الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٤ من سورة البقرة
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 90 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٤ من سورة البقرة من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
قال ابن عباس : ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) أي : يصدقون بما جئت به من الله ، وما جاء به من قبلك من المرسلين ، لا يفرقون بينهم ، ولا يجحدون ما جاءوهم به من ربهم وبالآخرة هم يوقنون ) أي : بالبعث والقيامة ، والجنة ، والنار ، والحساب ، والميزان .
وإنما سميت الآخرة لأنها بعد الدنيا ، وقد اختلف المفسرون في الموصوفين هاهنا : هل هم الموصوفون بما تقدم من قوله تعالى : ( الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) [ البقرة : 3 ] ومن هم ؟
على ثلاثة أقوال حكاها ابن جرير : أحدهما : أن الموصوفين أولا هم الموصوفون ثانيا ، وهم كل مؤمن ، مؤمنو العرب ومؤمنو أهل الكتاب وغيرهم ، قاله مجاهد ، وأبو العالية ، والربيع بن أنس ، وقتادة .
والثاني : هما واحد ، وهم مؤمنو أهل الكتاب ، وعلى هذين تكون الواو عاطفة صفات على صفات ، كما قال تعالى : ( سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى ) [ الأعلى : 1 - 5 ] وكما قال الشاعر : إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم فعطف الصفات بعضها على بعض ، والموصوف واحد .
والثالث : أن الموصوفين أولا مؤمنو العرب ، والموصوفون ثانيا بقوله : ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) الآية مؤمنو أهل الكتاب ، نقله السدي في تفسيره ، عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة ، واختاره ابن جرير ، ويستشهد لما قال بقوله تعالى : ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله ) الآية [ آل عمران : 199 ] ، وبقوله تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون ) [ القصص : 52 - 54 ] .
وثبت في الصحيحين ، من حديث الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي ، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه ، ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها .
وأما ابن جرير فما استشهد على صحة ما قال إلا بمناسبة ، وهي أن الله وصف في أول هذه السورة المؤمنين والكافرين ، فكما أنه صنف الكافرين إلى صنفين : منافق وكافر ، فكذلك المؤمنون صنفهم إلى عربي وكتابي .
قلت : والظاهر قول مجاهد فيما رواه الثوري ، عن رجل ، عن مجاهد .
ورواه غير واحد ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد أنه قال : أربع آيات من أول سورة البقرة في نعت المؤمنين ، وآيتان في نعت الكافرين ، وثلاث عشرة في المنافقين ، فهذه الآيات الأربع عامة في كل مؤمن اتصف بها من عربي وعجمي ، وكتابي من إنسي وجني ، وليس تصح واحدة من هذه الصفات بدون الأخرى ، بل كل واحدة مستلزمة للأخرى وشرط معها ، فلا يصح الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والزكاة إلا مع الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما جاء به من قبله من الرسل والإيقان بالآخرة ، كما أن هذا لا يصح إلا بذاك ، وقد أمر الله تعالى المؤمنين بذلك ، كما قال : ( ياأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ) الآية [ النساء : 136 ] .
وقال : ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ) الآية [ العنكبوت : 46 ] .
وقال تعالى : ( ياأيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم ) [ النساء : 47 ] وقال تعالى : ( قل ياأهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم ) [ المائدة : 68 ] وأخبر تعالى عن المؤمنين كلهم بذلك ، فقال تعالى : ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ) الآية [ البقرة : 285 ] وقال : ( والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم ) [ النساء : 152 ] وغير ذلك من الآيات الدالة على أمر جميع المؤمنين بالإيمان بالله ورسله وكتبه .
لكن لمؤمني أهل الكتاب خصوصية ، وذلك أنهم مؤمنون بما بأيديهم مفصلا فإذا دخلوا في الإسلام وآمنوا به مفصلا كان لهم على ذلك الأجر مرتين ، وأما غيرهم فإنما يحصل له الإيمان ، بما تقدم مجملا كما جاء في الصحيح :إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، ولكن قولوا : آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ولكن قد يكون إيمان كثير من العرب بالإسلام الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم أتم وأكمل وأعم وأشمل من إيمان من دخل منهم في الإسلام ، فهم وإن حصل لهم أجران من تلك الحيثية ، فغيرهم [ قد ] يحصل له من التصديق ما ينيف ثوابه على الأجرين اللذين حصلا لهم ، والله أعلم .
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ قد مضى البيان عن المنعوتين بهذا النعت, وأي أجناس الناس هم (81) .
غير أنَّا نذكر ما رُوي في ذلك عمن روي عنه في تأويله قولٌ: 289- فحدثنا ابن حُميد, قال: حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس، " والذين يؤمنون بما أنـزِل إليك وما أنـزل من قبلك ": أي يصدِّقونك &; 1-245 &; بما جئت به من الله جلّ وعز وما جاء به مَنْ قبلك من المرسلين, لا يفرِّقون بينهم، ولا يجْحَدون ما جاءوهم به من عند ربهم (82) .
290- حدثنا موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهَمْداني, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،" والذين يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ": هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب (83) .
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) قال أبو جعفر: أما الآخرةُ فإنها صفة للدار, كما قال جل ثناؤه وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [سورة العنكبوت: 64].
وإنما وصفت بذلك لمصيرها آخِرةً لأولى كانت قبلها، كما تقول للرجل: " أنعمتُ عليك مرَّة بعد أخرى، فلم تشكر لي الأولى ولا الآخرة "، وإنما صارت آخرة للأولى, لتقدُّم الأولى أمامها.
فكذلك الدارُ الآخرة، سُمِّيت آخرةً لتقدُّم الدار الأولى أمامها, فصارت التاليةُ لها آخرةً.
وقد يجوز أن تكون سُمِّيت آخرةً لتأخُّرها عن الخلق, كما سميت الدنيا " دنيا " لِدُنُوِّها من الخلق.
وأما الذي وصف الله جل ثناؤه به المؤمنين - بما أنـزل إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما أنـزل إلى من قبله من المرسلين - من إيقانهم به من أمر الآخرة, فهو إيقانهم بما كان المشركون به جاحدين: من البعث والنشور والثواب والعقاب والحساب والميزان, وغير ذلك مما أعد الله لخلقه يوم القيامة.
كما:- 291- حدثنا به محمد بن حميد, قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس، ( وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ): أي بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان, أي، لا هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما كان قبلك، ويكفرون بما جاءك من ربك (84) .
وهذا التأويل من ابن عباس قد صرح عن أن السورة من أولها - وإن كانت الآيات التي في أولها من نعت المؤمنين - تعريض من الله عز وجل بذم كفار أهل الكتاب، الذين زعموا أنهم - بما جاءت به رسل الله عز وجل الذين كانوا قبل محمد صلوات الله عليهم وعليه - مصدقون، وهم بمحمد صلى الله عليه مكذبون, ولما جاء به من التنـزيل جاحدون, ويدعون مع جحودهم ذلك أنهم مهتدون، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى.
فأكذب الله جل ثناؤه ذلك من قيلهم بقوله: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْـزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ .
وأخبر جل ثناؤه عباده: أن هذا الكتاب هدى لأهل الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، المصدقين بما أنـزل إليه وإلى من قبله من رسله من البينات والهدى - خاصة, دون من كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به, وادعى أنه مصدق بمن قبل محمد عليه الصلاة والسلام من الرسل وبما جاء به من الكتب.
ثم أكد جل ثناؤه أمر المؤمنين من العرب ومن أهل الكتاب المصدقين بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما أنـزل إليه وإلى من قبله من الرسل - بقوله: أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فأخبر أنهم هم أهل الهدى والفلاح خاصة دون غيرهم, وأن غيرهم هم أهل الضلال والخسار.
--------------- الهوامش : (81) انظر 237 - 241 .
(82) الخبر 289- ذكره ابن كثير 1 : 79 مع باقيه الآتي : 291 .
وذكره السيوطي 1 : 27 ، والشوكاني 1 : 25 بزيادة أخرى على الروايتين ، منسوبًا لابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم .
(83) الخبر 290- وهذا ذكره ابن كثير أيضًا ، لكن بالإشارة إليه دون سياقة لفظه .
وقلده الشوكاني .
وعلى الأصل المخطوط بعد هذا ما نصه سمع أحمد ومحمد والحسن ، بنو عبد الله بن أحمد الفرغاني جميعه .
سمع محمد بن محمد الطرسوسي والحسن بنو محمد بن عبدان ، والحسن بن إبراهيم الحناس جميعه .
والحمد لله كثيرًا .
(84) الخبر 291- هو تتمة الخبر السابق 289 وقد أشرنا إليه هناك .
قوله تعالى : والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنونقيل : المراد مؤمنو أهل الكتاب ، كعبد الله بن سلام وفيه نزلت ، ونزلت الأولى في مؤمني العرب .
وقيل : الآيتان جميعا في المؤمنين ، وعليه فإعراب ( الذين ) خفض على العطف ، ويصح أن يكون رفعا على الاستئناف أي وهم الذين .
ومن جعلها في صنفين فإعراب ( الذين ) رفع بالابتداء ، وخبره أولئك على هدى ويحتمل الخفض عطفا .قوله تعالى : بما أنزل إليك يعني القرآنوما أنزل من قبلك يعني الكتب السالفة ، بخلاف ما فعله اليهود والنصارى حسب ما أخبر الله عنهم في قوله : وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا الآية .
ويقال : لما نزلت هذه الآية : الذين يؤمنون بالغيب قالت اليهود والنصارى : نحن آمنا بالغيب ، فلما قال : ويقيمون الصلاة قالوا : نحن نقيم الصلاة ، فلما قال ومما رزقناهم ينفقون قالوا : نحن ننفق ونتصدق ، فلما قال : والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك نفروا من ذلك .
وفي حديث أبي ذر قال قلت : يا رسول الله كم كتابا أنزل الله ؟
قال : مائة كتاب وأربعة كتب أنزل الله على شيث خمسين صحيفة وعلى أخنوع ثلاثين صحيفة وعلى إبراهيم عشر صحائف وأنزل [ ص: 176 ] على موسى قبل التوراة عشر صحائف وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان .
الحديث أخرجه الحسين الآجري وأبو حاتم البستي .وهنا مسألة : إن قال قائل : كيف يمكن الإيمان بجميعها مع تنافي أحكامها ؟
قيل له فيه جوابان : أحدهما - أن الإيمان بأن جميعها نزل من عند الله ، وهو قول من أسقط التعبد بما تقدم من الشرائع .
الثاني - أن الإيمان بما لم ينسخ منها ، وهذا قول من أوجب التزام الشرائع المتقدمة ، على ما يأتي إن شاء الله تعالى .قوله تعالى : وبالآخرة هم يوقنون أي وبالبعث والنشر هم عالمون .
واليقين : العلم دون الشك ، يقال منه : يقنت الأمر ( بالكسر ) يقنا ، وأيقنت واستيقنت وتيقنت كله بمعنى ، وأنا على يقين منه .
وإنما صارت الياء واوا في قولك : موقن ، للضمة قبلها ، وإذا صغرته رددته إلى الأصل فقلت : مييقن والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها وكذلك الجمع .
وربما عبروا باليقين عن الظن ، ومنه قول علمائنا في اليمين اللغو : هو أن يحلف بالله على أمر يوقنه ثم يتبين له أنه خلاف ذلك فلا شيء عليه ، قال الشاعر :تحسب هواس وأيقن أنني بها مفتد من واحد لا أغامرهيقول : تشمم الأسد ناقتي ، يظن أنني مفتد بها منه ، وأستحمي نفسي فأتركها له ولا أقتحم المهالك بمقاتلته فأما الظن بمعنى اليقين فورد في التنزيل وهو في الشعر كثير ، وسيأتي .
والآخرة مشتقة من التأخر لتأخرها عنا وتأخرنا عنها ، كما أن الدنيا مشتقة من الدنو ، على ما يأتي .
ثم قال: { وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ } وهو القرآن والسنة، قال تعالى: { وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } فالمتقون يؤمنون بجميع ما جاء به الرسول, ولا يفرقون بين بعض ما أنزل إليه, فيؤمنون ببعضه, ولا يؤمنون ببعضه, إما بجحده أو تأويله, على غير مراد الله ورسوله, كما يفعل ذلك من يفعله من المبتدعة, الذين يؤولون النصوص الدالة على خلاف قولهم, بما حاصله عدم التصديق بمعناها, وإن صدقوا بلفظها, فلم يؤمنوا بها إيمانا حقيقيا.
وقوله: { وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } يشمل الإيمان بالكتب السابقة، ويتضمن الإيمان بالكتب الإيمان بالرسل وبما اشتملت عليه, خصوصا التوراة والإنجيل والزبور، وهذه خاصية المؤمنين يؤمنون بجميع الكتب السماوية وبجميع الرسل فلا يفرقون بين أحد منهم.
ثم قال: { وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } و " الآخرة " اسم لما يكون بعد الموت، وخصه [بالذكر] بعد العموم, لأن الإيمان باليوم الآخر, أحد أركان الإيمان؛ ولأنه أعظم باعث على الرغبة والرهبة والعمل، و" اليقين " هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك, الموجب للعمل.
قوله تعالى: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك}: يعني القرآن.
{وما أنزل من قبلك}: من التوراة والإنجيل وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ويترك أبو جعفر وابن كثير وقالون (وأبو عمرو) وأهل البصرة ويعقوب كل مدة تقع بين كل كلمتين.
والآخرون يمدونها.
وهذه الآية في المؤمنين من أهل الكتاب.
قوله تعالى: {وبالآخرة}: أي بالدار الآخرة سميت الدنيا دنيا لدنوها من الآخرة وسميت الآخرة آخرة لتأخرها وكونها بعد الدنيا.
{هم يوقنون}: أي يستيقنون أنها كائنة، من الإيقان: وهو العلم.
وقيل: الإيقان واليقين: علم عن استدلال.
ولذلك لا يسمى الله موقناً ولاعلمه يقيناً إذ ليس علمه عن استدلال.
«والذين يؤمنون بما أنزل إليك» أي القراَن «وما أنزل من قبلك» أي التوراة والإنجيل وغيرهما «وبالآخرة هم يوقنون» يعلمون.
والذين يُصَدِّقون بما أُنزل إليك أيها الرسول من القرآن، وبما أنزل إليك من الحكمة، وهي السنة، وبكل ما أُنزل مِن قبلك على الرسل من كتب، كالتوراة والإنجيل وغيرهما، ويُصَدِّقون بدار الحياة بعد الموت وما فيها من الحساب والجزاء، تصديقا بقلوبهم يظهر على ألسنتهم وجوارحهم وخص يوم الآخرة؛ لأن الإيمان به من أعظم البواعث على فعل الطاعات، واجتناب المحرمات، ومحاسبة النفس.
( والذين يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ )والمراد بقوله - تعالى - ( بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) القرآن الكريم ، وإنما عبر عنه بلفظ الماضى - وإن كان بعضه مترقباً - تغليباً للموجود على ما لم يوجد .
والمراد - بقوله - تعالى - ( وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ) الكتب الإلهية السابقة التي أنزلها الله على أنبيائه كموسى وعيسى وداود .
وهذا كقوله - تعالى - :( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ آمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ والكتاب الذي نَزَّلَ على رَسُولِهِ والكتاب الذي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ) والإيمان بما أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم يستلزم الإيمان برسالته ، ويستوجب العمل بما تضمنته شريعته .وإيجاب العمل بما تضمنه القرآن الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم باق على إطلاقه .
أما الكتب السماوية السابقة فيكفى الإيمان بأنها كانت وحياً وهداية ، وقد تضمن القرآن الكريم ما اشتملت عليه هذه الكتب من هدايات وأصبح بنزوله مهيمناً عليها ، قال - تعالى - :( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ) وصار من المحتم على كل عاقل أن يعمل بما جاء به القرآن من توجيهات .وقدم الإيمان بما أنزل عليه على الإيمان الذين من قبله - مع أن الترتيب يقتضى العكس - لأن إيمانهم بمن قبله لا قيمة له إلا إذا آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم .ولم يقل : ويؤمنون بما أنزل من قبلك بتكرير يؤمنون ، للإشعار بأن الإيمان به وبهم واحد ، لا تغاير فيه وإن تعدد متعلقه .ويرى بعض العلماء أن المراد من الآية الكريمة ، أهل الكتاب الذين آمنوا بالكتب السماوية التي نزلت قبل القرآن ، نم لما نزل القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعرفوا أنه الحق - آمنوا به أيضاً - ، فصار لهم أجران ، كما جاء في الحديث الشريف ، الذي ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين يوم القيامة : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي ، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه ، ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ، ثم أعتقها " .ثم وصف الله المتقين بوصف خامس فقال : ( وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ ) الآخرة تأنيث الآخر .وهذا اللفظ تارة يجيء وصفاً ليوم القيامة مع ذكر الموصوف ، كما في قوله - تعالى - ( وَلَلدَّارُ الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) وتارة بهذا المعنى ولكن بدون ذكر الموصوف ، كما في الآية التي معنا ، وكما في قوله - تعالى -( وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ) وسميت آخرة لأنها تأتي بعد الدنيا التي هي الدار الأولى .و ( يُوقِنُونَ ) من الإيقان وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع ، بحيث لا يطرأ عليه شك ، ولا تحوم حوله شبهة .
يقال يقن الماء إذا سكن وظهر ما تحته ، ويقال : يقنت - بالكسر - يقناً ، وأيقنت ، وتيقنت ، واستيقنت بمعنى واحد .والمعنى : وبالدار الآخرة وما فيها من بعث وحساب وثواب وعقاب هم يوقنون إيقاناً قطعياً ، لا أثر فيه للادعاءات الكاذبة ، والأوهام الباطلة .وفي إيراد " هم " قبل قوله " يوقنون " تعريض ، بغيرهم ، ممن كان اعتقادهم في أمر الآخرة غير مطابق للحقيقة أو غير بالغ مرتبة اليقين .ولا شك أن الإيمان باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب ، له أثر عظيم في فعل الخيرات ، واجتناب المنكرات ، لأن من أدرك أن هناك يوماً سيحاسب فيه على عمله ، فإنه من شأنه أن يسلك الطريق القويم الذي يكسبه رضي الله يوم يلقاه .قال أبو حيان : وذكر لفظة ( هُمْ ) في قوله : ( وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ ) ولم يذكرها في قوله : ( وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) لأن وصف إيقانهم بالآخرة أعلى من وصفهم بالإنفاق فاحتاج هذا إلى التوكيد ولم يحتج ذلك إلى تأكيد ولأنه لو ذكر ( هُمْ ) هناك لكان فيه قلق لفظى ، إذ يكون التركيب " ومما رزقناهم هم ينفقون " .ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الثمار التي ترتبت على تقواهم فقال :
اعلم أن قوله: ﴿ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب ﴾ عام يتناول كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، سواء كان قبل ذلك مؤمناً بموسى وعيسى عليهما السلام، أو ما كان مؤمناً بهما، ودلالة اللفظ العام على بعض ما دخل فيه التخصيص أضعف من دلالة اللفظ الخاص على ذلك البعض، لأن العام يحتمل التخصيص والخاص لا يحتمله فلما كانت هذه السورة مدنية، وقد شرف الله تعالى المسلمين بقوله: ﴿ ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ فذكر بعد ذلك أهل الكتاب الذين آمنوا بالرسول: كعبد الله بن سلام وأمثاله بقوله: ﴿ والذين يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ لأن في هذا التخصيص بالذكر مزيد تشريف لهم كما في قوله تعالى: ﴿ مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهَ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال ﴾ ثم تخصيص عبد الله بن سلام وأمثاله بهذا التشريف ترغيب لأمثاله في الدين، فهذا هو السبب في ذكر هذا الخاص بعد ذلك العام، ثم نقول.
أما قوله: ﴿ والذين يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: لا نزاع بين أصحابنا وبين المعتزلة في أن الإيمان إذا عدي بالباء فالمراد منه التصديق، فإذا قلنا فلان آمن بكذا، فالمراد أنه صدق به ولا يكون المراد أنه صام وصلى، فالمراد بالإيمان هاهنا التصديق بالأَتفاق لكن لابد معه من المعرفة لأن الإيمان هاهنا خرج مخرج المدح والمصدق مع الشك لا يأمن أن يكن كاذباً فهو إلى الذم أقرب.
المسألة الثانية: المراد من إنزال الوحي وكون القرآن منزلاً، ومنزلاً، ومنزولاً به، أن جبريل عليه السلام سمع في السماء كلام الله تعالى فنزل على الرسول به، وهذا كما يقال: نزلت رسالة الأمير من القصر، والرسالة لا تنزل لكن المستمع يسمع الرسالة من علو فينزل ويؤدي في سفل.
وقوله الأمير لا يفارق ذاته، ولكن السامع يسمع فينزل ويؤدي بلفظ نفسه، ويقال فلان ينقل الكلام إذا سمع في موضع وأداه في موضع آخر.
فإن قيل كيف سمع جبريل كلام الله تعالى، وكلامه ليس من الحروف والأصوات عندكم؟
قلنا يحتمل أن يخلق الله تعالى له سمعاً لكلامه ثم أقدره على عبارة يعبر بها عن ذلك الكلام القديم، ويجوز أن يكون الله خلق في اللوح المحفوظ كتابة بهذا النظم المخصوص فقرأه جبريل عليه السلام فحفظه، ويجوز أن يخلق الله أصواتاً مقطعة بهذا النظم المخصوص في جسم مخصوص فيتلفقه جبريل عليه السلام ويخلق له علماً ضرورياً بأنه هو العبارة المؤدية لمعنى ذلك الكلام القديم.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ والذين يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ هذا الإيمان واجب، لأنه قال في آخره: ﴿ وأولئك هُمُ المفلحون ﴾ فثبت أن من لم يكن له هذا الإيمان وجب أن لا يكون مفلحاً، وإذا ثبت أنه واجب وجب تحصيل العلم بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل التفصيل، لأن المرء لا يمكنه أن يقوم بما أوجبه الله عليه علماً وعملاً إلا إذا علمه على سبيل التفصيل، لأنه إن لم يعلمه كذلك امتنع عليه القيام به، إلا أن تحصيل هذا العلم واجب على سبيل الكفاية، فإن تحصيل العلم بالشرائع النازلة على محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل التفصيل غير واجب على العامة، وأما قوله: ﴿ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ فالمراد به ما أنزل على الأنبياء الذين كانوا قبل محمد، والإيمان به واجب على الجملة، لأن الله تعالى ما تعبدنا الآن به حتى يلزمنا معرفته على التفصيل، بل إن عرفنا شيئاً من تفاصيله فهناك يجب علينا الإيمان بتلك التفاصيل، وأما قوله: ﴿ وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: الآخرة صفة الدار الآخرة، وسميت بذلك لأنها متأخرة عن الدنيا وقيل للدنيا دنيا لأنها أدنى من الآخرة.
المسألة الثانية: اليقين هو العلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكاً فيه، فلذلك لا يقول القائل: تيقنت وجود نفسي، وتيقنت أن السماء فوقي لما أن العلم به غير مستدرك، ويقال ذلك في العلم الحادث بالأمور سواء كان ذلك العلم ضرورياً أو استدلالياً، فيقول القائل: تيقنت ما أردته بهذا الكلام وإن كان قد علم مراده بالاضطرار، ويقول تيقنت أن الإله واحد وإن كان قد علمه بالاكتساب؛ ولذلك لا يوصف الله تعالى بأنه يتيقن الأشياء.
المسألة الثالثة: أن الله تعالى مدحهم على كونهم متيقنين بالآخرة، ومعلوم أنه لا يمدح المرء بأن يتيقن وجود الآخرة فقط، بل لا يستحق المدح إلا إذا تيقن وجود الآخرة مع ما فيها من الحساب والسؤال وإدخال المؤمنين الجنة، والكافرين النار.
روى عنه عليه السلام أنه قال: «يا عجبا كل العجب من الشاك في الله وهو يرى خلقه، وعجباً ممن يعرف النشأة الأولى ثم ينكر النشأة الآخرة، وعجباً ممن ينكر البعث والنشور وهو في كل يوم وليلة يموت ويحيا- يعني النوم واليقظة- وعجباً ممن يؤمن بالجنة وما فيها من النعيم ثم يسعى لدار الغرور، وعجباً من المتكبر الفخور وهو يعلم أن أوله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة».
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: ﴿ والذين يُؤْمِنُونَ ﴾ أهم غير الأوّلين أم هم الأوّلون؟
وإنما وسط العاطف كما يوسط بين الصفات في قولك هو الشجاع والجواد، وفي قوله: إلَى المَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهممِ ** وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ في المُزْدَحمْ وقوله: يَا لَهْفَ زَيَّابَةَ لِلْحَارِثِ الصَّا ** بِحِ فالغَانِم فَالآيِبِ قلت: يحتمل أن يراد بهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه من الذين آمنوا، فاشتمل إيمانهم على كل وحي أنزل من عند الله، وأيقنوا بالآخرة إيقاناً زال معه ما كانوا عليه من أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى وأنّ النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات، واجتماعهم على الإقرار بالنشأة الأخرى وإعادة الأرواح في الأجساد، ثم افتراقهم فرقتين: منهم من قال: تجري حالهم في التلذذ بالمطاعم والمشارب والمناكح على حسب مجراها في الدنيا؛ ودفعه آخرون فزعموا أن ذلك إنما احتيج إليه في هذه الدار من أجل نماء الأجسام ولمكان التوالد والتناسل، وأهل الجنة مستغنون عنه فلا يتلذذون إلا بالنسيم والأرواح العبقة والسماع اللذيد والفرح والسرور، واختلافهم في الدوام والانقطاع، فيكون المعطوف غير المعطوف عليه.
ويحتمل أن يراد وصف الأوّلين.
ووسط العاطف على معنى أنهم الجامعون بين تلك الصفات وهذه.
فإن قلت: فإن أريد بهؤلاء غير أولئك، فهل يدخلون في جملة المتقين أم لا؟.
قلت: إن عطفتهم على ﴿ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب ﴾ دخلوا وكانت صفة التقوى مشتملة على الزمرتين من مؤمني أهل الكتاب وغيرهم.
وإن عطفتهم على ﴿ المتقين ﴾ لم يدخلوا.
وكأنه قيل: هدى للمتقين، وهدى للذين يؤمنون بما أنزل إليك.
فإن قلت: قوله: ﴿ بِمَاأُنزِلََ إِلَيْكَ ﴾ إن عنى به القرآن بأسره والشريعة عن آخرها، فلم يكن ذلك منزلاً وقت إيمانهم، فكيف قيل أنزل بلفظ المضيّ؟
وإن أريد المقدار الذي سبق إنزاله وقت إيمانهم فهو إيمان ببعض المنزل واشتمال الإيمان على الجميع سالفه ومترقبه واجب.
قلت: المراد المنزل كله وإنما عبر عنه بلفظ المضيّ وإن كان بعضه مترقباً، تغليباً للموجود على ما لم يوجد، كما يغلب المتكلم على المخاطب، والمخاطب على الغائب فيقال: أنا وأنت فعلنا، وأنت وزيد تفعلان.
ولأنه إذا كان بعضه نازلاً وبعضه منتظر النزول جعل كأن كله قد نزل وانتهى نزوله، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا كتابا أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى ﴾ [الأحقاف: 30] ولم يسمعوا جميع الكتاب، ولا كان كله منزلاً، ولكن سبيله سبيل ما ذكرنا.
ونظيره قولك: كل ما خطب به فلان فهو فصيح، وما تكلم بشيء إلا وهو نادر.
ولا تريد بهذا الماضي منه فحسب دون الآتي، لكونه معقوداً بعضه ببعض، ومربوطاً آتيه بماضيه.
وقرأ يزيد بن قطيب ﴿ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ على لفظ ما سمي فاعله.
وفي تقديم ﴿ وبالاخرة ﴾ وبناء ﴿ يُوقِنُونَ ﴾ على ﴿ هُمْ ﴾ تعريض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته، وأنّ قولهم ليس بصادر عن إيقان، وأن اليقين ما عليه من آمن بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك.
والإيقان: إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه.
و ﴿ وبالاخرة ﴾ تأنيث الآخر الذي هو نقيض الأوّل، وهي صفة الدار بدليل قوله: ﴿ تِلْكَ الدار الأخرة ﴾ [القصص: 77] وهي من الصفات الغالبة، وكذلك الدنيا.
وعن نافع أنه خففها بأن حذف الهمزة وألقى حركتها على اللام، كقوله: ﴿ دَابَّةُ الأَرْضِ ﴾ [سبأ: 14] وقرأ أبو حية النميري ﴿ يؤقنون ﴾ بالهمز، جعل الضمة في جار الواو كأنها فيه، فقلبها قلب واو ﴿ وجوه ﴾ و ﴿ وقتت ﴾ .
ونحوه: لَحُبَّ المُؤْقِدَانِ إِلَيَّ مُؤْسَى ** وَجَعدَةُ إذْ أَضَاءَهُمَا الْوَقُودُ <div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأضْرابِهِ، مَعْطُوفُونَ عَلى ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ﴾ ، داخِلُونَ مَعَهم في جُمْلَةِ المُتَّقِينَ دُخُولَ أخَصَّيْنِ تَحْتَ أعَمَّ، إذِ المُرادُ بِأُولَئِكَ الَّذِينَ آمَنُوا عَنْ شِرْكٍ وإنْكارٍ، وبِهَؤُلاءِ مُقابِلُوهم فَكانَتِ الآيَتانِ تَفْصِيلًا لِلْمُتَّقِينَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
أوْ عَلى المُتَّقِينَ وكَأنَّهُ قالَ ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ عَنِ الشِّرْكِ، والَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ المِلَلِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِمُ الأوَّلُونَ بِأعْيانِهِمْ، ووُسِّطَ العاطِفُ كَما وُسِّطَ في قَوْلِهِ: إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ...
ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ وَقَوْلِهِ: يا لَهْفَ ذُؤابَةَ لِلْحارِثِ الصَّ...
∗∗∗ ائِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ عَلى مَعْنى أنَّهُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ بِما يُدْرِكُهُ العَقْلُ جُمْلَةً والإتْيانُ بِما يُصَدِّقُهُ مِنَ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ وبَيْنَ الإيمانِ بِما لا طَرِيقَ إلَيْهِ عَبْرَ السَّمْعِ.
وكَرَّرَ المَوْصُولَ تَنْبِيهًا عَلى تَغايُرِ القَبِيلَيْنِ وتَبايُنِ السَّبِيلَيْنِ.
أوْ طائِفَةٌ مِنهم وهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، ذَكَرَهم مُخَصَّصِينَ عَنِ الجُمْلَةِ كَذِكْرِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ بَعْدَ المَلائِكَةِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ وتَرْغِيبًا لِأمْثالِهِمْ.
والإنْزالُ نَقْلُ الشَّيْءِ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ وهو إنَّما يُلْحِقُ المَعانِيَ بِتَوَسُّطِ لُحُوقِهِ الذَّواتِ الحامِلَةَ لَها، ولَعَلَّ نُزُولَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَلى الرُّسُلِ بِأنْ يَلْتَقِفَهُ المَلَكُ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَلَقُّفًا رَوْحانِيًّا، أوْ يَحْفَظَهُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَيَنْزِلَ بِهِ فَيُبَلِّغَهُ إلى الرَّسُولِ.
والمُرادُ ﴿ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ القُرْآنُ بِأسْرِهِ والشَّرِيعَةُ عَنْ آخِرِها، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الماضِي وإنْ كانَ بَعْضُهُ مُتَرَقَّبًا تَغْلِيبًا لِلْمَوْجُودِ عَلى ما لَمْ يُوجَدْ.
أوْ تَنْزِيلًا لِلْمُنْتَظَرِ مَنزِلَةَ الواقِعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى ﴾ .
فَإنَّ الجِنَّ لَمْ يَسْمَعُوا جَمِيعَهُ ولَمْ يَكُنِ الكِتابُ كُلُّهُ مُنَزَّلًا حِينَئِذٍ.
وبِما ﴿ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ وسائِرُ الكُتُبِ السّابِقَةِ، والإيمانُ بِها جُمْلَةً فَرْضُ عَيْنٍ، وبِالأوَّلِ دُونَ الثّانِي تَفْصِيلًا مِن حَيْثُ إنّا مُتَعَبِّدُونَ بِتَفاصِيلِهِ فَرْضٌ، ولَكِنْ عَلى الكِفايَةِ.
لِأنَّ وُجُوبَهُ عَلى كُلِّ أحَدٍ يُوجِبُ الحَرَجَ وفَسادَ المَعاشِ.
﴿ وَبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ ﴾ أيْ يُوقِنُونَ إيقانًا زالَ مَعَهُ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن أنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى، وأنَّ النّارَ لَنْ تَمَسَّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، واخْتِلافَهم في نَعِيمِ الجَنَّةِ: أهْوَ مِن جِنْسِ نَعِيمِ الدُّنْيا أوْ غَيْرِهِ؟
وفي دَوامِهِ وانْقِطاعِهِ، وفي تَقْدِيمِ الصِّلَةِ وبِناءِ يُوقِنُونَ عَلى هم تَعْرِيضٌ لِمَن عَداهم مِن أهْلِ الكِتابِ، وبِأنَّ اعْتِقادَهم في أمْرِ الآخِرَةِ غَيْرُ مُطابِقٍ ولا صادِرٍ عَنْ إيقانٍ.
واليَقِينُ: إتْقانُ العِلْمِ بِنَفْيِ الشَّكِّ والشُّبْهَةِ عَنْهُ نَظَرًا واسْتِدْلالًا، ولِذَلِكَ لا يُوصَفُ بِهِ عِلْمُ البارِئِ، ولا العُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ.
والآخِرَةُ تَأْنِيثُ الآخِرِ، صِفَةُ الدّارِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ ﴾ فَغَلَبَتْ كالدُّنْيا، وعَنْ نافِعٍ أنَّهُ خَفَّفَها بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ، وقُرِئَ « يُوقِنُونَ» بِقَلْبِ الواوِ هَمْزَةً لِضَمِّ ما قَبْلَها إجْراءً لَها مَجْرى المَضْمُومَةِ في وُجُوهٍ ووَقَتْتُ ونَظِيرُهُ: ؎ لِحُبِّ المُؤْقِدِ إنْ إلى مُؤْسى...
∗∗∗ وجَعْدَةُ إذْ أضاءَهُما الوَقُودُ <div class="verse-tafsir"
{والذين يُؤْمِنُونَ} هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه من الذين آمنوا بكل وحي أنزل من عند الله وأيقنوا بالآخرة إيقاناً زال معه ما كانوا عليه ن أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات ثم إن عطفتهم على الذين يؤمنون بالغيب دخلوا في جملة المتقين وإن عطفتهم على المتقين لم يدخلوا فكأنه قيل هدى للمتقين وهدى للذين يؤمنون بما أنزل إليك أو المارد به وصف الأولين ووسط العاطف كما يوسط بين الصفات في قولك هو الشجاع والجواد وقوله ...
إلى الملك القرم وابن الهمام ...
وليث الكتيبة في المزدحم ...
والمعنى أنهم الجامعون بين تلك الصفات وهذه {بِمَا أُنزَلَ إِلَيْكَ} يعني القرآن والمراد جميع القرآن لا القدر الذي سبق إنزاله وقت إيمانهم لأن الإيمان بالجميع واجب وإنما عبر عنه بلفظ
البقرة (٤ _ ٦)
الماضي وان كان بعضه مترقبا تغليبا على ما لم يوجد ولأنه إذا كان بعضه نازلاً وبعضه منتظر النزول
جعل كأن كله قد نزل {وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} يعنى سائر الكتب المنزلة على النبيين {وبالآخرة} وهي تأنيث الآخر الذي هو ضد الأول وهي صفة والموصوف محذوف وهو الدار بدليل قوله تلك الدار الآخرة وهي من الصفات الغالبة وكذلك الدنيا وعن نافع أنه خففها بأن حذف الهمزة وألقى حركتها على اللام {هُمْ يُوقِنُونَ} الإيقان إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه
﴿ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ مَفْصُولًا ومَوْصُولًا، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أُنَّهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وحَيْثُ إنَّ المُتَبادِرَ مِنَ العَطْفِ أنَّ الإيمانَ بِكُلٍّ مِنَ المُنَزَّلَيْنِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِقْلالِ اخْتَصَّ ذَلِكَ بِهِمْ، لِأنَّ إيمانَ غَيْرِهِمْ بِما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ إنَّما هو عَلى طَرِيقِ الإجْمالِ والتَّبَعِ لِلْإيمانِ بِالقُرْآنِ، لا سِيَّما في مَقامِ المَدْحِ، وقَدْ دَلَّتِ الآياتُ والأحادِيثُ عَلى أنَّ لِأهْلِ الكِتابِ أجْرَيْنِ بِواسِطَةِ ذَلِكَ، وبِهَذا غايَرُوا مَن قَبْلَهُمْ، وقِيلَ: التَّغايُرُ بِاعْتِبارِ أنَّ الإيمانَ الأوَّلَ بِالعَقْلِ، وهَذا بِالنَّقْلِ، أوْ بِأنَّ ذاكَ بِالغَيْبِ، وهَذا بِما عَرَفُوهُ، كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ، فَأُولَئِكَ عَلى هُدًى حِينَئِذٍ إشارَةً إلى الطّائِفَةِ الأُولى، لِأنَّ إيمانَهم بِمَحْضِ الهِدايَةِ الرَّبّانِيَّةِ، ﴿ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ إشارَةً إلى الثّانِيَةِ لِفَوْزِهِمْ بِما كانُوا يَنْتَظِرُونَهُ، أوْ بِأنَّ أُولَئِكَ مِن حَيْثُ المَجْمُوعُ كانَ فِيهِمْ شِرْكٌ، وهَؤُلاءِ لَمْ يُشْرِكُوا، ولَمْ يُنْكِرُوا، وقِيلَ التَّغايُرُ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ، مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ ﴾ والتَّخْصِيصُ هُنا بَعْدَ التَّعْمِيمِ لِلْإشارَةِ إلى الأفْضَلِيَّةِ مِن حَيْثِيَّةِ إنَّهم يُعْطَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ، وقَدْ يُوجَدُ في المَفْضُولِ ما لَيْسَ في الفاضِلِ، وفي ذَلِكَ تَرْغِيبُ أهْلِ الكِتابِ في الدُّخُولِ في الإسْلامِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ هَؤُلاءِ الأوَّلُونَ بِأعْيانِهِمْ، وتَوْسِيطُ العَطْفِ جارٍ في الأسْماءِ والصِّفاتِ بِاعْتِبارِ تَغايُرِ المَفْهُوماتِ، ويَكُونُ بِالواوِ، والفاءِ، وثُمَّ بِاعْتِبارِ تَعاقُبِ الِانْتِقالِ في الأحْوالِ، والجَمْعُ المُسْتَفادُ مِنَ الواوِ هُنا واقِعٌ بَيْنَ مَعانِي الصِّفاتِ المَفْهُومَةِ مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ، والإيمانُ الَّذِي مَعَ أوَّلِهِما إجْمالِيٌّ وعَقْلِيٌّ، ومَعَ ثانِيها تَفْصِيلِيٌّ ونَقْلِيٌّ، وإعادَةُ المَوْصُولِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَغايُرِ القَبِيلَتَيْنِ، وتَبايُنِ السَّبِيلَيْنِ، وقَدْ يُعْطَفُ عَلى المُتَّقِينَ، والمَوْصُولُ غَيْرُ مَفْصُولٍ، لِما يَلْزَمُ عَلى الوَصْلِ الفَصْلُ بِأجْنَبِيٍّ بَيْنَ المُبْتَدَإ وخَبَرِهِ، والمَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والتَّغايُرُ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مَن آمَنَ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِأهْلِ كِتابٍ، وبِالمَعْطُوفِ مَن آمَنَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ رَجَّحَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ احْتِمالَ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ هُمُ الأوَّلُونَ، وتَوَسُّطُ الواوِ بَيْنَ الصِّفاتِ بِأنَّ الإيمانَ بِالمُنَزَّلَيْنِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ قاطِبَةً، فَلا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، والإفْرادُ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ بِكُلِّ بِطَرِيقِ الِاسْتِقْلالِ فَقَدْ أفْرَدَ الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ ﴾ ولَمْ يَقْتَضِ الإيمانُ بِها عَلى الِانْفِرادِ، وبِأنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ بِجَمِيعِ ما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ، لِأنَّ اليَهُودَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالإنْجِيلِ، ودِينُهم مَنسُوخٌ بِهِ، وبِأنَّ الصِّفاتِ السّابِقَةَ ثابِتَةٌ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ، فالتَّخْصِيصُ بِمَن عَداهم تَحَكُّمٌ، وجَعْلُ الكَلامِ مِن قَبِيلِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لا يُلائِمُ المَقامَ.
وأُجِيبُ، أمّا أوَّلًا، فَبِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ السِّياقِ الإيمانُ بِالِاسْتِقْلالِ لا سِيَّما في مَقامِ المَدْحِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ ما جاءَ أنَّهم يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ، والخِطابُ في الآيَةِ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنْ يَقُولُوا دُفْعَةً، ولَمْ يَعُدْ فِيها الإيمانُ والمُؤْمِنُ فَلا تُرَدُّ نَقْضًا، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ إيمانَ أهْلِ الكِتابِ بِكُلِّ وحْيٍ إنَّما هو بِالنَّظَرِ إلى جَمِيعِهِمْ، فاليَهُودُ اشْتَمَلَ إيمانُهم عَلى القُرْآنِ، والتَّوْراةِ، والنَّصارى اشْتَمَلَ إيمانُهم عَلى الإنْجِيلِ أيْضًا، ويَكْفِي هَذا في تَوْجِيهِ المَرْوِيِّ عَمَّنْ شاهَدُوا نُزُولَ الوَحْيِ، ولا يُرْغَبُ عَنْهُ إذا أمْكَنَ تَوْجِيهُهُ، وكَوْنُ المَفْهُومِ المُتَبادِرِ ثُبُوتُ الحُكْمِ لِكُلِّ واحِدٍ إنْ سُلِّمَ لا يَرُدُّهُ، ولا يَرُدُّ أنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَهْدِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يُؤْمِنُوا قَبْلَ ذَلِكَ بِالتَّوْراةِ، وإلّا لَتَنَصَّرُوا لِأنَّ فِيها نُبُوَّةَ عِيسى، كَما فِيها نُبُوَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، إذْ قَدْ ورَدَ فِيها: إنَّ اللَّهَ جاءَ مِن طُورِ سَيْناءَ، وظَهَرَ بِساعِيرَ، وعَلَنَ بِفارانَ، وساعِيرُ بَيْتُ المَقْدِسِ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ عِيسى، وفارانُ جِبالُ مَكَّةَ الَّتِي كانَتْ مَظْهَرَ المُصْطَفى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِأنّا نَقُولُ: إنَّهم آمَنُوا بِالتَّوْراةِ، وتَأوَّلُوا ما دَلَّ مِنها عَلى نُبُوَّةِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَبَعْضٌ أنْكَرَ نُبُوَّتَهُ رَأْسًا، ورَمَوْهُ بِما رَمَوْهُ، وحاشاهُ، وهُمُ الكَثِيرُونَ، وبَعْضٌ كالعِنانِيَّةِ قالُوا: إنَّهُ مِن أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى المُخْلِصِينَ العارِفِينَ بِأحْكامِ التَّوْراةِ، ولَيْسَ بِنَبِيٍّ، وهَؤُلاءِ قَلِيلُونَ مُخالِفُونَ لِسائِرِ اليَهُودِ في السَّبْتِ والأعْيادِ، ويَقْتَصِرُونَ عَلى أكْلِ الطَّيْرِ، والظِّباءِ، والسَّمَكِ، والجَرادِ، وهَذا الإيمانُ وإنْ لَمْ يَكُنْ نافِعًا في النَّجاةِ مِنَ النّارِ، إلّا أنَّهُ يُقَلِّلُ الشَّرَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُفْرِ بِالتَّوْراةِ وإنْكارِها بِالكُلِّيَّةِ مَعَ الكُفْرِ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُبَّما يُمْدَحُونَ بِالنَّظَرِ إلى أصْلِ الإيمانِ بِها، وإنْ ذُمُّوا بِحَيْثِيَّةٍ أُخْرى، وكَأنَّهُ لِهَذا يُكْتَفى مِنهم بِالجِزْيَةِ، ولَمْ يَكُونُوا طُعْمَةً لِلسُّيُوفِ مُطْلَقًا، والقَوْلُ بِأنَّهم مُدِحُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ بِالإيمانِ بِالتَّوْراةِ نَظَرًا إلى أسْلافِهِمُ الَّذِينَ كانُوا عَلى عَهْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهم مُؤْمِنُونَ بِها إيمانًا صَحِيحًا عَلى وجْهِها، كَما أنَّهم ذُمُّوا بِما صَنَعَ آباؤُهم عَلى عَهْدِهِ عَلى ما يَنْطِقُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الآياتِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ لا مَعْنى لِإيتائِهِمْ أجْرَيْنِ حِينَئِذٍ، والفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ واضِحٌ، ثُمَّ النَّسْخُ الَّذِي ادَّعاهُ المُرَجِّحُ خِلافُ ما ذَكَرَهُ الشَّهْرَسْتانِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّ الإنْجِيلَ لَمْ يُبَيِّنْ أحْكامًا، ولا اسَتَبْطَنَ حَلالًا وحَرامًا، ولَكِنَّهُ رُمُوزٌ وأمْثالٌ ومَواعِظُ، والأحْكامُ مُحالَةٌ إلى التَّوْراةِ، وقَدْ قالَ المَسِيحُ: ما جِئْتُ لِأُبْطِلَ التَّوْراةَ بَلْ جِئْتُ لِأُكْمِلَها، وهَذا خِلافُ ما تَقْتَضِيهِ الظَّواهِرُ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقَهُ، وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّ ثُبُوتَ الصِّفاتِ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ لا يَضُرُّنا، لِأنَّها مَذْكُورَةٌ في الأوَّلِ صَرِيحًا، وفي الثّانِي التِزامًا، وأمّا رابِعًا فَلِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ ذَلِكَ العَطْفَ لا يُلائِمُ المَقامَ، فَنِكاتُ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لا تَخْفى كَثْرَتُها عَلى ذَوِي الأفْهامِ، فَدَعْ ما مَرَّ، وخُذْ ما حَلا، وعِنْدِي بَعْدَ هَذا كُلِّهِ أنَّ الِاعْتِراضَ ذَكَرٌ والجَوابُ أُنْثى، لَكِنَّ الرِّوايَةَ دَعَتْ إلى ذَلِكَ، ولَعَلَّ أهْلَ مَكَّةَ أدْرى بِشِعابِها، وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، عَلى أنَّ الدِّرايَةَ قَدْ تُساعِدُهُ كَما قِيلَ، بِناءً عَلى أنَّ إعادَةَ المَوْصُولِ وتَوْصِيفِهِ بِالإيمانِ بِالمُنَزَّلَيْنِ مَعَ اشْتِراكِهِ بَيْنَ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، واشْتِمالِ الإيمانِ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ عَلى الإيمانِ بِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يَسْتَدْعِي أنْ يُرادَ بِهِ مَن لَهم نَوْعُ اخْتِصاصٍ بِالصِّلَةِ، وهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، حَيْثُ كانُوا مُطالَبِينَ بِالإيمانِ بِالقُرْآنِ خُصُوصًا، قالَ تَعالى: ﴿ وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ ﴾ مُؤْمِنِينَ بِالكُتُبِ اسْتِقْلالًا في الجُمْلَةِ بِخِلافِ سائِرِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ المُتَبادِرُ مِن أهْلِ الكِتابِ أهْلُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وحَمْلُهُ عَلى أهْلِ الإنْجِيلِ خاصَّةً، وقَدْ آمَنَ مِنهم أرْبَعُونَ واثْنانِ وثَلاثُونَ جاءُوا مَعَ جَعْفَرٍ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةٌ مِنَ الشّامِ، لا تُساعِدُهُ رِوايَةٌ ولا دِرايَةٌ كَما لا يَخْفى، والإنْزالُ الإيصالُ والإبْلاغُ، ولا يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ مِن أعْلى خِلافًا لِمَنِ ادَّعاهُ نَحْوَ ﴿ فَإذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ ﴾ أيْ وصَلَ وحَلَّ، وإنْزالُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ قَدْ مَرَّ في المُقَدِّماتِ ما يُطْلِعُكَ إلى مَعارِجِهِ، وذُكِرَ أنَّ مَعْنى إنْزالِ القُرْآنِ أنَّ جِبْرِيلَ سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ تَعالى كَيْفَ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَنَزَلَ بِهِ، أوْ أظْهَرَهُ في اللَّوْحِ كِتابَةً فَحَفِظَهُ المَلَكُ، وذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إلى أنَّهُ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي نَجْزِمُ بِهِ مِن غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ كَيْفِيَّتِهِ، وقالَ الحُكَماءُ: إنَّ نُفُوسَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قُدْسِيَّةٌ، فَتَقْوى عَلى الِاتِّصالِ بِالمَلَإ الأعْلى، فَيَنْتَقِشُ فِيها مِنَ الصُّوَرِ ما يَنْتَقِلُ إلى القُوَّةِ المُتَخَيَّلَةِ والحِسِّ المُشْتَرَكِ، فَيَرى كالمُشاهِدِ، وهو الوَحْيُ، ورُبَّما يَعْلُو فَيَسْمَعُ كَلامًا مَنظُومًا، ويُشْبِهُ أنَّ نُزُولَ الكُتُبِ مِن هَذا، وعِنْدِي أنَّ هَذا قَدْ يَكُونُ لِأرْبابِ النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ، والأرْواحِ الإنْسِيَّةِ، إلّا أنَّ أمْرَ النُّبُوَّةِ وراءُ، وأيْنَ الثُّرَيّا مِن يَدِ المُتَناوِلِ.
وفِعْلا الإنْزالِ مَبْنِيّانِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأهُما النَّخَعِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، ويَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ مَبْنِيَّيْنِ لِلْفاعِلِ، وقُرِئَ شاذًّا: (بِما أُنْزِلَّ إلَيْكَ) بِتَشْدِيدِ اللّامِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ أسْكَنَ لامَ (أُنْزِلَ)، ثُمَّ حَذَفَ هَمْزَةَ (إلى) ونَقَلَ كَسْرَتَها إلى اللّامِ، فالتَقى المِثْلانِ فَأُدْغِمَ، وضَمِيرُ الفاعِلِ قِيلَ: اللَّهُ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي البَحْرِ أنَّ فِيهِ التِفاتًا لِتَقَدُّمِ ”مِمّا رَزَقْناهم“ فَخَرَجَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، ولَوْ جَرى عَلى الأوَّلِ لَجاءَ: بِما أنْزَلْنا إلَيْكَ، وما أنْزَلْنا مِن قَبْلِكَ، وأتى سُبْحانَهُ بِصِلَةِ (ما) الأُولى فِعْلًا ماضِيًا، مَعَ أنَّ المُرادَ بِالمُنَزَّلِ جَمِيعُهُ لِاقْتِضاءِ السِّياقِ، والسِّباقِ لَهُ مِن تَرَتُّبِ الهُدى والفَلاحِ الكامِلَيْنِ عَلَيْهِ، ولِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ ما أُنْزِلَ قَبْلُ، ولِاقْتِضاءِ (يُؤْمِنُونَ) المُنْبِئِ عَنِ الِاسْتِمْرارِ، والجَمِيعُ لَمْ يَنْزِلْ وقْتَ تَنَزُّلِ الآيَةِ لِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ إنَّهُ تَغْلِيبٌ لِما وُجِدَ نُزُولُهُ عَلى ما لا يُوجَدُ، فَهو مِن قَبِيلِ إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ، والثّانِي تَشْبِيهُ جَمِيعِ المُنَزَّلِ بِشَيْءٍ نَزَلَ في تَحَقُّقِ الوُقُوعِ، لِأنَّ بَعْضَهُ نَزَلَ وبَعْضَهُ سَيَنْزِلُ قَطْعًا، فَيَصِيرُ إنْزالُ مَجْمُوعِهِ مُشَبَّهًا بِإنْزالِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي نَزَلَ، فَتُسْتَعارُ صِيغَةُ الماضِي مِن إنْزالِهِ لِإنْزالِ المَجْمُوعِ، هَذا ما حَقَّقَهُ مَن يُعْقَدُ عِنْدَ ذِكْرِهِمُ الخَناصِرُ، وفِيهِ دَغْدَغَةٌ كُبْرى، وأهْوَنُ مِنهُ أنَّ التَّعْبِيرَ بِالماضِي هُنا لِلْمُشاكَلَةِ لِوُقُوعِ غَيْرِ المُتَحَقِّقِ في صُحْبَةِ المُتَحَقِّقِ، وأهْوَنُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّ المُرادَ بِهِ حَقِيقَةُ الماضِي، ويَدُلُّ عَلى الإيمانِ بِالمُسْتَقْبَلِ بِدِلالَةِ النَّصِّ، وما قِيلَ مِن أنَّ الإيمانَ بِما سَيَنْزِلُ لَيْسَ بِواجِبٍ إلّا أنَّ حَمْلَهُ عَلى الجَمِيعِ أكْمَلُ، فَلِذا اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، لا وجْهَ لَهُ، إذْ لا شُبْهَةَ في أنَّهُ يَلْزَمُ المُؤْمِنَ أنْ يُؤْمِنَ بِما نَزَلَ، وبِأنَّ كُلَّ ما سَيَنْزِلُ حَقٌّ، وإنْ لَمْ يَجِبْ تَفْصِيلُهُ وتَعْيِينُهُ، وقَدْ ذَكَرَ العُلَماءُ أنَّ الإيمانَ إجْمالًا بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مُطْلَقًا فَرْضُ عَيْنٍ، وتَفْصِيلًا بِالقُرْآنِ المُتَعَبَّدِ بِتَفاصِيلِهِ فَرْضُ كِفايَةٍ، إذْ لَوْ كانَ فَرْضَ عَيْنٍ أدّى إلى الحَرَجِ والمَشَقَّةِ، والدِّينُ يُسْرٌ لا عُسْرٌ، وهَذا مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ، حَتّى قالَ الدَّوانِيُّ: يَجِبُ عَلى الكِفايَةِ تَفْصِيلُ الدَّلائِلِ الأُصُولِيَّةِ بِحَيْثُ يُتَمَكَّنُ مَعَهُ مِن إزالَةِ الشُّبَهِ، وإلْزامِ المُعانِدِينَ، وإرْشادِ المُسْتَرْشِدِينَ، وذَكَرَ الفُقَهاءُ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في كُلِّ حَدٍّ مِن مَسافَةِ القَصْرِ شَخْصٌ مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ويُسَمّى المَنصُوبَ لِلذَّبِّ، ويَحْرُمُ عَلى الإمامِ إخْلاؤُها مِن ذَلِكَ، كَما يَحْرُمُ إخْلاؤُها عَنِ العالِمِ بِالأحْكامِ الَّتِي يَحْتاجُ إلَيْها العامَّةُ، وقِيلَ: لا بُدَّ مِن شَخْصٍ كَذَلِكَ في كُلِّ إقْلِيمٍ، وقِيلَ: يَكْفِي وُجُودُهُ في جَمِيعِ البِلادِ المَعْمُورَةِ الإسْلامِيَّةِ، ولَعَلَّ هَذا التَّنَزُّلَ لِنُزُولِ الأمْرِ، وقِلَّةِ عُلَماءِ الدِّينِ في الدُّنْيا، بِهَذا العَصْرِ.
أمْسَتْ يَبابًا وأمْسى أهْلُها احْتَمَلُوا أخْنى عَلَيْها الَّذِي أخْنى عَلى لُبَدِ وإلى اللَّهِ تَعالى المُشْتَكى وإلَيْهِ المُلْتَجى إلى اللَّهِ أشْكُو إنَّ في القَلْبِ حاجَةً ∗∗∗ تَمُرُّ بِها الأيّامُ وهي كَما هَيا (والآخِرَةُ) تَأْنِيثُ الآخِرِ اسْمِ فاعِلٍ مِن أخَرَ الثُّلاثِيِّ بِمَعْنى تَأخَّرَ وإنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ، كَما أنَّ الآخَرَ بِفَتْحِ الخاءِ اسْمُ تَفْضِيلٍ مِنهُ، وهي صِفَةٌ في الأصْلِ كَما في الدّارِ الآخِرَةِ، ويُنْشِيءُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ، ثُمَّ غَلَبَتْ كالدُّنْيا، والوَصْفُ الغالِبُ قَدْ يُوصَفُ بِهِ دُونَ الِاسْمِ الغالِبِ، فَلا يُقالُ: قَيْدٌ أدْهَمُ، لِلُزُومِ التَّكْرارِ في المَفْهُومِ، وهو وإنْ كانَ مِنَ الدُّهْمَةِ إلّا أنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ مَن لا تَخْطُرُ بِبالِهِ أصْلًا، فافْهَمْ، وقَدْ تُضافُ الدّارُ لَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَدارُ الآخِرَةِ ﴾ أيْ دارُ الحَياةِ الآخِرَةِ، وقَدْ يُقابَلُ بِالأُولى، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ﴾ والمَعْنى هُنا الدّارُ الآخِرَةُ أوِ النَّشْأةُ الآخِرَةُ، والجُمْهُورُ عَلى تَسْكِينِ لامِ التَّعْرِيفِ، وإقْرارِ الهَمْزَةِ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَها لِلْقَطْعِ، ووَرْشٌ يَحْذِفُ، ويَنْقُلُ الحَرَكَةَ إلى اللّامِ، (والإيقانُ) التَّحَقُّقُ لِلشَّيْءِ كَسُكُونِهِ ووُضُوحِهِ، يُقالُ: يَقَنَ الماءُ إذا سَكَنَ وظَهَرَ ما تَحْتَهُ، وهو واليَقِينُ بِمَعْنًى خِلافًا لِمَن وهِمَ فِيهِ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: اليَقِينُ العِلْمُ وزَوالُ الشَّكِّ، يُقالُ مِنهُ: يَقِنْتُ بِالكَسْرِ يَقِينًا، وأيْقَنْتُ واسْتَيْقَنْتُ كُلُّها بِمَعْنًى، وذَهَبَ الواحِدِيُّ وجَماعَةٌ إلى أنَّهُ ما يَكُونُ عَنْ نَظَرٍ واسْتِدْلالٍ فَلا يُوصَفُ بِهِ البَدِيهِيُّ، ولا عِلْمُ اللَّهِ تَعالى.
وذَهَبَ الإمامُ النَّسَفِيُّ وبَعْضُ الأئِمَّةِ إلى أنَّهُ العِلْمُ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، وعَدَمُ وصْفِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهِ لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ العِلْمُ بِالشَّيْءِ بَعْدَ أنْ كانَ صاحِبُهُ شاكًّا فِيهِ، سَواءٌ كانَ ضَرُورِيًّا أوِ اسْتِدْلالِيًّا، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ اليَقِينَ مِن صِفَةِ العِلْمِ فَوْقَ المَعْرِفَةِ، والدِّرايَةِ، وأخَواتِها، يُقالُ: عِلْمُ يَقِينٍ، ولا يُقالُ: مَعْرِفَةُ يَقِينٍ، وهو سُكُونُ النَّفْسِ مَعَ ثَباتِ الحُكْمِ، وفي (الإحْياءِ)، والقَلْبُ إلَيْهِ يَمِيلُ، أنَّ اليَقِينَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ، الأوَّلُ عَدَمُ الشَّكِّ فَيُطْلَقُ عَلى كُلِّ ما لا شَكَّ فِيهِ، سَواءٌ حَصَلَ بِنَظَرٍ، أوْ حِسٍّ، أوْ غَرِيزَةِ عَقْلٍ، أوْ بِتَواتُرٍ، أوْ دَلِيلٍ، وهَذا لا يَتَفاوَتُ، الثّانِي وهو ما صَرَّحَ بِهِ الفُقَهاءُ والصُّوفِيَّةُ، وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، وهو ما لا يُنْظَرُ فِيهِ إلى التَّجْوِيزِ، والشَّكِّ بَلْ إلى غَلَبَتِهِ عَلى القَلْبِ حَتّى يُقالَ: فُلانٌ ضَعِيفُ اليَقِينِ بِالمَوْتِ، وقَوِيُّ اليَقِينِ بِإثْباتِ الرِّزْقِ، فَكُلُّ ما غَلَبَ عَلى القَلْبِ واسْتَوْلى عَلَيْهِ فَهو يَقِينٌ، وتَفاوُتُ هَذا ظاهِرٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُوقِنُونَ) بِواوٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الياءِ، وهي مُبْدَلَةٌ مِنها، لِأنَّهُ مِن أيْقَنَ، وقَرَأ النُّمَيْرِيُّ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَدَلَ الواوِ، وشاعَ عِنْدَهم أنَّ الواوَ إذا ضُمَّتْ ضَمَّةً غَيْرَ عارِضَةٍ كَما فُصِّلَ في العَرَبِيَّةِ يَجُوزُ إبْدالُها هَمْزَةً كَما قِيلَ في وُجُوهٍ جَمْعِ وجْهٍ أجُوهٌ، فَلَعَلَّ الإبْدالَ هُنا لِمُجاوَرَتِها لِلْمَضْمُومِ، فَأُعْطِيَتْ حُكْمَهُ، وقَدْ يُؤْخَذُ الجارُ بِظُلْمِ الجارِ، وغايَرَ سُبْحانَهُ بَيْنَ الإيمانِ بِالمُنَزَّلِ والإيمانِ بِالآخِرَةِ، فَلَمْ يَقُلْ: وبِالآخِرَةِ هم يُؤْمِنُونَ، دَفْعًا لِكُلْفَةِ التَّكْرارِ أوْ لِكَثْرَةِ غَرائِبِ مُتَعَلِّقاتِ الآخِرَةِ، وما أُعِدَّ فِيها مِنَ الثَّوابِ، والعِقابِ، وتَفْصِيلِ أنْواعِ التَّنْعِيمِ والتَّعْذِيبِ، ونَشْأةِ أصْحابِهِما عَلى خِلافِ النَّشْأةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، مَعَ إثْباتِ المَعادِ الجِسْمانِيِّ كَيْفَما كانَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو أغْرَبُ مِنَ الإيمانِ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ، حَتّى أنْكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، وخَلا عَنْ تَفاصِيلِهِ عَلى ما عِنْدَنا التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، فَلَيْسَ في الأوَّلِ عَلى ما في شَرْحِ الطَّوالِعِ ذِكْرُ المَعادِ الجِسْمانِيِّ، وإنَّما ذُكِرَ في كُتُبِ حِزْقِيلَ وأشْعِياءَ، والمَذْكُورُ في الإنْجِيلِ إنَّما هو المَعادُ الرُّوحانِيُّ، فَناسَبَ أنَّ يَقْرِنَ هَذا الأمْرَ المُهِمَّ الغَرِيبَ الَّذِي حارَتْ عُقُولُ الكَثِيرِينَ في إثْباتِهِ، وتَهافَتُوا عَلى إنْكارِهِ تَهافُتَ الفَراشِ عَلى النّارِ بِالإيقانِ، وهو هو إظْهارًا لِكَمالِ المَدْحِ وإبْداءً لِغايَةِ الثَّناءِ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ إيقانَهم مَقْصُورٌ عَلى حَقِيقَةِ الآخِرَةِ لا يَتَعَدّاها إلى خِلافِ حَقِيقَتِها مِمّا يَزْعُمُهُ اليَهُودُ مَثَلًا، حَيْثُ قالُوا: ﴿ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا ﴾ و ﴿ لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً ﴾ وزَعَمُوا أنَّهم يَتَلَذَّذُونَ بِالنَّسِيمِ، والأرْواحِ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الآخِرَةِ في شَيْءٍ، وفي بَناءِ (يُوقِنُونَ) عَلى (هُمْ) إشارَةٌ إلى أنَّ اعْتِقادَ مُقابِلِيهِمْ في الآخِرَةِ جَهْلٌ مَحْضٌ وتَخْيِيلٌ فارِغٌ، ولَيْسُوا مِنَ اليَقِينِ في ظِلٍّ ولا فَيْءٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ أي يصدقون بالغيب.
والغيب: هو ما غاب عن العين، وهو محضر في القلب.
وإنما أراد به أصحاب رسول الله ومن تابعهم إلى يوم القيامة، أنهم يصدقون بغيب القرآن أنه من الله تعالى فيحلون حلاله، ويحرمون حرامه.
ويقال: يؤمنون بالغيب يعني بالله تعالى.
حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا الديبلي قال: حدّثنا أبو عبيد الله، قال: حدّثنا سفيان قال: حدثنا أصحابنا، عن الحارث بن قيس أنه قال لعبد الله بن مسعود- - نحتسب بكم يا أصحاب محمد ما سبقتمونا به من رؤية محمد وصحبته، فقال عبد الله بن مسعود: ونحن نحتسب لكم إيمانكم به ولم تروه، وإن أفضل الإيمان الإيمان بالغيب، ثم قرأ عبد الله الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وقد قيل: (يؤمنون بالغيب) يعني يصدقون بالبعث بعد الموت.
وقوله تعالى: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ، أي يديمون الصلاة، وقد قيل أيضاً: إِنَّ العبد يديم الصلاة وقد قيل: يحافظون على الصلوات الخمس بمواقيتها وركوعها وسجودها والتضرع بعدها.
وقد قيل: إن العبد إذا صلى صلاة تُقْبَلُ منه، خلق الله تعالى منها ملكاً يقوم ويصلي لله إلى يوم القيامة، وثوابه لصاحب الصلاة فهذا معنى قوله: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ.
وقوله عز وجل: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أي يتصدقون، قال الكلبي: وهو زكاة المال.
وروى أسباط، عن السدي، عن أصحابه قال: هي نفقة الرجل على أهله وهذا قبل نزول آية الزكاة.
ويقال: ينفقون أي يتصدقون صدقة التطوع.
ويقال: هي عليهم جميعا التطوع والفريضة.
<div class="verse-tafsir"
«البيت الّذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشّيطان» «١» .
ت: وعن ابن عبّاس قال: بينما جبريل قاعد عند النبيّ صلّى الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه، فقال له: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قطّ إلّا اليوم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبيّ قبلك فاتحة الكتاب، وخواتم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منها إلّا أعطيته» رواه مسلم، والنسائيّ «٢» ، والنقيض بالنون والقاف: هو الصوت انتهى من «السلاح» .
وعدد آي سورة البقرة مائتان، وخمس وثمانون آية، وقيل: وستّ وثمانون آية، وقيل: وسبع وثمانون.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)
قوله تعالى: الم: اختلف في الحروف التي في أوائل السور على قولين «٣» فقال
الشَّعْبِيُّ، وسفيانُ الثوريُّ، وجماعةٌ من المحدِّثين: هي سر اللَّه في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد اللَّه بعلمه، ولا يجب أن يُتكلَّم فيها، ولكن يؤمن بها، وتُمَرُّ كما جاءت «١» ، وقال الجمهور من العلماء، بل يجب أن يُتكلَّم فيها، وتلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرَّج عليها، واختلفوا في ذلك على اثنَيْ عَشَرَ قولاً.
فقال عليٌّ، وابن عَبَّاس رضي اللَّه عنهما: الحروف المقطَّعة في القرآن: هي اسم اللَّه الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه منها «٢» .
وقال ابن عبَّاس أيضًا: هي أسماء اللَّه أقسم بها «٣» ، وقال أيضًا: هي حروف تدلُّ على: أَنَا اللَّهُ أعلم، أنا الله أرى «٤» ، وقال قوم:
هي حسابُ أَبِي جَاد «١» لتدلَّ على مدَّة ملّة محمّد صلّى الله عليه وسلم كما ورد في حديث حُيَيِّ بن أَخْطب «٢» ، وهو قول أبي العالية وغيره «٣» .
ت: وإِليه مال السُّهَيْلِيُّ «٤» في «الرَّوْضِ الأُنُفِ» ، فانظره.
قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ: الاسمُ من «ذَلِكَ» : الذال، والألف، واللام لبعد المشار إليه، والكاف للخطاب.
واختلف في «ذَلِكَ» هنا فقيل: هو بمعنى «هَذَا» ، وتكون الإشارة إلى هذه الحروف من القرآن، وذلك أنه قد يشار بذلك إلى حاضرٍ تعلَّق به بعضُ غَيْبَةٍ، وقيل: هو على بابه، إِشارةً إِلى غائب.
واختلفوا في ذلك الغائب فقيل: ما قد كان نزل من القرآن، وقيل غير ذلك انظره.
ولا رَيْبَ فِيهِ: معناه: لا شكّ فيه، وهُدىً: معناه إِرشادٌ وبيانٌ، وقوله:
لِلْمُتَّقِينَ: اللفظ مأخوذ من «وقى» ، والمعنى: الذين يَتَّقُونَ اللَّه تعالى بامتثال أوامره، واجتناب معاصيه، كان ذلك وقايةً بينهم وبين عذابه.
قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.
يُؤْمِنُونَ: معناه يُصَدِّقون، وقوله: بِالْغَيْبِ قالت طائفةٌ: معناه: يُصَدِّقون، إِذا غَابُوا وَخَلَوْا، لا كالمنافقين الَّذين يؤمنون إذَا حضروا، ويكْفُرُونَ إِذا غابوا، وقال آخرون: معناه:
يصدِّقون بما غاب عنهم مما أخبرتْ به الشرائعُ، وقوله: يُقِيمُونَ الصَّلاةَ معناه:
يظهرونها ويثبتونها كما يقال: أُقِيمَتِ السُّوقُ.
ت: وقال أبو عبد اللَّه النَّحْوِيُّ في اختصاره لتفسيرِ الطَّبَرِيِّ: إِقامة الصلاة إتمام الركوع، والسجود، والتلاوة، والخشوع، والإِقبال عليها.
انتهى.
قال ص «١» : يقيمون الصلاةَ من التقويمِ ومنه: أَقَمْتُ العُودَ، أو الإِْدَامَةِ ومنه: قامتِ السُّوقُ، أو التشميرِ والنهوضِ ومنه: قام بالأمر.
انتهى.
وقوله تعالى/: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ: الرزْقُ «٢» عند أهل السنة ما صحّ الانتفاع ١٠ أ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في العَرَبِ الَّذِي آَمَنُوا بِالنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ، رَواهُ صالِحٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: [الَّذِي أُنْزِلُ إلَيْهِ، القُرْآَنُ.
وقالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: القُرْآَنُ ] وغَيْرُهُ مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ.
*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ يَعْنِي الكُتُبَ المُتَقَدِّمَةَ والوَحْيَ، فَأمّا "الآَخِرَةُ" فَهي اسْمٌ لِما بَعْدَ الدُّنْيا، وسُمِّيَتْ آَخِرَةٌ؛ لِأنَّ الدُّنْيا قَدْ تَقَدَّمَتْها.
وقِيلَ: سُمِّيَتْ آَخِرَةٌ لِأنَّها نِهايَةُ الأمْرِ.
*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُوقِنُونَ ﴾ اليَقِينُ: ما حَصَلَتْ بِهِ الثِّقَةُ، وثَلَجَ بِهِ الصَّدْرُ، وهو أبْلَغُ عِلْمٍ مُكْتَسَبٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ "يُؤْمِنُونَ" مَعْناهُ: يُصَدِّقُونَ، ويَتَعَدّى بِالباءِ، وقَدْ يَتَعَدّى بِاللامِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ وكَما قالَ: ﴿ فَما آمَنَ لِمُوسى ﴾ ، وبَيْنَ التَعْدِيَتَيْنِ فَرْقٌ، وذَلِكَ أنَّ التَعْدِيَةَ بِاللامِ في ضِمْنِها تَعَدٍّ بِالباءِ يُفْهَمُ مِنَ المَعْنى.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَمْزِ "يُؤْمِنُونَ": فَكانَ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ يَهْمِزُونَ "يُؤْمِنُونَ" وما أشْبَهَهُ مِثْلُ: يَأْكُلُونَ، ويَأْمُرُونَ، ويُؤْتُونَ وكَذَلِكَ مَعَ تَحَرُّكِ الهَمْزَةِ مِثْلُ: يُؤَخِّرُكُمْ، ويَؤُودُهُ، إلّا أنَّ حَمْزَةَ كانَ يَسْتَحِبُّ تَرْكَ الهَمْزِ إذا وقَفَ، والباقُونَ يَقِفُونَ بِالهَمْزِ، ورَوى ورْشٌ عن نافِعٍ تَرْكُ الهَمْزِ في جَمِيعِ ذَلِكَ.
وقَدْ رُوِيَ عن عاصِمٍ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَهْمِزُ الهَمْزَةَ الساكِنَةَ، وكانَ أبُو عَمْرٍو إذا أدْرَجَ القِراءَةَ، أو قَرَأ في الصَلاةِ لَمْ يَهْمِزْ كُلَّ هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، إلّا أنَّهُ كانَ يَهْمِزُ حُرُوفًا مِنَ السَواكِنِ بِأعْيانِها سَتَذْكُرُ في مَواضِعِها إنْ شاءَ اللهُ.
وإذا كانَ سُكُونُ الهَمْزَةِ عَلامَةً لِلْجَزْمِ لَمْ يَتْرُكْ هَمَزَها مِثْلُ: "نَنْسَأْها"، و"هَيِّئْ لَنا" وما أشْبَهَهُ.
وقَوْلُهُ "بِالغَيْبِ" قالَتْ طائِفَةٌ: مَعْناهُ يُصَدِّقُونَ إذا غابُوا وخَلَوْا، لا كالمُنافِقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ إذا حَضَرُوا، ويَكْفُرُونَ إذا غابُوا، وقالَ آخَرُونَ: يُصَدِّقُونَ بِما غابَ عنهم مِمّا أخْبَرَتْ بِهِ الشَرائِعُ.
واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في تَمْثِيلِ ذَلِكَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الغَيْبُ في هَذِهِ الآيَةِ هو اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ آخَرُونَ: القَضاءُ والقَدَرُ.
وقالَ آخَرُونَ: القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ الغُيُوبِ.
وقالَ آخَرُونَ: الحَشْرُ والصِراطُ والمِيزانُ والجَنَّةُ والنارُ.
وهَذِهِ الأقْوالُ لا تَتَعارَضُ، بَلْ يَقَعُ الغَيْبُ عَلى جَمِيعِها.
والغَيْبُ في اللُغَةِ: ما غابَ عنكَ مِن أمْرٍ، ومِن مُطْمَئِنِّ الأرْضِ الَّذِي يَغِيبُ فِيهِ داخِلُهُ.
وَقَوْلُهُ: "يُقِيمُونَ" مَعْناهُ: يُظْهِرُونَها ويُثْبِتُونَها كَما يُقالُ: أُقِيمَتِ السُوقُ.
وهَذا تَشْبِيهٌ بِالقِيامِ مِن حالَةِ خَفاءِ قُعُودٍ أو غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وإذا يُقالُ: أتَيْتُمْ لَمْ يَبْرَحُوا حَتّى تُقِيمَ الخَيْلُ سُوقَ طِعانِ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أقَمْنا لِأهْلِ العِراقَيْنِ سُوقَ الـ ∗∗∗ ـضِّرابِ فَخاسُوا ووَلَّوْا جَمِيعًا وأصْلُ "يُقِيمُونَ" يَقُومُونَ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى القافِ فانْقَلَبَتْ ياءً لِكَوْنِ الكَسْرَةِ قَبْلَها.
و"الصَلاةَ" مَأْخُوذَةٌ مِن صَلّى يُصَلِّي إذا دَعا.
كَما قالَ الشاعِرُ: عَلَيْكَ مِثْلَ الَّذِي صَلَّيْتَ فاغْتَمِضِي ∗∗∗ نَوْمًا، فَإنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعًا ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: لَها حارِسٌ لا يَبْرَحُ الدَهْرُ بَيْتَها ∗∗∗ وإنْ ذُبِحَتْ صَلّى عَلَيْها وزَمْزَما فَلَمّا كانَتِ الصَلاةُ في الشَرْعِ دُعاءً انْضافَ إلَيْهِ هَيْآتُ وقِراءَةُ سُمِّيَ جَمِيعُ ذَلِكَ بِاسْمِ الدُعاءِ، وقالَ قَوْمٌ: هي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الصَلا وهو عَرَقٌ وسَطَ الظَهْرِ ويَفْتَرِقُ عِنْدَ العَجَبِ فَيَكْتَنِفُهُ، ومِنهُ أخَذَ المُصَلِّي في سَبْقِ الخَيْلِ لِأنَّهُ يَأْتِي مَعَ صَلْوَيِ السابِقِ، فاشْتُقَّتِ الصَلاةُ مِنهُ، إمّا لِأنَّها جاءَتْ ثانِيَةً لِلْإيمانِ فَشُبِّهَتْ بِالمُصَلِّي مِنَ الخَيْلِ، وإمّا لِأنَّ الراكِعَ والساجِدَ يَنْثَنِي صَلَواهُ.
والقَوْلُ إنَّها مِنَ الدُعاءِ أحْسَنُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ كُتِبَتْ "مِمّا" مُتَّصِلَةٌ، و"ما" بِمَعْنى الَّذِي فَحَقُّها أنْ تَكُونَ مُنْفَصِلَةً، إلّا أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ كَشَيْءٍ واحِدٍ، وأيْضًا فَلَمّا خَفِيَتْ نُونُ "مِن" في اللَفْظِ حُذِفَتْ في الخَطِّ، و"الرِزْقِ" عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ.
ما صَحَّ الِانْتِفاعُ بِهِ حَلالًا كانَ أو حَرامًا، بِخِلافِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: إنَّ الحَرامَ لَيْسَ بِرِزْقٍ.
و"يُنْفِقُونَ" مَعْناهُ هُنا: يُؤْتُونَ ما ألْزَمَهُمُ الشَرْعُ مِن زَكاةٍ، وما نَدَبَهم إلَيْهِ مِن غَيْرِ ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "يُنْفِقُونَ" يُؤْتُونَ الزَكاةَ احْتِسابًا لَها.
قالَ غَيْرُهُ: الآيَةُ في النَفَقَةِ في الجِهادِ.
قالَ الضَحّاكُ: هي نَفَقَةٌ كانُوا يَتَقَرَّبُونَ بِها إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى قَدْرِ يُسْرِهِمْ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هي نَفَقَةُ الرَجُلِ عَلى أهْلِهِ.
والآيَةُ تَعُمُّ الجَمِيعَ، وهَذِهِ الأقْوالُ تَمْثِيلٌ لا خِلافَ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ [البقرة: 3] طائفة ثانية على الطائفة الأولى المعنية بقوله: ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ وهما معاً قسمان للمتقين، فإنه بعد أن أخبر أن القرآن هدى للمتقين الذين آمنوا بعد الشرك وهم العرب من أهل مكة وغيرهم ووصفهم بالذين يؤمنون بالغيب لأنهم لم يكونوا يؤمنون به حين كانوا مشركين، ذَكر فريقاً آخر من المتقين وهم الذين آمنوا بما أنزل من الكتب الإلهية قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ثم آمنوا بمحمد، وهؤلاء هم مؤمنو أهل الكتاب وهم يومئذٍ اليهود الذين كانوا كثيرين في المدينة وما حولها في قريظة والنضير وخيبر مثل عبد الله بن سلام، وبعضُ النصارى مثل صهيب الرومي ودِحية الكلبي، وهم وإن شاركوا مسلمي العرب في الاهتداء بالقرآن والإيمان بالغيب وإقامة الصلاة فإن ذلك كان من صفاتهم قبل مجيء الإسلام فذكرت لهم خصلة أخرى زائدة على ما وُصف به المسلمون الأوَّلون، فالمغايرة بين الفريقين هنا بالعموم والخصوص، ولما كان قصد تخصيصهم بالذكر يستلزم عطفهم وكان العطف بدون تنبيه على أنهم فريق آخر يوهم أن القرآن لا يهدي إلا الذين آمنوا بما أنزل من قبل لأن هذه خاتمة الصفات فهي مرادة فيظن أن الذين آمنوا عن شرك لا حظ لهم من هذا الثناء، وكيف وفيهم مِن خِيرة المؤمنين من الصحابة وهم أشد اتقاءً واهتداءً إذْ لم يكونوا أهل ترقب لبعثة رسول من قبل فاهتداؤهم نشأ عن توفيق رباني، دُفع هذا الإيهام بإعادة الموصول ليؤذِن بأن هؤلاء فريق آخر غير الفريق الذي أجريت عليهم الصفات الثلاث الأول، وبذلك تبين أن المراد بأهل الصفات الثلاث الأوَل هم الذين آمنوا بعد شرك لوجود المقابلة.
ويكون الموصُولاَننِ للعهد، وعلم أن الذين يؤمنون بما أنزل من قبل هم أيضاً ممن يؤمن بالغيب ويقيم الصلاة وينفق لأن ذلك مما أنزل إلى النبيء، وفي التعبير بالمضارع من قوله ﴿ يؤمنون بما أُنزل إليك ﴾ من إفادة التجدُّد مثل ما تقدم في نظائره لأن إيمانهم بالقرآن حدَثَ جديداً، وهذا كله تخصيص لهم بمزية يجب اعتبارها وإن كان التفاضل بعد ذلك بقوة الإيمان ورسوخه وشدة الاهتداء، فأبو بكر وعمر أفضل من دحيَة وعبد الله بن سلام.
والإنزالُ جعل الشيء نازلاً، والنزول الانتقال من علو إلى سُفل وهو حقيقة في انتقال الذوات من علو، ويطلق الإنزال ومادة اشتقاقه بوجه المجاز اللغوي على معان راجعة إلى تشبيه عمللٍ بالنزول لاعتبار شرففٍ ورفعةٍ معنوية كما في قوله تعالى: ﴿ قد أنزلنا عليكم لباساً ﴾ [الأعراف: 26] وقوله: ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ [الزمر: 6] لأن خلق الله وعطاءَه يُجعل كوصول الشيء من جهة عُليا لشرفه، وأما إطلاقه على بلوغ الوصف من الله إلى الأنبياء فهو إما مجاز عقلي بإسناد النزول إلى الوحي تبعاً لنزول المَلك مبلِّغه الذي يتصل بهذا العالَم نازلاً من العالم العلوي قال تعالى: ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك ﴾ [الشعراء: 194، 195] فإن المَلك ملابس للكلام المأمور بتبليغه، وإما مجاز لغوي بتشبيه المعاني التي تُلقى إلى النبيء بشيء وصل من مكان عاللٍ، ووجه الشبه هو الارتفاع المعنوي لا سيما إذا كان الوحي كلاماً سَمعه الرسول كالقرآن وكما أُنزل إلى موسى وكما وصفَ النبيء صلى الله عليه وسلم بعضَ أحوال الوحي في الحديث الصحيح بقوله: " وأحياناً يأتيني مثلَ صَلْصَلَة الجَرَس فيفصم عني وقد وَعيت ما قال " وأما رؤيا النوم كرؤيا إبراهيم فلا تسمَّى إنزالاً.
والمراد بما أنزل إلى النبيء صلى الله عليه وسلم المقدار الذي تحقق نزوله من القرآن قبل نزول هذه الآية فإن الثناء على المهتدين إنما يكون بأنهم حصل منهم إيمان بما نزل لا تَوقَّعُ إيمانهم بما سَينزل لأن ذلك لا يحتاج للذكر إذ من المعلوم أن الذي يؤمن بما أُنزل يستمر إيمانه بكل ما يَنزل على الرسول لأن العناد وعدم الاطمئنان إنما يكون في أول الأمر، فإذا زالا بالإيمان أَمِنوا من الارتداد وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.
فالإيمان بما سينزل في المستقبل حاصل بفحوى الخطاب وهي الدلالة الأخروية فإيمانهم بما سينزل مراد من الكلام وليس مدلولاً للفظ الذي هو للماضي فلا حاجة إلى دعوى تغليب الماضي على المستقبل في قوله تعالى: ﴿ بما أنزل ﴾ والمراد ما أنزل وما سينزل كما في «الكشاف».
وعدي الإنزال بإلى لتضمينه معنى الوصف فالمُنْزَل إليه غاية للنزول والأكثر والأصل أنه يُعدَّى بحرف على لأنه في معنى السقوط كقوله تعالى: ﴿ نزل عليك الكتاب بالحق ﴾ [آل عمران: 3] وإذا أريد أن الشيء استقر عند المنزل عليه وتمكن منه قال تعالى: ﴿ وأنزلنا عليكم المن والسلوى ﴾ [البقرة: 57] واختيار إحدى التعديتين تفنن في الكلام.
ثم إن فائدة الإتيان بالموصول هنا دون أن يقال: والذين يؤمنون بك من أهل الكتاب الدلالة بالصلة على أن هؤلاء كانوا آمنوا بما ثبت نزوله من الله على رسلهم دون تخليط بتحريفات صدت قومهم عن الدخول في الإسلام ككون التوراة لا تقبل النسخ وأنه يجئ في آخر الزمان من عقب إسرائيل من يخلص بني إسرائيل من الأَسر والعبودية ونحو ذلك من كل ما لم ينزل في الكتب السابقة، ولكنه من الموضوعات أو من فاسد التأويلات ففيه تعريض بغلاة اليهود والنصارى الذين صدهم غلوهم في دينهم وقولهم على الله غير الحق عن اتباع النبيء صلى الله عليه وسلم وقوله: ﴿ وبالآخرة هم يوقنون ﴾ عطف صفة ثانية وهي ثبوت إيمانهم بالآخرة أي اعتقادهم بحياة ثانية بعد هذه الحياة، وإنما خص هذا الوصف بالذكر عند الثناء عليهم من بين بقية أوصافهم لأنه مِلاَك التقوى والخشية التي جعلوا موصوفين بها لأن هذه الأوصاف كلها جارية على ما أجمله الوصف بالمتقين فإن اليقين بدار الثواب والعقاب هو الذي يوجب الحذر والفكرة فيما ينجي النفس من العقاب وينعمها بالثواب وذلك الذي ساقهم إلى الإيمان بالنبيء صلى الله عليه وسلم ولأن هذا الإيقان بالآخرة من مزايا أهل الكتاب من العرب في عهد الجاهلية فإن المشركين لا يوقنون بحياة ثانية فهم دُهريون، وأما ما يحكى عنهم من أنهم كانوا يربطون راحلة الميت عند قبره ويتركونها لا تأكل ولا تشرب حتى الموت ويزعمون أنه إذا حيي يركبها فلا يحشر راجلاً ويسمونها البَلِية فذلك تخليط بين مزاعم الشرك وما يتلقونه عن المتنصرين منهم بدون تأمل.
والآخرة في اصطلاح القرآن هي الحياة الآخرة فإن الآخرة صفة تأنيث الآخر بالمد وكسر الخاء وهو الحاصل المتأخر عن شيء قبله في فعل أو حال، وتأنيث وصف الآخرة منظور فيه إلى أن المراد إجراؤه على موصوف مؤنث اللفظ حُذف لكثرة استعماله وصيرورته معلوماً وهو يقدر بالحياة الآخرة مراعاة لضده وهو الحياة الدنيا أي القريبة بمعنى الحاضرة، ولذلك يقال لها العاجلة ثم صارت الآخرة علماً بالغلبة على الحياة الحاصلة بعد الموت وهي الحاصلة بعد البعث لإجراء الجزاء على الأعمال.
فمعنى: ﴿ وبالآخرة هم يوقنون ﴾ أنهم يؤمنون بالبعث والحياة بعد الموت.
واليقين هو العلم بالشيء عن نظر واستدلال أو بعد شك سابق ولا يكون شك إلا في أمر ذي نظر فيكون أخص من الإيمان ومن العلم.
واحتج الراغب لذلك بقوله تعالى: ﴿ لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ﴾ [التكاثر: 6، 7] ولذلك لا يطلقون الإيقان على علم الله ولا على العلوم الضرورية وقيل: هو العلم الذي لا يقبل الاحتمال وقد يطلق على الظن القوي إطلاقاً عرفياً حيث لا يخطر بالبال أنه ظن ويشتبه بالعلم الجازم فيكون مرادفاً للإيمان والعلم.
فالتعبير عن إيمانهم بالآخرة بمادة الإيقان لأن هاته المادة، تشعر بأنه علم حاصل عن تأمل وغوص الفكر في طريق الاستدلال لأن الآخرة لما كانت حياة غائبة عن المشاهدة غريبة بحسب المتعارف وقد كثرت الشبه التي جرت المشركين والدهريين على نفيها وإحالتها، كان الإيمان بها جديراً بمادة الإيقان بناء على أنه أخص من الإيمان، فلإيثَار ﴿ يوقنون ﴾ هنا خصوصية مناسبة لبلاغة القرآن، والذين جعلوا الإيقان والإيمان مترادفين جعلوا ذكر الإيقان هنا لمجرد التفنن تجنباً لإعادة لفظ ﴿ يؤمنون ﴾ بعد قوله: ﴿ والذين يؤمنون بما أنزل إليك ﴾ .
وفي قوله تعالى: ﴿ وبالآخرة هم يوقنون ﴾ تقديم للمجرور الذي هو معمول ﴿ يوقنون ﴾ على عامله، وهو تقديم لمجرد الاهتمام مع رعاية الفاصلة، وأرى أن في هذا التقديم ثناء على هؤلاء بأنهم أَيقنوا بأَهم ما يوقن به المؤمن فليس التقديم بمفيد حصراً إذ لا يستقيم معنى الحصر هنا بأن يكون المعنى أنهم يوقنون بالآخرة دون غيرها، وقد تكلف صاحب «الكشاف» وشارحوه لإفادة الحصر من هذا التقديم ويخرج الحصر عن تعلقه بذات المحصور فيه إلى تعلقه بأحواله وهذا غير معهود في الحصر.
وقوله: ﴿ هم يوقنون ﴾ جيء بالمسند إليه مقدماً على المسند الفعلي لإفادة تقوية الخبر إذ هو إيقان ثابت عندهم من قبل مجيء الإسلام على الإجمال، وإن كانت التوراة خالية عن تفصيله والإنجيل أشار إلى حياة الروح، وتعرض كتابا حزقيال وأشعياء لذكره وفي كلا التقديمين تعريض بالمشركين الدهريين ونداء على انحطاط عقيدتهم، وأما المتبعون للحنيفية في ظنهم مثل أمية بن أبي الصلت وزيد بن عمرو بن نُفيل فلم يلتفت إليهم لقلة عددهم أو لأنهم ملحقون بأهل الكتاب لأخذهم عنهم كثيراً من شرائعهم بعلة أنها من شريعة إبراهيم عليه السلام.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ وما بَعْدَها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، ﴿ وَما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ يَعْنِي بِهِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، وما تَقَدَّمَ مِن كُتُبِ الأنْبِياءِ، بِخِلافِ ما فَعَلَتْهُ اليَهُودُ والنَّصارى، في إيمانِهِمْ بِبَعْضِها دُونَ جَمِيعِها.
﴿ وَبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي الدّارَ الآخِرَةَ.
والثّانِي: يَعْنِي النَّشْأةَ الآخِرَةَ وفي تَسْمِيَتِها بِالدّارِ الآخِرَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِتَأخُّرِها عَنِ الدّارِ الأُولى.
والثّانِي: لِتَأخُّرِها عَنِ الخَلْقِ، كَما سُمِّيَتِ الدُّنْيا لِدُنُوِّها مِنَ الخَلْقِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ يُوقِنُونَ ﴾ أيْ يَعْلَمُونَ، فَسُمِّيَ العِلْمُ يَقِينًا لِوُقُوعِهِ عَنْ دَلِيلٍ صارَ بِهِ يَقِينًا .
<div class="verse-tafsir"
أخرج جرير عن قتادة ﴿ هدى للمتقين ﴾ قال: نعتهم ووصفهم بقوله: ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ الآية.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ الذين يؤمنون ﴾ قال: يصدقون ﴿ بالغيب ﴾ قال: بما جاء منه، يعني من الله.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ قال: هم المؤمنون من العرب قال: و ﴿ الإِيمان ﴾ التصديق و ﴿ الغيب ﴾ ما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار، وما ذكر الله في القرآن لم يكن تصديقهم بذلك من قبل أصحاب الكتاب، أو علم كان عندهم ﴿ يؤمنون بما أنزل إليك ﴾ هم المؤمنون من أهل الكتاب، ثم جمع الفريقين فقال: ﴿ أولئك على هدى ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ قال: بالله وملائكته، ورسله، واليوم الآخر، وجنته وناره، ولقائه، والحياة بعد الموت.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ قال: آمنوا بالبعث بعد الموت، والحساب، والجنة والنار، وصدقوا بموعود الله الذي وعد في هذا القرآن.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ قال: ما غاب عنهم أمر الجنة والنار قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت أبا سفيان بن الحرث يقول: وبالغيب آمنا وقد كان قومنا ** يصلون للأوثان قبل محمد وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن منده وأبو نعيم كلاهما في معرفة الصحابة عن تويلة بنت أسلم قالت: «صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد ايلياء فصلينا سجدتين ثم جاءنا من يخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام، فتحوّل الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال، فصلينا السجدتين الباقيتين، ونحن مستقبلو البيت الحرام.
فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فقال» أولئك قوم آمنوا بالغيب «» .
وأخرج سفيان بن عيينة وسعيد بن منصور وأحمد بن منيع في مسنده وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه وابن مردويه عن الحرث بن قيس أنه قال لابن مسعود: عند الله يحتسب ما سبقتمونا به يا أصحاب محمد من رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال ابن مسعود: عند الله يحتسب إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم ولم تروه!
إن أمر محمد كان بيِّناً لمن رآه.
والذي لا إله غيره.
من آمن أحد أفضل من إيمان بغيب.
ثم قرأ ﴿ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ﴾ [ البقرة: 12] إلى قوله: ﴿ المفلحون ﴾ [ البقرة: 5] .
وأخرج البزار وأبو يعلي والمرهبي في فضل العلم والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب قال: كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «انبئوني بأفضل أهل الإِيمان إيماناً؟
قالوا: يا رسول الله الملائكة...؟
قال: هم كذلك، ويحق لهم، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها قالوا: يا رسول الله الأنبياء الذين أكرمهم الله برسالاته والنّبوة!
قال: هم كذلك، ويحق لهم، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها قالوا: يا رسول الله الشهداء الذين استشهدوا مع الأنبياء...
!
قال: هم كذلك، ويحق لهم، وما يمنعهم وقد أكرمهم الله بالشهادة مع الأنبياء.
بل غيرهم قالوا: فمن يا رسول الله؟!
قال: أقوام في أصلاب الرجال، يأتون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني، ويصدقوني ولم يروني، يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه، فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيماناً» .
وأخرج الحسن بن عروة في حزبه المشهور والبيهقي في الدلائل والأصبهاني في الترغيب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي الخلق أعجب إليكم إيماناً؟
قالوا: الملائكة...
قال: وما لهم لا يؤمنون، وهم عند ربهم.
قالوا: فالأنبياء...
قال: فما لهم لا يؤمنون، والوحي ينزل عليهم.
قالوا: فنحن...
قال: وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم، ألا إن أعجب الخلق إلي إيماناً، لقوم يكونون من بعدكم يجدون صحفاً فيها كتاب يؤمنون بما فيه» .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: «ما من ماء ما من ماء؟
قالوا: لا.
قال: فهل من شن؟
فجاؤوا بالشن، فوضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع يده عليه ثم فرق أصابعه، فنبع الماء مثل عصا موسى من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا بلال اهتف بالناس بالوضوء، فأقبلوا يتوضأون من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت همة ابن مسعود الشرب، فلما توضأوا صلى بهم الصبح، ثم قعد للناس فقال: يا أيها الناس من أعجب الخلق إيماناً؟
قالوا: الملائكة.
قال: وكيف لا تؤمن الملائكة وهم يعاينون الأمر!
قالوا: فالنبيون يا رسول الله.
قال: وكيف لا يؤمن النبيون والوحي ينزل عليهم من السماء!
قالوا: فأصحابك يا رسول الله فقال: وكيف لا تؤمن أصحابي وهم يرون ما يرون، ولكن أعجب الناس إيماناً، قوم يجيئون بعدي يؤمنون بي ولم يروني، ويصدقوني ولم يروني أولئك اخواني» .
وأخرج الإسماعيلي في معجمه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي شيء أعجب إيماناً؟
قيل: الملائكة...
فقال كيف وهم في السماء يرون من الله ما لا ترون!
قيل: فالأنبياء...
قال: كيف وهم يأتيهم الوحي؟
قالوا: فنحن...
قال: كيف وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله!
ولكن قوم يأتون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني، أولئك أعجب إيماناً، وأولئك إخواني، وأنتم أصحابي» .
وأخرج البزار عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي الخلق أعجب إيماناً؟
قالوا الملائكة..
قال: الملائكة...
كيف لا يؤمنون؟
قالوا: النبيون...
قال: النبيون يوحى إليهم فكيف لا يؤمنون؟
ولكن أعجب الناس إيماناً، قوم يجيئون من بعدكم، فيجدون كتاباً من الوحي، فيؤمنون به ويتبعونه.
فهؤلاء أعجب الناس إيماناً» .
وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا ليتني قد لقيت إخواني؟
قالوا يا رسول الله ألسنا إخوانك وأصحابك: قال: بلى.
ولكن قوماً يجيئون من بعدكم، يؤمنون بي إيمانكم، ويصدقوني تصديقكم، وينصروني نصركم.
فيا ليتني قد لقيت إخواني» .
وأخرج ابن عساكر في الأربعين السباعية من طريق أبي هدبة وهو كذاب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليتني قد لقيت إخواني؟
فقال له رجل من أصحابه: أولسنا إخوانك؟
قال: بلى أنتم أصحابي، وإخواني قوم يأتون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني، ثم قرأ ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ﴾ » .
وأخرج أحمد والدارمي والباوردي وابن قانع معاً في معجم الصحابة والبخاري في تاريخه والطبراني والحاكم عن أبي جمعة الأنصاري قال: «قلنا يا رسول الله هل من قوم أعظم من أجراً؟
آمنا بك، واتبعناك.
قال: ما يمنعكم من ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم، يأتيكم الوحي من السماء!
بل قوم يأتون من بعدي، يأتيهم كتاب بين لوحين، فيؤمنون به، ويعملون بما فيه، أولئك أعظم أجراً» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي عمر وأحمد والحاكم عن أبي عبد الرحمن الجهني قال: «بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع راكبان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كنديان، أو مذحجيان، حتى أتيا فإذا رجلان من مذحج فدنا أحدهما ليبايعه، فلما أخذ بيده قال: يا رسول الله أرأيت من آمن بك واتبعك وصدقك، فماذا له؟
قال: طوبى له، فمسح على يده وانصرف.
ثم جاء الآخر حتى أخذ على يده ليبايعه فقال: يا رسول الله أرأيت من آمن بك وصدقك واتبعك ولم يرك؟
قال: طوبى له.
ثم مسح على يده وانصرف» .
وأخرج الطيالسي وأحمد والبخاري في تاريخه والطبراني والحاكم عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن آمن بي ولم يراني سبع مرات» .
وأخرج أحمد وابن حبان عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أن رجلاً قال: يارسول الله طوبى لمن رآك وآمن بك.
قال: طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني» .
وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد عن نافع قال: جاء رجل إلى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعينكم هذه؟
قال: نعم قال: طوبى لكم.
فقال ابن عمر: ألا أخبرك بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: بلى.
قال: سمعته يقول: «قال طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني ثلاث مرات» .
وأخرج أحمد وأبو يعلي والطبراني عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني سبع مرات» .
وأخرج الحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً: «أن ناساً من أمتي يأتون بعدي، يودّ أحدهم لو اشترى رؤيتي بأهله وماله» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن إسحاق عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويقيمون الصلاة ﴾ قال: الصلوات الخمس ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ قال: زكاة أموالهم.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويقيمون الصلاة ﴾ قال: يقيمونها بفروضها ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ قال: يؤدّون الزكاة احتساباً لها.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إقامة الصلاة إتمام الركوع، والسجود، والتلاوة، والخشوع، والإِقبال، عليها فيها.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ يقيمون الصلاة ﴾ قال: إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها، ووضوئها، وركوعها، وسجودها ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ قال: انفقوا في فرائض الله التي افترض الله عليهم، في طاعته وسبيله.
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ قال: إنما يعني الزكاة خصة، دون سائر النفقات.
لا يذكر الصلاة إلا ذكر معها الزكاة، فإذا لم يسم الزكاة قال في أثر ذكر الصلاة ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ قال: هي نفقة الرجل على أهله.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ قال: كانت النفقات قرباناً يتقربون بها إلى الله على قدر ميسورهم وجهدهم، حتى نزلت فرائض الصدقات في سورة براءة.
هن الناسخات المبينات.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .
قال مجاهد: الآيات الأربع من أول هذه السورة نزلت في جميع المؤمنين (١) فعلى هذا القول (الواو) في قوله ﴿ وَالَّذِينَ ﴾ لتعديد صفاتهم، فهو عطف صفة على صفة، والموصوف واحد (٢) إلى الملكِ القَرْم وابنِ (٣) (٤) ولم يرد إلا شخصا واحدا.
وقال ابن عباس في رواية أبي صالح، وابن مسعود في رواية مرة (٥) (٦) فعلى هذا (الواو) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ إِليْكَ ﴾ الأصل في (إليك) و (عليك): (إلاك) و (علاك)، كما تقول: إلى زيد، وعلى زيد، إلا أن (الألف) غيرت مع الضمير (٩) (١٠) (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ .
دخلت (هم) توكيدًا، يسميه الكوفيون: عمادا، والبصريون: فصلاً (١٣) و ﴿ يُوقِنُونَ ﴾ أصله (يُيْقِنون)، لأنه (يُفْعِلون) من اليَقين، فلما سكنت (الياء) وانضم ما قبلها صارت (واوا) (١٤) (١٥) (١٦) واليقين: هو العلم الذي يحصل بعد (١٧) (١٨) (١٩) ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾ ولذلك (٢٠) (٢١) ويقال: أَيْقَن بالأمر واسْتَيْقَن وتَيَقَّن كله واحد.
ويقال في الثلاثي: يَقِنَ يَيْقَن يَقَناً فهو يَقِنٌ، واليَقِنُ: اليَقِين (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ .
تخصيص بعد التعميم على قول مجاهد (٢٣) ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ على التفسير الأول في (٢٤) (٢٥) ﴿ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) ﴾ عمَّ بقوله: ﴿ خَلَقَ ﴾ جميع المخلوقات، ثم خص بعد.
(١) الأثر عن مجاهد أخرجه الطبري 1/ 103، وذكره الثعلبي 1/ 47ب، وابن كثير، وقال: قاله مجاهد، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة 1/ 46.
(٢) انظر: "الطبري" 1/ 107، و"ابن كثير" 1/ 46، "الكشاف" 1/ 133، 135.
(٣) في (ج): (بن).
(٤) البيت غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء1/ 105، و"الثعلبي" 1/ 73 أ، "الكشاف" 1/ 133، و"القرطبي" 1/ 328، وابن كثير 1/ 46، "خزانة الأدب" 1/ 451 ، 5/ 107 ،6/ 91، "البحر" 1/ 202، "الدر المصون" 1/ 97.
القرم: الفحل المكرم الذي لا يحمل عليه، ويسمى السيد من الناس قرما، والهُمام: من أسماء الملوك، لعظم همتهم، أو لأنه إذا هم بأمر فعله، والكتيبة.
الجيش، المزدحم.
المعركة، لأنها موضع المزاحمة والمدافعة.
(٥) ذكره ابن جرير بسنده من طريق السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي 1/ 105 - 106، وانظر ابن كثير 1/ 46.
وأبو صالح هو مولى أم هانئ بنت أبي طالب، اسمه (باذان) تابعي وثقه أكثرهم.
انظر ترجمته في "الجرح والتعديل" 2/ 431، "تهذيب التهذيب" 1/ 211.
ومُرَّة هو مُرَّة بن شراحيل الهمداني الكوفي، من كبار التابعين ثقة.
انظر ترجمته في "الجرح والتعديل" 8/ 366، "تهذيب التهذيب" 4/ 48.
وقد تكلم أحمد شاكر كلامًا جيدًا وأطال حول هذا الإسناد في حاشية الطبري 1/ 156 - 159 (ط.
شاكر).
أفاد فيه أن للسدي كتابا في التفسير جمع فيه مفرق == هذِه التفاسير عن الصحابة الذين ذكرهم، ذكر في أوله هذِه الأسانيد، "تفسيره" من أوائل الكتب التي ألفت في هذا وهو من طبقةِ عالية من طبقة شيوخ مالك.
(٦) ذكره ابن جرير واستدل على هذا بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ .
وذكر قولا ثالثا.
أن الآيات الأربع في مؤمني أهل الكتاب خاصة.
وقد رجح أن الآيتين من أول السورة في مؤمني العرب، والآيتين بعدهما في مؤمني أهل الكتاب.
انظر: "تفسير الطبري" 1/ 102، 106، 107.
ورجَّح ابن كثير في "تفسيره" قول مجاهد 1/ 47.
(٧) (الواو) ساقطة من (ب).
(٨) انظر: "الكشاف" 1/ 135.
(٩) في (ب): (المضمر) ومثله عند الزجاج في "المعاني" 1/ 37.
(١٠) في جميع النسخ (إلى) وفي "معاني القرآن" للزجاج (التي) والكلام بنصه منقول منه 1/ 37.
(١١) في (ب): (لدن).
(١٢) "معاني القرآن" للزجاج1/ 37.
(١٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 47 ب، ويجوز: في (هم) أن تكون ابتداءً ثانيًا == للتوكيد و (المفلحون) خبره، والجملة خبر (أولئك) ويجوز: أن يكون (هم) عمادًا، أو فصلاً.
انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 37، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 133.
(١٤) انظر: "الكتاب" 4/ 338، "سر صناعة الإعراب" 2/ 584، وقال العكبري: (أصله (يؤيقنون) لأن ماضيه (أيقن) والأصل أن يؤتى في المضارع بحروف الماضي، إلا أن الهمزة حذفت لما ذكرنا في (يؤمنون) وأبدلت الياء واوا لسكونها وانضمام ما قبلها) (الإملاء) 1/ 13.
(١٥) مع سكون (الياء) انظر "الكتاب" 4/ 335، "سر صناعة الإعراب" 2/ 732.
(١٦) في (ب): (اسياق) ولم أجدها فيما اطلعت عليه من كتب اللغة.
(١٧) في (ب): (به).
(١٨) في (ب): (المقصود).
(١٩) قال ابن عطية: (اليقين أعلى درجات العلم وهو الذي لا يمكن أن يدخله شك بوجه) 1/ 149، وعرفه الراغب فقال: (هو سكون الفهم مع ثبات الحكم) مفردات الراغب ص 552.
وانظر كتاب "معرفة أسماء نطق بها القرآن" 2/ 618 (رسالة ماجستير)، "تفسير الرازي" 2/ 32، 35.
(٢٠) في (ب): (وكذلك).
(٢١) انظر: "تفسير الرازي" 2/ 32.
ومذهب السلف: أن الله لا يوصف بذلك لعدم ورود النص به.
(٢٢) انظر: "العين" 5/ 220، "تهذيب اللغة" (يقن) 4/ 49983، "اللسان" (يقن) 98/ 4964.
(٢٣) هو ما سبق من قوله: إن الآيات الأربع في جميع المؤمنين.
انظر ص 445.
(٢٤) التفسير الأول للغيب هو ما ذكره عن أبي العالية.
يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه وبالبعث بعد الموت.
(٢٥) في (أ)، (ب): (للغيب).
<div class="verse-tafsir"
﴿ والذين يُؤْمِنُونَ ﴾ هل هم المذكورون قبل فيكون من عطف الصفات، أو غيرهم وهم من أسلم من أهل الكتاب، فيكون عطفاً للمغايرة، أو مبتدأ وخبره الجملة بعد ﴿ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ القرآن ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله عز وجل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ الذين يؤمنون بالغيب وهو كل ما لا يُدرك بالحواس وغاب عنّا، مما أخبر الله عنه أو أخبر عنه رسوله، كاليوم الآخر، وهم الذين يقيمون الصلاة بأدائها وفق ما شرع الله من شروطها، وأركانها، وواجباتها، وسننها، وهم الذين ينفقون مما رزقهم الله، بإخراج الواجب كالزكاة، أو غير الواجب كصدقة التطوع؛ رجاء ثواب الله، وهم الذين يؤمنون بالوحي الَّذي أنزل الله عليك -أيها النبي- والذي أنزل على سائر الأنبياء من قبلك دون تفريق، وهم الذين يؤمنون إيمانًا جازمًا بالآخرة وما فيها من الثواب والعقاب.
<div class="verse-tafsir" id="91.ND9qb"
هذه هي الطبقة الثانية من المتقين واعيد لفظ"الذين"لتحقيق التمايز بين الطبقتين.
وهذه الطبقة أرقى من الطبقة الأولى لأن أوصافها تقتضي الأوصاف التي أجريت على تلك وزيادة، فالقرآن يكون هدى لها بالأولى، ومعنى كونه هدى لها أنه يكون إمامها في أعمالها وأحوالها، لا تحيد عن النهج الذي ينهجه لها، كما ذكرنا.
ما كل من أظهر الإيمان بما ذكر مهتد بالقرآن.
فالمؤمنون بالقرآن على ضروب شتى، ونرى بيننا كثيرين ممن إذا سئل عن القرآن قال: هو كلام الله ولا شك، ولكن إذا عرضت أعماله وأحواله على القرآن نراها مباينة له كل المباينة.
القرآن ينهى عن الغيبة والنميمة والكذب، وهو يغتاب ويسعى بالنميمة ولا يتأثم من الكذب.
القرآن يأمر بالفكر والتدبر وهو كما وصف القرآن المكذبين بقوله تعالى فيهم: ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ ﴾ لا يفكر في مستقبله ولا مستقبل أمته، ولا يتدبر الآيات والنذر، ولا الحوادث والعبر.
إن المؤمن الموقن المذكور في الآية الكريمة هو الذي يزين أعماله وأخلاقه باستكمال ما هدى إليه القرآن دائمًا، ويجعله معيارًا يعرض عليه تلك الأعمال والأخلاق ليتبين هل هو مهتد به أم لا؟
مثال ذلك الصلاة يصفها القرآن بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقال في المصلين ﴿ إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلاَّ الْمُصَلِّينَ ﴾ .
فيبين أن الصلاة تقتلع الصفات الذميمة الراسخة التي تكاد تكون فطرية، فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، ولم تقتلع من نفسه جذور الجبن والهِلع، وتصطلم جراثيم البخل والطمع، فليعلم أنه ليس مصليًا في عرف القرآن، ولا مستحقًا لما وعد عباده الرحمن.
أما لفظ الإنزال فالمراد به ما ورد من جانب الربوبية الرفيع الأعلى، وأوحى إلى العباد من الإرشاد الإلهي الأسمى، وسمي إنزالًا لما في جانب الألوهية من ذلك العلو: علو الرب على المربوب، والخالق على المخلوقين، الذين لا يخرجون بالتكريم والاصطفاء عن كونهم عبيدًا خاضعين، وقد سمى القرآن غير الوحي من إسداء النعم الإلهية إنزالًا فقال ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ فنكتفي بهذا من معنى الإنزال، وهو ما يفهمه كل عربي، من حاضر وبدوي، عما أطال به المفسرون وندع الخلافات للمختلفين.
ثم قال تعالى: ﴿ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ أما لفظ ﴿ الآخرَةِ ﴾ فقد ورد في القرآن كثيرًا والمراد به الحياة الآخرة حيث الجزاء على الأعمال.
وأما اليقين فهو الاعتقاد المطابق للواقع الذي لا يقبل الشك ولا الزوال، فهو اعتقادان: اعتقاد أن الشيء كذا، واعتقاد أنه لا يمكن أن يكون إلا كذا.
..
وصفهم بأنهم موقنون بالآخرة لأنهم مؤمنون بالقرآن ولم يصف بهذا الوصف الطائفة الأولى لأنها وإن كانت تؤمن بالغيب وتتوجه إلى الله تعالى بالصلاة المخصوصة بها وتنفق مما رزقها الله، فذلك لا ينافي أنها في حيرة من أمر البعث والجزاء، وكذلك كانت قبل الإيمان بالقرآن وكان من هداية القرآن لها أن خرج بها من غمرات تلك الحيرة.
لا يعتد بما دون اليقين في الإيمان، وقد قال الله تعالى في اعتقاد قوم: ﴿ وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾ وإذا لم يكن الظَّان موقنًا وعلى نور من ربه في اعتقاده فما حال من هو دونه من الشاكِّين والمرتابين؟
ويعرف اليقين في الإيمان بالله واليوم الآخر بآثاره في الأعمال.
إننا نرى الرجل يأتي إلى المحكمة بدعوى زور يريد أن يأكل بها حق أخيه بالباطل أو يجامل آخر بشهادة زور، أو ينتقم بها من ثالث، وهو يعلم أنه مزور ومبطل فيقال له: اتق الله إن أمامك يومًا ﴿ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾ فيقول أعوذ بالله أنا أعلم أن أمامي يومًا، وأن أمامي شبرًا من الأرض -(يعني القبر)- والدنيا لا تغني عن الآخرة.
ويحلف اليمين الغموس باسم الله تعالى أنه محق في دعواه أو شهادته، ثم يظهر التحقيق أنه مزور، ويضطره إلى الاعتراف والإقرار بذلك، فكأن الإيمان بالله واليوم الآخر عنده خيال يلوح في ذهنه عندما يريد الخلابة والخداع لأجل أكل الحقوق أو إرضاء الهوى، ولا يظهر له أثر في أعماله وأحواله كأثر الاعتقاد ببعض المشايخ الميتين كما بينا ذلك من قبل.
فمثل هذا الإيمان - وإن تعارف الناس على تسميته تلك- ليس من الإيمان الذي يقوم على ذلك المعنى من الإيقان، ويظهر أثره في الجوارح والأركان.
اليقين: إيمانك واعتقادك بالشيء والإحساس به من طريق وجدانك كأنك تراه، بأن يكون قد بلغ بك العلم به أن صار مالكًا لنفسك مصرفًا لها في أعمالها، ولا يكون العلم محققًا للإيمان على هذا الوجه حتى تكون قد أصبته من إحدى طريقتين: (الأولى): النظر الصحيح فيما يحتاج فيه إلى النظر، كالإيقان بوجود الله ورسالة الرسل، وذلك بتخليص المقدمات، والوصول بها إلى حد الضروريات، فأنت بعد الوصول إلى ما وصلت إليه كأنك راء ما استقر رأيك عليه.
(والطريق الأخرى): خبر الصادق المعصوم بعد أن قامت الدلائل على صدقه وعصمته عندك، ولا يكون الخبر طريقًا لليقين حتى تكون سمعت الخبر من نفس المعصوم ، أو جاءك عنه من طريق لا تحتمل الريب، وهي طريق التواتر دون سواها، فلا ينبوع لليقين بعد طول الزمن بيننا وبين النبوة إلا سبيل المتواترات التي لم يختلف أحد في وقوعها، فالإيقان بالمغيبات كالآخرة وأحوالها والملأ الأعلى وأوصافه، وصفات الله التي لا يهتدي إليها النظر لا يمكن تحصيله إلا من الكتاب العزيز، وهو الحق الذي جاءنا من الله لا ريب فيه، فعلينا أن نقف عندما أنبأ به من غير خلط ولا زيادة ولا قياس.
وأكد الإيقان بالآخرة بقوله ﴿ هُمْ ﴾ اهتمامًا بشأنه وليبين أن الإيقان بالآخرة خاصة من خواص الذين آمنوا بالقرآن وبما أنزل قبله من الكتب لا يشركهم فيه سواهم.
وقد علمت أنه لا بد أن يكون الموقن به من أحوال الآخرة قطعيًا.
فهذه الإضافات التي أضافوها على أخبار الغيب وخلقوا لها الأحاديث، بل أضافوا إليها أيضًا أقوال أهل الكتاب وأشياء أخرى نسبوها إلى السلف، وبعض غرائب جاءت على لسان المنتسبين للتصوف، لا تدخل فيما يتعلق به اليقين، بل الجهل بالكثير منها خير من العلم به، فإنما الوصف الذي يمتاز به أهل القرآن هو اليقين، ولا يكون اليقين إلا حيث يكون القطع وأما الظن فهو وصف من عابهم القرآن وأزرى بهم فلا علاقة له بأحوالهم.
<div class="verse-tafsir"