تفسير الآية ٣٦ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٣٦ من سورة الحج

وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَـٰهَا لَكُم مِّن شَعَـٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌۭ ۖ فَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَـٰهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٣٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 153 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٦ من سورة الحج من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣٦ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى ممتنا على عباده فيما خلق لهم من البدن ، وجعلها من شعائره ، وهو أنه جعلها تهدى إلى بيته الحرام ، بل هي أفضل ما يهدى [ إلى بيته الحرام ] ، كما قال تعالى : ( لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد [ ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ] ) الآية : [ المائدة : 2 ] .

قال ابن جريج : قال عطاء في قوله : ( والبدن جعلناها لكم من شعائر الله ) ، قال : البقرة ، والبعير .

وكذا روي عن ابن عمر ، وسعيد بن المسيب ، والحسن البصري .

وقال مجاهد : إنما البدن من الإبل .

قلت : أما إطلاق البدنة على البعير فمتفق عليه ، واختلفوا في صحة إطلاق البدنة على البقرة ، على قولين ، أصحهما أنه يطلق عليها ذلك شرعا كما صح في الحديث .

ثم جمهور العلماء على أنه تجزئ البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة ، كما ثبت به الحديث عند مسلم ، من رواية جابر بن عبد الله [ وغيره ] ، قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الأضاحي ، البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة .

[ وقال إسحاق ابن راهويه وغيره : بل تجزئ البقرة عن سبعة ، والبعير عن عشرة ] .

وقد ورد به حديث في مسند الإمام أحمد ، وسنن النسائي ، وغيرهما ، فالله أعلم .

وقوله : ( لكم فيها خير ) ، أي : ثواب في الدار الآخرة .

وعن سليمان بن يزيد الكعبي ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من هراقة دم ، وإنه لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها ، وإن الدم ليقع من الله بمكان ، قبل أن يقع على الأرض ، فطيبوا بها نفسا " .

رواه ابن ماجه ، والترمذي وحسنه .

وقال سفيان الثوري : كان أبو حاتم يستدين ويسوق البدن ، فقيل له : تستدين وتسوق البدن؟

فقال : إني سمعت الله يقول : ( لكم فيها خير ) وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد " .

رواه الدارقطني في سننه .

وقال مجاهد : ( لكم فيها خير ) قال : أجر ومنافع .

وقال إبراهيم النخعي : يركبها ويحلبها إذا احتاج إليها .

وقوله : ( فاذكروا اسم الله عليها صواف ) وعن [ المطلب بن عبد الله بن حنطب ، عن ] جابر بن عبد الله قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيد الأضحى ، فلما انصرف أتى بكبش فذبحه ، فقال : " بسم الله والله أكبر ، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي " .

رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي .

وقال محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن ابن عباس ، عن جابر قال : ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين في يوم عيد ، فقال حين وجههما : " وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما ، وما أنا من المشركين ، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين .

لا شريك له ، وبذلك أمرت ، وأنا أول المسلمين ، اللهم منك ولك ، وعن محمد وأمته " .

ثم سمى الله وكبر وذبح .

وعن علي بن الحسين ، عن أبي رافع; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين ، فإذا صلى وخطب الناس أتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية ، ثم يقول : " اللهم هذا عن أمتي جميعها ، من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ " .

ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ، ثم يقول : " هذا عن محمد وآل محمد " فيطعمها جميعا المساكين ، [ ويأكل ] هو وأهله منهما .

رواه أحمد ، وابن ماجه .

وقال الأعمش ، عن أبي ظبيان ، عن ابن عباس في قوله : ( فاذكروا اسم الله عليها صواف ) ، قال : قيام على ثلاث قوائم ، معقولة يدها اليسرى ، يقول : " بسم الله والله أكبر ، اللهم منك ولك " .

وكذلك روى مجاهد ، وعلي بن أبي طلحة ، والعوفي ، عن ابن عباس ، نحو هذا .

وقال ليث .

عن مجاهد : إذا عقلت رجلها اليسرى قامت على ثلاث .

وروى ابن أبي نجيح ، عنه ، نحوه .

وقال الضحاك : تعقل رجل واحدة فتكون على ثلاث .

وفي الصحيحين عن ابن عمر : أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته وهو ينحرها ، فقال : ابعثها قياما مقيدة سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم .

وعن جابر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى ، قائمة على ما بقي من قوائمها .

رواه أبو داود .

وقال ابن لهيعة : حدثني عطاء بن دينار ، أن سالم بن عبد الله قال لسليمان بن عبد الملك : قف من شقها الأيمن ، وانحر من شقها الأيسر .

وفي صحيح مسلم ، عن جابر ، في صفة حجة الوداع ، قال فيه : فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثلاثا وستين بدنة ، جعل يطعنها بحربة في يده .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن قتادة قال : في حرف ابن مسعود : " صوافن " ، أي : معقلة قياما .

وقال سفيان الثوري ، عن منصور ، عن مجاهد : من قرأها " صوافن " قال : معقولة .

ومن قرأها ( صواف ) قال : تصف بين يديها .

وقال طاوس ، والحسن ، وغيرهما : " فاذكروا اسم الله عليها صوافي " يعني : خالصة لله عز وجل .

وكذا رواه مالك ، عن الزهري .

وقال عبد الرحمن بن زيد : " صوافي " : ليس فيها شرك كشرك الجاهلية لأصنامهم .

وقوله : ( فإذا وجبت جنوبها ) قال : ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : يعني : سقطت إلى الأرض .

وهو رواية عن ابن عباس ، وكذا قال مقاتل بن حيان .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( فإذا وجبت جنوبها ) يعني : نحرت .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ( فإذا وجبت جنوبها ) يعني : ماتت .

وهذا القول هو مراد ابن عباس ومجاهد ، فإنه لا يجوز الأكل من البدنة إذا نحرت حتى تموت وتبرد حركتها .

وقد جاء في حديث مرفوع : " ولا تعجلوا النفوس أن تزهق " .

وقد رواه الثوري في جامعه ، عن أيوب ، عن يحيى ابن أبي كثير ، عن فرافصة الحنفي ، عن عمر بن الخطاب; أنه قال ذلك ويؤيده حديث شداد بن أوس في صحيح مسلم : " إن الله كتب الإحسان على كل شيء ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته " .

وعن أبي واقد الليثي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما قطع من البهيمة وهي حية ، فهو ميتة " .

رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي وصححه .

وقوله : ( فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ) قال بعض السلف : قوله : ( فكلوا منها ) أمر إباحة .

وقال مالك : يستحب ذلك .

وقال غيره : يجب .

وهو وجه لبعض الشافعية .

واختلف في المراد بالقانع والمعتر ، فقال العوفي ، عن ابن عباس : القانع : المستغني بما أعطيته ، وهو في بيته .

والمعتر : الذي يتعرض لك ، ويلم بك أن تعطيه من اللحم ، ولا يسأل .

وكذا قال مجاهد ، ومحمد بن كعب القرظي .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : القانع : المتعفف .

والمعتر : السائل .

وهذا قول قتادة ، وإبراهيم النخعي ، ومجاهد في رواية عنه .

وقال ابن عباس ، وزيد بن أسلم وعكرمة ، والحسن البصري ، وابن الكلبي ، ومقاتل بن حيان ، ومالك بن أنس : القانع : هو الذي يقنع إليك ويسألك .

والمعتر : الذي يعتريك ، يتضرع ولا يسألك .

وهذا لفظ الحسن .

وقال سعيد بن جبير : القانع : هو السائل ، ثم قال : أما سمعت قول الشماخ .

لمال المرء يصلحه فيغني مفاقره ، أعف من القنوع قال : يعني من السؤال ، وبه قال ابن زيد .

وقال زيد بن أسلم : القانع : المسكين الذي يطوف .

والمعتر : الصديق والضعيف الذي يزور .

وهو رواية عن عبد الله بن زيد أيضا .

وعن مجاهد أيضا : القانع : جارك الغني [ الذي يبصر ما يدخل بيتك ] والمعتر : الذي يعتريك من الناس .

وعنه : أن القانع : هو الطامع .

والمعتر : هو الذي يعتر بالبدن من غني أو فقير .

وعن عكرمة نحوه ، وعنه القانع : أهل مكة .

واختار ابن جرير أن القانع : هو السائل; لأنه من أقنع بيده إذا رفعها للسؤال ، والمعتر من الاعترار ، وهو : الذي يتعرض لأكل اللحم .

وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الأضحية تجزأ ثلاثة أجزاء : فثلث لصاحبها يأكله [ منها ] ، وثلث يهديه لأصحابه ، وثلث يتصدق به على الفقراء; لأنه تعالى قال : ( فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ) .

وفي الحديث الصحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس : " إني كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ، فكلوا وادخروا ما بدا لكم " وفي رواية : " فكلوا وادخروا وتصدقو ا " .

وفي رواية : " فكلوا وأطعموا وتصدقو ا " .

والقول الثاني : إن المضحي يأكل النصف ويتصدق بالنصف ، لقوله في الآية المتقدمة : ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) [ الحج : 28 ] ، ولقوله في الحديث : " فكلوا وادخروا وتصدقوا " .

فإن أكل الكل فقيل : لا يضمن شيئا .

وبه قال ابن سريج من الشافعية .

وقال بعضهم : يضمنها كلها بمثلها أو قيمتها .

وقيل : يضمن نصفها .

وقيل : ثلثها .

وقيل : أدنى جزء منها .

وهو المشهور من مذهب الشافعي .

وأما الجلود ، ففي مسند أحمد عن قتادة بن النعمان في حديث الأضاحي : " فكلوا وتصدقوا ، واستمتعوا بجلودها ، ولا تبيعوها " .

ومن العلماء من رخص [ في ذلك ] ، ومنهم من قال : يقاسم الفقراء ثمنها ، والله أعلم .

[ مسألة ] .

عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ، ثم نرجع فننحر .

فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ، ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم [ عجله ] لأهله ، ليس من النسك في شيء " أخرجاه .

فلهذا قال الشافعي وجماعة من العلماء : إن أول وقت الأضحى إذا طلعت الشمس يوم النحر ، ومضى قدر صلاة العيد والخطبتين .

زاد أحمد : وأن يذبح الإمام بعد ذلك ، لما جاء في صحيح مسلم : وألا تذبحوا حتى يذبح الإمام " .

وقال أبو حنيفة : أما أهل السواد من القرى ونحوهم ، فلهم أن يذبحوا بعد طلوع الفجر ، إذ لا صلاة عيد عنده لهم .

وأما أهل الأمصار فلا يذبحوا حتى يصلي الإمام ، والله أعلم .

ثم قيل : لا يشرع الذبح إلا يوم النحر وحده .

وقيل : يوم النحر لأهل الأمصار ، لتيسر الأضاحي عندهم ، وأما أهل القرى فيوم النحر وأيام التشريق بعده ، وبه قال سعيد بن جبير .

وقيل : يوم النحر ، ويوم بعده للجميع .

وقيل : ويومان بعده ، وبه قال أحمد .

وقيل : يوم النحر وثلاثة أيام التشريق بعده ، وبه قال الشافعي; لحديث جبير بن مطعم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " وأيام التشريق كلها ذبح " .

رواه أحمد وابن حبان .

وقيل : إن وقت الذبح يمتد إلى آخر ذي الحجة ، وبه قال إبراهيم النخعي ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن .

وهو قول غريب .

وقوله : ( كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون ) : يقول تعالى : من أجل هذا ( سخرناها لكم ) أي : ذللناها لكم ، أي : جعلناها منقادة لكم خاضعة ، إن شئتم ركبتم ، وإن شئتم حلبتم ، وإن شئتم ذبحتم ، كما قال تعالى : ( أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون .

وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون .

ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون ) [ يس : 71 73 ] ، وقال في هذه الآية الكريمة : ( كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: والبُدن وهي جمع بدنة, وقد يقال لواحدها: بدن, وإذا قيل بدن احتمل أن يكون جمعا وواحدا, يدلّ على أنه قد يقال ذلك للواحد قول الراجز: عَــليَّ حِــينَ نَمْلِــكُ الأمُــورَا صَــوْمَ شُــهُورٍ وَجَــبَتْ نُـذُورا وَحَــلْقَ راسِــي وَافِيـا مَضْفُـورَا وَبَدَنــــا مُدَرَّعـــا مُوْفُـــورَا (3) والبدن: هو الضخم من كلّ شيء, ولذلك قيل لامرئ القيس بن النعمان صاحب الخورنق، والسدير البَدَن: لضخمه واسترخاء لحمه, فإنه يقال: قد بَدَّن تبدينا.

فمعنى الكلام.

والإبل العظام الأجسام الضخام, جعلناها لكم أيها الناس من شعائر الله: يقول: من أعلام أمر الله الذي أمركم به في مناسك حجكم إذا قلدتموها وجللتموها وأشعرتموها, علم بذلك وشعر أنكم فعلتم ذلك من الإبل والبقر.

كما: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا يحيى, عن ابن جُرَيج, قال: قال عطاء: ( والبُدْنَ جَعَلنْاها لَكُمْ مِن شَعائِرِ اللهِ ) قال: البقرة والبعير.

وقوله: ( لَكُمْ فِيها خَيْرٌ ) يقول: لكم في البدن خير، وذلك الخير هو الأجر في الآخرة بنحرها والصدقة بها, وفي الدنيا: الركوب إذا احتاج إلى ركوبها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى - وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( لَكُمْ فِيها خَيْرٌ ) قال: أجر ومنافع في البدن.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, مثله.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال.

حدثنا سفيان, عن منصور, عن إبراهيم: ( لَكُمْ فِيها خَيْرٌ ) قال: اللبن والركوب إذا احتاج.

حدثنا عبد الحميد بن بيان, قال: أخبرنا إسحاق, عن شريك, عن منصور, عن إبراهيم: ( لَكُمْ فِيها خَيْرٌ ) قال: إذا اضطررت إلى بدنتك ركبتها وشربت لبنها.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن منصور, عن إبراهيم: ( لَكُمْ فِيها خَيْرٌ ) من احتاج إلى ظهر البدنة ركب, ومن احتاج إلى لبنها شرب.

وقوله: ( فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ ) يقول تعالى ذكره: فاذكروا اسم الله على البدن عند نحركم إياها صوافّ.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الأمصار ( فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ ) بمعنى مصطفة, واحدها: صافة, وقد صفت بين أيديها.

ورُوي عن الحسن ومجاهد وزيد بن أسلم وجماعة أُخر معهم, أنهم قرءوا ذلك.

" صَوَافِيَ" بالياء منصوبة, بمعنى: خالصة لله لا شريك له فيها صافية له.

وقرأ بعضهم ذلك: " صَوَاف " بإسقاط الياء وتنوين الحرف, على مثال: عوار وعواد.

وروي عن ابن مسعود أنه قرأه: " صَوَافِنٌ" بمعنى: معقلة.

والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأه بتشديد الفاء ونصبها, لإجماع الحجة من القرّاء عليه بالمعنى الذي ذكرناه لمن قرأه كذلك.

*ذكر من تأوّله بتأويل من قرأه بتشديد الفاء ونصبها:- حدثنا أبو كريب, قال: ثنا جابر بن نوح, عن الأعمش, عن أبي ظبيان, عن ابن عباس, في قوله: ( فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ ) قال: الله أكبر الله أكبر, اللهمّ منك ولك.

صوافّ: قياما على ثلاث أرجل.

فقيل لابن عباس: ما نصنع بجلودها؟

قال: تصدّقوا بها, واستمتعوا بها.

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم, قال: ثنا أيوب بن سويد, قال: ثنا سفيان, عن الأعمش, عن أبي ظبيان, عن ابن عباس, في قوله: (صَوَافَّ) قال: قائمة, قال: يقول: الله أكبر, لا إله إلا الله, اللهمّ منك ولك.

حدثني محمد بن المثنى, قال: ثنا ابن أبي عديّ, عن شعبة, عن سليمان, عن أبي ظبيان, عن ابن عباس: ( فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ ) قال: قياما على ثلاث قوائم معقولة باسم الله, اللهم أكبر, اللهمّ منك ولك.

حدثني يعقوب, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا حصين, عن مجاهد, عن ابن عباس, في قوله: (صَوَافَّ) قال: معقولة إحدى يديها, قال: قائمة على ثلاث قوائم.

حدثني عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, في قوله: ( فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ ) يقول: قياما.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ) والصواف: أن تعقل قائمة واحدة, وتصفها على ثلاث فتنحرها كذلك.

حدثنا يعقوب, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا يعلى بن عطاء, قال: أخبرنا بجير بن سالم, قال: رأيت ابن عمر وهو ينحر بدنته, قال: فقال: (صَوَافَّ) كما قال الله, قال: فنحرها وهي قائمة معقولة إحدى يديها.

حدثنا أبو كريب, قال: ثنا ابن إدريس, قال: أخبرنا ليث, عن مجاهد, قال: الصَّوافّ: إذا عقلت رجلها وقامت على ثلاث.

قال: ثنا ليث, عن مجاهد, في قوْله: ( فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ) قال: صوافّ بين أوظافها.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى - وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (صَوَافّ) قال: قيام صواف على ثلاث قوائم.

- حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: ( فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ) قال: بين وظائفها قياما.

حدثنا ابن البرقي, قال: ثنا ابن أبي مريم, قال: أخبرنا يحيى بن أيوب, عن خالد بن يزيد, عن ابن أبي هلال, عن نافع, عن عبد الله: أنه كان ينحر البُدن وهي قائمة مستقبلة البيت تصفّ أيديها بالقيود, قال: هي التي ذكر الله: ( فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ).

حدثنا ابن حميد, قال: ثني جرير, عن منصور, عن رجل, عن أبي ظبيان, عن ابن عباس, قال: قلت له: قول الله ( فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ) قال: إذا أردت أن تنحر البدنة فانحرها, وقل: الله أكبر, لا إله إلا الله, اللهم منك ولك, ثم سم ثم انحرها.

قلت: فأقول ذلك للأضحية، قال: وللأضحية.

*ذكر من تأوّله بتأويل من قرأه: " صَوَافِيَ" بالياء: حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر, عن أبيه, عن الحسن أنه قال: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِيَ" قال: مخلصين.

قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, قال: قال الحسن: " صَوَافِيَ": خالصة.

حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, قال: قال الحسن: " صَوَافِيَ": خالصة لله.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن قيس بن مسلم, عن شقيق الضبي: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِيَ" قال: خالصة.

قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا أيمن بن نابل, قال: سألت طاوسا عن قوله: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِيَ" قال: خالصا.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِيَ" قال: خالصة ليس فيها شريك كما كان المشركون يفعلون, يجعلون لله ولآلهتهم صوافي صافية لله تعالى.

*ذكر من تأوّله بتأويل من قرأه " صَوَافِنَ": حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قَتادة: في حرف ابن مسعود: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِنَ": أي معقلة قياما.

حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: في حرف ابن مسعود: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِنَ" قال: أي معقلة قياما.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد, قال: من قرأها " صَوَافِنَ" قال: معقولة.

قال: ومن قرأها: (صَوَافَّ) قال: تصفُّ بين يديها.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ" يعني صوافن, والبدنة إذا نحرت عقلت يد واحدة, فكانت على ثلاث, وكذلك تنحر.

قال أبو جعفر: وقد تقدم بيان أولى هذه الأقوال بتأويل قوله: (صَوَافَّ) وهي المصطفة بين أيديها المعقولة إحدى قوائمها.

وقوله: ( فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ) يقول: فإذا سقطت فوقعت جنوبها إلى الأرض بعد النحر,( فَكُلُوا مِنْهَا ) وهو من قولهم: قد وجبت الشمس: إذا غابت فسقطت للتغيب, ومنه قول أوس بن حجر: ألَــمْ تُكْسَــفِ الشَّــمْسُ والبَـدْرُ والْكَـــواكِبُ للْجَـــبَلِ الوِّاجِــبِ (4) يعني بالواجب: الواقع.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثني عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ) سقطت إلى الأرض.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, في قوله: ( فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ) قال: إذا فرغت ونُحِرت.

حدثني محمد بن عمارة, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا إسرائيل, عن أبي يحيى, عن مجاهد: ( فَإِذَا وَجَبَتْ ) نحرت.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ) قال: إذا نحرت.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ) قال: فإذا ماتت.

وقوله: ( فَكُلُوا مِنْهَا ) وهذا مخرجه مخرج الأمر ومعناه الإباحة والإطلاق; يقول الله: فإذا نحرت فسقطت ميتة بعد النحر فقد حل لكم أكلها, وليس بأمر إيجاب.

وكان إبراهيم النخعي يقول في ذلك ما:- حدثنا محمد بن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قالا ثنا سفيان, عن منصور, عن إبراهيم, قال: المشركون كانوا لا يأكلون من ذبائحهم, فرخص للمسلمين, فأكلوا منها, فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا مؤمل, قال: ثنا سفيان, عن حصين, عن مجاهد, قال: إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل, فهي بمنـزلة: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا .

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) يقول: يأكل منها ويطعم.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا يونس, عن الحسن.

وأخبرنا مغيرة, عن إبراهيم, وأخبرنا حجاج, عن عطاء.

وأخبرنا حصين, عن مجاهد, في قوله: ( فَكُلُوا مِنْهَا ) قال: إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل, قال مجاهد: هي رخصة, هي كقوله: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ ومثل قوله: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ، وقوله: ( وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) يقول: فأطعموا منها القانع.

واختلف أهل التأويل في المعنيّ بالقانع والمعترّ, فقال بعضهم: القانع الذي يقنع بما أعطي أو بما عنده ولا يسأل, والمعترّ: الذي يتعرّض لك أن تطعمه من اللحم ولا يسأل.

ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, في قوله: ( وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) قال: القانع: المستغني بما أعطيته وهو في بيته, والمعترّ: الذي يتعرّض لك ويلمّ بك أن تطعمه من اللحم ولا يسأل.

وهؤلاء الذين أمر أن يطعموا من البُدن.

حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, عن ليث, عن مجاهد, قال: القانع: جارك الذي يقنع بما أعطيته, والمعترّ: الذي يتعرض لك ولا يسألك.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني أبو صخر, عن القرظي أنه كان يقول في هذه الآية: ( وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) القانع: الذي يقنع بالشيء اليسير يرضى به, والمعترّ: الذي يمرّ بجانبك لا يسأل شيئا; فذلك المعترّ.

وقال آخرون: القانع: الذي يقنع بما عنده ولا يسأل; والمعترّ: الذي يعتريك فيسألك.

ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ بن أبي طلحة, عن ابن عباس, قوله: ( الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) يقول: القانع المتعفف;(والمعترّ) يقول: السائل.

حدثنا ابن أبي الشوارب, قال: ثنا عبد الواحد, قال: ثنا خصيف, قال: سمعت مجاهدا يقول: القانع: أهل مكة; والمعترّ: الذي يعتريك فيسألك.

حدثني أبو السائب, قال: ثنا عطاء, عن خصيف, عن مجاهد مثله.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا مسلم بن إبراهيم, قال: ثني كعب بن فروخ, قال: سمعت قَتادة يحدث, عن عكرمة, في قوله: ( الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) قال: القانع: الذي يقعد في بيته, والمعترّ: الذي يسأل.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الأعلى, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قال: القانع: المتعفف الجالس في بيته; والمعترّ: الذي يعتريك فيسألك.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: القانع: والمعترّ، قال: القانع: الطامع بما قِبلك ولا يسألك; والمعترّ: الذي يعتريك ويسألك.

حدثني نصر بن عبد الرحمن, قال: ثنا المحاربي, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد وإبراهيم قالا القانع: الجالس في بيته; والمعترّ: الذي يسألك.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الأعلى, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة في القانع والمعترّ, قال: القانع: الذي يقنع بما في يديه; والمعترّ: الذي يعتريك, ولكليهما عليك حقّ يا ابن آدم.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد: ( فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) قال: القانع الذي يجلس في بيته.

والمعترّ: الذي يعتريك.

وقال آخرون: القانع: هو السائل, والمعترّ: هو الذي يعتريك ولا يسأل.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الأعلى, قال: ثنا يونس, عن الحسن, قال: القانع: الذي يقنع إليك ويسألك; والمعترّ: الذي يتعرّض لك ولا يسألك.

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن منصور بن زاذان, عن الحسن, في هذه الآية: ( وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) قال: القانع: الذي يقنع, والمعترّ: الذي يعتريك.

قال: وقال الكلبي: القانع: الذي يسألك; والمعترّ: الذي يعتريك, يتعرّض ولا يسألك.

حدثني نصر عبد الرحمن الأودي, قال: ثنا المحاربي, عن سفيان, عن يونس, عن الحسن, في قوله: ( وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) قال: القانع: الذي يسألك, والمعترّ: الذي يتعرّض لك.

