تفسير الآية ٩٦ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٩٦ من سورة مريم

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدًّۭا ٩٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 81 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٩٦ من سورة مريم من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٩٦ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات ، وهي الأعمال التي ترضي الله - عز وجل - لمتابعتها الشريعة المحمدية - يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين مودة ، وهذا أمر لا بد منه ولا محيد عنه .

وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير وجه .

قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا أبو عوانة ، حدثنا سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال : يا جبريل ، إني أحب فلانا فأحبه .

قال : فيحبه جبريل " .

قال : " ثم ينادي في أهل السماء : إن الله يحب فلانا " .

قال : " فيحبه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول في الأرض ، وإن الله إذا أبغض عبدا دعا جبريل فقال : يا جبريل ، إني أبغض فلانا فأبغضه " .

قال : " فيبغضه جبريل ، ثم ينادي في أهل السماء : إن الله يبغض فلانا فأبغضوه " .

قال : " فيبغضه أهل السماء ، ثم يوضع له البغضاء في الأرض " .

ورواه مسلم من حديث سهيل .

ورواه أحمد والبخاري ، من حديث ابن جريج ، عن موسى بن عتبة عن نافع مولى ابن عمر ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم بنحوه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا ميمون أبو محمد المرئي ، حدثنا محمد بن عباد المخزومي ، عن ثوبان ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن العبد ليلتمس مرضات الله ، فلا يزال كذلك فيقول الله - عز وجل - لجبريل : إن فلانا عبدي يلتمس أن يرضيني; ألا وإن رحمتي عليه ، فيقول جبريل : " رحمة الله على فلان " ، ويقولها حملة العرش ، ويقولها من حولهم ، حتى يقولها أهل السماوات السبع ، ثم يهبط إلى الأرض " غريب ولم يخرجوه من هذا الوجه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، حدثنا شريك ، عن محمد بن سعد الواسطي ، عن أبي ظبية ، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن المقة من الله - قال شريك : هي المحبة - والصيت من السماء ، فإذا أحب الله عبدا قال لجبريل ، عليه السلام : إني أحب فلانا ، فينادي جبريل : إن ربكم يمق - يعني : يحب - فلانا ، فأحبوه - وأرى شريكا قد قال : فتنزل له المحبة في الأرض - وإذا أبغض عبدا قال لجبريل : إني أبغض فلانا فأبغضه " ، قال : " فينادي جبريل : إن ربكم يبغض فلانا فأبغضوه " .

قال : أرى شريكا قد قال : فيجري له البغض في الأرض " .

غريب ولم يخرجوه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو داود الحفري ، حدثنا عبد العزيز - يعني ابن محمد ، وهو الدراوردي - عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ; أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أحب الله عبدا نادى جبريل : إني قد أحببت فلانا ، فأحبه ، فينادي في السماء ، ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض ، فذلك قول الله ، عز وجل : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ) رواه مسلم والترمذي كلاهما عن قتيبة ، عن الدراوردي ، به .

وقال الترمذي : حسن صحيح .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( سيجعل لهم الرحمن ودا ) قال : حبا .

وقال مجاهد ، عنه : ( سيجعل لهم الرحمن ودا ) قال : محبة في الناس في الدنيا .

وقال سعيد بن جبير ، عنه : يحبهم ويحببهم ، يعني : إلى خلقه المؤمنين .

كما قال مجاهد أيضا ، والضحاك وغيرهم .

وقال العوفي ، عن ابن عباس أيضا : الود من المسلمين في الدنيا ، والرزق الحسن ، واللسان الصادق .

وقال قتادة : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ) إي والله ، في قلوب أهل الإيمان ، ذكر لنا أن هرم بن حيان كان يقول : ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه ، حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم .

وقال قتادة : وكان عثمان بن عفان - رضي الله عنه - يقول : ما من عبد يعمل خيرا ، أو شرا ، إلا كساه الله - عز وجل - رداء عمله .

وقال ابن أبي حاتم ، رحمه الله : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن الربيع بن صبيح ، عن الحسن البصري ، رحمه الله قال : قال رجل : والله لأعبدن الله عبادة أذكر بها ، فكان لا يرى في حين صلاة إلا قائما يصلي ، وكان أول داخل إلى المسجد وآخر خارج ، فكان لا يعظم ، فمكث بذلك سبعة أشهر ، وكان لا يمر على قوم إلا قالوا : " انظروا إلى هذا المرائي " فأقبل على نفسه فقال : لا أراني أذكر إلا بشر ، لأجعلن عملي كله لله - عز وجل - فلم يزد على أن قلب نيته ، ولم يزد على العمل الذي كان يعمله ، فكان يمر بعد بالقوم ، فيقولون : رحم الله فلانا الآن ، وتلا الحسن : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ) وقد روى ابن جرير أثرا أن هذه الآية نزلت في هجرة عبد الرحمن بن عوف .

وهو خطأ ، فإن هذه السورة بتمامها مكية لم ينزل منها شيء بعد الهجرة ، ولم يصح سند ذلك ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: إن الذين آمنوا بالله ورسله، وصدّقوا بما جاءهم من عند ربهم، فعملوا به، فأحلوا حلاله، وحرّموا حرامه ( سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ) في الدنيا، في صدور عباده المؤمنين.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يحيى بن طلحة، قال: ثنا شريك، عن مسلم الملائي، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله ( سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ) قال: محبة في الناس في الدنيا.

حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ ، عن ابن عباس، في قوله: ( سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ) قال: حبا.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ) قال: الودّ من المسلمين في الدنيا، و الرزق الحسن ، واللسان الصادق.

حدثني يحيى بن طلحة، قال: ثنا شريك ، عن عبيد المُكْتِبِ، عن مجاهد، في قوله ( سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ) قال: محبة في المسلمين في الدنيا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد، في قوله : ( سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ) قال: يحبهم ويحببهم إلى خلقه.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ) قال: يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عليّ بن هاشم، عن بن أبي ليلى، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: يحبهم ويحببهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو، عن قتادة، في قوله ( سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ) قال: ما أقبل عبد إلى الله إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه.

وزاده من عنده.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ، قوله ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ) : إي والله في قلوب أهل الإيمان.

ذُكر لنا أن هرم بن حيان كان يقول : ما أقبل عبد بقلبه إلى الله، إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه ، حتى يرزقه مودّتهم ورحمتهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أن عثمان بن عفان كان يقول: ما من الناس عبد يعمل خيرًا ولا يعمل شرًّا، إلا كساه الله رداء عمله.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله ( سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ) قال: محبة.

وذُكر أن هذه الآية نـزلت في عبد الرحمن بن عوف.

حدثني محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطي، قال: أخبرنا يعقوب بن محمد، قال: ثنا عبد العزيز بن عمران، عن عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن أمه أمّ إبراهيم ابنة أبي عبيدة بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيها، عن عبد الرحمن بن عوف، أنه لما هاجر إلى المدينة، وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة، منهم شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، فأنـزل الله تعالى: ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداقوله تعالى : إن الذين آمنوا أي صدقوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا أي حبا في قلوب عباده كما رواه الترمذي من حديث سعد وأبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إني قد أحببت فلانا فأحبه قال فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قوله تعالى : سيجعل لهم الرحمن ودا وإذا أبغض الله عبدا نادى جبريل إني أبغضت فلانا فينادي في السماء ثم تنزل له البغضاء في الأرض ، قال هذا حديث حسن صحيح ، وخرجه البخاري ومسلم بمعناه ومالك في الموطأ وفي نوادر الأصول ، وحدثنا أبو بكر بن سابق الأموي ، قال : حدثنا أبو مالك الجنبي عن جويبر عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله أعطى المؤمن الألفة والملاحة والمحبة في صدور الصالحين والملائكة المقربين ثم تلا إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا .واختلف فيمن نزلت فقيل في علي - رضي الله تعالى عنه - روى البراء بن عازب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب : قل يا علي اللهم اجعل لي عندك عهدا واجعل لي في قلوب المؤمنين مودة فنزلت الآية ذكره الثعلبي ، وقال ابن عباس : نزلت في عبد الرحمن بن عوف جعل الله تعالى له في قلوب العباد مودة لا يلقاه مؤمن إلا وقره ولا مشرك ولا منافق إلا عظمه وكان هرم بن حيان يقول : ما أقبل أحد [ ص: 83 ] بقلبه على الله تعالى إلا أقبل الله تعالى بقلوب أهل الإيمان إليه ، حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم ، وقيل : يجعل الله تعالى لهم مودة في قلوب المؤمنين والملائكة يوم القيامة .قلت : إذا كان محبوبا في الدنيا ، فهو كذلك في الآخرة ، فإن الله تعالى لا يحب إلا مؤمنا تقيا ، ولا يرضى إلا خالصا نقيا ، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه .

روى مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل - عليه السلام - فقال : إني أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ، ثم ينادي في السماء فيقول : إن الله يحب فلانا فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، قال : ثم يوضع له القبول في الأرض ، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل - عليه السلام - ، وقال : إني أبغض فلانا فأبغضه ، فيبغضه جبريل ، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه ، قال فيبغضونه ، ثم توضع له البغضاء في الأرض .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا من نعمه على عباده، الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، أن وعدهم أنه يجعل لهم ودا، أي: محبة وودادا في قلوب أوليائه، وأهل السماء والأرض، وإذا كان لهم في القلوب ود تيسر لهم كثير من أمورهم وحصل لهم من الخيرات والدعوات والإرشاد والقبول والإمامة ما حصل، ولهذا ورد في الحديث الصحيح: " إن الله إذا أحب عبدا، نادى جبريل: إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض " وإنما جعل الله لهم ودا،لأنهم ودوه، فوددهم إلى أوليائه وأحبابه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ) أي : محبة .

قال مجاهد : يحبهم الله ويحببهم إلى عباده المؤمنين .

أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا أحب الله العبد قال لجبرائيل : قد أحببت فلانا فأحبه فيحبه جبرائيل ثم ينادي في أهل السماء : إن الله عز وجل قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض ، وإذا أبغض العبد " .

قال مالك : لا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك .

قال هرم بن حيان : ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل إلا أقبل الله بقلوب أهل الإيمان إليه ، حتى يرزقه مودتهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وُدّا» فيما بينهم يتوادون ويتحابون ويحبهم الله تعالى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين آمنوا بالله واتَّبَعوا رسله وعملوا الصالحات وَفْق شرعه، سيجعل لهم الرحمن محبة ومودة في قلوب عباده.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان ما أعده لعباده المؤمنين وببيان بعض الخصائص التى جعلها لكتابه الكريم .

.

.

فقال - تعالى - : ( إِنَّ الذين آمَنُواْ .

.

.

) .أى : إن الذين امنوا بالله - تعالى - حق الإيمان ، وعملوا الأعمال الصالحات ( سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن ) فى دنياهم وفى آخرتهم ( وُدّاً ) أى : سيجعل لهم محبة ومودة فى القلوب ، لإيمانهم وعملهم الصالح ، يقال : ود فلان فلانا ، إذا أحبه وأخلص له المودة .وروى الإمام مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله - تعالى - إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال : يا جبريل إنى أحب فلاناً فأحبه .

قال : فيحبه جبريل .

ثم ينادى فى أهل السماء : إن الله يحب فلاناً فأحبوه .

قال : فيحبه أهل السماء .

ثم يوضع له القبول فى الأرض ، وإن الله إذا أبغض عبداً دعا جبريل فقال : يا جبريل إنى أبغض فلاناً فأبغضه .

قال : فيبغضه جبريل ثم ينادى فى أهل السماء إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه .قال : فيبغضه أهل السماء ، ثم توضع له البغضاء فى الأرض " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما رد على عبده الأوثان عاد إلى الرد على من أثبت له ولداً: ﴿ وَقَالَتِ اليهود عَزِيزٌ ابن الله وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله  ﴾ وقالت العرب الملائكة بنات الله والكل داخلون في هذه الآية ومنهم من خصها بالعرب الذي أثبتوا أن الملائكة بنات الله قالوا لأن الرد على النصارى تقدم في أول السورة أما الآن فإنه لما رد على العرب الذين قالوا بعبادة الأوثان تكلم في إفساد قول الذين قالوا بعبادة الملائكة لكونهم بنات الله أما قوله: ﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً ﴾ فقرئ إداً بالكسر والفتح.

قال ابن خالويه الإد والأد العجب وقيل المنكر العظيم والأدة الشدة وأدنى الأمر وآدنى أثقلي.

قرئ يتفطرن بالتاء بعد الياء أعني المعجمة من تحتها واختلفوا في يكاد فقرأ بعضهم بالياء المعجمة من تحتها وبعضهم بالتاء من فوق، والانفطار من فطرة إذا شقه والتفطر من فطره إذا شققه وكرر الفعل فيه وقرأ ابن مسعود يتصدعن وقوله: ﴿ وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً ﴾ أي تهد هداً أو مهدودة أو مفعول له أي لأنها تهد والمعنى أنها تتساقط أشد ما يكون تساقط البعض على البعض، فإن قيل من أين يؤثر القول بإثبات الولد لله تعالى في انفطار السموات وانشقاق الأرض وخرور الجبال؟

قلنا فيه وجوه: أحدها: أن الله سبحانه وتعالى يقول أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند وجود هذه الكلمة غضباً مني على من تفوه بها لولا حلمي وأني لا أعجل بالعقوبة كما قال: ﴿ إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والأرض أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً  ﴾ .

وثانيها: أن يكون استعظاماً للكلمة وتهويلاً من فظاعتها وتصويراً لأثرها في الدين وهدمها لأركانه وقواعده.

وثالثها: أن السموات والأرض والجبال تكاد أن تفعل ذلك لو كانت تعقل من غلظ هذا القول وهذا تأويل أبي مسلم.

ورابعها: أن السموات والأرض والجبال كانت سليمة من كل العيوب فلما تكلم بنو آدم بهذا القول ظهرت العيوب فيها أما قوله: ﴿ أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في إعرابه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون مجروراً بدلاً من الهاء في منه أو منصوباً بتقدير سقوط اللام وإفضاء الفعل أي هذا لأن دعوا أو مرفوعاً بأنه فاعل ﴿ هَدّاً ﴾ أي هدها دعاء الولد للرحمن، والحاصل أنه تعالى بين أن سبب تلك الأمور العظيمة هذا القول.

المسألة الثانية: إنما كرر لفظ الرحمن مرات تنبيهاً على أنه سبحانه وتعالى هو الرحمن وحده من قبل أن أصول النعم وفروعها ليست إلا منه.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ دَعَوْا للرحمن ﴾ هو من دعا بمعنى سمى المتعدي إلى مفعولين فاقتصر على أحدهما الذي هو الثاني طلباً للعموم والإحاطة بكل من ادعى له ولداً أو من دعا بمعنى نسب الذي هو مطاوعة ما في قوله صلى الله عليه وسلم: من ادعى إلى غير مواليه قال الشاعر: إنا بني نهشل لا ندعى لأب *** أي لا ننتسب إليه، ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا يَنبَغِى للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً ﴾ أي هو محال، أما الولادة المعروفة فلا مقال في امتناعها، وأما التبني فلأن الولد لابد وأن يكون شبيهاً بالوالد ولا مشبه لله تعالى ولأن اتخاذ الولد إنما يكون لأغراض لا تصح في الله من سروره به واستعانته به وذكر جميل، وكل ذلك لا يليق به، ثم قال: ﴿ إِن كُلُّ مَن فِي السموات والأرض إِلاَّ اتِى الرحمن عَبْداً ﴾ والمراد أنه ما من معبود لهم في السموات والأرض من الملائكة والناس إلا وهو يأتي الرحمن أي يأوي إليه ويلتجئ إلى ربوبيته عبداً منقاداً مطيعاً خاشعاً راجياً كما يفعل العبيد، ومنهم من حمله على يوم القيامة خاصة والأول أولى لأنه لا تخصيص فيه وقوله: ﴿ لَّقَدْ أحصاهم وَعَدَّهُمْ عَدّاً ﴾ أي كلهم تحت أمره وتدبيره وقهره وقدرته فهو سبحانه محيط بهم، ويعلم مجمل أمورهم وتفاصيلها لا يفوته شيء من أحوالهم وكل واحد منهم يأتيه يوم القيامة منفرداً ليس معه من هؤلاء المشركين أحد وهم براء منهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرأ جناح بن حبيش ﴿ وِدّاً ﴾ بالكسر، والمعنى: سيحدث لهم في القلوب مودّة ويزرعها لهم فيها من غير تودّد منهم ولا تعرّض للأسباب التي توجب الود ويكتسب بها الناس مودات القلوب، من قرابة أو صداقة أو اصطناع بمبرة أو غير ذلك، وإنما هو اختراع منه ابتداء اختصاصاً منه لأوليائه بكرامة خاصة، كما قذف في قلوب أعدائهم الرعب والهيبة إعظاماً لهم وإجلالا لمكانهم.

والسين إما لأن السورة مكية وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله تعالى ذلك إذا دجا الإسلام.

وإما أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم الله إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم وينشر من ديوان أعمالهم.

وروي أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه: «يا عليُّ قلْ: اللهمَّ اجعلْ لِي عندَكَ عهدَاً، واجعلْ لِي في صدورِ المؤمنينَ مودّة» فأنزل الله هذه الآية.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: يعني يحبهم الله ويحببهم إلى خلقه.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ يا جبريلُ: قدْ أحببْتُ فلانَاً فأحبُّهُ، فيحبُّهُ جبريل، ثم ينادي في أهل السماء، إنَّ اللَّهَ قدْ أحبَّ فلانَاً فأحبُّوهُ، فيحبّهُ أهلُ السماءِ، ثمَّ يضعُ لَهُ المحبة في أهلِ الأرضِ» وعن قتادة: ما أقبلَ العبدُ إلى اللَّهِ إلاَّ أقبلَ اللَّهُ بقلوبِ العبادِ إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ ما مِنهم.

﴿ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ إلّا وهو مَمْلُوكٌ لَهُ يَأْوِي إلَيْهِ بِالعُبُودِيَّةِ والِانْقِيادِ، وقُرِئَ «آتِ الرَّحْمَنِ» عَلى الأصْلِ.

﴿ لَقَدْ أحْصاهُمْ ﴾ حَصَرَهم وأحاطَ بِهِمْ بِحَيْثُ لا يَخْرُجُونَ عَنْ حَوْزِ عِلْمِهِ وقَبْضَةِ قُدْرَتِهِ.

﴿ وَعَدَّهم عَدًّا ﴾ عَدَّ أشْخاصَهم وأنْفاسَهم وأفْعالَهم فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ.

﴿ وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا ﴾ مُنْفَرِدًا عَنِ الِاتِّباعِ والأنْصارِ فَلا يُجانِسُهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لِيَتَّخِذَهُ ولَدًا ولا يُناسِبُهُ لِيُشْرَكَ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إن الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً} مودة في قلوب العباد قال الربيع يحبهم ويحببهم إلى الناس وفي الحديث يعطى المؤمن مِقَةً في قلوب الأبرار ومهابة في قلوب الفجار وعن قتادة وهرم

ما أقبل العبد إلى الله إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه وعن كعب ما يستقر لعبد ثناء في الأرض حتى يستقر له في السماء

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ أيْ: مَوَدَّةً في القُلُوبِ لِإيمانِهِمْ وعَمَلِهِمُ الصّالِحِ، والمَشْهُورُ أنَّ ذَلِكَ الجَعْلَ في الدُّنْيا.

فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: ( «إذا أحَبَّ اللَّهُ تَعالى عَبْدًا نادى جِبْرِيلَ إنِّي قَدْ أحْبَبْتُ فُلانًا فَأحِبَّهُ فَيُنادِي في السَّماءِ ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ المُحِبَّةُ في الأرْضِ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةَ» ) والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ لِما أنَّ المَوْعُودَ مِن آثارِها، والسِّينُ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وكانُوا مَمْقُوتِينَ حِينَئِذٍ بَيْنَ الكَفَرَةِ فَوَعَدَهم سُبْحانَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ نَجُزُّهُ حِينَ كَثُرَ الإسْلامُ وقَوِيَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وذُكِرَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُهاجِرِينَ إلى الحَبَشَةِ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وعَدَ سُبْحانَهُ أنْ يَجْعَلَ لَهم مَحَبَّةً في قَلْبِ النَّجاشِيِّ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أنَّهُ لَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ وجَدَ في نَفْسِهِ عَلى فِراقِ أصْحابِهِ بِمَكَّةَ مِنهم شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وعُقْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ عَنِ البَراءِ قالَ: ( «قالَ رَسُولُ اللَّهِ  لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: قُلِ اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي عِنْدَكَ عَهْدًا واجْعَلْ لِي في صُدُورِ المُؤْمِنِينَ (وُدًّا) فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآيَةَ»، وكانَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقُولُ: لا تَجِدُ مُؤْمِنًا إلّا وهو يُحِبُّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأهْلَ بَيْتِهِ.

ورَوى الإمامِيَّةُ خَبَرَ نُزُولِها في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والباقِرِ، وأيَّدُوا ذَلِكَ بِما صَحَّ عِنْدَهم «أنَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: لَوْ ضَرَبْتُ خَيْشُومَ المُؤْمِنِ بِسَيْفِي هَذا عَلى أنْ يُبْغِضَنِي ما أبْغَضَنِي ولَوْ صَبَبْتُ الدُّنْيا بِجُمْلَتِها عَلى المُنافِقِ عَلى أنْ يُحِبَّنِي ما أحَبَّنِي، وذَلِكَ أنَّهُ قَضى فانْقَضى عَلى لِسانِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ ( لا يُبْغِضُكَ مُؤْمِنٌ ولا يُحِبُّكَ مُنافِقٌ» ) والمُرادُ المَحَبَّةُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي لا غُلُوَّ فِيهِ، وزَعَمَ بَعْضُ النَّصارى حُبَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، فَقَدْ أنْشَدَ الإمامُ اللُّغَوِيُّ رَضِيُّ الدِّينِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ الأنْصارِيُّ الشّاطِبِيُّ لِابْنِ إسْحاقَ النَّصْرانِيِّ الرَّسْعَنِيِّ: عُدَيٌّ وتَيْمُ لا أُحاوِلُ ذِكْرَهم بِسُوءٍ ولَكِنِّي مُحِبٌّ) لِهاشِمِ وما تَعْتَرِينِي في عَلِيٍّ ورَهْطِهِ ∗∗∗ إذا ذَكَرُوا في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمِ يَقُولُونَ ما بالُ النَّصارى تُحِبُّهم ∗∗∗ وأهْلُ النُّهى مِن أعْرَبٍ وأعاجِمِ فَقُلْتُ لَهم إنِّي لَأحْسَبُ حُبُّهم ∗∗∗ سَرى في قُلُوبِ الخَلْقِ حَتّى البَهائِمُ وأنْتِ تُعْلَمُ أنَّهُ إذا صَحَّ الحَدِيثُ ثَبَتَ كَذِبُهُ، وأظُنُّ أنَّ نِسْبَةَ هَذِهِ الأبْياتِ لِلنَّصْرانِيِّ لا أصْلَ لَها وهي مِن أبْياتِ الشِّيعَةِ بَيَّتَ الكَذِبَ، وكَمْ لَهم مِثْلُ هَذِهِ المَكائِدِ كَما بَيَّنَ في التُّحْفَةِ الِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ، والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ عَلى هَذا مَدِينَةٌ أيْضًا.

ثُمَّ العِبْرَةُ عَلى سائِرِ الرِّواياتِ في سَبَبِ النُّزُولِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.

وذَهَبَ الجُبّائِيُّ إلى أنَّ ذَلِكَ في الآخِرَةِ فَقِيلَ في الجَنَّةِ إذْ يَكُونُونَ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ، وقِيلَ: حِينَ تُعْرَضُ حَسَناتُهم عَلى رُؤُسِ الأشْهادِ وأمْرُ السِّينِ عَلى ذَلِكَ ظاهِرٌ.

ولَعَلَّ أفْرادَ هَذا الوَعْدِ مِن بَيْنِ ما سَيُوَلُّونَ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ لِما أنَّ الكَفَرَةَ سَيَقَعُ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ تَباغُضٍ وتَضادٍّ وتَقاطُعٍ وتَلاعُنَ، وذُكِرَ في وجْهِ الرَّبْطِ أنَّهُ لَمّا فُصِّلَتْ قَبائِحُ أحْوالِ الكَفَرَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مَحاسِنِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ يُقالُ فِيهِ بِناءً عَلى أنَّ ذَلِكَ في الآخِرَةِ: إنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَمّا أخْبَرَ بِإتْيانِ كُلٍّ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا آنَسَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ جَلَّ وعَلا يَجْعَلُ لَهم ذَلِكَ اليَوْمَ وُدًّا، وفَسَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَحَبَّتِهِ تَعالى إيّاهم وأرادَ مِنها إكْرامَهُ تَعالى إيّاهم ومَغْفِرَتَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذُنُوبَهم، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الوَعْدُ بِجَعْلِ الوُدِّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولا أراهُ بَعِيدًا عَنِ الصَّوابِ.

ولا يَأْبى هَذا ولا ما قَبْلَهُ التَّعَرُّضَ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ لِجَوازِ أنْ يُدْعى العُمُومُ فَقَدْ جاءَ يا رَحْمَنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمَهُما.

وقَرَأ أبُو الحارِثِ الحَنَفِيُّ ( ودًّا ) بِفَتْحِ الواوِ.

وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ ( وِدًّا ) بِكَسْرِها وكُلُّ ذَلِكَ لُغَةٌ فِيهِ وكَذا في الوِدادِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: لاَّ يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً يعني: من جاء بلا إله إلا الله، وقال سفيان الثوري: «إلا من قدم عملاً صالحاً» .

قوله عز وجل: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً يعني: اليهود والنصارى لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا يعني: قلتم قولاً عظيماً منكراً، ويقال: كذباً وزوراً.

قال عز وجل: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ يعني: يتشققن من قولهم وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ يعني: تتصدع الأرض وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا يعني: تصير الجبال كسراً أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً يعني: بأن قالوا لله ولد.

روي عن بعض الصحابة أنه قال: «كان بنو آدم لا يأتون شجرة إلا أصابوا منها منفعة، حتى قالت فجرة بني آدم: اتَّخذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً، فاقشعرّت الأرض وهلك الشجر» .

وقرأ نافع والكسائي يَكَادُ بالياء على لفظ التذكير، وقرأ الباقون بالتاء بلفظ التأنيث لأن الفعل مقدم، فيجوز كلاهما.

وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي وعاصم في رواية حفص تتفطّرن بالتاءين والباقون بالنون، ومعناهما واحد مثل: ينشق وتنشق.

قال الله عزّ وجلّ: وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً يعني: ما اتخذ الله عز وجل ولداً إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً يعني: أقر بالعبودية له يعني: الملائكة وعيسى وعزيرا عليهم السلام وغيرهم لَقَدْ أَحْصاهُمْ يعني: حفظ عليهم أعمالهم ليجازيهم بها وَعَدَّهُمْ عَدًّا يعني: علم عددهم، ويقال: أَحْصاهُمْ أي: حفظ أعمالهم فيجازيهم وَعَدَّهُمْ عَدًّا أي: علم عدد أنفاسهم وحركاتهم وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً يعني: وحيداً بغير مال ولا ولد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقالت فِرْقَةٌ: الضميرُ في «١» لاَّ يَمْلِكُونَ للمتقين.

وقوله: إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ ...

الآية أيْ: إلاَّ من كان له عملٌ صَالِحٌ مبرورٌ [فيشفَعُ] فيُشَفَّع «٢» ، وتحتملُ الآية أَنْ يُرادَ ب «مَنْ» النبي صلى الله عليه وسلّم، وبالشَّفَاعَة الخاصَّة له العامة في أَهل الموقِفِ، ويكون الضميرُ في لاَّ يَمْلِكُونَ «٣» لجميع أَهْل الموقف أَلا تَرَى أَنَّ سَائِرَ الأَنبياء يتدافعون الشفاعة إذ ذاك، حتّى تصير إليه صلى الله عليه وسلّم.

وقوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً.

قال البَاجِيُّ في «سنن الصالحين» له: رُوِيَ عن ابن مَسْعُودٍ، أَنه قال: إنَّ الجبل ليقولُ للجبل: يا فلانُ، هل مَرَّ بِكَ اليومَ ذَاكِرٌ لله تعالى؟

فإنْ قال: نعم، سُرَّ بِهِ «٤» ، ثُمَّ قرأ عبدُ اللهِ: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا إلى قولهِ: وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً قال: أَتروْنَها تسمع الزُّورَ، ولا تسْمَعُ الخيْرَ «٥» .

انتهى.

وهكذا رواه ابنُ المُبَارك في «رقائقه» وما ذكره ابنُ مسعودٍ لا يقالُ من جهة الرأْيِ، وقد رُوِيَ عن أَنسٍ، وغيرهِ نحوه.

قال الباجي بِإثْرِ الكَلاَمِ المتقدم: وروى جعفرُ بْنُ زَيْدٍ، عن أَنَسِ بن مَالِكٍ أَنه قالَ:

مَا مِنْ صَبَاحٍ وَلاَ رَوَاحٍ إلاَّ وتُنَادِي بِقَاعُ الأَرض بعضها بعضاً: أَيْ جَارَةُ، هَلْ مَرَّ بِكِ اليَوْمَ عَبْدٌ يُصَلِّي أَو يَذْكُر الله؟

فَمِن قائلةٍ: لاَ، ومِنْ قَائِلَةٍ: نَعَمْ، فإذا قَالَتْ: نَعَمْ، رأت لها فضلا بذلك.

انتهى.

لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣)

لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦)

وقوله سبحانه: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا الآية، الإدُّ: الأَمرُ الشنِيعُ الصَّعْبُ.

ت: وقال العِرَاقِي: «إدّاً» ، أَيْ: عَظِيماً، انتهى.

والانْفِطَارُ: الاِنْشِقَاقُ، والهَدُّ: الاِنْهِدَامُ، قال محمدُ بنُ كَعْبٍ «١» : كاد أَعداءُ الله أَنْ يُقِيمُوا علينا السَّاعَةَ.

وقوله: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ ...

الآية، إنْ نافيةٌ بمعنى مَا.

وقوله: فَرْداً يتضمنُ عَدَمَ النصير، والحَوْلِ والقُوّةِ، أيْ: لا مُجِير له مما يُريد اللهُ به.

وعبارة الثَّعْلَبِيّ: «فرداً» أيْ: وحيداً بعمله، ليس معه من الدنيا شيءٌ.

اهـ.

ت: وهذه الآيةُ تُنظر إلى قوله تعالى وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى ...

الآية.

[الأنعام: ٩٤] .

وقوله تعالى: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ذهب أكثرُ المفسرين إلى: أن هذا الوُدّ هو القبول الذي يضعه اللهُ لمن يحب مِنْ عباده حَسْبَما في الحديث الصَّحيح المأثور، وقال عُثْمان بن عَفّان- رضي الله عنه-: أَنها بمنزلة قول النبيّ صلى الله عليه وسلّم «من أسَرَّ سَرِيرةً ألْبَسُهُ اللهُ رِدَاءَها» «٢» .

ت: والحديثُ المتقدِّمُ المُشَارُ إليه أَصلُهُ في «الموطإ» ولفظه: مالك، عن سُهَيْل بن أبي صالح السَّمان، عن أَبيه، عن أَبِي هريرَةَ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «إذَا أَحَبَّ اللهُ العَبْدَ قَالَ لِجِبْريلُ: يا جبريل قَدْ أَحْبَبْتُ فُلاَناً فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي في أَهْلِ السَّمَاءِ «٣» : إنَّ اللهَ أَحَبَّ فُلاَناً، فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يَضَعُ لَهُ القَبُولَ فِي الأَرْضِ» .

وَإذَا أَبْغَضَ الْعَبْدَ، قَالَ مالكٌ: لا أَحْسبُه إلاَّ قال في [البغض] «٤» مثل ذلك «٥» .

قال أبو عمر [بن عبد البر] «١» في «التمهيد» «٢» /، وممن روى هذا الحديث عن ٧ ب سُهَيْل، بإسناده هذا «٣» فذكر البُغْضَ من غير شَكٍّ معمرُ وعبدُ العزيز بن المختار، وحماد بنُ سَلَمة، قالوا في آخره: وإذَا أَبْغَض بمثل «٤» ذلك، ولم يشكوا.

قال أَبو عُمَر: وقد قال المفسِّرُون في قوله تعالى: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا:

يُحِبُّهم ويُحبِّبُهم إلى الناس، وقاله مُجَاهِدٌ، وابنُ عباس «٥» ، ثم أَسند أَبو عُمَرَ عن كْعبٍ أَنه قال: واللهِ مَا اسْتَقَر لعبدٍ ثَنَاءٌ في أَهْل الدُّنْيَا حتى يَسْتَقِرَّ له في أَهْل السماء.

قال كعبٌ: وقرأتُ «٦» في التوراة أنه لم تكن مَحَبَّةٌ لأَحَدٍ من أَهْل الأَرْضِ إلاَّ كان بَدّأَها من الله عز وجل ينزلها على أَهْل السماء، ثم ينزلها على أهْل الأرض، ثم قرأت القرآن، فوجدتُ فيهِ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا وأَسْنَد أَبو عمر، عن قتادة [قال] «٧» : قال هَرِمَ بْنُ حَيَّان: ما أَقْبَلَ عبدٌ بقلبه إلى اللهِ تعالى إلاَّ أَقبل اللهُ بقلوب أَهْل الإيمان عليه حَتَّى يرزُقَه مودَّتَهُمْ ورحْمَتَهُمْ.

انتهى «٨» .

قال ابنُ المُبَارَك في «رقائِقه» : أَخبرنا سُلَيْمَان بُنِ المُغِيرة، عن ثابت قال: قِيلَ:

يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَهْل الجَنَّة؟

قال: «مَنْ لاَ يَمُوتُ حَتَّى يَمْلأَ [الله] «٩» سمعه «١٠» ممّا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا ﴾ يَعْنِي: اليَهُودُ والنَّصارى، ومَن زَعَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، ﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا ﴾ ؛ أيْ: شَيْئًا عَظِيمًا مِنَ الكُفْرِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإدُّ والنُّكْرُ: الأمْرُ المُتَناهِي العِظَمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( تَكادُ ) بِالتّاءِ.

وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ: ( يَكادُ ) بِالياءِ.

وقَرَآ جَمِيعًا: ( يَتَفَطَّرْنَ ) بِالياءِ والتّاءِ مُشَدَّدَةَ الطّاءِ، وافَقَهُما ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ في ( يَتَفَطَّرْنَ ) .

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( يَنْفَطِرْنَ ) بِالنُّونِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ في ( مَرْيَمَ ) مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، وفي ( عسق: ٥ ) مِثْلَ ابْنِ كَثِيرٍ.

ومَعْنى ( يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ ): يُقارِبْنَ الِانْشِقاقَ مِن قَوْلِكم.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَدًّا ﴾ ؛ أيْ: سُقُوطًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ دَعَوْا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مِن أنْ دَعَوْا، ولِأنْ دَعَوْا.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: أنْ جَعَلُوا، ولَيْسَ هو مِن دُعاءِ الصَّوْتِ، وأنْشَدَ: ألا رُبَّ مَن تَدْعُو نَصِيحًا وإنْ تَغِبْ تَجِدْهُ بِغَيْبٍ غَيْرَ مُنْتَصِحِ الصَّدْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا ﴾ ؛ أيْ: ما يَصْلُحُ لَهُ ولا يَلِيقُ بِهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ؛ لِأنَّ الوَلَدَ يَقْتَضِي مُجانَسَةً، وكُلُّ مُتَّخِذٍ ولَدًا يَتَّخِذُهُ مِن جِنْسِهِ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يُجانِسَ شَيْئًا أوْ يُجانِسَهُ، فَمُحالٌ في حَقِّهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ.

﴿ إنْ كُلُّ ﴾ ؛ أيْ: ما كُلُّ، ﴿ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿ عَبْدًا ﴾ ذَلِيلًا خاضِعًا.

والمَعْنى: أنَّ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ عَبِيدٌ لَهُ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الوالِدَ إذا اشْتَرى ولَدَهُ، لَمْ يَبْقَ مُلْكُهُ عَلَيْهِ، وإنَّما يُعْتَقُ بِنَفْسِ الشِّراءِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَفى البُنُوَّةَ لِأجْلِ العُبُودِيَّةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ بُنُوَّةٌ ورِقٌّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ أحْصاهُمْ ﴾ ؛ أيْ: عَلِمَ عَدَدَهم، ﴿ وَعَدَّهم عَدًّا ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ مَبْلَغُ جَمِيعِهِمْ مِن كَثْرَتِهِمْ، ﴿ وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا ﴾ بِلا مال ولا نَصِيرٍ يَمْنَعُهُ.

فَإنْ قِيلَ: لِأيَّةِ عِلَّةٍ وحَّدَ في " الرَّحْمَنِ " و" آتِيهِ "، وجَمَعَ في العائِدِ في " أحْصاهم، وعَدَّهم " .

فالجَوابُ: أنَّ لِكُلِّ لَفْظٍ تَوْحِيدًا وتَأْوِيلَ جَمْعٍ، فالتَّوْحِيدُ مَحْمُولٌ عَلى اللَّفْظِ، والجَمْعُ مَصْرُوفٌ إلى التَّأْوِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا اتَّخَذَ الرَحْمَنُ ولَدًا ﴾ ﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا ﴾ ﴿ تَكادُ السَماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا ﴾ ﴿ أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا ﴾ ﴿ وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا ﴾ ﴿ إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَحْمَنِ عَبْدًا ﴾ ﴿ لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا ﴾ ﴿ وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا ﴾ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ مِنَ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: لِلْمَلائِكَةِ بَناتُ اللهِ، ولِلنَّصارى، ولِكُلِّ مَن كَفَرَ بِهَذا النَوْعِ مِنَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ ﴾ - بَعْدَ الكِنايَةِ عنهم - بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، و"الإدُّ": الأمْرُ الشَنِيعُ الصَعْبُ، وهي الدَواهِي والشُنَعُ العَظِيمَةُ، «وَيُرْوى عَنِ النَبِيِّ  أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ أوَّلُ ما قِيلَتْ في العالَمِ شاكَ الشَجَرُ واسْتَعَرَتْ جَهَنَّمُ وغَضِبَتِ المَلائِكَةُ».

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إدًّا" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "أدًّا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ويُقالُ: إدٌّ، وأدٌّ، وآدٍّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ هُنا، وفي "عسق": "تَكادُ" بِالتاءِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِياءٍ وتاءٍ وفَتْحِ الطاءِ وشَدِّها، ورَواها حَفْصٌ عن عاصِمْ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "تَكادُ" بِالتاءِ "يَنْفَطِرْنَ" بِياءٍ ونُونٍ وكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يَكادُ" بِالياءِ وإزالَةِ عَلامَةِ التَأْنِيثِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِالياءِ والتاءِ وشَدِّ الطاءِ وفَتْحِها في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ في مَرْيَمَ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، وفي "عسق" مِثْلِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقالَ أبُو الحَسَنِ، والأخْفَشِ: "يَكادُ" بِمَعْنى: يُرِيدُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أكادُ أُخْفِيها  ﴾ وأنْشَدَ عَلى أنَّ "كادَ" بِمَعْنى "أرادَ" قَوْلَ الشاعِرِ: كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِن زَمَنِ الصَبابَةِ ما مَضى قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا حَجَّةَ في هَذا البَيْتِ، وهَذا قَوْلُ قَلِقٍ.

وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما هي اسْتِعارَةٌ لِشُنْعَةِ الأمْرِ، أيْ: هَذا حَقُّهُ لَوْ فَهِمَتِ الجَماداتُ قَدْرَهُ، وهَذا المَعْنى مَهِيعٌ لِلْعَرَبِ، فَمِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: لِما أتى خَبَرُ الزُبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالِ الخُشَّعِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ألَمْ تَرَ صَدْعًا في السَماءِ مُبَيِّنًا ∗∗∗ عَلى ابْنٍ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ هِشامٍ؟

وقالَ الآخَرُ: وأصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا ∗∗∗ كَأنَّ الأرْضَ لَيْسَ بِها هُشامُ و"الِانْفِطارُ": الِانْشِقاقُ عَلى رُتْبَةٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ، و"الهَدُّ": الِانْهِدامُ والتَفَرُّقُ في سُرْعَةٍ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: كادَ أعْداءُ اللهِ أنْ يُقِيمُوا عَلَيْنا الساعَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا ﴾ نَفْيٌ عَلى جِهَةِ التَنْزِيهِ لَهُ عن ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا المَعْنى وأقْسامُ هَذا اللَفْظِ في هَذِهِ السُورَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةُ.

"إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آتِي الرَحْمَنِ" بِالإضافَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "آتٍ الرَحْمَنَ" بِتَنْوِينٍ "آتٍ" والنَصْبِ فِي النُونِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَما آتِي الرَحْمَنِ"، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الوَلَدَ لا يَكُونُ عَبْدًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا انْتِزاعٌ بَعِيدٌ، و"عَبْدًا" حالٌ.

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن إحاطَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ بِعَبِيدِهِ، فَذَكَرَ "الإحْصاءَ"، ثُمْ كَرَّرَ المَعْنى بِغَيْرِ اللَفْظِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ كَتَبَهم وعْدَّهُمْ"، وفي مُصْحَفِ أبِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ أحْصاهم فَأجْمَلَهم عَدَدًا".

وقَوْلُهُ: "عَدًّا" تَأْكِيدٌ لِلْفِعْلِ وتَحْقِيقٌ لَهُ.

وقَوْلُهُ: "فَرْدًا" يَتَضَمَّنُ مَعْنى قِلَّةِ النَصْرِ والحَوَلِ والقُوَّةِ، لا مُجِيرَ لَهُ مِمّا يُرِيدُ اللهُ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا ﴾ .

ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا هو القَبُولُ الَّذِي يَضَعُهُ اللهُ لِمَن يُحِبُّهُ مِن عِبادِهِ حَسْبَ ما في الحَدِيثِ المَأْثُورِ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّها بِمَنزِلَةِ قَوْلِ النَبِيِّ  : «مِن أسَرَّ سَرِيرَةً ألْبَسُهُ اللهُ رِداءَها»، وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما مِن عَبْدٍ إلّا ولَهُ في السَماءِ صَيْتٌ، فَإنْ كانَ حَسَنًا وُضِعَ في الأرْضِ حَسَنًا، وإنْ سَيِّئًا وُضِعَ كَذَلِكَ».

«وَقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا هاجَرَ مِن مَكَّةَ اسْتَوْحَشَ بِالمَدِينَةِ، فَشَكا ذَلِكَ إلى النَبِيِّ  ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ»، أيْ: سَتَسْتَقِرُّ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ ويَوَدُّونَ حالَهم ومَنزِلَتَهُمْ، وذَكَرَ النِقاشُ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: لا يُوجَدُ مُؤْمِنٌ إلّا وهو يُحِبُّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وأهْلَ بَيْتِهِ رَضِيَ اللهُ عنهم.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وُدًّا" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ أبُو الحارِثِ الحَنَفِيُّ بِفَتْحِ الواوِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها في المَعْنى، أيْ إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى لَمّا أخْبَرَ عن إتْيانِ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ في حالَةِ العُبُودِيَّةِ والِانْفِرادِ، آنَسَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ سَيَجْعَلُ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ وُدًّا وهو ما يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ مِن كَرامَتِهِ؛ لَأنَّ مَحَبَّةَ اللهِ لِلْعَبْدِ هي ما يُظْهِرُ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ وأماراتِ غُفْرانُهُ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يقتضي اتصال الآيات بعضها ببعض في المعاني أنّ هذه الآية وصف لحال المؤمنين يوم القيامة بضد حال المشركين، فيكون حال إتيانهم غير حال انفرادٍ بل حال تأنس بعضهم ببعض.

ولمّا ختمت الآية قبلها بأن المشركين آتون يوم القيامة مفردين، وكان ذلك مشعراً بأنهم آتون إلى ما من شأنه أن يتمنى المورّط فيه مَن يدفع عنه وينصره، وإشعار ذلك بأنّهم مغضوب عليهم، أعقب ذلك بذكر حال المؤمنين الصالحين، وأنهم على العكس من حال المشركين، وأنهم يكونون يومئذ بمقام المودّة والتبجيل.

فالمعنى: سيجعل لهم الرحمان أودّاء من الملائكة كما قال تعالى: ﴿ نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ [فصلت: 31]، ويجعل بين أنفسهم مودّة كما قال تعالى: ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غِلّ ﴾ [الأعراف: 43].

وإيثارُ المصدر ليفي بعدّة متعلقات بالودّ.

وفُسّر أيضاً جعل الودّ بأن الله يجعل لهم محبّة في قلوب أهل الخير.

رواه الترمذي عن قتيبة بن سعيد عن الدراوردي.

وليست هذه الزيادة عن أحد ممن روى الحديث عن غير قتيبة بن سعيد ولا عن قتيبة بن سعيد في غير رواية الترمذي، فهذه الزيادة إدراج من قتيبة عند الترمذي خاصة.

وفُسر أيضاً بأن الله سيجعل لهم محبة منه تعالى، فالجعل هنا كالإلقاء في قوله تعالى: ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ [طه: 39].

هذا أظهر الوجوه في تفسير الودّ، وقد ذهب فيه جماعات المفسرين إلى أقوال شتى متفاوتة في القبول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ شَيْئًا إدًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُنْكَرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: عَظِيمًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قالَ الرّاجِزُ: ؎ في لَهَثٍ مِنهُ وحَبْكٍ إدٍّ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً ﴾ قال: تغويهم إغواء.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ تؤزهم ﴾ قال: تحرض المشركين على محمد وأصحابه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ تؤزهم أزاً ﴾ تشليهم أشلاء.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ تؤزهم أزاً ﴾ قال: تزعجهم إزعاجاً إلى معاصي الله.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ ألم تر أنَّا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً ﴾ قال: كقوله: ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً ﴾ [ الزخرف: 36] .

وأخرج ابن الأنباري في الوقف، عن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ تؤزهم أزاً ﴾ قال: توقدهم وقوداً.

قال فيه الشاعر: حكيم أمين لا يبالي بخلبة ** إذا أزه الأقوام لم يترمرم وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنما نعد لهم عداً ﴾ يقول: أنفاسهم التي يتنفسون في الدنيا، فهي معدودة، كسنهم وآجالهم.

وأخرج عبد بن حميد، عن أبي جعفر محمد بن علي في قوله: ﴿ إنما نعد لهم عداً ﴾ قال: كل شيء حتى النفس.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قال: ركباناً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة وابن المنذر، عن أبي هريرة ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قال: على الإبل.

وأخرج عبد بن حميد، عن أبي سعيد رضي الله عنه ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قال: على نجائب رواحلها من زمرد وياقوت، ومن أي لون شاء.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قال: إلى الجنة.

وأخرج عبد بن حميد، عن الربيع ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قال: يفدون إلى ربهم، فيكرمون ويعطون ويحيون ويشفعون.

وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق: راغبين، وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا» .

وأخرج ابن مردويه، عن علي، «عن النبي- صلى الله عليه وسلم- في قوله: ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قال: أما والله ما يحشرون على أقدامهم، ولا يساقون سوقاً، ولكنهم يؤتون من الجنة، لم تنظر الخلائق إلى مثلها: رحالها الذهب، وأزمتها الزبرجد، فيقعدون عليها، حتى يقرعوا باب الجنة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبدالله بن أحمد وفي زوائد المسند وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في البعث، عن علي رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ فقال: أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقاً، ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة، لم تنظر الخلائق إلى مثلها، عليها رحال الذهب، وأزمتها الزبرجد، فيركبون عليها، حتى يطرقوا باب الجنة.

وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق، «عن علي قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قلت: يا رسول الله، هل الوفد إلا الركب؟

قال النبي- صلى الله عليه وسلم- والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق بيض لها أجنحة وعليها رحال الذهب شرك نعالهم نور يتلألأ، كل خطوة منها مثل مد البصر، وينتهون إلى باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء، على صفائح الذهب وإذا شجرة على باب الجنة ينبع من أصلها عينان، فإذا شربوا من إحدى العينين فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى، فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبداً، فيضربون بالحلقة على الصفيحة، فلو سمعت طنين الحلقة يا علي، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتستخفها العجلة، فتبعث قيمها فيفتح له الباب، فإذا رآه خر له ساجداً، فيقول: ارفع رأسك فإنما أنا قيمك، وكلت بأمرك.

فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة، فتخرج من خيام الدر والياقوت، حتى تعتنقه، ثم تقول: أنت حبي، وأنا حبك وأنا الراضية، فلا أسخط أبداً، وأنا الناعمة فلا أبأس أبداً، وأنا الخالدة فلا أموت أبداً، وأنا المقيمة فلا أظعن أبداً، فيدخل بيتاً من أساسه إلى سقفه مائة ألف ذراع بني على جندل اللؤلؤ والياقوت طرائق حمر، وطرائق خضر، وطرائق صفر، ما منها طريقة تشاكل صاحبتها.

وفي البيت سبعون سريراً، على كل سرير سبعون فراشاً، عليها سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء الحلل، يقضي جماعهن في مقدار ليلة من لياليكم هذه، تجري من تحتهم الأنهار؛ أنهار مطردة ﴿ أنهار من ماء غير آسن ﴾ [ محمد: 15] صاف ليس فيه كدور ﴿ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ﴾ [ محمد: 15] ولم يخرج من ضروع الماشية.

﴿ وأنهار من خمر لذة للشاربين ﴾ [ محمد: 15] لما يعصرها الرجال بأقدامها.

﴿ وأنهار من عسل مصفى ﴾ [ محمد: 15] لم يخرج من بطون النحل، فيستحلي الثمار فإن شاء أكل قائماً، وإن شاء أكل قاعداً، وإن شاء أكل متكئاً، فيشتهي الطعام فيأتيه طير بيض أجنحتها فيأكل من جنوبها، أي لون شاء، ثم تطير فتذهب، فيدخل الملك فيقول: ﴿ سلام عليكم ﴾ [ الزمر: 73] ﴿ تلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ [ الأعراف: 43] » .

وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق مسلم بن جعفر البجلي قال: سمعت أبا معاذ البصري: أن علياً قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون بنوق لها أجنحة عليها رحال الذهب، شرك نعالهم نور تلألأ، كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة، ينبع من أصلها عينان، فيشربون من احداهما، فيغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى، فلا تشعث أبشارهم، ولا أشعارهم بعدها أبداً، وتجري عليهم نضرة النعيم، فيأتون باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب، فيضربون بالحلقة على الصفحة، فيسمع لها طنين فيبلغ كل حوراء: أن زوجها قد أقبل، فتبعث قيمها فيفتح له، فإذا رآه خر له ساجداً فيقول: ارفع رأسك إنما أنا قيمك وكلت بأمرك، فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه ثم تقول: أنت حبي وإنا حبك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط، وأنا المقيمة التي لا أظعن، فيدخل بيتاً من أسه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق: أصفر وأحمر وأخضر، ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها، في البيت سبعون سريراً، على كل سرير سبعون حشية، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من باطن الحلل، يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه، الأنهار من تحتهم تطرد: ﴿ أنهار من ماء غير آسن ﴾ [ محمد: 15] قال: صاف لا كدر فيه، ﴿ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ﴾ [ محمد: 15] قال: لم يخرج من ضروع الماشية، ﴿ وأنهار من خمر لذة للشاربين ﴾ [ محمد: 15] قال: لم تعصرها الرجال بأقدامها، ﴿ وأنهار من عسل مصفى ﴾ [ محمد: 15] قال: لم يخرج من بطون النحل فيستحلي الثمار، فإن شاء أكل قائماً وإن شاء أكل قاعداً، وإن شاء أكل متكئاً.

ثم تلا ﴿ ودانية عليهم ظلالها ﴾ [ الإنسان: 14] الآية.

فيشتهي الطعام فيأتيه طير أبيض وربما قال: أخضر، فترفع أجنحتها فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء، ثم يطير فيذهب فيدخل الملك فيقول: ﴿ سلام عليكم ﴾ ﴿ تلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ﴾ قال: عطاشاً.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ﴾ قال: ظماء إلى النار.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ﴾ قال: متقطعة أعناقهم من العطش.

وأخرج ابن المنذر، عن أبي هريرة: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ﴾ قال: عطاشاً.

وأخرج هناد، عن الحسن مثله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وتبرأ من الحول والقوّة، ولا يرجو إلا الله.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ قال: المؤمنون يومئذ بعضهم لبعض شفعاء.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن مقاتل بن حيان ﴿ إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ قال: العهد الصلاح.

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ قال: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة.

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:من أدخل على مؤمن سروراً فقد سرني، ومن سرني فقد اتخذ عند الرحمن عهداً، ومن اتخذ عند الرحمن عهداً فلا تمسه النار.

إن الله لا يخلف الميعاد» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ قال: إن الله يقول يوم القيامة: «من كان له عندي عهد فليقم، فلا يقوم إلا من قال هذا في الدنيا.

قولوا اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا إنك أن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعله لي عندك عهداً تؤديه إلي يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد» .

وأخرج الطبراني في الأوسط، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جاء بالصلوات الخمس يوم القيامة- قد حافظ على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها لم ينقص منها شيئاً- جاء وله عند الله عهد أن لا يعذبه، ومن جاء قد انتقص منهن شيئاً، فليس له عند الله عهد، إن شاء رحمه وإن شاء عذبه» .

وأخرج الحكيم الترمذي، عن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال في دبر كل صلاة- بعدما سلم- هؤلاء الكلمات: كتبه ملك في رق فختم بخاتم، ثم دفعها إليّ يوم القيامة، فإذا بعث الله العبد من قبره، جاءه الملك ومعه الكتاب ينادي: أين أهل العهود؟

حتى تدفع إليهم، والكلمات أن تقول: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم- إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك، فلا تكلني إلى نفسي، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل رحمتك لي عهداً عندك تؤديه إلي يوم القيامة: إنك لا تخلف الميعاد» وعن طاوس: أنه أمر بهذه الكلمات فكتبت في كفنه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ أي: يجعلهم يحب بعضهم بعضًا، فيتراحمون ويتعاطفون بما جعل الله لبعضهم في قلوب بعض.

قال ابن عباس: (يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين) (١) (٢) وقال هرم بن حيان (٣) (٤) (٥) وهذا مروي عن النبي -  - في حديث أبي هريرة قال: "إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل إني قد أحببت فلانًا فأحبه، قال: فينادي في السماء، ثم تنول له المحبة في أهل الأرض" (٦) ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآية.

قال عطاء عن ابن عباس: (نزلت الآية في عبد الرحمن بن عوف جعل الله له في قلوب العباد المودة لا يلقاه مؤمن إلى وقره، ولا مشرك ولا منافق إلا عظمه) (٧) وعلى هذا القول قال ابن الأنباري: (سمي الواحد باسم الجمع لدخول من فعل مثل فعله في مثل وصفه وحسن جزائه) (٨) (١) "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 14، "جامع البيان" 16/ 132، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 144، "زاد المسير" 5/ 266، "الدر المنثور" 4/ 582.

(٢) "جامع البيان" 16/ 132، "معالم التنزيل" 5/ 257 "تفسير القرآن العظيم" 3/ 154.

(٣) هرم بن حيان الأزدي، العبدي، أحد التابعين روى عن بعض الصحابة مثل عمر بن الخطاب -  -، وروى عنه الحسن البصري، اشتهر بكثرة العبادة والزهد.

انظر: "الجرح والتعديل" 9/ 110، "الثقات" لابن حبان 7/ 558، "التاريخ الكبير" 4/ 242، "الطبقات الكبرى" 7/ 102.

(٤) "جامع البيان" 16/ 133 "تفسير القرآن العظيم" 3/ 154 "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 161.

(٥) "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 161، "البحر المحيط" 6/ 220، "التفسير الكبير" 21/ 256.

(٦) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ذكر الملائكة 6/ 303، ومسلم في البر والصلة، باب: إذا أحب الله عبدًا حببه إلى عباده 4/ 2030، والإمام أحمد في "مسنده" 92/ 267، وانظر: ابن كثير 3/ 154، و"الدر المنثور" 4/ 513.

(٧) "القرطبي" 11/ 161، وذكره نحوه "جامع البيان" 6/ 133، وابن كثير 3/ 154، وقال: روي أن هذه الآية نزلت في هجرة عبد الرحمن بن عوف وهو خطأ فإن هذه السورة بكاملها مكية لم ينزل منها شيء بعد الهجرة ولم يصح سند ذلك والله أعلم.

انظر في "لباب النقول في أسباب النزول" للسيوطي ص 146، "جامع النقول في أسباب النزول" ص 214.

(٨) ذكر نحوه في "المذكر والمؤنث" ص671.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ شَيْئاً إِدّاً ﴾ أي شيئاً صعباً ﴿ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ﴾ أي يتشققن من قول الكفار: اتخذ الله ولداً ﴿ هَدّاً ﴾ أي انهداماً ﴿ أَن دَعَوْا ﴾ أي من أجل أن دعوا ﴿ للرحمن وَلَداً ﴾ وقرئ وُلْدا بضم الواو وإسكان اللام، وهي لغة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ مخلصاً ﴾ بفتح اللام: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل.

الباقون بكسرها.

﴿ إبراهام ﴾ وما بعده: هشام والأخفش عن ابن ذكوان ﴿ إذا ابتلي ﴾ بالياء التحتانية وكذلك في سورة الحج: قتيبة ﴿ نورث ﴾ بالتشديد: رويس.

الوقوف: ﴿ إبراهيم ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ سوياً ﴾ ه ﴿ لا تعبد الشيطان ﴾ ط ﴿ عصياً ﴾ ه ﴿ ولياً ﴾ ه ﴿ يا إبراهيم ﴾ ط ج وقد يوصل ويوقف على ﴿ آلهتي ﴾ .

﴿ ملياً ﴾ ه ﴿ سلام عليك ﴾ ج للابتداء بسين الاستقبال مع أن القائل واحد ﴿ لك ربي ﴾ ط ﴿ حفياً ﴾ ه ﴿ وأدعو ربي ﴾ ز لانقطاع النظم والوصل أولى لأن عسى لطمع الإجابة بالدعاء ﴿ شقياً ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ لا لأن ما بعده جواب لما ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ز للأبتداء بأن مع أن المراد بالذكر إخلاص موسى ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ نجياً ﴾ ه ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ إسماعيل ﴾ ز لما مر ﴿ نبياً ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ والزكاة ﴾ ط ﴿ مرضيا ﴾ ه ﴿ إدريس ﴾ ز ﴿ نبياً ﴾ ه ﴿ علياً ﴾ ه ﴿ مع نوح ﴾ ز على تقدير ومن ذريته إبراهيم وما بعده قوم إذا تتلى عليهم، وكذا وجه من وقف على ﴿ ذرية آدم ﴾ أو على ﴿ إسرائيل ﴾ والأصح أن الكل عطف على ذرية آدم والوقف على قوله: ﴿ واجتبينا ﴾ لئلا يحتاج إلى الحذف وليرجع ثناء السجود والبكاء إلى الكل ﴿ وبكيا ﴾ ه ﴿ عياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ جنات ﴾ بدل من ﴿ الجنة ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ط ﴿ مأتيا ﴾ ه ﴿ سلاماً ﴾ ه ﴿ وعشياً ﴾ ه ﴿ تقياً ﴾ ه ﴿ بأمر ربك ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ ذلك ﴾ ج لأن قوله: ﴿ وما كان ﴾ معطوف على ﴿ نتنزل ﴾ مع وقوع العارض ﴿ نسياً ﴾ ج ه، لأن ما بعده بدل أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ لعبادته ﴾ ط ﴿ سمياً ﴾ ه.

التفسير: إن الذين أثبتوا معبوداً سوى الله منهم من أثبت معبوداً حياً عاقلاً كالنصارى، ومنهم من عبد معبوداً جماداً كعبدة الأوثان، وكلا الفريقين ضال إلا أن الفريق الثاني أضل.

وحين بين ضلال الفريق الأول شرع في بيان ضلال الفريق الثاني تدرجاً من الأسهل إلى الأصعب.

وإنما بدأ بقصة إبراهيم  لأنه كان أبا العرب وكانوا مقرين بعلوّ شأنه وكمال دينه فكأنه قال لهم: إن كنتم مقلدين فقلدوه في ترك عبدة الأوثان وعبادتها، وإن كنتم مستدلين فانظروا في الدلائل التي ذكرها على أبيه.

والمراد بذكر الرسول إياه في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس كقوله: ﴿ واتل عليهم نبأ إبراهيم  ﴾ وإلا فهو  هو الذي يذكره في تنزيله.

وقوله: ﴿ إذ قال ﴾ بدل من ﴿ إبراهيم ﴾ وما بينهما اعتراض، ولمكان هذا الاعتراض صار الوقف على ﴿ إبراهيم ﴾ مطلقاً.

وجوز في الكشاف أن يتعلق "إذ" بـ ﴿ كان ﴾ أو بـ ﴿ صديقاً نبياً ﴾ أي كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات.

والصديق من أبنية المبالغة فهي إما مبالغة صادق لأن ملاك أمر النبوة الصدق، وإما مبالغة مصدق وذلك لكثرة تصديقه الحق وهذا أيضاً بالحقيقة يعود إلى الأول، لأن مصدق الحق لا يعتبر تصديقه.

إلا إذا كان صادقاً جداً في أقواله مصدقاً لجميع من تقدم من الأنبياء والكتب، وكان نبياً في نفسه رفيع القدر عند الله وعند الناس بحيث جعل واسطة بينه وبين عباده.

وقيل: إن "كان" بمعنى "صار" والأصح أنه بمعنى الثبوت والاستمرار أي إنه لم يزل موصوفاً بالصدق والنبوة في الأوقات الممكن له ذلك فيها.

والتاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وقد مر في أول سورة يوسف.

أورد على أبيه الدلائل والنصائح وصدر كلاً منها بالنداء المتضمن للرفق واللين استمالة لقلب أبيه وامتثالاً لأمر ربه على ما رواه أبو هريرة أن رسول الله  قال: "أوحى الله إلى إبراهيم إنك خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي وأسكنه حظيرة القدس وأدنيه من جواري" .

فقوله: {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر" منسيّ المفعول لا منويه فإن الغرض نفي الفعلين على الإطلاق دون التقييد.

و"ما" موصولة أو موصوفة أي الذي لا يسمع أو معبوداً لا يسمع و ﴿ شيئاً ﴾ مفعول به من قوله: "أغن عني وجهك" أي ادفعه.

ويجوز أن يكون بمعنى المصدر أي شيئاً من الإغناء، وعلى هذا يجوز أن يقدر نحوه مع الفعلين السابقين أي لا يسمع شيئاً من السماع إلى آخره.

وحاصل الدليل أن العبادة غاية الخضوع فلا يستحقها إلا أشرف الموجودات لا أخسها وهو الجماد غاية عذرهم عن تلك هي أنها تماثيل أشياء يتصوّر نفها أو ضرها كالكواكب وغيرها فيقال لهم: أليس الكواكب وسائر الممكنات تنتهي في الاحتياج إلى واجب الوجود؟

فإذا جعل شيء من هذه الأشياء معبوداً فقد شورك الممكن والواجب في نهاية التعظيم وهذا مما ينبو عنه الطبع السليم، ورفع الوسائط من البين أدخل في الإخلاص وأقرب إلى الخلاص.

وقوله: ﴿ يا أبت أني قد جاءني ﴾ تنبيه ونصيحة وفيه أن هذا العلم تجدد له حصوله فيكون أقرب إلى التصديق.

وفي قوله: ﴿ من العلم ما لم يأتك ﴾ فائدة هي أنه لم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ولكنه قال: إن معي طائفة من العلم ليست معك فلا تستنكف، وهب أنا في مفازة وعندي معرفة بالدلالة دونك ﴿ فاتبعني أهدك صراطاً سوياً ﴾ مستوياً مؤدّياً إلى المقصود وهو صلاح المعاش والمعاد.

استدل أرباب التعليم بالآية بأنه لا بد من الاتباع.

وأجيب بأنه لا يلزم من اتباع النبي اتباع غيره.

والإنصاف أن هذه الطريق أسهل.

ثم أكد المعنى المذكور بنصيحة أخرى زاجرة عما هو عليه فقال: ﴿ يا أبت لا تعبد الشيطان ﴾ أي لا تطعه فإن عبادة الأصنام هي طاعة الشيطان.

ثم أسقط حصة نفسه إذ لم يقل إن الشيطان عدوّ لبني آدم بل قدّم حق ربه فقال: ﴿ إن الشيطان كان للرحمن عصياً ﴾ حين ترك أمره بالسجود عناداً واستكباراً لا نسياناً وخطأ، نبهه بهذه النصيحة على وجود الرحمن ثم على وجود الشيطان، وأن الرحمن مصدر كل خير، والشيطان مظهر كل شر بدلالة الموضوع اللغوي، وهذا القدر كافٍ من التنبيه لمن تأمل وأنصف.

ثم بين الباعث على هذه النصحية فقال: ﴿ يا أبت إني أخاف ﴾ وفيه مع التخويف من سواء العاقبة أنواع من الأدب إذ ذكر الخوف والمس ونكر العذاب.

قال الفراء: معنى أخاف أعلم.

والأكثرون على أنه محمول على ظاهره لأن إبراهيم  لم يكن جازماً بموت أبيه على الكفر وإلا لم يشتغل بنصحه.

والخوف على الغير ظن وصول الضرر إلى ذلك الغير مع تألم قلبه من ذلك كما يقال: أنا خائف على ولدي.

وذكروا في الولي وجوهاً منها: أنه إذا استوجب عذاب الله كان مع اشيطان في النار والمعية سبب الولاية أو مسببها غالباً، وإطلاق أحدهما على الآخر مجاز.

وليس هناك ولاية حقيقة لقوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ  ﴾ ﴿ إني كفرت بما أشركتمون من قبل  ﴾ ومنها أن حمل العذاب على الخذلان ومنها أن الولي بمعنى التالي والتابع قال جار الله: جعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أتباعه وأوليائه أكبر من نفس العذاب، لأن ولاية الشيطان في مقابلة رضا الرحمن وقال عز من قائل: ﴿ ورضوان من الله أكبر  ﴾ وإذا كان رضوان الله أكبر من نعيم الجنة فولاية الشيطان أعظم من عذاب النار.

ثم إن الشيخ قبل ملاطفات إبراهيم بالفظاظة والغلظة قائلاً ﴿ أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ﴾ فقدم الخبر على المبتدأ إشعاراً بأنه عنده أعنى.

وفي هذا الاستفهام ضرب من التعجب والإنكار لرغبته عن آلهته.

وفي قوله: ﴿ يا إبراهيم ﴾ دون أن يقول: "يا بني" في مقابلة ﴿ يا أبت ﴾ تهاون به كيف لا وقد صرح بالإهانة قائلاً ﴿ لئن لم تنته لأرجمنك ﴾ باللسان أي لأشتمنك أو باليد أي لأقتلنك وأصله الرمي بالرجم.

ثم ههنا إضمار أي فاحذرني ﴿ واهجرني ملياً ﴾ أي زماناً طويلاً من الملاوة، أو أراد ملياً بالذهاب والهجران.

مطيقاً له قوياً عليه قبل أن أثخنك بالضرب.

فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على التمرد والجهالة ﴿ قال سلام عليك ﴾ يعني سلام توديع ومتاركة كقوله: ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً  ﴾ وفيه أن متاركة المنصوح إذا ظهر منه آثار اللجاج من سنن المرسلين، ويحتمل أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له ورفقاً به بدليل قوله: ﴿ سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيّاً ﴾ بليغاً في البر والإلطاف وقد مر ي آخر "الأعراف".

احتج بالآية بعض من طعن في عصمة الأنبياء قال: إنه استغفر لأبيه الكافر وهو منهي عنه لقوله: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين  ﴾ الآية.

ولقوله في الممتحنة ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم  ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك  ﴾ فلو لم يكن هذا معصية لم يمنع من التأسي به.

والجواب لعل إبراهيم  في شرعه لم يجد ما يدل على القطع بتعذيب الكافر أو لعل بهذا الفعل منه من باب ترك الأولى، أو لعل الاستغفار بمعنى الاستبطاء كقوله: ﴿ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله  ﴾ والمعنى سأسأل ربي أن يخزيك بكفرك ما دمت حياً.

والجواب في الحقيقة ما مر في آخر سورة التوبة في قوله عز من قائل ﴿ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه  ﴾ والمنع من التأسي لا يدل على المعصية، فلعل الاستغفار مع ذلك الشرط كان من خصائصه كما أن كثيراً من الأمور كانت مباحة للرسول الله  هي محرمة علينا.

ثم صرح بما تضمنه السلام من التوديع والهجران فقال: ﴿ وأعتزلكم ﴾ أي أهاجر إلى الشام ﴿ و ﴾ أعتزل ﴿ ما تدعون ﴾ أي ما تعبدون ﴿ من دون الله ﴾ وقد يعبر بالدعاء عن العبادة لأنه منها ومن وسائطها، يدل على هذا التفسير قوله: ﴿ فلما أعتزلهم وما يعبدون ﴾ أما قوله: ﴿ وأدعو ربي ﴾ فيحتمل معنيين: العبادة والدعاء كما يجيء في سورة الشعراء.

وفي قوله: ﴿ عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً ﴾ تعريض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم وعبادتها مع التواضع وهضم النفس المستفاد من لفظ ﴿ عسى ﴾ .

قال العلماء: ما خسر على الله أحد فإن إبراهيم لما ترك أباه الكافر وقومه فراراً بدينه عوّضه الله أولاداً مؤمنين أنبياء وذلك قوله: ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاً جعلنا نبياً ووهبنا لهم ﴾ شيئاً ﴿ من رحمتنا ﴾ عن الحسن: هي النبوة.

وعن الكلبي: المال والولد.

والأظهر أنها عامة في ذلك كل خير ديني ودنيوي ولسان الصدق والثناء الحسن، عبر باللسان عما يوجد به كما عبر باليد عما يطلق بها وهو العطية وقد مر تحقيق الإضافة في أول يونس في قوله: ﴿ قدم صدق  ﴾ تبرأ إبراهيم من أبيه ابتغاء مرضاة الله فسماه الله أبا بالمؤمنين ﴿ ملة أبيكم إبراهيم  ﴾ ، وتل ولده للجبين ففداه الله بذبح عظيم، وأسلم نفسه لرب العالمين فجعل النار عليه برداً وسلاماً، وأشفق على هذه الأمة فقال وابعث فيهم رسولاً، فأشركه الله في الصلاة على النبي  في الصلوات الخمس، ووفى في حق سارة كما قال  : ﴿ وإبراهيم الذي وفى  ﴾ فجعل موطىء قدمه مباركاً ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى  ﴾ وعادى كل الخلق في الله حين قال ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين  ﴾ فلا جرم اتخذه الله خليلاً.

ثم قفى قصة إبراهيم بقصة موسى  لأنه تلوه في الشرف.

والمخلص بكسر اللام الذي أخلص العبادة عن الشرك والرياء وأخلص وجهه لله، وبالفتح الذي أخلصه الله و ﴿ كان رسولاً نبياً ﴾ الرسول الذي معه كتاب من الأنبياء والنبي الذي ينبىء عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب، وكان المناسب ذكر الأعم قبل الأخص إلا أن رعاية الفاصلة اقتضت عكس ذلك كقوله في طه ﴿ برب هرون وموسى  ﴾ ﴿ الأيمن ﴾ من اليمين أي من ناحية اليمنى من موسى أو هو من اليمن صفة للطور أو للجانب ﴿ وقربناه ﴾ حال كونه ﴿ نجياً ﴾ أي مناجياً شبه تكليمه إياه من غير واسطة ملك بتقريب بعض الملوك واحداً من ندمائه للمناجاة والمسارة.

وعن أبي العالية أن التقريب حسي، قربه حتى سمع صريف القلم الذي كتبت به التوراة والأول أظهر، ومنه قولهم للعبادة "تقرب" وللملائكة "أنهم مقربون".

﴿ ووهبنا له من رحمتنا ﴾ أي من أجلها أي بعض رحمتنا فيكون ﴿ أخاه ﴾ بدلاً و ﴿ هرون ﴾ عطف بيان كقولك "رأيت رجلاً أخاك زيداً".

و ﴿ نبياً ﴾ حال من هارون.

قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى فتنصرف الهبة إلى معاضدته وموازرته.

وذلك بدعاء موسى في قوله: ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي  ﴾ وخص إسماعيل بن إبراهيم بصدق الوعد وإن كان الأنبياء كلهم صادقين فيما بينهم وبين الله أو الناس، لأنه المشهور المتواصف من خصاله من ذلك: أنه وعد نفسه الصبر على الذبح فوفى به.

وعن ابن عباس أنه وعد صاحباً له أن ينتظره فانتظره سنة.

عن رسول الله  أنه واعد رجلاً ونسي ذلك الرجل فانتظره من الضحى إلى قريب من غروب الشمس.

وسئل الشعبي عن الرجل يعد ميعاده إلى أي وقت ينتظره؟

فقال: إذا واعدته في وقت الصلاة فانتظره إلى وقت صلاة أخرى.

وكان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لغيرهم ولأن الابتداء بالإحسان الديني والدنيوي بمن هو أقرب أولى ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً  ﴾ "بدأ من تعول" ويحسن أن يقال: أهله أمته كلهم أقارب أو أباعد من حيث إنه يلزمه في جميعهم ما يلزم المرء في أهله خاصة من قضاء حقوق النصيحة والشفقة ورعاية مصالحهم الدينية والدنيوية.

وعلى القولين يندرج في الصلاة الصلوات المفروضة والمندوبة كصلاة التهجد وغيرها، وأما الزكاة فالأقرب أنها الصدقة المفروضة.

وعن ابن عباس أنها طاعة الله والإخلاص لأن فاعلها يزكو بها عند الله.

وأما إدريس فالأصح أنه اسم عجمي بدليل منع الصرف كما مر مراراً في آدم ويعقوب وغيرهما.

وقيل: "افعيل" من الدرس لكثرة دراسته كتاب الله، ولعل معناه بالأعجمية قريب من الدراسة فظنه القائل مشتقاً منها.

وفي رفعته أقوال منها: أن المكان العليّ شرف النبوة والزلفى عند الله، وقد أنزل عليه ثلاثون صحيفة، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود، واسمه أخنوخ من أجداد نوح لأنه نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وأهل التنجيم بعضهم يسمونه هرمس ولهم نوادر في استخراج طوالع المواليد ينسبونه إليه.

وقيل: إن الله  رفعه إلى السماء وإلى الجنة وهو حي لم يمت.

وقال آخرون: رفع إلى السماء وقبض روحه.

عن ابن عباس أنه سأل كعباً عن قوله: ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ قال: جاء خليل من الملائكة فسأله أن يكلم ملك الموت حتى يؤخر قبض روحه، فحمله ذلك الملك بين جناحيه فصعد به، فلما كان في السماء الرابعة إذ بملك الموت يقول: بعثت لأقبض روح إدريس في السماء الرابعة وأنا أقول: كيف ذلك وهو في الأرض؟

فالتفت إدريس فرأى ملك الموت فقبض روحه هناك.

وعن ابن عباس أنه رفع إلى السماء السادسة.

وعن الحسن: المراد أنه رفع إلى الجنة ولا شيء أعلى منها.

﴿ أولئك ﴾ المذكورون من لدن زكريا إلى إدريس هم ﴿ الذين أنعم الله عليهم من النبيين ﴾ "من" للبيان لأن جميع الأنبياء منعم عليهم ﴿ من ذرية آدم ﴾ هي للتبعيض وكذا في قوله: ﴿ وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل ﴾ والمراد بمن هو من ذرية آدم إدريس لقربه منه، وبذرية من حمل مع نوح إبراهيم  لأنه من ولد سام بن نوح، وبذرية إبراهيم وإسماعيل، وبذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم لأن مريم من ذريته.

﴿ وممن هدينا ﴾ يحتمل العطف على من الأولى والثانية وفي هذا الترتيب تنبيه على أن هؤلاء الأنبياء اجتمع لهم مع كمال الأحساب شرف الأنساب، وأن جميع ذلك بواسطة هداية الله وبمزية اجتنائه واصطفائه.

ثم إن جعلت ﴿ الذين ﴾ خبراً ﴿ لأولئك ﴾ كان ﴿ إذا يتلى ﴾ كلاماً مستأنفاً، وإن جعلته صفة له كان خبراً وقد عرفت في الوقوف سار الوجوه من قرأ ﴿ يتلى ﴾ بالتذكير لأن تأنيث الآيات غير حقيقي والفاصل حاصل.

والبكي جمع باكٍ "فعول" كسجود في "ساجد" أبدلت الواو ياء وأدغمت وكسر ما قبلها للمناسبة.

ومن زعم أنه مصدر فقدسها لأنها قرينة سجداً.

عن رسول الله  : " اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" أراد بالآيات التي فيها ذكر العذاب وقال غيره: إطلاق الآيات والحديث المذكور يدل على العموم لأن كل آية إذا فكر فيها المفكر صح أن يسجد عندها ويبكي.

قلت: لعل المراد بآيات الله ما خصهم الله  به من الكتب المنزلة، لأن القرآن حينئذ لم يكن منزلاً واختلفوا في السجود.

فقيل: هو الخشوع والخضوع.

وقيل: الصلاة.

وقيل: سجدة التلاوة على حسب ما تعبدنا به.

ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا يتعبدون بالسجود.

قال الزجاج: الإنسان في حال خروره لا يكون ساجداً فالمراد خروا متهيئين للسجود.

عن رسول الله  : "اقرؤا القرآن بحزن فإنه نزل بحزن" وعن ابن عباس: إذا قرأتم سجدة "سبحان" فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه.

وقالت العلماء: يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بها فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللَّهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك.

وإن قرأ سجدة "سبحان" قال: اللَّهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك.

وإن قرأ ما في هذه السورة قال: اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك.

ولما مدح هؤلاء الأنبياء ترغيباً لغيرهم من سيرتهم وصف أضدادهم لتنفير الناس عن طريقتهم قائلاً ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ وهو عقب السوء كما مر في آخر "الأعراف" فإضاعة الصلاة في مقابلة الخرور سجداً، واتباع الشهوات بإزاء البكاء.

عن بان عباس: هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلوا نكاح الأخت من الأب.

وعن إبراهيم النخعي ومجاهد: أضاعوها بالتأخير.

وعن علي  في قوله: ﴿ واتبعوا الشهوات ﴾ من بني الشديد وركب المنظور ولبس المشهور.

وعن قتادة: هو في هذه الأمة ﴿ فسوف يلقون غياً ﴾ قال جار الله: كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد.

وقال الزجاج: هو على حذف المضاف أي جزاء غي كقوله: ﴿ ويلق أثاماً  ﴾ أي مجازاة أثام.

وقيل: غياً من طريق الجنة.

وقيل: هو وادٍ في جهنم تستعيذ منه أوديتها احتج بعضهم بقوله: ﴿ إلا من تاب وآمن ﴾ على أن تارك الصلاة كافر وإلا لم يحتج إلى تجديد الإيمان.

والجواب أنه إذا كان المذكورون هم الكفرة أو اليهود - كما رويناه عن ابن عباس - سقط الاستدلال.

واحتجت الأشاعرة في أن العمل ليس من الإيمان لأن العطف دليل التغاير.

وأجاب الكعبي بأنه عطف الإيمان على التوبة مع أنها من الإيمان، ومنع من أن التوبة من الإيمان ولكنها شرطه لأنها العزم على الترك والإيمان إقرار باللسان، وإنما حذف الموصوف ههنا وقال في الفرقان ﴿ وعمل عملاً صالحاً  ﴾ لأنه أوجز في ذكر المعاصي فأوجز في التوبة وأطال هناك فأطال هناك.

وهذا الاستثناء بحسب الغالب فقد يتوب عن كفره ويؤمن ولم يدخل بعد وقت الصلاة، أو كانت المرأة حائضاً ثم مات فهو من أهل النجاة مع أنه لم يعمل صالحاً.

ومعنى ﴿ لا يظلمون شيئاً ﴾ لا ينقصون شيئاً من جزاء أعمالهم بل يضاعف لهم تفضلاً تنبيهاً على أن تقدم الكفر لا يضرهم بعد أن يتوبوا، ويحتمل أن ينتصب ﴿ شيئاً ﴾ على المصدر أي شيئاً من الظلم.

ومعنى ﴿ جنات عدن ﴾ قد مر في سورة التوبة في قوله: ﴿ ومساكن طيبة في جنات عدن  ﴾ وصفها الله  بالإقامة والدوام خلاف ما عليه جنان الدنيا.

ولما كانت الجنة مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، ويحتمل انتصابها عل الاختصاص وكذا انتصاب "التي".

قال جار الله: عدن علم بمعنى العدن وهو الإقامة وهو علم لأرض الجنة لكونها مكان إقامة ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة.

ولما ساغ وصفها بـ "التي" ومعنى ﴿ بالغيب ﴾ مع الغيبة أي وعدوها وهي غائبة عنهم غير حاضرة، أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها، أو الباء للسببية أي وعدها عباده بسبب تصديق الغيب والإيمان به خلاف حال المنافقين.

وقوله: ﴿ إنه كان وعده مأتياً ﴾ بالأول أنسب وهو مفعول بمعنى "فاعل"، أو على أصله لأن ما أتاك فقد أتيته.

وجوز في الكشاف أن يكون من قولك: "أتى إليك إحساناً" أي كان وعده مفعولاً منجزاً.

قوله: ﴿ إلا سلاماً ﴾ استثناء متصل على التأويل لأن اللغو فضول الكلام وما لا طائل تحته كما تقدم في يمين اللغو في "البقرة" وفي "المائدة" أي إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغواً فلا يسمعون لغواً إلا ذلك كقولهم "عتابك السيف".

أو استثناء منقطع أي لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة، ويجوز أن يكون متصلاً بتأويل آخر وهو أن معنى السلام الدعاء بالسلامة وأهل دار السلام عن الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام.

وفي الآية تنبيه ظاهر على وجوب اتقاء اللغو حيث نزه الله عنه الدار التي لا تكليف فيها.

ثم إنه  من عادته ترغيب كل قوم بما أحبوه في الدنيا فلذلك ذكر أساور من الذهب والفضة لبس الحرير التي كانت للعجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة، وكانت من عادة أشراف اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء لأنها العادة الوسطى المحمودة لمتنعمين منهم فوعدهم بذلك قائلاً: ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعيشاً ﴾ هذا قول الحسن.

ولا يكون ثم ليل ولا نهار ولكن على التقدير أي يأكلون على مقدار الغداة على العشي.

وقيل: أراد دوام الرزق كما تقول: أنا عند فلان صباحاً ومساء تريد الدوام ولا تقصد الوقتين المعلومين.

وقوله: ﴿ تلك الجنة التي نورت ﴾ كقوله في "الأعراف" ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها  ﴾ وهي استعارة أي تبقى عليهم الجنة كما يبقى على الوارث مال الموروث منه.

قال القاضي: في الآية دلالة على أن الجنة يختص بدخولها من كان متقياً غير مرتكب للكبائر.

وأجيب بمنع الاختصاص وبأنه يصدق على صاحب الكبيرة.

أنه اتقى الكفر.

سئل ههنا أن قوله  : ﴿ تلك الجنة التي نورث ﴾ كلام الله وقوله بعده: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب ليس من كلام الله فما وجه العطف بينهما: وأجيب بأنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح، فظاهر قوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ خطاب جماعة لواحد وإنه لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول كما روي أن قريشاً بعثت خمسة رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة محمد  وهل يجدونه في كتابهم.

فسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه، وقالت اليهود: نجده في كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمان اليمامة عن خصال ثلاث فلم يعرف فاسألوه عنهن، فإن أخبركم بخصلتين منها فاتبعوه، فاسألوه عن فئة أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فلم يدر كيف يجيب، فوعدهم الجواب ولم يقل: إن شاء الله.

فاحتبس الوحي عليه أربعين يوماً - وقيل خمسة عشر يوماً - فشق عليه ذلك مشقة شديدة.

وقال المشركون: ودعه ربه وقلاه.

فنزل جبرائيل  فقال له النبي  : "أبطأت عني حتى ساء ظني واشتقت إليك." قال: كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذ حبست احتبست.

فأنزل الله الآية وأنزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً  ﴾ وسورة الضحى.

ومعنى التنزل على ما يليق بهذا الموضع هو النزول على مهل أي نزلنا في الأحايين وقتاً غب وقت ليس إلا بأمر الله عزوجل.

ثم أكد جبرائيل ما ذكره بقوله: ﴿ له ما بين أيدينا وما خلفنا ﴾ من الجهات والأماكن أو من الأزمنة الماضية والمستقبلة وما بينهما من المكان والزمان الذي نحن فيه فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة، أو من زمان إلى زمان إلا بأمر ربك ومشيئته.

وقيل: له ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة ﴿ وما بين ذلك ﴾ وهو ما بين النفختين أربعون سنة.

وقيل: ما مضى.

من أعمارنا وما غبر منها والحال التي نحن فيها أو ما قبل وجودنا وبعد فنائنا.

وقيل: الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا.

والسماء التي وراءنا، وما بين السماء والأرض وعلى الأقوال فالمراد أنه الميحط بكل شيء لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة فكيف يقدم على فعل إلا بأمره!

وقال أبو مسلم: في وجه النظم إن قوله: ﴿ وما نتنزل ﴾ من قول أهل الجنة لمن بحضرتهم أي ما ننزل الجنة إلا بأمر ربك.

أما قوله: ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ فعلى القول الأول معناه أنه ما كان امتناع النزول إلا لعدم الإذن ولم يكن لترك الله إياكم لقوله: ﴿ ما ودّعك ربك وما قلى  ﴾ وعلى قول غير أبي مسلم هو تأكيد لإحاطته  بجميع الأشياء، وأنه لا يجوز عليه أن يسهو عن شيء ما ألبته.

وعلى قول أبي مسلم المراد أنه ليس ناسياً لأعمال العاملين فيثيب كلاً منهم بحسب عمله فيكون من تتمة حكاية قول أهل الجنة، أو ابتداء كلام من الله  خطاباً لرسوله ويتصل به قوله: ﴿ رب السموات والأرض ﴾ أي بل هو ربهما ﴿ وما بينهما فاعبده ﴾ الفاء للسببية لأن كونه رب العالمين سبب موجب لأن يعبد ﴿ واصطبر لعبادته ﴾ لم يقل "على عبادته" لأنه جعل العبادة بمنزلة القرن في قولك للمحارب "اصطبر لقرنك" أي أوجد الاصطبار لأجل مقاومته.

ثم أكد وجوب عبادته بقوله: ﴿ هل تعلم له سمياً ﴾ أي ليس له مثل ونظير حتى لا تخلص العبادة له، وإن عديم النظير لا بد أن يصبر على مواجب إرادته وتكاليفه خصوصاً إذا كانت فائدتها راجعة إلى المكلف.

وقيل: أراد أنه لا شريك له في اسمه وبيانه في وجهين: أحدهما أنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله عى الوثن إلا أنهم لم يطلقوا لفظ الله على من سواه.

وعن ابن عباس: أراد لا يسمى بالرحمن غيره.

قلت: وهذا صحيح ولعله هو السر في أنه لم يكرر لفظ "الرحمن" في سورة تكريره في هذه السورة.

وثانيهما هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل أن التسمية على الباطل كلا تسمية.

التأويل: ﴿ واذكر في الكتاب ﴾ الأزلي ﴿ إبراهيم ﴾ القلب ﴿ إنه كان صديقاً ﴾ للتصديق ثلاث مراتب: صادق صدق في أقواله، وصادق صدق في أخلاقه وأحواله، وصديق صدق في قيامه مع الله في الله بالله وهو الفانى عن نفسه الباقي بربه ﴿ إذ قال لأبيه ﴾ الروح الذي يعبد صنم الدنيا بتبعية النفس ﴿ فقد جاءني من العلم ﴾ اللدني ﴿ ما لم يأتك ﴾ لما ذكرنا أن القلب محل للفيض الإلهي أقبل من الروح كالمرآة فإنها تقبل النور لصفائها وينعكس النور عنها لكثافتها وصقالتها ﴿ وهبنا له إسحاق ﴾ السر ﴿ ويعقوب ﴾ الخفي ﴿ وناديناه من جانب الطور الأيمن ﴾ أسمعنا موسى القلب من جانب طور الروح لا من جانب وادي النفس الذي هو على أيسر ﴿ وكان يأمر أهله ﴾ أي الجسم والنفس والقلب والروح بالصلاة له توجه كل منهم توجهاً يليق بحاله، وبالزكاة أي تزكية كل واحد منهم من الأخلاق الذميمة ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ في مقعد صدق عند مليك مقتدر ﴿ خروا ﴾ بقلوبهم على عتبة العبودية ﴿ سجداً ﴾ بالتسليم للأحكام الأزلية ﴿ وبكياً ﴾ بكاء السمع يذوبان الوجود على نار الشوق والمحبة ﴿ عباده بالغيب ﴾ أي بغيبتهم عن الوجود قبل التكوين كقوله: ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة  ﴾ ﴿ ولهم رزقهم ﴾ رؤية الله على ما جاء في الحديث: "وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوّاً وعشياً" ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ المقدور في علم الله، وتنادى أهل العزة من سرادقات العزة أن يا أهل الطبيعة أفيقوا من المتمنيات فإنا ما ننزل من عالم الغيب.

إلا بأمر ربك ﴿ وما كان ربك نسياً ﴾ ليحتاج إلى تذكير متمن، بل هو رب سموات الأرواح وأرض الأجساد وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار له ﴿ فاعبده ﴾ بأركان الشريعة بجسدك وبآداب الطريقة بنفسك وبالإعراض عن الدنيا والإقبال على المولى بقلبك وبالفناء في الله والبقاء به بروحك وبسرك.

﴿ هل تعلم له ﴾ نظيراً في المحبوبية لك.

والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً ﴾ : قال بعضهم: الآية في مشركي العرب؛ لأنهم هم الذين قالوا: الملائكة بنات الله، لكن أهل التأويل قالوا أيضاً: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ  ﴾ ، فهو في كل من قال ذلك.

ثم قوله: ﴿ لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً ﴾ يخرج على الإضمار حين أخبر عنهم أنهم ﴿ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً ﴾ أن قل لهم يا محمد: ﴿ لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً ﴾ أي: عظيماً منكراً.

أو أن يكونوا لما قالوا ذلك أقبل عليهم فقال لهم: لقد جئتم شيئاً عظيماً منكراً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً ﴾ قال بعضهم: مثل هذا إنما يقال على المبالغة في العظيم من الأمور والنهاية من الضيق والشدة على التمثيل.

يقول الرجل لآخر: أظلمت الدنيا عليه وضاقت عليه الأرض بما رحبت ونحوه، على الإبلاغ في الضيق والشدة؛ فعلى ذلك هذا ذكر على الإبلاغ والنهاية في العظيم من القول لما قالوا عنه  ، ثم جعل مثل ما قالوا في العظيم لله بما يعظم من المحسوسات في العقول، وهو ما ذكر من انفطار السّموات وانشقاق الأرض وهدّ الجبال، وهنّ أصلب الأشياء وأشدها؛ ليعرفوا عظم ما قالوا فيه، وهكذا تعرف الأمور الغائبة التي سبيل معرفتها الاستدلال بالمحسوسات من الأشياء المشاهدات منها.

وجائز أن يكون ما ذكر من انشقاق الأرض وهدّ الجبال وانفطار السماء على حقيقة ما ذكر يكون فيها وإن لم يشاهد ذلك منها ولم يحس، كقوله: ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً  ﴾ .

وقال قائلون: ذكر هذا في أهل السّماوات فثبت أنهم يكونون كما ذكر بما قالوا تعظيماً لذلك وإنكاراً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً ﴾ ، أي: ما ينبغي له ولد ﴿ إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً ﴾ ، وفي الشاهد لا أحد يتخذ الولد من عبيده، فكيف ينبغي لمن له ملك السماوات والأرض وكلهم عبيده - أن يتخذ ولداً من عبيده.

﴿ وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً ﴾ ، وأسباب الأولاد التي بها يتخذ الولد ليست فيه؛ لأن في الشاهد إنما يتخذ الولد لثلاث، وقد ذكرناها في غير موضع، فإن كان الله -  - يتعالى عن ذلك كله، لم ينبغ له أن يتخذ الولد.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً ﴾ في الآخرة، أي: كلهم يقرون بالعبودية له يومئذ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً ﴾ من عدّ أنفسهم وإحصائه، أي: لا يخفى عليه شيء.

أو أن يكون على الوعيد أن يحصى أقوالهم وأفعالهم بما سلط عليهم من الملائكة ما يراقبون ذلك منهم، كقوله: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ كِرَاماً كَاتِبِينَ  ﴾ قال أبو عوسجة: الضدّ: الخصم، والإدّ السوق الشديد، وقوله: ﴿ شَيْئاً إِدّاً ﴾ ، أي: شديداً، والورد، أي: يوردهم إياها، أي: يدخلهم، وقال: الورد: النصيب من الماء، وقوله: ﴿ هَدّاً ﴾ أي: صوتاً يهدّ، أي: يهدم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات المرضية عند الله، سيجعل لهم الله محبة بحبه إياهم، وبتحبيبهم إلى عباده.

<div class="verse-tafsir" id="91.QQqYO"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله