الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٧ من سورة البقرة
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 231 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٧ من سورة البقرة من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
قال السدي : ( ختم الله ) أي : طبع الله ، وقال قتادة في هذه الآية : استحوذ عليهم الشيطان إذ أطاعوه ؛ فختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ، فهم لا يبصرون هدى ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون .
وقال ابن جريج : قال مجاهد : ( ختم الله على قلوبهم ) قال : نبئت أن الذنوب على القلب تحف به من كل نواحيه حتى تلتقي عليه ، فالتقاؤها عليه الطبع ، والطبع : الختم ، قال ابن جريج : الختم على القلب والسمع .
قال ابن جريج : وحدثني عبد الله بن كثير ، أنه سمع مجاهدا يقول : الران أيسر من الطبع ، والطبع أيسر من الأقفال ، والأقفال أشد من ذلك كله .
وقال الأعمش : أرانا مجاهد بيده فقال : كانوا يرون أن القلب في مثل هذه - يعني : الكف - فإذا أذنب العبد ذنبا ضم منه ، وقال بأصبعه الخنصر هكذا ، فإذا أذنب ضم .
وقال بأصبع أخرى ، فإذا أذنب ضم .
وقال بأصبع أخرى وهكذا ، حتى ضم أصابعه كلها ، ثم قال : يطبع عليه بطابع .
وقال مجاهد : كانوا يرون أن ذلك : الرين .
ورواه ابن جرير : عن أبي كريب ، عن وكيع ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، بنحوه .
قال ابن جرير : وقال بعضهم : إنما معنى قوله : ( ختم الله على قلوبهم ) إخبار من الله عن تكبرهم ، وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحق ، كما يقال : إن فلانا لأصم عن هذا الكلام ، إذا امتنع من سماعه ، ورفع نفسه عن تفهمه تكبرا .
قال : وهذا لا يصح ؛ لأن الله قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم .
( قلت ) : وقد أطنب الزمخشري في تقرير ما رده ابن جرير هاهنا وتأول الآية من خمسة أوجه وكلها ضعيفة جدا ، وما جرأه على ذلك إلا اعتزاله ؛ لأن الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحق إليها قبيح عنده - تعالى الله عنه في اعتقاده - ولو فهم قوله تعالى : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) وقوله ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ) وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى إنما ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاء وفاقا على تماديهم في الباطل وتركهم الحق ، وهذا عدل منه - تعالى - حسن وليس بقبيح ، فلو أحاط علما بهذا لما قال ما قال ، والله أعلم .
قال القرطبي : وأجمعت الأمة على أن الله عز وجل قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم كما قال : ( بل طبع الله عليها بكفرهم ) وذكر حديث تقليب القلوب : ويا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك وذكر حديث حذيفة الذي في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء ، حتى تصير على قلبين : على أبيض مثل الصفاء فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض ، والآخر أسود مرباد كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا الحديث .
قال والحق عندي في ذلك ما صح بنظيره الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ما حدثنا به محمد بن بشار ، حدثنا صفوان بن عيسى ، حدثنا ابن عجلان ، عن القعقاع ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستعتب صقل قلبه ، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه ، فذلك الران الذي قال الله تعالى : ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) [ المطففين : 14 ] .
وهذا الحديث من هذا الوجه قد رواه الترمذي والنسائي ، عن قتيبة ، عن الليث بن سعد ، وابن ماجه عن هشام بن عمار عن حاتم بن إسماعيل والوليد بن مسلم ، ثلاثتهم عن محمد بن عجلان ، به .
وقال الترمذي : حسن صحيح .
ثم قال ابن جرير : فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها ، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله تعالى والطبع ، فلا يكون للإيمان إليها مسلك ، ولا للكفر عنها مخلص ، فذلك هو الختم والطبع الذي ذكر في قوله تعالى : ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ) نظير الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها ثم حلها ، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلا بعد فض خاتمه وحله رباطه [ عنها ] .
واعلم أن الوقف التام على قوله تعالى : ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ) ، وقوله ( وعلى أبصارهم غشاوة ) جملة تامة ، فإن الطبع يكون على القلب وعلى السمع ، والغشاوة - وهي الغطاء - تكون على البصر ، كما قال السدي في تفسيره عن أبي مالك ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ) يقول : فلا يعقلون ولا يسمعون ، ويقول : وجعل على أبصارهم غشاوة ، يقول : على أعينهم فلا يبصرون .
قال ابن جرير : حدثني محمد بن سعد حدثنا أبي ، حدثني عمي الحسين بن الحسن ، عن أبيه ، عن جده ، عن ابن عباس : ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ) والغشاوة على أبصارهم .
وقال : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، يعني ابن داود ، وهو سنيد ، حدثني حجاج ، وهو أبو محمد الأعور ، حدثني ابن جريج قال : الختم على القلب والسمع ، والغشاوة على البصر ، قال الله تعالى : ( فإن يشأ الله يختم على قلبك ) [ الشورى : 24 ] ، وقال ( وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ) [ الجاثية : 23 ] .
قال ابن جرير : ومن نصب غشاوة من قوله تعالى : ( وعلى أبصارهم غشاوة ) يحتمل أنه نصبها بإضمار فعل تقديره : وجعل على أبصارهم غشاوة ، ويحتمل أن يكون نصبها على الإتباع ، على محل ( وعلى سمعهم ) كقوله تعالى : ( وحور عين ) [ الواقعة : 22 ] ، وقول الشاعر : علفتها تبنا وماء باردا حتى شتت همالة عيناها وقال الآخر : ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا تقديره : وسقيتها ماء باردا ، ومعتقلا رمحا .
لما تقدم وصف المؤمنين في صدر السورة بأربع آيات ، ثم عرف حال الكافرين بهاتين الآيتين ، شرع تعالى في بيان حال المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ، ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس أطنب في ذكرهم بصفات متعددة ، كل منها نفاق ، كما أنزل سورة " براءة " فيهم ، وسورة " المنافقين " فيهم ، وذكرهم في سورة " النور " وغيرها من السور ، تعريفا لأحوالهم لتجتنب ، ويجتنب من تلبس بها.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ قال أبو جعفر: وأصلُ الختم: الطَّبْع.
والخاتَم هو الطَّابع.
يقال منه: ختمتُ الكتابَ, إذا طبَعْتَه.
فإن قال لنا قائل: وكيف يختِمُ على القلوبِ, وإنما الختمُ طبعٌ على الأوعية والظروف والغلف (17) ؟
قيل: فإن قلوبَ العباد أوعيةٌ لما أُودِعت من العلوم، وظروفٌ لما جُعل فيها من المعارف بالأمور (18) .
فمعنى الختم عليها وعلى الأسماع - التي بها تُدرَك المسموعات, ومن قِبَلها يوصَل إلى معرفة حقائق الأنباء عن المُغَيَّبات - نظيرُ معنى الختم على سائر الأوعية والظروف.
فإن قال: فهل لذلك من صفةٍ تصفُها لنا فنفهمَها؟
أهي مثل الختم الذي يُعْرَف لما ظَهَر للأبصار, أم هي بخلاف ذلك؟
قيل: قد اختلف أهل التأويل في صفة ذلك, وسنخبر بصفته بعد ذكرنا قولهم: 300- فحدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرَّمْلي, قال: حدثنا يحيى بن عيسى, عن الأعمش, قال: أرانا مُجاهدٌ بيَدِه فقال: كانوا يُرَوْنَ أنّ القلبَ في مثل هذا - يعني الكفَّ - فإذا أذنبَ العبد ذنبًا ضُمّ منه - وقال بإصبعِه الخنصر هكذا (19) - فإذا أذنب ضُمَّ - وقال بإصبع أخرى - فإذا أذنب ضُمَّ - وقال بإصبع أخرى هكذا، حتى ضم أصابعَه كلَّها، قال: ثم يُطبع عليه بطابَعٍ.
قال مُجاهد: وكانوا يُرَوْن أنّ ذلك: الرَّيْنُ (20) .
301- حدثنا أبو كُريب, قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش, عن مجاهد, قال: القلبُ مثلُ الكفّ, فإذا أذنب ذنبًا قبض أصبعًا حتى يقبض أصابعه كلها - وكان أصحابنا يُرون أنه الرَّان (21) .
302- حدثنا القاسم بن الحسن, قال: حدثنا الحسين بن داود, قال: حدثني حجاج, قال: حدثنا ابن جُريج, قال: قال مجاهد: نُبِّئت أنِّ الذنوبَ على القلب تحُفّ به من نواحيه حتى تلتقي عليه, فالتقاؤُها عليه الطَّبعُ, والطبعُ: الختم.
قال ابن جريج: الختْم، الخَتْم على القلب والسَّمع (22) .
303- حدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج, عن ابن جُريج, قال: حدثني عبد الله بن كَثير، أنه سمع مجاهدًا يقول: الرّانُ أيسَرُ من الطَّبْع, والطَّبع أيسر من الأقْفَال, والأقفال أشدُّ ذلك كله (23) .
وقال بعضهم: إنما معنى قوله " ختم الله على قُلوبهم " إخبارٌ من الله جل ثناؤه عن تكبرهم، وإعراضهم عن الاستماع لِمَا دُعُوا إليه من الحق, كما يقال: " إنّ فلانًا لأصَمُّ عن هذا الكلام ", إذا امتنع من سَمَاعه، ورفع نفسه عن تفهُّمه تكبرًا.
قال أبو جعفر: والحق في ذلك عندي ما صَحَّ بنظيره الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما:- 304- حدثنا به محمد بن بشار قال: حدثنا صفوان بن عيسى, قال: حدثنا ابن عَجْلان، عن القَعْقَاع, عن أبي صالح, عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ المؤمنَ إذا أذنب ذنبًا كانت نُكْتهٌ سوداءُ في قلبه, فإن تاب وَنـزع واستغفر، صَقَلت قلبه, فإن زاد زادت حتى تُغْلق قلبه، فذلك " الرَّانُ" الذي قال الله جل ثناؤه: كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (24) [سورة المطففين: 14].
فأخبر صلى الله عليه وسلم أنّ الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها, وإذا أغلفتها أتاها حينئذ الخَتْم من قبل الله عز وجلّ والطبع (25) ، فلا يكون للإيمان إليها مَسْلك, ولا للكفر منها مَخْلَص، فذلك هو الطَّبع.
والختم الذي ذكره الله تبارك وتعالى في قوله: ( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ )، نظيرُ الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف، التي لا يوصَل إلى ما فيها إلا بفضِّ ذلك عنها ثم حلّها.
فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وَصَف الله أنه ختم على قلوبهم, إلا بعد فضِّه خَاتمَه وحلِّه رباطَه عنها.
ويقال لقائلي القول الثاني، الزاعمين أنّ معنى قوله جل ثناؤه " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم "، هو وَصْفُهم بالاستكبار والإعراض عن الذي دُعوا إليه من الإقرار بالحق تكبُّرًا: أخبرونا عن استكبار الذين وَصَفهم الله جل ثناؤه بهذه الصفة، وإعراضِهم عن الإقرار بما دُعوا إليه من الإيمان وسائر المعاني اللَّواحق به - أفعلٌ منهم, أم فعلٌ من الله تعالى ذكرُه بهم؟
فإن زعموا أنّ ذلك فعلٌ منهم -وذلك قولهم- قيل لهم: فإنّ الله تبارك وتعالى قد أخبر أنه هو الذي خَتم على قلوبهم وسمْعهم.
وكيف يجوز أن يكون إعراضُ الكافرِ عن الإيمان، وتكبُّره عن الإقرار به -وهو فعله عندكم- خَتمًا من الله على قلبه وسمعه , وختمهُ على قَلبه وسَمْعه، فعلُ الله عز وجل دُون الكافر؟
فإن زعموا أن ذلك جائز أن يكون كذلك - لأن تكبُّرَه وإعراضه كانا عن ختم الله على قلبه وسمعه, فلما كان الختمُ سببًا لذلك، جاز أن يسمى مُسَبِّبه به - تركوا قولَهم, وأوجبوا أنّ الختمَ من الله على قلوب الكفار وأسماعهم، معنًى غيرُ كفْرِ الكافِر، وغيرُ تكبره وإعراضه عن قبول الإيمان والإقرار به.
وذلك دخولُ فيما أنكروه (26) .
وهذه الآية من أوْضحِ الدليل على فساد قول المنكرين تكليفَ ما لا يُطاق إلا بمعونة الله، لأن الله جل ثناؤه أخبرَ أنه ختم على قلوب صِنْف من كُفَّار عباده وأسماعهم, ثم لم يُسقط التكليف عنهم، ولم يَضَعْ عن أحدٍ منهم فرائضَه، ولم يعذِرْهُ في شيء مما كان منه من خلاف طاعته بسبب ما فعل به من الختم والطبع على قلبه وسمعه - بَلْ أخبر أن لجميعِهم منه عذابًا عظيما على تركِهم طاعتَه فيما أمرهم به ونهاهم عنه من حدوده وفرائضه، مع حَتْمه القضاءَ عليهم مع ذلك، بأنهم لا يؤمنون.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ قال أبو جعفر: وقوله ( وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ) خبرٌ مبتدأ بعد تمام الخبر عمَّا ختم الله جلَّ ثناؤه عليه من جوارح الكفّار الذين مضت قِصَصهم.
وذلك أن " غِشاوةٌ" مرفوعة بقوله " وعلى أبصارهم "، فذلك دليل على أنه خَبرٌ مبتدأ, وأن قوله خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ، قد تناهى عند قوله وَعَلَى سَمْعِهِمْ .
وذلك هو القراءة الصحيحة عندنا لمعنيين: أحدهما: اتفاق الحجة من القُرَّاء والعلماء على الشهادة بتصحيحها, وانفرادُ المخالف لهم في ذلك، وشذوذه عمّا هم على تَخطئته مجمعون.
وكفى بإجماع الحجة على تخطئة قراءته شاهدًا على خطئها.
والثاني: أنّ الختمَ غيرُ موصوفةٍ به العيونُ في شيء من كتاب الله, ولا في خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا موجودٍ في لغة أحد من العرب.
وقد قال تبارك وتعالى في سورة أخرى: وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ ، ثم قال: وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً [سورة الجاثية: 23]، فلم يدخل البصرَ في معنى الختم.
وذلك هو المعروف في كلام العرب، فلم يَجُزْ لنا، ولا لأحدٍ من الناس، القراءةُ بنصب الغِشاوة، لما وصفتُ من العلّتين اللتين ذكرت, وإن كان لنَصْبها مخرجٌ معروفٌ في العربية.
وبما قلنا في ذلك من القولِ والتأويلِ, رُوي الخبر عن ابن عباس: 305- حدثني محمد بن سعد, قال: حدثني أبي, قال: حدثني عمي الحسين بن الحسن, عن أبيه, عن جده, عن ابن عباس: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ، والغشاوة على أبصارهم (27) .
فإن قال قائل: وما وجهُ مخرج النَّصْب فيها؟
قيل له: أن تنصبها بإضمار " جعل " (28) ، كأنه قال: وجعل على أبصارهم غِشَاوةً، ثم أسقط" جعل "، إذْ كان في أول الكلام ما يدُلّ عليه.
وقد يحتمل نَصبُها على إتباعهِا موضعَ السمع، إذ كان موضعه نصبًا, وإن لم يكن حَسَنًا إعادةُ العامل فيه على " غشاوة "، ولكن على إتباع الكلام بعضِه بعضًا, كما قال تعالى ذكره: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ ، ثم قال: وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ ، [سورة الواقعة: 17-22]، فخفَضَ اللحمَ والحورَ على العطف به على الفاكهة، إتباعًا لآخر الكلام أوّلَه.
ومعلومٌ أن اللحمَ لا يطاف به ولا بالحور العين, ولكن كما قال الشاعر يصف فرسه: عَلَفْتُهَـــا تِبْنًــا ومَــاء بــارِدًا حَــتَّى شَــتَتْ هَمَّالَــةً عَيْنَاهَــا (29) ومعلومٌ أن الماء يُشرَب ولا يعلف به, ولكنه نَصب ذلك على ما وصفتُ قبلُ، وكما قال الآخر: ورأَيْــتُ زَوْجَــكِ فِــي الـوَغَى مُتَقَلِّــــدًا سَــــيْفًا ورُمْحَـــا (30) وكان ابن جُريج يقول - في انتهاء الخبر عن الختم إلى قوله وَعَلَى سَمْعِهِمْ ، وابتداءِ الخبر بعده - بمثل الذي قلنا فيه, ويتأوّل فيه من كتاب الله فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ [سورة الشورى: 24].
306- حدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج, قال: حدثنا ابن جُريج، قال: الختمُ على القلب والسمع, والغشاوة على البَصَر, قال الله تعالى ذكره: فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ (31) ، وقال: وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً [سورة الجاثية: 23].
والغشاوة في كلام العرب: الغطاءُ، ومنه قول الحارث بن خالد بن العاص: تَبِعْتُــكَ إذْ عَيْنــي عَلَيْهَـا غِشَـاوَةٌ فَلَمَّـا انْجَـلَتْ قَطعْـتُ نَفْسِـي أَلُومُهَا (32) ومنه يقال: تغشَّاه الهم: إذا تجلَّله وركبه، ومنه قول نابغة بني ذبيان: هَـلا سَـأَلْتِ بَنِـي ذُبيَـان مَا حَسَبي إذَا الدُّخـانُ تَغَشَّـى الأشـمَط البَرَمَـا (33) يعني بذلك: تجلّله وَخالطه.
وإنما أخبر الله تعالى ذكره نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم عن الذين كفروا به من أحبار اليهود, أنه قد خَتَم على قلوبهم وطَبَع عليها - فلا يعقلون لله تبارك وتعالى موعظةً وعظهم بها، فيما آتاهم من علم ما عندهم من كُتبِه, وفيما حدَّد في كتابه الذي أوحاه وأنـزله إلى نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم - وعلى سمعهم، فلا يسمَعُون من محمد صلى الله عليه وسلم نبيِّ الله تحذيرًا ولا تذكيرًا ولا حجةً أقامها عليهم بنبوَّته, فيتذكُروا ويحذروا عقاب الله عز وجلّ في تكذيبهم إياه, مع علمهم بصدقه وصحّة أمره.
وأعلمه مع ذلك أنّ على أبصارهم غشاوةً عن أن يُبصروا سبيل الهُدَى، فيعلموا قُبْحَ ما هم عليه من الضلالة والرَّدَى.
وبنحو ما قلنا في ذلك، رُوي الخبر عن جماعة من أهل التأويل: 307- حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: ( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ )، أيْ عن الهدى أن يُصيبوه أبدًا بغير ما كذبوك به من الحقّ الذي جاءك من ربِّك, حتى يؤمنوا به, وإن آمنوا بكل ما كان قبلك (34) .
308- حدثني موسى بن هارون الهمداني, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط, عن السُّدّيّ في خبر ذكره عن أبي مالك, وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرّة الهمداني, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ يقول: فلا يعقلون ولا يَسْمعون.
ويقول: " وجَعل على أبصارهم غشاوة " يقول: على أعينهم فلا يُبصرون (35) .
وأما آخرون، فإنهم كانوا يتأولون أنّ الذين أخبر الله عنهم من الكفّار أنه فعل ذلك بهم، هم قادة الأحزاب الذين قتلوا يوم بدر.
309- حدثني المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج, قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس, قال: هاتان الآيتان إلى وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ هم الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ [سورة إبراهيم: 28]، وهمُ الذين قُتلوا يوم بدر، فلم يدخل من القادة أحدٌ في الإسلام إلا رجلان: أبو سفيان بن حَرْب, والحَكَم بن أبي العاص (36) .
310- وحدثت عن عمار بن الحسن, قال: حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس, عن الحسن, قال: أما القادةُ فليس فيهم مُجيبٌ ولا ناجٍ ولا مُهْتَدٍ.
وقد دللنا فيما مضى على أوْلى هذين التأويلين بالصواب، فكرهنا إعادته.
* * * القول في تأويل قوله جل ثناؤه: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) وتأويلُ ذلك عندي، كما قاله ابن عباس وتأوّله: 311- حدثنا ابنُ حميد, قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: ولهم بما هُمْ عليه من خلافك عذابٌ عظيم.
قال: فهذا في الأحبار من يهود، فيما كذَّبوكِ به من الحق الذي جاءك من رّبك بعد معرفتهم (37) .
-------------------- الهوامش : (17) الغلف جمع غلاف : وهو الصوان الذي يشتمل على ما أوعيت فيه .
(18) في المخطوطة : "من المعارف بالعلوم" .
(19) قال بإصبعه : أشار بإصبعه .
(20) الأثر 300- عيسى بن عثمان بن عيسى بن عبد الرحمن ، التميمي النهشلي : قال النسائي : "صالح" .
وهو من شيوخ الترمذي وابن مندة وغيرهما ، مات سنة 251 ، وروى عنه البخاري أيضًا في التاريخ الصغير : 224 في ترجمة عمه .
وعمه"يحيى بن عيسى" .
وثقه أحمد والعجلي وغيرهما ، وترجمه البخاري في الصغير ، قال : "حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى ، قال : مات يحيى بن عيسى أبو زكريا التميمي سنة 201 أو نحوها .
كوفي الأصل ، وإنما قيل : الرملي ، لأنه حدث بالرملة ومات فيها" ، وترجمه في الكبير أيضًا 4/2 : 296"يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن الرملي ، سمع الأعمش ، وهو التميمي أبو زكريا الكوفي ، سكن الرملة .
.
.
" .
ولم يذكر فيه جرحًا .
وهذا الأثر ، سيأتي بهذا الإسناد في تفسير آية سورة المطففين : 14 (30 : 63 بولاق) .
وذكره ابن كثير 1 : 82 ، والسيوطي 6 : 326 .
(21) الأثر 301- سيأتي أيضًا (30 : 63 بولاق) .
وأشار إليه ابن كثير 1 : 83 دون أن يذكر لفظه .
وكذلك السيوطي 6 : 325 .
(22) الأثر 302- هذا من رواية ابن جريج عن مجاهد ، والظاهر أنه منقطع ، لأن ابن جريج يروي عن مجاهد بالواسطة ، كما سيأتي في الأثر بعده .
وهذا الأثر ذكره ابن كثير 1 : 83 ، ولكنه محرف فيه من الناسخ أو الطابع .
(23) الأثر 303- عبد الله بن كثير : هو الداري المكي ، أحد القراء السبعة المشهورين ، وهو ثقة .
وقد قرأ القرآن على مجاهد .
وقد خلط ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 2/2 : 144 بينه وبين"عبد الله بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي" .
ويظهر من كلام الحافظ في التهذيب 5 : 368 أن هذا الوهم كان من البخاري نفسه ، فلعل ابن أبي حاتم تبعه في وهمه دون تحقيق .
وهذا الأثر ذكره ابن كثير 1 : 83 ، وكذلك السيوطي 6 : 326 ، وزاد نسبته إلى البيهقي .
(24) الحديث 304- سيأتي في الطبري بهذا الإسناد 30 : 62 بولاق .
ورواه هناك بإسناد آخر قبله ، وبإسنادين آخرين بعده : كلها من طريق محمد بن عجلان عن القعقاع .
محمد بن بشار : هو الحافظ البصري ، عرف بلقب"بندار" بضم الباء وسكون النون .
روى عنه أصحاب الكتب الستة وغيرهم من الأئمة .
ووقع في المطبوعة هنا"محمد بن يسار" ، وهو خطأ .
ابن عجلان ، بفتح العين وسكون الجيم : هو محمد بن عجلان المدني ، أحد العلماء العاملين الثقات .
القعقاع بن حكيم الكناني المدني : تابعي ثقة .
أبو صالح : هو السمان ، واسمه"ذكوان" .
تابعي ثقة ، قال أحمد : "ثقة ثقة ، من أجل الناس وأوثقهم" .
والحديث رواه أحمد في المسند 7939 (2 : 297 حلبي) عن صفوان بن عيسى ، بهذا الإسناد .
ورواه الحاكم 2 : 517 من طريق بكار بن قتيبة القاضي عن صفوان .
وقال : "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي .
ورواه الترمذي 4 : 210 ، وابن ماجه 2 : 291 ، من طريق محمد بن عجلان .
قال الترمذي : "هذا حديث حسن صحيح" .
وذكره ابن كثير 1 : 84 من رواية الطبري هذه ، ثم قال : هذا الحديث من هذا الوجه ، قد رواه الترمذي والنسائي عن قتيبة عن الليث بن سعد ، وابن ماجه عن هشام بن عمار عن حاتم بن إسماعيل والوليد ابن مسلم - ثلاثتهم عن محمد بن عجلان ، به .
وقال الترمذي : "حسن صحيح" ، ثم ذكره مرة أخرى 9 : 143 من رواية هؤلاء ومن رواية أحمد في المسند .
وذكره السيوطي 6 : 325 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وابن حبان ، وابن المنذر ، وابن مردويه ، والبيهقي في شعب الإيمان .
وفي متن الحديث هنا ، في المطبوعة"كان نكتة .
.
.
صقل قلبه .
.
.
حتى يغلف قلبه" .
وهو في رواية الطبري الآتية ، كما في المخطوطة ، إلا قوله"حتى تغلق قلبه" ، فهي هناك"حتى تعلو قلبه" .
(25) في المطبوعة : "أغلفتها" في الموضعين ، والتصحيح من المخطوطة وابن كثير .
(26) في المطبوعة : "وذلك دخول فيما أنكروه" .
(27) الخبر 305- هذا الإسناد من أكثر الأسانيد دورانًا في تفسير الطبري ، وقد مضى أول مرة 118 ، ولم أكن قد اهتديت إلى شرحه .
وهو إسناد مسلسل بالضعفاء من أسرة واحدة ، إن صح هذا التعبير!
وهو معروف عند العلماء بـ "تفسير العوفي" ، لأن التابعي -في أعلاه- الذي يرويه عن ابن عباس ، هو"عطية العوفي" ، كما سنذكر .
قال السيوطي في الإتقان 2 : 224 : "وطريق العوفي عن ابن عباس ، أخرج منها ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، كثيرًا .
والعوفي ضعيف ، ليس بواه ، وربما حسن له الترمذي" .
وسنشرحه هنا مفصلا ، إن شاء الله : محمد بن سعد ، الذي يروى عنه الطبري : هو محمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية بن سعد بن جنادة العوفي ، من"بني عوف بن سعد" فخذ من"بني عمرو بن عياذ بن يشكر بن بكر بن وائل" .
وهو لين في الحديث ، كما قال الخطيب .
وقال الدارقطني : "لا بأس به" .
مات في آخر ربيع الآخر سنة 276 .
ترجمه الخطيب في تاريخ بغداد 5 : 322 - 323 .
والحافظ في لسان الميزان 5 : 174 .
وهو غير"محمد بن سعد بن منيع" كاتب الواقدي ، وصاحب كتاب الطبقات الكبير ، فهذا أحد الحفاظ الكبار الثقات المتحرين ، قديم الوفاة ، مات في جمادي الآخرة سنة 230 .
أبوه"سعد بن محمد بن الحسن العوفي" : ضعيف جدًّا ، سئل عنه الإمام أحمد ، فقال : "ذاك جهمي" ، ثم لم يره موضعًا للرواية ولو لم يكن ، فقال : "لو لم يكن هذا أيضًا لم يكن ممن يستأهل أن يكتب عنه ، ولا كان موضعًا لذاك" .
وترجمته عند الخطيب 9 : 136 - 127 ، ولسان الميزان 3 : 18 - 19 .
عن عمه : أي عم سعد ، وهو"الحسين بن الحسن بن عطية العوفي" .
كان على قضاء بغداد ، قال ابن معين : "كان ضعيفًا في القضاء .
ضعيفًا في الحديث" .
وقال ابن سعد في الطبقات : "وقد سمع سماعًا كثيرًا ، وكان ضعيفًا في الحديث" .
وضعفه أيضًا أبو حاتم والنسائي .
وقال ابن حبان في المجروحين : "منكر الحديث .
.
ولا يجوز الاحتجاج بخبره" .
وكان طويل اللحية جدا ، روى الخطيب من أخبارها طرائف ، مات سنة 201 .
مترجم في الطبقات 7/2/ 74 ، والجرح والتعديل 1/2/ 48 ، وكتاب المجروحين لابن حبان ، رقم 228 ص 167 ، وتاريخ بغداد 8 : 29 - 32 ، ولسان الميزان 2 : 278 .
عن أبيه : وهو"الحسن بن عطية بن سعد العوفي" ، وهو ضعيف أيضًا ، قال البخاري في الكبير : "ليس بذاك" ، وقال أبو حاتم : " ضعيف الحديث" .
وقال ابن حبان : "يروى عن أبيه ، روى عنه ابنه محمد بن الحسن ، منكر الحديث ، فلا أدري : البلية في أحاديثه منه ، أو من أبيه ، أو منهما معًا؟
لأن أباه ليس بشيء في الحديث ، وأكثر روايته عن أبيه ، فمن هنا اشتبه أمره ، ووجب تركه" .
مترجم في التاريخ الكبير 1/2/ 299 ، وابن أبي حاتم 1/2/ 26 ، والمجروحين لابن حبان ، رقم 210 ص 158 ، والتهذيب .
عن جده : وهو"عطية بن سعد بن جنادة العوفي" ، وهو ضعيف أيضًا ، ولكنه مختلف فيه ، فقال ابن سعد : "كان ثقة إن شاء الله ، وله أحاديث صالحة .
ومن الناس من لا يحتج به" ، وقال أحمد : "هو ضعيف الحديث .
بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير .
وكان الثوري وهشيم يضعفان حديث عطية" .
قال : صالح" .
وقد رجحنا ضعفه في شرح حديث المسند : 3010 ، وشرح حديث الترمذي : 551 ، وإنما حسن الترمذي ذاك الحديث لمتابعات ، ليس من أجل عطية .
وقد ضعفه النسائي أيضًا في الضعفاء : 24 .
وضعفه ابن حبان جدًّا ، في كتاب المجروحين ، قال : " .
.
فلا يحل كتبة حديثه إلا على وجه التعجب" ، الورقة : 178 .
وانظر أيضًا : ابن سعد 6 : 212 - 213 والكبير البخاري 4/1/ 8 - 9 .
والصغير 126 .
وابن أبي حاتم 3/1/ 382 - 383 .
والتهذيب .
والخبر نقله ابن كثير 1 : 85 ، والسيوطي في الدر المنثور 1 : 29 ، وزاد نسبته لابن أبي حاتم .
وكذلك صنع الشوكاني 1 : 28 .
(28) في المطبوعة : "إن نصبها .
.
" .
(29) لا يعرف قائله ، وأنشده الفراء في معاني القرآن 1 : 14 وقال : "أنشدني بعض بني أسد يصف فرسه" ، وفي الخزانة 1 : 499 : "رأيت في حاشية صحيحة من الصحاح أنه لذي الرمة ، ففتشت ديوانه فلم أجده" .
وسيأتي في تفسير آية سورة المائدة : 109 (7 : 81 بولاق) .
وقوله"شتت" من شتا بالمكان : أقام فيه زمن الشتاء ، وهو زمن الجدب ، وهمالة : تهمل دمعها أي تسكبه وتصبه من شدة البرد .
(30) مضى تخريج هذا البيت في ص 140 .
(31) الأثر 306- ساقه ابن كثير في تفسيره 1 : 85 ، والشوكاني 1 : 28 .
(32) الشاعر هو الحارث بن خالد المخزومي ، ويأتي البيت في تفسير آية سورة الأعراف : 18 (8 : 103 بولاق) ، وروايته هناك : "صحبتك إذ عيني .
.
أذيمها" ، شاهدًا على"الذام" ، وهو أبلغ في العيب من الذم ، ثم قال أبو جعفر : "وأكثر الرواة على إنشاده : ألومها" ، وخبر البيت : أن عبد الملك بن مروان لما ولى الخلافة حج البيت ، فلما انصرف رحل معه الحارث إلى دمشق ، فظهرت له منه جفوة ، وأقام ببابه شهرًا لا يصل إليه ، فانصرف عنه وقال البيت الشاهد وبعده : ومـا بِـيَ إن أقصَيتنِـي من ضَرَاعةٍ وَلاَ افْتَقَـرَتْ نَفْسِـي إلـى مَنْ يَضِيمُها (انظر الأغاني 3 : 317) ، وبلغ عبد الملك شعره ، فأرسل إليه من رده إليه .
(33) ديوانه : 52 .
والأشمط : الذي شاب رأسه من الكبر ، والبرم : الذي لا يدخل مع القوم في الميسر .
قال ابن قتيبة في المعاني الكبير 410 ، 1238 : "وإنما خص الأشمط ، لأنه قد كبر وضعف ، فهو يأتي مواضع اللحم" .
(34) الخبر 307- ذكره السيوطي 1 : 29 متصلا بما مضى : 295 ، 299 وبما يأتي : 311 .
ساقها سياقًا واحدًا .
(35) الخبر 308- ساقه ابن كثير 1 : 85 .
وذكره السيوطي 1 : 29 ، والشوكاني 1 : 28 عن ابن مسعود فقط .
(36) الأثر 309- هو تتمة الأثر الماضي : 298 ، كما ساقه السيوطي 1 : 29 ، والشوكاني 1 : 28 .
وقد أشرنا إليه هناك .
(37) الخبر 311- هو تتمة الأخبار : 295 ، 299 ، 307 ، ساقها السيوطي 1 : 29 مساقًا واحدًا ، كما أشرنا من قبل .
ولكنه حذف من آخره ما بعد قوله"فهذا في الأحبار من يهود" .
لعله ظنه من كلام الطبري .
والسياق واضح أنه من تتمة الخبر .
قوله تعالى : ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم[ ص: 181 ] فيها عشر مسائل :الأولى : قوله تعالى : ختم الله بين سبحانه في هذه الآية المانع لهم من الإيمان بقوله : ختم الله .
والختم مصدر ختمت الشيء ختما فهو مختوم ومختم ، شدد للمبالغة ، ومعناه التغطية على الشيء والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء ، ومنه : ختم الكتاب والباب وما يشبه ذلك ، حتى لا يوصل إلى ما فيه ، ولا يوضع فيه غير ما فيه .وقال أهل المعاني : وصف الله تعالى قلوب الكفار بعشرة أوصاف : بالختم والطبع والضيق والمرض والرين والموت والقساوة والانصراف والحمية والإنكار .
فقال في الإنكار : قلوبهم منكرة وهم مستكبرون .
وقال في الحمية : إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية .
وقال في الانصراف : ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون .
وقال في القساوة : فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله .
وقال : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك .
وقال في الموت : أومن كان ميتا فأحييناه .
وقال : إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله .
وقال في الرين : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون .
وقال في المرض : في قلوبهم مرض .
وقال في الضيق : ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا .
.
وقال في الطبع : فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون .
وقال : بل طبع الله عليها بكفرهم .
وقال في الختم : ختم الله على قلوبهم .
.
وسيأتي بيانها كلها في مواضعها إن شاء الله تعالى .الثانية : الختم يكون محسوسا كما بينا ، ومعنى كما في هذه الآية .
فالختم على القلوب : عدم الوعي عن الحق - سبحانه - مفهوم مخاطباته والفكر في آياته .
وعلى السمع : عدم فهمهم للقرآن إذا تلي عليهم أو دعوا إلى وحدانيته .
وعلى الأبصار : عدم هدايتها للنظر في مخلوقاته وعجائب مصنوعاته ، هذا معنى قول ابن عباس وابن مسعود وقتادة وغيرهم .الثالثة : في هذه الآية أدل دليل وأوضح سبيل على أن الله سبحانه خالق الهدى [ ص: 182 ] والضلال ، والكفر والإيمان ، فاعتبروا أيها السامعون ، وتعجبوا أيها المفكرون من عقول القدرية القائلين بخلق إيمانهم وهداهم ، فإن الختم هو الطبع فمن أين لهم الإيمان ولو جهدوا ، وقد طبع على قلوبهم ، وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة ، فمتى يهتدون ، أو من يهديهم من بعد الله إذا أضلهم وأصمهم وأعمى أبصارهم ومن يضلل الله فما له من هاد وكان فعل الله ذلك عدلا فيمن أضله وخذله ، إذ لم يمنعه حقا وجب له فتزول صفة العدل ، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم لا ما وجب لهم .فإن قالوا : إن معنى الختم والطبع والغشاوة التسمية والحكم والإخبار بأنهم لا يؤمنون ، لا الفعل .
قلنا : هذا فاسد ; لأن حقيقة الختم والطبع إنما هو فعل ما يصير به القلب مطبوعا مختوما ، لا يجوز أن تكون حقيقته التسمية والحكم ، ألا ترى أنه إذا قيل : فلان طبع الكتاب وختمه ، كان حقيقة أنه فعل ما صار به الكتاب مطبوعا ومختوما ، لا التسمية والحكم .
هذا ما لا خلاف فيه بين أهل اللغة ، ولأن الأمة مجمعة على أن الله تعالى قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم ، كما قال تعالى : بل طبع الله عليها بكفرهم .
وأجمعت الأمة على أن الطبع والختم على قلوبهم من جهة النبي عليه السلام والملائكة والمؤمنين ممتنع ، فلو كان الختم والطبع هو التسمية والحكم لما امتنع من ذلك الأنبياء والمؤمنون ; لأنهم كلهم يسمون الكفار بأنهم مطبوع على قلوبهم ، وأنهم مختوم عليها وأنهم في ضلال لا يؤمنون ، ويحكمون عليهم بذلك .
فثبت أن الختم والطبع هو معنى غير التسمية والحكم ، وإنما هو معنى يخلقه الله في القلب يمنع من الإيمان به ، دليله قوله تعالى : كذلك نسلكه في قلوب المجرمين .
لا يؤمنون به .
وقال : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه .
أي لئلا يفقهوه ، وما كان مثله .الرابعة : قوله : على قلوبهم فيه دليل على فضل القلب على جميع الجوارح .
والقلب للإنسان وغيره .
وخالص كل شيء وأشرفه قلبه ، فالقلب موضع الفكر .
وهو في الأصل مصدر قلبت الشيء أقلبه قلبا إذا رددته على بداءته .
وقلبت الإناء : رددته على وجهه .
ثم نقل هذا اللفظ فسمي به هذا العضو الذي هو أشرف الحيوان ، لسرعة الخواطر إليه ، ولترددها عليه ، كما قيل :ما سمي القلب إلا من تقلبه فاحذر على القلب من قلب وتحويل[ ص: 183 ] ثم لما نقلت العرب هذا المصدر لهذا العضو الشريف التزمت فيه تفخيم قافه ، تفريقا بينه وبين أصله .
روى ابن ماجه عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : مثل القلب مثل ريشة تقلبها الرياح بفلاة .
ولهذا المعنى كان عليه الصلاة والسلام يقول : اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك .
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوله مع عظيم قدره وجلال منصبه فنحن أولى بذلك اقتداء به ، قال الله تعالى : واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه .
وسيأتي .الخامسة : الجوارح وإن كانت تابعة للقلب فقد يتأثر القلب - وإن كان رئيسها وملكها - بأعمالها للارتباط الذي بين الظاهر والباطن ، قال صلى الله عليه وسلم : إن الرجل ليصدق فتنكت في قلبه نكتة بيضاء وإن الرجل ليكذب الكذبة فيسود قلبه .
وروى الترمذي وصححه عن أبي هريرة : إن الرجل ليصيب الذنب فيسود قلبه فإن هو تاب صقل قلبه .
قال : وهو الرين الذي ذكره الله في القرآن في قوله : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون .
وقال مجاهد : القلب كالكف يقبض منه بكل ذنب إصبع ، ثم يطبع .قلت : وفي قول مجاهد هذا ، وقوله عليه السلام : إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب دليل على أن الختم يكون [ ص: 184 ] حقيقيا ، والله أعلم .
وقد قيل : إن القلب يشبه الصنوبرة ، وهو يعضد قول مجاهد ، والله أعلم .وقد روى مسلم عن حذيفة قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر : حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة .
ثم حدثنا عن رفع الأمانة قال : ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شيء - ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا حتى يقال للرجل ما أجلده ما أظرفه ما أعقله وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلما ، المرء على دينه ولئن كان نصرانيا أو يهوديا المرء على ساعيه وأما اليوم فما كنت لأبايع منكم إلا فلانا وفلانا .ففي قوله : ( الوكت ) وهو الأثر اليسير .
ويقال للبسر إذا وقعت فيه نكتة من الإرطاب : قد وكت ، فهو موكت .
وقوله : ( المجل ) ، وهو أن يكون بين الجلد واللحم ماء ، وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( كجمر دحرجته ) أي دورته على رجلك فنفط .
( فتراه منتبرا ) أي مرتفعا - ما يدل على أن ذلك كله محسوس في القلب يفعل فيه ، وكذلك الختم والطبع ، والله أعلم .
وفي حديث حذيفة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى يصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض والآخر أسود مرباد كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه .
.
.
وذكر الحديث ( مجخيا ) : يعني مائلا .السادسة : القلب قد يعبر عنه بالفؤاد والصدر ، قال الله تعالى : كذلك لنثبت به فؤادك وقال : ألم نشرح لك صدرك يعني في الموضعين قلبك .
وقد يعبر به عن العقل ، قال الله تعالى : إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أي عقل ; لأن القلب محل العقل في قول الأكثرين .
والفؤاد محل القلب ، والصدر محل الفؤاد ، والله أعلم .السابعة : قوله تعالى : وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةاستدل بها من فضل السمع على البصر لتقدمه عليه ، وقال تعالى : قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم .
وقال : وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة .
قال : والسمع يدرك به من الجهات الست ، وفي النور والظلمة ، ولا يدرك بالبصر إلا من الجهة المقابلة ، وبواسطة من ضياء وشعاع وقال أكثر المتكلمين بتفضيل البصر على السمع ; لأن السمع لا يدرك به إلا الأصوات والكلام ، والبصر يدرك به الأجسام والألوان والهيئات كلها .
قالوا : فلما كانت تعلقاته أكثر كان أفضل ، وأجازوا الإدراك بالبصر من الجهات الست .الثامنة : إن قال قائل : لم جمع الأبصار ووحد السمع ؟
قيل له : إنما وحده لأنه مصدر يقع للقليل والكثير ، يقال : سمعت الشيء أسمعه سمعا وسماعا ، فالسمع مصدر سمعت ، والسمع أيضا اسم للجارحة المسموع بها سميت بالمصدر .
وقيل : إنه لما أضاف السمع إلى الجماعة دل على أنه يراد به أسماع الجماعة ، كما قال الشاعر :بها جيف الحسرى فأما عظامها فبيض وأما جلدها فصليبإنما يريد جلودها فوحد ; لأنه قد علم أنه لا يكون للجماعة جلد واحد .وقال آخر في مثله :لا تنكر القتل وقد سبينا في حلقكم عظم وقد شجينايريد في حلوقكم ، ومثله قول الآخر :كأنه وجه تركيين قد غضبا مستهدف لطعان غير تذبيبوإنما يريد وجهين ، فقال وجه تركيين ; لأنه قد علم أنه لا يكون للاثنين وجه واحد ، ومثله كثير جدا .
وقرئ : ( وعلى أسماعهم ) ويحتمل أن يكون المعنى وعلى مواضع [ ص: 186 ] سمعهم ; لأن السمع لا يختم وإنما يختم موضع السمع ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه .
وقد يكون السمع بمعنى الاستماع ، يقال : سمعك حديثي - أي استماعك إلى حديثي - يعجبني ، ومنه قول ذي الرمة يصف ثورا تسمع إلى صوت صائد وكلاب :وقد توجس ركزا مقفر ندس بنبأة الصوت ما في سمعه كذبأي ما في استماعه كذب ، أي هو صادق الاستماع .
والندس : الحاذق .
والنبأة : الصوت الخفي ، وكذلك الركز .
والسمع ( بكسر السين وإسكان الميم ) : ذكر الإنسان بالجميل ، يقال : ذهب سمعه في الناس أي ذكره .
والسمع أيضا : ولد الذئب من الضبع .
والوقف هنا : وعلى سمعهم .
و ( غشاوة ) رفع على الابتداء وما قبله خبر .
والضمائر في ( قلوبهم ) وما عطف عليه لمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن من كفار قريش ، وقيل من المنافقين ، وقيل من اليهود ، وقيل من الجميع ، وهو أصوب ; لأنه يعم .
فالختم على القلوب والأسماع .
والغشاوة على الأبصار .
والغشاء : الغطاء .
وهي :التاسعة : ومنه غاشية السرج ، وغشيت الشيء أغشيه .
قال النابغة :هلا سألت بني ذبيان ما حسبي إذا الدخان تغشى الأشمط البرماوقال آخر :صحبتك إذ عيني عليها غشاوة فلما انجلت قطعت نفسي ألومهاقال ابن كيسان : فإن جمعت غشاوة قلت : غشاء بحذف الهاء .
وحكى الفراء : غشاوي مثل أداوي .
وقرئ : " غشاوة " بالنصب على معنى وجعل ، فيكون من باب قوله :علفتها تبنا وماء بارداوقول الآخر :يا ليت زوجك قد غدا متقلدا سيفا ورمحاالمعنى وأسقيتها ماء ، وحاملا رمحا ; لأن الرمح لا يتقلد .
قال الفارسي : ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة واختيار ، فقراءة الرفع أحسن ، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة .
قال : ولم أسمع من الغشاوة فعلا متصرفا بالواو .
وقال بعض المفسرين : الغشاوة على الأسماع والأبصار ، والوقف على قلوبهم .
وقال آخرون : الختم في الجميع ، والغشاوة [ ص: 187 ] هي الختم ، فالوقف على هذا على غشاوة .
وقرأ الحسن غشاوة بضم الغين ، وقرأ أبو جويبر بفتحها ، وروي عن أبي عمرو : غشوة ، رده إلى أصل المصدر .
قال ابن كيسان : ويجوز غشوة وغشوة وأجودها غشاوة ، كذلك تستعمل العرب في كل ما كان مشتملا على الشيء ، نحو عمامة وكنانة وقلادة وعصابة وغير ذلك .العاشرة : قوله تعالى : ولهم أي للكافرين المكذبينعذاب عظيم نعته .
والعذاب مثل الضرب بالسوط والحرق بالنار والقطع بالحديد ، إلى غير ذلك مما يؤلم الإنسان .
وفي التنزيل : وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين وهو مشتق من الحبس والمنع ، يقال في اللغة : أعذبه عن كذا أي احبسه وامنعه ، ومنه سمي عذوبة الماء ; لأنها قد أعذبت .
واستعذب بالحبس في الوعاء ليصفو ويفارقه ما خالطه ، ومنه قول علي رضي الله عنه : أعذبوا نساءكم عن الخروج ، أي احبسوهن .
وعنه رضي الله عنه وقد شيع سرية فقال : أعذبوا عن ذكر النساء [ أنفسكم ] فإن ذلك يكسركم عن الغزو ، وكل من منعته شيئا فقد أعذبته ، وفي المثل : " لألجمنك لجاما معذبا " أي مانعا عن ركوب الناس .
ويقال : أعذب أي امتنع .
وأعذب غيره ، فهو لازم ومتعد ، فسمي العذاب عذابا لأن صاحبه يحبس ويمنع عنه جميع ما يلائم الجسد من الخير ويهال عليه أضدادها .
ثم ذكر الموانع المانعة لهم من الإيمان فقال: { خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ } أي: طبع عليها بطابع لا يدخلها الإيمان, ولا ينفذ فيها، فلا يعون ما ينفعهم, ولا يسمعون ما يفيدهم.
{ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ } أي: غشاء وغطاء وأكنة تمنعها عن النظر الذي ينفعهم, وهذه طرق العلم والخير, قد سدت عليهم, فلا مطمع فيهم, ولا خير يرجى عندهم، وإنما منعوا ذلك, وسدت عنهم أبواب الإيمان بسبب كفرهم وجحودهم ومعاندتهم بعد ما تبين لهم الحق, كما قال تعالى: { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } وهذا عقاب عاجل.
ثم ذكر العقاب الآجل، فقال: { وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } وهو عذاب النار, وسخط الجبار المستمر الدائم.
فقال: {ختم الله}: طبع الله.
{على قلوبهم} فلا تعي خيراً ولا تفهمه.
وحقيقة الختم الاستيثاق من الشيء كيلا يدخله ما خرج منه ولا يخرج عنه ما فيه، ومنه الختم على الباب.
قال أهل السنة: أي حَكَمَ على قلوبهم بالكفر، لِمَا سبق من علمه الأزلي فيهم.
وقال المعتزلة: "جعل على قلوبهم علامة تعرفهم الملائكة بها".
{وعلى سمعهم}: أي على موضع سمعهم فلا يسمعون الحق ولا ينتفعون به.
وأراد {على أسماعهم} كما قال: {على قلوبهم} وإنما وحده لأنه مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع.
{وعلى أبصارهم غشاوة}: هذا ابتداء كلام.
غشاوة أي: غطاء، فلا يرون الحق.
وقرأ أبو عمرو والكسائي أبصارهم بالامالة وكذا كل ألف بعدها راء مجرورة في الأسماء كانت لام الفعل يميلانها ويميل حمزة منها ما يتكرر فيه الراء كالقرار ونحوه.
زاد الكسائي إمالة (جبارين) و(الجوار) و(الجار) و(بارئكم) و(من أنصاري) و(نسارع) و(بابه).
وكذلك يميل هؤلاء كل ألف بمنزلة لام الفعل أو كان علماً للتأنيث إذا كان قبلها راء؛ فعلم التأنيث مثل: الكبرى والأخرى، ولام الفعل مثل: ترى وافترى، يكسزون الراء فيها.
{ولهم عذاب عظيم}: أي في الآخرة، وقيل: القتل والأسر في الدنيا والعذاب الدائم في العقبى.
والعذاب كل ما يعني الإنسان ويشق عليه.
قال الخليل: "العذاب ما يمنع الإنسان عن مراده" ومنه: الماء العذب؛ لأنه يمنع العطش.
«ختم الله على قلوبهم» طبع عليها واستوثق فلا يدخلها خير «وعلى سمعهم» أي مواضعه فلا ينتفعون بما يسمعونه من الحق «وعلى أبصارهم غشاوة» غطاء فلا يبصرون الحق «ولهم عذاب عظيم» قوي دائم.
طبع الله على قلوب هؤلاء وعلى سمعهم، وجعل على أبصارهم غطاء؛ بسبب كفرهم وعنادهم مِن بعد ما تبيَّن لهم الحق، فلم يوفقهم للهدى، ولهم عذاب شديد في نار جهنم.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الموانع التي حالت بينهم وبين الاهتداء إلى الحق في الماضي والمستقبل فقال تعالى :( خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ )والختم : الوسم بطابع ونحوه ، مأخوذ من وضع الخاتم على الشيء وطبعه فيه للاستيثاق ، لكي لا يخرج منه ما هو بداخله ، ولا يدخله ما هو خارج عنه .قال القرطبي : " والختم مصدر ختمت الشيء ختماً فهو مختوم مختم ، شدد للمبالغة ، ومعناه التغطية على الشيء والاستيثاق منه ، وقد يكون محسوساً كما في ختم الكتاب والباب ، وقد يكون معنوياً كالختم على القلوب .
.
.
"والقلوب : جمع قلب ، وهو المضغة التي توجد بالجانب الأيسر من صدر الإنسان ، ويستعمل في القوة العاقلة التي هي محل الفهم والعلم .والسمع : مصدر سمع .
ويطلق على الآلة التي يقع بها السمع .ولما كان الختم يمنع من أن يدخل في المختوم عليه شيء ، استعير لإحداث هيئة في القلب والسمع تمنع من خلوص الحق إليهما .الأبصار : جمع بصر ، وهو في الأصل الإدراك بالعين ، ويطلق على القوة التي يقع بها الإبصار ، وعلى العين نفسها .
وهذا المعنى أقرب ما تحمل عليه الأبصار في الآية .وهو الأنسب لأن تجعل عليه غشاوة .
ومفاد الآية أن تصير أبصارهم بحيث لا تهتدي إلى النظر في حكمة المخلوقات وعجائب المصنوعات .
باعتبار وتدبر وحتى لكأنما جعلت عليها غشاوة .والغشاوة : ما يغطي به الشيء ، من غشاه إذا غطاه .
يقال :غشية غشاوة - مثلثة - وغشاية : أي : ستره وغطاه .فهذه الآية الكريمة تفيد عن طريق الاستعارة أو التمثيل أن هناك حواجز حصينة ، وأقفالاً متينة قد ضربت على قلوبهم وعلى أسماعهم ، وغشاوات مطبقة على أبصارهم حتى أصبحوا لا يخيفهم نذير ولا يرغبهم بشير .وعبر في جانب القلب والسمع بالختم ، وفي جانب البصر بالغشاوة ، لمعنى سام ، وحكمة رائعة ، ذلك أن آفة البصر معروفة ، إذ غشاوة العين معروفة لنا ، فالتعبير في جانب العين بالغشاوة مما يحدد لنا مدى عجزهم عن إدراك آيات الله بتلك الجارحة ، وأما القلب والسمع فإنهما لما كانا لا تدرك آفتهما إلا بصعوبة ، فقد صور لنا موانعهما عن الاستجابة للحق بصورة الختم .وعبر في جانب القلب والسمع بجملة فعلية تفيد التجدد والحدوث ، وفي جانب البصر بجملة اسمية تفيد الثبات والاستقرار ، لأنهم قبل الرسالة ما كانوا يسمعون صوت نذير ، ولا يواجهون بحجة ، وإنما كان صوت النذير وصياغة البراهين بعد ظهور النبي صلى الله عليه وسلم .
وأما ما يدرك بالبصر من دلائل وجود الله وآيات قدرته ، فقد كان قائماً في السماوات وفي الأرض وفي الأنفس ، ويصح أن يدرك قبل الرسالة النبوية ، وأن يستدل به المتبصرون والمتدبرون على وجود ربهم وحكمته ، فلم يكن عماهم عن آيات الله القائمة حادثاً متجدداً ، بل هم قد صحبهم العمى من بدء وجودهم ، فلما دعوا إلى التبصر والتدبر صمموا على ما كانوا عليه من عمى .وجمع القلوب والأبصار وأفرد السمع ، لأن القلوب تختلف باختلاف مقدار ما تفهمه مما يلقى إليها من إنذار أو تبشير ، ومن حجة أو دليل ، فكان عن ذلك تعدد القلوب بتعدد الناس على حسب استعدادهم ، وكذلك شأن الناس فيما تنظره أبصارهم من آيات الله في كونه ، فإن أنظارهم تختلف في عمق تدبرها وضحولته ، فكان من ذلك تعدد المبصرين بتعدد مقادير ما يستطيعون تدبره من آيات الله في الآفاق .
وأما المسموع فهو بالنسبة للناس جميعاً شيء واحد هي الحجة يناديهم بها المرسلون ، والدليل يوضحه لهم النبيون .لذلك كان الناس جميعاً كأنهم على سمع واحد ، فكان إفراد السمع إيذاناً من الله بأن حجته واحدة ، ودليله واحد لا يتعدد .ونرى القرآن هنا قدم القلب في الذكر على السمع ، بينما في سورة الجاثية قدم السمع في الذكر على القلب فقال :( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ) وذلك لأنه - سبحانه - في سورة الجاثية قد ذكر الختم معطوفا على قوله " اتخذ إله هواه ، ومن اتخذ إله هواه يكون أولما يبدو منه للناس ويعرف هو إعراضه عن النصح ، ولي رأسه عن استماع الحجة ، فكان مظهر عدم السماع منه أول ما يبدو للناظرين ، فلذلك قدم السمع على القلب .وأما آيتنا هذه وهي قوله - تعالى - ( خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ ) فقد جاءت إثر الآية المختومة بقوله ( لاَ يُؤْمِنُونَ ) .
والإيمان تصديق يقوم على الحجة والبراهين ، وإدراك الحجة والبرهان إنما هو بالقلب فكان التعليل المتصل الواضح لنفي الإيمان أن قلوبهم مغلقة لا تنفذ إليها الحجة ، أولا يتسرب إليها نور البرهان لذلك قدم القلب على السمع .هذا وقوله - تعالى - ( خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ ) .
.
إلخ .
لا ينفى عنهم تبعة الكفر ، لأنهم هم الذين باشروا من فاسد الأعمال ، وذميم الخصال ، ومتابعة الهوى ، ما نسج على قلوبهم الأغلفة السميكة ، وأصم إلى جانب ذلك آذانهم وأعمى أبصارهم ، ( وَمَا ظَلَمَهُمُ الله ولكن أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) ولعلماء الكلام كلام طويل حول هذه المسألة فليرجع إليه من شاء .ثم بين - سبحانه - ما يستحقونه من عذاب بسبب إغراقهم في الكفرٍ .
واستحبابهم للمعاصي فقال :( وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ) .أي : ولهم بسبب سوء أعمالهم عذاب موجع مؤلم لأبدانهم وأجسامهم .وأصل العذاب : المنع ، يقال : عذب الفرس - كضرب - امتنع عن العلف .
وعذب الرجل إذا ترك المأكل والنوم ، فهو عاذب وعذوب .
ثم أطلق على الإيجاع الشديد لما فيه من المنع عن اقتراف الذنب .
والعظيم : الكبير ، من عظم الشيء ، وأصله كبر عظمه ، ثم استعير لكل كبير محسوساً كان أو معقولا .ووصف العذاب بالعظيم على معنى أن سائر ما يجانسه من العذاب يكون بالنسبة إليه حقيراً هنيئاً .قال أبو حيان في البحر : وقد ذكروا في هاتين الآيتين من ضروب الفصاحة أنواعاً .الأول : الخطاب العام اللفظ ، الخاص المعنى .الثاني : الاستفهام الذي يراد به تقرير المعنى في النفس .
أي : يتقرر أن الإنذار وعدمه سواء عندهم .الثالث : المجاز ويسمى الاستعارة وهو في قوله - تعالى - ( خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ ) وحقيقة الختم وضع محسوس يحدث بينهما رقم يكون علامة للخاتم ، والختم هنا معنوى؛ فإن القلب لما لم يقبل الحق مع ظهوره استعير اسم المختوم عليه ، فبين أنه من مجاز الاستعارة .الرابع : الحذف وهو في مواضع منها ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَآءٌ .
.
) أي : القوم الذين كفروا بالله وبك وبما جئت به ، ومنها ( لاَ يُؤْمِنُونَ ) أي بالله وبما أخبرتهم به عنه .وإلى هنا يكون القرآن قد حدثنا عن طائفتين من الناس : طائفة المتقين وما لها من جميل الصفات ، وجزيل الثواب ، وطائفة الكافرين وما لها من ذميم النعوت ، وشديد العقاب .ثم ابتدأ القرآن بعد ذلك حديثه عن طائفة ثالثة ليس عندها إخلاص المتقين ، وليس لديها صراحة الكافرين ، وإنما هي طائفة قلقة مذبذبة لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك ، تلك الطائفة الثالثة هي طائفة المنافقين الذين فضحهم القرآن .
وأماط اللئام عن خفاياهم وخداعهم فقال :( وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ آمَنَّا بالله وباليوم الآخر .
.
.
)
اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنهم لا يؤمنون أخبر في هذه الآية بالسبب الذي لأجله لم يؤمنوا، وهو الختم، والكلام هاهنا يقع في مسائل: المسألة الأولى: الختم والكتم أخوان؛ لأن في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه كتماً له وتغطية، لئلا يتوصل إليه أو يطلع عليه، والغشاوة الغطاء فعالة من غشاه إذا غطاه، وهذا البناء لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة.
المسألة الثانية: اختلف الناس في هذا الختم، أما القائلون بأن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى فهذا الكلام على مذهبهم ظاهر، ثم لهم قولان، منهم من قال: الختم هو خلق الكفر في قلوب الكفار، ومنهم من قال هو خلق الداعية التي إذا انضمت إلى القدرة صار مجموع القدرة معها سبباً موجباً لوقوع الكفر، وتقريره أن القادر على الكفر إما أن يكون قادراً على تركه أو لا يكون، فإن لم يقدر على تركه كانت القدرة على الكفر موجبة للكفر، فخلق القدرة على الكفر يقتضي خلق الكفر، وإن قدر على الترك كانت نسبة تلك القدرة إلى فعل الكفر وإلى تركه على سواء، فإما أن يكون صيرورتها مصدراً للفعل بدلاً عن الترك يتوقف على انضمام مرجح إليها أولا يتوقف، فإن لم يتوقف فقد وقع الممكن لا عن مرجح، وتجويزه يقتضي القدح في الاستدلال بالممكن على المؤثر، وذلك يقتضي نفي الصانع وهو محال، وأما إن توقف على المرجح فذلك المرجح إما أن يكون من فعل الله أو من فعل العبد أولا من فعل الله ولا من فعل العبد، لا جائز أن يكون من فعل العبد وإلا لزم التسلسل، ولا جائز أن يكون لا بفعل الله ولا بفعل العبد؛ لأنه يلزم حدوث شيء لا لمؤثر، وذلك يبطل القول بالصانع.
فثبت أن كون قدرة العبد مصدراً للمقدور المعين يتوقف على أن ينضم إليها مرجح هو من فعل الله تعالى.
فنقول: إذا انضم ذلك المرجح إلى تلك القدرة فإما أن يصير تأثير القدرة في ذلك الأثر واجباً أو جائزاً أو ممتنعاً، والثاني والثالث، باطل فتعين الأول، وإنما قلنا إنه لا يجوز أن يكون جائزاً لأنه لو كان جائزاً لكان يصح في العقل أن يحصل مجموع القدرة مع ذلك المرجح تارة مع ذلك الأثر، وأخرى منفكاً عنه، فلنفرض وقوع ذلك؛ لأن كل ما كان جائزاً لا يلزم من فرض وقوعه محال، فذاك المجموع تارة يترتب عليه الأثر، وأخرى لا يترتب عليه الأثر، فاختصاص أحد الوقتين يترتب ذلك الأثر عليه إما أن يتوقف على انضمام قرينة إليه، أو لا يتوقف، فإن توقف كان المؤثر هو ذلك المجموع مع هذه القرينة الزائدة، لا ذلك المجموع، وكنا قد فرضنا أن ذلك المجموع هو المستقل خلف هذا، وأيضاً فيعود التقسيم في هذا المجموع الثاني، فإن توقف على قيد آخر لزم التسلسل وهو محال، وإن لم يتوقف فحينئذٍ حصل ذلك المجموع تارة بحيث يكون مصدراً للأثر، وأخرى بحيث لا يكون مصدراً له مع أنه لم يتميز أحد الوقتين عن الآخر بأمر ما ألبتة، فيكون هذا قولاً بترجح الممكن لا عن مرجح وهو محال.
فثبت أن عند حصول ذلك المرجح يستحيل أن يكون صدور ذلك الأثر جائزاً، وأما أنه لا يكون ممتنعاً فظاهر، وإلا لكان مرجح الوجود مرجحاً للعدم وهو محال، وإذا بطل القسمان ثبت أن عند حصول مرجح الوجود يكون الأثر واجب الوجود عن المجموع الحاصل من القدرة، ومن ذلك المرجح، وإذا ثبت هذا كان القول بالجبر لازماً: لأن قبل حصول ذلك المرجح كان صدور الفعل ممتنعاً وبعد حصوله يكون واجباً، وإذ عرفت هذا كان خلق الداعية الموجبة للكفر في القلب ختماً على القلب ومنعاً له عن قبول الإيمان؛ فإنه سبحانه لما حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون ذكر عقيبه ما يجري مجرى السبب الموجب له، لأن العلم بالعلة يفيد العلم بالمعلول، والعلم بالمعلول لا يكمل إلا إذا استفيد من العلم بالعلة، فهذا قول من أضاف جميع المحدثات إلى الله تعالى.
وأما المعتزلة فقد قالوا: إنه لا يجوز إجراء هذه الآية على المنع من الإيمان واحتجوا فيه بالوجوه التي حكيناها عنهم في الآية الأولى وزادوا هاهنا بأن الله تعالى قد كذب الكفار الذين قالوا إن على قلوبهم كنان وغطاء يمنعهم عن الإيمان.
﴿ وَقالوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ وقال: ﴿ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَٰمِلُونَ ﴾ وهذا كله عيب وذم من الله تعالى فيما ادعوا أنهم ممنوعون عن الإيمان ثم قالوا: بل لابد من حمل الختم والغشاوة على أمور أخر ثم ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أن القوم لما أعرضوا وتركوا الاهتداء بدلائل الله تعالى حتى صار ذلك كالألف والطبيعة لهم أشبه حالهم حال من منع عن الشيء وصد عنه وكذلك هذا في عيونهم حتى كأنها مسدودة لا تبصر شيئاً وكأن بآذانهم وقراً حتى لا يخلص إليها الذكر، وإنما أضيف ذلك إلى الله تعالى لأن هذه الصفة في تمكنها وقوة ثباتها كالشيء الخلقي؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ .
وثانيها: أنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، فالشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر إلا أن الله تعالى لما كان هو الذي أقدره أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى السبب.
وثالثها: أنهم لما أعرضوا عن التدبر ولم يصغوا إلى الذكر وكان ذلك عند إيراد الله تعالى عليهم الدلائل أضيف ما فعلوا إلى الله تعالى؛ لأن حدوثه إنما اتفق عند إيراده تعالى دلائله عليهم كقوله تعالى في سورة براءة: ﴿ زَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ ﴾ أي ازدادوا بها كفراً إلى كفرهم.
ورابعها: أنهم بلغوا في الكفر إلى حيث لم يبق طريق إلى تحصيل الإيمان لهم إلا بالقسر والإلجاء إلا أن الله تعالى ما أقرهم عليه لئلا يبطل التكليف فعبر عن ترك القسر والإلجاء بالختم إشعاراً بأنهم الذين انتهوا في الكفر إلى حيث لا يتناهون عنه إلا بالقسر وهي الغاية القصوى في وصف لجاجهم في الغي.
وخامسها: أن يكون ذلك حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكماً به من قولهم: ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ ونظيره في الحكاية والتهكم قوله: ﴿ لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين مُنفَكّينَ حتى تَأْتِيَهُمُ البينة ﴾ .
وسادسها: الختم على قلوب الكفار من الله تعالى هو الشهادة منه عليهم بأنهم لا يؤمنون، وعلى قلوبهم بأنها لا تعي الذكر ولا تقبل الحق، وعلى أسماعهم بأنها لا تصغي إلى الحق كما يقول الرجل لصاحبه أريد أن تختم على ما يقوله فلان، أي تصدقه وتشهد بأنه حق، فأخبر الله تعالى في الآية الأولى بأنهم لا يؤمنون، وأخبر في هذه الآية بأنه قد شهد بذلك وحفظه عليهم.
وسابعها: قال بعضهم: هذه الآية إنما جاءت في قوم مخصوصين من الكفار فعل الله تعالى بهم هذا الختم والطبع في الدنيا عقاباً لهم في العاجل، كما عجل لكثير من الكفار عقوبات في الدنيا فقال: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنكُمْ فِي السبت فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين ﴾ وقال: ﴿ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرض فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين ﴾ ونحو هذا من العقوبات المعجلة لما علم الله تعالى فيها من العبرة لعبادة والصلاح لهم، فيكون هذا مثل ما فعل بهؤلاء من الختم والطبع، إلا أنهم إذا صاروا بذلك إلى أن لا يفهموا سقط عنهم التكليف كسقوطه عمن مسخ، وقد أسقط الله التكليف عمن يعقل بعض العقل كمن قارب البلوغ، ولسنا ننكر أن يخلق الله في قلوب الكافرين مانعاً يمنعهم عن الفهم والاعتبار إذا علم أن ذلك أصلح لهم كما قد يذهب بعقولهم ويعمي أبصارهم ولكن لا يكونون في هذا الحال مكلفين.
وثامنها: يجوز أن يجعل الله على قلوبهم الختم وعلى أبصارهم الغشاوة من غير أن يكون ذلك حائلاً بينهم وبين الإيمان بل يكون ذلك كالبلادة التي يجدها الإنسان في قلبه والقذى في عينيه والطنين في أذنه، فيفعل الله كل ذلك بهم ليضيق صدورهم ويورثهم الكرب والغم فيكون ذلك عقوبة مانعة من الإيمان كما قد فعل ببني إسرائيل فتاهوا ثم يكون هذا الفعل في بعض الكفار ويكون ذلك آية للنبي صلى الله عليه وسلم ودلالة له كالرجز الذي أنزل على قوم فرعون حتى استغاثوا منه، وهذا كله مقيد بما يعلم الله تعالى أنه أصلح للعباد.
وتاسعها: يجوز أن يفعل هذا الختم بهم في الآخرة كما قد أخبر أنه يعميهم قال: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّا ﴾ وقال: ﴿ وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً ﴾ وقال: ﴿ اليوم نَخْتِمُ على أفواههم ﴾ وقال: ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ .
وعاشرها: ما حكوه عن الحسن البصري وهو اختيار أبي على الجبائي والقاضي أن المراد بذلك علامة وسمة يجعلها في قلب الكفار وسمعهم فتستدل الملائكة بذلك على أنهم كفار، وعلى أنهم لا يؤمنون أبداً فلا يبعد أن يكون في قلوب المؤمنين علامة تعرف الملائكة بها كونهم مؤمنين عند الله كما قال: ﴿ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان ﴾ وحينئذٍ الملائكة يحبونه ويستغفرون له، ويكون لقلوب الكفار علامة تعرف الملائكة بها كونهم ملعونين عند الله فيبغضونه ويلعنونه، والفائدة في تلك العلامة إما مصلحة عائدة إلى الملائكة؛ لأنهم متى علموا بتلك العلامة كونه كافراً ملعوناً عند الله تعالى صار ذلك منفراً لهم عن الكفر أو إلى المكلف، فإنه إذا علم أنه متى آمن فقد أحبه أهل السموات صار ذلك مرغباً له في الإيمان وإذا علم أنه متى أقدم على الكفر عرف الملائكة منه ذلك فيبغضونه ويلعنونه صار ذلك زاجراً له عن الكفر.
قالوا: والختم بهذا المعنى لا يمنع، لأنا نتمكن بعد ختم الكتاب أن نفكه ونقرأه، ولأن الختم هو بمنزلة أن يكتب على جبين الكافر أنه كافر، فإذا لم يمنع ذلك من الإيمان فكذا هذا الكافر يمكنه أن يزيل تلك السمة عن قلبه بأن يأتي بالإيمان ويترك الكفر.
قالوا: وإنما خص القلب والسمع بذلك؛ لأن الأدلة السمعية لا تستفاد إلا من جهة السمع، والأدلة العقلية لا تستفاد إلا من جانب القلب، ولهذا خصهما بالذكر.
فإن قيل: فيتحملون الغشاوة في البصر أيضاً على معنى العلامة؟
قلنا لا، لأنا إنما حملنا ما تقدم على السمة والعلامة، لأن حقيقة اللغة تقتضي ذلك، ولا مانع منه فوجب إثباته.
أما الغشاوة فحقيقتها الغطاء المانع من الإبصار ومعلوم من حال الكفار خلاف ذلك فلابد من حمله على المجاز، وهو تشبيه حالهم بحال من لا ينتفع ببصره في باب الهداية.
فهذا مجموع أقوال الناس في هذا الموضع.
المسألة الثالثة: الألفاظ الواردة في القرآن القريبة من معنى الختم هي: الطبع، والكنان، والرين على القلب، والوقر في الآذان، والغشاوة في البصر ثم الآيات الواردة في ذلك مختلفة فالقسم الأول: وردت دلالة على حصول هذه الأشياء قال: ﴿ كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ ﴾ ﴿ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءاذَانِهِمْ وَقْراً ﴾ ﴿ وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ ﴾ ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ ﴿ فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُون ﴾ ﴿ لّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً ﴾ ﴿ إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى وَلاَ تُسْمِعُ الصم الدعاء ﴾ ﴿ أموات غَيْرُ أَحْيَاء ﴾ ﴿ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ ﴾ والقسم الثاني: وردت دلالة على أنه لا مانع البتة ﴿ وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ ﴾ ﴿ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُر ﴾ ﴿ لاَ يُكَلّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ﴾ ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله ﴾ ﴿ لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل ﴾ والقرآن مملوء من هذين القسمين، وصار كل قسم منهما متمسكاً لطائفة، فصارت الدلائل السمعية لكونها من الطرفين واقعة في حيز التعارض.
أما الدلائل العقلية فهي التي سبقت الإشارة إليها، وبالجملة فهذه المسألة من أعظم المسائل الإسلامية وأكثرها شعباً وأشدها شغباً، ويحكى أن الإمام أبا القاسم الأنصاري سئل عن تكفير المعتزلة في هذه المسألة فقال لا، لأنهم نزهوه، فسئل عن أهل السنّة فقال لا، لأنهم عظموه، والمعنى أن كلا الفريقين ما طلب إلا إثبات جلال الله وعلو كبريائه، إلا أن أهل السنّة وقع نظرهم على العظمة فقالوا: ينبغي أن يكون هو الموجد ولا موجد سواه، والمعتزلة وقع نظرهم على الحكمة فقالوا لا يليق بجلال حضرته هذه القبائح، وأقول: هاهنا سر آخر، وهو أن إثبات الإله يلجئ إلى القول بالجبر، لأن الفاعلية لو لم تتوقف على الداعية لزم وقوع الممكن من غير مرجح، وهو نفي الصانع، ولو توقفت لزم الجبر.
وإثبات الرسول يلجئ إلى القول بالقدرة.
بل هاهنا سر آخر هو فوق الكل، وهو أنا لما رجعنا إلى الفطرة السليمة والعقل الأول وجدنا أن ما استوى الوجود والعدم بالنسبة إليه لا يترجح أحدهما على الآخر إلا لمرجح، وهذا يقتضي الجبر، ونجد أيضاً تفرقة بديهية بين الحركات الاختيارية والحركات الاضطرارية وجزماً بديهياً بحسن المدح وقبح الذم والأمر والنهي، وذلك يقتضي مذهب المعتزلة، فكأن هذه المسألة وقعت في حيز التعارض بحسب العلوم الضرورية، وبحسب العلوم النظرية، وبحسب تعظيم الله تعالى نظراً إلى قدرته وحكمته، وبحسب التوحيد والتنزيه وبحسب الدلائل السمعية، فلهذه المآخذ التي شرحناها والأسرار التي كشفنا عن حقائقها صعبت المسألة وغمضت وعظمت، فنسأل الله العظيم أن يوفقنا للحق وأن يختم عاقبتنا بالخير آمين رب العالمين.
المسألة الرابعة: قال صاحب الكشاف: اللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في حكم الختم، وفي حكم التغشية، إلا أن الأولى دخولها في حكم الختم، لقوله تعالى: ﴿ وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة ﴾ ولوقفهم على سمعهم دون قلوبهم.
المسألةالخامسة: الفائدة في تكرير الجار في قوله: ﴿ وعلى سَمْعِهِمْ ﴾ أنها لما أعيدت للأسماع كان أدل على شدة الختم في الموضعين.
المسألة السادسة: إنما جمع القلوب والأبصار ووحد السمع لوجوه: أحدها: أنه وحد السمع، لأن لكل واحد منهم سمعاً واحداً، كما يقال: أتاني برأس الكبشين، يعني رأس كل واحد منهما، كما وحد البطن في قوله: كلوا في بعض بطنكمو تعيشوا يفعلون ذلك إذا أمنوا اللبس، فإذا لم يؤمن كقولك: فرشهم وثوبهم وأنت تريد الجمع رفضوه.
الثاني: أن السمع مصدر في أصله، والمصادر لا تجمع يقال: رجلان صوم، ورجال صوم، فروعي الأصل، يدل على ذلك جمع الأذن في قوله: ﴿ وَفِى ءاذانِنَا وَقْر ﴾ الثالث: أن نقدر مضافاً محذوفاً أي وعلى حواس سمعهم.
الرابع قال سيبويه: إنه وحد لفظ السمع إلا أنه ذكر ما قبلة وما بعده بلفظ الجمع، وذلك يدل على أن المراد منه الجمع أيضاً، قال تعالى: ﴿ يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور ﴾ ﴿ عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال ﴾ قال الراعي: بها جيف الحيدى فأما عظامها *** فبيض وأما جلدها فصليب وإنما أراد جلودها، وقرأ ابن أبي عبلة (وعلى أسماعهم).
المسألة السابعة: من الناس من قال: السمع أفضل من البصر، لأن الله تعالى حيث ذكرهما قدم السمع على البصر، والتقديم دليل على التفضيل، ولأن السمع شرط النبوة بخلاف البصر، ولذلك ما بعث الله رسولاً أصم، وقد كان فيهم من كان مبتلى بالعمى، ولأن بالسمع تصل نتائج عقول البعض إلى البعض، فالسمع كأنه سبب لاستكمال العقل بالمعارف، والبصر لا يوقفك إلا على المحسوسات، ولأن السمع متصرف في الجهات الست بخلاف البصر، ولأن السمع متى بطل بطل النطق، والبصر إذا بطل لم يبطل النطق.
ومنهم من قدم البصر، لأن آلة القوة الباصرة أشرف، ولأن متعلق القوة الباصرة هو النور، ومتعلق القوة السامعة الريح.
المسألة الثامنة: قوله: ﴿ خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ ﴾ يدل على أن محل العلم هو القلب.
واستقصينا بيانه في قوله: ﴿ نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ ﴾ في سورة الشعراء.
المسألة التاسعة: قال صاحب الكشاف: البصر نور العين وهو ما يبصر به الرائي ويدرك المرئيات، كما أن البصيرة نور القلب، وهو ما يستبصر به ويتأمل، فكأنهما جوهران لطيفان خلق الله تعالى فيهما آلتين للإبصار والاستبصار، أقول: إن أصحابه من المعتزلة لا يرضون منه بهذا الكلام: وتحقيق القول في الأبصار يستدعي أبحاثاً غامضة لا تليق بهذا الموضع.
المسألة العاشرة: قرئ ﴿ غشاوة ﴾ بالكسر والنصب، وغشاوة بالضم والرفع، وغشاوة بالفتح والنصب، وغشوة بالكسر والرفع، وغشوة بالفتح والرفع والنصب، وغشاوة بالعين غير المعجمة والرفع من الغشا، والغشاوة هي الغطاء، ومنه الغاشية، ومنه غشي عليه إذا زال عقله والغشيان كناية عن الجماع.
المسألة الحادية عشرة: العذاب مثل النكال بناء ومعنى، لأنك تقول أعذب عن الشيء إذا أمسك عنه، كما تقول نكل عنه، ومنه العذب، لأنه يقمع العطش ويردعه بخلاف الملح فإنه يزيده، ويدل عليه تسميتهم إياه نقاخاً، لأنه ينقخ العطش أي يكسره، وفراتاً لأنه برفته عن القلب، ثم اتسع فيه فسمي كل ألم فادح عذاباً وإن لم يكن نكالاً أي عقاباً يرتدع به الجاني عن المعاودة، والفرق بين العظيم والكبير: أن العظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير، فكأن العظيم فوق الكبير، كما أن الحقير دون الصغير، ويستعملان في الجثث والأحداث جميعاً، تقول: رجل عظيم وكبير تريد جثته أو خطره، ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعاً من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات الله، ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا الله تعالى.
المسألة الثانية عشرة: اتفق المسلمون على أنه يحسن من الله تعالى تعذيب الكفار، وقال بعضهم لا يحسن وفسروا قوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ﴾ بأنهم يستحقون ذلك لكن كرمه يوجب عليه العفو، ولنذكر هاهنا دلائل الفريقين، أما الذين لا يجوزون التعذيب فقد تمسكوا بأمور.
أحدها: أن ذلك التعذيب ضرر خالٍ عن جهات المنفعة، فوجب أن يكون قبيحاً، أما أنه ضرر فلا شك، وأما أنه خالٍ عن جهات المنفعة، فلأن تلك المنفعة إما أن تكون عائدة إلى الله تعالى، أو إلى غيره، والأول باطل، لأنه سبحانه متعالٍ عن النفع والضرر بخلاف الواحد منا في الشاهد، فإن عبده إذا أساء إليه أدبه، لأنه يستلذ بذلك التأديب لما كان في قلبه من حب الانتقام ولأنه إذا أدبه فإنه ينزجر بعد ذلك عما يضره.
والثاني: أيضاً باطل، لأن تلك المنفعة إما أن تكون عائدة إلى المعذب أو إلى غيره أما إلى المعذب فهو محال، لأن الإضرار لا يكون عين الانتفاع وأما إلى غيره فمحال، لأن دفع الضرر أولى بالرعاية من إيصال النفع، فإيصال الضرر إلى شخص لغرض إيصال النفع إلى شخص آخر ترجيح للمرجوح على الراجح، وهو باطل وأيضاً فلا منفعة يريد الله تعالى إيصالها إلى أحد إلا وهو قادر على ذلك الاتصال من غير توسيط الإضرار بالغير، فيكون توسيط ذلك الإضرار عديم الفائدة.
فثبت أن التعذيب ضرر خالٍ عن جميع جهات المنفعة وأنه معلوم القبح ببديهة العقل، بل قبحه أجلى في العقول من قبح الكذب الذي لا يكون ضاراً، والجهل الذي لا يكون ضاراً، بل من قبح الكذب الضار والجهل الضار، لأن ذلك الكذب الضار وسيلة إلى الضرر وقبح ما يكون وسيلة إلى الضرر، دون قبح نفس الضرر، وإذا ثبت قبحه امتنع صدوره من الله تعالى، لأنه حكيم والحكيم لا يفعل القبيح.
وثانيها: أنه تعالى كان عالماً بأن الكافر لا يؤمن على ما قال: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ إذا ثبت هذا ثبت أنه متى كلف الكافر لم يظهر منه إلا العصيان، فلو كان ذلك العصيان سبباً للعقاب لكان ذلك التكليف مستعقباً لاستحقاق العقاب، إما لأنه تمام العلة، أو لأنه شطر العلة، وعلى الجملة فذلك التكليف أمر متى حصل حصل عقيبة لا محالة العقاب، وماكان مستعقباً للضرر الخالي عن النفع كان قبيحاً، فوجب أن يكون ذلك التكليف قبيحاً، والقبيح لا يفعله الحكيم، فلم يبق هاهنا إلا أحد أمرين، إما أن يقال لم يوجد هذا التكليف أو إن وجد لكنه لا يستعقب العقاب، وكيف كان فالمقصود حاصل.
وثالثها: أنه تعالى إما أن يقال خلق الخلق للإنفاع، أو للإضرار، أولا للإنفاع ولا للإضرار، فإن خلقهم للإنفاع وجب أن لا يكلفهم ما يؤدي به إلى ضد مقصوده مع علمه بكونه كذلك، ولما علم إقدامهم على العصيان لو كلفهم كان التكليف فعلاً يؤدي بهم إلى العقاب، فإذا كان قاصداً لإنفاعهم وجب أن لا يكلفهم، وحيث كلفهم دل على أن العصيان لا يكون سبباً لاستحقاق العذاب، ولا جائز أن يقال.
خلقهم لا للإنفاع ولا للإضرار، لأن الترك على العدم يكفي في ذلك، ولأنه على هذا التقدير يكون عبثاً، ولا جائز أن يقال: خلقهم للإضرار، لأن مثل هذا لا يكون رحيماً كريماً، وقد تطابقت العقول والشرائع على كونه رحيماً كريماً، وعلى أنه نعم المولى ونعم النصير، وكل ذلك يدل على عدم العقاب.
ورابعها: أنه سبحانه هو الخالق للدواعي التي توجب المعاصي، فيكون هو الملجئ إليها فيقبح منه أن يعاقب عليها، إنما قلنا إنه هو الخالق لتلك الدواعي، لما بينا أن صدور الفعل عن مقدرة يتوقف على انضمام الداعية التي يخلقها الله تعالى إليها، وبينا أن ذلك يوجب الجبر، وتعذيب المجبور قبيح في العقول، وربما قرروا هذا من وجه آخر فقالوا: إذا كانت الأوامر والنواهي الشرعية قد جاءت إلى شخصين من الناس فقبلها أحدهما وخالفها الآخر فأثيب أحدهما وعوقب الآخر، فإذا قيل لم قيل هذا وخالف الآخر؟
فيقال لأن القابل أحب الثواب وحذر العقاب فأطاع، والآخر لم يحب ولم يحذر فعصى، أو أن هذا أصغى إليّ من وعظه وفهم عنه مقالته فأطاع، وهذا لم يصغ ولم يفهم فعصى، فيقال: ولم أصغى هذا وفهم ولم يصغ ذلك ولم يفهم؟
فنقول: لأن هذا لبيب حازم فطن، وذلك أخرق جاهل غبي فيقال ولم اختص هذا بالحزم والفطنة دون ذاك، ولا شك أن الفطنة والبلادة من الأحوال الغريزية.
فإن الإنسان لا يختار الغباوة والخرق ولا يفعلهما في نفسه بنفسه؟
فإذا تناهت التعليلات إلى أمور خلقها الله تعالى اضطراراً علمنا أن كل هذه الأمور بقضاء الله تعالى وليس يمكنك أن تسوي بين الشخصين اللذين أطاع أحدهما وعصى الآخر في كل حال أعني في العقل والجهل، والفطانة والغباوة، والحزم والخرق، والمعلمين والباعثين والزاجرين، ولا يمكنك أن تقول إنهما لو استويا في ذلك كله لما استويا في الطاعة والمعصية، فإذن سبب الطاعة والمعصية من الأشخاص أمور وقعت بتخليق الله تعالى وقضائه، وعند هذا يقال: أين من العدل والرحمة والكرم أن يخلق العاصي على ما خلقه الله عليه من الفظاظة والجسارة، والغباوة والقساوة، والطيش والخرق، ثم يعاقبه عليه، وهلا خلقه مثل ما خلق الطائع لبيباً حازماً عارفاً عالماً، وأين من العدل أن يسخن قلبه ويقوي غضبه ويلهب دماغه ويكثر طيشه ولا يرزقه ما رزق غيره من مؤدب أديب ومعلم عالم وواعظ مبلغ، بل يقيض له أضداد هؤلاء في أفعالهم وأخلاقهم فيتعلم منهم ثم يؤاخذه بما يؤاخذ به اللبيب الحازم، والعاقل العالم، البارد الرأس، المعتدل مزاج القلب، اللطيف الروح الذي رزقه مربياً شفيقاً، ومعلماً كاملاً؟
ما هذا من العدل والرحمة والكرم والرأفة في شيء فثبت بهذه الوجوه أن القول بالعقاب على خلاف قضايا العقول.
وخامسها: أنه تعالى إنما كلفنا النفع لعوده إلينا، لأنه قال: ﴿ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ فإذا عصينا فقد فوتنا على أنفسنا تلك المنافع، فهل يحسن في العقول أن يأخذ الحكيم إنساناً ويقول له إني أعذبك العذاب الشديد، لأنك فوت على نفسك بعض المنافع، فإنه يقال له إن تحصيل النفع مرجوح بالنسبة إلى دفع الضرر فهب أني فوت على نفسي أدون المطلوبين أفتفوت عليّ لأجل ذلك أعظمها وهل يحسن من السيد أن يأخذ عبده ويقول إنك قدرت على أن تكتسب ديناراً لنفسك ولتنتفع به خاصة من غير أن يكون لي فيه غرض ألبتة، فلما لم تكتسب ذلك الدينار ولم تنتفع به آخذك وأقطع أعضاءك إرباً إرباً، لا شك أن هذا نهاية السفاهة، فكيف يليق بأحكم الحاكمين ثم قالوا هب أن سلمنا هذا العقاب فمن أين القول بالدوام؟
وذلك لأن أقسى الناس قلباً وأشدهم غلظة وفظاظة وبعداً عن الخير إذا أخذ من بالغ في الإساءة إليه وعذبه يوماً أو شهراً أو سنة فإنه يشبع منه ويمل، فلو بقي مواظباً عليه لامه كل أحد، ويقال هب أنه بالغ هذا في أضرارك، ولكن إلى متى هذا التعذيب، فإما أن تقتله وتريحه، وإما أن تخلصه، فإذا قبح هذا من الإنسان الذي يلتذ بالانتقام فالغني عن الكل كيف يليق به هذا الدوام الذي يقال.
وسادسها: أنه سبحانه نهى عباده عن استيفاء الزيادة، فقال: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فّى القتل إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ﴾ وقال: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ ثم إن العبد هب أنه عصى الله تعالى طول عمره فأين عمره من الأبد؟
فيكون العقاب المؤبد ظلماً.
وسابعها: أن العبد لو واظب على الكفر طول عمره، فإذا تاب ثم مات عفا الله عنه وأجاب دعاءه وقبل توبته، ألا ترى أن هذا الكريم العظيم ما بقي في الآخرة، أو عقول أولئك المعذبين ما بقيت فلم لا يتوبون عن معاصيهم؟
وإذا تابوا فلم لا يقبل الله تعالى منهم توبتهم، ولم لا يسمع نداءهم، ولم يخيب رجاءهم؟
ولم كان في الدنيا في الرحمة والكرم إلى حيث قال: ﴿ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ ﴿ أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ ﴾ وفي الآخرة صار بحيث كلما كان تضرعهم إليه أشد فإنه لا يخاطبهم إلا بقوله: ﴿ اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ ﴾ قالوا: فهذه الوجوه مما توجب القطع بعدم العقاب.
ثم قال من آمن من هؤلاء بالقرآن: العذر عما ورد في القرآن من أنواع العذاب من وجوه: أحدها: أن التمسك بالدلائل اللفظية لا يفيد اليقين، والدلائل العقلية تفيد اليقين، والمظنون لا يعارض المقطوع.
وإنما قلنا: إن الدلائل اللفظية لا تفيد اليقين، لأن الدلائل اللفظية مبنية على أصول كلها ظنية والمبني على الظني ظني، وإنما قلنا إنها مبنية على أصول ظنية، لأنها مبنية على نقل اللغات ونقل النحو والتصريف، ورواة هذه الأشياء لا يعلم بلوغهم إلى حد التواتر، فكانت روايتهم مظنونة، وأيضاً فهي مبنية على عدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم التخصيص وعدم الإضمار بالزيادة والنقصان وعدم التقديم والتأخير، وكل ذلك أمور ظنية، وأيضاً فهي مبنية على عدم المعارض العقلي، فإنه بتقدير وجوده لا يمكن القول بصدقهما ولا بكذبهما معاً، ولا يمكن ترجيح النقل على العقل لأن العقل أصل النقل، والطعن في العقل يوجب الطعن في العقل والنقل معاً، لكن عدم المعارض العقلي مظنون، هذا إذا لم يوجد فكيف وقد وجدنا هاهنا دلائل عقلية على خلاف هذه الظواهر، فثبت أن دلالة هذه الدلائل النقلية ظنية، وأما أن الظني لا يعارض اليقيني فلا شك فيه.
وثانيها: وهو أن التجاوز عن الوعيد مستحسن فيما بين الناس، قال الشاعر: وإني إذا أوعدته أو وعدته *** لمخلف إيعادي ومنجز موعدي بل الإصرار على تحقيق الوعيد كأنه يعد لؤما، وإذا كان كذلك وجب أن لا يصلح من الله تعالى، وهذا بناءً على حرف وهو أهل السنّة جوزوا نسخ الفعل قبل مدة الامتثال وحاصل حروفهم فيه أن الأمر يسن تارة لحكمة تنشأ من نفس المأمور به، وتارة لحكمة تنشأ من نفس الأمر، فإن السيد قد يقول لعبده إفعل الفعل الفلاني غداً وإن كان يعلم في الحال أنه سينهاه عنه غداً، ويكون مقصوده من ذلك الأمر أن يظهر العبد الانقياد لسيده في ذلك ويوطن نفسه على طاعته، فكذلك إذا علم الله من العبد أنه سيموت غداً فإنه يحسن عند أهل السنّة أن يقول: صلِ غداً إن عشت، ولا يكون المقصود من هذا الأمر تحصيل المأمور به، لأنه هاهنا محال بل المقصود حكمة تنشأ من نفس الأمر فقط، وهو حصول الانقياد والطاعة وترك التمرد.
إذا ثبت هذا فنقول: لم لا يجوز أن يقال الخبر أيضاً كذلك؟
فتارة يكون منشأ الحكمة من الأخبار هو الشيء المخبر عنه وذلك في الوعد، وتارة يكون منشأ الحكمة هو نفس الخبر لا المخبر عنه كما في الوعيد، فإن الأخبار على سبيل الوعيد مما يفيد الزجر عن المعاصي والإقدام على الطاعات، فإذا حصل هذا المقصود جاز أن لا يوجد المخبر عنه كما في الوعيد، وعند هذا قالوا إن وعد الله بالثواب حق لازم؛ وأما توعده بالعقاب فغير لازم، وإنما قصد به صلاح المكلفين مع رحمته الشاملة لهم، كالوالد يهدد ولده بالقتل والسمل والقطع والضرب، فإن قبل الولد أمره فقد انتفع وإن لم يفعل فما في قلب الوالد من الشفقة يرده عن قتله وعقوبته، فإن قيل فعلى جميع التقادير يكون ذلك كذباً والكذب قبيح قلنا لا نسلم أن كل كذب قبيح بل القبيح هو الكذب الضار، فأما الكذب النافع فلا، ثم إن سلمنا ذلك، لكن لا نسلم أنه كذب، أليس أن جميع عمومات القرآن مخصوصة ولا يسمى ذلك كذباً، أليس أن كل المتشابهات مصروفة عن ظواهرها، ولا يسمى ذلك كذباً فكذا هاهنا.
وثالثها: أليس أن آيات الوعيد في حق العصاة مشروطة بعدم التوبة وإن لم يكن هذا الشرط مذكوراً في صريح النص، فهي أيضاً عندنا مشروطة بعدم العفو وإن لم يكن هذا الشرط مذكوراً بصريح النص صريحاً، أو نقول: معناه أن العاصي يستحق هذه الأنواع من العقاب فيحمل الإخبار عن الوقوع على الأخبار عن استحقاق الوقوع فهذا جملة ما يقال في تقرير هذا المذهب.
وأما الذين أثبتوا وقوع العذاب، فقالوا إنه نقل إلينا على سبيل التواتر من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوع العذاب فإنكاره يكون تكذيباً للرسول وأما الشبه التي تمسكتم بها في نفي العقاب فهي مبنية على الحسن والقبح وذلك مما لا نقول به والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
الختم والكتم أخوان؛ لأن في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه كتماً له وتغطية لئلا يتوصل إليه ولا يطلع عليه.
والغشاوة: الغطاء فعالة من غشاه إذا غطاه، وهذا البناء لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة.
فإن قلت: ما معنى الختم على القلوب والأسماع وتغشية الأبصار؟
قلت: لا ختم ولا تغشية ثم على الحقيقة، وإنما هو من باب المجاز، ويحتمل أن يكون من كلا نوعيه وهما الاستعارة والتمثيل.
أما الاستعارة فأن تجعل قلوبهم لأن الحق لا ينفذ فيها ولا يخلص إلى ضمائرها من قبل إعراضهم عنه واستكبارهم عن قبوله واعتقاده، وأسماعهم لأنها تمجه وتنبو عن الإصغاء إليه وتعاف استماعه كأنها مستوثق منها بالختم، وأبصارهم لأنها لا تجتلي آيات الله المعروضة ودلائله المنصوبة كما تجتليها أعين المعتبرين المستبصرين كأنما غطي عليها وحجبت، وحيل بينها وبين الإدراك.
وأمّا التمثيل فأن تمثل حيث لم يستنفعوا بها في الأغراض الدينية التي كلفوها وخلقوا من أجلها بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الاستنفاع بها بالختم والتغطية.
وقد جعل بعض المازنيين الحبسة في اللسان والعيّ ختماً عليه فقال: خَتَمَ الإله عَلى لِسَانِ عُذَافِرٍ ** خَتْماً فلَيْسَ عَلى الكلامِ بقَادِرِ وإذا أَرَادَ النَّطْقَ خِلْتَ لِسَانَهُ ** لَحْماً يُحَرِّكُهُ لِصَقْرٍ نَاقِرِ فإن قلت: فلم أسند الختم إلى الله تعالى وإسناده إليه يدل على المنع من قبول الحق والتوصل إليه بطرقه وهو قبيح والله يتعالى عن فعل القبيح علواً كبيراً لعلمه بقبحه وعلمه بغناه عنه.
وقد نص على تنزيه ذاته بقوله: ﴿ وَمَا أَنَاْ بظلام لّلْعَبِيدِ ﴾ [ق: 29] ، ﴿ وَمَا ظلمناهم ولكن كَانُواْ هُمُ الظالمين ﴾ [الزخرف: 76] ، ﴿ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء ﴾ [الأعراف: 28] ونظائر ذلك مما نطق به التنزيل؟
قلت: القصد إلى صفة القلوب بأنها كالمختوم عليها.
وأما إسناد الختم إلى الله عز وجل، فلينبه على أنّ هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشيء الخلقي غير العرضي.
ألا ترى إلى قولهم: فلان مجبول على كذا ومفطور عليه، يريدون أنه بليغ في الثبات عليه.
وكيف يتخيل ما خيل إليك وقد وردت الآية ناعية على الكفار شناعة صفتهم وسماجة حالهم، ونيط بذلك الوعيد بعذاب عظيم؟
ويجوز أن تضرب الجملة كما هي، وهي ختم الله على قلوبهم مثلاً كقولهم: سال به الوادي، إذا هلك.
وطارت به العنقاء، إذا أطال الغيبة، وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه ولا في طول غيبته؛ وإنما هو تمثيل مثلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء؛ فكذلك مثلت حال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق بحال قلوب ختم الله عليها نحو قلوب الأغتام التي هي في خلوّها عن الفطن كقلوب البهائم، أو بحال قلوب البهائم أنفسها، أو بحال قلوب مقدّر ختم الله عليها حتى لا تعي شيئاً ولا تفقه، وليس له عزّ وجلّ فعل في تجافيها عن الحق ونبوّها عن قبوله، وهو متعال عن ذلك.
ويجوز أن يستعار الإسناد في نفسه من غير الله لله، فيكون الختم مسنداً إلى اسم الله على سبيل المجاز.
وهو لغيره حقيقة.
تفسير هذا: أنّ للفعل ملابسات شتى.
يلابس الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والمسبب له؛ فإسناده إلى الفاعل حقيقة، وقد يسند إلى هذه الأشياء على طريق المجاز المسمى استعارة؛ وذلك لمضاهاتها للفاعل في ملابسة الفعل، كما يضاهي الرجل الأسد في جراءته فيستعار له اسمه، فيقال في المفعول به: عيشة راضية، وماء دافق.
وفي عكسه: سيل مفعم.
وفي المصدر: شعر شاعر، وذيل ذائل.
وفي الزمان نهاره صائم.
وليله قائم.
وفي المكان: طريق سائر، ونهر جار.
وأهل مكة يقولون: صلى المقام.
وفي المسبب: بنى الأمير المدينة، وناقة صبوث وحلوب.
وقال: إِذَا رَدَّ عَافِي الْقِدْرِ مَنْ يَسْتَعِيرُها فالشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر؛ إلا أنّ الله سبحانه لما كان هو الذي أقدره ومكنه، أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى المسبب.
ووجه رابع: وهو أنهم لما كانوا على القطع والبت ممن لا يؤمن ولا تغنى عنهم الآيات والنذر، ولا تجدى عليهم الألطاف المحصلة ولا المقربة إن أعطوها.
لم يبق بعد استحكام العلم بأنه لا طريق إلى أن يؤمنوا طوعاً واختياراً طريق إلى إيمانهم إلا القسر والإلجاء، وإذا لم تبق طريق إلا أن يقسرهم الله ويلجئهم ثم لم يقسرهم ولم يلجئهم لئلا ينتقض الغرض في التكليف، عبر عن ترك القسر والإلجاء بالختم، إشعاراً بأنهم الذين ترامى أمرهم في التصميم على الكفر والإصرار عليه إلى حدّ لا يتناهون عنه إلا بالقسر والإلجاء، وهي الغاية القصوى في وصف لجاجهم في الغي واستشرائهم في الضلال والبغي.
ووجه خامس: وهو أن يكون حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكماً بهم من قولهم: ﴿ في قُلُوبُنَا أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ [فصلت: 5] ونظيره في الحكاية والتهكم قوله تعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين مُنفَكّينَ حتى تَأْتِيَهُمُ البينة ﴾ [البينة: 1] فإن قلت: اللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في حكم الختم وفي حكم التغشية فعلى أيهما يعوّل؟
قلت: عل دخولها في حكم الختم لقوله تعالى: ﴿ وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة ﴾ [الجاثية: 23] ولوقفهم على سمعهم دون قلوبهم.
فإن قلت: أيّ فائدة في تكرير الجارّ في قوله: ﴿ وعلى سمعهم ﴾ ؟
قلت: لو لم يكرّر لكان انتظاماً للقلوب والأسماع في تعدية واحدة؛ وحين استجدّ للأسماع تعدية على حدة، كان أدل على شدة الختم في الموضعين.
ووحد السمع كما وحد البطن في قوله: كلوا في بعض بطنكم تعفوا، يفعلون ذلك إذا أمن اللبس.
فإذا لم يؤمن كقولك: فرسهم، وثوبهم، وأنت تريد الجمع رفضوه.
ولك أن تقول: السمع مصدر في أصله، والمصادر لا تجمع.
فلمح الأصل يدل عليه جمع الأذن في قوله: ﴿ وفي آذاننا وقر ﴾ [فصلت: 5] وأن تقدّر مضافاً محذوفاً: أي وعلى حواس سمعهم.
وقرأ ابن أبي عبلة: وعلى أسماعهم.
فإن قلت: هلا منع أبا عمرو والكسائي من إمالة أبصارهم ما فيه من حرف الاستعلاء وهو الصاد؟
قلت: لأنّ الراء المكسورة تغلب المستعلية، لما فيه من التكرير كأن فيها كسرتين، وذلك أعون شيء على الإمالة وأن يمال له ما لا يمال.
والبصر نور العين، وهو ما يبصر به الرائي ويدرك المرئيات.
كما أن البصيرة نور القلب، وهو ما به يستبصر ويتأمل.
وكأنهما جوهران لطيفان خلقهما الله فيهما آلتين للإبصار والاستبصار.
وقرئ ﴿ غِشاوةً ﴾ بالكسر والنصب.
و ﴿ غُشاةٌ ﴾ : بالضم والرفع.
و ﴿ غَشاوةً ﴾ : بالفتح والنصب.
و ﴿ غِشوةُ ﴾ : بالكسر والرفع.
و ﴿ غَشوةٌ ﴾ : بالفتح والرفع والنصب.
و ﴿ عشاوةٌ ﴾ : بالعين غير المعجمة والرفع، من العشا.
والعذاب: مثل النكال بناء ومعنى؛ لأنك تقول: أعذب عن الشيء، إذا أمسك عنه.
كما تقول: نكل عنه.
ومنه العذب؛ لأنه يقمع العطش ويردعه، بخلاف الملح فإنه يزيده.
ويدل عليه تسميتهم إياه نقاخاً؛ لأنه ينقخ العطش أي يكسره.
وفراتاً، لأنه يرفته على القلب.
ثم اتسع فيه فسمى كل ألم فادح عذاباً، وإن لم يكن نكالاً أي عقاباً يرتدع به الجاني عن المعاودة.
والفرق بين العظيم والكبير، أن العظم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير، فكأن العظيم فوق الكبير، كما أن الحقير دون الصغير.
ويستعملان في الجثث والأحداث جميعاً.
تقول: رجل عظيم وكبير، تريد جثته أو خطره.
ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعاً من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات الله.
ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا الله.
اللَّهم أجرنا من عذابك ولا تبلنا بسخطك يا واسع المغفرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ السّابِقِ وبَيانٌ لِما يَقْتَضِيهِ.
والخَتْمُ الكَتْمُ، سُمِّيَ بِهِ الِاسْتِيثاقُ مِنَ الشَّيْءِ بِضَرْبِ الخاتَمِ عَلَيْهِ لِأنَّهُ كَتْمٌ لَهُ والبُلُوغُ آخِرُهُ نَظَرًا إلى أنَّهُ آخِرُ فِعْلٍ يُفْعَلُ في إحْرازِهِ.
والغِشاوَةُ: فِعالَةٌ مِن غَشاهُ إذا غَطّاهُ، بُنِيَتْ لِما يَشْتَمِلُ عَلى الشَّيْءِ، كالعِصابَةِ والعِمامَةِ ولا خَتْمَ ولا تَغْشِيَةَ عَلى الحَقِيقَةِ، وإنَّما المُرادُ بِهِما أنْ يُحْدِثَ في نُفُوسِهِمْ هَيْئَةً تُمَرِّنُهم عَلى اسْتِحْبابِ الكُفْرِ والمَعاصِي، واسْتِقْباحِ الإيمانِ والطّاعاتِ بِسَبَبِ غَيِّهِمْ، وانْهِماكِهِمْ في التَّقْلِيدِ، وإعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ، فَتُجْعَلُ قُلُوبُهم بِحَيْثُ لا يَنْفُذُ فِيها الحَقُّ، وأسْماعُهم تَعافُ اسْتِماعَهُ فَتَصِيرُ كَأنَّها مُسْتَوْثَقٌ مِنها بِالخَتْمِ، وأبْصارَهم لا تَجْتَلِي الآياتُ المَنصُوبَةُ لَهم في الأنْفُسِ والآفاقِ كَما تَجْتَلِيها أعْيُنُ المُسْتَبْصِرِينَ، فَتَصِيرُ كَأنَّها غُطِّيَ عَلَيْها.
وحِيلَ بَيْنَها وبَيْنَ الإبْصارِ، وسَمّاهُ عَلى الِاسْتِعارَةِ خَتْمًا وتَغْشِيَةً.
أوْ مَثَّلَ قُلُوبَهم ومَشاعِرَهُمُ المَؤْوُفَةَ بِها بِأشْياءَ ضُرِبَ حِجابٌ بَيْنَها وبَيْنَ الِاسْتِنْفاعِ بِها خَتْمًا وتَغْطِيَةً، وقَدْ عَبَّرَ عَنْ إحْداثِ هَذِهِ الهَيْئَةِ بِالطَّبْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ ﴾ .
وبِالإغْفالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا ﴾ ، وبِالإقْساءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً ﴾ وهي مِن حَيْثُ إنَّ المُمْكِناتِ بِأسْرِها مُسْتَنِدَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى واقِعَةٌ بِقُدْرَتِهِ أُسْنِدَتْ إلَيْهِ ومِن حَيْثُ إنَّها مُسَبَّبَةٌ مِمّا اقْتَرَفُوهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ ورَدَتِ الآيَةُ ناعِيَةً عَلَيْهِمْ شَناعَةَ صِفَتِهِمْ ووَخامَةَ عاقِبَتِهِمْ.
واضْطَرَبَتِ المُعْتَزِلَةُ فِيهِ فَذَكَرُوا وُجُوهًا مِنَ التَّأْوِيلِ: الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ لَمّا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ وتَمَكَّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ حَتّى صارَ كالطَّبِيعَةِ لَهُمْ، شُبِّهَ بِالوَصْفِ الخَلْقِيِّ المَجْبُولِ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ تَمْثِيلُ حالِ قُلُوبِهِمْ بِقُلُوبِ البَهائِمِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ تَعالى خالِيَةً عَنِ الفِطَنِ.
أوْ قُلُوبٍ مُقَدَّرٌ خَتْمُ اللَّهِ عَلَيْها، ونَظِيرُهُ: سالَ بِهِ الوادِي إذا هَلَكَ.
وطارَتْ بِهِ العَنْقاءُ إذا طالَتْ غَيْبَتُهُ.
الثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ فِعْلُ الشَّيْطانِ أوِ الكافِرِ، لَكِنْ لَمّا كانَ صُدُورُهُ عَنْهُ بِإقْدارِهِ تَعالى إيّاهُ أسْنَدَ إلَيْهِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى المُسَبِّبِ.
الرّابِعُ: أنَّ أعْراقَهم لَمّا رَسَخَتْ في الكُفْرِ واسْتَحْكَمَتْ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إلى تَحْصِيلِ إيمانِهِمْ سِوى الإلْجاءِ والقَسْرِ، ثُمَّ لَمْ يَقْسِرْهم إبْقاءٌ عَلى غَرَضِ التَّكْلِيفِ، عَبَّرَ عَنْ تَرْكِهِ بِالخَتْمِ فَإنَّهُ سَدٌّ لِإيمانِهِمْ.
وفِيهِ إشْعارٌ عَلى تَمادِي أمْرِهِمْ في الغَيِّ وتَناهِي انْهِماكِهِمْ في الضَّلالِ والبَغْيِ.
الخامِسُ: أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِما كانَتِ الكَفَرَةُ يَقُولُونَ مَثَلَ: ﴿ قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ ﴾ تَهَكُّمًا واسْتِهْزاءً بِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ ﴾ الآيَةَ.
السّادِسُ: أنَّ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وإنَّما أخْبَرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِهِ وتَيَقُّنِ وُقُوعِهِ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا ﴾ .
السّابِعُ: أنَّ المُرادَ بِالخَتْمِ وسْمُ قُلُوبِهِمْ بِسِمَةٍ تَعْرِفُها المَلائِكَةُ، فَيُبْغِضُونَهم ويَنْفِرُونَ عَنْهُمْ، وعَلى هَذا المِنهاجِ كَلامُنا وكَلامُهم فِيما يُضافُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن طَبْعٍ وإضْلالٍ ونَحْوِهِما.
﴿ وَعَلى سَمْعِهِمْ ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قُلُوبِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ ﴾ ولِلْوِفاقِ عَلى الوَقْفِ عَلَيْهِ، ولِأنَّهُما لَمّا اشْتَرَكا في الإدْراكِ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ جَعَلَ ما يَمْنَعُهُما مِن خاصِّ فِعْلِهِما الخَتْمَ الَّذِي يَمْنَعُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، وإدْراكُ الأبْصارِ لِما اخْتَصَّ بِجِهَةِ المُقابَلَةِ جَعَلَ المانِعَ لَها عَنْ فِعْلِها الغِشاوَةُ المُخْتَصَّةُ بِتِلْكَ الجِهَةِ، وكَرَّرَ الجارَّ لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى شِدَّةِ الخَتْمِ في المَوْضِعَيْنِ واسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما بِالحُكْمِ.
ووَحَّدَ السَّمْعَ لِلْأمْنِ مِنَ اللَّبْسِ واعْتِبارِ الأصْلِ، فَإنَّهُ مَصْدَرٌ في أصْلِهِ والمَصادِرُ لا تُجْمَعُ.
أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مِثْلِ وعَلى حَواسِّ سَمْعِهِمْ.
والأبْصارُ جَمْعُ بَصَرٍ وهُوَ: إدْراكُ العَيْنِ، وقَدْ يُطْلَقُ مَجازًا عَلى القُوَّةِ الباصِرَةِ، وعَلى العُضْوِ وكَذا السَّمْعُ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِما في الآيَةِ العُضْوُ لِأنَّهُ أشَدُّ مُناسَبَةً لِلْخَتْمِ والتَّغْطِيَةِ، وبِالقَلْبِ ما هو مَحَلُّ العِلْمِ وقَدْ يُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ العَقْلُ والمَعْرِفَةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾ .
وإنَّما جازَ إمالَتُها مَعَ الصّادِ لِأنَّ الرّاءَ المَكْسُورَةَ تَغْلِبُ المُسْتَعْلِيَةَ لِما فِيها مِنَ التَّكْرِيرِ.
وغِشاوَةٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وبِالجارِّ والمَجْرُورِ عِنْدَ الأخْفَشِ، ويُؤَيِّدُهُ العَطْفُ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ.
وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ وجَعَلَ عَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةً، أوْ عَلى حَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الخَتْمِ بِنَفْسِهِ إلَيْهِ والمَعْنى: وخَتَمَ عَلى أبْصارِهِمْ بِغِشاوَةٍ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ والرَّفْعِ، وبِالفَتْحِ والنَّصْبِ وهُما لُغَتانِ فِيها.
و « غِشْوَةٌ» بِالكَسْرِ مَرْفُوعَةٌ، وبِالفَتْحِ مَرْفُوعَةٌ ومَنصُوبَةٌ و « عَشاوَةٌ» بِالعَيْنِ الغَيْرِ المُعْجَمَةٍ.
﴿ وَلَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ وعِيدٌ وبَيانٌ لِما يَسْتَحِقُّونَهُ.
والعَذابُ كالنَّكالِ بِناءً ومَعْنًى تَقُولُ: عَذَبَ عَنِ الشَّيْءِ ونَكَلَ عَنْهُ إذا أمْسَكَ، ومِنهُ الماءُ العَذْبُ لِأنَّهُ يَقْمَعُ العَطَشَ ويَرْدَعُهُ ولِذَلِكَ سُمِّيَ نُقاخًا وفُراتًا، ثُمَّ اتَّسَعَ فَأُطْلِقَ عَلى كُلِّ ألَمٍ قادِحٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ نَكالًا، أيْ: عِقابًا يَرْدَعُ الجانِيَ عَنِ المُعاوَدَةِ فَهو أعَمُّ مِنهُما.
وقِيلَ اشْتِقاقُهُ مِنَ التَّعْذِيبِ الَّذِي هو إزالَةُ العَذْبِ كالتَّقْذِيَةِ والتَّمْرِيضِ.
والعَظِيمُ نَقِيضُ الحَقِيرِ، والكَبِيرُ نَقِيضُ الصَّغِيرِ، فَكَما أنَّ الحَقِيرَ دُونَ الصَّغِيرِ، فالعَظِيمَ فَوْقَ الكَبِيرِ، ومَعْنى التَّوْصِيفِ بِهِ أنَّهُ إذا قِيسَ بِسائِرِ ما يُجانِسُهُ قَصُرَ عَنْهُ جَمِيعُهُ وحَقُرَ بِالإضافَةِ إلَيْهِ ومَعْنى التَّنْكِيرُ في الآيَةِ أنَّ عَلى أبْصارِهِمْ نَوْعَ غِشاوَةٍ لَيْسَ مِمّا يَتَعارَفُهُ النّاسُ، وهو التَّعامِي عَنِ الآياتِ، ولَهم مِنَ الآلامِ العِظامِ نَوْعٌ عَظِيمٌ لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ.
<div class="verse-tafsir"
{خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ} قال الزجاج الختم التغطية لأن فى الاستيثاق من الشئ بضرب الخاتم عليه تغطية له لئلا يطلع عليه وقال ابن عباس طبع الله على قلوبهم فلا يعقلون الخير يعني أن الله طبع عليها فجعلها بحيث لا يخرج منها ما فيها من الكفر ولا يدخلها ما ليس فيها من الإيمان وحاصل الختم والطبع خلق الظلمة والضيق في صدر العبد عندنا فلا يؤمن مادامت تلك الظلمة في قلبه وعند المعتزلة أعلام محض على القلوب بما يظهر للملائكة أنهم كفار فيلعنونهم ولا يدعون لهم بخير وقال بعضهم إن إسناد الختم إلى الله تعالى مجاز والخاتم في الحقيقة الكافر إلا أنه تعالى لما كان هو الذى أفدره ومكنه أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى السبب فيقال بنى الأمير المدينة لأن للفعل ملابسات شتى يلابس الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والمسبب له فإسناده إلى الفاعل حقيقة وقد يسند إلى هذه الأشياء مجازا لمضاهاتا الفاعل في ملابسة الفعل كما يضاهي الرجل الأسد في جرأته فيستعار له إسمه وهذا فرع مسألة خلق الأفعال {وعلى سَمْعِهِمْ} وحد السمع كما وحد البطن فى قوله
البقرة (٧ _ ٨)
كلوا في بعض بطنكم تعفوا
لأمن اللبس ولأن السمع مصدر فى أصله يقال سمعت الشئ سمعاً وسماعاً والمصدر
لا يجمع لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير فلا يحتاج فيه إلى التثنية والجمع فلمح الأصل وقيل المضاف محذوف اى وعلى مواضع سمعهم وقرئ على أسماعهم {وعلى أبصارهم غشاوة} بالرفع خبر ومبتدأ والبصر نور العين وهو ما يبصر به الرائي كما أن البصيرة نور القلب وهي ما به يستبصر ويتأمل وكأنهما جوهران لطيفان خلقهما الله تعالى فيهما آلتين للإبصار والاستبصار والغشاوة الغطاء فعالة من غشاه إذا غطاه وهذا البناء لما يشتمل على الشئ كالعصابة والعمامة والقلادة والأسماع داخلة في حكم الختم لا في حكم التغشية لقوله وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة ولوقفهم على سمعهم دون قلوبهم ونصب المفضل وحده غشاوة بإضمار جعل وتكرير الجار في قوله وعلى سمعهم دليل على شدة الختم في الموضعين قال الشيخ الإمام أبو منصور بن على رحمه الله الكافر لما لم يسمع قول الحق ولم ينظر فى نفسه وغيره من المخلوقات ليرى آثار الحدوث فيعلم أن لا بد له من صانع جعل كأن على بصره وسمعه غشاوة وإن لم يكن ذلك حقيقة وهذا دليل على أن الأسماع عنده داخلة في حكم التغشية والآية حجة لنا على المعتزلة في الأصلح فإنه أخبر أنه ختم على قلوبهم ولا شك أن ترك الختم أصلح لهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} العذاب مثل النكال بناء ومعنى لأنك تقول أعذب عن الشئ إذا أمسك عنه كما تقول نكل عنه والفرق بين العظيم والكبير أن العظيم يقابل الحقير والكبير يقابل الصغير فكأن العظيم فوق الكبير كما أن الحقير دون الصغير ويستعملان في الجثة والأحداث جميعاً تقول رجل عظيم وكبير تريد جثته أو خطره ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعاً من التغطية غير ما يتعارفه الناس وهو غطاء التعامي عن آيات الله ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم من العذاب لا يعلم كنهه إلا الله
﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ إشارَةٌ إلى بُرْهانٍ لَمِّيٍّ لِلْحُكْمِ السّابِقِ، كَما أنَّ ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ ﴾ إلَخْ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ اعْتِراضًا بُرْهانٌ إنِّيٌّ، فالخَتْمُ والتَّغْشِيَةُ مُسَبَّبانِ عَنْ نَفْسِ الكُفْرِ، واقْتِرافُ المَعاصِي سَبَبانِ لِلِاسْتِمْرارِ عَلى عَدَمِ الإيمانِ، أوْ لِاسْتِواءِ الإنْذارِ وعَدَمِهِ، فالقَطْعُ لِأنَّهُ سُؤالٌ عَنْ سَبَبِ الحُكْمِ، والخَتْمُ الوَسْمُ بِطابَعٍ، ونَحْوِهِ، والأثَرُ الحاصِلُ، ويُتَجَوَّزُ بِذَلِكَ تارَةً في الِاسْتِيثاقِ مِنَ الشَّيْءِ، والمَنعِ مِنهُ اعْتِبارًا بِما يَحْصُلُ مِنَ المَنعِ بِالخَتْمِ عَلى الكُتُبِ والأبْوابِ، وتارَةً في تَحْصِيلِ أثَرٍ عَنْ أثَرٍ اعْتِبارًا بالنَّقْشِ الحاصِلِ، وتارَةً يُعْتَبَرُ مَعَهُ بُلُوغُ الآخِرِ، ومِنهُ خَتَمْتُ القُرْآنَ، والغِشاوَةُ عَلى ما عَلَيْهِ السَّبْعَةُ بِكَسْرِ الغَيْنِ المُجَمَّعَةِ مِن غَشّاهُ إذا غَطّاهُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمْ يُسْمَعْ مِنهُ فِعْلٌ إلّا يائِيٌّ، فالواوُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الياءِ عِنْدَهُ، أوْ يُقالُ: لَعَلَّ لَهُ مادَّتَيْنِ، وفِعالَةٌ عِنْدَ الزَّجّاجِ لِما اشْتَمَلَ عَلى شَيْءٍ، كاللِّفافَةِ، ومِنهُ أسْماءُ الصِّناعاتِ كالخِياطَةِ لِاشْتِمالِها عَلى ما فِيها، وكَذَلِكَ ما اسْتَوْلى عَلى شَيْءٍ، كالخِلافَةِ، وعِنْدَ الرّاغِبِ: هي لِما يُفْعَلُ بِهِ الفِعْلُ كاللَّفِّ في اللِّفافَةِ، فَإنِ اسْتُعْمِلَتْ في غَيْرِهِ فَعَلى التَّشْبِيهِ، وبَعْضُهم فَرَّقَ بَيْنَ ما فِيهِ هاءُ التَّأْنِيثِ وبَيْنَ ما لَيْسَ فِيهِ، فالأوَّلُ اسْمٌ لِما يُفْعَلُ بِهِ الشَّيْءُ، كالآلَةِ نَحْوِ حِزامٍ، وإمامٍ، والثّانِي لِما يَشْتَمِلُ عَلى الشَّيْءِ، ويُحِيطُ بِهِ، وحَمَلَ الظّاهِرِيُّونَ الخَتْمَ والتَّغْشِيَةَ عَلى حَقِيقَتِهِما، وفَوَّضُوا الكَيْفِيَّةَ إلى عِلْمِ مَن لا كَيْفِيَّةَ لَهُ سُبْحانَهُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: إذا أذْنَبَ العَبْدُ ضُمَّ مِنَ القَلْبِ هَكَذا، وضَمَّ الخِنْصَرَ، ثُمَّ إذا أذْنَبَ ضُمَّ هَكَذا، وضَمَّ البِنْصَرَ، وهَكَذا إلى الإبْهامِ، ثُمَّ قالَ: وهَذا هو الخَتْمُ والطَّبْعُ والرَّيْنُ، وهو عِنْدِي غَيْرُ مَعْقُولٍ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ المُحَقِّقُونَ أنَّ الخَتْمَ اسْتُعِيرَ مِن ضَرْبِ الخاتَمِ عَلى نَحْوِ الأوانِي لِإحْداثِ هَيْئَةٍ في القَلْبِ والسَّمْعِ مانِعَةٍ مِن نُفُوذِ الحَقِّ إلَيْهِما، كَما يَمْنَعُ نَقْشُ الخاتَمِ تِلْكَ الظُّرُوفَ مِن نُفُوذِ ما هو بِصَدَدِ الِانْصِبابِ فِيها، فَيَكُونُ اسْتِعارَةَ مَحْسُوسٍ لِمَعْقُولٍ بِجامِعٍ عَقْلِيٍّ، وهو الِاشْتِمالُ عَلى مَنعِ القابِلِ عَمّا مِن شَأْنِهِ أنْ يَقْبَلَهُ، ثُمَّ اشْتُقَّ مِنَ الخَتْمِ خَتَمَ، فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ، وأمّا الغِشاوَةُ، فَقَدِ اسْتُعِيرَتْ مِن مَعْناها الأصْلِيِّ لِحالَةٍ في أبْصارِهِمْ مُقْتَضِيَةٍ لِعَدَمٍ إجْتَلائِها الآياتِ، والجامِعُ ما ذُكِرَ، فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ أصْلِيَّةٌ أوْ تَبَعِيَّةٌ إذا أوَّلْتَ الغِشاوَةَ بِمُشْتَقٍّ، أوْ جَعَلْتَ اسْمَ آلَةٍ عَلى ما قِيلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنْ يُقالَ: شُبِّهَتْ حالُ قُلُوبِهِمْ وأسْماعِهِمْ وأبْصارِهِمْ مَعَ الهَيْئَةِ الحادِثَةِ فِيها المانِعَةِ مِنَ الِاسْتِنْفاعِ بِها بِحالِ أشْياءَ مُعَدَّةٍ لِلِانْتِفاعِ بِها في مَصالِحَ مُهِمَّةٍ مَعَ المَنعِ مِن ذَلِكَ بِالخَتْمِ والتَّغْطِيَةِ، ثُمَّ يُسْتَعارُ لِلْمُشَبَّهِ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى المُشَبَّهِ بِهِ، فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِن طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ مُرَكَّبًا، والجامِعُ عَدَمُ الِانْتِفاعِ بِما أُعِدَّ لَهُ، بِسَبَبِ عُرُوضٍ مانِعٍ يُمْكِنُ فِيهِ، كالمانِعِ الأصْلِيِّ، وهو أمْرٌ عَقْلِيٌّ مُنْتَزَعٌ مِن تِلْكَ العُدَّةِ، ثُمَّ إنَّ إسْنادَ الخَتْمِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِاعْتِبارِ الخَلْقِ، والذَّمُّ، والتَّشْنِيعُ الَّذِي تُشِيرُ إلَيْهِ الآيَةُ بِاعْتِبارِ كَوْنِ ذَلِكَ مُسَبَّبًا عَمّا كَسَبَهُ الكُفّارُ مِنَ المَعاصِي كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ﴾ وإلّا أشْكَلَ التَّشْنِيعُ والذَّمُّ عَلى ما لَيْسَ فِعْلَهُمْ، كَذا قالَهُ مُفَسِّرُو أهْلِ السُّنَّةِ عَنْ آخِرِهِمْ فِيما أعْلَمُ، والمُعْتَزِلَةُ لَمّا رَأوْا أنَّ الآيَةَ يَلْزَمُ مِنها أنْ يَكُونَ سُبْحانَهُ مانِعًا عَنْ قَبُولِ الحَقِّ وسَماعِهِ بِالخَتْمِ، وهو قَبِيحٌ يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى عَلى قاعِدَتِهِمُ التَزَمُوا لِلْآيَةِ تَأْوِيلاتٍ، ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ جُمْلَةً مِنها حَتّى قالَ: الشَّيْطانُ هو الخاتَمُ في الحَقِيقَةِ، أوِ الكافِرُ، إلّا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا كانَ هو الَّذِي أقْدَرَهُ أوْ مَكَّنَهُ أُسْنِدَ الخَتْمُ إلَيْهِ، كَما يُسْنَدُ إلى السَّبَبِ نَحْوَ: بَنى الأمِيرُ المَدِينَةَ، وناقَةٌ حَلُوبٌ، وأنا أقُولُ: إنْ ماهِيّاتِ المُمْكِناتِ مَعْلُومَةٌ لَهُ سُبْحانَهُ أزَلًا، فَهي مُتَمَيِّزَةٌ في أنْفُسِها تَمَيُّزًا ذاتِيًّا غَيْرَ مَجْعُولٍ لِتَوَقُّفِ العِلْمِ بِها عَلى ذَلِكَ التَّمَيُّزِ، وإنَّ لَها اسْتِعْداداتٍ ذاتِيَّةً غَيْرَ مَجْعُولَةٍ أيْضًا، مُخْتَلِفَةَ الِاقْتِضاءاتِ، والعِلْمُ الإلَهِيُّ مُتَعَلِّقٌ بِها كاشِفٌ لَها، عَلى ما هي عَلَيْهِ، في أنْفُسِها مِنِ اخْتِلافِ اسْتِعْداداتِها الَّتِي هي مِن مَفاتِيحِ الغَيْبِ، الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ، واخْتِلافِ مُقْتَضَياتِ تِلْكَ الِاسْتِعْداداتِ، فَإذا تَعَلَّقَ العِلْمُ الإلَهِيُّ بِها عَلى ما هي عَلَيْهِ مِمّا يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُها مِنِ اخْتِيارِ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ الخَيْرَ والشَّرَّ تَعَلَّقَتِ الإرادَةُ الإلَهِيَّةُ بِهَذا الَّذِي اخْتارَهُ العَبْدُ بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِ، فَيَصِيرُ مُرادُهُ بَعْدَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى، فاخْتِيارُهُ الأزَلِيُّ بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِ مَتْبُوعٌ لِلْعِلْمِ المَتْبُوعِ لِلْإرادَةِ مُراعاةً لِلْحِكْمَةِ، وإنَّ اخْتِيارَهُ فِيما لا يَزالُ تابِعٌ لِلْإرادَةِ الأزَلِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِاخْتِيارِهِ لِما اخْتارَهُ، فالعِبادُ مُنْساقُونَ إلى أنْ يَفْعَلُوا ما يَصْدُرُ عَنْهم بِاخْتِيارِهِمْ لا بالإكْراهِ والجَبْرِ، ولَيْسُوا مَجْبُورِينَ في اخْتِيارِهِمُ الأزَلِيِّ، لِأنَّهُ سابِقُ الرُّتْبَةِ عَلى تَعَلُّقِ العِلْمِ السّابِقِ عَلى تَعَلُّقِ الإرادَةِ، والجَبْرُ تَبَعٌ لِلْإرادَةِ التّابِعَةِ لِلْعِلْمِ التّابِعِ لِلْمَعْلُومِ الَّذِي هو هُنا اخْتِيارُهُمُ الأزَلِيُّ، فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ تابِعًا لِما هو مُتَأخِّرٌ عَنْهُ بِمَراتِبَ، فَما مِن شَيْءٍ يُبْرِزُهُ اللَّهُ تَعالى بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ ويُفِيضُهُ عَلى المُمْكِناتِ إلّا وهو مَطْلُوبُها بِلِسانِ اسْتِعْدادِها، وما حَرَمَها سُبْحانَهُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ﴾ أيِ الثّابِتَ لَهُ في الأزَلِ مِمّا يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ الغَيْرُ المَجْعُولِ، وإنْ كانَتِ الصُّوَرُ الوُجُودِيَّةُ الحادِثَةُ مَجْعُولَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها ﴾ أيِ الثّابِتَيْنِ لَها في نَفْسِ الأمْرِ، والكُلُّ مِن حَيْثُ إنَّهُ خَلَقَهُ حَسَنٌ لِكَوْنِهِ بارِزًا بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ مِن صانِعٍ مُطْلَقٍ لا حاكِمَ عَلَيْهِ، ولِهَذا قالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ و ﴿ ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ ﴾ أيْ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ ومُفاضٌ مِنهُ، وإنْ تَفاوَتَ مِن جِهَةٍ أُخْرى، وافْتَرَقَ عِنْدَ إضافَةِ بَعْضِهِ إلى بَعْضٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الخَتْمُ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى دَلِيلًا عَلى سَواءِ اسْتِعْدادِهِمُ الثّابِتِ في عِلْمِهِ الأزَلِيِّ الغَيْرِ المَجْعُولِ، بَلْ هَذا الخَتْمُ الَّذِي هو مِن مُقْتَضَياتِ الِاسْتِعْدادِ لَمْ يَكُنْ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا إيجادُهُ، وإظْهارُ يَقِينِهِ طِبْقَ ما عَلِمَهُ فِيهِمْ أزَلًا، حَيْثُ لا جَعَلَ، وما ظَلَمَهم اللَّهُ تَعالى في إظْهارِهِ إذْ مِن صِفَتِهِ سُبْحانَهُ إفاضَةُ الوُجُودِ عَلى القَوابِلِ بِحَسَبِ القابِلِيّاتِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، ولَكِنْ كانُوا أنْفُسهمْ يَظْلِمُونَ حَيْثُ كانَتْ مُسْتَعِدَّةً بِذاتِها لِذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أنَّ إسْنادَ الخَتْمِ إلَيْهِ تَعالى بِاعْتِبارِ الإيجادِ حَقِيقَةٌ، ويَحْسُنُ الذَّمُّ لَهم بِهِ مِن حَيْثُ دِلالَتُهُ عَلى سُوءِ الِاسْتِعْدادِ وقُبْحِ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ ذَواتُهم في ذَلِكَ النّادِّ ﴿ والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا ﴾ وأمّا ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ مِن أنَّ إسْنادَ الخَتْمِ إلَيْهِ تَعالى بِاعْتِبارِ الخَلْقِ فَمُسَلَّمٌ، لا كَلامَ لَنا فِيهِ، وأمّا إنَّ الذَّمَّ بِاعْتِبارِ كَوْنِ ذَلِكَ مُسَبَّبًا عَمّا كَسَبَهُ الكُفّارُ إلَخْ، فَنَقُولُ فِيهِ: إنْ أرادُوا بِالكَسْبِ ما شاعَ عِنْدَ الأشاعِرَةِ مِن مُقارَنَةِ الفِعْلِ لِقُدْرَةِ العَبْدِ مِن غَيْرِ تَأْثِيرٍ لَها فِيهِ أصْلًا، وإنَّما المُؤَثِّرُ هو اللَّهُ تَعالى، فَهو مَعَ مُخالَفَتِهِ لِمَعْنى الكَسْبِ، وكَوْنِهِ ﴿ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ﴾ لا يَشْفِي عَلِيلًا، ولا يَرْوِي غَلِيلًا، إذْ لِلْخَصْمِ أنْ يَقُولَ: أيُّ مَعْنًى لِذَمِّ العَبْدِ بِشَيْءٍ لا مَدْخَلَ لِقُدْرَتِهِ فِيهِ، إلّا كَمَدْخَلِ اليَدِ الشَّلّاءِ فِيما فَعَلَتْهُ الأيْدِي السَّلِيمَةُ، وحِينَئِذٍ يَتَأتّى ما قالَهُ الصّاحِبُ بْنُ عَبّادٍ في هَذا البابِ: كَيْفَ يَأْمُرُ اللَّهُ تَعالى العَبْدَ بِالإيمانِ، وقَدْ مَنَعَهُ مِنهُ، ويَنْهاهُ عَنِ الكُفْرِ، وقَدْ حَمَلَهُ عَلَيْهِ، وكَيْفَ يَصْرِفُهُ عَنِ الإيمانِ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ أنّى يُصْرَفُونَ ﴾ ويَخْلُقُ فِيهِمُ الإفْكَ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ وأنْشَأ فِيهِمُ الكُفْرَ ثُمَّ يَقُولُ لِمَ تَكْفُرُونَ؟
وخَلَقَ فِيهِمْ لَبْسَ الحَقِّ بِالباطِلِ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ ﴾ وصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ ثُمَّ يَقُولُ: لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وحالَ بَيْنَهم وبَيْنَ الإيمانِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا ﴾ وذَهَبَ بِهِمْ عَنِ الرُّشْدِ، ثُمَّ قالَ: وأيْنَ تَذْهَبُونَ، وأضَلَّهم عَنِ الدِّينِ حَتّى أعْرَضُوا، ثُمَّ قالَ: ﴿ فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴾ !
فَإنْ أجابُوا بِأنَّ لِلَّهِ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ، ولا يَتَعَرَّضُ لِلِاعْتِراضِ عَلَيْهِ المُعْتَرِضُونَ، ﴿ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ ﴾ قُلْنا لَهم: هَذِهِ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِها باطِلٌ، ورَوْضَةُ صِدْقٍ، ولَكِنْ لَيْسَ لَكم مِنها حاصِلٌ، لِأنَّ كَوْنَهُ تَعالى لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ لَيْسَ إلّا لِأنَّهُ حَكِيمٌ لا يَفْعَلُ ما عَنْهُ يُسْألُ، وإذا قُلْتُمْ: لا أثَرَ لِلْقُدْرَةِ الحادِثَةِ في مَقْدُورِها، كَما لا أثَرَ لِلْعِلْمِ في مَعْلُومِهِ فَوَجْهُ مُطالَبَةِ العَبْدِ بِأفْعالِهِ كَوَجْهِ مُطالَبَتِهِ بِأنْ يُثَبِّتَ في نَفْسِهِ ألْوانًا وإدْراكاتٍ، وهَذا خُرُوجٌ عَنْ حَدِّ الِاعْتِدالِ إلى التِزامِ الباطِلِ والمُحالِ، وفِيهِ إبْطالُ الشَّرائِعِ العِظامِ، ورَدُّ ما ورَدَ عَنِ النَّبِيِّينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإنْ أرادُوا بِالكَسْبِ فِعْلَ العَبْدِ اسْتِقْلالا ما يُرِيدُهُ هُوَ، وإنْ لَمْ يُرِدْهُ اللَّهُ تَعالى، فَهَذا مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، وفِيهِ الخُرُوجُ عَمّا دَرَجَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ، واقْتِحامُ ورَطاتِ الضَّلالِ، وسُلُوكُ مَهامِّهِ الوَبالُ.
مَساوٍ لَوْ قُسِمْنَ عَلى الغَوانِي لَما أُمْهِرْنَ إلّا بِالطَّلاقِ وإنْ أرادُوا بِهِ تَحْصِيلَ العَبْدِ بِقُدْرَتِهِ الحادِثَةِ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ الأزَلِيِّ المُؤَثِّرَةِ لا مُسْتَقِلًّا، بَلْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى ما تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ مَشِيئَتُهُ التّابِعَةُ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ، فَنِعْمَتِ الإرادَةُ وحَبَّذا السُّلُوكُ في هَذِهِ الجادَّةِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَسْطُها، وإقامَةُ الأدِلَّةِ عَلى صِحَّتِها، وإماطَةُ الأذى عَنْ طَرِيقِها، إلّا أنَّ أشاعِرَتَنا اليَوْمَ لا يَشْعُرُونَ، وإنَّهم لَيَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا، ولَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ.
ما في الدِّيارِ أخُو وجْدٍ نُطارِحُهُ ∗∗∗ حَدِيثَ نَجْدٍ ولا خِلٌّ نُجارِيهِ وأمّا ما ذَكَرَهُ المُعْتَزِلَةُ لا سِيَّما عَلّامَتُهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَلَيْسَ أوَّلَ عَشْواءَ خَبَطُوها، وفي مَهْواةٍ مِنَ الأهْواءِ أُهْبِطُوها، ولَكَمْ نَزَلُوا عَنْ مِنَصَّةِ الإيمانِ بِالنَّصِّ إلى حَضِيضِ تَأْوِيلِهِ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ، واسْتِيفاءً لِما كُتِبَ عَلَيْهِمْ مِنَ المِحْنَةِ، وطالَما اسْتَوْخَمُوا مِنَ السُّنَّةِ المَناهِلَ العِذابَ، ووَرَدُوا مِن حَمِيمِ البِدْعَةِ مَوارِدَ العَذابِ، والشُّبْهَةُ الَّتِي تُدَنْدِنُ هُنا حَوْلَ الحِمى أنَّ أفْعالَ العِبادِ لَوْ كانَتْ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى لَما نَعاها عَلى عِبادِهِ، ولا عاقَبَهم بِها، ولا قامَتْ حُجَّةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، وهي أوْهى مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وإنَّهُ لَأوْهَنُ البُيُوتِ، وقَدْ عَلِمْتَ جَوابَها مِمّا قَدَّمْناهُ لَكَ، ولْيَكُنْ عَلى ذُكْرٍ مِنكَ، عَلى أنّا نَرْجِعُ فَنَقُولُ: إنْ أسْنَدُوا المُلازَمَةَ وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ، إلى قاعِدَةِ التَّحْسِينِ والتَّقْبِيحِ، وقالُوا: مُعاقَبَةُ الإنْسانِ مَثَلًا بِفِعْلِ غَيْرِهِ قَبِيحَةٌ في الشّاهِدِ، لا سِيَّما إذا كانَتْ مِنَ الفاعِلِ، فَيَلْزَمُ طَرْدُ ذَلِكَ غائِبًا، قِيلَ: ويَقْبُحُ في الشّاهِدِ أيْضًا أنْ يُمَكِّنَ الإنْسانُ عَبْدَهُ مِنَ القَبائِحِ والفَواحِشِ بِمَرْأى ومَسْمَعٍ، ثُمَّ يُعاقِبَهُ عَلى ذَلِكَ مَعَ القُدْرَةِ عَلى رَدْعِهِ ورَدِّهِ مِنَ الأوَّلِ عَنْها، وأنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ القُدْرَةَ الَّتِي بِها يَخْلُقُ العَبْدُ الفَواحِشَ لِنَفْسِهِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى عَلى عِلْمٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، أنَّ العَبْدَ يَخْلُقُ بِها لِنَفْسِهِ ذَلِكَ، فَهو بِمَثابَةِ إعْطاءِ سَيْفٍ باتِرٍ لِفاجِرٍ يُعْلَمُ أنَّهُ يَقْطَعُ بِهِ السَّبِيلَ ويَسْبِي بِهِ الحَرِيمَ، وذَلِكَ في الشّاهِدِ قَبِيحٌ جَزْمًا، فَإنْ قالُوا: ثَمَّ حِكْمَةٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِها، فَرَّقَتْ بَيْنَ الغائِبِ والشّاهِدِ، فَحَسُنَ مِنَ الغائِبِ ذَلِكَ التَّمْكِينُ ولَمْ يَحْسُنْ في الشّاهِدِ، (قُلْنا عَلى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ، والمُوافَقَةِ لِبَعْضِ النّاسِ) ما المانِعُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأفْعالُ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى، ويُعاقِبُ العَبْدَ عَلَيْها لِمَصْلَحَةٍ وحِكْمَةٍ اسْتَأْثَرَ بِها كَما فَرَغْتُمْ مِنهُ الآنَ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ؟
عَلى أنَّ في كَوْنِ الخاتَمِ في الحَقِيقَةِ هو الشَّيْطانُ مِمّا لا يَقْدَمُ عَلَيْهِ حَتّى الشَّيْطانُ، ألا تَسْمَعُهُ كَيْفَ قالَ: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ فَلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، ولْيَكُنْ هَذا المِقْدارُ كافِيًا في هَذا المَقامِ، ولِشَحْرُورِ القَلَمِ بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، عَلى كُلِّ بانَةٍ تَغْرِيدٌ بِأحْسَنِ مَقامٍ، (والقُلُوبُ) جَمْعُ قَلْبٍ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الجِسْمُ الصَّنَوْبَرِيُّ المُودَعُ في التَّجْوِيفِ الأيْسَرِ مِنَ الصَّدْرِ، وهو مَشْرِقُ اللَّطِيفَةِ الإنْسانِيَّةِ، ويُطْلَقُ عَلى نَفْسِ اللَّطِيفَةِ النُّورانِيَّةِ الرَّبّانِيَّةِ العالِمَةِ الَّتِي هي مَهْبِطُ الأنْوارِ الصَّمَدانِيَّةِ، وبِها يَكُونُ الإنْسانُ إنْسانًا، وبِها يَسْتَعِدُّ لِاكْتِسابِ الأوامِرِ، واجْتِنابِ الزَّواجِرِ، وهي خُلاصَةٌ تَوَلَّدَتْ مِنَ الرُّوحِ الرُّوحانِيِّ، ويُعَبِّرُ عَنْها الحَكِيمُ بِالنَّفْسِ النّاطِقَةِ، ولِكَوْنِها هَدَفَ سِهامِ القَهْرِ واللُّطْفِ ومَظْهَرَ الجَمالِ والجَلالِ ومَنشَأ البَسْطِ والقَبْضِ، ومَبْدَأ المَحْوِ والصَّحْوِ، ومَنبَعَ الأخْلاقِ المَرْضِيَّةِ والأحْوالِ الرَّدِيَّةِ، وقَلَّما تَسْتَقِرُّ عَلى حالٍ، وتَسْتَمِرُّ عَلى مِنوالٍ، سُمِّيَتْ قَلْبًا، فَهي مُتَقَلِّبَةٌ في أمْرِهِ، ومُنْقَلِبَةٌ بِقَضاءِ اللَّهِ، وقَدَرِهِ، وفي الحَدِيثِ: «(إنَّ القَلْبَ كَرِيشَةٍ بِأرْضِ فَلاةٍ، تُقَلِّبُها الرِّياحُ)،» وقَدْ قالَ الشّاعِرُ: قَدْ سُمِّيَ القَلْبُ قَلْبًا مِن تَقَلُّبِهِ ∗∗∗ فاحْذَرْ عَلى القَلْبِ مِن قَلْبٍ وتَحْوِيلِ وتَسْمِيَةُ الجِسْمِ المَعْرُوفِ قَلْبًا إذا أمْعَنْتَ النَّظَرَ لَيْسَ إلّا لِتَقَلُّبِ هاتِيكَ اللَّطِيفَةِ المُشْرِقَةِ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ العُضْوُ الرَّئِيسُ الَّذِي هو مَنشَأُ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ المُمِدَّةِ لِلْجَسَدِ كُلِّهِ، ويُكَنّى بِصَلاحِهِ وفَسادِهِ عَنْ صَلاحِ هاتِيكَ اللَّطِيفَةِ وفَسادِها، لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّعَلُّقِ الَّذِي لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، وكَأنَّهُ لِهَذا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألا وهي القَلْبُ)،» وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ ذَهَبَ إلى أنَّ تِلْكَ المُضْغَةِ هي مَحَلُّ العِلْمِ، وقِيلَ: إنَّهُ في الدِّماغِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُما، وبُنِيَ ذَلِكَ عَلى إثْباتِ الحَواسِّ الباطِنَةِ، والكَلامُ فِيها مَشْهُورٌ، ومَن راجَعَ وجَدَ أنَّهُ أدْرَكَ أنَّ بَيْنَ الدِّماغِ والقَلْبِ رابِطَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، ومُراجَعَةٌ سِرِّيَّةٌ لا يُنْكِرُها مَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ، لَكِنَّ مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ ذَلِكَ مُتَعَزِّزَةٌ كَما هي مُتَعَذِّرَةٌ، والإشارَةُ إلى كُنْهِ ما هُنالِكَ عَلى أرْبابِ الحَقائِقِ، وأصْحابِ الدَّقائِقِ مُتَعَسِّرَةٌ، ومَن عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ، والعَجْزُ عَنْ دَرْكِ الإدْراكِ إدْراكٌ، والسَّمْعُ مَصْدَرُ سَمِعَ سَمْعًا وسَماعًا، ويُطْلَقُ عَلى قُوَّةٍ مُودَعَةٍ في العَصَبِ المَفْرُوشِ أوِ المُبْطَلِ في الأُذُنِ تُدْرَكُ بِها الأصْواتُ، ويُعَبَّرُ بِهِ تارَةً عَنْ نَفْسِ الأُذُنِ، وأُخْرى عَنِ الفِعْلِ، نَحْوَ ﴿ إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ﴾ والأبْصارُ جَمْعُ بَصَرٍ، وهو في الأصْلِ بِمَعْنى إدْراكِ العَيْنِ، وإحْساسِها، ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنِ القُوَّةِ المُودَعَةِ في مُلْتَقى العَصَبَتَيْنِ المُجَوَّفَتَيْنِ الواصِلَتَيْنِ مِنَ الدِّماغِ إلى الحَدَقَتَيْنِ الَّتِي مِن شَأْنِها إدْراكُ الألْوانِ والأشْكالِ بِتَفْصِيلٍ مَعْرُوفٍ في مَحَلِّهِ، وعَنِ العَيْنِ الَّتِي هي مَحَلُّهُ، وشاعَ هَذا حَتّى صارَ حَقِيقَةً في العُرْفِ لِتَبادُرِهِ، وهو المُناسِبُ لِلْغِشاوَةِ لِتَعَلُّقِها بِالأعْيانِ، ويُناسِبُ الخَتْمَ ما يُناسِبُ الغِشاوَةَ، وإنَّما قَدَّمَ سُبْحانَهُ الخَتْمَ عَلى القُلُوبِ هُنا لِأنَّ الآيَةَ تَقْرِيرٌ لِعَدَمِ الإيمانِ، فَناسَبَ تَقْدِيمَ القُلُوبِ لِأنَّها مَحَلُّ الإيمانِ، والسَّمْعُ والأبْصارُ طُرُقٌ وآلاتٌ لَهُ، وهَذا بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ ﴾ فَإنَّهُ مَسُوقٌ لِعَدَمِ المُبالاةِ بِالمَواعِظِ، ولِذا جاءَتِ الفاصِلَةُ ”أفَلا تَذْكُرُونَ“ فَكانَ المُناسِبُ هُناكَ تَقْدِيمُ السَّمْعِ، وأعادَ جَلَّ شَأْنُهُ الجارَّ لِتَكُونَ أدَلَّ عَلى شِدَّةِ الخَتْمِ في المَوْضِعَيْنِ، فَإنَّ ما يُوضَعُ في خِزانَةٍ إذا خُتِمَتْ خِزانَتُهُ وخُتِمَتْ دارُهُ كانَ أقْوى مِنَ المَنعِ عَنْهُ، وأظْهَرَ في الِاسْتِقْلالِ لِأنَّ إعادَةَ الجارِّ تَقْتَضِي مُلاحَظَةَ مَعْنى الفِعْلِ المُتَعَدِّي بِهِ حَتّى كَأنَّهُ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ، ولِذا قالُوا فِي: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرٍو، مُرُورٌ واحِدٌ، وفِي: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وبِعَمْرٍو، مُرُورانِ، والعَطْفُ وإنْ كانَ في قُوَّةِ الإعادَةِ لَكِنَّهُ لَيْسَ ظاهِرًا مِثْلَها في الإفادَةِ لِما فِيهِ مِنَ الِاحْتِمالِ، ووَحَّدَ السَّمْعَ مَعَ أنَّهُ مُتَعَدِّدٌ في الواقِعِ، ومُقْتَضى الِانْتِظامِ بِالسِّباقِ واللَّحاقِ أنْ يَجْرِيَ عَلى نَمَطِهِما لِلِاخْتِصارِ والتَّفَنُّنِ مَعَ الإشارَةِ إلى نُكْتَةٍ هي أنَّ مُدْرَكاتِهِ نَوْعٌ واحِدٌ ومُدْرَكاتِهِما مُخْتَلِفَةٌ، وكَثِيرًا ما يَعْتَبِرُ البُلَغاءُ مِثْلَ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ وحْدَةَ اللَّفْظِ تَدُلُّ عَلى وحْدَةِ مُسَمّاهُ، وهو الحاسَّةُ، ووَحْدَتُها تَدُلُّ عَلى قِلَّةِ مُدْرَكاتِها في بادِئِ النَّظَرِ، فَهُناكَ دِلالَةُ التِزامٍ، ويَكْفِي مِثْلُ ما ذُكِرَ في اللُّزُومِ عُرْفًا، ومِنهُ يُتَنَبَّهُ لِوَجْهِ جَمْعِ القُلُوبِ كَثْرَةِ الأبْصارِ قِلَّةً، وإنْ كانَ ذَلِكَ هو المَعْرُوفُ في اسْتِعْمالِ الفُقَهاءِ في جَمِيعِها عَلى أنَّ الأسْماعَ قَلَّما قَرَعَ السَّمْعَ، ومِنهُ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ في الشَّواذِّ (وعَلى أسْماعِهِمْ)، واسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِهِ قالَتْ ولَمْ تَقْصِدْ لِقِيلِ الخَنا ∗∗∗ مَهْلًا لَقَدْ أبْلَغْتَ أسْماعِي والقَوْلُ بِأنَّهُ وحْدَةٌ لِلْأمْنِ عَنِ اللَّبْسِ كَما في قَوْلِهِ: كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعِفُّوا ∗∗∗ فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ ولِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ والمَصادِرُ لا تُجْمَعُ، فَرُوعِيَ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ ما ذُكِرَ مُصَحِّحٌ لا مُرَجِّحٌ، وأدْنى مِن هَذا عِنْدِي تَقْدِيرُ مُضافٍ مِثْلِ: (وحَواسِّ سَمْعِهِمْ)، وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى الوَقْفِ عَلى (سَمْعِهِمْ)، وظاهِرُهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما بَعْدَهُ، فَهو مَعْطُوفٌ عَلى (عَلى قُلُوبِهِمْ) وهَذا أوْلى مِن كَوْنِهِ هُوَ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ خَبَرًا مُقَدَّمًا، لِغِشاوَةٍ أوْ عامِلانِ فِيهِ عَلى التَّنازُعِ، وإنِ احْتَمَلَتْهُ الآيَةُ لِتَعَيُّنِ نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ ﴾ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ولِأنَّ السَّمْعَ كالقَلْبِ يُدْرِكُ ما يُدْرِكُهُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ فَناسَبَ أنْ يُقْرَنَ مَعَهُ بِالخَتْمِ الَّذِي يَمْنَعُ مِن جَمِيعِها، وإنِ اخْتَصَّ وُقُوعُهُ بِجانِبٍ، إلّا أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ، ولَمّا كانَ إدْراكُ البَصَرِ لا يَكُونُ عادَةً إلّا بِالمُحاذاةِ والمُقابَلَةِ جُعِلَ المانِعُ ما يَمْنَعُ مِنها، وهو الغِشاوَةُ، لِأنَّها في الغالِبِ كَذَلِكَ، كَغاشِيَةِ السَّرْجِ، ومِثْلُ هَذا يَكْفِي في النِّكاتِ، ولا يَضُرُّهُ سَتْرُهُ لِجَمِيعِ الجَوانِبِ كالإزارِ، وما في الكَشْفِ مِن أنَّ الوَجْهَ أنَّ الغِشاوَةَ مَشْهُورَةٌ في أمْراضِ العَيْنِ، فَهي أنْسَبُ بِالبَصَرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ لِما تَكَلَّفُوهُ، يَكْشِفُ عَنْ حالِهِ النَّظَرُ في المَعْنى اللُّغَوِيِّ مِمَّنْ لا غِشاوَةَ عَلى بَصَرِهِ، ولَعَلَّ سَبَبَ تَقْدِيمِ السَّمْعِ عَلى البَصَرِ مُشارَكَتُهُ لِلْقَلْبِ في التَّصَرُّفِ في الجِهاتِ السِّتِّ مِثْلَهُ دُونَ البَصَرِ ومِن هُنا قِيلَ: إنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ، والحَقُّ أنَّ كُلًّا مِنَ الحَواسِّ ضَرُورِيٌّ في مَوْضِعِهِ، ومَن فَقَدَ حِسًّا فَقَدَ عِلْمًا، وتَفْضِيلُ البَعْضِ عَلى البَعْضِ تَطْوِيلٌ مِن غَيْرِ طائِلٍ، وقَدْ قُرِئَ بِإمالَةِ (أبْصارِهِمْ) ووَجْهُ الإمالَةِ مَعَ أنَّ الصّادَ حَرْفٌ مُسْتَعْلٍ وهو مُنافٍ لَها لِاقْتِضائِها لِتَسَفُّلِ الصَّوْتِ، مُناسَبَةُ الكَسْرَةِ، واعْتُبِرَتْ عَلى الرّاءِ دُونَ غَيْرِها لِمُناسَبَةِ الإمالَةِ التَّرْقِيقَ، والمَشْهُورُ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ أنَّ ذَلِكَ لِقُوَّةِ الرّاءِ لِئَلّا يَقَعَ التَّقْرِيرُ، فَإنَّهُ مُضِرٌّ في الأداءِ حَتّى سَمِعْتُ مِن بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ أنَّ مَن كَرَّرَ الرّاءَ في تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلاتُهُ، والعُهْدَةُ عَلى الرّاوِي، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ (عَلى أبْصارِهِمْ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِــ(غِشاوَةٌ)، والتَّقْدِيمُ مُصَحِّحٌ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ مَعَ أنَّ فِيهِ مُطابَقَةَ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ، لِأنَّهُ تَقَدُّمُ الجُزْءِ المَحْكُومِ بِهِ فِيها، وهَذا كَذَلِكَ، فَفي الآيَةِ جُمْلَتانِ خَبَرِيَّتانِ فِعْلِيَّةٌ دالَّةٌ عَلى التَّجَدُّدِ، واسْمِيَّةٌ دالَّةٌ عَلى الثُّبُوتِ، حَتّى كَأنَّ الغِشاوَةَ جِبِلِّيَّةٌ فِيهِمْ، وكَوْنُ الجُمْلَتَيْنِ دُعائِيَّتَيْنِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وفي تَقْدِيمِ الفِعْلِيَّةِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ، وفُرِغَ مِنهُ، ونَصَبَ المُفَضَّلُ وأبُو حَيْوَةَ، وإسْماعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ (غِشاوَةً)، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى حَذْفِ الجارِّ، وقالَ أبُو حَيّانَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن مَعْنى خَتَمَ، لِأنَّ مَعْناهُ غَشّى وسَتَرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: تَغْشِيَةً، عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ قُلُوبُهُمْ، وسَمْعُهُمْ، وأبْصارُهم مَخْتُومًا عَلَيْها مُغَشّاةً، وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ خَتَمَ، والظُّرُوفُ أحْوالٌ، أيْ خَتْمَ غِشاوَةٍ كائِنَةٍ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ لِئَلّا يُتَصَرَّفَ بِها بِالرَّفْعِ والإزالَةِ، وفي كُلٍّ ما لا يَخْفى، فَقِراءَةُ الرَّفْعِ أوْلى، وقُرِئَ أيْضًا بِضَمِّ الغَيْنِ، ورَفْعِهِ، وبِفَتْحِ الغَيْنِ ونَصْبِهِ، وقُرِئَ (غِشْوَةٌ)، بِكَسْرِ المُعْجَمَةِ مَرْفُوعًا، وبِفَتْحِها مَرْفُوعًا ومَنصُوبًا، و(غَشْيَةٌ) بِالفَتْحِ والرَّفْعِ، و(عَشاوَةٌ) بِفَتْحِ المُهْمَلَةِ، والرَّفْعِ، وجُوِّزَ فِيهِ الكَسْرُ والنَّصْبُ مِنَ الغَشا بِالفَتْحِ والقَصْرِ، وهو الرُّؤْيَةُ نَهارًا لا لَيْلًا، والمَعْنى أنَّهم يُبْصِرُونَ إبْصارَ غَفْلَةٍ لا إبْصارَ عِبْرَةٍ، أوْ أنَّهم لا يَرَوْنَ آياتِ اللَّهِ تَعالى في ظُلُماتِ كُفْرِهِمْ، ولَوْ زالَتْ أبْصَرُوها، وقالَ الرّاغِبُ العَشا ظُلْمَةٌ تَعْرِضُ لِلْعَيْنِ، وعَشى عَنْ كَذا عَمِيَ، قالَ تَعالى ﴿ ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ ﴾ فالمَعْنى حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، والتَّنْوِينُ لِلْإشارَةِ إلى نَوْعٍ مِنَ الأغْطِيَةِ غَيْرِ ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ غِشاوَةٌ أيُّ غِشاوَةٍ، وصَرَّحَ بَعْضُهم بِحَمْلِهِ عَلى النَّوْعِيَّةِ، والتَّعْظِيمِ مَعًا كَما حُمِلَ عَلى التَّكْثِيرِ والتَّعْظِيمِ مَعًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ ﴾ واللّامُ في (لَهُمْ) لِلِاسْتِحْقاقِ كَما في ﴿ لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ﴾ وفي المُغْنِي: لامُ الِاسْتِحْقاقِ هي الواقِعَةُ بَيْنَ مَعْنًى وذاتٍ، وهُنا كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ قَدَّمَ الخَبَرَ اسْتِحْسانًا، لِأنَّ المُبْتَدَأ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، ولَوْ أُخِّرَ جازَ كَـ ”أجَل مُسَمّى عِنْدَهُ“ ويَجُوزُ كَما قِيلَ: أنْ يَكُونَ تَقْدِيمُهُ لِلتَّخْصِيصِ، فَلا يُعَذَّبُ عَذابَهم أحَدٌ ولا يُوثَقُ وثاقَهم أحَدٌ، وكَوْنُ اللّامِ لِلنَّفْعِ، واسْتُعْمِلَتْ هُنا لِلتَّهَكُّمِ، مِمّا لا وجْهَ لَهُ، لِأنَّها إنَّما تَقَعُ لَهُ في مُقابَلَةِ (عَلى) في الدُّعاءِ، وما يُقارِبُهُ، ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ هُنا، ولا يُقالُ عَلَيْهِمُ العَذابُ، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ مُساقَةٌ لِبَيانِ إصْرارِهِمْ بِأنَّ مَشاعِرَهم خُتِمَتْ، وإنَّ الشِّقْوَةَ عَلَيْهِمْ خُتِمَتْ، وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، ولَيْسَتِ اسْتِئْنافًا، ولا حالًا، وقالَ السّالَكُوتِيُّ: عُطِفَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا، والجامِعُ أنَّ ما سَبَقَ بَيانُ حالِهِمْ، وهَذا بَيانُ ما يَسْتَحِقُّونَهُ، أوْ عَلى خَبَرِ إنَّ، والجامِعُ الشَّرِكَةُ في المُسْنَدِ إلَيْهِ مَعَ تَناسُبِ مَفْهُومِ المُسْنَدَيْنِ، وجَعْلِ ذَلِكَ لِدَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِن عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ عَلى كُفْرِهِمْ، لِأنَّهُ بِخَتْمِ اللَّهِ تَعالى وتَغْشِيَتِهِ لَيْسَ بِوَجِيهٍ كَما لا يَخْفى، والعَذابُ في الأصْلِ الِاسْتِمْرارُ ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ، فَسُمِّيَ بِهِ كُلُّ اسْتِمْرارِ ألَمٍ، واشْتَقُّوا مِنهُ فَقالُوا: عَذَّبَتُهُ أيْ داوَمْتُ عَلَيْهِ الألَمَ، قالَهُ أبُو حَيّانَ، وعَنِ الخَلِيلِ، وإلَيْهِ مالَ كَثِيرٌ أنَّ أصْلَهُ المَنعُ، يُقالُ: عَذَبَ الفَرَسُ إذا امْتَنَعَ عَنِ العَلَفِ، ومِنهُ العَذْبُ لِمَنعِهِ مِنَ العَطَشِ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فَأُطْلِقَ عَلى كُلِّ مُؤْلِمٍ شاقٍّ مُطْلَقًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مانِعًا ورادِعًا، ولِهَذا كانَ أعَمَّ مِنَ النَّكالِ، لِأنَّهُ ما كانَ رادِعًا كالعِقابِ، وقِيلَ: العِقابُ ما يُجازى بِهِ كَما في الآخِرَةِ، وشَمَلَ البَيانُ عَذابَ الأطْفالِ والبَهائِمِ وغَيْرِهِما، وخَصَّ السَّجاوَنْدِيُّ العَذابَ بِإيصالِ الألَمِ إلى الحَيِّ مَعَ الهَوانِ، فَإيلامُ الأطْفالِ والبَهائِمِ لَيْسَ بِعَذابٍ عِنْدَهُ، وقِيلَ: إنَّ العَذابَ مَأْخُوذٌ في الأصْلِ مِنَ التَّعْذِيبِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإيلامِ مُطْلَقًا، وأصْلُ التَّعْذِيبِ عَلى ما قِيلَ: إكْثارُ الضَّرْبِ بِعَذْبَةِ السَّوْطِ، وقالَ الرّاغِبُ: أصْلُهُ مِنَ العَذْبِ فَعَذَّبْتُهُ أزَلْتَ عَذْبَ حَياتِهِ، عَلى بِناءِ مَرَّضْتُهُ وقَذَّيْتُهُ، والتَّنْكِيرُ فِيهِ لِلنَّوْعِيَّةِ أيْ لَهم في الآخِرَةِ نَوْعٌ مِنَ العَذابِ غَيْرُ مُتَعارَفٍ في عَذابِ الدُّنْيا، وحَمْلُهُ عَلى التَّعْظِيمِ يَسْتَدْعِي حَمْلَ ما يُسْتَفادُ مِنَ الوَصْفِ عَلى التَّأْكِيدِ، ولا حاجَةَ إلَيْهِ، والعَظِيمُ الكَبِيرُ، وقِيلَ: فَوْقَ الكَبِيرِ، لَأنَّ الكَبِيرَ يُقابِلُهُ الصَّغِيرُ، والعَظِيمَ يُقابِلُهُ الحَقِيرُ، والحَقِيرَ دُونَ الصَّغِيرِ، فالصَّغِيرُ والحَقِيرُ خَسِيسانِ، والحَقِيرُ أخَسُّهُما، والعَظِيمُ والكَبِيرُ شَرِيفانِ، والعَظِيمُ أشْرَفُهُما، فَتَوْصِيفُ العَذابِ بِهِ أكْثَرُ في التَّهْوِيلِ مِن تَوْصِيفِهِ بِالكَبِيرِ، كَما ذَكَرَهُ الكَثِيرُ مِمَّنْ شاعَ فَضْلُهُ، إذِ العادَةُ جارِيَةٌ بِأنَّ الأخَسَّ يُقابَلُ بِالأشْرَفِ، والخَسِيسَ بِالشَّرِيفِ، فَما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ نَقِيضَ الأخَصِّ أعَمُّ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ هُنا، نَعَمْ يُشْكِلُ عَلى دَعْوى أنَّ العَظِيمَ فَوْقَ الكَبِيرِ قَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «(الكِبْرِياءُ رِدائِي، والعَظَمَةُ إزارِي)» حَيْثُ جَعَلَ سُبْحانَهُ الكِبْرِياءُ مَقامَ الرِّداءِ والعَظْمَةَ مَقامَ الإزارِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الرِّداءَ أرْفَعُ مِنَ الإزارِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ صِفَةُ الكِبْرِ أرْفَعُ مِنَ العَظَمَةِ، ويُقالُ: إنَّ الكَبِيرَ هو الكَبِيرُ في ذاتِهِ سَواءٌ اسْتَكْبَرَهُ غَيْرُهُ أمْ لا، وأمّا العَظَمَةُ فَعِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ بِحَيْثُ يَسْتَعْظِمُهُ غَيْرُهُ، فالصِّفَةُ الأُولى عَلى هَذا ذاتِيَّةٌ وأشْرَفُ مِنَ الثّانِيَةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَلى بُعْدٍ بِأنَّ ما ذَكَرُوهُ خاصٌّ بِما إذا اسْتُعْمِلَ الكَبِيرُ والعَظِيمُ في غَيْرِهِ تَعالى، أوْ فِيما إذا خَلا الكَلامُ عَنْ قَرِينَةٍ تَقْتَضِي العَكْسَ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ العَظَمَةَ وهي أشْرَفُ مِنَ الكِبْرِياءِ إزارًا لِقِلَّةِ العارِفِينَ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِهَذا العُنْوانِ بِالنَّظَرِ إلى العارِفِينَ بِعُنْوانِ الكِبْرِياءِ، فَلِقِلَّةِ أُولَئِكَ كانَتْ إزارًا، ولِكَثْرَةِ هَؤُلاءِ كانَتْ رِداءًا، وسُبْحانَ الكَبِيرِ العَظِيمِ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ أصْلَ عَظُمَ الرَّجُلُ كِبَرَ عَظْمُهُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ كَبِيرٍ وأُجْرِيَ مَجْراهُ مَحْسُوسًا كانَ أوْ مَعْقُولًا مَعْنًى كانَ أوْ عَيْنًا، والعَظِيمُ إذا اسْتُعْمِلَ في الأعْيانِ فَأصْلُهُ أنْ يُقالَ في الأجْزاءِ المُتَّصِلَةِ، والكَبِيرُ يُقالُ في المُنْفَصِلَةِ، وقَدْ يُقالُ فِيها أيْضًا عَظِيمٌ، وهو بِمَعْنى كَبِيرٍ كَجَيْشٍ عَظِيمٍ، وعِظَمُ العَذابِ بِالنِّسْبَةِ إلى عَذابٍ دُونَهُ يَتَخَلَّلُهُ فُتُورٌ، وبِهَذا التَّخَلُّلِ يَصِحُّ أنْ يَتَفاضَلَ العَذابانِ كَسَوادَيْنِ أحَدُهُما أشَبْعُ مِنَ الآخَرِ، وقَدْ تَخَلَّلَ الآخَرَ ما لَيْسَ بِسَوادٍ، وقَدْ ذَهَبَ المُسْلِمُونَ إلى أنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَعْذِيبُ الكُفّارِ، وهَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها شَواهِدُ صِدْقٍ عَلى ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا يَحْسُنُ، وذَكَرُوا دَلائِلَ عَقْلِيَّةً مَبْنِيَّةً عَلى الحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ، فَقالُوا: التَّعْذِيبُ ضَرَرٌ خالٍ عَنِ المَنفَعَةِ، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ، والعَبْدُ يَتَضَرَّرُ بِهِ، ولَوْ سُلِّمَ انْتِفاعُهُ، فاللَّهُ تَعالى قادِرٌ أنْ يُوَصِّلَ إلَيْهِ النَّفْعَ مِن غَيْرِ عَذابٍ، والضَّرَرُ الخالِي عَنِ النَّفْعِ قَبِيحٌ بَدِيهَةً، وأيْضًا أنَّ الكافِرَ لا يَظْهَرُ مِنهُ إلّا العِصْيانُ، فَتَكْلِيفُهُ مَتى حَصَلَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ العَذابُ، وما كانَ مُسْتَعْقِبًا لِلضَّرَرِ مِن غَيْرِ نَفْعٍ قَبِيحٌ، فَإمّا أنْ يُقالَ: لا تَكْلِيفَ، أوْ تَكْلِيفٌ ولا عَذابَ، وأيْضًا هو الخالِقُ لِداعِيَةِ المَعْصِيَةِ، فَيَقْبُحُ أنْ يُعاقِبَ عَلَيْها، وقالُوا أيْضًا هَبْ أنّا سَلَّمْنا العِقابَ فَمِن أيْنَ القَوْلُ بِالدَّوامِ وأقْسى النّاسِ قَلْبًا إذا أخَذَ مَن بالَغَ في الإساءَةِ إلَيْهِ وعَذَّبَهُ، وبالَغَ فِيهِ، وواظَبَ عَلَيْهِ لامَهُ كُلُّ أحَدٍ، وقِيلَ لَهُ: إمّا أنْ تَقْتُلَهُ وتُرِيحَهُ، وإمّا أنْ تَعْفُوَ عَنْهُ، فَإذا قَبُحَ هَذا مِن إنْسانٍ يَلْتَذُّ بِالِانْتِقامِ فالغَنِيُّ عَنِ الكُلِّ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا الدَّوامُ؟
وأيْضًا مَن تابَ مِنَ الكُفْرِ، ولَوْ بَعْدَ حِينٍ تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، أفَتَرى أنَّ هَذا الكَرَمَ العَظِيمَ يَذْهَبُ في الآخِرَةِ أوْ تُسْلَبُ عُقُولُ أُولَئِكَ المُعَذَّبِينَ فَلا يَتُوبُونَ، أوْ يَحْسُنُ أنْ يَقُولَ في الدُّنْيا ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ، وفي الآخِرَةِ لا يُجِيبُ دُعاءَهم إلّا ﴿ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ ﴾ * * * بَقِيَ التَّمَسُّكُ بِالدَّلائِلِ اللَّفْظِيَّةِ، وهي لا تُفِيدُ اليَقِينَ، فَلا تُعارِضُ الأدِلَّةَ العَقْلِيَّةَ المُفِيدَةَ لَهُ، عَلى أنّا نَدَّعِي أنَّ أخْبارَ الوَعِيدِ في الكُفّارِ مَشْرُوطَةٌ بِعَدَمِ العَفْوِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هَذا الشَّرْطُ مَذْكُورًا صَرِيحًا كَما قالَ ذَلِكَ فِيها مَن جَوَّزَ العَفْوَ عَنِ الفُسّاقِ عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الجُمَلُ دُعائِيَّةً، أوْ أنَّها إخْبارِيَّةٌ، لَكِنَّ الإخْبارَ عَنِ اسْتِحْقاقِ الوُقُوعِ لا عَنِ الوُقُوعِ نَفْسِهِ، وهَذا خُلاصَةُ ما ذُكِرَ في هَذا البابِ، وبَسَطَ الإمامُ الرّازِيُّ الكَلامَ فِيهِ، ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِما يَشْرَحُ الفُؤادَ، ويُبَرِّدُ الأكْبادَ، وتِلْكَ شَنْشَنَةٌ أعْرِفُها مِن أخْزَمَ، ولَعَمْرِي إنَّها شُبَهٌ تَمَكَّنَتْ في قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، فَكانَتْ لَهُمُ الخَنّاسَ الوَسْواسَ، فَخَلَعُوا رِبْقَةَ التَّكْلِيفِ، وانْحَرَفُوا عَنِ الدِّينِ الحَنِيفِ، وهي عِنْدَ المُؤْمِنِينَ المُتَمَكِّنِينَ كَصَرِيرِ بابٍ، أوْ كَطَنِينِ ذُبابٍ، فَأقُولُ، وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ: نَفْيُ العَذابِ مُطْلَقًا مِمّا لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِ الآخِرِ، حَتّى أنَّ المَجُوسَ لا يَقُولُونَهُ مَعَ أنَّهُمُ الَّذِينَ بَلَغُوا مِنَ الهَذَيانِ أقْصاهُ، فَإنَّ عُقَلاءَهم والعَقْلُ بِمَراحِلَ عَنْهم زَعَمُوا أنَّ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ لَمْ يَزَلْ في الظُّلْمَةِ بِمَعْزِلٍ عَنْ سُلْطانِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَزْحَفُ حَتّى رَأى النُّورَ، فَوَثَبَ، فَصارَ في سُلْطانِ اللَّهِ تَعالى، وأُدْخِلَ مَعَهُ الآفاتُ والشُّرُورُ، فَخَلَقَ اللَّهُ تَعالى هَذا العالَمَ شَبَكَةً لَهُ، فَوَقَعَ فِيها، فَصارَ لا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ إلى سُلْطانِهِ، فَبَقِيَ مَحْبُوسًا يُرْمى بِالآفاتِ، فَمَن أحْياهُ اللَّهُ تَعالى أماتَهُ، ومَن أصَحَّهُ أسْقَمَهُ، ومَن أسَرَّهُ أحْزَنَهُ، وكُلَّ يَوْمٍ يَنْقُصُ سُلْطانُهُ، فَإذا قامَتِ القِيامَةُ وزالَتْ قُوَّتُهُ طَرَحَهُ اللَّهُ تَعالى في الجَوِّ، وحاسَبَ أهْلَ الأدْيانِ، وجازاهم عَلى طاعَتِهِمْ لِلشَّيْطانِ، وعِصْيانِهِمْ لَهُ، نَعَمِ المَشْهُورُ عَنْهم أنَّ الآلامَ الدُّنْيَوِيَّةَ قَبِيحَةٌ لِذاتِها، ولا تَحْسُنُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَهي صادِرَةٌ عَنِ الظُّلْمَةِ دُونَ النُّورِ، وبُطْلانُ مَذْهَبِ هَؤُلاءِ أظْهَرُ مِن نارٍ عَلى عَلَمٍ، ولَئِنْ سَلَّمْنا أنَّ أحَدًا مِنَ النّاسِ يَقُولُ ذَلِكَ فَهو مَرْدُودٌ، وغالِبُ الأدِلَّةِ الَّتِي تُذْكَرُ في هَذا البابِ مَبْنِيٌّ عَلى الحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ، وقَدْ نَفاهُما أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، وأقامُوا الأدِلَّةَ عَلى بُطْلانِهِما، وشُيُوعُ ذَلِكَ فِي كُتُبِ الكَلامِ يَجْعَلُ نَقْلُهُ هُنا مِن لَغْوِ الكَلامِ عَلى أنّا نَقُولُ: إنَّ لِلَّهِ تَعالى صِفَتَيْ لُطْفٍ وقَهْرٍ، ومِنَ الواجِبِ في الحِكْمَةِ أنْ يَكُونَ المَلِكُ لا سِيَّما مَلِكُ المُلُوكِ كَذَلِكَ، إذْ كُلٌّ مِنهُما مِن أوْصافِ الكَمالِ، ولا يَقُومُ أحَدُهُما مَقامَ الآخَرِ، ومَن مَنَعَ ذَلِكَ فَقَدْ كابَرَ، وقَدْ مُدِحَ في الشّاهِدِ ذَلِكَ، كَما قِيلَ: يَداكَ يَدٌ خَيْرُها يُرْتَجى وأُخْرى لِأعْدائِها غائِظَةْ فَلَمّا نَظَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى ما عَلِمَهُ مِنَ الماهِيّاتِ الأزَلِيَّةِ، والأعْيانِ الثّابِتَةِ ورَأى فِيها مَنِ اسْتَعَدَّ لِلْخَيْرِ، وطَلَبَهُ بِلِسانِ اسْتِعْدادِهِ، ومَنِ اسْتَعَدَّ لِلشَّرِّ، وطَلَبَهُ كَذَلِكَ أفاضَ عَلى كُلٍّ بِمُقْتَضى حِكْمَتِهِ ما اسْتَعَدَّ لَهُ، وأعْطاهُ ما طَلَبَهُ مِنهُ، ثُمَّ كَلَّفَهُ ورَغَّبَهُ ورَهَّبَهُ إتْمامًا لِلنِّعْمَةِ، وإظْهارًا لِلْحُجَّةِ، إذْ لَوْ عَذَّبَهُ وأظْهَرَ فِيهِ صِفَةَ قَهْرِهِ قَبْلَ أنْ يُنْذِرَهُ لَرُبَّما قالَ: ﴿ لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى ﴾ فالتَّعْذِيبُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفْعٌ لَهُ سُبْحانَهُ بِالمَعْنى المَأْلُوفِ، لَكِنَّهُ مِن آثارِ القَهْرِ، ووُقُوعُ فَرِيقٍ في طَرِيقِ القَهْرِ ضَرُورِيٌّ في حِكْمَتِهِ تَعالى، وكُلُّ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ تَعالى وكَمالُهُ حَسَنٌ، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: إنَّ صِفَتَيِ اللُّطْفِ والقَهْرِ مِن مُسْتَتْبَعاتِ ذاتِهِ الَّتِي هي في غايَةِ الكَمالِ، ولَهُما مُتَعَلِّقاتٌ في نَفْسِ الأمْرِ مُسْتَعِدَّةٌ لَهُما في الأزَلِ اسْتِعْدادًا غَيْرَ مَجْعُولٍ، وقَدْ عَلِمَ سُبْحانَهُ في الأزَلِ التَّعَلُّقاتِ والمُتَعَلِّقاتِ فَظَهَرَتْ طِبْقَ ما عَلِمَ، ولَوْ لَمْ تَظْهَرْ كَذَلِكَ لَزِمَ انْقِلابُ الحَقائِقِ، وهو مُحالٌ، فالإيمانُ والكُفْرُ في الحَقِيقَةِ لَيْسا سَبَبًا حَقِيقِيًّا، وعِلَّةً تامَّةً لِلتَّنْعِيمِ والتَّعْذِيبِ، وإنَّما هُما عَلامَتانِ لَهُما، دَعَتْ إلَيْهِما الحِكْمَةُ، والرَّحْمَةُ، وهَذا مَعْنى ما ورَدَ في الصَّحِيحِ: «(اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ)،» أمّا مَن كانَ أيْ في عِلْمِ اللَّهِ مِن أهْلِ السَّعادَةِ المُسْتَعِدَّةِ لَها ذاتُهُ فَسَيُيَسَّرُ بِمُقْتَضى الرَّحْمَةِ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، لِأنَّ شَأْنَهُ تَعالى الإفاضَةُ عَلى القَوابِلِ بِحَسَبِ القابِلِيّاتِ، وأمّا مَن كانَ في الأزَلِ والعِلْمِ القَدِيمِ مِن أهْلِ الشَّقاوَةِ الَّتِي ثَبَتَتْ لِماهِيَّتِهِ الغَيْرِ المَجْعُولَةِ أزَلًا، فَسَيُيَسَّرُ بِمُقْتَضى القَهْرِ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاوَةِ، وفي ذَلِكَ تَظْهَرُ المِنَّةُ، وتَتِمُّ الحُجَّةُ، ولا يُرَدُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ ﴾ لِأنَّ نَفْيَ الهِدايَةِ لِنَفْيِ المَشِيئَةِ، ولا شَكَّ أنَّ المَشِيئَةَ تابِعَةٌ لِلْعِلْمِ، والعِلْمُ تابِعٌ لِثُبُوتِ المَعْلُومِ في نَفْسِ الأمْرِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في المُسْتَحِيلِ الغَيْرِ الثّابِتِ في نَفْسِهِ ﴿ أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ ﴾ وحَيْثُ لا ثُبُوتَ لِلْهِدايَةِ في نَفْسِها لا تَعَلُّقَ لِلْعِلْمِ بِها، وحَيْثُ لا تَعَلُّقَ لا مَشِيئَةَ، فَسَبَبُ نَفْيِ إيجادِ الهِدايَةِ نَفْيُ المَشِيئَةِ، وسَبَبُ نَفْيِ المَشِيئَةِ تَقَرُّرُ عَدَمِ الهِدايَةِ في نَفْسِها، فَيَئُولُ الأمْرُ إلى أنَّ سَبَبَ نَفْيِ إيجادِ الهِدايَةِ انْتِفاؤُها في نَفْسِ الأمْرِ، وعَدَمُ تَقَرُّرِها في العِلْمِ الأزَلِيِّ، ﴿ ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ ﴾ فَإذا انْتَقَشَ هَذا عَلى صَحِيفَةِ خاطِرِكَ فَنَقُولُ: قَوْلُهُمُ الضَّرَرُ الخالِي عَنِ النَّفْعِ قَبِيحٌ بَدِيهَةً، لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ ذَلِكَ الضَّرَرَ مِن آثارِ القَهْرِ التّابِعِ لِلذّاتِ الأقْدَسِ، ومَتى خَلا عَنِ القَهْرِ كانَ عَزَّ شَأْنُهُ عَمّا يَقُولُهُ الظّالِمُونَ كالأقْطَعِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ إلّا يَدٌ واحِدَةٌ بَلْ مَن أنْصَفَهُ عَقْلُهُ يَعْلَمُ أنَّ الخُلُوَّ عَنْ صِفَةِ القَهْرِ يُخِلُّ بِالرُّبُوبِيَّةِ، ويَسْلُبُ إزارَ العَظَمَةِ، ويَحُطُّ شَأْنَ المِلْكِيَّةِ، إذْ لا يُرْهَبُ مِنهُ حِينَئِذٍ، فَيَخْتَلُّ النِّظامُ، ويَنْحَلُّ نُبَذُ هَذا الِانْتِظامِ، عَلى أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ تَسْتَدْعِي عَدَمَ إيلامِ الحَيَوانِ في هَذِهِ النَّشْأةِ لا سِيَّما البَهائِمُ والأطْفالُ الَّذِينَ لا يَنالُهم مِن هَذِهِ الآلامِ نَفْعٌ بِالكُلِّيَّةِ لا عاجِلًا ولا آجِلًا، مَعَ أنّا نُشاهِدُ وُقُوعَ ذَلِكَ أكْثَرَ مِن نُجُومِ السَّماءِ فَما هو جَوابُهم عَنْ هَذِهِ الآلامِ مِنهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ النَّشْأةِ، مَعَ أنَّهُ لا نَفْعَ لَهُ مِنها بِوَجْهٍ، فَهو جَوابُنا عَنِ التَّعْذِيبِ في تِلْكَ النَّشْأةِ، وقَوْلُهُمْ: إنَّ الكافِرَ لا يَظْهَرُ مِنهُ إلّا العِصْيانُ، فَتَكْلِيفُهُ مَتى حَصَلَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ العَذابُ إلْخَ، فَفِيهِ أنَّ الكافِرَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ مُتَعَشِّقٌ لِلنّارِ تَعْشُّقَ الحَدِيدِ لِلْمِغْناطِيسِ، وإنْ نَفَرَ عَنْها نافِرٌ عَنِ الجَنَّةِ نُفُورَ الظُّلْمَةِ عَنِ النُّورِ، وإنْ تَعَشَّقَها فَهو إنْ كُلِّفَ وإنْ لَمْ يُكَلَّفْ لا بُدَّ وأنْ يُعَذَّبَ فِيها، ولَكِنَّ التَّكْلِيفَ لِاسْتِخْراجِ ما في اسْتِعْدادِهِ مِن الإباءِ لِإظْهارِ الحُجَّةِ، والكُفْرُ مُجَرَّدُ عَلامَةٍ، ﴿ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ ، وقَوْلُهُمْ: هو سُبْحانَهُ الخالِقُ لِداعِيَةِ المَعْصِيَةِ مُسَلَّمٌ، لَكِنَّهُ خَلَقَها وأظْهَرَها طِبْقَ ما دَعا إلَيْهِ الِاسْتِعَدادُ الذّاتِيُّ الَّذِي لا دَخْلَ لِلْقُدْرَةِ إلّا في إيجادِهِ، وأيُّ قُبْحٍ في إعْطاءِ الشَّيْءِ ما طَلَبَهُ بِلِسانِ اسْتِعْدادِهِ، وإنَّ أضَرَّ بِهِ، ولا يَلْزَمُ اللَّهَ تَعالى عَقْلًا أنْ يَتْرُكَ مُقْتَضى حِكْمَتِهِ ويُبْطِلَ شَأْنَ رُبُوبِيَّتِهِ مَعَ عَدَمِ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِخِلافِ ما اقْتَضاهُ ذَلِكَ الِاسْتِعْدادُ، وقَوْلُهُمْ: هَبْ أنّا سَلَّمَنا العِقابَ فَمِن أيْنَ الدَّوامُ إلَخْ، قُلْنا: الدَّوامُ مِن خُبْثِ الذّاتِ، وقُبْحِ الصِّفاتِ الثّابِتَيْنِ فِيما لَمْ يَزَلِ، الظّاهِرَيْنِ فِيما لا يَزالُ بِالإباءِ بَعْدَ التَّكْلِيفِ، مَعَ مُراعاةِ الحِكْمَةِ، وهَذا الخُبْثُ دائِمٌ فِيهِمْ ما دامَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى الذّاتِيَّةُ وذَواتُهم كَما يُرْشِدُكَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ﴾ ويَدُومُ المَعْلُولُ ما دامَتْ عِلَّتُهُ، أوْ يُقالُ: العَذابُ وهو في الحَقِيقَةِ البُعْدُ مِنَ اللَّهِ لازِمٌ لِلْكُفْرِ، والمَلْزُومُ لا يَنْفَكُّ مِنَ اللّازِمِ، وأيْضًا الكُفْرُ مَعَ ظُهُورِ البُرْهانِ في الأنْفُسِ والآفاقِ بِمَن لا تَتَناهى كِبْرِياؤُهُ ولا تَنْحَصِرُ عَظَمَتُهُ أمْرٌ لا يُحِيطُ نِطاقُ الفِكْرِ بِقُبْحِهِ، وإنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ سُبْحانَهُ، لَكِنَّ الغَيْرَةَ الإلَهِيَّةَ لا تَرْتَضِيهِ، وإنْ أفاضَتْهُ القُدْرَةُ الأزَلِيَّةُ حَسَبَ الِاسْتِعْدادِ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ، ومِثْلُ ذَلِكَ يَطْلُبُ عَذابًا أبَدِيًّا، وعِقابًا سَرْمَدِيًّا، وشَبِيهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ، ولا يُقاسِ هَذا بِما ضَرَبَهُ مِنَ المِثالِ، إذْ أيْنَ ذِلَّةُ التُّرابِ مِن عِزَّةِ رَبِّ الأرْبابِ، ولَيْسَ مَوْرِدُ المَسْألَتَيْنِ مَنهَلًا واحِدًا، وقَوْلُهُمْ: مَن تابَ مِنَ الكُفْرِ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، أفَتَرى أنَّ هَذا الكَرَمَ العَظِيمَ يَذْهَبُ في الآخِرَةِ أوْ تُسْلَبُ عُقُولُ أُولَئِكَ المُعَذَّبِينَ، فَلا يَتُوبُونَ إلَخْ، فَفِيهِ أنَّ مَن تابَ مِنَ الكُفْرِ فَقَدْ أبْدَلَ القَبِيحَ بِضِدِّهِ، وأظْهَرَ سُبْحانَهُ مُقْتَضى ذاتِهِ وماهِيَّتِهِ المَعْلُومَةِ لَهُ حَسَبَ عِلْمِهِ، فَهُناكَ حِينَئِذٍ كُفْرٌ قَبِيحٌ زائِلٌ، وإيمانٌ حَسَنٌ ثابِتٌ، وقَدِ انْضَمَّ إلى هَذا الإيمانِ نَدَمٌ عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ في دارٍ يَنْفَعُ فِيها تَدارُكُ ما فاتَ، والنَّدَمُ عَلى الهَفَواتِ، فَيَصِيرُ الكُفْرُ بِهَذا الإيمانِ، كَأنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، إذْ يُقابَلُ القَبِيحُ بِالحَسَنِ، ويَبْقى النَّدَمُ، وهو رُكْنُ التَّوْبَةِ مَكْسَبًا، عَلى أنَّ ظُهُورَ الإيمانِ بَعْدَ الكُفْرِ دَلِيلٌ عَلى نَجابَةِ الذّاتِ في نَفْسِها، وطَهارَتِها في مَعْلُومِيَّتِها، والأعْمالُ بِالخَواتِيمِ، فَلا بِدْعَ في مَغْفِرَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ جُودًا وكَرَمًا، ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى وإنْ وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ بِبَعْضِ اعْتِباراتِها إلّا أنَّها خَصَّتِ المُتَّقِينَ بِاعْتِبارٍ آخَرَ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ فَهي كَمَعِيَّتِهِ سُبْحانَهُ الغَيْرِ المُكَيَّفَةِ، ألا تَسْمَعُ قَوْلَهُ تَعالى مَرَّةً: ﴿ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلا هو مَعَهُمْ ﴾ وتارَةً: ﴿ إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ ﴾ وكَرَّةً: ﴿ إنَّ اللَّهَ مَعَنا ﴾ وطَوْرًا: ﴿ إنَّ مَعِيَ رَبِّي ﴾ ولا يُنافِي كَوْنَ الرَّحْمَةِ أوْسَعَ دائِرَةً مِنَ الغَضَبِ كَما يَرْمُزُ إلَيْهِ ﴿ الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى ﴾ أنَّ الكُفّارَ المُعَذَّبِينَ أكْثَرُ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُنَعَّمِينَ، كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ وكَذا حَدِيثُ البَعْثِ، لِأنَّ هَذِهِ الكَثْرَةَ بِالنِّسْبَةِ إلى بَنِي آدَمَ وهم قَلِيلُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى المَلائِكَةِ، والحُورِ، والغِلْمانِ، ﴿ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ ﴾ ﴿ ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ فَيَكُونُ أهْلُ الرَّحْمَةِ أكْثَرَ مِن أهْلِ الغَضَبِ عَلى أنَّ أهْلَ النّارِ مَرْحُومُونَ في عَذابِهِمْ، وما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِن كُلِّ شَيْءٍ لا يَتَناهى، وبَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضٍ، وهم مُخْتَلِفُونَ في العَذابِ، وبَيْنَ عَذابِ كُلِّ طَبَقَةٍ وطَبَقَةٍ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وإنْ ظَنَّ كُلٌّ مِن أهْلِها أنَّهُ أشَدُّ النّاسِ عَذابًا، لَكِنَّ الكَلامَ في الواقِعِ بَلْ مِنهم مَن هو مُلْتَذٌّ بِعَذابِهِ مِن بَعْضِ الجِهاتِ، ومِنهم غَيْرُ ذَلِكَ، نَعَمْ فِيهِمْ مَن عَذابُهُ مَحْضٌ لا لَذَّةَ لَهم فِيهِ، ومَعَ هَذا يَمْقُتُونَ أنْفُسَهم لِعِلْمِهِمْ أنَّها هي الَّتِي اسْتَعَدَّتْ لِذَلِكَ، فَفاضَ عَلَيْها ما فاضَ مِن جانِبِ المَبْدَإ الفَيّاضِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ ﴾ ومَن غَفَلَ مِنهم عَنْ ذَلِكَ نَبَّهَهُ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ ولا تَنْفَعُهُمُ التَّوْبَةُ هُناكَ، كَما تَنْفَعُهم هُنا، إذْ قَدِ اخْتَلَفَتِ الدّارانِ، وامْتازَ الفَرِيقانِ، وانْتَهى الأمَدُ المَضْرُوبُ لَها بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ، وقَدْ رَأيْنا في الشّاهِدِ أنَّ لِنَفْعِ الدَّواءِ وقْتًا مَخْصُوصًا، إذا تَعَدّاهُ رُبَّما يُؤَثِّرُ ضَرَرًا، ومِنَ الكُفّارِ مَن يَعْرِفُ أنَّهُ قَدْ مَضى الوَقْتُ، وانْقَضى ذَلِكَ الزَّمانُ، وأنَّ التَّوْبَةَ إنَّما كانَتْ في الدّارِ الدُّنْيا، ولِهَذا قالَ: ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾ ﴿ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ ﴾ ولَمّا كانَ هَذا طَلَبَ عارِفٍ مِن وجْهِ جاهِلٍ مِن وجْهٍ آخَرَ، قالَ اللَّهُ تَعالى في مُقابَلَتِهِ: ﴿ كَلا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ﴾ ولَمْ يُغْلِظْ عَلَيْهِ كَما أغْلَظَ عَلى مَن قالَ: ﴿ رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ ﴾ حَيْثُ صَدَرَ عَنْ جَهْلٍ مَحْضٍ، فَأجابَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ ﴾ فَلَمّا اخْتَلَفَ الطَّلَبُ اخْتَلَفَ الجَوابُ، ولَيْسَ كُلُّ دُعاءٍ يُسْتَجابُ، كَما لا يَخْفى عَلى أُولِي الألْبابِ، وقَوْلُهُمْ: بَقِيَ التَّمَسُّكُ بِالدَّلائِلِ اللَّفْظِيَّةِ، وهي لا تُفِيدُ اليَقِينَ فَلا تُعارِضُ الأدِلَّةَ العَقْلِيَّةَ المُفِيدَةَ لَهُ، فَيُقالُ فِيهِ: إنْ أرادُوا إنَّ هَذِهِ الأدِلَّةَ العَقْلِيَّةَ مُفِيدَةٌ لِلْيَقِينِ فَقَدْ عَلِمْتَ حالَها، وأنَّها كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ، ولَيْتَها أفادَتْ ظَنًّا، وإنْ أرادُوا مُطْلَقَ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ فَهَذِهِ لَيْسَتْ مِنها، عَلى أنَّ كَوْنَ الدَّلائِلِ اللَّفْظِيَّةِ لا تُفِيدُ اليَقِينَ إنَّما هو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، وجُمْهُورِ الأشاعِرَةِ، والحَقُّ أنَّها قَدْ تُفِيدُ اليَقِينَ بِقَرائِنَ مُشاهَدَةٍ، أوْ مُتَواتِرَةٍ تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ الِاحْتِمالاتِ، ومِن صِدْقِ القائِلِ يُعْلَمُ عَدَمُ المُعارِضِ العَقْلِيِّ، فَإنَّهُ إذا تَعَيَّنَ المَعْنى وكانَ مُرادًا لَهُ، فَلَوْ كانَ هُناكَ مُعارِضٌ عَقْلِيٌّ لَزِمَ كَذِبُهُ، نَعَمْ في إفادَتِها اليَقِينَ في العَقْلِيّاتِ نَظَرٌ، لِأنَّ كَوْنَها مُفِيدَةً لِلْيَقِينِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ هَلْ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِها والنَّظَرِ فِيها - وكَوْنِ قائِلِها صادِقًا - الجَزْمُ بِعَدَمِ المُعارِضِ العَقْلِيِّ؟
وأنَّهُ هَلْ لِلْقَرِينَةِ الَّتِي تُشاهَدُ أوْ تُنْقَلُ تَواتُرًا مَدْخَلٌ في ذَلِكَ الجَزْمِ؟
وحُصُولُ ذَلِكَ الجَزْمِ بِمُجَرَّدِها، ومَدْخَلِيَّةُ القَرِينَةِ فِيهِ مِمّا لا يُمْكِنُ الجَزْمُ بِأحَدِ طَرَفَيْهِ، الإثْباتِ والنَّفْيِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ إفادَتُها اليَقِينَ في العَقْلِيّاتِ مَحَلَّ نَظَرٍ وتَأمُّلٍ، فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ صِدْقُ القائِلِ مَجْزُومًا بِهِ لَزِمَ مِنهُ الجَزْمُ بِعَدَمِ المُعارِضِ في العَقْلِيّاتِ، كَما لَزِمَ مِنهُ في الشَّرْعِيّاتِ، وإلّا احْتَمَلَ كَلامُهُ الكَذِبَ فِيهِما، فَلا فَرْقَ بَيْنَهُما.
قُلْتُ: أجابَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ المُرادَ بِالشَّرْعِيّاتِ أُمُورٌ يَجْزِمُ العَقْلُ بِإمْكانِها ثُبُوتًا وانْتِفاءً، ولا طَرِيقَ إلَيْها، وبِالعَقْلِيّاتِ ما لَيْسَ كَذَلِكَ، وحِينَئِذٍ جازَ أنْ يَكُونَ مِنَ المُمْتَنِعاتِ، فَلِأجْلِ هَذا الِاحْتِمالِ رُبَّما لَمْ يَحْصُلِ الجَزْمُ بِعَدَمِ المُعارِضِ العَقْلِيِّ لِلدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ في العَقْلِيّاتِ، وإنْ حَصَلَ الجَزْمُ بِهِ في الشَّرْعِيّاتِ، وذَلِكَ بِخِلافِ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ في العَقْلِيّاتِ، فَإنَّها بِمُجَرَّدِها تُفِيدُ الجَزْمَ بِعَدَمِ المُعارِضِ، لِأنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن مُقَدِّماتٍ عُلِمَ بِالبَدِيهَةِ صِحَّتُها، أوْ عُلِمَ بِالبَدِيهَةِ لُزُومُها، مِمّا عُلِمَ صِحَّتُهُ بِالبَدِيهَةِ، وحِينَئِذٍ يَسْتَحِيلُ أنْ يُوجَدَ ما يُعارِضُها، لِأنَّ أحْكامَ البَدِيهَةِ لا تَتَعارَضُ بِحَسَبِ نَفْسِ الأمْرِ أصْلًا.
هَذا، وقالَ الفاضِلُ الرُّومِيُّ: ها هُنا بَحْثٌ مَشْهُورٌ، وهو أنَّ المَعْنى بِعَدَمِ المُعارِضِ العَقْلِيِّ في الشَّرْعِيّاتِ صِدْقُ القائِلِ، وهو قائِمٌ في العَقْلِيّاتِ أيْضًا، وما لا يَحْكُمُ العَقْلُ بِإمْكانِهِ ثُبُوتًا أوِ انْتِفاءً، لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُمْتَنِعاتِ لِجَوازِ إمْكانِهِ الخافِي مِنَ العَقْلِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ كُلُّ ما عُلِمَ أنَّ الشَّرْعَ نَطَقَ بِهِ عَلى هَذا القِسْمِ، لِئَلّا يَلْزَمَ كَذِبُهُ وإبْطالُ قَطْعِ العَقْلِ بِصِدْقِهِ، فالحَقُّ أنَّ النَّقْلِيَّ يُفِيدُ القَطْعَ في العَقْلِيّاتِ أيْضًا، ولا مُخَلِّصَ إلّا بِأنْ يُقالَ المُرادُ أنَّ النَّظَرَ في الأدِلَّةِ نَفْسِها والقَرائِنِ في الشَّرْعِيّاتِ يُفِيدُ الجَزْمَ بِعَدَمِ المُعارِضِ لِأجْلِ إفادَةِ الإرادَةِ مِنَ القائِلِ الصّادِقِ جَزْمًا، وفي العَقْلِيّاتِ إفادَتُهُ الجَزْمَ بِعَدَمِهِ مَحَلُّ نَظَرٍ، بِناءً عَلى أنَّ إفادَتَهُ الإرادَةَ مُحْتَمَلَةٌ انْتَهى، وقَدْ ذَهَبَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ إلى تَقْدِيمِ الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ عَلى العَقْلِيِّ، فَقالَ في البابِ الثّانِي والسَّبْعِينَ والأرْبَعِمِائَةٍ مِنَ الفُتُوحاتِ: عَلى السَّمْعِ عَوَّلْنا فَكُنّا أُولِي النُّهْى ∗∗∗ ولا عِلْمَ فِيما لا يَكُونُ عَنِ السَّمْعِ وقالَ قُدِّسَ سِرُّهُ في البابِ الثّامِنِ والخَمْسِينَ والثَّلَثِمِائَةٍ: كَيْفَ لِلْعَقْلِ دَلِيلٌ والَّذِي ∗∗∗ قَدْ بَناهُ العَقْلُ بِالكَشْفِ انْهَدَمْ فَنَجاةُ النَّفْسِ في الشَّرْعِ فَلا ∗∗∗ تَكُ إنْسانًا رَأى ثُمَّ حُرِمْ واعْتَصِمْ بِالشَّرْعِ في الكَشْفِ فَقَدْ ∗∗∗ فازَ بِالخَيْرِ عَبِيدٌ قَدْ عُصِمْ أهْمِلِ الفِكْرَ فَلا تَحْفُلْ بِهِ ∗∗∗ واتْرُكَنَّهُ مِثْلَ لَحْمٍ في وضَمْ إنَّ لِلْفِكْرِ مَقامًا فاعْتَضِدْ ∗∗∗ بِهِ فِيهِ تَكُ شَخْصًا قَدْ رُحِمْ كُلُّ عِلْمٍ يَشْهَدُ الشَّرْعُ لَهُ ∗∗∗ هو عِلْمٌ فِيهِ فَلْتَعْتَصِمْ وإذا خالَفَهُ العَقْلُ فَقُلْ ∗∗∗ طَوْرَكَ الزَمْ ما لَكم فِيهِ قَدَمْ ويُؤَيِّدُ هَذا ما رُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ لِلْعَقْلِ حَدًّا يَنْتَهِي إلَيْهِ، كَما أنَّ لِلْبَصَرِ حَدًّا يَنْتَهِي إلَيْهِ، وقالَ الإمامُ الغَزالِيُّ: ولا تَسْتَبْعِدْ أيُّها المُعْتَكِفُ في عالَمِ العَقْلِ أنْ يَكُونَ وراءَ العَقْلِ طَوْرٌ آخَرُ يَظْهَرُ فِيهِ ما لا يَظْهَرُ في العَقْلِ، كَما لا تَسْتَبْعِدُ أنْ يَكُونَ العَقْلُ طَوْرًا وراءَ التَّمْيِيزِ والإحْساسِ، يَنْكَشِفُ فِيهِ عَوالِمُ وعَجائِبُ يَقْصُرُ عَنْها الإحْساسُ، والتَّمْيِيزُ إلى آخِرِ ما قالَ، فَفِيما نَحْنُ فِيهِ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ المُتَواتِرَةِ ما لا يُحْصى مِمّا يَدُلُّ عَلى الخُلُودِ في النّارِ، وفي العَذابِ دِلالَةٌ واضِحَةٌ لا خَفاءَ فِيها، فَتَأْوِيلُها كُلُّها بِمُجَرَّدِ شُبَهٍ أضْعَفُ مِن حِبالِ القَمَرِ، والعُدُولُ عَنْها إلى القَوْلِ بِنَفْيِ العَذابِ أوِ الخُلُودِ فِيهِ مِمّا لا يَنْبَغِي، لا سِيَّما في مِثْلِ هَذِهِ الأوْقاتِ الَّتِي فِيها النّاسُ كَما تَرى، عَلى أنَّ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ في غايَةِ السَّخافَةِ، إذْ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ حَقِيقَةُ الدُّعاءِ مِن رَبِّ الأرْضِ والسَّماءِ أمْ كَيْفَ يَكُونُ التَّعْلِيقُ بَعْدَ النَّظَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ أمْ كَيْفَ يُقْبَلُ أنْ يَكُونَ الإخْبارُ عَنِ الِاسْتِحْقاقِ دُونَ الوُقُوعِ عَلى ما فِيهِ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا ﴾ و ﴿ كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها ﴾ سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، وأمّا ما يُنْقَلُ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ الصّالِحِ، وكَذا عَنْ حَضْرَةِ مَوْلانا الشَّيْخِ الأكْبَرِ، ومَن حَذا حَذْوَهُ مِنَ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِنَ القَوْلِ بِعَدَمِ الخُلُودِ فَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى مَشْرَبٍ آخَرَ، وتَجَلٍّ لَمْ يَنْكَشِفْ لَنا، والكَثِيرُ مِنهم قَدْ بَنى كَلامَهُ عَلى اصْطِلاحاتٍ، ورُمُوزٍ، وإشاراتٍ، قَدْ حالَ بَيْنَنا وبَيْنَ فَهْمِها العَوائِقُ الدُّنْيَوِيَّةُ، والعَلائِقُ النَّفْسانِيَّةُ، ولَعَلَّ قَوْلَ مَن قالَ بِعَدَمِ الخُلُودِ مِمَّنْ لَمْ يَسَلُكْ مَسْلَكَ أهْلِ السُّلُوكِ مَبْنِيٌّ عَلى عَدَمِ خُلُودِ طائِفَةٍ مِن أهْلِ النّارِ، وهُمُ العُصاةُ بِما دُونَ الكُفْرِ، وإنْ وقَعَ إطْلاقُ الكُفْرِ عَلَيْهِمْ حُمِلَ عَلى مَعْنًى آخَرَ، كَما حُمِلَ عَلى رَأْيٍ في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(مَن تَرَكَ الصَّلاةَ فَقَدْ كَفَرَ)،» عَلى أنَّ الشَّيْخَ قُدِّسَ سِرُّهُ، كَمْ وكَمْ صَرَّحَ في كُتُبِهِ بِالخُلُودِ، فَقالَ في عَقِيدَتِهِ الصُّغْرى: أوَّلَ الفُتُوحاتِ: والتَّأْبِيدُ لِأهْلِ النّارِ في النّارِ حَقٌّ، وفي البابِ الرّابِعِ والسِّتِّينَ في بَحْثِ ذَبْحِ المَوْتِ ونِداءِ المُنادِي: «(يا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ ولا خُرُوجَ)،» ما نَصُّهُ: ويَغْتَمُّ أهْلُ النّارِ أشَدَّ الغَمِّ، لِذَلِكَ ثُمَّ تُغْلَقُ أبْوابُ النّارِ غَلْقًا لا فَتْحَ بَعْدَهُ، وتَنْطَبِقُ النّارُ عَلى أهْلِها، ويَدْخُلُ بَعْضُهم في بَعْضٍ، لِيَعْظُمَ انْضِغاطُهم فِيها، ويَرْجِعَ أعْلاها أسْفَلَها، وأسْفَلُها أعْلاها، ويُرى النّاسُ والجِنُّ فِيها مِثْلَ قِطَعِ اللَّحْمِ في القِدْرِ الَّتِي تَحْتَها النّارُ العَظِيمَةُ تَغْلِي كَغَلْيِ الحَمِيمِ، فَتَدُورُ في الخَلْقِ عُلُوًّا وسُفْلًا، ﴿ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا ﴾ وذَكَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ الكَرِيمِ الجِيلِيُّ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالإنْسانِ الكَبِيرِ، وفي شَرْحٍ لِبابِ الأسْرارِ مِنَ الفُتُوحاتِ: إنَّ مُرادَ القَوْمِ بِأنَّ أهْلَ النّارِ يَخْرُجُونَ مِنها هم عُصاةُ المُوَحِّدِينَ، لا الكُفّارُ، وقالَ: إيّاكَ أنْ تَحْمِلَ كَلامَ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ أوْ غَيْرِهِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ في قَوْلِهِمْ بِانْتِهاءِ مُدَّةِ أهْلِ النّارِ مِنَ العُصاةِ عَلى الكُفّارِ، فَإنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ وخَطَأٌ، وإذا احْتَمَلَ الكَلامُ وجْهًا صَحِيحًا، وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، انْتَهى، نَعَمْ، قالَ قُدِّسَ سِرُّهُ في تَفْسِيرِ الفاتِحَةِ مِنَ الفُتُوحاتِ: فَإذا وقَعَ الجِدارُ، وانْهَدَمَ الصُّورُ وامْتَزَجَتِ الأنْهارُ والتَقى البَحْرانِ، وعُدِمَ البَرْزَخُ صارَ العَذابُ نَعِيمًا، وجَهَنَّمُ جَنَّةً ولا عَذابَ، ولا عِقابَ، إلّا نَعِيمٌ وأمانٌ بِمُشاهَدَةِ العِيانِ إلَخْ، وهَذا وأمْثالُهُ مَحْمُولٌ عَلى مَعْنًى صَحِيحٍ، يَعْرِفُهُ أهْلُ الذَّوْقِ لا يُنافِي ما ورَدَتْ بِهِ القَواطِعُ، وقُصارى ما يَخْطُرُ لِأمْثالِنا فِيهِ أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى مَسْكَنِ عُصاةِ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ النّارِ، وفِيهِ يَضَعُ الجَبّارُ قَدَّمَهُ، ويَتَجَلّى بِصِفَةِ القَهْرِ عَلى النّارِ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، ولا تُطِيقُ تَجَلِّيهِ، فَتَخْمُدُ، ولا بُعْدَ أنْ تَلْحَقَ بَعْدُ بِالجَنَّةِ، وإيّاكَ أنْ تَقُولَ بِظاهِرِهِ، مَعَ ما أنْتَ عَلَيْهِ، وكُلَّما وجَدْتَ مِثْلَ هَذا لِأحَدٍ مِن أهْلِ اللَّهِ تَعالى فَسَلِّمْهُ لَهم بِالمَعْنى الَّذِي أرادُوهُ مِمّا لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، ولا أنا، لا بِالمَعْنى الَّذِي يَنْقَدِحُ في عَقْلِكَ المَشُوبِ بِالأوْهامِ، فالأمْرُ واللَّهِ وراءَ ذَلِكَ، والأخْذُ بِظَواهِرِ هَذِهِ العِباراتِ النّافِيَةِ لِلْخُلُودِ في العَذابِ، وتَأْوِيلُ النُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى الخُلُودِ في النّارِ بِأنْ يُقالَ الخُلُودُ فِيها لا يَسْتَلْزِمُ الخُلُودَ في العَذابِ، لِجَوازِ التَّنَعُّمِ فِيها، وانْقِلابِ العَذابِ عُذُوبَةً مِمّا يَجُرُّ إلى نَفْيِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، وتَعْطِيلِ النُّبُوّاتِ، وفَتْحِ بابٍ لا يُسَدُّ، وإنْ سَوَّلَتْ نَفْسُكَ لَكَ ذَلِكَ قَلَّبْنا البَحْثَ مَعَكَ، ولَنَأْتِيَنَّكَ بِجُنُودٍ مِنَ الأدِلَّةِ لا قِبَلَ لَكَ بِها، وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ، ولا يُوقِعَنَّكَ في الوَهْمِ أنَّ الخُلُودَ مُسْتَلْزِمٌ لِتَناهِي التَّجَلِّياتِ، فاللَّهُ تَعالى هو اللَّهُ وكُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ، فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ، ولا أظُنُّكَ تَجِدُ هَذا التَّحْقِيقَ مِن غَيْرِنا، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ قال ابن عباس- ما-: أي طبع الله، ومعنى الختم على قلوبهم أي، ليس أنه يذهب بعقولهم ولكنهم لا يتفكرون فيعتبرون بعلامات نبوة محمد فيؤمنون، وَعَلى سَمْعِهِمْ فهم لا يسمعون الحق، وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ أي غطاء فلا يبصرون الهدى.
واتفقت الأئمة السبعة- رحمهم الله- على القراءة برفع الهاء (غشاوة) وقرأ بعضهم بنصبها وهي قراءة شاذة.
فأما من قرأ برفع الهاء، فهو على معنى الابتداء أي: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، ثم ابتدأ فقال وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وأما من قرأ بالنصب فيكون الجعل فيه مضمراً، يعني: جعل على أبصارهم غشاوة.
فقد ذكر في شأن المؤمنين ثوابهم في الدنيا الهدى، وفي الآخرة الفلاح، وذكر في شأن الكفار عقوبتهم في الدنيا الختم، وفي الآخرة وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ يعني عذاباً وجيعاً، يخلص الوجع إلى قلوبهم.
قال الفقيه- رحمه الله- وفي الآية إشكال في موضعين: أحدهما في اللفظ والآخر في المعنى فأما الذي في اللفظ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ذكر جماعة القلوب ثم قال: وَعَلى سَمْعِهِمْ ذكر بلفظ الوحدان ثم قال: وَعَلى أَبْصارِهِمْ ذكر بلفظ الجمع، فجوابه: إن السمع مصدر والمصدر لا يثنى ولا يجمع، فلهذا المعنى- والله أعلم- ذكر بلفظ الوحدان.
وقد قيل: معنى وَعَلى سَمْعِهِمْ أي: موضع سمعهم، لأن السمع لا يختم وإنما يختم موضع السمع.
وقد قيل: إن الإضافة إلى الجماعة تغني عن لفظ الجماعة، لأنه قال: وَعَلى سَمْعِهِمْ فقد أضاف إلى الجماعة، والشيء إذا أضيف إلى الجماعة مرة يذكر بلفظ الجماعة، ومرة يذكر بلفظ الوحدان، فلو ذكر القلوب والأبصار بلفظ الوحدان لكان سديداً في اللغة فذكر البعض بلفظ الوحدان، والبعض بلفظ الجماعة وهذه علامة الفصاحة، لأن كتاب الله تعالى أفصح الكلام.
وأما الإشكال الذي في المعنى أن يقال: إذا ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم، فمنعهم عن الهدى فكيف يستحقون العقوبة؟
والجواب عن هذا: أن يقال: إنه ختم مجازاة لكفرهم.
كما قال في آية أخرى: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ [النساء: 155] لأن الله تعالى قد يسر عليهم سبيل الهدى، فلو جاهدوا لوفقهم، كما قال تعالى وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت: 69] ، فلما لم يجاهدوا واختاروا الكفر عاقبهم الله تعالى في الدنيا بالختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم، وفي الآخرة بالعذاب العظيم.
وروي عن مجاهد أنه قال: من أول سورة البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين.
وروي عن مقاتل أنه قال: آيتان من أول السورة في نعت المؤمنين المهاجرين، وآيتان في نعت المؤمنين غير المهاجرين، وآيتان في نعت مؤمني أهل الكتاب، وآيتان في نعت الكفار، وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين من قوله: وَمِنَ النَّاسِ إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
<div class="verse-tafsir"
به، حلالا كان أو حراما، ويُنْفِقُونَ: معناه هنا: يؤْتُونَ ما ألزمهُمُ الشرعُ من زكاةٍ، وما ندبهم إِلَيْهِ من غير ذلك.
قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: اختلف المتأوِّلون من المراد بهذه الآية والتي قبلها، فقال قوم: الآيتان جميعاً في جميع المؤمنينَ، وقال آخرون: هما في مُؤْمِنِي أهْلِ الكتاب، وقال آخرون: الآية الأولى في مُؤْمِنِي العربِ، والثانيةُ في مؤمني أهل الكتاب كعبد الله بن سلام «١» وفيه نزلت.
وقوله: بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ: يعني القرآن، وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، يعني: الكتب السالفة، ويُوقِنُونَ معناه: يعلَمُونَ عِلْماً متمكِّناً في نفوسهم، واليقين أعلى درجات العلم.
وقوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ إِشارة إِلى المذكورين، والهدى هنا:
الإِرشاد، والفلاحُ: الظَّفَر بالبغية، وإدراك الأمل.
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ ...
إلى عَظِيمٌ: اختلف فيمن نزلَتْ هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامَّة لوجود الكفار قد أسلموا بعدها، فقال قوم: هي فيمن سبق في علْمِ اللَّه، أنه لا يؤمِنُ، وقال ابن عَبَّاسٍ: نزَلَتْ في حُيَيٍّ بْنِ أَخْطَبَ، وأَبِي ياسِرِ بنِ أَخْطَبَ، وكعب بن الأَشْرَفِ «١» ، ونظرائهم «٢» .
والقولُ الأول هو المعتمد عليه.
وقوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ معناه: معتدلٌ عندهم، والإِنذار: إعلام بتخويف، هذا حدُّه، وقوله تعالى: خَتَمَ: مأخوذ من الخَتْم، وهو الطبعُ، والخاتَمُ: الطابَعُ قال في مختصر الطبريِّ: والصحيح أن هذا الطبع حقيقة «٣»
لا أنه مجاز «١» فقد جاء عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم: «إنَّ العَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْباً، نُكِتَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ، وَنَزَعَ واستغفر، صُقِلَ «٢» قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ، زَادَتْ حتى تَغَلَّقَ قلبه، فذلك
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ الخَتْمُ: الطَّبْعُ، والقَلْبُ: قِطْعَةٌ مِن دَمٍ جامِدَةٍ سَوْداءَ، وهو مُسْتَكِنٌ في الفُؤادِ، وهو بَيْتُ النَّفْسِ، ومَسْكَنُ العَقْلِ، وسُمِّيَ قَلْبًا لِتَقَلُّبِهِ.
وَقِيلَ: لِأنَّهُ خالِصُ البَدَنِ، وإنَّما خَصَّهُ بِالخَتْمِ لِأنَّهُ مَحَلُّ الفَهْمِ.
*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى سَمْعِهِمْ ﴾ يُرِيدُ: عَلى أسْماعِهِمْ، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ التَّوْحِيدِ، ومَعْناهُ: الجَمْعُ، فاكْتَفى بِالواحِدِ عَنِ الجَمِيعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا ﴾ .
[ الحَجِّ: ٥ ] .
وَأنْشَدُوا مِن ذَلِكَ: كُلُوا في نِصْفِ بَطْنِكم تَعِيشُوا فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ.
أيْ: في أنْصافِ بُطُونِكم.
ذَكَرَ هَذا القَوْلَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزُّجاجُ.
وفِيهِ وجْهٌ آَخَرُ، وهو أنَّ العَرَبَ تَذْهَبُ بِالسَّمْعِ مَذْهَبَ المَصْدَرِ، والمَصْدَرُ يُوَحَّدُ، تَقُولُ: يُعْجِبُنِي حَدِيثُكم، ويُعْجِبُنِي ضَرْبُكم.
فَأمّا البَصَرُ والقَلْبُ فَهُما اسْمانِ لا يَجْرِيانِ مَجْرى المَصادِرِ في مِثْلِ هَذا المَعْنى.
ذَكَرَهُ الزُّجاجُ، وابْنُ القاسِمِ.
وقَدْ قَرَأ عَمْرُو بْنُ العاصِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (وَعَلى أسْماعِهِمْ) .
*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ﴾ الغِشاوَةُ: الغِطاءُ.
قالَ الفَرّاءُ: أمّا قُرَيْشٌ وعامَّةُ العَرَبِ، فَيَكْسِرُونَ الغَيْنَ مِن "غِشاوَةٌ"، وعُكْلٍ يَضُمُّونَ الغَيْنَ، وبَعْضُ العَرَبِ يَفْتَحُها، وأظُنُّها لِرَبِيعَةَ.
ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ "غِشاوَةً" بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: جَعَلَ عَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةً.
فَأمّا العَذابُ فَهو الألَمُ المُسْتَمِرُّ، وماءٌ عَذْبٌ إذا اسْتَمَرَّ في الحَلْقِ سائِغًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ مَعْنى الكُفْرِ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: كَفْرٌ إذا غَطّى وسَتَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ......................................
في لَيْلَةِ كَفْرِ النُجُومِ غَمامُها أيْ: سَتْرُها، ومِنهُ سُمِّيَ اللَيْلُ كافِرًا لِأنَّهُ يُغَطِّي كُلَّ شَيْءٍ بِسَوادِهِ، قالَ الشاعِرُ: فَتَذْكُرُ ثِقْلًا رَثِيدًا بَعْدَ ما ∗∗∗ ألْقَتْ ذَكاءَ يَمِينِها في كافِرٍ ومِنهُ قِيلَ لِلزُّرّاعِ: كُفّارٌ، لِأنَّهم يُغَطُّونَ الحَبَّ.
فـَ "كَفَرَ" في الدِينِ مَعْناهُ: غَطّى قَلْبَهُ بِالرَيْنِ عَنِ الإيمانِ، أو غَطّى الحَقَّ بِأقْوالِهِ وأفْعالِهِ.
واخْتَلَفَ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ الِاتِّفاقِ عَلى أنَّها غَيْرُ عامَّةٍ، لِوُجُودِ الكُفّارِ قَدْ أسْلَمُوا بَعْدَها، فَقالَ قَوْمٌ: هي فِيمَن سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَعْلَمَ أنَّ في الناسِ مَن هَذِهِ حالُهُ دُونَ أنْ يُعِينَ أحَدٌ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، وأبِي ياسِرِ بْنِ أخْطَبَ، وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ ونُظَرائِهِمْ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: نَزَلَتْ في قادَةِ الأحْزابِ وهم أهْلُ القَلِيبِ بِبَدْرٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَكَذا حُكِيَ هَذا القَوْلُ، وهو خَطَأٌ، لِأنَّ قادَةَ الأحْزابِ قَدْ أسْلَمَ كَثِيرٌ مِنهُمْ، وإنَّما تَرْتِيبُ الآيَةِ في أصْحابِ القَلِيبِ، والقَوْلُ الأوَّلُ مِمّا حَكَيْناهُ هو المُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وكُلُّ مَن عَيَّنَ أحَدًا فَإنَّما مُثِّلَ بِمَن كَشَفَ الغَيْبُ -بِمَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ- أنَّهُ في ضِمْنِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ ﴾ ، ومَعْناهُ: مُعْتَدِلٌ عِنْدَهُمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَيْلٌ يَقُولُ الناسُ مِن ظُلُماتِهِ ∗∗∗ سَواءٌ صُحَيْحاتُ العُيُونِ وعَوَرُها قالَ أبُو عَلِيٍّ: في اللَفْظَةِ أرْبَعُ لُغاتٍ: سِوى "بِكَسْرِ السِينِ"، وسَواءِ "بِفَتْحِها والمَدِّ"، وهاتانِ لُغَتانِ مَعْرُوفَتانِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَكْسِرُ السِينَ ويَمُدُّ، ومِنهم مَن يَضُمُّ أوَّلَهُ ويَقْصُرُهُ، وهاتانِ اللُغَتانِ أقَلُّ مِن تِينِكَ، ويُقالُ: سِيِّي بِمَعْنى سَواءٌ كَما قالُوا: قِي، وقِواءٍ".
و"سَواءٌ" رُفِعَ عَلى خَبَرِ إنَّ، أو رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ فِيما بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرُ إنَّ "لا يُؤْمِنُونَ".
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: "آنْذَرْتَهُمْ" بِهَمْزَةٍ مُطَوَّلَةٍ، وكَذَلِكَ ما أشْبَهَ ذَلِكَ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وكَذَلِكَ كانَتْ قِراءَةُ الكِسائِيُّ إذا خَفَّفَ، غَيْرَ أنَّ مَدَّ أبِي عَمْرٍو أطْوَلُ مِن مَدِّ ابْنِ كَثِيرٍ لِأنَّهُ يُدْخِلُ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ ألِفًا، وابْنُ كَثِيرٍ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ، ورَوى قالُونُ، وإسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عن نافِعٍ إدْخالَ الألْفِ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ مَعَ تَخْفِيفِ الثانِيَةِ، ورَوى عنهُ ورْشٌ تَخْفِيفَ الثانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ دُونَ إدْخالِ ألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ، فَأمّا عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ -إذا حَقَّقَ- وابْنُ عامِرٍ، فَبِالهَمْزَتَيْنِ "أأنْذَرْتَهُمْ"، وما كانَ مِثْلُهُ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ وإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما.
وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ "أنْذَرَتْهُمْ" بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الأُولى، وتَدُلُّ "أمْ" عَلى الألِفِ المَحْذُوفَةِ.
وكَثُرَ مَكِّيُّ في هَذِهِ الآيَةِ بِذِكْرِ جائِزاتٍ لَمْ يَقْرَأْ بِها، وحِكايَةُ مِثْلِ ذَلِكَ في كُتُبِ التَفْسِيرِ عَناءٌ.
والإنْذارُ إعْلامٌ بِتَخْوِيفٍ، هَذا حَدُّهُ، وأنْذَرَتْ فِعْلٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً عادٍ وثَمُودَ ﴾ وقالَ: ﴿ إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا ﴾ وأحَدُ المَفْعُولَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ الخَبَرُ، وإنَّما جَرى عَلَيْهِ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ لِأنَّ فِيهِ التَسْوِيَةَ الَّتِي هي في الِاسْتِفْهامِ، ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ مُخْبِرًا: سَواءٌ عَلَيَّ أقْعَدْتَ أمْ ذَهَبْتَ، وإذا قُلْتَ مُسْتَفْهِمًا: أخَرَجَ زَيْدٌ أمْ قامَ؟
فَقَدِ اسْتَوى الأمْرانِ عِنْدَكَ، هَذانَ في الخَبَرِ، وهَذانَ في الِاسْتِفْهامِ، وعَدَمُ عِلْمِ أحَدِهِما بِعَيْنِهِ، فَلَمّا عَمَّتْهُما التَسْوِيَةُ جَرى عَلى هَذا الخَبَرِ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ لِمُشارَكَتِهِ إيّاهُ في الإبْهامِ، وكُلُّ اسْتِفْهامٍ تَسْوِيَةٌ، وإنْ لَمْ تَكُنْ كُلُّ تَسْوِيَةٍ اسْتِفْهامًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَتَمَ اللهُ ﴾ مَأْخُوذٌ مِنَ الخَتْمِ وهو الطَبْعُ، والخاتَمُ الطابَعُ، وذَهَبَتْ طائِفَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ ذَلِكَ عَلى الحَقِيقَةِ، وأنَّ القَلْبَ عَلى هَيْئَةِ الكَفِّ يَنْقَبِضُ مَعَ زِيادَةِ الضَلالِ والإعْراضِ إصْبَعًا إصْبَعًا، وقالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ عَلى المَجازِ، وأنَّ ما اخْتَرَعَ اللهُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والضَلالِ والإعْراضِ عَنِ الإيمانِ سَمّاهُ خَتْمًا.
وقالَ آخَرُونَ مِمَّنْ حَمَلَهُ عَلى المَجازِ: الخَتْمُ هُنا أُسْنِدَ إلى اللهِ تَعالى لَمّا كَفَرَ الكافِرُونَ بِهِ، وأعْرَضُوا عن عِبادَتِهِ وتَوْحِيدِهِ، كَما يُقالُ: أهْلَكَ المالُ فُلانًا، وإنَّما أهْلَكَهُ سُوءُ تَصَرُّفِهِ فِيهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ "وَعَلى سَمْعِهِمْ"، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَعَلى أسْماعِهِمْ"، وهو في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَصْدَرٌ يَقَعُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، وأيْضًا فَلَمّا أُضِيفَ إلى ضَمِيرِ جَماعَةٍ دَلَّ المُضافُ إلَيْهِ عَلى المُرادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلى مَواضِعِ سَمْعِهِمْ فَحُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ.
و"الغِشاوَةُ": الغِطاءُ المَغْشِيُّ الساتِرُ.
ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: هَلّا سَألْتَ بَنِي ذُبْيانَ ما حَسْبِي ∗∗∗ إذا الدُخانُ تَغَشّى الأشْمَطَ البَرِما وقالَ الآخَرُ: تَبِعْتُكَ إذْ عَيْنِي عَلَيْها غِشاوَةٌ ∗∗∗ فَلَمّا انْجَلَتْ قَطَعْتُ نَفَسِي ألُومُها ورَفْعُ "غِشاوَةٌ" عَلى الِابْتِداءِ، وما قَبْلُهُ خَبَرُهُ.
وقَرَأ عاصِمٌ فِيما رَوى المُفَضَّلُ الضَبِّيُّ عنهُ "غِشاوَةً" بِالنَصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: وجَعَلَ عَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةً، والخَتْمُ -عَلى هَذا التَقْدِيرِ- في القُلُوبِ والأسْماعِ، والغِشاوَةِ عَلى الأبْصارِ، والوَقْفِ عَلى قَوْلِهِ: "وَعَلى سَمْعِهِمْ"، وقَرَأ الباقُونَ "غِشاوَةٌ" بِالرَفْعِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقِراءَةُ الرَفْعِ أولى؛ لِأنَّ النَصْبَ: إمّا أنْ تَحْمِلَهُ عَلى خَتْمِ الظاهِرِ فَيَعْتَرِضُ في ذَلِكَ أنَّكَ حُلْتَ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِهِ، وهَذا عِنْدَنا إنَّما يَجُوزُ في الشِعْرِ، وإمّا أنَّ تَحْمِلَهُ عَلى فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ خَتْمٌ تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ عَلى أبْصارِهِمْ، فَيَجِيءُ الكَلامُ مِن بابِ: ......................................
∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا وقَوْلُ الآخَرِ: ......................................
∗∗∗ عَلَفَتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا ولا تَكادُ تَجِدُ هَذا الِاسْتِعْمالَ في حالِ سِعَةٍ واخْتِيارٍ، فَقِراءَةُ الرَفْعِ أحْسَنُ، وتَكُونُ الواوُ عاطِفَةً جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، قالَ: ولَمْ أسْمَعْ مِنَ الغِشاوَةِ فِعْلًا مُصَرَّفًا بِالواوِ، فَإذا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ وكانَ مَعْناها مَعْنى ما اللامُ مِنهُ الياءُ مِن غَشِيَ يُغْشى بِدَلالَةِ قَوْلِهِمُ: الغَشَيانُ، فالغِشاوَةُ مِن غَشِيَ كالجَباوَةُ مِن جَبَيْتُ في أنَّ الواوَ كَأنَّها بَدَلٌ مِنَ الياءِ إذْ لَمْ يُصْرُفْ مِنهُ فِعْلٌ كَما لَمْ يُصْرَفْ مِنَ الجِباوَةِ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الغِشاوَةُ عَلى الأسْماعِ والأبْصارِ -والوَقْفُ في قَوْلِهِ: "عَلى قُلُوبِهِمْ"، وقالَ آخَرُونَ: الخَتْمُ في الجَمِيعِ، والغِشاوَةُ هي الخاتَمُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ ذَكَرْنا اعْتِراضَ أبِي عَلِيٍّ هَذا القَوْلَ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "غَشْوَةَ" بِفَتْحِ الغَيْنِ والرَفْعِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقالَ الثَوْرِيُّ: كانَ أصْحابُ عَبْدِ اللهِ يَقْرَؤُونَها "غَشْيَةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ والياءِ والرَفْعِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "غُشاوَةً" بِضَمِّ الغَيْنِ، وقُرِئَتْ "غَشاوَةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ، وأصْوَبُ هَذِهِ القِراءاتِ المَقْرُوءِ بِها ما عَلَيْهِ السَبْعَةُ مِن كَسْرِ الغَيْنِ عَلى وزْنِ "عِمامَةٍ"، والأشْياءُ الَّتِي هي أبَدًا مُشْتَمِلَةٌ هَكَذا يَجِيءُ وَزْنُها كالضِمامَةِ والعِمامَةِ والكِتابَةِ والعِصابَةِ والرَبابَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ مَعْناهُ: بِمُخالَفَتِكَ يا مُحَمَّدُ، وكَفْرُهم بِاللهِ، اسْتَوْجَبُوا ذَلِكَ، و"عَظِيمٌ" مَعْناهُ بِالإضافَةِ إلى عَذابٍ دُونَهُ يَتَخَلَّلُهُ فُتُورٌ، وبِهَذا التَخَلُّلِ المُتَصَوِّرِ يَصِحُّ أنْ يَتَفاضَلَ العَرْضانِ كَسِوادَيْنِ: أحَدُهُما أشْبَعُ مِنَ الآخَرِ إذْ قَدْ تَخَلَّلَ الآخَرُ ما لَيْسَ بِسَوادٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أبصارهم غشاوة ﴾ .
هذه الجملة جارية مجرى التعليل للحكم السابق في قوله تعالى: ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ﴾ [البقرة: 6] وبيان لسببه في الواقع ليدفع بذلك تعجب المتعجبين من استواء الإنذار وعدمه عندهم ومن عدم نفوذ الإيمان إلى نفوسهم مع وضوح دلائله، فإذا عَلم أن على قلوبهم ختماً وعلى أسماعهم وأن على أبصارهم غشاوة عَلِمَ سبب ذلك كله وبطل العجب، فالجملة استئناف بياني يفيد جواب سائل يسأل عن سبب كونهم لا يؤمنون، وموقع هذه الجملة في نظم الكلام مقابل موقع جملة ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5] فلهذه الجملة مكانة بين ذم أصحابها بمقدار ما لتلك من المكانة في الثناء على أربابها.
والختم حقيقته السد على الإناء والغلقُ على الكتاب بطين ونحوه مع وضع علامة مرسومة في خاتَم ليمنع ذلك من فتح المختوم، فإذا فُتح علم صاحبه أنه فتح لفسادٍ يظهر في أثر النقش وقد اتخذ النبيء صلى الله عليه وسلم خاتماً لذلك، وقد كانت العرب تختم على قوارير الخمر ليصلحها انحباس الهواء عنها وتسلم من الأقذار في مدة تعتيقها.
وأما تسمية البلوغ لآخِر الشيء ختماً فلأن ذلك الموضع أو ذلك الوقت هو ظرف وَضع الختم فيسمى به مجازاً.
والخاتَم بفتح التاء الطين الموضوع على المكان المختوم، وأطلق على القالَب المنقوش فيه علامة أو كتابة يطبع بها على الطين الذي يختم به.
وكان نقش خاتم النبيء صلى الله عليه وسلم محمد رسول الله.
وطينُ الختم طين خاص يشبه الجبس يبل بماء ونحوه ويشد على الموضع المختوم فإذا جف كان قوي الشد لا يُقلع بسهولة وهو يكون قِطَعاً صغيرة كل قطعة بمقدار مضغة وكانوا يجعلونه خواتيم في رقاب أهل الذمة قال بشار: ختم الحب لها في عُنقي *** موضعَ الخاتَم من أهل الذِّمَم والغِشاوة فِعالة من غشاه وتغشاه إذا حجبه ومما يصاغ له وزن فِعالة بكسر الفاء معنى الاشتمال على شيء مثل العِمامة والعِلاوة واللِّفافة.
وقد قيل إن صوغ هذه الزنة للصناعات كالخِياطة لما فيها من معنى الاشتمال المجازي ومعنى الغشاوة الغطاء.
وليس الختم على القلوب والأسماع ولا الغشاوة على الأبصار هنا حقيقة كما توهمه بعض المفسرين فيما نقله ابن عطية بل ذلك جار على طريقة المجاز بأن جعل قلوبهم أي عقولهم في عدم نفوذ الإيمان والحق والإرشاد إليها، وجعل أسماعهم في استكاكها عن سماع الآيات والنذر، وجعل أعينهم في عدم الانتفاع بما ترى من المعجزات والدلائل الكونية، كأنها مختوم عليها ومغشًّى دونها إما على طريقة الاستعارة بتشبيه عدم حصُول النفع المقصود منها بالختم والغشاوة ثم إطلاق لفظ خَتَم على وجه التبعية ولفظ الغشاوة على وجه الأصلية وكلتاهما استعارة تحقيقية إلا أن المشبه محقق عقلاً لا حساً.
ولك أن تجعل الختم والغشاوة تمثيلاً بتشبيه هيئة وهمية متخيلة في قلوبهم أي إدراكهم من التصميم على الكفر وإمساكهم عن التأمل في الأدلة كما تقدم بهيئة الختم، وتشبيه هيئة متخيلة في أبصارهم من عدم التأمل في الوحدانية وصدق الرسول بهيئة الغشاوة وكل ذينك من تشبيه المعقول بالمحسوس، ولك أن تجعل الختم والغشاوة مجازاً مرسلاً بعلاقة اللزوم والمراد اتصافهم بلازم ذلك وهو أن لا تعقل ولا تحس، والختم في اصطلاح الشرع استمرار الضلالة في نفس الضال أو خلق الضلالة، ومثله الطبع، والأكنة.
والظاهر أن قوله: ﴿ وعلى سمعهم ﴾ معطوف على قوله: ﴿ قلوبهم ﴾ فتكون الأسماع مختوماً عليها وليس هو خبراً مقدماً لقوله ﴿ غشاوة ﴾ فيكون: ﴿ وعلى أبصارهم ﴾ معطوفاً عليه لأن الغشاوة تناسب الأبصار لا الأسماع ولأن الختم يناسب الأسماع كما يناسب القلوب إذ كلاهما يشبه بالوعاء ويتخيل فيه معنى الغلق والسد، فإن العرب تقول: استكَّ سمعه ووقر سمعه وجعلوا أصابعهم في آذانهم.
والمراد من القلوب هنا الألباب والعقول، والعرب تطلق القلب على اللحمة الصنوبرية، وتطلقه على الإدراك والعقل، ولا يكادون يطلقونه على غير ذلك بالنسبة للإنسان وذلك غالب كلامهم على الحيوان، وهو المراد هنا، ومقره الدماغ لا محالة ولكن القلب هو الذي يمده بالقوة التي بها عمل الإدراك.
وإنما أفرد السمع ولم يجمع كما جمع (قلوبهم) و(أبصارهم) إما لأنه أريد منه المصدر الدال على الجنس، إذ لا يطلق على الآذان سمع ألا ترى أنه جمع لما ذكر الآذان في قوله: ﴿ يجعلون أصابعهم في أذانهم ﴾ [البقرة: 19] وقوله: ﴿ وفي آذاننا وقر ﴾ [فصلت: 5] فلما عبر بالسمع أفرد لأنه مصدر بخلاف القلوب والأبصار فإن القلوب متعددة والأبصار جمع بصر الذي هو اسم لا مصدر، وإما لتقدير محذوف أي وعلى حواس سمعهم أو جوارح سمعهم.
وقد تكون في إفراد السمع لطيفة روعيت من جملة بلاغة القرآن هي أن القلوب كانت متفاوتة واشتغالها بالتفكر في أمر الإيمان والدين مختلف باختلاف وضوح الأدلة، وبالكثرة والقلة وتتلقى أنواعاً كثيرة من الآيات فلكل عقل حظه من الإدراك، وكانت الأبصار أيضاً متفاوتة التعلق بالمرئيات التي فيها دلائل الوحدانية في الآفاق، وفي الأنفس التي فيها دلالة، فلكل بصر حظه من الالتفات إلى الآيات المعجزات والعبر والمواعظ، فلما اختلفت أنواع ما تتعلقان به جمعت.
وأما الأسماع فإنما كانت تتعلق بسماع ما يُلقى إليها من القرآن فالجماعات إذا سمعوا القرآن سمعوه سماعاً متساوياً وإنما يتفاوتون في تدبره والتدبر من عمل العقول فلما اتحد تعلقها بالمسموعات جعلت سمعاً واحداً.
وإطلاق أسماء الجوارح والأعضاء إذا أريد به المجاز عن أعمالها ومصادرها جاز في إجرائه على غير المفرد إفراده وجمعه وقد اجتمعا هنا فأما الإطلاق حقيقة فلم يصح، قال الجاحظ في «البيان»: قال بعضهم لغلام له اشتر لي رأس كبشين فقيل له ذلك لا يكون، فقال: إذاً فرأسي كبش فزاد كلامه إحالة» وفي «الكشاف» أنهم يقولون ذلك إذا أمن اللبس كقول الشاعر: كُلوا في بعضضِ بطنكم تَعُّفوا *** فإنَّ زمانكم زَمَن خَمِيص وهو نظير ما قاله سيبويه في باب ما لُفظ به مما هو مثنى كما لفظ بالجمع من نحو قوله تعالى: ﴿ فقد ضغت قلوبكما ﴾ [التحريم: 4] ويقولون ضع رحالهما وإنما هما اثنان وهو خلاف كلام الجاحظ وقد يكون ما عده الجاحظ على القائل خطأً لأن مثل ذلك القائل لا يقصد المعاني الثانية فحمل كلامه على الخطأ لجهله بالعربية ولم يحمل على قصد لطيفة بلاغية بخلاف ما في البيت فضلاً عن الآية كقول علي رضي الله عنه لمن سأله حين مرت جنازة: من المتوفى (بصيغة اسم الفاعل) فقال له علي: «الله» لأنه علم أنه أخطأ أراد أن يقول المتوَّفي وإلا فإنه يصح أن يقال توفى فلان بالبناء للفاعل فهو متوف أي استوفى أجله، وقد قرأ عليُّ نفسه قوله تعالى: ﴿ والذين يَتوفون منكم ﴾ بصيغة المبني للفاعل.
وبعد كون الختم مجازاً في عدم نفوذ الحق لعقولهم وأسماعهم وكون ذلك مسبباً لا محالة عن إعراضهم ومكابرتهم أسند ذلك الوصف إلى الله تعالى لأنه المقدِّر له على طريقة إسناد نظائر مثل هذا الوصف في غير ما آية من القرآن نحو قوله: ﴿ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ﴾ [النحل: 108] وقوله: ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ﴾ [الكهف: 28] ونظائر ذلك كثيرة في القرآن كثرة تنبو عن التأويل ومحملها عندنا على التحقيق أنها واردة على اعتبار أن كل واقع هو بقدر الله تعالى وأن الله هدى ووفق بعضاً، وأضل وخذل بعضاً في التقدير والتكوين، فلا ينافي ذلك ورود الآية ونظائرها في معنى النعي على الموصوفين بذلك والتشنيع بحالهم لأن ذلك باعتبار ما لهم من الميل والاكتساب، وبالتحقيق القدرة على الفعل والترك التي هي دون الخلق، فالله تعالى قدَّر الشرور وأوجد في الناس القدرة على فعلها ولكنه نهاهم عنها لأنه أوجد في الناس القدرة على تركها أيضاً، فلا تعارض بين القدَر والتكليف إذ كلٌّ راجع إلى جهة خلاف ما توهمته القدرية فنفوا القدَر وهو التقدير والعلم وخلاف ما توهمته المعتزلة من عدم تعلق قدرة الله تعالى بأفعال المكلفين ولا هي مخلوقة له وإنما المخلوق له ذواتهم وآلات أفعالهم، ليتوسلوا بذلك إلى إنكار صحة إسناد مثل هاته الأفعال إلى الله تعالى تنزيهاً له عن إيجاد الفساد، وتأويللِ ما ورد من ذلك: على أن ذلك لم يغن عنهم شيئاً لأنهم قائلون بعلمه تعالى بأنهم سيفعلون وهو قادر على سلب القُدَر منهم فبتركه إياهم على تلك القُدرة إمهال لهم على فعل القبيح وهو قبيح، فالتحقيق ما ذهب إليه الأشاعرة وغيرهم من أهل السنة أن الله هو مقدر أفعال العباد إلا أن فِعْلها هو من العبد لا من الله وهو الذي أفصح عنه إمام الحرمين وأضرابُه من المحققين.
ولا يرد علينا أنه كيف أقدرهم على فعل المعاصي؟
لأنه يَرد على المعتزلة أيضاً أنه كيف عَلم بعد أن أقدرهم بأنهم شارعون في المعاصي ولم يسلب عنهم القدرة؟
فكان مذهب الأشاعرة أسعد بالتحقيق وأجرى على طريق الجمع بين ما طفح به الكتاب والسنة من الأدلة.
ولنا فيه تحقيق أعلى من هذا بسطناه في «رسالة القدرة والتقدر» التي لما تظهر.
وإسناد الختم المستعمل مجازاً إلى الله تعالى للدلالة على تمكن معنى الختم من قلوبهم وأن لا يرجى زواله كما يقال خِلقةٌ في فلان، والوصف الذي أودعه الله في فلان أوأعطاه فلاناً، وفرق بين هذا الإسناد وبين الإسناد في المجاز العقلي لأن هذا أريد منه لازم المعنى والمجازَ العقلي إنما أسند فيه فعل لغير فاعله لملابسة، والغالب صحة فرض الاعتبارين فيما صلح لأحدهما وإنما يرتكب ما يكون أصلح بالمقام.
وجملة: ﴿ وعلى سمعهم ﴾ معطوفة على قوله: ﴿ وعلى قلوبهم ﴾ بإعادة الجار لزيادة التأكيد حتى يكون المعطوف مقصوداً لأن على مؤذنة بالمتعلق فكأنَّ ﴿ خَتَم ﴾ كُرر مرتين.
وفيه ملاحظة كون الأسماع مقصودة بالختم إذ ليس العطف كالتصريح بالعامل.
وليس قوله ﴿ وعلى سمعهم ﴾ خبراً مقدماً لغشاوة لأن الأسماع لا تناسبها الغشاوة وإنما يناسبها السد ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ﴾ [الجاثية: 23] ولأن تقديم قوله: ﴿ وعلى أبصارهم ﴾ دليل على أنه هو الخبر لأن التقديم لتصحيح الابتداء بالنكرة فلو كان قوله: ﴿ وعلى سمعهم ﴾ هو الخبر لاستغنى بتقديم أحدهما وأبقى الآخر على الأصل من التأخير فقيل وعَلى سمعهم غشاوة وعلى أبصارهم.
وفي تقديم السمع على البصر في مواقعه من القرآن دليل على أنه أفضل فائدة لصاحبه من البصر فإن التقديم مؤذن بأهمية المقدم وذلك لأن السمع آلة لتلقي المعارف التي بها كمال العقل، وهو وسيلة بلوغ دعوة الأنبياء إلى أفهام الأمم على وجه أكمل من بلوغها بواسطة البصر لو فقد السمع، ولأن السمع ترد إليه الأصوات المسموعة من الجهات الست بدون توجه، بخلاف البصر فإنه يحتاج إلى التوجه بالالتفات إلى الجهات غير المقابلة.
﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ﴾ .
العذاب: الألم، وقد قيل إن أصله الإعذاب مصدر أعذب إذا أزال العذوبة لأن العذاب يزيل حلاوة العيش فصيغ منه اسم مصدر بحذف الهمزة، أو هو اسم موضع للألم بدون ملاحظة اشتقاق من العذوبة إذ ليس يلزم مصير الكلمة إلى نظيرتها في الحروف.
ووصف العذاب بالعظيم دليل على أن تنكير عذاب للنوعية وذلك اهتمام بالتنصيص على عظمه لأن التنكير وإن كان صالحاً للدلالة على التعظيم إلا أنه ليس بنص فيه ولا يجوز أن يكون ﴿ عظيم ﴾ تأكيداً لما يفيده التنكير من التعظيم كما ظنه صاحب «المفتاح» لأن دلالة التنكير على التعظيم غير وضعية، والمدلولات غير الوضعية يستغني عنها إذا ورد ما يدل عليها وضعاً فلا يعد تأكيداً.
والعذاب في الآية، إما عذاب النار في الآخر، وإما عذاب القتل والمسغبة في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ الخَتْمُ الطَّبْعُ، ومِنهُ خَتْمُ الكِتابِ، وفِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ: أنَّ القَلْبَ مِثْلُ الكَفِّ، فَإذا أذْنَبَ العَبْدُ ذَنْبًا ضُمَّ مِنهُ كالإصْبَعِ، فَإذا أذْنَبَ ثانِيًا ضُمَّ مِنهُ كالإصْبَعِ الثّانِيَةِ، حَتّى يُضَمَّ جَمِيعُهُ ثُمَّ يُطْبَعَ عَلَيْهِ بِطابَعٍ.
والثّانِي: أنَّها سِمَةٌ تَكُونُ عَلامَةً فِيهِمْ، تَعْرِفُهُمُ المَلائِكَةُ بِها مِن بَيْنِ المُؤْمِنِينَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ كُفْرِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنْ سَماعِ ما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، تَشْبِيهًا بِما قَدِ انْسَدَّ وخُتِمَ عَلَيْهِ، فَلا يَدْخُلُهُ خَيْرٌ.
والرّابِعُ: أنَّها شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى قُلُوبِهِمْ، بِأنَّها لا تَعِي الذِّكْرَ ولا تَقْبَلُ الحَقَّ، وعَلى أسْماعِهِمْ بِأنَّها لا تُصْغِي إلَيْهِ، والغِشاوَةُ: تَعامِيهِمْ عَنِ الحَقِّ.
وَسُمِّيَ القَلْبُ قَلْبًا لِتَقَلُّبِهِ بِالخَواطِرِ، وقَدْ قِيلَ: ما سُمِّيَ القَلْبُ إلّا مِن تَقَلُّبِهِ والرَّأْيُ يَصْرِفُ، والإنْسانُ أطْوارُ والغِشاوَةُ: الغِطاءُ الشّامِلُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جريج وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير في السنة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ﴾ ونحو هذا من القرآن قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص أن يؤمن جميع الناس، ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأوّل، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأول.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو قال: «قيل يا رسول الله إنا نقرأ من القرآن فنرجو، ونقرأ فنكاد نيأس فقال: ألا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار؟
قالوا بلى يا رسول الله قال: ﴿ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ﴾ إلى قوله: ﴿ المفلحون ﴾ هؤلاء أهل الجنة قالوا: إنا نرجو أن نرجو أن نكون هؤلاء.
ثم قال: ﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم ﴾ إلى قوله: ﴿ عظيم ﴾ هؤلاء أهل النار.
قلنا لسنا هم يا رسول الله؟
قال أجل» .
وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الذين كفروا ﴾ أي بما أنزل إليك، وإن قالوا إنا قد آمنا بما جاء من قبلك ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ﴾ أي أنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجحدوا ما عليهم من الميثاق لك، فقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذاراً وتخويفاً، وقد كفروا بما عندهم من نعتك ﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ﴾ أي عن الهدى أن يصيبوه أبداً بعير ما كذبوا به من الحق الذي جاءك من ربك، حتى يؤمنوا به وإن آمنوا بكل ما كان قبلك، ولهم بما عليه من خلافك ﴿ عذاب عظيم ﴾ فهذا في الأحبار من يهود.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ إن الذين كفروا ﴾ قال: نزلت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب، وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ [ إبراهيم: 28] قال: فهم الذين قتلوا يوم بدر، ولم يدخل من القادة أحد في الإِسلام إلا رجلان.
أبو سفيان، والحكم بن أبي العاص.
وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله: ﴿ أأنذرتهم أم لم تنذرهم ﴾ قال: وعظتهم لم لم تعظهم.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ﴾ قال: أطاعوا الشيطان فاستحوذ عليهم، فختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة، فهم لايبصرون هدى، ولا يسمعون، ولا يفقهون، ولا يعقلون.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: الختم على قلوبهم، وعلى سمعهم، والغشاوة على أبصارهم.
وأخرج ابن جريج عن ابن مسعود قال: ﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ﴾ فلا يعقلون، ولا يسمعون، وجعل على أبصارهم يقول: أعينهم ﴿ غشاوة ﴾ فلا يبصرون.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ قال: طبع الله عليها قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: أما سمعت الأعشى وهو يقول: وصهباء طاف يهود بها ** فابرزها وعليها ختم وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن وأبي رجاء قرأ أحدهما ﴿ غشاوة ﴾ والآخر ﴿ غشوة ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِم ﴾ الآية.
(الختم) في اللغة بمعنى: الطبع، والخاتم: الفاعل.
وأصله من آخر الشيء (١) ﴿ خِتَامُهُ مِسْكٌ ﴾ ، قال ابن مسعود: عاقبته (٢) (٣) (٤) ﴿ رَّحِيقٍ مَخْتُومٍ ﴾ : له ختام، أي عاقبه، قاله أبو عبيد (٥) (٦) قال الليث: وخاتمة السورة: آخرها، وخاتم كل شيء: آخره (٧) (٨) (٩) بالفُلْفُلِ الجَوْنِ والرُّمَّانِ مَخْتومُ (١٠) (١١) (١٢) وقال أبو إسحاق: معنى: ختم وطبع (١٣) ﴿ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ (١٤) واعلم أن الختم على الوعاء يمنع (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ﴾ .
فأما قول من قال: معنى ﴿ خَتَمَ اَللَّهُ عَلىَ قُلُوبِهِم ﴾ : حكم الله بكفرهم (١٨) (١٩) وذهب بعض المتأولين من القدرية إلى أن معنى ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ : وسمها سمة (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) قال: والختم والطبع واحد، وهما سمة وعلامة في قلب المطبوع على قلبه (٢٤) وقوله تعالى ﴿ عَلىَ قُلُوبِهِم ﴾ .
قال الليث: القلب مضغة من الفؤاد، معلقة بالنياط (٢٥) (٢٦) وقيل: القلوب والأفئدة: قريبان من السواء (٢٧) (٢٨) ما سمي القلب (٢٩) (٣٠) (٣١) وقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ﴾ .
وحد السمع، لأنه مصدر، والمصادر لا تثنى ولا تجمع، [لأن المصدر ينبئ عن الفعل، فهو بمنزلة الفعل، والفعل لا يثنى ولا يجمع (٣٢) (٣٣) وقال ابن الأنباري: أراد (٣٤) (٣٥) وقيل: اكتفى من الجمع بالواحد (٣٦) (٣٧) بها جيف الحسرى فأما عظامها ...
فبيض وأما جلدها فصليب (٣٨) ﴿ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ﴾ ، وهو كثير جدًّا.
وقال سيبويه (٣٩) ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ ، وقوله: ﴿ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ ﴾ .
وتم الكلام (٤٠) (٤١) ثم قال: ﴿ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ﴾ الأبصار جمع البصر، والبصر العين، إلا أنه مذكر، ويقال: تبصرت الشيء بمعنى رمقته (٤٢) تبصر خليلي هل ترى من ظعائن ...
.............
البيت (٤٣) (٤٤) (٤٥) وفيه ثلاث لغات: ضم الغين وفتحها وكسرها (٤٦) (٤٧) (٤٨) قال أبو علي الفارسي: ولم أسمع منه فعلاً متصرفا بالواو، ولامه (ياء) لأنك تقول: غشي يغشى، والغشيان وغشيته أي: ألبسته وسترته، والغشاوة من الغشيان كالجباوة من جبيت، في أن (الواو) كأنها بدل من (الياء) إذ (٤٩) (٥٠) والأشهر في القراءة رفع الغشاوة (٥١) ﴿ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ﴾ ، فلما (٥٢) (٥٣) (٥٤) (٥٥) وقرأ المفضل (٥٦) ﴿ غِشَاوَةٌ ﴾ بالنصب (٥٧) (٥٨) ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ﴾ ، وطبع في المعنى كختم، وقد حملت الأبصار على (طبع)، فكذلك (٥٩) (٦٠) (٦١) والوجه الثاني: ما قاله الفراء (٦٢) ﴿ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ﴾ .
والكلام إذا اجتمع ودل أوله على آخره حسن الإضمار، كقولك: أصاب فلان المال، فبنى الدور والعبيد والإماء واللباس، فـ (بنى) لا يقع على العبيد (٦٣) (٦٤) (٦٥) (٦٦) قال الزجاج في هذه الآية: إنهم كانوا يسمعون ويبصرون ويعقلون، ولكن لم يستعملوا (٦٧) (٦٨) وقوله تعالى: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .
(العذاب): كل ما يُعَنَي الإنسان ويشق عليه، وذكرت اشتقاقه عند قوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ .
و (العظيم) فعيل من العظم، ومعنى العظم: هو كثرة المقدار في الجثة (٦٩) (٧٠) (٧١) (٧٢) (٧٣) (٧٤) (٧٥) ومعنى وصف العذاب بالعظم، هو المواصلة بين أجزاء الآلام بحيث لا تتخللها (٧٦) (٧٧) (١) انظر: "تهذيب اللغة" (ختم) 1/ 983 - 984، وفيه: خاتم كل شيء: آخره.
(٢) في (ج): (عاقبه).
(٣) ذكره الأزهري في "التهذيب" (ختم) 1/ 984، وأخرج الطبري عن ابن مسعود في تفسير الآية: قال: (خلطه مسك) وعنه: (طعمه وريحه) وأخرج عن إبراهيم، والحسن: عاقبته مسك.
الطبري 30/ 106، 107، وفي "الدر": أخرج سعيد بن منصور، وهناد؛ وابن أبي حاتم، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي في "البعث"، عن ابن مسعود، وفيه: (يجدون عاقبتها طعم المسك)، 6/ 544.
(٤) ذكره أبو علي الفارسي في "الحجة" 1/ 292.
(٥) لعل المراد أبو عبيدة كما في "الحجة" حيث قال: (وأظن أبا عبيدة اعتبر ما روي عن الحسن في تفسير الآية، لأنه قال في قوله: ﴿ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ﴾ : له ختام، أي: عاقبة ختامه مسك، أي: عاقبته، وأنشد لابن مقبل ...
فتأول الختام على العاقبة، ليس على الختم الذي هو الطبع، وهذا قول الحسن، مقطعه مسك)، "الحجة" 1/ 292، وانظر: "مجاز القرآن" 2/ 290.
(٦) "معاني القرآن" للفراء 2/ 344، "التهذيب" (ختم) 1/ 984.
(٧) ذكره الأزهري عن الليث، "تهذيب اللغة" (ختم) 1/ 984.
(٨) انظر: "العين" 4/ 242، "الصحاح" (ختم) 5/ 1908، "معجم مقاييس اللغة" (ختم) 2/ 245.
(٩) هو: الشاعر تميم بن أبي بن مقبل العجلاني، شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، وبلغ مائة وعشرين سنة.
انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 297، "الإصابة" 1/ 187، "الخزانة" 1/ 231.
(١٠) صدره في "الحجة": مما يفتق في الحانوت ناطفها وورد صدره في "ديوانه": صرف ترقرق في الناجود ناطلها يفتق: يشق، الحانوت: دكان الخمار، ناطفها: النطف سيلان الماء، الجون: يطلق على الأبيض والأسود، وقوله (ترقرق): تترقرق أي: تتلألأ، الناجون: == راووق الخمر الذي يصفي به، الناطل: مكيال الخمر.
انظر: "الحجة" 1/ 292، 294، "ديوان ابن مقبل" ص 268، "المخصص" 2/ 149.
(١١) في (ب): (النذر).
(١٢) "التهذيب" (ختم) 1/ 985، وفيه: (ختم البذر: تغطية).
(١٣) في (ب): (تطبع).
(١٤) جاءت في عدة آيات في التوبة ﴿ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ، وفي النحل: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ ، وفي محمد: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ .
والآية وردت في "تهذيب اللغة" ضمن كلام أبي إسحاق، "التهذيب" (ختم) 1/ 984، ويظهر أن الواحدي نقل كلام الزجاج عنه، وفي "معاني القرآن" للزجاج ورد مكانها: (طبع عليها بكفرهم) ووضع المحقق لها رقم (النساء:155)، وسياق آية النساء: ﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ .
انظر "معاني القرآن" للزجاج1/ 46.
(١٥) في (ب): (ممنع).
(١٦) قال ابن كثير: (..
ختم على قلوبهم، وحال بينهم وبين الهدى، جزاء وفاقا على تماديهم في الباطل، وتركهم الحق، وهذا عدل منه تعالى حسن، وليس بقبيح ...)، == 1/ 49، وأما ما عبر به الواحدي من قوله: (بأن يخلق الله الكفر فيها ..) المعنى صحيح، فإن الله خالق كل شيء من الطاعات والكفر والمعاصي، لكن السلف لم يستعملوا هذا اللفظ تأدبا مع الله تعالى كما قال: ﴿ وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ﴾ ، فلم ينسب الشر إليه، مع أنه خالقه ونسب إليه الخير.
(١٧) في (ب): (فلا يدخل).
ولعله أولى.
(١٨) ذكره الفارسي في "الحجة" 1/ 309، والثعلبي 1/ 48 ب، وهذا قول المعتزلة ذكره القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني، أحد علمائهم في كتابه "متشابه القرآن" 1/ 51، 52 تحقيق عدنان زرزور.
وانظر "الكشاف" للزمخشري 1/ 157 - 162، وانظر رد الأسكندري عليه في "الحاشية"، "البحر المحيط" 1/ 48.
(١٩) في (ب): (ولان يقال).
(٢٠) في (ج): (وسمة).
(٢١) في (ب): (يدل).
(٢٢) في (ب): (يفرق) (٢٣) في (ب): (السرح) وفي (ج): (الشرح).
== وهذا قول ثانٍ للمعتزلة.
انظرة "متشابه القرآن" للهمذاني 1/ 51، 52، "البحر المحيط" 1/ 48.
(٢٤) ذكره أبو علي الفارسي في "الحجة" عن قوم من المتأولين، 1/ 301.
(٢٥) "تهذيب اللغة" (قلب) 3/ 3026.
(٢٦) في (ب): (وكذلك).
(٢٧) في (ب): (العوا).
(٢٨) "تهذيب اللغة" (قلب) 3/ 3026.
(٢٩) في (ج): (ما سمي القلب قلبا إلا من ..).
(٣٠) في (ب): (الذي).
(٣١) البيت في "التهذيب" (قلب) 3/ 3026، وكذا "اللسان" (قلب) 6/ 3714، بهذا النص، وورد في القرطبي 1/ 163، و"الدر المصون" 1/ 114، "روح المعاني" 1/ 135، شطره الثاني: == فاحذر على القلب من قلب وتحويل غير منسوب في جميع المصادر.
(٣٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 47، "تهذيب اللغة" (سمع) 2/ 1756، والثعلبي 1/ 48/ب، "تفسير أبي الليث" 1/ 93، "زاد المسير" 1/ 28، والقرطبي 1/ 165.
وقيل: وحد السمع، لأن المسموع واحد وهو الصوت، وقرئ شاذا ﴿ وعلى أسماعهم ﴾ .
انظر.
"الفتوحات الإلهية" 1/ 15.
(٣٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٣٤) في جميع النسخ (أرادوا على) زيادة ألف بعد الواو والصحيح حذفها.
(٣٥) لم أجده منسوبا لابن الأنباري.
وورد بمعناه في "تفسير أبي الليث" 1/ 93، والقرطبي 1/ 166، "تهذيب اللغة" (سمع) 2/ 1757.
(٣٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 47، والثعلبي 1/ 48 ب، و"تفسير أبي الليث" 1/ 93، و"تهذيب اللغة" (سمع) ص 1757.
(٣٧) كذا نسبه الثعلبي 1/ 48 ب، والبيت لعلقمة بن عبدة الفحل كما في "الكتاب" وغيره.
(٣٨) البيت لعلقمة بن عبدة الفحل، قاله يصف طريقاً شاقًّا، قطعه لممدوحه.
الحسرى: جمع حسير، والحسير: البعير المعيب يتركه أصحابه فيموت، وابيضت عظامه لما أكلت السباع والطير ما عليه من لحم، صليب: يابس لم يدبغ.
الشاهد (جلدها) مفرد أريد به الجمع، أي: جلودها.
== انظر: "الكتاب" 1/ 209، و"معاني القرآن" للزجاج1/ 47، "تفسير الثعلبي" 1/ 48 ب، والقرطبي 1/ 165، "الخزانة" 7/ 559، وفيها: (به جيف الحسرى ..)، "الدر المصون" 1/ 114، والرازي 2/ 53، وفيه: (الحيدى) بدل (الحسرى).
(٣٩) انظر.
"الكتاب" 1/ 209، والنص من الثعلبي 1/ 48/ب.
(٤٠) في (ج): (السلام).
(٤١) انظر.
"معاني القرآن" للفراء1/ 13، "مجاز القرآن" 1/ 13 "تفسير الطبري" 113 - 114، "تفسير الثعلبي" 1/ 48/ ب، وذكر النحاس عن الأخفش سعيد، ويعقوب: أن وقف على (قلوبهم) كان أيضا تاما، وتعقبه النحاس فقال: (إذا وقف على (قلوبهم) وقدره بمعنى: وختم على سمعهم لم يكن الوقت على قلوبهم تماماً، لآن الثاني معطوف على الأول، وإن قدر الختم على القلوب خاصة فهو (تام) ..)، "القطع والائتناف" ص 116.
(٤٢) "تهذيب اللغة" (بصر) 1/ 340.
(٤٣) وتمامه كما في الديوان: تحملن بالعليا من فوق جرثم "ديوان زهير" ص 9.
== الظعائن: جمع ظعينة، وهي المرأة في الهودج تحمل على الإبل، بالعلياء: الأرض المرتفعة، جرثم: ماء معين.
(٤٤) في (ب): (والعطاء).
(٤٥) انظر: "تهذيب اللغة" (غشى) 3/ 2668، "اللسان" (غشى) 6/ 3261.
(٤٦) ذكره في "الحجة"، قال: روى لنا عن الكسائي وعن غيره 1/ 31، وانظر: "اللسان" 6/ 3261.
(٤٧) (على) ساقطة من (ب).
(٤٨) في (ج): (الامارمه).
والكلام بنصه في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 48، وانظر "تهذيب اللغة" (غشى) 3/ 2668، و"اللسان" (غشى) 6/ 3261 ..
(٤٩) في (أ)، (ج): (إذا) وفي (ب) و"الحجة": (إذ).
وهو الأولى لصحة السياق.
(٥٠) في (ب): (الجباره).
انظر كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 300، نقله الواحدي بتصرف، قال ابن فارس (غشى): الغين والشين والحرف المعتل، أصل صحيح == يدل على تغطية شيء بشيء.
"معجم مقاييس اللغة" 1/ 425.
قال السمين الحلبي بعد أن ذكر كلام أبي علي: وظاهر عبارته أن الواو بدل من الياء، فالياء أصل؛ بدليل تصرف الفعل منها دون مادة الواو، والذي يظهر أن لهذا المعنى مادتين: غ ش و، غ ش ى، ثم تصرفوا في إحدى المادتين واستغنوا بذلك عن التصرف في المادة الأخرى، وهذا أقرب من ادعاء قلب الواو ياء من غير سبب ..)، "الدر المصون" 1/ 116.
(٥١) قرأ السبعة كلهم برفع الغشاوة، إلا ما روى المفضل الضبي، عن عاصم أنه قرأ بالنصب.
انظر "الحجة" لأبي علي 1/ 291، 312، وقال الطبري: إن قراءة الرفع هي الصحيحة، والنصب شاذة، 1/ 262، ونحوه قال أبو الليث في "تفسيره" 1/ 93.
(٥٢) في "الحجة": (فكما) 1/ 309.
(٥٣) في "الحجة" (كذلك لا تحمل في هذِه التي في مسألتنا) 1/ 309.
(٥٤) فى (ب): (فتكون من موسه بعلى).
(٥٥) في "الحجة": (ملها على (ختم) قطعها عنه وإذا قطعها عن (ختم) كانت مرفوعة إما بالظرف، وإما بالابتداء، "الحجة" 1/ 309.
قال مكي: (غشاوة: رفع بالابتداء، والخبر.
وعلى أبصارهم)، (المشكل) 1/ 20، وقال العكبري: (وعلى قول الأخفش (غشاوة) مرفوع بالجار كارتفاع الفاعل بالفعل)، "الإملاء" 1/ 15.
(٥٦) هو المفضل بن محمد الضبي الكوفي، إمام مقرئ، نحوي، إخباري، أخذ القراءة عن عاصم، ومات سنة ثمان وستين ومائة.
انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" 13/ 121، "الأنساب" 8/ 385، "إنباه الرواة" 3/ 298، "غاية النهاية" 2/ 307.
(٥٧) قال ابن مجاهد: "قرأوا كلهم (غشاوة) في (البقرة) رفعا وبالألف، إلا أن المفضل == ابن محمد الضبي روى عن عاصم (وعلى أبصارهم غشاوة) نصبا"، "السبعة" ص 141، "معاني القرآن" للفراء1/ 13، "الحجة" 1/ 291 "زاد المسير" 1/ 28.
(٥٨) في (ج): (أحدها).
(٥٩) (فكذلك) ساقطة من (ب).
(٦٠) في (ب): (حمل).
(٦١) بنصه في "الحجة"،1/ 309، 310.
(٦٢) "معاني القرآن" 1/ 13، 14، ونقله بتصرف يسير.
(٦٣) في (ب) (العبد).
(٦٤) في (ب): (لكن).
(٦٥) في (ب): (لا يشتبه).
(٦٦) انتهى ما نقله عن الفراء، انظر "المعاني" 1/ 14.
(٦٧) في (ب): (لا يسمعوا).
(٦٨) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 47.
(٦٩) في (ب): (الجنة).
(٧٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٧١) (من) ساقطة من (ب).
(٧٢) انظر: "تهذيب اللغة" (عظم) 3/ 2488، "معجم المقاييس" (عظم) 4/ 355، "اللسان" (عظم) 5/ 3004.
(٧٣) في (ب): "اللسان".
(٧٤) في (ب): "اللسان".
(٧٥) انظر: "تفسير الرازي" 2/ 54.
(٧٦) في (ب): (لا محللها).
(٧٧) في (ب): (جزوو أو يحلو).
<div class="verse-tafsir"
﴿ خَتَمَ ﴾ - الآية، تعليل لعدم إيمانهم، وهو عبارة عن إضلالهم، فهو مجاز وقيل: حقيقة، وأن القلب كالكف ينقبض مع زيادة الضلال أصبعاً أصبعاً حتى يختم عليه، والأول أبرع، و ﴿ على سَمْعِهِمْ ﴾ معطوف على قلوبهم، فيوقف عليه، وقيل الوقف على قلوبهم، والسمع راجع إلى ما بعده، والأول أرجح لقوله: ﴿ وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ ﴾ [الجاثية: 23] ﴿ غشاوة ﴾ مجاز باتفاق، وفيه دليل على وقوع المجاز في القرآن خلافاً لمن منعه، ووحد السمع لأنه مصدر في الأصل، والمصادر لا تجمع.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: "أأنذرتهم" بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن ذكوان.
وروى الحلواني عن هشام "آءنذرتهم" بهمزتين بينهما مدة، والباقون يهمزون الأولى ويلينون الثانية.
والتليين جعل الهمزة بين بين أي بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركة الهمزة.
"وعلى أبصارهم" ممالة: أبو عمرو وعلي غير ليث وابن حمدون وحمدويه وحمزة، وفي رواية ابن سعدان وأبي عمرو.
كذلك قوله عز وجل ﴿ بقنطار ﴾ و ﴿ بالأسحار ﴾ و ﴿ كالفخار ﴾ و ﴿ الغار ﴾ و ﴿ من أنصار ﴾ و ﴿ أشعارها ﴾ وأشباه ذلك حيث كان يعني إذا كان قبل الألف حرف مانع وبعدها راء مكسورة في موضع اللام، لأن الراء المكسورة تغلب الحروف المستعلية.
"غشاوة" بالفصل.
وقرأ حمزة في رواية خلف وابن سعدان وخلف لنفسه.
وأبو إسحق إبراهيم بن أحمد عن أبي الحرث عن علي وورش من طريق البخاري مدغمة النون والتنوين في الواو في جميع القرآن.
"عظيم" بالإشمام في الوقف، وكذلك إذا كانت الكلمة مكسورة: حمزة وعلي وخلف وهو الاختيار عندنا.
الوقوف: "لا يؤمنون" (ه) "على سمعهم" (ط) لأن الواو للاستئناف.
"غشاوة" (ز) لأن الجملتين وإن اتفقتا نظماً فالأولى بيان وصف موجود، والثانية إثبات عذاب موعود.
"عظيم" (ه) التفسير: وفيه مسائل: الأولى: فيما يتعلق بأن أما عمله من نصب الاسم ورفع الخبر فمعلوم من علم النحو.
وأما فائدته فما ذكره المبرد في جواب الكندي من أن قولهم "عبد الله قائم" إخبار عن قيامه، وقولهم: "إن عبد الله قائم" جواب عن سؤال سائل، وقولهم: "إن عبد الله لقائم" جواب عن إنكار منكر لقيامه.
وقد يضاف إليه القسم أيضاً نحو "والله إن عبد الله لقائم.
قال أبو نواس: عليك باليأس من الناس *** إن غنى نفسك في اليأس حسن موقع "إن" لأن الغالب على الناس خلاف هذا الظن، وقد يجيء إذا ظن المتكلم في الذي وجد أنه لم يوجد كقولك "إنه كان مني إليه إحسان فقابلني بالسوء" وكأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت وتبين الخطأ فيما توهمت كقوله حكاية عن أم مريم ﴿ قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت ﴾ وكذلك قول نوح ﴿ رب إن قومي كذبون ﴾ .
الثانية: لما قدم ذكر أوليائه وخالصة عباده بصفاتهم الموجبة لامتداحه إياهم بها، عقب ذلك بذكر أضدادهم وهم المردة من الكفار الذين لا ينجع فيهم الهدى وسواء عليهم الإنذار وعدمه.
وإنما فقد العاطف بين القصتين خلاف ما في نحو قوله ﴿ إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ﴾ لتباين الجملتين ههنا في الغرض والأسلوب، إذ الأولى مسبوقة بذكر الكتاب وإنه هدى للمتقين، والثانية لأن الكفار من صفتهم كيت وكيت، وذلك إذا جعلت "الذين يؤمنون" مبتدأ و "أولئك" خبره، لأن الكلام المبتدأ على سبيل الاستئناف مبني على تقدير سؤال، وذلك إدراج له في حكم المتقين وتصييره تبعاً له في المعنى، فحكمه حكم الأول.
وكذا إذا جعلت الموصول الثاني مبتدأ و "أولئك" خبره، لأن الجملة برأسها من مستتبعات "هدى للمتقين" لارتباط بينهما من حيث المعنى.
الثالثة: التعريف في "الذين" إما أن يراد به ناس معهودون بأعيانهم كأبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم، وإما أن يراد به الجنس متناولاً كل من صمم على كفره تصميماً لا يرعوي بعده فقط دون من عداهم من الكفار الذين أسلموا بدليل الحديث عنهم باستواء الإنذار وتركه عليهم.
الرابعة: الكفر نقيض الإيمان فيختلف تعريفه باختلاف تعريف الإيمان، وقد تقدم.
وأصل الكفر الستر والتغطية ومنه الكافر لأنه يستر الحق ويجحده، والزارع كافر لأنه يستر الحب، والليل المظلم كافر لأنه بظلمته يستر كل شيء، والكافر الذي كفر درعه بثوب أي غطى ولبسه فوقه.
قال في التفسير الكبير: "كفروا" إخبار عن كفرهم بصيغة الماضي فيقتضي كون المخبر عنه متقدماً على ذلك الإخبار.
فللمعتزلة أن يحتجوا بهذا على أن كلام الله محدث، فإن القديم يستحيل أن يكون مسبوقاً بالغير.
قلت: التحقيق في هذا وأمثاله أن كلامه أزلي إلا أن حكمته في باب التفهيم والتعليم اقتضت أن يكون كلامه على حسب وصوله إلى السامعين ضرورة كونهم متزمنين، فكل ما هو متقدم على زمان الوصول وقع الإخبار عنه في الأزل بلفظ الماضي، وكل ما هو متأخر عن زمان الوصول وقع الإخبار عنه بلفظ المستقبل نحو ﴿ لتدخلن المسجد الحرام ﴾ ﴿ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ﴾ وإلا اختل نظام التفاهم والتخاطب.
ومن هذا يعلم أن قوله ﴿ سنلقي ﴾ ليس كونه مستقبلاً بالنظر إلى الأزل مقصوداً بالنسبة إلى المخاطبين، وإنما المقصود استقباله بالنظر إلى زمان نزول الآية فافهم.
الخامسة: "سواء" اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر ﴿ تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ﴾ ﴿ في أربعة أيام سواء للسائلين ﴾ يعني مستوية، وارتفاعه على أنه خبر "إن" و "أأنذرتهم أم لم تنذرهم" في موضع الفاعل أي مستو عليهم إنذارك وعدمه نحو: إن زيداً مختصم أخوه وابن عمه.
ويحتمل أن يكون أأنذرتهم أم لم تنذرهم" في موضع الابتداء، و "سواء" خبر مقدم، والجملة خبر "إن".
و إنما صح وقوع الفعل مخبراً عنه مع أنه أبداً خبر نظراً إلى المعنى كقولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن.
معناه لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن، وإن كان ظاهر اللفظ على ما لا يصح من عطف الاسم على الفعل، فإن "أن" مع الفعل في تقدير المصدر على الفعل وهو النهي، وقد جردت الهمزة.
و "أم" لمعنى الاستواء وسلخ عنهما معنى الاستفهام رأساً.
قال سيبويه: هذا مثل قولهم "اللهم اغفر لنا أيتها العصابة" يعني أن هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام، كما أن ذاك جرى على صورة النداء ولا نداء.
ومعنى الاستواء في الداخل عليهما "الهمزة" و "أم" استواؤهما في علم المستفهم، لأنه قد علم أن أحد الأمرين كائن لكن لا بعينه وكلاهما معلوم بعلم غير معين.
والحاصل أن الاستفهام يلزمه معنيان: أحدهما استواء طرفي الحكم في ذهن المستفهم، والثاني طلب معرفة أحدهما فجرد هذا الترتيب لمعنى الاستواء وسلخ عنه الطلب.
وفائدة العدول عن العبارة الأصلية وهي سواء عليهم الإنذار وعدمه، أن يعلم أن قطع الرجاء وحصول اليأس عنهم إنما حصل بعد إصرارهم وكانوا قبل ذلك مرجواً منهم الإيمان، لا في علم الله بل في علمنا، فنزلت الآية بحسب ما يليق بحالنا في باب التقرير والتصوير.
أو نقول: فائدته أن يعلم أن استواء الطرفين بلغ مبلغاً يصح أن يستفهم عنه لكونه خالياً عن شوب التخمين وترجيح أحد الطرفين بوجه، فإن قول القائل "الإنذار وعدمه مستويان عليهم" يمكن أن يحمل على التقريب لا التحقيق، بخلاف ما لو أخبر عن الأمرين بطريق الهمزة وأم فافهم.
والإنذار التخويف من عقاب الله بالزجر عن المعاصي، وإنما ذكر الإنذار دون البشارة لأن المقام مقام المبالغة، وتأثير الإنذار في الفعل والترك أقوى لأن دفع الضرر أهم من جلب النفع.
وقوله "لا يؤمنون" إما جملة مؤكدة للتي قبلها، أو خبر لأن والجملة قبلها اعتراض.
السادسة: الختم والكتم أخوان، لأن في الاستيثاق من الشيء يضرب الخاتم عليه كتماً له وتغطية لئلا يتوصل إليه ولا يطلع عليه.
والغشاوة الغطاء فعالة من غشاه إذا غطاه، وهذا البناء لما يشتمل عليه كالعصابة والعمامة.
والقلب يراد به تارة اللحم الصنوبري المودع في التجويف الأيسر من الصدر وهو محل الروح الحيواني الذي هو منشأ الحس والحركة وينبعث منه إلى سائر الأعضاء بتوسط الأوردة والشرايين، ويراد به تارة اللطيفة الربانية التي بها يكون الإنسان إنساناً وبها يستعد لامتثال الأوامر والنواهي والقيام بمواجب التكاليف ﴿ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ﴾ .
وهي من عالم الأمر الذي لا يتوقف وجوده على مادة ومدة بعد إرادة موجده له ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ﴾ .
كما أن البدن بل اللحم الصنوبري من عالم الخلق الذي هو نقيض ذلك ﴿ ألا له الخلق والأمر ﴾ .
وقد يعبر عنها بالنفس الناطقة ﴿ ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ﴾ وبالروح ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ والسمع قوة مرتبة في العصب المتفرق في سطح الصماخ، تدرك صورة ما يتأدى إليه بتموج الهواء المنضغط بين قارع ومقروع مقاوم له انضغاطاً بعنف يحدث منه تموّج فاعل للصوت، فيتأدى إلى الهواء المحصور الراكد في تجويف الصماخ ويموّجه بشكل نفسه وتماس أمواج تلك الحركة تلك العصبة فتسمع قاله ابن سينا.
ولعل هذا في الشاهد فقط، وأما البصر فقال ابن سينا: هي قوة مرتبة في العصبة ا لمجوفة تدرك صورة ما ينطبع في الرطوبة الجليدية من أشباح الأجسام ذوات اللون المتأدية في الأجسام الشفافة بالفعل إلى سطوح الأجسام الصيقلية.
وزعم غيره أن البصر يخرج منه شيء فيلاقي المبصر ويأخذ صورته من خارج ويكون من ذلك إبصار.
وفي الأكثر يسمون ذلك الخارج شعاعاً.
والحق عندي أن نسبة البصر إلى العين نسبة البصيرة إلى القلب، ولكل من العين والقلب نور.
أما نور العين فمنطبع فيها لأنه من عالم الخلق، فهو نور جزئي ومدركه جزئي، وأما نور القلب فمفارق لأنه من عالم الأمر، وهو نور كلي ومدركه كلي.
وإدراك كل منهما عبارة عن وقوع مدركه في ذلك النور، ولكل منهما بل لكل فرد من كل منهما حد ينتهي إليه بحسب شدته وضعفه.
ويتدرج في الضعف بحسب تباعد المرئي حتى لا يدركه، أو يدركه أصغر مما هو عليه.
ولا يلزم من قولنا "إن للبصر نوراً يقع في المرئي" أن يشتد النور إذا اجتمع بصراء كثيرة في موضع واحد قياساً على أنوار الكواكب والسرج، فإن ذلك الانضمام من خواص الأنوار المحسوسات، والملزومات المختلفة لا تستدعي الاشتراك في اللوازم.
وهذا القدر من التحقيق في تفسير القلب والسمع والبصر كافٍ بحسب المقام.
ثم اللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في حكم الختم وفي حكم التغشية، إلا أن الأولى دخولها في حكم الختم لقوله ﴿ وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ﴾ ولهذا يوقف على "سمعهم" دون "قلوبهم".
وفي تكرير الجار إيذان باستقلال الختم على كل من القلب والسمع، وإنما وحد السمع لوجوه منها: أمن اللبس كما في قوله: كلوا في بعض بطنكم تعفوا.
فإن زمانكم زمن خميص.
إذ لا يلتبس أن لكل واحد بطناً، ولهذا إذا لم يؤمن نحو فرسهم وثوبهم والمراد الجمع رفضوه.
ومنها أن السمع في الأصل مصدر والمصادر لا تجمع فلمح الأصل، ولهذا جمع الأذن في قوله ﴿ وفي آذاننا وقر ﴾ .
ومنها أن يقدر مضاف محذوف أي على حواس سمعهم، ومنها الاستدلال بما قبله وبما بعده على أن المراد به الجمع مثل ﴿ عن اليمين والشمائل ﴾ ﴿ يخرجهم من الظلمات إلى النور ﴾ .
السابعة: من الناس من قال: السمع أفضل من البصر، لتقديمه في اللفظ ولأنه شرط النبوة.
فما بعث رسول أصم بخلاف البصر فمن الأنبياء من كان مبتلى بالعمى، ولأن السمع سبب وصول المعارف ونتائج العقول إلى الفهم، والبصر سبب وصول المحسوسات إلى المبصر.
ولأن السمع يتصرف في الجهات الست دون البصر، ولأن فاقد السمع في الأصل فاقد النطق، بخلاف فاقد البصر.
ومنهم من فضل البصر لأن متعلق الأبصار النور، ومتعلق الأسماع الريح.
والبصر يرى من بعيد دون السمع، ولأن عجائب الله في تخليق العين أكثر منها في تخليق السمع.
وقد أسمع الله كلامه موسى من غير سبق سؤال ونوقش في الرؤية وفي المثل "ليس وراء العيان بيان".
وفي العين جمال الوجه دون السمع.
والحق أن من فقد حساً فقد فقد علماً وهو المتوقف على ذلك الحس.
ولا ريب أن معظم العلوم يتوقف تحصيلها على البصر والإرشاد، والتعليم على الإطلاق يتوقف على السمع.
فكل من الحواس في موضعه ضروري، وتفضيل البعض على البعض تطويل بلا طائل، فسبحان من دقت في كل مصنوع حكمته وأحسن كل شيء خلقه.
الثامنة: الآية الأولى فيها الإخبار بأن الذين كفروا لا يؤمنون، والإنذار وعدمه عليهم سيان.
والآية الثانية فيها بيان السبب الذي لأجله لم يؤمنوا وهو الختم والتغشية، فاحتج أهل السنة بالآيتين ونظائرهما على تكليف ما لا يطاق، وعلى أن الله هو الذي خلق فيهم الداعية الموجبة للكفر وختم على قلوبهم وسمعهم ومنعهم عن قبول الحق والصدق، وكل بتقديره ولا يسأل عما يفعل.
وأما المعتزلة وأمثالهم فيقولون: كيف ينشئ فيهم الكفر ثم يقول: لم تكفرون؟
وخلق فيهم ما به لبس الحق بالباطل ثم يقول لم تلبسون الحق بالباطل؟
ونحو ذلك من الآيات الدالة على أن الكفر باختيار العبد وقدرته.
فتأولوا الآية على انها جارية مجرى قولهم "فلان مجبول على كذا أو مفطور عليه" يريدون أنه بليغ في الثبات عليه، أو على أنها تمثيل لحال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق بحال قلوب ختم الله عليه حتى دخلوا في زمرة الأنعام لا تعي شيئاً ولا تفقه كقولهم "سال به الوادي" إذا هلك، و "طارت به العنقاء" إذا أطال الغيبة.
وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه ولا في طول غيبته، وإنما مثلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء، والشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر.
إلا أن الله تعالى لما كان هو الذي أقدره ومكنه أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى المسبب في قولهم "بنى الأمير المدينة" أو أنهم لما ترقى أمرهم في التصميم على الكفر إلى حدّ لا يتناهون عنه إلا بالقسر والإلجاء، ثم لم يقسرهم الله ولم يلجئهم لئلا ينتقض الغرض من التكليف، عبر عن ترك القسر والإلجاء بالختم.
أو يكون حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكماً بهم من قولهم ﴿ قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ ويحكى أن الإمام أبا القاسم الأنصاري سئل عن تكفير المعتزلة في هذه المسألة فقال: لا، لأنهم نزهوه عما يشبه الظلم والقبيح ولا يليق بالحكمة.
وسئل عن أهل الجبر فقال: لا، لأنهم عظموه حتى لا يكون لغيره قدرة وتأثير وإيجاد.
وزعم الإمام فخر الدين أن إثبات الإله يلجئ إلى القول بالجبر لأن الفاعلية لو لم تتوقف على الداعية لزم وقوع الممكن من غير مرجح وهو نفي الصانع، وإثبات الرسول يلجئ إلى القول بالقدر لأنه لو لم يقدر العبد على الفعل فأيّ فائدة في بعثة الرسل وإنزال الكتب؟
أو نقول: لما رجعنا إلى الفطرة السليمة وجدنا أن ما استوى الوجود والعدم بالنسبة إليه يترجح أحدهما على الآخر إلا المرجح، وهذا يقتضي الجبر.
ونجد تفرقة ضرورية بين حركات الإنسان الاختيارية وبين حركات الجمادات والحركات الاضطرارية، وذلك يقتضي مذهب الاعتزال فلذلك بقيت هذه المسألة في حيز الإشكال.
قلت - وبالله التوفيق -: عندي أن المسألة في غاية الاستنارة والسطوع إذا لوحظت المبادئ ورتبت المقدمات، فإن مبدأ الكل لو لم يكن قادراً على كل الممكنات وخرج شيء من الأشياء عن علمه وقدرته وتأثيره وإيجاده بواسطة أو بغير واسطة لم يصلح لمبدئية الكل.
فالهداية والضلالة، والإيمان والكفر، والخير والشر، والنفع والضر، وسائر المتقابلات، كلها مستندة ومنتهية إلى قدرته وتأثيره وعلمه وإردته.
والآيات الناطقة بصحة هذه القضية كقوله ﴿ ولو شاء لهداكم أجمعين ﴾ ﴿ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ﴾ ﴿ قل كل من عند الله ﴾ كثيرة.
وكذا الأحاديث "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس" "احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى" الحديث.
فهذه القضية مطابقة للعقل والنقل، وبقي الجواب عن اعتراضات المخالف.
أما حكاية التنزيه عن الظلم والقبائح فأقول: لا ريب أنه تعالى منزه عن جميع القبائح، ولكن لا بالوجه الذي يذكره المخالف إذ يلزم منه النقص من جهة أخرى وهو الخلل في مبدئيته للكل وفي كونه مالك الملك.
بل الوجه أن يقال: إن لله تعالى صفتي لطف وقهر، ومن الواجب في الحكمة أن يكون الملك.
ولا سيما ملك الملوك، كذلك، إذ كل منهما من أوصاف الكمال ولا يقوم أحدهما مقام الآخر، ومن منع ذلك كابر وعاند.
ولا بد لكل من الوصفين من مظهر، فالملائكة ومن ضاهاهم من الأخيار مظاهر اللطف، والشياطين ومن والاهم من الأشرار مظاهر القهر، ومظاهر اللطف هم أهل الجنة والأعمال المستتبعة لها، ومظاهر القهر هم أهل النار والأفعال المعقبة إياها.
وههنا سر وهو أن اللطف والقهر والجنة والنار إنما يصح وجود كل من كل منهما بوجود الآخر، فلولا القهر لم يتحقق اللطف، ولولا النار لم تثبت الجنة، كما أنه لولا الألم لم تتبين اللذة، ولولا الجوع والعطش لم يظهر الشبع والري.
ولله در القائل: "وبضدها تتبين الأشياء".
فخلق الله للجنة خلقاً يعملون بعمل أهل الجنة، وللنار خلقاً يعملون بعمل أهل النار.
ولا اعتراض لأحد عليها في تخصيص كل من الفريقين بما خصصوا به فإنه لو عكس الأمر لكان الاعتراض بحاله.
وههنا تظهر حقيقة الشقاوة والسعادة ﴿ فمنهم شقي وسعيد ﴾ الآية: وقال : "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات، فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد" الحديث.
وإذا تؤمل فيما قلت، ظهر أن لا وجه بعد ذلك لإسناد الظلم والقبائح إليه ، لأن هذا الترتيب والتمييز من لوازم الوجود والإيجاد كما يشهد به العقل الصريح، ولا سيما عند المخالف القائل بالتحسين والتقبيح العقليين.
وليت شعري لم لا ينسب الظلم إلى الملك المجازي حيث يجعل بعض من تحت تصرفه وزيراً قريباً وبعضهم كناساً بعيداً لأن كلاً منهما من ضرورات المملكة، وينسب الظلم إليه في تخصيص كل من عبيده بما خصص به، مع أن كلاً منهم ضروري في مقامه؟!
فهذا القائل بهدم بناء حكمته، ، ويدعي أنه يحفظه فأفسد حين أصلح.
وأما قوله "أي فائدة في بعثة الرسل وإنزال الكتب" ففي غاية السخافة، لأنا لما بينا أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فكيف يبقى للمعترض أن يقول: لما جعل الله الشيء الفلاني سبباً وواسطة للشيء الفلاني؟
كما أنه ليس له أن يقول مثلاً لم جعل الشمس سبباً لإنارة الأرض؟
غاية ما في الباب أن يقول إذا علم الله أن الكافر لا يؤمن فلم يأمره بالإيمان ويبعث إليه النبي فأقول: فائدة بعث الأنبياء وإنزال الكتب بالحقيقة ترجع إلى المؤمنين الذين جعل الله بعثهم وإنزالها سبباً وواسطة لاهتدائهم ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها ﴾ كما أن فائدة نور الشمس تعود إلى أصحاب العيون الصحاح.
وأما فائدة ذلك بالنسبة إلى المختوم على قلوبهم فكفائدة نور الشمس بالنسبة إلى الأكمه ﴿ وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ﴾ غاية ذلك إلزام الحجة وإقامة البينة عليهم ظاهراً ﴿ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ﴾ ﴿ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً ﴾ وهو بالحقيقة النعي عليهم بأنهم في أصل الخلقة ناقصون أشقياء.
وهذا المعنى ربما لا يظهر لهم أيضاً لغاية نقصانهم كما أن الأكمة ربما لا يصدق البصراء ولا يعرف أن التقصير والنقصان منه، وأن سائر الشرائط من محاذاة المرئي وظهور النير موجودة وإنما يعرف نقصانهم أرباب الأبصار.
وأما حديث التفرقة الضرورية بين الحركات الاختيارية والحركات الاضطرارية كالرعشة مثلاً فأقول: لا ريب أن للإنسان إرادات وقوى بها يتم له حصول الملائم واجتناب المنافي، إلا أن تلك الإرادات والقوى مستندة إلى الله ، فكأنه لا اختيار له.
والتفرقة المذكورة سببها في أن الرعشة نقصت واسطة هي الداعية، وفي الحركة المسماة بالاختيارية زادتواسطة فافهم هذه الحقائق والإشارات واستعن بها في سائر ما يقرع سمعك من هذا القبيل،فلعلنا لا نكررها في كل موضع حذراً من التطويل.
ومن لم يستضئ بمصباح لا يستفيدبإصباح ﴿ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ﴾ .
التاسعة: العذاب مثل النكال؛ بناء ومعنى، لأنك تقول: أعزب عن الشيء إذا أمسك عنه كما تقول: نكل عنه.
ومنه العذاب لأنه يقمع العطش ويردعه بخلاف الملح فإنه يزيده.
ثم اتسع فيه فسمي كل ألم فادح عذاباً وإن لم يكن نكالاً أي عقاباً يرتدع به الجاني عن المعاودة.
والفرق بين العظيم والكبير، أن العظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير، ويستعملان في المعاني والأعيان جميعاً.
تقول: رجل عظيم وكبير تريد جثته أو خطره.
ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعاً من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات الله.
ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا الله نعوذ بالله منه.
العاشرة:اتفق المسلمون أكثرهم على أنه يحسن من الله تعذيب الكفار.
وقال بعضهم: لا يحسن، وفسروا قوله "ولهم عذاب عظيم" وكذا كل وعيد ورد في القرآن بأنهم يستحقون ذلك، لكن كرمه يوجب عليه العفو.
وذكروا أيضاً دلائل عقلية مبنية على الحسن والقبح كقولهم: التعذيب ضرر خالٍ عن المنفعة لأن الله منزه عن ذلك والعبد يتضرر به، ولو سلم أنه ينتفع به فالله قادر على إيصال النفع إليه من غير توسط ذلك العذاب، والضرر خال عن المنافع قبيح بالبديهة.
وكقولهم: علم أن الكافر لا يظهر منه إلا العصيان، فتكليفه أمراً متى لم يفعل ترتب عليه العذاب، وما كان مستعقباً للضرر من غير نفع كان قبيحاً، فلم يبق إلا أن يقال: لم يوجد هذا التكليف، أو وجد لكنه لا يستعقب العقاب.
وكقولهم: إنه هو الخالق لداعية المعصية، فيقبح أن يعاقب عليها.
وكقولهم: إن العبد لو واظب على الكفر طول عمره فإذا تاب ثم مات عفا الله عنه.
أترى هذا الكرم العظيم ما بقي في الآخرة، أو سلبت عقول أولئك المعذبين فلا يتوبون عن معاصيهم، وإذا تابوا فلم لا يقبل الله منهم توبتهم؟
ولم كان في الدنيا بحيث قال: ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ وفي الآخرة بحيث لا يجيب دعاءهم إلا بقوله ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\] وأجيب بأن تعذيبهم نقل إلينا بالتواتر عن النبي فلا مصير إلى إنكاره، والشبه التي تمسكتم بها تنهدم بانهدام قاعدة الحسن والقبح.
وأقول: قد بينت بالبرهان النير في المسألة الثامنة أن وقوع فريق في طريق القهر ضروري في حكمته ، وكل ما تقتضيه حكمته وكماله كان حسناً.
ومن ظن أنه قبيح كان الخلل في عقله وقصور في فهمه، فلا قبيح في النظر إلا وهو حسن من جهات أخرى لا يعلمها إلا منشئها وموجدها.
وهل يستقبح أحد وقوع بعض الأحجار للملوك تيجاناً وبعضها للحشوش جدراناً، أو وقوع بعض من الحديد سيفاً يتقلده الناس وبعضه نعلاً يطؤها الأفراس، حيث يرى كلاً منهما في مصالح الوجود ضرورياً؟
ثم العذاب وهو بالحقيقة البعد من الله لازم للكفر والعصيان، والملزوم لا ينفك من اللازم.
وأما سبب عدم انتفاع الكافر والعاصي بالإيمان والتوبة بعد المفارقة، فذلك أن محل الكسب هو الدنيا، والتكليف بامتثال الأوامر والنواهي إنما وقع فيها.
فليس لأحد أن يؤخر الامتثال إلى الآخرة.
ألا ترى أنه لو قال طبيب حاذق لمريض: اشرب الدواء الفلاني في اليوم الفلاني فقصر وأخر حتى إذا مضى وقته وأشرف على الهلاك قال: إني أشرب الآن، لم ينفعه ذلك الدواء ولا يسعه إلا الهلاك؟
وكذا لو قال ملك لواحد: افعل الأمر الفلاني في هذا الوقت ففعله في وقت آخر لم يعد ممتثلاً ولا ينفعه الائتمار به لأن غرض الامتثال قد فات، ولا سيما إذا فعل بعد أن يرى أمارات الغضب وعلامات العذاب { ﴿ فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ﴾ .
.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الۤـمۤ ﴾ قيل: فيه وجوهٌ: روى عن ابن عباس - ما - قال: قوله: ﴿ الۤـمۤ ﴾ أنا الله أعلم.
وقيل: إنه قسم أقسم بها.
وقيل: إن هذه الحروف المعجمة مفتاح السورة.
وقيل: إن كل حرف من هذه الحروف كناية اسم من أسماءِ الله: الأَلف الله، واللام لطفه، والميم ملكه.
وقيل: إن اللام آلاؤه، والميم مجدهُ.
وقيل: إن الأَلف هو الله، واللام جبريل، والميم محمد.
وقيل: إنها من التشبيب؛ ليفصل بين المنظوم من الكلام، والمنثور من نحو الشعر ونحوه.
وقيل: إن تفسير هذه الحروف المقطعة ما أَلحق ذكرها بها على أَثرها نحو قوله: ﴿ الۤـمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ \[أول سورة البقرة\]، ﴿ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ هو تفسير ﴿ الۤـمۤ ﴾ ، و ﴿ الۤمۤ * ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ \[أول سورة آل عمران\]، ﴿ الۤمۤصۤ * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ \[أول سورة الأعراف\]، و ﴿ الۤر كِتَابٌ ﴾ \[أول سورة هود، وإبراهيم\]، و ﴿ الۤـمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ﴾ \[أول سورة لقمان\] كلُّ ملحقٍ بها فهو تفسيرُها.
وقيل: إن فيها بيان غاية ملك هذه الأُمة من حساب الجُمَّل، ولكنهم عدوا بعضها وتركوا البعض.
وقيل: إنه من المتشابه الذي لم يطلع الله خلقه علم ذلك، ولله أن يمتحن عباده بما شاءَ من المحن.
وقيل: إنهم كانوا لا يستمعون لهذا القرآن؛ كقولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ﴾ فأنزل الله عز وجل هذه الحروف المعجمة ليستمعوا إليها فيلزمهم الحجة.
والأصل في الحروف المقطعة: أنه يجوز أن تكون على القَسَم بها على ما ذكرنا.
وأريد بالقدْر الذي ذكر كليةُ الحروف بما كان من شأْن العرب القسمُ بالذي جلَّ قدْرُه، وعظم خطره.
وهي مما بها قوام الدارين، وبها يتصل إلى المنافع أَجمع.
مع ما دّلت على نعمتين عظيمتين - اللسان والسمع - وهما مجرى كل أنواع الحكمة، فأَقسم بها على معنى إضمار ربّها، أَو على ما أَجلّ قدرها في أعين الخلق، فيقسم بها، ولله ذلك، ولا قوة إلا بالله.
ويحتمل: أَن يكون بمعنى الرمز والتضمين في كل حرف منها أمراً جليلاً يعظم خطره على ما عند الناس في أَمر حساب الجُمل.
ثم يُخرَّج على الرمز بِها عن أَسماءِ الله وصفاته ونعمه على خلقه، أَو على بيانِ منتهى هذه الأُمة، أَو عددِ أَئمتها، وملوكها، والبقاع التي ينتهي أمرها، وذلك هو في نهاية الإيجاز، بل بالاكتفاءِ بالرمز عن الكلام، وبما هو بمعنى من الإشارة في الاكتفاءِ بها عن البسط، ولا قوة إلا بالله؛ ليُعلم الخلائقَ قدرة الله، وأَنَّ له أَنْ يضمن ما شاء فيما شاءَ على ما عليه أَمرُ الخلائق من لطيف الأَشياءِ التي كادت العقولُ وأَسباب الإدراك تقصر عنها، وكنهِها التي يدركها كل أَحد، وبين الأَمرين، فعلى ذلك أَمر تركيب الكلام، ولا قوة إلا بالله.
ويجوز أن يكون بمعنى اسم السور، ولله تسميتها بما شاءَ كما سمى كتبه، وعلى ذلك منتهى أَسماءِ الأَجناس خمسة أحرف، وكذلك أمر السور، دليل ذلك وصْلُ كل سورة فتحت بها إليها، كأَنه بنى بها.
ولا قوة إلا بالله.
ويجوز أن يكون على التشبيب، على ما ذكرنا للتفصيل بين المنظوم من الكلام والمنثور في المتعارف أن المنظوم في الشاهد يشبب فيخرج عن المقصود بذلك الكلام، فعلى ذلك أمر الكلام المنزل.
أَلا ترى أَنه خرج على ما عليه فنون الكلام في الشاهد إلا أَنه على وجه ينقطع له المثال من كلامهم، فمثله أَمر التشبيب.
ولا قوة إلا بالله.
وجائِز: أن يكون الله أَنزلها على ما أَراد؛ ليمتحن عبادَه بالوقف فيها، وتسليم المراد في حقيقة معناه والذي له يزول ذلك، ويعترف أَنه من المتشابه، وفيها جاءَ تعلق الملحدة، ولا قوة إلا بالله.
ويحتمل: أَن يكون إذ علم الله من تعنت قوم وإعراضهم عنه وقولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ أَنزل على وجه يبعثهم على التأَمل في ذلك بما جاءَ بالعجيب الذي لم يكونوا يعرفون ذلك: إما لما عندهم أَنه كأَحدهم، أو لسبيل الطعن؛ إذ خرج عن المعهود عندهم، فتلا عليهم ما يضطرهم إلى العلم بالنزول من عند من يملك تدبير الأشياءِ؛ ولذلك اعترضوا لهذه الأَحرف بالتأَمل فيها من بين الجميع.
ولا قوة إلا بالله.
وقيل: إنه دعا خلقه إلى ذلك، والله أَعلم بما أَراد.
وقوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ .
أي: هذا الكتاب، إشارة إلى ما عنده، وذلك شائع في اللغة، جائز بمعنى هذا.
وقيل: ذلك بمعنى ذلك، إشارة إلى ما في أَيدي السفرة والبررة.
وقوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .
قيل: فيه وجوهٌ؛ لكن الحاصل يرجع إلى وجهين: أي: لا ترتابوا فيه أنه من عند الله.
وقيل: لا ريب فيه أنه منزل على أَيدي الأُمناءِ والثقات.
وقوله: ﴿ هُدًى ﴾ .
قيل فيه بوجهين: ﴿ هُدًى ﴾ : أَي: بياناً ووضوحاً، فلو كان المراد هذا، فالتَّقيُّ وغير التَّقِيِّ سواء.
والثاني: هُدىً أي: رشداً، وحجة، ودليلاً.
ثم اختلفوا في الدليل: فقال الراوندي: الدليل إنما يكون دليلاً بالاستدلال؛ لأَنه فعل المستدل.
مشتق من الاستدلال؛ كالضرب من الضارب وغيره.
وقال غير هؤلاءِ: الدليل بنفسه دليل، وإن لم يستدل به؛ لأَنه حجة، والحجة حجة وإن لم يحتج بها.
غير أَن الدليل يكون دليلاً بالاستدلال، ومن لم يستدل به فلا يكون له دليلاً، وإن كان بنفسه دليلاً، بل يكون عليه عمى وحيرة كقوله: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ ﴾ ثم قال: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً ﴾ .
وقوله: ﴿ لِّلْمُتَّقِينَ * ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .
قيل: فيه بوجهين: يؤمنون بالله غيباً، ولم يطلبوا منه ما طلبه الأُمم السالفة، من أنبيائهم؛ كقول بني إسرائيل لموسى: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً ﴾ .
والثاني: يؤمنون بغيب القرآن، وبما يخبرهم القرآن من الوعدِ والوعيدِ، والأَمر والنهي، والبعث، والجنة، والنار.
والإيمانُ إنما يكون بالغيب؛ لأَنه تصديق، والتصديقُ والتكذيب إنما يكونان عن الخبر، والخبرُ يكون عن غيب لا عن مشاهدة.
والآية تنقض قول من يقول: بأَن جميع الطاعات إيمان؛ لأَنه أَثبت لهم اسم الإيمان دون إقامة الصلاة والزكاة بقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: الصلاةَ المعروفةَ، يقيمونها بتمام ركوعها وسجودها، والخشوغ، والخضوع له فيها، وإخلاص القلب في النِّية؛ على ما جَاءَ في الخبر "انْظُر مَنْ تُنَاجِي" ويحتمل: الحمد له والثناء عليه.
فإن كان المراد هذا فهو لا يحتمل النسخ، ولا الرفع في الدنيا والآخرة.
وقوله: ﴿ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ .
من الأموال يحتمل فرضاً ونفلاً.
ويحتمل: ﴿ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾ من القوى في الأَنفس وسلامة الجوارح، ﴿ يُنْفِقُونَ ﴾ : يعينون.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .
يحتمل وجهين: أي: ما أنزل إليك من القرآن.
ويحتمل: ما أنزل إليك من الأَحكام، والشرائع التي ليس ذكرها في القرآن.
وقوله: ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ .
يحتمل وجهين أيضاً: يعني الكتب التي أنزلت على سائِر الأَنبياءِ عليهم السلام.
ويحتمل: الشرائع، والأَخبار سوى الكتب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ .
بمعنى يؤمنون.
والإيقان بالشيء هو العلم به.
والإيمان هو التصديق، لكنه إذا أَيقن آمن به وصدق به لعلمه به؛ لأَن طائفة من الكفار كانوا على ظن من البعث؛ كقوله: ﴿ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴾ فأَخبر عز وجل عن حال هؤلاءِ أَنهم على يقين، ليسوا على الظن والشك كأُولئك.
وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ .
قِيل: على صواب، ورشد من ربهم.
وقيل: إنهم على بيان من ربهم، لكن البيان ليس المؤمنُ أحقَّ به من الكافر؛ لأَنه يبين للكافر جميع ما يحتاج إليه، إما من جهة العقل، وإما من جهة السمع.
فظهر بهذا أَن الأَول أَقرب إلى الاحتمال من الثاني.
وقوله: ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: الباقون في نعم الله والخير.
وقيل: الظافرون بحاجاتهم، يقال: أَفلح، أَي: ظفر بحاجته.
وقيل: ﴿ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ هم السعداءُ، يقال: أَفلح، أي: سعد.
وقيل: ﴿ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ الناجون؛ يقال: أَفلح، أي: نجا.
وكله يرجع إلى واحد؛ كقوله: ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾ وكل واحد ممن زحزح عن النار فقد فاز ومن أُدخل الجنة فقد فاز فكذلك الأَول.
<div class="verse-tafsir"
لأن الله طبع على قلوبهم فأغلقها على ما فيها من باطل، وطبع على سمعهم فلا يسمعون الحق سماع قَبول وانقياد، وجعل على أبصارهم غطاء فلا يبصرون الحق مع وضوحه، ولهم في الآخرة عذاب عظيم.
<div class="verse-tafsir" id="91.rq4bk"
كان الذي تقدم بيانًا من الله تعالى لصنفين من الناس لهم في القرآن هداية ولنفوسهم إلى الاهتداء به انبعاث: الأول - من الصنفين أولئك الذين يبلغهم لأول مرة، وهم ممن يخشى الله ويهاب سلطانه، وفي أصول اعتقادهم الإيمان بما وراء الحس، على ما تقدم.
والثاني - أولئك الذين آمنوا بما أنزل إلى النبي وما أنزل من قبله.
وهذا الصنف قد يجتمع مع الذي قبله فيمن كانوا متقين مؤمنين بالغيب، ثم آمنوا بالنبي وبما جاء به، وقد يفترق الصنفان فيمن بقي إلى اليوم لم تبلغه الدعوة وهو على تلك الأوصاف، ومن ولد من آباء مؤمنين ثم صدق إيمانه بعد أن بلغ رشده وملك عقله.
أما هاتان الآيتان فقد بينتا حال طائفة ثالثة من الناس وهم الكافرون، ثم يبين قوله تعالى ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ﴾ الخ..
حال طائفة أخرى أخص منها وهم المنافقون، الذين يظهر من أقوالهم وفي بعض أفعالهم أنهم مؤمنون، ولكنهم في حقيقة أمرهم كافرون، بل شر من الكافرين.
فهذه أقسام أربعة ينقسم إليها الناس إذا بلغهم القرآن ونظروا فيه، ودعوا إلى الإيمان به والأخذ بهديه.
بيَّن الله تعالى لنبيه أنه إذا كان يوجد في الناس من لا يؤمن بالقرآن فليس هذا عيبًا وتقصيرًا في هداية الكتاب، وإنما العيب فيهم لا في الكتاب، لأنه هداية كسائر الهدايات الطبيعية التي أعرض الناس وعموا عنها، كهداية العقل والسمع والبصر ونحوها مما أكرم الله به هذا النوع البشري، وقد يحكم الرجل بأن في العمل مضرة تلحق به، ومع ذلك يعدل عن حكمه انتهازًا للذة زينها له حسه أو وهمه، ويأتي ذلك العمل على ما يعلم من سوء مغبته، فاحتقار الرجل لعقل نفسه لا يعد عيبًا في تلك الموهبة الإلهية ولا يحط من شأن النعمة فيها.
انظر إلى رجل يغمض عينيه ويمشي في طريق لا يعرفها فيسقط في حفرة وتتحطم عظامه، هل ينقص ذلك من قدر بصره، ويبخس من حق الله في الإحسان به، على هذا الذي لم يرد أن يستعمله فيما خلق له؟!
ففي الكلام تسلية لأهل الحق وسيدهم هو النبي ، فهو تسلية له أولًا وبالأولى.
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ..
الكفر هنا عبارة عن جحود ما صرح الكتاب المنزل أنه من عند الله، أو جحود الكتاب نفسه، أو النبي الذي جاء به، وبالجملة ما علم من الدين بالضرورة بعد ما بلغت الجاحد رسالة النبي بلاغًا صحيحًا، وعرضت عليه الأدلة على صحتها لينظر فيها فأعرض عن شيء من ذلك وجحد عنادًا أو تساهلًا أو استهزاءً.
نعني بذلك أنه لم يستمر في النظر حتى يؤمن.
ولم نسمع أن أحدًا من الصحابة ، كفر أحدًا بما وراء هذا.
فما عداه من الأفاعيل والأقاويل المخالفة لبعض ما أسند إلى الدين، ولم يصل العلم بأنه منه إلى حد الضرورة -أي لم يكن سنده قطعيًا كسند الكتاب- فلا يعد منكره كافرًا إلا إذا قصد بالإنكار تكذيب النبي ، فمتى كان للمنكر سند من الدين يستند إليه فلا يكفر، وإن ضعفت شبهته في الاستناد إليه، ما دام صادق النية فيما يعتقد، ولم يستهن بشيء مما ثبت بالقطع وروده عن المعصوم .
وقد تجرأ بعض المتأخرين على تكفير من يتأول بعض الظنيات، أو يخالف شيئًا مما سبق الاجتهاد فيه، أو ينكر بعض المسائل الخلافية، فجرؤوا الناس على هذا الأمر العظيم، حتى صاروا يكفرون من يخالفهم في بعض العادات، وإن كانت من البدع المحظورات، ثم هم على عقائد الكافرين، وأخلاق المنافقين، ويعملون أعمال المشركين ويصفون أنفسهم بالمؤمنين الصادقين.
الكافرون أقسام: (منهم) من يعرف الحق وينكره عنادًا، وهؤلاء هم الأقلون ولا ثبات لهم ولا قوام، وكان منهم في زمن النبي جماعة من المشركين واليهود، ولم يلبثوا أن انقرضوا.
كنت قلت في هذا المعنى كلمة جديرة بأن تحفظ وهي:"إن جحود الحق مع العلم به كاليقين في العلم كلاهما قليل في الناس".
(ومنهم) من لا يعرف الحق، ولا يريد ولا يحب أن يعرفه، وهم الذين قال الله تعالى فيهم ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ .
هؤلاء كلما صاح بهم صائح الحق فزعوا ونفروا، وأعرضوا واستكبروا، ففي أنفسهم شعور بالحق، ولكنهم يجدون فيها زلزلة، كلما لاح لهم شعاعه يحجبونه عن أعينهم بأيديهم، وسبب ذلك أنهم لم يستعملوا أنظارهم في فهم الحق، ويخافون لو استعملوها أن ينقصهم شيء مما يظنونه خيرًا ويتوهمونه معقودًا بعقائدهم التي وجدوا عليها آباءهم وساداتهم.
(ومنهم)من مرضت نفسه واعتل وجدانه، فلا يذوق للحق لذة، ولا تجد نفسه فيه رغبة، بل انصرف عنه إلى هموم أُخَرَ، ملكت قلبه وأسرت فؤاده، كالهموم التي غلبت أغلب الناس اليوم على دينهم وعقولهم، وهي ما استغرقت كل ما توفر لديهم من عقل وإدراك، واستنفدت كل ما يملكون من حول وقوة في سبيل كسب مال أو توفير لذة جسمانية، أو قضاء شهوة وهمية، فعمي عليهم كل سبيل سوى سبل ما استهلكوا فيه، فإذا عرض عليهم حق أو ناداهم إليه منادٍ، رأيتهم لا يفهمون ما يقول الداعي ولا يميزون بين ما يدعو إليه، وبين ما هم عليه، فيكون حظ الحق منهم الاستهزاء والاستهانة بأمره، فإذا وعدهم أو أوعدهم النذير، قالوا: لا نصدق ولا نكذب حتى ننتهي إلى ذلك المصير، وهذا القسم، كالذي قبله، كثير العدد في الناس في كل زمان ومكان، خصوصًا في الأمم التي يفشو فيها الجهل، وتنطمس من أفرادها أعين الفطرة، وتنضب من أنفسهم ينابيع الفضائل، فيصبحون كالبهائم السائمة لا همَّ لهم إلا فيما يملأ بطونهم أو يداعب أوهامهم، ويصح جمع هذين القسمين تحت قسم واحد وهو قسم المعرضين الجاحدين الجاهلين، والقسم الأول هو قسم المعاندين المكابرين.
فكل من هذه الفرق ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ ﴾ ..
الإنذار الإخبار والإعلام بالشيء المقترن بالتخويف مما يترتب عليه من فعل يتضمن ذمه وطلب تركه أو ترك لأمر يتضمن مدحه وطلب فعله، نصًا أو اقتضاءً، والسواء اسم مصدر بمعنى الاستواء.
والمعنى أن الذين كفروا ولم يدخلوا في قسم المستعدين للإيمان لرسوخهم في الكفر، يستوي الإنذار وعدمه بالنسبة إليهم في الواقع، فالذي يعرض عن النور مع العلم به ويغمض عينيه كيلا يراه بغضًا له لذاته أو تأذيًا به، أو عنادًا وعداوة لمن دعاه إليه - ماذا يفيده النور، وماذا يعيب النور من إعراضه؟
والذي لا يعرف النور ولا يحب أن يعرفه لأن فساد طبيعته وخبث تربيته أنآه عنه وأبعده، وجعله يألف الظلمة كالخفاش، أو أفسد الجهل وجدانه فأصبح لا يميز بين نور وظلمة، ولا بين نافع وضار، ولا بين لذيذ ومؤلم، ماذا عساه يفيده النور مهما سطع، أو يؤثر فيه الضوء مهما ارتفع.
ثم وصف سبحانه فقدهم لهذا الاستعداد، ورسوخهم في الكفر الذي لم يبق معه محل لغيره بهذا التعبير البليغ ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ﴾ .
يقولون إن الختم والطبع والرين ألفاظ تجري على شيء واحد وهو: تغطية الشيء والحيلولة بينه وبين ما من شأنه أن يدخله ويمسه، والقلوب مراد بها العقول، والمراد بالسمع والأسماع، وأفراده لأن أصله مصدر ومن شأن المصادر أن لا تجمع، وقد لوحظ هنا الأصل، والأبصار العيون التي تدرك المبصرات من الأشكال والألوان.
وأنا أرى في مسألة هذا الجمع والإفراد رأيًا آخر، إذ لو صح ما قيل فإن البصر أيضًا مصدر فلماذا جمعه؟..
والذي أراه أن العقل له وجوه كثيرة في إدراك المعقولات، فليس الناس فيه سواء، فجمع لاختلاف الناس فيه، وأنواع تصرفهم في وجوهه، بخلاف السمع فإن أسماع الناس تتساوى في إدراك المسموعات، فلا تتشعب تشعب العقول في إدراك المعقولات، وأما الأبصار فهي مثل العقول في التشعب، وأعظم معين للعقول في إدراكها، لأن أنواع المبصرات كثيرة فتعطي للعقل مواد كثيرة، والسمع لا يدرك إلا الصوت، وليس في الكلام عند النقل طريق من طرق العلم اليقيني إلا التواتر، بخلاف ما نقطع فيه الضرورة من طريق العقل والبصر فهو كثير، فالأوليات: كالحكم بأن الجزء أصغر من الكل وأن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، والقضايا التي قياساتها معها، من المعقولات المحضة.
والتجربيات والحدسيات يشترك فيها العقل والبصر، والقسم الأعظم من المشاهدات سبيل الإدراك فيه البصر، فالعقول والأبصار بمنزلة ينابيع كثيرة تنبجس من كل منها عيون للعلم مختلفة، بخلاف السمع فإنه ينبوع واحد لا اختلاف فيما يصدر عنه، فالحاصل أن العقول والأبصار تتصرف في مدركات كثيرة فكأنها صارت بذلك كثيرة فجمعت، وأما السمع فلا يدرك إلا شيئًا واحدًا فأفرد.
وهنا يسأل سائل: كيف هذا وقد قالوا: إن السمع أفضل من البصر؟
والجواب: أنا لا أتكلم في التفضيل، ذلك إلى الله ورسوله، وإنما أشرح موجودًا وأبين مناسبة اللفظ له، وأن المشاهدة قاضية بأن العقل لا منتهى لتصرفه، وبأن أقل ما قيل في البصر أنه يدرك الألوان، والأشكال، والمقادير، والسمع لا يدرك إلا الأصوات فقط، كما أن الذوق لا يحس إلا بالمذوقات وحدها، وإن كان ما يصل من طريق السمع قد يتضمن حكاية عن معقول أو مبصر، ولكن وروده على الحكاية لا يغير من حقيقته، فهو معقول أو مبصر.
فمن ذكر لك برهانًا على حقيقة علمية فإنما تسمع منه الأصوات والحروف، وأما فهمك المقدمات ووصولك منها إلى النتائج فهو من طريق عقلك لا من طريق سمعك، فإن كان حديث الأفضلية يستند إلى جميع المدركات قد يمكن أن يعبر عنها بالكلم -وهو مسموع- فقد بينا لك ما فيه، ويعارضه أن جميع ضروب الكلام يصح أن تكتب وطريق فهمها من الرقم إنما هو البصر، والحق أن المعول عليه في تعدد الطريق ليس ما يكون من قبيل الحكاية، بل ما يكون من طبيعة القوة.
وأما انطباق الكلام على تلك الأقسام السابقة وبيان حرمانهم وكونهم كما وصفوا -فهو بالنسبة إلى الطائفة التي عاندت الحق وهي تعرفه- ظاهر، لأنهم لما عاندوا الحق، لأنه لم يأت على أيديهم، فقد طبع على قلوبهم بطابع ذلك العناد نفسه، فإنه قد حيل بين عقولهم وإدراك ما يصيرون إليه بالإصرار على الباطل من ضعف أمر وفساد حال في الدنيا، وشقاء وخلود في نكال الآخرة، ثم هم قد حجبوا به عن إدراك ما يتبع ذلك الحق من المعارف والحقائق الأخرى، فقد ختم على قلوبهم بالنسبة إلى ما حجبوا عنه.
وأما الختم على سمعهم فلأنهم صموا عن سماع الحق واستماع القول لفهمه، فمن أعرض عن فهم الحق فهو لم يسمع إلا صوتًا لم ينفذ شيء من معناه إلى موضع الإدراك الحقيقي منه، فقد ختم على سمعه فلا ينفذ إليه شيء ينتفع به.
وأما الأبصار فإنما كانت غشاوات عند هؤلاء الجاحدين، لأن فائدة البصر، هي التوقي من الخطر، والعبرة بما يبصر، فمن لم ينظر في الآيات الكونية التي تقع تحت بصره كل يوم، كأنه لم يبصر شيئًا منها، فقد ضرب على بصره بغشاوة.
وأما بالنسبة إلى القسمين الآخرين اللذين جمعا تحت قسم واحد وهو قسم المعرضين الجاحدين الجاهلين كما سبق فالختم على القلوب والسمع والأبصار ظاهر، لأنهم لم ينتفعوا بشيء من هذه القوى حتى في فهم ما يعرض عليهم، ورؤية ما يقع تحت حواسهم.
والكلام كله ضرب من التمثيل يعرفه اللسان وتعهده اللغة.
ولما كان حديث الختم تمثيلًا لفقد حقيقة الفهم والحرمان من فوائد تلك المواهب الإلهية: مواهب العقل والسمع والأبصار كان إسناده إلى الله تأكيدًا لمعنى الحرمان، وتقريرًا لمعصية الخسران، لأن ما ختم بيد الله لا تفضه يد سواه.
وأما النكتة في استعمال الختم مع القلب والسمع، والغشاوة مع البصر، فهي أن الختم من شأنه أن يكون على المكنون المستور.
وهكذا موضع حس السمع، ومع الإدراك من العقل.
والأسماع في ظاهره الخلقة، وأما البصر فالحاسة منه ظاهرة منكشفة، ومثل هذه الدقائق هي المرادة بقول صاحب التلخيص"ولكل كلمة مع صاحبتها مقام".
والمعنى هو ما بيناه.
والله أعلم.
﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ التنكير فيه للتعظيم والتهويل، ووصفه مع ذلك بعظيم يدل على أنه بالغ حد العظمة كمًا وكيفًا، فهو شديد الإيلام، وطويل الزمان.
وهل هذا العذاب في الدنيا أم في الآخرة؟
قال في آية أخرى ﴿ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ فيؤخذ من هذه الآية ومن آيات أخرى أن الإعراض عن هدى الإسلام، وما أرشد إليه من إصلاح المعاش والمعاد، جزاؤه الضنك والضيق وفقد العزة والسلطة في الدنيا، والعذاب العظيم في العقبى.
وهنا يسأل سائل: هل الآية نص في التكليف بالمحال؟
والجواب: لا، وأنا لا أحب أن أحشر المسائل الخلافية في تفسير القرآن، بل أحب أن أبين المعنى الذي كان يفهمه الصحابة ، وما كان يخطر على بال أحد منهم التكليف بالمحال.
على أن الاتفاق واقع بين الأئمة بل بين الأمة على أن التكليف بالمحال غير واقع، وإن الله"لا يكلف نفسًا إلا وسعها"كما صرح به الكتاب وتضافرت عليه الأحاديث النبوية، فما بقي من مواضع الخلاف لا يمس نصوص الكتاب العزيز الذي ﴿ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"