حدثنا أبو كريب, قال: ثنا ابن إدريس, عن أبيه, قال: قال سعيد بن جُبير: القانع: السائل.

حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي, قال: ثني غالب, قال: ثني شريك, عن فرات القزاز, عن سعيد بن جُبير, في قوله: (القانِعَ) قال هو السائل, ثم قال.

أما سمعت قول الشماخ.

لَمَــالُ المَــرْءِ يُصْلِحُــهُ فيُغْنـي مَفــاقرَهُ أعَــفُّ مِــنَ القُنُــوع (5) قال: من السؤال.

حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, قال: أخبرنا يونس, عن الحسن, أنه قال في قوله: ( وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) قال: القانع: الذي يقنع إليك يسألك, والمعترّ: الذي يريك نفسه ويتعرّض لك ولا يسألك.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا هشام, قال: أخبرنا منصور ويونس, عن الحسن.

قال: القانع: السائل, والمعترّ: الذي يتعرض ولا يسأل.

حدثنا يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني عبد الله بن عياش, قال: قال زيد بن أسلم: القانع: الذي يسأل الناس.

وقال آخرون: القانع: الجار, والمعترّ: الذي يعتريك من الناس.

*ذكر من قال ذلك:- حدثنا أبو كريب, قال: ثنا ابن إدريس, قال: سمعت ليثا, عن مجاهد, قال: القانع: جارك وإن كان غنيا, والمعترّ: الذي يعتريك.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن عنبسة, عن ابن أبي نجيح, قال: قال مجاهد, في قوله: ( وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) قال: القانع: جارك الغنيّ, والمعترّ: من اعتراك من الناس.

حدثني يعقوب, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا مغيرة, عن إبراهيم, في قوله: ( وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) أنه قال: أحدهما السائل, والآخر الجار.

وقال آخرون: القانع: الطوّاف, والمعترّ: الصديق الزائر.

*ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم, قال: ثني أبي وشعيب بن الليث, عن الليث, عن خالد بن يزيد, عن ابن أبي هلال, قال: قال زيد بن أسلم, في قول الله تعالى: ( الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) فالقانع: المسكين الذي يطوف, والمعترّ: الصديق والضعيف الذي يزور.

وقال آخرون: القانع: الطامع, والمعترّ: الذي يعترّ بالبدن.

*ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى- وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (القانِعَ) قال: الطامع; والمعترّ: من يعترّ بالبدن من غنيّ أو فقير.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: أخبرني عمر بن عطاء, عن عكرمة, قال: القانع: الطامع.

وقال آخرون: القانع: هو المسكين, والمعتر: الذي يتعرّض للحم.

*ذكر من قال ذلك:- حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) قال: القانع: المسكين, والمعترّ: الذي يعتر القوم للحمهم وليس بمسكين, ولا تكون له ذبيحة, يجيء إلى القوم من أجل لحمهم, والبائس الفقير: هو القانع.

وقال آخرون بما:- حدثنا به ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن فرات, عن سعيد بن جُبير, قال: القانع: الذي يقنع, والمعترّ: الذي يعتريك.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن يونس, عن الحسن بمثله.

قال: ثنا سفيان, عن منصور, عن إبراهيم ومجاهد: ( الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) القانع: الجالس في بيته, والمعترّ: الذي يتعرّض لك.

وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: عني بالقانع: السائل; لأنه لو كان المعنيّ بالقانع في هذا الموضع ، المكتفي بما عنده والمستغني به لقيل: وأطعموا القانع والسائل, ولم يقل: وأطعموا القانع والمعترّ.

وفي إتباع ذلك قوله: والمعترّ، الدليل الواضح على أن القانع معنيّ به السائل, من قولهم: قنع فلان إلى فلان, بمعنى سأله وخضع إليه, فهو يقنع قنوعا; ومنه قول لبيد: وأعْطـانِي المَـوْلى عَـلى حِـينَ فَقْرِهِ إذَا قــالَ أبْصِـرْ خَـلَّتِي وَقُنُـوعي (6) وأما القانع الذي هو بمعنى المكتفي, فإنه من قنِعت بكسر النون أقنع قناعة وقنعا وقنعانا.

وأما المعترّ: فإنه الذي يأتيك معترّا بك لتعطيه وتطعمه.

وقوله: ( كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ ) يقول هكذا سخرنا البدن لكم أيها الناس.

يقول: لتشكروني على تسخيرها لكم.

--------------------------- الهوامش : (3) هذه أربعة أبيات من مشطور الرجز رواها المؤلف عن الفراء في معاني القرآن في هذا الوضع من التفسير ، وأنشدها قبل ذلك ثلاثة منها في ( 7 : 120 ) عند تفسير قوله تعالى : ( فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان ) في سورة المائدة .

مع اختلاف في بعض الألفاظ عن روايته لها هنا ، وهي : عَــلَيَّ حــينَ تمْلِــكُ الأمُــورَا صَــوْمَ شُــهُورٍ وَجَــبَتْ نُـدُورَا وَبادِنــــا مُقَلَّـــدًا مَنْحُـــورا ولفظة ( بادنا ) على هذه الرواية ، قد تكون صحيحة ، يريد جملا سمينا جسيما .

كما في ( اللسان : بدن ) ، يقال : رجل بادن ، والأنثى بادن وبادنة والجمع : بدن ( بضم فسكون ) ، وبدن ( بالضم وتشديد الدال المفتوحة ) .

وقد تكون ( بادنا ) محرفة عن بدن ( بالتحريك ) ، بدليل تخريج المؤلف له بقوله " والبدن " ( بضم فسكون ) جمع بدنة ( بالتحريك ) ، وقد يقال لواحدها : بدن ( بالتحريك ) ، يدل عليه قول الراجز .

" وبدنا مدرعا موفورا " .

أه .

ويؤيده أيضًا قول أبي البقاء العكبري في إعراب القرآن : البدن ( بضم فسكون ) : وجمع بدن ، ( بالتحريك ) وواحدته : بدنة مثل خشب ( بضم فسكون ) وخشب ( بالتحريك ) ويقال هو جمع بدنة ، مثل ثمرة وثمر ( الأخير بضم فسكون ) ، ويقرأ بضم الدال .

والبدنة كما في ( اللسان : بدن ) بالهاء : لعظمها وسمنها .

أه .

يقول الراجز : أوجبت على نفسي إذا ملكت الأمور بتاء المخاطب أن أصوم شهورا ، وأن أحلق رأسي ، وأن أنحر بدنا أي جملا ضخما .

(4) البيت لأوس بن حجر كما قال المؤلف .

والجبل هنا : يريد به رجلا عظيما ، والواجب الذي مات .

قال في ( اللسان / وجب ) ووجب الرجل وجبا : مات ، قال قيس بن الخطيم يصف حربا وقعت بين الأوس والخزرج في يوم بعاث وأن مقدم بني عوف وأميرهم لج في المحاربة ، ونهى بني عوف عن السلم حتى كان أول قتيل : أطـاعت بنـو عـوف أمـيرا نهـاهم عـن السـلم حـتى كان أول واجب وبيت أوس بن حجر شاهد على أن قوله تعالى : ( فإذا وجبت جنوبها ) معناه : فإذا سقطت فوقعت جنوبها على الأرض بعد النحر ، فكلوا منها .

أه .

(5) البيت للشماخ بن ضرار ( لسان العرب : قنع ) قال : وفي التنزيل : وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ، فالقانع الذي يسأل والمعتر : الذي يتعرض ولا يسأل .

قال الشماخ : " لمال المرء .

.

.

.

البيت " يعني من مسألة الناس .

وقال ابن السكيت ومن العرب : من يجيز القنوع : بمعنى القناعة ، وكلام العرب الجيد : هو الأول .

ويروى : " من الكنوع " والكنوع : التقبض والتصاغر .

وقيل القانع : السائل ، وقيل : المتعفف وكل يصلح ، والرجل : قانع وقنيع .

وقال الفراء : هو الذي يسألك فما أعطيته قبله .

وقيل : القنوع : الطمع .

والفعل : قنع بالفتح يقنع قنوعا : ذل السؤال .

وقيل : سأل .

ومفاقرة : وجوه فقره ، وقيل : جمع فقر على غير قياس كالمشابه والملامح .

ويجوز أن تكون جمع مفقرة مصدر أفقره ، أو جمع مفقر ( اسم فاعل ) .

(6) البيت للبيد كما قال المؤلف ، ولم أجده في ديوانه طبعة ليدن سنة 1891 .

والخلة بالفتح : الحاجة والفقر .

وقال اللحياني : خلة به شديدة : أي خصاصة .

والقنوع : السؤال ، وقد شرحناه وبيناه في الشاهد الذي قبله .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرونفيه عشر مسائل :الأولى : قوله تعالى : ( والبدن ) ، وقرأ ابن أبي إسحاق ( والبدن ) لغتان ، واحدتها بدنة .

كما يقال : ثمرة وثمر وثمر ، وخشبة وخشب وخشب .

وفي التنزيل ( وكان له ثمر ) ، وقرئ ( ثمر ) لغتان .

وسميت بدنة لأنها تبدن ، والبدانة السمن .

وقيل : إن هذا الاسم خاص بالإبل .

وقيل : البدن جمع ( بدن ) بفتح الباء والدال .

ويقال : بدن الرجل ( بضم الدال ) إذا سمن .

وبدن ( بتشديدها ) إذا كبر وأسن .

وفي الحديث إني قد بدنت أي كبرت وأسننت .

وروي ( بدنت ) وليس له معنى ؛ لأنه خلاف صفته - صلى الله عليه وسلم - ، ومعناه كثرة اللحم .

يقال : بدن الرجل يبدن بدنا وبدانة فهو بادن ؛ أي ضخم .الثانية : اختلف العلماء في البدن هل تطلق على غير الإبل من البقر أم لا ؟

فقال ابن مسعود ، وعطاء ، والشافعي : لا .

وقال مالك ، وأبو حنيفة : نعم .

وفائدة الخلاف فيمن نذر بدنة فلم [ ص: 58 ] يجد البدنة أو لم يقدر عليها وقدر على البقرة ؛ فهل تجزيه أم لا ؟

فعلى مذهب الشافعي ، وعطاء لا تجزيه .

وعلى مذهب مالك تجزيه .

والصحيح ما ذهب إليه الشافعي ، وعطاء ؛ لقوله - عليه السلام - في الحديث الصحيح في يوم الجمعة : من راح في الساعة الأولى ، فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية ، فكأنما قرب بقرة الحديث .

فتفريقه - عليه السلام - بين البقرة والبدنة يدل على أن البقرة لا يقال عليها بدنة ؛ والله أعلم .

وأيضا قوله تعالى : فإذا وجبت جنوبها يدل على ذلك ؛ فإن الوصف خاص بالإبل .

والبقر يضجع ويذبح كالغنم ؛ على ما يأتي .

ودليلنا أن البدنة مأخوذة من البدانة وهو الضخامة ، والضخامة توجد فيهما جميعا .

وأيضا فإن البقرة في التقرب إلى الله تعالى بإراقة الدم بمنزلة الإبل ؛ حتى تجوز البقرة في الضحايا على سبعة كالإبل .

وهذا حجة لأبي حنيفة حيث وافقه الشافعي على ذلك ، وليس ذلك في مذهبنا .

وحكى ابن شجرة أنه يقال في الغنم بدنة ، وهو قول شاذ .

والبدن هي الإبل التي تهدى إلى الكعبة .

والهدي عام في الإبل ، والبقر ، والغنم .الثالثة : قوله تعالى : من شعائر الله نص في أنها بعض الشعائر .

لكم فيها خير يريد به المنافع التي تقدم ذكرها .

والصواب عمومه في خير الدنيا والآخرة .الرابعة : قوله تعالى : فاذكروا اسم الله عليها صواف أي انحروها على اسم الله .

و صواف أي قد صفت قوائمها .

والإبل تنحر قياما معقولة .

وأصل هذا الوصف في الخيل ؛ يقال : صفن الفرس فهو صافن إذا قام على ثلاثة قوائم وثنى سنبك الرابعة ؛ والسنبك طرف الحافر .

والبعير إذا أرادوا نحره تعقل إحدى يديه فيقوم على ثلاث قوائم .

وقرأ الحسن ، والأعرج ، ومجاهد ، وزيد بن أسلم ، وأبو موسى الأشعري ( صوافي ) أي خوالص لله - عز وجل - لا يشركون به في التسمية على نحرها أحدا .

وعن الحسن أيضا ( صواف ) بكسر الفاء وتنوينها مخففة ، وهي بمعنى التي قبلها ، لكن حذفت الياء تخفيفا على غير قياس و ( صواف ) قراءة الجمهور بفتح الفاء وشدها ؛ من صف يصف .

وواحد صواف صافة ، وواحد صوافي صافية .

وابن مسعود ، وابن عباس ، وابن عمر ، وأبو جعفر محمد بن علي ( صوافن ) بالنون جمع صافنة .

ولا يكون واحدها صافنا ؛ لأن فاعلا لا يجمع على فواعل إلا في حروف مختصة لا يقاس [ ص: 59 ] عليها ؛ وهي فارس وفوارس ، وهالك وهوالك ، وخالف وخوالف .

والصافنة هي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب .

ومنه قوله تعالى : الصافنات الجياد .

وقال عمرو بن كلثوم :تركنا الخيل عاكفة عليه مقلدة أعنتها صفوناويروي :تظل جياده نوحا عليه مقلدة أعنتها صفوناوقال آخر :ألف الصفون فما يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيراوقال أبو عمرو الجرمي : الصافن عرق في مقدم الرجل ، فإذا ضرب عليه الفرس رفع رجله .

وقال الأعشى :وكل كميت كجذع السحو ق يرنو القناء إذا ما صفنالخامسة : قال ابن وهب : أخبرني ابن أبي ذئب أنه سأل ابن شهاب عن الصواف فقال : تقيدها ثم تصفها .

وقال لي مالك بن أنس مثله .

وكافة العلماء على استحباب ذلك ؛ إلا أبا حنيفة ، والثوري فإنهما أجازا أن تنحر باركة وقياما .

وشذ عطاء فخالف واستحب نحرها باركة .

والصحيح ما عليه الجمهور ؛ لقوله تعالى : فإذا وجبت جنوبها معناه سقطت بعد نحرها ؛ ومنه وجبت الشمس .

وفي صحيح مسلم ، عن زياد بن جبير أن ابن عمر أتى على رجل وهو ينحر بدنته باركة فقال : ابعثها قائمة مقيدة سنة نبيكم - صلى الله عليه وسلم - .

وروى أبو داود ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، وأخبرني عبد الرحمن بن سابط أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها .[ ص: 60 ] السادسة : قال مالك : فإن ضعف إنسان أو تخوف أن تنفلت بدنته فلا أرى بأسا أن ينحرها معقولة .

والاختيار أن تنحر الإبل قائمة غير معقولة ؛ إلا أن يتعذر ذلك فتعقل ولا تعرقب إلا أن يخاف أن يضعف عنها ولا يقوى عليها .

ونحرها باركة أفضل من أن تعرقب .

وكان ابن عمر يأخذ الحربة بيده في عنفوان أيده ، فينحرها في صدرها ، ويخرجها على سنامها ، فلما أسن كان ينحرها باركة لضعفه ، ويمسك معه الحربة رجل آخر ، وآخر بخطامها .

وتضجع البقر والغنم .السابعة : ولا يجوز النحر قبل الفجر من يوم النحر بإجماع .

وكذلك الأضحية لا تجوز قبل الفجر .

فإذا طلع الفجر حل النحر بمنى ، وليس عليهم انتظار نحر إمامهم ؛ بخلاف الأضحية في سائر البلاد .

والمنحر منى لكل حاج ، ومكة لكل معتمر .

ولو نحر الحاج بمكة والمعتمر بمنى لم يحرج واحد منهما ، إن شاء الله تعالى .الثامنة : قوله تعالى : فإذا وجبت جنوبها يقال : وجبت الشمس إذا سقطت ، ووجب الحائط إذا سقط .

قال قيس بن الخطيم :أطاعت بنو عوف أميرا نهاهم عن السلم حتى كان أول واجبوقال أوس بن حجر :ألم تكسف الشمس والبدر وال كواكب للجبل الواجبفقوله تعالى : فإذا وجبت جنوبها يريد إذا سقطت على جنوبها ميتة .

كنى عن الموت بالسقوط على الجنب كما كنى عن النحر والذبح بقوله تعالى : فاذكروا اسم الله عليها والكنايات في أكثر المواضع أبلغ من التصريح .

قال الشاعر [ عنترة ] :فتركته جزر السباع ينشنه ما بين قلة رأسه والمعصموقال عنترة :وضربت قرني كبشها فتجدلاأي سقط مقتولا إلى الجدالة ، وهي الأرض ؛ ومثله كثير .

والوجوب للجنب بعد النحر علامة نزف الدم وخروج الروح منها ، وهو وقت الأكل ، أي وقت قرب الأكل ؛ لأنها إنما تبتدأ بالسلخ وقطع شيء من الذبيحة ثم يطبخ .

ولا تسلخ حتى تبرد لأن ذلك من باب التعذيب ؛ ولهذا قال عمر - رضي الله عنه - : لا تعجلوا الأنفس أن تزهق .[ ص: 61 ] التاسعة : قوله تعالى : فكلوا منها أمر معناه الندب .

وكل العلماء يستحب أن يأكل الإنسان من هديه وفيه أجر وامتثال ؛ إذ كان أهل الجاهلية لا يأكلون من هديهم كما تقدم .

وقال أبو العباس بن شريح : الأكل والإطعام مستحبان ، وله الاقتصار على أيهما شاء .

وقال الشافعي : الأكل مستحب والإطعام واجب ، فإن أطعم جميعها أجزاه وإن أكل جميعها لم يجزه ، وهذا فيما كان تطوعا ؛ فأما واجبات الدماء فلا يجوز أن يأكل منها شيئا حسبما تقدم بيانه .العاشرة : قوله تعالى : وأطعموا القانع والمعتر قال مجاهد ، وإبراهيم ، والطبري : قوله وأطعموا أمر إباحة .

و القانع السائل .

يقال : قنع الرجل يقنع قنوعا إذا سأل ، بفتح النون في الماضي وكسرها في المستقبل ، يقنع قناعة فهو قنع ، إذا تعفف واستغنى ببلغته ولم يسأل ؛ مثل حمد يحمد ، قناعة وقنعا وقنعانا ؛ قاله الخليل .

ومن الأول قول الشماخ :لمال المرء يصلحه فيغني مفاقره أعف من القنوعوقال ابن السكيت : من العرب من ذكر القنوع بمعنى القناعة ، وهي الرضا والتعفف وترك المسألة .

وروي عن أبي رجاء أنه قرأ ( وأطعموا القنع ) ومعنى هذا مخالف للأول .

يقال : قنع الرجل فهو قنع إذا رضي .

وأما المعتر فهو الذي يطيف بك يطلب ما عندك ، سائلا كان أو ساكنا .

وقال محمد بن كعب القرظي ، ومجاهد ، وإبراهيم ، والكلبي ، والحسن بن أبي الحسن : المعتر المعترض من غير سؤال .

قال زهير :على مكثريهم رزق من يعتريهم وعند المقلين السماحة والبذلوقال مالك : أحسن ما سمعت أن القانع الفقير ، والمعتر الزائر .

وروي عن الحسن أنه قرأ ( والمعتري ) ومعناه كمعنى المعتر .

يقال : اعتره واعتراه وعره وعراه إذا تعرض لما عنده أو طلبه ؛ ذكره النحاس .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا دليل على أن الشعائر عام في جميع أعلام الدين الظاهرة.

وتقدم أن الله أخبر أن من عظم شعائره، فإن ذلك من تقوى القلوب، وهنا أخبر أن من جملة شعائره، البدن، أي: الإبل، والبقر، على أحد القولين، فتعظم وتستسمن، وتستحسن، { لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } أي: المهدي وغيره، من الأكل، والصدقة، والانتفاع، والثواب، والأجر، { فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا } أي: عند ذبحها قولوا " بسم الله "س واذبحوها، { صَوَافَّ } أي: قائمات، بأن تقام على قوائمها الأربع، ثم تعقل يدها اليسرى، ثم تنحر.

{ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } أي: سقطت في الأرض جنوبها، حين تسلخ، ثم يسقط الجزار جنوبها على الأرض، فحينئذ قد استعدت لأن يؤكل منها، { فَكُلُوا مِنْهَا } وهذا خطاب للمهدي، فيجوز له الأكل من هديه، { وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ } أي: الفقير الذي لا يسأل، تقنعا، وتعففا، والفقير الذي يسأل، فكل منهما له حق فيهما.

{ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ } أي: البدن { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الله على تسخيرها، فإنه لولا تسخيره لها، لم يكن لكم بها طاقة، ولكنه ذللها لكم وسخرها، رحمة بكم وإحسانا إليكم، فاحمدوه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( والبدن ) جمع بدنة سميت بدنة لعظمها وضخامتها ، يريد : الإبل العظام الصحاح الأجسام ، يقال بدن الرجل بدنا وبدانة إذا ضخم ، فأما إذا أسن واسترخى يقال بدن تبدينا .

قال عطاء والسدي : البدن : الإبل والبقر أما الغنم فلا تسمى بدنة .

( جعلناها لكم من شعائر الله ) من أعلام دينه ، سميت شعائر لأنها تشعر ، وهو أن تطعن بحديدة في سنامها فيعلم أنها هدي ، ( لكم فيها خير ) النفع في الدنيا والأجر في العقبى ، ( فاذكروا اسم الله عليها ) عند نحرها ، ( صواف ) أي : قياما على ثلاث قوائم قد صفت رجليها وإحدى يديها ، ويدها اليسرى معقولة فينحرها كذلك .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا عبد الله بن مسلمة ، أخبرنا يزيد بن زريع ، عن يونس ، عن زياد بن جبير قال : رأيت ابن عمر أتى على رجل قد أناخ بدنة ينحرها ، قال : ابعثها قياما مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم .

وقال مجاهد : الصواف إذا عقلت رجلها اليسرى وقامت على ثلاث قوائم .

وقرأ ابن مسعود : " صوافن " وهي أن تعقل منها يد وتنحر على ثلاث ، وهو مثل صواف .

وقرأ أبي والحسن ومجاهد : " صوافي " بالياء أي : صافية خالصة لله لا شريك له فيها .

( فإذا وجبت جنوبها ) أي : سقطت بعد النحر فوقعت جنوبها على الأرض .

وأصل الوجوب : الوقوع .

يقال : وجبت الشمس إذا سقطت للمغيب ، ( فكلوا منها ) أمر إباحة ، ( وأطعموا القانع والمعتر ) اختلفوا في معناهما : .

فقال عكرمة وإبراهيم وقتادة : " القانع " الجالس في بيته المتعفف يقنع بما يعطى ولا يسأل ، و " المعتر " الذي يسأل .

وروى العوفي عن ابن عباس : " القانع " الذي لا يعترض ولا يسأل ، و " المعتر " الذي يريك نفسه ويتعرض ولا يسأل ، فعلى هذين التأويلين يكون " القانع " : من القناعة ، يقال : قنع قناعة إذا رضي بما قسم له .

وقال سعيد بن جبير والحسن والكلبي : " القانع " : الذي يسأل ، " والمعتر " : الذي يتعرض ولا يسأل ، فيكون " القانع " من قنع يقنع قنوعا إذا سأل .

وقرأ الحسن : " والمعتري " وهو مثل المعتر ، يقال : عره واعتره وعراه واعتراه إذا أتاه يطلب معروفه ، إما سؤالا أو تعرضا .

وقال ابن زيد : " القانع " : المسكين ، " والمعتر " : الذي ليس بمسكين ، ولا يكون له ذبيحة يجيء إلى القوم فيتعرض لهم لأجل لحمهم .

( كذلك ) أي : مثل ما وصفنا من نحرها قياما ، ( سخرناها لكم ) نعمة منا لتتمكنوا من نحرها ، ( لعلكم تشكرون ) لكي تشكروا إنعام الله عليكم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والبدن» جمع بدنة: وهي الإبل «جعلناها لكم من شعائر الله» أعلام دينه «لكم فيها خير» نفع في الدنيا كما تقدم، وأجر في العقبى «فاذكروا اسم الله عليها» عند نحرها «صوافَّ» قائمة على ثلاث معقولة اليد اليسرى «فإذا وجبت جنوبها» سقطت إلى الأرض بعد النحر: وهو وقت الأكل منها «فكلوا منها» إن شئتم «وأطعموا القانع» الذي يقنع بما يعطى ولا يسأل ولا يتعرّض «والمعترَّ» والسائل أو المتعرض «كذلك» أي مثل ذلك التسخير «سخرناها لكم» بأن تُنحر وتركب، وإلا لم تطق «لعلكم تشكرون» إنعامي عليكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وجعلنا لكم نَحْرَ البُدْن من شعائر الدين وأعلامه؛ لتتقربوا بها إلى الله، لكم فيها- أيها المتقربون -خير في منافعها من الأكل والصدقة والثواب والأجر، فقولوا عند ذبحها: بسم الله.

وتُنْحَر الإبل واقفة قد صُفَّتْ ثلاث من قوائمها وقُيِّدت الرابعة، فإذا سقطت على الأرض جنوبها فقد حلَّ أكلها، فليأكل منها مقربوها تعبدًا ويُطْعِمُوا منها القانع -وهو الفقير الذي لم يسأل تعففًا- والمعترَّ الذي يسأل لحاجته، هكذا سخَّر الله البُدْن لكم، لعلكم تشكرون الله على تسخيرها لكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أكد سبحانه - ما سبق الحديث عنه من وجوب ذكر اسمه - تعالى - عند الذبح ، ومن وجوب شكره على نعمه فقال : ( والبدن جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ الله ) .والبدن : جمع بدنة .

وهى الإبل خاصة التى تهدى إلى البيت الحرام للتقرب بها إلى الله - تعالى - وقيل : البدن تطلق على الإبل والبقر .وسميت بهذا الإسم لبدانتها وضخامتها .

يقال : بدن الرجل - بوزن كرم - إذا كثر لحمه ، وضخم جسمه .أى : وشرعنا لكم - أيها المؤمنون - التقرب إلينا بالإبل البدينة السمينة وجعلنا ذلك شعيرة من شعائر ديننا ، وعلامة من العلامات الدالة على قوة إيمان من ينفذ هذه الشعيرة بتواضع وإخلاص .وقوله - تعالى - ( لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ) جملة مستأنفة مقررة لما قبلها .

أى : لكم فيه خير فى الدنيا عن طريق الانتفاع بألبانها ووبرها .

.

.

ولكم فيها خير فى الآخرة عن طريق الثواب الجزيل الذى تنالونه من خالقكم بسبب استجابتكم لما ارشدكم إليه .وقوله - تعالى - : ( فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَآفَّ ) إرشاد لما يقوله الذابح عند ذبحها .وصواف : جمع اصفة .

أى : قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن استعدادا للذبخح!

.أى : إذا ما هيأتم هذه الإبل للذبح ، فاذكروا اسم الله عليها ، بأن تقولوا عند نحرها : بسم الله والله أكبر ، الله منك وإليك .وقوله - سحبانه - : ( فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر ) بيان لما ينبغى عليهم فعله بعد ذبحها .ووجبت بمعنى سقطت : وهو كناية عن موتها .

يقال : وجب الجدار إذا سقط ، ووجبت الشمس إذا غابت .والقانع : هو الراضى بما قدره الله - تعالى - له ، فلا يتعرض لسؤال الناس مأخوذ من قنع يقنع - كرضى يرضى - وزنا ومعنى .والمعتر : هو الذى يسأل غيره ليعطيه .

يقال : فلان يعترى الأغنياء ، أى : يذهب إليهم طالبا عطاءهم .وقيل : القانع هو الطامع الذى يسأل غيره ، والمعتر : هو الذى يتعرض للعطاء من غير سؤال وطلب .أى : فإذا ما سقطت جنوب هذه الإبل على الأرض ، وأعددتموها للأكل فكلوا منها ، وأطعموا الفقير القانع الذى لا يسألكم ، والفقير المعتر الذى يتعرض لكم بالسؤال والطلب .ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله عليهم ، حيث ذلل هذه الأنعام لهم فقال : ( كذلك سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) .وقوله ( كذلك ) نعت لمصدر محذوف .

أى : مثل ذلك التسخير البديع سخرنا لكم هذه الأنعام ، وذللناها لكم ، وجعلناها منقادة لأمركم ، لعلكم بعد أن شاهدتم هذه النعم ، وانتفعتم بها ، تكونون من الشاكرين لنا ، والمستجيبين لتوجيهاتنا وإرشادنا .قال صاحب الكشاف : منَّ الله على عباده واستحمد إليهم ، بأن سخر لهم البدن مثل التسخير الذى رأوا وعلموا .

يأخذونها منقادة للأخذ طيعة ، فيعقلونها ويحبسونها صافة قوائمها ، ثم يطعنون فى لبانها .

ولولا تسخير الله لم تطعن ، ولم تكن بأعجز من بعض الوحوش التى هى أصغر منها جرما ، وأقل قوة ، وكفى بما يتأبد من الإبل شاهدا على ذلك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله تعالى: ﴿ لَكُمْ فِيهَا منافع إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ لا يليق إلا بأن تحمل الشعائر على الهدي الذي فيه منافع إلى وقت النحر، ومن يحمل ذلك على سائر الواجبات يقول لكم فيها أي في التمسك بها منافع إلى أجل ينقطع التكليف عنده، والأول هو قول جمهور المفسرين، ولا شك أنه أقرب.

وعلى هذا القول فالمنافع مفسرة بالدر والنسل والأوبار وركوب ظهورها، فأما قوله: ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ ففيه قولان: أحدهما: أن لكم أن تنتفعوا بهذه البهائم إلى أن تسموها ضحية وهدياً فإذا فعلتم ذلك فليس لكم أن تنتفعوا بها، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والضحاك وقال آخرون ﴿ لكم فيها ﴾ أي في البدن ﴿ منافع ﴾ مع تسميتها هدياً بأن تركبوها إن احتجتم إليها وأن تشربوا ألبانها إذا اضطررتم إليها ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ يعني إلى أن تنحروها هذه هي الرواية الثانية عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو اختيار الشافعي، وهذا القول أولى لأنه تعالى قال: ﴿ لَكُمْ فِيهَا منافع ﴾ أي في الشعائر ولا تسمى شعائر قبل أن تسمى هدياً وروى أبو هريرة أنه عليه السلام مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد، فقال عليه السلام اركبها فقال يا رسول الله إنها هدى فقال اركبها ويلك وروى جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهراً».

واحتج أبو حنيفة رحمه الله على أنه لا يملك منافعها بأن لا يجوز له أن يؤجرها للركوب فلو كان مالكاً لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها كمنافع سائر المملوكات، وهذا ضعيف لأن أم الولد لا يمكنه بيعها، ويمكنه الانتفاع بها فكذا هاهنا.

أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَا إلى البيت العتيق ﴾ فالمعنى أن لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم وأعظم هذه المنافع محلها إلى البيت العتيق أي وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها منتهية إلى البيت، كقوله: ﴿ هَدْياً بالغ الكعبة  ﴾ وبالجملة فقوله: ﴿ مَحِلُّهَا ﴾ يعني حيث يحل نحرها، وأما البيت العتيق فالمراد به الحرم كله، ودليله قوله تعالى: ﴿ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا  ﴾ أي الحرم كله فالمنحر على هذا القول كل مكة، ولكنها تنزهت عن الدماء إلى منى ومنى من مكة، قال عليه السلام: «كل فجاج مكة منحر وكل فجاج منى منحر».

قال القفال هذا إنما يختص بالهدايا التي بلغت منى فأما الهدي المتطوع به إذا عطب قبل بلوغ مكة فإن محله موضعه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لّيَذْكُرُواْ اسم الله ﴾ فالمعنى شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة من عهد إبراهيم عليه السلام إلى من بعده ضرباً من القربان وجعل العلة في ذلك أن يذكروا اسم الله تقدست أسماؤه على المناسك، وما كانت العرب تذبحه للصنم يسمى العتر والعتيرة كالذبح والذبيحة، وقرأ أهل الكوفة إلا عاصماً منسكاً بكسر السين وقرأ الباقون بالفتح وهو مصدر بمعنى النسك والمكسور بمعنى الموضع.

أما قوله تعالى: ﴿ فإلهكم إله واحد ﴾ ففي كيفية النظم وجهان: أحدهما: أن الإله واحد وإنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح الثاني: ﴿ فإلهكم إله واحد ﴾ فلا تذكروا على ذبائحكم غير اسم الله ﴿ فَلَهُ أَسْلِمُواْ ﴾ أي اخلصوا له الذكر خاصة بحيث لا يشوبه إشراك ألبتة، والمراد الانقياد لله تعالى في جميع تكاليفه، ومن انقاد له كان مخبتاً فلذلك قال بعده ﴿ وَبَشّرِ المخبتين ﴾ والمخبت المتواضع الخاشع.

قال أبو مسلم: حقيقة المخبت من صار في خبت من الأرض، يقال أخبت الرجل إذا صار في الخبت كما يقال أنجد وأشأم وأتهم، والخبت هو المطمئن من الأرض.

وللمفسرين فيه عبارات أحدها: المخبتين المتواضعين عن ابن عباس وقتادة.

وثانيها: المجتهدين في العبادة عن الكلبي.

وثالثها: المخلصين عن مقاتل.

ورابعها: الطمئنين إلى ذكر الله تعالى والصالحين عن مجاهد.

وخامسها: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا عن عمرو بن أوس.

ثم وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿ الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ فيظهر عليهم الخوف من عقاب الله تعالى والخشوع والتواضع لله، ثم لذلك الوجل أثران أحدهما: الصبر على المكاره وذلك هو المراد بقوله: ﴿ والصابرين على مَا أَصَابَهُمْ ﴾ وعلى ما يكون من قبل الله تعالى، لأنه الذي يجب الصبر عليه كالأمراض والمحن والمصائب.

فأما ما يصيبهم من قبل الظلمة فالصبر عليه غير واجب بل إن أمكنه دفع ذلك لزمه الدفع ولو بالمقاتلة والثاني: الاشتغال بالخدمة وأعز الأشياء عند الإنسان نفسه وماله.

أما الخدمة بالنفس فهي الصلاة، وهو المراد بقوله: ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ وأما الخدمة بالمال فهو المراد من قوله: ﴿ وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ ﴾ قرأ الحسن ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ بالنصب على تقدير النون، وقرأ ابن مسعود والمقيمين الصلاة على الأصل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ والبدن ﴾ جمع بدنة، سميت لعظم بدنها وهي الإبل خاصة، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحقَ البقرَ بالإبلِ حين قال: «البدنةُ عن سبعةٍ، والبقرةُ عنْ سبعةٍ» ؛ فجعل البقر في حكم الإبل، صارت البدنة في الشريعة متناولة للجنسين عند أبي حنيفة وأصحابه، وإلا فالبدن هي الإبل وعليه تدل الآية، وقرأ الحسن: ﴿ والبدن ﴾ ، بضمتين، كثمر في جمع ثمرة.

وابن أبي إسحاق بالضمتين وتشديد النون على لفظ الوقف.

وقرئ بالنصب والرفع كقوله: ﴿ والقمر قدرناه ﴾ [يس: 39].

﴿ مِن شَعَائِرِ الله ﴾ أي من أعلام الشريعة التي شرعها الله.

وإضافتها إلى اسمه: تعظيم لها ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ كقوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا منافع ﴾ ومن شأن الحاج أن يحرص على شيء فيه خير ومنافع بشهادة الله تعالى.

عن بعض السلف أنه لم يملك إلاّ تسعة دنانير، فاشترى بها بدنة، فقيل له في ذلك، فقال: إني سمعت ربي يقول: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ وعن ابن عباس: دنيا وآخرة.

وعن إبراهيم: من احتاج إلى ظهرها ركب، ومن احتاج إلى لبنها شرب.

وذكر اسم الله: أن يقول عند النحر: الله أكبر لا إله إلاّ الله والله أكبر، اللَّهم منك وإليك ﴿ صَوَافَّ ﴾ قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهنّ.

وقرئ: ﴿ صوافن ﴾ من صفون الفرس، وهو أن يقوم على ثلاث وينصب الرابعة على طرف سنبكه؛ لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث.

وقرئ: ﴿ صوافي ﴾ أي: خوالص لوجه الله.

وعن عمرو بن عبيد: صوافنا، بالتنوين عوضاً من حرف الإطلاق عند الوقف.

وعن بعضهم: صواف نحو مثل العرب.

أعط القوس باريها، بسكون الياء.

(فإذا وجبت جنوبها) وجوب الجنوب: وقوعها على الأرض، ومن وجب الحائط وجبة إذا سقط.

ووجبت الشمس جبة: غربت.

والمعنى: فإذا وجبت جنوبها وسكنت نسائسها حلّ لكم الأكل منها والإطعام ﴿ القانع ﴾ السائل، من قنعت إليه وكنعت: إذا خضعت له وسألته قنوعاً ﴿ والمعتر ﴾ المعترض بغير سؤال، أو القانع الراضي بما عنده وبما يعطى من غير سؤال، من قنعت قنعاً وقناعة.

والمعتر: المعترض بسؤال.

وقرأ الحسن: والمعتري.

وعرّه وعراه واعتراه واعتره: بمعنى.

وقرأ أبو رجاء: القنع، وهو الراضي لا غير.

يقال: قنع فهو قنع وقانع.

[(كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون)] من الله على عبادة واستحمد إليهم بأن سخر لهم البدن مثل التسخير الذي رأوا وعلموا، ويأخذونها منقادة للأخذ طيعة فيعقلونها ويحبسونها صافة قوائمها، ثم يطعنون في لبانها.

ولولا تسخير الله لم تطق، ولم تكن بأعجز من بعض الوحوش التي هي أصغر منها جرماً وأقلّ قوّة، وكفى بما يتأبد من الإبل شاهداً وعبرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والبُدْنَ ﴾ جَمْعُ بَدَنَةٍ كَخُشُبِ وخَشَبَةٍ، وأصْلُهُ الضَّمُّ وقَدْ قُرِئَ بِهِ وإنَّما سُمِّيَتْ بِها الإبِلُ لِعَظَمِ بَدَنِها مَأْخُوذَةً مِن بَدَنَ بَدانَةً، ولا يَلْزَمُ مِن مُشارَكَةِ البَقَرَةِ لَها في أجْزائِها عَنْ سَبْعَةٍ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ «البَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ والبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ» تَناوُلُ اسْمِ البَدَنَةِ لَها شَرْعًا، بَلِ الحَدِيثُ يَمْنَعُ ذَلِكَ وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ.

﴿ جَعَلْناها لَكُمْ ﴾ ومَن رَفَعَهُ جَعَلَهُ مُبْتَدَأً.

﴿ مِن شَعائِرِ اللَّهِ ﴾ مِن أعْلامِ دِينِهِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ تَعالى.

﴿ لَكم فِيها خَيْرٌ ﴾ مَنافِعُ دِينِيَّةٌ ودُنْيَوِيَّةٌ.

﴿ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها ﴾ بِأنْ تَقُولُوا عِنْدَ ذَبْحِها اللَّهُ أكْبَرُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُمَّ مِنكَ وإلَيْكَ.

﴿ صَوافَّ ﴾ قائِماتٍ قَدْ صَفَفْنَ أيْدِيَهُنَّ وأرْجُلَهُنَّ، وقُرِئَ «صَوافِنَ» مِن صَفَنِ الفَرَسِ إذا قامَ عَلى ثَلاثٍ وعَلى طَرَفِ حافِرِ الرّابِعَةِ لِأنَّ البَدَنَةَ تُعْقَلُ إحْدى يَدَيْها فَتَقُومُ عَلى ثَلاثٍ، وقُرِئَ «صَوافِنًا» بِإبْدالِ التَّنْوِينِ مِن حَرْفِ الإطْلاقِ عِنْدَ الوَقْفِ و «صَوافِيَ» أيْ خَوالِصَ لِوَجْهِ اللَّهِ، و «صَوافِي» بِسُكُونِ الياءِ عَلى لُغَةِ مَن يُسَكِّنُ الياءَ مُطْلَقًا كَقَوْلِهِمْ: أعْطِ القَوْسَ بارِيها.

﴿ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها ﴾ سَقَطَتْ عَلى الأرْضِ وهو كِنايَةٌ عَنِ المَوْتِ.

﴿ فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ ﴾ الرّاضِيَ بِما عِنْدَهُ وبِما يُعْطى مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ «القُنُعَ»، أوِ السّائِلَ مِن قَنَعْتُ إلَيْهِ قُنُوعًا إذا خَضَعْتُ لَهُ في السُّؤالِ.

﴿ والمُعْتَرَّ ﴾ والمُعْتَرِضَ بِالسُّؤالِ، وقُرِئَ «والمُعْتَرِي» يُقالُ عَرَّهُ وعَرّاهُ واعْتَرَّهُ واعْتَراهُ.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلُ ما وصَفْنا مِن نَحْرِها قِيامًا.

﴿ سَخَّرْناها لَكُمْ ﴾ مَعَ عِظَمِها وقُوَّتِها حَتّى تَأْخُذُوها مُنْقادَةً فَتَعْقِلُوها وتَحْبِسُوها صافَّةً قَوائِمَها ثُمَّ تَطْعَنُونَ في لِبانِها.

﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ إنْعامَنا عَلَيْكم بِالتَّقَرُّبِ والإخْلاصِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والبدن} جمع بدنة سميت لعظم بدنها وفي الشريعة يتناول الابل والبقر وقرئ برفعها وهو كقوله والقمر قدرناه

الحج (٣٩ - ٣٦)

{جعلناها لَكُمْ مّن شعائر الله} أي من أعلام الشريعة التي شرعها الله وإضافتها إلى اسمه تعظيم لها ومن شعائر الله ثاني مفعولي جعلنا {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} النفع في الدنيا والأجر في العقبى {فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا} عند نحرها {صَوَافَّ} حال من الهاء أي قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} وجوب الجنوب وقوعها على الأرض من وجب الحائط وجبة إذا سقط أي إذا سقطت جنوبها على الأرض بعد نحرها وسكنت حركتها {فَكُلُواْ مِنْهَا} إن شئتم {وَأَطْعِمُواْ القانع} السائل من قنعت إليه إذا خضعت له وسألته

قنوعاً {والمعتر} الذي يريك نفسه ويتعرض ولا يسأل وقيل القانع الراضي بما عنده وبما يعطي من غير سؤال من قنعت قنعاً وقناعة والمعتر المتعرض للسؤال {كذلك سخرناها لَكُمْ} أي كما أمرناكم بنحرها لكم أو هو كقوله ذلك ومن يعظم ثم استأنف فقال سخرناها لكم أي ذللناها لكم مع قوتها وعظم أجرامها لتتمكنوا من نحرها {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} لكي تشكروا إنعام الله عليكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ ﴾ أيْ مِن أعْلامِ دِينِهِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ تَعالى، والبُدْنُ جَمْعُ بَدَنَةٍ وهي كَما قالَ الجَوْهَرِيُّ ناقَةٌ أوْ بَقَرَةٌ تُنْحَرُ بِمَكَّةَ، وفي القامُوسِ هي مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ كالأُضْحِيَّةِ مِنَ الغَنَمِ تُهْدى إلى مَكَّةَ وتُطْلَقُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعِظَمِ بَدَنِها لِأنَّهم كانُوا يُسَمِّنُونَها ثُمَّ يُهْدُونَها، وكَوْنُها مِنَ النَّوْعَيْنِ قَوْلُ مُعْظَمِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ وهو مَذْهَبُ الحَنَفِيَّةِ فَلَوْ نَذَرَ نَحْرَ بَدَنَةٍ يُجْزِئُهُ نَحْرُ بَقَرَةٍ عِنْدَهم وهو قَوْلُ عَطاءٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لا تُعْلَمُ البُدْنُ إلّا مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ.

وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كُنّا نَنْحَرُ البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ فَقِيلَ والبَقَرَةُ فَقالَ: وهَلْ هي إلّا مِنَ البُدْنِ، وقالَ صاحِبُ البارِعِ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ: إنَّها لا تُطْلَقُ عَلى ما يَكُونُ مِنَ البَقَرِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيَّةِ فَلا يُجْزِي عِنْدَهم مَن نَذَرَ نَحْرَ بَدَنَةٍ نَحْرُ بَقَرَةٍ، وأُيِّدَ بِما رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««البَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ والبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ»» فَإنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ وفِيما يَأْتِي آخِرًا تَأْيِيدٌ لِذَلِكَ أيْضًا، والظّاهِرُ أنَّ اسْتِعْمالَ البَدَنَةِ فِيما يَكُونُ مِنَ الإبِلِ أكْثَرُ وإنْ كانَ أمْرُ الإجْزاءِ مُتَّحِدًا.

ولَعَلَّ مُرادَ جابِرٍ بِقَوْلِهِ في البَقَرَةِ وهَلْ هي إلّا مِنَ البُدْنِ أنَّ حُكْمَها حُكْمُها وإلّا فَيَبْعُدُ جَهْلُ السّائِلِ بِالمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ لِيَرُدَّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: إنَّ مُرادَهُ بِالبُدْنِ فِيهِ البُدْنُ الشَّرْعِيَّةُ، ولَعَلَّهُ إذا قِيلَ بِاشْتِراكِها بَيْنَ ما يَكُونُ مِنَ النَّوْعَيْنِ يَحْكُمُ العُرْفُ أوْ نَحْوُهُ في التَّعْيِينِ فِيما إذا نَذَرَ الشَّخْصُ بَدَنَةً ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ يَعْقُوبَ الرِّياحِيِّ عَنْ أبِيهِ قالَ: أوْصى إلَيَّ رَجُلٌ وأوْصى بِبَدَنَةٍ فَأتَيْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ رَجُلًا أوْصى إلَيَّ وأوْصى بِبَدَنَةٍ فَهَلْ تُجْزِي عَنِّي بَقَرَةٌ ؟

قالَ: نَعَمْ ثُمَّ قالَ: مِمَّنْ صاحِبُكُمْ؟

فَقُلْتُ: مِن رِياحٍ قالَ: ومَتى اقْتَنى بَنُو رِياحٍ البَقَرَ إلى الإبِلِ وهِمَ صاحِبُكم إنَّما البَقَرُ لِأسَدٍ وعَبْدِ القَيْسِ فَتَدَبَّرْ.

وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وشَيْبَةُ وعِيسى «البُدُنَ» بِضَمِّ الباءِ والدّالِ، وقِيلَ وهو الأصْلُ كَخُشُبٍ وخَشَبَةٍ وإسْكانُ الدّالِ تَخْفِيفٌ مِنهُ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ نافِعٍ وأبِي جَعْفَرٍ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا بِضَمِّ الباءِ والدّالِ وتَشْدِيدِ النُّونِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمًا مُفْرَدًا بُنِيَ عَلى فِعْلٍ كَعُتُلٍّ واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ التَّشْدِيدُ مِنَ التَّضْعِيفِ الجائِزِ في الوَقْفِ وأُجْرِيَ الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ، والجُمْهُورُ عَلى نَصْبِ ( البُدْنَ ) عَلى الِاشْتِغالِ أيْ وجَعَلْنا البُدْنَ جَعَلْناها، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكُمْ ﴾ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِالجَعْلِ، و ﴿ مِن شَعائِرِ اللَّهِ ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكم فِيها خَيْرٌ ﴾ أيْ نَفْعٌ في الدُّنْيا وأجْرٌ في الآخِرَةِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنِ السُّدِّيِّ الِاقْتِصارُ عَلى الأجْرِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها.

﴿ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها ﴾ بِأنْ تَقُولُوا عِنْدَ ذَبْحِها بِسْمِ اللَّهِ واللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُمَّ مِنكَ ولَكَ.

وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي البَحْرِ بِأنْ يَقُولَ عِنْدَ النَّحْرِ: اللَّهُ أكْبَرُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُمَّ مِنكَ وإلَيْكَ.

﴿ صَوافَّ ﴾ أيْ قائِماتٍ قَدْ صَفَفْنَ أيْدِيَهُنَّ وأرْجُلَهُنَّ فَهو جَمْعُ صافَّةٍ ومَفْعُولُهُ مُقَدَّرٌ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ مَسْعُودٍ والباقِرُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعَطاءٌ والكَلْبِيُّ والأعْمَشُ بِخِلافٍ عَنْهُ «صَوافِنَ» بِالنُّونِ جَمْعُ صافِنَةٍ وهو إمّا مِن صَفَنَ الرَّجُلُ إذا صَفَّ قَدَمَيْهِ فَيَكُونُ بِمَعْنى صَوافَّ أوْ مِن صَفَنَ الفَرَسُ إذا قامَ عَلى ثَلاثٍ وطَرَفِ سُنْبُكِ الرّابِعَةِ لِأنَّ البَدَنَةَ عِنْدَ الذَّبْحِ تُعْقَلُ إحْدى يَدَيْها فَتَقُومُ عَلى ثَلاثٍ، وعَقْلُها عِنْدَ النَّحْرِ سُنَّةٌ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ رَأى رَجُلًا قَدْ أناخَ بَدَنَتَهُ وهو يَنْحَرُها فَقالَ: ابْعَثْها قِيامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةَ مُحَمَّدٍ  .

والأكْثَرُونَ عَلى عَقْلِ اليَدِ اليُسْرى، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ سابِطٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ  وأصْحابَهُ كانُوا يَعْقِلُونَ يَدَ البَدَنَةِ اليُسْرى ويَنْحَرُونَها قائِمَةً عَلى ما بَقِيَ مِن قَوائِمِها» .

وأخْرَجَ عَنِ الحَسَنِ قِيلَ لَهُ: كَيْفَ تُنْحَرُ البَدَنَةُ؟

قالَ: تُعْقَلُ يَدُها اليُسْرى إذا أُرِيدَ نَحْرُها، وذَهَبَ بَعْضٌ إلى عَقْلِ اليُمْنى فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ يَنْحَرُها وهي مَعْقُولَةٌ يَدُها اليُمْنى، وقِيلَ لا فَرْقَ بَيْنَ عَقْلِ اليُسْرى وعَقْلِ اليُمْنى، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ أيْضًا عَنْ عَطاءٍ قالَ: اعْقِلْ أيَّ اليَدَيْنِ شِئْتَ.

وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿ صَوافَّ ﴾ بِقائِماتٍ مَعْقُولَةً إحْدى أيْدِيهِنَّ فَلا فَرْقَ في المُرادِ بَيْنَ صَوافَّ وصَوافِنَ عَلى هَذا أصْلًا، لَكِنْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الصَّوافَّ عَلى أرْبَعٍ والصَّوافِنَ عَلى ثَلاثٍ.

وقَرَأ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وشَقِيقٌ وسُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ والأعْرَجُ «صَوافِيَ» بِالياءِ جَمْعُ صافِيَةٍ أيْ خَوالِصُ لِوَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا يُشْرَكُ فِيها شَيْءٌ كَما كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تُشْرِكُ، ونَوَّنَ الياءَ عُمَرُ وابْنُ عُبَيْدٍ وهو خِلافُ الظّاهِرِ لِأنَّ «صَوافِيَ» مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ، وخُرِّجَ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ وُقِفَ عَلَيْهِ بِألِفِ الإطْلاقِ لِأنَّهُ مَنصُوبٌ ثُمَّ نُوِّنَ تَنْوِينَ التَّرَنُّمِ لا تَنْوِينَ الصَّرْفِ بَدَلًا مِنَ الألِفِ، وثانِيهِما أنَّهُ عَلى لُغَةِ مَن يَصْرِفُ ما لا يُصْرَفُ لا سِيَّما الجَمْعَ المُتَناهِيَ ولِذا قالَ بَعْضُهم: والصَّرْفُ في الجَمْعِ أتى كَثِيرا حَتّى ادَّعى قَوْمٌ بِهِ التَّخْيِيرا وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا «صَوافٌ» بِالتَّنْوِينِ والتَّخْفِيفِ عَلى لُغَةِ مَن يَنْصِبُ المَنقُوصَ بِحَرَكَةٍ مُقَدَّرَةٍ ثُمَّ يَحْذِفُ الياءَ فَأصْلُ ﴿ صَوافَّ ﴾ صَوافِيَ حُذِفَتِ الياءُ لِثِقَلِ الجَمْعِ واكْتُفِيَ بِالكَسْرَةِ الَّتِي قَبْلَها ثُمَّ عُوِّضَ عَنْها بِالتَّنْوِينِ ونَحْوِهِ.

ولَوْ أنَّ واشٍ بِاليَمامَةِ دارُهُ ∗∗∗ ودارِي بِأعْلى حَضْرَمَوْتَ اهْتَدى لِيا وقَدْ تَبْقى الياءُ ساكِنَةً كَما في قَوْلِهِ: يا بارِي القَوْسِ بَرْيًا لَسْتَ تُحْسِنُها ∗∗∗ لا تُفْسِدَنَّها وأعْطِ القَوْسَ بارِيَها وعَلى ذَلِكَ قِراءَةُ بَعْضِهِمْ «صَوافِي» بِإثْباتِ الياءِ ساكِنَةً بِناءً عَلى أنَّهُ كَما في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( عَلَيْها ) ولَوْ جُعِلَ كَما قِيلَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ لَمْ يُحْتَجْ إلى التَّخْرِيجِ عَلى لُغَةٍ شاذَّةٍ ﴿ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها ﴾ أيْ سَقَطَتْ عَلى الأرْضِ وهو كِنايَةٌ عَنِ المَوْتِ.

وظاهِرُ ذَلِكَ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآثارِ يَقْتَضِي أنَّها تُذْبَحُ وهي قائِمَةٌ، وأُيِّدَ بِهِ كَوْنُ البُدْنِ مِنَ الإبِلِ دُونَ البَقَرِ لِأنَّهُ لَمْ تَجْرِ عادَةٌ بِذَبْحِها قائِمَةً وإنَّما تُذْبَحُ مُضْطَجِعَةً وقَلَّما شُوهِدَ نَحْرُ الإبِلِ وهي مُضْطَجِعَةٌ ﴿ فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ ﴾ أيِ الرّاضِيَ بِما عِنْدَهُ وبِما يُعْطى مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ ولا تَعَرُّضٍ لَها، وعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُ لَبِيدٍ: فَمِنهم سَعِيدٌ آخِذٌ بِنَصِيبِهِ ∗∗∗ ومِنهم شَقِيٌّ بِالمَعِيشَةِ قانِعُ ﴿ والمُعْتَرَّ ﴾ أيِ المُعْتَرِضَ لِلسُّؤالِ مِنَ اعْتَرَّهُ إذا تَعَرَّضَ لَهُ، وتَفْسِيرُهُما بِذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ومُجاهِدٌ وإبْراهِيمُ والحَسَنُ والكَلْبِيُّ: ﴿ القانِعَ ﴾ السّائِلَ كَما في قَوْلِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: وما خُنْتُ ذا عَهْدٍ وأيَّتُ بِعَهْدِهِ ∗∗∗ ولَمْ أحْرِمِ المُضْطَرَّ إذْ جاءَ قانِعا ﴿ والمُعْتَرَّ ﴾ المُعْتَرِضَ مِن غَيْرِ سُؤالٍ، فالقانِعُ قِيلَ عَلى الأوَّلِ مِن قَنِعَ يَقْنَعُ كَتَعِبَ يَتْعَبُ قَنَعًا إذا رَضِيَ بِما عِنْدَهُ مِن غَيْرِ سُؤالٍ، وعَلى الثّانِي مِن قَنَعَ يَقْنَعُ كَسَألَ يَسْألُ لَفْظًا ومَعْنى قُنُوعًا.

وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُ الشّاعِرِ: العَبْدُ حُرٌّ إنْ قَنَعَ ∗∗∗ والحُرُّ عَبْدٌ إنْ قَنَعَ فاقْنَعْ ولا تَطْمَعْ فَما ∗∗∗ شَيْءٌ يَشِينُ سِوى الطَّمَعِ فَلا يَكُونُ ﴿ القانِعَ ﴾ عَلى هَذا مِنَ الأضْدادِ لِاخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، ونَصَّ عَلى ذَلِكَ الخَفاجِيُّ حاكِمًا بِتَوَهُّمِ مَن يَقُولُ بِخِلافِهِ.

وفي الصِّحاحِ نُقِلَ القَوْلُ بِأنَّهُ مِنَ الأضْدادِ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِشَيْءٍ، ونُقِلَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ السّائِلُ سُمِّيَ قانِعًا لِأنَّهُ يَرْضى بِما يُعْطى قَلَّ أوْ كَثُرَ ويَقْبَلُهُ ولا يَرُدُّ فَيَكُونُ مَعْنى الكَلِمَتَيْنِ راجِعًا إلى الرِّضى، وإلى كَوْنِ قَنِعَ بِالكَسْرِ بِمَعْنى رَضِيَ وقَنَعَ بِالفَتْحِ بِمَعْنى سَألَ ذَهَبَ الرّاغِبُ وجَعَلَ مَصْدَرَ الأوَّلِ قَناعَةً وقَنَعانًا ومَصْدَرَ الثّانِي قُنُوعًا.

ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ أصْلَ ذَلِكَ مِنَ القِناعِ وهو ما يُغَطّى بِهِ الرَّأْسُ فَقَنِعَ بِالكَسْرِ لَبِسَ القِناعَ ساتِرًا لِفَقْرِهِ كَقَوْلِهِمْ: خَفِيَ إذا لَبِسَ الخَفاءَ وقَنَعَ إذا رَفَعَ قِناعَهُ كاشِفًا لِفَقْرِهِ بِالسُّؤالِ نَحْوَ خَفِيَ إذا رَفَعَ الخَفاءَ، وأُيِّدَ كَوْنُ القانِعِ بِمَعْنى الرّاضِي بِقِراءَةِ أبِي رَجاءٍ «القَنِعَ» بِوَزْنِ الحَذِرِ بِناءً عَلى أنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِمَعْنى السّائِلِ بِخِلافِ القانِعِ فَإنَّهُ ورَدَ بِالمَعْنَيَيْنِ والأصْلُ تَوافُقُ القِراءاتِ، وعَنْ مُجاهِدٍ «القانِعُ» الجارُ وإنْ كانَ غَنِيًّا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْهُ وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ القانِعَ أهْلُ مَكَّةَ والمُعْتَرَّ سائِرُ النّاسِ، وقِيلَ: المُعْتَرُّ الصَّدِيقُ الزّائِرُ، والَّذِي أخْتارُهُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أوَّلُها.

وقَرَأ الحَسَنُ «والمُعْتَرِيَ» اسْمُ فاعِلٍ مِنَ اعْتَرى وهو واعْتَرَّ بِمَعْنى.

وقَرَأ عَمْرٌ و وإسْماعِيلُ كَما نَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ «المُعْتَرِ» بِكَسْرِ الرّاءِ بِدُونِ ياءٍ، ورَوى ذَلِكَ المُقْرِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجاءَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أبِي رَجاءٍ وحُذِفَتِ الياءُ تَخْفِيفًا مِنهُ واسْتِغْناءً بِالكَسْرَةِ عَنْها.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الهَدْيَ يُقَسَّمُ أثْلاثًا ثُلُثٌ لِصاحِبِهِ وثُلُثٌ لِلْقانِعِ وثُلُثٌ لِلْمُعْتَرِّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِقِسْمَتِهِ أثْلاثًا أيْضًا إلّا أنَّهُ قالَ: أطْعِمُ القانِعَ والمُعْتَرَّ ثُلُثًا والبائِسَ الفَقِيرَ ثُلُثًا وأهْلِيَ ثُلُثًا وفي القَلْبِ مِن صِحَّتِهِ شَيْءٌ.

وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: لَيْسَ لِصاحِبِ الهَدْيِ مِنهُ إلّا الرُّبُعُ وكَأنَّهُ عَدَّ القانِعَ والمُعْتَرَّ والبائِسَ الفَقِيرَ ثَلاثَةً وهو كَما تَرى، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كُلُّهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحْسانِ لا الفَرْضِ، وكَأنَّهُ أرادَ بِالِاسْتِحْسانِ النَّدْبَ فَيَكُونُ قَدْ حَمَلَ كِلا الأمْرَيْنِ في الآيَةِ عَلى النَّدْبِ.

وفِي التَّيْسِيرِ أمْرُ (كُلُوا ) لِلْإباحَةِ ولَوْ لَمْ يَأْكُلْ جازَ وأمْرُ ( أطْعِمُوا ) لِلنَّدْبِ ولَوْ صَرَفَهُ كُلَّهُ لِنَفْسِهِ لَمْ يَضْمَن شَيْئًا، وهَذا في كُلِّ هَدْيٍ نُسُكٍ لَيْسَ بِكَفّارَةٍ وكَذا الأُضْحِيَّةُ، وأمّا الكَفّارَةُ فَعَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِها فَما أكَلَهُ أوْ أهْداهُ لِغَنِيٍّ ضَمِنَهُ.

وفي الهِدايَةِ يُسْتَحِبُّ لَهُ أنْ يَأْكُلَ مِن هَدْيِ التَّطَوُّعِ والمُتْعَةِ والقِرانِ وكَذا يُسْتَحَبُّ أنْ يَتَصَدَّقَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي عَرَفَ في الضَّحايا وهو قَوْلٌ بِنَحْوِ ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ في كِلا الأمْرَيْنِ وأباحَ مالِكٌ الأكْلَ مِنَ الهَدْيِ الواجِبِ إلّا جَزاءَ الصَّيْدِ والأذى والنَّذْرِ، وأباحَهُ أحْمَدُ إلّا مِن جَزاءِ الصَّيْدِ والنَّذْرِ، وعِنْدَ الحَسَنِ الأكْلُ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ مُباحٌ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في كُتُبِ الفِقْهِ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّسْخِيرِ البَدِيعِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ صَوافَّ ﴾ ﴿ سَخَّرْناها لَكُمْ ﴾ مَعَ كَمالِ عِظَمِها ونِهايَةِ قُوَّتِها فَلا تَسْتَعْصِي عَلَيْكم حَتّى إنَّكم تَأْخُذُونَها مُنْقادَةً فَتَعْقِلُونَها وتَحْبِسُونَها صافَّةً قَوائِمَها ثُمَّ تَطْعَنُونَ في لَبّاتِها ولَوْلا تَسْخِيرُ اللَّهِ تَعالى لَمْ تُطَقْ ولَمْ تَكُنْ بِأعْجَزَ مِن بَعْضِ الوُحُوشِ الَّتِي هي أصْغَرُ مِنها جِرْمًا وأقَلُّ قُوَّةً وكَفى ما يَتَأبَّدُ مِنَ الإبِلِ شاهِدًا وعِبْرَةً.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَما أمَرْناكم فِيها بِهَذا كُلِّهِ سَخَّرْناها لَكم ولا يَخْفى بُعْدُهُ ﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ أيْ لِتَشْكُرُوا إنْعامَنا عَلَيْكم بِالتَّقَرُّبِ والإخْلاصِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: ذلِكَ يقول: هذا الذي أمر من اجتناب الأوثان.

وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ، يعني: البدن، فيذبح أعظمها وأسمنها.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «تعظيمها استعظامها، وأيضاً استسمانها واستحسانها» .

ثم قال: فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ، يعني: من إخلاص القلوب، ويقال: من صفاء القلوب، وشَعائِرَ اللَّهِ: معالم الله ودينه، التي ندب إلى القيام بها وواحدها: شعيرة.

قوله عز وجل: لَكُمْ فِيها مَنافِعُ، يعني: في البدن.

وقال مجاهد: يعني: في ركوبها وشرب ألبانها وأوبارها.

إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، يعني: إلى أجَلٍ مسمًّى بدناً، فمحلها إلى البيت العتيق.

وروي عن ابن عباس نحو هذا، وقد قول بعض الناس: إنه يجوز ركوب البدن، وقال أهل العراق: لا يجوز إلا عند الضرورة، ويضمن ما نقصها الركوب، وهذا القول أحوط الوجهين.

ثُمَّ مَحِلُّها يعني: منحرها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، يعني: في الحرم.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «جَمِيعُ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ» .

ثم قال عز وجل: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ، يعني: لكل أهل دين، ويقال: لكل قوم من المؤمنين فيما خلا، جَعَلْنا مَنْسَكاً يعني: ذبحاً لهراقة دمائهم.

ويقال: مذبحاً يذبحون فِيهِ.

قال الزجاج: معناه، جعلنا لكل أمة أن تتقرب بأن تذبح الذبائح لله تعالى.

قرأ حمزة والكسائي مَنْسَكاً بكسر السين، وقرأ الباقون بالنصب.

فمن قرأ بالكسر، يعني: مكان النسك.

ومن قرأ بالنصب، فعلى المصدر.

وقال أبو عبيد: قراءتنا هي بالنصب لفخامتها.

ثم قال: لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ، يعني: يذكرون اسم الله تعالى عند الذبح.

فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، أي ربكم رب واحد.

فَلَهُ أَسْلِمُوا، أي: أخلصوا بالتسمية عند الذبيحة وفي التلبية.

وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ، أي: المخلصين بالجنة.

ويقال: المجتهدين في العبادة والسكون فيها.

قال قتادة: المختبون المتواضعون.

وقال الزجاج: أصله من الخبت من الأرض، وهو المكان المنخفض.

ويقال: المخبت الذي فيه الخصال التي ذكرها الله بعده، وهو قوله عز وجل: الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، يعني: خافت قلوبهم وَالصَّابِرِينَ عَلى مَا أَصابَهُمْ من أمر الله من المرازي والمصائب وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ يعني: يقيمونها بمواقيتها، وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ يعني: يتصدقون وينفقون في الطاعة.

ثم ذكر البدن، يعني: ينحرون البدن.

فهذه الخصال الخمسة صفة المخبتين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ت وأظهرُ هذه التأويلات عندي تأويلُ عطاءٍ، وفي الثالث بعضُ تكلُّفٍ، ثم أخبر تعالى أنه جعل لكل أُمة من الأُمم المؤمنة منسكاً، أي: موضعَ نُسُكٍ وعبادة، هذا على أَنَّ المنسك ظرف، ويحتملُ أَنْ يريد به المصدر كأنه قال: عبادة، والناسِكِ العابد.

وقال مجاهد «١» : سُنَّةً في هراقة دماء الذبائح.

وقوله: لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ معناه أمرناهم عند ذبائحهم بذكر الله، وأن يكون الذبح له لأَنَّهُ رازق ذلك، وقوله: فَلَهُ أَسْلِمُوا أي: آمنوا، ويحتمل أَنْ يريد استسلموا، ثم أمر سبحانه نبيّه صلى الله عليه وسلّم أَنْ يُبَشِّرَ بشارةً على الإطلاق، وهي أبلغ من المفسرة لأنها مُرْسَلَةٌ مع نهاية التخيل للمخبتين المتواضعين الخاشعين المؤمنين، والخبت ما انخفض من الأَرض، والمُخْبِتُ المتواضع الذي مَشْيُهُ متطامن كأنه في حدورٍ من الأرض، وقال عمرو بن أوس «٢» : المخبتون الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا.

قال ع «٣» : وهذا مثال شريف من خلق المؤمن الهيّن الليّن، وقال مجاهد: هم المطمئنون بأمر اللهِ تعالى، ووصفهم سبحانه بالخوفِ والوَجَلِ عند ذكر الله تعالى، وذلك لِقُوَّةِ يقينهم ومراقبتهم لربهم، وكأنهم بين يديه جلَّ وعلا، ووَصَفَهُم بالصبر وبإقامة الصلاة وإدامتها، ورُوِيَ: أَنَّ هذه الآية قوله: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ نزلت في أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ (رضي الله عنهم أجمعين) .

وقوله سبحانه: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ البُدْنُ: جمع بدنة، وهي ما أشعر من ناقة أو بقرة قاله عطاء وغيره «٤» ، وسمّيت بذلك لأنها تبدن، أي:

تسمن.

وقيل: بل هذا الاسم خاصٌّ بالإبل، والخير هنا قيل فيه ما قيل في المنافع التي تَقدَّم ذكرُها، والصوابُ عُمُومُه في خير الدنيا والآخرة.

وقوله: عَلَيْها يريد عند نَحْرِها، وصَوافَّ، أي: مُصْطَفَّةً، وقرأ ابن مسعود «١» ، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم: «صَوَافِنَ» جمع صَافِنَة، وهي التي رُفِعَتْ إحدى يديها بالعقل لئَلاَّ تضطرب، ومنه في الخيل الصَّافِناتُ الْجِيادُ [ص: ٣١] ، و «وجبت» معناه: سقطت.

٢٦ أوقوله: فَكُلُوا مِنْها: / نَدْبٌ، وكل العلماء يستحب أن يأكل الإِنسان من هديه، وفيه أَجْرٌ وامتثالٌ إذْ كان أهل الجاهليَّةِ لا يأكلون من هديهم، وتحرير القول في الْقانِعَ: أنَّهُ السائل والْمُعْتَرَّ المُتَعَرِّضُ من غير سؤال قاله الحسن ومجاهد وغيرهما «٢» ، وعكست فرقة هذا القول، فحكى الطبريُّ «٣» عن ابن عباس أنَّهُ قال: القَانِعُ:

المُسْتَغني «٤» بما أعطيته، والمعترُّ: هو المتعرض «٥» ، وحكي عنه أَنَّهُ قال: القَانِعُ:

المُتَعَفِّفُ، والمُعترُّ: السائل «٦» .

قال ع «٧» : يُقَالُ: قَنَعَ الرجلُ- بفتح النون- يَقْنَعُ قُنُوعاً فهو قَانِعٌ إذا سأل فالقانع: هو السائل بفتح النون في الماضي، وقَنِعَ- بكسر النون- يَقْنَعُ قَنَاعَةً فهو قَنِعٌ إذا تَعَفَّفَ واستغنى ببلغته قاله الخليل بن أحمد.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وبَعْضُ أصْحابِ أبِي عَمْرٍو بِكَسْرِ السِّينِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها.

فَمَن فَتَحَ أرادَ المَصْدَرَ مِن نَسَكَ يَنْسُكُ، ومَن كَسَرَ أرادَ مَكانَ النُّسُكِ كالمَجْلِسِ والمَطْلَعِ.

ومَعْنى الآيَةِ: لِكُلِّ جَماعَةٍ مُؤْمِنَةٍ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ جَعَلْنا ذَبْحَ القَرابِينِ؛ ﴿ لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ ﴾ ، وإنَّما خَصَّ بَهِيمَةَ الأنْعامِ؛ لِأنَّها المَشْرُوعَةُ في القُرْبِ.

والمُرادُ مِنَ الآيَةِ: أنَّ الذَّبائِحَ لَيْسَتْ مِن خَصائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وأنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَيْها كانَتْ مَشْرُوعَةً قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ ؛ أيْ: لا يَنْبَغِي أنْ تَذْكُرُوا عَلى ذَبائِحِكم سِواهُ، ﴿ فَلَهُ أسْلِمُوا ﴾ ؛ أيِ: انْقادُوا واخْضَعُوا، وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الإخْباتِ في ( هُودٍ: ٢٣ )، وكَذَلِكَ ألْفاظُ الآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ ﴾ ﴿ لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ ﴾ ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَلَهُ أسْلِمُوا وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم والصابِرِينَ عَلى ما أصابَهم والمُقِيمِي الصَلاةِ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ التَقْدِيرُ في هَذا المَوْضِعِ: الأمْرُ ذَلِكَ.

و"الشَعائِرُ" جَمْعُ شَعِيرَةٍ، وهي كُلُّ شَيْءٍ لِلَّهِ تَعالى فِيهِ أمْرٌ أشْعَرَ بِهِ وأعْلَمَ، قالَتْ فِرْقَةٌ: قَصَدَ بِالشَعائِرِ في هَذِهِ الآيَةِ الهَدْيِ والأنْعامَ المُشْعِرَةَ، ومَعْنى "تَعْظِيمِها" التَسْمِينِ والِاهْتِبالَ بِأمْرِها والمُغالاةِ بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ.

وعَوْدُ الضَمِيرِ في "فَإنَّها" عَلى التَعْظِمَةِ والفَعْلَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها الكَلامُ، وقُرِئَ "القُلُوبُ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّها فاعِلَةٌ بِالمَصْدَرِ الَّذِي هو "تَقْوى"، ثُمُ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَكم فِيها مَنافِعُ ﴾ الآيَةُ، فَقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: أرادَ أنَّ لِلنّاسِ في أنْعامِهِمْ مَنافِعَ مِنَ الصُوفِ واللَبَنِ وغَيْرِ ذَلِكَ ما لَمْ يَبْعَثْها رَبُّها هَدْيًا، فَإذا بَعَثَها فَهو "الأجَلُ المُسَمّى"، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: أرادَ: لَكم في الهَدْيِ المَبْعُوثِ مَنافِعُ مِنَ الرُكُوبِ والِاحْتِلابِ لِمَنِ اضْطُرَّ، و"الأجَلُ المُسَمّى": نَحْرُها، وتَكُونُ "ثُمْ" لِتَرْتِيبِ الجُمَلِ، لِأنَّ "المَحَلَّ" قَبْلَ "الأجَلِ"، ومَعْنى الكَلامِ عِنْدَ هاتَيْنِ الفِرْقَتَيْنِ: ثُمْ مَحِلُّها إلى مَوْضِعِ النَحْرِ، فَذِكْرُ البَيْتِ لِأنَّهُ أشْرَفُ الحُرُمْ وهو المَقْصُودُ بِالهَدْيِ وغَيْرِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عُمَرَ، والحُسْنُ: تِلْكَ الشَعائِرُ في هَذِهِ الآيَةِ مَواضِعُ الحَجِّ كُلُّها ومَعالِمُهُ بِمِنى وعَرَفَةَ والمُزْدَلِفَةَ والصَفا والمَرْوَةَ والبَيْتِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي الآيَةِ الَّتِي تَأْتِي أنَّ البَدَنَ مِنَ الشَعائِرِ، و"المَنافِعُ": التِجارَةُ وطَلَبُ الرِزْقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ كَسْبَ الأجْرِ والمَغْفِرَةَ، وبِكُلِّ احْتِمالٍ قالَتْ فِرْقَةٌ، و"الأجَلُ": الرُجُوعُ إلى مَكَّةَ وطَوافُ الإفاضَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمْ مَحِلُّها" مَأْخُوذٌ مِن إحْلالِ المُحَرَّمِ مَعْناهُ، ثُمْ أخَّرَ هَذا كُلَّهُ إلى طَوافِ الإفاضَةِ بِالبَيْتِ العَتِيقِ، فالبَيْتُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مُرادٌ بِنَفْسِهِ، قالَهُ مالِكٌ في (المُوَطَّأِ).

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ مَنسَكًا، أيْ مَوْضِعَ نُسُكٍ وعِبادَةٍ، ثُمْ أنَّ المَنسَكَ ظَرْفٌ كالمَذْبَحِ ونَحْوَ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ المَصْدَرَ، كَأنَّهُ قالَ: عِبادَةٌ وَنَحْوَها، والناسِكُ: العابِدُ، وقالَ مُجاهِدٌ: سُنَّةٌ في إراقَةِ دِماءِ الذَبائِحِ، وقَرَأ مُعْظَمُ القُرّاءِ: "مَنسَكًا" بِفَتْحِ السِينِ، وهو مِن: نَسَكَ يَنْسُكُ بِضَمِّ السِينِ في المُسْتَقْبَلِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "مَنسِكًا" بِكَسْرِ السِينِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: الفَتْحُ أُولى؛ لِأنَّهُ إمّا المَصْدَرُ وإمّا المَكانُ وكُلاهُما مَفْتُوحٌ، والكَسْرُ في هَذا مِنَ الشاذِّ في اسْمِ المَكانِ أنْ يَكُونَ (مَفْعِلْ) مِن: فَعَلَ يَفْعَلُ، مِثْلَ مَسْجِدٌ، مِن: سَجَدَ يَسْجُدُ، ولا يَسُوغُ فِيهِ القِياسُ، ويُشْبِهُ أنَّ الكِسائِيَّ سَمِعَهُ مِنَ العَرَبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: أمَرْناهم عِنْدَ ذَبائِحِهِمْ بِذِكْرِ اللهِ، وأنْ يَكُونَ الذَبْحُ لَهُ لِأنَّهُ رازِقُ ذَلِكَ، ثُمْ رَجَعَ اللَفْظُ مِنَ الخَبَرِ عَنِ الأُمَمِ إلى إخْبارِ الحاضِرِينَ بِما مَعْناهُ: فالإلَهُ واحِدٌ لِجَمِيعِكُمْ، فَكَذَلِكَ الأمْرُ في الذَبِيحَةِ إنَّما يَنْبَغِي أنْ تُخْلِصَ لَهُ، و"أسْلَمُوا" مَعْناهُ: لِحَقِّهِ ولِوَجْهِهِ ولِإنْعامِهِ آمَنُوا وأسْلَمُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الِاسْتِسْلامَ.

ثُمْ أمَرَ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ  أنْ يُبَشِّرَ بِشارَةً عَلى الإطْلاقِ، وهي أبْلَغُ مِنَ المُفَسِّرَةِ لِأنَّها مُرْسَلَةٌ مَعَ نِهايَةِ التَخَيُّلِ، و "المُخْبِتِينَ": المُتَواضِعِينَ الخاشِعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، و"الخَبْتُ": ما انْخَفَضَ مِنَ الأرْضِ، والمُخْبِتُ: المُتَواضِعُ الَّذِي مَشْيُهُ مَتَطامِنٌ كَأنَّهُ في حُدُورٍ مِنَ الأرْضِ، وقالَ عَمْرُو بْنِ أوسِ: المُخْبِتُونَ: الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ وإذا ظَلَمُوا لَمْ يَنْتَصِرُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِثالٌ شَرِيفٌ مَن خُلُقِ المُؤْمِنِ الهَيِّنِ اللَيِّنِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ المُطَمْئِنُونَ بِأمْرِ اللهِ تَعالى، ووَصَفَهم تَعالى بِالخَوْفِ والوَجِلِ عِنْدَ ذِكْرِ اللهِ، وتِلْكَ لِقُوَّةِ يَقِينِهِمْ ومُراعاتِهِمْ لِرَبِّهِمْ وكَأنَّهم بَيْنَ يَدَيْهِ، ووَصْفَهم تَبارَكَ وتَعالى بِالصَبْرِ والصَلاةِ وإقامَةِ الصَلاةِ وإدامَتِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الصَلاةُ" بِالخَفْضِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحَقٍ، والحُسْنِ: "الصَلاةُ" بِالنَصْبِ عَلى تَوَهُّمُ النُونِ وأنَّ حَذْفَها لِلتَّخْفِيفِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرُو، وَقَرَأ الأعْمَشُ: "والمُقِيمِينَ الصَلاةَ" بِالنُونِ والنُصْبِ في "الصَلاةِ"، وقَرَأ الضِحاكُ: "والمُقِيمُ الصَلاةَ"، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ -قَوْلُهُ تَعالى: "وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ"- نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ﴾ [الحج: 34] أي جعلنا منسكاً للقربان والهدايا، وجعلنا البدن التي تُهدى ويتقرب بها شعائرَ من شعائر الله.

والمعنى: أنّ الله أمر بقربان البُدْن في الحجّ من عهد إبراهيم عليه السلام وجعلها جزاء عما يترخص فيه من أعمال الحجّ.

وأمر بالتطوع بها فوعد عليها بالثواب الجزيل فنالت بذلك الجَعل الإلهي يُمناً وبركة وحرمة ألحقتها بشعائر الله، وامتن بذلك على الناس بما اقتضته كلمة ﴿ لكم ﴾ .

والبدن: جمع بَدنَة بالتحريك، وهي البعير العظيم البَدن.

وهو اسم مأخوذ من البَدانة، وهي عِظم الجثّة والسمن، وفعله ككرم ونصر، وليست زنة بدنة وصفاً ولكنها اسم مأخوذ من مادة الوصف، وجمعه بُدْن.

وقياس هذا الجمع أن يكون مضموم الدال مثل خُشُب جمع خشبة، وثُمرُ جمع ثَمرة، فتسكين الدال تخفيف شائع، وغلب اسم البدنة على البعير المعيّن للهدي.

وفي «الموطأ»: " عن أبي هُريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنة فقال: اركَبْها، فقال: إنها بدنة، فقال: اركَبْها، فقال: إنها بدنة، فقال: اركبْها ويلك في الثانية أو الثالثة " فقول الرجل: إنها بدنة، متعين لإرادة هديه للحجّ.

وتقديم ﴿ البُدن ﴾ على عامله للاهتمام بها تنويهاً بشأنها.

والاقتصار على البدن الخاصصِ بالإبل لأنها أفضل في الهَدي لكثرة لحمها، وقد ألحقت بها البقر والغنم بدليل السنّة، واسم ذلك هَدي.

ومعنى كونها من شعائر الله: أنّ الله جعلها معالم تؤذن بالحج وجعل لها حرمة.

وهذا وجه تسميتهم وضع العلامة التي يعلّم بها بعير الهَدْي في جلده إشعاراً.

قال مالك في «الموطأ»: «كان عبد الله بن عمر إذا أهدى هدْياً من المدينة قلّده وأشعره بذي الحليفة، يقلّده قبل أن يُشعره...

يقلده بنعلين ويشعره من الشق الأيسر...» بطعن في سنامه فالإشعار إعداد للنحر.

وقد عدها في جملة الحرمات في قوله: {لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي في سورة العقود (2).

وتقديم ﴿ لكم ﴾ على المبتدأ ليتأتى كون المبتدأ نكرة ليفيد تنوينه التعظيم، وتقديم ﴿ فيها ﴾ على متعلّقه وهو ﴿ خير ﴾ للاهتمام بما تجمعه وتحتوي عليه من الفوائد.

والخير: النّفع، وهو ما يحصل للناس من النفع في الدنيا من انتفاع الفقراء بلحومها وجلودها وجِلالها ونعالها وقَلائدها.

وما يحصل للمُهدين وأهلهم من الشبع من لحمها يوم النّحر، وخير الآخرة من ثواب المُهدين، وثواب الشكر من المعطَيْن لحومَها لربّهم الذي أغناهم بها.

وفرع على ذلك أن أمَرَ الناس بأن يذكروا اسم الله عليها حين نحرها.

وصوافّ: جمع صافّة.

يقال: صف إذا كان مع غيره صفّا بأن اتّصل به.

ولعلّهم كانوا يصفُّونها في المنحر يوم النّحر بمِنى، لأنه كان بمِنى موضع أُعدّ للنحر وهو المنحَر.

وقد ورد في حديث مسلم عن جابر بن عبدالله في حجّة الوداع قال فيه: «ثم انصرف رسول الله إلى المنحرَ فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثلاثاً وستين بَدنة جعل يطعنها بحَربة في يده ثم أعطى الحربة عليّاً فنحر ما غَبَر، أي ما بقي وكانت مائة بدنة» وهذا يقتضي أنها كانت مجتمعة متقاربة.

وانتصب ﴿ صوافّ ﴾ على الحال من الضمير المجرور في قوله ﴿ عليها ﴾ .

وفائدة هذه الحال ذكر محاسن من مَشاهد البُدن فإن إيقاف الناس بدنهم للنحر مجتمعة ومنتظمة غير متفرقة مما يزيد هيئتها جلالاً.

وقريب منه قوله تعالى: ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص ﴾ [الصف: 4].

ومعنى ﴿ وجبت ﴾ سقطت، أي إلى الأرض، وهو كناية عن زوال الروح التي بها الاستقلال.

والقصد من هذا التوقيت المبادرة بالانتفاع بها إسراعاً إلى الخير الحاصل من ذلك في الدنيا بإطعام الفقراء وأكل أصحابها منها فإنه يستحب أن يكون فطور الحاج يوم النحر مِن هديه، وكذلك الخير الحاصل من ثواب الآخرة.

والأمر في قوله ﴿ فكلوا منها ﴾ مجمل، يحتمل الوجوب ويحتمل الإباحة ويحتمل الندب، وقرينة عدم الوجوب ظاهرة لأنّ المكلف لا يفرض عليه ما الداعي إلى فعله من طبعه.

وإنما أراد الله إبطال ما كان عند أهل الجاهلية من تحريم أكل المُهدي من لحوم هديه فبقي النظر في أنه مباح بحت أو هو مندوب.

واختلف الفقهاء في الأكل من لحوم الهدايا الواجبة.

فقال مالك: يباح الأكل من لحوم الهدايا الواجبة، وهو عنده مستحبّ ولا يؤكل من فدية الأذى وجزاءِ الصيد ونذر المساكين، والحُجّة لمالك صريح الآية.

فإنها عامة إلا ما قام الدّليل على منعه وهي الثلاثة الأشياء المستثناة.

وقال أبو حنيفة: يأكل من هدي التمتّع والقِران، ولا يأكل من الواجب الذي عيّنه الحاج عند إحرامه.

وقال الشافعي: لا يأكل من لحوم الهدايا بحاللٍ مستنداً إلى القياس، وهو أن المُهدي أوجب إخراج الهدي من ماله فكيف يأكل منه.

كذا قال ابن العربي.

وإذا كان هذا قصارى كلام الشافعي فهو استدلال غير وجيه ولفظ القرآن ينافيه لا سيما وقد ثبت أكل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من لحوم الهدايا بأحاديث صحيحة.

وقال أحمد: يؤكل من الهدايا الواجبة إلاّ جزاء الصيد والنذر.

وأما الأمر في قوله: ﴿ وأطعموا القانع والمعتر ﴾ فقال الشافعي: للوجوب، وهو الأصح.

قال ابن العربي وهو صريح قول مالك.

وقلت: المعروف من قول مالك أنه لو اقتصر المُهدي على نحر هديه ولم يتصدق منه ما كان آثماً.

والقانع: المتصف بالقنوع، وهو التذلل.

يقال: قنَع من باب سَأل.

قُنوعاً بضم القاف إذا سأل بتذلّل.

وأما القناعة ففعلها من باب تَعِب ويستوي الفعل المضارع مع اختلاف الموجب.

ومن أحسن ما جمع من النظائر ما أنشده الخفاجي: العَبْد حرّ إن قَنِع *** والحر عبد إن قنَع فاقنَع ولا تقنَع فما *** شيء يشين سوى الطمَع وللزمخشري في «مقاماته»: «يا أبا القاسم اقنَع من القَناعة لا من القنوع، تستغْن عن كل مِعْطَاءٍ ومنوع».

وفي «الموطأ» في كتاب الصيد قال مالك: «والقانع هو الفقير».

والمعتَرّ: اسم فاعل من اعترّ، إذا تعرّض للعطاء، أي دون سؤال بل بالتعريض وهو أن يحضر موضع العطاء، يقال: اعترّ، إذا تعرّض.

وفي «الموطأ» في كتاب الصيد قال مالك: «وسمعت أنّ المعترّ هو الزائر، أي فتكون من عرا إذا زار» والمراد زيارة التعرض للعطاء.

وهذا التفسير أحسن ويرجحه أنه عطف ﴿ المعترّ ﴾ على ﴿ القانع، ﴾ فدل العطف على المغايرة، ولو كانا في معنى واحد لما عطف عليه كما لم يعطف في قوله ﴿ وأطعموا البائس الفقير ﴾ [الحج: 28].

وجملة ﴿ وكذلك سخرناها لكم ﴾ استئناف للامتنان بما خلق من المخلوقات لنفع الناس.

والأمارة الدالة على إرادته ذلك أنه سخّرها للناس مع ضعف الإنسان وقوّة تلك الأنعام فيأخذ الرجل الواحد العدد منها ويسوقها منقادة ويؤلمونها بالإشعار ثم بالطعن.

ولولا أنّ الله أودع في طباعها هذا الانقياد لما كانت أعجزَ من بعض الوحوش التي هي أضعف منها فتنفر من الإنسان ولا تسخّر له.

وقوله ﴿ كذلك ﴾ هو مثل نظائره، أي مثلَ ذلك التسخير العجيب الذي ترونه كان تسخيرها لكم.

ومعنى ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ خلقناها مسخرة لكم استجلاباً لأن تشكروا الله بإفراده بالعبادة.

وهذا تعريض بالمشركين إذا وضعوا الشكر موضع الشكر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ ﴾ في البُدْنِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الإبِلُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّها الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ، وهو قَوْلُ جابِرٍ، وعَطاءٍ.

والثّالِثُ: كُلُّ ذاتِ خُفٍّ وحافِرٍ مِنَ الإبِلِ، والبَقَرِ، والغَنَمِ، وهو شاذٌّ حَكاهُ ابْنُ الشَّجَرَةِ، وسُمِّيَتْ بُدْنًا لِأنَّها مُبَدَّنَةٌ في السِّمَنِ، وشَعائِرُ اللَّهِ تَعالى دِينُهُ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، وفُرُوضُهُ في الوَجْهِ الآخَرِ.

وَتَعَمَّقَ بَعْضُ أصْحابِ الخَواطِرِ فَتَأوَّلَ البُدْنَ أنْ تُطَهِّرَ بَدَنَكَ مِنَ البِدَعِ، والشَّعائِرُ أنْ تَسْتَشْعِرَ بِتَقْوى اللَّهِ وطاعَتِهِ، وهو بَعِيدٌ.

﴿ لَكم فِيها خَيْرٌ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أيْ أجْرٌ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: مَنفَعَةٌ فَإنِ احْتِيجَ إلى ظَهْرِها رُكِبَ، وإنْ حُلِبَ لَبَنُها شُرِبَ، وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ النَّخْعِيِّ.

﴿ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ ﴾ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صَوافِيَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَوافِنَ.

فَتَأوَّلَ صَوافَّ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُصْطَفَّةً، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.

والثّانِي: قائِمَةً لِتَصَفُّدِ يَدَيْها بِالقُيُودِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.

والثّالِثُ: مَعْقُولَةً، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

وَتَأْوِيلُ صَوافِيَ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ: أيْ خالِصَةً لِلَّهِ تَعالى، مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّفْوَةِ.

وَتَأْوِيلُ صَوافِنَ وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّها مَصْفُوفَةٌ، وهو أنْ تَعْقِلَ إحْدى يَدَيْها حَتّى تَقِفَ عَلى ثَلاثٍ، مَأْخُوذٌ مِن صَفَنَ الفَرَسَ إذا ثَنى إحْدى يَدَيْهِ حَتّى يَقِفَ عَلى ثَلاثٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الصّافِناتُ الجِيادُ ﴾ وقالَ الشّاعِرُ: ألِفَ الصُّفُونَ مِمّا يَزالُ كَأنَّهُ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَّلاثِ كَسِيرًا ﴿ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها ﴾ أيْ سَقَطَتْ جَنُوبُها عَلى الأرْضِ، ومِنهُ وجَبَ الحائِطُ إذا سَقَطَ، ووَجَبَتِ الشَّمْسُ إذا سَقَطَتْ لِلْغُرُوبِ، وقالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ: ألَمْ تُكْسَفُ الشَّمْسُ ضَوْءُ النَّهارِ ∗∗∗ والبَدْرُ لِلْجَبَلِ الواجِبِ ﴿ فَكُلُوا مِنها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ أكْلَهُ مِنها واجِبٌ إذا تَطَوَّعَ بِها، وهو قَوْلُ أبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ.

والثّانِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّهُ اسْتِحْبابٌ ولَيْسَ بِواجِبٍ، وإنَّما ورَدَ الأمْرُ بِهِ لِأنَّهُ بَعْدَ حَظْرٍ، لِأنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ أكْلَها عَلى نُفُوسِهِمْ.

﴿ وَأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ القانِعَ السّائِلُ، والمُعْتَرَّ الَّذِي يَتَعَرَّضُ ولا يَسْألُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ: لَمالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي ∗∗∗ مَفاقِرَهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ أيْ مِنَ السُّؤالِ.

والثّانِي: أنَّ القانِعَ الَّذِي يَقْنَعُ ولا يَسْألُ، والمُعْتَرَّ الَّذِي يَسْألُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ عَلى مُكْثِرِيهِمْ رِزْقُ مَن يَعْتَرِيهِمْ ∗∗∗ وعِنْدَ المُقِلِّينَ السَّماحَةُ والبَذْلُ والثّالِثُ: أنَّ القانِعَ المِسْكِينُ الطَّوّافُ، والمُعْتَرَّ: الصَّدِيقُ الزّائِرُ، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ: إمّا اعْتِيادًا وإمّا اعْتِرارًا والرّابِعُ: أنَّ القانِعَ الطّامِعُ، والمُعْتَرَّ الَّذِي يَعْتَرِي البُدْنَ ويَتَعَرَّضُ لِلَحْمٍ لِأنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ لَحْمٌ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ عَلى الطّارِقِ المُعْتَرِّ يا أُمَّ مالِكٍ ∗∗∗ إذا ما اعْتَرانِي بَيْنَ قَدَرِي وصَخْرَتِي <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذلك ومن يعظم شعائر الله ﴾ قال: البدن.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذلك ومن يعظم شعائر الله ﴾ قال: الاستسمان والاستحسان والاستعظام.

وفي قوله: ﴿ لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ﴾ قال: إلى أن تسمى بدنا.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد ﴿ ذلك ومن يعظم شعائر الله ﴾ قال: استعظام البدن واستسمانها واستحسانها ﴿ لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ﴾ قال: ظهورها وأوبارها واشعارها وأصوافها، إلى أن تسمى هدياً.

فإذا سميت هدياً ذهبت المنافع ﴿ ثم محلها ﴾ يقول: حين يسمى إلى البيت العتيق.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك وعطاء في الأية قال: المنافع فيها، الركوب عليها إذا احتاج، وفي أوبارها وألبانها.

والأجل المسمى: إلى أن تقلد فتصير بدناً ﴿ ثم محلها إلى البيت العتيق ﴾ قالا: إلى يوم النحر تنحر بمنى.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ ثم محلها إلى البيت العتيق ﴾ قال: إذا دخلت الحرم فقد بلغت محلها.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن محمد بن موسى في قوله: ﴿ ذلك ومن يعظم شعائر الله ﴾ قال: الوقوف بعرفة من شعائر الله، وبجمع من شعائر الله، والبدن من شعائر الله ورمي الجمار من شعائر الله، والحلق من شعائر الله...

فمن يعظمها ﴿ فإنها من تقوى القلوب لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ﴾ قال: لكم في كل مشعر منها منافع إلى أن تخرجوا منه إلى غيره ﴿ ثم محلها إلى البيت العتيق ﴾ قال: محل هذه الشعائر كلها، الطواف بالبيت العتيق.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء، أنه سئل عن شعائر الله قال: حرمات الله، اجتناب سخط الله واتباع طاعته.

فذلك شعائر الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ﴾ قال: عيداً.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ﴾ قال: إهراق الدماء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ﴾ قال: ذبحاً.

وأخرج أبو داود والنسائي والحاكم وصححه، عن عبد الله بن عمر: «أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت بعيد الأضحى جعله الله لهذه الأمة.

قال الرجل: فإن لم نجد إلا ذبيحة أنثى أو شاة أعليّ، اذبحها؟

قال: لا، ولكن قلم أظفارك وقص شاربك واحلق عانتك، فذلك تمام أضحيتك عند الله» .

وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي، عن أبي هريرة قال: «نزل جبريل فقال النبي صلى الله عليه وسلم كيف رأيت عيدنا؟

فقال: لقد تباهى به أهل السماء!...

اعلم يا محمد، أن الجذع من الضأن خير من السيد من المعز، وإن الجذع من الضأن خير من السيد من البقر، وإن الجذع من الضأن خير من السيد من الإبل.

ولو علم الله خيراً منه فدى بها إبراهيم» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم أنه قال: في هذه الآية ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ﴾ أنه مكة، لم يجعل الله لأمة قط منسكاً غيرها.

أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن جابر بن عبد الله: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى للناس يوم النحر، فلما فرغ من خطبته وصلاته دعا بكبش فذبحه هو بنفسه وقال: بسم الله والله أكبر...

اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي» .

وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب، عن جابر قال: «ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين في يوم عيد فقال حين وجههما: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين.

اللهم منك ولك وعن محمد وأمته.

ثم سمى الله وكبر وذبح» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في الأضاحي والبيهقي في الشعب، عن علي أنه قال حين ذبح: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين فسمى وكبر.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عمر رضي الله عنه، أنه كان إذا ذبح قال: بسم الله والله أكبر، اللهم منك ولك اللهم تقبل مني.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ فله أسلموا ﴾ يقول: فله أخلصوا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.

عن مجاهد في قوله: ﴿ وبشر المخبتين ﴾ قال: المطمئنين.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في ذم الغضب، وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان، عن عمرو بن أوس ﴿ وبشر المخبتين ﴾ قال: المخبتون، الذين لا يظلمون الناس، وإذا ظلموا لم ينتصروا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ وبشر المخبتين ﴾ قال: المتواضعين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ﴿ وبشر المخبتين ﴾ قال: الوجلين.

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أنه كان إذا رأى الربيع بن خثيم قال: ﴿ وبشر المخبتين ﴾ وقال له: ما رأيتك إلا ذكرت المخبتين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَالْبُدْنَ ﴾ قال الزجاج: البدن بتسكين الدال وضمها، بَدَنَةٌ وبُدْنٌ وبُدُنٌ، مثل قولك: ثَمَرَةٌ وثُمْر وثُمُرٌ قال: وإنما سميت بدنة لأنها تبدن أي: تسمن (١) وقال الليث وغيره: البدنة بالهاء تقع على الناقة والبقرة والبعير مما يجوز في الهدي والأضاحي، ولا تقع على الشاة، وسميت بدنة لعظمها (٢) قال ابن السكيت: يقال: بدن (٣) (٤) أمْ (٥) (٦) وقال ابن الأنباري: يجوز أن يكون سميت بدنة لعظمها وضخامتها.

ويجوز أن يكون سميت لسنّها، رجل بدن إذا كان كبير السنن، وبدنت أي أسنت، وبدنت أي: سمنت وضخمت (٧) والمفسرون يقولون في تفسير البدنة: إنّها الإبل والبقر.

وهو قول عطاء والسدي (٨) وقوله تعالى: ﴿ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ أي: من أعلام دينه.

والمعنى: جعلنا لكم فيها عبادة لله -عز وجل-، من سوقها إلى البيت، وتقليدها، وإشعارها، ونحرها، والإطعام منها.

ومضى الكلام في تفسير الشعائر (٩) وقوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد في الدنيا والآخرة (١٠) قال المفسرون: يعني النفع في الدنيا والأجر في العقبى (١١) وذكرنا هذا (١٢) (١٣) ﴿ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ إلا أن المراد بتلك المنافع الدنيا لقوله ﴿ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ والمراد بالخير هاهنا خير الدنيا والآخرة، كما ذكر ابن عباس.

قوله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ﴾ أي: على نحرها، لأنَّ السنة أن يذكر الله عند نحرها.

قال ابن عباس: هو أن يقول: بسم الله، والله أكبر لا إله إلا الله، اللهم منك ولك (١٤) وقوله ﴿ صَوَافَّ ﴾ جمع صافّة، وهي فاعلة من الصَفّ، وهو جعل الأجسام يلي أحدها الآخر على منهاج واحد (١٥) قال ابن عباس في رواية ابن أبي مليكة: قيامًا (١٦) وقال ابن عمر: قيامًا مقيدة، سنة محمد -  - (١٧) وقال مجاهد: الصَّواف: إذا عُقلت (١٨) (١٩) (٢٠) وعلى هذا هي صواف، لأنها قد صفت أيديها وأرجلها إذا وقفن على منهاج واحد، كما روى ليث، عن مجاهد قال (٢١) (٢٢) (٢٣) يعني لئلا يتقدم بعضها على بعض فلا تكون صواف.

وفي هذا دليل على أنها تُنْحر قائمة واقفة مصفوفة، لأنها إن كانت باركة أو ماشية لا تكون صافة، ولا يتصور الصف في البدنة الواحدة إلا أن يقال إنها إذا وقفت صفت يديها أو رجليها (٢٤) (٢٥) ﴿ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ  ﴾ .

وقال أبو إسحاق -في قوله: ﴿ صَوَافَّ ﴾ -: أي قد صفت قوائمها (٢٦) وقال أبو عبيدة: تصفّ بين أيديها (٢٧) وقال ابن قتيبة: أي: قد صُفَّت أيديها (٢٨) وقال ابن عباس في رواية أبي ظبيان في قوله ﴿ صَوَافَّ ﴾ قال: معقولة (٢٩) ونحوه قال عطاء، والفرَّاء (٣٠) وكثير من الصحابة قرؤوا "صوافي" (٣١) (٣٢) (٣٣) قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا ﴾ قال أبو عبيدة (٣٤) (٣٥) (٣٦) يقال: وجب الحائط يجب وَجْبَةَ إذا سقط، وسمعت له وجْبَةً، أي.

وقعة، ووجبت الشمس إذا وقعت للغروب في المغيب، ووجب الشيء إذا (وقع لازمًا، ووجب القلب وجيبًا إذا] (٣٧) (٣٨) (٣٩) ألم تكسف الشمس والبدر ...

والكواكب للجبل الواجب (٤٠) وقال الكميت: ألم ترني لقيت ضباء (٤١) (٤٢) (٤٣) حلفت برب مكة والهدايا ...

غداة النحر واجبة الجنوب (٤٤) قال ابن عباس ومجاهد، والضحاك: خرت لجنوبها (٤٥) وذلك عند نزف دمها وخروج الروح منها، ولذلك قال ابن زيد في تفسيرها: فإذا ماتت (٤٦) (٤٧) ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا ﴾ وهذا يدل على أنّه لا ينبغي للمرء أن يعجل فيقطع منها ليأكل قبل أن يتم نحرها، ولكن يصبر حتى تسكن حركتها وكذلك السلخ يُبْتدأ بعد السكون، وهذا معنى قول عمر -  -: لا تعجلوا الأنفس أن تزهق (٤٨) (٤٩) ولهذا ايضا نُهي عن النَّخْع (٥٠) (٥١) (٥٢) وذكرنا وجه هذا الأمر فيما تقدم من هذه السورة.

قوله تعالى: ﴿ وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ﴾ القانع في الآية بمعنيين: أحدهما: أنه من القُنُوع بمعنى المسألة.

يقال: قنع (٥٣) والقانع: السائل.

ومنه الحديث في ذكر من لا تجوز شهادته: "ولا شهادة القانع مع أهل البيت" (٥٤) قال أبو عبيد (٥٥) (٥٦) لمالُ المرء يُصلِحُه فيغني ...

مَفَاقِرَةُ أعفُّ من القُنُوع أي: من المسألة (٥٧) ومن هذا قول لبيد: وإعطائي المَوْلَى على حين فقره ...

إذا قال أبْصِرْ خَلَّتي وقُنُوعي (٥٨) المعنى الثاني: أن القانع الذي لا يسأل وهو من القناعة.

يقال: قَنِعَ يقنع قناعة وَقَنعًا (٥٩) (٦٠) (٦١) قال ابن السكيت: ومن العرب من أجاز القُنُوع بمعنى القناعة، وكلام العرب الجيد هو الأول (٦٢) قال أبو زيد: قال بعضهم: القانع: السائل، وقال بعضهم: المتعفف؛ وكلُّ يصلح (٦٣) وكقول أبي زيد ذكر أبو عبيدة (٦٤) (٦٥) وأما المعتر: فقال الأزهري: قال أهل اللغة: المعتر: الذي يُطِيف بك يطلب ما عندك سألك أو سكت عن السؤال (٦٦) وقال ابن الأعرابي: عررت (٦٧) (٦٨) (٦٩) (٧٠) ونحو هذا قال أبو عبيدة (٧١) لعمرك ما المعتر يأتي بيوتنا ...

لنمنعه بالضّايع المتهضم (٧٢) فحصل من هذا أن القانع يجوز أن يكون السائل وغير السائل، وكذا المعتر إلا أنه لا ينفك من تعرض ونوع طلب.

وعلى هذين الوجهين كلام المفسرين.

منهم من يقول: القانع: الذي يسأل والمعتر الذي يأتيك بالسلام ويريك وجهه ولا يسأل، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٧٣) (٧٤) (٧٥) (٧٦) (٧٧) (٧٨) ومنهم من يقول بعكس هذا فيقول: القانع: المتعفف الجالس في بيته، والمعترّ: السائل الذي يعتريك ويسأل.

وهو قول ابن عباس في رواية الوالبي (٧٩) (٨٠) (٨١) وروي عن ابن عباس قول ثالث وهو: أن كلاهما الذي لا يسأل، وهو رواية العوفي عنه، قال: القانع الذي يرضى بما عنده ولا يسأل، والمعتر الذي يتعرض لك ولا يسألك (٨٢) ونحو هذا روى ليث عن مجاهد قال: القانع: جارك وإن كان موسرًا، والمعتر: الذي يعتريك ولا يسألك (٨٣) (٨٤) وعلى هذا إنما يُطْعم القانع بأن يرسل إليه، كما روى قابوس، عن أبيه (٨٥) (٨٦) والمستحب للمُهْدي أن يطلب القانع والمعتر، فيعطيهما جميعًا، قيامًا بالأمر وامتثالًا له.

قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ كذلك أي: مثل ما وصفنا من نحرها قيامًا، والإطعام منها ﴿ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ ﴾ نعمة منا عليكم لتتمكنوا من نحرها على الوجه المسنون.

﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد لكي تطيعوني.

وشكر الله طاعة له واعتراف بإنعامه.

(١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 428.

(٢) "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 144 نقلاً عن الليث وغيره.

(٣) (بدن): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).

وبدن كبصر وكرم.

قاله الفيروزآبادي في "القاموس المحيط" 4/ 200.

(٤) البيت أنشده ابن السكيت في "إصلاح المنطق" ص 330، للأسود بن يعفر، وأوله: هل لشباب فَاتَ من مَطلْبِ هو في "ديوان الأسود" ص 21 وروايته فيه: "البائس" في موضع "البدن"، و"أدب الكاتب" لابن قتيبة ص 265، و"تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 144 (بدن)، وفيه: "بقاء" في موضع "بكاء"، و"لسان العرب" 13/ 48 (بدن).

قال البطليوسي في "الاقتضاب" 3/ 209: يقول: هل يمكن طلب الشباب الغائب واسترجاعه، بل كيف يبكي الرجل الأشيب شوقًا إلى أحبته؟.

وذلك لا يليق به.

(٥) في (أ)، (ظ): (أمّا).

(٦) قول ابن السكيت وإنشاده في "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 144، وهو في "إصلاح المنطق" ص 330.

(٧) لم أجد من ذكره عنه.

وانظر: "بدن" في "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 144، "الصحاح" للجوهري 5/ 2077، "لسان العرب" 13/ 48 - 49.

(٨) ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 52 ب.

ورواه الطبري 17/ 163 عن عطاء بلفظ: البقرة والبعير.

وللمفسرين في البدن قول آخر وهو أنها الإبل خاصّة، ذكره الماوردي 4/ 26 وعزاه للجمهور.

وحكاه القرطبي 12/ 61 عن ابن مسعود وعطاء والشافعي.

وحكى القول الأول عن مالك وأبي حنيفة.

ثم قال القرطبي: والصحيح ما ذهب إليه الشافعي وعطاء، لقوله  في الحديث الصحيح في يوم الجمعة: "من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة" الحديث.

فتفريقه -  - بين البقرة والبدنة يدل على أن البقرة لا يقال لها بدنة.

والله أعلم.

وأيضًا قوله تعالى: "فإذا وجبت جنوبها" يدل على ذلك، فإن الوصف خاصٌ بالإبل، والبقر يضجع ويذبح كالغنم.

انتهى من القرطبي 12/ 61.

والحديث الذي أشار إليه القرطبي رواه البخاري في صحيحه (كتاب الجمعة -باب فضل الجمعة 2/ 366، ومسلم في صحيحه (كتاب الجمعة -باب الطيب والسواك يوم الجمعة 2/ 582 من حديث أبي هريرة  .

وصحح ابن كثير 3/ 221 أنَّ البقرة يطلق عليها بدنة شرعًا.

ونقل ابن الجوزي 5/ 432 عن القاضي أبي يعلى أنه قال: البدنة اسمٌ يختص الإبل في اللغة، والبقرة تقوم مقامها في الحكم؛ لأن النبي -  - جعل البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة.

اهـ.

والذي يظهر أن البدن في الآية هي الإبل للتعليل الذي ذكره القرطبي، والبقرة تدخل في مسمى البدن من حيث اتحاد الحكم بينهما.

(٩) في (ظ): (الشعيرة).

(١٠) ذكره عنه الزمخشري في "الكشاف" 3/ 14، وأبو حيان في "البحر" 6/ 369.

وذكره القرطبي 12/ 61 من غير نسبة، وصوبه.

(١١) "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 52 ب، 53 أ.

(١٢) (هذا): ساقطة من (أ).

(١٣) في (ع): (الكلام).

(١٤) هذا مجموع روايات رواها الطبري 17/ 164 من طريق أبي ظَبيان، عن ابن عباس.

(١٥) انظر: "لسان العرب" 9/ 194 (صفف)، "القاموس المحيط" 3/ 162 - 163.

(١٦) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه 4/ 83 عنه من رواية ابن أبي مليكة.

(١٧) رواه البخاري في صحيحه كتاب الحج -باب نحر الإبل مقيَّدة 3/ 553، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الحج- باب نحر البدن قيامًا، مقيّدة 2/ 956).

(١٨) في (أ): (علّقت).

(١٩) في (أ): (ثلاثة).

(٢٠) ذكره عنه الثعلبي في الكشف والبيان 3/ 53 أ.

وفيه: إذا عقلت رجلها اليسرى وقامت ...

كذلك.

وبنحوه مختصرًا رواه الطبري 17/ 164.

(٢١) قال: ساقطة من (ط).

(٢٢) في (ظ)، (د)، (ع): (أوطانها.

والصواب ما في (أ).

وأوظافها: جمع وَظيف، قال الجوهري في الصحاح 4/ 1439 "وظف": الوظيف: مستدق الذراع والساق من الخيل والإبل ونحوها.

(٢٣) رواه الطبري 17/ 164 من رواية ليث، عن مجاهد.

(٢٤) في (ظ)، (د)، (ع): (رجليها أو يديها).

(٢٥) انظر الطبري 17/ 165، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 99، "الشواذ" لابن خالوية ص 95، "المحتسب" لابن جني 2/ 81.

(٢٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 428.

(٢٧) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 50.

(٢٨) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 293.

(٢٩) رواه الطبري 17/ 164، والبيهقي في "السنن" 5/ 237 من طريق أبي ظبيان.

(٣٠) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 226.

(٣١) رويت هذه القراءة عن أبي بن كعب وأبي موسى الأشعري  ما.

ونسبت إلى الحسن ومجاهد وزيد بن أسلم وسليمان التيمي وجماعة.

انظر: الطبري 17/ 163، "الشواذ" لابن خالويه ص 95، "المحتسب" لابن جني 2/ 81، "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 53 أ، "البحر المحيط" 6/ 369.

(٣٢) في (ظ)، (د)، (ع): (إلي).

(٣٣) وهو ومروي عن الحسن وطاووس والزهري وابن زيد.

انظر الطبري 17/ 165، وابن كثير 3/ 222.

(٣٤) "مجاز القرآن " لأبي عبيدة 2/ 51.

(٣٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 428.

(٣٦) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 11/ 222 (وجب)، "لسان العرب" 1/ 794 (وجب).

(٣٧) ما بين المعقوفين ساقط من (د)، (ع).

(٣٨) انظر "معاني القرآن" للزجاج 3/ 428، "تهذيب اللغة" للأزهري 11/ 222 - 223 مادة "وجب"، "لسان العرب" 1/ 794 "وجب".

(٣٩) يرثي: ساقطة من (أ).

(٤٠) البيت في "ديوانه" ص 10، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 51، والطبري 17/ 166، و"التعازي والمراثي" للمبرد ص 33، و"السمط اللآلي" ص 466.

وهو من أبيات يرثي بها فضالة بن كلدة، وبعده: لفقد فضالة لا تستوي الـ ...

فُقُود ولا خُلّة الذَّاهب (٤١) في (أ): (طلبا)، وهو خطأ.

(٤٢) في (و)، (ع): (الجبوب)، وهو خطأ.

(٤٣) هذا البيت والذي بعده أثبتها المعلق على "مجاز القرآن" 2/ 51 في الهامش، == وذكر أنهما كتبا في حاشية نسخة "س" منسوبين للكُميت.

واعتمد جامع ديوان الكميت على هذه الحاشية فأورد الأول في "ديوانه" 1/ 81، والثاني في 1/ 125 وأحال على حاشية المجاز.

(٤٤) في (د)، (ع): (الجبوب)، وهو خطأ.

(٤٥) ذكره عن ابن عباس السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 53 بلفظ: سقطت على جنبها.

وعزاه لابن أبي حاتم.

ورواه الطبري 17/ 166 عن مجاهد بلفظ سقطت على الأرض.

(٤٦) رواه الطبري 17/ 166.

(٤٧) في (أ): (يهدى)، وهو خطأ.

(٤٨) في (ظ): (قبل أن تزهق).

(٤٩) رواه الثوري في جامعه (كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 22، ومسند عمر بن الخطاب له أيضًا 1/ 335، والبيهقي في "السنن الكبرى" 9/ 278 عن عمر  ، به).

ورواه عنه عبد الرزاق "المصنف" 4/ 495، وابن أبي شيبة في مصنفه 5/ 292 - 293 عنه بلفظ: وذر، وعند ابن أبي شيبة: وأقرّوا الأنفس حتى تزهق.

(٥٠) روى البخاري في صحيحه (كتاب الذبائح والصيد- باب النحر والذبح 9/ 640) تعليقا عن نافع أن ابن عمر نهى عن النَّخع.

وانظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 167 ففيه: وفي الحديث: "ألا لا تنخعوا الذبيحة حتى تجب".

ومثله في "الفائق في غريب الحديث" للزمخشري 3/ 414، و"غريب الحديث" لابن الجوزي 2/ 389.

ولم أجد هذا الحديث.

(٥١) الأوداج: جمع ودج، والودج: عرق في العنق، وهما ودجان.

الصحاح للجوهري 1/ 347 (ودج).

(٥٢) انظر: (نخع) في "تهذيب اللغة" 1/ 67، "الصحاح" للجوهري 3/ 1288، "القاموس المحيط" 3/ 87.

والفقار: جمع فقرة -بالكسر- وفقرة وفقارة -بفتحهما- وهو: ما انتضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العجب.

"لسان العرب" 5/ 61 (فقر)، "القاموس المحيط" 2/ 111.

(٥٣) كمنع.

قاله الفيروزآبادي في "القاموس" 3/ 76.

(٥٤) هذا طرف حديث رواه أبو عبيد في "غريب الحديث" 2/ 156، والترمذي في "جامعه" كتاب الشهادات 6/ 580 - 581، والدراقطني في "سننه" 4/ 244، == والبيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 202 من حديث عائشة  ا مرفوعًا.

قال الترمذي بعد روايته للحديث: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد ابن زياد الشَّامي، ويزيد يضعّف في الحديث.

وضَعّف هذا الحديث بيزيد: الدارقطني والبيهقيُ.

(٥٥) في (ظ)، (د)، (ع): (أبو عبيدة)، وهو خطأ.

(٥٦) البيت أنشده أبو عبيد في "غريب الحديث" 2/ 156 للشمَّاخ.

وهو في "ديوانه" ص 56، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 51، و"المعاني الكبير" لابن قتيبة 1/ 489 - 499، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 428، والطبري 17/ 68، "الأضداد" لابن الأنباري ص 66 - 67.

(٥٧) قول أبي عبيد وإنشاده في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 59 "قنع" كتاب "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 156 لكن فيه: هو الرجل يكون مع الرجل يطلب فضله ويسأل معروفه.

وهو في كتاب "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 156، والكلام مفسر فيه مثل ما نقله الأزهري عنه.

(٥٨) البيت في "ديوانه" ص 71، وفيه "خشوعي" في موضع "قنوعي".

وفي "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 52، والطبري 17/ 170 بمثل الرواية هنا.

قال الطوسي في شرحه لديوان لبيد ص 71: (المولى: ابن العم، الخلّة.

الحاجة، خلَّتي وقنوعي: الاستكانه وسوء الحالة.

(٥٩) قنعًا: ساقطة من (أ).

(٦٠) في (ظ): (وقناعًا)، وفي (د)، (ع): (وقناعًا).

(٦١) انظر: "قنع" في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 259، "الصحاح" للجوهري 3/ 1273، "لسان العرب" 8/ 298.

(٦٢) قول ابن السكيت في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 259 (قنع).

(٦٣) قول أبي زيد في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 259 (قنع).

(٦٤) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 51 - 52.

(٦٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 428.

(٦٦) "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 99 (عَرَّ).

(٦٧) في المطبوع من "تهذيب اللغة" 1/ 99: عروت.

(٦٨) في المطبوع من "تهذيب اللغة" 3/ 99: وعررته.

(٦٩) في (د)، (ع): (واعتروته).

(٧٠) قول ابن الأعرابي في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 99 (عرَّ) (٧١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 51.

(٧٢) البيت أنشده أبو عبيدة لحسان في "مجاز القرآن" 2/ 52، وروايته عنده: لعمرك ما المعترُّ يأتي بلادنا ...

لنمنعه ..............

(٧٣) ذكر السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 55 هذا القول عن ابن عباس من غير ذكر من رواه عنه، وعزاه لابن المنذر.

وذكر هذا القول عن ابن عباس النحاس في "معاني القرآن" 4/ 413.

وذكره ابن الجوزي وعزاه لابن المنذر.

وذكر هذا القول عن ابن عباس النحاس في "معاني القرآن" 4/ 413.

وذكره ابن الجوزي 5/ 433 وقال: رواه بكر بن عبد الله عن ابن عباس.

وذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 22.

(٧٤) وقوله ذكره عنه بنحوه الثعلبي في "الكشف" 3/ 53 أ.

ورواه الطبري 17/ 169 بنحوه.

(٧٥) ذكره عنه بنحوه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 53 أ.

(٧٦) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 38، والطبري 17/ 168، والبيهقي في "سننه" 9/ 294.

(٧٧) ذكره الثعلبي 3/ 53 أ، والطبري 17/ 168 (٧٨) رواه سعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 156 ب)، وابن أبي شيبة في مصنّفه == 4/ 72، والطبري 17/ 168، والبيهقي في "السنن الكبرى" 9/ 294.

(٧٩) ذكره الثعلبي 3/ 53 أمن رواية الوالبي.

ورواه الطبري 17/ 167.

(٨٠) رواه الطبري 17/ 167 عن عكرمة - وقتادة.

(٨١) رواه الطبري 17/ 168، والبيهقي في "السنن" 9/ 294.

(٨٢) ذكره الثعلبي 3/ 53 أمن رواية العوفي.

ورواه الطبري 17/ 167.

(٨٣) رواه الطبري 17/ 167 من رواية ليث، عنه.

(٨٤) روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 72، والطبري 17/ 167 من طريق خصيف، عن مجاهد قال: القانع: أهل مكة، والمعتر الذي يعتريك فيسألك.

(٨٥) هو: أبو ضبيان حصين بن جندب.

(٨٦) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" 9/ 294 من طريق قابوس، عن أبيه، عن ابن == عباس بلفظ: القانع بما أرسلت ...

وهذا الأثر ضعيف لضعف قابوس.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 54 - 55 بمثل لفظ البيهقي، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في "سننه".

واختار الطبري 17/ 170 أن القانع: السائل، والمعتر هو الذي يأتيك معترًا بك لتعطيه وتطعمه، وعّلل ذلك بقوله: لأنه لو كان المعني بالقانع -في هذا الموضع: المكتفى بما عنده والمستغني به- لقيل: وأطعموا القانع والسائل، ولم يقل "وأطعموا القانع والمعتر" وفي اتباع ذلك قوله "والمعتر" الدليل الواضح على أن القانع معني به السائل ..

وقال النحاس في "معاني القرآن" 4/ 413 عن القول بأن القانع هو السائل والمعتر الذي يتعرض لك ولا يسألك، إنه أحسن ما قيل في هذا وهو الصحيح في اللغة.

واستظهر هذا القول الشنقيطي في "أضواء البيان" 5/ 695.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ أي لكل أمة مؤمنة، والمنسك اسم مكان أي موضعها لعبادتهم، ويحتمل أن يكون اسم مصدر بمعنى عبادة، والمراد بذلك الذبائح لقوله: ﴿ لِّيَذْكُرُواْ اسم الله على مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الأنعام ﴾ بخلاف ما يفعله الكفار من الذبح تقرّباً إلى الأصنام ﴿ فإلهكم إله وَاحِدٌ ﴾ في وجه اتصاله بما قبله وجهان: أحدهما أنه لما ذكر الأمم المتقدمة خاطبها بقوله: ﴿ فإلهكم إله وَاحِدٌ ﴾ ، أي هو الذي شرع المناسك لكم ولمن تقدّم قبلكم، والثاني: أنه إشارة إلى الذبائح أي إلهكم إله واحد فلا تذبحوا تقرباً لغيره ﴿ المخبتين ﴾ الخاشعين وقيل: المتواضعين، وقيل: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، وكذلك قوله بعد ذلك: ﴿ وَبَشِّرِ المحسنين ﴾ [الحج: 37] واللفظ فيهما أعم من ذلك ﴿ وَجِلَتْ ﴾ خافت ﴿ والبدن ﴾ جمع بَدَنة، وهو ما أشعر من الإبل، واختلف هل يقال للبقرة بدنة، وانتصابه بفعل مضمر ﴿ مِّن شَعَائِرِ الله ﴾ واحدها شعيرة، ومن للتبعيض، واستدل بذلك من قال: إن شعائر الله المذكورة أو على العموم في أمور الدين ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ قيل: الخير هنا المنافع المذكورة قبل، وقيل: الثواب، والصواب العموم في خير الدنيا والآخرة ﴿ صَوَآفَّ ﴾ معناه: قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، وهي منصوبة على الحال من الضمير المجرور، ووزنه فواعل، وواحده صافة ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ أي سقطت إلى الأرض عند موتها، يقال: وجب الحائط وغيره إذا سقط ﴿ القانع ﴾ معناه السائل، هو من قولك قنع الرجل بفتح النون: إذا سأل، وقيل: معناه المتعفف عن السؤال، فهو على هذا من قولك: قنع بالكسر إذا رضي بالقليل ﴿ والمعتر ﴾ المعترض بغير سؤال، ووزنه مفتعل، يقال: اعتررت بالقوم إذا تعرّضت لهم، فالمعنى: أطعموا من سأل ومن لم يسأل ممن تعرض بلسان حاله، وأطعموا من تعفف عن السؤال بالكلية، ومن تعرض للعطاء ﴿ كذلك سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ ﴾ أي كما أمرناكم بهذا كله سخرناها لكم، وقال الزمخشري: التقدير مثل التخيير الذي علمتم سخرناها لكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سكرى ﴾ في الحرفين على تأويل الجماعة: حمزة وعلي وخلف ﴿ ونقر ﴾ ﴿ ثم نخرجكم ﴾ بالنصب فيهما: المفضل ﴿ وربأت ﴾ بالهمزة حيث كان.

يزيد ﴿ ليضن ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ خاسر الدنيا ﴾ اسم فاعل منصوباً على الحالية.

روح وزيد ﴿ ثم ليقطع ﴾ ﴿ ثم ليقضوا ﴾ بكسر اللام فيهما: ابو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وورش وافق القواس في ﴿ ليقضوا ﴾ وزاد ابن عامر ﴿ وليوفوا ﴾ ﴿ وليطوفوا ﴾ وقرأ الأعشى ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد، وقرأ أبو بكر وحماد ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد وسكون اللام.

الباقون بالتخفيف والسكون ﴿ هذان ﴾ بتشديد النون: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ ج على تقدير فإِن ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ مريد ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ لنبين لكم ﴾ ط لأن التقدير ونحن نقر ومن قرأ بالنصب لم يقف ﴿ اشدكم ﴾ ج لانقطاع النظم في اتحاد المعنى ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ بهيج ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فيها ﴾ لا ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ منير ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ حرف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ به ﴾ لا للعطف مع الفاء مع الاستقلال ﴿ على وجهه ﴾ ق إلا لمن قرأ ﴿ خاسر الدنيا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ العشير ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ ما يريد ﴾ ه ﴿ ما يغيظ ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ ط ﴿ من يريد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ من الناس ﴾ ط وقيل: ﴿ يوصل ﴾ ويوقف على ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ مكرم ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ه ﴿ في ربهم ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع أن ما بعده ابتداء بيان حال الفريقين أحدهما ﴿ فالذين كفروا ﴾ والثاني ﴿ أن الله يدخل ﴾ ﴿ من نار ﴾ ج ه ﴿ الحميم ﴾ ج ه لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً أو وصفاً على أن اللام للجنس كما في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني.

﴿ والجلود ﴾ ه ط ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ الحريق ﴾ ه.

التفسير: إنه قد أنجر الكلام من خاتمة السورة المتقدمة إلى حديث الإعادة وما قبلها أو بعدها كوراثة المؤمنين الأرض وما معها كطي السماء، فلا جرم بدأ الله  في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها حثاً على التقوى التي هي خير زاد إلى المعاد ويدخل في التقوى فعل الواجبات وترك المنكرات، ولا يكاد يدخل فيها النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب وإنما يرجو بفعلها الثواب.

ويمكن أن يقال: إن ترك النوافل قد يفضي إلى إخلال بالواجب فلهذا لا يكاد المتقي يتركها.

يروى أن هاتين الآيتين نزلتا ليلاً في غزوة بني المصطلق فنادى رسول الله  فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة، فلما اصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام وقت النزول، ولم يطبخوا قدراً وكانوا من بين حزين وباك ومتفكر وهذه الزلزلة وهي المذكورة في قوله ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها  ﴾ ومعناها شدة التحريك، وتضعيف الحروف دليل على تضعيف المعنى كأنه ضوعف زلل الاشياء عن مقارها ومراكزها.

والإضافة إضافة المصدر إلى الفاعل على المجاز الحكمي العائد إلى الإسناد في قولك "زلزلت الساعة الأرض" أو إلى المفعول فيه على الاتساع فلا مجاز في الحكم لأن المراد حينئذ هو أن فاعلها الله في القيامة قاله الحسن.

وعن الشعبي هي طلوع الشمس من مغربها فتكون الإضافة بمعنى اللام كقولك "اشراط الساعة" قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء لأن الله  سمى زلزلة الساعة شيئاً مع أنها معدومة.

أجابت الأشاعرة بأن المراد هو أنها إذا وجدت كانت شيئاً عظيماً.

وانتصب ﴿ يوم ترونها ﴾ أي الزلزلة بقوله ﴿ تذهل ﴾ أي تغفل عن دهشة ﴿ كل مرضعة ﴾ وهي التي ترضع بالفعل مباشرة لإرضاع وإنما يقال لها المرضع من غيرها إذا أريد معنى أعم وهو أنه من شأنها الإرضاع بالقوة أو بالفعل كحائط وطالق.

وفي هذا تصوير لهول الزلزلة كأنه بلغ مبلغاً لو القمت المرضعة الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الخوف.

و"ما" في ﴿ عما ارضعت ﴾ مصدرية أو موصولة أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل.

عن الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام.

وإنما قال ﴿ كل ذات حمل ﴾ دون كل حامل ليكون نصاً في موضع الجنين فإن الحمل بالفتح هو ما كان في بطن أو على رأس شجرة، والثاني خارج بدليل العقل فبقي الأول.

قال القفال: ذهول المرضعة ووضع ذات الحمل حملها يحتمل أن يكون على جهة التمثيل كقوله ﴿ يوماً يجعل الولدان شيباً  ﴾ ﴿ وترى الناس ﴾ أفرد بعد أن جمع لأن الزلزلة تراها الناس جميعاً، وأما السكر الشامل للناس فإنه يراه من له أهلية الخطاب بالرؤية وقتئذ ولعله ليس إلا النبي  قوله ﴿ سكارى وما هم بسكارى ﴾ أثبت السكر أولاً على وجه التشبيه فإن الخوف مدهش كالمسكر، ونفاه ثانياً على التحقيق إذ لم يشربوا خمراً وهذه أمارة كل مجاز.

روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله  قال: "يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك.

فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار.

قال: يا رب وما بعث النار؟

قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.

فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم فقالوا: يا رسول الله اينا ذلك الرجل؟

فقال رسول الله  : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور البيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود" .

واختلفوا في أن شدة ذلك اليوم تحصل لكل واحد أو لأهل النار خاصة فقيل: إن الفزع الأكبر يعم وغيره يختص بأهل النار وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون.

وقيل: تحصل للكل ولا اعتراض لأحد على الله.

ثم اراد أن يحتج على منكري البعث فقدم لذلك مقدمة تشمل أهل الجدال كلهم فقال ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ نظيره ﴿ ومن الناس من يقول  ﴾ وقد مر إعرابه في أول البقرة.

ومعنى ﴿ في الله ﴾ في شأن الله وفيما يجوز عليه ومالا يجوز من الصفات والأفعال ويفهم من قوله ﴿ بغير علم ﴾ أن المعارف كلها ليست ضرورية وأن المذموم من الجدال هو هذا القسم، وأما الجدال الصادر عن العلم والتحقيق فمحمود مأمور به في قوله ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ والشيطان المريد العاتي سمي بذلك لخلوه عن كل خير وقد مر في قوله ﴿ مردوا على النفاق  ﴾ والمراد إبليس وجنوده أو رؤساء الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر.

عن ابن عباس نزلت في النضر بن الحرث وكان مجادلاً يقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين والله غير قادر على إحياء من بلي وصار تراباً.

ومعنى ﴿ كتب عليه ﴾ قضي على ذلك الشيطان أو علم من حاله وظهر وتبين، والأول يليق بأصول الأشاعرة، والثاني بأصول الاعتزال.

وقيل: المراد كتب على من يتبع الشيطان، ولا يخلو عن تعسف أنه من تولى الشيطان اي جعله ولياً له اضله عن طريق الجنة وهداه إلى النار، قال صاحب الكشاف إن الأول فاعل ﴿ كتب ﴾ والثاني عطف عليه.

وفيه نظر لأن "من" يبقى بلا جواب إن جعلت شرطية وبلا خبر إن جعلت موصولة.

والصحيح أن قوله ﴿ فأنه ﴾ مبتدأ أو خبر محذوف صاحبه والتقدير من تولاه فشأنه أن يضله أو أنه يضله ثابت اللهم إلا إذا جعلت "من" موصوفة تقديره كتب على من يتبع الشيطان أنه شخص تولى الشيطان فأنه كذا أي كتب عليه ذلك، وحين نبه عموماً على فساد طريقه المجادلين بغير علم خصص المقصود من ذلك، والمعنى إن ارتبتم في البعث فمعكم ما يزيل ريبكم وهو أن تنظروا في بدء خلقكم، فبين التراب والنطفة والماء الصافي كماء الفحل لأنه ينطف نطفاناً أي يسيل سيلاً تاماً مباينة، وكذا بين النطفة والعلقة وهي قطعة الدم الجامد لأنها إذ ذاك تعلق بالرحم، وكذا بين العلقة والمضغة وهي قدر ما يمضغ من اللحم، ولا ريب أن القادر على تقليب الإنسان في هذه الأطوار المتباينة ابتداء قادر على إعادته إلى أحد هذه الأطوار بل هذه أدخل في القدرة وأهون في القياس.

قال الجوهري: المخلقة التامة الخلق.

وقال قتادة والضحاك: أراد إنه يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك فلذلك يتفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصهم.

وقال مجاهد: المخلقة الولد يخرج حياً، غير المخلقة السقط لأنه لم يتوارد عليها خلق بعد خلق وقيل: المخلقة المصورة وغير المخلقة ضدها وهو الذي يبقى لحماً من غير تخطيط وشكل، ويناسبه ما روى علقمة عن عبد الله قال: إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟

فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قال مخلقة قال: يا رب فما صفتها أذكر أو أنثى ما رزقها وأجلها أشقي أم سعيد؟

فيقول  : انطلق إلى الكتاب فاستنسخ منه هذه النطفة فينطلق الملك فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي آخر صفتها.

وقوله ﴿ لنبين لكم ﴾ غاية لقوله ﴿ خلقناكم ﴾ أي إنما نقلناكم من حال إلى حال ومن طور غلى طور لنبين لكم بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا.

وفي ورود الفعل غير معدي إلى المبين إشعار بأن ذلك المبين مما لا يكتنه كنهه ولا يحيط به الوصف، وقيل: اراد إن كنتم في ريب من البعث فإنا نخبركم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبيِّن لكم ما يزيل ريبكم في أمر بعثكم، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يعجز عن الإعادة؟

ولما بين كيفية خلق الإنسان بالتدريج إلى أن تتكامل أعضاؤه أراد أن يبين أن من الأبدان ما تمجه الأرحام، ومنها ما تنطوي هي عليه إلى كمال النضج والتربية، فاسقط القسم الأول اكتفاء بالثاني فاستأنف قائلاً ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء ﴾ أن نقره من ذلك ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو كمال ستة اشهر إلى أربع سنين غايتها عرفت بالاستقراء ﴿ ثم نخرجكم ﴾ أي كل واحد منكم طفلاً، أو الغرض الدلالة على الجنس فاكتفي بالواحد، ﴿ ثم ﴾ نربيكم شيئاً بعد شئ ﴿ لتبلغوا اشدكم ﴾ ومن قرأ ﴿ ونقر ﴾ بالنصب فمعناه خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغايتين: إحداهما أن نبين قدرتنا، والثانية أن نقر في الأرحام من نقر حتى تولدوا وتنسلوا وتبلغوا أحد التكليف.

والأشد كمال القوة والتمييز كأنه شدة في غير شيء واحد فلذلك بني على لفظ الجمع قوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ وقد مر في "النحل" شبيهه فليرجع إليه.

ثم أكد أمر البعث بالاستدلال من حال النبات أيضاً فقال ﴿ وترى ﴾ أي تشاهد أيها المستحق للخطأ ﴿ الأرض ﴾ حال كونها ﴿ هامدة ﴾ ميتة يابسة لا نبات بها، والتركيب يدل على ذهاب ما به قوام الشيء ورواؤه من ذلك.

همدت النار هموداً طفئت وذهبت بكليتها وهمد الثوب هموداً بلي ﴿ فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ﴾ تحركت ولا يكاد يستعمل الاهتزاز إلا في حركة تصدر عن سرور ونشاط ﴿ وربت ﴾ انتفخت وزادت كما مر في قوله ﴿ زبداً رابياً  ﴾ وذلك في "الرعد" والمراد كمال تهيؤ الرض لظهور النبات منها.

ومن قرأ بالهمزة فمعناه ارتفعت من قولهم "ربأ القوم" إذا كان لهم طليعة فوق شرف.

ثم اشار إلى كمال حاله في الظهور بقوله ﴿ وأنبتت من كل زوج ﴾ أي بعضاً من كل صنف.

﴿ بهيج ﴾ والبهجة النضارة وحسن الحال ولهذا قال المبرد: هو الشيء المشرق الجميل.

وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز لأن المنبت بالحقيقة هو الله ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا من خلق بني آدم وإحياء الأرض مع ما في تضاعيف ذلك من عجائب الصنع وغرائب الإبداع حاصل (بـ) أمور خمسة: الأول ﴿ أن الله هو الحق ﴾ الثابت الذي لا يزول ملكه وملكه لاحق في الحقيقة إلا هو فما سواه يكون مستنداً إلى خلقه وتكوينه لا محالة.

الثاني أنه من شأنه إحياء الموتى.

الثالث ﴿ أنه على كل شيء قدير ﴾ وهذا كالبيان لما تقدمه فإن القادر على كل شيء ممكن قادر لا محالة على إحياء الموتى لأنه من جملة الممكنات وبيان إمكانه ظاهر.

فإن كل ما جاز على شيء في وقت ما جاز عليه في سائر الأوقات إذ لو امتنع فإما لغيره فالأصل عدمه، وإما لذاته وهذا يقتضي أن لا يتصف به أولاً فإن ما بالذات لا يزول بالغير.

الرابع والخامس قوله ﴿ وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ﴾ قال في الكشاف: معناه أنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد الساعة والبعث فلا بد أن يفي بما وعد.

قلت: إن هذا التفسير غير وافٍ فلقائل أن يقول: فحاصل الآيات يرجع إلى قولنا ﴿ إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ﴾ بالتدريج وأحيينا الأرض بسبب أنا وعدنا الساعة ووعدنا صادق.

وهذا كلام غير منتظم في الظاهر كما ترى، ولو صح هذا لاستغنى عن التطويل بأن يقال مثلاً: لا تشكوا في أمر البعث فإنه كائن لا محالة.

والذي يسنح لي في تفسيره أنه  أزال الشك في أمر البعث بقوله ﴿ إن كنتم في ريب من البعث ﴾ فمزيل ريبكم هذان الاستدلالان، ثم لما كان لسائل أن يسال لم خلق الإنسان وما يترتب عليه معاشه؟

فأجيب بأن لهذا الشأن وهو خلق الإنسان أسباباً فاعلية وأسباباً غائية، أما الأولى فهي أنه  واجب الوجود الحق وأنه قادر على كل مقدور لا سيما إحياء الموتى الذي استدللنا عليه لأنه أهون، وأن قدرته لا تظهر إلا إذا تعلقت بالمقدور، فكمال القدرة بالفعل هو أن يتعلق بكل مقدور يصح في القسمة العقلية، وهذا النوع من المقدور كان ثابتاً في القسمة لأنه واسطة بين العالم العلوي والعالم السفلي وله تعلق بالطرفين وانجذاب إلى القبيلين فوجب في الحكمة والقدرة إيجاده ما يتوقف عليه بقاؤه واستكماله.

وأما علته الغائية فهي أن داره الأولى كانت دار تكليف وقد هيأنا له داراً أخرى لأجل الجزاء وذلك لا يحصل إلا بالبعث والنشور.

ولعل هذا الموضع مما لم يفسره على هذا الوجه غيري أرجو أن يكون صواباً والله  أعلم بمراده.

قوله ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ عن ابن عباس أنه أبو جهل.

وقيل: هو النضر أيضاً وكرر للتأكيد كما كرر سائر الأقاصيص، وقال أبو مسلم: الأول في المقلدين فإنهم قد يجادلون تصويباً لتقليدهم.

وهذا في المقلدين المتبوعين بدليل قوله ﴿ ليضل عن سبيل الله ﴾ قال العلماء: أراد بالعلم العلم الضروري وبالهدي النظري من العلم لأنه يهدي إلى المعرفة وبالكتاب المنير العلم السمعي المتعلق بالوحي.

قال بعض أهل اللغة: العطف المنكب.

وقال الجوهري: عطفا الرجل جانباه من لدن راسه إلى وركه ويقال: "فلان ثنى عطفه عني" اي أعرض.

وقيل: هو عبارة عن الكبر والخيلاء كلي الجيد.

قال جار الله: لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه، ولما كان الهدى معرضاً له فتركه وأعرض عنه بالباطل جعل كالخارج بالجدال، وفسر الخزي ههنا بما اصابه يوم بدر.

﴿ ذلك ﴾ الذي مني به شيء من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ بما قدمت يداك ﴾ وباقي مباحث الآية قد سلف في آخر "آل عمران".

ثم أخبر عن شقاق أهل النفاق بقوله ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ أي على طرف من الدين لا في وسطه فهذا مثل لكونه مضطرباً في أمر الدين غير ثابت القدم كالذي يكون على طرف العسكر ينهزم بأدنى سبب، وباقي الآية تفصيل لهذا الإجمال.

قال الكلبي: نزلت في أعاريب قدموا المدنية فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهراً سرياً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً واطمأن به وقر.

وإن كان الأمر بخلافه قال: ما اصبت إلا شراً وانقلب عن دينه الذي أظهره بلسانه وفر.

وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة.

وقيل: نزلت في المؤلفة قلوبهم منهم الأقرع بن حابس والعباس بن مرداس.

وعن أبي سعيد الخدري أن رجلاً من اليهود اسلم فأصابته مصائب كذهاب البصر والمال والولد فتشاءم بالإسلام فأتى النبي  فقال: أقلني.

فقال: إن الإسلام يسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة والإسلام لا يقال ونزلت الاية.

والفتنة ههنا مخصوصة بالابتداء بالشرور والآلام لوقوعها في مقابلة الخير وهذا على الاستعمال الغالب وإلا فالخير ايضاً قد يكون سبباً للابتلاء كقوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة  ﴾ ثم حكى حاله في الدارين بقوله ﴿ خسر الدنيا والآخرة ﴾ أما خسران الدنيا بعد أن أصابه ما أصاب ففقدان العزة والكرامة والغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء، وكون عرضه وماله ودمه مصونة، وأما الآخرة فحرمان الثواب وحصول العقاب ابد الآباد، ولا خسران أبين من هذا نعوذ بالله منه.

وفي قوله ﴿ يدعو من دون الله ﴾ الآية.

دلالة على أن المذكور قبلها إنما نزلت في أهل النفاق من المشركين لا من اليهود فإنهم لا يعبدون الصنام نعم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله.

قوله ﴿ يدعو لمن ضره ﴾ الآية.

فيه بحث لفظي وبحث معنوي.

أما الأول فهو أن ﴿ يدعو ﴾ بمعنى "يقول" والجملة بعده محكية، و"من" موصولة أو موصوفة وعلى التقديرين هو مع تمامه مبتدأ ما بعده وهو ﴿ لبئس المولى ﴾ خبره واللام الثانية في الخبر لتأكيد اللام الأولى، وهذا حسن بخلاف قوله "أم الحليس لعجوز" فإنه أدخل لام الابتداء في الخبر على سبيل الاستقلال ويجوز أن يكون ﴿ يدعو ﴾ تكراراً للأول وما بعده جملة مستأنفة على الوجه المذكور.

وفي حرف عبد الله ﴿ من ضره ﴾ بغير لام ووجهه ظاهر، وعلى هذا يكون قوله ﴿ لبئس المولى ﴾ جملة مستقلة.

والمولى الناصر، والعشير المعاشر اي الصاحب.

وأما البحث المعنوي فهو أنه نفى الضرر والنفع عن الأصنام أولاً ثم أثبتهما لها ثانياً حين قال ﴿ ضره أقرب من نفعه ﴾ فما وجه ذلك؟

والجواب أن المقصود في الاية الثانية رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم في الشدائد مستصوبين آراءهم، لأن وصف المولى والعشير لا يليق إلا بالرؤساء.

سلمنا أنه أراد في الموضعين الصنام إلا أنه أثبت الضر لها مجازاً لأنها سبب الضلال الذي هو سبب عذاب النار نظيره ﴿ رب إِنهن أَضللن كثيراً من الناس  ﴾ وأثبت لها النفع بناء على معتقدهم أنها شفعاؤهم عند الله.

والمراد يقول: هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ولا يرى أثر الشفاعة ﴿ لمن ضره اقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ﴾ ذلك، أو أراد يدعو من دون الله مالا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبوداً أقرب من نفعه بكونه شفيعاً لبئس المولى.

ثم لما بين حال المنافقين والمشركين أتبعها حال المؤمنين الذين معبودهم قادر على إيصال كل المنافع فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ إن الله يفعل ما يريد ﴾ دليل على أنه خالق الإيمان وفاعله لأنه يريد الإيمان من العبد بالاتفاق.

أجاب الكعبي بأنه يفعل ما يريده لا ما يريد أن يفعله غيره، ورد بأن ما يريد أعم من قولنا ما يريده من فعله وما يريد من فعل غيره.

قوله  ﴿ من كان يظن أن لن ينصره الله ﴾ في هذا الضمير وجهان: الأول وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي واختيار الفراء والزجاج أنه يرجع إلى محمد  للعلم به لأن ذكر الإيمان يدل على الإيمان بالله ورسوله، وعلى هذا فالظان من هو؟

قيل: كذا قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين يستبطئون النصر فنزلت.

وعندي في هذا القول بعد.

وعن مقاتل نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا: نخاف أن الله لا ينصر محمداً فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود والأولى العموم.

وكان حساده وأعداؤه يتوقعون أن لا ينصره الله وأن الله لا يغلبه على أعدائه فمتى شاهدوا أن الله ينصره غاظهم ذلك، والسبب الحبل، والسماء سماء البيت، والقطع الاختناق لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، والمراد من كان يظن من حاسديه أن الله  يفعل خلاف النصر والظفر وكان يغيظه نصرة الله إياه فليستفرغ جهده في إزالة ما يغيظه، وليس ذلك غلا بأن يمد حبلاً إلى سماء بيته ثم يشده في عنقه ويختنق في عنقه وليصور في نفسه أنه إن يفعل ذلك هل يذهبن كيده ما يغيظه، سمى فعله كيداً حيث لم يقدر على غيره أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده وإنما كاد به نفسه.

والحاصل ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ، ومنهم من قال: السماء هي المظلة لأن الاختناق حينئذ أبعد عن الإمكان فيكون أصعب فيصرف الحاسد عن الغيظ إلى طاعة الله ورسوله.

ومنهم من قال: مع ذلك أن القطع هو قطع المسافة أي فليصعد على الحبل إلى السماء، والغرض تصوير مشقة من غير فائدة، أو القطع قطع الوحي أو النصر أي فليصعد وليقطع الوحي أن ينزل عليه أو النصر أن يأتيه.

الوجه الثاني أن الضمير عائد إلى "من" والنصر الرزق.

قال أبو عبيدة: وقف علينا سائل من بني بكر فقال: من ينصرني نصره الله أي من يعطيني أعطاه الله.

ووجه النظم من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة فلهذا الظن يعدل عن التمسك بدين محمد وينقلب على وجهه كما مر فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق أو غير ذلك مما عددنا، فإن الله لا يقلبه مرزقاً.

وحين بين الأحوال وضرب الأمثال أشار إلى هذا المذكور بلفظ البعيد إما للتعظيم وإما لأن كل ما دخل في حيز الذكر وحصل في حيز كان فهو في حكم البعيد فقال ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله ﴿ آيات بينات وأن الله ﴾ حرف التعليل وكذا معلله محذوف للعلم به اي ولأن الله ﴿ يهدي من يريد ﴾ أنزله كذلك مبيناً.

قالت الأشاعرة: المراد بالهداية إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة والأول غير جائز، لأن الله  فعل ذلك في حق كل المكلفين، ولأن قوله ﴿ يهدي من يريد ﴾ يدل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي معلقة بمشيئته، ووضع الأدلة واجب فتعين أن المراد خلق المعرفة.

أجاب القاضي عبد الجبار بأنه اراد تكليف من يريد لأن التكليف لا يخلو من وصف ما كلف به ومن بيانه، أو أراد يهدي إلى الجنة، والإثابة من يريد ممن آمن وعمل صالحاً، أو يهدي به الذين يعلم منهم الإيمان أو يثبت الذين آمنوا ويزيدهم هدى، وإلى هذين الوجهين أشار الحسن بقوله ﴿ إن الله يهدي ﴾ من قبل لا من لم يقبل.

واعترض بأن الله  وتعالى ذكر هذا الكلام بعد بيان الأدلة والجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف، وأما الوجوه الأخر فخلاف الظاهر مع أن ما ذكرتموه واجب عندكم على الله وقوله ﴿ من يريد ﴾ ينافي الوجوب.

ثم أراد أن يميز بين المهدي من الفرق وبين الضال منهم فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية قال مقاتل: الأديان ستة: واحد لله  وهو الإسلام وخمسة للشيطان قلت: فالمؤمنون واليهود والنصارى تشترك في القول بالإله والنبي وتفترق بالاعتراف بعموم نبوة محمد  وبعدم الاعتراف به، والصابئون قد تجعل من جنس النصارى وقد تجعل من غيرهم، والمجوس قولهم في البابين مضطرب لأن الإله عندهم اثنان وبنبيهم ليس بنبي في الحقيقة وإنما هو متنبئ، والمشركون لا نبي لهم ولا كتاب.

قال أهل البرهان: قدم النصارى على الصابئين في أوائل البقرة لأنهم أهل كتاب وعكس ههنا لأن الصابئين مقدمة عليهم بالزمان، وفي المائدة يحتمل الأمران اي والصابئون كذلك أو هم والنصارى ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ أي يقضي بين المؤمنين وغيرهم وتكرير إن في الخبر لزيادة التأكيد والفصل مطلق يحتمل الفصل في الأحوال وفي المواطن أيضاً ﴿ إن الله على كل شيء شهيد ﴾ فلا يجري في قضائه ظلم ولا حيف ﴿ الم تر ﴾ أي تعلم بإخبار الله والمراد أن هذه الأجسام غير ممتنعة عما يريد الله إحداثه فيها من أنواع تصرفاته وتدبيراته وهذا بين، قال العلماء: قوله ﴿ وكثير من الناس ﴾ ليس بمعطوف على ما قبله من المفردات لأن السجود بالمعنى المذكور يتناول كل الناس ولا يختص ببعضهم لدليل العقل، ولأن قوله ﴿ ومن في الأرض ﴾ يتناول الثقلين جميعاً والعطف يوهم التخصيص بالبعض.

ولا يمكن أن يكون السجود بالنسبة إلى كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة وبالنسبة إلى غيرهم بمعنى نفوذ مشيئة الله فيها لأن اللفظ المشرتك لا يصح استعماله في مفهوميه معاً، فهو إذن مرفوع بفعل مضمر يدل عليه المذكور أي ويسجد له كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة أيضا.

وهو مبتدأ محذوف الخبر وهو مثاب لأن الخبر دليل عليه وهو قوله ﴿ حق عليه العذاب ﴾ أو هو مبتدأ وخبر أي وكثير من المكلفين من الناس الذي هم الناس على الحقيقة فكأنه أخرج الذين وجب عليهم العذاب من جملة الناس لأنهم أشبه بالنسناس ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ أو قوله ثانياً ﴿ وكثير ﴾ تكرار للأول لأجل المبالغة كأنه قيل: وكثير من الناس حق عليهم العذاب، وباقي الآية دليل على أن الكل بقضائه وقدره والإكرام والإهانة من عنده وبسابق علمه وسابق مشيئته، فمن أهانه في الأزل لم يكرمه أحد إلى الأبد.

عن ابن عباس أن قوله ﴿ هذان خصمان ﴾ راجع أهل الأديان الستة أي هما فوجان أو فريقان خصمان والخصم صفة وصفة بها المحذوف.

وإنما قيل ﴿ اختصموا ﴾ نظراً إلى المعنى.

وقيل: إن أقل الجمع اثنان.

ومعنى ﴿ في ربهم ﴾ أي في دينه وصفاته فقال المؤمنون في شأنه قولاً وقال الكافرون قولاً.

وروي أن أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أحق بالله وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم.

وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم آمنا بالله وبمحمد  وبنبيكم وبجميع الكتب وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تتركونه حسداً فنزلت.

وعن قيس بن عبادة عن أبي ذر الغفاري أنه كان يحلف بالله أنها نزل في ستة نفر من المسلمين: علي وحمزة وعبيدة بن الحرث، ومن المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة.

فقال علي  : أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله  يوم القيامة.

وعن عكرمة هما الجنة والنار.

قالت النار: خلقني الله لعقوبته.

وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، فقص الله من خبرهما على محمد  والأقرب هو الأول.

وقوله ﴿ فالذين كفروا ﴾ فصل الخصومة المعني بقوله ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ وقوله ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ فيه أنه  يقدر لهم نيراناً على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، أو المراد أن تلك النيران مظاهرة عليهم كالثياب المظاهرة على الملابس بعضها فوق بعض.

وعن سعد بن جبير أن قوله ﴿ من نار ﴾ أي من نحاس أذيب بالنار كقوله ﴿ سرابيلهم من قطران  ﴾ والحميم الماء الحار.

عن ابن عباس: لو سقطت منه نقطة على الجبال الدنيا لأذابتها.

ومعنى ﴿ يصهر ﴾ يذاب جلودهم وهو أبلغ من قوله ﴿ وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم  ﴾ لأن تأثير الشيء من الظاهر في الباطن أبلغ من تأثيره في الباطن.

قال في الكشاف: المقامع السياط وقال الجوهري: المقمعة واحدة المقامع ﴿ من حديد ﴾ كالمحجن يضرب على رأس الفيل.

وفي الحديث "لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها" والإعادة لا تكون إلا بعد الخروج ففي الآية إضمار أي ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ﴾ فخرجوا ﴿ أعيدوا فيها ﴾ أو المراد بالإرادة المداناة والمشارفة كقوله ﴿ يريد أن ينقض  ﴾ وهذا أقرب كقوله ﴿ لا يخفف عنهم العذاب  ﴾ ويؤيده ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهو وافيها سبعين خريفاً.

وإنما اختصت هذه السورة بقوله ﴿ من غم ﴾ وهو الأخذ بالنفس حتى لا يجد صاحبه مخلصاً لأنه بولغ ههنا في أهوال النار بخلاف ما في السجدة وإنما أضمر ههنا قبل قوله ﴿ وذوقوا ﴾ بخلاف "السجدة".

وقيل لهم ذوقوا لأنه وقع الاختصار ههنا على ﴿ عذاب الحريق ﴾ وهناك أطنب فقيل ﴿ ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون  ﴾ وايضاً قد تقدم ذكر القول في تلك السورة كثيراً بخلافه هنا والله  أعلم.

التأويل: ﴿ إن زلزلة الساعة ﴾ هلاك الاستعداد الفطري ﴿ شيء عظيم ﴾ ﴿ وتذهب كل مرضعة ﴾ هي مواد الشياء فإن لكل شيء مادة ملكوتية ترضع رضيعها من الملك وتربيه ﴿ وتضع كل ذات حمل ﴾ وهي الهيوليات ﴿ حملها ﴾ وهو الصور الكمالية التي خلقت الهوليات لأجلها ﴿ وترى الناس سكارى ﴾ الغفلة والعصيان وحب الدنيا والجاه والرياسة وغيرها ﴿ وما هم بسكارى ﴾ العشق والمحبة والمعرفة ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ أي كنتم تراباً ميتاً فبعثنا التراب بأن خلقنا منه آدم، ثم أمتنا منه النطفة، ثم بعثناها بأن جعلناها علقة ثم مضغة ثم خلقاً آخر لنبين لكم أمر البعث والنشور ﴿ ونقر في الأرحام ﴾ أمهات العدم ﴿ ما نشاء إلى أجل مسمى ﴾ وهو وقت إيجاده بحسب تعلق الإرادة به، وفيه دليل على أنه لا يبعد أن يكون الفاعل كاملاً في فاعليته ولكن لا تتعلق إرادته بالمقدور فيبقى في حيز العدم إلى حين تعلق الإرادة به، ومنه يظهر حدوث العالم ﴿ ثم نخرجكم طفلاً ﴾ من أطفال المكونات خارجاً من رحم العدم مستعداً للتربية والكمال.

﴿ ومنكم من يتوفى ﴾ عن الشهوات فيحيا بحصول الكمالات ﴿ ومنكم من يرد ﴾ إلى أسفل سافلين الطبيعة ﴿ وترى ﴾ أرض القالب ﴿ هامدة فإذا أنزلنا عليها ﴾ ماء حياة المعرفة والعلم ﴿ اهتزت ﴾ ﴿ ذلك بأن الله هو الحق ﴾ في الإلهية ﴿ وإنه يحيي ﴾ القلوب الميتة ﴿ وأن الساعة ﴾ قيامة العشق والخدمة للطالبين الصادقين ﴿ آتية وأن الله يبعث ﴾ القلوب المحبوسة في قبور الصدور ﴿ عذاب الحريق ﴾ بنار الشهوات لكنه لا يحس بها في الدنيا لأنه نائم بنوم الغفلة فإذا مات انتبه ﴿ من كان يظن ﴾ فيه أن العبد يجب أن يكون حسن الظن بالله ﴿ ثم ليقطع ﴾ مادة تقدريري في الأزل ونزول أحكامي في القدور ﴿ فلينظر هل ﴾ ينقطع أم لا ﴿ هذان خصمان ﴾ يعني النفس الكافرة والروح المؤمنة ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ بتقطيع خياط القضاء على قدرهم وهي ثياب نسجت من سدى مخالفات الشرع ولحمة موافقات الطبع.

﴿ يصب من فوق رؤسهم ﴾ حميم الشهوات النفسانية.

وفي لفظ الفوق دلالة على أنهم مغلوبون تحتها، وفيه أن الخيالات الفاسدة تنصب من الدماغ إلى القلب.

﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ من الأخلاق الحميدة الروحانية ﴿ والجلود ﴾ أي يفسد أحوالهم الباطنة والظاهرة بفساد تخيلاتهم، ولا مخلص لهم عن دركات تلك الملكات لغاية رسوخها والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ قوله: ﴿ كَفَرُواْ ﴾ هو خبر ماض، وقوله: ﴿ وَيَصُدُّونَ ﴾ خبر مستقبل، فنسق المستقبل على الماضي.

قال الزجاج: إن الكافرين والصادين عن سبيل الله ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ ﴾ .

وعندنا تأويله: أنّ الذين كفروا قبل أن يبعث محمدّ ويصدون الناس عن سبيل الله إذا بعث محمد.

ثم يحتمل قوله: ﴿ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ أي: كانوا يمنعون المسلمين عن دخول المسجد الحرام للإسلام والسؤال عنه، والثاني: إخراجهم منه، كقوله: ﴿ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ﴾ ظاهر هذا أن يكون الذي جعل فيه العاكف والبادي سواء هو المسجد الحرام؛ لأنه قال: ﴿ جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ﴾ ، لكن أهل التأويل صرفوا ذلك إلى مكة، وقالوا: ﴿ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ﴾ في النزول في المنازل، وظاهره ما ذكرنا.

ثم يحتمل أن يكون المسجد الحرام مخصوصاً بهذا ليس كسائر المساجد التي لها أهل: أن أهلها أحق بها من غيرهم، وأمّا المسجد الحرام فإن الناس شَرَعٌ، سواء العاكف فيه والبادي.

ويحتمل أنه [خص] المسجد الحرام بأن الناس [سواء] فيه؛ ليعلموا أن الحكم في سائر المساجد كذلك: أن الناس فيها سواء أهلها وغير أهلها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ﴾ قال بعضهم: الإلحاد فيه: هو الشرك والكفر.

وقال [بعضهم]: الإلحاد: هو كل المعاصي، وأصل الإلحاد: هو العدول والميل عن الطريق.

وتأويله: ومن يلحد فيه إلحاد ظلم نذقه كذا.

قال بعضهم: من هَمَّ فيه بإلحاد بظلم نذقه كذا.

ثم يحتمل تخصيص ذلك المكان بما ذكر وجوهاً: أحدها: ليعلموا أن كثرة الخيرات وتضاعفها مما لا يعمل في إسقاط المساوئ فيه وهدمها؛ لما روي: "أن صلاة واحدة بمكة تعدل كذا وكذا صلاة في غيرها من الأماكن" ، وكذلك حسنة فيها.

والثاني: خصت بالذكر فيه على التغليظ والتشديد، على ما خصّت تلك البقعة بتضاعف الحسنات.

والثالث: أن أولئك ادّعوا أنهم أولى بالله من غيرهم؛ لنزولهم ذلك المكان، فأخبر أن من يرد فيه بكذا نذقه، ليس تخصيص ذلك المكان بما ذكر، والعفو في غيره، ولكن بما ذكرنا.

وقال بعضهم: معناه: من يرد فيه إلحادا بظلم، والباء زائدة، ومثله قوله: "تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ" [المؤمنون: 20] معناه: تنبت الدهن.

روي بالخبر عن رسول الله  أنه قال: "احْتكارُ الطعام بمكةَ إلحْاد" ، وكذلك روي عن عمر وابن عمر.

وجائز أن يكون ما ذكرنا من التغليظ والتشديد وتضاعف العقوبة؛ ولذلك كره قوم الجوار بمكة لما يتضاعف عليهم العقوبة إذا ارتكب فيه مأثماً وألحد فيه، وجائز ما ذكرنا.

وقد كره قوم بيع رباع مكة وإجارتها بقوله: ﴿ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ﴾ ، وعلى ذلك رويت الأخبار بالنهي عن ذلك، روي عن رسول الله  قال: "مكة مناخ، لا يباع رباعها، ولا يؤاجر بيوتها" [و] عن عمر -  -: "يا أهل مكة، لا تتخذوا لدوركم أبواباً؛ ليرد البادي حيث شاء" ونهاهم أن يغلقوا أبواب دورهم.

وليس في ظاهر الآية ذكر مكة؛ إن في الآية ذكر المسجد، حيث قال: ﴿ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ﴾ ، وإنما ذكر ذلك في المسجد الحرام خاصّة.

وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: أكره إجازة بيوت مكة في الموسم من الحاج والمعتمر، فأما المقيم والمجاور فلا نرى بأخذ ذلك منهم بأساً.

وهو قول محمد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ بَوَّأْنَا ﴾ ، أي: هيأنا ﴿ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ ﴾ ؛ لينزل فيه، والبيتوتة: الإنزال، كأنه قال: ﴿ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ ﴾ ، أي: أنزلناه مكان البيت؛ ليتخذ فيه بيتاً، وقلنا له: لا تشرك بي شيئاً، وهكذا بعث الأنبياء جميعاً، بعثوا ألا يشركوا بالله، وأمروا أن يدعو الناس إلى ترك الإشراك بالله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ ﴾ وادع الناس أيضاً إلى ألا يشركوا بالله شيئاً.

ثم يحتمل قوله: ﴿ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ ﴾ ومن ذكر، أي: طهره من الأصنام والأوثان التي فيه لئلا يعبد غيره.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ ﴾ عن جميع الخبائث، وعن كل أنواع الأذى من الخصومات، والبياعات، وغيرها، وذلك للمسجد الحرام ولغيره من المساجد يطهر ويجنب جميع أنواع الأذى والخبث والفحش.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ﴾ قال أهل التأويل: ﴿ لِلطَّآئِفِينَ ﴾ هم القادمون من البلدان ﴿ وَٱلْقَآئِمِينَ ﴾ : المقيمين هناك ﴿ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ﴾ : المصلين.

ويحتمل قوله: ﴿ لِلطَّآئِفِينَ ﴾ : لكل طائف به، ﴿ وَٱلْقَآئِمِينَ ﴾ ، ﴿ وَٱلْعَاكِفِينَ  ﴾ : لكل عاكف نحوه، والعكوف هو المقام للعبادة، ﴿ وَٱلْقَآئِمِينَ ﴾ : لكل قائم عاكف نحوه، ﴿ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ﴾ وساجد نحوه، أي: لكل مصلٍّ، وهذا أشبه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: على الإعلام: أن أعلم الناس: أن لله عليهم الحج بالبيت، كقوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ...

﴾ الآية [آل عمران: 97].

والثاني: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ ﴾ أي: ادع الناس ونادهم أن يحجوا البيت.

قال أهل التأويل: لما أمر الله إبراهيم ينادي في الناس بالحج، فنادى، فأسمع الله صوته ما بين المشرق والمغرب، حتى أسمع صوته ونداءه من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فقالوا: (لبيك)، ومن حج بيته فهو الذي أجاب إبراهيم لما ناداهم بالحج.

لكن لا يعلم ذلك إلا بالخبر عن رسول الله أنه كان ما ذكروا، وإلا السكوت عنه وعن مثله أولى.

وقالوا: إن قوله: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ ﴾ موصول بقوله: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ...

﴾ الآية.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ ﴾ لرسول الله، أو لكل رسول بعث الأمر بذلك في كل زمان، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ يَأْتُوكَ رِجَالاً ﴾ أي: على الأرجل مشاة ﴿ وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ ﴾ ، أي: يضمر ويذهب سمنه؛ لبعد المضرب، وهو ما ذكر: ﴿ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ ﴾ أي: من كل بعيد.

ثم قوله: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ ﴾ على الدعاء والأمر، فيكون في قوله: ﴿ يَأْتُوكَ رِجَالاً ﴾ دلالة لزوم الحج على المشاة، كأنه قال: مرهم يحجّون مشاة على الأرجل وركبانا، وإن كان على الإعلام فهو على الوعد والجزاء: أنهم يأتونك على الأرجل مشاة وعلى الدّواب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ ﴾ أضاف الإتيان إلى الدّواب؛ لأنه بالدواب يأتون، فأضاف إليها ذلك، والله أعلم.

وقال أبو عوسجة: ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا  ﴾ من الحلي من الذهب والفضة، تقول: حليت المرأة، أي: اتخذت حليا، ويقال: حلي الشيء يحلى حلًى؛ إذا حسن، ويقال: بعينه إذا حسن في عينه، ويقال: حلى الشيء يحلو حلاوة فهو حلو، ويقال: تحليت، إن شئت جعلته أكلت حلاوته، وإن شئت جعلته من الحلي، ويقال: حلأت الإبل عن الماء، أي: منعت، ويقال: حليت الشيء وأحليته، أي: جعلته حلواً.

وقال القتبي: ﴿ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ﴾ أي: المقيم، والبادي - وهو الطارئ من البدو - سواء فيه ليس المقيم فيه بأولى من النازح إليه.

﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ ﴾ أي: من يرد فيه إلحادا، وهو الظلم والميل عن الحق، فزيدت الباء، كما يقال: ﴿ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ ﴾ \[المؤمنون: 20\]، وهو ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ ﴾ ، أي ركبانا على ضمر من طول السفر ﴿ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ ﴾ أي: بعيد غامض.

وقال أبو عوسجة: ﴿ ٱلْعَاكِفُ ﴾ : المقيم، ﴿ وَٱلْبَادِ ﴾ : من كان في البادية، والإلحاد: الميل عن الحق، ومنه اشتق اللحد، لحد القبر.

﴿ وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ ﴾ ، أي: على كل بعير ضامر، أي: خميص البطن.

﴿ يَأْتُوكَ رِجَالاً ﴾ تقول: رجل الرجل يرجل رجلة، فهو راجل، والفج: الطريق، [و] العميق: البعيد، يقال: عمق، أي: بعد، يعمق عمقا، فهو عميق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ ، قال الحسن: يشهدون مشاهد فيه، فيذكرون الله فيها ويكتسبون أشياء تنفع لهم في الآخرة، فذلك منافع لهم التي يشهدونها.

وقال غيره من أهل التأويل: ﴿ مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ : التجارات والمنافع التي كانوا يكتسبونها إذا خرجوا للحج.

وقال بعضهم: التجارة في الدّنيا، والأجر في الآخرة، وهو مثل الأوّل.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ : الأرزاق التي جعلت لهم في البلدان النائية البعيدة ما لو لم يشهدوها لم يسق الله ذلك إليهم؛ لأن من الأرزاق التي جعلت لهم في البلدان ما يساق إلى أهلها وهم في مقامهم وأمكنتهم، [و] من الأرزاق ما يساق أهلها إليها ما لو لم يأتوها لم يسق ذلك إليهم، فجائز ما ذكر من المنافع: هو ما غاب عنهم من المنافع والأرزاق التي جعلت لهم في البلدان النائية البعيدة إذا خرجوا للحج نالوها، وإذا لم يخرجوا له لم ينالوا.

وقال بعضهم: ﴿ لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ أي: متاجرهم وقضاء مناسكهم.

وقوله: ﴿ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ ﴾ اختلف فيه: قال الحسن: هو يوم النحر خاصّة.

وجائز إضافة الواحد إلى الجماعة، كقوله: ﴿ وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً  ﴾ وإنما جعل في السماء الدنيا، وكما يقال: (توارى فلان في دور بني تميم)، وإنما توارى في دار من دورهم، ومثل هذا كثير، وذلك جائز في اللسان.

وقال بعضهم: الأيام المعلومات: هو يوم النحر ويومان بعده.

وقال بعضهم: المعلومات والمعدودات هي أيام التشريق جميعاً.

وقال بعضهم: الأيام المعلومات: هي أيام العشر؛ لأنها هي أيام الذكر فيها.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ ﴾ كناية عن الذبح، وأيام الذبح ثلاثة: يوم النحر ويومان بعده؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ فَكُلُواْ مِنْهَا ﴾ ذكر الأكل ولم يذكر الذبح، فذلك يدل على أن قوله: ﴿ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ ﴾ كناية عن الذبح، وإنما كان كناية عنه؛ لأنه بالذكر يقدم الذبائح ولا يخلو منه دونه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا ﴾ : قال بعضهم: من الأضاحي؛ لأن التناول من الأضاحي كان لا يحل فخرج ذلك مخرج رخصة التناول منها والحل، لكن الأضاحي لا يحتمل؛ لأن الوقت ليس هو وقت الأضاحي ولا أماكنها، إنما هو وقت دم المتعة والقران ودم التطوع.

وفيه إباحة التناول من دم المتعة والقران.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ ﴾ : قال بعضهم: البائس: من البؤس، وهو ما اشتد به من الحاجة والشدة.

وقال بعضهم: البائس: الذي سألك، والفقير: المتعفف الذي لا شيء له.

وقال بعضهم: البائس: هو الذي به زمانة، والفقير: الصحيح الذي لا شيء له، وهو مثل الاوّل.

وقوله: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ ﴾ : قال بعض أهل الأدب: التفث: لا يعرف في لسان العرب ما يراد به.

وقال الحسن: التفث: هو التقشف، وهو ترك الزينة، يدل على ذلك ما روي أنه سئل عن الحاج، فقال: "كُل أشْعَث تفِل".

وقال أبو عوسجة: التفث في الأصل: الوسخ، يقال: امرأة تفثة: إذا كانت خبيثة الريح، وهو قريب مما قال الحسن: إنه ترك الزينة.

وأهل التأويل يقولون: التفث: هو حلق الرأس، وقصّ الأظفار والشارب، والرمي، والذبح، ونحوه.

وقال بعضهم: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ ﴾ : المناسك كلها.

وروي في الخبر: "من وقف من عرفة بليل، وصلى معنا الجمع، فقد تم حجّه وقضى تفثه" ، ظاهر "قضى تفثه"، أي: نسكه.

وجائز أن يكون قوله: "قضى تفثه" أي: جاء وقت الزينة، وهو وقت الحلق واللباس، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ ﴾ ، أي: ليوفوا ذبح ما أوجبوا ذبحه، ذكر فيما ساق من الهدي لمتعته ولحجته الأكل منه؛ لقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا ﴾ ، ولم يذكر الأكل ممّا أوجب بالنذر؛ فلذلك يقول أصحابنا: إنه يجوز له التناول من هدي المتعة والقران، ولا يجوز التناول مما كان وجوبه بالنذر والكفارة، بل عليه أن يتصدق بالكل، وهو ما قال: ﴿ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ  ﴾ ، والله أعلم.

﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ هو طواف الزيارة، وهو طواف يوم النحر، وهو الفرض عندنا، ولا يحتمل ما قال بعض الناس: إنه طواف الصدر؛ لأن الله  قال: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ  ﴾ وحج البيت هو الطواف بالبيت لا غير، وطواف الدخول وطواف الصدر ليس على أهل مكة ذلك الطوافان، وعليهم الحج كما كان على غيرهم من النّاس؛ فدل ما ذكرنا على أن قوله: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ هو طواف الزيارة، وهو حج البيت الذي قال الله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ قال بعضهم: سماه: عتيقاً؛ لأنه أعتقه عن الجبابرة عن أن يتجبروا عليه، وكم من جبار قد صار إليه ليهدمه فمنعه الله عن ذلك.

وقال بعضهم: سماه: عتيقاً؛ لأنه يرفع إلى السماء الرابعة، فذلك المرفوع هو البيت العتيق.

والبيت العتيق - عندنا - هو الذي بناه إبراهيم - صلوات الله عليه - وأسسه، ويكون قوله: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ الذي أسّسه إبراهيم، لا بالبيت الحادث الذي أحدثه النّاس؛ ألا ترى أنه روي عن رسول الله  أنّه قال لعائشة: "لولا أنَّ قومك حَديثُو عَهْد بالإسْلام لرددت البيت على أساس إبراهيم، وجَعَلتُ لَهُ بابين: باباً يدخل فيه، وباباً يخرج منه" ، وروي في بعض الأخبار يرويه عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله  "إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبّار" فإن ثبت هذا فهو هو.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والإبل والبقر التي تُهْدَى إلى البيت جعلناها لكم من شعائر الدين وأعلامه، لكم فيها منافع دينية ودنيوية، فقولوا: (باسم الله) عند نحرها بعد أن تصفّ قوائمها وهي قائمة قد ربطت إحدى يديها حتى لا تشرد، فإذا سقطت بعد النحر على جنبها، فكلوا -أيها المُهْدون- منها، وأعطوا منها الفقير الذي يتعفف عن السؤال, والفقير الذي يتعرض ليُعْطَى منها، كما ذللناها لكم لتحملوا عليها وتركبوها ذللناها لكم فانقادت إلى حيث تنحرونها؛ تقربًا لله لعلكم تشكرون الله على نعمة تذليلها لكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.BDmNA"

مزيد من التفاسير لسورة الحج

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله