الآية ٦ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٦ من سورة البقرة

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 203 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( إن الذين كفروا ) أي : غطوا الحق وستروه ، وقد كتب الله تعالى عليهم ذلك ، سواء عليهم إنذارك وعدمه ، فإنهم لا يؤمنون بما جئتهم به ، كما قال تعالى : ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) [ يونس : 96 ، 97 ] وقال في حق المعاندين من أهل الكتاب : ( ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ) الآية [ البقرة : 145 ] أي : إن من كتب الله عليه الشقاوة فلا مسعد له ، ومن أضله فلا هادي له ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ، وبلغهم الرسالة ، فمن استجاب لك فله الحظ الأوفر ، ومن تولى فلا تحزن عليهم ولا يهمدنك ذلك ؛ ( فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ) [ الرعد : 40 ] ، و ( إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل ) [ هود : 12 ] .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : ( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى ، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول ، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأول .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( إن الذين كفروا ) أي : بما أنزل إليك ، وإن قالوا : إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) أي : إنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك ، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق ، فقد كفروا بما جاءك ، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك ، فكيف يسمعون منك إنذارا وتحذيرا ، وقد كفروا بما عندهم من علمك ؟

!

وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، قال : نزلت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب ، وهم الذين قال الله فيهم : ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها ) [ إبراهيم : 28 ، 29 ] .

والمعنى الذي ذكرناه أولا وهو المروي عن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة ، أظهر ، ويفسر ببقية الآيات التي في معناها ، والله أعلم .

وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثا ، فقال : حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري ، حدثنا أبي ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثني عبد الله بن المغيرة ، عن أبي الهيثم عن عبد الله بن عمرو ، قال : قيل : يا رسول الله ، إنا نقرأ من القرآن فنرجو ، ونقرأ فنكاد أن نيأس ، فقال : ألا أخبركم ، ثم قال : ( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) هؤلاء أهل النار .

قالوا : لسنا منهم يا رسول الله ؟

قال : أجل .

[ وقوله : ( لا يؤمنون ) محله من الإعراب أنه جملة مؤكدة للتي قبلها : ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) أي هم كفار في كلا الحالين ؛ فلهذا أكد ذلك بقوله : ( لا يؤمنون ) ويحتمل أن يكون ( لا يؤمنون ) خبرا لأن تقديره : إن الذين كفروا لا يؤمنون ، ويكون قوله : ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ) جملة معترضة ، والله أعلم ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6) اختلف أهل التأويل فيمن عُنِي بهذه الآية, وفيمن نـزلَتْ.

فكان ابن عباس يقول, كما:- 295- حدثنا به محمد بن حميد, قال حدثنا سلمة بن الفضل, عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: " إن الذين كفروا "، أي بما أنـزِل إليك من ربِّك, وإن قالوا إنا قد آمنا بما قد جاءنا من قبلك (1) .

وكان ابن عباس يرى أنَّ هذه الآية نـزلتْ في اليهود الذين كانوا بنَواحي المدينةِ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، توبيخًا لهم في جُحودهم نبوَّةَ محمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبِهم به, مع علمهم به ومعرفتِهم بأنّه رسولُ الله إليهم وإلى الناس كافّة.

296- وقد حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سَلَمة, عن ابن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: أن صَدر سورة البقرة إلى المائة منها، نـزل في رجال سَمَّاهم بأعيانهم وأنْسَابهم من أحبار يهود, من المنافقين من الأوس والخزرج.

كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم (2) .

وقد رُوِي عن ابن عباس في تأويل ذلك قول آخر, وهو ما:- 297- حدثنا به المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا عبد الله بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس، قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ )، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرِصُ أن يؤمن جميعُ الناس ويُتَابعوه على الهدى، فأخبره الله جل ثناؤه أنه لا يؤمنُ إلا من سبق له من الله السعادةُ في الذّكْر الأول, ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاءُ في الذكر الأول (3) .

وقال آخرون بما:- 298- حُدِّثت به عن عمار بن الحسن, قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه, عن الربيع بن أنس, قال: آيتان في قادةِ الأحزاب: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ )، قال: وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ [سورة إبراهيم: 28، 29]، قال: فهم الذين قُتلوا يوم بدر (4) .

وأولى هذه التأويلات بالآية تأويلُ ابن عباس الذي ذكره محمد بن أبي محمد, عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير عنه.

وإنْ كان لكلِّ قول مما قاله الذين ذكرنا قولهم في ذلك مذهب.

فأما مذهب من تأوَّل في ذلك ما قاله الربيع بن أنس, فهو أنّ الله تعالى ذكره لمّا أخبرَ عن قوم من أهل الكفر بأنهم لا يؤمنون, وأن الإنذارَ غيرُ نافعهم, ثم كانَ من الكُفّار من قد نَفَعه الله بإنذار النبي صلى الله عليه وسلم إيّاه، لإيمانه بالله وبالنبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله بعد نـزول هذه السورة (5) - لم يَجُز أن تكون الآية نـزلت إلا في خاصٍّ من الكفار وإذ كان ذلك كذلك - وكانت قادةُ الأحزاب لا شك أنَّهم ممن لم ينفعه الله عز وجل بإنذار النبي صلى الله عليه وسلم إياه، حتى قتلهم الله تبارك وتعالى بأيدي المؤمنين يوم بدرٍ - عُلم أنهم مِمّن عنَى الله جل ثناؤه بهذه الآية.

وأمَّا عِلَّتُنا في اختيارنا ما اخترنا من التأويل في ذلك, فهي أنّ قول الله جل ثناؤه إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون )، عَقِيبَ خبر الله جل ثناؤه عن مؤمني أهل الكتاب, وعَقِيبَ نعتهم وصِفتهم وثنائه عليهم بإيمانهم به وبكتبه ورسله.

فأوْلى الأمور بحكمة الله، أن يُتلِيَ ذلك الخبرَ عن كُفّارهم ونُعُوتهم، وذمِّ أسبابهم وأحوالهم (6) ، وإظهارَ شَتْمهم والبراءةَ منهم.

لأن مؤمنيهم ومشركيهم -وإن اختلفت أحوالهم باختلاف أديانهم- فإن الجنس يجمع جميعَهم بأنهم بنو إسرائيل.

وإنما احتجّ الله جلّ ثناؤه بأوّل هذه السورة لنبيِّه صلى الله عليه وسلم على مشرِكي اليهود من أحبار بني إسرائيل، الذين كانوا مع علمهم بنبوّته مُنْكِرين نبوّته - بإظهار نبيِّه صلى الله عليه وسلم على ما كانت تُسِرُّه الأحبار منهم وتكتُمه، فيجهلُهُ عظْم اليهود وتعلمُه الأحبار منهم (7) - ليعلموا أن الذي أطلعه على علم ذلك، هو الذي أنـزل الكتابَ على موسى.

إذْ كان ذلك من الأمور التي لم يكنْ محمد &; 1-254 &; صلى الله عليه وسلم ولا قومُه ولا عشيرتُه يعلمونه ولا يعرفونه من قبل نـزول الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم, فيمكنَهم ادّعاء اللَّبس في أمره عليه السلام أنه نبيٌّ, وأنّ ما جاء به فمن عند الله (8) .

وأنَّى يُمكنُ ادّعاء اللَّبس في صدق أمِّيٍّ نشأ بين أمِّيِّين لا يكتب ولا يقرأ, ولا يحسُب, فيقال قرأ الكتب فعَلِم، أو حَسَب (9) فنجَّم؟

وانبعثَ على أحْبارٍ قُرَّاءٍ كَتَبَة (10) - قد دَرَسوا الكتب ورَأسوا الأمم - يخْبرهم عن مستور عُيوبهم, ومَصُون علومهم, ومكتوم أخبارهم, وخفيّات أمورهم التي جهلها من هو دونهم من أحبارهم.

إنّ أمرَ من كان كذلك لغَيرُ مُشْكِلٍ, وإنّ صدقَه لبَيِّن.

ومما ينبئ عن صحة ما قُلنا - من أنّ الذين عنى الله تعالى ذكره بقوله: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) هُم أحبارُ اليهود الذين قُتلوا على الكفرِ وماتوا عليه - اقتصاصُ الله تعالى ذكره نَبأهم، وتذكيرُه إياهم ما أخَذ عليهم من العهود والمواثيق في أمر محمدٍ عليه السلام، بَعْد اقتصاصه تعالى ذكرُه ما اقتصّ من أمر المنافقين، واعتراضِه بين ذلك بما اعترضَ به من الخبر عن إبليسَ وآدمَ - في قوله: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [سورة البقرة: 40 وما بعدها]، واحتجاجُه لنبيِّه عليهم، بما احتجَّ به عليهم فيها بعد جُحُودهم نبوّته.

فإذْ كان الخبر أوّلا عن مُؤمِني أهل الكتاب، وآخرًا عن مشركيهم, فأولى أن يكون وَسطًا:- عنهم.

إذْ كان الكلامُ بعضُه لبعض تَبَعٌ, إلا أن تأتيهم دلالةٌ واضحةٌ بعُدول بعض ذلك عما ابتَدأ به من معانيه, فيكونَ معروفًا حينئذ انصرافه عنه.

وأما معنى الكفر في قوله " إن الذين كفروا " فإنه الجُحُود.

وذلك أن الأحبار من يَهودِ المدينة جحدوا نبوّةَ محمد صلى الله عليه وسلم وستَروه عن الناس وكتمُوا أمره, وهُمْ يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.

وأصْلُ الكفر عند العرب: تَغطيةُ الشيء, ولذلك سمَّوا الليل " كافرًا "، لتغطية ظُلمته ما لبِستْه, كما قال الشاعر: فَتَذَكَّــرَا ثَقَــلا رًثِيـدًا, بَعْـدَ مَـا أَلْقَــتْ ذُكــاءُ يَمِينَهَـا فـي كـافِرِ (11) وقال لبيدُ بن ربيعة: فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومُ غَمَامُهَا (12) يعني غَطَّاها.

فكذلك الأحبار من اليهود غَطَّوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكَتَمُوه الناسَ - مع علمهم بنبوّته، ووُجُودِهم صِفَتَه في كُتُبهم - فقال الله جل ثناؤه فيهم: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ [سورة البقرة: 159]، وهم الذين أنـزل الله عز وجل فيهم: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ).

----------- الهوامش : (1) الخبر 295- ذكره ابن كثير 1 : 82 مع باقيه الآتي : 299 .

وساقه السيوطي 1 : 29 بأطول من ذلك ، زاد فيه ما يأتي : 307 ، 311 ، ونسبه أيضًا لابن إسحاق وابن أبي حاتم ، وكذلك نسبه الشوكاني 1 : 28 دون الزيادة الأخيرة .

(2) الخبر 296- ذكره ابن كثير 1 : 86 بنحوه ، من رواية ابن إسحاق .

ونقله السيوطي 1 : 29 بلفظ الطبري ، عنه وعن ابن إسحاق .

ونقله الشوكاني موجزًا 1 : 29 .

ومن الواضح أن قوله"كرهنا تطويل الكتاب .

.

" من كلام الطبري نفسه .

وانظر ما يأتي : 312 .

(3) الخبر 297- هو في ابن كثير 1 : 82 ، والسيوطي 1 : 28 - 29 ، والشوكاني 1 : 28 ، ونسباه أيضًا لابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي .

(4) الأثر 298- هكذا هو في الطبري ، من قول الربيع بن أنس .

وذكره ابن كثير 1 : 82 - 83 مختصرًا من رواية الربيع بن أنس عن أبي العالية ، ولم يذكر من خرجه .

ونقله السيوطي 1 : 29 ، والشوكاني 1 : 28 ، بأطول مما هنا بذكر الأثر : 309 معه ، من قول أبي العالية أيضًا ، ونسباه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم .

فالظاهر أن الطبري قصر بإسناده أو قصر به شيخه المبهم .

(5) سياق عبارته"فهو أن الله تعالى ذكره لما أخبر عن قوم .

.

.

لم يجز .

.

.

" (6) الأسباب جمع سبب : وأراد بها الطرق والوسائل .

(7) عظم اليهود : معظمهم وأكثرهم .

(8) في المطبوعة : "من عند الله" .

(9) يعني بالحساب هنا : حساب سير الكواكب وبروجها ، وبها يعرف المنجم أخبار ما يدّعى من علم الغيب .

(10) في المطبوعة : "وانبعث على أحبار" ، كأنه معطوف على كلام سابق .

وليس صحيحًا ، بل هو استئناف كلام جديد .

(11) الشعر لثعلبة بن صعير المازني ، شرح المفضليات : 257 .

والضمير في قوله"فتذكرا" للنعامة والظليم .

والثقل : بيض النعام المصون ، والعرب تقول لكل شيء نفيس خطير مصون : ثقل .

ورثد المتاع وغيره فهو مرثود ورثيد : وضع بعضه فوق بعض ونضده .

وعنى بيض النعام ، والنعام تنضده وتسويه بعضه إلى بعض .

وذكاء : هي الشمس .

(12) معلقته المشهورة ، ويأتي في تفسير آية سورة المائدة : 12 (6 : 98 بولاق) .

ويروى "ظلامها" .

وصدره : " يَعْلُــو طَريقــةَ مَتْنِهَـا مُتَوَاتِـرَا" يعني البقرة الوحشية ، قد ولجت كناسها في أصل شجرة ، والرمل يتساقط على ظهرها .

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6) وتأويل " سواءٌ": معتدل.

مأخوذ من التَّساوي, كقولك: " مُتَساوٍ هذان الأمران عندي", و " هما عِندي سَواءٌ"، أي هما متعادلان عندي، ومنه قول الله جل ثناؤه: فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ [سورة الأنفال: 58]، يعني: أعْلمهم وآذِنْهم بالحرب، حتى يَستوي علمُك وعلمُهم بما عليه كلُّ فريقٍ منهم للفريقِ الآخر.

فكذلك قوله " سَواءٌ عليهم ": معتدلٌ عندهم أيّ الأمرين كان منك إليهم، الإنذار أم ترك الإنذار لأنهم لا يؤمنون (13) ، وقد خَتمتُ على قلوبهم وسمعهم.

ومن ذلك قول عبيد الله بن قيس الرُّقَيَّات: تُغِـذُّ بـيَ الشّـهبَاءُ نَحْـوَ ابـن جَعْفٍر سَــوَاءٌ عَلَيْهَــا لَيْلُهَــا ونَهَارُهَـا (14) يعني بذلك: معتدلٌ عندها في السير الليلُ والنهارُ, لأنه لا فُتُورَ فيه.

ومنه قول الآخر (15) وَلَيْــلٍ يَقُـولُ المَـرْءُ مِـنْ ظُلُمَاتِـه سَـوَاءٌ صَحِيحَـاتُ العُيُـونِ وَعُورُهَا لأن الصحيح لا يبصر فيه إلا بصرًا ضعيفًا من ظُلْمته.

وأما قوله: ( أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ )، فإنه ظهرَ به الكلام ظهورَ الاستفهام وهو خبرٌ ; لأنه وَقع مَوقع " أيّ" كما تقول: " لا نُبالي أقمتَ أم قعدت ", وأنت مخبرٌ لا مستفهم، لوقوع ذلك موقع " أي".

وذلك أنّ معناه إذا قلتَ ذلك: ما نبالي أيّ هذين كان منك.

فكذلك ذلك في قوله: " سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم "، لمَّا كان معنى الكلام: سواءٌ عليهم أيُّ هذين كان منك إليهم - حسُن في موضعه مع سواءٌ: " أفعلتَ أم لم تفعل ".

وكان بعضُ نحوِيِّي البصرة يزعمُ أنّ حرفَ الاستفهام إنما دَخَل مع " سواء "، وليس باستفهام, لأن المستفهِم إذا استفهَم غيرَه فقال: " أزيد عندك أم عمرو؟" مستثبتٌ صاحبه أيُّهما عنده.

فليس أحدُهما أحقَّ بالاستفهام من الآخر.

فلما كان قوله: " سَواء عليهم أأنذرتهم أم لم تُنذرهم " بمعنى التسوية, أشبه ذلك الاستفهامَ، إذ أشبهه في التَّسوية.

وقد بينّا الصَّواب في ذلك.

فتأويل الكلام إذًا: معتدلٌ يا محمد - على هؤلاء الذين جحدوا نبوَّتك من أحبار يهود المدينة بعد علمهم بها, وكتموا بيان أمرك للناس بأنك رسولي إلى خلقي, وقد أخذتُ عليهم العهدَ والميثاقَ أن لا يكتموا ذلك، وأن يبيِّنوه للناس، وُيخْبرُوهم أنهم يجدُون صِفَتَك في كتبهم - أأنذرتهم أم لم تنذرهم، فإنهم لا يؤمنون، ولا يرجعون إلى الحق، ولا يصدقونَ بك وبما جئتَهم به.

كما:- 299- حدثنا محمد بن حميد قال: حدثنا سلمة بن الفضل, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: ( سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ )، أي أنهم قد كفروا بما عندهم من العِلْم من ذكرٍ، وجحدوا ما أخِذ عليهم من الميثاق لك، فقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك, فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا، وقد كفروا بما عندهم من علمك؟

(16) .

--------------- الهوامش : (13) في المطبوعة"كانوا لا يؤمنون" .

(14) ديوانه : 163 ، والكامل للمبرد 1 : 398 ، 399 .

يمدح عبد الله بن جعفر بن أبي طالب .

أغذ السير وأغذ فيه : أسرع .

ورواية ديوانه ، والكامل"تقدت" .

وتقدى به بعيره : أسرع على سنن الطريق .

والشهباء : فرسه ، للونها الأشهب ، وهو أن يشق سوادها أو كمتتها شعرات بيض حتى تكاد تغلب السواد أو الكمتة .

(15) الشعر لمضرس بن ربعي الفقعسي .

حماسة ابن الشجري : 204 .

(16) الخبر 299- سبق تخريجه مع الخبر 295 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنونلما ذكر المؤمنين وأحوالهم ذكر الكافرين ومآلهم .

والكفر ضد الإيمان ، وهو المراد في الآية .

وقد يكون بمعنى جحود النعمة والإحسان ، ومنه قوله عليه السلام في النساء في حديث الكسوف : " ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء " قيل : بم يا رسول الله ؟

قال : بكفرهن ، قيل أيكفرن بالله ؟

قال : يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط أخرجه البخاري وغيره .

وأصل الكفر في كلام العرب : الستر والتغطية ، ومنه قول الشاعر :في ليلة كفر النجوم غمامها[ ص: 179 ] أي سترها .

ومنه سمي الليل كافرا ، لأنه يغطي كل شيء بسواده ، قال الشاعر : [ ثعلبة بن صعيرة ] :فتذكرا ثقلا رثيدا بعدما ألقت ذكاء يمينها في كافرذكاء ( بضم الذال والمد ) : اسم للشمس ، ومنه قول الآخر :فوردت قبل انبلاج الفجر وابن ذكاء كامن في كفرأي في ليل .

والكافر أيضا : البحر والنهر العظيم .

والكافر : الزارع ، والجمع كفار ، قال الله تعالى : كمثل غيث أعجب الكفار نباته .

يعني الزراع لأنهم يغطون الحب .

ورماد مكفور : سفت الريح عليه التراب .

والكافر من الأرض : ما بعد عن الناس لا يكاد ينزله ولا يمر به أحد ، ومن حل بتلك المواضع فهم أهل الكفور .

ويقال الكفور : القرى .قوله تعالى : سواء عليهم معناه معتدل عندهم الإنذار وتركه ، أي سواء عليهم هذا .

وجيء بالاستفهام من أجل التسوية ، ومثله قوله تعالى : سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين .

وقال الشاعر :وليل يقول الناس من ظلماته سواء صحيحات العيون وعورهاقوله تعالى : أأنذرتهم الإنذار الإبلاغ والإعلام ، ولا يكاد يكون إلا في تخويف يتسع زمانه للاحتراز ، فإن لم يتسع زمانه للاحتراز كان إشعارا ولم يكن إنذارا ، قال الشاعر :أنذرت عمرا وهو في مهل قبل الصبح فقد عصى عمرووتناذر بنو فلان هذا الأمر إذا خوفه بعضهم بعضا .واختلف العلماء في تأويل هذه الآية ، فقيل : هي عامة ومعناها الخصوص فيمن حقت عليه كلمة العذاب ، وسبق في علم الله أنه يموت على كفره .

أراد الله تعالى أن يعلم أن في الناس من هذه حاله دون أن يعين أحدا .

وقال ابن عباس والكلبي : نزلت في رؤساء اليهود ، منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظراؤهما .

وقال الربيع بن أنس : نزلت فيمن قتل يوم بدر من قادة الأحزاب ، والأول أصح ، فإن من عين أحدا فإنما مثل بمن كشف الغيب عنه بموته على الكفر ، وذلك داخل في ضمن الآية .قوله تعالى ( لا يؤمنون ) موضعه رفع خبر ( إن ) أي إن الذين كفروا لا يؤمنون .

وقيل : [ ص: 180 ] خبر ( إن ) ( سواء ) وما بعده يقوم مقام الصلة ، قاله ابن كيسان .

وقال محمد بن يزيد : ( سواء ) رفع بالابتداء ، أأنذرتهم أم لم تنذرهم الخبر ، والجملة خبر ( إن ) .

قال النحاس : أي إنهم تبالهوا فلم تغن فيهم النذارة شيئا .

واختلف القراء في قراءة أأنذرتهم فقرأ أهل المدينة وأبو عمرو والأعمش وعبد الله بن أبي إسحاق : " آنذرتهم " بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية ، واختارها الخليل وسيبويه ، وهي لغة قريش وسعد بن بكر ، وعليها قول الشاعر : [ ذو الرمة ] :أيا ظبية الوعساء بين جلاجل وبين النقا آنت أم أم سالمهجاء " آنت " ألف واحدة .

وقال آخر :تطاللت فاستشرفته فعرفته فقلت له آنت زيد الأرانبوروي عن ابن محيصن أنه قرأ : أنذرتهم أم لم تنذرهم بهمزة لا ألف بعدها ، فحذف لالتقاء الهمزتين ، أو لأن أم تدل على الاستفهام ، كما قال الشاعر :تروح من الحي أم تبتكر وماذا يضيرك لو تنتظرأراد : أتروح ، فاكتفى ب ( أم ) من الألف .

وروي عن ابن أبي إسحاق أنه قرأ : " ( أاأنذرتهم ) فحقق الهمزتين وأدخل بينهما ألفا لئلا يجمع بينهما .

قال أبو حاتم : ويجوز أن تدخل بينهما ألفا وتخفف الثانية ، وأبو عمرو ونافع يفعلان ذلك كثيرا .

وقرأ حمزة وعاصم والكسائي بتحقيق الهمزتين : أأنذرتهم وهو اختيار أبي عبيد ، وذلك بعيد عند الخليل .

وقال سيبويه : يشبه في الثقل ضننوا .

قال الأخفش : ويجوز تخفيف الأولى من الهمزتين ، وذلك رديء ; لأنهم إنما يخففون بعد الاستثقال ، وبعد حصول الواحدة .

قال أبو حاتم : ويجوز تخفيف الهمزتين جميعا .

فهذه سبعة أوجه من القراءات ، ووجه ثامن يجوز في غير القرآن ; لأنه مخالف للسواد .

قال الأخفش سعيد : تبدل من الهمزة هاء تقول : هأنذرتهم ، كما يقال هياك وإياك ، وقال الأخفش في قوله تعالى : ( ها أنتم ) إنما هو أأنتم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أن الذين كفروا, أي: اتصفوا بالكفر, وانصبغوا به, وصار وصفا لهم لازما, لا يردعهم عنه رادع, ولا ينجع فيهم وعظ، إنهم مستمرون على كفرهم, فسواء عليهم أأنذرتهم, أم لم تنذرهم لا يؤمنون، وحقيقة الكفر: هو الجحود لما جاء به الرسول, أو جحد بعضه، فهؤلاء الكفار لا تفيدهم الدعوة إلا إقامة الحجة, وكأن في هذا قطعا لطمع الرسول صلى الله عليه وسلم في إيمانهم, وأنك لا تأس عليهم, ولا تذهب نفسك عليهم حسرات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله ( إن الذين كفروا ) يعني مشركي العرب قال الكلبي : يعني اليهود .

والكفر هو الجحود وأصله من الكفر وهو الستر ومنه سمي الليل كافرا لأنه يستر الأشياء بظلمته وسمي الزراع كافرا لأنه يستر الحب بالتراب والكافر يستر الحق بجحوده .

والكفر على أربعة أنحاء : كفر إنكار وكفر جحود وكفر عناد وكفر نفاق .

فكفر الإنكار أن لا يعرف الله أصلا ولا يعترف به وكفر الجحود هو أن يعرف الله تعالى بقلبه ولا يقر بلسانه ككفر إبليس وكفر اليهود .

قال الله تعالى : " فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به " ( 89 - البقرة ) وكفر العناد هو أن يعرف الله بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به ككفر أبي طالب حيث يقول ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا وأما كفر النفاق فهو أن يقر باللسان ولا يعتقد بالقلب وجميع هذه الأنواع سواء في أن من لقي الله تعالى بواحد منها لا يغفر له .

قوله ( سواء عليهم ) أي متساو لديهم ( أأنذرتهم ) خوفتهم وحذرتهم والإنذار إعلام مع تخويف وتحذير وكل منذر معلم وليس كل معلم منذرا وحقق ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي الهمزتين في أأنذرتهم وكذلك كل همزتين تقعان في أول الكلمة والآخرون يلينون الثانية ( أم ) حرف عطف على الاستفهام ( لم ) حرف جزم لا تلي إلا الفعل لأن الجزم يختص بالأفعال ( تنذرهم لا يؤمنون ) وهذه الآية في أقوام حقت عليهم كلمة الشقاوة في سابق علم الله ثم ذكر سبب تركهم الإيمان

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الذين كفروا» كأبي جهل وأبي لهب ونحوهما «سواء عليهم أأنذرتهم» بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفاً وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه «أم لم تنذرهم لا يؤمنون» لعلم الله منهم ذلك فلا تطمع في إيمانهم، والإنذار إعلام مع تخويف.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين جحدوا ما أُنزل إليك من ربك استكبارًا وطغيانًا، لن يقع منهم الإيمان، سواء أخوَّفتهم وحذرتهم من عذاب الله، أم تركت ذلك؛ لإصرارهم على باطلهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

في هاتين الآيتين بيان لأحوال طائفة ثانية من الناس ، على الضد في طبيعتها وأوصافها ومآلها من الطائفة الأولى التي فازت برضوان الله .والكفر - بالضم - ضد الإيمان .

وأصله المأخوذ منه الكفر - بالفتح - وهو ستر الشيء وتغطيته ، ومنه سمي الليل كافراً ، لأنه يغطي كل شيء بسواده ، وسمي السحاب كافراً لستره ضوء الشمس .ثم شاع الكفر في مجرد ستر النعمة ، كأن المنعم عليه قد غطى النعمة بجحوده لها ، ويستعمله الشارع في عدم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر .وسمي من لم يؤمن بما يجب الإيمان به بعد الدعوة إليه - كافراً ، لأنه صار بجحوده لذلك الحق وعدم الإذعان إليه كالمغطى له .والمراد بالذين كفروا في الآية التي معنا ، طائفة معينة صمت آذانها عن الحق ، عناداً وحسداً ، وليس عموم الكافرين ، لأن منهم من دخل في الإسلام بعد نزول هذه الآية .وسواء : اسم مصدر بمعنى الاستواء والمراد به اسم الفاعل أي : مستو ولذلك يوصف به كما يوصف بالمصدر ، كما في قوله - تعالى - :( قُلْ ياأهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ) أي : مستوية .والإنذار : إخبار معه تخويف في مدة تتسع للتحفظ من المخوف ، فإن لم تتسع له فهو إعلام وإشعار لا إنذار ، وأكثر ما يستعمل في القرآن في التخويف من عذاب الله - تعالى - .والمعنى : إن الذين كفروا برسالتك يا محمد مستو عندهم إنذارك وعدمه ، فهم لا يؤمنون بالحق ، ولا يستجيبون لداعي الهدى ، لسوء استعدادهم ، وفساد فطرهم .وجاءت جملة " إن الذين كفروا " مستأنفة ولم تعطف على ما قبلها لاختلاف الغرض الذي سيق له الكلام ، إذ في الجمل السابقة حديث عن الكتاب وآثاره وعظمته ، وهنا حديث عن الكافرين وأحوالهم .وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال : " فإن قلت لم قطعت قصة الكفار عن قصة المؤمنين ولم تعطف كنحو قوله : ( إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ .

وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ ) وغيره من الآيات الكثيرة؟

قلت : ليس وزان هاتين القصتين وزان ما ذكرت .

لأن الأولى فيما نحن فيه مسوقة لذكر الكتاب وأنه هدى المتقين ، وسيقت الثانية لأن الكفار من صفتهم كيت وكيت؛ فبين الجملتين تباين في الغرض والأسلوب ، وهما على حد لا مجال فيه للعاطف " .وقوله ( سَوَآءٌ ) خبر إن ( عَلَيْهِمْ ) متعلق به ، و ( أَأَنذَرْتَهُمْ ) مؤول بمصدر فاعل سواء .أي : إن الذين كفروا سواء عندهم إنذارهم وعدم إنذارهم وإنما استوى لديهم الإنذار وعدمه؛ مع أن الإنذار إنما يواجههم به نبي قوي أمين مؤيد من الله - تعالى - ، لأنهم لما جحدوا نعم الله ، وعموا عن آياته ، وحسدوا رسوله على ما آتاه الله من فضله ، صاروا بسبب ذلك في حضيض جمد معه شعورهم ، وبرد فيه إحساسهم ، فلا تؤثر فيهم موجعات القول ، ولا تنفذ إلى قلوبهم بالغات الحجج .فهم كما قال الشاعر :لقد أسمعت إذ ناديت حيا ...

ولكن لا حياة لمن تناديولم يذكر - سبحانه - التبشير مع الإنذار ، لأنهم ليسوا أهلا للبشارة ، ولأن الإنذار أوقع في القلوب ، والذي لا يتأثر به يكون عدم تأثره بغيره أولى .ولم يقل - سبحانه - سواء عليك أأنذرتهم أم لم تنذرهم .

.

الخ ، لأنه بالنسبة له صلى الله عليه وسلم لا يستوي الأمران ، إذ هو في حالة إنذاره لهم مثاب ومأجور ، أما في حالة عدم إنذاره فهو مؤاخذ من الله - تعالى - لأنه مكلف بتبليغ ما أنزل إليه من ربه .وجملة ( لاَ يُؤْمِنُونَ ) مفسرة لمعنى الجملة التي قبلها ومؤكدة لها ، لأنه حيث كان الإنذار وعدمه سواء ، فلا يتوقع منهم الإيمان .

ولذلك فصلت .وفي هذه الجملة إخبار بعدم إيمانهم ألبتة ، وذلك لأن حرف " لا " إذا دخل على الفعل المضارع - كما هنا - أفاد أن الفعل لا يقع في المستقبل حتى تقوم قرينة تقصر النفي في المستقبل على وقت محدد .والحكمة في الإخبار بعدم إيمان هذه الطائفة المعينة من الكفار ، تسلية النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يكون في صدره حرج من تمردهم وعدم إيمانهم بعد أن قام بواجب دعوتهم ، وفي ذلك تذكرة لكل داع مصلح بأن لا يحترق قلبه أسفاً على قوم أعرضوا عن سلوك الصراط المستقيم ، بعد أن دعاهم إليه ، وبذل قصارى جهده في تبصيرهم وإرشادهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في الآية مسائل نحوية، ومسائل أصولية، ونحن نأتي عليها إن شاء الله تعالى، أما قوله: ﴿ إن ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن ﴿ إن ﴾ حرف والحرف لا أصل له في العمل، لكن هذا الحرف أشبه الفعل صورة ومعنى، وتلك المشابهة تقتضي كونها عاملة، وفيه مقدمات: المقدمة الأولى: في بيان المشابهة، واعلم أن هذه المشابهة حاصلة في اللفظ والمعنى، أما في اللفظ فلأنها تركبت من ثلاثة أحرف وانفتح آخرها ولزمت الأسماء كالأفعال، ويدخلها نون الوقاية نحو إنني وكأنني، كما يدخل على الفعل نحو: أعطاني وأكرمني، وأما المعنى فلأنها تفيد حصول معنى في الاسم وهو تأكد موصوفيته بالخبر، كما أنك إذا قلت: قام زيد، فقولك قام أفاد حصول معنى في الاسم المقدمة الثانية: أنها لما أشبهت الأفعال وجب أن تشبهها في العمل وذلك ظاهر بناءً على الدوران المقدمة الثالثة: في أنها لم نصبت الاسم ورفعت الخبر؟

وتقريره أن يقال: إنها لما صارت عاملة فإما أن ترفع المبتدأ والخبر معاً، أو تنصبهما معاً، أو ترفع المبتدأ وتنصب الخبر وبالعكس، والأول باطل؛ لأن المبتدأ والخبر كانا قبل دخول ﴿ إن ﴾ عليهما مرفوعين، فلو بقيا كذلك بعد دخولها عليهما لما ظهر له أثر ألبتة، ولأنها أعطيت عمل الفعل، والفعل لا يرفع الإسمين فلا معنى للاشتراك والفزع لا يكون أقوى من الأصل، والقسم الثاني: أيضاً باطل؛ لأن هذا أيضاً مخالف لعمل الفعل، لأن الفعل لا ينصب شيئاً مع خلوه عما يرفعه.

والقسم الثالث: أيضاً باطل، لأنه يؤدي إلى التسوية بين الأصل والفرع، فإن الفعل يكون عمله في الفاعل أولاً بالرفع ثم في المفعول بالنصب، فلو جعل الحرف هاهنا كذلك لحصلت التسوية بين الأصل والفرع.

ولما بطلت الأقسام الثلاثة تعين القسم الرابع: وهو أنها تنصب الاسم وترفع الخبر، وهذا مما ينبه على أن هذه الحروف دخيلة في العمل لا أصلية، لأن تقديم المنصوب على المرفوع في باب الفعل عدول عن الأصل فذلك يدل هاهنا على أن العمل لهذه الحروف ليس بثابت بطريق الأصالة بل بطريق عارض.

المسألة الثانية: قال البصريون: هذا الحرف ينصب الاسم ويرفع الخبر، وقال الكوفيون لا أثر له في رفع الخبر بل هو مرتفع بما كان مرتفعاً به قبل ذلك.

حجة البصريين: أن هذه الحروف تشبه الفعل مشابهة تامة على ما تقدم بيانه، والفعل له تأثير في الرفع والنصب، فهذه الحروف يجب أن تكون كذلك.

وحجة الكوفيين من وجهين: الأول: أن معنى الخبرية باقٍ في خبر المبتدأ وهو أولى باقتضاء الرفع فتكون الخبرية رافعة، وإذا كانت الخبرية رافعة استحال ارتفاعه بهذه الحروف، فهذه مقدمات ثلاثة: إحداها: قولنا: الخبرية باقية، وذلك ظاهر، لأن المراد من الخبرية كون الخبر مسنداً إلى المبتدأ، وبعد دخول حرف إن عليه فذاك الإسناد باقٍ.

وثانيها: قولنا: الخبرية هاهنا مقتضية للرفع: وذلك لأن الخبرية كانت قبل دخول إن مقتضية للرفع ولم يكن عدم الحرف هناك جزءاً من المقتضي؛ لأن العدم لا يصلح أن يكون جزء العلة، فبعد دخول هذه الحروف كانت الخبرية مقتضية للرفع، لأن المقتضي بتمامه لو حصل ولم يؤثر لكان ذلك لمانع وهو خلاف الأصل.

وثالثها: قولنا: الخبرية أولى بالاقتضاء، وبيانه من وجهين: الأول: أن كونه خبراً وصف حقيقي قائم بذاته، وذلك الحرف أجنبي مباين عنه وكما أنه مباين عنه فغير مجاور له لأن الاسم يتخللهما.

الثاني: أن الخبر يشابه الفعل مشابهة حقيقية معنوية وهو كون كل واحد منهما مسنداً إلى الغير، أما الحرف فإنه لا يشابه الفعل في وصف حقيقي معنوي، فإنه ليس فيه إسناد، فكانت مشابهة الخبر للفعل أقوى من مشابهة هذا الحرف للفعل، فإذا ثبت ذلك كانت الخبرية باقتضاء الرفع لأجل مشابهة الفعل أولى من الحرف بسبب مشابهته للفعل.

ورابعها: لما كانت الخبرية أقوى في اقتضاء الرفع استحال كون هذا الحرف رافعاً، لأن الخبرية بالنسبة إلى هذا الحرف أولى، وإذا كان كذلك فقد حصل الحكم بالخبرية قبل حصول هذا الحرف، فيعد وجود هذا الحرف لو أسند هذا الحكم إليه لكان ذلك تحصيلاً للحاصل، وهو محال.

الوجه الثاني: أن سيبويه وافق على أن الحرف غير أصل في العمل فيكون إعماله على خلاف الدليل، وما ثبت على خلاف الدليل يقدر بقدر الضرورة.

والضرورة تندفع بأعمالها في الاسم، فوجب أن لا يعملها في الخبر.

المسألة الثالثة: روى الأنباري أن الكندي المتفلسف ركب إلى المبرد وقال: إني أجد في كلام العرب حشوا، أجد العرب تقول: عبد الله قائم، ثم تقول إن عبد الله قائم، ثم تقول إن عبد الله لقائم، فقال المبرد: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ، فقولهم عبد الله قائم إخبار عن قيامه، وقولهم إن عبد الله قائم جواب عن سؤال سائل، وقولهم إن عبد الله لقائم جواب عن إنكار منكر لقيامه، واحتج عبد القاهر على صحة قوله بأنها إنما تذكر جواباً لسؤال السائل بأن قال إنا رأيناهم قد ألزموها الجملة من المبتدأ والخبر إذا كان جواباً للقسم نحو والله إن زيداً منطلق ويدل عليه من التنزيل قوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى القرنين قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مّنْهُ ذِكْراً إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض  ﴾ وقوله في أول السورة: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بالحق إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءامَنُواْ بِرَبّهِمْ  ﴾ وقوله: ﴿ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنّى بَرِئ مّمَّا تَعْمَلُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله  ﴾ وقوله: ﴿ وَقُلْ إِنّى أَنَا النذير المبين  ﴾ وأشباه ذلك مما يعلم أنه يدل على أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجيب به الكفار في بعض ما جادلوا ونظروا فيه، وعليه قوله: ﴿ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبّ العالمين  ﴾ وقوله: ﴿ وَقَالَ موسى يافرعون إِنّى رَسُولٌ مِن رَّبّ العالمين  ﴾ وفي قصة السحرة ﴿ إِنَّا إِلَى رَبّنَا مُنقَلِبُونَ  ﴾ إذ من الظاهر أنه جواب فرعون عن قوله: ﴿ ءامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لكم  ﴾ وقال عبد القاهر: والتحقيق أنها للتأكيد وإذا كان الخبر بأمر ليس للمخاطب ظن في خلافه لم يحتج هناك إلى إن وإنما يحتاج إليها إذا كان السامع ظن الخلاف، ولذلك تراها تزداد حسناً إذا كان الخبر بأمر يبعد مثله كقول أبي نواس: عليك باليأس من الناس *** إن غنى نفسك في الياس وإنماحسن موقعها لأن الغالب أن الناس لا يحملون أنفسهم على اليأس.

وأما جعلها مع اللام جواباً للمنكر في قولك: إن زيداً لقائم فجيد لأنه إذا كان الكلام مع المنكر كانت الحاجة إلى التأكيد أشد، وكما يحتمل أن يكون الإنكار من السامع احتمل أيضاً أن يكون من الحاضرين.

واعلم أنها قد تجيء إذا ظن المتكلم في الذي وجد أنه لا يوجد مثل قولك: إنه كان مني إليه إحسان فعاملني بالسوء، فكأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت وتبين الخطأ في الذي توهمت، وعليه قوله تعالى حكاية عن أم مريم ﴿ قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ  ﴾ وكذلك قول نوح عليه السلام: ﴿ قَالَ رَبّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه صعب على المتكلمين ذكر حد الكفر، وتحقيق القول فيه أن كل ما ينقل عن محمد صلى الله عليه وسلم أنه ذهب إليه وقال به فإما أن يعرف صحة ذلك النقل بالضرورة أو بالاستدلال أو بخبر الواحد.

أما القسم الأول: وهو الذي عرف بالضرورة مجيء الرسول عليه السلام به فمن صدقه في كل ذلك فهو مؤمن، ومن لم يصدقه في ذلك، فإما بأن لا يصدقه في جميعها أو بأن لا يصدقه في البعض دون البعض، فذلك هو الكافر، فإذن الكفر عدم تصديق الرسول في شيء مما علم بالضرورة مجيئه به، ومثاله من أنكر وجود الصانع، أو كونه عالماً قادراً مختاراً أو كونه واحداً أو كونه منزهاً عن النقائص والآفات، أو أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو صحة القرآن الكريم أو أنكر الشرائع التي علمنا بالضرورة كونها من دين محمد صلى الله عليه وسلم كوجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج وحرمة الربا والخمر، فذلك يكون كافراً؛ لأنه ترك تصديق الرسول فيما علم بالضرورة أنه من دينه.

فأما الذي يعرف بالدليل أنه من دينه مثل كونه عالماً بالعلم أو لذاته وأنه مرئي أو غير مرئي، وأنه خالق أعمال العباد أم لا فلم ينقل بالتواتر القاطع لعذر مجيئه عليه السلام بأحد القولين دون الثاني، بل إنما يعلم صحة أحد القولين وبطلان الثاني بالاستدلال، فلا جرم لم يكن إنكاره، ولا الإقرار به داخلاً في ماهية الإيمان فلا يكون موجباً للكفر، والدليل عليه أنه لو كان ذلك جزء ماهية الإيمان لكان يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يحكم بإيمان أحد إلا بعد أن يعرف أنه هل يعرف الحق في تلك المسألة، ولو كان الأمر كذلك لاشتهر قوله في تلك المسألة بين جميع الأمة، ولنقل ذلك على سبيل التواتر، فلما لم ينقل ذلك دل على أنه عليه السلام ما وقف الإيمان عليها، وإذا كان كذلك وجب أن لا تكون معرفتها من الإيمان، ولا إنكارها موجباً للكفر، ولأجل هذه القاعدة لا يكفر أحد من هذه الأمة ولا نكفر أرباب التأويل.

وأما الذي لا سبيل إليه إلا برواية الآحاد فظاهر أنه لا يمكن توقف الكفر والإيمان عليه.

فهذا قولنا في حقيقة الكفر.

فإن قيل يبطل ما ذكرتم من جهة العكس بلبس الغيار وشد الزنار وأمثالهما فإنه كفر مع أن ذلك شيء آخر سوى ترك تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما علم بالضرورة مجيئه به، قلنا هذه الأشياء في الحقيقة ليست كفراً لأن التصديق وعدمه أمر باطن لا اطلاع للخلق عليه، ومن عادة الشرع أنه لا يبني الحكم في أمثال هذه الأمور على نفس المعنى، لأنه لا سبيل إلى الاطلاع، بل يجعل لها معرفات وعلامات ظاهرة ويجعل تلك المظان الظاهرة مداراً للأحكام الشرعية، وليس الغيار وشد الزنار من هذا الباب، فإن الظاهر أن من يصدق الرسول عليه السلام فإنه لا يأتي بهذه الأفعال، فحيث أتى بها دل على عدم التصديق فلا جرم الشرع يفرع الأحكام عليها، لا أنها في أنفسها كفر، فهذا هو الكلام الملخص في هذا الباب والله أعلم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ إخبار عن كفرهم بصيغة الماضي والأخبار عن الشيء بصيغة الماضي يقتضي كون المخبر عنه متقدماً على ذلك الإخبار، إذا عرفت هذا فنقول: احتجت المعتزلة بكل ما أخبر الله عن شيء ماضٍ مثل قوله: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ أو ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون  ﴾ ، ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةِ القدر  ﴾ ، ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحا  ﴾ على أن كلام الله محدث سواء كان الكلام هذه الحروف والأصوات أو كان شيئاً آخر.

قالوا لأن الخبر على هذا الوجه لا يكون صدقاً إلا إذا كان مسبوقاً بالخبر عنه، والقديم يستحيل أن يكون مسبوقاً بالغير فهذا الخبر يستحيل أن يكون قديماً فيجب أن يكون محدثاً، أجاب القائلون بقدم الكلام عنه من وجهين: الأول: أن الله تعالى كان في الأزل عالماً بأن العالم سيوجد، فلما أوجده انقلب العلم بأنه سيوجد في المستقبل علماً بأنه قد حدث في الماضي ولم يلزم حدوث علم الله تعالى، فلم لا يجوز أيضاً أن يقال: إن خبر الله تعالى في الأزل كان خبراً بأنهم سيكفرون فلما وجد كفرهم صار ذلك الخبر خبراً عن أنهم قد كفروا ولم يلزم حدوث خبر الله تعالى.

الثاني: أن الله تعالى قال: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام  ﴾ فلما دخلوا المسجد لابد وأن ينقلب ذلك الخبر إلى أنهم قد دخلوا المسجد الحرام من غير أن يتغير الخبر الأول، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز في مسألتنا مثله؟

أجاب المستدل أولاً عن السؤال الأول فقال: عند أبي الحسين البصري وأصحابه العلم يتغير عند تغير المعلومات، وكيف لا والعلم بأن العالم غير موجود وأنه سيوجد لو بقي حال وجود العالم لكان ذلك جهلاً لا علماً، وإذا كان كذلك وجب تغير ذلك العلم، وعلى هذا سقطت هذه المعارضة.

وعن الثاني: أن خبر الله تعالى وكلامه أصوات مخصوصة، فقوله تعالى: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام ﴾ معناه أن الله تعالى تكلم بهذا الكلام في الوقت المتقدم على دخول المسجد لا أنه تكلم به بعد دخول المسجد، فنظيره في مسألتنا أن يقال إن قوله: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ تكلم الله تعالى به بعد صدور الكفر عنهم لا قبله إلا أنه متى قيل ذلك كان اعترافاً بأن تكلمه بذلك لم يكن حاصلاً في الأزل وهذا هو المقصود، أجاب القائلون بالقدم بأنا لو قلنا إن العلم يتغير بتغير المعلوم لكنا إما أن نقول بأن العالم سيوجد كان حاصلاً في الأزل أو ما كان، فإن لم يكن حاصلاً في الأزل كان ذلك تصريحاً بالجهل.

وذلك كفر، وإن قلنا إنه كان حاصلاً فزواله يقتضي زوال القديم، وذلك سد باب إثبات حدوث العالم والله أعلم.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ صيغة للجمع مع لام التعريف وهي للاستغراق بظاهره ثم إنه لا نزاع في أنه ليس المراد منها هذا الظاهر، لأن كثيراً من الكفار أسلموا فعلمنا أن الله تعالى قد يتكلم بالعام ويكون مراده الخاص، إما لأجل أن القرينة الدالة على أن المراد من ذلك العموم ذلك الخصوص كانت ظاهرة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فحسن ذلك لعدم التلبيس وظهور المقصود، ومثاله ما إذا كان للإنسان في البلد جمع مخصوص من الأعداء، فإذا قال إن الناس يؤذونني فهم كل أحد أن مراده من الناس ذلك الجمع على التعيين، وإما لأجل أن التكلم بالعام لإرادة الخاص جائز وإن لم يكن البيان مقروناً به عند من يجوز تأخير بيان التخصيص عن وقت الخطاب، وإذا ثبت ذلك ظهر أنه لا يمكن التمسك بشيء من صيغ العموم على القطع بالاستغراق لاحتمال أن المراد منها هو الخاص وكانت القرينة الدالة على ذلك ظاهرة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا جرم حسن ذلك، وأقصى ما في الباب أن يقال: لو وجدت هذه القرينة لعرفناها وحيث لم نعرفها علمنا أنها ما وجدت إلا أن هذا الكلام ضعيف، لأن الاستدلال بعدم الوجدان على عدم الوجود من أضعف الإمارات المفيدة للظن فضلاً عن القطع، وإذا ثبت ذلك ظهر أن استدلال المعتزلة بعمومات الوعيد على القطع بالوعيد في نهاية الضعف والله أعلم ومن المعتزلة من احتال في دفع ذلك فقال إن قوله: إن الذين كفروا لا يؤمنون كالنقيض لقوله: إن الذين كفروا يؤمنون، وقوله: إن الذين كفروا يؤمنون لا يصدق إلا إذا آمن كل واحد منهم، فإذا ثبت أنه في جانب الثبوت يقتضي العموم وجب أن لا يتوقف في جانب النفي على العموم بل يكفي في صدقه أن لا يصدر الإيمان عن واحد منهم؛ لأنه متى لم يؤمن واحد من ذلك الجمع ثبت أن ذلك الجمع لم يصدر منهم الإيمان، فثبت أن قوله: إن الذين كفروا لا يؤمنون يكفي في إجرائه على ظاهره أن لا يؤمن واحد منهم فكيف إذا لم يؤمن الكثير منهم والجواب: أن قوله: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ صيغة الجمع وقوله: ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ أيضاً صيغة جمع والجمع إذا قوبل بالجمع توزع الفرد على الفرد فمعناه أن كل واحد منهم لا يؤمن وحينئذٍ يعود الكلام المذكور.

المسألة الرابعة: اختلف أهل التفسير في المراد هاهنا بقوله: ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ فقال قائلون: إنهم رؤساء اليهود المعاندون الذين وصفهم الله تعالى بأنهم يكتمون الحق وهم يعلمون، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما، وقال آخرون: بل المراد قوم من المشركين، كأبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم، وهم الذين جحدوا بعد البينة، وأنكروا بعد المعرفة ونظيره ما قال الله تعالى: ﴿ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ  وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَٰمِلُونَ  ﴾ وكان عليه السلام حريصاً على أن يؤمن قومه جميعاً حيث قال الله تعالى له: ﴿ فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ على ءاثارهم إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً  ﴾ وقال: ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِين  ﴾ ثم إنه سبحانه وتعالى بين له عليه السلام أنهم لا يؤمنون ليقطع طمعه عنهم ولا يتأذى بسبب ذلك، فإن اليأس إحدى الراحتين.

أما قوله تعالى: ﴿ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب (الكشاف) ﴿ سَوَآء ﴾ اسم بمنعى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر ومنه قوله تعالى: ﴿ تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم  ﴾ ﴿ فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لّلسَّائِلِينَ  ﴾ بمعنى مستوية، فكأنه قيل إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه.

المسألة الثانية: في ارتفاع سواء قولان: أحدهما: أن ارتفاعه على أنه خبر لأن و ﴿ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ ﴾ في موضع الرفع به على الفاعلية، كأنه قيل، إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه كما تقول: إن زيداً مختصم أخوه وابن عمه.

الثاني: أن تكون أنذرتهم أم لم تنذرهم في موضع الابتداء وسواء خبره مقدماً بمعنى سواء عليهم إنذارك وعدمه والجملة خبر لأن، واعلم أن الوجه الثاني أولى؛ لأن سواء اسم، وتنزيله بمنزلة الفعل يكون تركاً للظاهر من غير ضرورة وأنه لا يجوز، وإذا ثبت هذا فنقول: من المعلوم أن المراد وصف الإنذار وعدم الإنذار بالاستواء، فوجب أن يكون سواء خبراً فيكون الخبر مقدماً.

وذلك يدل على أن تقديم الخبر على المبتدأ جائز، ونظيره قوله تعالى: ﴿ سَوَاء محياهم ومماتهم  ﴾ وروى سيبويه قولهم: تميمي أنا ومشنوء من يشنؤك أما الكوفيون فإنهم لا يجوزونه واحتجوا عليه من وجهين: الأول: المبتدأ ذات، والخبر صفة، والذات قبل الصفة بالاستحقاق، فوجب أن يكون قبلها في اللفظ قياساً على توابع الإعراب والجامع التبعية المعنوية.

الثاني: أن الخبر لابد وأن يتضمن الضمير، فلو قدم الخبر على المبتدأ لوجد الضمير قبل الذكر، وأنه غير جائز، لأن الضمير هو اللفظ الذي أشير به إلى أم معلوم، فقبل العلم به امتنعت الإشارة إليه، فكان الإضمر قبل الذكر محالاً، أجاب البصريون على الأول بأن ما ذكرتم يقتضي أن يكون تقدم المبتدأ أولى، لا أن يكون واجباً وعن الثاني: أن الإضمار قبل الذكر واقع في كلام العرب، كقولهم: في بيته يؤتى الحكم قال تعالى: ﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى  ﴾ وقال زهير: فمن يلق يوماً على علاته هرما *** يلق السماحة منه والندى خلقا والله أعلم.

المسألة الثالثة: اتفقوا على أن الفعل لا يخبر عنه، لأن من قال: خرج ضرب لم يكن آتياً بكلام منتظم، ومنهم من قدح فيه بوجوه: أحدها: أن قوله: ﴿ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ ﴾ فعل وقد أخبر عنه بقوله: ﴿ سَوَاء عَلَيْهِمْ ﴾ ونظيره قوله: ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ حتى حِينٍ  ﴾ فاعل بدا هو ليسجننه.

وثانيها: أن المخبر عنه بأنه فعل لابد وأن يكون فعلاً، فالفعل قد أخبر عنه بأنه فعل فإن قيل: المخبر عنه بأنه فعل هو تلك الكلمة، وتلك الكلمة اسم قلنا فعلى هذا: المخبر عنه بأنه فعل إذا لم يكن فعلاً بل إسماً كان هذا الخبر كذباً، والتحقيق أن المخبر عنه بأنه فعل إما أن يكون اسماً أو لا يكون، فإن كان الأول كان هذا الخبر كذباً، لأن الاسم لا يكون فعلاً، وإن كان فعلاً فقد صار الفعل مخبراً عنه.

وثالثها: أنا إذا قلنا: الفعل لا يخبر عنه فقد أخبرنا عنه بأنه لا يخبر عنه، والمخبر عنه بهذا الخبر لو كان اسماً لزم أنا قد أخبرنا عن الاسم بأنه لا يخبر عنه، وهذا خطأ وإن كان فعلاً صار الفعل مخبراً عنه ثم قال هؤلاء: لما ثبت أنه لا امتناع في الإخبار عن الفعل لم يكن بنا حاجة إلى ترك الظاهر.

أما جمهور النحويين فقد أطبقوا على أنه لا يجوز الإخبار عن الفعل، فلا جرم كان التقدير: سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك، فإن قيل العدول عن الحقيقة إلى المجاز لابد وأن يكون لفائدة زائدة إما في المعنى أو في اللفظ فما تلك الفائدة ههنا؟

قلنا قوله: ﴿ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ ﴾ معناه سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك لهم بعد ذلك لأن القوم كانوا قد بلغوا في الإصرار واللجاج والإعراض عن الآيات والدلائل إلى حالة ما بقي فيهم البتة رجاء القبول بوجه.

وقبل ذلك ما كانوا كذلك، ولو قال سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك لما أفاد أن هذا المعنى إنما حصل في هذا الوقت دون ما قبله، ولما قال: ﴿ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ ﴾ أفاد أن هذه الحالة إنما حصلت في هذا الوقت فكان ذلك يفيد حصول اليأس وقطع الرجاء منهم، وقد بينا أن المقصود من هذه الآية ذلك.

المسألة الرابعة: قال صاحب (الكشاف): الهمزة وأم مجردتان لمعنى الاستفهام وقد انسلخ عنهما معنى الاستفهام رأساً، قال سيبويه: جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء كقوله: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، يعني أن هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام، كما أن ذلك جرى على صورة النداء ولا نداء.

المسألة الخامسة: في قوله: ﴿ ءأَنذَرْتَهُمْ ﴾ ست قراءات: إما بهمزتين محققتين بينهما ألف، أولا ألف بينهما، أو بأن تكون الهمزة الأولى قوية والثانية بين بين بينهما ألف، أولا ألف بينهما وبحذف حرف الاستفهام، وبحذفه وإلقاء حركته على الساكن قبله كما قرئ قد أفلح فإن قيل: فما تقول فيمن يقلب الثانية ألفاً؟

قال صاحب (الكشاف): هو لاحن خارج عن كلام العرب.

المسألة السادسة: الإنذار هو التخويف من عقاب الله بالزجر عن المعاصي، وإنما ذكر الإنذار دون البشارة لأن تأثير الإنذار في الفعل والترك أقوى من تأثير البشارة؛ لأن اشتغال الإنسان بدفع الضرر أشد من اشتغاله بجلب المنفعة، وهذا الموضع موضع المبالغة وكان ذكر الإنذار أولى.

أما قوله: ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قال صاحب (الكشاف): هذه إما أن تكون جملة مؤكدة للجملة قبلها أو خبراً لأن والجملة قبلها اعتراض.

المسألة الثانية: احتج أهل السنّة بهذه الآية وكل ما أشبهها من قوله: ﴿ لَقَدْ حَقَّ القول على أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً  ﴾ إلى قوله: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً  ﴾ وقوله: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ  ﴾ على تكليف ما لا يطاق، وتقريره أنه تعالى أخبر عن شخص معين أنه لا يؤمن قط، فلو صدر منه الإيمان لزم انقلاب خبر لله تعالى الصدق كذباً، والكذب عند الخصم قبيح وفعل القبيح يستلزم إما الجهل وإما الحاجة، وهما محالان على الله، والمفضي إلى المحال محال، فصدور الإيمان منه محال فالتكليف به تكليف بالمحال، وقد يذكر هذا في صورة العلم، هو أنه تعالى لما علم منه أنه لا يؤمن فكان صدور الإيمان منه يستلزم انقلاب علم الله تعالى جهلاً، وذلك محال ومستلزم المحال محال.

فالأمر واقع بالمحال.

ونذكر هذا على وجه ثالث: وهو أن وجود الإيمان يستحيل أن يوجد مع العلم بعدم الإيمان؛ لأنه إنما يكون علماً لو كان مطابقاً للمعلوم، والعلم بعدم الإيمان إنما يكون مطابقاً لو حصل عدم الإيمان، فلو وجد الإيمان مع العلم بعدم الإيمان لزم أن يجتمع في الإيمان كونه موجوداً ومعدوماً معاً وهو محال، فالأمر بالإيمان مع وجود علم الله تعالى بعدم الإيمان أمر بالجمع بين الضدين، بل أمر بالجمع بين العدم والوجود، وكل ذلك محال ونذكر هذا على وجه رابع: وهو أنه تعالى كلف هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون بالإيمان ألبتة، والإيمان يعتبر فيه تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه، ومما أخبر عنه أنهم لا يؤمنون قط، فقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون قط، وهذا تكليف بالجمع بين النفي والإثبات، ونذكر هذا على وجه خامس: وهو أنه تعالى عاب الكفار على أنهم حاولوا فعل شيء على خلاف ما أخبر الله عنه في قوله: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُواْ كلام الله قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ الله مِن قَبْلُ  ﴾ فثبت أن القصد إلى تكوين ما أخبر الله تعالى عن عدم تكوينه قصد لتبديل كلام الله تعالى، وذلك منهي عنه.

ثم هاهنا أخبر الله تعالى عنهم بأنهم لا يؤمنون البتة فمحاولة الإيمان منهم تكون قصداً إلى تبديل كلام الله، وذلك منهي عنه، وترك محاولة الإيمان يكون أيضاً مخالفة لأمر الله تعالى، فيكون الذم حاصلاً على الترك والفعل، فهذه هي الوجوه المذكورة في هذا الموضع، وهذا هو الكلام الهادم لأصول الاعتزال.

ولقد كان السلف والخلف من المحققين معولين عليه في دفع أصول المعتزلة وهدم قواعدهم، ولقد قاموا وقعدوا واحتالوا على دفعه فما أتوا بشيء مقنع، وأنا أذكر أقصى ما ذكروه بعون الله تعالى وتوفيقه: قالت المعتزلة: لنا في هذه الآية مقامان: المقام الأول: بيان أنه لا يجوز أن يكون علم الله تعالى وخبر الله تعالى عن عدم الإيمان مانعاً من الإيمان.

والمقام الثاني: بيان الجواب العقلي على سبيل التفصيل، أما المقام الأول فقالوا: الذي يدل عليه وجوه: أحدها: أن القرآن مملوء من الآيات الدالة على أنه لا مانع لأحد من الإيمان قال: ﴿ وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الهدى  ﴾ وهو إنكار بلفظ الاستفهام ومعلوم أن رجلاً لو حبس آخر في بيت بحيث لا يمكنه الخروج عنه ثم يقول ما منعك من التصرف في حوائجي كان ذلك منه مستقبحاً وكذا قوله: ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءامَنُواْ  ﴾ وقوله لإبليس: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ  ﴾ وقول موسى لأخيه: ﴿ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ  ﴾ وقوله: ﴿ فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ ﴿ فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ  ﴾ ﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ  ﴾ ﴿ لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ  ﴾ قال الصاحب بن عباد في فصل له في هذا الباب: كيف يأمره بالإيمان وقد منعه عنه؟

وينهاه عن الكفر وقد حمله عليه، وكيف يصرفه عن الإيمان ثم يقول أنى تصرفون؟

ويخلق فيهم الإفك ثم يقول أنى تؤفكون؟

وأنشأ فيهم الكفر ثم يقوم لم تكفرون؟

وخلق فيهم لبس الحق بالباطل ثم يقول: ﴿ لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل  ﴾ وصدهم عن السبيل ثم يقول: ﴿ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله  ﴾ وحال بينهم وبين الإيمان ثم قال: ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءامَنُواْ ﴾ وذهب بهم عن الرشد ثم قال: ﴿ فَأيْنَ تَذْهَبُونَ  ﴾ وأضلهم عن الدين حتى أعرضوا ثم قال: ﴿ فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ  ﴾ .

وثانيها: أن الله تعالى قال: ﴿ رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل  ﴾ وقال: ﴿ وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءاياتك مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى  ﴾ فلما بين أنه ما أبقي لهم عذراً إلا وقد أزاله عنهم، فلو كان علمه بكفرهم وخبره عن كفرهم مانعاً لهم عن الإيمان لكان ذلك من أعظم الأعذار وأقوى الوجوه الدافعة للعقاب عنهم فلما لم يكن كذلك علمنا أنه غير مانع.

وثالثها: أنه تعالى حكى عن الكفار في سورة حام السجدة أنهم قالوا: قلوبنا في أكنه مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر، وإنما ذكر الله تعالى ذلك ذماً لهم في هذا القول، فلو كان العلم مانعاً لكانوا صادقين في ذلك فلم ذمهم عليه؟.

ورابعها: أنه تعالى أنزل قوله: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ إلى آخره ذماً لهم وزجراً عن الكفر وتقبيحاً لفعلهم، فلو كانوا ممنوعين عن الإيمان غير قادرين عليه لما استحقوا الذم البتة، بل كانوا معذورين كما يكون الأعمى معذوراً في أن لا يمشي.

وخامسها: القرآن إنما أنزل ليكون حجة لله ولرسوله عليهم، لا أن يكون لهم حجة على الله وعلى رسوله، فلو كان العلم والخبر مانعاً لكان لهم أن يقولوا: إذا علمت الكفر وأخبرت عنه كان ترك الكفر محالاً منا، فلم تطلب المحال منا ولم تأمرنا بالمحال؟

ومعلوم أن هذا مما لا جواب لله ولا لرسوله عنه لو ثبت أن العلم والخبر يمنع.

وسادسها: قوله تعالى: ﴿ نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير  ﴾ ولو كان مع قيام المانع عن الإيمان كلف به لما كان نعم المولى، بل كان بئس المولى ومعلوم أن ذلك كفر، قالوا: فثبت بهذه الوجوه أنه ليس عن الإيمان والطاعة مانع البتة، فوجب القطع بأن علم الله تعالى بعدم الإيمان وخبره عن عدمه لا يكون مانعاً عن الإيمان.

المقام الثاني: قالوا إن الذي يدل على أن العلم بعدم الإيمان لا يمنع من وجود الإيمان وجوه: أحدها: أنه لو كان كذلك لوجب أن لا يكون الله تعالى قادراً على شيء؛ لأن الذي علم وقوعه يكون واجب الوقوع، والذي علم عدم وقوعه يكون ممتنع الوقوع، والواجب لا قدرة له عليه؛ لأنه إذا كان واجب الوقوع، لا بالقدرة فسواء حصلت القدرة أو لم تحصل كان واجب الوقوع، والذي يكون كذلك لم يكن للقدرة فيه أثر، وأما الممتنع فلا قدرة عليه، فيلزم أن لا يكون الله تعالى قادراً على شيء أصلاً، وذلك كفر بالاتفاق فثبت أن العلم بعدم الشيء لا يمنع من إمكان وجوده.

وثانيها: أن العلم يتعلق بالمعلوم على ما هو عليه، فإن كان ممكناً علمه ممكناً وإن كان واجباً علمه واجباً، ولا شك أن الإيمان والكفر بالنظر إلى ذاته ممكن الوجود، فلو صار واجب الوجود بسبب العلم كان العلم مؤثراً في المعلوم، وقد بينا أنه محال.

وثالثها: لو كان الخبر والعلم مانعاً لما كان العبد قادراً على شيء أصلاً؛ لأن الذي علم الله تعالى وقوعه كان واجب الوقوع، والواجب لا قدرة عليه؛ والذي علم عدمه كان ممتنع الوقوع، والممتنع لا قدره عليه، فوجب أن لا يكون العبد قادراً على شيء أصلاً، فكانت حركاته وسكناته جارية مجرى حركات الجمادات، والحركات الاضطرارية للحيوانات، لكنا بالبديهة نعلم فساد ذلك، فإن رمى إنسان إنساناً بالآجرة حتى شجه فإنا نذم الرامي ولا نذم الآجرة، وندرك بالبديهة تفرقة بين ما إذا سقطت الآجرة عليه، وبين ما إذا لكمه إنسان بالاختيار: ولذلك فإن العقلاء ببداءة عقولهم يدركون الفرق بين مدح المحسن وذم المسيء، ويلتمسون ويأمرون ويعاتبون ويقولون لم فعلت ولم تركت؟

فدل على أن العلم والخبر غير مانع من الفعل والترك.

ورابعها: لو كان العلم بالعدم مانعاً للوجود لكان أمر الله تعالى للكافر بالإيمان أمراً بإعدام علمه، وكما أنه لا يليق به أن يأمر عباده بأن يعدموه فكذلك لا يليق به أن يأمرهم، بأن يعدموا علمه؛ لأن إعدم ذات الله وصفاته غير معقول، والأمر به سفه وعبث، فدل على أن العلم بالعدم لا يكون مانعاً من الوجود.

وخامسها: أن الإيمان في نفسه من قبيل الممكنات الجائزات نظراً إلى ذاته وعينه، فوجب أن يعلمه الله تعالى من الممكنات الجائزات، إذ لو لم يعلمه كذلك لكان ذلك العلم جهلاً، وهو محال، وإذا علمه الله تعالى من الممكنات الجائزات التي لا يمتنع وجودها وعدمها البتة، فلو صار بسبب العلم واجباً لزم أن يجتمع على الشيء الواحد كونه من الممكنات، وكونه ليس من الممكنات وذلك محال.

وسادسها: أن الأمر بالمحال سفه وعبث، فلو جاز ورود الشرع به لجاز وروده أيضاً بكل أنواع السفه، فما كان يمتنع وروده بإظهار المعجزة على يد الكاذبين ولا إنزال الأكاذيب والأباطيل، وعلى هذا التقدير لا يبقى وثوق بصحة نبوة الأنبياء ولا بصحة القرآن، بل يجوز أن يكون كله كذباً وسفهًا، ولما بطل ذلك علمنا أن العلم بعدم الإيمان والخبر عن عدم الإيمان لا يمنع من الإيمان.

وسابعها: أنه لو جاز ورود الأمر بالمحال في هذه الصورة لجاز ورود أمر الأعمى بنقط المصاحف.

والمزمن بالطيران في الهواء، وأن يقال لمن قيد يداه ورجلاه وألقي من شاهق جبل: لم لا تطير إلى فوق؟

ولما لم يجز شيء من ذلك في العقول علمنا أنه لا يجوز الأمر بالمحال، فثبت أن العلم بالعدم لا يمنع من الوجود.

وثامنها: لو جاز ورود الأمر بذلك لجاز بعثة الأنبياء إلى الجمادات وإنزال الكتب عليها، وإنزال الملائكة لتبليغ التكاليف إليها حالاً بعد حال، ومعلوم أن ذلك سخرية وتلاعب بالدين.

وتاسعها: أن العلم بوجود الشيء لو اقتضى وجوبه لأغنى العلم عن القدرة والإرادة، فوجب أن لا يكون الله تعالى قادراً مريداً مختاراً، وذلك قول الفلاسفة القائلين بالموجب.

وعاشرها: الآيات الدالة على أن تكليف ما لا يطاق لم يوجد، قال الله تعالى: ﴿ لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا  ﴾ وقال: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ  ﴾ وقال: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والاغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ  ﴾ وأي حرج ومشقة فوق التكليف بالمحال المقام الثالث الجواب على سبيل التفصيل، للمعتزلة فيه طريقان: الأول: طريقة أبي علي وأبي هاشم والقاضي عبد الجبار، فإنا لما قلنا: لو وقع خلاف معلوم الله تعالى لانقلب علمه جهلاً قالوا خطأ: قول من يقول: إنه ينقلب علمه جهلاً، وخطأ أيضاً قول من يقول: إنه لا ينقلب، ولكن يجب الإمساك عن القولين: والثاني: طريقة الكعبي واختيار أبي الحسين البصري: أن العلم تبع المعلوم، فإذا فرضت الواقع من العبد من الإيمان عرفت أن الحاصل في الأزل لله تعالى هو العلم بالإيمان، ومتى فرضت الواقع منه هو الكفر بدلاً عن الإيمان عرفت أن الحاصل في الأزل هو العلم بالكفر بدلاً عن الإيمان، فهذا فرض علم بدلاً عن علم أخر، لا أنه تغير العلم.

فهذان الجوابان هما اللذان عليهما اعتماد جمهور المعتزلة.

واعلم أن هذا المبحث صار منشأ لضلالات عظيمة: فمنها أن منكري التكاليف والنبوات قالوا: قد سمعنا كلام أهل الجبر فوجدناه قوياً قاطعاً، وهذان الجوابان اللذان ذكرهما المعتزلة يجريان مجرى الخرافة ولا يلتفت العاقل إليهما، وسمعنا كلام المعتزلة في أن مع القول بالجبر لا يجوز التكليف ويقبح، والجواب الذي ذكره أهل الجبر ضعيف جداً فصار مجموع الكلامين كلاماً قوياً في نفي التكاليف، ومتى بطل ذلك بطل القول بالنبوات.

ومنها أن الطاعنين في القرآن قالوا: الذي قاله المعتزلة من الآيات الكثيرة الدالة على أنه لا منع من الإيمان ومن الطاعة فقد صدقوا فيه، والذي قاله الجبرية: من أن العلم بعدم الإيمان مانع منه فقد صدقوا فيه، فدل على أن القرآن ورد على ضد العقل وعلى خلافه، وذلك من أعظم المطاعن وأقوى القوادح فيه، ثم من سلم من هؤلاء أن هذا القرآن هو القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم توسل به إلى الطعن فيه، وقال قوم من الرافضة: إن هذا الذي عندنا ليس هو القرآن الذي جاء به محمد بل غير وبدل.

والدليل عليه اشتماله على هذه المناقضات التي ظهرت بسبب هذه المناظرة الدائرة بين أهل الجبر وأهل القدر.

ومنها أن المقلدة الطاعنين في النظر والاستدلال احتجوا بهذه المناظرة وقالوا: لو جوزنا التمسك بالدلائل العقلية لزم القدح في التكليف والنبوة بسبب هذه المناظرة، فإن كلام أهل الجبر في نهاية القوة في إثبات الجبر، وكلام أهل القدر في بيان أنه متى ثبت الجبر بطل التكليف بالكلية في نهاية القوة، فيتولد من مجموع الكلامين أعظم شبهة في القدح والتكليف والنبوة، فثبت أن الرجوع إلى العقليات يورث الكفر والضلال، وعند هذا قيل من تعمق في الكلام تزندق.

ومنها أن هشام بن الحكم زعم أنه سبحانه لا يعلم الأشياء قبل وقوعها وجوز البداء على الله تعالى وقال: إن قوله: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ إنما وقع على سبيل الاستدلال بالأمارة، ويجوز له أن يظهر خلاف ما ذكره، وإنما قال بهذا المذهب فراراً من تلك الإشكالات المتقدمة.

واعلم أن جملة الوجوه التي رويناها عن المعتزلة كلمات لا تعلق لها بالكشف عن وجه الجواب.

بل هي جارية مجرى التشنيعات.

فأما الجوابان اللذان عليهما اعتماد القوم ففي نهاية الضعف.

أما قول أبي علي وأبي هشام والقاضي: خطأ قول من يقول إنه يدل، وخطأ قول من يقول: إنه لا يدل: إن كان المراد منه الحكم بفساد القسمين كان ذلك حكماً بفساد النفي والإثبات وذلك لا يرتضيه العقل وإن كان معناه أن أحدهما حق لكن لا أعرف أن الحق هو أنه يدل أو لا يدل كفى في دفعه تقرير وجه الاستدلال، فإنا لما بينا أن العلم بالعدم لا يحصل إلا مع العدم، فلو حصل الوجود معه لكان قد اجتمع العدم والوجود معاً ولا يتمكن العقل من تقرير كلام أوضح من هذا وأقل مقدمات فيه.

وأما قول الكعبي ففي نهاية الضعف، لأنا وإن كنا لا ندري أن الله تعالى كان في الأزل عالماً بوجود الإيمان أو بعدمه لكنا نعلم أن العلم بأحد هذين الأمرين كان حاصلاً، وهو الآن أيضاً حاضر، فلو حصل مع العلم بأحد النقيضين ذلك النقيض الآخر لزم اجتماع النقيضين، ولو قيل بأن ذلك العلم لا يبقى كان ذلك اعترافاً بانقلاب العلم جهلاً، وهذا آخر الكلام في هذا البحث.

واعلم أن الكلام المعنوي هو الذي تقدم، وبقي في هذا الباب أمور أخرى إقناعية ولا بدّ من ذكرها وهي خمسة: أحدها: روى الخطيب في كتاب تاريخ بغداد عن معاذ بن معاذ العنبري قال: كنت جالساً عند عمرو بن عبيد فأتاه رجل فقال: يا أبا عثمان سمعت والله اليوم بالكفر، فقال: لا تعجل بالكفر، وما سمعت؟

قال: سمعت هاشماً الأوقص يقول: إن ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ  ﴾ وقوله: ﴿ ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً  ﴾ إلى قوله: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ  ﴾ إن هذا ليس في أم الكتاب والله تعالى يقول: ﴿ حمٓ  وَٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُبِينِ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَإِنَّهُ فِي أُمّ الكتاب لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ  ﴾ فما الكفر إلا هذا يا أبا عثمان، فسكت عمرو هنيهة ثم أقبل عليّ فقال والله لو كان القول كما يقول ما كان على أبي لهب من لوم، ولا على الوليد من لوم، فلما سمع الرجل ذلك قال أتقول يا أبا عثمان ذلك، هذا والله الذي قال معاذ فدخل بالإسلام وخرج بالكفر.

وحكي أيضاً أنه دخل رجل على عمرو بن عبيد وقرأ عنده: ﴿ بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ  ﴾ فقال له أخبرني عن ﴿ تبت ﴾ أكانت في اللوح المحفوظ؟

فقال عمرو: ليس هكذا كانت، بل كانت: تبت يدا من عمل بمثل ما عمل أبو لهب فقال له الرجل، هكذا ينبغي أن تقرأ إذا قمنا إلى الصلاة: فغضب عمرو وقال: إن علم الله ليس بشيطان، إن علم الله لا يضر ولا ينفع.

وهذه الحكاية تدل على شك عمرو بن عبيد في صحة القرآن.

وثانيها: روى القاضي في كتاب طبقات المعتزلة عن ابن عمر، أن رجلاً قام إليه فقال: يا أبا عبد الرحمن إن أقواماً يزنون ويسرقون ويشربون الخمر ويقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ويقولون كان ذلك في علم الله فلم نجد منه بداً، فغضب ثم قال سبحان الله العظيم، قد كان في علمه أنهم يفعلونها فلم يحملهم على الله على فعلها.

حدثني أبي عمر بن الخطاب أنه سمع رسول صلى الله عليه وسلم يقول: «مثل علم الله فيكم كمثل السماء التي أظلتكم، والأرض التي أقلتكم، فكما لا تستطيعون الخروج من السماء والأرض فكذلك لا تستطيعون الخروج من علم الله تعالى، وكما لا تحملكم السماء والأرض على الذنوب فكذلك لا يحملكم علم الله تعالى عليها».

واعلم أن في الأخبار التي يرويها الجبرية والقدرية كثرة، والغرض من رواية هذا الحديث بيان أنه لا يليق بالرسول أن يقول مثل ذلك، وذلك لأنه متناقض وفاسد، أما المتناقض فلأن قوله: وكذلك لا تستطيعون الخروج من علم الله صريح في الجبر وما قبله صريح في القدر فهو متناقض، وأما أنه فاسد، فلأنا بينا أن العلم بعدم الإيمان ووجود الإيمان متنافيان، فالتكليف بالإيمان مع وجود العلم بعدم الإيمان تكليف بالجمع بين النفي والإثبات، أما السماء والأرض فإنهما لا ينافيان شيئاً من الأعمال، فظهر أن تشبيه إحدى الصورتين بالأخرى لا يصدر إلا عن جاهل أو متجاهل، وجل منصب الرسالة عنه.

وثالثها: الحديثان المشهوران في هذا الباب: أما الحديث الأول: فهو ما روي في الصحيحين عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه ملكاً فينفخ فيه الروح فيؤمر بأربع كلمات، فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد، فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» وحكى الخطيب في تاريخ بغداد عن عمرو بن عبيد أنه قال: لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعت زيد بن وهب يقول هذا ما أحببته، ولو سمعت عبد الله بن مسعود يقول هذا ما قبلته، ولو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله عزّ وجلّ يقول هذا لقلت ليس على هذا أخذت ميثاقنا.

وأما الحديث الثاني: فهو مناظرة آدم وموسى عليهما السلام، فإن موسى قال لآدم: أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة؟

فقال آدم: أنت الذي اصطفاك الله لرسالاته ولكلامه وأنزل عليك التوراة فهل تجد الله قدره علي؟

قال نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى، والمعتزلة طعنوا فيه من وجوه: أحدها: أن هذا الخبر يقتضي أن يكون موسى قد ذم آذم على الصغيرة وذلك يقتضي الجهل في حق موسى عليه السلام، وأنه غير جائز.

وثانيها: أن الولد كيف يشافه والده بالقول الغليظ.

وثالثها: أنه قال: أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة، وقد علم موسى أن شقاء الخلق وإخراجهم من الجنة لم يكن من جهة آدم، بل الله أخرجه منها.

ورابعها: أن آدم عليه السلام احتج بما ليس بحجة إذ لو كان حجة لكان لفرعون وهامان وسائر الكفار أن يحتجوا بها، ولما بطل ذلك علمنا فساد هذه الحجة.

وخامسها: أن الرسول عليه السلام صوب آدم في ذلك مع أنا بينا أنه ليس بصواب.

إذا ثبت هذا وجب حمل الحديث على أحد ثلاثة أوجه: أحدها: أنه عليه السلام حكى ذلك عن اليهود لا أنه حكاه عن الله تعالى أو عن نفسه، والرسول عليه السلام كان قد ذكر هذه الحكاية إلا أن الراوي حين دخل ما سمع إلا هذا الكلام، فظن أنه عليه السلام ذكره عن نفسه لا عن اليهود.

وثانيها: أنه قال: فحج آدم منصوباً أي أن موسى عليه السلام غلبه وجعله محجوباً وأن الذي أتى به آدم ليس بحجة ولا بعذر.

وثالثها: وهو المعتمد أنه ليس المراد من المناظرة الذم على المعصية، ولا الاعتذار منه بعلم الله بل موسى عليه السلام سأله عن السبب الذي حمله على تلك الزلة حتى خرج بسببها من الجنة، فقال آدم: إن خروجي من الجنة لم يكن بسبب تلك الزلة، بل بسبب أن الله تعالى كان قد كتب عليّ أن أخرج من الجنة إلى الأرض وأكون خليفة فيها، وهذا المعنى كان مكتوباً في التوراة، فلا جرم كانت حجة آدم قوية وصار موسى عليه السلام في ذلك كالمغلوب واعلم أن الكلام في هذه المسألة طويل جداً والقرآن مملوء منه وسنستقصي القول فيها في هذا التفسير إن قدر الله تعالى ذلك؛ وفيما ذكرنا هاهنا كفاية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما قدّم ذكر أوليائه وخالصة عباده بصفاتهم التي أهلتهم لإصابة الزلفى عنده، وبين أن الكتاب هدى ولطف لهم خاصة، قفى على أثره بذكر أضدادهم؛ وهم العتاة المردة من الكفار الذين لا ينفع فيهم الهدى، ولا يجدي عليهم اللطف، وسواء عليهم وجود الكتاب وعدمه، وإنذار الرسول وسكوته.

فإن قلت: لم قطعت قصة الكفار عن قصة المؤمنين ولم تعطف كنحو قوله: ﴿ إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم ﴾ [الانفطار 14- 15] وغيره من الآي الكثيرة؟

قلت: ليس وزان هاتين القصتين وزان ما ذكرت؛ لأن الأولى فيما نحن فيه مسوقة لذكر الكتاب وأنه هدى للمتقين، وسيقت الثانية لأن الكفار من صفتهم كيت وكيت، فبين الجملتين تباين في الغرض والأسلوب، وهما على حدّ لا مجال فيه للعاطف.

فإن قلت: هذا إذا زعمت أن الذين يؤمنون جار على المتقين، فأمّا إذا ابتدأته وبنيت الكلام لصفة المؤمنين، ثم عقبته بكلام آخر في صفة أضدادهم، كان مثل تلك الآي المتلوّة.

قلت: قد مرّ لي أن الكلام المبتدأ عقيب المتقين سبيله الاستئناف، وأنه مبنيّ على تقدير سؤال، فذلك إدراج له في حكم المتقين، وتابع له في المعنى؛ وإن كان مبتدأ في اللفظ فهو في الحقيقة كالجاري عليه.

والتعريف في ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ يجوز أن يكون للعهد وأن يراد بهم ناس بأعيانهم كأبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم، وأن يكون للجنس متناولاً كلّ من صمم على كفره تصميماً لا يرعوي بعده وغيرهم، ودل على تناوله للمصرين الحديث عنهم باستواء الإنذار وتركه عليهم، و ﴿ سَوَآءٌ ﴾ اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر.

ومنه قوله تعالى: ﴿ تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾ [آل عمران: 64]، ﴿ فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لّلسَّائِلِينَ ﴾ [فصلت: 10] بمعنى مستوية وارتفاعه على أنه خبر لإنّ، و ﴿ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ َ ﴾ في موضع المرتفع به على الفاعلية؛ كأنه قيل: إنّ الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه.

كما تقول: إنّ زيداً مختصم أخوه وابن عمه أو يكون ﴿ أأنذرتهم أم لم تنذرهم ﴾ في موضع الابتداء، ﴿ وسواء ﴾ خبراً مقدّماً بمعنى: سواء عليهم إنذارك وعدمه، والجملة خبر لإنّ.

فإن قلت: الفعل أبداً خبر لا مخبر عنه فكيف صحّ الإخبار عنه في هذا الكلام؟

قلت: هو من جنس الكلام المهجور فيه جانب اللفظ إلى جانب المعنى، وقد وجدنا العرب يميلون في مواضع من كلامهم مع المعاني ميلاً بيناً، من ذلك قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، معناه لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن، وإن كان ظاهر اللفظ على ما لا يصح من عطف الاسم على الفعل.

والهمزة وأم مجرّدتان لمعنى الاستواء وقد انسلخ عنهما معنى الاستفهام رأساً.

قال سيبويه: جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء قولك: اللهمّ اغفر لنا أيتها العصابة، يعني أنّ هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام، كما أن ذلك جرى على صورة النداء ولا نداء.

ومعنى الاستواء استواؤهما في علم المستفهم عنهما لأنه قد علم أن أحد الأمرين كائن، إمّا الإنذار وإمّا عدمه، ولكن لا بعينه، فكلاهما معلوم بعلم غير معين.

وقرئ: ﴿ أأنذرتهم ﴾ بتحقيق الهمزتين، والتخفيف أعرب وأكثر، وبتخفيف الثانية بين بين، وبتوسيط ألف بينهما محققتين، وبتوسيطها والثانية بين بين، وبحذف حرف الاستفهام، وبحذفه وإلقاء حركته على الساكن قبله، كما قرئ ﴿ قد أفلح ﴾ .

فإن قلت: ما تقول فيمن يقلب الثانية ألفاً؟

قلت: هو لاحن خارج عن كلام العرب خروجين: أحدهما الإقدام على جمع الساكنين على غير حدّه وحدّه أن يكون الأوّل حرف لين والثاني حرفاً مدغماً نحو قوله: الضالين، وخويصة؛ والثاني: إخطاء طريق التخفيف؛ لأن طريق تخفيف الهمزة المتحرّكة المفتوح ما قبلها أن تخرج بين بين؛ فأما القلب ألفاً فهو تخفيف الهمزة الساكنة المفتوح ما قبلها كهمزة رأس.

والإنذار: التخويف من عقاب الله بالزجر عن المعاصي.

فإن قلت: ما موقع ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ؟

قلت: إمّا أن يكون جملة مؤكدة للجملة قبلها، أو خبراً لإنّ والجملة قبلها اعتراض.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ لَمّا ذَكَرَ خاصَّةَ عِبادِهِ، وخُلاصَةَ أوْلِيائِهِ بِصِفاتِهِمُ الَّتِي أهَّلَتْهم لِلْهُدى والفَلاحِ، عَقَّبَهم بِأضْدادِهِمُ العُتاةِ المَرَدَةِ، الَّذِينَ لا يَنْفَعُ فِيهِمُ الهُدى ولا تُغْنِي عَنْهُمُ الآياتُ والنُّذُرُ، ولَمْ يَعْطِفْ قِصَّتَهم عَلى قِصَّةِ المُؤْمِنِينَ كَما عَطَفَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ ﴾ ﴿ وَإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ ﴾ لِتَبايُنِهِما في الغَرَضِ، فَإنَّ الأُولى سِيقَتْ لِذِكْرِ الكِتابِ وبَيانِ شَأْنِهِ والأُخْرى مَسُوقَةٌ لِشَرْحِ تَمَرُّدِهِمْ، وانْهِماكِهِمْ في الضَّلالِ، و (إنَّ) مِنَ الحُرُوفِ الَّتِي تُشابِهُ الفِعْلَ في عَدَدِ الحُرُوفِ والبِناءِ عَلى الفَتْحِ ولُزُومِ الأسْماءِ وإعْطاءِ مَعانِيهِ، والمُتَعَدِّي خاصَّةً في دُخُولِها عَلى اسْمَيْنِ.

ولِذَلِكَ أعْمَلَتْ عَمَلَهُ الفَرْعِيَّ وهو نَصْبُ الجُزْءِ الأوَّلِ ورَفْعِ الثّانِي إيذانًا بِأنَّهُ فَرْعٌ في العَمَلِ دَخِيلٌ فِيهِ.

وَقالَ الكُوفِيُّونَ: الخَبَرُ قَبْلَ دُخُولِها كانَ مَرْفُوعًا بِالخَبَرِيَّةِ، وهي بَعْدُ باقِيَةٌ مُقْتَضِيَةٌ لِلرَّفْعِ قَضِيَّةٌ لِلِاسْتِصْحابِ فَلا يَرْفَعُهُ الحَرْفُ.

وأُجِيبُ بِأنَّ اقْتِضاءَ الخَبَرِيَّةِ الرَّفْعَ مَشْرُوطٌ بِالتَّجَرُّدِ لِتَخَلُّفِهِ عَنْها في خَبَرِ كانَ، وقَدْ زالَ بِدُخُولِها فَتَعَيَّنَ إعْمالُ الحَرْفِ.

وفائِدَتُها تَأْكِيدُ النِّسْبَةِ وتَحْقِيقُها، ولِذَلِكَ يُتَلَقّى بِها القَسَمُ ويَصْدُرُ بِها الأجْوِبَةُ، وتُذْكَرُ في مَعْرِضِ الشَّكِّ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا ﴾ ﴿ إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ ﴾ ، ﴿ وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ قالَ المُبَرِّدُ (قَوْلُكَ: عَبْدُ اللَّهِ قائِمٌ) إخْبارٌ عَنْ قِيامِهِ، وإنَّ عَبْدَ اللَّهِ قائِمٌ، جَوابُ سائِلٍ عَنْ قِيامِهِ، وإنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَقائِمٌ، جَوابُ مُنْكِرٍ لِقِيامِهِ.

وَتَعْرِيفُ المَوْصُولِ: إمّا لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِ ناسٌ بِأعْيانِهِمْ كَأبِي لَهَبٍ، وأبِي جَهْلٍ، والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأحْبارِ اليَهُودِ.

أوْ لِلْجِنْسِ، مُتَناوِلًا مَن صَمَّمَ عَلى الكُفْرِ، وغَيْرَهم.

فَخَصَّ مِنهم غَيْرَ المُصِرِّينَ بِما أُسْنِدَ إلَيْهِ.

والكُفْرُ لُغَةً: سَتْرُ النِّعْمَةِ، وأصْلُهُ الكَفْرُ بِالفَتْحِ وهو السَّتْرُ، ومِنهُ قِيلَ لِلزّارِعِ ولِلَّيْلِ كافِرٌ، ولِكِمامِ الثَّمَرَةِ كافُورٌ.

وفي الشَّرْعِ: إنْكارُ ما عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيءُ الرَّسُولِ  بِهِ، وإنَّما عُدَّ لُبْسُ الغِيارِ وشَدُّ الزُّنّارِ ونَحْوُهُما كُفْرًا لِأنَّها تَدُلُّ عَلى التَّكْذِيبِ، فَإنَّ مَن صَدَّقَ الرَّسُولَ  لا يَجْتَرِئُ عَلَيْها ظاهِرًا لا لِأنَّها كُفْرٌ في أنْفُسِها.

واحْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِما جاءَ في القُرْآنِ بِلَفْظِ الماضِي عَلى حُدُوثِهِ لِاسْتِدْعائِهِ سابِقَةَ المُخْبِرِ عَنْهُ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ مُقْتَضى التَّعَلُّقِ وحُدُوثُهُ لا يَسْتَلْزِمُ حُدُوثَ الكَلامِ كَما في العِلْمِ.

﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ﴾ خَبَرُ إنَّ وسَواءٌ اسْمٌ بِمَعْنى الِاسْتِواءِ، نُعِتَ بِهِ كَما نُعِتَ بِالمَصادِرِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ ﴾ رُفِعَ بِأنَّهُ خَبَرُ إنَّ وما بَعْدَهُ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُسْتَوٍ عَلَيْهِمْ إنْذارُكَ وعَدَمُهُ، أوْ بِأنَّهُ خَبَرٌ لِما بَعْدَهُ بِمَعْنى: إنْذارُكَ وعَدَمُهُ سِيّانِ عَلَيْهِمْ، والفِعْلُ إنَّما يَمْتَنِعُ الإخْبارُ عَنْهُ إذا أُرِيدَ بِهِ تَمامُ ما وُضِعَ لَهُ، أمّا لَوْ أُطْلِقُ وأُرِيدُ بِهِ اللَّفْظُ، أوْ مُطْلَقُ الحَدَثِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ ضِمْنًا عَلى الِاتِّساعِ فَهو كالِاسْمِ في الإضافَةِ والإسْنادِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ﴾ وقَوْلِهِمْ: تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ.

وَإنَّما عَدَلَ هاهُنا عَنِ المَصْدَرِ إلى الفِعْلِ لِما فِيهِ مِن إيهامِ التَّجَدُّدِ وحُسْنِ دُخُولِ الهَمْزَةِ، وأمْ عَلَيْهِ لِتَقْرِيرِ مَعْنى الِاسْتِواءِ وتَأْكِيدِهِ، فَإنَّهُما جُرِّدَتا عَنْ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِواءِ، كَما جُرِّدَتْ حُرُوفُ النِّداءِ عَنِ الطَّلَبِ لِمُجَرَّدِ التَّخْصِيصِ في قَوْلِهِمُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا أيَّتُها العِصابَةُ.

والإنْذارُ: التَّخْوِيفُ أُرِيدَ بِهِ التَّخْوِيفُ مِن عَذابِ اللَّهِ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلَيْهِ دُونَ البِشارَةِ لِأنَّهُ أوْقَعُ في القَلْبِ وأشَدُّ تَأْثِيرًا في النَّفْسِ، مِن حَيْثُ إنَّ دَفْعَ الضُّرِّ أهَمُّ مِن جَلْبِ النَّفْعِ، فَإذا لَمْ يَنْفَعْ فِيهِمْ كانَتِ البِشارَةُ بِعَدَمِ النَّفْعِ أوْلى، وقُرِئَ ﴿ أأنْذَرْتَهُمْ ﴾ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ وتَخْفِيفِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَلْبِها ألِفًا وهو لَحْنٌ لِأنَّ المُتَحَرِّكَةَ لا تُقْلَبُ، ولِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى جَمْعِ السّاكِنَيْنٍ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ، وبِتَوْسِيطِ ألِفٍ بَيْنَهُما مُحَقَّقَتَيْنِ، وبِتَوْسِيطِها والثّانِيَةِ بَيْنَ (بَيْنَ) وبِحَذْفِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ، وبِحَذْفِها وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى السّاكِنِ قَبْلَها.

﴿ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِإجْمالِ ما قَبْلَها فِيما فِيهِ الِاسْتِواءُ فَلا مَحَلَّ لَها أوْ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ.

أوْ بَدَلٌ عَنْهُ.

أوْ خَبَرُ إنَّ والجُمْلَةُ قَبْلَها اعْتِراضٌ بِما هو عِلَّةُ الحُكْمِ.

والآيَةُ مِمّا احْتَجَّ بِهِ مَن جَوَّزَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ وأمَرَهم بِالإيمانِ، فَلَوْ آمَنُوا انْقَلَبَ خَبَرُهُ كَذِبًا.

وشَمَلَ إيمانُهُمُ الإيمانَ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ فَيَجْتَمِعُ الضِّدّانِ، والحَقُّ أنَّ التَّكْلِيفَ بِالمُمْتَنِعِ لِذاتِهِ وإنْ جازَ عَقْلًا مِن حَيْثُ إنَّ الأحْكامَ لا تَسْتَدْعِي غَرَضًا سِيَّما الِامْتِثالَ، لَكِنَّهُ غَيْرُ واقِعٍ لِلِاسْتِقْراءِ، والإخْبارُ بِوُقُوعِ الشَّيْءِ أوْ عَدَمِهِ لا يَنْفِي القُدْرَةَ عَلَيْهِ كَإخْبارِهِ تَعالى عَمّا يَفْعَلُهُ هو أوِ العَبْدُ بِاخْتِيارِهِ، وفائِدَةُ الإنْذارِ بَعْدَ العِلْمِ بِأنَّهُ لا يَنْجَعُ إلْزامُ الحُجَّةِ، وحِيازَةُ الرَّسُولِ فَضْلَ الإبْلاغِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: سَواءٌ عَلَيْكَ.

كَما قالَ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ ﴿ سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ ﴾ .

وَفِي الآيَةِ إخْبارٌ بِالغَيْبِ عَلى ما هو بِهِ إنْ أُرِيدَ بِالمَوْصُولِ أشْخاصٌ بِأعْيانِهِمْ فَهي مِنَ المُعْجِزاتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ الذين كَفَرُواْ} الكفر ستر الحق بالجحود والتركيب دال على الستر ولذا سمي الزراع

البقرة (٦ _ ٧)

كافراوكذا الليل ولم يأت بالعاطف هنا كما في قوله إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لفى جحيم لأن الجملة الأولى هنا مسوقة بياناً لذكر الكتاب لا خبراً عن المؤمنين وسيقت الثانية للإخبار عن الكفار بكذا فبين الجملتين تفاوت في المراد وهما على حد لا مجال للعطف فيه وإن كان مبتدأ على تقدير فهو كالجاري عليه والمراد بالذين كفروا أناس بأعيانهم علم الله أنهم لا يؤمنون كأبي جهل وابى لهب وأضرابهما {سواء عليهم أأنذرتهم أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ} بهمزتين كوفي وسواء بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر ومنه قوله تعالى إلى كلمة سواء أي مستوية وارتفاعه على أنه خبر لإن وأنذرتهم أم لم تنذرهم مرتفع به على الفاعلية كأنه قيل أن الذين كفورا مستو

عليهم انذارك وعدمه والجملة خبر لإن وإنما جاز الإخبار عن الفعل مع أنه خبر أبداً لأنه من جنس الكلام المهجور فيه جانب اللفظ إلى جانب المعنى والهمزة وأم مجردتان لمعنى الاستواء وقد انسلخ عنهما معنى الاستفهام رأساً قال سيبويه جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء في قولك اللهم اغفر لنا أيتها العصابة يعني أن هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام كما جرى ذلك على صورة النداء ولا نداء والإنذار التخويف من عقاب الله بالزجر عن المعاصي {لاَ يُؤْمِنُونَ} جملة مؤكدة للجملة قبلها أو خبر لإن والجملة قبلها اعتراض أو خبر بعد خبر والحكمة في الإنذار مع العلم بالإصرار إقامة الحجة وليكون الإرسال عاماً وليثاب الرسول

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ يَتَمَيَّزُ بِهِ حالُ الكَفَرَةِ الغُواةِ المَرَدَةِ العُتاةِ، سِيقَ إثْرَ بَيانِ بَدِيعِ أحْوالِ أضْدادِهِمُ المُتَّصِفِينَ بِنُعُوتِ الكَمالِ الفائِزِينَ بِمَطالِبِهِمْ في الحالِ والمَآلِ، ولَمْ يُعْطَفْ عَلى سابِقِيهِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ بَيانُ اتِّصافِ الكِتابِ بِغايَةِ الكَمالِ في الهِدايَةِ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ يَقِينًا، لا مَجالَ لِلشَّكِّ فِيهِ، ومِن هَذا بَيانُ اتِّصافِ الكُفّارِ بِالإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، والضَّلالِ، بِحَيْثُ لا يُجْدِي فِيهِمُ الإنْذارُ، والقَوْلُ: إنَّهُما مَسُوقانِ لِبَيانِ حالِ الكِتابِ، وأنَّهُ هُدًى لِقَوْمٍ، ولَيْسَ هُدًى لِآخَرِينَ لا يُجْدِي نَفْعًا، لِأنَّ عَدَمَ كَوْنِهِ هُدًى لَهم مَفْهُومٌ تَبَعًا، لا مَقْصُودٌ أصالَةً، عَلى أنَّ الِانْتِفاعَ بِهِ صِفَةُ كَمالٍ لَهُ يُؤَيِّدُ ما سَبَقَ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِهِ وإعْلاءِ مَكانِهِ بِخِلافِ عَدَمِ الِانْتِفاعِ، وقِيلَ: إنَّ تَرْكَ العَطْفِ لِكَوْنِهِ اسْتِئْنافًا آخَرَ، كَأنَّهُ قِيلَ ثانِيًا: ما بالُ غَيْرِهِمْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ؟

فَأُجِيبَ بِأنَّهم لِإعْراضِهِمْ، وزَوالِ اسْتِعْدادِهِمْ لَمْ يَنْجَعْ فِيهِمْ دَعْوَةُ الكِتابِ إلى الإيمانِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهُ بَعْدَ ما تَقَرَّرَ أنَّ تِلْكَ الأوْصافَ المُخْتَصَّةَ هي المُقْتَضِيَةُ لَمْ يَبْقَ لِهَذا السُّؤالِ وجْهٌ، وأغْرَبُ مِن هَذا تَخَيُّلُ أنَّ التَّرْكَ لِغايَةِ الِاتِّصالِ زَعْمًا أنَّ شَرْحَ تَمَرُّدِ الكُفّارِ يُؤَكِّدُ كَوْنَ الكِتابِ كامِلًا في الهِدايَةِ، نَعَمْ يُمْكِنُ عَلى بُعْدٍ أنَّ وجْهَ السُّؤالِ بِأنْ يُقالَ: لَوْ كانَ الكِتابُ كامِلًا لَكانَ هُدًى لِلْكُفّارِ أيْضًا، فَيُجابُ بِأنَّ عَدَمَ هِدايَتِهِ إيّاهم لِتَمَرُّدِهِمْ وتَعَنُّتِهِمْ، لا لِقُصُورٍ في الكِتابِ.

والنَّجْمُ تَسْتَصْغِرُ الأبْصارُ رُؤْيَتَهُ والذَّنَبُ لِلطَّرْفِ لا لِلنَّجْمِ في الصِّغَرِ والعَطْفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ ﴾ ﴿ وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ ﴾ لِاتِّحادِ الجامِعِ إذِ الجُمْلَةُ الأُولى مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ثَوابِ الأخْيارِ، والثّانِيَةُ لِذِكْرِ جَزاءِ الأشْرارِ مَعَ ما فِيهِما مِنَ التَّرْصِيعِ، والتَّقابُلِ، وقَدْ عُدَّ التَّضادُّ وشِبْهُهُ جامِعًا، يَقْتَضِي العَطْفَ، لِأنَّ الوَهْمَ يُنْزِلُ المُتَضادَّيْنِ مَنزِلَةَ المُتَضايِفَيْنِ، فَيُجْتَهَدُ في الجَمْعِ بَيْنَهُما في الذِّهْنِ حَتّى قالُوا: إنَّ الضِّدَّ أقْرَبُ خُطُورًا بِالبالِ مَعَ الضِّدِّ مِنَ الأمْثالِ، وصُدِّرَتِ الجُمْلَةُ بِإنَّ، اعْتِناءً بِمَضْمُونِها، وقَدْ تُصَدَّرُ بِها الأجْوِبَةُ لِأنَّ السّائِلَ لِكَوْنِهِ مُتَرَدِّدًا يُناسِبُهُ التَّأْكِيدُ، وتَعْرِيفُ المَوْصُولِ إمّا لِلْعَهْدِ، والمُرادُ مَن شافَهَهم  بِالإنْذارِ في عَهْدِهِ، وهم مُصِرُّونَ عَلى كُفْرِهِمْ، أوْ لِلْجِنْسِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ ﴾ وكَقَوْلِ الشّاعِرِ: ويَسْعى إذا أبْنِي لِيَهْدِمَ صالِحِي ∗∗∗ ولَيْسَ الَّذِي يَبْنِي كَمَن شَأْنُهُ الهَدْمُ فَهُوَ حِينَئِذٍ عامٌّ خَصَّهُ العَقْلُ بِغَيْرِ المُصِرِّينَ، والإخْبارُ بِما ذُكِرَ قَرِينَةٌ عَلَيْهِ، أوِ المُخَصِّصُ عَوْدُ ضَمِيرٍ خاصٍّ عَلَيْهِ مِنَ الخَبَرِ، لا الخَبَرُ نَفْسُهُ، وقَدْ ذَكَرَ الأُصُولِيُّونَ ثَلاثَةَ أقْوالٍ فِيما إذا عادَ ضَمِيرٌ خاصٌّ عَلى العامِّ، فَقِيلَ: يُخَصِّصُهُ، وقِيلَ: لا، وقِيلَ: بِالوَقْفِ، ومَثَّلُوهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ فَإنَّ الضَّمِيرَ في بُعُولَتِهِنَّ لِلرَّجْعِيّاتِ فَقَطْ، وما ذَكَرَهُ بَعْضُ أجِلَّةِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُخَصِّصَ هُنا الخَبَرُ أوْرَدَ عَلَيْهِ إنَّ تَعَيُّنَ المُخْبَرِ عَنْهُ بِمَفْهُومِ الخَبَرِ يُنافِي ما تَقَرَّرَ مِن أنَّ المُخْبَرَ عَنْهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُتَعَيِّنًا عِنْدَ المُخاطَبِ، قَبْلَ وُرُودِ الخَبَرِ، فَلَوْ تَوَقَّفَ تَعَيَّنَ المُخْبَرُ عَنْهُ عَلى الخَبَرِ، لَزِمَ الدَّوْرُ، والكُفْرُ بِالضَّمِّ مُقابِلُ الإيمانِ، وأصْلُهُ المَأْخُوذُ مِنهُ الكَفْرُ بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى السَّتْرِ، يُقالُ: كَفَرَ يَكْفُرُ مِن بابِ قَتَلَ، وما في الصِّحاحِ مِن أنَّهُ مِن بابِ ضَرَبَ، فالظّاهِرُ أنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وإنْ لَمْ يُنَبَّهْ عَلَيْهِ في القامُوسِ، وشاعَ اسْتِعْمالُهُ في سَتْرِ النِّعْمَةِ خاصَّةً، وفي مُقابِلِ الإيمانِ، لِأنَّ فِيهِ سَتْرَ الحَقِّ، ونِعَمِ الفَيْضِ المُطْلَقِ، وقَدْ صَعُبَ عَلى المُتَكَلِّمِينَ تَعْرِيفُ الكُفْرِ الشَّرْعِيِّ الغَيْرِ التَّبَعِيِّ، واخْتَلَفُوا في تَعْرِيفِهِ عَلى حَسَبِ اخْتِلافِهِمْ في تَعْرِيفِ الإيمانِ، إلّا أنَّ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ إنْكارُ ما عُلِمَ مَجِيءُ الرَّسُولِ  بِهِ مِمّا اشْتُهِرَ حَتّى عَرَفَهُ الخَواصُّ والعَوامُّ، فَلا يَكْفُرُ جاحِدُ المُجْمَعِ عَلَيْهِ عَلى الإطْلاقِ، بَلْ مَن جَحَدَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فِيهِ نَصٌّ، وهو مِنَ الأُمُورِ الظّاهِرَةِ الَّتِي يَشْتَرِكُ في مَعْرِفَتِها سائِرُ النّاسِ كالصَّلاةِ، وتَحْرِيمِ الخَمْرِ، ومَن جَحَدَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لا يُعَرِّفُهُ إلّا الخَواصُّ كاسْتِحْقاقِ بِنْتِ الِابْنِ السُّدُسَ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ فَلَيْسَ بِكافِرٍ، ومَن جَحَدَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ ظاهِرًا لا نَصَّ فِيهِ، فَفي الحُكْمِ بِتَكْفِيرِهِ خِلافٌ، وأمّا ساداتُنا الحَنَفِيَّةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فَلَمْ يَشْتَرِطُوا في الإكْفارِ سِوى القَطْعِ بِثُبُوتِ ذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الإنْكارُ لا بُلُوغُ العِلْمِ بِهِ حَدَّ الضَّرُورَةِ، وهَذا أمْرٌ عَظِيمٌ وكَأنَّهُ لِذَلِكَ قالَ ابْنُ الهُمامِ: يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى ما إذا عَلِمَ المُنْكِرُ ثُبُوتَهُ قَطْعًا، لِأنَّ مَناطَ التَّكْفِيرِ التَّكْذِيبُ أوِ الِاسْتِخْفافُ، ولا يَرِدُ عَلى أخْذِ الإنْكارِ في التَّعْرِيفِ أنَّ أهْلَ الشَّرْعِ حَكَمُوا عَلى بَعْضِ الأفْعالِ والأقْوالِ بِأنَّها كُفْرٌ، ولَيْسَتْ إنْكارًا مِن فاعِلِها ظاهِرًا، لِأنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّها لَيْسَتْ كُفْرًا، وإنَّما هي دالَّةٌ عَلَيْهِ، فَأُقِيمَ الدّالُّ مَقامَ مَدْلُولِهِ حِمايَةً لِحَرِيمِ الدِّينِ وصِيانَةً لِشَرِيعَةِ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ  ، ولَيْسَتْ بَعْضُ المَنهِيّاتُ الَّتِي تَقْتَضِيها الشَّهْوَةُ النَّفْسانِيَّةُ كَذَلِكَ، فَلا يَبْطُلُ الطَّرْدُ بِغَيْرِ الكُفْرِ مِنَ الفِسْقِ، فَلَيْسَ شِعارُ الكُفّارِ مَثَلًا لَيْسَ في الحَقِيقَةِ كُفْرًا كَما قالَهُ مَوْلانا الإمامُ الرّازِيُّ وغَيْرُهُ، إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِهِ لِكَوْنِهِ عَلامَةً ظاهِرَةً عَلى أمْرٍ باطِنٍ، وهو التَّكْذِيبُ، لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَن يُصَدِّقُ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَأْتِي بِهِ، فَحَيْثُ أتى بِهِ دَلَّ عَلى عَدَمِ التَّصْدِيقِ، وهَذا إذا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلى ما يُنافِي تِلْكَ الدِّلالَةَ، ولِهَذا قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ لُبْسَ شِعارِ الكَفَرَةِ سُخْرِيَةٌ بِهِمْ، وهَزْلًا لَيْسَ بِكُفْرٍ، وقالَ مَوْلانا الشِّهابُ: ولَيْسَ بِبَعِيدٍ إذا قامَتِ القَرِينَةُ، وأنا أقُولُ: إذا قامَتِ القَرِينَةُ عَلى غَرَضٍ آخَرَ غَيْرِ السُّخْرِيَةِ والهَزْلِ، لا كُفْرَ بِهِ أيْضًا كَما يَظُنُّهُ بَعْضُ مَنِ ادَّعى العِلْمَ اليَوْمَ، ولَيْسَ مِنهُ في قَبِيلٍ ولا دَبِيرٍ، ولا في العِيرِ ولا النَّفِيرِ، ثُمَّ الإنْكارُ هُنا بِمَعْنى الجُحُودِ، ولا يَرِدُ أنَّ مَن تَشَكَّكَ أوْ كانَ خالِيًا عَنِ التَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ لَيْسَ بِمُصَدِّقٍ، ولا جاحِدٍ وأنَّهُ قَوْلٌ بِالمَنزِلَةِ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ، وهو باطِلٌ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُفْرُ الشّاكِّ والخالِي، لِأنَّ تَرْكَهُما الإقْرارَ مَعَ السَّعَةِ والأعْمالَ بِالكُلِّيَّةِ دَلِيلٌ كَما قالَهُ السّالَكُوتِيُّ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما أنَّ التَّلَفُّظَ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ دَلِيلٌ عَلى التَّصْدِيقِ، وقِيلَ: هو ها هُنا مِن أنْكَرْتُ الشَّيْءَ جَهِلْتُهُ، فَلا وُرُودَ أيْضًا، وفِيهِ أنَّ الإنْكارَ بِمَعْنى الجَهْلِ يُقابِلُ المَعْرِفَةَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ العارِفُ الغَيْرُ المُصَدِّقِ كَأحْبارِ اليَهُودِ واسِطَةً، فالمَحْذُورُ باقٍ بِحالِهِ، وعُرِّفَ في المَواقِفِ الكُفْرُ بِأنَّهُ عَدَمُ تَصْدِيقِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في بَعْضِ ما عُلِمَ مَجِيئُهُ بِهِ بِالضَّرُورَةِ، ولَعَلَّهُ أيْضًا يَقُولُ بِإقامَةِ بَعْضِ الأفْعالِ، والأقْوالِ مَقامَ عَدَمِ التَّصْدِيقِ، واعْتُرِضَ عَلى أخْذِ الضَّرُورَةِ بِأنَّ ما ثَبَتَ بِالإجْماعِ قَدْ يَخْرُجُ مِنَ الضَّرُورِيّاتِ، وكَذا بَراءَةُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ثَبَتَتْ بِالقُرْآنِ، وأدِلَّتُهُ اللَّفْظِيَّةُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلْعِلْمِ، فَتَخْرُجُ عَنِ الضَّرُورِيّاتِ أيْضًا.

وأُجِيبَ بِأنَّ خُرُوجَ ما ثَبَتَ بِالإجْماعِ عَنِ الضَّرُورِيّاتِ مَمْنُوعٌ، والدِّلالَةُ اللَّفْظِيَّةُ تُفِيدُ العِلْمَ بِانْضِمامِ القَرائِنِ، وهي مَوْجُودَةٌ في بَراءَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، ولَقَدْ عَدَّ أصْحابُنا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في بابِ الإكْفارِ أشْياءَ كَثِيرَةً لا أُراها تُوجِبُ إكْفارًا، والإخَراجُ عَنِ المِلَّةِ أمْرٌ لا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، فَيَنْبَغِي الِاتِّئادُ في هَذا البابِ، مَهْما أمْكَنَ، وقَوْلُ ابْنِ الهُمامِ: ارْفُقْ بِالنّاسِ، وفي أبْكارِ الأفْكارِ في هَذا البَحْثِ ما يُقْضى مِنهُ العَجَبُ، ولا أرْغَبُ في طُولٍ بِلا طَوْلٍ، وفُضُولٍ بِلا فَضْلٍ، واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ، ونَحْوَها عَلى حُدُوثِ كَلامِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِاسْتِدْعاءِ صِدْقِ الإخْبارِ بِمِثْلِ هَذا الماضِي سابِقَةَ المُخْبَرِ عَنْهُ، أعْنِي النِّسْبَةَ بِالزَّمانِ، وكُلُّ مَسْبُوقٍ بِالزَّمانِ حادِثٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ سَبْقَ المُخْبَرِ عَنْهُ يَقْتَضِي تَعَلُّقَ كَلامِهِ الأزَلِيِّ بِالمُخْبَرِ عَنْهُ، فاللّازِمُ سَبْقُ المُخْبَرِ عَنْهُ عَلى التَّعَلُّقِ، وحُدُوثِهِ، وهو لا يَسْتَلْزِمُ حُدُوثَ الكَلامِ، كَما في عِلْمِهِ تَعالى بِوُقُوعِ الأشْياءِ، فَإنَّ لَهُ تَعَلُّقًا حادِثًا مَعَ عَدَمِ حُدُوثِهِ، أوْ يُقالُ: إنَّ ذاتَهُ تَعالى وصِفاتِهِ لَمّا لَمْ تَكُنْ زَمانِيَّةً يَسْتَوِي إلَيْها جَمِيعُ الأزْمِنَةِ اسْتِواءَ جَمِيعِ الأمْكِنَةِ، فالأنْواعُ كُلٌّ مِنها حاضِرٌ عِنْدَهُ في مَرْتَبَتِهِ، واخْتِلافُ التَّعْبِيراتِ بِالنَّظَرِ إلى المُخاطَبِ الزَّمانِيِّ رِعايَةً لِلْحِكْمَةِ في بابِ التَّفْهِيمِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وقَدْ ذَكَرْنا في الفائِدَةِ الرّابِعَةِ ما يُفِيدُكَ ذِكْرُهُ هُنا، فَتَذَكَّرْ، (وسَواءٌ) اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى الِاسْتِواءِ وهو لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، وقَدِ اسْتَغْنَوْا عَنْ تَثْنِيَتِهِ بِتَثْنِيَةِ سِيٍّ إلّا شُذُوذًا، وكَأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، كَما قالَهُ الرَّضِيُّ، ورُفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، وما بَعْدَهُ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُسْتَوٍ عَلَيْهِمْ إنْذارُكَ وعَدَمُهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: الأمْرانِ سَواءٌ، ثُمَّ بَيَّنَ الأمْرَيْنِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ﴾ أوْ خَبَرٌ لِما بَعْدَهُ، أيْ إنْذارُكَ وعَدَمُهُ سِيّانِ، وهو المَشْهُورُ عَلى ألْسِنَةِ الطَّلَبَةِ في مِثْلِهِ، وأُورِدَ عَلَيْهِ أُمُورٌ، الأوَّلُ أنَّ الفِعْلَ لا يُسْنَدُ إلَيْهِ، الثّانِي أنَّهُ مُبْطِلٌ لِصَدارَةِ الِاسْتِفْهامِ، الثّالِثُ أنَّ الهَمْزَةَ وأمْ مَوْضُوعانِ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ، وكُلُّ ما يَدُلُّ عَلى الِاسْتِواءِ لا يُسْنَدُ إلّا إلى مُتَعَدِّدٍ، فَلِذا يُقالُ: اسْتَوى وُجُودُهُ وعَدَمُهُ، ولا يُقالُ: أوْ عَدَمُهُ، الرّابِعُ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ خَبَرًا، يَلْزَمُ أنْ لا يَصِحَّ تَقْدِيمُهُ لِالتِباسِ المُبْتَدَإ بِالفاعِلِ، ويُجابُ أمّا عَنِ الأوَّلِ فَبِأنَّهُ مِن جِنْسِ الكَلامِ المَهْجُورِ فِيهِ جانِبُ اللَّفْظِ إلى جانِبِ المَعْنى، والعَرَبُ تَمِيلُ في مَواضِعَ مِن كَلامِهِمْ مَعَ المَعانِي مَيْلًا بَيِّنًا، ومِن ذَلِكَ: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبِ اللَّبَنَ، أيْ لا يُمْكِنُ مِنكَ أكْلُ السَّمَكِ وشُرْبُ اللَّبَنِ، ولَوْ أُجْرِيَ عَلى ظاهِرِهِ لَزِمَ عَطْفُ الِاسْمِ المَنصُوبِ عَلى الفِعْلِ، بَلِ المُفْرَدِ عَلى جُمْلَةٍ لا مَحَلَّ لَها، ودَعْوى البَيْضاوِيِّ بَيَّضَ اللَّهُ تَعالى غُرَّةَ أحْوالِهِ أنَّهُ اسْتُعْمِلَ فِيهِ اللَّفْظُ في جُزْءِ مَعْناهُ، وهو الحَدَثُ تَجَوُّزًا، فَلِذا صَحَّ الإخْبارُ عَنْهُ، كَما يَجُوزُ الإخْبارُ عَمّا يُرادُ بِهِ مُجَرَّدُ لَفْظِهِ، كَضَرَبَ ماضٍ مَفْتُوحُ الباءِ عَلى ما فِيها، لا تَتَأتّى فِيما إذا كانَ المُعادَلانِ أوْ أحَدُهُما بَعْدَ هَمْزَةِ التَّسْوِيَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ ﴾ ويَدْخُلُ في المَيْلِ مَعَ المَعْنى مَعَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الخُرُوجُ عَنِ الحَقِيقَةِ، وقَدْ نَقَلَ ابْنُ جِنِّي عَنْ أبِي عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: الجُمْلَةُ المُرَكَّبَةُ مِنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ تَقَعُ مَوْقِعَ الفِعْلِ المَنصُوبِ بِأنَّ، إذا انْتَصَبَ وانْصَرَفَ القَوْلُ بِهِ، والرَّأْيُ فِيهِ إلى مَذْهَبِ المَصْدَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ ﴾ وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى ﴾ ألا تَرى أنَّ الفاءَ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ، وهي تَصْرِفُ الفِعْلَ بَعْدَها إلى الِانْتِصابِ بِأنْ مُضْمَرَةٍ، والفِعْلُ المَنصُوبُ مَصْدَرٌ لا مَحالَةَ، حَتّى كَأنَّهُ قالَ: أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَرُؤْيَتُهُ، وهَلْ بَيْنَكم شَرِكَةٌ فاسْتِواءٌ، وأمّا عَنِ الثّانِي والثّالِثِ فَبِأنَّ الهَمْزَةَ، وأمِ انْسَلَخا عَنْ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَنْ أحَدِ الأمْرَيْنِ، ولَمّا كانا مُسْتَوِيَيْنِ في عِلْمِ المُسْتَفْهِمِ جُعِلا مُسْتَوِيَيْنِ في تَعَلُّقِ الحُكْمِ بِكِلَيْهِما، ولِهَذا قِيلَ: تُجُوِّزَ بِهِما عَنْ مَعْنى الواوِ العاطِفَةِ الدّالَّةِ عَلى اجْتِماعِ مُتَعاطِفَيْها في نِسْبَةٍ ما، مِن غَيْرِ مُلاحَظَةِ تَقَدُّمٍ أوْ تَأخُّرٍ، ثُمَّ إنَّ مِثْلَ هَذا المَعْنى، وإنْ كانَ مُرادًا، إلّا أنَّهُ لا يُلاحَظُ في عُنْوانِ المَوْضُوعِ بَعْدَ السَّبْكِ، كَما لا يُلاحَظُ مَعْنى العاطِفِ، فَلا يُقالُ في التَّرْجَمَةِ هُنا إلّا: الإنْذارُ وعَدَمُهُ سَواءٌ، مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى التَّساوِي، حَتّى يُقالَ: إذا كانَ تَقْدِيرُ المُبْتَدَإ المُتَساوِيانِ يَلْغُو حَمْلُ سَواءٍ عَلَيْهِ، فَيُدْفَعُ بِما يُدْفَعُ، وقَدْ قالَ الإمامُ الآقُسْرائِيُّ: إنْ أنْذَرَتَهم إلَخِ، انْتَقَلَ عَنْ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ أحَدَهُما إلى أنْ يَكُونَ المُرادُ كِلَيْهِما، وهَذا مَعْنى الِاسْتِواءِ المَوْجُودِ فِيهِ، وأمّا الحُكْمُ بِالِاسْتِواءِ في عَدَمِ النَّفْعِ، فَلَمْ يَحْصُلْ إلّا مِن قَوْلِهِ: ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ﴾ وذُكِرَ أنَّهُ ظَفِرَ بِمِثْلِهِ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وكَلامُ المَوْلى الفَنارِيِّ يَحُومُ حَوْلَ هَذا الحِمى، وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّهُما في الأصْلِ لِلِاسْتِفْهامِ عَنْ أحَدِ الأمْرَيْنِ، وهُما مُسْتَوِيانِ في عِلْمِ المُسْتَفْهِمِ، وقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ الِاسْتِواءُ هُنا إذْ سُلِخَ عَنْهُما الِاسْتِفْهامُ، وبَقِيَ الِاسْتِواءُ في العِلْمِ، وهو مَعْنى قَوْلِ مَن قالَ: الهَمْزَةُ وأمْ مُجَرَّدَتانِ لِمَعْنى الِاسْتِواءِ، فَيَكُونُ الحاصِلُ فِيما نَحْنُ فِيهِ المُتَساوِيانِ في عِلْمِكَ، مُسْتَوِيانِ في عَدَمِ الجَدْوى، وهَذا عَلى ما فِيهِ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِما ذَكَرْناهُ، ومِثْلُهُ ما ذَكَرَ العامِلِيُّ مِن أنَّ تَمامَ مَعْناهُما الِاسْتِواءُ، والِاسْتِفْهامُ مَعًا، فَجُرِّدا عَنْ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ وصارَ المُجَرَّدُ الِاسْتِواءَ، ولِتَكَرُّرِ الحُكْمِ بِالِاسْتِواءِ بِمَعْنًى واحِدٍ يَحْصُلُ التَّأْكِيدُ، كَأنَّهُ قِيلَ: سَواءٌ الإنْذارُ وعَدَمُهُ سَواءٌ، وهو بَعِيدٌ عَنْ ساحَةِ التَّحْقِيقِ كَما لا يَخْفى، ويُوهِمُ قَوْلُهم بِالتَّجْرِيدِ أنْ هُناكَ مَجازًا مُرْسَلًا اسْتُعْمِلَ فِيهِ الكُلُّ في جُزْئِهِ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ إمّا اسْتِعارَةٌ أوْ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ، ثُمَّ المَشْهُورُ أنَّهُ لا يَجُوزُ العَطْفُ بَعْدَ سَواءٍ بَأوْ، إنْ كانَ هُناكَ هَمْزَةُ التَّسْوِيَةِ حَتّى قالَ في المُغْنِي: إنَّهُ مِن لَحْنِ الفُقَهاءِ، وفي شَرْحِ الكِتابِ لِلسِّيرافِيِّ: (سَواءٌ) إذا دَخَلَتْ بَعْدَها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ لَزِمَتْ (أمْ)، كَسَواءٍ عَلَيَّ أقُمْتَ أمْ قَعَدْتَ، فَإذا عُطِفَ بَعْدَها أحَدُ اسْمَيْنِ عَلى آخَرَ عُطِفَ بِالواوِ لا غَيْرُ، نَحْوُ: سَواءٌ عِنْدِي زَيْدٌ وعَمْرٌو، فَإذا كانَ بَعْدَها فِعْلانِ بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ عُطِفَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بَأوْ، كَقَوْلِكَ: سَواءٌ عَلَيَّ قُمْتَ أوْ قَعَدْتَ، فَإنْ كانَ بَعْدَها مَصْدَرانِ، مِثْلُ: سَواءٌ عَلَيَّ قِيامُكَ وقُعُودُكَ، فَلَكَ العَطْفُ بِالواوِ وبَأوْ، وإنَّما دَخَلَتْ في الفِعْلَيْنِ بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ لِما في ذَلِكَ مِن مَعْنى المُجازاةِ، فَتَقْدِيرُ المِثالِ: إنْ قُمْتَ أوْ قَعَدْتَ فَهُما عَلَيَّ سَواءٌ، والظّاهِرُ مِن هَذا بَيانُ اسْتِعْمالاتِ العَرَبِ لِسَواءٍ، ولَمْ يَحُكَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ شُذُوذًا، فَقِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ مِن طَرِيقِ الزَّعْفَرانِيِّ: (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أنْذَرْتَهم أوْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) شاذَّةٌ رِوايَةً فَقَطْ، لا اسْتِعْمالًا، كَما يُفْهِمُهُ كَلامُ ابْنِ هِشامٍ فافْهَمْ هَذا المَقامَ، فَقَدْ غَلِطَ فِيهِ أقْوامٌ بَعْدَ أقْوامٍ، وأمّا عَنِ الرّابِعِ فَبِأنَّ النُّحاةَ قَدْ صَرَّحُوا بِتَخْصِيصِ ذَلِكَ بِالخَبَرِ الفِعْلِيِّ دُونَ الصِّفَةِ نَحْوَ: زَيْدٌ قامَ، فَلا يُقَدَّمُ لِالتِباسِ المُبْتَدَإ بِالفاعِلِ حِينَئِذٍ، فَإذا لَمْ يَمْتَنِعْ في صَرِيحِ الصِّفَةِ، فَعَدَمُ امْتِناعِهِ هُنا أوْلى عَلى ما قِيلَ، وإنَّما عَدَلَ سُبْحانَهُ عَنِ المَصْدَرِ فَلَمْ يَأْتِ بِهِ عَلى الأصْلِ لِوَجْهَيْنِ، لَفْظِيٍّ، وهو حُسْنُ دُخُولِ الهَمْزَةِ وأمْ، لِأنَّهُما في الأصْلِ لِلِاسْتِفْهامِ، وهو بِالفِعْلِ أوْلى، ومَعْنَوِيٍّ، وهو إيهامُ التَّجَدُّدِ نَظَرًا لِظاهِرِ الصِّيغَةِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أحَدَثَ ذَلِكَ، وأوْجَدَهُ، فَأدّى الأمانَةَ، وبَلَّغَ الرِّسالَةَ، وإنَّما لَمْ يُؤْمِنُوا لِسَبْقِ الشَّقاءِ ودَرْكِ القَضاءِ، لا لِتَقْصِيرٍ مِنهُ، وحاشاهُ، فَهو وإنْ أفادَ اليَأْسَ، فِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، (وعَلى) هُنا بِاعْتِبارِ أصْلِ مَعْناهُ، لِأنَّ الِاسْتِواءَ يَتَعَدّى بِعَلى كَقَوْلِهِ تَعالى: ”اسْتَوى عَلى العَرْشِ“ وقِيلَ بِمَعْنى عِنْدَ، فَفي المُغْنِي: (عَلى) تُجَرَّدُ لِلظَّرْفِيَّةِ، وعَلى ذَلِكَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، والقَوْلُ بِأنَّها هُنا لِلْمَضَرَّةِ كَدُعاءٍ عَلَيْهِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ (سَواءً) تُسْتَعْمَلُ مَعَ (عَلى) مُطْلَقًا فَيُقالُ: مَوَدَّتِي دائِمَةٌ سَواءٌ عَلَيَّ أزُرْتَ أمْ لَمْ تَزُرْ، والإنْذارُ التَّخْوِيفُ مُطْلَقًا، أوِ الإبْلاغُ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في تَخْوِيفِ عَذابِ اللَّهِ تَعالى، ويَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا ﴾ ﴿ فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً ﴾ فالمَفْعُولُ الثّانِي هُنا مَحْذُوفٌ، أيِ العَذابَ ظاهِرًا ومُضْمَرًا، واسْتُحْسِنَ أنْ لا يُقَدَّرَ لِيَعُمَّ، وفي البَحْرِ: الإنْذارُ الإعْلامُ مَعَ التَّخْوِيفِ في مُدَّةٍ تَسَعُ التَّحَفُّظَ مِنَ المُخَوِّفِ، فَإنْ لَمْ تَسْعَ، فَهو إشْعارٌ وإخْبارٌ، لا إنْذارٌ، ولَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ البِشارَةَ لِأنَّها تُفْهَمُ بِطَرِيقِ دِلالَةِ النَّصِّ لِأنَّ الإنْذارَ أوْقَعُ في القَلْبِ، وأشَدُّ تَأْثِيرًا، فَإذا لَمْ يَنْفَعْ كانَتِ البِشارَةُ بِعَدَمِ النَّفْعِ أوْلى، وقِيلَ: لا مَحَلَّ لِلْبِشارَةِ هُنا، لِأنَّ الكافِرَ لَيْسَ أهْلًا لَها، وقَوْلُهُ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِإجْمالِ ما قَبْلَها، مِمّا فِيهِ الِاسْتِواءُ، والكُفْرُ وعَدَمُ نَفْعِ الإنْذارِ في الماضِي بِحَسَبِ الظّاهِرِ مَسْكُوتٌ فِيهِ عَنِ الِاسْتِمْرارِ، و ﴿ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ دالٌّ عَلَيْهِ ومُبَيِّنٌ لَهُ، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ هَذا بِالنَّظَرِ إلى مَفْهُومِ اللَّفْظِ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أنَّهُ إخْبارٌ عَنِ المُصِرِّينَ، وهي حِينَئِذٍ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، كَما هو شَأْنُ الجُمَلِ المُفَسِّرَةِ، وعِنْدَ الشَّلَوْبِينِ: لَها مَحَلٌّ لِأنَّها عَطْفُ بَيانٍ عِنْدَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ حالًا مُؤَكِّدَةً لِما قَبْلَها، وصاحِبُ الحالِ ضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) أوْ (أنْذَرْتَهُمْ)، ولَيْسَ هَذا كَــزَيْدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، لِفَقْدِ ما يُشْتَرَطُ في هَذا النَّوْعِ ها هُنا، وأنْ تَكُونَ بَدَلًا، إمّا بَدَلَ اشْتِمالٍ لِاشْتِمالِ عَدَمِ نَفْعِ ما مَرَّ عَلى عَدَمِ الإيمانِ، أوْ بَدَلَ كُلٍّ لِأنَّهُ عَيَّنَهُ بِحَسَبِ المَآلِ، أوْ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ هم لا يُؤْمِنُونَ، أوْ خَبَرَ إنَّ، والجُمْلَةُ قَبْلَها اعْتِراضٌ، وفي التَّسْهِيلِ: الِاعْتِراضِيَّةُ هي المُفِيدَةُ تَقْوِيَةً، وهي هُنا كالعِلَّةِ لِلْحُكْمِ لِدِلالَتِها عَلى قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ، وعَدَمِ تَأثُّرِها بِالإنْذارِ، وهو مُقْتَضٍ لِعَدَمِ الإيمانِ، وحَيْثُ إنَّ المَوْضُوعَ دالٌّ عَلى عَدَمِ الإيمانِ في الماضِي، والمَحْمُولُ عَلى اسْتِمْرارِهِ في المُسْتَقْبَلِ، انْدَفَعَ تَوَهُّمُ عَدَمِ الفائِدَةِ في الإخْبارِ، وجَعْلُ الجُمْلَةَ دُعائِيَّةً بَعِيدٌ وأبْعَدُ مِنهُ ما رُوِيَ أنَّ الوَقْفَ عَلى: أمْ لَمْ تُنْذِرْ، والِابْتِداءُ بِـ: هم لا يُؤْمِنُونَ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرٌ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: (سَواءٌ) بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، فَيَجُوزُ أنَّهُ أخَلَصَ الواوَ، ويَجُوزُ أنَّهُ جَعَلَ الهَمْزَةَ بَيْنَ بَيْنَ، أيْ بَيْنَ الهَمْزَةِ والواوِ، وعَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قَرَأ: (سُوءٌ عَلَيْهِمْ) بِضَمِّ السِّينِ مَعَ واوٍ بَعْدَها، فَهو عُدُولٌ عَنْ مَعْنى المُساواةِ إلى السَّبِّ والقُبْحِ، وعَلَيْهِ لا تَعَلُّقَ إعْرابِيًّا لَهُ بِما بَعْدَهُ، كَما في البَحْرِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ ذَكْوانَ وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ: (أأنْذَرْتَهُمْ) بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وهو الأصْلُ، وأهْلُ الحِجازِ لا يَرَوْنَ الجَمْعَ بَيْنَهُما طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ، فَقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ بِتَحْقِيقِ الأُولى، وتَسْهِيلِ الثّانِيَةِ إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو، وقالُونَ، وإسْماعِيلَ بْنَ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ، وهِشامٍ يُدْخِلُونَ بَيْنَهُما ألِفًا، وابْنُ كَثِيرٍ لا يُدْخِلُ، ورُوِيَ تَحْقِيقُهُما عَنْ هِشامٍ مَعَ إدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ أبِي إسْحاقَ، ورُوِيَ عَنْ ورْشٍ كابْنِ كَثِيرٍ وكَقالُونَ إبْدالُ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ ألِفًا، فَيَلْتَقِي ساكِنانِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِما عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ ذَلِكَ لَحْنٌ، وخُرُوجٌ عَنْ كَلامِ العَرَبِ مِن وجْهَيْنِ أحَدُهُما الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ، الثّانِي أنَّ طَرِيقَ تَخْفِيفِ الهَمْزَةِ المُتَحَرِّكَةِ المَفْتُوحِ ما قَبْلَها هو بِالتَّسْهِيلِ بَيْنَ بَيْنَ، لا بِالقَلْبِ ألِفًا، لِأنَّهُ طَرِيقُ الهَمْزَةِ السّاكِنَةِ، وما قالُوهُ مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، والكُوفِيُّونَ أجازُوا الجَمْعَ عَلى غَيْرِ الحَدِّ الَّذِي أجازَهُ البَصْرِيُّونَ، وهَذِهِ القِراءَةُ مِن قَبِيلِ الأداءِ، ورِوايَةُ المِصْرِيِّينَ عَنْ ورْشٍ وأهْلِ بَغْدادَ يَرْوُونَ التَّسْهِيلَ بَيْنَ بَيْنَ كَما هو القِياسُ، فَلا يَكُونُ الطَّعْنُ فِيها طَعْنًا فِيما هو مِنَ السَّبْعِ المُتَواتِرِ، إلّا أنَّ المُعْتَزِلِيَّ أساءَ الأدَبَ في التَّعْبِيرِ، وقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها مَن قالَ بِوُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِالمُمْتَنِعِ لِذاتِهِ بِناءً عَلى أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ ناسٌ بِأعْيانِهِمْ، وحاصِلُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أخْبَرَ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وأمَرَهم بِالإيمانِ، وهو مُمْتَنِعٌ، إذْ لَوْ كانَ مُمْكِنًا لَما لَزِمَ مِن فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحالٌ، لَكِنَّهُ لازِمٌ إذْ لَوْ آمَنُوا انْقَلَبَ خَبَرُهُ كَذِبًا، وشَمِلَ إيمانَهُمُ الإيمانُ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، لِكَوْنِهِ مِمّا جاءَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإيمانُهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ فَرْعُ اتِّصافِهِمْ بِعَدَمِ الإيمانِ، فَيَلْزَمُ اتِّصافُهم بِالإيمانِ، وعَدَمِ الإيمانِ، فَيَجْتَمِعُ الضِّدّانِ، وكِلا الأمْرَيْنِ مِنِ انْقِلابِ خَبَرِهِ تَعالى كَذِبًا، واجْتِماعُ الضِّدَّيْنِ مُحالٌ، وما يَسْتَلْزِمُ المُحالَ مُحالٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ إيمانَهم لَيْسَ مِنَ المُتَنازَعِ فِيهِ، لِأنَّهُ أمْرٌ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ، وبِإخْبارِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِعَدَمِ الإيمانِ لا يَخْرُجُ مِنَ الإمْكانِ، غايَتُهُ أنَّهُ يَصِيرُ مُمْتَنِعًا بِالغَيْرِ، واسْتِلْزامُ وُقُوعِهِ الكَذِبَ أوِ اجْتِماعُ الضِّدَّيْنِ بِالنَّظَرِ إلى ذَلِكَ، لِأنَّ إخْبارَهُ تَعالى بِوُقُوعِ الشَّيْءِ، أوْ عَدَمِ وُقُوعِهِ لا يَنْفِي القُدْرَةَ عَلَيْهِ، ولا يُخْرِجُهُ مِنَ الإمْكانِ الذّاتِيِّ لِامْتِناعِ الِانْقِلابِ، وإنَّما يَنْفِي عَدَمَ وُقُوعِهِ، أوْ وُقُوعَهُ، فَيَصِيرُ مُمْتَنِعًا بِالغَيْرِ، واللّازِمُ لِلْمُمْكِنِ أنْ لا يَلْزَمَ مِن فَرْضِ وُقُوعِهِ نَظَرًا إلى ذاتِهِ مُحالٌ، وأمّا بِالنَّظَرِ إلى امْتِناعِهِ بِالغَيْرِ، فَقَدْ يَسْتَلْزِمُ المُمْتَنِعُ بِالذّاتِ كاسْتِلْزامِ عَدَمِ المَعْلُولِ الأوَّلِ عَدَمَ الواجِبِ، وقِيلَ في بَيانِ اسْتِحالَةِ إيمانِهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أنَّهُ تَكْلِيفٌ بِالنَّقِيضَيْنِ، لِأنَّ التَّصْدِيقَ في الإخْبارِ لا يُصَدِّقُونَهُ في شَيْءٍ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ تَصْدِيقِهِمْ في ذَلِكَ، والتَّكْلِيفُ بِالشَّيْءِ تَكْلِيفٌ بِلَوازِمِهِ، وقُوبِلَ بِالمَنعِ لا سِيَّما اللَّوازِمُ العَدَمِيَّةُ.

وقِيلَ: لِأنَّ تَصْدِيقَهم في أنْ لا يَصْدِّقُوهُ، يَسْتَلْزِمُ أنْ لا يُصَدِّقُوهُ، وما يَسْتَلْزِمُ وُجُودُهُ عَدَمَهُ مُحالٌ، ورُدَّ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الِاسْتِلْزامُ لِامْتِناعِهِ بِالغَيْرِ، كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ، وقِيلَ: لِأنَّ إذْعانَ الشَّخْصِ بِخِلافِ ما يَجِدُ في نَفْسِهِ مُحالٌ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ لا يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى العِلْمَ بِتَصْدِيقِهِ، فَيُصَدِّقُهُ في أنْ لا يُصَدِّقَهُ، نَعَمْ إنَّهُ خِلافُ العادَةِ لَكِنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُمْتَنِعِ بِالذّاتِ، كَذا قِيلَ، ولا يَخْلُو المَقامُ بَعْدُ عَنْ شَيْءٍ، وأيُّ شَيْءٍ والبَحْثُ طَوِيلٌ، واسْتِيفاؤُهُ هُنا كالتَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ، وسَيَأْتِيكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَلى أتَمِّ وجْهٍ.

ثُمَّ فائِدَةُ الإنْذارِ بَعْدَ العِلْمِ بِأنَّهُ لا يُثْمِرُ اسْتِخْراجَ سِرِّ ما سَبَقَ بِهِ العِلْمُ التّابِعُ لِلْمَعْلُومِ مِنَ الطَّوْعِ والإباءِ في المُكَلَّفِينَ، ﴿ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ أدْخَلَ ابْتِداءً كُلًّا دارَهُ الَّتِي سَبَقَ العِلْمُ بِأنَّها دارُهُ، لَكانَ شَأْنُ المُعَذَّبِ مِنهم ما وصَفَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى ﴾ فَأرْسَلَ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، لِيَسْتَخْرِجَ ما في اسْتِعْدادِهِمْ مِنَ الطَّوْعِ والإباءِ، ﴿ لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ، وتَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلى الآخَرِينَ، إذْ بَعْدَ الذِّكْرى وتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ تَتَحَرَّكُ الدَّواعِي لِلطَّوْعِ والإباءِ بِحَسَبِ الِاسْتِعْدادِ الأزَلِيِّ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الفِعْلُ، أوِ التَّرْكُ بِالمَشِيئَةِ السّابِقَةِ التّابِعَةِ لِلْعِلْمِ لِلْمَعْلُومِ الثّابِتِ الأزَلِيِّ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ النَّفْعُ والضُّرُّ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وإنَّما قامَتِ الحُجَّةُ عَلى الكافِرِ لِأنَّ ما امْتَنَعَ مِنَ الإتْيانِ بِهِ بَعْدَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ وظُهُورِ المُعْجِزَةِ مِنَ الإيمانِ لَوْ كانَ مُمْتَنِعًا لِذاتِهِ مُطْلَقًا لَما وقَعَ مِن أحَدٍ، لَكِنَّهُ قَدْ وقَعَ، فَعَلِمَ أنَّ عَدَمَ وُقُوعِهِ مِنهُ كانَ عَنْ إباءٍ ناشِئٍ مِنِ اسْتِعْدادِهِ الأزَلِيِّ بِاخْتِيارِهِ السَّيِّئِ، وإنْ كانَ إباؤُهُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى بِهِ فَإنَّ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى تابِعٌ لِمَشِيئَتِهِ التّابِعَةِ لِعِلْمِهِ التّابِعِ لِلْمَعْلُومِ، والمَعْلُومُ مِن حَيْثُ ثُبُوتُهُ الأزَلِيُّ غَيْرُ مَجْعُولٍ، فَتَعَلَّقَ العِلْمُ بِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ، في ثُبُوتِهِ الغَيْرِ المَجْعُولِ مِمّا يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ الأزَلِيُّ، ثُمَّ الإرادَةُ تَعَلَّقَتْ بِتَخْصِيصِ ما سَبَقَ العِلْمُ بِهِ مِن مُقْتَضى اسْتِعْدادِهِ الأزَلِيِّ، فَأبْرَزَتْهُ القُدْرَةُ عَلى طِبْقِ الإرادَةِ قالَ تَعالى: ﴿ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ﴾ فَلِهَذا قالَ: ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ ﴾ لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ، إذْ لَمْ يَسْبِقْ بِهِ العِلْمُ لِكَوْنِهِ كاشِفًا لِلْمَعْلُومِ، وما في اسْتِعْدادِهِ الأزَلِيِّ، فالمَعْلُومُ المُسْتَعِدُّ لِلْهِدايَةِ في نَفْسِهِ كَشَفَهُ عَمّا هو عَلَيْهِ مِن قَبُولِهِ لَها، والمُسْتَعِدُّ لِلْغَوايَةِ تَعَلَّقَ بِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن عَدَمِ قَبُولِهِ لَها، فَلَمْ يَشَأْ إلّا ما سَبَقَ بِهِ العِلْمُ مِن مُقْتَضَياتِ الِاسْتِعْدادِ، فَلَمْ تَبْرُزِ القُدْرَةُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَصَحَّ أنَّ لِلَّهِ الحُجَّةَ البالِغَةَ سُبْحانَهُ، إذا نُوزِعَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ ﴿ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ﴾ وما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ وما نَقَصَ مِنهُ شَيْئًا، ولِهَذا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(فَمَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ)،» فَإنَّ اللَّهَ مُتَفَضِّلٌ بِالإيجادِ، لا واجِبَ عَلَيْهِ، «(ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ)،» لِأنَّهُ ما أبْرَزَ قُدْرَتَهُ بِجُودِهِ ورَحْمَتِهِ مِمّا اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ مِنَ الأمْرِ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ لَهُ، إلّا لِكَوْنِهِ مُقْتَضى اسْتِعْدادِهِ، فالحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ، ونَعُوذُ بِهِ مِن أحْوالِ أهْلِ الزَّيْغِ والضَّلالِ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: عَلَيْكَ، لِأنَّ الإنْذارَ وعَدَمَهُ لَيْسا سَواءً لَدَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِفَضِيلَةِ الإنْذارِ الواجِبِ عَلَيْهِ، عَلى تَرْكِهِ، وإذا أُرِيدَ بِالمَوْصُولِ ناسٌ مُعَيَّنُونَ عَلى أنَّهُ تَعْرِيفٌ عَهْدِيٌّ كَما مَرَّ، كانَ فِيهِ مُعْجِزَةٌ لِإخْبارِهِ بِالغَيْبِ، وهو مَوْتُ أُولَئِكَ عَلى الكُفْرِ، كَما كانَ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إن هاهنا للتأكيد وهو حرف من حروف القسم.

والكفر في اللغة: هو الستر، يقال: ليلة كافرة إذا كانت شديدة الظلمة وإنما سمي الكافر كافراً، لأنه يستر نعم الله تعالى.

وقوله عز وجل: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ قرأ أهل الكوفة وعاصم وحمزة والكسائي أَأَنْذَرْتَهُمْ بهمزتين، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو في رواية هشام بهمزة واحدة مع المد أَنْذَرْتَهُمْ وتفسير القراءتين لا يختلف.

قال مقاتل: نزلت هذه الآية في مشركي قريش، منهم: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل وغيرهم.

وقال الكلبي: نزلت في رؤساء اليهود منهم: كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، وأبو ياسر بن أخطب.

قال الكلبي: وليس هو بأخي حيي.

وقال بعضهم هو أخو حيي دخلوا على النبي  حيث سألوه عن الم والمص ثم خرجوا من عنده فنزل قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي جحدوا بالقرآن سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ يعني خوفتهم أو لم تخوفهم لاَ يُؤْمِنُونَ أي لا يصدقون.

فإن قيل: إذا علم أنهم لا يؤمنون، فما معنى دعوتهم إلى الإسلام؟

قيل له: لأن في الدعوة زيادة الحجة عليهم، كما إن الله تعالى بعث موسى إلى فرعون ليدعوه إلى الإسلام وعلم أنه لا يؤمن.

وجواب آخر: أن الآية خاصة، وليست بعامة، وإنما أراد به بعض الكفار الذين ثبتوا على كفرهم، كما روي عن صفية بنت حيي بن أخطب قالت: رجع أبي وعمي من عند رسول الله  ، فقال أحدهما لصاحبه: ما ترى في هذا الرجل؟

فقال: إنه نبي، فقال: ما رأيك في اتباعه؟

فقال: رأيي أن لا أتبعه، وأن أظهر له العداوة إلى الموت.

فلم نزلت الآية في شأن مثل هؤلاء الذين قد ظهر لهم الحق وكانوا لا يؤمنون.

فقال: أَأَنْذَرْتَهُمْ.

وأصل الإنذار هو الإعلام، يعني خوفتهم بالنار، وأعلمتهم بالعذاب أو لم تعلمهم، فهو سواء ولا يصدقونه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

به، حلالا كان أو حراما، ويُنْفِقُونَ: معناه هنا: يؤْتُونَ ما ألزمهُمُ الشرعُ من زكاةٍ، وما ندبهم إِلَيْهِ من غير ذلك.

قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: اختلف المتأوِّلون من المراد بهذه الآية والتي قبلها، فقال قوم: الآيتان جميعاً في جميع المؤمنينَ، وقال آخرون: هما في مُؤْمِنِي أهْلِ الكتاب، وقال آخرون: الآية الأولى في مُؤْمِنِي العربِ، والثانيةُ في مؤمني أهل الكتاب كعبد الله بن سلام «١» وفيه نزلت.

وقوله: بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ: يعني القرآن، وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، يعني: الكتب السالفة، ويُوقِنُونَ معناه: يعلَمُونَ عِلْماً متمكِّناً في نفوسهم، واليقين أعلى درجات العلم.

وقوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ إِشارة إِلى المذكورين، والهدى هنا:

الإِرشاد، والفلاحُ: الظَّفَر بالبغية، وإدراك الأمل.

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ ...

إلى عَظِيمٌ: اختلف فيمن نزلَتْ هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامَّة لوجود الكفار قد أسلموا بعدها، فقال قوم: هي فيمن سبق في علْمِ اللَّه، أنه لا يؤمِنُ، وقال ابن عَبَّاسٍ: نزَلَتْ في حُيَيٍّ بْنِ أَخْطَبَ، وأَبِي ياسِرِ بنِ أَخْطَبَ، وكعب بن الأَشْرَفِ «١» ، ونظرائهم «٢» .

والقولُ الأول هو المعتمد عليه.

وقوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ معناه: معتدلٌ عندهم، والإِنذار: إعلام بتخويف، هذا حدُّه، وقوله تعالى: خَتَمَ: مأخوذ من الخَتْم، وهو الطبعُ، والخاتَمُ: الطابَعُ قال في مختصر الطبريِّ: والصحيح أن هذا الطبع حقيقة «٣»

لا أنه مجاز «١» فقد جاء عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم: «إنَّ العَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْباً، نُكِتَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ، وَنَزَعَ واستغفر، صُقِلَ «٢» قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ، زَادَتْ حتى تَغَلَّقَ قلبه، فذلك

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ في نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في قادَةِ الأحْزابِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ وخَمْسَةٍ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ ومِنهم حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، قالَهُ: ابْنُ السّائِبِ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي العَرَبِ، كَأبِي جَهْلٍ وأبِي طالِبٍ، وأبِي لَهَبٍ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُسْلِمْ.

قالَ مُقاتِلٌ: فَأمّا تَفْسِيرُها، فالكُفْرُ في اللُّغَةِ: التَّغْطِيَةُ.

تَقُولُ: كَفَرْتُ الشَّيْءَ إذا غَطَّيْتُهُ، فَسُمِّيَ الكافِرُ كافِرًا؛ لِأنَّهُ يُغَطِّي الحَقَّ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: مُتَعادِلٌ عِنْدَهُمُ الإنْذارُ وتَرْكُهُ، والإنْذارُ: إعْلامٌ مَعَ تَخْوِيفٍ، وتَناذَرَ بَنُو فُلانٍ هَذا الأمْرَ: إذا خَوَّفَهُ بَعْضُهم بَعْضًا.

قالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: هَذِهِ الآيَةُ ورَدَتْ بِلَفْظِ العُمُومِ، والمُرادُ بِها الخُصُوصُ؛ لِأنَّها آَذَنَتْ بِأنَّ الكافِرَ حِينَ إنْذارِهِ لا يُؤْمِنُ، وقَدْ آَمَنَ كَثِيرٌ مِنَ الكُفّارِ عِنْدَ إنْذارِهِمْ، ولَوْ كانَتْ عَلى ظاهِرِها في العُمُومِ، لَكانَ خَبَرُ اللَّهِ لَهم خِلافَ مُخْبِرِهِ، ولِذَلِكَ وجَبَ نَقْلُها إلى الخُصُوصِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ مَعْنى الكُفْرِ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: كَفْرٌ إذا غَطّى وسَتَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ......................................

في لَيْلَةِ كَفْرِ النُجُومِ غَمامُها أيْ: سَتْرُها، ومِنهُ سُمِّيَ اللَيْلُ كافِرًا لِأنَّهُ يُغَطِّي كُلَّ شَيْءٍ بِسَوادِهِ، قالَ الشاعِرُ: فَتَذْكُرُ ثِقْلًا رَثِيدًا بَعْدَ ما ∗∗∗ ألْقَتْ ذَكاءَ يَمِينِها في كافِرٍ ومِنهُ قِيلَ لِلزُّرّاعِ: كُفّارٌ، لِأنَّهم يُغَطُّونَ الحَبَّ.

فـَ "كَفَرَ" في الدِينِ مَعْناهُ: غَطّى قَلْبَهُ بِالرَيْنِ عَنِ الإيمانِ، أو غَطّى الحَقَّ بِأقْوالِهِ وأفْعالِهِ.

واخْتَلَفَ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ الِاتِّفاقِ عَلى أنَّها غَيْرُ عامَّةٍ، لِوُجُودِ الكُفّارِ قَدْ أسْلَمُوا بَعْدَها، فَقالَ قَوْمٌ: هي فِيمَن سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَعْلَمَ أنَّ في الناسِ مَن هَذِهِ حالُهُ دُونَ أنْ يُعِينَ أحَدٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، وأبِي ياسِرِ بْنِ أخْطَبَ، وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ ونُظَرائِهِمْ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: نَزَلَتْ في قادَةِ الأحْزابِ وهم أهْلُ القَلِيبِ بِبَدْرٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَكَذا حُكِيَ هَذا القَوْلُ، وهو خَطَأٌ، لِأنَّ قادَةَ الأحْزابِ قَدْ أسْلَمَ كَثِيرٌ مِنهُمْ، وإنَّما تَرْتِيبُ الآيَةِ في أصْحابِ القَلِيبِ، والقَوْلُ الأوَّلُ مِمّا حَكَيْناهُ هو المُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وكُلُّ مَن عَيَّنَ أحَدًا فَإنَّما مُثِّلَ بِمَن كَشَفَ الغَيْبُ -بِمَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ- أنَّهُ في ضِمْنِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ ﴾ ، ومَعْناهُ: مُعْتَدِلٌ عِنْدَهُمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَيْلٌ يَقُولُ الناسُ مِن ظُلُماتِهِ ∗∗∗ سَواءٌ صُحَيْحاتُ العُيُونِ وعَوَرُها قالَ أبُو عَلِيٍّ: في اللَفْظَةِ أرْبَعُ لُغاتٍ: سِوى "بِكَسْرِ السِينِ"، وسَواءِ "بِفَتْحِها والمَدِّ"، وهاتانِ لُغَتانِ مَعْرُوفَتانِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَكْسِرُ السِينَ ويَمُدُّ، ومِنهم مَن يَضُمُّ أوَّلَهُ ويَقْصُرُهُ، وهاتانِ اللُغَتانِ أقَلُّ مِن تِينِكَ، ويُقالُ: سِيِّي بِمَعْنى سَواءٌ كَما قالُوا: قِي، وقِواءٍ".

و"سَواءٌ" رُفِعَ عَلى خَبَرِ إنَّ، أو رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ فِيما بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرُ إنَّ "لا يُؤْمِنُونَ".

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: "آنْذَرْتَهُمْ" بِهَمْزَةٍ مُطَوَّلَةٍ، وكَذَلِكَ ما أشْبَهَ ذَلِكَ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وكَذَلِكَ كانَتْ قِراءَةُ الكِسائِيُّ إذا خَفَّفَ، غَيْرَ أنَّ مَدَّ أبِي عَمْرٍو أطْوَلُ مِن مَدِّ ابْنِ كَثِيرٍ لِأنَّهُ يُدْخِلُ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ ألِفًا، وابْنُ كَثِيرٍ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ، ورَوى قالُونُ، وإسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عن نافِعٍ إدْخالَ الألْفِ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ مَعَ تَخْفِيفِ الثانِيَةِ، ورَوى عنهُ ورْشٌ تَخْفِيفَ الثانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ دُونَ إدْخالِ ألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ، فَأمّا عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ -إذا حَقَّقَ- وابْنُ عامِرٍ، فَبِالهَمْزَتَيْنِ "أأنْذَرْتَهُمْ"، وما كانَ مِثْلُهُ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ وإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ "أنْذَرَتْهُمْ" بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الأُولى، وتَدُلُّ "أمْ" عَلى الألِفِ المَحْذُوفَةِ.

وكَثُرَ مَكِّيُّ في هَذِهِ الآيَةِ بِذِكْرِ جائِزاتٍ لَمْ يَقْرَأْ بِها، وحِكايَةُ مِثْلِ ذَلِكَ في كُتُبِ التَفْسِيرِ عَناءٌ.

والإنْذارُ إعْلامٌ بِتَخْوِيفٍ، هَذا حَدُّهُ، وأنْذَرَتْ فِعْلٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً عادٍ وثَمُودَ  ﴾ وقالَ: ﴿ إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا  ﴾ وأحَدُ المَفْعُولَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ الخَبَرُ، وإنَّما جَرى عَلَيْهِ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ لِأنَّ فِيهِ التَسْوِيَةَ الَّتِي هي في الِاسْتِفْهامِ، ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ مُخْبِرًا: سَواءٌ عَلَيَّ أقْعَدْتَ أمْ ذَهَبْتَ، وإذا قُلْتَ مُسْتَفْهِمًا: أخَرَجَ زَيْدٌ أمْ قامَ؟

فَقَدِ اسْتَوى الأمْرانِ عِنْدَكَ، هَذانَ في الخَبَرِ، وهَذانَ في الِاسْتِفْهامِ، وعَدَمُ عِلْمِ أحَدِهِما بِعَيْنِهِ، فَلَمّا عَمَّتْهُما التَسْوِيَةُ جَرى عَلى هَذا الخَبَرِ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ لِمُشارَكَتِهِ إيّاهُ في الإبْهامِ، وكُلُّ اسْتِفْهامٍ تَسْوِيَةٌ، وإنْ لَمْ تَكُنْ كُلُّ تَسْوِيَةٍ اسْتِفْهامًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَتَمَ اللهُ ﴾ مَأْخُوذٌ مِنَ الخَتْمِ وهو الطَبْعُ، والخاتَمُ الطابَعُ، وذَهَبَتْ طائِفَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ ذَلِكَ عَلى الحَقِيقَةِ، وأنَّ القَلْبَ عَلى هَيْئَةِ الكَفِّ يَنْقَبِضُ مَعَ زِيادَةِ الضَلالِ والإعْراضِ إصْبَعًا إصْبَعًا، وقالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ عَلى المَجازِ، وأنَّ ما اخْتَرَعَ اللهُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والضَلالِ والإعْراضِ عَنِ الإيمانِ سَمّاهُ خَتْمًا.

وقالَ آخَرُونَ مِمَّنْ حَمَلَهُ عَلى المَجازِ: الخَتْمُ هُنا أُسْنِدَ إلى اللهِ تَعالى لَمّا كَفَرَ الكافِرُونَ بِهِ، وأعْرَضُوا عن عِبادَتِهِ وتَوْحِيدِهِ، كَما يُقالُ: أهْلَكَ المالُ فُلانًا، وإنَّما أهْلَكَهُ سُوءُ تَصَرُّفِهِ فِيهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "وَعَلى سَمْعِهِمْ"، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَعَلى أسْماعِهِمْ"، وهو في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَصْدَرٌ يَقَعُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، وأيْضًا فَلَمّا أُضِيفَ إلى ضَمِيرِ جَماعَةٍ دَلَّ المُضافُ إلَيْهِ عَلى المُرادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلى مَواضِعِ سَمْعِهِمْ فَحُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ.

و"الغِشاوَةُ": الغِطاءُ المَغْشِيُّ الساتِرُ.

ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: هَلّا سَألْتَ بَنِي ذُبْيانَ ما حَسْبِي ∗∗∗ إذا الدُخانُ تَغَشّى الأشْمَطَ البَرِما وقالَ الآخَرُ: تَبِعْتُكَ إذْ عَيْنِي عَلَيْها غِشاوَةٌ ∗∗∗ فَلَمّا انْجَلَتْ قَطَعْتُ نَفَسِي ألُومُها ورَفْعُ "غِشاوَةٌ" عَلى الِابْتِداءِ، وما قَبْلُهُ خَبَرُهُ.

وقَرَأ عاصِمٌ فِيما رَوى المُفَضَّلُ الضَبِّيُّ عنهُ "غِشاوَةً" بِالنَصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: وجَعَلَ عَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةً، والخَتْمُ -عَلى هَذا التَقْدِيرِ- في القُلُوبِ والأسْماعِ، والغِشاوَةِ عَلى الأبْصارِ، والوَقْفِ عَلى قَوْلِهِ: "وَعَلى سَمْعِهِمْ"، وقَرَأ الباقُونَ "غِشاوَةٌ" بِالرَفْعِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقِراءَةُ الرَفْعِ أولى؛ لِأنَّ النَصْبَ: إمّا أنْ تَحْمِلَهُ عَلى خَتْمِ الظاهِرِ فَيَعْتَرِضُ في ذَلِكَ أنَّكَ حُلْتَ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِهِ، وهَذا عِنْدَنا إنَّما يَجُوزُ في الشِعْرِ، وإمّا أنَّ تَحْمِلَهُ عَلى فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ خَتْمٌ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ عَلى أبْصارِهِمْ، فَيَجِيءُ الكَلامُ مِن بابِ: ......................................

∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا وقَوْلُ الآخَرِ: ......................................

∗∗∗ عَلَفَتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا ولا تَكادُ تَجِدُ هَذا الِاسْتِعْمالَ في حالِ سِعَةٍ واخْتِيارٍ، فَقِراءَةُ الرَفْعِ أحْسَنُ، وتَكُونُ الواوُ عاطِفَةً جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، قالَ: ولَمْ أسْمَعْ مِنَ الغِشاوَةِ فِعْلًا مُصَرَّفًا بِالواوِ، فَإذا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ وكانَ مَعْناها مَعْنى ما اللامُ مِنهُ الياءُ مِن غَشِيَ يُغْشى بِدَلالَةِ قَوْلِهِمُ: الغَشَيانُ، فالغِشاوَةُ مِن غَشِيَ كالجَباوَةُ مِن جَبَيْتُ في أنَّ الواوَ كَأنَّها بَدَلٌ مِنَ الياءِ إذْ لَمْ يُصْرُفْ مِنهُ فِعْلٌ كَما لَمْ يُصْرَفْ مِنَ الجِباوَةِ.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الغِشاوَةُ عَلى الأسْماعِ والأبْصارِ -والوَقْفُ في قَوْلِهِ: "عَلى قُلُوبِهِمْ"، وقالَ آخَرُونَ: الخَتْمُ في الجَمِيعِ، والغِشاوَةُ هي الخاتَمُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ ذَكَرْنا اعْتِراضَ أبِي عَلِيٍّ هَذا القَوْلَ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "غَشْوَةَ" بِفَتْحِ الغَيْنِ والرَفْعِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقالَ الثَوْرِيُّ: كانَ أصْحابُ عَبْدِ اللهِ يَقْرَؤُونَها "غَشْيَةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ والياءِ والرَفْعِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "غُشاوَةً" بِضَمِّ الغَيْنِ، وقُرِئَتْ "غَشاوَةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ، وأصْوَبُ هَذِهِ القِراءاتِ المَقْرُوءِ بِها ما عَلَيْهِ السَبْعَةُ مِن كَسْرِ الغَيْنِ عَلى وزْنِ "عِمامَةٍ"، والأشْياءُ الَّتِي هي أبَدًا مُشْتَمِلَةٌ هَكَذا يَجِيءُ وَزْنُها كالضِمامَةِ والعِمامَةِ والكِتابَةِ والعِصابَةِ والرَبابَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ مَعْناهُ: بِمُخالَفَتِكَ يا مُحَمَّدُ، وكَفْرُهم بِاللهِ، اسْتَوْجَبُوا ذَلِكَ، و"عَظِيمٌ" مَعْناهُ بِالإضافَةِ إلى عَذابٍ دُونَهُ يَتَخَلَّلُهُ فُتُورٌ، وبِهَذا التَخَلُّلِ المُتَصَوِّرِ يَصِحُّ أنْ يَتَفاضَلَ العَرْضانِ كَسِوادَيْنِ: أحَدُهُما أشْبَعُ مِنَ الآخَرِ إذْ قَدْ تَخَلَّلَ الآخَرُ ما لَيْسَ بِسَوادٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ ﴾ .

هذا انتقال من الثناء على الكِتَاب ومتقلِّديه ووصففِ هديه وأَثَرِ ذلك الهدى في الذين اهتدوا به والثناء عليهم الراجع إلى الثناء على الكتاب لمَّا كان الثناء إنما يظهر إذا تحققت آثار الصفة التي استحق بها الثناء، ولما كان الشيء قد يقَدَّر بضده انتقل إلى الكلام على الذين لا يحصل لهم الاهتداء بهذا الكتاب، وسجل أن حرمانهم من الاهتداء بهديه إنما كان من خبث أنفسهم إذ نَبَوْا بها عن ذلك، فما كانوا من الذين يفكرون في عاقبة أمورهم ويحذرون من سوء العواقب فلم يكونوا من المتقين، وكان سواء عندهم الإنذار وعدمه فلم يتلقوا الإنذار بالتأمل بل كان سواء والعدم عندهم، وقد قرنت الآيات فريقين فريقاً أضمر الكفر وأعلنه وهم من المشركين كما هو غالب اصطلاح القرآن في لفظ ﴿ الذين كفروا ﴾ وفريقاً أظهر الإيمان وهو مخادع وهم المنافقون المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿ ومن الناس من يقول آمنا ﴾ [البقرة: 8].

وإنما قطعت هاته الجملة عن التي قبلها لأن بينهما كمال الانقطاع إذ الجمل السابقة لذكر الهدى والمهتدين، وهذه لذكر الضالين فبينهما الانقطاع لأجل التضاد، ويعلم أن هؤلاء قسم مضاد للقسمين المذكورين قبله من سياق المقابلة.

وتصدير الجملة بحرف التأكيد إما لمجرد الاهتمام بالخبر وغرابته دون رَدِّ الإنكار أو الشك؛ لأن الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وللأمة وهو خطاب أُنُف بحيث لم يسبق شك في وقوعه، ومجيء (إن) للاهتمام كثير في الكلام وهو في القرآن كثير.

وقد تكون (إن) هنا لرد الشك تخريجاً للكلام على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأن حرص النبيء صلى الله عليه وسلم على هداية الكافرين تجعله لا يقطع الرجاء في نفع الإنذار لهم وحاله كحال من شك في نفع الإنذار، أو لأن السامعين لما أجرى على الكتاب من الثناء ببلوغه الدرجة القصوى في الهداية يطمعهم أن تؤثر هدايته في الكافرين المعرضين وتجعلهم كالذين يشكون في أن يكون الإنذار وعدمه سواء فأخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر ونزل غير الشاك منزلة الشاك.

وقد نقل عن المبرد أن (إنَّ) لا تأتي لرد الإنكار بل لرد الشك.

وقد تبين أن (الذين كفروا) المذكورين هنا هم فريق من المشركين الذين هم مأيوس من إيمانهم، فالإتيان في ذكرهم بالتعريف بالموصول إما أن يكون لتعريف العهد مراداً منه قوم معهودون كأبي جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم من رؤوس الشرك وزعماء العناد دون من كان مشركاً في أيام نزول هذه الآية ثم من آمن بعد مثل أبي سفيان بن حرب وغيره من مُسْلِمة الفتح وإما أن يكون الموصول لتعريف الجنس المفيد للاستغراق على أن المراد من الكفر أبلغ أنواعه بقرينة قوله: ﴿ لا يؤمنون ﴾ فيكون عاماً مخصوصاً بالحس لمشاهدة من آمن منهم أو يكون عاماً مراداً به الخصوص بالقرينة وهذان الوجهان هما اللذان اقتصر عليهما المحققون من المفسرين وهما ناظران إلى أن الله أخبر عن هؤلاء بأنهم لا يؤمنون فتعيَّن أن يكونوا ممن تبين بعد أنه مات على الكفر.

ومن المفسرين من تأوّل قوله تعالى: ﴿ الذين كفروا ﴾ على معنى الذين قُضى عليهم بالكفر والشقاء ونَظره بقوله تعالى: ﴿ إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ﴾ [يونس: 96] وهو تأويل بعيد من اللفظ وشتان بينه وبين تنظيره.

ومن المفسرين من حمل ﴿ الذين كفروا ﴾ على رؤساء اليهود مثل حيي بن أخطب وأبي رافع يعني بناء على أن السورة نزلت في المدينة وليس فيها من الكافرين سوى اليهود والمنافقين وهذا بعيد من عادة القرآن وإعراض عن السياق المقصود منه ذكر من حرم من هدي القرآن في مقابلة من حصل لهم الاهتداء به، وأيّاً ما ما كان فالمعنى عند الجميع أن فريقاً خاصاً من الكفار لا يرجى إيمانهم وهم الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وروى ذلك عن ابن عباس والمقصود من ذلك أن عدم اهتدائهم بالقرآن كان لعدم قابليتهم لا لنقص في دلالة القرآن على الخير وهديه إليه.

والكفر بالضم: إخفاء النعمة، وبالفتح: الستر مطلقاً وهو مشتق من كفر إذا ستر.

ولما كان إنكار الخالق أو إنكار كماله أو إنكار ما جاءت به رسله ضرباً من كفران نعمته على جاحدها، أطلق عليه اسم الكفر وغلب استعماله في هذا المعنى.

وهو في الشرع إنكار ما دلت عليه الأدلة القاطعة وتناقلته جميع الشرائع الصحيحة الماضية حتى علمه البشر وتوجهت عقولهم إلى البحث عنه ونصبت عليه الأدلة كوحدانية الله تعالى ووجوده ولذلك عد أهل الشرك فيما بين الفترة كفاراً.

وإنكار ما علم بالضرورة مجيء النبيء صلى الله عليه وسلم به ودعوته إليه وعده في أصول الإسلام أو المكابرة في الاعتراف بذلك ولو مع اعتقاد صدقه ولذلك عبر بالإنكار دون التكذيب.

ويلحق بالكفر في إجراء أحكام الكفر عليه كل قول أو فعل لا يجترئ عليه مؤمن مصدق بحيث يدل على قلة اكتراث فاعله بالإيمان وعلى إضماره الطعن في الدين وتوسله بذلك إلى نقض أصوله وإهانته بوجه لا يقبل التأويل الظاهر وفي هذا النوع الأخير مجال لاجتهاد الفقهاء وفتاوى أساطين العلماء إثباتاً ونفياً بحسب مبلغ دلالة القول والفعل على طعن أو شك.

ومن اعتبر الأعمال أو بعضها المعين في الإيمان اعتبر فقدها أو فقد بعضها المعين في الكفر.

قال القاضي أبو بكر الباقلاني: القول عندي أن الكفر بالله هو الجهل بوجوده والإيمان بالله هو العلم بوجوده فالكفر لا يكون إلا بأحد ثلاثة أمور أحدها الجهل بالله تعالى، الثاني أن يأتي بفعل أو قول أخبر الله ورسوله أو أجمع المؤمنون على أنه لا يكون إلا من كافر كالسجود للصنم، الثالث أن يكون له قول أو فعل لا يمكن معه العلم بالله تعالى.

ونقل ابن راشد في «الفائق» عن الأشعري رحمه الله أن الكفر خصلة واحدة.

قال القرافي في الفرق 241 أصل الكفر هو انتهاك خاص لحرمة الربوبية ويكون بالجهل بالله وبصفاته أو بالجرأة عليه وهذا النوع هو المجال الصعب لأن جميع المعاصي جرأة على الله.

وقوله: ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ﴾ خبر ﴿ إن الذين كفروا ﴾ و(سواء) اسم بمعنى الاستواء فهو اسم مصدر دل على ذلك لزوم إفراده وتذكيره مع اختلاف موصوفاته ومخبراته فإذا أخبر به أو وصف كان ذلك كالمصدر في أن المراد به معنى اسم الفاعل لقصد المبالغة.

وقد قيل إن (سواء) اسم بمعنى المثل فيكون التزام إفراده وتذكيره لأن المثلية لا تتعدد، وإن تعدد موصوفها تقول هم رجال سواء لزيد بمعنى مثل لزيد.

وإنما عدي سواء بعلى هنا وفي غير موضععٍ ولم يعلق بعند ونحوها مع أنه المقصود من الاستعلاء في مثله، للإشارة إلى تمكن الاستواء عند المتكلم وأنه لا مصرف له عنه ولا تردد له فيه فالمعنى سواء عندهم الإنذار وعدمه.

واعلم أن للعرب في سواء استعمالين: أحدهما أن يأتوا بسواء على أصل وضعه من الدلالة على معنى التساوي في وصف بين متعدد فيقع معه (سواء) ما يدل على متعدد نحو ضمير الجمع في قوله تعالى: ﴿ فهم فيه سواء ﴾ [النحل: 71] ونحو العطف في قول بثينة: سواء علينا يا جميل بن معمر *** إذا مت بأساء الحياة ولينها ويجري إعرابه على ما يقتضيه موقعه من التركيب، وثانيهما أن يقع مع همزة التسوية وما هي إلا همزة استفهام كثر وقوعها بعد كلمة ﴿ سواء ﴾ ومعها ﴿ أم ﴾ العاطفة التي تسمى المتصلة كقوله تعالى) ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ﴾ وهذا أكثر استعماليها وتردد النحاة في إعرابه وأظهر ما قالوه وأسلِّمُه أن ﴿ سواء ﴾ خبر مقدم وأن الفعل الواقع بعده مقترناً بالهمزة في تأويل مبتدأ لأنه صار بمنزلة المصدر إذ تجرد عن النسبة وعن الزمان، فالتقدير في الآية سواء عليهم إنذارك وعدمه.

وأظهر عندي مما قالوه أن المبتدأ بعد ﴿ سواء ﴾ مقدر يدل عليه الاستفهام الواقع معه وأن التقدير سواء جواب ﴿ أأنذرتهم أم لم تنذرهم ﴾ وهذا يجري على نحو قول القائل علمت أزيد قائم إذ تقديره علمت جواب هذا السؤال، ولك أن تجعل ﴿ سواء مبتدأ رافعاً لفاعل سد مسد الخبر لأن سواء ﴾ في معنى مستو فهو في قوة اسم الفاعل فيرفع فاعلاً ساداً مسد خبر المبتدأ وجواب مثل هذا الاستفهام لما كان واحداً من أمرين كان الإخبار باستوائهما عند المخبر مشيراً إلى أمرين متساويين ولأجل كون الأصل في خبره الإفراد كان الفعل بعد (سواء) مؤولاً لا بمصدر ووجه الأبلغية فيه أن هذين الأمرين لخفاءِ الاستواء بينهما حتى ليسأل السائلون أفعل فلان كذا وكذا فيقال إن الأمرين سواء في عدم الاكتراث بهما وعدم تطلب الجواب على الاستفهام من أحدهما فيكون قوله تعالى: ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم ﴾ مشيراً إلى أن الناس لتعجبهم في دوام الكفار على كفرهم مع ما جاءهم من الآيات بحيث يسأل السائلون أأنذرهم النبي أم لم ينذرهم متيقنين أنه لو أنذرهم لما ترددوا في الإيمان فقيل إنهم سواء عليهم جواب تساؤل الناس عن إحدى الأمرين، وبهذا انتفى جميع التكلفات التي فرضها النحاة هنا ونبرأ مما ورد عليها من الأبحاث ككون الهمزة خارجة عن معنى الاستفهام، وكيف يصح عمل ما بعد الاستفهام فيما قبله إذا أعرب (سواء) خبراً والفعل بعد الهمزة مبتدأ مجرداً عن الزمان، وككون الفعل مراداً منه مجرد الحدث، وكدعوى كون الهمزة في التسوية مجازاً بعلاقة اللزوم، وكون أم بمعنى الواو ليكون الكلام لشيئين لا لأحد شيئين ونحو ذلك، ولا نحتاج إلى تكلف الجواب عن الإيراد الذي أورد على جعل الهمزة بمعنى سواء إذ يؤول إلى معنى استوى الإنذار وعدمه عندهم سواء فيكون تكراراً خالياً من الفائدة فيجاب بما نقل عن صاحب «الكشاف» أنه قال معناه أن الإنذار وعدمه المستويين في علم المخاطب هما مستويان في عدم النفع، فاختلفت جهة المساواة كما نقله التفتزاني في «شرح الكشاف».

ويتعين إعراب (سواء) في مثله مبتدأ والخبر محذوف دل عليه الاستفهام تقديره جواب هذا الاستفهام فسواء في الآية مبتدأ ثان والجملة خبر ﴿ الذين كفروا ﴾ .

ودع عنك كل ما خاض فيه الكاتبون على «الكشاف»، وحرف (على) الذي يلازم كلمة ﴿ سواء ﴾ غالباً هو للاستعلاء المجازي المراد به التمكن أي إن هذا الاستواء متمكن منهم لا يزول عن نفوسهم ولذلك قد يجيء بعض الظروف في موضع على مع كلمة سواء مثل عند، ولدي، قال أبو الشغب العَبسي: لا تَعذِلي في جُنْدُججٍ إنَّ جُنْدُجاً *** وليثَ كِفرّيننِ لَدَىَّ سواء وسيأتي تحقيق لنظير هذا التركيب عند قوله تعالى في سورة الأعراف (193): ﴿ سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ﴾ ، وقرأ ابن كثير: ﴿ أأنذرتهم ﴾ بهمزتين أولهما محققة والثانية مسهلة.

وقرأ قالون عن نافع وورش عنه في روايَة البغداديين وأبو عمرو وأبو جعفر كذلك مع إدخال ألف بيْن الهمزتين، وكلتا القراءتين لغة حجازية.

وقرأهُ حمزة وعاصم والكسائي بتحقيق الهمزتين وهي لغة تميم.

وروى أهل مصر عن ورش إبدال الهمزة الثانية ألفاً.

قال الزمخشري: وهو لحن، وهذا يضعّف رواية المصريين عن ورش، وهذا اختلاف في كيفية الأداء فلاينافي التواتر.

﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

الأظهر أن هاته الجملة مسوقة لتقرير معنى الجملة التي قبلها وهي ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم ﴾ الخ فلك أن تجعلها خبراً ثانياً عن (إنّ) واستفادة التأكيد من السياق ولك أن تجعلها تأكيداً وعلى الوجهين فقد فصلت إما جوازاً على الأول وإما وجوباً على الثاني، وقد فرضوا في إعرابها وجوهاً أُخر لا نكثر بها لضعفها، وقد جوز في «الكشاف» جعْل جملة ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ﴾ اعتراضاً لجملة ﴿ لا يؤمنون ﴾ وهو مرجوح لم يرتضه السعد والسيد، إذ ليس محل الإخبار هو ﴿ لا يؤمنون ﴾ إنما المهم أن يخبر عنهم باستواء الإنذار وعدمه عندهم، فإن في ذلك نداء على مكابرتهم وغباوتهم، وعذراً للنبيء صلى الله عليه وسلم في الحرص على إيمانهم، وتسجيلاً بأن من لم يفتح سمعه وقلبه لتلقي الحق والرشاد لا ينفع فيه حرص ولا ارتياد، وهذا وإن كان يحصل على تقديره جعل ﴿ لا يؤمنون ﴾ خبراً إلا أن المقصود من الكلام هو الأوْلى بالإخبار، ولأنه يصير الخبر غير معتبر إذ يصير بمثابة أن يقال إن الذين كفروا لا يؤمنون، فقد عُلم أنهم كفروا فعدم إيمانهم حاصل، وإن كان المراد من ﴿ لا يؤمنون ﴾ استمرار الكفر في المستقبل إلا أنه خبر غريب بخلاف ما إذا جعل تفسيراً للخبر.

وقد احتج بهاته الآية الذين قالوا بوقوع التكليف بما لا يطاق احتجاجاً على الجملة إذ مسألة التكليف بما لا يطاق بقيت زماناً غير محررة، وكانَ كل من لاح له فيها دليل استدل به، وكان التعبير عنها بعبارات فمنهم من يعنْوِنُها التكليف بالمحال، ومنهم من يعبر بالتكليف بما ليس بمقدور، ومنهم من يعبر بالتكليف بما لا يطاق، ثم إنهم ينظرون مرة للاستحالة الذاتية العقلية، ومرة للذاتية العادية، ومرة للعرضية، ومرة للمشقة القوية المحرجة للمكلف فيخلطونها بما لا يطاق ولقد أفصح أبو حامد الإسفراييني وأبو حامد الغزالي وأضرابهما عما يرفع القناع عن وجه المسألة فصارت لا تحير أفهاماً وانقلب قتادها ثماماً، وذلك أن المحال منه محال لذاته عقلاً كجمع النقيضين ومنه محال عادة كصعود السماء ومنه ما فيه حرج وإعنات كذبح المرء وَلده ووقوف الواحد لعشرة من أقرانه، ومنه محال عرضت له الاستحالة بالنظر إلى شيء آخر كإيمان من علم الله عدم إيمانه وحج من علم الله أنه لا يحج، وكل هاته أطلق عليها ما لا يطاق كما في قوله تعالى: ﴿ ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ إذ المراد ما يشق مشقة عظيمة، وأطلق عليها المحال حقيقةً ومطابقة في بعضها والتزاماً في البعض، ومجازاً في البعض، وأطلق عليها عدم المقدور كذلك، كما أطلق الجواز على الإمكان، وعلى الإمكان للحكمة، وعلى الوقوع، فنشأ من تفاوت هاته الأقسام واختلاف هاته الإطلاقات مقالات ملأت الفضاء، وكانت للمخالفين كحجر المضاء، فلما قيض الله أعلاماً نفَوْا ما شاكها، وفتحوا أغلاقها، تبين أن الجواز الإمكاني في الجميع ثابت لأن الله تعالى يفعل ما يشاء لو شاء، لا يخالفُ في ذلك مسلم.

وثبت أن الجواز الملائم للحكمة منتف عندنا وعند المعتزلة وإن اختلفنا في تفسير الحكمة لاتفاق الكل على أن فائدة التكليف تنعدم إذا كان المكلف به متعذر الوقوع.

وثبت أن الممتنع لتعلق العلم بعدم وقوعه مكلف به جوازاً ووقوعاً، وجل التكاليف لا تخلو من ذلك، وثبت ما هو أخص وهو رفعُ الحرج الخارجي عن الحد المتعارففِ، تفضلاً من الله لقوله: ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ (الحج 78) وقوله: ﴿ علم أن لن تحصوه فتاب عليكم ﴾ [المزمل: 20] أي لا تطيقونه كما أشار إليه ابن العربي في «الأحكام».

هذا ملاك هاته المسألة على وجه يلتئم به متناثرها، ويستأنس متنافرها.

وبقي أن نبين لكم وجه تعلق التكليف بمن علم الله عدم امتثاله أو بمن أخبر الله تعالى بأنه لا يمتثل كما في هاته الآية، وهي أخص من مسألة العلم بعدم الوقوع إذ قد انضم الإخبار إلى العلم كما هو وجه استدلال المستدل بها، فالجواب أن من علم الله عدم فعله لم يكلفه بخصوصه ولا وَجَّه له دعوة تخصه إذ لم يثبت أن النبيء صلى الله عليه وسلم خص أفراداً بالدعوة إلاَّ وقد آمنوا كما خص عمر بن الخطاب حين جاءه، بقوله: «أما آن لك يا ابن الخطاب أن تقول لا إله إلا الله» وقوله لأبي سفيان يوم الفتح قريباً من تلكم المقالة، وخص عمه أبا طالب بمثلها، ولم تكن يومئذٍ قد نزلت هذه الآية، فلما كانت الدعوة عامة وهم شملهم العموم بطل الاستدلال بالآية وبالدليل العقلي، فلم يبق إلا أن يقال لماذا لم يخصَّص مَن عُلم عدم امتثاله من عموم الدعوة، ودَفْعُ ذلك أن تخصيص هؤلاء يطيل الشريعة ويجرئ غيرهم ويضعف إقامة الحجة عليهم، ويوهم عدم عموم الرسالة، على أن الله تعالى قد اقتضت حكمته الفصل بين ما في قدَره وعلمه، وبين ما يقتضيه التشريع والتكليف، وسِرّ الحكمة في ذلك بيناه في مواضع يطول الكلام بجلبها ويخرج من غرض التفسير، وأحسب أن تفطنكم إلى مجمله ليس بعسير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ ﴾ وأصْلُ الكُفْرِ عِنْدَ العَرَبِ التَّغْطِيَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ﴾ يَعْنِي الزُّرّاعَ لِتَغْطِيَتِهِمُ البَذْرَ في الأرْضِ، قالَ لَبِيدٌ: في لَيْلَةٍ كَفَّرَ النُّجُومَ غَمامُها.

..

...

...

أيْ غَطّاها، فَسَمّى بِهِ الكافِرَ بِاللَّهِ تَعالى لِتَغْطِيَتِهِ نِعَمَ اللَّهِ بِجُحُودِهِ.

وَأمّا الشِّرْكُ فَهو في حُكْمِ الكُفْرِ، وأصْلُهُ في الإشْراكِ في العِبادَةِ.

واخْتُلِفَ فِيمَن أُرِيدَ بِذَلِكَ، عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ حَوْلَ المَدِينَةِ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وكانَ يُسَمِّيهِمْ بِأعْيانِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهم مُشْرِكُو أهْلِ الكِتابِ كُلُّهُمْ، وهو اخْتِيارُ الطَّبَرِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قادَةِ الأحْزابِ، وبِهِ قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جريج وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير في السنة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ﴾ ونحو هذا من القرآن قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص أن يؤمن جميع الناس، ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأوّل، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأول.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو قال: «قيل يا رسول الله إنا نقرأ من القرآن فنرجو، ونقرأ فنكاد نيأس فقال: ألا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار؟

قالوا بلى يا رسول الله قال: ﴿ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ﴾ إلى قوله: ﴿ المفلحون ﴾ هؤلاء أهل الجنة قالوا: إنا نرجو أن نرجو أن نكون هؤلاء.

ثم قال: ﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم ﴾ إلى قوله: ﴿ عظيم ﴾ هؤلاء أهل النار.

قلنا لسنا هم يا رسول الله؟

قال أجل» .

وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الذين كفروا ﴾ أي بما أنزل إليك، وإن قالوا إنا قد آمنا بما جاء من قبلك ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ﴾ أي أنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجحدوا ما عليهم من الميثاق لك، فقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذاراً وتخويفاً، وقد كفروا بما عندهم من نعتك ﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ﴾ أي عن الهدى أن يصيبوه أبداً بعير ما كذبوا به من الحق الذي جاءك من ربك، حتى يؤمنوا به وإن آمنوا بكل ما كان قبلك، ولهم بما عليه من خلافك ﴿ عذاب عظيم ﴾ فهذا في الأحبار من يهود.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ إن الذين كفروا ﴾ قال: نزلت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب، وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ [ إبراهيم: 28] قال: فهم الذين قتلوا يوم بدر، ولم يدخل من القادة أحد في الإِسلام إلا رجلان.

أبو سفيان، والحكم بن أبي العاص.

وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله: ﴿ أأنذرتهم أم لم تنذرهم ﴾ قال: وعظتهم لم لم تعظهم.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ﴾ قال: أطاعوا الشيطان فاستحوذ عليهم، فختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة، فهم لايبصرون هدى، ولا يسمعون، ولا يفقهون، ولا يعقلون.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: الختم على قلوبهم، وعلى سمعهم، والغشاوة على أبصارهم.

وأخرج ابن جريج عن ابن مسعود قال: ﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ﴾ فلا يعقلون، ولا يسمعون، وجعل على أبصارهم يقول: أعينهم ﴿ غشاوة ﴾ فلا يبصرون.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ قال: طبع الله عليها قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: أما سمعت الأعشى وهو يقول: وصهباء طاف يهود بها ** فابرزها وعليها ختم وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن وأبي رجاء قرأ أحدهما ﴿ غشاوة ﴾ والآخر ﴿ غشوة ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُوا ﴾ الآية.

﴿ إِنَّ ﴾ الثقيلة تكون منصوبة الألف وتكون مكسورة الألف.

فإذا (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ كَفَرُوا ﴾ معنى الكفر في اللغة: التغطية.

أقرأني أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي (٨) (٩) فتذكّرا ثَقَلًا رثيداً بعدما ...

ألقت ذكاءُ يمينَها في كافرِ (١٠) أي: الليل.

ومنه يسمى الكافر كافراً، لأنه ستر نعم الله.

ويقال: رماد مكفور، أي: سَفَت عليه الريح التراب حتى وارته، قال الراجز: قد درسَتْ (١١) (١٢) وقال آخر (١٣) فوردَتْ قبلَ انبلاجِ (١٤) (١٥) أي: فيما يواريه من سواد الليل، وقد كفر الرجل متاعه [أي:] (١٦) (١٧) وقال ابن المظفر (١٨) قال الأزهري: وهذا يحتاج إلى إيضاح.

وهو: أن (الكفر) في اللغة: التغطية، فالكافر معناه: ذو الكفر، ذو تغطية لقلبه بكفره، كما يقال للابس السلاح: كافر، وهو الذي غطاه السلاح.

ومثله: رجل كاس أي: ذو كسوة، وناعل: ذو نعل (١٩) وقول ابن (٢٠) (٢١) (٢٢) ويجوز أن يقال: إن الكافر لما دعاه الله إلى توحيده فقد دعاه إلى نعمة أوجبها له إذا أجابه إلى ما دعاه إليه، فإذا لم (٢٣) (٢٤) قال شمر: قال بعض أهل العربية (٢٥) فأما كفر الإنكار: فهو أن يكفر بقلبه ولسانه ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد.

وكذلك روي في تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، أي: الذين كفروا بتوحيد الله.

وأما كفر الجحود: فأن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه، فهذا كافر جاحد ككفر إبليس، وكفر أمية بن أبي الصلت (٢٦) ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ  ﴾ ، يعني: كفر الجحود.

وأما كفر المعاندة: فهو أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه، ويأبى أن يقبل، ككفر أبي طالب حيث يقول: ولقد علمتُ بأنّ (٢٧) (٢٨) لولا الملامةُ أو حِذارُ مسَبّةٍ ...

لوجدتَني سمحاً (٢٩) (٣٠) قال (٣١) ﴿ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ  ﴾ ، أي تبرأت (٣٢) (٣٣) ﴿ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ سَوَآءُ عَلَيهِم ﴾ .

السواء (٣٤) (٣٥) أرُوني (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) أبَينا فلا نُعطي السَّواءَ عدوَّنا ...

قيامًا بأعضاد السَّراءِ المُعَطَّفِ (٤٠) و (السواء): وسط الشيء، ومنه قوله: ﴿ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴾ (٤١) و (سواء) مأخوذ من الاستواء والتساوي، وهو الاعتدال (٤٢) وليلٍ يقولُ المرءُ من ظلماته ...

سواءٌ صحيحاتُ العيونِ وعُورُها (٤٣) أي: معتدلة في البصر والإدراك.

وقالوا: سِيٌّ بمعنى: سواء، كما قالوا: قِيّ وقَواء (٤٤) (٤٥) قال أبو الهيثم (٤٦) (٤٧) ﴿ لَيسُواْ سَوَآء  ﴾ أي: ليسوا مستوين (٤٨) وحكى السكري عن أبي حاتم إجازة تثنية (سواء) (٤٩) قال أبو علي الفارسي: لم يصب ابن (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) فـ (أسواء): ليس يخلو من (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) وقوله تعالى: ﴿ ءَأَنذَرتَهُم ﴾ (٦١) (٦٢) ﴿ فَقُل أَنذَرتُكُم صعِقَةً  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّا أَنذَرناكم عَذَابًا قَرِيبًا  ﴾ ويقال: أنذرتُه فنَذِرَ، أي: علم بموضع الخوف (٦٣) و (النذر) ما يجعله الإنسان على نفسه إن سلم مما يخافه (٦٤) وقد جاء: النذير والنذر مصدرين كالإنذار (٦٥) ﴿ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ (٦٦) ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ  ﴾ .

وقيل في قوله: ﴿ نَذِيَرًا لِلْبَشَرِ  ﴾ : إنه مصدر في موضع الحال من قوله: ﴿ إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ  ﴾ ، كما تقول (٦٧) (٦٨) (٦٩) وجعل (نذير) أيضًا مصدراً في قوله: ﴿ وَجَآءكُمُ اَلنذِير  ﴾ إذا فسر بأنه الشيب (٧٠) وفي قوله: ﴿ ءَأَنذَرتَهُم ﴾ وجهان من القراءة (٧١) (٧٢) فمن حققهما (٧٣) (٧٤) (٧٥) (٧٦) ومما يقوّي ذلك قولهم: (رَأّس) (٧٧) (٧٨) (٧٩) (٨٠) وحجة من خفف (٨١) (٨٢) (٨٣) (٨٤) ولما كسروا وحقروا جعلوا هذه المبدلة بمنزلة مالا أصل له في الهمزة فقالوا: أواخر وأويخر (٨٥) (٨٦) ألا تراهم لم يرجعوها (٨٧) (٨٨) (٨٩) (٩٠) ومن ذلك أيضا أنا لم نجد كلمة عينها همزة ولامها كذلك، كما وجدنا في سائر أخوات الهمزة من الحلقية كقولهم: مهاه (٩١) (٩٢) ﴿ يَدُعُّ الْيَتِيمَ  ﴾ ، و (مح) (٩٣) (٩٤) (٩٥) (٩٦) (٩٧) (٩٨) ومن ذلك (٩٩) (١٠٠) (١٠١) (١٠٢) (١٠٣) (١٠٤) قيل: هذا يجري مجرى الأصول المرفوضة (١٠٥) .............

ضننوا (١٠٦) ...........

والأظلل (١٠٧) ولا يعتد بذلك (١٠٨) ومن ذلك أيضا أنهم إذا بنوا اسم فاعل من (١٠٩) (١١٠) (١١١) (١١٢) (١١٣) ومن ذلك أيضًا أن من قال: هذا فرجّ، وهو يجعلّ، فضاعف (١١٤) (١١٥) (١١٦) (١١٧) (١١٨) وإذا كان الأمر على هذا (١١٩) ﴿ أَأَنْذَرْتَهُمْ ﴾ (١٢٠) ﴿ أَأَنْذَرْتَهُمْ ﴾ تنزل منزلة ما هو من الكلمة نفسها، لكونها على حرف مفرد (١٢١) (١٢٢) (١٢٣) (١٢٤) فأما إذا كانتا (١٢٥) (١٢٦) (١٢٧) ولو كانا منفصلين نحو: (يد داود)، لكنت (١٢٨) ﴿ أَأَنْذَرْتَهُمْ ﴾ (١٢٩) ومما يقوي ترك الجمع بين الهمزتين: أنهم قالوا في جمع (ذؤابة): ذوائب، فأبدلوا (١٣٠) (١٣١) (١٣٢) (١٣٣) وأيضاً فإنهم كرهوا (١٣٤) (١٣٥) (١٣٦) (١٣٧) (١٣٨) (١٣٩) وإذا كان الجمع بينهما في [البعد على هذا، فالجمع بينهما في] (١٤٠) (١٤١) (١٤٢) (١٤٣) وأما أبو عمرو فكان يلين الثانية ويجعل بينهما مدة (١٤٤) (١٤٥) (١٤٦) (١٤٧) ....

آأنتَ (١٤٨) (١٤٩) (١٥٠) (١٥١) وقوله تعالى: ﴿ ءَأَنذَرتَهُم ﴾ : لفظه لفظ الاستفهام (١٥٢) (١٥٣) (١٥٤) وإنما جرى عليه لفظ الاستفهام وإن كان خبرا، لأن فيه التسوية التي في الاستفهام، ألا ترى أنك إذا استفهمت فقلت: أخرج زيد أم أقام؟

فقد استوى الأمران عندك في الاستفهام، وعدم علم أحدهما بعينه، كما أنك (١٥٥) (١٥٦) (١٥٧) وحرر أبو إسحاق هذا الفصل فقال (١٥٨) (١٥٩) (١٦٠) (١٦١) (١٦٢) (١٦٣) (١٦٤) (١٦٥) (١٦٦) (١٦٧) (١٦٨) ولا يجوز هاهنا (أو) مكان (أم) لأن (أم) للتسوية بين الشيئين، و (أو) إنما هي لأحد شيئين (١٦٩) (١٧٠) (١٧١) (١٧٢) (١٧٣) (١٧٤) (١٧٥) ومثل هذه الآية قوله (١٧٦) ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا  ﴾ و ﴿ سَوَاءٌ ﴾ في الآية رفع بالابتداء، ويقوم ﴿ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ﴾ مقام الخبر في المعنى، كأنه بمنزلة قولك: (سواء عليهم الإنذار وتركه) لا في الإعراب، لأنك إذا قدرت هذا التقدير في الإعراب صار ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ﴾ خبراً مقدَّمًا (١٧٧) والجملة في موضع رفع، بأنها (١٧٨) ﴿ إن ﴾ (١٧٩) ويجوز أن يكون خبر ﴿ إن ﴾ قوله: ﴿ لَا يؤْمِنُونَ ﴾ كأنه قيل: (إن الذين كفروا لا يؤمنون سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم).

فيكون قوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيهمءَأَنذَرتَهُم ﴾ جملة معترضة بين الاسم والخبر، وجاز ذلك، لأنه تأكيد لامتناعهم عن الإيمان (١٨٠) (١٨١) ومعنى: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْهِم ﴾ أي: معتدل متساو، و ﴿ سَوَآءٌ ﴾ اسم مشتق من التساوي.

يقول: هما عندي سواء، ومنه قوله ﴿ فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ  ﴾ ، يعني: أعلمهم (١٨٢) (١٨٣) ﴿ سَوَآءٌ اَلْجَحِيمِ  ﴾ وسطه، لاستواء مقادير نواحيه إليه.

وقول القائل: (سواك وسواءك) (١٨٤) (١٨٥) (١٨٦) قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في اليهود الذين كانوا بنواحي المدينة (١٨٧)  .

وهذا القول اختيار ابن جرير، قال: لأن الله تعالى إنما ذكر هؤلاء عقيب مؤمني أهل الكتاب، فذكر بعد مؤمنيهم كافريهم، والكلام بعضه لبعض تبع (١٨٨) وقال الضحاك: نزلت في أبي جهل وخمسة (١٨٩) (١٩٠) وقال الربيع: نزلت في قادة الأحزاب يوم بدر (١٩١) قال أبو العالية: لم يسلم منهم إلا رجلان، وكانا مغموصاً عليهما في دينهما (١٩٢) (١٩٣) (١٩٤) (١) في (ب): (وإذا).

(٢) في (ب)، (ج): (يعتمد) وهو موافق لـ"تهذيب اللغة" 1/ 222، والكلام منقول منه.

(٣) (عليه) في جميع النسخ.

وفي "تهذيب اللغة" (عليها) 1/ 222.

(٤) في (ب): (يصرف).

(٥) في (ب).

(ينصب) وفي "تهذيب اللغة" (تنصب الألف).

والكلام بنصه ذكره الأزهري عن الليث عن الخليل، سوى قوله: أو جاءت بعد القول فذكره عن الفراء.

"تهذيب اللغة" (أن) 1/ 222، وانظر مواضع فتح وكسر همزة (إن) في "الكتاب" 3/ 134 وما بعدها، "الأصول في النحو" 1/ 262 وما بعدها.

(٦) من هنا بدأ سقط لوحة كاملة من (ب).

(٧) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 40، وانظر: "الأصول في النحو" 1/ 23، "الإيضاح في علل النحو" ص 135، "الإنصاف" ص 153 - 155.

(٨) شيخ الواحدي، تقدمت ترجيته مع شيوخه.

(٩) هو ثعلبة بن صعير بن خزاعي المازني، شاعر جاهلي قديم، قال الأصمعي: لو قال ثعلبة بن صعير مثل قصيدته خمساً كان فحلاً، انظر "فحولة الشعراء" الأصمعي ص 12، "الأعلام" للزركلي 2/ 99.

(١٠) البيت من قصيدة له، ذكرها المفضل الضبي في "المفضليات" ص 128 - 131، والبيت في "إصلاح المنطق" ص 49، 339، وفي "تهذيب اللغة" (كفر) 4/ 3162، "المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح" 1/ 332، 2/ 679، "أمالي القالي" 2/ 145، "الصحاح" (كفر) 2/ 808، "مقاييس اللغة" (كفر) 5/ 191، "المخصص" 6/ 78 ، 9/ 19،7/ 17، "اللسان" (رثد) 3/ 15981، و (كفر) 7/ 3899، و (ذكا) 3/ 1510، و"تفسير ابن عطية" 1/ 151، و"تفسير القرطبي" 1/ 159، و"تفسير الطبري" 1/ 110، "الدر المصون" 1/ 107.

وفي هذا البيت يذكر الظليم والنعامة، والثقل: بيضهما، والرثد: المتاع المرثود، وذكاء.

الشمس، أي بدأت في المغيب، والكافر: الليل.

(١١) في (ج): (رزشت).

(١٢) الرجز لمنظور بن مرثد الأسدي، وقيل: لأبي مهدي.

وقبله: هل تعرف الدار بأعلى ذى القور؟

يقول: درست معالم الدار إلا رماداً مكفوراً، أي: سفت عليه الريح، والأبيات في "إصلاح المنطق" ص 340، وفي "التهذيب" (كفر) 4/ 3162، "الصحاح" (كفر) 2/ 807، "المخصص" 6/ 78، "المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح" 2/ 679، "مقاييس اللغة" (كفر) 10/ 198، "اللسان" (كفر) 7/ 3900.

وكلهم رووه (مروح ممطور) سوى (المخصص) فنصه مثل رواية المؤلف هنا.

(١٣) هو حميد الأرقط.

(١٤) في (ج): (ابلاج).

(١٥) قال ابن السكيت.

ويروى: (في كفر) وهما لغتان.

وابن ذكاء: يعني الصبح، "إصلاح المنطق" ص 340، وانظر: "تهذيب اللغة" (كفر) 4/ 3162، ورد البيت كذلك في "الصحاح" (كفر) 7/ 3900، "المخصص" 6/ 78، "المشوف المعلم" 2/ 679، "اللسان" (كفر) 7/ 3900، و"تفسير القرطبي" 1/ 160، "الدر المصون" 1/ 106.

(١٦) في (أ)، (ج): (إلى)، وفي "إصلاح المنطق"، "التهذيب": (أي) وهو الصحيح.

"الإصلاح" ص 340، "التهذيب" (كفر) 4/ 3162.

(١٧) انتهى كلام ابن السكيت وهو في "الإصلاح" ص 339،340، "تهذيب اللغة" (كفر) 4/ 3162، ونص الواحدي من "التهذيب".

(١٨) هو الليث.

انظر: "التهذيب" (كفر) 4/ 3161، ومقدمة "التهذيب" 1/ 47.

(١٩) في (التهذيب) بدل (فاعل: ذو نعل)، وماء دافق: ذو دفق 4/ 3161.

(٢٠) في (ج): (بن).

(٢١) قال الأزهري: قلت: وما قاله ابن السكيت بيِّن صحيح، 4/ 3161.

(٢٢) في "التهذيب": (والنعم التي سترها الكافر هي الآيات التي أبانت لذي التمييز ..

إلخ) 4/ 3162.

(٢٣) في "التهذيب": (..

فقد دعاه إلى نعمة ينعم بها عليه إذا قبلها، فلما رد ما دعاه إليه من توحيده كان كافرا نعمة الله ..)، 4/ 3161.

(٢٤) "التهذيب" (كفر) 4/ 3160، وقد تصرف الواحدي في نقل كلام الأزهري.

(٢٥) في "التهذيب" (قال شمر: قال بعض أهل العلم)، 4/ 3160.

(٢٦) شاعر جاهلي أدرك النبي  وكفر به حسدًا، كان له شعر جيد، وكان يخبر أن نبيًّا قد أظل زمانه، وكان يؤمل أن يكون ذلك النبي، فلما بلغه خروج النبي  كفر به حسداً، ولما أنشد النبي  شعره قال: "آمن لسانه وكفر قلبه".

وسبقت ترجمته، وانظر: "الخزانة" 1/ 249.

(٢٧) في (ج): (أن).

(٢٨) إلى هنا ينتهي السقط من (ب).

(٢٩) في (ب): (سحا).

(٣٠) كذا جاءت الأبيات في "التهذيب" 4/ 3160، "اللسان" (كفر) 7/ 3898، و"تفسير البغوي" 1/ 64، وفي "تفسير النسفي" 1/ 50، (ضمن مجموعة من التفاسير) وفيها (سمحا بذلك مبينا) وفي "تفسير القرطبي" (بقينا) 6/ 406.

وذكرها المؤلف في "أسباب النزول" بمثل روايته لها هنا.

ص 210.

(٣١) أي: شمر.

"التهذيب" 4/ 3160.

(٣٢) كلام شمر جميعه في "تهذيب اللغة" (كفر) 4/ 3160، "اللسان" (كفر) 7/ 3898، وانظر أنواع الكفر في "التصاريف" المنسوب ليحيى بن سلام ص 104، 105، و"النسفي" 1/ 50 (ضمن مجموعة من التفاسير).

(٣٣) "الحجة" لأبي علي1/ 245، وانظر "تهذيب اللغة" 4/ 3160.

(٣٤) الكلام في "الحجة" بنصه 1/ 245.

وانظر "التصاريف" ص 111، 112، "تهذيب اللغة" 2/ 1795، "الصحاح" (سوا) 6/ 2384.

(٣٥) هو زهير بن أبي سلمى، أحد فحول شعراء الجاهلية، توفي قبل المبعث بسنة.

انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 69، "الخزانة" 2/ 332.

(٣٦) في "الحجة" (أرونا) وفي الهامش في ط (أرني) 1/ 246.

(٣٧) في (ب): (يسوا).

(٣٨) رواية البيت في الديوان: أرونا سنة لا عيب فيها.

يقول: أرونا سنة لا عيب فيها ولا ظلم، تسوى بيننا بالحق، "ديوان زهير" ص 84، "الحجة" 1/ 246، "تهذيب اللغة" "لفيف السين" 2/ 1795، "البحر" 1/ 347، "الدر المصون" 1/ 108.

(٣٩) هو عنترة بن عمرو بن شداد العبسي، كان شاعرًا، وكان أشجع أهل زمانه وأجودهم.

انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 149، "طبقات فحول الشعراء" 1/ 152، "الخزانة" 1/ 128.

(٤٠) البيت من قصيدة قالها عنترة يوم (عرار) يخاطب فيها بني حنيفة، قوله: السواء: الصلح، أعضاد: جمع عضد، وهو القوس، والسراء: شجر يتخذ منه القسي، المعطف: المعوج، انظر.

"ديوان عنترة" ص 52، "نوادر أبي زيد" ص 377، "الحجة" 1/ 246.

(٤١) كلمة (في) في الآية ساقط من (أ).

(٤٢) "الأضداد" لابن الأنباري ص 43.

(٤٣) البيت للأعشى كما في "ديوانه" ص 68، وفيه: "يقول القوم" سواء بصيرات ..

" وهو في "الأضداد" لابن الأنباري ص 43، وفيه "يقول القوم"، "الطبري" 1/ 111، "البحر المحيط" 1/ 47، "القرطبي" 1/ 160، "الدر المصون" 1/ 107.

(٤٤) (القي) بالكسر والتشديد (فعل) من القوا (وهي الأرض القفر) "اللسان" (قوا) 6/ 3789، انظر: "الصحاح" 6/ 2470، "مقاييس اللغة" (قوي) 5/ 37.

(٤٥) في (ج): (سواء سييه).

الكلام في "الحجة" لأبي علي 1/ 246، 247.

(٤٦) "تهذيب اللغة" 2/ 1793.

(٤٧) في "التهذيب": (فلان وفلان سواعد، أي: متساويان) وهو تصحيف 2/ 1795.

(٤٨) في (ب): (مستويين).

(٤٩) ذكره أبو علي في "الحجة" 1/ 268.

(٥٠) في (ب): (لم يصف ممن).

(٥١) هو صالح بن إسحاق، أبو عمر الجرمي، النحوي، بصري، قدم بغداد، لقي الفراء، وأخذ عن الأخفش وأبي عبيدة والأصمعي، وكان ذا دين وورع، توفى سنة خمس وعشرين ومائتين.

انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" 9/ 313، "طبقات النحويين واللغويين" ص 174، (إنباه الرواة) 2/ 80، "وفيات الأعيان" 2/ 485.

(٥٢) في (ب): (زعموا).

(٥٣) في (ب): (بتثنيته شي).

(٥٤) في (ب) (بكرا).

"الحجة" 1/ 268، وما بعده في "الحجة" في موضع آخر.

(٥٥) في (ب): (مهلا).

(٥٦) أنشده أبو زيد في (النوادر) قال: (وقال رافع بن هريم، وأدرك الإسلام، ثم ذكر البيت وبيتين قبله، "النوادر" ص 282، وانظر: "الحجة" 1/ 247، "اللسان" (سوا) 4/ 2160.

(٥٧) (من) ساقطة من (ب).

(٥٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٥٩) في "الحجة": (وإن كان جمع سواء فهو مثل ما حكاه أبو زيد من قولهم: جواد وأجواد ..)، 1/ 247.

(٦٠) انتهى من "الحجة" 1/ 247، 248.

(٦١) في (أ) رسمت: (آنذرتهم).

(٦٢) ذكره أبو علي في "الحجة" 1/ 253، وانظر (تفسير أبي الليث) 1/ 92، "تفسير الثعلبي" 1/ 48/أ.

(٦٣) "الحجة" 1/ 253، "تفسير الثعلبي" 1/ 48 أ.

(٦٤) تعريف النذر اصطلاحًا: التزام قربة غير لازمة في أصل الشرع، بلفظ يشعر بذلك، انظر: "الروض المربع مع حاشية ابن قاسم" 7/ 496، "التعريفات" للجرجاني ص240، و"فقه السنة" 2/ 22.

(٦٥) في "الحجة": (وقالوا: النذير والنذر، كما قالوا: النكير والنكر، فجاء المصدر على فعيل وعلى فعل ..) 1/ 254.

(٦٦) جزء من آية في الحج: 44، وسبأ: 45، وفاطر:26، والملك: 18.

(٦٧) (تقول) ساقط من (ب).

(٦٨) في (ج): (أجاء).

(٦٩) في "الحجة": (فأما قوله تعالى: ﴿ نَذِيَرًا لِلْبَشَرِ ﴾ فقد قيل فيه قولان: أحدهما: أن يكون حالا من (قم) المذكورة في أول السورة والآخر: أن يكون حالا من قوله: ﴿ إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ ﴾ فإذا جعل (نذيرا) حالا مما في (قم) فإن (النذير) اسم فاعل بمعنى المنذر ..

