الآية ٥ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٥ من سورة البقرة

أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًۭى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 143 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول الله تعالى : ( أولئك ) أي : المتصفون بما تقدم : من الإيمان بالغيب ، وإقام الصلاة ، والإنفاق من الذي رزقهم الله ، والإيمان بما أنزل الله إلى الرسول ومن قبله من الرسل ، والإيقان بالدار الآخرة ، وهو يستلزم الاستعداد لها من العمل بالصالحات وترك المحرمات .

( على هدى ) أي : نور وبيان وبصيرة من الله تعالى .

( وأولئك هم المفلحون ) أي : في الدنيا والآخرة .

وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( أولئك على هدى من ربهم ) أي : على نور من ربهم ، واستقامة على ما جاءهم ، ( وأولئك هم المفلحون ) أي : الذين أدركوا ما طلبوا ، ونجوا من شر ما منه هربوا .

وقال ابن جرير : وأما معنى قوله : ( أولئك على هدى من ربهم ) فإن معنى ذلك : أنهم على نور من ربهم ، وبرهان واستقامة وسداد ، بتسديد الله إياهم ، وتوفيقه لهم وتأويل قوله : ( وأولئك هم المفلحون ) أي المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله ، من الفوز بالثواب ، والخلود في الجنات ، والنجاة مما أعد الله لأعدائه من العقاب .

وقد حكى ابن جرير قولا عن بعضهم أنه أعاد اسم الإشارة في قوله تعالى : ( أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) إلى مؤمني أهل الكتاب الموصوفين بقوله تعالى : ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك ) الآية ، على ما تقدم من الخلاف .

[ قال ] وعلى هذا فيجوز أن يكون قوله تعالى : ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك ) منقطعا مما قبله ، وأن يكون مرفوعا على الابتداء وخبره ( [ أولئك على هدى من ربهم و ] أولئك هم المفلحون ) واختار أنه عائد إلى جميع من تقدم ذكره من مؤمني العرب وأهل الكتاب ، لما رواه السدي عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما الذين يؤمنون بالغيب ، فهم المؤمنون من العرب ، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك هم المؤمنون من أهل الكتاب .

ثم جمع الفريقين فقال : ( أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) وقد تقدم من الترجيح أن ذلك صفة للمؤمنين عامة ، والإشارة عائدة عليهم ، والله أعلم .

وقد نقل هذا عن مجاهد ، وأبي العالية ، والربيع بن أنس ، وقتادة ، رحمهم الله .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري ، حدثنا أبي ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثني عبيد الله بن المغيرة عن أبي الهيثم واسمه سليمان بن عبد ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وقيل له : يا رسول الله ، إنا نقرأ من القرآن فنرجو ، ونقرأ من القرآن فنكاد أن نيأس ، أو كما قال .

قال : فقال : أفلا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار ؟

.

قالوا : بلى يا رسول الله .

قال : ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) إلى قوله تعالى : ( المفلحون ) هؤلاء أهل الجنة .

قالوا : إنا نرجو أن نكون هؤلاء .

ثم قال : ( إن الذين كفروا سواء عليهم ) إلى قوله : ( عظيم ) هؤلاء أهل النار .

قالوا : لسنا هم يا رسول الله .

قال : أجل .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله جل ثناؤه بقوله: " أولئك على هدى من ربهم ": فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الصفتين المتقدمتين, أعني: المؤمنين بالغيب من العرب، والمؤمنين بما أنـزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإلى من قبله من الرسل.

وإياهم جميعا وصف بأنهم على هدى منه، وأنهم هم المفلحون.

* ذكر من قال ذلك من أهل التأويل: 292- حدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أما الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ , فهم المؤمنون من العرب, وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ ، المؤمنون من أهل الكتاب.

ثم جمع الفريقين فقال: " أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون " (85) .

وقال بعضهم: بل عنى بذلك المتقين الذين يؤمنون بالغيب، وهم الذين يؤمنون &; 1-248 &; بما أنـزل إلى محمد, وبما أنـزل إلى من قبله من الرسل.

وقال آخرون: بل عنى بذلك الذين يؤمنون بما أنـزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم, وبما أنـزل إلى من قبله, وهم مؤمنو أهل الكتاب الذين صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به, وكانوا مؤمنين من قبل بسائر الأنبياء والكتب.

وعلى هذا التأويل الآخر يحتمل أن يكون وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ في محل خفض, ومحل رفع.

فأما الرفع فيه فإنه يأتيها من وجهين: أحدهما: من قبل العطف على ما في يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ من ذكر الَّذِينَ ، والثاني: أن يكون خبر مبتدأ, أو يكون " أولئك على هدى من ربهم "، مرافعها.

وأما الخفض فعلى العطف على " المتقين "، وإذا كانت معطوفة على الَّذِينَ اتجه لها وجهان من المعنى: أحدهما: أن تكون هي و الَّذِينَ الأولى، من صفة المتقين.

وذلك على تأويل من رأى أن الآيات الأربع بعد الم ، نـزلت في صنف واحد من أصناف المؤمنين.

والوجه الثاني: أن تكون " الَّذِينَ" الثانية معطوفة في الإعراب على " المتقين " بمعنى الخفض, وهم في المعنى صنف غير الصنف الأول.

وذلك على مذهب من رأى أن الذين نـزلت فيهم الآيتان الأولتان من المؤمنين بعد قوله الم ، غير الذين نـزلت فيهم الآيتان الآخرتان اللتان تليان الأولتين.

وقد يحتمل أن تكون " الَّذِينَ" الثانية مرفوعة في هذا الوجه بمعنى الائتناف (86) ، إذ كانت مبتدأ بها بعد تمام آية وانقضاء قصة.

وقد يجوز الرفع فيها أيضا بنية الائتناف، إذ كانت في مبتدأ آية، وإن كانت من صفة المتقين.

فالرفع إذا يصح فيها من أربعة أوجه, والخفض من وجهين.

وأولى التأويلات عندي بقوله ( أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ) ما ذكرت من قول ابن مسعود وابن عباس, وأن تكون " أولئك " إشارة إلى الفريقين, أعني: المتقين، والذين يؤمنون بما أنـزل إليك, وتكون " أولئك " مرفوعة بالعائد من ذكرهم في قوله " على هدى من ربهم "؛ وأن تكون " الذين " الثانية معطوفة على ما قبل من الكلام، على ما قد بيناه.

وإنما رأينا أن ذلك أولى التأويلات بالآية, لأن الله جل ثناؤه نعت الفريقين بنعتهم المحمود، ثم أثنى عليهم.

فلم يكن عز وجل ليخص أحد الفريقين بالثناء، مع تساويهما فيما استحقا به الثناء من الصفات.

كما غير جائز في عدله أن يتساويا فيما يستحقان به الجزاء من الأعمال، فيخص أحدهما بالجزاء دون الآخر، ويحرم الآخر جزاء عمله.

فكذلك سبيل الثناء بالأعمال، لأن الثناء أحد أقسام الجزاء.

وأما معنى قوله ( أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ) فإن معنى ذلك: أنهم على نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد، بتسديد الله إياهم، وتوفيقه لهم.

كما:- 293- حدثني ابن حميد, قال: حدثنا سلمة بن الفضل, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس،" أولئك على هدى من ربهم ": أي على نور من ربهم, واستقامة على ما جاءهم (87) .

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) وتأويل قوله: " وأولئك هم المفلحون " أي أولئك هم المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله تعالى ذكره بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله, من الفوز بالثواب, والخلود في الجنان, والنجاة مما أعد الله تبارك وتعالى لأعدائه من العقاب.

كما:- 294- حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلمة, قال: حدثنا ابن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) أي الذين أدْركوا ما طلبوا، ونجَوْا من شرّ ما منه هَرَبُوا.

ومن الدلالة على أن أحد معاني الفلاح، إدراكُ الطَّلِبة والظفر بالحاجة، قول لبيد بن ربيعة: اعْقِــلِي, إِنْ كُــنْتِ لَمَّــا تَعْقِـلِي, وَلَقَــدْ أَفْلَــحَ مَــنْ كَـانَ عَقَـلْ (88) يعني ظَفِر بحاجته وأصابَ خيرًا، ومنه قول الراجز: عَــدِمتُ أُمــًّا ولَــدتْ رِياحــَا جَــاءَتْ بِــهِ مُفَرْكَحــًا فِرْكَاحَـا (89) تَحْسِــبُ أَنْ قَــدْ وَلَـدَتْ نَجَاحَـا!

أَشْـــهَدُ لا يَزِيدُهَـــا فَلاحَـــا يعني: خيرًا وقربًا من حاجتها.

والفلاحُ مصدر من قولك: أفلح فلان يُفلح إفلاحًا وفلاحًا وفَلَحًا.

والفلاح أيضًا: البقاءُ, ومنه قول لبيد: نَحُــلُّ بِــلادًا, كُلُّهَـا حُـلَّ قَبْلَنَـا وَنَرْجُـو الْفَـلاحَ بَعْـدَ عَـادٍ وَحِـمْيَرِ (90) يريد البقاء، ومنه أيضًا قول عَبيد: أَفْلِحَ بِمَـا شِـئْتَ, فَقَـدْ يُدْرَكُ بِالضَّـ ـعْـفِ, وَقَــدْ يُخْــدَعُ الأَرِيــبُ (91) يريد: عش وابقَ بما شئت، وكذلك قول نابغة بني ذبيان: وَكُــلُّ فَتًــى سَتَشْــعَبُهُ شَـعُوبٌ وَإِنْ أَثْــرَى, وَإِنْ لاقَــى فَلاحــًا (92) أي نجاحًا بحاجته وبَقاءً.

------------------- الهوامش: (85) الخبر 292- نقله ابن كثير 1 : 81 ، والشوكاني 1 : 26 .

ونقله السيوطي 1 : 25 مطولا ، جمع معه الأخبار الماضية : 273 ، 277 ، 281 ، جعلها سياقا واحدا ، عن ابن مسعود وحده ، ونسبه للطبري .

(86) في المطبوعة : "الاستئناف" في هذا الموضع والذي يليه .

وهما بمعنى .

(87) الخبر 293- ذكره ابن كثير 1 : 81 مع تتمته الآتية : 294 .

(88) ديوانه 2 : 12 ، والخطاب في البيت لصاحبته .

(89) البيت الثاني في اللسان (فركح) .

والفركحة : تباعد ما بين الأليتين .

والفركاح والمفركح منه ، يعني به الذم وأنه لا يطيق حمل ما يحمَّل في حرب أو مأثرة تبقى .

(90) ديوانه القصيدة رقم : 14 ، يرثى من هلك من قومه .

(91) ديوانه : 7 ، وفي المطبوعة والديوان"فقد يبلغ" ، وهما روايتان مشهورتان .

(92) من قصيدة ليست في زيادات ديوانه منها إلا أبيات ثلاثة ، ليس هذا أحدها .

وشعوب : اسم للمنية والموت ، غير مصروف ، لأنها تشعب الناس ، أي تصدعهم وتفرقهم .

وشعبته شعوب : أي حطمته من ألافه فذهبت به وهلك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أولئك على هدى من ربهم و أولئك هم المفلحونقال النحاس : أهل نجد يقولون : ألاك ، وبعضهم يقول : ألالك ، الكاف للخطاب .

قال الكسائي : من قال أولئك فواحده ذلك ، ومن قال ألاك فواحده ذاك ، وألالك مثل أولئك ، وأنشد ابن السكيت :ألالك قومي لم يكونوا أشابة وهل يعظ الضليل إلا ألالكاوربما قالوا : أولئك في غير العقلاء ، قال الشاعر :ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام[ ص: 177 ] وقال تعالى : إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا وقال علماؤنا : إن في قوله تعالى : ( من ربهم ) ردا على القدرية في قولهم : يخلقون إيمانهم وهداهم ، تعالى الله عن قولهم ، ولو كان كما قالوا لقال : - من أنفسهم - ، وقد تقدم الكلام فيه وفي الهدى فلا معنى لإعادة ذلك .وأولئك هم المفلحون : ( هم ) يجوز أن يكون مبتدأ ثانيا وخبره المفلحون ، والثاني وخبره خبر الأول ، ويجوز أن تكون ( هم ) زائدة - يسميها البصريون فاصلة والكوفيون عمادا - و ( المفلحون ) خبر ( أولئك ) .والفلح أصله في اللغة الشق والقطع ، قال الشاعر :إن الحديد بالحديد يفلحأي يشق ، ومنه فلاحة الأرضين إنما هو شقها للحرث ، قاله أبو عبيد ولذلك سمي الأكار فلاحا .

ويقال للذي شقت شفته السفلى أفلح ، وهو بين الفلحة ، فكأن المفلح قد قطع المصاعب حتى نال مطلوبه .

وقد يستعمل في الفوز والبقاء ، وهو أصله أيضا في اللغة ، ومنه قول الرجل لامرأته : استفلحي بأمرك ، معناه فوزي بأمرك ، وقال الشاعر :لو كان حي مدرك الفلاح أدركه ملاعب الرماحوقال الأضبط بن قريع السعدي في الجاهلية الجهلاء :لكل هم من الهموم سعه والمسي والصبح لا فلاح معهيقول : ليس مع كر الليل والنهار بقاء .

وقال آخر :نحل بلادا كلها حل قبلنا ونرجو الفلاح بعد عاد وحميرأي البقاء : وقال عبيد :أفلح بما شئت فقد يدرك بالض عف وقد يخدع الأريبأي ابق بما شئت من كيس وحمق فقد يرزق الأحمق ويحرم العاقل .

فمعنى وأولئك هم المفلحون : أي الفائزون بالجنة والباقون فيها .

وقال ابن أبي إسحاق : المفلحون هم الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا ، والمعنى واحد .

وقد استعمل الفلاح في السحور ، ومنه الحديث : حتى كاد يفوتنا الفلاح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قلت : وما الفلاح ؟

قال : [ ص: 178 ] السحور .

أخرجه أبو داود .

فكأن معنى الحديث أن السحور به بقاء الصوم فلهذا سماه فلاحا .

والفلاح ( بتشديد اللام ) : المكاري في قول القائل :لها رطل تكيل الزيت فيه وفلاح يسوق لها حماراثم الفلاح في العرف : الظفر بالمطلوب ، والنجاة من المرهوب .مسألة : إن قال كيف قرأ حمزة : عليهم وإليهم ولديهم ، ولم يقرأ من ربهم ولا فيهم ولا جنتيهم ؟

فالجواب أن عليهم وإليهم ولديهم الياء فيه منقلبة من ألف ، والأصل علاهم ولداهم وإلاهم فأقرت الهاء على ضمتها ، وليس ذلك في فيهم ولا من ربهم ولا جنتيهم ، ووافقه الكسائي في عليهم الذلة و إليهم اثنين على ما هو معروف من القراءة عنهما .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ أُولَئِكَ } أي: الموصوفون بتلك الصفات الحميدة { عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ } أي: على هدى عظيم, لأن التنكير للتعظيم، وأي هداية أعظم من تلك الصفات المذكورة المتضمنة للعقيدة الصحيحة والأعمال المستقيمة، وهل الهداية [الحقيقية] إلا هدايتهم، وما سواها [مما خالفها]، فهو ضلالة.

وأتى بـ \" على \" في هذا الموضع, الدالة على الاستعلاء, وفي الضلالة يأتي بـ \" في \" كما في قوله: { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } لأن صاحب الهدى مستعل بالهدى, مرتفع به, وصاحب الضلال منغمس فيه محتقر.

ثم قال: { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } والفلاح [هو] الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، حصر الفلاح فيهم؛ لأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم, وما عدا تلك السبيل, فهي سبل الشقاء والهلاك والخسار التي تفضي بسالكها إلى الهلاك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {أولئك}: أي أهل هذه الصفة.

و(أولاء) كلمة معناها الكناية عن جماعة نحو: هم، والكاف للخطاب كما في حرف ذلك.

{على هدى}: أي رشد وبيان وبصيرة.

{من ربهم وأولئك هم المفلحون}: أي الناجون، والفائزون فازوا بالجنة ونجوا من النار، ويكون الفلاح بمعنى البقاء أي باقون في النعيم المقيم.

وأصل الفلاح القطع والشق ومنه سمي الزراع فلاحاً لأنه يشق الأرض، وفي المثل: الحديد بالحديد يفلح أي يشق فهم (مقطوع) لهم بالخير في الدنيا والآخرة.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أولئك» الموصوفون بما ذكر «على هدىّ من ربِّهم وأولئك هم المفلحون» الفائزون بالجنة الناجون من النار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أصحاب هذه الصفات يسيرون على نور من ربهم وبتوفيق مِن خالقهم وهاديهم، وهم الفائزون الذين أدركوا ما طلبوا، ونَجَوا من شرِّ ما منه هربوا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( أولئك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون ) .المفلحون : من الفلاح وهو الظفر والفوز بدرك البغية ، وأصله من الفلح - بسكون اللام - وهو الشق والقطع ، ومنه فلاحة الأرض وهو شقها للحرث .

وأستعمل منه الفلاح في الفوز كأن الفائز شق طريقه وفلحه للوصول إلى مبتغاه ، أو انفتحت له طريق الظفر وانشقت .والمعنى : أولئك المتصفون بما تقدم من صفات كريمة ، على نور من ربهم ، وأولئك هم الفائزون بما طلبوا ، الناجون مما منه هربوا ، بسبب إيمانهم العميق ، وأعمالهم الصالحة .والآية الكريمة كلام مستأنف لبيان أن أولئك المتقين في المنزلة العليا من الكمال الإنساني ، فقد وصفهم - سبحانه - بأنهم على هدى عظيم ، ويدل على عظم هذا الهدى إيراده بصيغة التنكير ، إن من المعلوم عند علماء البيان أن التنكير يدل بمعونة المقام على التعظيم .

كما يدل - أيضاً - على عظم هذا الهدى وصفه بأنه " من ربهم " فهو الذي وفقهم إليه ، ويسر لهم أسبابه .وفي قوله - تعالى - : ( على هُدًى ) إشعار بأنهم تمكنوا منه تمكن من استعلى على الشيء ، وصار في قرار راسخ منه .وجملة " وأولئك هم المفلحون " بيان لما ظفر به المتقون الحائزون لتلك الخصال ، من سعادة في الدنيا والآخرة .وتعريف الخبر وهو ( المفلحون ) مع إيراد ضمير الفصل " هم " يفيد أن الفلاح مقصور على أولئك المتقين ، فمن لم يؤمن بالغيب ، أو أضاع الصلاة ، أو بخل بالمال الذي منحه الله إياه فلم يؤده في وجوهه المشروعة ، فإنه لا يكون من المهتدين ، ولا من المفلحين الذين سعدوا في دنياهم وآخرتهم .قال الإمام الرازي : " وفي تكرير " ( أولئك ) تنبيه على أنهم كما ثبت لهم الاختصاص بالهدى ، فقد ثبت لهم الاختصاص بالفلاح - أيضاً - فقد تميزوا عن غيرهم بهذين الاختصاصين ، فإن قيل : فلم جيء بالعاطف؟

وما الفرق بينه وبين قوله : ( أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ أولئك هُمُ الغافلون ) قلنا : قد اختلف الخبران ههنا فلذلك دخل العاطف ، بخلاف الخبرين ثمة فإنهما متفقان ، لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيههم بالبهائم شيء واحد ، وكانت الثانية مقررة لما في الأولى ، فهي من العطف بمعزل " .وقال صاحب الكشاف بعد تفسيره لهذه الآية الكريمة " .

.

.

فانظر كيف كرر الله التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى ، وهي : ذكر اسم الإشارة ، وتكريره ، وتعريف المفلحين ، وتوسيط ضمير الفصل بينه وبين أولئك ، ليبصرك مرتباتهم ، ويرغبك في طلب ما طلبوا ، وينشطك لتقديم ما قدموا ، ويثبطك عن الطمع الفارغ والرجاء الكاذب والتمني على الله ما لا تقتضيه حكمته ولم تسبق به كلمته .

.

.

" .وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد مدحت القرآن الكريم بما يستحقه ، وأثنت على من اهتدوا بهديه ، ووصفتهم بالصفات السامية ، وبشرتهم بالبشارات الكريمة .وبعد أن انتهى القرآن من بيان شأن الكتاب وأثره في الهداية والإرشاد ، وتصوير حال المتقين الذين اهتدوا به ، وما اكتسبوه بالهداية من أوصاف سامية ، وما كان لهم على ذلك من خير العاقبة وحسن الجزاء ، أقول بعد أن انتهى من بيان كل ذلك شرع في بيان حال الكافرين ، وما هم عليه من سوء الحال وقبيح الأوصاف فقال :( إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: في كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه ثلاثة: أحدها: أن ينوي الابتداء بِ ﴿ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب  ﴾ وذلك لأنه لما قيل: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ  ﴾ فخص المتقين بأن الكتاب هدى لهم كان لسائل أن يسأل فيقول: ما السبب في اختصاص المتقين بذلك؟

فوقع قوله: ﴿ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب ﴾ إلى قوله: ﴿ وأولئك هُمُ المفلحون ﴾ جواباً عن هذا السؤال، كأنه قيل: الذي يكون مشتغلاً بالإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والفوز بالفلاح والنجاة لابد وأن يكون على هدى من ربه.

وثانيها: أن لا ينوي الابتداء به بل يجعله تابعاً ﴿ لّلْمُتَّقِينَ ﴾ ثم يقع الابتداء من قوله: ﴿ أولئك على هُدًى مّن رَّبّهِمْ ﴾ كأنه قيل أي سبب في أن صار الموصوفون بهذه الصفات مختصين بالهدى؟

فأجيب بأن أولئك الموصفين غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلاً وبالفلاح آجلاً.

وثالثها: أن يجعل الموصول الأول صفة المتقين ويرفع الثاني على الابتداء و ﴿ أولئك ﴾ خبره ويكون المراد جعل اختصاصهم بالفلاح والهدى تعريضاً بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند الله تعالى.

المسألة الثانية: معنى الاستعلاء في قوله: ﴿ على هُدًى ﴾ بيان لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه حيث شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه ونظيره فلان على الحق، أو على الباطل وقد صرحوا به في قولهم: جعل الغواية مركباً، وامتطى الجهل وتحقيق القول في كونهم على الهدى تمسكهم بموجب الدليل، لأن الواجب على المتمسك بالدليل أن يدوم على ذلك ويحرسه عن المطاعن والشبه فكأنه تعالى مدحهم بالإيمان بما أنزل عليه أولاً، ومدحهم بالإقامة على ذلك والمواظبة على حراسته عن الشبه ثانياً، وذلك واجب على المكلف، لأنه إذا كان متشدداً في الدين خائفاً وجلا فلابد من أن يحاسب نفسه في علمه وعمله، ويتأمل حاله فيهما فإذا حرس نفسه عن الإخلال كان ممدوحاً بأنه على هدى وبصيرة، وإنما نكر ﴿ هُدًى ﴾ ليفيد ضرباً مبهماً لا يبلغ كنهه ولا يقدر قدره كما يقال لو أبصرت فلاناً لأبصرت رجلاً.

قال عون بن عبد الله: الهدى من الله كثير، ولا يبصره إلا بصير، ولا يعمل به إلا يسير.

ألا ترى أن نجوم السماء يبصرها البصراء، ولا يهتدى بها إلا العلماء.

المسألة الثالثة: في تكرير ﴿ أولئك ﴾ تنبيه على أنهم كما ثبت لهم الاختصاص بالهدى ثبت لهم الاختصاص بالفلاح أيضاً، فقد تميزوا عن غيرهم بهذين الاختصاصين.

فإن قيل: فلم جاء مع العاطف وما الفرق بينه وبين قوله: ﴿ أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ أولئك هُمُ الغافلون  ﴾ قلنا: قد اختلف الخبران هنا فلذلك دخل العاطف بخلاف الخبرين ثمت فإنهمامتفقان لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيههم بالبهائم شيء واحد، وكانت الجملة الثانية مقررة لما في الأولى فهي من العطف بمعزل.

المسألة الرابعة: ﴿ هُمْ ﴾ فصل وله فائدتان: إحداهما: الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة وثانيتهما: حصر الخبر في المبتدأ، فإنك لو قلت الإنسان ضاحك فهذا لا يفيد أن الضاحكية لا تحصل إلا في الإنسان، أما لو قلت: الإنسان هو الضاحك فهذا يفيد أن الضاحكية لا تحصل إلا في الإنسان.

المسألة الخامسة: معنى التعريف في ﴿ المفلحون ﴾ الدلالة على أن المتقين هم الناس الذين بلغك أنهم يفلحون في الآخرة كما إذا بلغك أن إنساناً قد تاب من أهل بلدك فاستخبرت من هو؟

فقيل زيد التائب، أي هو الذي أخبرت بتوبته، أو على أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحون فهم هم، كما تقول لصاحبك: هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الإقدام؟

إن زيداً هو هو.

المسألة السادسة: المفلج الظافر بالمطلوب كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه، والمفلح بالجيم مثله، والتركيب دال على معنى الشق والفتح، ولهذا سمي الزراع فلاحاً، ومشقوق الشفة السفلى أفلح، وفي المثل الحديد بالحديد يفلح وتحقيقه أن الله تعالى لما وصفهم بالقيام بما يلزمهم علماً وعملاً بين نتيجة ذلك وهو الظفر بالمطلوب الذي هو النعيم الدائم من غير شوب على وجه الإجلال والإعظام، لأن ذلك هو الثواب المطلوب للعبادات.

المسألة السابعة: هذه الآيات يتمسك الوعيدية بها من وجه، والمرجئة من وجه آخر.

أما الوعيدية فمن وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ وأولئك هُمُ المفلحون ﴾ يقتضي الحصر، فوجب فيمن أخل بالصلاة والزكاة أن لا يكون مفلحاً، وذلك يوجب القطع على وعيد تارك الصلاة والزكاة.

الثاني: أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم فيلزم أن تكون علة الفلاح هي فعل الإيمان والصلاة والزكاة، فمن أخل بهذه الأشياء لم يحصل له علة الفلاح، فوجب أن لا يحصل الفلاح.

أما المرجئة فقد احتجوا بأن الله حكم بالفلاح على الموصوفين بالصفات المذكروة في هذه الآية فوجب أن يكون الموصوف بهذه الأشياء مفلحاً وإن زنى وسرق وشرب الخمر، وإذا ثبت في هذه الطائفة تحقق العفو ثبت في غيرهم ضرورة، إذ لا قائل بالفرق.

والجواب: أن كل واحد من الاحتجاجين معارض بالآخر فيتساقطان، ثم الجواب عن قول الوعيدية: أن قوله: ﴿ وأولئك هُمُ المفلحون ﴾ يدل على أنهم الكاملون في الفلاح، فيلزم أن يكون صاحب الكبيرة غير كامل في الفلاح، ونحن نقول بموجبه، فإنه كيف يكون كاملاً في الفلاح وهو غير جازم بالخلاص من العذاب، بل يجوز له أن يكون خائفاً منه، وعن الثاني: أن نفي السبب الواحد لا يقتضي نفي المسبب، فعندنا من أسباب الفلاح عفو الله تعالى.

والجواب عن قول المرجئة: أن وصفهم بالتقوى يكفي في نيل الثواب لأنه يتضمن إتقاء المعاصي، وإتقاء ترك الواجبات والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أولئك على هُدًى ﴾ الجملة في محل الرفع إن كان الذين يؤمنون بالغيب مبتدأ؛ وإلا فلا محلّ لها.

ونظم الكلام على الوجهين: أنك إذا نويت الابتداء بالذين يؤمنون بالغيب.

فقد ذهبت به مذهب الاستئناف.

وذلك أنه لما قيل: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ واختصّ المتقون بأنّ الكتاب لهم هدى، اتجه لسائل أن يسأل فيقول: ما بال المتقين مخصوصين بذلك؟

فوقع قوله: ﴿ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب ﴾ إلى ساقته كأنه جواب لهذا السؤال المقدّر.

وجيء بصفة المتقين المنطوية تحتها خصائصهم التي استوجبوا بها من الله أن يلطف بهم، ويفعل بهم ما لا يفعل بمن ليسوا على صفتهم، أي الذين هؤلاء عقائدهم وأعمالهم، أحقاء بأن يهديهم الله ويعطيهم الفلاح.

ونظيره قولك: أحبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار الذين قارعوا دونه، وكشفوا الكرب عن وجهه، أولئك أهل للمحبة.

وإن جعلته تابعاً للمتقين، وقع الاستئناف على أولئك؛ كأنه قيل: ما للمستقلين بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى؟

فأجيب بأنّ أولئك الموصوفين، غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلاً، وبالفلاح آجلاً.

واعلم أنّ هذا النوع من الاستئناف يجيء تارة بإعادة اسم من استؤنف عنه الحديث، كقولك: قد أحسنت إلى زيد، زيد حقيق بالإحسان.

وتارة بإعادة صفته، كقولك: أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك منك؛ فيكون الاستئناف بإعادة الصفة أحسن وأبلغ، لانطوائها على بيان الموجب وتلخيصه.

فإن قلت: هل يجوز أن يجري الموصول الأوّل على المتقين، وأن يرتفع الثاني على الابتداء وأولئك خبره؟

قلت: نعم على أن يجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضاً بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند الله.

وفي اسم الإشارة الذي هو ﴿ أولئك ﴾ إيذان بأنّ ما يرد عقيبه فالمذكورون قبله أهل لاكتسابه من أجل الخصال التي عدّدت لهم، كما قال حاتم: ولله صعلوك ثم عدّد له خصالاً فاضلة، ثم عقب تعديدها بقوله: فَذَلِكَ إنْ يَهْلِكْ فحَسْبي ثَنَاؤُهُ ** وَإنْ عاشَ لَمْ يَقْعُدْ ضَعِيفاً مُذَمَّمَا ومعنى الاستعلاء في قوله (على هدى) مثل لتمكنهم من الهدى، واستقرارهم عليه، وتمسكهم به.

شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه.

ونحوه: هو على الحق وعلى الباطل.

وقد صرّحوا بذلك في قولهم: جعل الغواية مركباً، وامتطى الجهل واقتعد غارب الهوى.

ومعنى ﴿ هُدًى مّن رَّبّهِمْ ﴾ أي منحوه من عنده وأوتوه من قبله، وهو اللطف والتوفيق الذي اعتضدوا به على أعمال الخير، والترقي إلى الأفضل فالأفضل.

ونكر ﴿ هُدًى ﴾ ليفيد ضرباً مبهماً لا يبلغ كنهه، ولا يقادر قدره؛ كأنه قيل: على أي هدى، كما تقول: لو أبصرت فلاناً لأبصرت رجلاً.

وقال الهذلي: فَلاَ وَأَبِي الطَّيْرِ المُرِبَّةِ بالضُّحَى ** عَلى خالِدٍ لَقدْ وَقَعتِ على لَحَم والنون في ﴿ مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ أدغمت بغنة وبغير غنة، فالكسائي، وحمزة، ويزيد، وورش في رواية والهاشمي عن ابن كثير لم يغنوها.

وقد أغنها الباقون إلا أبا عمرو.

فقد روى عنه فيها روايتان.

وفي تكرير ﴿ أولئك ﴾ تنبيه على أنهم كما ثبتت لهم الأثرة بالهدى، فهي ثابتة لهم بالفلاح؛ فجعلتْ كلّ واحدة من الأثرتين في تمييزهم بالمثابة التي لو انفردت كفت مميزة على حيالها.

فإن قلت: لم جاء مع العاطف؟

وما الفرق بينه وبين قوله ﴿ أولئك كالانعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أولئك هُمُ الغافلون ﴾ [الأعراف: 179] ؟

قلت: قد اختلف الخبران هاهنا فلذلك دخل العاطف، بخلاف الخبرين ثمة فإنهما متفقان؛ لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيههم بالبهائم شيء واحد، فكانت الجملة الثانية مقرّرة لما في الأولى فهي من العطف بمعزل.

و ﴿ هُمْ ﴾ فصل: وفائدته: الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة، والتوكيد، وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره.

أو هو مبتدأ والمفلحون خبره، والجملة خبر أولئك.

ومعنى التعريف في ﴿ المفلحون ﴾ : الدلالة على أن المتقين هم الناس الذين عنهم بلغك أنهم يفلحون في الآخرة كما إذا بلغك أن إنساناً قد تاب من أهل بلدك، فاستخبرت من هو؟

فقيل زيد التائب، أي هو الذي أخبرت بتوبته.

أو على أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحين وتحققوا ما هم، وتصوّروا بصورتهم الحقيقة، فهم هم لا يعدون تلك الحقيقة.

كما تقول لصاحبك: هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الإقدام؟

إن زيداً هو هو.

فانظر كيف كرّر الله عزّ وجلّ التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى، وهي: ذكر اسم الإشارة، وتكريره، وتعريف المفلحين، وتوسيط الفصل بينه وبين أولئك؛ ليبصرك مراتبهم ويرغبك في طلب ما طلبوا، وينشطك لتقديم ما قدموا، ويثبطك عن الطمع الفارغ والرجاء الكاذب والتمني على الله ما لا تقتضيه حكمته ولم تسبق به كلمته.

اللهمّ زينا بلباس التقوى، واحشرنا في زمرة من صدرت بذكرهم سورة البقرة.

والمفلح: الفائز بالبغية كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه.

والمفلج بالجيم مثله.

ومنه قولهم للمطلقة: استفلحي بأمرك بالحاء والجيم.

والتركيب دال على معنى الشق والفتح، وكذلك أخواته في الفاء والعين، نحو: فلق، وفلذ، وفلى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ ﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ إنْ جُعِلَ أحَدُ المَوْصُولَيْنِ مَفْصُولًا عَنِ المُتَّقِينَ خَبَرٌ لَهُ، فَكَأنَّهُ لَمّا قِيلَ ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ قِيلَ ما بالُهم خُصُّوا بِذَلِكَ؟

فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ.

وإلّا فاسْتِئْنافٌ لا مَحَلَّ لَها، فَكَأنَّهُ نَتِيجَةُ الأحْكامِ والصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ.

أوْ جَوابُ سائِلٍ قالَ: ما لِلْمَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ اخْتَصُّوا بِالهُدى؟

ونَظِيرُهُ أحْسَنْتُ إلى زَيْدٍ صَدِيقِكَ القَدِيمِ حَقِيقٍ بِالإحْسانِ، فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ هاهُنا كَإعادَةِ المَوْصُوفِ بِصِفاتِهِ المَذْكُورَةِ، وهو أبْلَغُ مِن أنْ يُسْتَأْنَفَ بِإعادَةِ الِاسْمِ وحْدَهُ لِما فِيهِ مِن بَيانِ المُقْتَضى وتَلْخِيصِهِ، فَإنَّ تَرَتُّبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ إيذانٌ بِأنَّهُ المُوجِبُ لَهُ.

ومَعْنى الِاسْتِعْلاءِ في ﴿ عَلى هُدًى ﴾ تَمْثِيلُ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الهُدى واسْتِقْرارِهِمْ عَلَيْهِ بِحالِ مَنِ اعْتَلى الشَّيْءَ ورَكِبَهُ، وقَدْ صَرَّحُوا بِهِ في قَوْلِهِمُ: امْتَطى الجَهْلَ وغَوى واقْتَعَدَ غارِبَ الهَوى، وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِاسْتِفْراغِ الفِكْرِ وإدامَةِ النَّظَرِ فِيما نُصِبَ مِنَ الحُجَجِ والمُواظَبَةِ عَلى مُحاسَبَةِ النَّفْسِ في العَمَلِ.

ونُكِّرَ هُدًى لِلتَّعْظِيمِ.

فَكَأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ ضَرْبٌ لا يُبالِغُ كُنْهَهُ ولا يُقادِرُ قَدْرَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: فَلا وأبِي الطَّيْرُ المُرِبَّةُ بِالضُّحى...

عَلى خالِدٍ لَقَدْ وقَعْتَ عَلى لَحْمِ وَأُكِّدَ تَعْظِيمُهُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مانِحُهُ والمُوَفِّقُ لَهُ، وقَدْ أُدْغِمَتِ النُّونُ في الرّاءِ بِغُنَّةٍ وبِغَيْرِ غُنَّةٍ.

﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ كَرَّرَ فِيهِ اسْمَ الإشارَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اتِّصافَهم بِتِلْكَ الصِّفاتِ يَقْتَضِي كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ الأثَرَتَيْنِ وإنَّ كُلًّا مِنهُما كافٍ في تَمْيِيزِهِمْ بِها عَنْ غَيْرِهِمْ، ووَسَّطَ العاطِفَ لِاخْتِلافِ مَفْهُومِ الجُمْلَتَيْنِ هاهُنا بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿ أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ ﴾ ، فَإنَّ التَّسْجِيلَ بِالغَفْلَةِ والتَّشْبِيهَ بِالبَهائِمِ شَيْءٌ واحِدٌ فَكانَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مُقَرِّرَةً لِلْأُولى فَلا تَناسِبُ العَطْفَ.

وهُمْ: فَصْلٌ يَفْصِلُ الخَبَرَ عَنِ الصِّفَةِ ويُؤَكِّدُ النِّسْبَةَ، ويُفِيدُ اخْتِصاصَ المُسْنَدِ إلَيْهِ، أوْ مُبْتَدَأٌ والمُفْلِحُونَ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ أُولَئِكَ.

والمُفْلِحُ بِالحاءِ والجِيمِ: الفائِزُ بِالمَطْلُوبِ، كَأنَّهُ الَّذِي انْفَتَحَتْ لَهُ وُجُوهُ الظَّفَرِ، وهَذا التَّرْكِيبُ وما يُشارِكُهُ في الفاءِ والعَيْنِ نَحْوَ فَلَقَ وفَلَذَ وفَلِيَ يَدُلُّ عَلى الشَّقِّ.

والفَتْحُ وتَعْرِيفُ المُفْلِحِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُتَّقِينَ هُمُ النّاسُ الَّذِينَ بَلَغَكَ أنَّهُمُ المُفْلِحُونَ في الآخِرَةِ.

أوِ الإشارَةُ إلى ما يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن حَقِيقَةِ المُفْلِحِينَ وخُصُوصِيّاتِهِمْ.

تَنْبِيهٌ: تَأمَّلْ كَيْفَ نَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى اخْتِصاصِ المُتَّقِينَ بِنَيْلِ ما لا يَنالُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن وُجُوهٍ شَتّى، وبِناءُ الكَلامِ عَلى اسْمِ الإشارَةِ لِلتَّعْلِيلِ مَعَ الإيجازِ وتَكْرِيرُهُ وتَعْرِيفُ الخَبَرِ وتَوْسِيطُ الفَصْلِ لِإظْهارِ قَدْرِهِمْ والتَّرْغِيبِ في اقْتِفاءِ أثَرِهِمْ، وقَدْ تَشَبَّثَ بِهِ الوَعِيدِيَّةُ في خُلُودِ الفُسّاقِ مِن أهْلِ القِبْلَةِ في العَذابِ، ورَدَّ بِأنَّ المُرادَ بِالمُفْلِحِينَ الكامِلُونَ في الفَلاحِ، ويَلْزَمُهُ عَدَمُ كَمالِ الفَلاحِ لِمَن لَيْسَ عَلى صِفَتِهِمْ، لا عَدَمُ الفَلاحِ لَهُ رَأْسًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أولئك على هُدًى} الجملة في موضع الرفع إن كان الذين يؤمنون بالغيب مبتدأ وإلا فلا محل لها ويجوز أن يجري الموصول الأول على المتقين وأن يرتفع الثاني على الابتداء وأولئك خبره ويجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضاً بأهل الكتاب الذين لا يؤمنون بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند الله ومعنى الاستعلاء في على هدى مثل لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه وتمسكهم به بحيث شبهت حالهم بحال من اعتلى الشئ وركبه ونحوه هو على الحق وعلى الباطل وقد صرحوا بذلك في قولهم جعل الغواية مركباً وامتطى الجهل واقتعد غارب الهوى ومعنى هدى {مّن رَّبّهِمُ} أي أوتوه من عنده ونكر هدى ليفيد ضرباً مبهماً لا يبلغ كنهه كأنه قيل على أي هدى ونحوه لقد وقعت على لحم أي على لحم عظيم {وأولئك هُمْ المفلحون} أي الظافرون بما طلبوا الناجون عما هربوا فالفلاح درك البغية والمفلح الفائز بالبغية كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر والتركيب دال على معنى الشق والفتح وكذا أخواته في الفاء والعين نحو فلق وفلذ وفلى وجاء بالعطف هنا بخلاف قوله {أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أضل أولئك هم الغافلون} لاختلاف الخبرين المقتضيين للعطف هنا واتحاد الغفلة والتشبيه بالبهائم ثمّ فكانت الثانية مقررة للأولى فهي من العطف بمعزل وهم فصل وفائدته الدلالة على أن الوارد بعده خبر لاصفة والتوكيد وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره أو هو مبتدأ

والمفلحون خبره والجملة خبر أولئك فانظر كيف كرر الله عز وجل التنبيه على اختصاص المتقين بنيل مالا يناله أحد على طرق شتى وهي ذكر اسم الإشارة وتكريره ففيه تنبيه على أنهم كما ثبت لهم الأثرة بالهدى فهي ثابتة لهم بالفلاح وتعريف المفلحون ففيه دلالة على أن المتقين هم الناس الذين بلغك أنهم يفلحون في الآخرة كما إذا بلغك أن إنسانا قد تاب من أهل بلدك فاسخبرت من هو فقيل زيد التائب أي هو الذي أخبرت بتوبته وتوسيط الفصل بينه وبين أولئك ليبصرك مراتبهم ويرغبك في طلب ما طلبوا وينشطك لتقديم ما قدموا اللهم زينا بلباس التقوى واحشرنا في زمرة من صدرت بذكرهم سورة البقرة لما قدم ذكر أوليائه بصفاتهم المقربة إليه وبيَّن أن الكتاب هدى لهم قفى على أثره بذكر أضدادهم وهو العتاة المردة الذين لا ينفع فيهم الهدى بقوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ جُمْلَةٌ مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ عَلى الخَبَرِيَّةِ، فَإنْ جُعِلَ المَوْصُولُ الأوَّلُ مَفْصُولًا عَلى أكْثَرِ التَّقادِيرِ في الثّانِي ويَتْبَعُهُ فَصْلُهُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، إذْ لا يُقْطَعُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ دُونَ المَعْطُوفِ، فالخَبَرِيَّةُ لَهُ، وإنْ جُعِلَ مَوْصُولًا، وأُرِيدَ بِالثّانِي طائِفَةٌ مِمّا تَقَدَّمَهُ وجُعِلَ هو مَفْصُولًا، كانَ الإخْبارُ عَنْهُ، وذِكْرُ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ كَما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ التَّشْرِيكِ بَيْنَهُما في الحُكْمِ السّابِقِ أعْنِي ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ إفْرادِهِ بِالحُكْمِ عَنِ العامِّ، وحِينَئِذٍ تَكُونُ الجُمْلَةُ المُرَكَّبَةُ مِنَ المَوْصُولِ الثّانِي، وجُمْلَةُ الخَبَرِ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ المَوْصُوفِينَ بِـ ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ﴾ والجُمْلَةُ الأُولى، وإنْ كانَتْ مَسُوقَةً لِمَدْحِ الكِتابِ، والثّانِيَةُ لِمَدْحِ المَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ بِجَمِيعِ الكُتُبِ إلّا أنَّ مَدْحَهم لَيْسَ إلّا بِاعْتِبارِ إيمانِهِمْ بِذَلِكَ الكِتابِ، فَهُما مُتَناسِبَتانِ بِاعْتِبارِ إفادَةِ مَدْحِهِ، وفائِدَةُ جَعْلِ المَدْحِ مَقْصُودًا بِالذّاتِ تَرْغِيبُ أمْثالِهِمْ، والتَّعْرِيضُ عَلى ما قِيلَ بِمَن لَيْسَ عَلى صِفَتِهِمْ، والتَّخْصِيصُ المُسْتَفادُ مِنَ المَعْطُوفِ بِالقِياسِ إلى مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِأوْصافِهِمْ، فَلا يُنافِي ما اسْتُفِيدَ مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، مِن ثُبُوتِ الهُدى لِلْمُتَّقِينَ مُطْلَقًا، نَعَمْ لَيْسَ هَذا الوَجْهُ في البَلاغَةِ بِمَرْتَبَةِ فَصْلِ المَوْصُولِ الأوَّلِ فَهو أوْلى، وعَلَيْهِ تَكُونُ الجُمْلَةُ مُشِيرَةً إلى جَوابِ سُؤالٍ، إمّا عَنِ الحُكْمِ، أيْ إنَّ المُتَّقِينَ هَلْ يَسْتَحِقُّونَ ما أُثْبِتَ لَهم مِنَ الِاخْتِصاصِ بِالهُدى؟

أوْ عَنِ السَّبَبِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما سَبَبُ اخْتِصاصِهِمْ؟

أوْ عَنْ مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، أيْ هَلْ هم أحِقّاءُ بِذَلِكَ؟

وما السَّبَبُ فِيهِ حَتّى يَكُونُوا كَذَلِكَ؟

فَأُجِيبَ بِأنَّ هَؤُلاءِ لِأجْلِ اتِّصافِهِمْ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ مُتَمَكِّنُونَ عَلى الهُدى الكامِلِ الَّذِي مَنَحَهم إيّاهُ رَبُّهم تَعالى بِكِتابِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ العِلَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ، فَيَكُونُونَ مُسْتَحِقِّينَ لِلِاخْتِصاصِ، فالجَوابُ مُشْتَمِلٌ عَلى الحُكْمِ المَطْلُوبِ مَعَ تَلْخِيصِ مُوجِبِهِ، وضَمُّ نَتِيجَةِ الهُدى تَقْوِيَةٌ لِلْمُبالَغَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها تَنْكِيرُ هُدًى، أوْ تَحْقِيقًا لِلْحُكْمِ بِالبُرْهانِ الآتِي أيْضًا، ولِذا اسْتَغْنى عَنْ تَأْكِيدِ النِّسْبَةِ، أوِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مُؤَكِّدَةٌ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بَيَّنَ الجَوابَ مُرَتِّبًا عَلَيْهِ مُسَبَّبَيْهِ أعْنِي الهُدى والفَلاحَ، لِأنَّ ذَلِكَ أوْصَلُ إلى مَعْرِفَةِ السَّبَبِ، ولا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى التَّأْكِيدِ، والأمْرُ عَلى التَّقْدِيرِ، الثّالِثُ ظاهِرٌ، وجَعْلُ الجُمْلَةِ مُشِيرَةً إلى الجَوابِ عَلى احْتِمالِ وصْلِ الأوَّلِ وفَصْلِ الثّانِي مِمّا لا يَخْفى انْفِصالُهُ عَنْ ساحَةِ القَبُولِ، وإذا وصَلَ الأوَّلَ وعَطَفَ الثّانِيَ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا، والفَصْلُ لِكَمالِ الِاتِّصالِ، إذْ هي كالنَّتِيجَةِ لِلصِّفاتِ السّابِقَةِ، أوْ بَيانِيًّا، والفَصْلُ لِكَوْنِها كالمُتَّصِلَةِ، فَكَأنَّ سائِلًا يَقُولُ: ما لِلْمَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ اخْتُصُّوا بِالهُدى؟

فَأُجِيبَ بِأنَّ سَبَبَ اخْتِصاصِهِمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدَّرَ في الأزَلِ سَعادَتَهم وهِدايَتَهُمْ، فَجِبِلَّتُهم مَطْبُوعَةٌ عَلى الهِدايَةِ، والسَّعِيدُ سَعِيدٌ في بَطْنِ أُمِّهِ، لا سِيَّما إذا انْضَمَّ إلَيْهِ الفَلاحُ الأُخْرَوِيُّ الَّذِي هو أعْظَمُ المَطالِبِ، أوْ يُقالُ: إنَّ الجَوابَ بِشَرْحِ ما انْطَوى عَلَيْهِ اسْمُهم إجْمالًا مِن نُعُوتِ الكَمالِ، وبَيانِ ما تَسْتَدْعِيهِ مِنَ النَّتِيجَةِ، أيِ الَّذِينَ هَذِهِ شُؤُونُهم أحِقّاءُ بِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، وهَذا المَسْلَكُ يُسَلَكُ تارَةً بِإعادَةِ مَنِ اسْتُؤْنِفَ عَنْهُ الحَدِيثُ، كَأحْسَنْتُ إلى زَيْدٍ زَيْدٌ حَقِيقٌ بِالإحْسانِ، وأُخْرى بِإعادَةِ صِفَتِهِ كَأحْسَنْتُ إلى زَيْدٍ صَدِيقِكَ القَدِيمِ، أهْلٌ لِذَلِكَ، وهَذا أبْلَغُ لِما فِيهِ مِن بَيانِ المُوجِبِ لِلْحُكْمِ، وإيرادُ اسْمِ الإشارَةِ هُنا بِمَنزِلَةِ إعادَةِ المَوْصُوفِ بِصِفاتِهِ المَذْكُورَةِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِكَمالِ تَمَيُّزِهِ بِها، وانْتِظامِهِ لِذاكَ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ مَعَ الإيماءِ إلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِ، وعُلُوِّ دَرَجَتِهِ، هَذا وجَعْلُ (أُولَئِكَ) وحْدَهُ خَبَرًا، و ﴿ عَلى هُدًى ﴾ حالٌ بَعِيدٌ كَجَعْلِهِ بَدَلًا مِنَ (الَّذِينَ) والظَّرْفِ خَبَرًا، وإنَّما كَتَبُوا واوًا في (أُولَئِكَ) لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ إلَيْكَ الجارِّ والمَجْرُورِ كَما قِيلَ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ مُشارًا بِهِ لِجَمْعِ المُذَكَّرِ وكانَ مَبْنِيًّا ومُبايِنًا لِلشّائِعِ مِن صِيَغِ الجُمُوعِ جُبِرَ في الجُمْلَةِ بِكِتابَةِ حَرْفٍ يَكُونُ في الجَمْعِ في بَعْضِ الآياتِ، ومِنَ المَشْهُورِ: رَدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ عَلى هُدًى ﴾ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ حَيْثُ شَبَّهَتْ حالَ أُولَئِكَ، وهي تَمَكُّنُهم مِنَ الهُدى واسْتِقْرارُهم عَلَيْهِ، وتَمَسُّكُهم بِهِ بِحالِ مَنِ اعْتَلى الشَّيْءَ ورَكِبَهُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْحالِ الَّتِي هي المُشَبَّهُ المَتْرُوكُ كَلِمَةُ الِاسْتِعْلاءِ المُسْتَعْمَلَةُ في المُشَبَّهِ بِهِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ السَّعْدُ، وأنْكَرَ السَّيِّدُ اجْتِماعَ التَّمْثِيلِيَّةِ والتَّبَعِيَّةِ لِأنَّ كَوْنَها تَبَعِيَّةً يَقْتَضِي كَوْنَ كُلٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ مَعْنًى مُفْرَدًا، لِأنَّ المَعانِيَ الحَرْفِيَّةَ مُفْرَدَةٌ، وكَوْنُها تَمْثِيلِيَّةً يَسْتَدْعِي انْتِزاعَهُما مِن أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وهو يَسْتَلْزِمُ تَرَكُّبَهُ.

وأبْدى قُدِّسَ سَرُّهُ في الآيَةِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ، الأوَّلُ أنَّها اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ مُفْرَدَةٌ بِأنْ شَبَّهَ تَمَسُّكَ المُتَّقِينَ بِالهُدى بِاسْتِعْلاءِ الرّاكِبِ عَلى مَرْكُوبِهِ في التَّمَكُّنِ والِاسْتِقْرارِ فاسْتُعِيرَ لَهُ الحَرْفُ المَوْضُوعُ لِلِاسْتِعْلاءِ، الثّانِي أنْ يُشَبِّهَ هَيْئَةً مُنْتَزَعَةً مِنَ المُتَّقِي، والهُدى، وتَمَسُّكِهِ بِهِ بِالهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِنَ الرّاكِبِ والمَرْكُوبِ، واعْتِلائِهِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ هُناكَ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ تَرَكَّبَ كُلٌّ مِن طَرَفَيْها، لَكِنْ لَمْ يُصَرِّحْ مِنَ الألْفاظِ الَّتِي بِإزاءِ المُشَبَّهِ بِهِ إلّا بِكَلِمَةِ (عَلى) فَإنَّ مَدْلُولَها هو العُمْدَةُ في تِلْكَ الهَيْئَةِ، وما عَداهُ تابِعٌ لَهُ مُلاحَظٌ في ضِمْنِ ألْفاظٍ مَنوِيَّةٍ، وإنْ لَمْ تُقَدَّرْ في نَظْمِ الكَلامِ، فَلَيْسَ في (عَلى) اسْتِعارَةٌ أصْلًا، بَلْ هي عَلى حالِها، قَبْلَ الِاسْتِعارَةِ، كَما إذا صَرَّحَ بِتِلْكَ الألْفاظِ كُلِّها، الثّالِثُ أنْ يُشَبِّهَ الهُدى بِالمَرْكُوبِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ، وتُجْعَلُ كَلِمَةٌ عَلى قَرِينَةٍ لَها عَلى عَكْسِ الوَجْهِ الأوَّلِ، وهَذا الخِلافُ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ في هَذِهِ المَسْألَةِ مِمّا سارَتْ بِهِ الرُّكْبانُ وعُقِدَتْ لَهُ المَجالِسُ، وصُنِّفَتْ فِيهِ الرَّسائِلُ، وأوَّلُ ما وقَعَ بَيْنَهُما في مَجْلِسِ تَيْمُورٍ، وكانَ الحَكَمُ نُعْمانَ الخَوارِزْمِيَّ المُعْتَزِلِيَّ، فَحَكَمَ، والظّاهِرُ أنَّهُ لِأمْرٍ ما لِلسَّيِّدِ السَّنَدِ، والعُلَماءُ إلى اليَوْمِ فَرِيقانِ في ذَلِكَ، ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ فِيهِ، إلّا أنَّ الأكْثَرَ مَعَ السَّعْدِ، وأجابُوا عَنْ شُبْهَةِ السَّيِّدِ بِأنَّ انْتِزاعَ شَيْءٍ مِن أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ يَكُونُ عَلى وُجُوهٍ شَتّى، فَقَدْ يَكُونُ مِن مَجْمُوعِ تِلْكَ الأُمُورِ كالوَحْدَةِ الِاعْتِبارِيَّةِ، وقَدْ يَكُونُ مِن أمْرٍ بِالقِياسِ إلى آخَرَ، كالإضافاتِ، وقَدْ يَكُونُ بَعْضُهُ مِن أمْرٍ وبَعْضُهُ مِن آخَرَ، وعَلى الأوَّلَيْنِ لا يَقْتَضِي تَرْكِيبُهُ بَلْ تَعَدُّدُ مَأْخَذِهِ، فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ المَدْلُولُ الحَرْفِيُّ لِكَوْنِهِ أمْرًا إضافِيًّا كالِاسْتِعْلاءِ حالَةً مُنْتَزَعَةً مِن أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَلِجَرَيانِها في الحَرْفِ تَكُونُ تَبَعِيَّةً، ولِكَوْنِ كُلٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ حالَةً إضافِيَّةً مُنْتَزَعَةً مِن أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ تَمْثِيلِيَّةً، ولَعَلَّ اخْتِيارَ القَوْمِ في تَعْرِيفِ التَّمْثِيلِيَّةِ لَفْظَ الِانْتِزاعِ دُونَ التَّرْكِيبِ يُرْشِدُ المُنْصِفَ إلى عَدَمِ اشْتِراطِ التَّرْكِيبِ في طَرَفَيْهِ، وإلّا لَكانَ الأظْهَرُ لَفْظُ التَّرْكِيبِ، وقَدْ أشْبَعْنا القَوْلَ في ذَلِكَ، وذَكَرْنا ما لَهُ، وما عَلَيْهِ في كِتابِنا (الأجْوِبَةِ العِراقِيَّةِ عَنِ الأسْئِلَةِ الإيرانِيَّةِ)، وفي هَذا القَدْرِ هُنا كِفايَةٌ، وفي تَنْكِيرُ (هُدًى) إشارَةٌ إلى عَظَمَتِهِ فَلا يَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ، ومِقْدارَهُ إلّا اللَّطِيفُ الخَبِيرُ، وإنَّما ذُكِرَ الرَّبُّ مَعَ أنَّ الهُدى لا يَكُونُ إلّا مِنهُ سُبْحانَهُ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ بِإسْنادِهِ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وفِيهِ مُناسَبَةٌ واضِحَةٌ، إذْ حَيْثُ كانَ رَبُّهم ناسَبَ أنْ يُهَيِّئَ لَهم أسْبابَ السَّعادَتَيْنِ، ويَمُنَّ عَلَيْهِمْ بِمَصْلَحَةِ الدّارَيْنِ، وقَدْ تَكُونُ ثَمَّ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ أيْ (عَلى هُدًى) أيْ هُدًى، وحَذْفُ الصِّفَةِ لِفَهْمِ المَعْنى جائِزٌ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّنْوِينُ لِلْإفْرادِ أيْ عَلى هُدًى واحِدٍ، إذْ لا هُدى إلّا هُدى ما أُنْزِلَ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِنَسْخِهِ ما قَبْلَهُ، (ومِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِن هُدى رَبِّهِمْ، ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ مِنهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ هو المُوَفِّقُ لَهُمْ، والمُفِيضُ عَلَيْهِمْ مِن بِحارِ لُطْفِهِ وكَرَمِهِ، وإنْ تَوَسَّطَتْ هُناكَ أسْبابٌ عادِيَّةٌ، ووَسائِطُ صُورِيَّةٌ، عَلى أنَّ تِلْكَ الوَسائِطَ قَدْ تَرْتَفِعُ مِنَ البَيْنِ، فَيَتَبَلَّجُ صُبْحُ العِيانِ لِذِي عَيْنَيْنِ، وقَدْ قَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ (مِن رَبِّهُمْ) بِضَمِّ الهاءِ، وكَذَلِكَ سائِرُ هاآتِ جَمْعِ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ عَلى الأصْلِ مِن غَيْرِ أنْ يُراعِيَ فِيها سَبْقَ كَسْرٍ أوْ ياءً، وأدْغَمَ النُّونَ في الرّاءِ بِلا غُنَّةٍ الجُمْهُورُ، وعَلَيْهِ العَمَلُ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الأداءِ إلى الإدْغامِ مَعَ الغُنَّةِ، ورَوَوْهُ عَنْ نافِعٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ، وعاصِمٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبَ، وأظْهَرَ النُّونَ أبُو عَوْنٍ، عَنْ قالُونَ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ، وهَذِهِ الأوْجُهُ جارِيَةٌ أيْضًا في النُّونِ والتَّنْوِينِ، إذا لاقَتْ لامًا.

﴿ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ الفَلاحُ الفَوْزُ والظَّفَرُ بِإدْراكِ البُغْيَةِ، وأصْلُهُ الشَّقُّ والقَطْعُ، ويُشارِكُهُ في مَعْنى الشَّقِّ مُشارِكُهُ في الفاءِ والعَيْنِ نَحْوُ: فَلى، وفَلَقَ، وفَلَذَ، وفي تَكْرارِ اسْمِ الإشارَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ هَؤُلاءِ المُتَّصِفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ يَسْتَحِقُّونَ بِذَلِكَ الِاسْتِقْلالَ بِالتَّمَكُّنِ في الهُدى، والِاسْتِبْدادَ بِالفَلاحِ، والِاخْتِصاصَ بِكُلٍّ مِنهُما، ولَوْلاهُ لَرُبَّما فُهِمَ اخْتِصاصُهم بِالمَجْمُوعِ، فَيُوهِمُ تَحَقُّقَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِالِانْفِرادِ، فِيمَن عَداهُمْ، وإنَّما دَخَلَ العاطِفُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ لِكَوْنِهِما واقِعَتَيْنِ بَيْنَ كَمالِ الِاتِّصالِ والِانْفِصالِ، لِأنَّهُما وإنْ تَناسَبا مُخْتَلِفانِ مَفْهُومًا ووُجُودًا، فَإنَّ الهُدى في الدُّنْيا والفَلاحَ في الآخِرَةِ، وإثْباتُ كُلٍّ مِنهُما مَقْصُودٌ في نَفْسِهِ، وبِهَذا فارَقا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هم الغافِلُونَ ﴾ فالثّانِيَةُ فِيهِ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولى، إذْ لا مَعْنى لِلتَّشْبِيهِ إلّا بِالأنْعامِ المُبالِغَةِ في الغَفْلَةِ، فَلا مَجالَ لِلْعَطْفِ بَيْنَهُما و(هُمْ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا، أوْ بَدَلًا، فَيَكُونَ (المُفْلِحُونَ) خَبَرًا عَنْ (أُولَئِكَ)، أوْ مُبْتَدَأً، و(المُفْلِحُونَ) خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرَ (أُولَئِكَ)، وهَذِهِ الجُمْلَةُ لا تَخْلُو عَنْ إفادَةِ الحَصْرِ كَما لا يَخْفى، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ اللّامَ في (المُفْلِحُونَ) حَرْفُ تَعْرِيفٍ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ الثَّباتُ عَلى الفَلاحِ، فَهو حِينَئِذٍ مِمّا غَلَبَتْ عَلَيْهِ الِاسْمِيَّةُ، أوِ أُلْحِقَّ بِالصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، فَهي إمّا لِلْعَهْدِ الخارِجِيِّ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ المُتَّقِينَ هُمُ الَّذِينَ بَلَغَكَ أنَّهم مُفْلِحُونَ في العُقْبى، وضَمِيرُ الفَصْلِ إمّا لِلْقَصْرِ أوْ لِمُجَرَّدِ تَأْكِيدِ النِّسْبَةِ، ولا اسْتِبْعادَ في جَرَيانِ القَصْرِ قَلْبًا أوْ تَعْيِينًا، بَلْ إفْرادًا أيْضًا، أوْ لِلْجِنْسِ، فَتُشِيرُ إلى ما يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن هَذا المَفْهُومِ، فَإنْ أُرِيدَ القَصْرُ كانَ الفَصْلُ لِتَأْكِيدِ النِّسْبَةِ، ولِتَأْكِيدِ الِاخْتِصاصِ أيْضًا، وإنْ أُرِيدَ الِاتِّحادُ كانَ لِمُجَرَّدِ تَأْكِيدِ النِّسْبَةِ، وتَشَبَّثَ المُعْتَزِلَةُ والخَوارِجُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِخُلُودِ تارِكِ الواجِبِ في العَذابِ، لِأنَّ قَصْرَ جِنْسِ الفَلاحِ عَلى المَوْصُوفِينَ يَقْتَضِي انْتِفاءَ الفَلاحِ عَنْ تارِكِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فَيَكُونُ مُخَلَّدًا في العَذابِ، وهَذا أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ، فَلا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلالِ، لِأنَّ الفَلاحَ عَدَمُ الدُّخُولِ، أوْ لِأنَّ انْتِفاءَ كَمالِ الفَلاحِ كَما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ، والسِّباقُ لا يَقْتَضِي انْتِفاءَهُ مُطْلَقًا، ولا حاجَةَ إلى حَمْلِ المُتَّقِينَ عَلى المُجْتَنِبِينَ لِلشِّرْكِ، لِيَدْخُلَ العاصِي فِيهِمْ، لِأنَّ الإشارَةَ لَيْسَتْ إلَيْهِمْ فَقَطْ، فَلا يُجْدِي نَفْعًا، كَكَوْنِ الصِّفَةِ مادِحَةً كَما لا يَخْفى، وها هُنا سِرٌّ دَقِيقٌ وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَكى في مُفْتَتَحِ كِتابِهِ الكَرِيمِ مَدْحَ العَبْدِ لِبارِيهِ بِسَبَبِ إحْسانِهِ إلَيْهِ، وتَرَقّى فِيهِ، ثُمَّ مَدَحَ البارِي هُنا عَبْدَهُ بِسَبَبِ هِدايَتِهِ لَهُ، وتَرَقّى فِيهِ، عَلى أُسْلُوبٍ واحِدٍ، فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ ماجِدٍ كَمْ أسْدى جَمِيلًا، وأعْطى جَزِيلًا، وشُكِرَ قَلِيلًا، فَلَهُ الفَضْلُ بِلا عَدٍّ، ولَهُ الحَمْدُ بِلا حَدٍّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني بالقرآن قوله: وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يعني التوراة والإنجيل وسائر الكتب، ويقال: لما نزلت هذه الآية الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ قالت اليهود والنصارى: نحن آمنا بالغيب فلما قال: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ قالوا: نحن نقيم الصلاة فلما قال: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ قالوا: نحن ننفق ونتصدق.

فلما قال: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ نفروا من ذلك.

وقوله: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أي يقرُّون يوم القيامة، والجنة والنار، والبعث، والحساب، والميزان.

واليقين على ثلاثة أوجه: يقين عيان، ويقين خبر، ويقين دلالة.

فأما يقين العيان: إذا رأى شيئاً، زال عنه الشك في ذلك الشيء، وأما يقين الدلالة: هو أن يرى دخاناً يرتفع من موضع، يعلم باليقين أن هناك ناراً وإن لم يرها وأما يقين الخبر: فإن الرجل يعلم باليقين أن في الدنيا مدينة يقال لها بغداد، وإن لم يكن يعاينها.

فهاهنا يقين خبر، ويقين دلالة، أن الآخرة حق ولكن تصير معاينة عند الرؤية.

ثم قال عز وجل: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ يعني أهل هذه الصفة الذين سبق ذكرهم على بيان من الله تعالى، أي أكرمهم الله تعالى في الدنيا حيث هداهم، وبين لهم طريقهم.

وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ في الآخرة، أي الناجون.

يعني أن الله تعالى أكرمهم في الدنيا بالبيان، وفي الآخرة بالنجاة.

وقد قيل: الفلاح هو البقاء في النعمة.

وقد قيل: الفلاح إذا بلغ الإنسان نهاية ما يأمل.

ويقال: معناه قد وجدوا ما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا.

وكل ما في القرآن المفلحون، فتفسيره هكذا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

به، حلالا كان أو حراما، ويُنْفِقُونَ: معناه هنا: يؤْتُونَ ما ألزمهُمُ الشرعُ من زكاةٍ، وما ندبهم إِلَيْهِ من غير ذلك.

قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: اختلف المتأوِّلون من المراد بهذه الآية والتي قبلها، فقال قوم: الآيتان جميعاً في جميع المؤمنينَ، وقال آخرون: هما في مُؤْمِنِي أهْلِ الكتاب، وقال آخرون: الآية الأولى في مُؤْمِنِي العربِ، والثانيةُ في مؤمني أهل الكتاب كعبد الله بن سلام «١» وفيه نزلت.

وقوله: بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ: يعني القرآن، وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، يعني: الكتب السالفة، ويُوقِنُونَ معناه: يعلَمُونَ عِلْماً متمكِّناً في نفوسهم، واليقين أعلى درجات العلم.

وقوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ إِشارة إِلى المذكورين، والهدى هنا:

الإِرشاد، والفلاحُ: الظَّفَر بالبغية، وإدراك الأمل.

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ ...

إلى عَظِيمٌ: اختلف فيمن نزلَتْ هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامَّة لوجود الكفار قد أسلموا بعدها، فقال قوم: هي فيمن سبق في علْمِ اللَّه، أنه لا يؤمِنُ، وقال ابن عَبَّاسٍ: نزَلَتْ في حُيَيٍّ بْنِ أَخْطَبَ، وأَبِي ياسِرِ بنِ أَخْطَبَ، وكعب بن الأَشْرَفِ «١» ، ونظرائهم «٢» .

والقولُ الأول هو المعتمد عليه.

وقوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ معناه: معتدلٌ عندهم، والإِنذار: إعلام بتخويف، هذا حدُّه، وقوله تعالى: خَتَمَ: مأخوذ من الخَتْم، وهو الطبعُ، والخاتَمُ: الطابَعُ قال في مختصر الطبريِّ: والصحيح أن هذا الطبع حقيقة «٣»

لا أنه مجاز «١» فقد جاء عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم: «إنَّ العَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْباً، نُكِتَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ، وَنَزَعَ واستغفر، صُقِلَ «٢» قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ، زَادَتْ حتى تَغَلَّقَ قلبه، فذلك

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ عَلى هُدًى ﴾ أيْ: عَلى رَشادٍ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلى نُورٍ واسْتِقامَةٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المُفْلِحُونَ: الفائِزُونَ بِبَقاءِ الأبَدِ.

وأصْلُ الفَلاحِ: البَقاءُ.

ويَشْهَدُ لِهَذا قَوْلُ لَبِيدٍ: نَحِلُّ بِلادًا كُلَّها حُلَّ قَبْلَنا ونَرْجُو الفَلاحَ بَعْدَ عادٍ وحِمْيَرِ.

يُرِيدُ: البَقاءَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المُفْلِحُ: الفائِزُ بِما فِيهِ غايَةُ صَلاحِ حالِهِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومِنهُ: حَيَّ عَلى الفَلاحِ، مَعْناهُ: هَلُمُّوا إلى سَبِيلِ الفَوْزِ ودُخُولِ الجَنَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِيمَنِ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِالَّتِي قَبْلَها، فَقالَ قَوْمٌ: الآيَتانِ جَمِيعًا في جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، وقالَ آخَرُونَ: هُما في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، وقالَ آخَرُونَ: الآيَةُ الأُولى في مُؤْمِنِي العَرَبِ، والثانِيَةُ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، وفِيهِ نَزَلَتْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الأقْوالُ تَتَعارَضُ، فَمَن جَعَلَ الآيَتَيْنِ في صِنْفٍ واحِدٍ، فَإعْرابُ "الَّذِينَ" خَفْضٌ عَلى العَطْفِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ: "وَهُمُ الَّذِينَ"، ومَن جَعَلَ الآيَتَيْنِ في صِنْفَيْنِ فَإعْرابُ "الَّذِينَ" رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿ أُولَئِكَ عَلى هُدًى ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، ﴿ وَما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ يَعْنِي الكُتُبَ السالِفَةَ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، ويَزِيدُ بْنُ قَطِيبٍ "بِما أنْزَلَ" و"ما أنْزَلَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ فِيهِما خاصَّةً، والفِعْلُ عَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يُسْتَنَدَ إلى اللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلَ إلى جِبْرِيلَ، والأوَّلُ أظْهَرُ وألْزَمُ.

و"بِالآخِرَةِ" قِيلَ: مَعْناهُ بِالدارِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: بِالنَشْأةِ الآخِرَةِ.

و"يُوقِنُونَ" مَعْناهُ: يَعْلَمُونَ عِلْمًا مُتَمَكِّنًا في نُفُوسِهِمْ، واليَقِينُ أعْلى دَرَجاتِ العِلْمِ، وهو الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يَدْخُلَهُ شَكٌّ بِوَجْهٍ.

وقَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ: "فَيَحْلِفُ عَلى يَقِينِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ الأمْرُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ"، تَجُوزُ في العِبارَةِ عَلى عُرْفِ تَجَوُّزِ العَرَبِ، ولَمْ يَقْصِدْ تَحْرِيرَ الكَلامِ في اليَقِينِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ و"أُولاءِ" جَمْعُ (ذا)، وهو مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ، لِأنَّهُ ضَعْفٌ لِإبْهامِهِ عن قُوَّةِ الأسْماءِ، وكانَ أصْلَ البَنّاءِ السُكُونُ، فَحُرِّكَ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، و"الكافُ" لِلْخِطابِ، و"الهُدى" هُنا الإرْشادُ، و"أُولَئِكَ" الثانِي ابْتِداءٌ، و"المُفْلِحُونَ" خَبَرُهُ، و"هُمُ" فَصْلٌ؛ لِأنَّهُ وقَعَ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "هُمُ" ابْتِداءٌ و"المُفْلِحُونَ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ "أُولَئِكَ".

والفَلْحُ: الظَفَرُ بِالبُغْيَةِ، وإدْراكُ الأمَلِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: واعْقِلِي -إنْ كُنْتِ لَمّا تَعْقِلِي- ولَقَدْ أفْلَحَ مَن كانَ عَقْلُ وقَدْ ورَدَتْ لِلْعَرَبِ أشْعارٌ فِيها الفَلاحُ بِمَعْنى البَقاءِ كَقَوْلِهِ: ......................................

