الآية ٣٧ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٣٧ من سورة الحج

لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ ٣٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 122 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٧ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٧ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : إنما شرع لكم نحر هذه الهدايا والضحايا ، لتذكروه عند ذبحها ، فإنه الخالق الرازق لا أنه يناله شيء من لحومها ولا دمائها ، فإنه تعالى هو الغني عما سواه .

وقد كانوا في جاهليتهم إذا ذبحوها لآلهتهم وضعوا عليها من لحوم قرابينهم ، ونضحوا عليها من دمائها ، فقال تعالى : ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ) وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا محمد بن أبي حماد ، حدثنا إبراهيم بن المختار ، عن ابن جريج قال : كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإبل ودمائها ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : فنحن أحق أن ننضح ، فأنزل الله : ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) أي : يتقبل ذلك ويجزي عليه .

كما جاء في الصحيح : " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " وما جاء في الحديث : " إن الصدقة تقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد السائل ، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض " كما تقدم الحديث .

رواه ابن ماجه ، والترمذي وحسنه عن عائشة مرفوعا .

فمعناه : أنه سيق لتحقيق القبول من الله لمن أخلص في عمله ، وليس له معنى يتبادر عند العلماء المحققين سوى هذا ، والله أعلم .

وقال وكيع ، عن [ يحيى ] بن مسلم أبي الضحاك : سألت عامرا الشعبي عن جلود الأضاحي ، فقال : ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ) ، إن شئت فبع ، وإن شئت فأمسك ، وإن شئت فتصدق .

وقوله : ( كذلك سخرها لكم ) أي : من أجل ذلك سخر لكم البدن ، ( لتكبروا الله على ما هداكم ) أي : لتعظموه كما هداكم لدينه وشرعه وما يحبه ، وما يرضاه ، ونهاكم عن فعل ما يكرهه ويأباه .

وقوله : ( وبشر المحسنين ) أي : وبشر يا محمد المحسنين ، أي : في عملهم ، القائمين بحدود الله ، المتبعين ما شرع لهم ، المصدقين الرسول فيما أبلغهم وجاءهم به من عند ربه عز وجل .

[ مسألة ] .

وقد ذهب أبو حنيفة ومالك والثوري إلى القول بوجوب الأضحية على من ملك نصابا ، وزاد أبو حنيفة اشتراط الإقامة أيضا .

واحتج لهم بما رواه أحمد وابن ماجه بإسناد رجاله كلهم ثقات ، عن أبي هريرة مرفوعا : " من وجد سعة فلم يضح ، فلا يقربن مصلانا " على أن فيه غرابة ، واستنكره أحمد بن حنبل .

وقال ابن عمر : أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين يضحي .

رواه الترمذي .

وقال الشافعي ، وأحمد : لا تجب الأضحية ، بل هي مستحبة; لما جاء في الحديث : " ليس في المال حق سوى الزكاة " .

وقد تقدم أنه ، عليه السلام ضحى عن أمته فأسقط ذلك وجوبها عنهم .

وقال أبو سريحة : كنت جارا لأبي بكر وعمر ، فكانا لا يضحيان خشية أن يقتدي الناس بهما .

وقال بعض الناس : الأضحية سنة كفاية ، إذا قام بها واحد من أهل دار أو محلة ، سقطت عن الباقين; لأن المقصود إظهار الشعار .

وقد روى الإمام أحمد ، وأهل السنن وحسنه الترمذي عن مخنف بن سليم; أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعرفات : " على كل أهل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة ، هل تدرون ما العتيرة؟

هي التي تدعونها الرجبية " .

وقد تكلم في إسناده .

وقال أبو أيوب : كان الرجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته ، يأكلون ويطعمون [ حتى تباهى ] الناس فصار كما ترى .

رواه الترمذي وصححه ، وابن ماجه .

وكان عبد الله بن هشام يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله .

رواه البخاري .

وأما مقدار سن الأضحية ، فقد روى مسلم عن جابر; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تذبحوا إلا مسنة ، إلا أن يعسر عليكم ، فتذبحوا جذعة من الضأن " .

ومن هاهنا ذهب الزهري إلى أن الجذع لا يجزئ .

وقابله الأوزاعي فذهب إلى أن الجذع يجزئ من كل جنس ، وهما غريبان .

وقال الجمهور : إنما يجزئ الثني من الإبل والبقر والمعز ، والجذع من الضأن ، فأما الثني من الإبل : فهو الذي له خمس سنين ، ودخل في السادسة .

ومن البقر : ما له [ سنتان ] ودخل في [ الثالثة ] ، وقيل : [ ما له ] ثلاث [ ودخل في ] الرابعة .

ومن المعز : ما له سنتان .

وأما الجذع من الضأن فقيل : ما له سنة ، وقيل : عشرة أشهر ، وقيل : ثمانية أشهر ، وقيل : ستة أشهر ، وهو أقل ما قيل في سنه ، وما دونه فهو حمل ، والفرق بينهما : أن الحمل شعر ظهره قائم ، والجذع شعر ظهره نائم ، قد انعدل صدعين ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: [لم يصل إلى الله لحوم بدنكم ولا دماؤها, ولكن يناله اتقاؤكم إياه أن اتقيتموه فيها فأردتم بها وجهه، وعملتم فيها بما ندبكم إليه وأمركم به في أمرها وعظمتم بها حرماته.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك:- حدثنا ابن بشار, قال: ثنا يحيى, عن سفيان, عن منصور, عن إبراهيم, في قول الله: ( لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ) قال: ما أريد به وجه الله.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ) قال: إن اتقيت الله في هذه البُدن, وعملت فيها لله, وطلبت ما قال الله تعظيما لشعائر الله ولحرمات الله, فإنه قال: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ قال وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ قال: وجعلته طيبا, فذلك الذي يتقبل الله.

فأما اللحوم والدماء, فمن أين تنال الله؟

وقوله: ( كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ ) يقول: هكذا سخر لكم البُدن.يقول: ( لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ) يقول: كي تعظموا الله على ما هداكم، يعني على توفيقه إياكم لدينه وللنسك في حجكم.

كما:- حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: ( لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ) قال: على ذبحها في تلك الأيام ( وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ): يقول: وبشِّر يا محمد الذين أطاعوا الله فأحسنوا في طاعتهم إياه في الدنيا بالجنة في الآخرة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين[ ص: 62 ] فيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : لن ينال الله لحومها قال ابن عباس : كان أهل الجاهلية يضرجون البيت بدماء البدن ، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك فنزلت الآية .

والنيل لا يتعلق بالبارئ تعالى ، ولكنه عبر عنه تعبيرا مجازيا عن القبول ، المعنى : لن يصل إليه .

وقال ابن عباس : لن يصعد إليه .

ابن عيسى : لن يقبل لحومها ولا دماءها ، ولكن يصل إليه التقوى منكم ؛ أي ما أريد به وجهه ، فذلك الذي يقبله ويرفع إليه ويسمعه ويثيب عليه ؛ ومنه الحديث إنما الأعمال بالنيات .

والقراءة ( لن ينال الله ) و ( يناله ) بالياء فيهما .

وعن يعقوب بالتاء فيهما ، نظرا إلى اللحوم .الثانية : قوله تعالى : كذلك سخرها لكم منه سبحانه علينا بتذليلها وتمكيننا من تصريفها وهي أعظم منا أبدانا وأقوى منا أعضاء ، ذلك ليعلم العبد أن الأمور ليست على ما تظهر إلى العبد من التدبير ، وإنما هي بحسب ما يريدها العزيز القدير ، فيغلب الصغير الكبير ليعلم الخلق أن الغالب هو الله الواحد القهار فوق عباده .الثالثة : قوله تعالى : لتكبروا الله على ما هداكم ذكر سبحانه ذكر اسمه عليها من الآية قبلها فقال عز من قائل : فاذكروا اسم الله عليها ، وذكر هنا التكبير .

وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يجمع بينهما إذا نحر هديه فيقول : باسم الله والله أكبر ؛ وهذا من فقهه - رضي الله عنه - .

وفي الصحيح عن أنس قال : ضحى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكبشين أملحين أقرنين .

قال : ورأيته يذبحها بيده ، ورأيته واضعا قدمه على صفاحهما ، وسمى وكبر .وقد اختلف العلماء في هذا ؛ فقال أبو ثور : التسمية متعينة كالتكبير في الصلاة ؛ وكافة العلماء على استحباب ذلك .

فلو قال ذكرا آخر فيه اسم من أسماء الله تعالى وأراد به التسمية جاز .

وكذلك لو قال : الله أكبر فقط ، أو لا إله إلا الله ؛ قال ابن حبيب .

فلو لم يرد التسمية لم يجز عن التسمية ولا تؤكل ؛ قال الشافعي ، ومحمد بن الحسن .

وكره كافة العلماء من أصحابنا [ ص: 63 ] وغيرهم الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند التسمية في الذبح أو ذكره ، وقالوا : لا يذكر هنا إلا الله وحده .

وأجاز الشافعي الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الذبح .الرابعة : ذهب الجمهور إلى أن قول المضحي : اللهم تقبل مني ؛ جائز .

وكره ذلك أبو حنيفة ؛ والحجة عليه ما رواه الصحيح عن عائشة - رضي الله عنها - ، وفيه : ثم قال باسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ثم ضحى به .

واستحب بعضهم أن يقول ذلك بنص الآية ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم .

وكره مالك قولهم : اللهم منك وإليك ، وقال : هذه بدعة .

وأجاز ذلك ابن حبيب من أصحابنا والحسن ، والحجة لهما ما رواه أبو داود عن جابر بن عبد الله قال : ذبح النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الذبح كبشين أقرنين موجوءين أملحين ، فلما وجههما قال : إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا - وقرأ إلى قوله : وأنا أول المسلمين - اللهم منك ولك عن محمد وأمته باسم الله والله أكبر ، ثم ذبح .

فلعل مالكا لم يبلغه هذا الخبر ، أو لم يصح عنده ، أو رأى العمل يخالفه .

وعلى هذا يدل قوله : إنه بدعة .

والله أعلم .الخامسة : قوله تعالى : وبشر المحسنين روي أنها نزلت في الخلفاء الأربعة ؛ حسبما تقدم في الآية التي قبلها .

فأما ظاهر اللفظ فيقتضي العموم في كل محسن .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وقوله: { لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا } أي: ليس المقصود منها ذبحها فقط.

ولا ينال الله من لحومها ولا دمائها شيء، لكونه الغني الحميد، وإنما يناله الإخلاص فيها، والاحتساب، والنية الصالحة، ولهذا قال: { وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ } ففي هذا حث وترغيب على الإخلاص في النحر، وأن يكون القصد وجه الله وحده، لا فخرا ولا رياء، ولا سمعة، ولا مجرد عادة، وهكذا سائر العبادات، إن لم يقترن بها الإخلاص وتقوى الله، كانت كالقشور الذي لا لب فيه، والجسد الذي لا روح فيه.

{ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ } أي: تعظموه وتجلوه، { عَلَى مَا هَدَاكُمْ } أي: مقابلة لهدايته إياكم، فإنه يستحق أكمل الثناء وأجل الحمد، وأعلى التعظيم، { وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ } بعبادة الله بأن يعبدوا الله، كأنهم يرونه، فإن لم يصلوا إلى هذه الدرجة فليعبدوه، معتقدين وقت عبادتهم اطلاعه عليهم، ورؤيته إياهم، والمحسنين لعباد الله، بجميع وجوه الإحسان من نفع مال، أو علم، أو جاه، أو نصح، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو كلمة طيبة ونحو ذلك، فالمحسنون لهم البشارة من الله، بسعادة الدنيا والآخرة وسيحسن الله إليهم، كما أحسنوا في عبادته ولعباده { هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ } { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ) وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن لطخوا الكعبة بدمائها قربة إلى الله ، فأنزل الله هذه الآية : " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها " قرأ يعقوب " تنال وتناله " بالتاء فيهما ، وقرأ العامة بالياء .

قال مقاتل : لن يرفع إلى الله لحومها ولا دماؤها ، ( ولكن يناله التقوى منكم ) ولكن ترفع إليه منكم الأعمال الصالحة والتقوى ، والإخلاص ما أريد به وجه الله ، ( كذلك سخرها لكم ) يعني : البدن ، ( لتكبروا الله على ما هداكم ) أرشدكم لمعالم دينه ومناسك حجه ، وهو أن يقول : الله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أبلانا وأولانا ، ( وبشر المحسنين ) قال ابن عباس : الموحدين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لن ينال الله لحومها ولا دماؤها» أي لا يرفعان إليه «ولكن يناله التقوى منكم» أي يرفع إليه منكم العمل الصالح الخالص له مع الإيمان «كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم» أرشدكم لمعالم دينه ومناسك حجه «وبشر المحسنين» أي الموحدين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لن ينال اللهَ مِن لحوم هذه الذبائح ولا من دمائها شيء، ولكن يناله الإخلاص فيها، وأن يكون القصد بها وجه الله وحده، كذلك ذللها لكم -أيها المتقربون-؛ لتعظموا الله، وتشكروا له على ما هداكم من الحق، فإنه أهلٌ لذلك.

وبشِّر- أيها النبي- المحسنين بعبادة الله وحده والمحسنين إلى خلقه بكل خير وفلاح.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - الحديث عن شعائر الحج ، بتوجيه عباده إلى وجوب الإخلاص له ، والاستجابة لأمره ، وشكره على نعمه ، فقال - تعالى - : ( لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ .

.

.

) .أى : لن يصل إلى الله - تعالى - لحم هذه الأنعام ودماؤها ، من حيث هى لحوم ودماء ، ولكن الذى يصل إليه - سبحانه - ويثيبكم عليه ، هو تقواكم ومراقبتكم له - سبحانه - وخوفكم منه ، واستقامتكم على أمره وإخلاصكم العبادة له .قالوا : وفى هذا إشارة إلى قبح ما كان يفعله المشركون ، من تقطيعهم للحوم الأنعام ، ونشرها حول الكعبة ، وتلطيخها بالدماء ، وتحذير للمسلمين من أن يفعلوا فعل هؤلاء الجهلاء ، إذ رضا الله - تعالى - لا ينال بذلك ، وإنما ينال بتقوى القلوب .ثم كرر - سبحانه - تكذيره إياهم بنعمه ، ليكون أدعى إلى شكره وطاعته فقال : ( كذلك سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المحسنين ) .أى : كهذا التسخير العجيب الذى ترونه سخرنا لكم هذه الأنعام لكى تكبروا الله وتعظموه وتقدسوه بسبب هدايته لكم إلى الإيمان .وبشر - أيها الرسول الكريم - المحسنين لأقوالهم وأفعالهم ، بثوابنا الجزيل وبعطائنا الواسع .وبذلك ترى أن سورة الحج قد سبحت بنا سبحا طويلا فى حديثها عن البيت الحرام ، وعن آداب الحج ومناكسه وأحكامه ، وعن الجزاء الحسن الذى أعده - تعالى - للمستجيبين لأمره .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله تعالى: ﴿ والبدن ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: البدن جمع بدنة كخشب وخشبة، سميت بذلك إذا أهديت للحرم لعظم بدنها وهي الإبل خاصة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحق البقر بالإبل حين قال: البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة ولأنه قال: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ وهذا يختص بالإبل فإنها تنحر قائمة دون البقر، وقال قوم البدن الإبل والبقر التي يتقرب بها إلى الله تعالى في الحج والعمرة، لأنه إنما سمى بذلك لعظم البدن فالأولى دخولها فيه، أما الشاة فلا تدخل وإن كانت تجوز في النسك لأنها صغيرة الجسم فلا تسمى بدنة.

المسألة الثانية: قرأ الحسن والبدن بضمتين كثمر في جمع ثمرة، وابن أبي إسحاق بالضمتين وتشديد النون على لفظ الوقف، وقرئ بالنصب والرفع كقوله: ﴿ والقمر قدرناه مَنَازِلَ  ﴾ والله أعلم.

المسألة الثالثة: إذا قال لله عليَّ بدنة، هل يجوز له نحرها في غير مكة؟

قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله يجوز، وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجوز إلا بمكة واتفقوا فيمن نذر هدياً أن عليه ذبحه بمكة، ولو قال: لله عليَّ جزور، أنه يذبحه حيث شاء، وقال أبو حنيفة رحمه الله البدنة بمنزلة الجزور فوجب أن يجوز له نحرها حيث يشاء بخلاف الهدي فإنه تعالى قال: ﴿ هَدْياً بالغ الكعبة  ﴾ فجعل بلوغ الكعبة من صفة الهدي، واحتج أبو يوسف رحمه الله بقوله تعالى: ﴿ والبدن جعلناها لَكُمْ مّن شعائر الله ﴾ فكان اسم البدنة يفيد كونها قربة فكان كاسم الهدي، أجاب أبو حنيفة رحمه الله بأنه ليس كل ما كان ذبحه قربة اختص بالحرم فإن الأضحية قربة وهي جائزة في سائر الأماكن.

أما قوله تعالى: ﴿ جعلناها لَكُمْ ﴾ فاعلم أنه سبحانه لما خلق البدن وأوجب أن تهدى في الحج جاز أن يقول: ﴿ جعلناها لَكُمْ مّن شعائر الله ﴾ أما قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ فالكلام فيه ما تقدم في قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا منافع  ﴾ وإذا كان قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ كالترغيب فالأولى أن يراد به الثواب في الآخرة وما أخلق العاقل بالحرص على شيء شهد الله تعالى بأن فيه خيراً وبأن فيه منافع، أما قوله: ﴿ فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا ﴾ ففيه حذف أي اذكروا اسم الله على نحرها، قال المفسرون هو أن يقال عند النحر أو الذبح بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك، أما قوله: ﴿ صَوَآفَّ ﴾ ، فالمعنى قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن وقرئ صوافن من صفون الفرس، وهو أن تقوم على ثلاث وتنصب الرابعة على طرف سنبكه لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث، وقرئ صوافي أي خوالص لوجه الله تعالى لا تشركوا بالله في التسمية على نحرها أحداً كما كان يفعله المشركون، وعن عمرو ابن عبيد صوافياً بالتنوين عوضاً عن حرف الإطلاق عند الوقف، وعن بعضهم صوافي نحو قول العرب اعط القوس باريها ولا يبعد أن تكون الحكمة في إصفافها ظهور كثرتها للناظرين فتقوى نفوس المحتاجين ويكون التقرب بنحرها عند ذلك أعظم أجراً وأقرب إلى ظهور التكبير وإعلاء اسم الله وشعائر دينه، وأما قوله: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ فاعلم أن وجوب الجنوب وقوعها على الأرض من وجب الحائط وجبة إذا سقط، ووجبت الشمس وجبة إذا غربت، والمعنى إذا سقطت على الأرض وذلك عند خروج الروح منها ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا ﴾ وقد ذكرنا اختلاف العلماء فيما يجوز أكله منها ﴿ وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر ﴾ القانع السائل يقال قنع يقنع قنوعاً إذا سأل قال أبو عبيد هو الرجل يكون مع القوم يطلب فضلهم ويسأل معروفهم ونحوه، قال الفراء والمعنى الثاني القانع هو الذي لا يسأل من القناعة يقال قنع يقنع قناعة إذا رضي بما قسم له وترك السؤال، أما المعتر فقيل إنه المتعرض بغير سؤال، وقيل إنه المتعرض بالسؤال قال الأزهري قال ابن الأعرابي يقال عروت فلاناً وأعررته وعروته واعتريته إذا أتيته تطلب معروفه ونحوه، قال أبو عبيد والأقرب أن القانع هو الراضي بما يدفع إليه من غير سؤال وإلحاح، والمعتر هو الذي يتعرض ويطلب ويعتريهم حالاً بعد حال فيفعل ما يدل على أنه لا يقنع بما يدفع إليه أبداً وقرأ الحسن والمعتري وقرأ أبو رجاء القنع وهو الراضي لا غير يقال قنع فهو قنع وقانع.

أما قوله: ﴿ كذلك سخرناها لَكُمْ ﴾ فالمعنى أنها أجسم وأعظم وأقوى من السباع وغيرها مما يمتنع علينا التمكن منه، فالله تعالى جعل الإبل والبقر بالصفة التي يمكننا تصريفها على ما نريد، وذلك نعمة عظيمة من الله تعالى في الدين والدنيا، ثم لما بين تعالى هذه النعمة قال بعده ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ والمراد لكي تشكروا.

قالت المعتزلة: هذا يدل على أنه سبحانه أراد من جميعهم أن يشكروا فدل هذا على أنه يريد كل ما أمر به ممن أطاع وعصى، لا كما يقوله أهل السنة من أنه تعالى لم يرد ذلك إلا من المعلوم أن يطيع، والكلام عليه قد تقدم غير مرة.

أما قوله تعالى: ﴿ لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: لما كانت عادة الجاهلية على ما روي في القربان أنهم يلوثون بدمائها ولحومها الوثن وحيطان الكعبة بين تعالى ما هو القصد من النحر فقال: ﴿ لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ ﴾ فبين أن الذي يصل إليه تعالى ويرتفع إليه من صنع المهدي من قوله ونحره وما شاكله من فرائضه هو تقوى الله دون نفس اللحم والدم، ومعلوم أن شيئاً من الأشياء لا يوصف بأنه يناله سبحانه فالمراد وصول ذلك إلى حيث يكتب يدل عليه قوله: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب  ﴾ .

المسألة الثانية: قالت المعتزلة دلت هذه الآية على أمور: أحدها: أن الذي ينتفع به المرء فعله دون الجسم الذي ينتفع بنحره.

وثانيها: أنه سبحانه غني عن كل ذلك، وإنما المراد أن يجتهد العبد في امتثال أوامره.

وثالثها: أنه لما لم ينتفع بالأجسام التي هي اللحوم والدماء وانتفع بتقواه وجب أن تكون تقواه فعلاً وإلا لكانت تقواه بمنزلة اللحوم.

ورابعها: أنه لما شرط القبول بالتقوى وصاحب الكبيرة غير متق فوجب أن لا يكون عمله مقبولاً وأنه لا ثواب له والجواب: أما الأولان فحقان، وأما الثالث فمعارض بالداعي والعلم، وأما الرابع فصاحب الكبيرة وإن لم يكن متقياً مطلقاً ولكنه متق فيما أتى به من الطاعة على سبيل الإخلاص فوجب أن تكون طاعته مقبولة وعند هذا تنقلب الآية حجة عليهم.

المسألة الثالثة: كلهم قرأوا ﴿ يَنَالَ الله ﴾ ويناله بالياء إلا يعقوب فإنه قرأ بالتاء في الحرفين فمن أنث فقد رده إلى اللفظ ومن ذكر فللحائل بين الاسم والفعل.

ثم قال: ﴿ كذلك سَخَّرَهَا لَكُمْ ﴾ والمراد أنه إنما سخرها كذلك لتكبروا الله وهو التعظيم، بما نفعله عند النحر وقبله وبعده على ما هدانا ودلنا عليه وبينه لنا، ثم قال بعده على وجه الوعد لمن امتثل أمره ﴿ وَبَشّرِ المحسنين ﴾ كما قال من قبل ﴿ وَبَشِّرِ المخبتين  ﴾ والمحسن هو الذي يفعل الحسن من الأعمال ويتمسك به فيصير محسناً إلى نفسه بتوفير الثواب عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أي: لن يصيب رضا الله اللحوم المتصدق بها ولا الدماء المهراقة بالنحر، والمراد أصحاب اللحوم والدماء، والمعنى: لن يرضي المضحون والمقرّبون ربهم إلا بمراعاة النية والإخلاص والاحتفاظ بشروط التقوى في حلّ ما قرب به، وغير ذلك من المحافظات الشرعية وأوامر الورع.

فإذا لم يراعوا ذلك، لم تغن عنهم التضحية والتقريب وإن كثر ذلك منهم.

وقرئ: ﴿ لن تنال الله، ولكن تناله ﴾ بالتاء والياء.

وقيل: كان أهل الجاهلية إذا نحروا البدن نضحوا الدماء حول البيت ولطخوه بالدم، فلما حجّ المسلمون أرادوا مثل ذلك، فنزلت.

كرّر تذكير النعمة بالتسخير ثم قال: لتشكروا الله على هدايته إياكم لأعلام دينه ومناسك حجّه، بأن تكبروا وتهللوا، فاختصر الكلام بأن ضمن التكبير معنى الشكر، وعدى تعديته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَنْ يَنالَ اللَّهَ ﴾ لَنْ يُصِيبَ رِضاهُ ولَنْ يَقَعَ مِنهُ مَوْقِعَ القَبُولِ.

﴿ لُحُومُها ﴾ المُتَصَدَّقُ بِها.

﴿ وَلا دِماؤُها ﴾ المُهْراقَةُ بِالنَّحْرِ مِن حَيْثُ إنَّها لُحُومٌ ودِماءٌ.

﴿ وَلَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ ﴾ ولَكِنْ يُصِيبُهُ ما يَصْحَبُهُ مِن تَقْوى قُلُوبِكُمُ الَّتِي تَدْعُوكم إلى تَعْظِيمِ أمْرِهِ تَعالى والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ والإخْلاصِ لَهُ، وقِيلَ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا ذَبَحُوا القَرابِينَ لَطَّخُوا الكَعْبَةَ بِدِمائِها قُرْبَةً إلى اللَّهِ تَعالى فَهَمَّ بِهِ المُسْلِمُونَ فَنَزَلَتْ.

﴿ كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ ﴾ كَرَّرَهُ تَذْكِيرًا لِلنِّعْمَةِ وتَعْلِيلًا لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ ﴾ أيْ لِتَعْرِفُوا عَظَمَتَهُ بِاقْتِدارِهِ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَتُوَحِّدُوهُ بِالكِبْرِياءِ.

وقِيلَ هو التَّكْبِيرُ عِنْدَ الإحْلالِ أوِ الذَّبْحِ.

﴿ عَلى ما هَداكُمْ ﴾ أرْشَدَكم إلى طَرِيقِ تَسْخِيرِها وكَيْفِيَّةِ التَّقَرُّبِ بِها، و ( ما ) تَحْتَمِلُ المَصْدَرِيَّةَ والخَبَرِيَّةَ و ( عَلى ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( لِتُكَبِّرُوا ) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشُّكْرِ.

﴿ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ ﴾ المُخْلِصِينَ فِيما يَأْتُونَهُ ويَذْرُوَنَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)

{لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ} أي لن يتقبل الله اللحوم والدماء ولكن يتقبل التقوى أو لن يصيب رضا الله اللحوم المتصدق بها ولا الدماء المراقة بالنحر والمراد أصحاب اللحوم والدماء والمعنى لن يرضى المضحكون والمقربون ربهم إلا بمراعاة النية والإخلاص ورعاية شروط التقوى وقيل كان أهل الجاهلية إذا نحروا الإبل نضحوا الدماء حول البيت ولطخوه بالدم فلما حج المسلمون أرادوا مثل ذلك فنزلت {كذلك سَخَّرَهَا لَكُمْ} أي البدن {لِتُكَبّرُواْ الله} لتسموا الله عند الذبح أو لتعظموا الله {على مَا هَدَاكُمْ} على ما أرشدكم إلى {وبشر المحسنين} الممثلين أوامره بالثواب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ﴾ أيْ لَنْ يُصِيبَ رِضا اللَّهِ تَعالى اللُّحُومُ المُتَصَدَّقُ بِها ولا الدِّماءُ المِهْراقَةُ بِالنَّحْرِ مِن حَيْثُ إنَّها لُحُومٌ ودِماءٌ ﴿ ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ ﴾ ولَكِنْ يُصِيبُهُ ما يَصْحَبُ ذَلِكَ مِن تَقْوى قُلُوبِكُمُ الَّتِي تَدْعُوكم إلى تَعْظِيمِهِ تَعالى والتَّقَرُّبِ لَهُ سُبْحانَهُ والإخْلاصِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ.

وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يَفْعَلُوا فِعْلَ المُشْرِكِينَ مِنَ الذَّبْحِ وتَشْرِيحِ اللَّحْمِ ونَصْبِهِ حَوْلَ الكَعْبَةِ ونَضْحِها بِالدِّماءِ تَعْظِيمًا لَها وتَقَرُّبًا إلَيْهِ تَعالى فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وغَيْرِهِ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ وجَماعَةٌ «أنْ تَنالَ» .

«ولَكِنْ تَنالُهُ» بِالتّاءِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الأوَّلَ بِالتّاءِ والثّانِيَ بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ، وعَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمُرَ والجَحْدَرِيِّ أنَّهُما قَرَآ بِعَكْسِ ذَلِكَ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «لَنْ يُنالَ» «ولَكِنْ يُنالُهُ» بِالبِناءِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ في المَوْضِعَيْنِ ولُحُومَها ولا دِماءَها بِالنَّصْبِ ﴿ كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ ﴾ كَرَّرَهُ سُبْحانَهُ تَذْكِيرًا لِلنِّعْمَةِ وتَعْلِيلًا لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ ﴾ أيْ لِتَعْرِفُوا عَظَمَتَهُ تَعالى بِاقْتِدارِهِ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ فَتُوَحِّدُوهُ بِالكِبْرِياءِ، وقِيلَ: أيْ لِتَقُولُوا اللَّهُ أكْبَرُ عِنْدَ الإحْلالِ أوِ الذَّبْحِ ﴿ عَلى ما هَداكُمْ ﴾ أيْ عَلى هِدايَتِهِ وإرْشادِهِ إيّاكم إلى طَرِيقِ تَسْخِيرِها وكَيْفِيَّةِ التَّقَرُّبِ بِها، فَما مَصْدَرِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً والعائِدُ مَحْذُوفٌ، ولا بُدَّ أنْ يُعْتَبَرَ مَنصُوبًا عِنْدَ مَن يَشْتَرِطُ في حَذْفِ العائِدِ المَجْرُورِ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بِمِثْلِ ما جُرَّ بِهِ المَوْصُولُ لَفْظًا ومَعْنى ومُتَعَلَّقًا، و( عَلى ) مُتَعَلِّقَةٌ بِتُكَبِّرُوا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشُّكْرِ أوِ الحَمْدِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِتُكَبِّرُوهُ تَعالى شاكِرِينَ أوْ حامِدِينَ عَلى ما هَداكم، وقالَ بَعْضُهم: عَلى بِمَعْنى اللّامِ التَّعْلِيلِيَّةِ ولا حاجَةَ إلى اعْتِبارِ التَّضْمِينِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ الدّاعِي عَلى الصَّفا: اللَّهُ أكْبَرُ عَلى ما هَدانا والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى عَلى ما أوْلانا، ولا يَخْفى أنَّ لِعَدَمِ اعْتِبارِ التَّضْمِينِ هُنا وجْهًا لَيْسَ فِيما نَحْنُ فِيهِ فافْهَمْ ﴿ وبَشِّرِ المُحْسِنِينَ ﴾ أيِ المُخْلِصِينَ في كُلِّ ما يَأْتُونَ ويَذَرُوَنَ في أُمُورِ دِينِهِمْ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هُمُ المُوَحِّدُونَ.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ بِالإعْراضِ عَنِ السُّوى وطَلَبِ الجَزاءِ ﴿ إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ ﴾ وهي مَبادِي القِيامَةِ الكُبْرى ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ ﴾ وهي مَوادُّ الأشْياءِ فَإنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مادَّةً مَلَكُوتِيَّةً تُرْضِعُ رَضِيعَها مِنَ المُلْكِ وتُرَبِّيهِ في مَهْدِ الِاسْتِعْدادِ ﴿ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ ﴾ وهي الهَيُولاتُ ﴿ حَمْلَها ﴾ وهي الصُّوَرُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ ﴿ وتَرى النّاسَ سُكارى ﴾ الحَيْرَةَ ﴿ وما هم بِسُكارى ﴾ المَحَبَّةَ، قِيلَ سُكْرُ الأعْداءِ مِن رُؤْيَةِ القَهْرِيّاتِ.

وسُكْرُ المُوافِقِينَ مِن رُؤْيَةِ بَدائِعِ الأفْعالِ.

وسُكْرُ المُرِيدِينَ مِن لَمَعانِ الأنْوارِ.

وسُكْرُ المُحِبِّينَ مِن كُشُوفِ الأسْرارِ.

وسُكْرُ المُشْتاقِينَ مِن ظُهُورِ سَنى الصِّفاتِ.

وسُكْرُ العاشِقِينَ مِن مُكاشَفَةِ الذّاتِ.

وسُكْرُ المُقَرَّبِينَ مِنَ الهَيْبَةِ والجَلالِ.

وسُكْرُ العارِفِينَ مِنَ الدُّخُولِ في حِجالِ الوِصالِ.

وسُكْرُ المُوَحِّدِينَ مِنَ اسْتِغْراقِهِمْ في بِحارِ الأوْلِيَةِ.

وسُكْرُ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ اطِّلاعِهِمْ عَلى أسْرارِ الأزَلِيَّةِ: ألَمَّ بِنا ساقٍ يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ وفي طَرْفِهِ خَمْرٌ وخَمْرٌ عَلى الكَفِّ فَأسْكَرَ أصْحابِيَ بِخَمْرَةِ كَفِّهِ ∗∗∗ وأسْكَرَنِي واللَّهِ مِن خَمْرَةِ الطَّرْفِ ﴿ ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ﴾ الآيَةَ يَدْخُلُ فِيهِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى طَمَعًا في الكَراماتِ ومَحْمَدَةَ الخَلْقِ ونَيْلَ دُنْياهم فَإنْ رَأى شَيْئًا مِن ذَلِكَ سَكَنَ إلى العِبادَةِ وإنْ لَمْ يَرَ تَرَكَها وتَهاوَنَ فِيها ﴿ خَسِرَ الدُّنْيا ﴾ بِفِقْدانِ الجاهِ والقَبُولِ والِافْتِضاحِ عِنْدَ الخَلْقِ ﴿ والآخِرَةَ ﴾ بِبَقائِهِ في الحِجابِ عَنْ مُشاهَدَةِ الحَقِّ واحْتِراقِهِ بِنارِ البُعْدِ ﴿ مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ ﴾ الآيَةَ فِيهِ إشارَةٌ إلى حُسْنِ مَقامِ التَّسْلِيمِ والرِّضى بِما فَعَلَ الحَكِيمُ جَلَّ جَلالُهُ ﴿ وإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ فِيهِ مِن تَعْظِيمِ أمْرِ الكَعْبَةِ ما فِيهِ، وقَدْ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى مِثالًا لِعَرْشِهِ وجَعَلَ الطّائِفِينَ بِها مِنَ البَشَرِ كالمَلائِكَةِ الحافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ إلّا أنَّ تَسْبِيحَ البَشَرِ وثَناءَهم عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِكَلِماتٍ إلَهِيَّةٍ قُرْآنِيَّةٍ فَيَكُونُونَ مِن حَيْثُ تَسْبِيحِهِمْ وثَنائِهِمْ بِتِلْكَ الكَلِماتِ مِن حَيْثُ إنَّها كَلِماتُهُ تَعالى نُوّابًا عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ في ويَكُونُ أهْلُ القُرْآنِ وهم كَما في الحَدِيثِ أهْلُ اللَّهِ تَعالى وخاصَّتُهُ، ولِلْكَعْبَةِ أيْضًا امْتِيازٌ عَلى العَرْشِ وسائِرِ البُيُوتِ الأرْبَعَةَ عَشَرَ لِأمْرٍ ما نُقِلَ إلَيْنا أنَّهُ في العَرْشِ ولا في غَيْرِهِ مِن تِلْكَ البُيُوتِ وهو الحَجَرُ الأسْوَدُ الَّذِي جاءَ في الخَبَرِ أنَّهُ يَمِينُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى جَعَلَ لِبَيْتِهِ أرْبَعَةَ أرْكانٍ لِسِرٍّ إلَهِيٍّ وهي في الحَقِيقَةِ ثَلاثَةٌ لِأنَّهُ شَكْلٌ مُكَعَّبُ الرُّكْنِ الَّذِي يَلِي الحِجْرَ كالحِجْرِ في الصُّورَةِ مُكَعَّبُ الشَّكْلِ ولِذَلِكَ سَمّى الكَعْبَةَ تَشْبِيهًا بِالكَعْبِ، ولَمّا جَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ بَيْتًا في العالَمِ الكَبِيرِ جَعَلَ نَظِيرَهُ في العالَمِ الصَّغِيرِ وهو قَلْبُ المُؤْمِنِ، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّهُ أشْرَفُ مِن هَذا البَيْتِ ««وما وسِعَنِي أرْضِي ولا سَمائِي ولَكِنْ وسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمِنِ»» وجَعَلَ الخَواطِرَ الَّتِي تَمُرُّ عَلَيْهِ كالطّائِفِينَ وفِيها مِثْلُهُمُ المَحْمُودُ والمَذْمُومُ، وجَعَلَ مَحَلَّ الخَواطِرِ فِيهِ كالأرْكانِ الَّتِي لَلَبَّيْتِ فَمَحَلُّ الخاطِرِ الإلَهِيِّ كَرُكْنِ الحَجَرِ ومَحَلُّ الخاطِرِ المَلَكِيِّ كالرُّكْنِ اليَمانِيِّ ومَحَلُّ الخاطِرِ النَّفْسِيِّ كالمُكَعَّبِ الَّذِي في الحِجْرِ لا غَيْرَ ولَيْسَ لِلْخاطِرِ الشَّيْطانِيِّ فِيهِ مَحَلٌّ، وعَلى هَذا قُلُوبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَدْ يُقالُ: مَحَلُّ الخاطِرِ النَّفْسِيِّ كالرُّكْنِ الشّامِيِّ ومَحَلُّ الخاطِرِ الشَّيْطانِيِّ كالرُّكْنِ العِراقِيِّ، وإنَّما جُعِلَ ذَلِكَ لِلرُّكْنِ العِراقِيِّ لِأنَّ الشّارِعَ شَرَّعَ أنْ يُقالَ عِنْدَهُ: أعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الشِّقاقِ والنِّفاقِ وسُوءِ الأخْلاقِ، وعَلى هَذا قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ ما عَدا الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأوْدَعَ سُبْحانَهُ فِيهِ كَنْزًا أرادَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُخْرِجَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ لِمَصْلَحَةٍ رَآها، وكَذا أرادَ عُمَرُ فامْتَنَعَ اقْتِداءً بِرَسُولِ اللَّهِ  .

وكَذَلِكَ أوْدَعَ جَلَّ وعَلا في قَلْبِ الكامِلِ كَنْزَ العِلْمِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ.

وارْتِفاعُ البَيْتِ عَلى ما مَرَّ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ ذِراعًا ورُبْعُ ذِراعٍ.

وقالَ بَعْضُهم: ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ ذِراعًا، وعَلَيْهِ يَكُونُ ذَلِكَ نَظِيرَ مَنازِلِ القَلْبِ الَّتِي تَقْطَعُها كَواكِبُ الإيمانِ السَّيّارَةِ لِإظْهارِ حَوادِثَ تَجْرِي في النَّفْسِ كَما تَقْطَعُ السَّيّارَةُ مَنازِلَها في الفَلَكِ لِإظْهارِ الحَوادِثِ في العالَمِ العُنْصُرِيِّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَعْرِفُهُ إلّا أهْلُ الكَشْفِ.

﴿ لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ ﴾ أيْ إلى ما يَلِيهِ فَإنَّ النَّحْرَ بِمِنًى وجُعِلَتْ مَحَلًّا لِلْقَرابِينِ عَلى ما ذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ لِأنَّها مِن بُلُوغِ الأُمْنِيَّةِ ومَن بَلَغَ المُنى المَشْرُوعَ فَقَدْ بَلَغَ الغايَةَ.

وفي نَحْرِ القَرابِينِ إتْلافُ أرْواحٍ عَنْ تَدْبِيرِ أجْسامٍ حَيَوانِيَّةٍ لِتَتَغَذّى بِها أجْسامٌ إنْسانِيَّةٌ فَتَنْظُرَ أرْواحُها إلَيْها في حالِ تَفْرِيقِها فَتُدَبِّرُها إنْسانِيَّةً بَعْدَ ما كانَتْ تُدَبِّرُها إبِلًا أوْ بَقَرًا، وهَذِهِ مَسْألَةٌ دَقِيقَةٌ لَمْ يَفْطَنْ لَها إلّا مَن نَوَّرَ اللَّهُ تَعالى بَصِيرَتَهُ مِن أهْلِ اللَّهِ تَعالى انْتَهى.

وتَعَقُّلُهُ مُفَوَّضٌ إلى أهْلِهِ فاجْهَدْ أنْ تَكُونَ مِنهم.

﴿ وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ حَسْبَما يَحْصُلُ لَهم مِنَ التَّجَلِّي عِنْدَ ذَلِكَ، وقَدْ يَحْصُلُ مِنَ الذِّكْرِ طُمَأْنِينَةُ القَلْبِ لِاقْتِضاءِ التَّجَلِّي إذْ ذَلِكَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ لِكُلِّ اسْمٍ تَجَلِّيًا خاصًّا فَإذا ذُكِرَ اللَّهُ تَعالى حَصَلَ حَسَبَ الِاسْتِعْدادِ ومِن ها هُنا يَحْصُلُ تارَةً وجَلٌ وتارَةً طُمَأْنِينَةٌ ( وإذا ) لا تَقْتَضِي الكُلِّيَّةَ بَلْ كَثِيرًا ما يُؤْتى بِها في الشَّرْطِيَّةِ الجُزْئِيَّةِ، وقِيلَ العارِفُ مَتى سَمِعَ الذِّكْرَ مِن غَيْرِهِ تَعالى وجِلَ قَلْبُهُ ومَتى سَمِعَهُ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ اطْمَأنَّ.

ويُفْهَمُ مِن ظاهِرِ كَلامِهِمْ أنَّ السّامِعَ لِلذِّكْرِ إمّا وجِلٌ أوْ مُطْمَئِنٌّ ولَمْ يُصَرِّحْ بِقِسْمٍ آخَرَ فَإنْ كانَ فالباقِي عَلى حالِهِ قَبْلَ السَّماعِ، وأكْثَرُ مَشايِخِ زَمانِنا يَرْقُصُونَ عِنْدَ سَماعِ الذِّكْرِ فَما أدْرِي أيَنْشَأُ رَقْصُهم عَنْ وجِلٍ مِنهُ تَعالى أمْ عَنْ طُمَأْنِينَةٍ ؟

وسَيَظْهَرُ ذَلِكَ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ وتَظْهَرُ الضَّمائِرُ ﴿ والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ لَكم فِيها خَيْرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ لَكَ أنَّهم يَنْحَرُونَ البُدْنَ مَعْقُولَةَ اليَدِ اليُسْرى قائِمَةً عَلى ما بَقِيَ مِن قَوائِمِها، وذَكَرُوا في سِرِّ ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ نَحْرُها قُرْبَةً أرادَ  المُناسَبَةَ في صِفَةِ نَحْرِها في الوَتْرِيَّةِ فَأقامَها عَلى ثَلاثِ قَوائِمَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وتْرٌ يُحِبُّ الوَتْرَ والثَّلاثَةُ أوِ الإفْرادُ فَلَها أوَّلُ المَراتِبِ في ذَلِكَ والأوَّلِيَّةُ وتْرِيَّةٌ أيْضًا، وجَعَلَها قائِمَةً لِأنَّ القَيُّومِيَّةَ مِثْلُ الوَتْرِيَّةِ صِفَةٌ إلَهِيَّةٌ فَيَذْكُرُ الَّذِي يَنْحَرُها مُشاهَدَةَ القائِمِ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، وقَدْ صَحَّ أنَّ المَناسِكَ إنَّما شُرِعَتْ لِإقامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وشَفْعُ الرِّجْلَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ  ﴾ وهو اجْتِماعُ أمْرِ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، وأفْرَدَ اليَمِينَ مِن يَدِ البُدْنِ حَتّى لا تَعْتَمِدَ إلّا عَلى وتْرٍ لَهُ الِاقْتِدارُ.

وكانَ العَقْلُ في اليَدِ اليُسْرى لِأنَّها خَلِيَّةٌ عَنِ القُوَّةِ الَّتِي لِلْيُمْنى والقِيامُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ قُوَّةٍ.

وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ««صَلّى رَسُولُ اللَّهِ  الظُّهْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ ثُمَّ دَعا بِناقَتِهِ فَأشْعَرَها في صَفْحَةِ سَنامِها الأيْمَنِ وسَلَتَ عَنْها الدَّمَ وقَلَّدَها نَعْلَيْنِ ثُمَّ رَكِبَ راحِلَتَهُ»» الحَدِيثَ.

والسِّرُّ في كَوْنِ هَدْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الإبِلِ مَعَ أنَّهُ جاءَ فِيها أنَّها شَياطِينُ ولِذا كُرِهَتِ الصَّلاةُ في مَعاطِنِها الإشارَةُ إلى أنَّ مَقامَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَدَّ البُعَداءَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى حالِ التَّقْرِيبِ.

وفي إشْعارِها في سَنامِها الَّذِي هو أرْفَعُ ما فِيها إشْعارٌ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أتى عَلَيْهِمْ مِن صِفَةِ الكِبْرِياءِ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ في نُفُوسِهِمْ فَلْيَتَجَنَّبُوها فَإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ إنَّما جُعِلَتْ لِلَّذِينِ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا، ووَقَعَ الإشْعارُ في الصَّفْحَةِ اليُمْنى لِأنَّ اليَمِينَ مَحَلُّ الِاقْتِدارِ والقُوَّةِ، والصَّفْحَةُ مِنَ الصَّفْحِ فَفي ذَلِكَ إشْعارٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَصْفَحُ عَمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ إذا طَلَبَ القُرْبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وزالَ عَنْ كِبْرِيائِهِ الَّذِي أوْجَبَ لَهُ البُعْدَ، وجَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الدَّلالَةَ عَلى إزالَةِ الكِبْرِياءِ في شَيْطَنَةِ البُدْنِ في تَعْلِيقِ النِّعالِ في رِقابِها إذْ لا يُصْفَعُ بِالنِّعالِ إلّا أهْلُ الهُونِ والمَذَلَّةِ ومَن كانَ بِهَذِهِ المَثابَةِ فَما بَقِيَ فِيهِ كِبْرِياءُ تُشْهَدُ، وعَلَّقَ النِّعالَ بِقَلائِدِ العِهْنِ لِيَتَذَكَّرَ بِذَلِكَ ما أرادَ اللَّهُ تَعالى وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، وقَدْ ذَكَرُوا لِجَمِيعِ أفْعالِ الحَجِّ أسْرارًا مِن هَذا القَبِيلِ، وعِنْدِي أنَّ أكْثَرَها تَعَبُّدِيَّةٌ وأنَّ أكْثَرَ ما ذَكَرُوهُ مِن قَبِيلِ الشِّعْرِ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلسَّدادِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ قرأ بعضهم: وَالْبُدْنَ بضم الدال وقراءة العامة بسكون الدال والمعنى واحد.

مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، يعني: جعلنا البدن من مناسك الحج.

لَكُمْ فِيها خَيْرٌ، أي: في نحرها أجر في الآخرة ومنفعة في الدنيا.

فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ، يعني: قائمة قد صفت قوائمها.

والآية تدل على أن الإبل تنحر قائمة.

وروي عن عبد الله بن عمر: «أنه أمر برجل قد أناخ بعيره لينحره، فقال له: «انحره قائماً، فإنه سنّة أبي القاسم  » ، وروي عن ابن مسعود، وابن عباس أنهما كانا يقرآن فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صوافن، والصوافن: التي تقوم على ثلاثة قوائم، إذا أرادوا نحره، تعقل إحدى يديه فهو الصافن، وجماعته صوافن.

وقال مجاهد: من قرأ صوافن، قال: قائمة معقولة.

من قرأها صواف، قال يصف بين يديها.

وروي عن زيد بن أسلم أنه قرأ صوافي بالياء منتصبة، ويقال: خالصة من الشرك.

وروي عن الحسن مثله وقال: خالصة لله تعالى، وهكذا روى عنهما أبو عبيدة، وحكى القتبي عن الحسن أنه كان يقرأ صَوافَّ مثل قاض وغاز، أي خالصة لله تعالى، يعني: لا يشرك به في حال التسمية على نحرها.

ثم قال: فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها، يعني: إذا ضربت بجنبها على الأرض بعد نحرها، يقال: وجب الحائط إذا سقط، ووجب القلب إذا تحرك من الفزع.

ويقال: وجب البيع إذا تمّ.

فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ، فالقانع: الراضي الذي يقنع بما أعطي، وهو السائل.

وَالْمُعْتَرَّ الذي يتعرض للمسألة ولا يتكلم، ويقال: الْقانِعَ المُتَعَفِّفُ الَّذِي لا يَسْألُ ويقنع بما أرسلت إليه وَالْمُعْتَرَّ: السائل الذي يعتريك للسؤال.

وقال الزهري: «السنة أن يأكل الرجل من لحم أضحيته قبل أن يتصدق» ، وروي عن عطاء، عن النبيّ  أنه قال: «لِيَأْكُلْ أَحَدُكُمْ مِنْ لَحْمِ أُضْحِيَتِه» .

وروى منصور، عن إبراهيم قال: كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم، فرخص للمسلمين بقوله: فَكُلُوا مِنْها فَمَن شَاء أَكَلَ وَمَن شَاء لَمْ يَأْكُلُ.

قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: والأفضل أن يتصدق بثلثه على المساكين، ويعطي ثلثه للجيران والقرابة، أغنياء كانوا أو فقراء، ويمسك ثلثه لنفسه.

وروي عن ابن مسعود نحو هذا.

وروي عن ابن عباس: «أن نافع بن الأزرق سأله عن الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ، فقال: القانع الذي يقنع بما أعطي، والمعتر الذي يعتري بالأبواب وقال: أما سمعت قول زهير: عَلَى مُكْثريهمُ حَقُّ مَنِ يَعتَرِيهِم ...

وَعِنْدَ المُقِلِّينَ السَّمَاحَةُ وَالبَذْلُ وقال مجاهد: القانع جارك وإن كان غنياً.

ثم قال: كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ، أي ذللناها لكم وهي البدن.

لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، يعني: لكي تشكروا ربكم على هذه النعمة.

قوله عز وجل: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها، وذلك أن أهل الجاهلية، كانوا إذا نحروا البدن عند زمزم، أخذوا دماءها، ولطخوا بها حول الكعبة، وعلقوا لحومها بالبيت، وقالوا: اللهم تقبل منا.

فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك، فنزل: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها، يعني: لن يصل إلى الله عز وجل لحومها ولا دماؤها.

وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ، أي يصل إليه التقوى من أعمالكم الزاكية والنية الخالصة.

قرأ الحضرمي: لن تنال الله بالتاء، لأن لفظ اللحوم مؤنثة، ولكن تناله بالتاء، لأن لفظ التقوى مؤنث، وقراءة العامة بالياء، وانصرف إلى المعنى، لأن الفعل مقدم.

ثم قال: كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ، يعني: ذلَّلها لكُم، لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ يقول: لتعظموا الله عَزَّ وَجَلَّ عَلى مَا هَداكُمْ، يعني: أرشدكم لأمر دينه.

وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ بالجنة، فمن فعل ما ذكر في هذه الآيات، فهو محسن.

ويقال: المحسن الذي يحسن الذبيحة فيختار بغير عيب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)

وقوله سبحانه: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ...

الاية: عبارة مبالغة، وهي بمعنى: لن تُرْفَعَ عنده سبحانه، وتتحصل سبب ثواب، والمعنى: ولكن تُنَالُ الرِّفْعَةُ عنده، وتحصلُ الحسنة لديه بالتقوى.

وقوله تعالى: لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ رُوِيَ: أن قوله: «وبشر المحسنين» نزلت في الخلفاء الأربعة حسبما تَقَدَّمَ في التي قبلها، وظاهر اللفظ العمومُ في كل مُحْسِنٍ.

وقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ...

الآية، وقرأ أبو عمرو، وابن كثير: «يَدْفَعُ» «١» وَلَوْلا دَفْعُ [الحج: ٤٠] .

قال أبو علي: أجريت «دافع» مُجْرى «دفع» كعاقبت اللِّصَّ وطارقت النعلَ، قال أبو الحسن الأَخْفَشُ: يقولون: دافع الله عنك، ودفع عنك، إلاَّ أَنَّ «دفع» أكثر في الكلام.

قال ع «٢» : ويحسن «يدافع» لأَنَّهُ قد عنّ للمؤمنين من يدفعهم ويؤذيهم، فيجيء دفعه سبحانه مدافعةً عنهم، وروي أَنَّ هذه الآية نزلت بسبب المؤمنين لَمَّا كَثُروا بمكة وآذاهم الكُفَّارُ هَمَّ بعضُهم أَنْ يقتل مَنْ أمكنه من الكُفَّارَ، ويغتالَ، وَيَغْدُرَ، فنزلت هذه الآية إلى قوله: كَفُورٍ، ثم أَذِنَ الله سبحانه في قتال المؤمنين لِمَنْ قاتلهم من الكفار بقوله: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ.

وقوله: بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا معناه: كان الإذن بسبب أنهم «٣» ظُلِمُوا، قال ابن جريج «٤» :

وهذه الآية أول ما نقضت الموادعة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والبُدْنَ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ يَعْمُرُ بِرَفْعِ الدّالِ.

قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: بُدْنٌ وبُدُنٌ، والتَّخْفِيفُ أجْوَدُ وأكْثَرُ؛ لِأنَّ كُلَّ جَمْعٍ كانَ واحِدُهُ عَلى ( فَعَلَةٍ )، ثُمَّ ضُمَّ أوَّلُ جَمْعِهِ خُفِّفَ، مِثْلُ: أكَمَةٍ وأُكْمٍ، وأجَمَةٍ وأُجْمٍ، وخَشَبَةٍ وخُشْبٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: " البُدْنَ " مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الَّذِي ظَهَرَ، والمَعْنى وجَعَلَنا البُدْنَ.

وإنْ شِئْتَ رَفَعْتَها عَلى الِاسْتِئْنافِ، والنَّصْبُ أحْسَنُ، ويُقالُ: بُدْنٌ وبُدُنٌ وبَدَنَةٌ، مِثْلُ قَوْلِكَ: ثُمْرٌ وثُمُرٌ وثَمَرَةٌ، وإنَّما سُمِّيَتْ بَدَنَةً لِأنَّها تَبْدُنُ؛ أيْ: تَسْمَنُ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في البُدْنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الإبِلُ والبَقَرُ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّانِي: الإبِلُ خاصَّةً، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ: الأوَّلُ قَوْلُ أكْثَرِ فُقَهاءِ الأمْصارِ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: البَدَنَةُ: اسْمٌ يَخْتَصُّ الإبِلَ في اللُّغَةِ، والبَقَرَةُ تَقُومُ مَقامَها في الحُكْمِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ  جَعَلَ البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ والبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ ﴾ ؛ أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها عِبادَةً لِلَّهِ، مِن سَوْقِها إلى البَيْتِ، وتَقْلِيدِها، وإشْعارِها، ونَحْرِها، والإطْعامِ مِنها.

﴿ لَكم فِيها خَيْرٌ ﴾ وهو النَّفْعُ في الدُّنْيا والأجْرُ في الآخِرَةِ، ﴿ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها ﴾ ؛ أيْ: عَلى نَحْرِها، ﴿ صَوافَّ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: ( صَوافِنَ ) بِالنُّونِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( صَوافِي ) بِالياءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: " صَوّافَّ " مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ، ولَكِنَّها لا تُنَوَّنُ لِأنَّها لا تَنْصَرِفُ؛ أيْ: قَدْ صُفَّتْ قَوائِمُها، والمَعْنى: اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها في حالِ نَحْرِها، والبَعِيرُ يُنْحَرُ قائِمًا، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.

ومَن قَرَأ: ( صَوافِنَ ) فالصّافِنُ: الَّتِي تَقُومُ عَلى ثَلاثٍ، والبَعِيرُ إذا أرادُوا نَحْرَهُ تُعْقَلُ إحْدى يَدَيْهِ، فَهو الصّافِنُ، والجَمِيعُ صَوافِنُ.

هَذا ومَن قَرَأ: ( صَوافِي ) بِالياءِ وبِالفَتْحِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَتَفْسِيرُهُ: خَوالِصُ؛ أيْ: خالِصَةً لِلَّهِ لا تُشْرِكُوا بِهِ في التَّسْمِيَةِ عَلى نَحْرِها أحَدًا.

﴿ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها ﴾ ؛ أيْ: إذا سَقَطَتْ إلى الأرْضِ، يُقالُ: وجَبَ الحائِطُ وجْبَةً: إذا سَقَطَ، ووَجَبَ القَلْبُ وجَيْبًا: إذا تَحَرَّكَ مِن فَزَعٍ.

واعْلَمْ أنَّ نَحْرَها قِيامًا سُنَّةٌ، والمُرادُ بِوُقُوعِها عَلى جَنُوبِها: مَوْتُها، والأمْرُ بِالأكْلِ مِنها أمْرُ إباحَةٍ، وهَذا في الأضاحِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ: ( والمُعْتَرِ ) بِكَسْرِ الرّاءِ خَفِيفَةً.

وفِيهِما سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ القانِعَ: الَّذِي يَسْألُ، والمُعْتَرَّ: الَّذِي يَتَعَرَّضُ ولا يَسْألُ، رَواهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّ القانِعَ: المُتَعَفِّفُ، والمُعْتَزُّ: السّائِلُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ، وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّ القانِعَ: المُسْتَغْنِي بِما أعْطَيْتَهُ وهو في بَيْتِهِ، والمُعْتَرَّ: الَّذِي يَتَعَرَّضُ لَكَ ويُلِمُّ بِكَ ولا يَسْألُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: القانِعُ: جارُكَ الَّذِي يَقْنَعُ بِما أعْطَيْتَهُ، والمُعْتَرُّ: الَّذِي يَتَعَرَّضُ ولا يَسْألُ، وهَذا مَذْهَبُ القُرَظِيِّ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى القانِعِ: أنْ يَقْنَعَ بِما أُعْطِي.

ومَن قالَ: هو المُتَعَفِّفُ، قالَ: هو القانِعُ بِما عِنْدَهُ.

والرّابِعُ: القانِعُ: أهْلُ مَكَّةَ، والمُعْتَرُّ: الَّذِي يَعْتَرُّ بِهِمْ مِن غَيْرِ أهْلِ مَكَّةَ، رَواهُ خَصِيفٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

والخامِسُ: القانِعُ: الجارُ وإنْ كانَ غَنِيًّا، والمُعْتَرُّ: الَّذِي يَعْتَرُّ بِكَ، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

والسّادِسُ: القانِعُ: المِسْكِينُ السّائِلُ، والمُعْتَرُّ: الصَّدِيقُ الزّائِرُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: قَنَعَ يَقْنَعُ قُنُوعًا: إذا سَألَ، وقَنِعَ يَقْنَعُ قَناعَةً: إذا رَضِيَ، ويُقالُ في المُعْتَرِّ: اعْتَرَنِي واعْتَرانِي وعَرّانِي.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَذْهَبُ أهْلِ اللُّغَةِ: أنَّ القانِعَ: السّائِلُ، يُقالُ: قَنَعَ يَقْنَعُ قُنُوعًا: إذا سَألَ، فَهو قانِعٌ، قالَ الشَّمّاخُ: لَمالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي مَفاقِرَهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ أيْ: مِنَ السُّؤالِ، ويُقالُ: قَنِعَ قَناعَةً: إذا رَضِيَ، فَهو قَنِعٌ، والمُعْتَرُّ والمُعْتَرِي واحِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: مِثْلَ ما وصَفْنا مِن نَحْرِها قائِمَةً، ﴿ سَخَّرْناها لَكُمْ ﴾ نِعْمَةً مِنّا عَلَيْكم لِتَتَمَكَّنُوا مِن نَحْرِها عَلى الوَجْهِ المَسْنُونِ، ﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ؛ أيْ: لِكَيْ تَشْكُرُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ﴾ وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ: ( لَنْ تَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ) بِالتّاءِ، ( ولَكِنْ تَنالُهُ التَّقْوى ) بِالتّاءِ أيْضًا.

سَبَبُ نُزُولِها أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا إذا ذَبَحُوا اسْتَقْبَلُوا الكَعْبَةَ بِالدِّماءِ يَنْضَحُونَ بِها نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَأرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: لَنْ تُرْفَعَ إلى اللَّهِ لُحُومُها ولا دِماؤُها، وإنَّما يُرْفَعُ إلَيْهِ التَّقْوى، وهو ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُهُ مِنكم.

فَمَن قَرَأ: ( تَنالُهُ التَّقْوى ) بِالتّاءِ، فَإنَّهُ أنَّثَ لِلَفْظِ التَّقْوى.

ومَن قَرَأ: ( يَنالُهُ ) بِالياءِ؛ فَلِأنَّ التَّقْوى والتُّقى واحِدٌ.

والإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّهُ لا يَقْبَلُ اللُّحُومَ والدِّماءَ، إذا لَمْ تَكُنْ صادِرَةً عَنْ تَقْوى اللَّهِ، وإنَّما يَتَقَبَّلُ ما يَتَّقُونَهُ بِهِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى امْتِناعِ قَبُولِ الأعْمالِ إذا عَرِيَتْ عَنْ نِيَّةٍ صَحِيحَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ سَخَّرَها ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [ الحَجّ: ٣٧ ] .

﴿ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ ﴾ ؛ أيْ: عَلى ما بَيَّنَ لَكم وأرْشَدَكم إلى مَعالِمِ دِينِهِ ومَناسِكِ حَجِّهِ، وذَلِكَ أنْ يَقُولَ: اللَّهُ أكْبَرُ عَلى ما هَدانا، ﴿ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: المُوَحِّدِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللهِ لَكم فِيها خَيْرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَقْوى مِنكم كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكم لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكم وبَشِّرِ المُحْسِنِينَ ﴾ "البُدْنُ": جَمْعُ بَدَنَةٍ، وهي ما أُشْعِرَ مِن ناقَةٍ أو بَقَرَةٍ، قالَهُ عَطاءٌ وغَيْرُهُ، وسَمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَبْدَنُ، أيْ تَسْمَنُ، وقِيلَ: بَلْ هَذا الِاسْمُ خاصٌّ بِالإبِلِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "البُدْنَ": جَمْعُ بَدَنٍ -بِفَتْحِ الباءِ والدالِ- ثُمُ اخْتَلَفَتْ، فَقالَ بَعْضُها: البُدْنَ مُفْرِدٌ اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ العَظِيمُ السَمِينُ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ، ويُقالُ لِلسَّمِينِ مِنَ الرِجالِ: بَدُنَ، وقالَ بَعْضُها: البُدْنَ جَمْعُ بَدَنَةٍ كَثَمَرَةٍ وثُمْرٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "والبَدَنُ" ساكِنَةُ الدالِّ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةٍ، والحُسْنُ، وابْنُ أبِي إسْحَقٍ: "البُدُنُ" بِضَمِّ الدالِّ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ بَدَنَةٍ كَثُمُرٍ، وعَدَّدَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ نِعَمَهُ عَلى الناسِ في هَذِهِ البُدُنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "الشَعائِرِ".

و"الخَيْرُ" قِيلَ فِيهِ ما قِيلَ في "المَنافِعِ" الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، والصَوابُ عُمُومُهُ في خَيْرِ الدُنْيا والآخِرَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلَيْها" يُرِيدُ: عِنْدَ نَحْرِها.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "صَوافَّ" بِفَتْحِ الفاءِ وشَدِّها، جَمْعُ صافَّةٍ، أيْ: مُطِيعَةٌ في قِيامِها، وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمٍ، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيِّ، وشَقِيقٌ، وَسُلَيْمانَ التَيْمِيِّ، والأعْرَجُ: "صَوافِي" جَمْعُ صافِيَةٍ، أيْ: خالِصَةٌ لِوَجْهِ اللهِ تَعالى، لا شَرِكَةَ فِيها لِشَيْءٍ كَما كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تُشْرِكُ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: "صَوافٍ" بِكَسْرِ الفاءِ وتَنْوِينِها مُخَفِّفَةً، وهي بِمَعْنى الَّتِي قَبْلَها لَكِنْ حُذِفَتِ الياءُ تَخْفِيفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: "صَوافِنَ" بِالنُونِ جَمْعُ صافِنَةٍ، وهي الَّتِي قَدْ رَفَعَتْ إحْدى يَدَيْها بِالعَقْلِ لِئَلّا تَضْطَرِبُ، والصافِنُ مِنَ الخَيْلِ: الرافِعُ لِفَراهَتِهِ إحْدى يَدَيْهِ وقِيلَ إحْدى رِجْلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الصافِناتُ الجِيادُ  ﴾ ، وقالَ عَمْرُو بْنِ كُلْثُومٍ: تَرَكْنا الخَيْلَ عاكِفَةً عَلَيْهِ مُقَلَّدَةٌ أعِنَّتَها صُفُونا و"وَجَبَتْ" مَعْناهُ: سَقَطَتْ بَعْدَ نَحْرِها، ومِنهُ: وجَبَتِ الشَمْسُ، ومِنهُ قَوْلُ أوسِ بْنِ حَجَرٍ: ألَمْ تُكْسِفُ الشَمْسُ والبَدْرُ والـ ∗∗∗ ـكَواكِبُ لِلْجَبَلِ الواجِبِ وقَوْلُهُ تَعالى: "فَكُلُوا" نَدَبٌ، وكُلُّ العُلَماءِ يَسْتَحِبُّ أنْ يَأْكُلَ الإنْسانُ مِن هَدْيِهِ، وفِيهِ أجْرٌ وامْتِثالٌ إذْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يَأْكُلُونَ مِن هَدْيِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، والطَبَرِيُّ: هي إباحَةٌ.

و"القانِعُ": السائِلُ، يُقالُ: قَنِعَ الرَجُلُ يَقْنَعُ قَنُوعًا إذا سَألَ، بِفَتْحِ النُونِ في الماضِي، وقَنِعَ بِكَسْرِ النُونِ يَقْنَعُ قَناعَةً فَهو قَنِعٌ إذا تَعَفَّفَ واسْتَغْنى بِبُلْغَتِهِ، قالَهُ الخَلِيلُ، ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ الشَمّاخُ: لِمالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي ∗∗∗ مَفاقِرَهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ فَمُحَرِّرُوا القَوْلِ مِن أهْلِ العِلْمِ قالُوا: القانِعُ: السائِلُ.

و"المُعْتَرُّ": المُتْعَرِضُ مِن غَيْرِ سُؤالٍ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، والكَلْبِيُّ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وعَكَسَتْ فِرْقَةٌ هَذا القَوْلَ، حَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: القانِعُ: المُسْتَغْنِي بِما أعْطَيْتُهُ، والمُعْتَرُّ هو المُعْتَرِضُ، وحُكِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: القانِعَ: المُتَعَفِّفُ، والمُعْتَرُّ: السائِلُ، وحُكِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: القانِعُ: الجارُ وإنَّ كانَ غَنِيًّا، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ "القانِعَ"، فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ مَعْنى الآيَةِ: أطْعَمُوا المُتَعَفِّفَ الَّذِي لا يَأْتِي مُعْتَرِضًا، وذَهَبَ أبُو الفَتْحِ بْنُ جِنِّيٍّ إلى أنَّهُ أرادَ "القانِعَ" فَحَذَفَ الألِفَ تَخْفِيفًا.

وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ تَوْجِيهَها عَلى ما ذَكَرْتُهُ آنِفًا أحْسَنُ، وإنَّما يُلْجَأُ إلى هَذا إذا لَمْ تُوجَدُ مَندُوحَةً، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وعَمْرُو بْنِ عَبِيدٍ: "المُعْتَرِي"، والمَعْنى واحِدٌ، ويُرْوى عن أبِي رَجاءٍ "والمُعْتَرَّ" بِتَخْفِيفِ الراءِ، وقالَ الشاعِرُ: لَعَمْرُكَ ما المُعْتَرُّ يَغْشى بِلادَنا ∗∗∗ لِنَمْنَعَهُ بِالضائِعِ المُتَهَضِّمْ وذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى أنَّ الهَدْيَ أثْلاثٌ، وقالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عن أبِيهِ: أُطْعِمُ القانِعُ والمُعْتَرُّ ثُلْثًا، والبائِسُ الفَقِيرُ ثُلْثًا، وأهْلِي ثُلْثًا، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: لَيْسَ لِصاحِبِ الهَدْيِ مِنهُ إلّا الرُبْعَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحْسانِ لا عَلى الفَرْضِ، ثُمْ قالَ تَعالى: "كَذَلِكَ"، أيْ: كَما أمَرْتُكم فِيها بِهَذا كُلِّهِ سَخَّرْناها لَكُمْ، و"لَعَلَّكُمْ" تَرَجٍّ في حَقِّنا وبِالإضافَةِ إلى نَظَرِنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يَنالَ" عِبارَةُ مُبالَغَةٍ وتَوْكِيدٍ، وهي بِمَعْنى: لَنْ يَرْتَفِعَ عِنْدَهُ ويَتَحَصَّلَ سَبَبُ ثَوابٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنْ أهِلَ الجاهِلِيَّةَ كانُوا يُضَرِّجُونَ البَيْتَ بِالدِماءِ فَأرادَ المُؤْمِنُونَ فِعْلَ ذَلِكَ فَنَهى اللهُ تَعالى عن ذَلِكَ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والمَعْنى: ولَكِنْ يَنالُ الرِفْعَةَ عِنْدَهُ والتَحْصِيلَ حَسَنَةً لَدَيْهِ التَقْوى، أيِ الإخْلاصِ وعَمَلِ الطاعاتِ.

وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ، والأعْرَجُ، وابْنُ يَعْمَرِ، والزَهْرِيُّ: "لَنْ تَنالَ"، "وَلَكِنْ تَنالُهُ" بِتاءٍ فِيهِما.

والتَسْمِيَةُ والتَكْبِيرُ عَلى الهَدْيِ والأُضْحِيَّةِ هو أنْ يَقُولَ الذابِحُ: بِاسْمِ اللهِ واللهُ أكْبَرُ، ورُوِيَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ ﴾ نَزَلَتْ في الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهم حَسْبَما تَقَدَّمَ في الَّتِي قَبْلَها، فَأمّا ظاهِرُ اللَفْظِ فَيَقْتَضِي العُمُومَ في كُلِّ مُحْسِنٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ ﴾ جملة في موضع التعليل لجملة ﴿ كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون ﴾ [الحج: 36]، أي دلّ على أنّا سخرناها لكم لتشكروني أنه لا انتفاع لله بشيء من لحومها ولا دمائها حين تتمكنون من الانتفاع بها فلا يريد الله منكم على ذلك إلا أن تتّقُوه.

والنَيْل: الإصابة.

يقال ناله، أي أصابه ووصل إليه.

ويقال أيضاً بمعنى أحرز، فإن فيه معنى الإصابة كقوله تعالى: ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ [آل عمران: 92] وقوله: ﴿ وهموا بما لم ينالوا ﴾ [التوبة: 74].

والمقصود من نفي أن يصل إلى الله لحومها ودماؤها إبطال ما يفعله المشركون من نضح الدماء في المذابح وحول الكعبة وكانوا يذبحون بالمَرْوَةِ.

قال الحسن: كانوا يلطخون بدماء القرابين وكانوا يشرّحون لحوم الهدايا وينصبونها حول الكعبة قرباناً لله تعالى، يعني زيادة على ما يعطونه للمحاويج.

وفي قوله: ﴿ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ﴾ إيماء إلى أن إراقة الدماء وتقطيع اللحوم ليسا مقصودين بالتعبد ولكنهما وسيلة لنفع الناس بالهدايا إذ لا يُنتفع بلحومها وجلودها وأجزائها إلا بالنّحر أو الذبح وإن المقصد من شرعها انتفاع الناس المُهدين وغيرهم.

فأما المهدون فانتفاعهم بالأكل منها في يوم عيدهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم صيام يوم النّحر: «يوم تأكلون فيه من نُسككم» فذلك نفع لأنفسهم ولأهاليهم ولو بالادخار منه إلى رجوعهم إلى آفاقهم.

وأما غيرهم فانتفاع من ليس له هدْيٌ من الحجيج بالأكل مما يهديه إليهم أقاربهم وأصحابهم، وانتفاع المحاويج من أهل الحرم بالشبع والتزود منها والانتفاع بجلودها وجِلالها وقلائدها.

كما أومأ إليه قوله تعالى: ﴿ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ﴾ [المائدة: 97].

وقد عرض غير مرة سؤال عما إذا كانت الهدايا أوفر من حاجة أهل الموسم قطعاً أو ظناً قريباً من القطع كما شوهد ذلك في مواسم الحجّ، فما يبقى منها حيّاً يباع وينفق ثمنه في سدّ خلة المحاويج أجدَى من نحره أو ذَبحه حين لا يَرغب فيه أحد، ولو كانت اللحوم التي فاتَ أن قُطعّت وكانت فاضلة عن حاجة المحاويج يعمل تصبيرها بما يمنع عنها التعفُّن فيُنتفع بها في خلال العام أجدى للمحاويج.

وقد ترددتْ في الجواب عن ذلك أنظار المتصدّين للإفتاء من فقهاء هذا العصر، وكادوا أن تتفق كلمات من صدرت منهم فتاوى على أن تصبيرها مناف للتعبد بهَديها.

أما أنا فالذي أراه أن المصير إلى كلا الحالين من البيع والتصبير لما فضل عن حاجة الناس في أيام الحج، لينتفع بها المحتاجون في عامهم، أوفقُ بمقصد الشارع تجنباً لإضاعَة ما فَضِل منها رعياً لمقصد الشريعة من نفع المحتاج وحفظ الأموال مع عدم تعطيل النحر والذبح للقدر المحتاج إليه منها المشار إليه بقوله تعالى: ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صواف ﴾ [الحج: 36] وقوله: ﴿ وكذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم ﴾ ، جمعاً بين المقاصد الشرعية.

وتعرض صورة أخرى وهي توزيع المقادير الكافية للانتفاع بها على أيام النحر الثلاثة بحيث لا يُتعجل بنحر جميع الهدايا في اليوم الأول طلباً لفضيلة المبادرة، فإن التقوى التي تصِل إلى الله من تلك الهدايا هي تسليمها للنفع بها.

وهذا قياس على أصل حفظ الأموال كما فرضوه في بيع الفَرس الحُبُس إذا أصابه ما يفضي به إلى الهلاك أو عدم النفع، وهي المعاوضة لِرَبْع الحبس إذا خرب.

وحكم الهدايا مركب من تعبّد وتعليل، ومعنى التعليل فيه أقوى، وعلّته انتفاع المسلمين، ومسلك العلّة الإيماء الذي في قوله تعال: ﴿ فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ﴾ [الحج: 36].

واعلم أن توهم التقرب بتلطيخ دماء القرابين وانتفاع المتقرب إليه بتلك الدماء عقيدة وثنية قديمة فربما كانوا يطرحون ما يتقربون به من لحم وطعام فلا يدَعون أحداً يأكله.

وكان اليونان يشوون لحوم القرابين على النار حتى تصير رماداً ويتوهمون أنّ رائحة الشواء تسرّ الآلهة المتقرب إليها بالقرابين، وكان المصريُّون يُلقون الطعام للتماسيح التي في النيل لأنها مقدّسة.

وقرأ الجمهور ﴿ يَنال، ويَناله ﴾ بتحتية في أولهما.

وقرأه يعقوب بفوقية على مراعاة ما يجوز في ضمير جمع غير العاقل.

وربما كانوا يقذفون بمِزع من اللحم على أنها لله فربما أصابها محتاج وربما لم يتفطن لها فتأكلها السّباع أو تفسد.

ويشمل التقوى ذكر اسم الله عليها والتصدّق ببعضها على المحتاجين.

و ﴿ يناله ﴾ مشاكلة ل ﴿ ينال ﴾ الأول، استعير النيل لتعلّق العلم.

شبه علم الله تقواهم بوصول الشيء المبعوث إلى الله تشبيهاً وجهّه الحصول في كلّ وحسنته المشاكلة.

و (مِن) في قوله ﴿ مِنكم ﴾ ابتدائية.

وهي ترشيح للاستعارة، ولذلك عبّر بلفظ ﴿ التقوى منكم ﴾ دون: تقواكم أو التقوى.

مجرداً مع كون المعدول عنه أوجز لأنّ في هذا الإطناب زيادة معنى من البلاغة.

﴿ كذلك سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المحسنين ﴾ .

تكرير لجملة: ﴿ كذلك سخرناها لكم ﴾ [الحج: 36]، وليبنى عليه التنبيه إلى أن الثناء على الله مسخّرها هو رأس الشكر المنبه عليه في الآية السابقة، فصار مدلول الجملتين مترادفاً.

فوقع التأكيد.

فالقول في جملة ﴿ كذلك سخرها لكم لتكبروا الله ﴾ كالقول في أشباهها.

وقوله ﴿ على ما هداكم ﴾ ﴿ على ﴾ فيه للاستعلاء المجازي الذي هو بمعنى التمكن، أي لتكبّروا الله عند تمكنكم من نحرها.

و(ما) موصولة، والعائد محذوف مع جارّه.

والتقديرُ: على ما هداكم إليه من الأنعام.

والهداية إليها: هي تشريع الهدايا في تلك المواقيت لينتفع بها الناس ويرتزق سكان الحرم الذين اصطفاهم الله ليكونوا دعاةَ التوحيد لا يفارقون ذلك المكان، والخطاب للمسلمين.

وتغيير الأسلوب تخريج على خلاف مقتضى الظاهر بالإظهار في مقام الإضمار للإشارة إلى أنهم قد اهتدوا وعملوا بالاهتداء فأحسنوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَنْ يَقْبَلَ اللَّهُ الدِّماءَ وإنَّما يَقْبَلُ التَّقْوى، وهَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ عِيسى.

والثّانِي: مَعْناهُ لَنْ يَصْعَدَ إلى اللَّهِ لُحُومُها ولا دِماؤُها، لِأنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ إذا ذَبَحُوا بُدْنَهُمُ اسْتَقْبَلُوا الكَعْبَةَ بِدِمائِها فَيُضْجِعُونَها نَحْوَ البَيْتِ، فَأرادَ المُسْلِمُونَ فِعْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ ﴾ أيْ يَصْعَدُ إلَيْهِ التَّقْوى والعَمَلُ الصّالِحُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

﴿ كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ ﴾ أيْ ذَلَّلَها لَكم يَعْنِي الأنْعامَ.

﴿ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الذَّبْحِ.

والثّانِي: لِتُكَبِّرُوا عِنْدَ الإحْلالِ بَدَلًا مِنَ التَّلْبِيَةِ في الإحْرامِ.

﴿ عَلى ما هَداكُمْ ﴾ أيْ ما أرْشَدَكم إلَيْهِ مِن حَجِّكم.

﴿ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالقَبُولِ.

والثّانِي: بِالجَنَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ عندما يخوفون ﴿ والصابرين على ما أصابهم ﴾ من البلاء والمصيبات ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ يعني إقامتها بأداء ما استحفظهم الله فيها.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه، أنه قرأ ﴿ والبدن ﴾ خفيفة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: لا نعلم البدن إلا من الإبل والبقر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله عنه قال: البدنة، ذات الخف.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عمر رضي الله عنه قال: البدنة ذات البدن من الإبل والبقر.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: ليس البدن إلا من الإبل.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عبد الكريم قال: اختلف عطاء والحكم فقال عطاء البدن من الإبل والبقر.

وقال الحكم: من الإبل.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن سعيد بن المسيب قال: البدن، البعير والبقرة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه قال: البدن من البقر.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن يعقوب الرياحي، عن أبيه قال أوصى الي رجل، وأوصى ببدنة، فأتيت ابن عباس- رضي الله عنهما- فقلت له: إن رجلاً أوصى إلي، وأوصى إلي ببدنة، فهل تجزئ عني بقرة؟

قال: نعم.

ثم قال: ممن صاحبكم؟

فقلت: من بني رياح.

قال: ومتى تقتني.

اقتنى بنو رياح البقر إلى الإبل [ ] وهو صاحبكم وإنما البقر للأسد، وعبد القيس.

وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: إنما سميت البدن؛ من قبل السمانة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن إبراهيم في قوله: ﴿ لكم فيها خير ﴾ قال: هي البدنة.

ان احتاج إلى ظهر ركب، أو إلى لبن شرب.

وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لكم فيها خير ﴾ قال: لكم أجر ومنافع للبدن.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن ماجة، والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب، «عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قلنا يا رسول الله، ما هذه الأضاحي؟» قال سنة أبيكم إبراهيم «قال: فما لنا فيها يا رسول الله؟

قال: بكل شعرة حسنة» قالوا: فالصوف؟

قال: «بكل شعرة من الصوف حسنة» .

وأخرج ابن عدي والدارقطني والطبراني والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد» .

وأخرج الترمذي وحسنة وابن ماجة والحاكم وصححه، عن عائشة- رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من هراقه دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها واظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفساً» .

وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من وجد سعة لأن يضحي فلم يضح فلا يقربن مصلانا» .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مالك بن أنس قال: حج سعيد بن المسيب وحج معه ابن حرملة، فاشترى سعيد كبشاً فضحى به، واشترى ابن حرملة بدنة بستة دنانير فنحرها.

فقال له سعيد: اما كان لك فينا أسوة؟

فقال: إني سمعت الله يقول: ﴿ والبدن جعلناها لكم من شعائر الله، لكم فيها خير ﴾ فاحببت أن آخذ الخير من حيث دلني الله عليه، فاعجب ذلك ابن المسيب منه!

وجعل يحدث بها عنه.

وأخرج أبو نعيم الحلية، عن ابن عيينة قال: حج صفوان بن سليم ومعه سبعة دنانير فاشترى بها بدنة، فقيل له: ليس معك إلا سبعة دنانير تشتري بها بدنة!

فقال: إني سمعت الله يقول: ﴿ لكم فيها خير ﴾ .

وأخرج قاسم بن أصبغ وابن عبد البر في التمهيد، عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا أيها الناس ضحوا وطيبوا بها نفساً، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد يوجه بأضحيته إلى القبلة؛ إلا كان دمها وقرنها وصوفها حسنات محضرات في ميزانه يوم القيامة، فإن الدم إن وقع في التراب فإنما يقع في حرز الله حتى يوفيه صاحبه يوم القيامة» وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- «اعملوا قليلاً تجزوا كثيراً» .

وأخرج أحمد عن أبي الأشد السملي، عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أفضل الضحايا أغلاها وأسمنها» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس قال: «ما أنفق الناس من نفقة أعظم أجراً من دم يهراق يوم النحر؛ إلا رحماً محتاجة يصلها» .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد في قوله: ﴿ لكم فيها خير ﴾ قال: إن احتاج إلى اللبن شرب، وإن احتاج إلى الركوب ركب، وإن احتاج إلى الصوف أخذ.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عكرمة قال: قال رجل لابن عباس أيركب الرجل البدنة على غير مثقل؟

قال: ويحلبها على غير مجهد.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن علي رضي الله عنه قال: يركب الرجل بدنته بالمعروف.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهراً» .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عطاء رضي الله عنه: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- رخص لهم أن يركبوها إذا احتاجوا إليها.

وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، عن أبي هريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنة فقال: اركبها قال: إنها بدنة.

قال: اركبها ويلك أو يحك» .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن أنس: «أن النبي- صلى الله عليه وسلم- رأى رجلاً يسوق بدنة أو هدية فقال: اركبها فقال: إنها بدنة- أو هدية.

قال:وإن كانت» .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الأضاحي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه، عن أبي ظبيان قال: سألت ابن عباس، عن قوله: ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صواف ﴾ قال: إذا أردت أن تنحر البدنة، فاقمها على ثلاث قوائم معقولة، ثم قل: بسم الله والله أكبر اللهم منك ولك.

وأخرج الفريابي وأبو عبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ صواف ﴾ قال: قياماً معقولة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عمر: أنه نحر بدنة وهي قائمة معقولة إحدى يديها.

وقال: ﴿ صواف ﴾ كما قال الله عز وجل.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلاً أناخ بدنته وهو ينحرها فقال: ابعثها قياماً مقيدة؛ سنة محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن سابط: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كانوا يعقلون من البدنة اليسرى، وينحرونها قائمة على ما هي من قوائمها.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان ينحرها وهي معقولة يدها اليمنى.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن الحسن في البدنة كيف تنحر؟

قال: تعقل يدها اليسرى وينحرها من قبل يدها اليمنى.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد أنه كان يعقل يدها اليسرى إذا أراد أن ينحرها.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عطاء قال: اعقل أي اليدين شئت.

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف والضياء في المختارة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه كان يقرأ ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صوافن ﴾ .

وأخرج ابن الأنباري، عن مجاهد في قوله: ﴿ صوافن ﴾ قال: معقولة على ثلاثة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن الأنباري، عن قتادة قال: كان عبد الله بن مسعود يقرأ ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صوافن ﴾ أي معقولة قياماً.

وأخرج عبد بن حميد، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه: أنه كان يقرأُها ﴿ صوافن ﴾ قال: رأيت ابن عمر ينحر بدنته وهي على ثلاثة قوائم قياماً معقولة.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه، عن مجاهد قال: من قرأها ﴿ صوافن ﴾ قال: معقولة.

ومن قرأها ﴿ صواف ﴾ قال: يصف بين يديها.

ولفظ عبد بن حميد من قرأها ﴿ صواف ﴾ فهي قائمة مضمومة يديها.

ومن قرأها ﴿ صوافن ﴾ قياماً معقولة، ولفظ ابن أبي شيبة الصواف، على أربع، والصوافن على ثلاثة.

وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف وابن أبي حاتم، عن الحسن أنه كان يقرأُها ﴿ صواف ﴾ قال: خالصة.

لله تعالى قال: كانوا يذبحونها لأصنامهم.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم أنه قرأ «فاذكروا اسم الله عليها صوافي» بالياء منتصبة.

وقال: خالصة لله من الشرك، لأنهم كانوا يشركون في الجاهلية إذا نحروها.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ فإذا وجبت ﴾ قال: سقطت على جنبها.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ فإذا وجبت ﴾ قال نحرت.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد ﴿ فإذا وجبت جنوبها ﴾ قال: إذا سقطت إلى الأرض.

وأخرج أبو داود والنسائي والحاكم وصححه وأبو نعيم في الدلائل، عن عبد الله بن قرط قال: قدم إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- بدنات خمس أو ست، فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، فلما وجبت جنوبها قال: من شاء اقتطع.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عمر أنه: كان يطعم من بدنه قبل أن يأكل منها ويقول: ﴿ فكلوا منها وأطعموا ﴾ هما سواء.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن إبراهيم قال: كانوا لا يأكلون من شيء جعلوه لله، ثم رخص لهم أن يأكلوا من الهدي والأضاحي وأشباهه.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن علي قال: لا يؤكل من النذر، ولا من جزاء الصيد، ولا مما جعل للمساكين.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن سعيد بن جبير قال: لا يؤكل من النذر، ولا من الكفارة، ولا مما جعل للمساكين.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن معاذ قال: أمرنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن نطعم من الضحايا الجار، والسائل، والمتعفف.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عمر: أنه كان بمنى فتلا هذه الآية ﴿ فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ﴾ وقال: لغلام معه هذه القانع الذي يقنع بما آتيته.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: القانع المتعفف، والمعتر السائل.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، القانع الذي يقنع بما أوتي، والمعتر الذي يعترض.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: القانع الذي يجلس في بيته.

وأخرج الطستي في مسائله، عن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق قال له: اخبرني عن قوله: ﴿ القانع والمعتر ﴾ قال: القانع الذي يقنع بما أُعطي، والمعتر الذي يعتر من الأبواب.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر وهو يقول: على مكثريهم حق من يعتريهم ** وعند المقلين السماحة والبذل وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه، عن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية؟

قال: أما القانع؛ فالقانع بما أرسلت إليه في بيته.

والمعتر الذي يعتريك.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد مثله.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس قال: القانع الذي يسأل، والمعتر الذي يعترض لولا يسأل.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، عن سعيد بن جبير قال: القانع السائل الذي يسأل، ثم أنشد قول الشاعر: لمال المرء يصلح فيبقى ** معاقره أعف من القنوع وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، عن الحسن قال: القانع الذي يقنع اليك بما في يديك، والمعتر الذي يتصدى إليك لتطعمه.

ولفظ ابن أبي شيبة، والمعتر الذي يعتريك، يريك نفسه ولا يسألك.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، والبيهقي في سننه، عن مجاهد قال: القانع الطامع بما قبلك ولا يسألك، والمعتر الذي يعتريك ولا يسألك.

وأخرج عبد بن حميد، عن سعيد بن جبير قال: القانع الذي يسأل فيعطى في يديه، والمعتر الذي يعتر فيطوف.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال: القانع أهل مكة.

والمعتر سائر الناس.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد قال: القانع السائل، والمعتر معتر البدن.

وأخرج البيهقي في سننه، عن مجاهد قال: البائس الذي يسأل بيده إذا سأل، والقانع الطامع الذي يطمع في ذبيحتك من جيرانك.

والمعتر الذي يعتريك بنفسه، ولا يسألك يتعرض لك.

وأخرج عبد بن حميد، عن القاسم بن أبي بزة أنه سئل عن هذه الآية، ما الذي آكل وما الذي أعطي القانع والمعتر؟

قال: اقسمها ثلاثة أجزاء.

قيل: ما القانع؟

قال: من كان حولك.

قيل: وإن ذبح؟

قال: وإن ذبح.

والمعتر: الذي يأتيك ويسألك.

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه، عن ابن عباس قال: كان المشركون إذا ذبحوا استقبلوا الكعبة بالدماء، فينضحون بها نحو الكعبة.

فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك، فأنزل الله: ﴿ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن جرير قال: كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإبل ودمائها.

فقال: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فنحن أحق أن ننضح.

فأنزل الله: ﴿ لن ينال الله لحومها ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج قال: النصب ليست بأصنام الصنم يصوّر وينقش، وهذه حجارة تنصب ثلثمائة وستون حجراً، فكانوا إذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت، وشرحوا اللحم، وجعلوه على الحجارة.

فقال المسلمون: يا رسول الله، كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم، فنحن أحق أن نعظمه.

فكأن النبي- صلى الله عليه وسلم- لم يكره ما قالوا.

فنزلت ﴿ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيان ﴿ لن ينال الله ﴾ قال: لن يرفع إلى الله ﴿ لحومها ولا دماؤها ولكن ﴾ نحر البدن من تقوى الله وطاعته.

يقول: يرفع إلى الله منكم: الأعمال الصالحة والتقوى.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن إبراهيم ﴿ ولكن يناله التقوى منكم ﴾ قال: ما التمس به وجه الله تعالى.

وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ ولكن يناله التقوى منكم ﴾ يقول: إن كانت من طيب وكنتم طيبين وصل إلي أعمالكم وتقبلتها.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولتكبروا الله على ما هداكم ﴾ قال: على ذبحها في تلك الأيام.

وأخرج الحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب، عن الحسن قال: أمرنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن نلبس أجود ما نجد، وأن نتطيب بأجود ما نجد، وأن نضحي بأسمن ما نجد، والبقرة عن سبعة، والجزور عن سبعة، وأن نظهر التكبير، وعلينا السكينة والوقار، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا ﴾ قال الكلبي: كان أهل الجاهلية إذا نحروا البدن نضحوا دماءها حول البيت قربة إلى الله، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك، فأنزل الله هذه الآية (١) وقال الزَّجَّاج: كانوا إذا ذبحوا لطَّخُوا البيت بالدم (٢) والمعنى: لن يصل إلى الله اللحوم ولا الدماء أي: لن يتقرب إليه بها.

وقال مقاتل بن حيّان: لن يُرفع إلى الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يرفع إلى الله منكم الأعمال الصالحة والتقوى (٣) والمعنى لن يتقبل الله اللحوم ولا الدّماء، ولكن يتقبل التقوى فيها وفي غيرها بإيجاب الثواب عليها.

وقيل: لن يبلغ رضا الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يبلغه التقوى منكم (٤) وقال الأزهري: لن يصل إلى الله ما يُنيلكم به ثوابه غير التقوى، دون اللحوم والدماء (٥) قوله: ﴿ وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد النيّات.

وقال إبراهيم: التقوى ما أُريد به وجهه (٦) وقال أبو إسحاق: أعلم الله أن الذي يصل إليه تقواه وطاعته فيما يأمر به (٧) وحقيقة معنى هذا الكلام يعود إلى القبول.

وذلك أنّ (٨) (٩) وقوله: ﴿ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ ﴾ تقدم تفسيره قبيل.

﴿ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد على ما بين لكم وأرشدكم لمعالم (١٠) (١١) (١٢) ﴿ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾ قال: يريد الموحّدين (١٣) (١٤) (١) ذكر السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 55 - 56 نحوه عن ابن عباس، وعزاه لابن المنذر وابن مردويه.

== وذكر ابن الجوزي 5/ 434 نحوه من رواية أبي صالح، عن ابن عباس.

وذكر ابن كثير في "تفسيره" 3/ 225 نحوه من رواية ابن أبي حاتم عن ابن جريج.

ولم يثبت في سبب نزول هذه الآية شيء صحيح.

(٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 429.

(٣) ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 56، وعزاه لابن أبي حاتم.

(٤) ذكر هذا القول الطوسي في "التبيان" 7/ 284، والحاكم الجشمي في "التهذيب" 6/ 179 ب، ولم ينسباه لأحد.

(٥) "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 372 دون قوله: دون اللحوم والدماء.

(٦) رواه الطبري 17/ 170.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 56، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم بلفظ: ما التمس به وجه الله تعالى.

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 429.

(٨) أن: ساقطة من (د)، (ع).

(٩) في (أ)، (ع): (وإذا)، وهو خطأ.

(١٠) في (أ): (إلى دينه).

(١١) في (د)، (ع): (دينكم).

(١٢) ذكره البغوي 5/ 388 من غير نسبه.

(١٣) في (أ): (المحدين).

(١٤) ذكره عنه البغوي 5/ 388، وأبو حيان في "البحر" 6/ 370.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا ﴾ المعنى لن تصلوا إلى رضا الله باللحوم ولا بالدماء، وإنما تصلون إليه بالتقوى أي بالإخلاص لله، وقصد وجه الله بما تذبحون وتنحرون من الهدايا، فعبر عن هذا المعنى بلفظ: ﴿ يَنَالَ ﴾ مبالغة وتأكيداً، لأنه قال: لن تصل لحومها ولا دماؤها إلى الله، وإنما تصل بالتقوى منكم، فإن ذلك هو الذي طلب منكم، وعليه يحصل لكم الثواب، وقيل: كان أهل الجاهلية يضرجون البيت بالدماء فأراد المسلمون فعل ذلك فنهوا عنه ونزلت الآية ﴿ كذلك سَخَّرَهَا لَكُمْ ﴾ كرر للتأكيد ﴿ لِتُكَبِّرُواْ الله ﴾ قيل: يعني قول الذابح: بسم الله والله أكبر، واللفظ أعم من ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولؤلؤاً ﴾ بهمزتين منصوباً: نافع وحفص.

مثله ولكن بتخفيف الأولى واواً ساكنة.

أبو بكر وحماد وزيد وكذلك في سورة فاطر.

وقرأ سهل ويعقوب والمفضل ههنا بالهمزة والنصب.

وفي "فاطر" بالهمز والخفض.

الباقون بالهمز والخفض في السورتين ﴿ سواء ﴾ بالنصب: حفص وروح وزيد.

الآخرون بالرفع.

﴿ والبادي ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير وافق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل.

﴿ بوأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ بيتي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وحفص وهشام.

﴿ فتخطفه ﴾ بتشديد الطاء: أبو جعفر ونافع ﴿ الرياح ﴾ يزيد طريق المفضل ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ بالنصب على تقدير النون: عباس ﴿ منسكاً ﴾ ونحو بكسر السين: حمزة وعلي وخلف ﴿ لن تنال الله ﴾ بتاء التأنيث: يعقوب ﴿ ولكن تناله ﴾ بالتأنيث أيضاً زيد ﴿ يدفع ﴾ من الدفع: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب الباقون ﴿ يدافع ﴾ من المدافعة ﴿ أذن ﴾ مبنياً للمفعول: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم ﴿ يقاتلون ﴾ مبنياً للمفعول أيضاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص الآخرون مبنياً للفاعل فيهما.

﴿ دفاع ﴾ بألف: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ لهدمت ﴾ مخففاً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وسهل وحمزة وعلي وخلق مشدداً مدغماً الباقون مشدداً.

الوقوف: ﴿ ولؤلؤاً ﴾ ط ﴿ من القول ﴾ ج للعطف مع تكرار ﴿ وهدوا ﴾ ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ والباد ﴾ ه ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ السجود ﴾ ه ﴿ عميق ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ الأنعام ﴾ ج للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ الفقير ﴾ ه للعطف مع العدول ﴿ العتيق ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ق قد قيل: لأن المراد ذلك على ما ذكر أو الأمر والشأن ذلك ثم يبتدأ بالشرط ﴿ عند ربه ﴾ ط ﴿ الزور ﴾ ه لا ﴿ مشركين به ﴾ ط ﴿ سحيق ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ق ﴿ القلوب ﴾ ه ﴿ العتيق ﴾ ه ﴿ الأنعام ﴾ ط ﴿ اسلموا ﴾ ط ﴿ المخبتين ﴾ ه لا لاتصال الوصف ﴿ الصلاة ﴾ ه ﴿ ينفقون ﴾ ج ه ﴿ خير ﴾ ق والوصل أحسن للفاء ﴿ صواف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ والمعتر ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ هداكم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ لقدير ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ بدل من الضمير في ﴿ نصرهم ﴾ ﴿ ربنا الله ﴾ ط ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ ينصره ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر حال أحد الخصمين في الآخرة أراد أن يذكر حال الآخر وهو المؤمن ولهذا ألزم التكرار، إلا أنه يفطن بهذه الآية فائدة أخرى هي بيان أهل الجنة يحلون فيها وقد مر مثله في أوائل الكهف.

ومن قرأ ﴿ لؤلؤاً ﴾ بالنصب فعلى تقدير ويؤتون لؤلؤاً لأن السوار من اللؤلؤ غريب إلا أن يكون شيئاً منظوماً منه.

﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ عن ابن عباس هو قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده يلهمهم الله ذلك ﴿ وهدوا إلى صراط الحميد ﴾ أي إلى طريق المقام المحمود وهو الجنة أو إلى صراط الله كقوله ﴿ إلى صراط العزيز الحميد  الله الذي له ما في السموات وما في الأرض  ﴾ وقال السدي: الطيب من القول هو القرآن.

وقيل: شهادة أن لا إله إلا الله وقال حكماء الإسلام: هو كشف الغطاء عن الحقائق الروحانية والمعارف الربانية، ثم كرر وعيد أهل الكفر ومن دناهم فقال ﴿ إن الذين كفروا ويصدون ﴾ إنما حسن عطف المستقبل على الماضي لأنه أراد به الاستمرار وأنه من شأنهم الصد وكأنه قيل: كفروا واستمروا على الصد.

وقال ابو علي الفارسي.

كفروا في الماضي وهم الآن يصدون.

عن ابن عباس أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله  ومن معه عام الحديبية عن أن يحجوا ويعتمروا وينحروا الهدي.

ومن قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب فعلى أنه مفعول ثانٍ لجعلنا أي جعلناه مستوياً ﴿ العاكف فيه والباد ﴾ ومن قرأ بالرفع فعلى أن ﴿ العاكف ﴾ مبتدأ و ﴿ سواء ﴾ خبر مقدم والجملة مفعول ثان ويجوز أن يكون ﴿ للناس ﴾ مفعولاً ثانياً اي جعلناه متعبداً لكل من وقع عليه اسم الناس، وقوله ﴿ سواء ﴾ إلى آخره الجملة بيان لذلك الجعل أي لا فرق بين الحاضر المقيم به وبين الطارئ من البدو، واختلفوا في أن المكي والآفاقي يستويان في أي شيء فعن ابن عباس في بعض الروايات أنهما يستويان في سكنى مكة والنزول بها للآية بناء على أن المراد بالمسجد الحرام مكة، ولما روي أنه  قال "مكة مباحة سبق إليها" وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وهو قول قتادة وسعيد بن جبير أيضاً، ولأجل ذلك زعموا أن كراء دور مكة حرام.

والأكثرون على أنهما مستويان في العبادة في المسجد ليس للمقيم أن يمنع البادي وبالعكس ومنه قوله  " "يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئاً فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" وعلى هذا فلا منع من بيع دور مكة وإجارتها وهو مذهب الشافعي وقد جرت المناظرة بينه وبين إسحق الحنظلي وكان إسحق لا يرخص في كراء دور مكة فاحتج الشافعي بقوله  ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق  ﴾ بأن عمر اشترى دار السجن فسكت إسحق وإنما ذهب الأولون إلى أن المراد بالمسجد الحرام ههنا مكة كلها لأنه جعل العاكف فيه بإزاء البادي.

أجاب الأكثرون بأنه اراد بالعاكف المجاور للمسجد المتمكن في كل وقت من التعبد فيه.

والإلحاد العدول عن القصد كما مر في قوله ﴿ وذَرُوا الذين يلحدون في أسمائه  ﴾ وقوله ﴿ بالحاد بظلم ﴾ حالان ومفعول ﴿ يرد ﴾ متروك ليفيد العموم أي ومن يرد فيه مراداً ما جائراً ظالماً.

وفائدة الحال الثانية أن العدول عن القصد قد يكون بالحق كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة  ﴾ واختلفوا في الإلحاد في الحرم فعن قتادة وسعيد بن جبير وابن عباس في رواية عطاء أنه الشرك يعني من لجأ إلى حرم الله ليشرك به عذبه الله.

وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن حنظلة حيث قتل الأنصاري وهرب إلى مكة كافراً.

فأمر النبي  بقتله يوم الفتح وهو العذاب الأليم.

وعن مجاهد أنه الاحتكار.

وقيل: المنع من عمارته.

وعن عطاء: هو قول الرجل في المبايعة "لا والله" وبلى والله.

ومثله ما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل فقيل له في ذلك فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل "لا والله" و"بلى والله".

والأولى التعميم.

وفيه أن الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في مهامه ومقاصده، وهذا وإن كان واجباً في كل مكان إلا أن وجوبه هناك أو كد فللمكان خاصية كما للزمكان ولهذا قال مجاهد: تضاعف السيئات فيه كما تضاعف الحسنات.

عن ابن مسعود: أن القصد إلى الذنب يكتب هناك ذنباً وإن لم يخرج إلى الفعل.

وعنه لو أن رجلاً يهم بأن يعمل سيئة عند البيتن اذاقه الله  عذاباً أليماً.

واعلم أن خبر إن محذوف لدلالة جواب الشرط عليه كأنه قيل: إن الذين كفروا ويصدون نذيقهم من عذاب أليم ومن يرد في الحرم بإلحاد فهو كذلك، وحين انجر الكلام إلى ذكر المسجد الحرام أتبعه ذكر الكعبة وبعض ما يتعلق به من المناسك فقال ﴿ وإذ بوأنا ﴾ أي واذكر حين جعلنا ﴿ لإبراهيم مكان البيت ﴾ مباءة أي مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة، ويروى أن موضع البيت كان مطموساً بفبعث الله  ريحاً كنست ما حوله حتى ظهر اسه القديم فبنى إبراهيم عليه وقد مر قصة ذلك في "البقرة".

وقيل: بعث غمامة على قدر البيت الحرام في العرض والطول وفيها راس يتكلم وله لسان وعينان فقال: يا إبراهيم ابن على قدري فأخذ في البناء وذهبت السحابة.

وأن في ﴿ أن لا تشرك ﴾ هي المفسرة وذلك أن المقصود من التوبة هو العبادة فكأنه قيل: تعبدنا لإبراهيم قلنا له: لا تشرك وطهر وقد مر مثله في "البقرة".

وإنما قال ههنا ﴿ والقائمين ﴾ لأن العاكف ذكر مرة في قوله ﴿ سواء العاكف ﴾ والقائم إما بمعنى القيام في الصلاة بدليل قوله ﴿ والركع السجود ﴾ أو بمعنى المقيم المتوطن.

والظاهر أن الخطاب في ﴿ وأذن ﴾ لإبراهيم أيضاً أي ناد ﴿ في الناس ﴾ وهو أن يقول حجوا أو عليكم ﴿ بالحج ﴾ يروى أنه صعد أبا قبيس فقال: ايها الناس حجوا بيت ربكم، قال مجاهد: فما حج إنسان ولا يحج إلى القيامة إلا وقد سمع ذلك النداء من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فمن أجاب مرة حج مرة ومن أجاب أكثر فأكثر.

ولعل الفائدة في قوله ﴿ يأتوك ﴾ هي هذه لأن الإتيان إلى مكة بسبب ندائه إتيان إليه.

وأيضاً هو أول من حج وغيره يقتدي به وكأنه يأتيه.

وعن الحسن وهو اختيار أكثر العلماء المعتزلة أن الخطاب للنبي  وأنه معطوف على "أذكر" مقدراً، ثم إنه عام لجميع الناس أو خاص بمن حج معه في حجة الوداع قولان.

وقيل: إنه ابتداء فرض الحج والرجال المشاة واحده راجل.

وقوله ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ حال آخر كأنه قيل رجالاً وركباناً.

والضامر البعير المهزول لطول السفر.

﴿ ويأتين ﴾ صفة ﴿ لكل ضامر ﴾ لأنه في معنى الجمع.

والفج الطريق الواسع وقد مر في السورة المتقدمة.

والعميق البعيد ومثله معيق وبه قرأ ابن مسعود.

وفي تقديم المشاة تشريف لهم.

روى سعيد بن جبير بإسناده عن النبي  "إن الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشي سبعمائة من حسنات الحرم.

قيل: يا رسول الله وما حسنات الحرم؟

قال: الحسنة بمائة ألف حسنة" قال جار الله: ذكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات وقد كنى عن النحر والذبح بذكر اسم الله  لأن المسلمين لا ينفكون عن التسمية إذا نحروا أو ذبحوا، وفيه تنبيه على أن التسمية من الأغراض الأصلية المعتبرة خلاف ما كان يفعله المشركون من الذبح للنصب.

وفي قوله ﴿ على ما رزقهم ﴾ إشارة إلى أن نفس القربان وتيسير ذلك العمل من نعم الله  ولو قيل "لينحروا في أيام معلومات بهيمة الأنعام" لم يكن شيء من هذه الفوائد.

والأيام المعلومات عند أكثر العلماء عشر ذي الحجة الأول آخرها يوم النحر لأنها معلومة عند الناس لحرصهم على أعمال الحج فيها.

ثم للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة والمعشر الحرام، كذلك للذبح وقت بعينه وهو يوم النحر وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والحسن ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس واختيار الشافعي وأبي حنيفة.

وعن ابن عباس في رواية أخرى أنها يوم النحر وثلاثة ايام بعدها وهو اختيار أبي مسلم وقول أبي يوسف ومحمد.

وعلى الأول يكون قوله ﴿ في أيام ﴾ متعلقاً بكلا الفعلين أعني ﴿ ليشهدوا ﴾ ﴿ وليذكروا ﴾ وعلى الثاني يختص تعلقه بالثاني.

ومعنى ﴿ بهيمة الأنعام ﴾ بهيمة من الأنعام لأن البهيمة تشمل كل ذات أربع في البر والبحر فبينت بالأنعام وهي الإبل والبقر والضأن والمعز، وقد مر في أول المائدة قال مقاتل: إذا ذبحت فقل "بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك" وتستقبل القبلة.

وزاد الكلبي "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين".

قال القفال: كأن المتقرب بها وبإراقة دمائها متصور بصورة من يفدي نفسه بما يعادلها فكأنه يبذل تلك الشاة بذل مهجته طلباً لمرضاة الله واعترافاً بأن تقصيره كاد يستحق مهجته.

أما قوله ﴿ فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ﴾ فالبائس الذي أصابه بؤس أي شدة والفقير قد مر في آية الصدقات في "التوبة" وفي غيرها.

ثم من الناس من قال: الأمران للوجوب لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون منها فأمر المسلمون بمخالفتهم.

والأكثرون على أن الأكل ليس بواجب.

ثم منهم من قال: يحسن أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف رعاية للأمرين.

ومنهم من قال: يأكل الثلث ويتصدق بالثلثين لما يجيء من قوله ﴿ فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ﴾ فجعلها على ثلاثة أقسام ومنهم من قال: يأكل الثلث ويدخر الثلث ويتصدق بالثلث لما جاء في الحديث من الأمر بالادخار.

والأولى وهو مذهب الشافعي أنه إن أطعم جميعها أجزأه، وإن أكل جميعها لم يجزئه، وإذا تصدق بأقل شيء من لحمها يكفي هذا إذا كان متطوعاً.

وأما الواجبات كالنذور والكفارات وجبران النقصانات مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة فلا يأكل منها لا هو ولا أغنياء الرفقة ولا فقراؤها لما روي عن هشام بن عروة عن أبيه "عن ناجية الخزاعي قال: قلت: يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من البدن؟

قال: انحرها ثم إغمس نعلها في دمها ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها" .

وقال ايضاً  في مثله: "لا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك" .

قوله ﴿ ثم ليقضوا تفثهم ﴾ لا يبعد أن يكون معطوفاً على ﴿ ليشهدوا ﴾ فإن هذه الأعمال كلها غايات للإتيان إلا أن إسكان هذه اللامات في بعض القراآت يدل على أنها لام الأمر وعلى هذا تكون هذه الأوامر الغائبة معطوفة على الأمرين الحاضرين قبلها والله أعلم.

قال أبو عبيدة: لم يجيء في الشعر ما يحتج به في معنى النفث.

وقال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير.

وقال القفال: قال نفطويه: سألت أعرابياً فصيحاً ما معنى قوله ﴿ ثم ليقضوا نفثهم ﴾ ؟

فقال: ما أفسر القرآن ولكنا نقول للرجل: ما أتفثك وما أدرنك!

ثم زعم القفال أن هذا أولى من قول الزجاج لأن المثبت أولى من النافي.

وقال المبرد: أصل التفث في كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها.

وأجمع أهل التفسير على أن المراد ههنا إزالة الأوساخ والزوائد كقص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة.

فتقدير الآية ثم ليقضوا إزالة تفثهم وليوفوا نذورهم اي الأعمال التي أوجبها الحج بالشروع فيه، أو أعمال البر التي أوجبوها على أنفسهم بالنذر فإن الرجل إذا حج أو اعتمر فقد يوجب على نفسه من الهدي وغيره ما لولا إيجابه لم يكن الحج يقتضيه.

﴿ وليطوفوا ﴾ هو طواف الإفاضة والزيارة التي هي ركن وقد شرحت حاله في البقرة في قوله ﴿ فإذا أفضتم من عرفات  ﴾ وقيل: هو طواف الوداع والصدر.

سمي ﴿ بالبيت العتيق ﴾ لأنه أول بيت وضع للناس عن الحسن، وقال قتادة: لأنه أعتق من تسلط الجبابرة عليه وهو قول ابن عباس وابن الزبير ورووه عن رسول الله صلى الله عيله وسلم.

وعن ابن عيينة لأنه لم يملك قط.

وعن مجاهد لأنه أعتق من الغرق أيام الطوفان.

وقيل: معناه البيت الكريم من قولهم "عتاق الخيل والطير".

والحرمة مالا يحل هتكه وجميع التكاليف بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، ويحتمل أن يراد ههنا ما يتعلق بالحج، عن زيد بن أسلم أن الحرمات خمس: الكعبة الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمحرم حتى يحل.

وتعظيمها العلم بوجوبها والقيام بحقوقها.

وقوله ﴿ فهو خير ﴾ أي فالتعظيم له خير من التهاون بذلك.

وقوله ﴿ عند ربه ﴾ إشارة إلى أن ثوابه مدخر لأجله.

قوله ﴿ وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ﴾ قد مر في أول "المائدة" مثله أي إلا ما يتلى عليكم آية تحيمه وهي ﴿ حرمت عليكم الميتة  ﴾ أو قوله ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم  ﴾ أو قوله ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه  ﴾ وحين حث على تعظيم الحرمات أتبعه الأمر بما هو أعظم أنواعها وأقدم أصنافها قائلاً ﴿ فاجتنبوا الرجس ﴾ وبينه بقوله ﴿ من الأوثان ﴾ أي الرجس الذي هو الأوثان كقولك "عندي عشرون من الدراهم".

والرجس العمل القبيح في الغاية وقد مر في آخر المائدة في تفسير قوله ﴿ رجس من عمل الشيطان  ﴾ والزور من الزور الميل والإضافة كقولهم "رجل صدق" جمع بين القول الزور وبين الشرك لأن عبادة الأوثان هي راس الزور وملاكه.

قال الصم: وصف الأوثان بأنها رجس لأن عادتهم في القرابين أن يتعمدوا سقوط الدماء عليها، والأقرب أنها وصفت بذلك لأن عبادتها فعلة ممادية في القبح والسماجة.

وللمفسرين في قول الزور وجوه منها: أنه قولهم هذا حلال وهذا حرام.

ومنها أنه شهادة الزور رفعوا هذا التفسير إلى النبي  .

ومنها أنه الكذب والبهتان.

ومنها أنه قول أهل الجاهلية في الطواف "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك" وقوله ﴿ حنفاء لله غير مشركين به ﴾ حالان مؤكدان والمراد الإخلاص في التوحيد كقوله ﴿ حنيفاً ولم يك من المشركين  ﴾ وفائدة الحالين هي فائدة التولي والتبري وإنما أخر نفي الإشراك وإن كان مقدماً في الرتبة إذ التخلية والتبرئة مقدمة على التحلية والتولية ليرتب عليه قوله ﴿ ومن يشرك بالله ﴾ الآية.

قال جار الله: إن كان تشبيهاً مركباً فمعناه من أشرك بالله فقد هلك نفسه غاية الإهلاك وذلك بأن صور حاله بصورة من خر من السماء فاحتطفه أي استلبته الطير فتفرق مزعاً أي قطعاً من اللحم في حواصلها، أو بحال من خر فعصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح السحيقة البعيدة.

وإن كان مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي تركه فأشرك فقد سقط منها والإهواء التي توزع أفكاره بالطير المتخطفة، وفي المثل الآخر شبه الشيطان الذي يطرح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بالأشياء في المهاوي المتلفة.

وتعظيم شعائر الله وهي الهدايا كما مر في أمر "المائدة" هي أن يختارها عظام الأجرام غالية الأثمان.

وقد مر وصفها الشرعي في "البقرة" في قوله { ﴿ فما استيسر من الهدي  ﴾ وقد أهدى رسول الله  مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب قال في الكشاف ﴿ فإنها من تقوى القلوب ﴾ أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى من ليرتبط به.

وأقول: في هذا الوجوب نظر لأنه ليس بشرعي ولا بعقلي على ما تزعم المعتزلة.

أما المضاف الأول فلأنه يحتمل أن يعود الضمير إلى التعظيم موحدين حتى لا يطابقها لفظ القلوب بل يحتمل أن يقدر لفظة منهم أويقدر فإن تعظيمهم إياها فيرجع الكلام إلى قلوبنا ﴿ ومن يعظم شعائر الله ﴾ فإن تلك الخلة منهم من تقوى القلوب أي ناشئة من تقوى قلوبهم، فإن القلوب مراكز التقوى التي منها عيارها وعليها مدارها ولا عبرة بما يظهر من آثارها على سائر الجوارح دونها.

ثم كان لسائل أن يسال: ما بال هذه الحيوانات تذبح فيتقرب بها إلى الله  ؟

فلهذا قال ﴿ لكم فيها منافع ﴾ يعني الدنيوية من الدر وركوب الظهر وسيشير إلى الدينية بقوله ﴿ لكم فيها خير ﴾ ولهذا أطلق ذلك وقيد هذه بقوله ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ وهو أوان النحر.

ثم بين أن وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها أو مكان نحرها منته إلى البيت أو إلى ما يجاوره ويقرب مه وهو الحرم كما مر في قوله ﴿ هديا بالغ الكعبة  ﴾ ومثله قوله:بلغنا البلد" إذا شارفوه واتصل مسيرهم بحدوده.

قال القفال: هذا إنما يختص بالهدايا التي بلغت مني، فأما إذا عطبت قبل بلوغ مكة فإن محلها هو موضعها.روى أبو هريرة " أنه  مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد فقال  : اركبها فقال: يا رسول الله إنها هدي.

فقال: اركبها ويلك" .

وعن جابر أنه  قال: "اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهراً" .

وهذا هو الذي اختاره الشافعي.

وعن ابي حنيفة أنه لا يجوز الإنتفاع بها لأنه لا يجوز إجازتها ولو كان مالكاً لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها.

وضعف بأن أم الولد لا يمكنه بيعها ويمكنه الانتفاع بها.

وممن ذهب إلى هذا القول من فسر الأجل المسمى بوقت تسميتها هدياً، والمراد أن لكم أن تنتفعوا بهذه الأنعام إلى أن تسموها أضحية وهدياً فإذا فعلتم ذلك فليس لكم أن تنتفعوا بها.

وقد ينسب هذا القول إلى ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والضحاك.

أجاب الأولون بأن الضمير في قوله ﴿ لكم فيها منافع ﴾ عائد إلى الشعائر، وتسمية ما سيجعل شعيرة مجاز والأصل عدمه.

قال في الكشاف: "ثم" للتراخي في الوقت فاستعيرت للتراخي في الأحوال، والمعنى إن لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم، وأعظم هذه المنافع وأبعدها شوطاً في النفع محلها منتهية إلى البيت.

ومنهم من فسر الشعائر بالمناسك كلها وفسر الأجل المسمى بأوان انقطاع التكليف، وزيفه جار الله بأن محلها إلى البيت يأباه، ثم بين أن القرابين في الشرائع القديمة وإن اختلفت أمكنتها وأوقاتها فقال ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ﴾ موضعاً أو وقتاً يذبح فيه النسائك الذبائح كسر السين سماع وفتحها قياس.

ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى النسك والمراد شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة من زمن إبراهيم إلى من قبله وبعده أن ينسكوا له أي يذبحوا لوجهه على جهة التقرب وجعل الغاية في ذلك هي أن يذكر اسمه على نحرها، ثم بين العلة في تخصيص اسمه بذلك قائلاً ﴿ فإلهكم إله واحد ﴾ لأن تفرده بالإلهية يقتضي أن لا يذكر على الذبائح إلا إسمه.

ويجوز أن يتعلق هذا الكلام بأول الآية، والمعنى إنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح لا لتعدد الإله.

ثم ذكر أن تفرده بالإلهية يقتضي اختصاصه بالطاعة قائلاً ﴿ فله أسلموا ﴾ أي خصوه بالانقياد الكلي والامتثال لأوامره ونواهيه خالصاً لوجهه من غير شائبة إشراك.

ثم أمر نبيه  بتبشير المخبتين وفسرهم بقوله ﴿ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ والتركيب يدور على التواضع والخشوع ومنه الخبت للمطمئن من الأرض، وعن عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا.

قال الكلبي: هم المجتهدون في العبادة.

ثم عطف على المخبتين قوله ﴿ والصابرين على ما أصابهم ﴾ أي من المكاره في ذات الله كالأمراض والمحن، فأما الذي يصيبهم من قبل الظلمة فقد قال العلماء: إنه لا يجب الصبر عليه ولكن لو أمكن الدفع وجب دفعه ولو بالقتال.

ثم خص من أنواع التكاليف التي تشق على النفس وتكرهها نوعين هما أشرف العبادات البدنية والمالية أعني الصلاة والزكاة وقوله ﴿ ومما رزقناهم ﴾ عطف على ﴿ المقيمي الصلاة ﴾ من حيث المعنى كأنه قيل: والذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون.

ثم عاد إلى تعظيم شأن الضحايا مرة اخرى وخص منها العظام الجسام بقوله ﴿ والبدن جعلناها ﴾ هي بضم الدال وسكونها جمع بدنة وهي الإبل خاصة لعظم بدنها إلا أن الشارع ألحق البقرة بها حكماً.

قال أبو حنيفة ومحمد: لو قال: عليَّ بدنة يجوز له نحرها في غير مكة.

وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بمكة بناء على أن البدنة مختصة بناقة أو بقرة تذبح هناك.

واتفقوا فيما إذا نذر هدياً أنه يجب ذبحه بمكة، وفيما إذا أنذر جزوراً أنه يذبحه حيث شاء.

وانتصب قوله و ﴿ البدن ﴾ بفعل يفسره ما بعده.

ومعنى جعلها من شعائر الله أنها من أعلام الشريعة التي شرعها الله.

عن بعض السلف أنه لم يملك إلا تسعة دنانير فاشترى بها بدنة فقيل له في ذلك فقال: سمعت ربي يقول ﴿ لكم فيها خير ﴾ أي ثواب في الآخرة كما ذكرنا.

وبعضهم لم يفرق بين الآيتين فحمل كلاً منهما على خير الدنيا والآخرة، والأنسب ما فسرناه حذراً من التكرار ما أمكن.

ومعنى ﴿ صواف ﴾ قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، ولعل السر فيه تكثير سوادها للناظرين وتقوية قلوب المحتاجين.

﴿ فإذا وجبت جنوبها ﴾ اي سقطت على الأرض من وجبت الحائط وجبة سقطت، ووجبت الشمس وجبة غربت.

والمعنى إذا زهق روحها حل لكم الأكل منها وإطعام القانع والمعتر فالقانع السائل والمعتر الذي لا يسأل تعففاً.

وقيل: بالعكس فهماً من الأضداد كأن القانع قنع بالسؤال أو قنع بما قسم له فلا يسأل، والمعتر رضي بعرّه اي عيبه فلا يسال أو يسأل.

ثم منَّ على عباده بأن سخر لهم البدن أن يحتبسوها صافة قوائمها مطعوناً في لباتها مثل التسخير الذي شاهدوا وعلموا يأخذ بخطامها صبي فيقودها إلى حيث يشاء، وليست بأعجز من بعض الوحوش التي هي أصغر جرماً وأقل قوة لولا أنه  سخرها.

يورى أن أهل الجاهلية كانوا يلطخون الأوثان وحيطان الكعبة بلحوم القرابين ودمائها فبين الله  ما هو المقصود منها فقال ﴿ لن ينال الله ﴾ أي لن يصيب رضا الله أصحاب اللحوم والدماء المهراقة بمجرد الذبح والتصدق.

﴿ ولكن يناله التقوى منكم ﴾ بأن يكون القربان حلالاً روعي فيها جهات الأجزاء ثم يصرفها فيما آمر.

ثم كرر منة التسخير وأن الغاية تكبير الله على الهداية لأعلام دينه ومناسك حجه، وصورة التكبير وما يتعلق بها قد سبق في "البقرة" في آية الصيام.

قالت المعتزلة: لما لم ينتفع المكلف بالأجسام التي هي اللحوم والدماء وانتفع بتقواه وجب أن تكون التقوى فعلاً له وإلا كان بمنزلة الأجسام.

وأيضاً إنه قد شرط التقوى في قبول العمل وصاحب الكبيرة غير متق فوجب أن لا يقبل عمله.

والجواب أنه لا يلزم من عدم انتفاعه ببعض ما ليس من أفعاله أن لا ينتفع بكل ما ليس من أفعاله.

وأيضاً إن صاحب الكبائر اتقى الشرك فيصدق عليه أنه متقٍ ﴿ وبشر المحسنين ﴾ إلى أنفسهم بتوفير الثواب عليها.

والإحسان بالحقيقة أن تعبد الله كأنك تراه، وفيه ترغيب لما شرط من رعاية الإخلاص في القرابين وغيرها.

وحين فرغ من تعداد بعض مناسك الحج ومنافعها وكان الكلام قد انجر إلى ذكر الكفار وصدهم عن المسجد الحرام أتبعه بيان ما يزيل ذلك الصد ويمكن من الحج وزيارة البيت فقال ﴿ إن الله يدفع ﴾ ومن قرأ ﴿ يدافع ﴾ فمعناه يبالغ في الدفع ﴿ عن الذين آمنوا ﴾ فعل المغالب والمدفوع هو بأس المشركين وما كانوا يخونون الله ورسوله فيه يدل عليه تعليله بقوله ﴿ إن الله لايحب كل خوان كفور ﴾ أي أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذه صفته قال مقاتل: اقروا بالصانع وعبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذا؟

وكان أصحاب رسول الله  يلقون من المشركين أذى شديداً وكانوا يلقونه من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فنزل ﴿ أذن ﴾ وفاعله الله  أم لم يسم والمأذون فيه القتال بدليل قوله ﴿ للذين يقاتلون ﴾ إن فتح التاء فظاهر لأن المشركين كانوا يقاتلون المؤمنين وإنهم يؤمرون بالصبر، وإن كسرت فمعناه أذن للذين يحرصون على قتال المشركين في المستقبل نزل حرصهم على القتال منزلة نفس القتال ﴿ بأنهم ظلموا ﴾ أي بسبب كونهم مظلومين وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعدما نهى عنه في نيف وسبعين آية.

وقيل: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركو مكة فأذن لهم في مقاتلتهم.

وفي قوله ﴿ إن الله يدافع ﴾ ثم في قوله ﴿ وإن الله على نصرهم لقدير ﴾ عدة كاملة بإعلاء هذا الدين وإظهار ذويه على أهل الأديان كلهم كما تقول لغيرك إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك.

لا تريد مجرد إثبات القدرة بل تريد أنك ستفعل ذلك.

ثم وصف ذلك الظلم بأن وصف الموعودين بالنصر بقوله ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم ﴾ ومحل ﴿ أن يقولوا ﴾ جر على الإبدال من ﴿ حق ﴾ اي بغير موجب سوى التوحيد الذي يوجب الإقرار والتمكين لا الإخراج والإزعاج نظيره ﴿ هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله  ﴾ ﴿ ولولا دفع الله الناس ﴾ قد مر في أواخر البقرة.

وللمفسرين في عبارات قال الكلبي: يدفع بالنبيين عن المؤمنين وبالمجاهدين عن القاعدين.

وعن ابن عباس: يدفع بالمحسن عن المسيء وعن ابن عمر أن النبي  قال: "إن الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة من أهل بيته ومن جيرانه ثم تلا هذه الآية" وقال الضحاك: يدفع بدين الإسلام وأهله عن أهل الذمة.

وقال مجاهد: يدفع عن الحقوق بالشهود وعن النفوس بالقصاص.

أما الصوامع والبيع والصلوات فعن الحسن أنها كلها اسماء المساجد، فقد يتخذ المسلم لنفسه صومعة لأجل العبادة.

قال الجوهري: الأصمع الصغير الأذن ويقال أتانا بثريدة مصمعة، إذا دققت وحدد راسها.

وصومعة النصارى "فوعلة" من هذا لأنها دقيقة الرأس، وقد تطلق البيعة على المسجد للتشبيه وكذا الصولات.

وسميت كنيسة اليهود صلاة لأنها يصلى فيها، ويحتمل أن يراد مكان الصلوات أو يراد الصلاة الشرعية نفسها.

وصح إيقاع الهدم عليها نظراً إلى قرائنها كقوله: مقلداً سيفاً ورمحاً.

وإن كان الرمح لا يتقلد.

هذا كله توجيه تفسير الحسن.

والأكثرون على أنها متعبدات مختلفة، فعن ابي العالية أن الصوامع للنصارى والبيع لليهود والصلوات للصابئين والمساجد للمسلمين.

وفي تخصيصها بقوله ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ تشريف لها وتفضيل على غيرها لأن الظاهر عود الضمير إليها فقط.

وعن قتادة أن الصوامع للصابئين والبيع للنصارى والصلوات لليهود.

قال الزجاج: وهي بالعبرانية صلوتا.

وقيل: الصوامع والبيع كلتاهما للنصارى ولكن الأولى في الصحراء والأخرى في البلد، وإنما أخر متعبد أهل الإسلام لتأخر زمانهم ولا ضير فإن أول الفكر آخر العمل.

وقال  "نحن الآخرون السابقون" وتفسير الآية على قول الأكثرين لولا دفع الله لهدم في شرع كل نبي المكان المعهود لهم في العبادة، فهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد  المساجد.

وعلى هذا الوجه إنما رفع عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف والنسخ، ويحتمل أن يراد لولا ذلك لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان في زمن أمة محمد  من المسلمين وأهل الكتاب الذين في ذمتهم، وهدموا المتعبدات باسرها.

وعلى هذا الوجه إنما دفع عن سائر أهل الأديان لأن متعبداتهم يجري فيها ذكر الله في الجملة ليست بمنزلة بيوت الأصنام.

ثم عزم على نفسه نصرة من ينصر دينه وأولياؤه وأكد ذلك بقوله ﴿ إن الله لقوي عزيز ﴾ ومعنى القوة والعزة أنه لا يمتنع شيء من نفاذ أمره فيه مع أنه لا يتأثر عن شيء أصلاً.

ونصرة الله العبد تقويته على أعدائه ووضع الدلائل على ما يفيده في الدارين ونفث روح القدس بأمره داعية الخير والصلاح في روعه.

ثم أتبع قوله الذين أخرجوا قوله.

﴿ الذين إن مكناهم ﴾ وقيل: هو بدل من قوله ﴿ من ينصره ﴾ وهو إخبار منه عز وجل عما ستكون عليه سيرة المهاجرين إذا مكنهم في الأرض وبسط لهم في الدنيا.

وعن عثمان: هذا والله ثناء قبل بلاء، أراد أن الله  قد أثنى عليهم قبل أن يحدثوا في شأن الدين وإعلائه ما أحدثوا.

قيل: إنه مخصوص من المهاجرين بالخلفاء الراشدين لأنه  لم يعط التمكين فتمكينهم هو إبقاءهم إلى أوان التكليف، وقد يشمل الأطفال أيضاً إذا ماتوا قبل البلوغ لقوله الله أعلم بما كانوا عاملين.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ ولله عاقبة الأمور ﴾ أي مرجعها ومصيرها إلى حكمه وتقديره وقد أراد تمكين أهل هذا الدين في كل حين فيقع لا محالة.

التأويل: ﴿ ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ﴾ القلب سواء فيه من سبق إليه مدة طويلة والذي يصل إليه في الحال لأفضل إلا بسبق مقامات القلب ومنازله ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم ﴾ الروح مكان بيت القلب ﴿ وطهر بيتي ﴾ عن غيري وهو كل ما فيه حظ النفس دون الواردات المطيفة والأخلاق الثابتة والأحوال المتوالية كالرغبة والرهبة والقبض والبسط والأنس والهيبة ﴿ رجالاً ﴾ هي النفس وصفاتها ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ هي البدن وجوارحه فإن الأعمال الشرعية قد ركبت الجوارح المرتاضة، فأعمال البدن مركبة من حركات الجوارح ونيات الضمير كما أن أعمال النفس بسيطة.

لأنها نيات الضمير فقط ﴿ من كل فج عميق ﴾ هو مصالح الدنيا لأن مصالحها بعيدة عن مصالح الآخرة ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ فمنافع النفس وصفاتها بتبديل الأخلاق، ومنافع القلب والجوارح بظهور اثر الطاعة عليها ﴿ ويذكروا ﴾ اي القلب والنفس والقالب شكراً ﴿ على ما رزقهم من ﴾ تبديل الصفات البهيمية بالصفات الروحيانية فانتفعوا بها وأفيضوا منها على الطالبين فهو خير لأن العبد يصل بالطاعة إلى الجنة ويصل بحرمة الطاعة إلى الله، وترك الخدمة يوجب العقوبة وترك الحرمة يوجب الفرقة.

﴿ وأحلت لكم ﴾ استعمال الصفات البهيمية بقدر الضرورة ﴿ إلا ما يتلى عليكم ﴾ في قولنا ﴿ ولا تسرفوا  ﴾ وفي قول النبي  "من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه" ﴿ فاجتنبوا ﴾ مقتضيات الهوى وكونوا صادقين في الطلب لا مزورين مائلين إلى الحق غير طالبين معه غيره، وخر من سماء القلب فاستلبه طير الشياطين أو وتهوي به ريح الهوى والخذلان إلى أسفل سافلين البعد والحرمان.

لكم في شواهد آثار صنع الإرشاد منافع وهي لذة العبور على المقامات ولذة البسط ولذة الأنس إلى أجل مسمى وهو حد الكمال، ثم انتهاء السلوك إلى حضرة القديم.

ولكل سالك جعلن مقصداً وطريقاًً، منهم من يطلب الله من طريق المعاملات، ومنهم من يطلبه من طريق المجاهدات، ومنهم من يطلبه بطريق المعارف، ومنهم من يطلبه به.

﴿ فله أسلموا ﴾ أي أخلصوا والإخلاص تصفية الأعمال من الآفات، ثم الأخلاق من الكدورات، ثم الأحوال من الالتفات، ثم الأنفاس من الأغيار ﴿ وبشر المخبتين ﴾ عنى المستقيمين على هذه الطريقة.

﴿ وجلت قلوبهم ﴾ الوجل عند الذكر على حسب تجلي الحق للقلب ﴿ والصابرين على ما اصابهم ﴾ من غير تمني ترحة ولا روم فرحة ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ الحافظين مع الله أسرارهم لا يطلبون إطلاع الخلق على أحوالهم ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ يبذلون الموجود في طلب المقصود والوجود بشهود المعبود ﴿ والبدن ﴾ يعني بدن الأبدان الجسام جعلنا قربانها عند كعبة القلب بذبحها عن شهواتها من شعائر أهل الصدق في الطلب، فإذا ماتت عن طبيعتها فانتفعوا بها أنتم وغيركم من الطالبين والقانعين بما أفضتم عليه، والمعترين المتعطشين الذين لا يروون رياً من ماء حياة المعرفة شربت الحب كأساً بعد كأس *** فما نفد الشراب وما رويت ﴿ وكذلك سخرناها لكم ﴾ فيه أن ذبح النفس بسكين الرياضة لا يتيسر إلا بتسخير خالقها وتيسير موجدها يؤكده قوله ﴿ إن الله يدافع ﴾ خيانة النفس وهواها ﴿ عن الذين آمنوا ﴾ ﴿ أذن للذين يقاتلون ﴾ فيه أن قتال يجب أن يكون بإذن من الله  وهو أن يكون على وفق الشرع وفي أوان التكليف وعلى حسب ظلم النفس على القلب وإخراجها إياه من ديار الطمأنينة ﴿ ولولا دفع الله ﴾ النفوس بالقلوب لضيعت صوامع أركان الشريعة، وبيع آداب الطريقة، وصلوات مقامات الحقيقة، ومساجد القلوب التي ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ لاتساعها بإشراف نور الله عليها ﴿ أن مكناهم في الأرض ﴾ البشرية ﴿ أقاموا ﴾ صلاة المواصلة وأتوا زكاة الأحوال وهي إيثار ربع عشر الأوقات على مصالح الخلق، وأمروا بحفظ الحواس عن مخالفات الأمر وبمراعاة الأنفاس مع الله، ونهوا عن مناكير الرياء والإعجاب وإلى الله عاقبة الأمور.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ قوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ جائز أن يكون الذي تقدم ذكره من قوله: ﴿ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ * لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ...

﴾ إلى آخر ما ذكر ذلك الذي ذكر: ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

وجائز أن يكون لا على ذلك، ولكن حرف يذكر عند ختم قصّة والفراغ منها مبتدأ، لا على ربط شيء، نحو قوله: ﴿ هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ...

 ﴾ كذا ﴿ وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ...

 ﴾ كذا، قوله: ﴿ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ ﴾ يصح دون ذكر هذا، لكنه ذكر على ختم كلام الأوّل وابتداء آخر، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ كذلك.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ﴾ كأنّه قال: ومن يعظم حرمات الله، وخرج للحج، وأنفق المال، وأتعب النفس فما له عند ربّه من الثواب، فذلك خير له من حفظ ماله وحفظ نفسه، وإلا لا شك أن من عظم حرمات الله خير له ممن لم يعظمها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ ﴾ ، وفي حرف ابن مسعود: (وأحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم) من المحرمات من الميتة والدم، وما ذكر في سورة المائدة، وقد ذكرنا هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ ﴾ وهم الأوثان.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَٱجْتَنِبُواْ ﴾ عبادة الأوثان فإنه رجس، وليس فيه أن غير الأوثان ليس برجس، كقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ  ﴾ ليس فيه أن يحل قتل الأولاد في غير خشية الإملاق، فعلى ذلك هذا.

وقوله: ﴿ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ ﴾ يحتمل كل قول زور.

ويحتمل الزور الذي قالوا في الله من الولد والشريك وما لا يليق به.

﴿ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ * حُنَفَآءَ للَّهِ ﴾ تأويله - والله أعلم -: واجتنبوا قول الزور، وكونوا حنفاء لله غير مشركين به.

وقوله: ﴿ حُنَفَآءَ ﴾ قد ذكرناه.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ غَيْرَ مُشْرِكِينَ ﴾ تفسير قوله: ﴿ حُنَفَآءَ للَّهِ ﴾ أي: كونوا مخلصين لله في جميع أموركم، غير مشركين به في ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ يحتمل ضرب مثل من أشرك بالله بالسّاقط من السماء واختطاف الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق - وجوهاً: أحدها: ما وصف وضرب مثله بشيء لا قرار له ولا ثبات، نحو ما قال: ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ  ﴾ ، ونحو ما قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً...

﴾ الآية [النور: 39]، ضرب مثل الكفر بشيء لا قرار له ولا ثبات، فعلى ذلك مثله بالساقط من السماء تخطفه الطير أو تهوي به الريح، لا يدري أين هو؟

ولا أين يطلب إن أرادوا طلبه؟

ولا يظفر به، فعلى ذلك الكافر.

والثاني: ضرب مثله بالسّاقط من السماء، وهي أبعد البقاع في الأوهام، لا ينتفع بمن سقط منها ولا بشيء من نفسه، ولا تبقى نفسه؛ فعلى ذلك الكافر لا ينتفع بشيء من محاسنه، ولا تبقى نفسه ينتفع بها لبعده عن دين الله.

والثالث: [الساقط] من السماء أثر سقوطه منها في نفسه وفي جميع جوارحه، وظهر ذلك كله فيه حتى لا يرجى برؤه وصحّته، فعلى ذلك الكافر يظهر آثار الكفر في نفسه وجوارحه؛ لبعده عن دين الله، والله أعلم.

وقال بعضهم: هذا مثل ضربه الله لمن أشرك به في هلاكه وبعده من الهدى، والسحيق: البعيد، وهو قريب مما ذكرنا.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ هو ما ذكرنا في قوله: ﴿ هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ  ﴾ ، ﴿ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ ﴾ تأويله - والله أعلم - أي: ومن يعظم شعائر الله بالجوارح، فذلك التعظيم من تقوى القلوب، وهكذا الأمر الظاهر في الناس: أنه إذا كان في القلب شيء من تقوى أو خير، ظهر ذلك في الجوارح، وكذلك الشر أيضاً إذا كان في القلب ظهر في الجوارح.

وقوله: ﴿ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ و ﴿ شَعَائِرَ ٱللَّهِ ﴾ قال بعضهم: هما واحد، وهي المناسك.

وقال بعضهم: الحرمات هي جميع محارم الله ومعاصيه يتقيها؛ تعظيما لها، وقد ذكرنا تأويل ﴿ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ﴾ في سورة [المائدة: 2]، والسحيق: هو المكان البعيد، يقال: سحق المكان يسحق سحقا فهو سحيق: إذا بعد، والسحق أيضاً: الشيء الخلق، يقال: أسحق الثوب، وسحق يسحق سحقاً، وأسحق يسحق، والسحوق: النخلة الطويلة.

وقوله: ﴿ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ ﴾ أي: تذهب به، يقال: هوى يهوي هواء، أي: ذهب بنفسه.

وقوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا ﴾ أي: فيما ذكر من الشعائر ﴿ مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ قال بعضهم: لكم فيها منافع من ظهورها وألبانها وأصوافها ﴿ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ ، أي: إلى أن تقلد وتهدى، ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَآ ﴾ إذا قلدت وأهديت ﴿ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ .

وكذلك يقول أصحابنا: إن من أوجب بدنة أو أهدى بدنة، لا يحل له الانتفاع بها ولا بشيء منها إلا في حال الاضطرار، فإذا بلغت محلها، وذبحت، حل الانتفاع بلحمها.

ومنهم من قال في قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ : إلى وقت محلها من الرّكوب بظهرها، وحلب اللبن، وجزّ الصّوف، وغير ذلك مما كانوا ينتفعون بها من قبل، ويَرْوي في ذلك خبراً: "رُوي أنّ نبيّ الله  رأى رجلا ساق بدنة، فقال: اركبها فقال: إنها بدنة فقال: اركبها فقال: إنها بدنة يا رسول الله، قال: اركبها ويلك" ، وبه يقول بعض الناس، يبيحون الانتفاع بالهدايا والقلائد قبل أن تنحر وتذبح، لكن عندنا ذلك في وقت الحاجة الشديدة المضطر إليها، ففي مثل ذلك يجوز الانتفاع بملك غير ببدل، فعلى ذلك بالهدايا ينتفع بها بما ذكرنا ويضمن ما نقصها ركوبه لها.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ إلى أن تهلك أو تهلكون أنتم، كقوله: ﴿ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ  ﴾ أي: إلى وقت هلاكها، فعلى ذلك الأول.

ثم يكون قوله: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ - والله أعلم - ابتداء سؤال سئل عن محل الهدايا والقلائد، فقال عند ذلك: ﴿ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ ، والله أعلم.

والأول أشبه وأقرب لما ذكرنا.

وقوله: ﴿ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ ذكر البيت العتيق، ومعلوم: أنه لم يرد به نفس البيت، ولكن إنما أراد به البقعة التي فيها البيت؛ لأن الدماء لا تراق في البيت إنما تراق في تلك البقعة التي هو فيها، الحرم كله منحر ومذبح، وأراد بقوله: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ  ﴾ نفس البيت؛ ألا ترى أنه قال هاهنا: ﴿ بِٱلْبَيْتِ ﴾ ، فإنما يطاف به، وقال هنالك: ﴿ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ﴾ ، أضاف إليه؛ دل أنه لم يرد به نفس البيت، ولكن البقعة التي فيها البيت، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ قال بعضهم: المنسك: الموضع الذي يعبدون وينسكون فيه ويصيرون إليه لعبادتهم، ومن ثمة يقال للرجل العابد: ناسك؛ ولذلك قال من قال: ﴿ مَنسَكاً ﴾ ، أي: يصيرون ويخرجون إليه للعبادة، وقال: المنسك: الدّين، وقال: الشريعة.

وقال بعضهم: المنسك: المنحر والمذبح.

وجائز أن يسمّى في اللغة الذبح: نسكاً، كقوله: ﴿ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ  ﴾ وهو الذبح، وقوله: ﴿ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي  ﴾ ، ولو كان النسك عبادة كذكر الصلاة وهي عبادة لكان لا يذكر النسك، فدل أنه أراد بالنسك الذبح.

وقوله: ﴿ لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ ﴾ ، دل قوله: ﴿ لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ ﴾ أن ذكر اسم الله من شرط الذبيحة، حيث ذكر اسم الله ولم يذكر الذبح، ففهموا من ذكر اسم الله الذبح؛ دل أنه من شرط جوازه وحله، سوى الشافعي فإن لم يفهم ما فهم الناس والأمم جميعاً، حيث لم يجعل ذكر اسم الله من شرط الذبيحة.

وقوله: ﴿ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ كأنه ذكر قوله: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ لقوم أنكروا الذبائح، فقال: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ ، أي: ذبحا ذبحوه، وذكروا اسم معبودهم عليه، ثم أخبر أن معبودهم واحد ﴿ فَلَهُ أَسْلِمُواْ ﴾ ، أي: أخلصوا ذلك كله، ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ ﴾ قال: المتواضعين.

وقال بعضهم: المطمئنين.

وقال بعضهم الخاشعين.

وقال بعضهم: كل مجتهد في العبادة هو المخبت.

ويقال: المخلصين.

وتفسير المخبت: ما ذكر على إثره، حيث قال: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...

﴾ الآية.

ومن قال: المخبت: المطمئن، قال: والخبتة: الطمأنينة.

قوله: ﴿ مَنسَكاً ﴾ و (منسِكا)، فيه لغتان: قال الكسائي: من قرأ: (مَنِسكاً) بكسر السين فهو من نَسَك يَنْسِك، ومن قرأ: ﴿ مَنسَكاً ﴾ بالنصب فهو من نَسَكَ يَنْسَكُ، ثم لا خلاف بين أهل العلم في أن البدن التي تساق والهدايا التي تقلد في الحج والعمرة لا يجوز أن تنحر في غير الحرم، إنما اختلفوا في المحصر إذا أراد أن يحل أين ينحر ويذبح هديه الذي يحل به؟

وقد ذكرنا أقاويلهم واختلافهم في سورة البقرة.

ولم يختلف في أن معنى قول الله: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ يدخل فيه الحرم كله على ما ذكرنا، وعلى [ذلك] رويت الأخبار: روي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  : "عرفة كلها موقف، ومنى كلها منحر، وكل فجاج مكة طريقٌ ومنحر" ، وعن علي -  - قال: قال رسول الله  : "كل عرفة موقف، وكل منى منحر" ، وفي بعض الأخبار: "في كل أيام التشريق ذبح" ، وعن علي -  - "أن النبي  أتى الجمرة، فرمى بها، ثم أتى المنحر فقال: هذا المنحر، ومني كلها منحر" ، وعن ابن عباس -  - قال: "إنما المنحر بمكة، ولكنها نزهت عن الدماء، ومني مكة" وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ أي: خافت وفرقت؛ خوفاً منه ﴿ وَٱلصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ ﴾ من المصائب والرزايا ﴿ وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاَةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ هذه الآية قد ذكرنا تأويلها في سورة الأنفال.

وقوله: ﴿ وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ ﴾ قال بعضهم: من فرائض الله.

وقال الحسن: من دين الله.

والأشبه أن يكون قوله: ﴿ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: من معالم دين الله وعبادته ونسكه؛ لأن الشعائر هي المعالم في اللغة، خصّت بها المناسك دون غيرها من العبادات فجعلها معالم لها، والبدنة سميّت: بدنة؛ لما تعظم في أنفسها وتبدن، ويقال للرجل إذا عظم في نفسه: بدن فلان.

وظاهر ما روي عن رسول الله  أنه قال: "البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة تجزئ عن سبعة" أن البدنة هي الجزور والإبل؛ حيث قال: "البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة تجزئ عن سبعة" فرق بين البدنة والبقرة بالذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ قال بعضهم: المنافع الحاضرة من الركوب، والحلب، والحمل عليها بعد ما قلدت وأوجبت هدياً.

وقال بعضهم: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ إلى أن تقلد، فإذا قلدت فلهم الأجر في الآخرة، وكأن هذا أشبه، أي: يكون قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ أي: الأجر في الآخرة؛ لأن الانتفاع بها لا يحل إذا أوجبت بدنة إلا في حال الاضطرار؛ لأنّه قال في آية أخرى: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ  ﴾ وفي الانتفاع بها إحلال شعائره؛ لذلك قال أصحابنا: لا ينتفع بالبدن، وما روي عنه  "أنه رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال له: اركبها فقال: إنها بدنة يا رسول الله، فقال النبي: اركبها، فقال: إنها بدنة.

فقال: اركبها ويحك" ، وفي بعض الأخبار: "ويلك"؛ فهذا عندنا لما رأى بالرجل الحاجة الشديدة إلى ركوبها، وهو ما ذكرنا: أن الانتفاع بها يجوز في حال الاضطرار، ولا يجوز في حال الاختيار؛ إذ الانتفاع بالمحرمات يجوز في حال الاضطرار، فعلى ذلك بالبدن التي جعلت معالم للمناسك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ ﴾ دل هذا أن ذكر اسم الله من شرط الذبيحة؛ لأنه لم يذكر الذبح بنفسه، ولكن إنما ذكر: ذكر اسمه، فلولا أنهم فهموا من ذكر اسم الله عليها ذبحها ونحرها، وإلا لم يكتف بذكر اسمه دون ذكر الذبح؛ فدل أنهم إنما عرفوا ذلك به، وأنه من شرط جوازها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ صَوَآفَّ ﴾ ، فيه لغات ثلاث: إحداها: (صوافي): أي بالياء، وهو من الإخلاص لله، والصفو له.

والثانية: (صوافن) بالنون، وهو من عقل ثلاث قوائم منها، وترك أخرى مطلقة.

والثالثة: (صوافٍ) بالتنوين، أي: قياما مصطفة.

وكأن جميع ما ذكر يراد أن يجمع فيها من الإخلاص له وعقل القوائم، والقيام، وكذلك جاءت السنة والآثار.

وفي حرف ابن مسعود: (صوافن)، بالنون، وتأويله ما ذكرنا.

وظاهر الآية يدل على القيام؛ لأنّه قال: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ ، وقوله: ﴿ وَجَبَتْ ﴾ ، أي: سقطت، والسقوط إنما يكون من القيام، فدل أنها تنحر قياماً لا مضطجعة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا ﴾ قد ذكرنا هذا فيما تقدم في قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ ﴾ و ﴿ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ ﴾ : من سألك؛ هذا قول بعض.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْبَآئِسَ ﴾ : المعروف بالبؤس، و ﴿ ٱلْفَقِيرَ ﴾ : المتعفف الذي لا يسأل.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْبَآئِسَ ﴾ : المسكين، و ﴿ ٱلْفَقِيرَ ﴾ : فقير.

قال بعضهم: ﴿ ٱلْبَآئِسَ ﴾ : الضرير.

و ﴿ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : هو الراضي، وهو من القناعة.

وقال بعضهم: هو السائل، وهو من القنوع، ﴿ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : الذي يعتريك ولا يسأل، و ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : هو الجالس في بيته، ونحوه.

وقال القتبي: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : السائل، يقال: قنع يقنع قنوعاً، ومن الرضا: قنع يقنع قناعة، ﴿ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : الذي يعتريك ولا يسأل، يقال: اعتراني: وعدني، واعتراني.

وقال أبو عوسجة: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : السائل، والقنوع: السؤال، والقناعة من الرضا، يقال منه: قنع يقنع قناعة، ويقول: قنعته، أي: أرضيته، وقنعته، أي: غطيت رأسه بالقناع ونحوه، ويقال من المعتر: اعتر اعترارا واعترى وعرا يعر، وكلها واحد.

وقال: ﴿ صَوَآفَّ ﴾ ، أي: قياما مصطفة، وقال: ويكون (صوافن)، أي: قائماً على ثلاث قوائم.

يقال: صفن الفرس يصفن صفونا: إذا قام على ثلاث قوائم.

وقوله: ﴿ وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ ، أي: سقطت إلى الأرض، يقال: وجب يجب وجوبا، فهو واجب: إذا سقط، ووجبت الشمس: إذا غابت، قال: وهذا كله من الصوت، يقال: سمعت وجبة، أي: صوتاً، وقال: ﴿ مَنسَكاً ﴾ ، أي: موضعا ينسكون إليه للعبادة.

وعن ابن عباس قال: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : الذي يقنع بما أعطيته، ﴿ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : الذي يريك نفسه ولا يسأل.

وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ ﴾ أي: البدن التي ذكرناها.

ثم يحتمل ما ذكر من تسخيره إياها لنا وجهين: أحدهما: ﴿ كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا ﴾ أي: كما سخرناها لكم لركوبها والحمل عليها وأنواع الانتفاع بها في حال الحياة، كذلك سخرناها لكم، أي: مثل الذي وصفته لكم، كل ذلك من تسخيرها إياها لكم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لن يقبل الله ذلك إلا ممن كان من أهل التقوى، لا يقبلها من أهل الكفر؛ لأنهم قد كانوا ينحرون البدن في الجاهلية، على ما ذكرنا، فأخبر أنه لا يقبل ذلك إلا ممن كان من أهل التقوى، وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ  ﴾ .

والثاني: أن يكون قوله: ﴿ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ ﴾ أي: لن يرفع إلى الله إلا الأعمال الصالحة الزاكية وما كان بالتقوى، وأما ما كان غيرها فإنه لا يرفع ولا يصعد بها، وهو ما قال: ﴿ وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ﴾ .

وقال بعض أهل التأويل: ذكر هذا؛ لأن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن نضحوا بدمائها حول البيت، ويقولون: هذا قربة إلى الله، فأراد المسلمون أن يفعلوا مثل صنيعهم، فنزل: ﴿ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْمِنكُمْ كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ ﴾ قد ذكرنا ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ﴾ أي: لتصفوا الله بالعظمة والكبرياء على ما هداكم من أسباب تسخير البدن التي بها يوصل إلى الانتفاع بها من أنواع الانتفاع؛ إذ لولا ما هدانا الله وعلمنا من الأسباب التي بها تسخر وتذلل وإلا ما قدرنا على الانتفاع بها؛ لقوتها ولشدّتها وصلابتها.

والثاني: بأن يكون قوله: ﴿ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ﴾ من أمر الدّين والهدي.

وقوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ يخرج قوله: ﴿ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ على وجوه: أحدها: محسنين إلى أنفسهم، أو المحسنين إلى إخوانهم، أو الذين حسنت أفعالهم، وصلح عملهم، فأما المحسنين إلى الله فلا يحتمل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لن يصل إلى الله لحوم ما تقدمونه من هدايا ولا دماؤها, ولن تُرْفَع إليه، لكن يرفع إليه اتقاؤكم الله فيها؛ بأن تخلصوا له في امتثالكم للتقرب بها إليه، كذلك ذللها الله لكم لتكبروا الله شاكرين إياه على ما وفقكم له من الحق، وأَخْبِر -أيها الرسول- المحسنين في عبادتهم لربهم وفي تعاملهم مع خلقه، بما يسرّهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.VVlJK"

مزيد من التفاسير لسورة الحج

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.9 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
أستغفر الله