وإن جعلته حالا من قوله: ﴿ لَإِحْدَى الْكُبَرِ ﴾ فليس يخلو الحال أن يكون من المضاف أومن المضاف إليه ..

وفي كلا الوجهين ينبغي أن يكون (نذيرا) مصدرا، والمصدر يكون حالا من الجميع كما يكون حالا من المفرد.

تقول: جاؤوا ركضًا، كما تقول: جاء ركضًا ..) 1/ 255.

(٧٠) في "الحجة".

(..

فمن قال: إن النذير النبي  كان اسم فاعل كالمنذر، ومن قال: إنه الشيب كان الأولى أن يكون مصدرًا كالإنذار)، "الحجة" 1/ 255.

(٧١) (من القراءة) ساقط من (ب).

(٧٢) بالتحقيق قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وابن عامر.

"السبعة" لابن مجاهد ص 137، "الكشف عن وجوه القراءات" 1/ 73.

وبتليين الثانية قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو.

"السبعة" لابن مجاهد ص 137، "الكشف" 1/ 73 قال في (السبعة).

من قول أبي عمرو أنه يدخل بين الهمزتين ألفا.

(٧٣) في (ب): (حققها) وفي (ج): (حقق).

(٧٤) "الحجة" 1/ 274.

(٧٥) الفهّ: الكليل اللسان العيي، وفه عن الشيء: نسيه، وقد فهه كفرح.

عيي.

انظر: "اللسان" (فهه) 6/ 3481، "القاموس" (فهه) ص 1251.

(٧٦) الكع.

الضعيف العاجز، وكع الوجه: رقيقه، وكع يكع: جبن وضعف.

انظر.

"اللسان" (كعع) 8/ 312، "القاموس" (كع) ص 759.

(٧٧) وهو الذي يبيع الرؤوس.

إصلاح المنطق ص 148.

(٧٨) (تذأبت الريح) إذا جاءت مرة من هاهنا، ومرة من هاهنا.

"إصلاح المنطق" ص 144، " اللسان" (ذأب) 3/ 1479.

(٧٩) رأيته: إذا أريته على خلاف ما أنا عليه.

انظر: "القاموس" ص 1285.

(٨٠) "الحجة" 1/ 275، وانظر: "الكشف" لمكي 1/ 73.

(٨١) في (ب): (حقق).

(٨٢) في (ب): (جمعها).

(٨٣) في "الحجة" (أنهم لما اجتمعتا ...)، 1/ 275.

(٨٤) أبدلوا مكانها الألف، انظر "الكتاب" 3/ 552.

(٨٥) وقالوا في آدم: أوادم في الجمع، وفي التصغير: أويدم.

انظر "الكتاب" 3/ 552.

(٨٦) في (أ): (تناسب) وما في (ب)، (ج) موافق لما في "الحجة" 1/ 276.

(٨٧) في (ب): (يرجعوا لها).

(٨٨) (وميعاد) ساقط من (ب).

(٨٩) في (ب): (مولس) (٩٠) (لجمعها) كذا في جميع النسخ، وفي "الحجة" (لجمعهما) 1/ 276، وهذا هو الصحيح أي: جمع الهمزتين.

(٩١) المهه والمهاه.

النضارة والحسن، وقيل: الشيء الحقير اليسير، والهاء فيها لا تصير تاء، إلا إذا أردت بالمهاة.

البقرة.

انظر: "اللسان" (مهه) 7/ 4290.

(٩٢) في (أ): (فة) وفي "الحجة" (فه) بدون نقط وهو الصحيح 1/ 276، فه عن الشيء: إذا نسيه، والفه: اللسان العيى.

"اللسان" (فهه) 6/ 3481.

(٩٣) (مح): المح: الثوب الخلق، مح: أخلق.

"اللسان" (محح) 7/ 4143.

(٩٤) في (أ): (مح) وفي (ب)، (ج) بدون نقط أو تشكيل.

وفي "الحجة" (مخ) 1/ 276.

(٩٥) في "الحجة": (الموضع) 1/ 276.

(٩٦) في "الحجة": (وكررت) 1/ 276، أي جمع بين حروف الحلق وكررت (٩٧) في (ب).

(بعصهم).

(٩٨) في "الحجة": (لجمعهما) 1/ 276 أي الهمزتين.

(٩٩) انظر بقية كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 277.

(١٠٠) في (ج): (ذربه) و (خطئه).

(١٠١) في "الحجة": (..

عما يؤدي إلى اجتماع همزتين فيه، فقالوا ...) 1/ 277.

(١٠٢) قال المازني: (اعلم أنك إذا جمعت (خطيئة) و (رزيئة) على (فعائل) قلت: (خطايا) و (رزايا) وما أشبه هذا مما لامه همزة في الأصل، لأنك همزت ياء (خطيئة) و (رزيئة) في الجمع كما همزت ياء (قبيلة) و (سفينة) حين قلت: (قبائل) و (سفائن) وموضع اللام من (خطيئة) مهموز فاجتمع همزتان، فقلبت الثانية ياء، لاجتماع الهمزتين فصارت (خطائى) ثم أبدلت مكان الياء ألفاء ...

فصارت (خطاءا) وتقديرها: (خطاءا) والهمزة قريبة المخرج من الألف فكأنك جمعت == بين ثلاث ألفات فلما كان كذلك أبدلوا من الهمزة (ياء) فصار (خطايا)، "المنصف" 2/ 54، 55.

(١٠٣) (القلب) ساقط من (ب).

(١٠٤) انظر "المقتضب" 1/ 159، "المنصف" 2/ 57، "سر صناعة الإعراب" 1/ 71، قال ابن جني: حكاه أبو زيد.

(١٠٥) قال أبو الفتح ابن جني: شاذ لا يقاس عليه.

"سر صناعة الإعراب" 1/ 72.

(١٠٦) جزء من بيت كما في "الحجة" 1/ 277 وتمامه: مهلا أعاذل قد جربت من خلقي ...

أني أجود لأقوام وإن ضننوا أراد.

ضنوا، فأظهر التضعيف لضرورة الشعر.

انظر "الكتاب" 1/ 29، 3/ 535، "النوادر" لأبي زيد ص 230، "المقتضب" 1/ 142، 253، "المنصف" 1/ 339 "اللسان" (ضنن) 5/ 2614، "ظلل" 5/ 2756.

(١٠٧) المراد بالأظلل ما ورد في قول الراجز: تشكو الوجى من أظلل وأظلل ففك الإدغام في (أظلل) ضرورة، والبيت للعجاج، وبعضهم نسبه لأبي النجم.

وهو في "ديوان العجاج" ص 155، "الكتاب" 3/ 535، "النوادر" ص 230، "المقتضب" 1/ 252،3/ 354، "الخصائص" 1/ 161، 3/ 87، "المنصف" 1/ 339 "اللسان" (ظلل) 4/ 2756، و (ملل) 7/ 4271، وقوله (تشكو): أي: الإبل و (الوجى): الحفى، الأظلل: باطن الخف.

(١٠٨) "الحجة" 1/ 277، 278.

(١٠٩) في (ب): (على من) زيادة (على).

(١١٠) في "الحجة" (ناء وساء وشاء).

(١١١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١١٢) في (ب): (تا).

وترك التمثيل لاسم الفاعل من (جاء) وهو: (جاء) والأصل فيها (شائئ) و (جائئ) و (نائئ) فلما التقت همزتان أبدلت الثانية (ياء) ثم عوملت مثل (قاض).

انظر: "المنصف" 2/ 52.

(١١٣) انظر بقية كلام أبي علي في: "الحجة" 1/ 278.

(١١٤) في (ب): (تضاعف).

(١١٥) في "الحجة" (النبأ).

(١١٦) في (ب): (نفض).

(١١٧) في (ب): (الصوت).

(١١٨) "الحجة" 1/ 279.

(١١٩) أي: رفض اجتماع الهمزتين.

قال أبو علي بعد سياق تلك الحجج، (فهذِه الأشياء تدل على رفض اجتماع الهمزتين في كلامهم.

فأما جمعهما وتحقيقهما في (أأنذرتهم) فهو أقبح ....) 1/ 280.

(١٢٠) في (أ)، (ب): (أنذرتهم) بهمزة واحدة، وما في (ج) موافق لما في "الحجة".

(١٢١) في (ب): (منفرد).

(١٢٢) في (ب): (إذا قالوا).

(١٢٣) أصلها: (عضد).

(١٢٤) في (ب): (آخرها).

(١٢٥) أي: (الهمزتان) (١٢٦) قال سيبويه: (وأعلم أن الهمزتين إذا التقتا وكانت كل واحدة منهما من كلمة فإن أهل التحقيق يخففون إحداهما ويستثقلون تحقيقهما ...)، "الكتاب" 3/ 548.

(١٢٧) في "الحجة" (فيهما) 1/ 280.

(١٢٨) في (ب): (الكنت).

(١٢٩) في جميع النسخ (أنذرتهم) بهمزة واحدة والتصحيح من "الحجة" 1/ 281.

(١٣٠) في (ب): (وأبدلوا).

(١٣١) في (ب): (غير).

(١٣٢) في (ب): (وإن).

(١٣٣) في (ب): (واحد).

"الحجة" لأبي علي 1/ 281.

(١٣٤) الضمير يعود على من يقول بتخفيف الهمزة، قال في "الحجة": (من ذلك أن الهمزة إذا كانت مفردة غير متكررة، كرهها أهل التخفيف، حتى قلبوها أو حذفوها، لئلا، يلزمهم تحقيقها، وقد وافقهم في بعض ذلك أهل التحقيق، كموافقتهم لهم في: (يرى) ..)، 1/ 279.

(١٣٥) أي.

أهل التخفيف والتحقيق.

انظر كلام أبي علي السابق.

(١٣٦) (في) ساقطة من (ج).

(١٣٧) في (ب): (ترى).

(١٣٨) (يرى) مضارع (رأى) اتفق أهل تحقيق الهمزة، وتخفيفها، على حذفها على التخفيف.

انظر "الكتاب" 3/ 546، "المسائل الحلبيات" لأبي علي ص 83، "سر صناعة الإعراب" 1/ 76.

(١٣٩) أي: الهمزة المكررة.

"الحجة" 1/ 279.

(١٤٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٤١) في (أ): (أأيمة) وفي (ب)، (ج): (أئمة) ومثله في "الحجة" 1/ 281.

(١٤٢) في (ب): (الضمة).

(١٤٣) يشير إلى أن التحقيق في (أئمة) أبعد، لأن الهمزتين لا تفارقان الكلمة، بينما الهمزة الأولى في (أأنذرتهم) همزة استفهام قد تسقط، فهي كالمنفصلة، ومع ذلك كرهوا تحقيقها.

وبعد هذا الاحتجاج الطويل لمن يرى تخفيف الهمزة الثانية الذي نقله الواحدي عن أبي علي من كتاب "الحجة"، والذي هو مذهب أكثر النحويين وعليه أكثر العرب، كما قال سيبويه: (فليس من كلام العرب أن تلتقى همزتان فتحققا ...) انظر "الكتاب" 3/ 548، 549، وانظر "المقتضب" 1/ 158، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 41 - 45، مع ذلك فقراءة التحقيق قراءة سبعية متواترة من حيث السند، ولها حجتها من اللغة.

انظر "الكشف" لمكي1/ 73، ولا يقال فيها ما قال أبو الفتح عثمان بن جني: قراءة أهل الكوفة أئمة شاذة عندنا.

"سر صناعة الإعراب" 1/ 72 وإن كان يريد من الناحية اللغوية.

(١٤٤) انظر "السبعة" ص 136، "الحجة" لأبي علي 1/ 385، "الكتاب" 3/ 551، قال في "الكشف": وهو مذهب أبي عمرو، وقالون عن نافع، وهشام عن عامر 1/ 74.

(١٤٥) في (ب) ، (ج): (مخففة).

(١٤٦) في (ب): (تبرز).

(١٤٧) أي: لو لم تكن الهمزة المخففة بزنة المحققة لا نكسر وزن الشعر.

انظر "الكتاب" 3/ 550، "الحجة" 1/ 385.

(١٤٨) في (ب) (أنت).

(١٤٩) الكلام بنصه في "الحجة"، قال: (..

ولولا ذلك لم يتزن قوله: أأن رأت رجلاً == أعشى "الحجة" 1/ 285، 286.

فاستشهد أبو علي ببيت الأعشى، وهو شاهد سيبويه على هذِه المسألة انظر "الكتاب" 3/ 550.

أما الواحدي فاستشهد ببيت ذي الرمة، الذي استشهد به الثعلبي في (تفسيره) ونصه: تطاللت فاستشرفته فعرفته ...

فقلت له: آأنت زيد الأراقم وروايته في "ديوان ذي الرمة"، وفي "الحجة" وغيرهما (زيد الأرانب).

نظر "تفسير الثعلبي" 1/ 48/ أ، "الحجة" 1/ 279، "تهذيب اللغة" (اجتماع الهمزتين) 1/ 73، "اللسان" (حرف الهمزة) 1/ 18، "ديوان ذى الرمة" 3/ 1849.

(١٥٠) في (ب): (لأنه كان تجتمع) مثله في "الحجة": (لأنه كان يجتمع فيه ساكنان) 1/ 286، وقصد الواحدي بثلاثة سواكن هي: السكون الذي في مدة الهمزة الأولى وسكون الثانية على الاحتمال الممنوع، وسكون النون.

(١٥١) في (ب): (يجعل)، (ويكون) بالياء في الموضعين.

(١٥٢) من قوله: وقوله تعالى ﴿ ءَأَنذَرْتَهُم ﴾ ..

نقله من "الحجة" بنصه، 1/ 264.

(١٥٣) في (ب): (لا أبالي).

(١٥٤) في (ب): (أقبلت).

(١٥٥) في (ب): (أنت).

(١٥٦) في (ب): (اختبرت).

(١٥٧) انتهى ما نقله عن أبي علي من "الحجة" 1/ 264، 265، ونحوه قال أبو عبيدة في "المجاز" 1/ 31 وانظر.

الطبري 1/ 111، وابن عطية 1/ 154 - 155.

(١٥٨) في "معاني القرآن" 1/ 41.

(١٥٩) في (ب): (إذا).

(١٦٠) في (ب): (الاستفهام).

(١٦١) في "معاني القرآن": (والكلام خبر فإنما وقع ذلك لمعنى التسوية، والتسوية آلتها (ألف) الاستفهام و (أم)، تقول: أزيد في الدار أم عمر.).

1/ 41.

(١٦٢) في (ب): (في ذلك) وفي (ج) (يقول).

(١٦٣) في (ب): (عليك).

(١٦٤) في "المعاني": (أردت) 1/ 41.

(١٦٥) في (ب): (تبين).

(١٦٦) كذا رسمت في (أ)، (ج)، وفي (ب) (ويلحظ) وفي "المعاني" (ويخلص) وهو الأصوب.

(١٦٧) في (ج): (يقول).

(١٦٨) انتهى كلام الزجاج 1/ 41، وانظر الطبري 1/ 111.

(١٦٩) انظر: "الحجة" 1/ 265، 266، "مغني اللبيب" 1/ 43.

(١٧٠) في (ب): (فذلك).

(١٧١) في (ب): (لم).

(١٧٢) في (ب): (أنهما).

(١٧٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٧٤) في (ب): (ونحوا به زيدا وعمرا).

(١٧٥) انظر: "الكتاب" 3/ 169، 170، 171، "مغني اللبيب" 1/ 42.

(١٧٦) انظر: "الحجة" 1/ 271.

(١٧٧) قال أبو علي.

(..

فإن رفعته بأنه خبر لم يجز، لأنه ليس في الكلام مخبر عنه، فإذا لم يكن مخبر عنه بطل أن يكون خبرا ..

وأيضا فإنه لا يجوز أن يكون خبرا لأنه قبل الاستفهام، وما قبل الاستفهام لا يكون داخلا في حيز الاستفهام، فلا يجوز إذن أن يكون الخبر عما في الاستفهام متقدما على الاستفهام ..)، "الحجة" 1/ 269، (١٧٨) في (ب): (بأن).

(١٧٩) "الحجة"، 1/ 268، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 41.

(١٨٠) "الحجة" 1/ 268، 269، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 41، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 134، "المشكل" لمكي 1/ 20، "الدر المصون" للسمين الحلبي 1/ 105.

(١٨١) في (ب): (لها).

(١٨٢) في (أ)، (ج): (علمهم).

وأثبت ما في (ب)، لأنه المناسب للسياق.

(١٨٣) ذكره الطبري 10/ 27، وانظر: "الثعلبي" 1/ 48 أ.

(١٨٤) في (أ): (سواؤك) و (ب): (سواك) و (ج): (سوائك)، والتصحيح من "الحجة" 1/ 250، 251، وانظر "الأضداد" لابن الأنباري ص 40، وقد سبق كلام الواحدي عن (سواء) في أول تفسير الآية.

(١٨٥) (أي) ساقطة من (ب).

(١٨٦) في (ب): (لاستوائك).

(١٨٧) ذكره الطبري 1/ 108، وابن أبي حاتم 1/ 186 - 187 وذكره الثعلبي عن الكلبي 1/ 47 ب، ومثله أبو الليث 1/ 92، والبغوي 1/ 64، وانظر ابن كثير 1/ 48.

(١٨٨) "تفسير الطبري" 1/ 109.

(١٨٩) في (ب): (وحمته).

(١٩٠) ذكره الثعلبي1/ 47 ب.

(١٩١) أخرجه الطبري بسنده عن الربيع 1/ 109، وأخرجه ابن أبي حاتم بسنده عن الربيع ابن أنس عن أبي العالية 1/ 40، وفي حاشيته: قال المحقق: في سنده اضطراب وذكره ابن كثير، قال: قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية ثم ذكره، 1/ 48.

وذكره السيوطي في "الدر" عن أبي العالية ونسبه إلى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، 1/ 65، وهو عند ابن جرير عن الربيع بن أنس ولم يوصله لأبي العالية كما سبق.

(١٩٢) هذِه الزيادة عن أبي العالية، ذكرها النحاس في "القطع والائتناف" ص 116، والسيوطي في "الدر" ولفظه: (ولم يدخل من القادة أحد في الإسلام إلا رجلان أبو سفيان، والحكم بن أبي العاص)، ولم ترد عند ابن جرير ولا ابن أبي حاتم، كما أن قوله (وكان مغموصاً عليهما في دينهما) لم يذكرها السيوطي.

"الدر" 1/ 65.

(١٩٣) أبو سفيان هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، رأس قريش وقائدهم في يوم الأحزاب، أسلم يوم الفتح، كان من دهاة العرب، توفي بالمدينة سنة إحدى وثلاثين.

انظر ترجمته في "الإصابة" 2/ 178 - 179، "سير أعلام النبلاء" 2/ 105 - 107.

(١٩٤) الحكم بن أبي العاص بن أمية، ابن عم أبي سفيان، من مسلمة الفتح، وله نصيب من الصحبة، نفاه النبي  إلى الطائف، وأقدمه للمدينة عثمان  مات سنة إحدى وثلاثين.

انظر ترجمته في: "الإصابة" 1/ 345، "سير أعلام النبلاء" 2/ 107، "الجرح والتعديل" 3/ 120.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ فيمن سبق القدر أنه لا يؤمن كأبي جهل، فإن كان الذين للجنس: فلفظها عام يراد به الخصوص، وإن كان للعهد فهو إشارة إلى قوم بأعيانهم، وقد اختلف فيهم؛ فقيل: المراد من قتل ببدر من كفار قريش، وقيل: المراد حييّ بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديان ﴿ سَوَآءٌ ﴾ خبر إن و ﴿ أَأَنذَرْتَهُمْ ﴾ فاعل به لأنه في تقدير المصدر، وسواء مبتدأ، وأنذرتهم خبره أو العكس وهو أحسن، و ﴿ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ على هذه الوجوه: استئنافاً للبيان، أو للتأكيد، أو خبر بعد خبر، أو تكون الجملة اعتراضاً، ولا يؤمنون الخبر، والهمزة في ءأنذرتهم لمعنى التسوية قد انسلخت من معنى الاستفهام.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: "أأنذرتهم" بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن ذكوان.

وروى الحلواني عن هشام "آءنذرتهم" بهمزتين بينهما مدة، والباقون يهمزون الأولى ويلينون الثانية.

والتليين جعل الهمزة بين بين أي بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركة الهمزة.

"وعلى أبصارهم" ممالة: أبو عمرو وعلي غير ليث وابن حمدون وحمدويه وحمزة، وفي رواية ابن سعدان وأبي عمرو.

كذلك قوله عز وجل ﴿ بقنطار ﴾ و ﴿ بالأسحار ﴾ و ﴿ كالفخار ﴾ و ﴿ الغار ﴾ و ﴿ من أنصار ﴾ و ﴿ أشعارها ﴾ وأشباه ذلك حيث كان يعني إذا كان قبل الألف حرف مانع وبعدها راء مكسورة في موضع اللام، لأن الراء المكسورة تغلب الحروف المستعلية.

"غشاوة" بالفصل.

وقرأ حمزة في رواية خلف وابن سعدان وخلف لنفسه.

وأبو إسحق إبراهيم بن أحمد عن أبي الحرث عن علي وورش من طريق البخاري مدغمة النون والتنوين في الواو في جميع القرآن.

"عظيم" بالإشمام في الوقف، وكذلك إذا كانت الكلمة مكسورة: حمزة وعلي وخلف وهو الاختيار عندنا.

الوقوف: "لا يؤمنون" (ه) "على سمعهم" (ط) لأن الواو للاستئناف.

"غشاوة" (ز) لأن الجملتين وإن اتفقتا نظماً فالأولى بيان وصف موجود، والثانية إثبات عذاب موعود.

"عظيم" (ه) التفسير: وفيه مسائل: الأولى: فيما يتعلق بأن أما عمله من نصب الاسم ورفع الخبر فمعلوم من علم النحو.

وأما فائدته فما ذكره المبرد في جواب الكندي من أن قولهم "عبد الله قائم" إخبار عن قيامه، وقولهم: "إن عبد الله قائم" جواب عن سؤال سائل، وقولهم: "إن عبد الله لقائم" جواب عن إنكار منكر لقيامه.

وقد يضاف إليه القسم أيضاً نحو "والله إن عبد الله لقائم.

قال أبو نواس: عليك باليأس من الناس *** إن غنى نفسك في اليأس حسن موقع "إن" لأن الغالب على الناس خلاف هذا الظن، وقد يجيء إذا ظن المتكلم في الذي وجد أنه لم يوجد كقولك "إنه كان مني إليه إحسان فقابلني بالسوء" وكأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت وتبين الخطأ فيما توهمت كقوله  حكاية عن أم مريم ﴿ قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت  ﴾ وكذلك قول نوح ﴿ رب إن قومي كذبون  ﴾ .

الثانية: لما قدم ذكر أوليائه وخالصة عباده بصفاتهم الموجبة لامتداحه إياهم بها، عقب ذلك بذكر أضدادهم وهم المردة من الكفار الذين لا ينجع فيهم الهدى وسواء عليهم الإنذار وعدمه.

وإنما فقد العاطف بين القصتين خلاف ما في نحو قوله  ﴿ إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم  ﴾ لتباين الجملتين ههنا في الغرض والأسلوب، إذ الأولى مسبوقة بذكر الكتاب وإنه هدى للمتقين، والثانية لأن الكفار من صفتهم كيت وكيت، وذلك إذا جعلت "الذين يؤمنون" مبتدأ و "أولئك" خبره، لأن الكلام المبتدأ على سبيل الاستئناف مبني على تقدير سؤال، وذلك إدراج له في حكم المتقين وتصييره تبعاً له في المعنى، فحكمه حكم الأول.

وكذا إذا جعلت الموصول الثاني مبتدأ و "أولئك" خبره، لأن الجملة برأسها من مستتبعات "هدى للمتقين" لارتباط بينهما من حيث المعنى.

الثالثة: التعريف في "الذين" إما أن يراد به ناس معهودون بأعيانهم كأبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم، وإما أن يراد به الجنس متناولاً كل من صمم على كفره تصميماً لا يرعوي بعده فقط دون من عداهم من الكفار الذين أسلموا بدليل الحديث عنهم باستواء الإنذار وتركه عليهم.

الرابعة: الكفر نقيض الإيمان فيختلف تعريفه باختلاف تعريف الإيمان، وقد تقدم.

وأصل الكفر الستر والتغطية ومنه الكافر لأنه يستر الحق ويجحده، والزارع كافر لأنه يستر الحب، والليل المظلم كافر لأنه بظلمته يستر كل شيء، والكافر الذي كفر درعه بثوب أي غطى ولبسه فوقه.

قال في التفسير الكبير: "كفروا" إخبار عن كفرهم بصيغة الماضي فيقتضي كون المخبر عنه متقدماً على ذلك الإخبار.

فللمعتزلة أن يحتجوا بهذا على أن كلام الله محدث، فإن القديم يستحيل أن يكون مسبوقاً بالغير.

قلت: التحقيق في هذا وأمثاله أن كلامه  أزلي إلا أن حكمته في باب التفهيم والتعليم اقتضت أن يكون كلامه على حسب وصوله إلى السامعين ضرورة كونهم متزمنين، فكل ما هو متقدم على زمان الوصول وقع الإخبار عنه في الأزل بلفظ الماضي، وكل ما هو متأخر عن زمان الوصول وقع الإخبار عنه بلفظ المستقبل نحو ﴿ لتدخلن المسجد الحرام  ﴾ ﴿ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب  ﴾ وإلا اختل نظام التفاهم والتخاطب.

ومن هذا يعلم أن قوله ﴿ سنلقي ﴾ ليس كونه مستقبلاً بالنظر إلى الأزل مقصوداً بالنسبة إلى المخاطبين، وإنما المقصود استقباله بالنظر إلى زمان نزول الآية فافهم.

الخامسة: "سواء" اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر ﴿ تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم  ﴾ ﴿ في أربعة أيام سواء للسائلين  ﴾ يعني مستوية، وارتفاعه على أنه خبر "إن" و "أأنذرتهم أم لم تنذرهم" في موضع الفاعل أي مستو عليهم إنذارك وعدمه نحو: إن زيداً مختصم أخوه وابن عمه.

ويحتمل أن يكون أأنذرتهم أم لم تنذرهم" في موضع الابتداء، و "سواء" خبر مقدم، والجملة خبر "إن".

و إنما صح وقوع الفعل مخبراً عنه مع أنه أبداً خبر نظراً إلى المعنى كقولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن.

معناه لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن، وإن كان ظاهر اللفظ على ما لا يصح من عطف الاسم على الفعل، فإن "أن" مع الفعل في تقدير المصدر على الفعل وهو النهي، وقد جردت الهمزة.

و "أم" لمعنى الاستواء وسلخ عنهما معنى الاستفهام رأساً.

قال سيبويه: هذا مثل قولهم "اللهم اغفر لنا أيتها العصابة" يعني أن هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام، كما أن ذاك جرى على صورة النداء ولا نداء.

ومعنى الاستواء في الداخل عليهما "الهمزة" و "أم" استواؤهما في علم المستفهم، لأنه قد علم أن أحد الأمرين كائن لكن لا بعينه وكلاهما معلوم بعلم غير معين.

والحاصل أن الاستفهام يلزمه معنيان: أحدهما استواء طرفي الحكم في ذهن المستفهم، والثاني طلب معرفة أحدهما فجرد هذا الترتيب لمعنى الاستواء وسلخ عنه الطلب.

وفائدة العدول عن العبارة الأصلية وهي سواء عليهم الإنذار وعدمه، أن يعلم أن قطع الرجاء وحصول اليأس عنهم إنما حصل بعد إصرارهم وكانوا قبل ذلك مرجواً منهم الإيمان، لا في علم الله  بل في علمنا، فنزلت الآية بحسب ما يليق بحالنا في باب التقرير والتصوير.

أو نقول: فائدته أن يعلم أن استواء الطرفين بلغ مبلغاً يصح أن يستفهم عنه لكونه خالياً عن شوب التخمين وترجيح أحد الطرفين بوجه، فإن قول القائل "الإنذار وعدمه مستويان عليهم" يمكن أن يحمل على التقريب لا التحقيق، بخلاف ما لو أخبر عن الأمرين بطريق الهمزة وأم فافهم.

والإنذار التخويف من عقاب الله بالزجر عن المعاصي، وإنما ذكر الإنذار دون البشارة لأن المقام مقام المبالغة، وتأثير الإنذار في الفعل والترك أقوى لأن دفع الضرر أهم من جلب النفع.

وقوله "لا يؤمنون" إما جملة مؤكدة للتي قبلها، أو خبر لأن والجملة قبلها اعتراض.

السادسة: الختم والكتم أخوان، لأن في الاستيثاق من الشيء يضرب الخاتم عليه كتماً له وتغطية لئلا يتوصل إليه ولا يطلع عليه.

والغشاوة الغطاء فعالة من غشاه إذا غطاه، وهذا البناء لما يشتمل عليه كالعصابة والعمامة.

والقلب يراد به تارة اللحم الصنوبري المودع في التجويف الأيسر من الصدر وهو محل الروح الحيواني الذي هو منشأ الحس والحركة وينبعث منه إلى سائر الأعضاء بتوسط الأوردة والشرايين، ويراد به تارة اللطيفة الربانية التي بها يكون الإنسان إنساناً وبها يستعد لامتثال الأوامر والنواهي والقيام بمواجب التكاليف ﴿ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب  ﴾ .

وهي من عالم الأمر الذي لا يتوقف وجوده على مادة ومدة بعد إرادة موجده له ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون  ﴾ .

كما أن البدن بل اللحم الصنوبري من عالم الخلق الذي هو نقيض ذلك ﴿ ألا له الخلق والأمر  ﴾ .

وقد يعبر عنها بالنفس الناطقة ﴿ ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها  ﴾ وبالروح ﴿ قل الروح من أمر ربي  ﴾ ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ والسمع قوة مرتبة في العصب المتفرق في سطح الصماخ، تدرك صورة ما يتأدى إليه بتموج الهواء المنضغط بين قارع ومقروع مقاوم له انضغاطاً بعنف يحدث منه تموّج فاعل للصوت، فيتأدى إلى الهواء المحصور الراكد في تجويف الصماخ ويموّجه بشكل نفسه وتماس أمواج تلك الحركة تلك العصبة فتسمع قاله ابن سينا.

ولعل هذا في الشاهد فقط، وأما البصر فقال ابن سينا: هي قوة مرتبة في العصبة ا لمجوفة تدرك صورة ما ينطبع في الرطوبة الجليدية من أشباح الأجسام ذوات اللون المتأدية في الأجسام الشفافة بالفعل إلى سطوح الأجسام الصيقلية.

وزعم غيره أن البصر يخرج منه شيء فيلاقي المبصر ويأخذ صورته من خارج ويكون من ذلك إبصار.

وفي الأكثر يسمون ذلك الخارج شعاعاً.

والحق عندي أن نسبة البصر إلى العين نسبة البصيرة إلى القلب، ولكل من العين والقلب نور.

أما نور العين فمنطبع فيها لأنه من عالم الخلق، فهو نور جزئي ومدركه جزئي، وأما نور القلب فمفارق لأنه من عالم الأمر، وهو نور كلي ومدركه كلي.

وإدراك كل منهما عبارة عن وقوع مدركه في ذلك النور، ولكل منهما بل لكل فرد من كل منهما حد ينتهي إليه بحسب شدته وضعفه.

ويتدرج في الضعف بحسب تباعد المرئي حتى لا يدركه، أو يدركه أصغر مما هو عليه.

ولا يلزم من قولنا "إن للبصر نوراً يقع في المرئي" أن يشتد النور إذا اجتمع بصراء كثيرة في موضع واحد قياساً على أنوار الكواكب والسرج، فإن ذلك الانضمام من خواص الأنوار المحسوسات، والملزومات المختلفة لا تستدعي الاشتراك في اللوازم.

وهذا القدر من التحقيق في تفسير القلب والسمع والبصر كافٍ بحسب المقام.

ثم اللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في حكم الختم وفي حكم التغشية، إلا أن الأولى دخولها في حكم الختم لقوله  ﴿ وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة  ﴾ ولهذا يوقف على "سمعهم" دون "قلوبهم".

وفي تكرير الجار إيذان باستقلال الختم على كل من القلب والسمع، وإنما وحد السمع لوجوه منها: أمن اللبس كما في قوله: كلوا في بعض بطنكم تعفوا.

فإن زمانكم زمن خميص.

إذ لا يلتبس أن لكل واحد بطناً، ولهذا إذا لم يؤمن نحو فرسهم وثوبهم والمراد الجمع رفضوه.

ومنها أن السمع في الأصل مصدر والمصادر لا تجمع فلمح الأصل، ولهذا جمع الأذن في قوله ﴿ وفي آذاننا وقر  ﴾ .

ومنها أن يقدر مضاف محذوف أي على حواس سمعهم، ومنها الاستدلال بما قبله وبما بعده على أن المراد به الجمع مثل ﴿ عن اليمين والشمائل  ﴾ ﴿ يخرجهم من الظلمات إلى النور  ﴾ .

السابعة: من الناس من قال: السمع أفضل من البصر، لتقديمه في اللفظ ولأنه شرط النبوة.

فما بعث رسول أصم بخلاف البصر فمن الأنبياء من كان مبتلى بالعمى، ولأن السمع سبب وصول المعارف ونتائج العقول إلى الفهم، والبصر سبب وصول المحسوسات إلى المبصر.

ولأن السمع يتصرف في الجهات الست دون البصر، ولأن فاقد السمع في الأصل فاقد النطق، بخلاف فاقد البصر.

ومنهم من فضل البصر لأن متعلق الأبصار النور، ومتعلق الأسماع الريح.

والبصر يرى من بعيد دون السمع، ولأن عجائب الله  في تخليق العين أكثر منها في تخليق السمع.

وقد أسمع الله كلامه موسى من غير سبق سؤال ونوقش في الرؤية وفي المثل "ليس وراء العيان بيان".

وفي العين جمال الوجه دون السمع.

والحق أن من فقد حساً فقد فقد علماً وهو المتوقف على ذلك الحس.

ولا ريب أن معظم العلوم يتوقف تحصيلها على البصر والإرشاد، والتعليم على الإطلاق يتوقف على السمع.

فكل من الحواس في موضعه ضروري، وتفضيل البعض على البعض تطويل بلا طائل، فسبحان من دقت في كل مصنوع حكمته وأحسن كل شيء خلقه.

الثامنة: الآية الأولى فيها الإخبار بأن الذين كفروا لا يؤمنون، والإنذار وعدمه عليهم سيان.

والآية الثانية فيها بيان السبب الذي لأجله لم يؤمنوا وهو الختم والتغشية، فاحتج أهل السنة بالآيتين ونظائرهما على تكليف ما لا يطاق، وعلى أن الله  هو الذي خلق فيهم الداعية الموجبة للكفر وختم على قلوبهم وسمعهم ومنعهم عن قبول الحق والصدق، وكل بتقديره ولا يسأل عما يفعل.

وأما المعتزلة وأمثالهم فيقولون: كيف ينشئ فيهم الكفر ثم يقول: لم تكفرون؟

وخلق فيهم ما به لبس الحق بالباطل ثم يقول لم تلبسون الحق بالباطل؟

ونحو ذلك من الآيات الدالة على أن الكفر باختيار العبد وقدرته.

فتأولوا الآية على انها جارية مجرى قولهم "فلان مجبول على كذا أو مفطور عليه" يريدون أنه بليغ في الثبات عليه، أو على أنها تمثيل لحال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق بحال قلوب ختم الله عليه حتى دخلوا في زمرة الأنعام لا تعي شيئاً ولا تفقه كقولهم "سال به الوادي" إذا هلك، و "طارت به العنقاء" إذا أطال الغيبة.

وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه ولا في طول غيبته، وإنما مثلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء، والشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر.

إلا أن الله تعالى لما كان هو الذي أقدره ومكنه أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى المسبب في قولهم "بنى الأمير المدينة" أو أنهم لما ترقى أمرهم في التصميم على الكفر إلى حدّ لا يتناهون عنه إلا بالقسر والإلجاء، ثم لم يقسرهم الله ولم يلجئهم لئلا ينتقض الغرض من التكليف، عبر عن ترك القسر والإلجاء بالختم.

أو يكون حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكماً بهم من قولهم ﴿ قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب  ﴾ ويحكى أن الإمام أبا القاسم الأنصاري سئل عن تكفير المعتزلة في هذه المسألة فقال: لا، لأنهم نزهوه عما يشبه الظلم والقبيح ولا يليق بالحكمة.

وسئل عن أهل الجبر فقال: لا، لأنهم عظموه حتى لا يكون لغيره قدرة وتأثير وإيجاد.

وزعم الإمام فخر الدين أن إثبات الإله يلجئ إلى القول بالجبر لأن الفاعلية لو لم تتوقف على الداعية لزم وقوع الممكن من غير مرجح وهو نفي الصانع، وإثبات الرسول يلجئ إلى القول بالقدر لأنه لو لم يقدر العبد على الفعل فأيّ فائدة في بعثة الرسل وإنزال الكتب؟

أو نقول: لما رجعنا إلى الفطرة السليمة وجدنا أن ما استوى الوجود والعدم بالنسبة إليه يترجح أحدهما على الآخر إلا المرجح، وهذا يقتضي الجبر.

ونجد تفرقة ضرورية بين حركات الإنسان الاختيارية وبين حركات الجمادات والحركات الاضطرارية، وذلك يقتضي مذهب الاعتزال فلذلك بقيت هذه المسألة في حيز الإشكال.

قلت - وبالله  التوفيق -: عندي أن المسألة في غاية الاستنارة والسطوع إذا لوحظت المبادئ ورتبت المقدمات، فإن مبدأ الكل لو لم يكن قادراً على كل الممكنات وخرج شيء من الأشياء عن علمه وقدرته وتأثيره وإيجاده بواسطة أو بغير واسطة لم يصلح لمبدئية الكل.

فالهداية والضلالة، والإيمان والكفر، والخير والشر، والنفع والضر، وسائر المتقابلات، كلها مستندة ومنتهية إلى قدرته وتأثيره وعلمه وإردته.

والآيات الناطقة بصحة هذه القضية كقوله  ﴿ ولو شاء لهداكم أجمعين  ﴾ ﴿ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها  ﴾ ﴿ قل كل من عند الله  ﴾ كثيرة.

وكذا الأحاديث "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس" "احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى" الحديث.

فهذه القضية مطابقة للعقل والنقل، وبقي الجواب عن اعتراضات المخالف.

أما حكاية التنزيه عن الظلم والقبائح فأقول: لا ريب أنه تعالى منزه عن جميع القبائح، ولكن لا بالوجه الذي يذكره المخالف إذ يلزم منه النقص من جهة أخرى وهو الخلل في مبدئيته للكل وفي كونه مالك الملك.

بل الوجه أن يقال: إن لله تعالى صفتي لطف وقهر، ومن الواجب في الحكمة أن يكون الملك.

ولا سيما ملك الملوك، كذلك، إذ كل منهما من أوصاف الكمال ولا يقوم أحدهما مقام الآخر، ومن منع ذلك كابر وعاند.

ولا بد لكل من الوصفين من مظهر، فالملائكة ومن ضاهاهم من الأخيار مظاهر اللطف، والشياطين ومن والاهم من الأشرار مظاهر القهر، ومظاهر اللطف هم أهل الجنة والأعمال المستتبعة لها، ومظاهر القهر هم أهل النار والأفعال المعقبة إياها.

وههنا سر وهو أن اللطف والقهر والجنة والنار إنما يصح وجود كل من كل منهما بوجود الآخر، فلولا القهر لم يتحقق اللطف، ولولا النار لم تثبت الجنة، كما أنه لولا الألم لم تتبين اللذة، ولولا الجوع والعطش لم يظهر الشبع والري.

ولله در القائل: "وبضدها تتبين الأشياء".

فخلق الله  للجنة خلقاً يعملون بعمل أهل الجنة، وللنار خلقاً يعملون بعمل أهل النار.

ولا اعتراض لأحد عليها في تخصيص كل من الفريقين بما خصصوا به فإنه لو عكس الأمر لكان الاعتراض بحاله.

وههنا تظهر حقيقة الشقاوة والسعادة ﴿ فمنهم شقي وسعيد  ﴾ الآية: وقال  : "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات، فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد" الحديث.

وإذا تؤمل فيما قلت، ظهر أن لا وجه بعد ذلك لإسناد الظلم والقبائح إليه  ، لأن هذا الترتيب والتمييز من لوازم الوجود والإيجاد كما يشهد به العقل الصريح، ولا سيما عند المخالف القائل بالتحسين والتقبيح العقليين.

وليت شعري لم لا ينسب الظلم إلى الملك المجازي حيث يجعل بعض من تحت تصرفه وزيراً قريباً وبعضهم كناساً بعيداً لأن كلاً منهما من ضرورات المملكة، وينسب الظلم إليه  في تخصيص كل من عبيده بما خصص به، مع أن كلاً منهم ضروري في مقامه؟!

فهذا القائل بهدم بناء حكمته،  ، ويدعي أنه يحفظه فأفسد حين أصلح.

وأما قوله "أي فائدة في بعثة الرسل وإنزال الكتب" ففي غاية السخافة، لأنا لما بينا أنه  يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فكيف يبقى للمعترض أن يقول: لما جعل الله  الشيء الفلاني سبباً وواسطة للشيء الفلاني؟

كما أنه ليس له أن يقول مثلاً لم جعل الشمس سبباً لإنارة الأرض؟

غاية ما في الباب أن يقول إذا علم الله  أن الكافر لا يؤمن فلم يأمره بالإيمان ويبعث إليه النبي  فأقول: فائدة بعث الأنبياء وإنزال الكتب بالحقيقة ترجع إلى المؤمنين الذين جعل الله بعثهم وإنزالها سبباً وواسطة لاهتدائهم ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها  ﴾ كما أن فائدة نور الشمس تعود إلى أصحاب العيون الصحاح.

وأما فائدة ذلك بالنسبة إلى المختوم على قلوبهم فكفائدة نور الشمس بالنسبة إلى الأكمه ﴿ وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون  ﴾ غاية ذلك إلزام الحجة وإقامة البينة عليهم ظاهراً ﴿ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل  ﴾ ﴿ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً  ﴾ وهو بالحقيقة النعي عليهم بأنهم في أصل الخلقة ناقصون أشقياء.

وهذا المعنى ربما لا يظهر لهم أيضاً لغاية نقصانهم كما أن الأكمة ربما لا يصدق البصراء ولا يعرف أن التقصير والنقصان منه، وأن سائر الشرائط من محاذاة المرئي وظهور النير موجودة وإنما يعرف نقصانهم أرباب الأبصار.

وأما حديث التفرقة الضرورية بين الحركات الاختيارية والحركات الاضطرارية كالرعشة مثلاً فأقول: لا ريب أن للإنسان إرادات وقوى بها يتم له حصول الملائم واجتناب المنافي، إلا أن تلك الإرادات والقوى مستندة إلى الله  ، فكأنه لا اختيار له.

والتفرقة المذكورة سببها في أن الرعشة نقصت واسطة هي الداعية، وفي الحركة المسماة بالاختيارية زادتواسطة فافهم هذه الحقائق والإشارات واستعن بها في سائر ما يقرع سمعك من هذا القبيل،فلعلنا لا نكررها في كل موضع حذراً من التطويل.

ومن لم يستضئ بمصباح لا يستفيدبإصباح ﴿ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل  ﴾ .

التاسعة: العذاب مثل النكال؛ بناء ومعنى، لأنك تقول: أعزب عن الشيء إذا أمسك عنه كما تقول: نكل عنه.

ومنه العذاب لأنه يقمع العطش ويردعه بخلاف الملح فإنه يزيده.

ثم اتسع فيه فسمي كل ألم فادح عذاباً وإن لم يكن نكالاً أي عقاباً يرتدع به الجاني عن المعاودة.

والفرق بين العظيم والكبير، أن العظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير، ويستعملان في المعاني والأعيان جميعاً.

تقول: رجل عظيم وكبير تريد جثته أو خطره.

ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعاً من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات الله.

ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا الله نعوذ بالله منه.

العاشرة:اتفق المسلمون أكثرهم على أنه يحسن من الله  تعذيب الكفار.

وقال بعضهم: لا يحسن، وفسروا قوله "ولهم عذاب عظيم" وكذا كل وعيد ورد في القرآن بأنهم يستحقون ذلك، لكن كرمه يوجب عليه العفو.

وذكروا أيضاً دلائل عقلية مبنية على الحسن والقبح كقولهم: التعذيب ضرر خالٍ عن المنفعة لأن الله  منزه عن ذلك والعبد يتضرر به، ولو سلم أنه ينتفع به فالله قادر على إيصال النفع إليه من غير توسط ذلك العذاب، والضرر خال عن المنافع قبيح بالبديهة.

وكقولهم: علم أن الكافر لا يظهر منه إلا العصيان، فتكليفه أمراً متى لم يفعل ترتب عليه العذاب، وما كان مستعقباً للضرر من غير نفع كان قبيحاً، فلم يبق إلا أن يقال: لم يوجد هذا التكليف، أو وجد لكنه لا يستعقب العقاب.

وكقولهم: إنه  هو الخالق لداعية المعصية، فيقبح أن يعاقب عليها.

وكقولهم: إن العبد لو واظب على الكفر طول عمره فإذا تاب ثم مات عفا الله عنه.

أترى هذا الكرم العظيم ما بقي في الآخرة، أو سلبت عقول أولئك المعذبين فلا يتوبون عن معاصيهم، وإذا تابوا فلم لا يقبل الله منهم توبتهم؟

ولم كان في الدنيا بحيث قال: ﴿ ادعوني أستجب لكم  ﴾ وفي الآخرة بحيث لا يجيب دعاءهم إلا بقوله ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\] وأجيب بأن تعذيبهم نقل إلينا بالتواتر عن النبي  فلا مصير إلى إنكاره، والشبه التي تمسكتم بها تنهدم بانهدام قاعدة الحسن والقبح.

وأقول: قد بينت بالبرهان النير في المسألة الثامنة أن وقوع فريق في طريق القهر ضروري في حكمته  ، وكل ما تقتضيه حكمته وكماله كان حسناً.

ومن ظن أنه قبيح كان الخلل في عقله وقصور في فهمه، فلا قبيح في النظر إلا وهو حسن من جهات أخرى لا يعلمها إلا منشئها وموجدها.

وهل يستقبح أحد وقوع بعض الأحجار للملوك تيجاناً وبعضها للحشوش جدراناً، أو وقوع بعض من الحديد سيفاً يتقلده الناس وبعضه نعلاً يطؤها الأفراس، حيث يرى كلاً منهما في مصالح الوجود ضرورياً؟

ثم العذاب وهو بالحقيقة البعد من الله  لازم للكفر والعصيان، والملزوم لا ينفك من اللازم.

وأما سبب عدم انتفاع الكافر والعاصي بالإيمان والتوبة بعد المفارقة، فذلك أن محل الكسب هو الدنيا، والتكليف بامتثال الأوامر والنواهي إنما وقع فيها.

فليس لأحد أن يؤخر الامتثال إلى الآخرة.

ألا ترى أنه لو قال طبيب حاذق لمريض: اشرب الدواء الفلاني في اليوم الفلاني فقصر وأخر حتى إذا مضى وقته وأشرف على الهلاك قال: إني أشرب الآن، لم ينفعه ذلك الدواء ولا يسعه إلا الهلاك؟

وكذا لو قال ملك لواحد: افعل الأمر الفلاني في هذا الوقت ففعله في وقت آخر لم يعد ممتثلاً ولا ينفعه الائتمار به لأن غرض الامتثال قد فات، ولا سيما إذا فعل بعد أن يرى أمارات الغضب وعلامات العذاب { ﴿ فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون  ﴾ .

 .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

هذا - والله أعلم - في قوم خاص، عَلِمَ الله أَنهم لا يؤمنون فأَخبر عز وجل رسولَه بذلك، فكان كما قال.

وفيه آية النُّبوَّة.

ويحتمل أَيضاً: أَنهم لا يؤمنون ما داموا في كفرهم؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ والكافرون ما داموا كافرين ظالمون.

وقوله: ﴿ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ﴾ .

روي عن الحسن: "إن للكافر حدا إذا بلغ ذلك الحد، وعلم الله منه أنه لا يؤمن، طبعَ على قلبه حتى لا يؤمن".

وهذا فاسد على مذهب المعتزلة لوجهين: أحدهما: أَن مذهبهم أَن الكافر مكلف، وإن كان قلبه مطبوعاً عليه.

والثاني: أن الله - عز وجل - عالم بكل من يؤمن في آخر عمره، وبكل من لا يؤمن أَبداً، بلغ ذلك الحد أَو لم يبلغ.

فعلى ما يقوله الحسن إيهام أَنه لا يعلم ما لم يبلغ ذلك.

والمعتزلةُ يقولون: إن قوله: ﴿ خَتَمَ ﴾ ، و ﴿ طَبَعَ ﴾ يُعلم عَلاَمةً في قلبه أَنه لا يؤمن كإعلام الكتب والرسائل.

ولكن عندنا: خلق ظلمة الكفر في قلبه.

والثاني: خلق الختم والطبع على قلبه [إذا فَعَل فِعْل الكفر؛ لأَن] فِعْل الكفر من الكافر مخلوق عندنا، فخلق ذلك الختم عليه؛ وهو كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً  ﴾ أي: خلق الأَكنة.

وغيرهِ من الآيات.

والأَصل في ذلك: أَنه ختم على قلوبهم لما تركوا التأَمل، والتفكر في قلوبهم فلم يقع، وعلى سمعهم لما لم يسمعوا قول الحق والعدل، خلق الثقل عليه، وخلق على أَبصارهم الغطاءَ لما لم ينظروا في أَنفسهم، ولا في خلق الله ليعرفوا زوالها وفناءَها وتغير الأحوال؛ ليعلموا أن الذي خلق هذا دائِم لا يزول أَبداً.

وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ .

إخبار منهم أنهم قالوا ذلك بأَلسنتهم قولا، وأَظهروا خلاف ما في قلوبهم؛ فأَخبر عز وجل نبيّه عليه الصلاة والسلام: أَنهم ليسوا بمؤمنين، أي: بمصدقين بقلوبهم.

وكذلك قوله: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ  ﴾ .

وكذلك قوله: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ...

﴾ الآية [النساء: 65].

هذه الآيات كلها تنقض على الكراميَّةِ؛ لأَنهم يقولون: الإِيمان قول باللسان دون التصديق.

فأَخبر الله - عز وجل - عن جملة المنافقين أَنهم ليسوا بمؤمنين لما لم يأْتوا بالتصديق، وهذا يدل على أن الإِيمان تصديق بالقلب.

والكراميّة يقولون: بل هم مؤمنون.

وقوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ .

لا يقصد أحد مخادعة الله، لكنهم كانوا يقصدون مخادعة المؤمنين، وأَولياءِ الله، فأَضاف الله عز وجل ذلك إلى نفسه؛ لعِظم قدرهم، وارتفاع منزلتهم عند الله؛ وهو كقوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ  ﴾ ، والله لا يحتاج أَن ينصر، ولكن كأَنه قال: إن تنصروا أولياء الله ينصركم؛ وهو كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ  ﴾ والله لا يُبايَع، ولكن إضافة ذلك إلى نفسه؛ لعظم قدر نبيه، وعلو منزلته عند الله  ، فكذلك الأَول أَضاف مخادعتهم أَولياءَه إلى نفسه لعلو منزلتهم عند الله وقدرهم لديه.

والمخادعة هو فعل اثنين؛ لخداع هؤلاءِ بحضور المؤمنين؛ لذلك المعنى ذكر المفاعلة.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم ﴾ .

الأول: أي حاصل خداعهم، ووباله يرجع إليهم.

والثاني: أنهم يُظهرون لهم الموافقة ليأْمنوا، فلحقهم خوف دائم بذلك الخداع في الدنيا.

وقوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ .

الأَول: أي: ما يشعرون أَن حاصل الخداع يرجع إليهم في الآخرة.

والثاني: ما يشعرون أَن الله يظهر، ويطلع نبيه على ما أَضمروا هم في قلوبهم، و الله أعلم.

وقوله: ﴿ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ .

يقال: شكٌ ونفاق؛ سَمَّى عز وجل المنافقين مرضى؛ لاضطرابهم في الدين؛ لأَنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين بالقول، ويضمرون الخلاف لهم بالقلب؛ فكان حالهم كحال المريض الذي هو مضطرب بين الموت والحياة؛ إذ المريض يشرف - ربما - على الموت، ويرجو الإقبال عليه منه ثانياً؛ فهو مضطرب بين ذلك، فكذلك هم، لما كانوا مضطربين في دينهم سماهم مرضى.

وأما سائِر الكفرة فإنهم لم يضطربوا في الدين، بل أَظهروا بالقول على ما أَضمروا بالقلب؛ فسماهم موتى، لما لم ينتفعوا بحياتهم، ولم يكتسبوا الحياة الدائمة.

وسمى المؤمنين أَحياء؛ لما انتفعوا بحياتهم، واكتسبوا الحياة الدائمة، لموافقتهم باللسان والقلب جميعاً لدين الله - عز وجل - والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً ﴾ .

اختلف في تأْويله: قالت المعتزلة: هو التخلية بينهم وبين ما اختاروا.

وأما عندنا: فهُو على خلق أَفعال زيادة الكفر والنفاق في قلوبهم، لما زادوا هم في كل وقت من إظهار الموافقة للمؤمنين بالقول، وإضمار الخلاف لهم بالقلب، خلق الله عز وجل تلك الزيادة من المرض في قلوبهم باختيارهم.

وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم في قوله: ﴿ ٱهْدِنَا ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ .

لأَن عذاب الدنيا قد يكون ولا أَلم فيه؛ فأخبر الله عز وجل أن عذاب الآخرة عذاب شديد عظيم، ليس كعذاب الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين كفروا مستمرون على ضلالهم وعنادهم، فإنذارك لهم وعدمه سواء.

<div class="verse-tafsir" id="91.01rBp"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كان الذي تقدم بيانًا من الله تعالى لصنفين من الناس لهم في القرآن هداية ولنفوسهم إلى الاهتداء به انبعاث: الأول - من الصنفين أولئك الذين يبلغهم لأول مرة، وهم ممن يخشى الله ويهاب سلطانه، وفي أصول اعتقادهم الإيمان بما وراء الحس، على ما تقدم.

والثاني - أولئك الذين آمنوا بما أنزل إلى النبي  وما أنزل من قبله.

وهذا الصنف قد يجتمع مع الذي قبله فيمن كانوا متقين مؤمنين بالغيب، ثم آمنوا بالنبي وبما جاء به، وقد يفترق الصنفان فيمن بقي إلى اليوم لم تبلغه الدعوة وهو على تلك الأوصاف، ومن ولد من آباء مؤمنين ثم صدق إيمانه بعد أن بلغ رشده وملك عقله.

أما هاتان الآيتان فقد بينتا حال طائفة ثالثة من الناس وهم الكافرون، ثم يبين قوله تعالى ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ  ﴾ الخ..

حال طائفة أخرى أخص منها وهم المنافقون، الذين يظهر من أقوالهم وفي بعض أفعالهم أنهم مؤمنون، ولكنهم في حقيقة أمرهم كافرون، بل شر من الكافرين.

فهذه أقسام أربعة ينقسم إليها الناس إذا بلغهم القرآن ونظروا فيه، ودعوا إلى الإيمان به والأخذ بهديه.

بيَّن الله تعالى لنبيه أنه إذا كان يوجد في الناس من لا يؤمن بالقرآن فليس هذا عيبًا وتقصيرًا في هداية الكتاب، وإنما العيب فيهم لا في الكتاب، لأنه هداية كسائر الهدايات الطبيعية التي أعرض الناس وعموا عنها، كهداية العقل والسمع والبصر ونحوها مما أكرم الله به هذا النوع البشري، وقد يحكم الرجل بأن في العمل مضرة تلحق به، ومع ذلك يعدل عن حكمه انتهازًا للذة زينها له حسه أو وهمه، ويأتي ذلك العمل على ما يعلم من سوء مغبته، فاحتقار الرجل لعقل نفسه لا يعد عيبًا في تلك الموهبة الإلهية ولا يحط من شأن النعمة فيها.

انظر إلى رجل يغمض عينيه ويمشي في طريق لا يعرفها فيسقط في حفرة وتتحطم عظامه، هل ينقص ذلك من قدر بصره، ويبخس من حق الله في الإحسان به، على هذا الذي لم يرد أن يستعمله فيما خلق له؟!

ففي الكلام تسلية لأهل الحق وسيدهم هو النبي  ، فهو تسلية له أولًا وبالأولى.

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ ..

الكفر هنا عبارة عن جحود ما صرح الكتاب المنزل أنه من عند الله، أو جحود الكتاب نفسه، أو النبي الذي جاء به، وبالجملة ما علم من الدين بالضرورة بعد ما بلغت الجاحد رسالة النبي  بلاغًا صحيحًا، وعرضت عليه الأدلة على صحتها لينظر فيها فأعرض عن شيء من ذلك وجحد عنادًا أو تساهلًا أو استهزاءً.

نعني بذلك أنه لم يستمر في النظر حتى يؤمن.

ولم نسمع أن أحدًا من الصحابة  ، كفر أحدًا بما وراء هذا.

فما عداه من الأفاعيل والأقاويل المخالفة لبعض ما أسند إلى الدين، ولم يصل العلم بأنه منه إلى حد الضرورة -أي لم يكن سنده قطعيًا كسند الكتاب- فلا يعد منكره كافرًا إلا إذا قصد بالإنكار تكذيب النبي  ، فمتى كان للمنكر سند من الدين يستند إليه فلا يكفر، وإن ضعفت شبهته في الاستناد إليه، ما دام صادق النية فيما يعتقد، ولم يستهن بشيء مما ثبت بالقطع وروده عن المعصوم  .

وقد تجرأ بعض المتأخرين على تكفير من يتأول بعض الظنيات، أو يخالف شيئًا مما سبق الاجتهاد فيه، أو ينكر بعض المسائل الخلافية، فجرؤوا الناس على هذا الأمر العظيم، حتى صاروا يكفرون من يخالفهم في بعض العادات، وإن كانت من البدع المحظورات، ثم هم على عقائد الكافرين، وأخلاق المنافقين، ويعملون أعمال المشركين ويصفون أنفسهم بالمؤمنين الصادقين.

الكافرون أقسام: (منهم) من يعرف الحق وينكره عنادًا، وهؤلاء هم الأقلون ولا ثبات لهم ولا قوام، وكان منهم في زمن النبي  جماعة من المشركين واليهود، ولم يلبثوا أن انقرضوا.

كنت قلت في هذا المعنى كلمة جديرة بأن تحفظ وهي:"إن جحود الحق مع العلم به كاليقين في العلم كلاهما قليل في الناس".

(ومنهم) من لا يعرف الحق، ولا يريد ولا يحب أن يعرفه، وهم الذين قال الله تعالى فيهم ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ  وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ  ﴾ .

هؤلاء كلما صاح بهم صائح الحق فزعوا ونفروا، وأعرضوا واستكبروا، ففي أنفسهم شعور بالحق، ولكنهم يجدون فيها زلزلة، كلما لاح لهم شعاعه يحجبونه عن أعينهم بأيديهم، وسبب ذلك أنهم لم يستعملوا أنظارهم في فهم الحق، ويخافون لو استعملوها أن ينقصهم شيء مما يظنونه خيرًا ويتوهمونه معقودًا بعقائدهم التي وجدوا عليها آباءهم وساداتهم.

(ومنهم)من مرضت نفسه واعتل وجدانه، فلا يذوق للحق لذة، ولا تجد نفسه فيه رغبة، بل انصرف عنه إلى هموم أُخَرَ، ملكت قلبه وأسرت فؤاده، كالهموم التي غلبت أغلب الناس اليوم على دينهم وعقولهم، وهي ما استغرقت كل ما توفر لديهم من عقل وإدراك، واستنفدت كل ما يملكون من حول وقوة في سبيل كسب مال أو توفير لذة جسمانية، أو قضاء شهوة وهمية، فعمي عليهم كل سبيل سوى سبل ما استهلكوا فيه، فإذا عرض عليهم حق أو ناداهم إليه منادٍ، رأيتهم لا يفهمون ما يقول الداعي ولا يميزون بين ما يدعو إليه، وبين ما هم عليه، فيكون حظ الحق منهم الاستهزاء والاستهانة بأمره، فإذا وعدهم أو أوعدهم النذير، قالوا: لا نصدق ولا نكذب حتى ننتهي إلى ذلك المصير، وهذا القسم، كالذي قبله، كثير العدد في الناس في كل زمان ومكان، خصوصًا في الأمم التي يفشو فيها الجهل، وتنطمس من أفرادها أعين الفطرة، وتنضب من أنفسهم ينابيع الفضائل، فيصبحون كالبهائم السائمة لا همَّ لهم إلا فيما يملأ بطونهم أو يداعب أوهامهم، ويصح جمع هذين القسمين تحت قسم واحد وهو قسم المعرضين الجاحدين الجاهلين، والقسم الأول هو قسم المعاندين المكابرين.

فكل من هذه الفرق ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ  ﴾ ..

الإنذار الإخبار والإعلام بالشيء المقترن بالتخويف مما يترتب عليه من فعل يتضمن ذمه وطلب تركه أو ترك لأمر يتضمن مدحه وطلب فعله، نصًا أو اقتضاءً، والسواء اسم مصدر بمعنى الاستواء.

والمعنى أن الذين كفروا ولم يدخلوا في قسم المستعدين للإيمان لرسوخهم في الكفر، يستوي الإنذار وعدمه بالنسبة إليهم في الواقع، فالذي يعرض عن النور مع العلم به ويغمض عينيه كيلا يراه بغضًا له لذاته أو تأذيًا به، أو عنادًا وعداوة لمن دعاه إليه - ماذا يفيده النور، وماذا يعيب النور من إعراضه؟

والذي لا يعرف النور ولا يحب أن يعرفه لأن فساد طبيعته وخبث تربيته أنآه عنه وأبعده، وجعله يألف الظلمة كالخفاش، أو أفسد الجهل وجدانه فأصبح لا يميز بين نور وظلمة، ولا بين نافع وضار، ولا بين لذيذ ومؤلم، ماذا عساه يفيده النور مهما سطع، أو يؤثر فيه الضوء مهما ارتفع.

ثم وصف سبحانه فقدهم لهذا الاستعداد، ورسوخهم في الكفر الذي لم يبق معه محل لغيره بهذا التعبير البليغ ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ  ﴾ .

يقولون إن الختم والطبع والرين ألفاظ تجري على شيء واحد وهو: تغطية الشيء والحيلولة بينه وبين ما من شأنه أن يدخله ويمسه، والقلوب مراد بها العقول، والمراد بالسمع والأسماع، وأفراده لأن أصله مصدر ومن شأن المصادر أن لا تجمع، وقد لوحظ هنا الأصل، والأبصار العيون التي تدرك المبصرات من الأشكال والألوان.

وأنا أرى في مسألة هذا الجمع والإفراد رأيًا آخر، إذ لو صح ما قيل فإن البصر أيضًا مصدر فلماذا جمعه؟..

والذي أراه أن العقل له وجوه كثيرة في إدراك المعقولات، فليس الناس فيه سواء، فجمع لاختلاف الناس فيه، وأنواع تصرفهم في وجوهه، بخلاف السمع فإن أسماع الناس تتساوى في إدراك المسموعات، فلا تتشعب تشعب العقول في إدراك المعقولات، وأما الأبصار فهي مثل العقول في التشعب، وأعظم معين للعقول في إدراكها، لأن أنواع المبصرات كثيرة فتعطي للعقل مواد كثيرة، والسمع لا يدرك إلا الصوت، وليس في الكلام عند النقل طريق من طرق العلم اليقيني إلا التواتر، بخلاف ما نقطع فيه الضرورة من طريق العقل والبصر فهو كثير، فالأوليات: كالحكم بأن الجزء أصغر من الكل وأن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، والقضايا التي قياساتها معها، من المعقولات المحضة.

والتجربيات والحدسيات يشترك فيها العقل والبصر، والقسم الأعظم من المشاهدات سبيل الإدراك فيه البصر، فالعقول والأبصار بمنزلة ينابيع كثيرة تنبجس من كل منها عيون للعلم مختلفة، بخلاف السمع فإنه ينبوع واحد لا اختلاف فيما يصدر عنه، فالحاصل أن العقول والأبصار تتصرف في مدركات كثيرة فكأنها صارت بذلك كثيرة فجمعت، وأما السمع فلا يدرك إلا شيئًا واحدًا فأفرد.

وهنا يسأل سائل: كيف هذا وقد قالوا: إن السمع أفضل من البصر؟

والجواب: أنا لا أتكلم في التفضيل، ذلك إلى الله ورسوله، وإنما أشرح موجودًا وأبين مناسبة اللفظ له، وأن المشاهدة قاضية بأن العقل لا منتهى لتصرفه، وبأن أقل ما قيل في البصر أنه يدرك الألوان، والأشكال، والمقادير، والسمع لا يدرك إلا الأصوات فقط، كما أن الذوق لا يحس إلا بالمذوقات وحدها، وإن كان ما يصل من طريق السمع قد يتضمن حكاية عن معقول أو مبصر، ولكن وروده على الحكاية لا يغير من حقيقته، فهو معقول أو مبصر.

فمن ذكر لك برهانًا على حقيقة علمية فإنما تسمع منه الأصوات والحروف، وأما فهمك المقدمات ووصولك منها إلى النتائج فهو من طريق عقلك لا من طريق سمعك، فإن كان حديث الأفضلية يستند إلى جميع المدركات قد يمكن أن يعبر عنها بالكلم -وهو مسموع- فقد بينا لك ما فيه، ويعارضه أن جميع ضروب الكلام يصح أن تكتب وطريق فهمها من الرقم إنما هو البصر، والحق أن المعول عليه في تعدد الطريق ليس ما يكون من قبيل الحكاية، بل ما يكون من طبيعة القوة.

وأما انطباق الكلام على تلك الأقسام السابقة وبيان حرمانهم وكونهم كما وصفوا -فهو بالنسبة إلى الطائفة التي عاندت الحق وهي تعرفه- ظاهر، لأنهم لما عاندوا الحق، لأنه لم يأت على أيديهم، فقد طبع على قلوبهم بطابع ذلك العناد نفسه، فإنه قد حيل بين عقولهم وإدراك ما يصيرون إليه بالإصرار على الباطل من ضعف أمر وفساد حال في الدنيا، وشقاء وخلود في نكال الآخرة، ثم هم قد حجبوا به عن إدراك ما يتبع ذلك الحق من المعارف والحقائق الأخرى، فقد ختم على قلوبهم بالنسبة إلى ما حجبوا عنه.

وأما الختم على سمعهم فلأنهم صموا عن سماع الحق واستماع القول لفهمه، فمن أعرض عن فهم الحق فهو لم يسمع إلا صوتًا لم ينفذ شيء من معناه إلى موضع الإدراك الحقيقي منه، فقد ختم على سمعه فلا ينفذ إليه شيء ينتفع به.

وأما الأبصار فإنما كانت غشاوات عند هؤلاء الجاحدين، لأن فائدة البصر، هي التوقي من الخطر، والعبرة بما يبصر، فمن لم ينظر في الآيات الكونية التي تقع تحت بصره كل يوم، كأنه لم يبصر شيئًا منها، فقد ضرب على بصره بغشاوة.

وأما بالنسبة إلى القسمين الآخرين اللذين جمعا تحت قسم واحد وهو قسم المعرضين الجاحدين الجاهلين كما سبق فالختم على القلوب والسمع والأبصار ظاهر، لأنهم لم ينتفعوا بشيء من هذه القوى حتى في فهم ما يعرض عليهم، ورؤية ما يقع تحت حواسهم.

والكلام كله ضرب من التمثيل يعرفه اللسان وتعهده اللغة.

ولما كان حديث الختم تمثيلًا لفقد حقيقة الفهم والحرمان من فوائد تلك المواهب الإلهية: مواهب العقل والسمع والأبصار كان إسناده إلى الله تأكيدًا لمعنى الحرمان، وتقريرًا لمعصية الخسران، لأن ما ختم بيد الله لا تفضه يد سواه.

وأما النكتة في استعمال الختم مع القلب والسمع، والغشاوة مع البصر، فهي أن الختم من شأنه أن يكون على المكنون المستور.

وهكذا موضع حس السمع، ومع الإدراك من العقل.

والأسماع في ظاهره الخلقة، وأما البصر فالحاسة منه ظاهرة منكشفة، ومثل هذه الدقائق هي المرادة بقول صاحب التلخيص"ولكل كلمة مع صاحبتها مقام".

والمعنى هو ما بيناه.

والله أعلم.

﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ التنكير فيه للتعظيم والتهويل، ووصفه مع ذلك بعظيم يدل على أنه بالغ حد العظمة كمًا وكيفًا، فهو شديد الإيلام، وطويل الزمان.

وهل هذا العذاب في الدنيا أم في الآخرة؟

قال في آية أخرى ﴿ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ فيؤخذ من هذه الآية ومن آيات أخرى أن الإعراض عن هدى الإسلام، وما أرشد إليه من إصلاح المعاش والمعاد، جزاؤه الضنك والضيق وفقد العزة والسلطة في الدنيا، والعذاب العظيم في العقبى.

وهنا يسأل سائل: هل الآية نص في التكليف بالمحال؟

والجواب: لا، وأنا لا أحب أن أحشر المسائل الخلافية في تفسير القرآن، بل أحب أن أبين المعنى الذي كان يفهمه الصحابة  ، وما كان يخطر على بال أحد منهم التكليف بالمحال.

على أن الاتفاق واقع بين الأئمة بل بين الأمة على أن التكليف بالمحال غير واقع، وإن الله"لا يكلف نفسًا إلا وسعها"كما صرح به الكتاب وتضافرت عليه الأحاديث النبوية، فما بقي من مواضع الخلاف لا يمس نصوص الكتاب العزيز الذي ﴿ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر