الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٩٣ من سورة مريم
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 82 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٩٣ من سورة مريم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا ) أي : قد علم عددهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة ، ذكرهم وأنثاهم وصغيرهم وكبيرهم .
( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ) يقول: ما جميع من في السماوات من الملائكة، وفي الأرض من البشر والإنس والجنّ( إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ) يقول: إلا يأتي ربه يوم القيامة عبدا له، ذليلا خاضعا، مقرًّا له بالعبودية، لا نسب بينه وبينه.
وقوله ( آتِي الرَّحْمَنِ ) إنما هو فاعل من أتيته، فأنا آتيه.
ن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا إن نافية بمعنى ما ؛ أي ما كل من في السماوات والأرض إلا وهو يأتي يوم القيامة مقرا له بالعبودية ، خاضعا ذليلا كما قال : وكل أتوه داخرين أي صاغرين أذلاء ؛ أي الخلق كلهم عبيده ، فكيف يكون واحد منهم ولدا له - عز وجل - تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا وآتي بالياء في الخط ، والأصل التنوين فحذف استخفافا وأضيف .الثانية : وفي هذه الآية دليل على أنه لا يجوز أن يكون الولد مملوكا للوالد ، خلافا لمن قال : إنه يشتريه فيملكه ولا يعتق عليه إلا إذا أعتقه ، وقد أبان الله تعالى المنافاة بين الأولاد والملك فإذا ملك الوالد ولده بنوع من التصرفات عتق عليه .
ووجه الدليل عليه من هذه الآية أن الله تعالى جعل الولدية والعبدية في طرفي تقابل فنفى أحدهما وأثبت الآخر ولو اجتمعا لما كان لهذا القول فائدة يقع الاحتجاج بها وفي الحديث الصحيح لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه أخرجه مسلم فإذا لم يملك الأب ابنه مع مرتبته عليه فالابن بعدم ملك الأب أولى لقصوره عنه .
الثالثة : ذهب إسحاق بن راهويه في تأويل قوله - عليه الصلاة والسلام - : من أعتق شركا له في عبد أن المراد به ذكور العبيد دون إناثهم فلا يكمل على من أعتق شركا في أنثى وهو [ ص: 81 ] على خلاف ما ذهب إليه الجمهور من السلف ومن بعدهم فإنهم لم يفرقوا بين الذكر والأنثى ؛ لأن لفظ العبد يراد به الجنس ، كما قال تعالى : إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا فإنه قد يتناول الذكر والأنثى من العبد قطعا ، وتمسك إسحاق بأنه حكي عبدة في المؤنث .الرابعة : روى البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يقول الله تبارك وتعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمني ولم يكن له ذلك ، فأما تكذيبه إياي فقوله : ليس يعيدني كما بدأني ، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته ، وأما شتمه إياي فقوله : اتخذ الله ولدا ، وأنا الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن لي كفوا أحد وقد تقدم في ( البقرة ) وغيرها وإعادته في مثل هذا الموضع حسن جدا .
{ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا } أي: ذليلا منقادا، غير متعاص ولا ممتنع، الملائكة، والإنس، والجن وغيرهم، الجميع مماليك، متصرف فيهم، ليس لهم من الملك شيء، ولا من التدبير شيء، فكيف يكون له ولد، وهذا شأنه وعظمة ملكه؟".
( إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ) أي : إلا آتيه يوم القيامة ( عبدا ) ذليلا خاضعا يعني : أن الخلق كلهم عبيده .
«إن» أي ما «كل من في السماوات والأرض إلا آتي للرحمن عبداً» ذليلا خاضعا يوم القيامة منهم عزير وعيسى.
ما كل مَن في السموات من الملائكة، ومَن في الأرض من الإنس والجن، إلا سيأتي ربه يوم القيامة عبدًا ذليلا خاضعًا مقرًا له بالعبودية.
ثم بين - سبحانه - أن جميع المخلوقات خاضعة لقدرته وإرادته وعلمه فقال : ( إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْداً .
.
.
) .و ( إِن ) نافية بمعنى ما ، أى : ما من أحد من أهل السموات والأرض إلا وهو يأتى يوم القيامة مقراً له - سبحانه - بالعبودية ، خاضعاً لقدرته ، معترفاً بطاعته .
مقراً بأنه بعد من مخلوقاته .
ومن كان كذلك فكيف يكون له ولد؟وصدق الله إذ يقول : ( بَدِيعُ السماوات والأرض أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ).
اعلم أنه تعالى لما تكلم في مسألة الحشر والنشر، تكلم الآن في الرد على عباد الأصنام فحكى عنهم أنهم إنما اتخذوا آلهة لأنفسهم ليكونوا لهم عزاً، حيث يكونون لهم عند الله شفعاء وأنصاراً، ينقذونهم من الهلاك.
ثم أجاب الله تعالى بقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ وهو ردع لهم وإنكار لتعززهم بالآلهة، وقرأ ابن نهيك: ﴿ كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بعبادتهم ﴾ أي كلهم سيكفرون بعبادة هذه الأوثان وفي محتسب ابن جني كلا بفتح الكاف والتنوين وزعم أن معناه كل هذا الاعتقاد والرأي كلا، قال صاحب الكشاف: إن صحت هذه الرواية فهي كلا التي هي للردع قلب الواقف عليها ألفها نوناً كما في قواريرا واختلفوا في أن الضمير في قوله: ﴿ سَيَكْفُرُونَ ﴾ يعود إلى المعبود أو إلى العابد فمنهم من قال إنه يعود إلى المعبود، ثم قال بعضهم: أراد بذلك الملائكة لأنهم في الآخرة يكفرون بعبادتهم ويتبرءون منهم ويخاصمونهم وهو المراد من قوله: ﴿ أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴾ وقال آخرون: إن الله تعالى يحيي الأصنام يوم القيامة حتى يوبخوا عبادهم ويتبرؤا منهم فيكون ذلك أعظم لحسرتهم ومن الناس من قال الضمير يرجع إلى العباد أي أن هؤلاء المشركين يوم القيامة ينكرون أنهم عبدوا الأصنام ثم قال تعالى: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ أما قوله: ﴿ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً ﴾ فذكر ذلك في مقابلة قوله: ﴿ لَهُمْ عِزّاً ﴾ والمراد ضد العز وهو الذل والهوان أن يكونون عليهم ضداً لما قصدوه وأرادوه كأنه قيل: ويكونون عليهم ذلالهم لا عزاً أو يكونون عليهم عوناً والضد العون، يقال من أضدادكم أي من أعوانكم وكأن العون يسمى ضداً لأنه يضاد عدوك وينافيه بإعانته لك عليه، فإن قيل: ولم وحد؟
قلنا: وحد توحيد قوله عليه السلام: «وهم يد على من سواهم» لاتفاق كلمتهم فإنهم كشيء واحد لفرط انتظامهم وتوافقهم، ومعنى كون الآلهة عوناً عليهم أنهم وقود النار وحصب جهنم ولأنهم عذبوا بسبب عبادتها واعلم أنه تعالى لما ذكر حال هؤلاء الكفار مع الأصنام في الآخرة ذكر بعده حالهم مع الشياطين في الدنيا فإنهم يسألونهم وينقادون لهم فقال: ﴿ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج الأصحاب بهذه الآية على أن الله تعالى مريد لجميع الكائنات فقالوا قول القائل: أرسلت فلاناً على فلان موضوع في اللغة لإفادة أنه سلطه عليه لإرادة أن يستولي عليه.
قال عليه السلام: «سم الله وأرسل كلبك عليه» إذا ثبت هذا فقوله: ﴿ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين ﴾ يفيد أنه تعالى سلطهم عليهم لإرادة أن يستولوا عليهم وذلك يفيد المقصود ثم يتأكد هذا بقوله: ﴿ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ﴾ فإن معناه إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين لتؤزهم أزاً ويتأكد بقوله: ﴿ واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ ﴾ قال القاضي: حقيقة اللفظ توجب أنه تعالى أرسل الشياطين إلى الكفار كما أرسل الأنبياء بأن حملهم رسالة يؤدونها إليهم فلا يجوز في تلك الرسالة إلا ما أرسل عليه الشياطين من الإغواء فكان يجب في الكفار أن يكونوا بقبولهم من الشياطين مطيعين وذلك كفر من قائله، ولأن من العجب تعلق المجبرة بذلك لأن عندهم أن ضلال الكفار من قبله تعالى بأن خلق فيهم الكفر وقدر الكفر فلا تأثير لما يكون من الشيطان وإذا بطل حمل اللفظ في ظاهره فلابد من التأويل فنحمله على أنه تعالى خلى بين الشياطين وبين الكفار وما منعهم من إغوائهم وهذه التخلية تسمى إرسالاً في سعة اللغة.
كما إذا لم يمنع الرجل كلبه من دخول بيت جيرانه يقال: أرسل كلبه عليه وإن لم يرد أذى الناس، وهذه التخلية وإن كان فيها تشديد للمحنة عليهم فهم متمكنون من أن لا يقبلوا منهم ويكون ثوابهم على ترك القبول أعظم والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ هذا تمام كلامه ونقول لا نسلم أنه لا يمكن حمله على ظاهره فإن قوله: ﴿ أَرْسَلْنَا الشياطين ﴾ لو أرسلهم الله إلى الكفار لكان الكفار مطيعين له بقبول قول الشياطين، قلنا الله تعالى ما أرسل الشياطين إلى الكفار بل أرسلها عليهم والإرسال عليهم هو التسليط لإرادة أن يصير مستولياً عليه، فأين هذا من الإرسال إليهم، قوله: ضلال الكافر من قبل الله تعالى فأي تأثير للشيطان فيه؟
قلنا: لم لا يجوز أن يقال: إن إسماع الشيطان إياه تلك الوسوسة يوجب في قلبه ذلك الضلال بشرط سلامة فهم السامع لأن كلام الشيطان من خلق الله تعالى فيكون ذلك الضلال الحاصل في قلب الكافر منتسباً إلى الشيطان وإلى الله تعالى من هذين الوجهين، قوله لم لا يجوز أن يكون المراد بالإرسال التخلية قلنا: كما خلى بين الشيطان والكفرة فقد خلى بينهم وبين الأنبياء ثم إنه تعالى خص الكافر بأنه أرسل الشيطان عليه فلابد من فائدة زائدة هاهنا ولأن قوله: ﴿ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ﴾ أي تحركهم تحريكاً شديداً كالغرض من ذلك الإرسال فوجب أن يكون الأز مراداً لله تعالى ويحصل المقصود منه فهذا ما في هذا الموضع، والله أعلم.
المسألة الثانية: قال ابن عباس: ﴿ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ﴾ أي تزعجهم في المعاصي إزعاجاً نزلت في المستهزئين بالقرآن وهم خمسة رهط قال صاحب الكشاف: الأز والهز والاستفزاز أخوات في معنى التهييج وشدة الإزعاج أي تغريهم على المعاصي وتحثهم وتهيجهم لها بالوساس والتسويلات، أما قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً ﴾ يقال: عجلت عليه بكذا إذا استعجلته به أي لا تعجل عليهم بأن يهلكوا أو يبيدوا حتى تستريح أنت والمسلمون من شرورهم فليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ ﴾ عن ابن عباس أنه كان إذا قرأها بكى وقال: آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد دخول قبرك، آخر العدد فراق أهلك.
وعن ابن السماك رحمه الله أنه كان عند المأمون فقرأها فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد.
وذكروا في قوله: ﴿ نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً ﴾ وجهين آخرين: الأول: نعد أنفاسهم وأعمالهم فنجازيهم على قليلها وكثيرها.
والثاني: نعد الأوقات إلى وقت الأجل المعين لكل أحد الذي لا يتطرق إليه الزيادة والنقصان، ثم بين سبحانه ما سيظهر في ذلك اليوم من الفصل بين المتقين وبين المجرمين في كيفية الحشر فقال: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً ﴾ قال صاحب الكشاف: نصب يوم بمضمر أي يوم نحشر ونسوق نفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف أو اذكر يوم نحشر ويجوز أن ينتصب بلا يملكون عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إن المتقين إذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق بيض لها أجنحة عليها رحال الذهب» ثم تلا هذه الآية.
وفيها مسائل: المسألة الأولى: قال القاضي هذه الآية أحد ما يدل على أن أهوال يوم القيامة تختص بالمجرمين لأن المتقين من الابتداء يحشرون على هذا النوع من الكرامة فهم آمنون من الخوف فكيف يجوز أن تنالهم الأهوال؟
المسألة الثانية: المشبهة احتجوا بالآية وقالوا قوله: ﴿ إِلَى الرحمن ﴾ يفيد أن انتهاء حركتهم يكون عند الرحمن وأهل التوحيد يقولون المعنى يوم نحشر المتقين إلى محل كرامة الرحمن.
المسألة الثالثة: طعن الملحد فيه فقال قوله: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً ﴾ هذا إنما يستقيم أن لو كان الحاشر غير الرحمن أما إذا كان الحاشر هو الرحمن فهذا الكلام لا ينتظم، أجاب المسلمون بأن التقدير يوم نحشر المتقين إلى كرامة الرحمن أما قوله: ﴿ وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ ورداً ﴾ فقوله: ﴿ نَسُوقُ ﴾ يدل على أنهم يساقون إلى النار بإهانة واستخفاف كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء، والورد اسم للعطاش، لأن من يرد الماء لا يرده إلا للعطش.
وحقيقة الورود السير إلى الماء فسمي به الواردون أما قوله: ﴿ لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة ﴾ أي فليس لهم والظاهر أن المراد شفاعتهم لغيرهم أو شفاعة غيرهم لهم فلذلك اختلفوا، وقال بعضهم: لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم كما يملك المؤمنون وقال بعضهم: بل المراد لا يملك غيرهم أن يشفعوا لهم وهذا الثاني أولى لأن حمل الآية على الأول يجري مجرى إيضاع الواضحات وإذا ثبت ذلك دلت الآية على حصول الشفاعة لأهل الكبائر لأنه قال عقيبه: ﴿ إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً ﴾ والتقدير أن هؤلاء لا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم إلا إذا كانوا قد اتخذوا عند الرحمن عهداً التوحيد والنبوة فوجب أن يكون داخلاً تحته ومما يؤكد قولنا: ما روى ابن مسعود أنه عليه السلام قال لأصحابه ذات يوم: أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهداً؟
قالوا؛ وكيف ذلك؟
قال: يقول كل صباح ومساء اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتبعدني من الخير وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عهداً توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد.
فإذا قال ذلك طبع الله عليه بطابع ووضع تحت العرش فإذا كان يوم القيامة نادى منادٍ أين الذين لهم عند الرحمن عهد فيدخلون الجنة، فظهر بهذا الحديث أن المراد من العهد كلمة الشهادة وظهر وجه دلالة الآية على أن الشفاعة لأهل الكبائر وقال القاضي: الآية دالة على مذهبه وقد ظهر أن الآية قوية في الدلالة على قولنا، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
انبغى: مطاوع ﴿ بغي ﴾ إذا طلب، أي: ما يتأتى له اتخاذ الولد وما يتطلب لو طلب مثلاً، لأنه محال غير داخل تحت الصحة.
أما الولادة المعروفة فلا مقال في استحالتها.
وأما التبني فلا يكون إلا فيما هو من جنس المتبنى، وليس للقديم سبحانه جنس، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا ﴾ يَحْتَمِلُ النَّصْبَ عَلى العِلَّةِ لِـ ﴿ تَكادُ ﴾ أوْ لِـ ﴿ هَدًّا ﴾ عَلى حَذْفِ اللّامِ وإفْضاءِ الفِعْلِ إلَيْهِ، والجَرَّ بِإضْمارِ اللّامِ أوْ بِالإبْدالِ مِنَ الهاءِ في مِنهُ والرَّفْعَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ المُوجِبُ لِذَلِكَ أنْ دَعَوْا، أوْ فاعِلَ ﴿ هَدًّا ﴾ أيْ هَدَّها دُعاءُ الوَلَدِ لِلرَّحْمَنِ وهو مِن دَعا بِمَعْنى سُمِّيَ المُتَعَدِّيَ إلى مَفْعُولَيْنِ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِيُحِيطَ بِكُلِّ ما دُعِيَ لَهُ ولَدًا، أوْ مِن دَعا بِمَعْنى نَسَبَ الَّذِي مُطاوِعُهُ ادَّعى إلى فُلانٍ إذا انْتَسَبَ إلَيْهِ.
﴿ وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا ﴾ ولا يَلِيقُ بِهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ ولا يَنْطَلِبُ لَهُ لَوْ طَلَبَ مَثَلًا لَهُ لِأنَّهُ مُسْتَحِيلٌ، ولَعَلَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ بِصِفَةِ الرَّحْمانِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُلَّ ما عَداهُ نِعْمَةٌ ومُنْعَمٌ عَلَيْهِ فَلا يُجانِسُ مَن هو مَبْدَأُ النِّعَمِ كُلِّها ومُولِي أُصُولِها وفُرُوعِها، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَتَّخِذَهُ ولَدًا ثُمَّ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"
{إِن كُلُّ مَن} نكرة موصوفة صفتها {فِى السماوات والأرض} وخبر كل {إلا آتي الرحمن} ووحد آتي وآتيه حملاً على لفظ كل وهو اسم فاعل من أى وهو مستقبل أي يأتيه {عَبْداً} حال أي خاضعاً ذليلاً منقاداً والمعنى ما كل من في السموات والأرض من الملائكة والناس إلا هو يأتي الله يوم القيامة مقراً بالعبودية والعبودية والبنوة تتنافيان حتى لوم ملك الأب ابنه يعتق عليه ونسبة الجميع إليه نسبة العبد إلى المولى فكيف يكون البعض ولداً والبعض عبداً وقرأ ابن مسعود آت الرحمن على أصله قبل الإضافة
وقَدْ أُشِيرَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ: ما مِنهم أحَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ ﴿ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ أيْ: إلّا وهو مَمْلُوكٌ لَهُ تَعالى يَأْوِي إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِالعُبُودِيَّةِ والِانْقِيادِ لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فالإتْيانُ مَعْنَوِيٌّ، وقِيلَ: هو حِسِّيٌّ، والمُرادُ إلّا آتى مَحَلَّ حُكْمِهِ وهو أرْضُ المَحْشَرِ مُنْقادًا لا يَدَّعِي لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ ولَيْسَ بِذاكَ كَما لا يَخْفى، (ومَن) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي (وكُلُّ) تَدْخُلُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ يُرادُ مِنهُ الجِنْسُ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ ﴾ وقَوْلِهِ: وكُلُّ الَّذِي حَمَّلَتْنِي أتَحَمَّلُ وقِيلَ: مَوْصُوفَةٌ لِأنَّها وقَعَتْ بَعْدَ (كُلُّ) نَكِرَةً وُقُوعَها بَعْدَ رُبِّ في قَوْلِهِ: رُبَّ مَن أنْضَجْتُ غَيْظًا صَدْرَهُ قَدْ تَمَنّى لِي مَوْتًا لَمْ يُطِعْ ورَجَّحَ في البَحْرِ الأوَّلِ بِأنَّ مَجِيئَها مَوْصُوفَةً بِالنِّسْبَةِ إلى مَجِيئِها مَوْصُولَةً قَلِيلٌ: وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ الزُّبَيْرِ وأبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ويَعْقُوبُ ( آتٍ ) بِالتَّنْوِينِ ( الرَّحْمَنَ ) بِالنَّصْبِ عَلى الأصْلِ.
ونُصِبَ ( عَبْدًا ) في القِراءَتَيْنِ عَلى الحالِ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الوالِدَ لا يَمْلِكُ ولَدَهُ وأنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ إذا مَلَكَهُ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ يعني: ألم تخبر في القرآن أنا سلطنا الشياطين عَلَى الْكافِرِينَ مجازاة لهم، ويقال: خلينا بينهم وبين الكفار فلم نعصمهم تَؤُزُّهُمْ أَزًّا يعني: تزعجهم إزعاجاً وتغريهم إغراءً حتى يركبوا المعاصي، قال الضحاك: تَؤُزُّهُمْ أَزًّا يعني: تأمرهم أمراً، وقال الحسن: تقدمهم إقداماً إلى الشر، وقال الكلبي: نزلت الآية في المستهزئين بالقرآن وهم خمسة رهط فَلا تَعْجَلْ يا محمد عَلَيْهِمْ بالعذاب إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا يعني: أيام الحياة، ثم ينزل بهم العذاب.
ويقال: نعد عليهم النفس بعد النفس، ويقال: الأيام والليالي والشهور.
قوله عز وجل: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ يعني: اذكر يوم نحشر المتقين الذين اتقوا الشرك والفواحش إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً يعني: ركباناً على النوق، والوفد: جمع الوافد، مثل الركب جمع راكب، والوفد الذي يأتي بالخبر والبشارة ويجازي بالإحسان والكرامة.
وروي عن علي بن أبي طالب أنه قرأ قوله تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ثم قال: «أتدرون على أي شيء يحشرون!
أما والله ما يحشرون على أقدامهم، ولكن يؤتون بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، وأزمتها من الزبرجد، ثم ينطلق بهم حتى يقرعوا باب الجنة» .
وقال الربيع بن أنس: يفدون إلى ربهم فيكرمون ويعظمون ويشفعون ويحيون فيها بسلام.
ويقال: إِلَى الرَّحْمنِ يعني: إلى الرحمة وهي الجنة ويقال: إِلَى الرَّحْمنِ يعني: إلى دار الرحمن.
ثم قال عز وجل: وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً يعني: عطاشاً مشاة، وأصله: الورود على الماء، والوارد على الماء يكون عطشانا.
<div class="verse-tafsir"
وقالت فِرْقَةٌ: الضميرُ في «١» لاَّ يَمْلِكُونَ للمتقين.
وقوله: إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ ...
الآية أيْ: إلاَّ من كان له عملٌ صَالِحٌ مبرورٌ [فيشفَعُ] فيُشَفَّع «٢» ، وتحتملُ الآية أَنْ يُرادَ ب «مَنْ» النبي صلى الله عليه وسلّم، وبالشَّفَاعَة الخاصَّة له العامة في أَهل الموقِفِ، ويكون الضميرُ في لاَّ يَمْلِكُونَ «٣» لجميع أَهْل الموقف أَلا تَرَى أَنَّ سَائِرَ الأَنبياء يتدافعون الشفاعة إذ ذاك، حتّى تصير إليه صلى الله عليه وسلّم.
وقوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً.
قال البَاجِيُّ في «سنن الصالحين» له: رُوِيَ عن ابن مَسْعُودٍ، أَنه قال: إنَّ الجبل ليقولُ للجبل: يا فلانُ، هل مَرَّ بِكَ اليومَ ذَاكِرٌ لله تعالى؟
فإنْ قال: نعم، سُرَّ بِهِ «٤» ، ثُمَّ قرأ عبدُ اللهِ: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا إلى قولهِ: وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً قال: أَتروْنَها تسمع الزُّورَ، ولا تسْمَعُ الخيْرَ «٥» .
انتهى.
وهكذا رواه ابنُ المُبَارك في «رقائقه» وما ذكره ابنُ مسعودٍ لا يقالُ من جهة الرأْيِ، وقد رُوِيَ عن أَنسٍ، وغيرهِ نحوه.
قال الباجي بِإثْرِ الكَلاَمِ المتقدم: وروى جعفرُ بْنُ زَيْدٍ، عن أَنَسِ بن مَالِكٍ أَنه قالَ:
مَا مِنْ صَبَاحٍ وَلاَ رَوَاحٍ إلاَّ وتُنَادِي بِقَاعُ الأَرض بعضها بعضاً: أَيْ جَارَةُ، هَلْ مَرَّ بِكِ اليَوْمَ عَبْدٌ يُصَلِّي أَو يَذْكُر الله؟
فَمِن قائلةٍ: لاَ، ومِنْ قَائِلَةٍ: نَعَمْ، فإذا قَالَتْ: نَعَمْ، رأت لها فضلا بذلك.
انتهى.
لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣)
لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦)
وقوله سبحانه: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا الآية، الإدُّ: الأَمرُ الشنِيعُ الصَّعْبُ.
ت: وقال العِرَاقِي: «إدّاً» ، أَيْ: عَظِيماً، انتهى.
والانْفِطَارُ: الاِنْشِقَاقُ، والهَدُّ: الاِنْهِدَامُ، قال محمدُ بنُ كَعْبٍ «١» : كاد أَعداءُ الله أَنْ يُقِيمُوا علينا السَّاعَةَ.
وقوله: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ ...
الآية، إنْ نافيةٌ بمعنى مَا.
وقوله: فَرْداً يتضمنُ عَدَمَ النصير، والحَوْلِ والقُوّةِ، أيْ: لا مُجِير له مما يُريد اللهُ به.
وعبارة الثَّعْلَبِيّ: «فرداً» أيْ: وحيداً بعمله، ليس معه من الدنيا شيءٌ.
اهـ.
ت: وهذه الآيةُ تُنظر إلى قوله تعالى وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى ...
الآية.
[الأنعام: ٩٤] .
وقوله تعالى: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ذهب أكثرُ المفسرين إلى: أن هذا الوُدّ هو القبول الذي يضعه اللهُ لمن يحب مِنْ عباده حَسْبَما في الحديث الصَّحيح المأثور، وقال عُثْمان بن عَفّان- رضي الله عنه-: أَنها بمنزلة قول النبيّ صلى الله عليه وسلّم «من أسَرَّ سَرِيرةً ألْبَسُهُ اللهُ رِدَاءَها» «٢» .
ت: والحديثُ المتقدِّمُ المُشَارُ إليه أَصلُهُ في «الموطإ» ولفظه: مالك، عن سُهَيْل بن أبي صالح السَّمان، عن أَبيه، عن أَبِي هريرَةَ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «إذَا أَحَبَّ اللهُ العَبْدَ قَالَ لِجِبْريلُ: يا جبريل قَدْ أَحْبَبْتُ فُلاَناً فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي في أَهْلِ السَّمَاءِ «٣» : إنَّ اللهَ أَحَبَّ فُلاَناً، فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يَضَعُ لَهُ القَبُولَ فِي الأَرْضِ» .
وَإذَا أَبْغَضَ الْعَبْدَ، قَالَ مالكٌ: لا أَحْسبُه إلاَّ قال في [البغض] «٤» مثل ذلك «٥» .
قال أبو عمر [بن عبد البر] «١» في «التمهيد» «٢» /، وممن روى هذا الحديث عن ٧ ب سُهَيْل، بإسناده هذا «٣» فذكر البُغْضَ من غير شَكٍّ معمرُ وعبدُ العزيز بن المختار، وحماد بنُ سَلَمة، قالوا في آخره: وإذَا أَبْغَض بمثل «٤» ذلك، ولم يشكوا.
قال أَبو عُمَر: وقد قال المفسِّرُون في قوله تعالى: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا:
يُحِبُّهم ويُحبِّبُهم إلى الناس، وقاله مُجَاهِدٌ، وابنُ عباس «٥» ، ثم أَسند أَبو عُمَرَ عن كْعبٍ أَنه قال: واللهِ مَا اسْتَقَر لعبدٍ ثَنَاءٌ في أَهْل الدُّنْيَا حتى يَسْتَقِرَّ له في أَهْل السماء.
قال كعبٌ: وقرأتُ «٦» في التوراة أنه لم تكن مَحَبَّةٌ لأَحَدٍ من أَهْل الأَرْضِ إلاَّ كان بَدّأَها من الله عز وجل ينزلها على أَهْل السماء، ثم ينزلها على أهْل الأرض، ثم قرأت القرآن، فوجدتُ فيهِ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا وأَسْنَد أَبو عمر، عن قتادة [قال] «٧» : قال هَرِمَ بْنُ حَيَّان: ما أَقْبَلَ عبدٌ بقلبه إلى اللهِ تعالى إلاَّ أَقبل اللهُ بقلوب أَهْل الإيمان عليه حَتَّى يرزُقَه مودَّتَهُمْ ورحْمَتَهُمْ.
انتهى «٨» .
قال ابنُ المُبَارَك في «رقائِقه» : أَخبرنا سُلَيْمَان بُنِ المُغِيرة، عن ثابت قال: قِيلَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَهْل الجَنَّة؟
قال: «مَنْ لاَ يَمُوتُ حَتَّى يَمْلأَ [الله] «٩» سمعه «١٠» ممّا
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ ﴾ قالَ بَعْضُهم: هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ﴾ ، ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ ﴾ .
وقالَ بَعْضُهم: تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ لَهم يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ بِطاعَتِهِ واجْتِنابِ مَعْصِيَتِهِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( يَوْمَ يَحْشُرُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الشِّينِ، ( ويَسُوقُ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ السِّينِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، ومُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ: ( يَوْمَ يُحْشَرُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الشِّينِ، ( المُتَّقُونَ ) رَفْعًا، ( ويُساقُ ) بِألِفٍ وياءٍ مَرْفُوعَةٍ، ( المُجْرِمُونَ ) بِالواوِ عَلى الرَّفْعِ.
والوَفْدُ: جَمْعُ وافِدٍ، مِثْلَ: رَكْبٍ وراكِبٍ، وصَحْبٍ وصاحِبٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والفَرّاءُ: الوَفْدُ: الرُّكْبانُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الرُّكْبانُ عِنْدَ العَرَبِ: رُكّابُ الإبِلِ.
وَفِي زَمانِ هَذا الحَشْرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن قُبُورِهِمْ إلى الرَّحْمَنِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
والثّانِي: أنَّهُ بَعْدَ الحِسابِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ، ﴿ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ: عِطاشًا.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الوِرْدُ: مَصْدَرُ الوُرُودِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الوِرْدُ: جَماعَةٌ يَرِدُونَ الماءَ، يَعْنِي: أنَّهم عِطاشٌ؛ لِأنَّهُ لا يَرِدُ الماءَ إلّا العَطْشانُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وِرْدًا ﴾ : وارِدِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ ﴾ ؛ أيْ: لا يَشْفَعُونَ ولا يُشْفَعُ لَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ " مَن " في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الواوِ والنُّونِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لا يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى اسْتِثْناءٍ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، فالمَعْنى: لا يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ المُجْرِمُونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ إلا ﴾ عَلى مَعْنى ( لَكِنْ )، ﴿ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴾ فَإنَّهُ يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ.
والعَهْدُ هاهُنا: تَوْحِيدُ اللَّهِ والإيمانُ بِهِ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَفْسِيرُ العَهْدِ في اللُّغَةِ: تَقْدِمَةُ أمْرٍ يُعْلَمُ ويُحْفَظُ، مِن قَوْلِكَ: عَهِدَتُ فُلانًا في المَكانِ؛ أيْ: عَرِفْتُهُ وشَهِدَتْهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا ﴾ ﴿ كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا ﴾ ﴿ فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا ﴾ ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَحْمَنِ وفْدًا ﴾ ﴿ وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾ ﴿ لا يَمْلِكُونَ الشَفاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا ﴾ "اتَّخَذَ" افْتَعَلَ مِن "أخْذَ" لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إعْدادًا مِنَ المُتَّخِذِ لِلْمُتَّخَذِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في "أخَذَ"، والضَمِيرُ في "اتَّخَذُوا" لِعَبَدَةِ الأوثانِ، و"الآلِهَةُ": الأصْنامُ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ومَعْنى "عِزًّا" العُمُومُ في النُصْرَةِ والمَنفَعَةِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الخَيْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدٌ، وهَذا المَعْنى لازِمْ لـ "كَلّا"، فَإنْ كانَ القَوْلُ المَرْدُودُ مَنصُوصًا عَلَيْهِ بانَ المَعْنى، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَنصُوصًا عَلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ مَرْدُودٍ يَتَضَمَّنُهُ القَوْلُ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى ﴾ ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ﴾ يَتَضَمَّنُ مَعَ ما قَبْلُهُ أنَّ الإنْسانَ يَزْعُمْ مِن نَفْسِهِ ويَرى أنَّ لَهُ حَوْلًا ما ولا يَتَفَكَّرُ جِدًّا في أنَّ اللهَ عَلَّمَهُ ما لَمْ يَعْلَمْ وأنْعَمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَلّا" عَلى ما فَسَّرْناهُ، وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ: "كَلًّا" بِفَتْحِ الكافِ والتَنْوِينِ، حَكاهُ عنهُ أبُو الفَتْحِ، وهو نَعْتٌ للآلِهَةً.
وحَكى عنهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ "كُلًّا" بِضَمِّ الكافِ والتَنْوِينِ، وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "سَيَكْفُرُونَ"، تَقْدِيرُهُ: يَرْفُضُونَ أو يَتْرُكُونَ أو يَجْحَدُونَ أو نَحْوَهُ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الضَمِيرِ الَّذِي في "سَيَكْفُرُونَ" وفي "بِعِبادَتِهِمْ" - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ لِلْكُفّارِ والثانِي لِلْمَعْبُودِينَ، والمَعْنى أنَّهُ سَيَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الهَوْلِ عَلى الكُفّارِ والشِدَّةِ ما يَدْفَعُهم إلى جَحْدِ الكَفْرِ وعِبادَةِ الأوثانِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿ واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ .
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ لِلْمَعْبُودِينَ والثانِي لِلْكُفّارِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ لِلْأصْنامِ حَياةً تُنْكِرُ بِها ومَعَها عِبادَةَ الكُفّارِ وأنْ يَكُونَ لَها مِن ذَلِكَ ذَنْبٌ، وأمّا المَعْبُودُونَ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ فَهَذا مِنهم بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ضِدًّا" مَعْناهُ: يَجِيئُهم مِنهم خِلافَ ما كانُوا أمْلَوْهُ فَيُؤَوَّلُ ذَلِكَ بِهِمْ إلى ذِلَّةٍ ضِدَّ ما أمْلَوْهُ مِنَ العِزِّ، وهَذِهِ صِفَةٌ عامَّةٌ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: قُرَناءُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: أعْوانًا، وقالَ لِضِحاكٍ: أعْداءٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بَلاءٌ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا مِمّا لَفْظُ القُرْآنِ أعَمُّ مِنهُ وأجْمَعُ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، و"الضِدُّ" هُنا مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ كَما يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ.
وَحَكى الطَبَرَيُّ عن أبِي نُهَيْكٍ أنَّهُ قَرَأ: "كُلُّ" بِالرَفْعِ، ورَفَعَها بِالِابْتِداءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَياطِينَ ﴾ الآيَةُ.
الرُؤْيَةُ رُؤْيَةُ قَلْبٍ، و"أرْسَلْنا" مَعْناهُ: سَلَّطْنا، أو لَمْ نَحُلْ بَيْنَهم وبَيْنَهم فَهو تَسْلِيطٌ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا ﴾ ، وتَعْدِيَتُهُ بِـ "عَلى" دالٌّ عَلى أنَّهُ تَسْلِيطٌ.
و"تَؤُزُّهُمْ" مَعْناهُ: تُقْلِقُهم وتُحَرِّكُهم إلى الكُفْرِ والضَلالِ، قالَ قَتادَةُ: تُزْعِجُهم إزْعاجًا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: تُشْلِيهِمْ إشْلاءً، ومِنهُ أُزِيرُ القِدْرِ، وهو غَلَيانُهُ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ: «أتَيْتُ رَسُولَ اللهِ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وهو يَبْكِي، ولِصَدْرِهِ أزِيزٌ كَأزِيزِ المُرْجِلِ».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ﴾ ، أيْ: لا تَسْتَبْطِئُ عَذابَهم وتُحِبُّ تَعْجِيلَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ نَعُدُّ لَهم عَدًّا ﴾ أيْ مُدَّةَ نِعْمَتِهِمْ وقَبِيحَ أعْمالِهِمْ لِنَصِيرَ بِهِمْ إلى العَذابِ إمّا في الدُنْيا، وإلّا فَفي الآخِرَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَعُدُّ أنْفاسَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الألْفاظُ مِنَ الوَعِيدِ بِعَذابِ الآخِرَةِ هو العامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ، أوِ احْذَرْ، ونَحْوَ هَذا.
و"الحَشْرُ": الجَمْعُ، وقَدْ صارَ في عُرْفِ ألْفاظِ الشَرْعِ: البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يَوْمَ يُحْشَرُ المُتَّقُونَ ويُساقُ المُجْرِمُونَ"، ورَوِيَ عنهُ: "وَيَسُوقُ المُجْرِمِينَ"، و"المُتَّقُونَ": المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ قَدْ غَفَرَ لَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ هَذِهِ الوِفادَةِ أنَّها بَعْدَ انْقِضاءِ الحِسابِ، وإنَّما هي النُهُوضُ إلى الجَنَّةِ، وكَذَلِكَ "سَوْقُ المُجْرِمِينَ" إنَّما هو لِدُخُولِ النارِ.
و"وَفْدًا" قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: رُكْبانًا، وهي عادَةُ الوُفُودِ؛ لَأنَّهم سَراةُ الناسِ وأحْسَنُهم شَكْلًا، فَشَبَّهَ أهْلَ الجَنَّةِ بِأُولَئِكَ، لا أنَّهم في مَعْنى الوِفادَةِ إذْ هو مُضَمَّنُ الِانْصِرافَ، وإنَّما المُرادُ تَشْبِيهُهم بِالوَفْدِ هَيْئَةً وكَرامَةً.
ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهم يَجِيئُونَ رُكْبانًا عَلى النُوقِ المُحَلّاةِ بِحِلْيَةِ الجَنَّةِ، خُطُمُها مِن ياقُوتٍ وزَبَرْجَدٍ ونَحْوَ هَذا،وَرُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ المَلائِيِّ أنَّهم يَرْكَبُونَ عَلى تَماثِيلَ مِن أعْمالِهِمُ الصالِحَةِ هي في غايَةِ الحُسْنِ، ورُوِيَ أنَّهم يَرْكَبُ كُلُّ أحَدٍ مِنهم ما أحَبَّ، فَمِنهم مَن يَرْكَبُ الإبِلَ، ومَن يَرْكَبُ الخَيْلَ، ومَن يَرْكَبُ السُفُنَ فَتَجِيءُ عائِمَةً بِهِمْ، وقَدْ ورَدَ في الضَحايا «أنَّها مَطاياكم إلى الجَنَّةِ»، وفي أكْثَرِ هَذا بُعْدٌ لَكِنْ ذَكَرْناهُ بِحَسْبِ الجَمْعِ لِلْأقْوالِ.
و"السَوْقُ" يَتَضَمَّنُ هَوانًا لَأنَّهم يُحَفَّزُونَ مِن ورائِهِمْ.
و"الوِرْدُ": العِطاشُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ يَنْحَفِزُونَ مَن عَطَشِهِمْ لِوُرُودٍ لِماءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ، المَعْنى: نُورِدُهم وِرْدًا، وهَكَذا يَجْعَلُهُ مَن رَأى في القُرْآنِ أرْبَعَةَ أورادٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَمْلِكُونَ ﴾ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى "المُجْرِمِينَ"، أيْ: لا يَمْلِكُونَ أنْ يَشْفَعَ لَهم ولا سَبِيلَ لَهم إلَيْها، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَهم مُشْرِكُونَ خاصَّةً، ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا ﴾ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنْ مَنِ اتَّخَذَ عَهْدًا يُشْفَعُ لَهُ، و"العَهْدُ" - عَلى هَذا - الإيمانُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَهْدُ لا إلَهَ إلّا اللهُ، وفي الحَدِيثِ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ: مَن كانَ لَهُ عِنْدِي عَهْدٌ فَلْيَقُمْ»، وفي الحَدِيثِ: «خَمْسُ صَلَواتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلى العِبادِ، فَمَن جاءَ بِهِنَّ تامّاتٍ كانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ».
و"العَهْدُ" أيْضًا الإيمانُ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ لا يَنالُ عَهْدِي الظالِمِينَ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "المُجْرِمُونَ" يَعُمُ الكَفَرَةَ والعُصاةَ، ثُمْ أخْبَرَ أنَّهم لا يَمْلِكُونَ الشَفاعَةَ إلّا العُصاةُ المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم يُشْفَعُ فِيهِمْ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، وقالَ رَسُولُ اللهِ : «لا أزالُ أشْفَعُ حَتّى أقُولَ: يا رَبِّ شَفَّعَنِي فِيمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَيَقُولُ اللهُ: يا مُحَمَّدُ لَيْسَتْ لَكَ، ولَكِنَّها لِي».
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَمْلِكُونَ ﴾ لِلْمُتَّقِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا ﴾ أيْ: إلّا مَن كانَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ مُبَرَّزٌ يَحْصُلُ بِهِ في حَيِّزِ مَن يَشْفَعُ، وقَدْ تَظاهَرَتِ الأحادِيثُ بِأنَّ أهْلَ العِلْمِ والفَضْلِ والصَلاحِ يُشَفَّعُونَ فَيَشْفَعُونَ، رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: «فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُدْخِلُ اللهُ بِشَفاعَتِهِ الجَنَّةَ أكْثَرَ مِن بَنِي تَمِيمٍ "»، قالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: وكُنّا نُحَدِّثُ أنَّ الشَهِيدَ يَشْفَعُ في سَبْعِينَ.
وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: مَعْنى الكَلامِ: إلّا لِمَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا، أيْ: لا يَمْلِكُ المُتَّقُونَ الشَفاعَةَ إلّا لِهَذِهِ الصَنِيفَةِ فَيَجِيءُ "مَنِ" في التَأْوِيلِ الواحِدِ لِلشّافِعِينَ، وفي الثانِي لِلْمَشْفُوعِ فِيهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرادَ بِـ "مَن" مُحَمَّدٌ وبِـ "الشَفاعَةِ" الخاصَّةِ لَهُ العامَّةِ لِلنّاسِ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "يَمْلِكُونَ" لِجَمِيعِ أهْلِ المَوْقِفِ، ألّا تَرى أنَّ سائِرَ الأنْبِياءِ يَتَدافَعُونَ الشَفاعَةَ حَتّى تَصِيرَ إلَيْهِ فَيَقُومُ إلَيْها ، فالعَهْدُ - عَلى هَذا - النَصُّ عَلى أمْرِ الشَفاعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
إتمام لإثبات قلة غَناء آلهتهم عنهم تبعاً لقوله: ﴿ ويكونون عليهم ضداً ﴾ [مريم: 82].
فجملة: ﴿ لا يملكون الشّفاعة ﴾ هو مبدأ الكلام، وهو بيان لجملة: ﴿ ويكونون عليهم ضداً ﴾ .
والظرف وما أضيف الظرف إليه إدماجٌ بينت به كرامة المؤمنين وإهانة الكافرين.
وفي ضمنه زيادة بيان لجملة ﴿ ويكونون عليهم ضداً ﴾ بأنهم كانوا سبب سَوقهم إلى جهنم ورداً ومخالفتهم لحال المؤمنين في ذلك المشهد العظيم.
فالظرف متعلّق ب ﴿ يملكون ﴾ وضمير ﴿ لا يملكون ﴾ عائد للآلهة.
والمعنى: لا يقدرون على أن ينفعوا من اتخذوهم آلهة ليكونوا لهم عزّاً.
والحشر: الجمع مطلقاً، يكون في الخير كما هنا، وفي الشرّ كقوله: ﴿ احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم ﴾ [الصافات: 22، 23]، ولذلك أتبع فعل ﴿ نحشر ﴾ بقيد ﴿ وَفداً ﴾ ، أي حَشْر الوفود إلى الملوك، فإن الوفود يكونون مُكرمين، وكانت لملوك العرب وكرمائهم وفود في أوقات، ولأعيان العرب وفادات سنويّة على ملوكهم وسادتهم، ولكلّ قبيلة وفادة، وفي المثل: «إن الشّقِيّ وافد البراجم».
وقد اتّبع العرب هذه السنّة فوفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم لأنّه أشرف السادة.
وسنةُ الوفود هي سنة تسع من الهجرة تلت فتحَ مكة بعموم الإسلام بلاد العرب.
وذكر صفة ﴿ الرَّحمان ﴾ هنا واضحة المناسبة للوفد.
والسوق: تسيير الأنعام قُدام رعاتها، يجعلونها أمَامهم لترهب زجرهم وسياطهم فلا تتفلّت عليهم، فالسوق: سير خوفٌ وحذر.
وقوله ﴿ ورداً ﴾ حال قصد منها التشبيه، فلذلك جاءت جامدة لأن معنى التشبيه يجعلها كالمشتق.
والوِرد بكسر الواو: أصله السير إلى الماء، وتسمى الأنعامُ الواردة وِرداً تسمية على حذف المضاف، أي ذات ورد، كما يسمى الماء الذي يرده القوم ورداً.
قال تعالى: ﴿ وبئس الورد المورود ﴾ [هود: 98].
والاستثناء في ﴿ إلاّ من اتخذ عند الرحمان عهداً ﴾ استثناء منقطع، أي لكن يملك الشفاعة يومئذ من اتخذ عند الرحمان عهداً، أي من وعده الله بأن يشفع وهم الأنبياء والملائكة.
ومعنى ﴿ لا يملكون ﴾ لا يستطيعون، فإنّ المِلك يطلق على المقدرة والاستطاعة.
وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً ﴾ في سورة العقود (76).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَفْدًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: رُكْبانًا، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّانِي: جَماعَةً، قالَهُ الأخْفَشُ.
الثّالِثُ: زُوّارًا، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُشاةً، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّانِي: عِطاشًا.
الثّالِثُ: أفْرادًا.
﴿ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما.
..
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً ﴾ قال: تغويهم إغواء.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ تؤزهم ﴾ قال: تحرض المشركين على محمد وأصحابه.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ تؤزهم أزاً ﴾ تشليهم أشلاء.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ تؤزهم أزاً ﴾ قال: تزعجهم إزعاجاً إلى معاصي الله.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ ألم تر أنَّا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً ﴾ قال: كقوله: ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً ﴾ [ الزخرف: 36] .
وأخرج ابن الأنباري في الوقف، عن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ تؤزهم أزاً ﴾ قال: توقدهم وقوداً.
قال فيه الشاعر: حكيم أمين لا يبالي بخلبة ** إذا أزه الأقوام لم يترمرم وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنما نعد لهم عداً ﴾ يقول: أنفاسهم التي يتنفسون في الدنيا، فهي معدودة، كسنهم وآجالهم.
وأخرج عبد بن حميد، عن أبي جعفر محمد بن علي في قوله: ﴿ إنما نعد لهم عداً ﴾ قال: كل شيء حتى النفس.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قال: ركباناً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة وابن المنذر، عن أبي هريرة ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قال: على الإبل.
وأخرج عبد بن حميد، عن أبي سعيد رضي الله عنه ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قال: على نجائب رواحلها من زمرد وياقوت، ومن أي لون شاء.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قال: إلى الجنة.
وأخرج عبد بن حميد، عن الربيع ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قال: يفدون إلى ربهم، فيكرمون ويعطون ويحيون ويشفعون.
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق: راغبين، وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا» .
وأخرج ابن مردويه، عن علي، «عن النبي- صلى الله عليه وسلم- في قوله: ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قال: أما والله ما يحشرون على أقدامهم، ولا يساقون سوقاً، ولكنهم يؤتون من الجنة، لم تنظر الخلائق إلى مثلها: رحالها الذهب، وأزمتها الزبرجد، فيقعدون عليها، حتى يقرعوا باب الجنة» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبدالله بن أحمد وفي زوائد المسند وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في البعث، عن علي رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ فقال: أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقاً، ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة، لم تنظر الخلائق إلى مثلها، عليها رحال الذهب، وأزمتها الزبرجد، فيركبون عليها، حتى يطرقوا باب الجنة.
وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق، «عن علي قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قلت: يا رسول الله، هل الوفد إلا الركب؟
قال النبي- صلى الله عليه وسلم- والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق بيض لها أجنحة وعليها رحال الذهب شرك نعالهم نور يتلألأ، كل خطوة منها مثل مد البصر، وينتهون إلى باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء، على صفائح الذهب وإذا شجرة على باب الجنة ينبع من أصلها عينان، فإذا شربوا من إحدى العينين فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى، فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبداً، فيضربون بالحلقة على الصفيحة، فلو سمعت طنين الحلقة يا علي، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتستخفها العجلة، فتبعث قيمها فيفتح له الباب، فإذا رآه خر له ساجداً، فيقول: ارفع رأسك فإنما أنا قيمك، وكلت بأمرك.
فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة، فتخرج من خيام الدر والياقوت، حتى تعتنقه، ثم تقول: أنت حبي، وأنا حبك وأنا الراضية، فلا أسخط أبداً، وأنا الناعمة فلا أبأس أبداً، وأنا الخالدة فلا أموت أبداً، وأنا المقيمة فلا أظعن أبداً، فيدخل بيتاً من أساسه إلى سقفه مائة ألف ذراع بني على جندل اللؤلؤ والياقوت طرائق حمر، وطرائق خضر، وطرائق صفر، ما منها طريقة تشاكل صاحبتها.
وفي البيت سبعون سريراً، على كل سرير سبعون فراشاً، عليها سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء الحلل، يقضي جماعهن في مقدار ليلة من لياليكم هذه، تجري من تحتهم الأنهار؛ أنهار مطردة ﴿ أنهار من ماء غير آسن ﴾ [ محمد: 15] صاف ليس فيه كدور ﴿ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ﴾ [ محمد: 15] ولم يخرج من ضروع الماشية.
﴿ وأنهار من خمر لذة للشاربين ﴾ [ محمد: 15] لما يعصرها الرجال بأقدامها.
﴿ وأنهار من عسل مصفى ﴾ [ محمد: 15] لم يخرج من بطون النحل، فيستحلي الثمار فإن شاء أكل قائماً، وإن شاء أكل قاعداً، وإن شاء أكل متكئاً، فيشتهي الطعام فيأتيه طير بيض أجنحتها فيأكل من جنوبها، أي لون شاء، ثم تطير فتذهب، فيدخل الملك فيقول: ﴿ سلام عليكم ﴾ [ الزمر: 73] ﴿ تلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ [ الأعراف: 43] » .
وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق مسلم بن جعفر البجلي قال: سمعت أبا معاذ البصري: أن علياً قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون بنوق لها أجنحة عليها رحال الذهب، شرك نعالهم نور تلألأ، كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة، ينبع من أصلها عينان، فيشربون من احداهما، فيغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى، فلا تشعث أبشارهم، ولا أشعارهم بعدها أبداً، وتجري عليهم نضرة النعيم، فيأتون باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب، فيضربون بالحلقة على الصفحة، فيسمع لها طنين فيبلغ كل حوراء: أن زوجها قد أقبل، فتبعث قيمها فيفتح له، فإذا رآه خر له ساجداً فيقول: ارفع رأسك إنما أنا قيمك وكلت بأمرك، فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه ثم تقول: أنت حبي وإنا حبك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط، وأنا المقيمة التي لا أظعن، فيدخل بيتاً من أسه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق: أصفر وأحمر وأخضر، ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها، في البيت سبعون سريراً، على كل سرير سبعون حشية، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من باطن الحلل، يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه، الأنهار من تحتهم تطرد: ﴿ أنهار من ماء غير آسن ﴾ [ محمد: 15] قال: صاف لا كدر فيه، ﴿ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ﴾ [ محمد: 15] قال: لم يخرج من ضروع الماشية، ﴿ وأنهار من خمر لذة للشاربين ﴾ [ محمد: 15] قال: لم تعصرها الرجال بأقدامها، ﴿ وأنهار من عسل مصفى ﴾ [ محمد: 15] قال: لم يخرج من بطون النحل فيستحلي الثمار، فإن شاء أكل قائماً وإن شاء أكل قاعداً، وإن شاء أكل متكئاً.
ثم تلا ﴿ ودانية عليهم ظلالها ﴾ [ الإنسان: 14] الآية.
فيشتهي الطعام فيأتيه طير أبيض وربما قال: أخضر، فترفع أجنحتها فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء، ثم يطير فيذهب فيدخل الملك فيقول: ﴿ سلام عليكم ﴾ ﴿ تلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ﴾ قال: عطاشاً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ﴾ قال: ظماء إلى النار.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ﴾ قال: متقطعة أعناقهم من العطش.
وأخرج ابن المنذر، عن أبي هريرة: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ﴾ قال: عطاشاً.
وأخرج هناد، عن الحسن مثله.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وتبرأ من الحول والقوّة، ولا يرجو إلا الله.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ قال: المؤمنون يومئذ بعضهم لبعض شفعاء.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن مقاتل بن حيان ﴿ إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ قال: العهد الصلاح.
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ قال: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة.
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:من أدخل على مؤمن سروراً فقد سرني، ومن سرني فقد اتخذ عند الرحمن عهداً، ومن اتخذ عند الرحمن عهداً فلا تمسه النار.
إن الله لا يخلف الميعاد» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ قال: إن الله يقول يوم القيامة: «من كان له عندي عهد فليقم، فلا يقوم إلا من قال هذا في الدنيا.
قولوا اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا إنك أن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعله لي عندك عهداً تؤديه إلي يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد» .
وأخرج الطبراني في الأوسط، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جاء بالصلوات الخمس يوم القيامة- قد حافظ على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها لم ينقص منها شيئاً- جاء وله عند الله عهد أن لا يعذبه، ومن جاء قد انتقص منهن شيئاً، فليس له عند الله عهد، إن شاء رحمه وإن شاء عذبه» .
وأخرج الحكيم الترمذي، عن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال في دبر كل صلاة- بعدما سلم- هؤلاء الكلمات: كتبه ملك في رق فختم بخاتم، ثم دفعها إليّ يوم القيامة، فإذا بعث الله العبد من قبره، جاءه الملك ومعه الكتاب ينادي: أين أهل العهود؟
حتى تدفع إليهم، والكلمات أن تقول: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم- إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك، فلا تكلني إلى نفسي، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل رحمتك لي عهداً عندك تؤديه إلي يوم القيامة: إنك لا تخلف الميعاد» وعن طاوس: أنه أمر بهذه الكلمات فكتبت في كفنه.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ شَيْئاً إِدّاً ﴾ أي شيئاً صعباً ﴿ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ﴾ أي يتشققن من قول الكفار: اتخذ الله ولداً ﴿ هَدّاً ﴾ أي انهداماً ﴿ أَن دَعَوْا ﴾ أي من أجل أن دعوا ﴿ للرحمن وَلَداً ﴾ وقرئ وُلْدا بضم الواو وإسكان اللام، وهي لغة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ مخلصاً ﴾ بفتح اللام: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل.
الباقون بكسرها.
﴿ إبراهام ﴾ وما بعده: هشام والأخفش عن ابن ذكوان ﴿ إذا ابتلي ﴾ بالياء التحتانية وكذلك في سورة الحج: قتيبة ﴿ نورث ﴾ بالتشديد: رويس.
الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ سوياً ﴾ ه ﴿ لا تعبد الشيطان ﴾ ط ﴿ عصياً ﴾ ه ﴿ ولياً ﴾ ه ﴿ يا إبراهيم ﴾ ط ج وقد يوصل ويوقف على ﴿ آلهتي ﴾ .
﴿ ملياً ﴾ ه ﴿ سلام عليك ﴾ ج للابتداء بسين الاستقبال مع أن القائل واحد ﴿ لك ربي ﴾ ط ﴿ حفياً ﴾ ه ﴿ وأدعو ربي ﴾ ز لانقطاع النظم والوصل أولى لأن عسى لطمع الإجابة بالدعاء ﴿ شقياً ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ لا لأن ما بعده جواب لما ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ز للأبتداء بأن مع أن المراد بالذكر إخلاص موسى ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نجياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ إسماعيل ﴾ ز لما مر ﴿ نبياً ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ والزكاة ﴾ ط ﴿ مرضيا ﴾ ه ﴿ إدريس ﴾ ز ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ مع نوح ﴾ ز على تقدير ومن ذريته إبراهيم وما بعده قوم إذا تتلى عليهم، وكذا وجه من وقف على ﴿ ذرية آدم ﴾ أو على ﴿ إسرائيل ﴾ والأصح أن الكل عطف على ذرية آدم والوقف على قوله: ﴿ واجتبينا ﴾ لئلا يحتاج إلى الحذف وليرجع ثناء السجود والبكاء إلى الكل ﴿ وبكيا ﴾ ه ﴿ عياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ جنات ﴾ بدل من ﴿ الجنة ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ط ﴿ مأتيا ﴾ ه ﴿ سلاماً ﴾ ه ﴿ وعشياً ﴾ ه ﴿ تقياً ﴾ ه ﴿ بأمر ربك ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ ذلك ﴾ ج لأن قوله: ﴿ وما كان ﴾ معطوف على ﴿ نتنزل ﴾ مع وقوع العارض ﴿ نسياً ﴾ ج ه، لأن ما بعده بدل أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ لعبادته ﴾ ط ﴿ سمياً ﴾ ه.
التفسير: إن الذين أثبتوا معبوداً سوى الله منهم من أثبت معبوداً حياً عاقلاً كالنصارى، ومنهم من عبد معبوداً جماداً كعبدة الأوثان، وكلا الفريقين ضال إلا أن الفريق الثاني أضل.
وحين بين ضلال الفريق الأول شرع في بيان ضلال الفريق الثاني تدرجاً من الأسهل إلى الأصعب.
وإنما بدأ بقصة إبراهيم لأنه كان أبا العرب وكانوا مقرين بعلوّ شأنه وكمال دينه فكأنه قال لهم: إن كنتم مقلدين فقلدوه في ترك عبدة الأوثان وعبادتها، وإن كنتم مستدلين فانظروا في الدلائل التي ذكرها على أبيه.
والمراد بذكر الرسول إياه في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس كقوله: ﴿ واتل عليهم نبأ إبراهيم ﴾ وإلا فهو هو الذي يذكره في تنزيله.
وقوله: ﴿ إذ قال ﴾ بدل من ﴿ إبراهيم ﴾ وما بينهما اعتراض، ولمكان هذا الاعتراض صار الوقف على ﴿ إبراهيم ﴾ مطلقاً.
وجوز في الكشاف أن يتعلق "إذ" بـ ﴿ كان ﴾ أو بـ ﴿ صديقاً نبياً ﴾ أي كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات.
والصديق من أبنية المبالغة فهي إما مبالغة صادق لأن ملاك أمر النبوة الصدق، وإما مبالغة مصدق وذلك لكثرة تصديقه الحق وهذا أيضاً بالحقيقة يعود إلى الأول، لأن مصدق الحق لا يعتبر تصديقه.
إلا إذا كان صادقاً جداً في أقواله مصدقاً لجميع من تقدم من الأنبياء والكتب، وكان نبياً في نفسه رفيع القدر عند الله وعند الناس بحيث جعل واسطة بينه وبين عباده.
وقيل: إن "كان" بمعنى "صار" والأصح أنه بمعنى الثبوت والاستمرار أي إنه لم يزل موصوفاً بالصدق والنبوة في الأوقات الممكن له ذلك فيها.
والتاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وقد مر في أول سورة يوسف.
أورد على أبيه الدلائل والنصائح وصدر كلاً منها بالنداء المتضمن للرفق واللين استمالة لقلب أبيه وامتثالاً لأمر ربه على ما رواه أبو هريرة أن رسول الله قال: "أوحى الله إلى إبراهيم إنك خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي وأسكنه حظيرة القدس وأدنيه من جواري" .
فقوله: {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر" منسيّ المفعول لا منويه فإن الغرض نفي الفعلين على الإطلاق دون التقييد.
و"ما" موصولة أو موصوفة أي الذي لا يسمع أو معبوداً لا يسمع و ﴿ شيئاً ﴾ مفعول به من قوله: "أغن عني وجهك" أي ادفعه.
ويجوز أن يكون بمعنى المصدر أي شيئاً من الإغناء، وعلى هذا يجوز أن يقدر نحوه مع الفعلين السابقين أي لا يسمع شيئاً من السماع إلى آخره.
وحاصل الدليل أن العبادة غاية الخضوع فلا يستحقها إلا أشرف الموجودات لا أخسها وهو الجماد غاية عذرهم عن تلك هي أنها تماثيل أشياء يتصوّر نفها أو ضرها كالكواكب وغيرها فيقال لهم: أليس الكواكب وسائر الممكنات تنتهي في الاحتياج إلى واجب الوجود؟
فإذا جعل شيء من هذه الأشياء معبوداً فقد شورك الممكن والواجب في نهاية التعظيم وهذا مما ينبو عنه الطبع السليم، ورفع الوسائط من البين أدخل في الإخلاص وأقرب إلى الخلاص.
وقوله: ﴿ يا أبت أني قد جاءني ﴾ تنبيه ونصيحة وفيه أن هذا العلم تجدد له حصوله فيكون أقرب إلى التصديق.
وفي قوله: ﴿ من العلم ما لم يأتك ﴾ فائدة هي أنه لم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ولكنه قال: إن معي طائفة من العلم ليست معك فلا تستنكف، وهب أنا في مفازة وعندي معرفة بالدلالة دونك ﴿ فاتبعني أهدك صراطاً سوياً ﴾ مستوياً مؤدّياً إلى المقصود وهو صلاح المعاش والمعاد.
استدل أرباب التعليم بالآية بأنه لا بد من الاتباع.
وأجيب بأنه لا يلزم من اتباع النبي اتباع غيره.
والإنصاف أن هذه الطريق أسهل.
ثم أكد المعنى المذكور بنصيحة أخرى زاجرة عما هو عليه فقال: ﴿ يا أبت لا تعبد الشيطان ﴾ أي لا تطعه فإن عبادة الأصنام هي طاعة الشيطان.
ثم أسقط حصة نفسه إذ لم يقل إن الشيطان عدوّ لبني آدم بل قدّم حق ربه فقال: ﴿ إن الشيطان كان للرحمن عصياً ﴾ حين ترك أمره بالسجود عناداً واستكباراً لا نسياناً وخطأ، نبهه بهذه النصيحة على وجود الرحمن ثم على وجود الشيطان، وأن الرحمن مصدر كل خير، والشيطان مظهر كل شر بدلالة الموضوع اللغوي، وهذا القدر كافٍ من التنبيه لمن تأمل وأنصف.
ثم بين الباعث على هذه النصحية فقال: ﴿ يا أبت إني أخاف ﴾ وفيه مع التخويف من سواء العاقبة أنواع من الأدب إذ ذكر الخوف والمس ونكر العذاب.
قال الفراء: معنى أخاف أعلم.
والأكثرون على أنه محمول على ظاهره لأن إبراهيم لم يكن جازماً بموت أبيه على الكفر وإلا لم يشتغل بنصحه.
والخوف على الغير ظن وصول الضرر إلى ذلك الغير مع تألم قلبه من ذلك كما يقال: أنا خائف على ولدي.
وذكروا في الولي وجوهاً منها: أنه إذا استوجب عذاب الله كان مع اشيطان في النار والمعية سبب الولاية أو مسببها غالباً، وإطلاق أحدهما على الآخر مجاز.
وليس هناك ولاية حقيقة لقوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ ﴾ ﴿ إني كفرت بما أشركتمون من قبل ﴾ ومنها أن حمل العذاب على الخذلان ومنها أن الولي بمعنى التالي والتابع قال جار الله: جعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أتباعه وأوليائه أكبر من نفس العذاب، لأن ولاية الشيطان في مقابلة رضا الرحمن وقال عز من قائل: ﴿ ورضوان من الله أكبر ﴾ وإذا كان رضوان الله أكبر من نعيم الجنة فولاية الشيطان أعظم من عذاب النار.
ثم إن الشيخ قبل ملاطفات إبراهيم بالفظاظة والغلظة قائلاً ﴿ أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ﴾ فقدم الخبر على المبتدأ إشعاراً بأنه عنده أعنى.
وفي هذا الاستفهام ضرب من التعجب والإنكار لرغبته عن آلهته.
وفي قوله: ﴿ يا إبراهيم ﴾ دون أن يقول: "يا بني" في مقابلة ﴿ يا أبت ﴾ تهاون به كيف لا وقد صرح بالإهانة قائلاً ﴿ لئن لم تنته لأرجمنك ﴾ باللسان أي لأشتمنك أو باليد أي لأقتلنك وأصله الرمي بالرجم.
ثم ههنا إضمار أي فاحذرني ﴿ واهجرني ملياً ﴾ أي زماناً طويلاً من الملاوة، أو أراد ملياً بالذهاب والهجران.
مطيقاً له قوياً عليه قبل أن أثخنك بالضرب.
فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على التمرد والجهالة ﴿ قال سلام عليك ﴾ يعني سلام توديع ومتاركة كقوله: ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ وفيه أن متاركة المنصوح إذا ظهر منه آثار اللجاج من سنن المرسلين، ويحتمل أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له ورفقاً به بدليل قوله: ﴿ سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيّاً ﴾ بليغاً في البر والإلطاف وقد مر ي آخر "الأعراف".
احتج بالآية بعض من طعن في عصمة الأنبياء قال: إنه استغفر لأبيه الكافر وهو منهي عنه لقوله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ الآية.
ولقوله في الممتحنة ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ﴾ فلو لم يكن هذا معصية لم يمنع من التأسي به.
والجواب لعل إبراهيم في شرعه لم يجد ما يدل على القطع بتعذيب الكافر أو لعل بهذا الفعل منه من باب ترك الأولى، أو لعل الاستغفار بمعنى الاستبطاء كقوله: ﴿ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ﴾ والمعنى سأسأل ربي أن يخزيك بكفرك ما دمت حياً.
والجواب في الحقيقة ما مر في آخر سورة التوبة في قوله عز من قائل ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ﴾ والمنع من التأسي لا يدل على المعصية، فلعل الاستغفار مع ذلك الشرط كان من خصائصه كما أن كثيراً من الأمور كانت مباحة للرسول الله هي محرمة علينا.
ثم صرح بما تضمنه السلام من التوديع والهجران فقال: ﴿ وأعتزلكم ﴾ أي أهاجر إلى الشام ﴿ و ﴾ أعتزل ﴿ ما تدعون ﴾ أي ما تعبدون ﴿ من دون الله ﴾ وقد يعبر بالدعاء عن العبادة لأنه منها ومن وسائطها، يدل على هذا التفسير قوله: ﴿ فلما أعتزلهم وما يعبدون ﴾ أما قوله: ﴿ وأدعو ربي ﴾ فيحتمل معنيين: العبادة والدعاء كما يجيء في سورة الشعراء.
وفي قوله: ﴿ عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً ﴾ تعريض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم وعبادتها مع التواضع وهضم النفس المستفاد من لفظ ﴿ عسى ﴾ .
قال العلماء: ما خسر على الله أحد فإن إبراهيم لما ترك أباه الكافر وقومه فراراً بدينه عوّضه الله أولاداً مؤمنين أنبياء وذلك قوله: ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاً جعلنا نبياً ووهبنا لهم ﴾ شيئاً ﴿ من رحمتنا ﴾ عن الحسن: هي النبوة.
وعن الكلبي: المال والولد.
والأظهر أنها عامة في ذلك كل خير ديني ودنيوي ولسان الصدق والثناء الحسن، عبر باللسان عما يوجد به كما عبر باليد عما يطلق بها وهو العطية وقد مر تحقيق الإضافة في أول يونس في قوله: ﴿ قدم صدق ﴾ تبرأ إبراهيم من أبيه ابتغاء مرضاة الله فسماه الله أبا بالمؤمنين ﴿ ملة أبيكم إبراهيم ﴾ ، وتل ولده للجبين ففداه الله بذبح عظيم، وأسلم نفسه لرب العالمين فجعل النار عليه برداً وسلاماً، وأشفق على هذه الأمة فقال وابعث فيهم رسولاً، فأشركه الله في الصلاة على النبي في الصلوات الخمس، ووفى في حق سارة كما قال : ﴿ وإبراهيم الذي وفى ﴾ فجعل موطىء قدمه مباركاً ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ وعادى كل الخلق في الله حين قال ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين ﴾ فلا جرم اتخذه الله خليلاً.
ثم قفى قصة إبراهيم بقصة موسى لأنه تلوه في الشرف.
والمخلص بكسر اللام الذي أخلص العبادة عن الشرك والرياء وأخلص وجهه لله، وبالفتح الذي أخلصه الله و ﴿ كان رسولاً نبياً ﴾ الرسول الذي معه كتاب من الأنبياء والنبي الذي ينبىء عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب، وكان المناسب ذكر الأعم قبل الأخص إلا أن رعاية الفاصلة اقتضت عكس ذلك كقوله في طه ﴿ برب هرون وموسى ﴾ ﴿ الأيمن ﴾ من اليمين أي من ناحية اليمنى من موسى أو هو من اليمن صفة للطور أو للجانب ﴿ وقربناه ﴾ حال كونه ﴿ نجياً ﴾ أي مناجياً شبه تكليمه إياه من غير واسطة ملك بتقريب بعض الملوك واحداً من ندمائه للمناجاة والمسارة.
وعن أبي العالية أن التقريب حسي، قربه حتى سمع صريف القلم الذي كتبت به التوراة والأول أظهر، ومنه قولهم للعبادة "تقرب" وللملائكة "أنهم مقربون".
﴿ ووهبنا له من رحمتنا ﴾ أي من أجلها أي بعض رحمتنا فيكون ﴿ أخاه ﴾ بدلاً و ﴿ هرون ﴾ عطف بيان كقولك "رأيت رجلاً أخاك زيداً".
و ﴿ نبياً ﴾ حال من هارون.
قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى فتنصرف الهبة إلى معاضدته وموازرته.
وذلك بدعاء موسى في قوله: ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي ﴾ وخص إسماعيل بن إبراهيم بصدق الوعد وإن كان الأنبياء كلهم صادقين فيما بينهم وبين الله أو الناس، لأنه المشهور المتواصف من خصاله من ذلك: أنه وعد نفسه الصبر على الذبح فوفى به.
وعن ابن عباس أنه وعد صاحباً له أن ينتظره فانتظره سنة.
عن رسول الله أنه واعد رجلاً ونسي ذلك الرجل فانتظره من الضحى إلى قريب من غروب الشمس.
وسئل الشعبي عن الرجل يعد ميعاده إلى أي وقت ينتظره؟
فقال: إذا واعدته في وقت الصلاة فانتظره إلى وقت صلاة أخرى.
وكان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لغيرهم ولأن الابتداء بالإحسان الديني والدنيوي بمن هو أقرب أولى ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ "بدأ من تعول" ويحسن أن يقال: أهله أمته كلهم أقارب أو أباعد من حيث إنه يلزمه في جميعهم ما يلزم المرء في أهله خاصة من قضاء حقوق النصيحة والشفقة ورعاية مصالحهم الدينية والدنيوية.
وعلى القولين يندرج في الصلاة الصلوات المفروضة والمندوبة كصلاة التهجد وغيرها، وأما الزكاة فالأقرب أنها الصدقة المفروضة.
وعن ابن عباس أنها طاعة الله والإخلاص لأن فاعلها يزكو بها عند الله.
وأما إدريس فالأصح أنه اسم عجمي بدليل منع الصرف كما مر مراراً في آدم ويعقوب وغيرهما.
وقيل: "افعيل" من الدرس لكثرة دراسته كتاب الله، ولعل معناه بالأعجمية قريب من الدراسة فظنه القائل مشتقاً منها.
وفي رفعته أقوال منها: أن المكان العليّ شرف النبوة والزلفى عند الله، وقد أنزل عليه ثلاثون صحيفة، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود، واسمه أخنوخ من أجداد نوح لأنه نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وأهل التنجيم بعضهم يسمونه هرمس ولهم نوادر في استخراج طوالع المواليد ينسبونه إليه.
وقيل: إن الله رفعه إلى السماء وإلى الجنة وهو حي لم يمت.
وقال آخرون: رفع إلى السماء وقبض روحه.
عن ابن عباس أنه سأل كعباً عن قوله: ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ قال: جاء خليل من الملائكة فسأله أن يكلم ملك الموت حتى يؤخر قبض روحه، فحمله ذلك الملك بين جناحيه فصعد به، فلما كان في السماء الرابعة إذ بملك الموت يقول: بعثت لأقبض روح إدريس في السماء الرابعة وأنا أقول: كيف ذلك وهو في الأرض؟
فالتفت إدريس فرأى ملك الموت فقبض روحه هناك.
وعن ابن عباس أنه رفع إلى السماء السادسة.
وعن الحسن: المراد أنه رفع إلى الجنة ولا شيء أعلى منها.
﴿ أولئك ﴾ المذكورون من لدن زكريا إلى إدريس هم ﴿ الذين أنعم الله عليهم من النبيين ﴾ "من" للبيان لأن جميع الأنبياء منعم عليهم ﴿ من ذرية آدم ﴾ هي للتبعيض وكذا في قوله: ﴿ وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل ﴾ والمراد بمن هو من ذرية آدم إدريس لقربه منه، وبذرية من حمل مع نوح إبراهيم لأنه من ولد سام بن نوح، وبذرية إبراهيم وإسماعيل، وبذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم لأن مريم من ذريته.
﴿ وممن هدينا ﴾ يحتمل العطف على من الأولى والثانية وفي هذا الترتيب تنبيه على أن هؤلاء الأنبياء اجتمع لهم مع كمال الأحساب شرف الأنساب، وأن جميع ذلك بواسطة هداية الله وبمزية اجتنائه واصطفائه.
ثم إن جعلت ﴿ الذين ﴾ خبراً ﴿ لأولئك ﴾ كان ﴿ إذا يتلى ﴾ كلاماً مستأنفاً، وإن جعلته صفة له كان خبراً وقد عرفت في الوقوف سار الوجوه من قرأ ﴿ يتلى ﴾ بالتذكير لأن تأنيث الآيات غير حقيقي والفاصل حاصل.
والبكي جمع باكٍ "فعول" كسجود في "ساجد" أبدلت الواو ياء وأدغمت وكسر ما قبلها للمناسبة.
ومن زعم أنه مصدر فقدسها لأنها قرينة سجداً.
عن رسول الله : " اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" أراد بالآيات التي فيها ذكر العذاب وقال غيره: إطلاق الآيات والحديث المذكور يدل على العموم لأن كل آية إذا فكر فيها المفكر صح أن يسجد عندها ويبكي.
قلت: لعل المراد بآيات الله ما خصهم الله به من الكتب المنزلة، لأن القرآن حينئذ لم يكن منزلاً واختلفوا في السجود.
فقيل: هو الخشوع والخضوع.
وقيل: الصلاة.
وقيل: سجدة التلاوة على حسب ما تعبدنا به.
ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا يتعبدون بالسجود.
قال الزجاج: الإنسان في حال خروره لا يكون ساجداً فالمراد خروا متهيئين للسجود.
عن رسول الله : "اقرؤا القرآن بحزن فإنه نزل بحزن" وعن ابن عباس: إذا قرأتم سجدة "سبحان" فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه.
وقالت العلماء: يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بها فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللَّهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك.
وإن قرأ سجدة "سبحان" قال: اللَّهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك.
وإن قرأ ما في هذه السورة قال: اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك.
ولما مدح هؤلاء الأنبياء ترغيباً لغيرهم من سيرتهم وصف أضدادهم لتنفير الناس عن طريقتهم قائلاً ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ وهو عقب السوء كما مر في آخر "الأعراف" فإضاعة الصلاة في مقابلة الخرور سجداً، واتباع الشهوات بإزاء البكاء.
عن بان عباس: هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلوا نكاح الأخت من الأب.
وعن إبراهيم النخعي ومجاهد: أضاعوها بالتأخير.
وعن علي في قوله: ﴿ واتبعوا الشهوات ﴾ من بني الشديد وركب المنظور ولبس المشهور.
وعن قتادة: هو في هذه الأمة ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ قال جار الله: كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد.
وقال الزجاج: هو على حذف المضاف أي جزاء غي كقوله: ﴿ ويلق أثاماً ﴾ أي مجازاة أثام.
وقيل: غياً من طريق الجنة.
وقيل: هو وادٍ في جهنم تستعيذ منه أوديتها احتج بعضهم بقوله: ﴿ إلا من تاب وآمن ﴾ على أن تارك الصلاة كافر وإلا لم يحتج إلى تجديد الإيمان.
والجواب أنه إذا كان المذكورون هم الكفرة أو اليهود - كما رويناه عن ابن عباس - سقط الاستدلال.
واحتجت الأشاعرة في أن العمل ليس من الإيمان لأن العطف دليل التغاير.
وأجاب الكعبي بأنه عطف الإيمان على التوبة مع أنها من الإيمان، ومنع من أن التوبة من الإيمان ولكنها شرطه لأنها العزم على الترك والإيمان إقرار باللسان، وإنما حذف الموصوف ههنا وقال في الفرقان ﴿ وعمل عملاً صالحاً ﴾ لأنه أوجز في ذكر المعاصي فأوجز في التوبة وأطال هناك فأطال هناك.
وهذا الاستثناء بحسب الغالب فقد يتوب عن كفره ويؤمن ولم يدخل بعد وقت الصلاة، أو كانت المرأة حائضاً ثم مات فهو من أهل النجاة مع أنه لم يعمل صالحاً.
ومعنى ﴿ لا يظلمون شيئاً ﴾ لا ينقصون شيئاً من جزاء أعمالهم بل يضاعف لهم تفضلاً تنبيهاً على أن تقدم الكفر لا يضرهم بعد أن يتوبوا، ويحتمل أن ينتصب ﴿ شيئاً ﴾ على المصدر أي شيئاً من الظلم.
ومعنى ﴿ جنات عدن ﴾ قد مر في سورة التوبة في قوله: ﴿ ومساكن طيبة في جنات عدن ﴾ وصفها الله بالإقامة والدوام خلاف ما عليه جنان الدنيا.
ولما كانت الجنة مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، ويحتمل انتصابها عل الاختصاص وكذا انتصاب "التي".
قال جار الله: عدن علم بمعنى العدن وهو الإقامة وهو علم لأرض الجنة لكونها مكان إقامة ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة.
ولما ساغ وصفها بـ "التي" ومعنى ﴿ بالغيب ﴾ مع الغيبة أي وعدوها وهي غائبة عنهم غير حاضرة، أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها، أو الباء للسببية أي وعدها عباده بسبب تصديق الغيب والإيمان به خلاف حال المنافقين.
وقوله: ﴿ إنه كان وعده مأتياً ﴾ بالأول أنسب وهو مفعول بمعنى "فاعل"، أو على أصله لأن ما أتاك فقد أتيته.
وجوز في الكشاف أن يكون من قولك: "أتى إليك إحساناً" أي كان وعده مفعولاً منجزاً.
قوله: ﴿ إلا سلاماً ﴾ استثناء متصل على التأويل لأن اللغو فضول الكلام وما لا طائل تحته كما تقدم في يمين اللغو في "البقرة" وفي "المائدة" أي إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغواً فلا يسمعون لغواً إلا ذلك كقولهم "عتابك السيف".
أو استثناء منقطع أي لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة، ويجوز أن يكون متصلاً بتأويل آخر وهو أن معنى السلام الدعاء بالسلامة وأهل دار السلام عن الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام.
وفي الآية تنبيه ظاهر على وجوب اتقاء اللغو حيث نزه الله عنه الدار التي لا تكليف فيها.
ثم إنه من عادته ترغيب كل قوم بما أحبوه في الدنيا فلذلك ذكر أساور من الذهب والفضة لبس الحرير التي كانت للعجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة، وكانت من عادة أشراف اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء لأنها العادة الوسطى المحمودة لمتنعمين منهم فوعدهم بذلك قائلاً: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعيشاً ﴾ هذا قول الحسن.
ولا يكون ثم ليل ولا نهار ولكن على التقدير أي يأكلون على مقدار الغداة على العشي.
وقيل: أراد دوام الرزق كما تقول: أنا عند فلان صباحاً ومساء تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين.
وقوله: ﴿ تلك الجنة التي نورت ﴾ كقوله في "الأعراف" ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها ﴾ وهي استعارة أي تبقى عليهم الجنة كما يبقى على الوارث مال الموروث منه.
قال القاضي: في الآية دلالة على أن الجنة يختص بدخولها من كان متقياً غير مرتكب للكبائر.
وأجيب بمنع الاختصاص وبأنه يصدق على صاحب الكبيرة.
أنه اتقى الكفر.
سئل ههنا أن قوله : ﴿ تلك الجنة التي نورث ﴾ كلام الله وقوله بعده: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب ليس من كلام الله فما وجه العطف بينهما: وأجيب بأنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح، فظاهر قوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب جماعة لواحد وإنه لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول كما روي أن قريشاً بعثت خمسة رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة محمد وهل يجدونه في كتابهم.
فسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه، وقالت اليهود: نجده في كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمان اليمامة عن خصال ثلاث فلم يعرف فاسألوه عنهن، فإن أخبركم بخصلتين منها فاتبعوه، فاسألوه عن فئة أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فلم يدر كيف يجيب، فوعدهم الجواب ولم يقل: إن شاء الله.
فاحتبس الوحي عليه أربعين يوماً - وقيل خمسة عشر يوماً - فشق عليه ذلك مشقة شديدة.
وقال المشركون: ودعه ربه وقلاه.
فنزل جبرائيل فقال له النبي : "أبطأت عني حتى ساء ظني واشتقت إليك." قال: كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذ حبست احتبست.
فأنزل الله الآية وأنزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً ﴾ وسورة الضحى.
ومعنى التنزل على ما يليق بهذا الموضع هو النزول على مهل أي نزلنا في الأحايين وقتاً غب وقت ليس إلا بأمر الله عزوجل.
ثم أكد جبرائيل ما ذكره بقوله: ﴿ له ما بين أيدينا وما خلفنا ﴾ من الجهات والأماكن أو من الأزمنة الماضية والمستقبلة وما بينهما من المكان والزمان الذي نحن فيه فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة، أو من زمان إلى زمان إلا بأمر ربك ومشيئته.
وقيل: له ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة ﴿ وما بين ذلك ﴾ وهو ما بين النفختين أربعون سنة.
وقيل: ما مضى.
من أعمارنا وما غبر منها والحال التي نحن فيها أو ما قبل وجودنا وبعد فنائنا.
وقيل: الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا.
والسماء التي وراءنا، وما بين السماء والأرض وعلى الأقوال فالمراد أنه الميحط بكل شيء لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة فكيف يقدم على فعل إلا بأمره!
وقال أبو مسلم: في وجه النظم إن قوله: ﴿ وما نتنزل ﴾ من قول أهل الجنة لمن بحضرتهم أي ما ننزل الجنة إلا بأمر ربك.
أما قوله: ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ فعلى القول الأول معناه أنه ما كان امتناع النزول إلا لعدم الإذن ولم يكن لترك الله إياكم لقوله: ﴿ ما ودّعك ربك وما قلى ﴾ وعلى قول غير أبي مسلم هو تأكيد لإحاطته بجميع الأشياء، وأنه لا يجوز عليه أن يسهو عن شيء ما ألبته.
وعلى قول أبي مسلم المراد أنه ليس ناسياً لأعمال العاملين فيثيب كلاً منهم بحسب عمله فيكون من تتمة حكاية قول أهل الجنة، أو ابتداء كلام من الله خطاباً لرسوله ويتصل به قوله: ﴿ رب السموات والأرض ﴾ أي بل هو ربهما ﴿ وما بينهما فاعبده ﴾ الفاء للسببية لأن كونه رب العالمين سبب موجب لأن يعبد ﴿ واصطبر لعبادته ﴾ لم يقل "على عبادته" لأنه جعل العبادة بمنزلة القرن في قولك للمحارب "اصطبر لقرنك" أي أوجد الاصطبار لأجل مقاومته.
ثم أكد وجوب عبادته بقوله: ﴿ هل تعلم له سمياً ﴾ أي ليس له مثل ونظير حتى لا تخلص العبادة له، وإن عديم النظير لا بد أن يصبر على مواجب إرادته وتكاليفه خصوصاً إذا كانت فائدتها راجعة إلى المكلف.
وقيل: أراد أنه لا شريك له في اسمه وبيانه في وجهين: أحدهما أنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله عى الوثن إلا أنهم لم يطلقوا لفظ الله على من سواه.
وعن ابن عباس: أراد لا يسمى بالرحمن غيره.
قلت: وهذا صحيح ولعله هو السر في أنه لم يكرر لفظ "الرحمن" في سورة تكريره في هذه السورة.
وثانيهما هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل أن التسمية على الباطل كلا تسمية.
التأويل: ﴿ واذكر في الكتاب ﴾ الأزلي ﴿ إبراهيم ﴾ القلب ﴿ إنه كان صديقاً ﴾ للتصديق ثلاث مراتب: صادق صدق في أقواله، وصادق صدق في أخلاقه وأحواله، وصديق صدق في قيامه مع الله في الله بالله وهو الفانى عن نفسه الباقي بربه ﴿ إذ قال لأبيه ﴾ الروح الذي يعبد صنم الدنيا بتبعية النفس ﴿ فقد جاءني من العلم ﴾ اللدني ﴿ ما لم يأتك ﴾ لما ذكرنا أن القلب محل للفيض الإلهي أقبل من الروح كالمرآة فإنها تقبل النور لصفائها وينعكس النور عنها لكثافتها وصقالتها ﴿ وهبنا له إسحاق ﴾ السر ﴿ ويعقوب ﴾ الخفي ﴿ وناديناه من جانب الطور الأيمن ﴾ أسمعنا موسى القلب من جانب طور الروح لا من جانب وادي النفس الذي هو على أيسر ﴿ وكان يأمر أهله ﴾ أي الجسم والنفس والقلب والروح بالصلاة له توجه كل منهم توجهاً يليق بحاله، وبالزكاة أي تزكية كل واحد منهم من الأخلاق الذميمة ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ في مقعد صدق عند مليك مقتدر ﴿ خروا ﴾ بقلوبهم على عتبة العبودية ﴿ سجداً ﴾ بالتسليم للأحكام الأزلية ﴿ وبكياً ﴾ بكاء السمع يذوبان الوجود على نار الشوق والمحبة ﴿ عباده بالغيب ﴾ أي بغيبتهم عن الوجود قبل التكوين كقوله: ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ﴾ ﴿ ولهم رزقهم ﴾ رؤية الله على ما جاء في الحديث: "وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوّاً وعشياً" ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ المقدور في علم الله، وتنادى أهل العزة من سرادقات العزة أن يا أهل الطبيعة أفيقوا من المتمنيات فإنا ما ننزل من عالم الغيب.
إلا بأمر ربك ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ ليحتاج إلى تذكير متمن، بل هو رب سموات الأرواح وأرض الأجساد وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار له ﴿ فاعبده ﴾ بأركان الشريعة بجسدك وبآداب الطريقة بنفسك وبالإعراض عن الدنيا والإقبال على المولى بقلبك وبالفناء في الله والبقاء به بروحك وبسرك.
﴿ هل تعلم له ﴾ نظيراً في المحبوبية لك.
والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل -: ﴿ أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً ﴾ .
قال بعضهم: هذ القول قاله العاص بن وائل السهمي لما حاجه أهل الإيمان في أمر الآخرة أنها لهم دون الكفرة، فقال لهم عند ذلك: ﴿ لأُوتَيَنَّ مَالاً ﴾ في الآخرة إن كان ما تقولون أنتم حقّاً، إنما نبعث ونحيا كما أوتيت في هذه الدنيا.
وقال الحسن: قائل هذا القول هو الوليد بن المغيرة وهو ما قال : ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلاَّ ﴾ وكان يطمع أن أزيد له في الدنيا أبداً، فقال: ﴿ كَلاَّ ﴾ ردّاً على ذلك، وقال هاهنا: ﴿ أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ ﴾ أنه يكون له في الآخرة ذلك على التأويل الأوّل، أو في الدنيا في وقت آخر؛ ذلك على تأويل الحسن، ﴿ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً * كَلاَّ ﴾ ردّاً على ما ادعوا ﴿ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ ﴾ أي: سنحفظ.
﴿ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ وَنَمُدُّ لَهُ ﴾ أي: نزيد له من العذاب في كل يوم، كقوله: ﴿ فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً ﴾ وقال بعضهم: ﴿ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً ﴾ ، أي: نعذب بلا انقطاع له، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ﴾ : قال بعضهم: أي: نرثه المال والولد الذي قال: ﴿ لأُوتَيَنَّ ﴾ أي: لله ما يقول بأنه له من المال وغيره لا له.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَنَرِثُهُ ﴾ : أنه يعطى في الجنة ما يعطى المؤمنون فنرثه عنه ونعطيه غيره، وجائز إضافة الوراثة إليه على إرادة أوليائه، أي: يرثه ذلك أولياؤه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَأْتِينَا فَرْداً ﴾ في الآخرة لا شيء معه ولا أهل، كقوله: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ وَيَأْتِينَا فَرْداً ﴾ في الدنيا في وقت لا شيء معه ولا أهل ولا ولد، على تأويل من يقول في قوله: ﴿ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً ﴾ : في الدنيا، والله أعلم.
ثم اختلف أهل التأويل في العهد الذي ذكر: أن له عند الله: قال بعضهم: شهادة أن لا إله إلا الله في الدنيا.
وقال بعضهم: قدم عملاً صالحاً.
وقال بعضهم: الصلاة، وهو قول مقاتل.
وعن ابن مسعود - - قال: "اتخذوا عند الرحمن عهداً؛ فإن الله يقول يوم القيامة: من كان له عندي عهد فليقم، فقيل: كيف هو؟
قال: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أنك لا تكلف إلى بعمل يقربني من الشر ويباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعله لي عندك عهداً تؤديه إلى يوم القيامة، إنك لا تخلف المعياد" .
ويرفع ابن مسعود هذا إلى رسول الله .
والأول أشبه إن ثبت الخبر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً * كَلاَّ ﴾ .
فإن كان على حقيقة العز، فهو في القادة منهم والمتبوعين الذين عبدوا تلك الأصنام والأوثان؛ ليتعزّزوا بذلك، ولا يذلّون، وتدوم لهم الرياسة التي كانت لهم في الدنيا، فظنوا أنهم إن آمنوا تذهب تلك الرياسة والمأكلة عنهم.
ويحتمل قوله: ﴿ لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً ﴾ أي: نصراً ومنعة، فإن كان هذا فهو في الرؤساء منهم والأتباع في الدنيا والآخرة: أما ما طمعوا بعبادتهم الأصنام النصر في الآخرة، وهو كقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ و ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ؛ طمعوا بعبادتهم النصر والشفاعة في الآخرة.
وأمّا في الدنيا ظنوا أنّ آلهتهم التي عبدوها ينصرونهم في الدنيا، حيث قالوا: ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ ﴾ ، فكيفما كان فقد رد الله عليهم ما طمعوا منها - عزّاً كان أو نصراً - بقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ؛ لأنهم أذلّوا أنفسهم لخشب، وحنوا ظهورهم لها، فكفى بذلك ذلاًّ وصغاراً.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ ﴾ : قال الحسن: سيكفر عبّاد الأصنام في الدنيا بمن عبدوه في الآخرة أنهم ما كفروا وما عبدوها، كقوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ ، ينكرون في الآخرة أن يكونوا أشركوا معه غيره أو عبدوا دونه.
وقال غيره من أهل التأويل: سيكفر المعبودون بالعابدين لهم، ويتبرءون منهم، وهو كقوله: ﴿ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً ﴾ : قال بعضهم: ﴿ ضِدّاً ﴾ ، أي: عوناً، وتأويل العون: هو أن يلقي تلك الأصنام معهم في النار، فيحرقون فيها معهم، فيزداد لهم عذاباً؛ فكانت على إحراقهم، وعلى هذا يخرج.
وقول من يقول: الضدّ: البلاء، أي: يكونون بلاء عليهم على ما ذكرنا وهو ما قال: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ...
﴾ الآية [الأنبياء: 98]، فإذا صاروا حصباً كانوا بلاء وعوناً على إحراقهم.
وقال بعضهم: ﴿ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً ﴾ : أي: قرناء في النار بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض، ويخاصم بعضهم بعضاً، ويكذب بعضهم بعضاً؛ فذلك كلّه ضد عليهم، ضدّ ما طمعوا منها؛ لأنهم عبدوها في الدّنيا رجاء أن يكونوا لهم شفعاء في الآخرة ونصراء، فكانوا لهم على ضدّ ذلك أعداء.
وقال ابن عبّاس: يكونون ضدّاً: أي: حسرة، وكلّه واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ﴾ : قال بعضهم: ﴿ أَرْسَلْنَا ﴾ : أي: سلّطنا عليهم، كقوله: ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ ﴾ : أي: قيضناهم بهم، كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً ﴾ فهما في الحقيقة واحد؛ لأنه إذا أرسلهم اتصلوا بهم، فإذا اتصلوا بهم قيضوا وقرنوا بعضهم ببعض.
وقال الحسن، وأبو بكر الأصم، وغيرهما: ﴿ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ : أي: خلينا بينهم وبينهم، ولم نمنعهم منهم [على] ما ذكر.
لكن لو كان تأويل الإرسال التخلية وتأويل القيض كذلك، لم يكن لتخصيص الكفار بذلك معنى؛ إذ قد كان ذلك القدر من التخلية بينهم وبين المسلمين.
[و] إن كان تأويل التخلية: أنه لم يمنعهم عنهم، وخلى بينهم - فدلّ تخصيص الكفار بهذا وأمثاله [على أن] ليس هو التخلية لا غير، وأن تخصيص هؤلاء بهذا وأمثاله من قوله: ﴿ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ﴾ ، ونحوه، وإن كان هنالك من الله معنى في الكفار ليس ذلك في المؤمنين، وفي المؤمنين معنى ليس ذلك في الكافرين، وهو - والله أعلم - إذا علم في المؤمنين الرغبة والإجابة، وفقهم على ذلك وهداهم، وإذا علم من الكفار خلاف ذلك وضدّه خذلهم وأضلّهم، فذلك تخصيصه إياهم بما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ﴾ : قال بعضهم: تزعجهم إزعاجاً.
وقال بعضهم: تشيلهم إشلاء وتغريهم إغراء.
وقال الحسن: تحركهم تحريكاً.
وقال بعضهم: تقدمهم إقداماً إلى الشر.
وقال بعضهم: توقعهم إيقاعاً، ونحوه، وكله واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: لا تكافئهم على أذاهم إياك، ولا تعاقبهم، ﴿ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً ﴾ أي: أنفاسهم يتنفسون في الدنيا، فهي معدودة تنقضي آجالهم عن قريب، فلا تكافئهم على ذاك وما يستقبلونك بالمكروه والسوء.
ثم وجه ما ذكر من إرسال الشياطين عليهم والتمكين لهم من الوسوسة في الصّدور، أعني: صدور المؤمنين، والنزغ في روعهم من غير أن يملكوا القهر والقسر على ذلك، وما جعلهم بمحل لا نراهم نحن، وهم يروننا، على ما أخبر ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ﴾ ، فهو - والله أعلم - أن من علم بحضرته وقربه عدوّاً له يراقبه ويطلب الفرصة عليه يكون أحذر وأهيب له ممن لا يعلم ذلك ولا كان بقربه وحضرته عدو، وعلى ذلك ما جعل الله - عز وجل - من الحفظة والكرام الكاتبين - صلوات الله عليهم - على بني آدم، رقباء عليهم في قليل ما يفعلون ويتفوهون و كثيره، وإن كان قادراً على حفظ ذلك عليهم والتذكير لهم واحداً بعد واحد، شيئاً على إثر شيء، وذلك لما ذكرنا أن من علم أنّ عليه رقيباً يراقبه ويكتب عليه كل قليل وكثير كان أحذر وأهيب ممن لم يعلم ذلك على نفسه رقيباً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً ﴾ أي: الذين اتقوا مخالفة أمر الله في كل ما لا يغلب عليهم؛ لأن المؤمن لا يرتكب المعصية إلا لغلبة شهوة، أو لغلبة رجاء إلى مغفرة ربه ونحوه، أو توبة يضمرها بعد ارتكابها، وعلى هذا يكون ارتكاب المؤمن مخالفة ربّه.
وقوله: ﴿ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ أي: إلى ما وعد لهم الرحمن من الثواب.
وقوله: ﴿ وَفْداً ﴾ الوفد في الشاهد: هم أهل الكرامة والمنزلة يبعثون لأمور، فكأنه قال: إن المتقين يحشرون وهم مكرمون معظمون، ولهم منزلة عند الله وقدر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً ﴾ ، الوارد: هو طالب الماء، والورد الجمع، فكأنه قال: ونسوق المجرمين إلى جهنم عطاشاً طلاب الماء، على ما قاله أهل التأويل.
والمجرم، قال أبو بكر الأصم: هو الوثاب في المعصية، وأصل الإجرام: الاكتساب؛ ولهذا قال بعض النّاس في قوله: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ أي: يكسبنكم، وأصله هو كسب الإثم.
وقوله: ﴿ وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ فيه أنهم إنما يساقون على كره منهم؛ إذ ذكر في الكافرين السوق وذكر في المؤمنين الجمع والحشر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ ﴾ \[الشفاعة\] إنما تكون فيمن استوجب العذاب والعقوبة، فأما من لا عقوبة عليه مغفور الذنب فإنه لا معنى لها ولا فائدة، فهو يردّ على المعتزلة مذهبهم: أن صاحب الكبيرة لا يغفر له، وصاحب الصغيرة مغفور له، فالشفاعة التي ذكر لا تخلو إمّا أن تكون لأهل الكبائر فيغفر لهم بالشفاعة، فيبطل قولهم، أو لأهل الصغائر وتعذيبهم، فكيفما كان فهو يرد قولهم؛ إذ لا معنى لذكر الشفاعة في المغفورين.
وقالوا: إن الشفاعة في الشاهد أن يذكر نجابة الإنسان عند آخر ليعرف محاسنه ومناقبه ليكون له منزلة وقدر عنده، لكن مثل هذا يجوز ممن يجهل ذلك ولا يعرف بنفسه، فأمّا الله - وتعالى - هو عالم بذاته، يعلم حال كل أحد، فلا يحتمل ذلك.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً ﴾ قال بعضهم: شهادة أن لا إله إلا الله.
وقال بعضهم: العمل الصالح.
وقال بعضهم: الصلاة على ما ذكرنا، وأصل العهد هو أن يشترط شروط الوفاء حتى [يفي] بما شرط عليه وهو الوفاء بما أمر به ونهى عنه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
إن كل من في السماوات من الملائكة والإنس والجن إلا يأتي ربه يوم القيامة خاضعًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.6aYPR"