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إذا كانَ بَعْدَ ( هَلْ ) تاءٌ فَفِيهِ لُغَتانِ، بَعْضُهم يُبَيِّنُ لامَ ( هَلْ ) وبَعْضُهم يُدْغِمُها.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَثَلًا وشَبَهًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: هَلْ تَعْلَمُ أحَدًا يُسَمّى ( اللَّهَ ) غَيْرَهُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: هَلْ تَعْلَمُ أحَدًا يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ لَهُ: خالِقٌ وقادِرٌ، إلّا هو، قالَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَلاةَ واتَّبَعُوا الشَهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ ﴿ إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا ﴾ ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلا سَلامًا ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ ﴿ تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مِن كانَ تَقِيًّا ﴾ "الخَلَفُ" - بِفَتْحِ اللامِ -: القَرْنُ يَأْتِي بَعْدَ آخَرَ يَمْضِي، والِابْنُ بَعْدَ الأبِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في سائِرِ الأُمُورِ، "والخَلْفُ" - بِسُكُونِ اللامِ - إذا كانَ الآتِي مَذْمُومًا، هَذا مَشْهُورُ كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ ذُكِرَ عن بَعْضِهِمْ أنَّ الخَلَفَ والخَلْفَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وحُجَّةُ ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: لَنا القَدَمُ الأُولى إلَيْكَ وخَلْفُنا لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللهِ تابِعُ وَقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ أضاعُوا الصَلاةَ ﴾ بِالإفْرادِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "أضاعُوا الصَلَواتِ" بِالجَمْعِ، وهو كَذَلِكَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والمُرادُ بِـ "الخَلْفِ" مَن كَفَرَ أو عَصى بَعْدُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ النَصارى، خَلَفُوا بَعْدَ اليَهُودِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ: هم قَوْمٌ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  في آخِرِ الزَمَنِ.

أيْ: يَكُونُ في هَذِهِ الأُمَّةِ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ، لا أنَّهُمُ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «يَكُونُ الخَلْفُ بَعْدَ سِتِّينَ سَنَةً».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عُرْفٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "إضاعَةِ الصَلاةِ" مِنهُمْ، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ وغَيْرُهُ: كانَ إضاعَةَ كُفْرٍ وجَحْدٍ بِها، وقالَ القاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: كانَتْ إضاعَةَ أوقاتِها، وعَدَمَ المُحافَظَةِ عَلى أوانِها، وذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.

و"الشَهَواتُ" عُمُومٌ، وكُلُّ ما ذُكِرَ مِن ذَلِكَ فَمِثالٌ.

وَ "الغَيُّ": الخُسْرانُ والحُصُولُ في الوَرَطاتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَمَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدُ الناسُ أمْرَهُ ∗∗∗ ومَن يَغْوِ لا يَعْدَمُ عَلى الغَيِّ لائِمًا وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ زَيْدٍ هَذِهِ رَحِمَهُ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ.

وقَدْ يَكُونُ الغَيُّ أيْضًا الضَلالَ، فَيَكُونُ هَذا هُنا حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: "يَلْقَوْنَ جَزاءَ الغَيِّ"، وبِهَذا فَسَّرَ الزَجّاجُ.

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: الغَيُّ وادٍ في جَهَنَّمَ، وبِهِ وقَعَ التَوَعُّدُ في هَذِهِ الآيَةِ.

وقِيلَ: «الغَيُّ والآثامُ نَهْرانِ في جَهَنَّمَ»، رَواهُ أبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ  .

قَوْلُهُ: ﴿ إلا مَن تابَ ﴾ اسْتِثْناءٌ يُحْتَمَلُ الِاتِّصالُ والِانْفِصالُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَآمَنَ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الإضافَةَ أوَّلًا هي إضاعَةُ كُفْرٍ، هَذا مَعَ اتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ، وعَلَيْهِ فَسَّرَ الطَبَرِيُّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُدْخَلُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ كُلَّ ما في القُرْآنِ "يَدْخُلُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الخاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ ﴾ ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "جَنّاتِ عَدْنٍ" بِنَصْبِ الجَنّاتِ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ﴾ ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى بْنُ عُمَرُ، وأبُو حَيْوَةَ بِرَفْعِها عَلى تَقْدِيرِ: ذَلِكَ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "جَنَّةَ" عَلى الإفْرادِ والنَصْبِ، وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وقَرَأها الأعْمَشُ.

و"العَدْنُ": الإقامَةُ المُسْتَمِرَّةُ، قَوْلُهُ: ﴿ بِالغَيْبِ ﴾ أيْ: أخْبَرَهم مِن ذَلِكَ بِما غابَ عنهُمْ، وفي هَذا مَدْحٌ لَهم عَلى سُرْعَةِ إيمانِهِمْ وقَرارِهِمْ إذْ لَمْ يُعايِنُوا، و"المَأْتِيُّ" مَفْعُولٌ عَلى بابِهِ، والآتِي هو الإنْجازُ والفِعْلُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الوَعْدُ، وكانَ إتْيانُهُ إنَّما يُقْصَدُ بِهِ الوَعْدُ الَّذِي تَقَدَّمَهُ، وقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو مَفْعُولٌ في اللَفْظِ بِمَعْنى: آتٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعِيدٌ، والنَظَرُ الأوَّلُ أصْوَبُ.

و"اللَغْوُ"، السَقْطُ مِنَ القَوْلِ، وهو أنْواعٌ مُخْتَلِفَةٌ كُلُّها لَيْسَتْ في الجَنَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلا سَلامًا ﴾ ، اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، المَعْنى: لَكِنْ يَسْمَعُونَ سَلامًا، هو تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ لَهم في كُلِّ الأوقاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿ بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ ، يُرِيدُ في التَقْدِيرِ، أيْ: يَأْتِيهِمْ طَعامُهم مَرَّتَيْنِ في مِقْدارِ اليَوْمِ واللَيْلَةِ مِنَ الزَمانِ، ويُرْوى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ تَنْسَدُّ لَهُمُ الأبْوابُ بِقَدْرِ اللَيْلِ في الدُنْيا، فَهم يَعْرِفُونَ البُكْرَةَ عِنْدَ انْفِتاحِها والعَشِيَّ عِنْدَ انْسِدادِها، وقالَمُجاهِدٌ رَحِمَهُ اللهُ: لَيْسَ بُكْرَةً ولا عَشِيًّا، ولَكِنْ يُؤْتَوْنَ بِهِ عَلى ما كانُوا يَشْتَهُونَ في الدُنْيا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ ذَكَرَ نَحْوَهُ قَتادَةُ، أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةً بِما تَعْرِفُهُ العَرَبُ وتَسْتَغْرِبُهُ في رَفاهَةِ العَيْشِ، وجَعَلَ ذَلِكَ عِبارَةً عن أنَّ رِزْقَهم يَأْتِي عَلى أكْمَلِ وُجُوهِهِ.

وقالَ الحَسَنُ: خُوطِبُوا عَلى ما كانَتِ العَرَبُ تَعْلَمُ مِن أفْضَلِ العَيْشِ، وذَلِكَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ العَرَبِ إنَّما كانَ يَجِدُ الطَعامَ المَرَّةَ في اليَوْمِ، وهي غايَتُهُ، وكانَ عَيْشُ أكْثَرِهِمْ مِن شَجَرِ البَرِّيَّةِ، ومِنَ الحَيَوانِ، ونَحْوِهِ، ألا تَرى قَوْلَ الشاعِرِ: أو وجْبَةٌ مِن جَناةِ أشْكَلَةٍ ∗∗∗ إنْ لَمْ يُرِغْها بِالقَوْسِ لَمْ تُنَلِ الوَجْبَةُ: الأكْلَةُ في اليَوْمِ.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُورِثُ" بِسُكُونِ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ: "نُوَرِّثُ" بِفَتْحِ الواوِ وشَدِّ الراءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

فرع على الثناء عليهم اعتبارٌ وتنديد بطائفة من ذرياتهم لم يقتدوا بصالح أسلافهم وهم المعني بالخَلْف.

والخلْف بسكون اللام عقب السُوء، وبفتح اللام عقب الخير.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب ﴾ في سورة الأعراف (169).

وهو هنا يشمل جميع الأمم التي ضلّت لأنها راجعة في النّسب إلى إدريس جدّ نوح إذ هم من ذرية نوح ومن يرجع أيضاً إلى إبراهيم، فمنهم من يدلي إليه من نسل إسماعيل وهم العرب.

ومنهم من يدلي إليْه من نسل يعقوب وهم بنو إسرائيل.

ولفظ من بعدهم} يشمل طبقات وقروناً كثيرة، ليس قيداً لأنّ الخلف لا يكون إلاّ من بعد أصله وإنّما ذُكر لاستحضار ذهاب الصالحين.

والإضاعة: مجاز في التفريط بتشبيهه بإهمال العَرْض النفيس، فرطوا في عبادة الله واتبعوا شهواتهم فلم يخالفوا ما تميل إليه أنفسهم ممّا هو فساد.

وتقدم قوله تعالى: ﴿ إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً ﴾ في سورة الكهف (30).

والصلاة: عبادة الله وحده.

وهذان وصفان جامعان لأصناف الكفر والفسوق، فالشرك إضاعة للصلاة لأنّه انصراف عن الخضوع لله تعالى، فالمشركون أضاعوا الصلاة تماماً، قال تعالى: ﴿ قالوا لم نك من المصلّين ﴾ [المدثر: 43].

والشرك: اتباع للشّهوات، لأنّ المشركين اتّبعوا عبادة الأصنام لمجرد الشهوة من غير دليل، وهؤلاء هم المقصود هنا، وغير المشركين كاليهود والنصارى فَرطوا في صلوات واتبعوا شهوات ابتدعوها، ويشمل ذلك كله اسم الغيّ.

والغيّ: الضلال، ويطلق على الشرّ، كما أطلق ضده وهو الرشَد على الخير في قوله تعالى: ﴿ أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً ﴾ [الجنّ: 10] وقوله ﴿ قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً ﴾ [الجنّ: 21].

فيجوز أن يكون المعنى فسوف يلقون جزاء غيّهم، كقوله تعالى: ﴿ ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ﴾ [الفرقان: 68] أي جزاء الآثام.

وتقدم الغيّ في قوله تعالى: ﴿ وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً ﴾ كلاهما في سورة الأعراف (202و 146).

وقرينة ذلك مقابلته في ضدهم بقوله فأُولَئِكَ يدْخُلونَ الجنّة } .

وحرف (سوف) دال على أن لقاءهم الغيّ متكرر في أزمنة المستقبل مبالغة في وعيدهم وتحذيراً لهم من الإصرار على ذلك.

وقوله ﴿ فأُولَئِكَ يدْخُلونَ الجنّة ﴾ جيء في جانبهم باسم الإشارة إشادة بهم وتنبيهاً لهم للترغيب في توبتهم من الكفر.

وجيء بالمُضارع الدّال على الحال للإشارة إلى أنهم لا يُمْطَلُون في الجزاء.

والجنّة: عَلَم لدار الثواب والنّعيم.

وفيها جنّات كثيرة كما ورد في الحديث: «أَو جَنَّةٌ واحدة هي إنّها لجنان كثيرة» والظلم: هنا بمعنى النقص والإجحاف والمطل.

كقوله {كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً في سورة الكهف (33).

وشي: اسم بمعنى ذات أو موجود وليس المراد مصدر الظلم.

وذكر شيئاً في سياق النفي يفيد نفي كل فرد من أفراد النقص والإجحاف والإبطاء، فيعلم انتفاء النقص القوي بالفحوى دفعاً لما عسى أن يخالج نفوسهم من الانكسار بعد الإيمان يظن أنّ سبق الكفر يَحط من حسن مصيرهم.

وجَنَّات} بدل من {الجنّة.

جيء بصيغة جمع جنات مع أن المبدل منه مفرد لأنه يشتمل على جنات كثيرة كما علمت، وهو بدل مطابق وليس بدل اشتمال.

وعَدْن: الخلد والإقامة، أي جنات خلد ووصفها ب التي وعد الرحمان عباده} لزيادة تشريفها وتحسينها.

وفي ذلك إدماج لتبشير المؤمنين السابقين في أثناء وعد المدعوين إلى الإيمان.

والغيب: مصدر غاب، فكل ما غاب عن المشاهدة فهو غيب.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ في أول البقرة (3).

والباء في بالغيب للظرفية، أي وعدها إياهم في الأزمنة الغائبة عنهم.

أي في الأزل إذ خلقها لهم.

قال تعالى: ﴿ أعدت للمتقين ﴾ [آل عمران: 133].

وفيه تنبيه على أنها وإن كانت محجوبة عنهم في الدنيا فإنها مهيئة لهم.

وجملة ﴿ إنه كان وعده مأتياً ﴾ تعليل لجملة ﴿ التي وعد الرحمن عباده بالغيب ﴾ أي يدخلون الجنة وعداً من الله واقعاً.

وهذا تحقيق للبشارة.

والوعد: هنا مصدر مستعمل في معنى المفعول.

وهو من باب كَسا، فالله وعد المؤمنين الصالحين جنات عدن.

فالجنات لهم موعودة من ربهم.

والمأتِي: الذي يأتيه غيره.

وقد استعير الإتيان لحصول المطلوب المترقب، تشبيهاً لمن يحصل الشيء بعد أن سعى لتحصيله بمن مشى إلى مكان حتى أتاه.

وتشبيهاً للشيء المحصل بالمكان المقصود.

ففي قوله {مأتِيّا تمثيلية اقتصر من أجزائها على إحدى الهيئتين، وهي تستلزم الهيئة الأخرى لأنّ المأتي لا بد له من آت.

وجملة لا يسْمعُونَ فيها لغْواً } حال من ﴿ عبَادَه ﴾ .

واللغو: فضول الكلام وما لا طائل تحته.

وإنفاؤه كناية عن انتفاء أقل المكدرات في الجنة، كما قال تعالى: ﴿ لا تسمع فيها لاغية ﴾ [الغاشية: 11]، وكناية عن جعل مجازاة المؤمنين في الجنة بضد ما كانوا يلاقونه في الدنيا من أذى المشركين ولغوهم.

وقوله ﴿ إلاَّ سلاما ﴾ استثناء منقطع وهو مجاز من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه كقول النّابغة: ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب أي لكن تسمعون سلاماً.

قال تعالى: ﴿ تحيتهم فيها سلام ﴾ [إبراهيم: 23] وقال ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً إلا قيلاً سلاماً سلاماً ﴾ [الواقعة: 25، 26].

والرزق: الطعام.

وجيء بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات ذلك ودوامه، فيفيد التكرر المستمر وهو أخص من التكرر المفاد بالفعل المضارع وأكثر.

وتقديم الظرف للاهتمام بشأنهم، وإضافة رزق إلى ضميرهم لزيادة الاختصاص.

والبُكرة: النصف الأول من النهار، والعَشي: النصف الأخير، والجمع بينهما كناية عن استغراق الزمن، أي لهم رزقهم غير محصور ولا مقدّر بل كلما شاءوا فلذلك لم يذكر اللّيل.

وجملة ﴿ تلك الجنّة ﴾ مستأنفة ابتدائية.

واسم الإشارة لزيادة التمييز تنويهاً بشأنها وأجريت عليها الصفة بالموصول وصلته تنويهاً بالمتقين وأنهم أهل الجنة كما قال تعالى: ﴿ أعدت للمتقين ﴾ [آل عمران: 133].

و ﴿ نورث ﴾ نجعل وارثاً، أي نعطي الإرث.

وحقيقة الإرث: انتقال مال القريب إلى قريبه بعد موته لأنّه أولى الناس بماله فهو انتقال مقيّد بحالة.

واستعير هنا للعطيّة المدّخرة لمعطاها، تشبيهاً بمال المَوروث الذي يصير إلى وارثه آخر الأمر.

وقرأ الجمور {نورث بسكون الواو بعد الضمة وتخفيف الراء، وقرأه رويس عن يعقوب: نوَرّث بفتح الواو تشديد الراء من وَرّثه المضاعف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ الآيَةِ.

في الفَرْقِ بَيْنَ الخَلْفِ بِتَسْكِينِ اللّامِ والخَلَفِ بِتَحْرِيكِها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِالفَتْحِ إذا خَلَّفَهُ مَن كانَ مِن أهْلِهِ، وبِالتَّسْكِينِ إذا خَلَّفَهُ مَن لَيْسَ مِن أهْلِهِ.

الثّانِي: أنَّ الخَلْفَ بِالتَّسْكِينِ مُسْتَعْمَلٌ في الذَّمِّ، وبِالفَتْحِ مُسْتَعْمَلٌ في المَدْحِ، قالَ لَبِيدٌ: ذَهَبَ الَّذِينَ يُعاشُ في أكْنافِهِمْ وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ وَفِي هَذا الخَلْفِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ مِن بَعْدِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّهم مِنَ المُسْلِمِينَ.

فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ ﴿ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن بَعْدِ النَّبِيِّ  ، مِن عَصْرِ الصَّحابَةِ وإلى قِيامِ السّاعَةِ كَما رَوى الوَلِيدُ بْنُ قَيْسٍ حَكاهُ إبْراهِيمُ عَنْ عُبَيْدَةَ.

الثّانِي: إنَّهم مِن بَعْدِ عَصْرِ الصَّحابَةِ.

رَوى الوَلِيدُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (يَكُونُ بَعْدَ سِتِّينَ سَنَةً خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ» .

الآيَةِ.

وَفي إضاعَتِهِمُ الصَّلاةَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَأْخِيرُها عَنْ أوْقاتِها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ.

الثّانِي: تَرْكُها، قالَهُ القُرَظِيُّ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ تَكُونَ إضاعَتُها الإخْلالَ بِاسْتِيفاءِ شُرُوطِها.

﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، قالَتْهُ عائِشَةُ وابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الخُسْرانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: الضَّلالُ عَنِ الجَنَّةِ.

الخامِسُ: الخَيْبَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَمَن يَلْقَ خَيِرًا يَحْمَدِ النّاسُ أمْرَهُ ∗∗∗ ومَن يَغْوَ لا يُعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِما مَن يَغْوَ: أيْ مَن يَخِبْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ قال: هم اليهود والنصارى.

وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ قال: من هذه الأمة يتراكبون في الطرق، كما تراكب الأنعام لا يستحيون من الناس، ولا يخافون من الله في السماء.

وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد في قوله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ﴾ قال: عند قيام الساعة- ذهاب صالح أمة محمد- ينزو بعضهم إلى بعض في الآزقة زناة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ أضاعوا الصلاة ﴾ يقول: تركوا الصلاة.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود في قوله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ﴾ قال: ليس إضاعتها تركها قد يضيع الإنسان الشيء ولا يتركه، ولكن إضاعتها إذا لم يصلها لوقتها.

وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم في قوله: ﴿ أضاعوا الصلاة ﴾ قال: صلوها لغير وقتها.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن القاسم بن مخيمرة في قوله: ﴿ أضاعوا الصلاة ﴾ قال: أخروا الصلاة عن ميقاتها ولو تركوها كفروا.

وأخرج ابن أبي حاتم والخطيب في المتفق والمفترق، عن عمر بن عبد العزيز في قوله: ﴿ أضاعوا الصلاة ﴾ قال: لم يكن إضاعتهم تركها ولكن أضاعوا المواقيت.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن كعب قال: والله إني لأجد صفة المنافقين في التوراة: شرابين للقهوات: تباعين للشهوات، لعانين للكعبات، رقادين عن العتمات، مفرطين في الغدوات، تراكين للصلوات تراكين للجمعات، ثم تلا هذه الآية ﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن الأشعث قال: أوحى الله إلى داود عليه السلام أن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عني محجوبة.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: اغتسلت أنا وآخر، فرآنا عمر بن الخطاب، وأحدنا ينظر إلى صاحبه، فقال: إني لأخشى أن تكونا من الخلف الذين قال الله فيهم: ﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً ﴾ .

وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي سعيد الخدري: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلا هذه الآية ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ فقال: يكون خلف من عبد ستين سنة ﴿ أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ﴾ ثم يكون خَلَفٌ: يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن ومنافق وفاجر» .

وأخرج أحمد والحاكم وصححه، عن عقبة بن عامر سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «سيهلك من أمتي أهل الكتاب وأهل اللين قلت يا رسول الله، ما أهل اللين؟

قال: قوم يتبعون الشهوات ويضيعون الصلوات» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه، عن عائشة أنها كانت ترسل بالصدقة لأهل الصدقة وتقول: لا تعطوا منها بربرياً، ولا بربرية، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «هم الخلف الذين قال الله: ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يكون في أمتي من يقتل على الغضب، ويرتشي في الحكم، ويضيع الصلوات، ويتبع الشهوات، ولا تردّ له راية قيل: يا رسول الله، أمؤمنون هم؟

قال: بالإيمان يقرؤون» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ قال: خسراً.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث من طرق، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ قال: الغي نهر أو واد في جهنم من قيح بعيد القعر خبيث الطعم يقذف فيه الذين يتبعون الشهوات.

وأخرج ابن المنذر والبيهقي في البعث، عن البراء بن عازب في الآية قال: الغي، واد في جهنم بعيد القعر منتن الريح.

وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفاً ثم تنتهي إلى غي وأثام، قلت: وما غي وأثام؟

قال: نهران في أسفل جهنم يسيل فيها صديد أهل النار، وهما اللذان ذكر الله في كتابه ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ ﴿ ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ﴾ [ الفرقان: 68] » .

وأخرج ابن مردويه من طريق نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الغي واد في جهنم» .

وأخرج البخاري في تاريخه، عن عائشة في قوله: ﴿ غياً ﴾ قالت: نهر في جهنم.

وأخرج ابن المنذر، عن شقي بن ماتع قال: إن في جهنم وادياً يسمى ﴿ غياً ﴾ يسيل دماً وقيحاً، فهو لمن خلق له.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ يلقون غياً ﴾ قال: سوءاً ﴿ إلا من تاب ﴾ قال: من ذنبه ﴿ وآمن ﴾ قال: بربه ﴿ وعمل صالحاً ﴾ قال: بينه وبين الله.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ﴾ قال باطلاً.

وأخرج عبد بن حميد وهناد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ لا يسمعون فيها لغواً ﴾ قال: لا يستبون.

وفي قوله: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ قال: ليس فيها بكرة ولا عشي يؤتون به على النحو الذي يحبون من البكرة والعشي.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ قال: يؤتون به في الآخرة على مقدار ما كانوا يؤتون به في الدنيا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الوليد بن مسلم قال: سألت زهير بن محمد، عن قوله: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ قال: ليس في الجنة ليل ولا شمس ولا قمر، هم في نور أبداً، ولهم مقدار الليل والنهار، يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب، وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من طريق أبان عن الحسن، وأبي قلابة قالا: قال رجل يا رسول الله، هل في الجنة من ليل؟

قال: وما هيجك على هذا؟!

قال: سمعت الله يذكر في الكتاب ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ فقلت الليل من البكرة، والعشي، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «ليس هناك ليل، وإنما هو ضوء نور، يرد الغدو على الرواح، والرواح على الغدوّ، وتأتيهم طرف الهدايا من الله، لمواقيت الصلوات التي كانوا يصلون فيها في الدنيا، وتسلم عليهم الملائكة» .

وأخرج ابن المنذر، عن يحيى بن أبي كثير قال: كانت العرب في زمانها إنما لها أكلة واحدة، فمن أصاب أكلتين، سمي فلاناً الناعم.

فأنزل الله تعالى يرغب عباده فيما عنده ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال: كانوا يعدون النعيم، أن يتغدى الرجل، ثم يتعشى.

قال الله لأهل الجنة: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من غداة من غدوات الجنة، كل الجنة غدوات، إلا أن يزف إلى وليّ الله تعالى فيها زوجة من الحور العين أدناهن التي خلقت من زعفران» .

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ تلك الجنة التي نورث ﴾ بالنون مخففة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن شوذب في قوله: ﴿ تلك الجنة التي نورث من عبادنا ﴾ قال: ليس من أحد إلا وله في الجنة منزل وأزواج، فإذا كان يوم القيامة، ورث الله المؤمن كذا وكذا منزلاً من منازل الكفار.

فذلك قوله: ﴿ من عبادنا ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن داود بن أبي هند في قوله: ﴿ من كان تقياً ﴾ قال: موحداً.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وعبد بن حميد والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ إلى آخر الآية» .

زاد ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم، فكان ذلك الجواب لمحمد.

وأخرج ابن مردويه، عن أنس قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي البقاع أحب إلى الله وأيها أبغض إلى الله؟

قال: ما أدري حتى أسأل جبريل، وكان قد أبطأ عليه فقال: لقد أبطأت عليّ حتى ظننت أن بربي عليّ موجدة!...

فقال: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: «أبطأ جبريل على النبي- صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً ثم أنزل، فقال له النبي- صلى الله عليهه وسلم- ما نزلت حتى اشتقت إليك فقال له جبريل:أنا كنت إليك أشوق ولكني مأمور فأوحى الله إلى جبريل أن قل له: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ » .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي قال: احتبس جبريل عن النبي- صلى الله عليه وسلم- بمكة حتى حزن واشتد عليه، فشكا إلى خديجة، فقالت خديجة: لعل ربك قد ودعك أو قلاك، فنزل جبريل بهذه الآية: ﴿ ما ودعك ربك وما قلى ﴾ [ الضحى: 2] قال: يا جبريل، احتبست عني حتى ساء ظني، فقال جبريل: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ .

وأخرج ابن جرير، عن مجاهد قال: لبث جبريل عن النبي- صلى الله عليه وسلم اثني عشرة ليلة، فلما جاءه قال: لقد رثت حتى ظن المشركون كل ظن فنزلت الآية.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: «أبطأت الرسل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم أتاه جبريل فقال: ما حبسك عني قال: كيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم، ولا تنقون براجمكم، ولا تأخذون شواربكم ولا تستاكون وقرأ ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: احتبس جبريل، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، وحزن فأتاه جبريل وقال: يا محمد: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا ﴾ يعني من الدنيا ﴿ وما خلفنا ﴾ يعني من الآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة ﴿ له ما بين أيدينا ﴾ قال: الدنيا ﴿ وما خلفنا ﴾ قال: الآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ له ما بين أيدينا ﴾ قال: من أمر الآخرة ﴿ وما خلفنا ﴾ من أمر الدنيا ﴿ وما بين ذلك ﴾ ما بين الدنيا والآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما بين ذلك ﴾ قال: ما بين النفختين.

وأخرج هناد وابن المنذر، عن أبي العالية ﴿ وما بين ذلك ﴾ قال: ما بين النفختين.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ قال: ﴿ ما كان ربك ﴾ لينساك يا محمد.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبزار والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه والحاكم وصححه، عن أبي الدرداء رفع الحديث قال: ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً.

ثم تلا ﴿ وما كان ربك نسيا ﴾ .

وأخرج ابن مردويه من حديث جابر مثله.

وأخرج الحاكم عن سلمان «سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ هل تعلم له سميا ﴾ قال: هل تعلم للرب مثلاً أو شبها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ هل تعلم له سميا ﴾ قال: ليس أحد يسمى الرحمن غيره.

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ هل تعلم له سميا ﴾ يا محمد هل تعلم لإلهك من ولد؟.

وأخرج الطستي، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ هل تعلم له سمياً ﴾ قال: هل تعلم له ولداً؟

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت الشاعر وهو يقول: أما السمي فأنت منه مكثر ** والمال مال يغتدي ويروح <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ ذكرنا الكلام في هذا في سورة الأعراف [169].

قال السدي: (هم اليهود والنصارى) (١)  - قوما يتبارون ينزوا بعضهم على بعض في الأزقة (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ ﴾ قال محمد بن كعب: (تركوها) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) وقال عمر: (شربوا الخمر فأضاعوها) (٩) وقال سعيد: (هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا العصر حتى تغرب الشمس) (١٠) (١١) وقال الحسن: (عطلوا المساجد ولزموا الضيعات) (١٢) (١٣) قال الزجاج: (والأشبه في تفسير: ﴿ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ ﴾ تركوها البته؛ لأنه يدل على أنه يعني به الكفار، ودليل ذلك قوله: ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ ﴾ ) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ﴾ قال ابن عباس: (اتبعوا المعاصي) (١٥) (١٦) ﴿ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ﴾ يعني: اليهود والنصارى والمجوس.

فقد قال مقاتل في تفسيره: (استحلوا نكاح الأخت.

ثم قال: ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ ﴾ يعني تاب من التقصير في الصلاة "وآمن" يعني: اليهود والنصارى) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاءة (الغي: واد في جنهم) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) وروي عن ابن عباس في قوله: (غَيًّا) قال: (شرا وخيبة) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) ﴿ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى  ﴾ أي: فسد عليه عيشه) (٣١) وذكر الزجاج وجها آخر في معنى الغي وهو أنه قال: (فسوف يلقون مجازاة الغي، كما قال: ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا  ﴾ أي: مجازاة الأثام) (٣٢) ومعنى ﴿ يُلْقُونَ ﴾ هاهنا ليس بمعنى يرون فقط؛ لأن اللقاء معناه الاجتماع والملابسة مع الرؤية (٣٣) (١) "معالم التنزيل" 5/ 240، "زاد المسير" 5/ 245، "أضواء البيان" 4/ 308، "الدر المنثور" 4/ 499.

(٢) الزقاق: الطريق الضيق دون السكة والجمع أزقة، وزقاق.

انظر: "تهذيب اللغة" (زقق) 2/ 1401، "الصحاح" (زقق) 4/ 1491، "لسان العرب" (زقق) 3/ 1845.

(٣) "جامع البيان" 16/ 99، "المحرر الوجيز" 9/ 493، "معالم التنزيل" 5/ 141، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 142، "زاد المسير" 5/ 245.

(٤) "جامع البيان" 16/ 99، "النكت والعيون" 3/ 379، "المحرر الوجيز" 9/ 493، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 142، "الدر المنثور" 4/ 499.

(٥) القاسم بن مخيمرة الهمداني، أبو عروة الكوفي نزيل الشام، تابعي، إمام عابد، محدث فقيه، توفي -رحمه الله- سنة 100 هـ.

انظر: "الجرح والتعديل" 7/ 120، "سير أعلام النبلاء" 5/ 201، "تهذيب التهذيب" 8/ 337.

(٦) "جامع البيان" 16/ 99، "المحرر الوجيز" 9/ 493،"تفسير القرآن العظيم" 3/ 142، "زاد المسير" 5/ 245، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 122.

(٧) ذكر ابن جرير الطبري في "تفسيره" 16/ 99 رأيًا نقله عن العلماء يقول فيه: أضاعوا المواقيت ولو كان تركًا كان كفرًا.

وقال القرطبي في "تفسيره" 11/ 123: وجملة القول في هذا الباب أن من لم يحافظ على كمال وضوئها وركوعها وسجودها فليس بمحافظ عليها، ومن لم يحافظ عليها فقد ضيعها فهو لما سواها أضيع، كما أن من حافظ عليها حفظ الله عليه دينه ولا دين لمن لا صلاة له.

(٨) "معالم التنزيل" 5/ 241، "الكشاف" 2/ 415، "زاد المسير" 5/ 245، "الدر المنثور" 4/ 499.

(٩) ذكر نحوه "جامع البيان" 16/ 99، "النكت والعيون" 3/ 379، "المحرر الوجيز" 9/ 494،"تفسير القرآن العظيم" 3/ 142، "الدر المنثور" 4/ 499.

(١٠) "معالم التنزيل" 5/ 241.

(١١) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 99، "الكشف والبيان" 3/ 9، "بحر العلوم" 2/ 328، "معالم التنزيل" 5/ 241، "زاد المسير" 5/ 245، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 142.

(١٢) الضيعة: الحرفة والتجارة، وضيعة الرجل: حرفته وصناعته، ومعاشه وكسبه.

وقيل: الضياع المنازل، وسميت ضياعًا؛ لأنها تضيع إذا ترك تعهدها وعمارتها.

انظر: "تهذيب اللغة" (ضيع) 3/ 2579، "الصحاح" (ضيع) 3/ 1252، "لسان العرب" (ضيع) 5/ 2624، "مختار الصحاح" (ضيع) ص 162.

(١٣) "تفسير القرآن العظيم" 3/ 142، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 123.

(١٤) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 335.

والراجح -والله أعلم- أن من أخر الصلاة عن وقتها، وترك فرضا من فروضها، أو شرطا من شروطها، أو ركنا من أركانها فقد أضاعها، وإن كانت أنواع الإضاعات تتفاوت، ويدخل تحت الإضاعة تركها أو جحدها دخولًا أوليًّا.

انظر: "جامع البيان" 16/ 99، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 123، "فتح القدير" 3/ 485، "أضواء البيان" 4/ 308.

(١٥) ذكرته كتب المفسير بدون نسبة.

انظر: "معالم التنزيل" 5/ 241، "زاد المسير" 5/ 245، "لباب التأويل" 4/ 252، "روح المعاني" 16/ 109.

(١٦) ذكره بدون نسبة البغوي "تفسيره" 5/ 241، والزمخشري في "كشافه" 2/ 415.

(١٧) "الكشف والبيان" 3/ 9 أ، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 18، "بحر العلوم" 2/ 328، "الكشاف" 2/ 405، "روح المعاني" 16/ 109.

(١٨) "معالم التنزيل" 5/ 241، "زاد المسير" 5/ 245، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 125، "فتح القدير" 3/ 485، "الدر المنثور" 4/ 500.

(١٩) "جامع البيان" 16/ 100، "النكت والعيون" 3/ 380، "المحرر الوجيز" 9/ 495، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 132.

(٢٠) "جامع البيان" 6/ 100، "المحرر الوجيز" 11/ 41، "معالم التنزيل" 5/ 241، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 143، "الدر المنثور" 4/ 500.

(٢١) شفي بن ماتع، ويقال: ابن عبد الله الأصبحي، أبو عثمان المصري، تابعي ثقة، روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة وغيرهما، وروى عنه عقبة بن مسلم، وأيوب بن بشير، وأبو هاني وغيرهم، وثقة العلماء وذكروه في كتب الثقات، وكان عالمًا حكيمًا، توفي -رحمه الله- سنة 105 هـ.

انظر: "تهذيب التهذيب" 4/ 315، "الجرح والتعديل" 4/ 389، "الثقات" لابن حبان 4/ 371، "الكاشف" 2/ 14.

(٢٢) "أضواء البيان" 4/ 359، "الدر المنثور" 4/ 500.

(٢٣) "زاد المسير" 5/ 245، "البحر المحيط" 6/ 201.

(٢٤) "معالم التنزيل" 5/ 241، "الكشف والبيان" 3/ 9/ أ، "البحر المحيط" 6/ 201.

(٢٥) "معالم التنزيل" 5/ 241، "زاد المسير" 5/ 245، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 125.

(٢٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 336.

(٢٧) ذكر نحوه: "جامع البيان" 16/ 100، "النكت والعيون" 3/ 380، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 143، "زاد المسير" 5/ 245، "أضواء البيان" 4/ 309.

(٢٨) "جامع البيان" 16/ 100، "النكت والعيون" 3/ 380، "المحرر الوجيز" 9/ 494، "زاد المسير" 5/ 245، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 125.

(٢٩) "معالم التنزيل" 5/ 241، "المحرر الوجيز" 9/ 494.

(٣٠) انظر: "تهذيب اللغة" (غوى) 3/ 2706، "مقاييس اللغة" (غوى) 4/ 399، "المفردات في غريب القرآن" (غوى) 369، "لسان العرب" (غوى) 6/ 3320.

(٣١) "تهذيب اللغة" (غوى) 83/ 2706، "لسان العرب" (غوى) 6/ 3320.

(٣٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 336.

والظاهر -والله أعلم- أن هذه الأقوال متقاربة المعاني وذلك أن من فعل هذه الأفعال فسوف يلقى عذابا عظيما ومن لقيه فقد لقي خسرانا وشرا حسبه به شرا.

انظر: "جامع البيان" 16/ 101، "أضواء البيان" 4/ 310.

(٣٣) "معالم التنزيل" 5/ 241، "زاد المسير" 5/ 245.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ يقال في عقب الخير خلف بفتح اللام وفي عقب الشر خلف بالسكون وهو المعني هنا.

واختلف فيمن المراد بذلك، فقيل: النصارى لأنهم خلفوا اليهود، وقيل: كل من كفر وعصى من بعد بني إسرائيل ﴿ أَضَاعُواْ الصلاوة ﴾ قيل: تركوها، وقيل أخرجوها عن أوقاتها ﴿ يَلْقَونَ غَيّاً ﴾ الغي: الخسران، وقد يكون بمعنى الضلال فيكون على حذف مضاف تقديره: يلقون جزاء غيّ ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ ﴾ استثناء يحتمل الاتصال والانقطاع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ مخلصاً ﴾ بفتح اللام: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل.

الباقون بكسرها.

﴿ إبراهام ﴾ وما بعده: هشام والأخفش عن ابن ذكوان ﴿ إذا ابتلي ﴾ بالياء التحتانية وكذلك في سورة الحج: قتيبة ﴿ نورث ﴾ بالتشديد: رويس.

الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ سوياً ﴾ ه ﴿ لا تعبد الشيطان ﴾ ط ﴿ عصياً ﴾ ه ﴿ ولياً ﴾ ه ﴿ يا إبراهيم ﴾ ط ج وقد يوصل ويوقف على ﴿ آلهتي ﴾ .

﴿ ملياً ﴾ ه ﴿ سلام عليك ﴾ ج للابتداء بسين الاستقبال مع أن القائل واحد ﴿ لك ربي ﴾ ط ﴿ حفياً ﴾ ه ﴿ وأدعو ربي ﴾ ز لانقطاع النظم والوصل أولى لأن عسى لطمع الإجابة بالدعاء ﴿ شقياً ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ لا لأن ما بعده جواب لما ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ز للأبتداء بأن مع أن المراد بالذكر إخلاص موسى ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نجياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ إسماعيل ﴾ ز لما مر ﴿ نبياً ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ والزكاة ﴾ ط ﴿ مرضيا ﴾ ه ﴿ إدريس ﴾ ز ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ مع نوح ﴾ ز على تقدير ومن ذريته إبراهيم وما بعده قوم إذا تتلى عليهم، وكذا وجه من وقف على ﴿ ذرية آدم ﴾ أو على ﴿ إسرائيل ﴾ والأصح أن الكل عطف على ذرية آدم والوقف على قوله: ﴿ واجتبينا ﴾ لئلا يحتاج إلى الحذف وليرجع ثناء السجود والبكاء إلى الكل ﴿ وبكيا ﴾ ه ﴿ عياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ جنات ﴾ بدل من ﴿ الجنة ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ط ﴿ مأتيا ﴾ ه ﴿ سلاماً ﴾ ه ﴿ وعشياً ﴾ ه ﴿ تقياً ﴾ ه ﴿ بأمر ربك ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ ذلك ﴾ ج لأن قوله: ﴿ وما كان ﴾ معطوف على ﴿ نتنزل ﴾ مع وقوع العارض ﴿ نسياً ﴾ ج ه، لأن ما بعده بدل أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ لعبادته ﴾ ط ﴿ سمياً ﴾ ه.

التفسير: إن الذين أثبتوا معبوداً سوى الله منهم من أثبت معبوداً حياً عاقلاً كالنصارى، ومنهم من عبد معبوداً جماداً كعبدة الأوثان، وكلا الفريقين ضال إلا أن الفريق الثاني أضل.

وحين بين ضلال الفريق الأول شرع في بيان ضلال الفريق الثاني تدرجاً من الأسهل إلى الأصعب.

وإنما بدأ بقصة إبراهيم  لأنه كان أبا العرب وكانوا مقرين بعلوّ شأنه وكمال دينه فكأنه قال لهم: إن كنتم مقلدين فقلدوه في ترك عبدة الأوثان وعبادتها، وإن كنتم مستدلين فانظروا في الدلائل التي ذكرها على أبيه.

والمراد بذكر الرسول إياه في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس كقوله: ﴿ واتل عليهم نبأ إبراهيم  ﴾ وإلا فهو  هو الذي يذكره في تنزيله.

وقوله: ﴿ إذ قال ﴾ بدل من ﴿ إبراهيم ﴾ وما بينهما اعتراض، ولمكان هذا الاعتراض صار الوقف على ﴿ إبراهيم ﴾ مطلقاً.

وجوز في الكشاف أن يتعلق "إذ" بـ ﴿ كان ﴾ أو بـ ﴿ صديقاً نبياً ﴾ أي كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات.

والصديق من أبنية المبالغة فهي إما مبالغة صادق لأن ملاك أمر النبوة الصدق، وإما مبالغة مصدق وذلك لكثرة تصديقه الحق وهذا أيضاً بالحقيقة يعود إلى الأول، لأن مصدق الحق لا يعتبر تصديقه.

إلا إذا كان صادقاً جداً في أقواله مصدقاً لجميع من تقدم من الأنبياء والكتب، وكان نبياً في نفسه رفيع القدر عند الله وعند الناس بحيث جعل واسطة بينه وبين عباده.

وقيل: إن "كان" بمعنى "صار" والأصح أنه بمعنى الثبوت والاستمرار أي إنه لم يزل موصوفاً بالصدق والنبوة في الأوقات الممكن له ذلك فيها.

والتاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وقد مر في أول سورة يوسف.

أورد على أبيه الدلائل والنصائح وصدر كلاً منها بالنداء المتضمن للرفق واللين استمالة لقلب أبيه وامتثالاً لأمر ربه على ما رواه أبو هريرة أن رسول الله  قال: "أوحى الله إلى إبراهيم إنك خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي وأسكنه حظيرة القدس وأدنيه من جواري" .

فقوله: {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر" منسيّ المفعول لا منويه فإن الغرض نفي الفعلين على الإطلاق دون التقييد.

و"ما" موصولة أو موصوفة أي الذي لا يسمع أو معبوداً لا يسمع و ﴿ شيئاً ﴾ مفعول به من قوله: "أغن عني وجهك" أي ادفعه.

ويجوز أن يكون بمعنى المصدر أي شيئاً من الإغناء، وعلى هذا يجوز أن يقدر نحوه مع الفعلين السابقين أي لا يسمع شيئاً من السماع إلى آخره.

وحاصل الدليل أن العبادة غاية الخضوع فلا يستحقها إلا أشرف الموجودات لا أخسها وهو الجماد غاية عذرهم عن تلك هي أنها تماثيل أشياء يتصوّر نفها أو ضرها كالكواكب وغيرها فيقال لهم: أليس الكواكب وسائر الممكنات تنتهي في الاحتياج إلى واجب الوجود؟

فإذا جعل شيء من هذه الأشياء معبوداً فقد شورك الممكن والواجب في نهاية التعظيم وهذا مما ينبو عنه الطبع السليم، ورفع الوسائط من البين أدخل في الإخلاص وأقرب إلى الخلاص.

وقوله: ﴿ يا أبت أني قد جاءني ﴾ تنبيه ونصيحة وفيه أن هذا العلم تجدد له حصوله فيكون أقرب إلى التصديق.

وفي قوله: ﴿ من العلم ما لم يأتك ﴾ فائدة هي أنه لم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ولكنه قال: إن معي طائفة من العلم ليست معك فلا تستنكف، وهب أنا في مفازة وعندي معرفة بالدلالة دونك ﴿ فاتبعني أهدك صراطاً سوياً ﴾ مستوياً مؤدّياً إلى المقصود وهو صلاح المعاش والمعاد.

استدل أرباب التعليم بالآية بأنه لا بد من الاتباع.

وأجيب بأنه لا يلزم من اتباع النبي اتباع غيره.

والإنصاف أن هذه الطريق أسهل.

ثم أكد المعنى المذكور بنصيحة أخرى زاجرة عما هو عليه فقال: ﴿ يا أبت لا تعبد الشيطان ﴾ أي لا تطعه فإن عبادة الأصنام هي طاعة الشيطان.

ثم أسقط حصة نفسه إذ لم يقل إن الشيطان عدوّ لبني آدم بل قدّم حق ربه فقال: ﴿ إن الشيطان كان للرحمن عصياً ﴾ حين ترك أمره بالسجود عناداً واستكباراً لا نسياناً وخطأ، نبهه بهذه النصيحة على وجود الرحمن ثم على وجود الشيطان، وأن الرحمن مصدر كل خير، والشيطان مظهر كل شر بدلالة الموضوع اللغوي، وهذا القدر كافٍ من التنبيه لمن تأمل وأنصف.

ثم بين الباعث على هذه النصحية فقال: ﴿ يا أبت إني أخاف ﴾ وفيه مع التخويف من سواء العاقبة أنواع من الأدب إذ ذكر الخوف والمس ونكر العذاب.

قال الفراء: معنى أخاف أعلم.

والأكثرون على أنه محمول على ظاهره لأن إبراهيم  لم يكن جازماً بموت أبيه على الكفر وإلا لم يشتغل بنصحه.

والخوف على الغير ظن وصول الضرر إلى ذلك الغير مع تألم قلبه من ذلك كما يقال: أنا خائف على ولدي.

وذكروا في الولي وجوهاً منها: أنه إذا استوجب عذاب الله كان مع اشيطان في النار والمعية سبب الولاية أو مسببها غالباً، وإطلاق أحدهما على الآخر مجاز.

وليس هناك ولاية حقيقة لقوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ  ﴾ ﴿ إني كفرت بما أشركتمون من قبل  ﴾ ومنها أن حمل العذاب على الخذلان ومنها أن الولي بمعنى التالي والتابع قال جار الله: جعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أتباعه وأوليائه أكبر من نفس العذاب، لأن ولاية الشيطان في مقابلة رضا الرحمن وقال عز من قائل: ﴿ ورضوان من الله أكبر  ﴾ وإذا كان رضوان الله أكبر من نعيم الجنة فولاية الشيطان أعظم من عذاب النار.

ثم إن الشيخ قبل ملاطفات إبراهيم بالفظاظة والغلظة قائلاً ﴿ أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ﴾ فقدم الخبر على المبتدأ إشعاراً بأنه عنده أعنى.

وفي هذا الاستفهام ضرب من التعجب والإنكار لرغبته عن آلهته.

وفي قوله: ﴿ يا إبراهيم ﴾ دون أن يقول: "يا بني" في مقابلة ﴿ يا أبت ﴾ تهاون به كيف لا وقد صرح بالإهانة قائلاً ﴿ لئن لم تنته لأرجمنك ﴾ باللسان أي لأشتمنك أو باليد أي لأقتلنك وأصله الرمي بالرجم.

ثم ههنا إضمار أي فاحذرني ﴿ واهجرني ملياً ﴾ أي زماناً طويلاً من الملاوة، أو أراد ملياً بالذهاب والهجران.

مطيقاً له قوياً عليه قبل أن أثخنك بالضرب.

فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على التمرد والجهالة ﴿ قال سلام عليك ﴾ يعني سلام توديع ومتاركة كقوله: ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً  ﴾ وفيه أن متاركة المنصوح إذا ظهر منه آثار اللجاج من سنن المرسلين، ويحتمل أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له ورفقاً به بدليل قوله: ﴿ سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيّاً ﴾ بليغاً في البر والإلطاف وقد مر ي آخر "الأعراف".

احتج بالآية بعض من طعن في عصمة الأنبياء قال: إنه استغفر لأبيه الكافر وهو منهي عنه لقوله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين  ﴾ الآية.

ولقوله في الممتحنة ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم  ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك  ﴾ فلو لم يكن هذا معصية لم يمنع من التأسي به.

والجواب لعل إبراهيم  في شرعه لم يجد ما يدل على القطع بتعذيب الكافر أو لعل بهذا الفعل منه من باب ترك الأولى، أو لعل الاستغفار بمعنى الاستبطاء كقوله: ﴿ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله  ﴾ والمعنى سأسأل ربي أن يخزيك بكفرك ما دمت حياً.

والجواب في الحقيقة ما مر في آخر سورة التوبة في قوله عز من قائل ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه  ﴾ والمنع من التأسي لا يدل على المعصية، فلعل الاستغفار مع ذلك الشرط كان من خصائصه كما أن كثيراً من الأمور كانت مباحة للرسول الله  هي محرمة علينا.

ثم صرح بما تضمنه السلام من التوديع والهجران فقال: ﴿ وأعتزلكم ﴾ أي أهاجر إلى الشام ﴿ و ﴾ أعتزل ﴿ ما تدعون ﴾ أي ما تعبدون ﴿ من دون الله ﴾ وقد يعبر بالدعاء عن العبادة لأنه منها ومن وسائطها، يدل على هذا التفسير قوله: ﴿ فلما أعتزلهم وما يعبدون ﴾ أما قوله: ﴿ وأدعو ربي ﴾ فيحتمل معنيين: العبادة والدعاء كما يجيء في سورة الشعراء.

وفي قوله: ﴿ عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً ﴾ تعريض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم وعبادتها مع التواضع وهضم النفس المستفاد من لفظ ﴿ عسى ﴾ .

قال العلماء: ما خسر على الله أحد فإن إبراهيم لما ترك أباه الكافر وقومه فراراً بدينه عوّضه الله أولاداً مؤمنين أنبياء وذلك قوله: ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاً جعلنا نبياً ووهبنا لهم ﴾ شيئاً ﴿ من رحمتنا ﴾ عن الحسن: هي النبوة.

وعن الكلبي: المال والولد.

والأظهر أنها عامة في ذلك كل خير ديني ودنيوي ولسان الصدق والثناء الحسن، عبر باللسان عما يوجد به كما عبر باليد عما يطلق بها وهو العطية وقد مر تحقيق الإضافة في أول يونس في قوله: ﴿ قدم صدق  ﴾ تبرأ إبراهيم من أبيه ابتغاء مرضاة الله فسماه الله أبا بالمؤمنين ﴿ ملة أبيكم إبراهيم  ﴾ ، وتل ولده للجبين ففداه الله بذبح عظيم، وأسلم نفسه لرب العالمين فجعل النار عليه برداً وسلاماً، وأشفق على هذه الأمة فقال وابعث فيهم رسولاً، فأشركه الله في الصلاة على النبي  في الصلوات الخمس، ووفى في حق سارة كما قال  : ﴿ وإبراهيم الذي وفى  ﴾ فجعل موطىء قدمه مباركاً ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى  ﴾ وعادى كل الخلق في الله حين قال ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين  ﴾ فلا جرم اتخذه الله خليلاً.

ثم قفى قصة إبراهيم بقصة موسى  لأنه تلوه في الشرف.

والمخلص بكسر اللام الذي أخلص العبادة عن الشرك والرياء وأخلص وجهه لله، وبالفتح الذي أخلصه الله و ﴿ كان رسولاً نبياً ﴾ الرسول الذي معه كتاب من الأنبياء والنبي الذي ينبىء عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب، وكان المناسب ذكر الأعم قبل الأخص إلا أن رعاية الفاصلة اقتضت عكس ذلك كقوله في طه ﴿ برب هرون وموسى  ﴾ ﴿ الأيمن ﴾ من اليمين أي من ناحية اليمنى من موسى أو هو من اليمن صفة للطور أو للجانب ﴿ وقربناه ﴾ حال كونه ﴿ نجياً ﴾ أي مناجياً شبه تكليمه إياه من غير واسطة ملك بتقريب بعض الملوك واحداً من ندمائه للمناجاة والمسارة.

وعن أبي العالية أن التقريب حسي، قربه حتى سمع صريف القلم الذي كتبت به التوراة والأول أظهر، ومنه قولهم للعبادة "تقرب" وللملائكة "أنهم مقربون".

﴿ ووهبنا له من رحمتنا ﴾ أي من أجلها أي بعض رحمتنا فيكون ﴿ أخاه ﴾ بدلاً و ﴿ هرون ﴾ عطف بيان كقولك "رأيت رجلاً أخاك زيداً".

و ﴿ نبياً ﴾ حال من هارون.

قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى فتنصرف الهبة إلى معاضدته وموازرته.

وذلك بدعاء موسى في قوله: ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي  ﴾ وخص إسماعيل بن إبراهيم بصدق الوعد وإن كان الأنبياء كلهم صادقين فيما بينهم وبين الله أو الناس، لأنه المشهور المتواصف من خصاله من ذلك: أنه وعد نفسه الصبر على الذبح فوفى به.

وعن ابن عباس أنه وعد صاحباً له أن ينتظره فانتظره سنة.

عن رسول الله  أنه واعد رجلاً ونسي ذلك الرجل فانتظره من الضحى إلى قريب من غروب الشمس.

وسئل الشعبي عن الرجل يعد ميعاده إلى أي وقت ينتظره؟

فقال: إذا واعدته في وقت الصلاة فانتظره إلى وقت صلاة أخرى.

وكان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لغيرهم ولأن الابتداء بالإحسان الديني والدنيوي بمن هو أقرب أولى ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً  ﴾ "بدأ من تعول" ويحسن أن يقال: أهله أمته كلهم أقارب أو أباعد من حيث إنه يلزمه في جميعهم ما يلزم المرء في أهله خاصة من قضاء حقوق النصيحة والشفقة ورعاية مصالحهم الدينية والدنيوية.

وعلى القولين يندرج في الصلاة الصلوات المفروضة والمندوبة كصلاة التهجد وغيرها، وأما الزكاة فالأقرب أنها الصدقة المفروضة.

وعن ابن عباس أنها طاعة الله والإخلاص لأن فاعلها يزكو بها عند الله.

وأما إدريس فالأصح أنه اسم عجمي بدليل منع الصرف كما مر مراراً في آدم ويعقوب وغيرهما.

وقيل: "افعيل" من الدرس لكثرة دراسته كتاب الله، ولعل معناه بالأعجمية قريب من الدراسة فظنه القائل مشتقاً منها.

وفي رفعته أقوال منها: أن المكان العليّ شرف النبوة والزلفى عند الله، وقد أنزل عليه ثلاثون صحيفة، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود، واسمه أخنوخ من أجداد نوح لأنه نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وأهل التنجيم بعضهم يسمونه هرمس ولهم نوادر في استخراج طوالع المواليد ينسبونه إليه.

وقيل: إن الله  رفعه إلى السماء وإلى الجنة وهو حي لم يمت.

وقال آخرون: رفع إلى السماء وقبض روحه.

عن ابن عباس أنه سأل كعباً عن قوله: ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ قال: جاء خليل من الملائكة فسأله أن يكلم ملك الموت حتى يؤخر قبض روحه، فحمله ذلك الملك بين جناحيه فصعد به، فلما كان في السماء الرابعة إذ بملك الموت يقول: بعثت لأقبض روح إدريس في السماء الرابعة وأنا أقول: كيف ذلك وهو في الأرض؟

فالتفت إدريس فرأى ملك الموت فقبض روحه هناك.

وعن ابن عباس أنه رفع إلى السماء السادسة.

وعن الحسن: المراد أنه رفع إلى الجنة ولا شيء أعلى منها.

﴿ أولئك ﴾ المذكورون من لدن زكريا إلى إدريس هم ﴿ الذين أنعم الله عليهم من النبيين ﴾ "من" للبيان لأن جميع الأنبياء منعم عليهم ﴿ من ذرية آدم ﴾ هي للتبعيض وكذا في قوله: ﴿ وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل ﴾ والمراد بمن هو من ذرية آدم إدريس لقربه منه، وبذرية من حمل مع نوح إبراهيم  لأنه من ولد سام بن نوح، وبذرية إبراهيم وإسماعيل، وبذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم لأن مريم من ذريته.

﴿ وممن هدينا ﴾ يحتمل العطف على من الأولى والثانية وفي هذا الترتيب تنبيه على أن هؤلاء الأنبياء اجتمع لهم مع كمال الأحساب شرف الأنساب، وأن جميع ذلك بواسطة هداية الله وبمزية اجتنائه واصطفائه.

ثم إن جعلت ﴿ الذين ﴾ خبراً ﴿ لأولئك ﴾ كان ﴿ إذا يتلى ﴾ كلاماً مستأنفاً، وإن جعلته صفة له كان خبراً وقد عرفت في الوقوف سار الوجوه من قرأ ﴿ يتلى ﴾ بالتذكير لأن تأنيث الآيات غير حقيقي والفاصل حاصل.

والبكي جمع باكٍ "فعول" كسجود في "ساجد" أبدلت الواو ياء وأدغمت وكسر ما قبلها للمناسبة.

ومن زعم أنه مصدر فقدسها لأنها قرينة سجداً.

عن رسول الله  : " اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" أراد بالآيات التي فيها ذكر العذاب وقال غيره: إطلاق الآيات والحديث المذكور يدل على العموم لأن كل آية إذا فكر فيها المفكر صح أن يسجد عندها ويبكي.

قلت: لعل المراد بآيات الله ما خصهم الله  به من الكتب المنزلة، لأن القرآن حينئذ لم يكن منزلاً واختلفوا في السجود.

فقيل: هو الخشوع والخضوع.

وقيل: الصلاة.

وقيل: سجدة التلاوة على حسب ما تعبدنا به.

ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا يتعبدون بالسجود.

قال الزجاج: الإنسان في حال خروره لا يكون ساجداً فالمراد خروا متهيئين للسجود.

عن رسول الله  : "اقرؤا القرآن بحزن فإنه نزل بحزن" وعن ابن عباس: إذا قرأتم سجدة "سبحان" فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه.

وقالت العلماء: يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بها فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللَّهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك.

وإن قرأ سجدة "سبحان" قال: اللَّهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك.

وإن قرأ ما في هذه السورة قال: اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك.

ولما مدح هؤلاء الأنبياء ترغيباً لغيرهم من سيرتهم وصف أضدادهم لتنفير الناس عن طريقتهم قائلاً ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ وهو عقب السوء كما مر في آخر "الأعراف" فإضاعة الصلاة في مقابلة الخرور سجداً، واتباع الشهوات بإزاء البكاء.

عن بان عباس: هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلوا نكاح الأخت من الأب.

وعن إبراهيم النخعي ومجاهد: أضاعوها بالتأخير.

وعن علي  في قوله: ﴿ واتبعوا الشهوات ﴾ من بني الشديد وركب المنظور ولبس المشهور.

وعن قتادة: هو في هذه الأمة ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ قال جار الله: كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد.

وقال الزجاج: هو على حذف المضاف أي جزاء غي كقوله: ﴿ ويلق أثاماً  ﴾ أي مجازاة أثام.

وقيل: غياً من طريق الجنة.

وقيل: هو وادٍ في جهنم تستعيذ منه أوديتها احتج بعضهم بقوله: ﴿ إلا من تاب وآمن ﴾ على أن تارك الصلاة كافر وإلا لم يحتج إلى تجديد الإيمان.

والجواب أنه إذا كان المذكورون هم الكفرة أو اليهود - كما رويناه عن ابن عباس - سقط الاستدلال.

واحتجت الأشاعرة في أن العمل ليس من الإيمان لأن العطف دليل التغاير.

وأجاب الكعبي بأنه عطف الإيمان على التوبة مع أنها من الإيمان، ومنع من أن التوبة من الإيمان ولكنها شرطه لأنها العزم على الترك والإيمان إقرار باللسان، وإنما حذف الموصوف ههنا وقال في الفرقان ﴿ وعمل عملاً صالحاً  ﴾ لأنه أوجز في ذكر المعاصي فأوجز في التوبة وأطال هناك فأطال هناك.

وهذا الاستثناء بحسب الغالب فقد يتوب عن كفره ويؤمن ولم يدخل بعد وقت الصلاة، أو كانت المرأة حائضاً ثم مات فهو من أهل النجاة مع أنه لم يعمل صالحاً.

ومعنى ﴿ لا يظلمون شيئاً ﴾ لا ينقصون شيئاً من جزاء أعمالهم بل يضاعف لهم تفضلاً تنبيهاً على أن تقدم الكفر لا يضرهم بعد أن يتوبوا، ويحتمل أن ينتصب ﴿ شيئاً ﴾ على المصدر أي شيئاً من الظلم.

ومعنى ﴿ جنات عدن ﴾ قد مر في سورة التوبة في قوله: ﴿ ومساكن طيبة في جنات عدن  ﴾ وصفها الله  بالإقامة والدوام خلاف ما عليه جنان الدنيا.

ولما كانت الجنة مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، ويحتمل انتصابها عل الاختصاص وكذا انتصاب "التي".

قال جار الله: عدن علم بمعنى العدن وهو الإقامة وهو علم لأرض الجنة لكونها مكان إقامة ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة.

ولما ساغ وصفها بـ "التي" ومعنى ﴿ بالغيب ﴾ مع الغيبة أي وعدوها وهي غائبة عنهم غير حاضرة، أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها، أو الباء للسببية أي وعدها عباده بسبب تصديق الغيب والإيمان به خلاف حال المنافقين.

وقوله: ﴿ إنه كان وعده مأتياً ﴾ بالأول أنسب وهو مفعول بمعنى "فاعل"، أو على أصله لأن ما أتاك فقد أتيته.

وجوز في الكشاف أن يكون من قولك: "أتى إليك إحساناً" أي كان وعده مفعولاً منجزاً.

قوله: ﴿ إلا سلاماً ﴾ استثناء متصل على التأويل لأن اللغو فضول الكلام وما لا طائل تحته كما تقدم في يمين اللغو في "البقرة" وفي "المائدة" أي إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغواً فلا يسمعون لغواً إلا ذلك كقولهم "عتابك السيف".

أو استثناء منقطع أي لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة، ويجوز أن يكون متصلاً بتأويل آخر وهو أن معنى السلام الدعاء بالسلامة وأهل دار السلام عن الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام.

وفي الآية تنبيه ظاهر على وجوب اتقاء اللغو حيث نزه الله عنه الدار التي لا تكليف فيها.

ثم إنه  من عادته ترغيب كل قوم بما أحبوه في الدنيا فلذلك ذكر أساور من الذهب والفضة لبس الحرير التي كانت للعجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة، وكانت من عادة أشراف اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء لأنها العادة الوسطى المحمودة لمتنعمين منهم فوعدهم بذلك قائلاً: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعيشاً ﴾ هذا قول الحسن.

ولا يكون ثم ليل ولا نهار ولكن على التقدير أي يأكلون على مقدار الغداة على العشي.

وقيل: أراد دوام الرزق كما تقول: أنا عند فلان صباحاً ومساء تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين.

وقوله: ﴿ تلك الجنة التي نورت ﴾ كقوله في "الأعراف" ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها  ﴾ وهي استعارة أي تبقى عليهم الجنة كما يبقى على الوارث مال الموروث منه.

قال القاضي: في الآية دلالة على أن الجنة يختص بدخولها من كان متقياً غير مرتكب للكبائر.

وأجيب بمنع الاختصاص وبأنه يصدق على صاحب الكبيرة.

أنه اتقى الكفر.

سئل ههنا أن قوله  : ﴿ تلك الجنة التي نورث ﴾ كلام الله وقوله بعده: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب ليس من كلام الله فما وجه العطف بينهما: وأجيب بأنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح، فظاهر قوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب جماعة لواحد وإنه لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول كما روي أن قريشاً بعثت خمسة رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة محمد  وهل يجدونه في كتابهم.

فسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه، وقالت اليهود: نجده في كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمان اليمامة عن خصال ثلاث فلم يعرف فاسألوه عنهن، فإن أخبركم بخصلتين منها فاتبعوه، فاسألوه عن فئة أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فلم يدر كيف يجيب، فوعدهم الجواب ولم يقل: إن شاء الله.

فاحتبس الوحي عليه أربعين يوماً - وقيل خمسة عشر يوماً - فشق عليه ذلك مشقة شديدة.

وقال المشركون: ودعه ربه وقلاه.

فنزل جبرائيل  فقال له النبي  : "أبطأت عني حتى ساء ظني واشتقت إليك." قال: كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذ حبست احتبست.

فأنزل الله الآية وأنزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً  ﴾ وسورة الضحى.

ومعنى التنزل على ما يليق بهذا الموضع هو النزول على مهل أي نزلنا في الأحايين وقتاً غب وقت ليس إلا بأمر الله عزوجل.

ثم أكد جبرائيل ما ذكره بقوله: ﴿ له ما بين أيدينا وما خلفنا ﴾ من الجهات والأماكن أو من الأزمنة الماضية والمستقبلة وما بينهما من المكان والزمان الذي نحن فيه فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة، أو من زمان إلى زمان إلا بأمر ربك ومشيئته.

وقيل: له ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة ﴿ وما بين ذلك ﴾ وهو ما بين النفختين أربعون سنة.

وقيل: ما مضى.

من أعمارنا وما غبر منها والحال التي نحن فيها أو ما قبل وجودنا وبعد فنائنا.

وقيل: الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا.

والسماء التي وراءنا، وما بين السماء والأرض وعلى الأقوال فالمراد أنه الميحط بكل شيء لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة فكيف يقدم على فعل إلا بأمره!

وقال أبو مسلم: في وجه النظم إن قوله: ﴿ وما نتنزل ﴾ من قول أهل الجنة لمن بحضرتهم أي ما ننزل الجنة إلا بأمر ربك.

أما قوله: ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ فعلى القول الأول معناه أنه ما كان امتناع النزول إلا لعدم الإذن ولم يكن لترك الله إياكم لقوله: ﴿ ما ودّعك ربك وما قلى  ﴾ وعلى قول غير أبي مسلم هو تأكيد لإحاطته  بجميع الأشياء، وأنه لا يجوز عليه أن يسهو عن شيء ما ألبته.

وعلى قول أبي مسلم المراد أنه ليس ناسياً لأعمال العاملين فيثيب كلاً منهم بحسب عمله فيكون من تتمة حكاية قول أهل الجنة، أو ابتداء كلام من الله  خطاباً لرسوله ويتصل به قوله: ﴿ رب السموات والأرض ﴾ أي بل هو ربهما ﴿ وما بينهما فاعبده ﴾ الفاء للسببية لأن كونه رب العالمين سبب موجب لأن يعبد ﴿ واصطبر لعبادته ﴾ لم يقل "على عبادته" لأنه جعل العبادة بمنزلة القرن في قولك للمحارب "اصطبر لقرنك" أي أوجد الاصطبار لأجل مقاومته.

ثم أكد وجوب عبادته بقوله: ﴿ هل تعلم له سمياً ﴾ أي ليس له مثل ونظير حتى لا تخلص العبادة له، وإن عديم النظير لا بد أن يصبر على مواجب إرادته وتكاليفه خصوصاً إذا كانت فائدتها راجعة إلى المكلف.

وقيل: أراد أنه لا شريك له في اسمه وبيانه في وجهين: أحدهما أنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله عى الوثن إلا أنهم لم يطلقوا لفظ الله على من سواه.

وعن ابن عباس: أراد لا يسمى بالرحمن غيره.

قلت: وهذا صحيح ولعله هو السر في أنه لم يكرر لفظ "الرحمن" في سورة تكريره في هذه السورة.

وثانيهما هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل أن التسمية على الباطل كلا تسمية.

التأويل: ﴿ واذكر في الكتاب ﴾ الأزلي ﴿ إبراهيم ﴾ القلب ﴿ إنه كان صديقاً ﴾ للتصديق ثلاث مراتب: صادق صدق في أقواله، وصادق صدق في أخلاقه وأحواله، وصديق صدق في قيامه مع الله في الله بالله وهو الفانى عن نفسه الباقي بربه ﴿ إذ قال لأبيه ﴾ الروح الذي يعبد صنم الدنيا بتبعية النفس ﴿ فقد جاءني من العلم ﴾ اللدني ﴿ ما لم يأتك ﴾ لما ذكرنا أن القلب محل للفيض الإلهي أقبل من الروح كالمرآة فإنها تقبل النور لصفائها وينعكس النور عنها لكثافتها وصقالتها ﴿ وهبنا له إسحاق ﴾ السر ﴿ ويعقوب ﴾ الخفي ﴿ وناديناه من جانب الطور الأيمن ﴾ أسمعنا موسى القلب من جانب طور الروح لا من جانب وادي النفس الذي هو على أيسر ﴿ وكان يأمر أهله ﴾ أي الجسم والنفس والقلب والروح بالصلاة له توجه كل منهم توجهاً يليق بحاله، وبالزكاة أي تزكية كل واحد منهم من الأخلاق الذميمة ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ في مقعد صدق عند مليك مقتدر ﴿ خروا ﴾ بقلوبهم على عتبة العبودية ﴿ سجداً ﴾ بالتسليم للأحكام الأزلية ﴿ وبكياً ﴾ بكاء السمع يذوبان الوجود على نار الشوق والمحبة ﴿ عباده بالغيب ﴾ أي بغيبتهم عن الوجود قبل التكوين كقوله: ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة  ﴾ ﴿ ولهم رزقهم ﴾ رؤية الله على ما جاء في الحديث: "وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوّاً وعشياً" ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ المقدور في علم الله، وتنادى أهل العزة من سرادقات العزة أن يا أهل الطبيعة أفيقوا من المتمنيات فإنا ما ننزل من عالم الغيب.

إلا بأمر ربك ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ ليحتاج إلى تذكير متمن، بل هو رب سموات الأرواح وأرض الأجساد وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار له ﴿ فاعبده ﴾ بأركان الشريعة بجسدك وبآداب الطريقة بنفسك وبالإعراض عن الدنيا والإقبال على المولى بقلبك وبالفناء في الله والبقاء به بروحك وبسرك.

﴿ هل تعلم له ﴾ نظيراً في المحبوبية لك.

والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قال: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ ﴾ ، أي: خلف من بعد أولئك الذين وصفهم - عز وجل - بالصلاة لله، والخشوع لله فيها، والبكاء، ﴿ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ ﴾ ، أي: جعلوها لغير الله، وهي الأصنام التي كانوا يعبدونها، فإذا جعلوها وصرفوها إلى غير الذي يصلي [إليه] أولئك فقد أضاعوها؛ لأنهم كانوا يصلون للأصنام الصلاة التي كان يصلي أولئك لله.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ ﴾ ؛ لأن الصلاة هي آخر ما يترك ويضيع؛ لأنه روي في الخبر أنه قال: "سَيُنقَضُ عُرَى الإِسْلامِ عُرْوةً فَعُرْوَة، أوَّلُها الأمانة، وآخِرُها الصَّلاَة" وقال بعض أهل التأويل: ﴿ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ ﴾ ، إضاعتها: تأخيرها عن مواقيتها، لا أن تركوها أصلاً، فهذا في أهل الإسلام إن ثبت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ ﴾ ، أي: آثروا الشهوات على العبادات، وجعلوا الشهوات هي المعتمدة دون العبادات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً ﴾ : قال بعضهم: الغي: وادٍ في جهنم، لكن هذا لا يجوز أن يقال إلا بالخبر عن رسول الله أنه قال: واد في جهنم.

وقال بعضهم: الغي: العذاب.

وقال بعضهم: للغي: الشر.

وجائز أن يكون سمي جزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا بالغواية باسم أعمالهم: غياً، ويجوز تسمية الجزاء باسم سببه، كقوله: ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا  ﴾ ونحوه.

ثم استثنى فقال: ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ ﴾ عن الشرك، ﴿ وَآمَنَ ﴾ بالله ﴿ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ ، يشبه أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ ، أي: لا ينقصون من حسناتهم التي عملوها في حال إيمانهم لمكان ما عملوا من الأعمال في حال كفرهم، بل يبدل سيئاتهم حسنات على ما أخبر  : ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ  ﴾ ، وقال في آية [أخرى]: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ أخبر أنهم إذا آمنوا وانتهوا عن الشرك لا يؤاخذهم بما كان منهم في حال كفرهم، والله أعلم.

ثم بيّن أية جنة، فقال: ﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ ، ثم يحتمل إيمانهم بالغيب، أي: بالله آمنوا به بالخبر وإن لم يروه، ويحتمل الغيب: الجنة، أي: صدقوا بها وإن لم يروها والنار والبعث بالغيب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ﴾ أي: كان موعوده آتياً، ولكن ذكر ﴿ مَأْتِيّاً ﴾ ؛ لأن كل من أتاك فقد أتيته، فسمّي لذلك ﴿ مَأْتِيّاً ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً  إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً  ﴾ أي: لا يسمعون باطلاً، ولا ما يكره بعضهم من بعض، ولا ما يأثم بعضهم بعضاً إلا سلاماً، والسلام كأنه اسم كل خير وبركة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ .

قال الحسن: إن أطيب العيش وأحبّه إلى العرب الغداء والعشاء، فأخبرهم الله - عز وجل - أن لهم في الجنة الغداء والعشاء، وأطيب العيش إلى العجم لباس الحرير واللؤلؤ، فأعلمهم أن لهم في الجنة ذلك بقوله: ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ  ﴾ .

ويقول أهل التأويل: ليس في الجنة بكرة ولا عشي، ولا ليل ولا نهار، ولكن يؤتون على ما يحبون من البكرة والعشي.

عن ابن عباس قال: على مقادير الليل والنهار.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ ليس على تخصيص وقت دون وقت، ولكن الأوقات كلها في كل وقت يحبون ويشتهون، كقوله: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ  ﴾ ، ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ  ﴾ .

ويخرج ذكر البكرة والعشي: أن زمان الجنة يكون مشبهاً البكرة من وقت طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ومثل الوقت الذي يكون بعد غروب الشمس إلى أن يظلم؛ لأنه أخبر أن ظله ممدود بقوله: ﴿ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ  ﴾ .

ثم أخبر أن تلك الجنة التي ذكر أن فيها كذا هي ﴿ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً ﴾ يحتمل أن يكون وعد الجنة للبشر كلهم بشرائط شرط عليهم، إن وفوا بها فلهم الجنة جميعاً، وإن لم يفوا بها فلا، فمن وفى بشرائطه التي شرط يجعل الذي كان وعد للذي لم يف - إذا وفى - للذي وفي بذلك، فهو الميراث الذي ذكر، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ...

﴾ الآية [المؤمنون: 10-11]، والوارث هو الباقي من المورث والخلف عن الميت.

وقوله: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ : قال بعضهم: الخلف - بالجزم - يستعمل في موضع الذم، والخلف بالتحريك والنصب في موضع الحمد.

وقال بعضهم: هما سواء، ويستعملان جميعاً في موضع واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾ .

هذا الكلام منه لا يكون إلا عن سؤال كان منه، كأنه قد كان استبطأ نزول جبريل عليه، فعند ذلك قال له: إنا لا نتنزل إلا بأمر ربك.

ثم فيه أنه لم يقل ذلك له إلا بأمر الله؛ لأن الله أخبر أنهم: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ  ﴾ : فلا يحتمل أن يقول له ذلك من تلقاء نفسه؛ فيجعل ذلك آية في كتاب الله تتلى.

قوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ ﴾ .

كأن هذا الكلام موصول بقوله: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾ ؛ لأنهما جميعاً كانا يعلمان أن له ما بين أيديهم وما خلفهم وما بين ذلك؛ فدل ذلك أنه موصول بالأوّل، وجهة الصلة بالأوّل هو أن يقال: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾ ، لا نتقدم إلا بأمره، ولا نتأخر ولا نعمل شيئاً إلاّ بأمره، وهو كقوله: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ  ﴾ .

وأمّا غيره من أهل التأويل اختلفوا فيه: [قال بعضهم]: قوله: ﴿ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا ﴾ : هو الآخرة، ﴿ وَمَا خَلْفَنَا ﴾ : ما مضى من الدنيا، ﴿ وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ ﴾ : الحال التي نحن فيها.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا ﴾ : الدنيا، ﴿ وَمَا خَلْفَنَا ﴾ : الآخرة، ﴿ وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ ﴾ : ما بين النفختين، وأمثال هذا، لكن الذي ذكرنا بدءاً أولى وأشبه؛ إذ هو على الصلة بالأوّل؛ إذ لا يتقدم ولا يتأخر ولا يعمل شيئاً إلا بأمره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ .

هذا يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: ما قال بعض أهل التأويل: إن جبريل قد كان احتبس عنه زماناً، فقال أهل مكة: قد ودعه ربّه وقلاه؛ فنزل: ﴿ وَٱلضُّحَىٰ  وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ  مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ  ﴾ على ما قال المشركون، فيخرج على هذا قوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ على الترك، أي: ما كان ربك تركك لما قال أولئك من التوديع والقلى.

ويحتمل: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ كملوك الأرض يطلب خدمهم وخولهم وقت سهوهم وحالة غفلتهم، فيقضون حوائجهم وحوائج من يطلب منهم القيام بها، أي: ما كان ربك بالذي يسهو ويغفل كملوك الأرض.

والثالث: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ بتأخير نزوله عن وقت النزول، بل أنزل عليك في الوقت الذي هو وقت النزول.

فهذان الوجهان يخرجان على السهو والغفلة، والأول على الترك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾ .

أي: اصبر نفسك عليها وعلى طاعته.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾ ، أي: ما تعلم له شريكاً تشتغل بعبادته عن عبادة الله، إنما هو إله واحد، لا راحة لك عن عبادته ولا ما يشغلك عنه.

وقال بعض أهل التأويل: هل تعلم أحداً اسمه: (الله) سواه؟!

وقال بعضهم: هل تعلم له مثلاً وشبيهاً؟!

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فجاء من بعد هؤلاء الأنبياء المصطفين أتباع سوء وضلال، ضيعوا الصلاة، فلم يأتوا بها على الوجه المطلوب، وارتكبوا ما تشتهيه أنفسهم من المعاصي كالزنى، فسوف يلقون شرًّا في جهنم وخيبة.

<div class="verse-tafsir" id="91.pGMlO"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.9 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
أستغفر الله