∗∗∗ ونَرْجُو الفَلاحَ بَعْدَ عادٍ وحِمْيَرَ وكَقَوْلِ الأضْبَطِ: لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الهُمُومِ سَعَهْ ∗∗∗ والصُبْحُ والمُسْيُ لا فَلاحَ مَعَهُ والبَقاءُ يَعُمُّهُ إدْراكُ الأمَلِ والظَفَرِ بِالبُغْيَةِ، إذْ هو رَأسُ ذَلِكَ ومَلاكُهُ، وحَكى الخَلِيلُ الفَلاحَ عَلى المَعْنَيَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أولئك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ .

اسم الإشارة متوجه إلى ﴿ المتقين ﴾ [البقرة: 2] الذين أجرى عليهم من الصفات ما تقدم، فكانوا فريقين.

وأصل الإشارة أن تعود إلى ذات مشاهدة معينة إلا أن العرب قد يخرجون بها عن الأصل فتعود إلى ذات مستحضرة من الكلام بعد أن يذكر من صفاتها وأحوالها ما ينزلها منزلة الحاضر في ذهن المتكلم والسامع، فإن السامع إذا وعَى تلك الصفات وكانت مهمة أو غريبة في خير أو ضده صار الموصوف بها كالمشاهد، فالمتكلم يبني على ذلك فيشير إليه كالحاضر المشاهد، فيؤتى بتلك الإشارة إلى أنه لا أوضح في تشخصه، ولا أغنى في مشاهدته من تعرف تلك الصفات، فتكفي الإشارة إليها، هذا أصل الاستعمال في إيراد الإشارة بعد ذكر صفات مع عدم حضور المشار إليه.

ثم إنهم قد يتُبِعون اسمَ الإشارة الوارد بعد تلك الأوصاف بأحكام فيدل ذلك على أن منشأ تلك الأحكام هو تلك الصفات المتقدمة على اسم الإشارة، لأنها لما كانت هي طريق الاستحضار كانت الإشارة لأهل تلك الصفات قائمة مقام الذوات المشار إليها، فكما أن الأحكام الواردة بعد أسماء الذوات تفيد أنها ثابتة للمسميات فكذلك الأحكام الواردة بعد ما هو للصفات تفيد أنها ثبتت للصفات، فكقوله: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ بمنزلة أن يقول إن تلك الأوصاف هي سبب تمكنهم من هدي ربهم إياهم.

ونظيره قول حاتم الطائي: ولله صُعْلُوكٌ يساوِر هَمَّه *** ويَمضى على الأحداث والدَّهرِ مُقْدِماً فَتَى طَلَبات لا يَرى الخَمص تُرْحة *** ولا شُبْعَةً إِنْ نالها عَدَّ مغنَماً إلى أن قال: فذلك إن يَهْلِكْ فحُسْنى ثَناؤه *** وإن عاش لم يقْعُد ضعيفاً مذمماً فقوله: ﴿ أولئك على هدى ﴾ جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن السامع إذا سمع ما تقدم من صفات الثناء عليهم ترقب فائدة تلك الأوصاف، واسم الإشارة هنا حل محل ذكر ضميرهم والإشارة أحسن منه وقعاً لأنها تتضمن جميع أوصافهم المتقدمة فقد حققه التفتزاني في باب الفصل والوصل من الشرح المطول أن الاستئناف بذكر اسم الإشارة أبلغ من الاستئناف الذي يكون بإعادة اسم المستأنف عنه.

وهذا التقدير أظهر معنى وأنسب بلاغة وأسعد باستعمال اسم الإشارة في مثل هاته المواقع، لأنه أظهر في كون الإشارة لقصد التنويه بتلك الصفات المشار إليها وبما يرد بعد اسم الإشارة من الحكم الناشئ عنها، وهذا لا يحصل إلا بجعل اسم الإشارة مبتدأ أول صدر جملة استئناف.

فقوله: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ رجوع إلى الإخبار عنهم بأن القرآن هدى لهم والإتيان بحرف الاستعلاء تمثيل لحالهم بأن شبهت هيئة تمكنهم من الهدى وثباتهم عليه ومحاولتهم الزيادة به والسير في طريق الخيرات بهيأة الراكب في الاعتلاء على المركوب والتمكن من تصريفه والقدرة على إراضته فشبهت حالتهم المنتزعة من متعدد بتلك الحالة المنتزعة من متعدد تشبيهاً ضمنياً دل عليه حرف الاستعلاء لأن الاستعلاء أقوى أنواع تمكن شيء من شيء، ووجه جعلنا إياها مؤذنة بتقدير مركوب دون كرسي أو مسطبة مثلاً، لأن ذلك هو الذي تسبق إليه أفهامهم عند سماع ما يدل على الاستعلاء، إذ الركوب هو أكثر أنواع استعلائهم فهو الحاضر في أذهانهم، ولذلك تراهم حين يصرحون بالمشبه به أو يرمزون إليه ما يذكرون إلا المركوب وعلائقه، فيقولون جعل الغَواية مركباً وامتطى الجهل وفي «المقامة»: «لما اقتعدتُ غارب الاغتراب وقالوا في الأمثال: ركب متن عمياء، تخبط خبط عشواء.

وقال النابغة يهجو عامر بن الطفيل الغنوي: فإن يكُ عامر قد قال جَهْلا *** فإن مَطِيَّةَ الجَهْللِ الشبابُ فتكون كلمة «على» هنا بعض المركب الدال على الهيأة المشبه بها على وجه الإيجاز وأصله أولئك على مطية الهدى فهي تمثيلية تصريحية إلا أن المصرح به بعض المركّب الدال لا جميعه.

هكذا قرر كلام «الكشاف» فيها شارحوه والطيبي، والتحتاني والتفتزاني والبيضاوي.

وذهب القزويني في «الكشف» والسيد الجرجاني إلى أن الاستعارة في الآية تبعية مقيدة بأن شبه التمسك بالهدى عند المتقين بالتمكن من الدابة للراكب، وسرى التشبيه إلى معنى الحرف وهو علَى، وجوز السيد وجهاً ثالثاً وهو أن يكون هنا استعارة مكنية مفردة بأن شُبه الهدى بمركوب وحرف الاستعلاء قرينة على ذلك على طريقة السكاكي في رد التبعية للمكنية.

ثم زاد الطيبي والتفتزاني فجعلا في الآية استعارة تبعية مع التمثيلية قائلين إن مجيء كلمة على يعين أن يكون معناها مستعاراً لما يماثله وهو التمكن فتكون هنالك تبعية لا محالة.

وقد انتصر سعد الدين التفتزاني لوجه التمثيلية وانتصر السيد الجرجاني لوجه التبعية.

واشتد السيد في إنكار كونها تمثيلية ورآه جمعاً بين متنافيين لأن انتزاع كل من طرفي التشبيه من أمور متعددة يستلزم تركبه من معان متعددة، كيف ومتعلق معنى الحرف من المعاني المفردة كالاستعلاء هنا؛ فإذا اعتبر التشبيه هنا مركباً استلزم أن لا يكون معنى على ومتعلق معناها مشبهاً به ولا مستعاراً منه لا تبعاً ولا أصالة، وأطال في ذلك في «حاشيته للكشاف» و«حاشيته على المطول» كما أطال السعد في «حاشية الكشاف» وفي «المطول»، وتراشقا سهام المناظرة الحادة.

ونحن ندخل في الحكومة بين هذين العلمين بأنه لا نزاع بين الجميع أن في الآية تشبيه أشياء بأشياء على الجملة حاصلة من ثبوت الهدى للمتقين ومن ثبوت الاستعلاء على المركوب غير أن اختلاف الفريقين هو في تعيين الطريقة الحاصل بها هذا التشبيه فالأكثرون يجعلونها طريقة التمثيلية بأن يكون تشبيه تلك الأشياء حاصلاً بالانتزاع والتركيب لهيئة، والسيد يجعلها طريقة التبعية بأن يكون المشبه والمشبه به هما فردان من تلك الأشياء ويحصل العلم ببقية تلك الأشياء بواسطة تقييد المفردين المشبه والمشبه به، ويجوز طريقة التمثيل وطريقة المكنية.

فينصرف النظر هنا إلى أي الطريقتين أرجح اعتباراً وأوفى في البلاغة مقداراً.

وإلى أن الجمع بين طريقتي التمثيلية والتبعية هل يعد متناقضاً في اعتبار القواعد البيانية كما زعمه السيد؟

تقرر في علم البيان أن أهله أشد حرصاً على اعتبار تشبيه الهيئة فلا يعدلون عنه إلى المفرد مهما استقام اعتباره ولهذا قال الشيخ في «دلائل الإعجاز» عند ذكر بيت بشار: كَأَنَّ مُثَار النَّقْع فوق رُؤوسنا *** وأسيافَنَا ليل تَهاوَى كواكبُه «قصد تشبيه النقع والسيوف فيه بالليل المتهاوية كواكبه، لا تشبيه النقع بالليل من جانب والسيوف بالكواكب من جانب، ولذلك وجب الحكم بأن أسيافنا في حكم الصلة للمصدر (أي مثار) لئلا يقع في تشبيهه تفرق، فإن نصب الأسياف على أن الواو بمعنى مع لا على العطف».

إذا تقرر هذا تبين لديك أن للتشبيه التمثيلي الحظ الأوْفى عند أهل البلاغة ووجهه أن من أهم أغراض البلغاء وأولها باب التشبيه وهو أقدم فنونها، ولا شك أن التمثيل أخص أنواع التشبيه لأنه تشبيه هيئة بهيئة فهو أوقع في النفوس وأجلى للمعاني.

ونحن نجد اعتبار التمثيلية في الآية أرجح لأنها أوضح وأبلغ وأشهر وأسعد بكلام «الكشاف»، أما كونها أوضح فلأن تشبيه التمثيل منزع واضح لا كلفة فيه فيفيد تشبيه مجموع هيئة المتقين في اتصافهم بالهدى بهيئة الراكب إلخ بخلاف طريقة التبعية فإنها لا تفيد إلا تشبيه التمكن بالاستعلاء ثم يستفاد ما عدا ذلك بالتقييد.

وأما كونها أبلغ فلأن المقام لما سمح بكلا الاعتبارين باتفاق الفريقين لا جرم كان أولاهما بالاعتبار ما فيه خصوصيات أقوى وأعز.

وأما كونها أشهر فلأن التمثيلية متفق عليها بخلاف التبعية.

وأما كونه أسعد بكلام «الكشاف» فلأن ظاهر قوله: «مَثَل» أنه أراد التمثيل، لأن كلام مثله من أهل هذه الصناعة لا تخرج فيه اللفظة الاصطلاحية عن متعارف أهلها إلى أصل المعنى اللغوي.

فإذا صح أن التمثيلية أرجح فلننقل الكلام إلى تصحيح الجمع بينها وبين التبعية وهو المجال الثاني للخلاف بين العلامتين فالسعد والطيبي يجوزان اعتبار التبعية مع التمثيلية في الآية والسيد يمنع ذلك كما علمتم ويقول إذا كان التشبيه منتزعاً من متعدد فقد انتزع كل جزء في المشبَّه من جزئي المشبَّه به وهو معنى التركيب فكيف يعتبر بعض المشبه به مستعاراً لبعض المشبه فينتقض التركيب.

وهذا الدليل ناظر إلى قول أئمة البلاغة إن أصل مفردات المركب التمثيلي أن تكون مستعملة في معانيها الحقيقية وإنما المجاز في جملة المركب أي في إطلاقه على الهيئة المشبهة، فكلام السيد وقوف عندها.

ولكن التفتزاني لم ير مانعاً من اعتبار المجاز في بعض مفردات المركب التمثيلي إذا لم يكن فيه تكلف، ولعله يرى ذلك زيادة في خصوصيات إعجاز هذه الآية، ومن شأن البليغ أن لا يفيت ما يقتضيه الحال من الخصوصيات، وبهذا تفاوتت البلغاء كما تقرر في مبحث تعريف البلاغة وحد الإعجاز هو الطرف الأعلى للبلاغة الجامع لأقصى الخصوصيات كما بيناه في موضعه وهو المختار فلما وجد في الهيئة المشبهة والهيئة المشبه بها شيئان يصلحان لأن يشبه أحدهما بالآخر تشبيهاً مستقلاً غير داخل في تشبيه الهيئة كان حق هذا المقام تشبيه التمكن بالاستعلاء وهو تشبيه بديع وأشير إليه بكلمة على وأما غير هذين من أجزاء الهيأتين فلما لم يحسن تشبيه شيء منها بآخر أُلْغي التشبيه المفرد فيها إذ لا يحسن تشبيه المتقي بخصوص الراكب ولا الهُدى بالمركوب فتكون «على» على هذا الوجه بعضاً من المجاز المركب دليلاً عليه باعتبار ومجازاً مفرداً باعتبار آخر.

والذي أَخْتاره في هذه الآية أن يكون قوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى ﴾ استعارة تمثيلية مكنية شبهت الحالة بالحالة وحذف لفظ المشبه به وهو المركب الدال على الركوب كأن يقال رَاكِبِين مطية الهدى وأبقى ما يدل على المشبه وهو ﴿ أولئك ﴾ والهدى، ورمز للمركب الدال على المشبه به بشيء من لوازمه وهو لفظ (على) الدال على الركوب عرفاً كما علمتم، فتكمل لنا في أقسام التمثيلية الأقسام الثلاثة: الاستعارة كما في الاستعارة المفردة فيكون التمثيل منه مجاز مرسل كاستعمال الخبر في التحسر ومنه استعارة مصرحة نحو أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى ومنه مكنية كما في الآية على رأينا، ومنه تبعية كما في قول الحماسي: وفارسٍ في غمار الموت منغمسٍ *** إذا تألَّى على مكروهة صدقا فإن منغمس تمثيل لهيئة إحاطة أسباب الموت به من كل جانب بهيئة من أحاطت به المياه المهلكة من كل جانب ولفظ منغمس تبعية لا محالة.

وإنما نكر هدى ولم يعرف باللام لمساواة التعريف والتنكير هنا إذ لو عُرِّف لكان التعريف تعريفَ الجنس فرجح التنكير تمهيداً لوصفه بأنه من عند ربهم، فهو مغاير للهدى السابق في قوله: ﴿ هدى للمتقين ﴾ مغايرةً بالاعتبار إذ القصد التنويه هنا بشأن الهدى وتوسلاً إلى إفادة تعظيم الهدى بقرينة مقام المدح وبذكر ما يدل على التمكن فتعين قصد التعظيم.

فقوله: ﴿ من ربهم ﴾ تنويه بهذا الهدى يقتضي تعظيمه وكل ذلك يرجع إلى تعظيم المتصفين بالتمكن منه.

وإنما وصف الهدى بأنه من ربهم للتنويه بذلك الهدى وتشريفه مع الإشارة بأنهم بمحل العناية من الله وكذلك إضافة الرب إليهم هي إضافة تعظيم لشأن المضاف إليه بالقرينة.

﴿ وأولئك هُمُ المفلحون ﴾ .

مرجع الإشارة الثانية عين مرجع الأولى، ووجه تكرير اسم الإشارة التنبيه على أن كلتا الأثرتين جديرة بالاعتناء والتنويه، فلا تذكر إحداهما تبعاً للأخرى بل تخص بجملة وإشارة خاصة ليكون اشتهارهم بذلك اشتهاراً بكلتا الجملتين وأنهم ممن يقال فيه كلا القولين.

ووجه العطف بالواو دون الفَصْللِ أن بين الجملتين توسطاً بين كمالي الاتصال والانقطاع لأنك إن نظرت إلى اختلاف مفهومهما وزمن حصولهما فإن مفهوم إحداهما وهو الهدى حاصل في الدنيا ومفهوم الأخرى وهو الفلاح حاصل في الآخرة كانتا منقطعتين.

وإن نظرت إلى تسبب مفهوم إحداهما عن مفهوم الأخرى، وكون كل منهما مقصوداً بالوصف كانتا متصلتين، فكان التعارض بين كمالي الاتصال والانقطاع منزلاً إياهما منزلة المتوسطين، كذا قرر شراح «الكشاف» ومعلوم أن حالة التوسط تقتضي العطف كما تقرر في علم المعاني، وتعليله عندي أنه لما تعارض المقتضيان تعين العطف لأنه الأصل في ذكر الجمل بعضها بعد بعض.

وقوله: ﴿ هم المفلحون ﴾ الضمير للفصل، والتعريف في المفلحون للجنس وهو الأظهر إذ لا معهود هنا بحسب ظاهر الحال، بل المقصود إفادة أن هؤلاء مفلحون، وتعريف المسند بلام الجنس إذا حمل على مسندٍ إليه معرففٍ أفاد الاختصاص فيكون ضمير الفصل لمجرد تأكيد النسبة، أي تأكيداً للاختصاص.

فأما إذا كان التعريف للجنس وهو الظاهر فتعريف المسند إليه مع المسند من شأنه إفادة الاختصاص غالباً لكنه هنا مجرد عن إفادة الاختصاص الحقيقي، ومفيد شيئاً من الاهتمام بالخبر، فلذلك جلب له التعريف دون التنكير وهذا مثَّله عبد القاهر بقولهم: هو البطل الحامي، أي إذا سمِعْت بالبطل الحامي وأحطت به خبراً فهو فلان.

وإليه أشار في «الكشاف» هنا بقوله: «أو على أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحين وتحققوا ما هم وتصوروا بصورتهم الحقيقية فهم هم» والسكاكي لم يتابع الشيخين على هذا فعدل عنه في «المفتاح» ولله دره.

والفلاح: الفوز وصلاح الحال، فيكون في أحوال الدنيا وأحوال الآخرة، والمراد به في اصطلاح الدين الفوز بالنجاة من العذاب في الآخرة.

والفعل منه أفلح أي صار ذا فلاح، وإنما اشتق منه الفعل بواسطة الهمزة الدالة على الصيرورة لأنه لا يقع حدثاً قائماً بالذات بل هو جنس تحف أفراده بمن قدرت له، قال في «الكشاف»: انظر كيف كرر الله عز وجل التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى وهي ذكر اسم الإشارة وتكريره وتعريف المفلحين، وتوسيط ضمير الفصل بينه وبين ﴿ أولئك ﴾ ليبصرك مراتبهم ويرغبك في طلب ما طلبوا وينشطك لتقديم ما قدموا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ ﴾ يَعْنِي: (بَيانٍ ورُشْدٍ).

﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ الفائِزُونَ السُّعَداءُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: لَوْ أنَّ حَيًّا مُدْرِكُ الفَلاحِ أدْرَكَهُ مُلاعِبُ الرِّماحِ والثّانِي: المَقْطُوعُ لَهم بِالخَيْرِ، لِأنَّ الفَلْحَ في كَلامِهِمُ القَطْعُ، وكَذَلِكَ قِيلَ لِلْأكّارِ فَلّاحٌ، لِأنَّهُ يَشُقُّ الأرْضَ، وقَدْ قالَ الشّاعِرُ: لَقَدْ عَلِمْتَ يا ابْنَ أُمِ صَحْصَحْ ∗∗∗ أنَّ الحَدِيدَ بِالحَدِيدِ يُفْلَحْ واخْتُلِفَ فِيمَن أُرِيدَ بِهِمْ، عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ مِنَ العَرَبِ، والمُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ، وعَلى مَن قَبْلَهُ مِن سائِرِ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ العَرَبِ.

والثّانِي: هم مُؤْمِنُو العَرَبِ وحْدَهم.

والثّالِثُ: جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ﴾ أي يصدقونك بما جئت به من الله، وما جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم ولا يجحدون ما جاؤوهم به من ربهم ﴿ وبالآخرة هم يوقنون ﴾ أي بالبعث، والقيامة، والجنة، والنار، والحساب، والميزان، أي لا هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما كان قبلك ويكفرون بما جاءك من ربك.

واخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ والذين يؤمنون بما أنزل إليك ﴾ قال: هو الفرقان الذي فرق الله به بين الحق والباطل ﴿ وما أنزل من قبلك ﴾ أي الكتب التي قد خلت قبله ﴿ أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ﴾ قال: استحقوا الهدى والفلاح بحق، فأحقه الله لهم، وهذا نعت أهل الإِيمان، ثم نعت المشركين فقال: ﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم ﴾ [ البقرة: 6] الآيتين.

وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند والحاكم والبيهقي في الدعوات عن أبيّ بن كعب قال: «كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء اعرابي فقال: يا نبي الله إن لي أخاً وبه وجع قال: وما وجعه؟

قال: به لمم قال: فائتني به.

فوضعه بين يديه فعوّذه النبي صلى الله عليه وسلم بفاتحة الكتاب، وأربع آيات من أوّل سورة البقرة، وهاتين الآيتين ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ [ البقرة: 163] وآية الكرسي، وثلاث آيات من آخر سورة البقرة، وآية من آل عمران ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ [ آل عمران: 18] وآية من الأعراف ﴿ إن ربكم الله ﴾ [ الآعراف: 54] وآخر سورة المؤمنين ﴿ فتعالى الله الملك الحق ﴾ [ المؤمنون: 116] وآية من سورة الجن ﴿ وأنه تعالى جدُّ ربنا ﴾ [ الجن: 3] وعشر آيات من أوّل الصافات، وثلاث آيات من آخر سورة الحشر، و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ و(المعوّذتين) فقام الرجل كأنه لم يشك قط» .

وأخرج ابن السني في عمل اليوم والليلة من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل عن أبيه.

مثله سواء.

وأخرج الدارمي وابن الضريس عن ابن مسعود قال: من قرأ أربع آيات من أول سورة البقرة، وآية الكرسي، وآيتين بعد آية الكرسي، وثلاثاً من آخر سورة البقرة، لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان، ولا شيء يكرهه في أهله ولا ماله، ولا يقرأن على مجنون إلاَّ أفاق.

وأخرج الدارمي وابن المنذر والطبراني عن ابن مسعود قال: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة حتى يصبح.

أربع من أولها، وآية الكرسي، وآيتان بعدها، وثلاث خواتيمها.

أولها ﴿ لله ما في السماوات ﴾ [ البقرة: 284] .

وأخرج سعيد بن منصور والدارمي والبيهقي في شعب الإِيمان عن المغيرة بن سبيع وكان من أصحاب عبد الله قال: من قرأ عشر آيات من البقرة عند منامه لم ينس القرآن.

أربع آيات من أوّلها، وآية الكرسي، وآيتان بعدها، وثلاث من آخرها.

وأخرج الطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره، وليقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة، وعند رجليه بخاتمة سورة البقرة، في قبره» .

وأخرج الطبراني في الكبير عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج قال: قال لي أبي: يا بني إذا وضعتني في لحدي فقل: بسم الله، وعلى ملة رسول الله.

ثم سن علي التراب سناً، ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها.

فأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك.

وأخرج ابن النجار في تاريخه من طريق محمد بن علي المطلبي عن خطاب بن سنان عن قيس بن الربيع عن ثابت بن ميمون عن محمد بن سيرين قال: نزلنا يسيري فأتانا أهل ذلك المنزل فقالوا: ارحلوا فانه لم ينزل عندنا هذا المنزل أحد إلا اتخذ متاعه فرحل أصحابي وتخلفت للحديث الذي حدثني ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ في ليلة ثلاثاً وثلاثين آية لم يضره في تلك الليلة سبع ضار، ولا لص طار، وعوفي في نفسه، وأهله، وماله حتى يصبح» .

فلما أمسينا لم أنم حتى رأيتهم قد جاءوا أكثر من ثلاثين مرة، مخترطين سيوفهم فما يصلون إلي، فلما أصبحت رحلت فلقيني شيخ منهم فقال: يا هذا إنسي أم جني؟

قلت: بل إنسي!

قال: فما بالك..

!

لقد أتيناك أكثر من سبعين مرة كل ذلك يحال بيننا وبينك بسور من حديد.

فذكرت له الحديث، والثلاث وثلاثون آية، أربع آيات من أول البقرة إلى قوله: ﴿ المفلحون ﴾ وآية الكرسي، وآيتان بعدها إلى سورة قوله: ﴿ خالدون ﴾ [ البقرة: 257] والثلاث آيات من آخر البقرة ﴿ لله ما في السماوات وما في الأرض ﴾ [ البقرة: 284] إلى آخرها وثلاث آيات من الأعراف ﴿ إن ربكم الله ﴾ إلى قوله: ﴿ من المحسنين ﴾ [ الأعراف: 5457] وآخر بني إسرائيل ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ﴾ [ الإِسراء: 110] إلى آخرها، وعشر آيات من أوّل الصافات إلى قوله: ﴿ لازب ﴾ وآيتان من الرحمن ﴿ يا معشر الجن والإِنس ﴾ إلى قوله: ﴿ فلا تنتصران ﴾ [ الرحمن: 3334] ومن آخر الحشر ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ﴾ [ الحشر: 21] إلى آخر السورة، وآيتان من ﴿ قل أوحي ﴾ إلى ﴿ وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ﴾ إلى قوله: ﴿ شططاً ﴾ [ الجن: 14] .

فذكرت هذا الحديث لشعيب بن حرب فقال لي: كنا نسميها آيات الحرب، ويقال: إن فيها شفاء من كل داء.

فعدّ عليّ الجنون، والجذام، والبرص، وغير ذلك.

قال محمد بن علي: فقرأتها على شيخ لنا قد فلج حتح أذهب الله عنه ذلك.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة أوّل النهار لا يقربه شيطان حتى يمسي، وإن قرأها حين يمسي لم يقربه حتى يصبح، ولا يرى شيئاً يكرهه في أهله وماله، وإن قرأها على مجنون أفاق.

أربع آيات من أوّلها، وآية الكرسي، وآيتان بعدها، وثلاث آيات من آخرها.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى ﴾ الآية.

(أولاء) كلمة معناها الكناية عن جماعة، وهي لا تعرب لأنها اسم الإشارة، وكسرت الهمزة فيها لالتقاء الساكنين (١) ﴿ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي  ﴾ ودخلت الكاف للمخاطبة كما ذكرنا في قوله (ذلك)، وفيه ثلاث لغات: (أولئك) و (أولاك) و (أولالك) (٢) قال الشاعر: أولئك قومي لم يكونوا أُشابةً ...

وهل يَعِظُ الضِّلِّيلَ إلا أولالكا (٣) وقال آخر: أولاكَ بنو (٤) (٥) (٦) فمن قال: (أولاك) قال: (هؤلا) مقصورًا (٧) لعمرك إنّا والأحاليف هؤلا ...

لَفي فتنةٍ أظفارُها لم تُقَلَّمِ (٨) (٩) ﴿ أُولَئِكَ ﴾ لئلا يشتبه في الكتابة بـ (إليك) وأشار بقوله: (أولئك) إلى الموصوفين بالصفات المتقدمة (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ عَلَى هُدًى ﴾ معنى: (على) كمعنى: (فوق) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) غَدَتْ مِنْ عليه تنفُضُ الطَّلَّ بعدما ...

رأتْ حاجبَ الشمسِ استوى فترفَّعا (١٦) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ هُمُ اَلمُفلِحُونَ ﴾ .

(هم) دخلت فصلا (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ .

وإن شئت جعلت (هو) فصلا، وترفع (زيدا)، و (العالم) على الابتداء والخبر، والفصل هو الذي يسميه (٢٢) قال سيبويه (٢٣) ﴿ تَجِدُوهُ عنِدَ اللهِ هُوَ خَيراً  ﴾ .

وفي قوله: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ (٢٤) وفي قوله: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} [سبأ: 6]، وفي قوله: ﴿ إِن كاَنَ هَذَا هُوَ اَلحَقَّ مِن عِندِكَ  ﴾ .

وذكر أن [هذا] (٢٥) (٢٦) (٢٧) ﴿ فبَمَا رحمَةٍ  ﴾ .

وقوله ﴿ الْمُفْلِحُونَ ﴾ قال أبو عبيد (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) لِكلِّ هَمِّ من الهموم سَعَةْ ...

والمُسْيُ والصبحُ لا فلاحَ مَعَهْ (٣٢) يقول: ليس مع كر الليل والنهار بقاء.

ومنه قول عَبِيد (٣٣) (٣٤) (٣٥) يقول: عش بما (٣٦) قال: وإنما قيل لأهل الجنة: مفلحون، لفوزهم ببقاء الأبد، ومن هذا يقال للسحور (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) ثم بعد الفلاح والرشد والإ ...

مَّة وارَتْهمُ هناك القبورُ (٤١) وقال الأعشى: ولَئن كُنَّا كقومٍ (٤٢) (٤٣) وقال لبيد: نَحُلّ بلاداً كلُّها (٤٤) (٤٥) هذا معنى الفلاح في اللغة.

ثم يقال لكل من ظفر ببغيته وأصاب خيرا: أفلح (٤٦) (٤٧) اعْقِلي إن كنت لمّا تَعْقِلي ...

ولقد أفلحَ مَنْ كان عَقَلْ (٤٨) يعني: ظفر بحاجته ووصل إلى بغيته (٤٩) فمعنى قوله: ﴿ الْمُفْلِحُونَ ﴾ أي: هم الذين أدركوا البغية، ووجدوا البقاء في الدار الآخرة في النعيم المقيم (٥٠) (١) انظر.

"معاني القرآن" للزجاج 1/ 37.

(٢) انظر: "الأصول في النحو" 2/ 128، "سر صناعة الإعراب" 1/ 322، "تهذيب اللغة" 1/ 74، "المنصف" 1/ 165، 166، 3/ 26، "تفسير القرطبي" 1/ 157 "الدر المصون" 1/ 102.

(٣) نسب أبو زيد البيت في "النوادر" لأخي الكلحبة وروايته له.

ألم تك قد جربت ما الفقر والغنى ...

ولا يعظ الضليل إلا ألالكا "نوادر أبي زيد" ص 438، ومثل ذلك في "الخزانة" 1/ 394، بينما نسبه في "شرح المفصل" للأعشى وروايته له مثل ما ورد عند الواحدي "شرح المفصل"، 10/ 6 ويروى البيت عند أكثر النحاة (أولالك قومي ...) بدل (أولئك)، و (الأشابة) بضم الهمزة: الجمع المختلط من هنا وهناك، والضليل: الضال، يصف قومه بالصفاء والنصح، ورد البيت كذلك في "المنصف" 1/ 166، 3/ 26، "الهمع" 1/ 216، و"تفسير القرطبي" 1/ 158 "الدر المصون" 1/ 102.

(٤) في جميع النسخ (بني) والتصحيح حسب المصادر التي ورد فيها البيت.

(٥) في (ب): (كلاهما) وفي (ج): (كله هما).

(٦) في (ج): (وينكر).

البيت لمسافع بن حذيفة العبسي، شاعر جاهلي، قوله (أولاك) مبتدأ و (بنو) خبر المبتدأ، أراد أنهم ملازمون لفعل الخير والشر مع الأصدقاء والأعداء، و (معروف) و (منكر) معطوف على خير، وهما أخص من الخير والشر، و (ألم).

نزل.

انظر.

"الخزانة" 1/ 171 وانظر: "حاشية يس على التصريح" 2/ 124، (مطبوع في هامش التصريح)، "الحماسة بشرح المرزوقي" 2/ 990.

(٧) انظر: "الأصول في النحو" 2/ 127.

(٨) رواية البيت (حقبة) بدل (فتنة) يقول: نحن في حرب، والأظفار: كناية عن السلاح.

انظر: "ديوان أوس" ص120، "المعاني الكبير" 2/ 898، "الخزانة" 3/ 17، 7/ 18.

(٩) في (ب): (يشبه في الكناية إليك).

انظر: "البحر المحيط" 1/ 43.

(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 106، وابن "تفسير كثير" 1/ 47.

(١١) في محل ﴿ أُولَئِكَ ﴾ من الإعراب أقوال وهي: أنها مبتدأ وخبره الجار والمجرور بعده، والجملة إما مستأنفة، أو خبر عن قوله: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ﴾ الأولى أو الثانية، ويجوز.

أن تكون ﴿ أُولَئِكَ ﴾ وحدها خبراً عن ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ﴾ الأولى أو الثانية، ويجوز: أن يكون ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ﴾ مبتدأ، و ﴿ أُولَئِكَ ﴾ بدل أو بيان.

انظر "الدر المصون" 1/ 102.

(١٢) تكون بمعنى (فوق) إذا كانت اسما.

انظر: "الكتاب" 1/ 268، "مغني اللبيب" 1/ 145.

(١٣) في (ب): (وهو).

(١٤) وإذا كانت حرفا فلها عدة معان.

انظر: "مغني اللبيب" 1/ 143.

(١٥) انظر: "تهذيب اللغة": (على) 3/ 2559.

(١٦) نسبه أبو زيد في "النوادر" لبعض القشيريين، ونسب في "اللسان" ليزيد ابن الطثرية، يقول: غدت الظبية من فوقه.

والشاهد فيه (من عليه) استعمل (على) اسما بمعنى: فوق لما دخل عليها حرف الجر (من).

ورد البيت في "نوادر أبي زيد" ص 453، "المقتضب" 2/ 320، 3/ 53، "الأزهية" ص 194، "اللسان" (علا) 5/ 3092، "شرح المفصل" 8/ 38.

(١٧) انظر: "الكتاب" 1/ 268، "مغني اللبيب" 1/ 145، "شرح المفصل" 8/ 38.

(١٨) نقله الواحدي عن الزجاج بتصرف يسير.

انظر: "معاني القرآن" 1/ 37.

(١٩) مكانها بياض في (ب).

(٢٠) في (ب): (زيد).

(٢١) أي خبر هو.

انظر: "معاني القرآن" 1/ 37.

(٢٢) في (أ): (تسمية) وما في (ب، ج) أصح في السياق.

(٢٣) في "معاني القرآن": (وسيبويه يقول: إن الفصل لا يصلح إلا مع الأفعال التي لا تتم، نحو: كان زيد هو العالم، وظننت زيدا هو العالم.

وقال سيبويه.

دخل الفصل في قوله عز وجل ..

إلخ)، وقوله: (وسيبويه يقول ...

إلى: وظننت زيدا هو العالم (ليس موجودا في بعض مخطوطات المعاني.

انظر: حاشية "معاني القرآن" 1/ 38، وانظر كلام سيبويه في "الكتاب" 2/ 389 - 395.

(٢٤) سقط (لهم) من (أ)، (ب)، والآية (180) من آل عمران.

(٢٥) قوله: ذكر، أي.

سيبويه، وقوله: (هذا) كذا وردت في جميع النسخ، وفي "معاني القرآن" للزجاج (هو) وهو الصواب.

(٢٦) في (ج): (وذان هذا بمنزلة ها).

(٢٧) "معاني القرآن" 1/ 38، كلام سيبويه في "الكتاب" 2/ 391، ولم يذكر سيبويه الآية.

(٢٨) في (ب) (أبو عبيدة) وهو خطأ.

وكلام أبي عبيد في "غريب الحديث" 4/ 38، وانظر "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826.

(٢٩) في (ب) (التقى).

(٣٠) في (ب)، (ج).

(وأنضد الأضبط) وما في (أ) موافق لـ"تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، وعبارة "غريب الحديث": قال الأضبط ...

، 2/ 183.

(٣١) في (ب): (فيع).

وهو الأضبط بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد، السعدي شاعر جاهلي قديم.

انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 242، "الخزانة" 11/ 455.

(٣٢) البيت في "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 183، "الزاهر" 1/ 31، "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، و"تفسير الثعلبي" 1/ 69/أ، "اللسان" 6/ 3458، "تفسير ابن عطية" 1/ 150، و"تفسير القرطبي" 1/ 158، "الدر المصون" 1/ 104 "الخزانة" 11/ 452، وقد ذكره في "الشعر والشعراء" ونصه: ياقوم من عاذرى من الخدعة ...

والمسى ..........

إلخ 1/ 390 (٣٣) هو عبيد بن الأبرص كما في "غريب الحديث" 4/ 183.

(٣٤) في (ب): (بالضغت).

(٣٥) البيت يروى (يدرك) بدل (يبلغ) و (يخدع) بالتشديد، وهو في "غريب الحديث" 2/ 183، 200، "ديوان عبيد" ص14، و"تفسير الطبري" 1/ 108، (مجاز القرآن) 1/ 30، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 39، "الزاهر" 1/ 132، وفيه (يفلح) بدل يبلغ، "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، "اللسان" (فلح) 6/ 3458، وفيه (بالنوك) بدل (بالضعف)، و"تفسير القرطبي" 1/ 158، "الدر المصون" 1/ 104.

(٣٦) في (ب): (ما).

(٣٧) في (ب): (السحور).

(٣٨) في (ب): (اذ به).

(٣٩) انتهى كلام أبي عبيد، "غريب الحديث" 2/ 183، وانظر: "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826.

(٤٠) "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، وفيه بيت الأعشى مقدم على بيت عدي.

(٤١) من قصيدة لعدي بن زيد، ذكرها ابن قتيبة في "الشعر والشعراء"، وتعتبر من غرر شعره، ويروى (الملك) بدل (الرشد) و (الإمه) بكسر الهمزة: غضارة العيش والنعمة.

انظر "الشعر والشعراء" ص130، "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، "اللسان" (فلح) 6/ 3458.

(٤٢) في (ب): (القوم).

(٤٣) البيت في (غريب الحديث) للخطابي1/ 523، "تهذيب اللغة" (فلح) 3/ 2826، "اللسان" (فلح) 6/ 3458، (الصحاح) (فلح) 1/ 392، "ديوان الأعشى" ص 38، وفيه (أو لئن)، (يا لقومي) وهو من قصيدة يمدح بها إياس بن قبيصة الطائي، ومعنى (فلح): بقاء.

(٤٤) في (ب): (حلها).

(٤٥) البيت في ديوان لبيد (مع شرحه) ص 57، "مجاز القرآن" 1/ 30، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 39، والطبري 1/ 108، والثعلبي 1/ 47/ب، والقرطبي 1/ 158، وابن عطية 1/ 150، (زاد المسير) 1/ 27، "الدر المصون" 1/ 104.

(٤٦) انظر "تفسير الطبري" 1/ 108، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 39.

(٤٧) في (ب): (وقال).

(٤٨) "ديوان لبيد مع شرحه" ص 177، "مجاز القرآن" 1/ 31، و"تفسير الطبري" 1/ 180، و"تفسير أبن عطية" 1/ 104، "الزاهر" 1/ 131، وقوله: (أعقلي) يخاطب عاذلته، أو نفسه.

(٤٩) في (ب): (ببغيته).

انظر: "تفسير الطبري" 1/ 108، "مجاز القرآن" 1/ 31.

(٥٠) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 108، "تفسير أبي الليث" 1/ 91، و"تفسير القرطبي" 1/ 159، و"تفسير ابن عطية" 1/ 150.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والذين يُؤْمِنُونَ ﴾ هل هم المذكورون قبل فيكون من عطف الصفات، أو غيرهم وهم من أسلم من أهل الكتاب، فيكون عطفاً للمغايرة، أو مبتدأ وخبره الجملة بعد ﴿ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ القرآن ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله عز وجل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: "لا ريب" بالمد خلف والعجلي عن حمزة وخلف لنفسه، وكذلك قوله تعالى ﴿ لا خير ﴾ و ﴿ لا جرم ﴾ وذلك لاجتماع الفتحة مع الألف أو لتأكيد معنى النفي للجنس "فيهى" ابن كثير، وكذلك يشبع كل هاء كناية في جميع القرآن.

"هدى للمتقين" مدغماً من غير غنة: حمزة وعلي وخلف ويزيد وورش من طريق النجاري، والهاشمي عن ابن كثير.

وكذلك يدغمون النون الساكنة والتنوين في الراء حيث وقعت.

أبو عمرو بالوجهين: إدغام الغنة وإظهارها، والباقون بإظهار الغنة.

ولا خلاف بين القراء في إدغام أصل النون والتنوين في اللام والواو والراء والياء والميم، وإنما الخلاف بينهم في إظهار الغنة وإسقاطها وهي صوت الخيشوم "يؤمنون" غير مهموز: أبو عمرو ويزيد وورش والأعشى وحمزة في الوقف، وكذلك ما أشبههما من الأفعال إلا في أحرف يسيرة تذكر في مواضعها.

الباقون: بالهمز.

(باب في المد) (بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك) بالمد: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن ذكوان، فلا يفرقون بين مدّ الكلمة والكلمتين.

وكذلك روى ورش عن نافع.

والباقون يفرقون فيمدون الكلمة ولا يمدون بين الكلمتين.

فأطول الناس مداً ورش عن نافع، وحمزة وخلف في اختياره والأعشى، ومدهم بمنزلة أربع ألفات.

وأوسطهم مداً علي وابن ذكوان وعاصم غير الأعشى، وأقصرهم مداً ابن كثير وأبو جعفر ونافع غير ورش وأبو عمرو وسهل ويعقوب وهشام.

وأصل المد ألف ساكنة على قدر فتحة فيك فتحاً تاماً، وبالآخرة بترك الهمزة ونقلها إلى الساكن الذي قبلها حيث كان ورش، وكذلك حمزة في الوقف فإن مذهبه أن يقف على كل كلمة مهموزة بغير همزة (باب السكتة) روي عن حمزة وحماد والشموني أنهم يسكتون على كل حرف ساكن بعده همزة سكتة لطيفة نحو: الأرض، والأنهار، وقالوا: آمنا، وأشباه ذلك.

والسبب فيه التمكين والمبالغة في تحقيقها، لأن الهمزة بعد السكتة كالمبتدأ بها.

والاختيار في الكلمة الواحدة أن لا تسكت على ساكن غير لام التعريف احترازاً عن قطع الكلمة.

الوقوف: "ألّم" (ج) للاختلاف "لا ريب" ج على حذف خبر "لا تقديره لا ريب فيه، ثم يستأنف "فيه هدى" ومن وصل جعل فيه خبر "لا" أو وصف ريب وحذف خبر "لا" تقديره "لا ريب فيه عند المؤمنين".

والوقف على التقديرين على "فيه" و "هدى" خبر مبتدأ محذوف أي هو هدى، ومن جعل "هدى" حالاً للكتاب بإعمال معنى الإشارة في "ذلك على تقدير: أشير إلى الكتاب هادياً لم يقف قبل "هدى للمتقين" (لا) لأن الذين صفتهم "ينفقون" لا للعطف، ليدخل عبد الله بن سلام وأصحابه في المتقين، فإن القرآن لهم هدى، وليدخل الصحابة المؤمنون بالغيب في ثناء الهدى ووعد الفلاح.

ولو ابتدأ "والذين" كان "أولئك على هدى" خبرهم مختصاً بهم.

واختص هدى القرآن واسم التقوى بالذين يؤمنون بالغيب.

"من قبلك" ج لاختلاف النظم بتقديم المفعول.

"يوقنون" (ط) لأن أولئك مبتدأ وليس بخبر عما قبله، وكذلك على كل آية وقف بها إلا ما أعلم بعلامة (لا) المفلحون.

التفسير وفيه أبحاث: البحث الأول في "ألم" اعلم أن الألفاظ التي يتهجى بها في قولهم (ألف، با، تا، ثا) أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة التي منها ركبت الكلم، لأن الضاد مثلاً لفظ مفرد دال بالتواطؤ على معنى مستقل بنفسه غير مقترن بأحد الأزمنة، وذلك المعنى هو الحرف الأول من ضرب مثلاً، فيكون لفظ الضاد اسماً، ولهذا قد يتصرف في بعضها بالإمالة نحو (با، تا) وبالتفخيم نحو (با، تا) وبالتعريف والتنكير والجمع والتصغير والوصف والإسناد إليه والإضافة.

وقولهم (با، تا، ثا) متهجاة ومقصورة نحو (لا) ثم قولهم كتبت باء بالمد نحو كتبت (لا) لا يدل على أنها حروف مثل (لا): فإنهم إنما قالوا كذلك في التهجي لكثرة الاستعمال واستدعائها التخفيف، والذي رواه ابن مسعود أن النبي  قال: "من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف" وأيضاً ما وقع في عبارات المتقدمين أنها حروف التهجي خليق بأن يصرف إلى التسامح والتجوز لأنه اسم للحرف وهما متلازمان، أو لأن الحرف قد يطلق على الكلمة تسمية للجنس باسم النوع.

ويحكى عن الخليل أنه سأل أصحابه: كيف تنطقون بالباء التي في ضرب، والكاف التي في ذلك؟

فقالوا: نقول باء، كاف.

فقال: إنما جئتم بالاسم لا الحرف.

وقال: أقول: ب، ك.

ثم إنهم راعوا في هذه التسمية لطيفة، وهي أنهم جعلوا المسمى صدر كل اسم منها إلا الألف فإنهم استعاروا الهمزة مكان مسماها، لأنه لا يكون إلا ساكناً.

ومما يضاهيها في إبداع اللفظ دلالة على المعنى البسملة والحيعلة والتهليل ونحوها.

وحكم هذه الأسماء سكون الإعجاز ما لم تلها العوامل فيقال: ألف، لام، ميم موقوفاً عليها لفقد مقتضى الإعراب نحو.

واحد، اثنان، ثلاثة، دار، ثوب، جارية.

فإذا وليتها العوامل أدركها الإعراب نحو: هذه ألف، وكتبت ألفاً، ونظرت إلى ألف.

والدليل على أن سكونها وقف وليس ببناء أنها لو بنيت لحذي بها حذر "كيف" و "أين" و "هؤلاء" ولم يقل صاد، قاف، نون.

مجموعاً فيها بين الساكنين.

وللناس في "الم" وما يجري مجراه من فواتح السور قولان: أحدهما أن هذا علم مستور وسر محجوب استأثر الله به، والتخاطب بالحروف المفردة سنة الأحباب في سنن المحاب، فهو سر الحبيب مع الحبيب بحيث لا يطلع عليه الرقيب: بين المحبين سر ليس يفشيه *** قول ولا قلم للخلق يحكيه عن أبي بكر، في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور.

وعن علي كرم الله وجهه: إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي، وقال بعض العارفين: العلم كبحر أجري منه واد، ثم أجري من الوادي نهر، ثم أجري من النهر جدول، ثم أجري من الجدول ساقية.

فالوادي لا يحتمل البحر، والنهر لا يحتمل الوادي، ولهذا قال عز من قائل: ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها  ﴾ فبحور العلم عند الله  فأعطى الرسل منها أودية، ثم أعطى الرسل من أوديتهم أنهاراً إلى العلماء، ثم أعطى العلماء إلى العامة جداول صغاراً على قدر طاقتهم، ثم أجرت العامة سواقي إلى أهاليهم بقدر طاقتهم، وهذا مأخوذ مما ورد في الخبر "للعلماء سر وللخلفاء سر وللأنبياء سر وللملائكة سر ولله من بعد ذلك كله سر.

فلو اطلع الجهال على سر العلماء لأبادوهم، ولو اطلع العلماء على سر الخلفاء لنابذوهم، ولو اطلع الخلفاء على سر الأنبياء لخالفوهم، ولو اطلع الأنبياء على سر الملائكة لاتهموهم، ولو اطلع الملائكة على سر الله لطاحوا حائرين وبادوا بائدين" والسبب في ذلك أن العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية كما لا يحتمل نور الشمس أبصار الخفافيش.

وسئل الشعبي عن هذه الحروف فقال: سر الله فلا تطلبوه.

وعن ابن عباس أنه قال: عجزت العلماء عن إدراكها.

وقيل: هو من المتشابه.

وزيف هذا القول بنحو قوله تعالى ﴿ أفلا يتدبرون القرآن  ﴾ ﴿ تبياناً لكل شيء  ﴾ ﴿ هدى للمتقين  ﴾ وإنما يمكن التدبر ويكون تبياناً وهدى إذا كان مفهوماً، وبقول  : "إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي" فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم؟

وأيضاً لا يخاطب المكلف بما لا يفهم كما لا يخاطب العربي بالعجمي، ولا يجوز التحدي بما لا يكون معلوماً، وعورض بقوله  ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله  ﴾ والوقف هنا لأن الراسخين لو كانوا عالمين بتأويله كان الإيمان به كالإيمان بالمحكم، فلا يكون في الإيمان به مزيد مدح، ولا يكون في قوله ﴿ كل من عند ربنا  ﴾ فائدة على ما لا يخفى، وبقوله  "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديم" وقد روينا عن أكابر الصحابة ما روينا.

وأيضاً الأفعال التي كلفنا بها منها ما يظهر وجه الحكمة فيه كالصلاة فإن فيها تواضعاً للمعبود والصوم ففيه كسر الشهوة والزكاة ففيها سد خلة المساكين، ومنها ما لا يظهر فيه الحكمة ككثير من أفعال الحج، ويحسن من الله  الأمر بالنوعين لظهور الامتثال بهما، بل كمال الانقياد في النوع الثاني أظهر وأكثر لأنه تعبد محض.

فلم لا يجوز أن يكون في الأقوال أيضاً مثل ذلك، مع أن فيه فائدة أخرى هي اشتغال السر بذكر الله والتفكير في كلامه؟

القول الثاني: إن المراد من هذه الفواتح معلوم، ثم اختلفوا على وجوه: الأول: أنها أسماء وهو قول أكثر المتكلمين واختاره الخليل وسيبويه، كما سموا بلام والد حارثة بن لام الطائي، وكقولهم للنحاس صاد، وللسحاب عين، وللجبل قاف، وللحوت نون، وسعود تمام الكلام في هذا القول.

الثاني: أنها أسماء الله  .

روي عن علي  أنه كان يقول: يا كَهيعَصَ، يا حمَ عَسَقَ، ويقرب منه ما روي عن سعيد بن جبير أنها أبعاض أسماء الله  ، فإن "الر، حم، ن" مجموعها اسم "الرحمن" لكنا لا نقدر على كيفية تركيبها في الجميع.

الثالث: أنها أسماء القرآن وهو قول الكلبي والسدي وقتادة.

الرابع: كل واحد من الحروف دال على اسم من أسماء الله  أو صفة من صفاته، فالألف إشارة إلى أنه أحد أول آخر أزلي أبدي، واللام إشارة إلى أنه لطيف، والميم إلى أنه مجيد ملك منان، وفي "كَهيعَصَ" الكاف كاف لعباده، والهاء هاد، والياء من الحكيم والعين عالم، والصاد صادق.

أو الكاف محمول على الكبير والكريم.

والياء على أنه مجير، والعين على العزيز والعدل، ويروى هذا عن ابن عباس.

وعنه أيضاً في "ألم" أنا الله أعلم، وفي "المص" أنا الله أعلم وأفصل، وفي "المر" أنا الله أرى.

الخامس: أنها صفات الأفعال.

الألف آلاؤه، واللام لطفه، والميم مجده، قاله محمد بن كعب القرظي.

السادس: الألف من الله، واللام من جبرائيل، والميم من محمد  .

أي أنزل الله الكتاب بواسطة جبرائيل على محمد  .

السابع: الألف أنا، واللام لي، والميم مني قاله بعض الصوفية.

الثامن: أن ورودها مسرودة هكذا على نمط التعديد ليكون كالإيقاظ وقرع العصا لمن تحدى بالقرآن، أي إن هذا المتلو عليهم وقد عجزوا عنه عن آخرهم كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم، فلولا أنه كلام خالق القدر لم يعجز معشر البشر عن الإتيان بمثل الكوثر قاله المبرد وجم غفير.

والتاسع: كأنه  يقول اسمعوها مقطعة حتى إذا وردت عليكم مؤلفة كنتم قد عرفتموها قبل ذلك، وهذا على طريقة تعليم الصبيان قاله عبد العزيز بن يحيى.

العاشر: إن الكفار لما قالوا ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه  ﴾ أنزل الله  هذه الأحرف رغبة في إصغائهم ليهجم عليهم القرآن من حيث لا يشعرون قاله أبو روق وقطرب.

الحادي عشر: قول أبي العالية إنه حساب على ما روى ابن عباس أنه "مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله  وهو يتلو سورة البقرة الم ذلك الكتاب ثم أتى أخوة حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف فسألوه عن الم وقالوا: ننشدك الله الذي لا إله إلا هو، أحق أنها أتتك من السماء؟

فقال  : نعم، كذلك نزلت فقال حيي: إن كنت صادقاً إني لأعلم أجل هذه الأمة من السنين، ثم قال: كيف ندخل في دين رجل دلت هذه الحروف بحساب الجمل على أن منتهى مدته إحدى وسبعون سنة؟

فضحك رسول الله  .

فقال حيي: فهل غير ذلك؟

فقال: نعم ﴿ المص ﴾ فقال حيي: مائة وإحدى وستون فهل غير هذه؟

فقال: نعم ﴿ الر ﴾ قال حيي: نشهد إن كنت صادقاً ما ملكت أمتك إلا مائتين وإحدى وثلاثين سنة فهل غير هذا؟

قال: نعم ﴿ المر ﴾ قال حيي: ندري بأي أقوالك نأخذ!

فقال أبو ياسر: أما أنا فأشهد أن أنبياءنا قد أخبروا عن ملك هذه الأمة ولم يبينوا أنها كم تكون، فإن كان محمد  صادقاً فيما يقوله إني لأراه يستجمع له هذا كله، فقام اليهود وقالوا: اشتبه علينا أمرك فأنزل الله  ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ﴾ " [آل عمران: 7].

الثاني عشر: تدل على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر.

الثالث عشر: قول الأخفش إن الله  أقسم بهذه الجروف المعجمة لشرفها من حيث إنها أصول اللغات، بها يتعارفون ويذكرون الله ويوحدونه، واقتصر على البعض والمراد الكل كما تقول: قرأت الحمد وتريد السورة كلها، أقسم الله بها أن هذا الكتاب هو المثبت في اللوح المحفوظ.

الرابع عشر: أن النطق بالحروف أنفسها كانت العرب فيه مستوية الأقدام، الأميون وأهل الخط، والكتاب بخلاف النطق بأسامي الحروف فإنه كان مختصاً بمن خط وقرأ، فلما أخبر الرسول  بها من غير تعلم خط وقراءة كان ذلك دليلاً على أنه استفاد ذلك من قبل الوحي.

الخامس عشر: قال القاضي الماوردي: معناه ألم بكم ذلك الكتاب أي نزل، وهذا لا يتأتى في كل فاتحة.

السادس عشر: الألف إشارة إلى ما لا بد منه من الاستقامة على الشريعة في أول الأمر ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا  ﴾ واللام إشارة إلى الحاصل عند المجاهدات وهو رعاية الطريقة ﴿ والذين جاهدوا فينا  ﴾ والميم إشارة إلى صيرورة العبد في مقام المحبة كالدائرة التي يكون نهايتها عين بدايتها وهو مقام الفناء في الله بالكلية وهو الحقيقة ﴿ قل الله ثم ذرهم  ﴾ .

السابع عشر: الألف من أقصى الحلق، واللام من طرف اللسان وهو وسط المخارج، والميم من الشفة وهو آخر المخارج، أي أول ذكر العبد ووسطه وآخره لا ينبغي إلا لله.

الثامن عشر: سمعت بعض الشيعة يقول: هذه الفواتح إذا حذف منها المكررات يبقى ما يمكن أن تركب منه على صراط حق نمسكه، وهذا غريب مع أنه متكلف فلهذا أوردته.

واعلم أن الباقي من الفواتح بعد حذف المكرر أربعة عشر، نصف عدد حروف المعجم بعد الكسر.

وقد أورد الله الفواتح في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم، وهذه الباقية تشتمل على أصناف أجناس الحروف.

من المهموسة نصفها، الصاد والكاف والهاء والسين والحاء، ومن المجهورة نصفها الألف واللام والميم والراء والعين والطاء والقاف والياء والنون، ومن الشديد نصفها ا ك ط ق، ومن الرخوة نصفها لمر صعهسحين، ومن المطبقة نصفها ص ط، ومن المنفتحة نصفها الر كهوس ج ق ي ن، ومن المستعلية نصفها ق ص ط.

ومن المنخفضة نصفها الم ر ك هـ ي ع س ح ن، ومن حروف القلقة نصفها ق ط.

وأكثر ألفاظ القرآن من هذه الحروف، وهذا دليل على أن الله  عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم تبكيتاً لهم وإظهاراً لعجزهم كما مر في الوجه الثامن، ويؤيد ذلك أن الألف واللام لما تكاثر وقوعهما جاءتا في معظم هذه الفواتح مكررتين والله أعلم.

التاسع عشر: قيل: معناه ألست بربكم.

الألف واللام من أوله والميم من آخره أي أخذت منكم كتاب العهد في يوم الميثاق.

والمختار من هذه الأقوال عند الأكثرين القول بأنها أسماء السور، ثم إنه عورض بوجوه: الأول: أنا نجد سوراً كثيرة اتفقت في التسمية بالم وحم والمقصود من العلم رفع الاشتباه.

الثاني: لو كانت أسماء لاشتهرت وتواترت.

الثالث: العرب لم يتجاوزوا بما سموا به مجموع اسمين نحو: معد يكرب وبعلبك، ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء وأربعة وخمسة، فالقول بأنها أسماء السور خروج عن لغتهم.

الرابع: لو كانت أسماء لاشتهرت السور بها، لكنها اشتهرت بغيرها نحو سورة البقرة وآل عمران.

الخامس: هذه الألفاظ داخلة في السور وجزء الشيء متقدم على الشيء بالرتبة، واسم الشيء متأخر عن الشيء، فلزم أن يكون متقدماً متأخراً معاً وهو محال.

وليس هذا لتسميتهم صاد للحرف الأول منه، فإن هذا كتسمية المفرد بالمؤلف فلا يلزم إلا تأخر المركب عن المفرد بوجهين، وهذا تسمية المؤلف بالمفرد ويلزم المحال المذكور.

وأجيب عن الأول بما يجاب عن الأعلام المشتركة من أنها ليست بوضع واحد، مع أنه لا يبعد أن تجعل مشتركاً حتى يتميز كل واحد من الآخر بعلامة أخرى لحكمة خفية.

و عن الثاني بأن تسمية السورة بلفظة معينة ليست من الأمور العظام التي تتوفر الدواعي على نقلها.

وعن الثالث بأن التسمية بثلاثة أسماء خروج عن كلام العرب، ولكن إذا جعلت اسماً واحداً فأما منثورة نثر أسماء العدد فلا استنكار لأنها من باب التسمية بما حقه أن يحكى حكاية نحو برق نحره، وكما لو سمي ببيت شعر أو بطائفة من أسماء حروف المعجم.

وعن الرابع أنه لا يبعد أن يصير اللقب أشهر من الاسم.

وعن الخامس أن تأخر ما هو متقدم باعتبار آخر غير مستحيل، وفي لسان الصوفية أن هيئة الصلاة ثلاث: القيام والركوع والسجود.

فالألف إشارة إلى القيام، واللام إلى الركوع، والميم إلى السجود أي من قرأ فاتحة الكتاب في الصلاة التي هي معراج المؤمن شرفه الله بالهداية في قوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وعلى هذا فيكون ذلك الكتاب إشارة إلى الفاتحة لأنها أم الكتاب.

ثم إن هذه الأسماء ضربان: أحدهما ما لا يتأتى فيه الإعراب نحو ﴿ كَهيعَصَ ﴾ ﴿ المر ﴾ وثانيهما ما يتأتى فيه الإعراب لكونه اسماً فرداً كصاد وقاف ونون، أو أسماء عدة مجموعها على زنة مفرد كحمَ وطسَ ويسَ فإنها موازنة لقابيل وهابيل، وكقولك طسم إذا فتح نونها صار كدرابجرد.

فالنوع الأول محكي ليس إلا، والثاني فيه أمران الإعراب والحكاية، فإذا أعرب منع الصرف للعملية والتأنيث قال الشاعر: يذكرني حاميم والرمح شاجر *** فهلا تلا حاميم قبل التقدم؟

والحكاية أن تجيء بالقول بعد نقله على استبقاء صورته نحو قولك "بدأت بالحمد لله" قال ذو الرمة: سمعت الناس ينتجعون غيثاً *** فقلت لصيدح انتجعي بلالاً وأما من قرأ صاد وقاف ونون مفتوحات فبفعل مضمر نحو "اذكر" أو حركت لالتقاء الساكنين.

واستكره جعلها مقسماً بها على طريق قولهم "نعم الله لأفعلن" على حذف حرف الجر وإعمال فعل القسم، لأن القرآن والقلم بعدها محلوف بهما.

واستكرهوا الجمع بين قسمين على مقسم عليه واحد ولهذا قال الخليل: الواو الثانية في قوله عز من قائل ﴿ والليل إذا يغشى.

والنهار إذا تجلى  ﴾ واو العطف لا القسم نحو "وحياتي ثم حياتك لأفعلن" ولو كان انقضى قسمه بالأول على شيء لجاز أن يستعمل كلاماً آخر نحو "بالله لأفعلن تالله لأخرجن" ولا سبيل فيما نحن بصدده إلى جعل "الواو" للعطف لمخالفة الثاني الأول في الإعراب، اللهم إلا أن تقدر مجرورة بإضمار الباء القسمية لا بحذفها فقد جاء عنهم "الله لأفعلن" مجروراً غير أنها فتحت في موضع الجر لكونها غير مصروفة، وأما من قرأ صاد وقاف بالكسر فلالتقاء الساكنين.

وهذه الفواتح جاءت في المصحف مكتوبة على صور الحروف أنفسها لا على صور أساميها، لأن المألوف أنه إذا قيل للكاتب اكتب "صاد" مثلاً فإنه يكتب مسماها ص.

وأيضاً اشتهار أمرها بأن المراد بها هنا الأسامي لا المسميات أمن وقوع اللبس فيها، وأيضاً خطان لا يقاسان، خط المصحف لأنه سنة، وخط العروض لأن المعتبر هناك الملفوظ.

ومن لم يجعل هذه الفواتح أسماء السور فلا محل لها عنده كما لا محل للجمل المبتدأة والمفردات المعدودة، ومن جعلها أسماء للسور فسنخبرك عن تأليفها مع ما بعدها الله حسبي.

البحث الثاني في قوله.

"ذلك الكتاب" وفيه مسائل: الأولى: إنما صحت الإشارة بذلك إلى ما ليس ببعيد لأنه وقعت الإشارة بذلك إلى "الم" بعد ما سبق التكلم به، والمنقضي في حكم المتباعد ولهذا يحسب الحاسب ثم يقول فذلك كذا، أو لأنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع في حد البعد كما تقول لصاحبك وقد أعطيته شيئاً: احتفظ بذلك، أو لأنه وإن كان حاضراً نظراً إلى ألفاظه لكنه غائب نظراً إلى أسراره وحقائقه، أو لأنه على مقتضى الوضع اللغوي لا العرفي، أو لأنه إشارة إلى ما نزل بمكة قبل سورة البقرة.

وقد يسمى بعض القرآن قرآناً، أو لأنه إشارة إلى ما وعد به الرسول عند مبعثه ﴿ إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً  ﴾ أو لأنه إشارة إلى ما أخبر به الأنبياء أن الله سينزله على النبي المبعوث من ولد إسماعيل، أو المراد أن هذا المنزل هو ذلك المثبت في اللوح المحفوظ كقوله ﴿ وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم  ﴾ .

الثانية: إنما ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث وهو السورة في بعض الوجوه نظراً إلى صفته وهو الكتاب كقولك "هند ذلك الإنسان" قال الذبياني: نبئت نعمي على الهجران عاتبة *** سقياً ورعياً لذاك العاتب الزاري وإن جعلت الكتاب خبراً فنظراً إلى أن ذلك في معناه ومسماه فجاز إجراء حكمه عليه في التذكير كما أجري عليه في التأنيث في قولهم: "من كان أمك".

الثالثة: للقرآن أسماء كثيرة منها: الكتاب - وقد تقدم- ومنها الفرقان ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان  ﴾ لأنه نزل متفرقاً في نيف وعشرين سنة، أو لأنه يفرق بين الحق والباطل.

ومنها التذكرة والذكرى والذكر ﴿ وإنه لتذكرة للمتقين  ﴾ ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين  ﴾ ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك  ﴾ أي ذكر من الله  به ذكر به عباده فعرفهم تكاليفه أو شرف وفخر.

ومنها التنزيل ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين  ﴾ ومنها الحديث ﴿ الله نزل أحسن الحديث  ﴾ شبهه بما يتحدث به فإن الله تعالى خاطب به المكلفين.

ومنها الموعظة ﴿ قد جاءتكم موعظة من ربكم  ﴾ ومنها الحكم والحكمة والحكيم والمحكم ﴿ وكذلك أنزلناه حكماً عربياً  ﴾ { ﴿ حكمة بالغة  ﴾ ﴿ يسَ والقرآن الحكيم  ﴾ ﴿ كتاب أحكمت أياته  ﴾ ومنها الشفاء والرحمة ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين  ﴾ ومنها الهدى والهادي ﴿ هدى للمتقين  ﴾ ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم  ﴾ ومنها الصراط المستقيم ﴿ وأن هذا صراطي مستقيماً  ﴾ ومنها حبل الله ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً  ﴾ ومنها الروح { ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ لأنه سبب لحياة الأرواح.

ومنها القصص ﴿ إن هذا لهو القصص الحق  ﴾ ومنها البيان والتبيان والمبين ﴿ هذا بيان للناس  ﴾ ﴿ تبياناً لكل شيء  ﴾ ﴿ تلك آيات الكتاب المبين  ﴾ ومنها البصائر ﴿ هذا بصائر من ربكم  ﴾ ومنها الفصل ﴿ إنه لقول فصل  ﴾ ومنها النجوم ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم  ﴾ لأنه نزل نجماً نجماً.

ومنها المثاني ﴿ مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم  ﴾ لأنه يثنى فيه القصص والأخبار.

ومنها النعمة ﴿ وأما بنعمة ربك فحدث  ﴾ قال ابن عباس: أي القرآن.

ومنها البرهان ﴿ قد جاءكم برهان من ربكم  ﴾ ومنها البشير والنذير ﴿ قرآناً عربياً لقوم يعلمون بشيراً ونذيراً  ﴾ ومنها القيم ﴿ قيماً لينذر بأساً شديداً  ﴾ ومنها المهيمن ﴿ مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه  ﴾ ومنها النور ﴿ واتبعوا النور الذي أنزل معه  ﴾ ومنها الحق ﴿ وإنه لحق اليقين  ﴾ ومنها العزيز ﴿ وإنه لكتاب عزيز  ﴾ ومنها الكريم ﴿ إنه لقرآن كريم  ﴾ ومنها العظيم ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم  ﴾ ومنها المبارك ﴿ كتاب أنزلناه إليك مبارك  ﴾ فهذه جملة الأسماء وسيجيء تفاسيرها في مواضعها.

الرابعة: في تأليف ذلك الكتاب مع "الم" اسماً للسورة ففي التأليف وجوه: أن يكون "الم" مبتدأ أو "ذلك" مبتدأ ثانياً "والكتاب" خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول أي هو الكتاب الكامل الذي يستأهل أن يسمى كتاباً كما تقول: هو الرجل أي الكامل في الرجولية وكقوله: هم القوم كل القوم يا أم خالد.

وأن يكون الكتاب صفة ومعناه هو ذلك الكتاب الموعود، وأن يكون "الم" خبر مبتدأ محذوف أي هذه "الم"، ويكون "ذلك" خبراً ثانياً أو بدلاً على أن الكتاب صفة، وأن يكون هذه "الم" جملة، "ذلك الكتاب" جملة أخرى، وفقد العاطف لأن الثانية بيان للأولى.

وإن جعلت "الم" بمنزلة الصوت كان "ذلك" مبتدأ خبره "الكتاب" أي ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل، أو "الكتاب" صفة والخبر ما بعده، أو قدر مبتدأ محذوف أي هو يعني المؤلف من هذه الحروف "ذلك الكتاب".

وفي قراءة عبد الله بن مسعود "الم تنزيل الكتاب".

البحث الثالث في قوله "لا ريب فيه" الريب مصدر رابني وحقيقته قلق النفس.

روى الحسن بن علي  عن النبي  "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" فإن الشك ريبة والصدق طمأنينة أي كون الأمر مشكوكاً فيه مما تقلق له النفس، وكونه صحيحاً صادقاً مما تطمئن له.

ومنه ريب الزمان لنوائبه المقلقة، وفي الحديث أن النبي  مر بظبي حاقف أي معوج مضطجع وهم محرومون فقال: لا يريبه أحد بشيء أي لا يزعجه.

والحاصل أن الريب شك وزيادة ظن سوء، فإن قلت: كيف نفي الريب على سبيل الاستغراق، وكم من شقي مرتاب فيه؟

قلت: ما نفي أن أحداً لا يرتاب فيه وإنما المنفي كونه متعلقاً للريب ومظنة له لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه ومثله ﴿ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله  ﴾ لم يقل "وإذا كنتم" مع وقوع الشك منهم في الواقع دلالة على أن الشك فيه مما لا ينبغي أن يوجد إلا على سبيل الفرض والتقدير، ولو فرض فوجه إزالته أن يجردوا أنفسهم ويبرزوا قواهم في البلاغة هل تتم للمعارضة أن تتضاءل دونها.

فإن قلت: فهلا قدم الظرف على الريب كما قدم على الغول في قوله  ﴿ لا فيها غَوْل  ﴾ قلنا: لأن المقصود منها ليس إلا نفي الريب عنه وإثبات أنه حق وصدق، ولو عكس لأفاد ذلك مع ما ليس بمراد ولا هو بصادق في نفس الأمر وهو التعريض بأن ريباً في غيره من الكتب كما أن في قوله: ﴿ لا فيها غول  ﴾ تعريضاً بأن خمور الدنيا تغتال العقول.

وقرأ أبو الشعثاء "لا ريب" فيه بالرفع.

قيل: والفرق بينها وبين المشهورة، أن المشهورة توجب الاستغراق، وهذه تجوزه.

ويمكن أن يقال: كلاهما يوجب الاستغراق إلا أن الأول بطريق نفي الماهية، والثاني لأن قوله "لا ريب" جواب قول القائل هل ريب فيه، وهذا يفيد ثبوت فرد واحد فنقيضه يكون سلب جميع الأفراد.

البحث الرابع في قوله "هدى للمتقين" وفيه مسائل: الأولى: في حقيقة الهدى هو مصدر على فعل كالسرى وهو على الأصح عبارة عن الدلالة.

وقيل: بشرط كونها موصلة إلى البغية بدليل وقوعه في مقابل الضلالة ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى  ﴾ ولأنه يقال مهدي في معرض المدح.

فلو احتمل أن يقال هدى فلم يهتد لم يكن مدحاً، ولأن مطاوعه "اهتدى" فيلزمه.

وأجيب بأن مقابل الضلالة الاهتداء لا الهدى.

وبأن قولنا "مهدي" إنما أفاد المدح لأنه من المعلوم أن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت كالعدم، وبالمنع من أن اهتدى لازم هدى لزوماً كلياً إذ يصح في العرف أن يقال: هديته فلم يهتد، قال عز من قائل: ﴿ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى  ﴾ وقال بعضهم: الهدى الاهتداء، فإن زعم مطلقاً فخطأ لوقوع صفة للقرآن، وإن زعم حيناً فصحيح لوقوعه في مقابلة الضلالة.

الثانية: المتقي اسم فاعل من وقاه فاتقى.

والوقاية فرط الصيانة، وهذه الدابة تقي من وجئها إذا أصابها طلع من غلظ الأرض ورقة الحافر فهو يقي حافره أن يصيبه أدنى شيء.

وهو في الشرع المؤتمر للمأمورات المجتنب عن المحظورات.

واختلف في الصغائر أنه إذا لم يتقها فهل يستحق هذا الاسم؟

روي عنه  أنه قال: "لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس" فحقيقة التقوى الخشية ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم  ﴾ وقد يراد بها الإيمان ﴿ وألزمهم كلمة التقوى  ﴾ أي التوحيد.

وقد يراد التوبة ﴿ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا  ﴾ أي تابوا.

وقد يراد الطاعة ﴿ أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون  ﴾ وقد يراد ترك المعصية ﴿ وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله  ﴾ وقد يراد الإخلاص ﴿ فإنها من تقوى القلوب  ﴾ أي من إخلاصها والتقوى مقام شريف ﴿ إن الله مع الذين اتقوا  ﴾ { ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى  ﴾ ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم  ﴾ وعن ابن عباس أن النبي  قال: "من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده" وقال علي  : التقوى ترك الإصرار على المعصية، وترك الاغترار بالطاعة.

وعن إبراهيم بن أدهم: أن لا يجد الخلق في لسانك عيباً، ولا الملائكة المقربون في أفعالك عيباً، ولا ملك العرش في سرك عيباً.

الواقدي: أن تزين سرك للحق كما زينت ظهرك للخلق.

ويقال: التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك.

ولله در القائل: خل الذنوب صغيرها.

وكبيرها فهو التقي.

كن مثل ماش في طريــــ *** ـــق الشوق يحذر ما يرى لا تحقــرن صغيـــــــــرة *** إن الجبال من الحصــــــى وفي قوله "هدى للمتقين" ثم في موضع آخر ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس  ﴾ دليل على أن الناس محصورون في المتقين، والباقون ﴿ كالأنعام بل هم أضل  ﴾ .

الثالثة: لم اختص كون القرآن هدى للمتقين، وأيضاً المتقي مهتد فكيف يهتدي ثانياً؟

والجواب أن المتقين لما كانوا هم المنتفعين بالهداية خصوا بالذكر مدحاً لهم كقوله  { ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها  ﴾ ﴿ إنما تنذر من اتبع الذكر  ﴾ مع أنه  منذر كل الناس.

وأيضاً قوله "هدى للمتقين" كقولك للعزيز المكرم "أعزك الله وأكرمك" تريد طلب الزيادة واستدامة ما هو ثابت فيه.

وبوجه آخر سماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى متقين نحو "من قتل قتيلاً فله سلبه" فهذا مجاز من باب تسمية الشيء بما هو آيل إليه واللطف فيه أنه لو قال هدى للصائرين إلى التقوى بعد الضلال كان إطناباً في غير موضعه، فإن تصدير السورة التي هي أولى الزهراوين وسنام القرآن وأول المثاني بذكر أولياء الله والمرتضين من عباده هو اللائق بالمقام، فاختص الكلام فإجرائه على الطريقة التي ذكرنا.

فإن قلت: كيف وصفت القرآن بأنه كله هدى وفيه مجمل ومتشابه لا يهتدي فيه إلى المقصود إلا بحكم العقل، فيكون الهدى في ذلك للعقل لا للقرآن؟

ومما يؤكد ما قلنا، ما نقل عن علي  أنه قال لابن عباس حين بعثه رسولاً إلى الخوارج: لا تحتج عليهم بالقرآن فإنه خصم ذو وجهين.

ولهذا كان فرق الإسلام المحق منهم والمبطل يحتجون به، قلنا: المتشابه لما لم ينفك عما يبين المراد معه على التعيين عقلاً كان أو سمعاً صار كله هدى.

فإن قيل: كل ما يتوقف صحة كون القرآن هدى على صحته كمعرفة الله  وصفاته وكمعرفة النبوة، فالقرآن ليس هدى فيه فكيف جعل هدى على الإطلاق؟

قلنا: المراد كونه هدى في تعريف الشرائع والمطلق لا يقتضي العموم، أو كونه هدى في تأكيد ما في العقول أيضاً فيعم.

الرابعة: محل "هدى للمتقين" الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف، أو خبر مع "لا ريب فيه" لذلك أو مبتدأ إذا جعل الظرف المقدم خبراً عنه، ويجوز أن ينتصب على الحال والعامل فيه معنى الإشارة أو الظرف والذي هو أرسخ عرقاً في البلاغة أنه يقال: "الم" جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها، و "ذلك الكتاب" جملة ثانية، و "لا ريب فيه" ثالثة، و "هدى للمتقين" رابعة.

وفقد العاطف بينها لمجيئها متآخية آخذاً بعضها بحجرة بعض، لأنه نبه أولاً على أنه الكلام المتحدى به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال فكان تقريراً لجهة التحدي، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب فكان تسجيلاً بكماله، فلا كمال أكمل مما للحق واليقين، ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين فقرر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشك حوله، ثم في كل من الجمل نكتة ذات جزالة.

ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه كما مر في الوجه الثامن، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة أي الكتاب الذي يستأهل أن يقال له الكتاب، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف، وفي الرابعة الحذف ووضع المصدر الذي هو هدى موضع هاد وإيراده منكراً والإيجاز في ذكر المتقين.

البحث الخامس في قوله  ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ .

الآية وفيه مسائل: الأولى: "الذين يؤمنون" إما موصول بالمتقين صفة، أو نصب على المدح، أو رفع كذلك بتقدير أعني الذين، أو هم الذين، أو مرفوع بالابتداء مخبر عنه "بأولئك على هدى".

الثانية: "الذين يؤمنون" على تقدير كونه صفة يكون إما وارداً بياناً وكشفاً وذلك إذا فسر المتقي بأنه الذي يفعل الحسنات ويجتنب السيئات، لأن الإيمان أساس الحسنات والصلاة أم العبادات البدنية قال  : "الصلاة عمادة الدين" "وبين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" والزكاة أفضل العبادات المالية قال  : "الزكاة قنطرة الإسلام" فاختصر الكلام اختصاراً بذكر ما هو كالعنوان لسائر الطاعات وكالأصول لبواقي الحسنات ويندرج فيها اجتناب الفواحش والمنكرات لقوله عز من قائل ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  ﴾ وإما مسرودة مع المتقين مفيدة غير فائدتها وذلك إذا فسر المتقي بالمجتنب عن المعاصي فقط.

ثم إنه يكون قد وصف بالإيمان وهو فعل القلب وبأداء الصلاة والزكاة وهما من أفعال الجوارح، وهذا ترتيب مناسب لأن لوح القلب يجب تخليته عن النقوش الفاسدة أولاً، ثم تحليته بالعقائد الحقة والأخلاق الحميدة، وإما معدودة عداً على سبيل المدح والثناء وذلك إذا فرض المتقي موسوماً بهذه السمات، مشهوراً بهذه الصفات، غير محتاج لذلك إلى البيان والإيضاح كصفات الله الجارية عليه  تمجيداً وتعظيماً.

الثالثة: الأيمان إفعال من الأمن.

يقال: أمنته وآمنته غيري.

ثم يقال: أمنه إذا صدقه.

وحقيقته أمنه التكذيب.

والمخالفة والتعدية بالباء لتضمينه معنى أقر واعتبر ووثق به.

قال في التفسير الكبير: اختلف أهل القبلة في مسمى الإيمان على أربعة أقوال: الأول: قول المعتزلة والخوارج والزيدية وأهل الحديث أنه اسم لأفعال القلوب واللسان والجوارح، لكن المعتزلة قالوا: الإيمان إذا عدي بالباء فمعناه التصديق على تضمين الإقرار أو الوثوق كما مر من حيث اللغة وأما إذا ذكر مطلقاً فمنقول إلى معنى آخر وهو أن يعتقد الحق ويعرب عنه بلسانه ويصدقه بعمله.

فمن أخل بالاعتقاد وإن شهد وعمل فهو منافق، ومن أخل بالشهادة فهو كافر، ومن أخل بالعمل فهو فاسق.

ثم اختلفوا فبعضهم - كواصل بن عطاء والقاضي عبد الجبار - قالوا: الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات سواء كانت واجبة أو مندوبة، أو من باب الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات.

وبعضهم - كأبي علي وأبي هاشم - إنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل، وبعضهم - كالنظام - إنه عبارة عن اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد.

ثم يحتمل أن يكون من الكبائر ما لم يرد فيه الوعيد، فالمؤمن عند الله من اجتنب كل الكبائر، والمؤمن عندنا من اجتنب كل ما ورد فيه الوعيد.

والخوارج قالوا: الإيمان بالله يتناول المعرفة بالله وبكل ما وضع الله عليه دليلاً عقلياً أو نقلياً من الكتاب والسنة، ويتناول طاعة الله في جميع ما أمر به من الأفعال والتروك صغيراً كان أو كبيراً.

فمجموع هذه الأشياء هو الإيمان وترك خصلة من هذه الخصال كفر، وأهل الحديث ذكروا وجهين: الأول: أن المعرفة إيمان كامل وهو الأصل ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة.

وهذه الطاعات لا يكون شيء منها إيماناً إلا إذا كانت مرتبة على الأصل الذي هو المعرفة.

وزعموا أن الجحود وإنكار القلب كفر، ثم كل معصية بعده كفر على حدة، ولم يجعلوا شيئاً من الطاعات إيماناً ما لم توجد المعرفة والإقرار، ولا شيئاً من المعاصي كفراً ما لم يوجد الجحود والإنكار.

الثاني: أن الإيمان اسم للطاعات كلها فريضة أو نافلة إلا أنه إذا ترك فريضة انتقض إيمانه، وإن ترك نافلة لم ينتقض.

ومنهم من قال: الإيمان اسم للفرائض دون النوافل.

(القول الثاني): قول من قال الإيمان بالقلب واللسان معاً.

ثم اختلفوا على مذاهب: الأول: أن الإيمان إقرار باللسان ومعرفة بالجنان وهو مذهب أبي حنيفة وعامة الفقهاء، ثم اختلفوا في موضعين: أحدهما في حقيقة هذه المعرفة، فمنهم من قال: هي الاعتقاد الجازم سواء كان اعتقاداً تقليدياً أو علماً صادراً عن الدليل وهم الأكثرون الذين يحكمون بأن المقلد مسلم، ومنهم من فسرها بالعلم الصادر عن الاستدلال.

وثانيهما في أن العلم المعتبر في تحقق الإيمان علم بماذا؟

قال بعض المتكلمين: هو العلم بالله وبصفاته على سبيل التمام والكمال، ثم إنه لما كثر اختلاف الخلق في صفات الله  فلا جرم أقدم كل طائفة على تكفير من عداها من الطوائف، والإنصاف أن المعتبر هو العلم بكل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد  ، فعلى هذا العلم بكونه  عالماً بالعلم أو بذاته أو مرئياً وغير مرئي لا يكون داخلاً في مسمى الإيمان.

والمذهب الثاني: أن الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان معاً وهو مذهب أبي الحسن الأشعري وبشر المريسي، والمراد من التصديق الكلام القائم بالنفس.

المذهب الثالث: كلام بعض الصوفية الإيمان إقرار باللسان وإخلاص بالقلب.

(القول الثالث): قول من قال الإيمان عبارة عن عمل القلب فقط، فمن هؤلاء من قال: الإيمان معرفة الله بالقلب حتى إن من عرف الله بقلبه ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقر به فهو مؤمن كامل الإيمان وهو قول جهم بن صفوان، وزعم أن معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر غير داخلة في حقيقة الإيمان.

وحكى الكعبي عنه أن الإيمان معرفة الله مع معرفة كل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد  .

ومنهم من قال: الإيمان مجرد التصديق بالقلب.

(القول الرابع).

قول من قال الإيمان هو الإقرار باللسان فقط، ثم منهم من قال: شرط كونه إيماناً حصول المعرفة في القلب.

ومنهم من قال: لا حاجة بنا إلى هذا الشرط أيضاً بل المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة يثبت له حكم المؤمنين في الدنيا وحكم الكافرين في الآخرة وهذا قول الكرامية، ثم قال الإمام رحمه الله  : عندي أن الإيمان عبارة عن التصديق بكل ما عرف بالضرورة كونه من دين محمد  مع الاعتقاد فههنا قيود: الأول أن الإيمان عبارة عن التصديق، وذلك أن الإيمان أكثر الألفاظ دوراناً على ألسنة المسلمين، فلو صار منقولاً إلى غير مسماه الأصلي لتوفرت الدواعي على نقل هذا النقل وتواتر وليس كذلك.

وأيضاً الإيمان المعدّى بالباء على أصله اتفاقاً، فغير المعدى أيضاً يكون كذلك كلما ذكر الله  الإيمان في القرآن أضافه إلى القلب ﴿ وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ ﴿ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم  ﴾ وأيضاً قرن الإيمان بالعمل الصالح، ولو كان العمل داخلاً في الإيمان لزم التكرار.

وأيضاً قرن الإيمان بالمعاصي ﴿ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم  ﴾ ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا  ﴾ ﴿ والذين آمنوا ولم يهاجروا  ﴾ ومع عظيم الوعيد في ترك الهجرة.

قال ابن عباس في قوله  : ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص  ﴾ إنما يجب القصاص على القاتل المتعمد، ومع ذلك يدخل في الخطاب.

ثم قال: ﴿ فمن عفى له من أخيه شيء  ﴾ وهذه الأخوة ليست إلا أخوة الإيمان ﴿ إنما المؤمنون إخوة  ﴾ ثم قال: ﴿ ذلك تخفيف من ربكم ورحمة  ﴾ وهذا لا يليق إلا بالمؤمن.

القيد الثاني: أن الإيمان ليس عبارة عن تصديق اللسان لقوله  ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين  ﴾ .

القيد الثالث: ليس عبارة عن مطلق التصديق لأن من صدق بالجبت والطاغوت لا يسمى مؤمناً.

القيد الرابع: لا يشترط التصديق بجميع صفات الله  لقوله  "اعتقها فإنها مؤمنة" بعد قوله عليه الصلاة والسلام لها أين الله؟

قالت: في السماء.

ويعلم مما ذكرنا أن من عرف الله بالدليل، ولما تم العرفان مات ووجد من الوقت ما أمكنه التلفظ بكلمة الشهادة لكنه لم يتلفظ بها كان مؤمناً، وكان الامتناع عن النطق جارياً مجرى المعاصي التي يؤتى بها مع الإيمان، وبهذا حكم الغزالي  قلت: - وبالله التوفيق -: التحقيق في المقام أن للإيمان وجوداً في الأعيان ووجوداً في الأذهان ووجوداً في العبارة.

ولا ريب أن الوجود العيني لكل شيء هو الأصل، وباقي الوجودات فرع وتابع.

فالوجود العيني للإيمان هو النور الحاصل للقلب بسبب ارتفاع الحجاب بينه وبين الحق جل ذكره ﴿ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور  ﴾ وهذا النور قابل للقوة والضعف والاشتداد والنقص كسائر الأنوار ﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً  ﴾ كلما ارتفع حجاب ازداد نوراً فيتقوى الإيمان ويتكامل إلى أن ينبسط نوره فينشرح الصدر ويطلع على حقائق الأشياء وتتجلى له الغيوب وغيوب الغيوب فيعرف كل شيء في موضعه، فيظهر له صدق الأنبياء عليهم السلام ولا سيما محمد  خاتم النبيين في جميع ما أخبروا عنه إجمالاً أو تفصيلاً على حسب نوره، وبمقدار انشراح صدره، وينبعث من قلبه داعية العمل بكل مأمور والاجتناب عن كل محظور، فينضاف إلى نور معرفته أنوار الأخلاق الفاضلة والملكات الحميدة ﴿ نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم  ﴾ ﴿ نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء  ﴾ وأما الوجود الذهني فبملاحظة المؤمن لهذا النور ومطالعته له ولمواقعه، وأما الوجود اللفظي فخلاصته ما اصطلح عليه الشارع بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله  .

ولا يخفى أن مجرد التلفظ بقولنا "لا إله إلا الله محمد رسول الله  " من غير النور المذكور لا يفيد إلا كما يفيد للعطشان التلفظ بالماء الزلال دون التروي به، إلا أن التعبير عما في الضمير لما لم يتيسر إلا بواسطة النطق المفصح عن كل خفي والمعرب عن كل مشتبه، كان للتلفظ بكلمة الشهادة ولعدم التلفظ بها مدخل عظيم في الحكم بإيمان المرء وكفره، فصح جعل ذلك وما ينخرط في سلكه من العلامات، كعدم لبس الغيار وشد الزنار دليلاً عليهما، وتفويض أمر الباطن إلى عالم الخفيات المطلع على السرائر والنيات ولهذا قال  : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" الرابعة: يجوز أن يكون بالغيب صلة للإيمان أي يعترفون أو يثقون به، وعلى هذا يكون الغيب بمعنى الغائب ما تسمية بالمصدر كما سمى الشاهد بالشهادة قال الله  : { ﴿ عالم الغيب والشهادة  ﴾ ، [المؤمنون: 92]، [التغابن: 18] والعرب تسمي المطئمن من الأرض غيباً، وإما أن يكون مخفف فيعل والمراد به الخفي الذي لا ينفذ فيه ابتداء إلا علم اللطيف الخبير، وإنما نعلم منه نحن ما أعلمناه أو نصب لنا دليل عليه، ولهذا لا يجوز أن يطلق فيقال: فلان يعلم الغيب، وذلك نحو الصانع وصفاته والنبوات وما يتعلق بها والبعث والنشور والحساب والوعد والوعيد وغير ذلك.

ويجوز أن يكون بالغيب حالاً، والغيب بمعنى الغيبة والخفاء أي يؤمنون غائبين عن المؤمن به وحقيقته متلبسين بالغيب نحو { ﴿ الذين يخشون ربهم بالغيب  ﴾ ﴿ ليعلم أني لم أخنه بالغيب  ﴾ وفيه تعريض بالمنافقين حيث إن باطنهم يخالف ظاهرهم وغيبتهم تباين حضورهم ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم  ﴾ وقال بعض الشيعة: المراد بالغيب المهدي المنتظر الذي وعد الله في القرآن.

وورد في الخبر ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض  ﴾ "لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أمتي يواطئ اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً" الخامسة: معنى إقامة الصلاة أحد ثلاثة اشياء: إما تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها من أقام العود إذا قومه، وإما الدوام عليها والمحافظة ﴿ والذين هم على صلاتهم دائمون  ﴾ ﴿ والذين هم على صلاتهم يحافظون  ﴾ من قامت السوق إذا نفقت وأقامها.

قال الأسدي: أقامت غزالة سوق الضراب.

لأهل العراقين حولاً قميطاً.

غزالة اسم امرأة شبيب الخارجي، قتله الحجاج فحاربته سنة تامة.

والضراب القتال، والعراقان الكوفة والبصرة، وقميطاً أي كاملاً لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الذي تتوجه إليه الرغبات، وإما التجلد والتشمر لأدائها وأن لا يكون في مؤديها فتور عنها ولا توان من قولهم: قام في الأمر خلاف تقاعد عنه، فعبر عن الأداء بالإقامة لأن القيام بعض أركانها كما عبر عنه بالقنوت، والقنوت القيام - وبالركوع والسجود والتسبيح ﴿ يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي  ﴾ ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين  ﴾ ولا يخفى أن إقامة الصلاة بجميع هذه المعاني تستحق المدح والثناء.

السادسة: الصلاة في عرف الشرع عبارة عن إلهيات والأقوال المخصوصة التي مفتتحها التحريم ومختتمها التسليم فرضاً كانت أو نفلاً، إلا أنه يحتمل أن يقال المراد بها في الآية الفرض لأن الفلاح قد نيط بها في قوله  للأعرابي "أفلح والله إن صدق" بعد قول الأعرابي "والله لا أزيد على هذه ولا أنقص" أي على الصلوات المفروضة.

واشتقاقها لغة إما من الصلاة بمعنى الدعاء قال الأعشى: وقابلها الريح في دنها *** وصلى على دنها وارتسم أي وضع عليها الرسم وهو الخاتم وإما من قولهم "صليت العصا بالنار" إذا لينتها وقومتها قال: فلا تعجل بأمرك واستدمه *** فما صلي عصاك كمستديم والمصلي يسعى في تعديل ظاهره وتقويم باطنه كالخشب الذي يعرض على النار.

وإما من قولهم "صلى الفرس" إذا جاء مصلياً أي ملازماً للسابق، لأن رأسه عند صلاة، والصلا ما عن يمين الذنب وشماله، والمصلي ملازم لفعله من حين شروعه إلى أوان فراغه.

والصلاة اسم وضع موضع المصدر يقال: صليت صلاة ولا يقال تصلية.

قال في الكشاف: الصلاة فعلة من صلى كالزكاة من زكى.

وكتبها بالواو على لفظ المفخم.

وحقيقة صلى حرك الصلوين لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده، ولا يخفى ما فيه من التعسف.

السابعة: الرزق لغة هو ما ينتفع به، فيشمل الحلال والحرام والمأكول وغيره والمملوك وغيره، والمعتزلة ومن يجري مجراهم زادوا قيداً آخر وهو أن لا يكون ممنوعاً عن الانتفاع به، وعلى هذا لا يكون الحرام عندهم رزقاً.

قال في الكشاف: إسناد الرزق إلى نفسه للإعلام بأنهم ينفقون الحلال المطلق الذي يستأهل أن يضاف إلى الله  ويسمى رزقاً منه.

وأدخل "من" التبعيضية صيانة لهم وكفاً عن الإسراف والتبذير المنهي عنه، وقدم مفعول الفعل دلالة على كونه أهم كأنه قال: ويخصون بعض المال الحلال بالتصدق به، والحق أن التمكين من الانتفاع بالمرزوق مسند إلى الله  على الإطلاق، إذ كل بقدرته إلا أن مذهب المعتزلة إلى الأدب أقرب، ولا سيما في هذا المقام ليستحقوا المدح بالإنفاق منه.

الثامنة: أنفق الشيء وأنفده أخوان، وكل ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على معنى الخروج والذهاب، وما يقرب منه ويدخل في هذا الإنفاق الواجب من الزكاة التي هي أخت الصلاة وشقيقتها، ومن الإنفاق على النفس وعلى من تجب نفقته، ومن الإنفاق في الجهاد.

ويمكن أن يتناول كل منفق في سبيل الخير للإطلاق قال  ﴿ وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت  ﴾ والمراد به الصدقة لقوله ﴿ فأصدّق وأكن من الصالحين  ﴾ .

البحث السادس: في قوله  و "الذين يؤمنون" الآية.

وفيه مسائل: الأولى: يحتمل أن يراد بهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه الذين اشتمل إيمانهم على كل وحي نزل من عند الله، سالف أو مترقب سبيله سبيل السالف لكونه معقوداً بعضه ببعض ومربوطاً آتيه بماضيه، وأيقنوا بالآخرة إيقاناً زال معه ما كانوا عليه من أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات، وأن أهل الجنة لا يتلذذون إلا بالنسيم والأرواح العبقة والسماع اللذيذ ونحو ذلك.

فيكون المعطوف غير المعطوف عليه إما مغايرة المباينة وذلك إذا أريد بالأولين كل من آمن ابتداء بمحمد  من غير إيمان قبل ذلك بموسى وعيسى عليهما السلام، وإما مغايرة الخاص للعام وذلك إذا أريد بالأولين كل من آمن بمحمد  سواء كان قبل ذلك مؤمناً بموسى وعيسى عليهما السلام أو لم يكن.

ويكون السبب في ذكر هذا الخاص بعد العام إثبات شرف لهم وترغيباً لأمثالهم في الدين، ويحتمل أن يراد بهؤلاء الأولون، ووسط العاطف على معنى أنهم الجامعون بين تلك الصفات وهذه كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام *** وليث الكتيبة في المزدحم يا لهف زيابة للحارث الــــ *** ـــصابح فالغانم فالآئـــب الثانية: قال في التفسير الكبير: المراد من إنزال الوحي أن جبريل سمع في السماء كلاماً لله  فنزل على الرسول  كما يقال: نزلت رسالة الأمير من القصر.

والرسالة لا تنزل لكن المستمع يستمع الرسالة في علو فينزل فيؤدي في سفل.

وقول الأمير لا يفارق ذاته، ولكن السامع يسمع فينزل ويؤدي بلفظ نفسه.

قال: فإن قيل: كيف سمع جبريل كلام الله وكلامه ليس حرفاً ولا صوتاً عندكم؟

قلنا: يحتمل أن يخلق الله له سمعاً لكلامه ثم أقدره على عبارة يعبر بها عن ذلك الكلام القديم.

ويجوز أن يكون خلق الله في اللوح المحفوظ كتابه بهذا النظم المخصوص فقرأه جبرائيل فحفظه، ويجوز أن يخلق أصواتاً مقطعة بهذا النظم المخصوص في جسم مخصوص فيتلقفه جبرائيل ويخلق له علماً ضرورياً بأنه هو العبارة المؤدية لمعنى ذلك الكلام.

وأقول: إنك إذا تأملت ما أشرت إليه في المقدمة العاشرة من مقدمات الكتاب انكشف لك الغطاء عن هذه المسالة.

الثالثة: الإيمان بجميع الكتب السماوية أعني التصديق بها واجب، لأن الفلاح منوط بذلك.

فيجب تحصيل العلم بما أنزل على محمد  التفصيل ليقوم بواجبه علماً وعملاً، لكنه فرض كفاية لقوله  ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين  ﴾ الآية.

وأما المنزل على الأنبياء المتقدمين فالإيمان به واجب على الجملة لأن الله  ما تعبدنا الآن به حتى يلزمنا معرفتها مفصلة، لكنها إن عرفنا شيئاً من تفاصيلها فهناك يجب علينا الإيمان بتلك التفاصيل.

الرابعة: الآخرة صفة الدار تلك الدار الآخرة وهي من الصفات الغالبة تأنيث الآخر نقيض الأول وكذلك الدنيا تأنيث الأدنى لأنها أقرب، واليقين هو العلم بالشيء ضرورة أو استدلالاً بعد أن كان صاحبه شاكاً فيه، ولذلك لا يوصف الله  بأنه متيقن ولا يقال تيقنت أن السماء فوقي أو أني موجود.

وفي تقديم الآخرة وبناء "يوقنون" على "هم" تعريض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته ومن غير إيقان، وأن اليقين ما عليه من آمن بما أنزل على محمد وعلى غيره من الأنبياء، وهذا في معرض المدح ومعلوم أنه لا يمدح بتيقن وجود الآخرة فقط، بل به وبما يتبعه من الحساب والسؤال وإدخال المؤمنين الجنة والكافرين النار.

عن النبي  "يا عجباً كل العجب من الشاك في الله وهو يرى خلقه، وعجباً ممن يعرف النشأة الأولى ثم ينكر النشأة الآخرة، وعجباً ممن ينكر البعث والنشور وهو كل يوم يموت ويحيا - يعني النوم واليقظة - وعجباً ممن يؤمن بالجنة وما فيها من النعيم ثم يسعى لدار الغرور، وعجباً من المتكبر الفخور وهو يعلم أن أوله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة" البحث السابع: في قوله  ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ الآية وفيه مسائل: الأولى: في كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه: أحدها نوى الابتداء "بالذين يؤمنون بالغيب" على سبيل الاستئناف و "أولئك على هدى" الجملة خبره، كأنه لما قيل "هدى للمتقين" فخص المتقون بأن الكتاب لهم هدى، اتجه لسائل أن يسأل فيقول: ما بال المتقين مخصوصين بذلك؟

فأجيب بأن الذين هؤلاء عقائدهم وأعمالهم أحقاء بأن يهديهم الله ويعطيهم الفلاح.

وهذا النوع من الاستئناف يجيء تارة بإعادة اسم من استؤنف عنه الحديث نحو: قد أحسنت إلى زيد زيد حقيق بالإحسان، وتارة بإعادة صفته مثل: أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك منك.

فيكون الاستئناف بإعادة صفته مثل: أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك منك.

فيكون الاستئناف بإعادة الصفة كما في الآية أحسن وأبلغ لانطوائها على بيان الموجب وتلخيصه.

وثانيها: أن يجعل "الذين" و "الذين" تابعاً للمتقين، ويقع الاستئناف على "أولئك" كأنه قيل: ما للمستقلين بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى؟

فقيل: أولئك الموصوفون غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلاً وبالفلاح آجلاً.

وثالثها: أن يجعل الموصول الأول صفة للمتقين ويرفع الثاني على الابتداء، و "أولئك" خبره، ويكون اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضاً بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوة رسول الله  وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون في أنهم سيفلحون عند الله  والفضل من هذه الوجوه لأولها لأن الكلام المبني على السؤال والجواب أكثر فائدة، ولأن الاستئناف بإعادة الصفة أبلغ ولأن السؤال على الوجه الأخير كالضائع، لأن موجبات اختصاصهم بالهدى قد علمت.

وأيضاً إنه يجعل الموصولين تابعاً والوجه الأول يجعل الموصول الأول ركناً من الكلام.

الثانية: الاستعلاء في قوله "على هدى" مثل لتمكنهم من الهدى كقولهم "هو على الحق وفلان على الباطل" وقد يصرح بذلك فيقال: جعل الغواية مركباً، وامتطى الحق، واقتعد غارب الهوى.

ومعنى "هدى من ربهم أي منحوه من عنده وأوتوه من قبله، وهو إما اللطف والتوفيق الذي اعتضدوا به على أعمال الخير والترقي من الأفضل لأفضل، وإما الإرشاد إلى الدليل الموجب للثبات على ما اعتقدوه والدوام على ما عملوه.

ونكر "هدى" ليفيد ضرباً من المبالغة أي هدى لا يبلغ كنهه.

قال الهذلي: فلا وأبي الطير المربة بالضحى *** على خالد لقد وقعت على لحم أي لحم وأي لحم.

وأربّ بالمكان إذا أقام به، والأب مقحم للاستعظام إذ الكنى إنما تكون للأشراف كما أن الإقسام بالطير أيضاً لاستعظامهن لوقوعهن على لحم عظيم، وعنبعضهم الهدى من الله كثير ولا يبصره إلا بصير ولا يعمل به إلا يسير، ألا ترى أن نجوم السماء يبصرها البصراء ولا يهتدي بها إلا العلماء؟

الثالثة: في تكرير "أولئك" تنبيه على أنهم كما ثبت لهم الاختصاص بالهدى ثبت لهم الاختصاص بالفلاح فتميزوا عن غيرهم بهذين الاختصاصين.

ووسط العاطف بينهما لاختلاف خبريهما بخلاف قوله ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون  ﴾ فإن التسجيل عليهم بالغفلة وعدّهم من جملة الأنعام شيء واحد.

الرابعة: "هم" فصل وفائدته بعد الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة التوكيد، وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره.

ويحتمل أن يكون "هم" مبتدأ و "المفلحون" خبره، والجملة خبر "أولئك".

الخامسة: المفلح الفائز بالبغية، والمفلج بالجيم مثله كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر.

وكذلك أخواته في الفاء والعين تدل على معنى الشق والفتح نحو: فلق، وفلذ، ومنه سمي الزارع فلاحاً.

ومعنى التعريف في "المفلحون" إما العهد أي المتقون هم الناس الذين بلغك أنهم المفلحون في الآخرة، أو الجنس على معنى أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحين فهم هم لا يعدون تلك الحقيقة كما تقول لصاحبك: هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الإقدام إن زيداً هو هو.

فانظر كيف كرر الله عز وجل التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى وهي ذكر اسم الإشارة، فإن في ذكره أيذاناً بأن ما يرد عقيبه.

فالمذكورون قبله أهل لاكتسابه من أجل الخصال التي عددت لهم، وتكرير اسم الإشارة وتعريف المفلحين وتوسيط الفصل، اللهم زينا بلباس التقوى واحشرنا في زمرة من صدّرت بذكرهم أولى الزهراوين.

قد ورد في الخبر "يحشر الناس يوم القيامة ثم يقول الله عز وجل لهم: طالما كنتم تتكلمون وأنا ساكت فاسكتوا اليوم حتى أتكلم، إني رفعت نسباً وأبيتم إلا أنسابكم قلت: إن أكرمكم عند الله أتقاكم وأبيتم أنتم فقلتم: لا بل فلان ابن فلان، فرفعتم أنسابكم ووضعتم نسبي، فاليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم، فسيعلم أهل الجمع من أصحاب الكرم أين المتقون" فليأخذ العاقل بحكمة الله  وهو نوط الثواب وتعليق العقاب بالعمل الصالح والسيء إلا بما هو غير مضبوط من عفوه عن بعض المذنبين وردّة طاعة بعض المطيعين، كما أن حكمته لما اقتضت ترتب الشبع والري على الأكل والشرب لم يعهد الاتكال على ما يمكن أن يقع بالنسبة إلى قدرته من إشباع شخص أو إروائه من غير تناول الطعام والشراب أو بالعكس، وهذه نكتة شريفة ينتفع بها من وفق لها إن شاء الله.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

﴿ الۤـمۤ ﴾ قيل: فيه وجوهٌ: روى عن ابن عباس -  ما - قال: قوله: ﴿ الۤـمۤ ﴾ أنا الله أعلم.

وقيل: إنه قسم أقسم بها.

وقيل: إن هذه الحروف المعجمة مفتاح السورة.

وقيل: إن كل حرف من هذه الحروف كناية اسم من أسماءِ الله: الأَلف الله، واللام لطفه، والميم ملكه.

وقيل: إن اللام آلاؤه، والميم مجدهُ.

وقيل: إن الأَلف هو الله، واللام جبريل، والميم محمد.

وقيل: إنها من التشبيب؛ ليفصل بين المنظوم من الكلام، والمنثور من نحو الشعر ونحوه.

وقيل: إن تفسير هذه الحروف المقطعة ما أَلحق ذكرها بها على أَثرها نحو قوله: ﴿ الۤـمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ \[أول سورة البقرة\]، ﴿ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ هو تفسير ﴿ الۤـمۤ ﴾ ، و ﴿ الۤمۤ * ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ \[أول سورة آل عمران\]، ﴿ الۤمۤصۤ * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ \[أول سورة الأعراف\]، و ﴿ الۤر كِتَابٌ ﴾ \[أول سورة هود، وإبراهيم\]، و ﴿ الۤـمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ﴾ \[أول سورة لقمان\] كلُّ ملحقٍ بها فهو تفسيرُها.

وقيل: إن فيها بيان غاية ملك هذه الأُمة من حساب الجُمَّل، ولكنهم عدوا بعضها وتركوا البعض.

وقيل: إنه من المتشابه الذي لم يطلع الله خلقه علم ذلك، ولله أن يمتحن عباده بما شاءَ من المحن.

وقيل: إنهم كانوا لا يستمعون لهذا القرآن؛ كقولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً  ﴾ فأنزل الله عز وجل هذه الحروف المعجمة ليستمعوا إليها فيلزمهم الحجة.

والأصل في الحروف المقطعة: أنه يجوز أن تكون على القَسَم بها على ما ذكرنا.

وأريد بالقدْر الذي ذكر كليةُ الحروف بما كان من شأْن العرب القسمُ بالذي جلَّ قدْرُه، وعظم خطره.

وهي مما بها قوام الدارين، وبها يتصل إلى المنافع أَجمع.

مع ما دّلت على نعمتين عظيمتين - اللسان والسمع - وهما مجرى كل أنواع الحكمة، فأَقسم بها على معنى إضمار ربّها، أَو على ما أَجلّ قدرها في أعين الخلق، فيقسم بها، ولله ذلك، ولا قوة إلا بالله.

ويحتمل: أَن يكون بمعنى الرمز والتضمين في كل حرف منها أمراً جليلاً يعظم خطره على ما عند الناس في أَمر حساب الجُمل.

ثم يُخرَّج على الرمز بِها عن أَسماءِ الله وصفاته ونعمه على خلقه، أَو على بيانِ منتهى هذه الأُمة، أَو عددِ أَئمتها، وملوكها، والبقاع التي ينتهي أمرها، وذلك هو في نهاية الإيجاز، بل بالاكتفاءِ بالرمز عن الكلام، وبما هو بمعنى من الإشارة في الاكتفاءِ بها عن البسط، ولا قوة إلا بالله؛ ليُعلم الخلائقَ قدرة الله، وأَنَّ له أَنْ يضمن ما شاء فيما شاءَ على ما عليه أَمرُ الخلائق من لطيف الأَشياءِ التي كادت العقولُ وأَسباب الإدراك تقصر عنها، وكنهِها التي يدركها كل أَحد، وبين الأَمرين، فعلى ذلك أَمر تركيب الكلام، ولا قوة إلا بالله.

ويجوز أن يكون بمعنى اسم السور، ولله تسميتها بما شاءَ كما سمى كتبه، وعلى ذلك منتهى أَسماءِ الأَجناس خمسة أحرف، وكذلك أمر السور، دليل ذلك وصْلُ كل سورة فتحت بها إليها، كأَنه بنى بها.

ولا قوة إلا بالله.

ويجوز أن يكون على التشبيب، على ما ذكرنا للتفصيل بين المنظوم من الكلام والمنثور في المتعارف أن المنظوم في الشاهد يشبب فيخرج عن المقصود بذلك الكلام، فعلى ذلك أمر الكلام المنزل.

أَلا ترى أَنه خرج على ما عليه فنون الكلام في الشاهد إلا أَنه على وجه ينقطع له المثال من كلامهم، فمثله أَمر التشبيب.

ولا قوة إلا بالله.

وجائِز: أن يكون الله أَنزلها على ما أَراد؛ ليمتحن عبادَه بالوقف فيها، وتسليم المراد في حقيقة معناه والذي له يزول ذلك، ويعترف أَنه من المتشابه، وفيها جاءَ تعلق الملحدة، ولا قوة إلا بالله.

ويحتمل: أَن يكون إذ علم الله من تعنت قوم وإعراضهم عنه وقولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ  ﴾ أَنزل على وجه يبعثهم على التأَمل في ذلك بما جاءَ بالعجيب الذي لم يكونوا يعرفون ذلك: إما لما عندهم أَنه كأَحدهم، أو لسبيل الطعن؛ إذ خرج عن المعهود عندهم، فتلا عليهم ما يضطرهم إلى العلم بالنزول من عند من يملك تدبير الأشياءِ؛ ولذلك اعترضوا لهذه الأَحرف بالتأَمل فيها من بين الجميع.

ولا قوة إلا بالله.

وقيل: إنه دعا خلقه إلى ذلك، والله أَعلم بما أَراد.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ .

أي: هذا الكتاب، إشارة إلى ما عنده، وذلك شائع في اللغة، جائز بمعنى هذا.

وقيل: ذلك بمعنى ذلك، إشارة إلى ما في أَيدي السفرة والبررة.

وقوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .

قيل: فيه وجوهٌ؛ لكن الحاصل يرجع إلى وجهين: أي: لا ترتابوا فيه أنه من عند الله.

وقيل: لا ريب فيه أنه منزل على أَيدي الأُمناءِ والثقات.

وقوله: ﴿ هُدًى ﴾ .

قيل فيه بوجهين: ﴿ هُدًى ﴾ : أَي: بياناً ووضوحاً، فلو كان المراد هذا، فالتَّقيُّ وغير التَّقِيِّ سواء.

والثاني: هُدىً أي: رشداً، وحجة، ودليلاً.

ثم اختلفوا في الدليل: فقال الراوندي: الدليل إنما يكون دليلاً بالاستدلال؛ لأَنه فعل المستدل.

مشتق من الاستدلال؛ كالضرب من الضارب وغيره.

وقال غير هؤلاءِ: الدليل بنفسه دليل، وإن لم يستدل به؛ لأَنه حجة، والحجة حجة وإن لم يحتج بها.

غير أَن الدليل يكون دليلاً بالاستدلال، ومن لم يستدل به فلا يكون له دليلاً، وإن كان بنفسه دليلاً، بل يكون عليه عمى وحيرة كقوله: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ  ﴾ ثم قال: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ  وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً  ﴾ .

وقوله: ﴿ لِّلْمُتَّقِينَ * ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .

قيل: فيه بوجهين: يؤمنون بالله غيباً، ولم يطلبوا منه ما طلبه الأُمم السالفة، من أنبيائهم؛ كقول بني إسرائيل لموسى: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ .

والثاني: يؤمنون بغيب القرآن، وبما يخبرهم القرآن من الوعدِ والوعيدِ، والأَمر والنهي، والبعث، والجنة، والنار.

والإيمانُ إنما يكون بالغيب؛ لأَنه تصديق، والتصديقُ والتكذيب إنما يكونان عن الخبر، والخبرُ يكون عن غيب لا عن مشاهدة.

والآية تنقض قول من يقول: بأَن جميع الطاعات إيمان؛ لأَنه أَثبت لهم اسم الإيمان دون إقامة الصلاة والزكاة بقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: الصلاةَ المعروفةَ، يقيمونها بتمام ركوعها وسجودها، والخشوغ، والخضوع له فيها، وإخلاص القلب في النِّية؛ على ما جَاءَ في الخبر "انْظُر مَنْ تُنَاجِي" ويحتمل: الحمد له والثناء عليه.

فإن كان المراد هذا فهو لا يحتمل النسخ، ولا الرفع في الدنيا والآخرة.

وقوله: ﴿ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ .

من الأموال يحتمل فرضاً ونفلاً.

ويحتمل: ﴿ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾ من القوى في الأَنفس وسلامة الجوارح، ﴿ يُنْفِقُونَ ﴾ : يعينون.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .

يحتمل وجهين: أي: ما أنزل إليك من القرآن.

ويحتمل: ما أنزل إليك من الأَحكام، والشرائع التي ليس ذكرها في القرآن.

وقوله: ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ .

يحتمل وجهين أيضاً: يعني الكتب التي أنزلت على سائِر الأَنبياءِ عليهم السلام.

ويحتمل: الشرائع، والأَخبار سوى الكتب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ .

بمعنى يؤمنون.

والإيقان بالشيء هو العلم به.

والإيمان هو التصديق، لكنه إذا أَيقن آمن به وصدق به لعلمه به؛ لأَن طائفة من الكفار كانوا على ظن من البعث؛ كقوله: ﴿ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ  ﴾ فأَخبر عز وجل عن حال هؤلاءِ أَنهم على يقين، ليسوا على الظن والشك كأُولئك.

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ .

قِيل: على صواب، ورشد من ربهم.

وقيل: إنهم على بيان من ربهم، لكن البيان ليس المؤمنُ أحقَّ به من الكافر؛ لأَنه يبين للكافر جميع ما يحتاج إليه، إما من جهة العقل، وإما من جهة السمع.

فظهر بهذا أَن الأَول أَقرب إلى الاحتمال من الثاني.

وقوله: ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: الباقون في نعم الله والخير.

وقيل: الظافرون بحاجاتهم، يقال: أَفلح، أَي: ظفر بحاجته.

وقيل: ﴿ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ هم السعداءُ، يقال: أَفلح، أي: سعد.

وقيل: ﴿ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ الناجون؛ يقال: أَفلح، أي: نجا.

وكله يرجع إلى واحد؛ كقوله: ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ  ﴾ وكل واحد ممن زحزح عن النار فقد فاز ومن أُدخل الجنة فقد فاز فكذلك الأَول.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هؤلاء المُتَّصِفون بهذه الصفات على تَمكُّنٍ من طريق الهداية، وهم الفائزون في الدنيا والآخرة بنَيلهم ما يرجون ونجاتهم مما يخافون.

من فوائد الآيات الثقة المطلقة في نفي الرَّيب دليل على أنَّه من عند الله؛ إذ لا يمكن لمخلوق أن يدعي ذلك في كلامه.

لا ينتفع بما في القرآن الكريم من الهدايات العظيمة إلا المتقون لله تعالى المعظمون له.

من أعظم مراتب الإيمانِ الإيمانُ بالغيب؛ لأنه يتضمن التسليم لله تعالى في كل ما تفرد بعلمه من الغيب، ولرسوله بما أخبر عنه سبحانه.

كثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والزكاة؛ لأنَّ الصلاة إخلاص للمعبود، والزكاة إحسان للعبيد، وهما عنوان السعادة والنجاة.

الإيمان بالله تعالى وعمل الصالحات يورثان الهداية والتوفيق في الدنيا، والفوز والفلاح في الأُخرى.

<div class="verse-tafsir" id="91.mAyGN"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

ههنا إشارتان، والمشار إليه عند الجمهور واحد، وهو ما في الآيتين السابقتين من المؤمنين، من غير أهل الكتاب والمؤمنين منهم، وكرر الإشارة للإسلام بأنه لا بد من تحقق الوصفين لتحقق الحكم بأنهم على هدى وأنهم هم المفلحون.

كذا قال بعضهم، وهو تكلف ظاهر وكذا قولهم: إن تنكير هدى هنا للتعظيم.

وأنا أرى أن الإشارتين هما لنوعي المؤمنين المذكورين في الآية السابقة بأسلوب اللف والنشر المرتب.

إن الإشارة الأولى ﴿ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ  ﴾ في هذه الآية للفرقة الأولى وهم الذين ينتظرون الحق لأنهم على شيء منه -كما يدل عليه تنكير"هدى"الدال على النوع- وينتظرون بيانًا من الله تعالى ليأخذوا به، ولذلك تقبلوه عندما جاءهم.

فقد أشعر الله قلوبهم الهداية بما آمنوا به من الغيب، وأقاموا الصلاة بالمعنى الذي سبق، وأنفقوا مما رزقهم الله، وأما الفرقة الثانية وهم المؤمنون بما جاء به محمد  فعلى هدى تشترك فيه تلك الفرقة الأولى، لكن على وجه أكمل، لأنها مؤمنة بالقرآن وعاملة به.

وقوله ﴿ عَلَى هُدًى  ﴾ تعبير يفيد التمكن من الشيء كتمكن المستقر عليه كقولهم"ركب هواه"ولقد كان أفراد تلك الفرقة (أي الأولى) على بصيرة وتمكن من نوع الهدى الذي كانوا عليه، فإن كان هذا غير كافٍ لإسعادهم وفلاحهم، فهو كافٍ لإعدادهم وتأهيلهم لهما بالإيمان التفصيلي المنزل ولذلك قبلوه عندما بلغتهم دعوته.

وإلى الفرقة الثانية وقعت الإشارة الثانية ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ  ﴾ ، كما هو ظاهر، وهم المفلحون بالفعل لاتصافهم بالإيمان الكامل بالقرآن وبما تقدمه من الكتب السماوية واليقين بالآخرة - لا مطلق الإيمان بالغيب إجمالًا- ويرشد إلى التغاير بين مرجع الإشارتين ترك ضمير الفصل"هم"في الأولى وذكره في الثانية.

ولو كان المشار إليه واحدًا لذكر الفصل في الأولى، لأن المؤمنين بالقرآن هم الذين على الهدى الصحيح التام، فهو خاص بهم دون سواهم، لكنه اكتفى عن التنصيص على تمكنهم من الهدى بحصر الفلاح فيهم.

ومادة "الفلح" تفيد في الأصل معنى الشق والقطع، ومثلها مادة "الفلج" بالجيم و"الفلخ" بالخاء و"الفلذ" و"الفلع" و"الفلغ" و"الفلق" و"الفل" و"الفلم".

ويطلق الفلاح والفلح على الفوز بالمطلوب، ولكن لا يقال أفلح الرجل إذا فاز بمرغوبه عفوًا من غير تعب ولا معاناة، بل لا بد في تحقيق المعنى اللغوي لهذه المادة من السعي إلى الرغيبة والاجتهاد لإدراكها، فهؤلاء ما كانوا مفلحين إلا بالإيمان بما أنزل إلى النبي  وما أنزل من قبله.

وباتباع هذا الإيمان بامتثال الأوامر واجتناب النواهي التي نيط بها الوعد والوعيد فيما أنزل إليه  مع اليقين بالجزاء على جميع ذلك في الآخرة، ويدخل في هذا كله الكذب والزور وتزكية النفس من سائر الرذائل كالشره والطمع والجبن والهلع والبخل والجور والقسوة وما ينشأ عن هذه الصفات من الأفعال الذميمة، وارتكاب الفواحش والمنكرات والانغماس في ضروب اللذات.

كما يدخل فيه الفضائل التي هي أضداد هذه الرذائل المتروكة، وجميع ما سماه القرآن عملًا صالحًا من العبادات وحسن المعاملة مع الناس والسعي في توفير منافعهم العامة والخاصة مع التزام العدل والوقوف عند ما حدده الشرع القويم، والاستقامة على صراطه المستقيم.

وجملة القول أن الإيمان بما أنزل إلى النبي  وهو الإيمان بالدين الإسلامي جملة وتفصيلًا، فما علم من ذلك بالضرورة ولم يخالف فيه مخالف يعتد به فلا يسع أحدًا جهله، فالإيمان به إيمان، والإسلام لله إسلام، وإنكاره خروج من الإسلام، وهو الذي يجب أن يكون معقد الارتباط الإسلامي وواسطة الوحدة الإسلامية، وما كان دون ذلك في الثبوت ودرجة العلم فموكول إلى اجتهاد المجتهدين، أو ذوق العارفين أو ثقة الناقلين بمن نقلوا عنه ليكون معتمدهم فيما يعتقدون بعد التحري والتمحيص.

وليس لهؤلاء أن يلزموا غيرهم ما ثبت عندهم، فإن ثقة الناقل بمن ينقل عنه حالة خاصة به لا يمكن لغيره أن يشعر بها حتى يكون له مع المنقول عنه في الحال مثل ما للناقل معه، فلا بد أن يكون عارفًا بأحواله وأخلاقه ودخائل نفسه، ونحو ذلك مما يطول شرحه ويحصل الثقة للنفس بما يقول القائل.

ولا يصح ان يكون شيء من ذلك مثار اختلاف في الدين.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر