الآية ٣٦ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٣٦ من سورة الحج

وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَـٰهَا لَكُم مِّن شَعَـٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌۭ ۖ فَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَـٰهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٣٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 176 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٦ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٦ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى ممتنا على عباده فيما خلق لهم من البدن ، وجعلها من شعائره ، وهو أنه جعلها تهدى إلى بيته الحرام ، بل هي أفضل ما يهدى [ إلى بيته الحرام ] ، كما قال تعالى : ( لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد [ ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ] ) الآية : [ المائدة : 2 ] .

قال ابن جريج : قال عطاء في قوله : ( والبدن جعلناها لكم من شعائر الله ) ، قال : البقرة ، والبعير .

وكذا روي عن ابن عمر ، وسعيد بن المسيب ، والحسن البصري .

وقال مجاهد : إنما البدن من الإبل .

قلت : أما إطلاق البدنة على البعير فمتفق عليه ، واختلفوا في صحة إطلاق البدنة على البقرة ، على قولين ، أصحهما أنه يطلق عليها ذلك شرعا كما صح في الحديث .

ثم جمهور العلماء على أنه تجزئ البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة ، كما ثبت به الحديث عند مسلم ، من رواية جابر بن عبد الله [ وغيره ] ، قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الأضاحي ، البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة .

[ وقال إسحاق ابن راهويه وغيره : بل تجزئ البقرة عن سبعة ، والبعير عن عشرة ] .

وقد ورد به حديث في مسند الإمام أحمد ، وسنن النسائي ، وغيرهما ، فالله أعلم .

وقوله : ( لكم فيها خير ) ، أي : ثواب في الدار الآخرة .

وعن سليمان بن يزيد الكعبي ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من هراقة دم ، وإنه لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها ، وإن الدم ليقع من الله بمكان ، قبل أن يقع على الأرض ، فطيبوا بها نفسا " .

رواه ابن ماجه ، والترمذي وحسنه .

وقال سفيان الثوري : كان أبو حاتم يستدين ويسوق البدن ، فقيل له : تستدين وتسوق البدن؟

فقال : إني سمعت الله يقول : ( لكم فيها خير ) وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد " .

رواه الدارقطني في سننه .

وقال مجاهد : ( لكم فيها خير ) قال : أجر ومنافع .

وقال إبراهيم النخعي : يركبها ويحلبها إذا احتاج إليها .

وقوله : ( فاذكروا اسم الله عليها صواف ) وعن [ المطلب بن عبد الله بن حنطب ، عن ] جابر بن عبد الله قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيد الأضحى ، فلما انصرف أتى بكبش فذبحه ، فقال : " بسم الله والله أكبر ، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي " .

رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي .

وقال محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن ابن عباس ، عن جابر قال : ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين في يوم عيد ، فقال حين وجههما : " وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما ، وما أنا من المشركين ، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين .

لا شريك له ، وبذلك أمرت ، وأنا أول المسلمين ، اللهم منك ولك ، وعن محمد وأمته " .

ثم سمى الله وكبر وذبح .

وعن علي بن الحسين ، عن أبي رافع; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين ، فإذا صلى وخطب الناس أتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية ، ثم يقول : " اللهم هذا عن أمتي جميعها ، من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ " .

ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ، ثم يقول : " هذا عن محمد وآل محمد " فيطعمها جميعا المساكين ، [ ويأكل ] هو وأهله منهما .

رواه أحمد ، وابن ماجه .

وقال الأعمش ، عن أبي ظبيان ، عن ابن عباس في قوله : ( فاذكروا اسم الله عليها صواف ) ، قال : قيام على ثلاث قوائم ، معقولة يدها اليسرى ، يقول : " بسم الله والله أكبر ، اللهم منك ولك " .

وكذلك روى مجاهد ، وعلي بن أبي طلحة ، والعوفي ، عن ابن عباس ، نحو هذا .

وقال ليث .

عن مجاهد : إذا عقلت رجلها اليسرى قامت على ثلاث .

وروى ابن أبي نجيح ، عنه ، نحوه .

وقال الضحاك : تعقل رجل واحدة فتكون على ثلاث .

وفي الصحيحين عن ابن عمر : أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته وهو ينحرها ، فقال : ابعثها قياما مقيدة سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم .

وعن جابر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى ، قائمة على ما بقي من قوائمها .

رواه أبو داود .

وقال ابن لهيعة : حدثني عطاء بن دينار ، أن سالم بن عبد الله قال لسليمان بن عبد الملك : قف من شقها الأيمن ، وانحر من شقها الأيسر .

وفي صحيح مسلم ، عن جابر ، في صفة حجة الوداع ، قال فيه : فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثلاثا وستين بدنة ، جعل يطعنها بحربة في يده .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن قتادة قال : في حرف ابن مسعود : " صوافن " ، أي : معقلة قياما .

وقال سفيان الثوري ، عن منصور ، عن مجاهد : من قرأها " صوافن " قال : معقولة .

ومن قرأها ( صواف ) قال : تصف بين يديها .

وقال طاوس ، والحسن ، وغيرهما : " فاذكروا اسم الله عليها صوافي " يعني : خالصة لله عز وجل .

وكذا رواه مالك ، عن الزهري .

وقال عبد الرحمن بن زيد : " صوافي " : ليس فيها شرك كشرك الجاهلية لأصنامهم .

وقوله : ( فإذا وجبت جنوبها ) قال : ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : يعني : سقطت إلى الأرض .

وهو رواية عن ابن عباس ، وكذا قال مقاتل بن حيان .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( فإذا وجبت جنوبها ) يعني : نحرت .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ( فإذا وجبت جنوبها ) يعني : ماتت .

وهذا القول هو مراد ابن عباس ومجاهد ، فإنه لا يجوز الأكل من البدنة إذا نحرت حتى تموت وتبرد حركتها .

وقد جاء في حديث مرفوع : " ولا تعجلوا النفوس أن تزهق " .

وقد رواه الثوري في جامعه ، عن أيوب ، عن يحيى ابن أبي كثير ، عن فرافصة الحنفي ، عن عمر بن الخطاب; أنه قال ذلك ويؤيده حديث شداد بن أوس في صحيح مسلم : " إن الله كتب الإحسان على كل شيء ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته " .

وعن أبي واقد الليثي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما قطع من البهيمة وهي حية ، فهو ميتة " .

رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي وصححه .

وقوله : ( فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ) قال بعض السلف : قوله : ( فكلوا منها ) أمر إباحة .

وقال مالك : يستحب ذلك .

وقال غيره : يجب .

وهو وجه لبعض الشافعية .

واختلف في المراد بالقانع والمعتر ، فقال العوفي ، عن ابن عباس : القانع : المستغني بما أعطيته ، وهو في بيته .

والمعتر : الذي يتعرض لك ، ويلم بك أن تعطيه من اللحم ، ولا يسأل .

وكذا قال مجاهد ، ومحمد بن كعب القرظي .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : القانع : المتعفف .

والمعتر : السائل .

وهذا قول قتادة ، وإبراهيم النخعي ، ومجاهد في رواية عنه .

وقال ابن عباس ، وزيد بن أسلم وعكرمة ، والحسن البصري ، وابن الكلبي ، ومقاتل بن حيان ، ومالك بن أنس : القانع : هو الذي يقنع إليك ويسألك .

والمعتر : الذي يعتريك ، يتضرع ولا يسألك .

وهذا لفظ الحسن .

وقال سعيد بن جبير : القانع : هو السائل ، ثم قال : أما سمعت قول الشماخ .

لمال المرء يصلحه فيغني مفاقره ، أعف من القنوع قال : يعني من السؤال ، وبه قال ابن زيد .

وقال زيد بن أسلم : القانع : المسكين الذي يطوف .

والمعتر : الصديق والضعيف الذي يزور .

وهو رواية عن عبد الله بن زيد أيضا .

وعن مجاهد أيضا : القانع : جارك الغني [ الذي يبصر ما يدخل بيتك ] والمعتر : الذي يعتريك من الناس .

وعنه : أن القانع : هو الطامع .

والمعتر : هو الذي يعتر بالبدن من غني أو فقير .

وعن عكرمة نحوه ، وعنه القانع : أهل مكة .

واختار ابن جرير أن القانع : هو السائل; لأنه من أقنع بيده إذا رفعها للسؤال ، والمعتر من الاعترار ، وهو : الذي يتعرض لأكل اللحم .

وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الأضحية تجزأ ثلاثة أجزاء : فثلث لصاحبها يأكله [ منها ] ، وثلث يهديه لأصحابه ، وثلث يتصدق به على الفقراء; لأنه تعالى قال : ( فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ) .

وفي الحديث الصحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس : " إني كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ، فكلوا وادخروا ما بدا لكم " وفي رواية : " فكلوا وادخروا وتصدقو ا " .

وفي رواية : " فكلوا وأطعموا وتصدقو ا " .

والقول الثاني : إن المضحي يأكل النصف ويتصدق بالنصف ، لقوله في الآية المتقدمة : ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) [ الحج : 28 ] ، ولقوله في الحديث : " فكلوا وادخروا وتصدقوا " .

فإن أكل الكل فقيل : لا يضمن شيئا .

وبه قال ابن سريج من الشافعية .

وقال بعضهم : يضمنها كلها بمثلها أو قيمتها .

وقيل : يضمن نصفها .

وقيل : ثلثها .

وقيل : أدنى جزء منها .

وهو المشهور من مذهب الشافعي .

وأما الجلود ، ففي مسند أحمد عن قتادة بن النعمان في حديث الأضاحي : " فكلوا وتصدقوا ، واستمتعوا بجلودها ، ولا تبيعوها " .

ومن العلماء من رخص [ في ذلك ] ، ومنهم من قال : يقاسم الفقراء ثمنها ، والله أعلم .

[ مسألة ] .

عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ، ثم نرجع فننحر .

فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ، ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم [ عجله ] لأهله ، ليس من النسك في شيء " أخرجاه .

فلهذا قال الشافعي وجماعة من العلماء : إن أول وقت الأضحى إذا طلعت الشمس يوم النحر ، ومضى قدر صلاة العيد والخطبتين .

زاد أحمد : وأن يذبح الإمام بعد ذلك ، لما جاء في صحيح مسلم : وألا تذبحوا حتى يذبح الإمام " .

وقال أبو حنيفة : أما أهل السواد من القرى ونحوهم ، فلهم أن يذبحوا بعد طلوع الفجر ، إذ لا صلاة عيد عنده لهم .

وأما أهل الأمصار فلا يذبحوا حتى يصلي الإمام ، والله أعلم .

ثم قيل : لا يشرع الذبح إلا يوم النحر وحده .

وقيل : يوم النحر لأهل الأمصار ، لتيسر الأضاحي عندهم ، وأما أهل القرى فيوم النحر وأيام التشريق بعده ، وبه قال سعيد بن جبير .

وقيل : يوم النحر ، ويوم بعده للجميع .

وقيل : ويومان بعده ، وبه قال أحمد .

وقيل : يوم النحر وثلاثة أيام التشريق بعده ، وبه قال الشافعي; لحديث جبير بن مطعم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " وأيام التشريق كلها ذبح " .

رواه أحمد وابن حبان .

وقيل : إن وقت الذبح يمتد إلى آخر ذي الحجة ، وبه قال إبراهيم النخعي ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن .

وهو قول غريب .

وقوله : ( كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون ) : يقول تعالى : من أجل هذا ( سخرناها لكم ) أي : ذللناها لكم ، أي : جعلناها منقادة لكم خاضعة ، إن شئتم ركبتم ، وإن شئتم حلبتم ، وإن شئتم ذبحتم ، كما قال تعالى : ( أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون .

وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون .

ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون ) [ يس : 71 73 ] ، وقال في هذه الآية الكريمة : ( كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: والبُدن وهي جمع بدنة, وقد يقال لواحدها: بدن, وإذا قيل بدن احتمل أن يكون جمعا وواحدا, يدلّ على أنه قد يقال ذلك للواحد قول الراجز: عَــليَّ حِــينَ نَمْلِــكُ الأمُــورَا صَــوْمَ شُــهُورٍ وَجَــبَتْ نُـذُورا وَحَــلْقَ راسِــي وَافِيـا مَضْفُـورَا وَبَدَنــــا مُدَرَّعـــا مُوْفُـــورَا (3) والبدن: هو الضخم من كلّ شيء, ولذلك قيل لامرئ القيس بن النعمان صاحب الخورنق، والسدير البَدَن: لضخمه واسترخاء لحمه, فإنه يقال: قد بَدَّن تبدينا.

فمعنى الكلام.

والإبل العظام الأجسام الضخام, جعلناها لكم أيها الناس من شعائر الله: يقول: من أعلام أمر الله الذي أمركم به في مناسك حجكم إذا قلدتموها وجللتموها وأشعرتموها, علم بذلك وشعر أنكم فعلتم ذلك من الإبل والبقر.

كما: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا يحيى, عن ابن جُرَيج, قال: قال عطاء: ( والبُدْنَ جَعَلنْاها لَكُمْ مِن شَعائِرِ اللهِ ) قال: البقرة والبعير.

وقوله: ( لَكُمْ فِيها خَيْرٌ ) يقول: لكم في البدن خير، وذلك الخير هو الأجر في الآخرة بنحرها والصدقة بها, وفي الدنيا: الركوب إذا احتاج إلى ركوبها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى - وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( لَكُمْ فِيها خَيْرٌ ) قال: أجر ومنافع في البدن.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, مثله.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال.

حدثنا سفيان, عن منصور, عن إبراهيم: ( لَكُمْ فِيها خَيْرٌ ) قال: اللبن والركوب إذا احتاج.

حدثنا عبد الحميد بن بيان, قال: أخبرنا إسحاق, عن شريك, عن منصور, عن إبراهيم: ( لَكُمْ فِيها خَيْرٌ ) قال: إذا اضطررت إلى بدنتك ركبتها وشربت لبنها.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن منصور, عن إبراهيم: ( لَكُمْ فِيها خَيْرٌ ) من احتاج إلى ظهر البدنة ركب, ومن احتاج إلى لبنها شرب.

وقوله: ( فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ ) يقول تعالى ذكره: فاذكروا اسم الله على البدن عند نحركم إياها صوافّ.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الأمصار ( فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ ) بمعنى مصطفة, واحدها: صافة, وقد صفت بين أيديها.

ورُوي عن الحسن ومجاهد وزيد بن أسلم وجماعة أُخر معهم, أنهم قرءوا ذلك.

" صَوَافِيَ" بالياء منصوبة, بمعنى: خالصة لله لا شريك له فيها صافية له.

وقرأ بعضهم ذلك: " صَوَاف " بإسقاط الياء وتنوين الحرف, على مثال: عوار وعواد.

وروي عن ابن مسعود أنه قرأه: " صَوَافِنٌ" بمعنى: معقلة.

والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأه بتشديد الفاء ونصبها, لإجماع الحجة من القرّاء عليه بالمعنى الذي ذكرناه لمن قرأه كذلك.

*ذكر من تأوّله بتأويل من قرأه بتشديد الفاء ونصبها:- حدثنا أبو كريب, قال: ثنا جابر بن نوح, عن الأعمش, عن أبي ظبيان, عن ابن عباس, في قوله: ( فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ ) قال: الله أكبر الله أكبر, اللهمّ منك ولك.

صوافّ: قياما على ثلاث أرجل.

فقيل لابن عباس: ما نصنع بجلودها؟

قال: تصدّقوا بها, واستمتعوا بها.

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم, قال: ثنا أيوب بن سويد, قال: ثنا سفيان, عن الأعمش, عن أبي ظبيان, عن ابن عباس, في قوله: (صَوَافَّ) قال: قائمة, قال: يقول: الله أكبر, لا إله إلا الله, اللهمّ منك ولك.

حدثني محمد بن المثنى, قال: ثنا ابن أبي عديّ, عن شعبة, عن سليمان, عن أبي ظبيان, عن ابن عباس: ( فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ ) قال: قياما على ثلاث قوائم معقولة باسم الله, اللهم أكبر, اللهمّ منك ولك.

حدثني يعقوب, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا حصين, عن مجاهد, عن ابن عباس, في قوله: (صَوَافَّ) قال: معقولة إحدى يديها, قال: قائمة على ثلاث قوائم.

حدثني عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, في قوله: ( فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ ) يقول: قياما.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ) والصواف: أن تعقل قائمة واحدة, وتصفها على ثلاث فتنحرها كذلك.

حدثنا يعقوب, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا يعلى بن عطاء, قال: أخبرنا بجير بن سالم, قال: رأيت ابن عمر وهو ينحر بدنته, قال: فقال: (صَوَافَّ) كما قال الله, قال: فنحرها وهي قائمة معقولة إحدى يديها.

حدثنا أبو كريب, قال: ثنا ابن إدريس, قال: أخبرنا ليث, عن مجاهد, قال: الصَّوافّ: إذا عقلت رجلها وقامت على ثلاث.

قال: ثنا ليث, عن مجاهد, في قوْله: ( فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ) قال: صوافّ بين أوظافها.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى - وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (صَوَافّ) قال: قيام صواف على ثلاث قوائم.

- حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: ( فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ) قال: بين وظائفها قياما.

حدثنا ابن البرقي, قال: ثنا ابن أبي مريم, قال: أخبرنا يحيى بن أيوب, عن خالد بن يزيد, عن ابن أبي هلال, عن نافع, عن عبد الله: أنه كان ينحر البُدن وهي قائمة مستقبلة البيت تصفّ أيديها بالقيود, قال: هي التي ذكر الله: ( فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ).

حدثنا ابن حميد, قال: ثني جرير, عن منصور, عن رجل, عن أبي ظبيان, عن ابن عباس, قال: قلت له: قول الله ( فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ) قال: إذا أردت أن تنحر البدنة فانحرها, وقل: الله أكبر, لا إله إلا الله, اللهم منك ولك, ثم سم ثم انحرها.

قلت: فأقول ذلك للأضحية، قال: وللأضحية.

*ذكر من تأوّله بتأويل من قرأه: " صَوَافِيَ" بالياء: حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر, عن أبيه, عن الحسن أنه قال: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِيَ" قال: مخلصين.

قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, قال: قال الحسن: " صَوَافِيَ": خالصة.

حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, قال: قال الحسن: " صَوَافِيَ": خالصة لله.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن قيس بن مسلم, عن شقيق الضبي: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِيَ" قال: خالصة.

قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا أيمن بن نابل, قال: سألت طاوسا عن قوله: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِيَ" قال: خالصا.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِيَ" قال: خالصة ليس فيها شريك كما كان المشركون يفعلون, يجعلون لله ولآلهتهم صوافي صافية لله تعالى.

*ذكر من تأوّله بتأويل من قرأه " صَوَافِنَ": حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قَتادة: في حرف ابن مسعود: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِنَ": أي معقلة قياما.

حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: في حرف ابن مسعود: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافِنَ" قال: أي معقلة قياما.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد, قال: من قرأها " صَوَافِنَ" قال: معقولة.

قال: ومن قرأها: (صَوَافَّ) قال: تصفُّ بين يديها.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوَافَّ" يعني صوافن, والبدنة إذا نحرت عقلت يد واحدة, فكانت على ثلاث, وكذلك تنحر.

قال أبو جعفر: وقد تقدم بيان أولى هذه الأقوال بتأويل قوله: (صَوَافَّ) وهي المصطفة بين أيديها المعقولة إحدى قوائمها.

وقوله: ( فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ) يقول: فإذا سقطت فوقعت جنوبها إلى الأرض بعد النحر,( فَكُلُوا مِنْهَا ) وهو من قولهم: قد وجبت الشمس: إذا غابت فسقطت للتغيب, ومنه قول أوس بن حجر: ألَــمْ تُكْسَــفِ الشَّــمْسُ والبَـدْرُ والْكَـــواكِبُ للْجَـــبَلِ الوِّاجِــبِ (4) يعني بالواجب: الواقع.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثني عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ) سقطت إلى الأرض.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, في قوله: ( فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ) قال: إذا فرغت ونُحِرت.

حدثني محمد بن عمارة, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا إسرائيل, عن أبي يحيى, عن مجاهد: ( فَإِذَا وَجَبَتْ ) نحرت.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ) قال: إذا نحرت.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ) قال: فإذا ماتت.

وقوله: ( فَكُلُوا مِنْهَا ) وهذا مخرجه مخرج الأمر ومعناه الإباحة والإطلاق; يقول الله: فإذا نحرت فسقطت ميتة بعد النحر فقد حل لكم أكلها, وليس بأمر إيجاب.

وكان إبراهيم النخعي يقول في ذلك ما:- حدثنا محمد بن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قالا ثنا سفيان, عن منصور, عن إبراهيم, قال: المشركون كانوا لا يأكلون من ذبائحهم, فرخص للمسلمين, فأكلوا منها, فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا مؤمل, قال: ثنا سفيان, عن حصين, عن مجاهد, قال: إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل, فهي بمنـزلة: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا .

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) يقول: يأكل منها ويطعم.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا يونس, عن الحسن.

وأخبرنا مغيرة, عن إبراهيم, وأخبرنا حجاج, عن عطاء.

وأخبرنا حصين, عن مجاهد, في قوله: ( فَكُلُوا مِنْهَا ) قال: إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل, قال مجاهد: هي رخصة, هي كقوله: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ ومثل قوله: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ، وقوله: ( وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) يقول: فأطعموا منها القانع.

واختلف أهل التأويل في المعنيّ بالقانع والمعترّ, فقال بعضهم: القانع الذي يقنع بما أعطي أو بما عنده ولا يسأل, والمعترّ: الذي يتعرّض لك أن تطعمه من اللحم ولا يسأل.

ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, في قوله: ( وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) قال: القانع: المستغني بما أعطيته وهو في بيته, والمعترّ: الذي يتعرّض لك ويلمّ بك أن تطعمه من اللحم ولا يسأل.

وهؤلاء الذين أمر أن يطعموا من البُدن.

حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, عن ليث, عن مجاهد, قال: القانع: جارك الذي يقنع بما أعطيته, والمعترّ: الذي يتعرض لك ولا يسألك.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني أبو صخر, عن القرظي أنه كان يقول في هذه الآية: ( وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) القانع: الذي يقنع بالشيء اليسير يرضى به, والمعترّ: الذي يمرّ بجانبك لا يسأل شيئا; فذلك المعترّ.

وقال آخرون: القانع: الذي يقنع بما عنده ولا يسأل; والمعترّ: الذي يعتريك فيسألك.

ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ بن أبي طلحة, عن ابن عباس, قوله: ( الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) يقول: القانع المتعفف;(والمعترّ) يقول: السائل.

حدثنا ابن أبي الشوارب, قال: ثنا عبد الواحد, قال: ثنا خصيف, قال: سمعت مجاهدا يقول: القانع: أهل مكة; والمعترّ: الذي يعتريك فيسألك.

حدثني أبو السائب, قال: ثنا عطاء, عن خصيف, عن مجاهد مثله.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا مسلم بن إبراهيم, قال: ثني كعب بن فروخ, قال: سمعت قَتادة يحدث, عن عكرمة, في قوله: ( الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) قال: القانع: الذي يقعد في بيته, والمعترّ: الذي يسأل.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الأعلى, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قال: القانع: المتعفف الجالس في بيته; والمعترّ: الذي يعتريك فيسألك.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: القانع: والمعترّ، قال: القانع: الطامع بما قِبلك ولا يسألك; والمعترّ: الذي يعتريك ويسألك.

حدثني نصر بن عبد الرحمن, قال: ثنا المحاربي, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد وإبراهيم قالا القانع: الجالس في بيته; والمعترّ: الذي يسألك.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الأعلى, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة في القانع والمعترّ, قال: القانع: الذي يقنع بما في يديه; والمعترّ: الذي يعتريك, ولكليهما عليك حقّ يا ابن آدم.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد: ( فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) قال: القانع الذي يجلس في بيته.

والمعترّ: الذي يعتريك.

وقال آخرون: القانع: هو السائل, والمعترّ: هو الذي يعتريك ولا يسأل.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الأعلى, قال: ثنا يونس, عن الحسن, قال: القانع: الذي يقنع إليك ويسألك; والمعترّ: الذي يتعرّض لك ولا يسألك.

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن منصور بن زاذان, عن الحسن, في هذه الآية: ( وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) قال: القانع: الذي يقنع, والمعترّ: الذي يعتريك.

قال: وقال الكلبي: القانع: الذي يسألك; والمعترّ: الذي يعتريك, يتعرّض ولا يسألك.

حدثني نصر عبد الرحمن الأودي, قال: ثنا المحاربي, عن سفيان, عن يونس, عن الحسن, في قوله: ( وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) قال: القانع: الذي يسألك, والمعترّ: الذي يتعرّض لك.

حدثنا أبو كريب, قال: ثنا ابن إدريس, عن أبيه, قال: قال سعيد بن جُبير: القانع: السائل.

حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي, قال: ثني غالب, قال: ثني شريك, عن فرات القزاز, عن سعيد بن جُبير, في قوله: (القانِعَ) قال هو السائل, ثم قال.

أما سمعت قول الشماخ.

لَمَــالُ المَــرْءِ يُصْلِحُــهُ فيُغْنـي مَفــاقرَهُ أعَــفُّ مِــنَ القُنُــوع (5) قال: من السؤال.

حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, قال: أخبرنا يونس, عن الحسن, أنه قال في قوله: ( وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) قال: القانع: الذي يقنع إليك يسألك, والمعترّ: الذي يريك نفسه ويتعرّض لك ولا يسألك.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا هشام, قال: أخبرنا منصور ويونس, عن الحسن.

قال: القانع: السائل, والمعترّ: الذي يتعرض ولا يسأل.

حدثنا يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني عبد الله بن عياش, قال: قال زيد بن أسلم: القانع: الذي يسأل الناس.

وقال آخرون: القانع: الجار, والمعترّ: الذي يعتريك من الناس.

*ذكر من قال ذلك:- حدثنا أبو كريب, قال: ثنا ابن إدريس, قال: سمعت ليثا, عن مجاهد, قال: القانع: جارك وإن كان غنيا, والمعترّ: الذي يعتريك.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن عنبسة, عن ابن أبي نجيح, قال: قال مجاهد, في قوله: ( وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) قال: القانع: جارك الغنيّ, والمعترّ: من اعتراك من الناس.

حدثني يعقوب, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا مغيرة, عن إبراهيم, في قوله: ( وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) أنه قال: أحدهما السائل, والآخر الجار.

وقال آخرون: القانع: الطوّاف, والمعترّ: الصديق الزائر.

*ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم, قال: ثني أبي وشعيب بن الليث, عن الليث, عن خالد بن يزيد, عن ابن أبي هلال, قال: قال زيد بن أسلم, في قول الله تعالى: ( الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) فالقانع: المسكين الذي يطوف, والمعترّ: الصديق والضعيف الذي يزور.

وقال آخرون: القانع: الطامع, والمعترّ: الذي يعترّ بالبدن.

*ذكر من قال ذلك:- حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى- وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (القانِعَ) قال: الطامع; والمعترّ: من يعترّ بالبدن من غنيّ أو فقير.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: أخبرني عمر بن عطاء, عن عكرمة, قال: القانع: الطامع.

وقال آخرون: القانع: هو المسكين, والمعتر: الذي يتعرّض للحم.

*ذكر من قال ذلك:- حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) قال: القانع: المسكين, والمعترّ: الذي يعتر القوم للحمهم وليس بمسكين, ولا تكون له ذبيحة, يجيء إلى القوم من أجل لحمهم, والبائس الفقير: هو القانع.

وقال آخرون بما:- حدثنا به ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن فرات, عن سعيد بن جُبير, قال: القانع: الذي يقنع, والمعترّ: الذي يعتريك.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن يونس, عن الحسن بمثله.

قال: ثنا سفيان, عن منصور, عن إبراهيم ومجاهد: ( الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) القانع: الجالس في بيته, والمعترّ: الذي يتعرّض لك.

وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: عني بالقانع: السائل; لأنه لو كان المعنيّ بالقانع في هذا الموضع ، المكتفي بما عنده والمستغني به لقيل: وأطعموا القانع والسائل, ولم يقل: وأطعموا القانع والمعترّ.

وفي إتباع ذلك قوله: والمعترّ، الدليل الواضح على أن القانع معنيّ به السائل, من قولهم: قنع فلان إلى فلان, بمعنى سأله وخضع إليه, فهو يقنع قنوعا; ومنه قول لبيد: وأعْطـانِي المَـوْلى عَـلى حِـينَ فَقْرِهِ إذَا قــالَ أبْصِـرْ خَـلَّتِي وَقُنُـوعي (6) وأما القانع الذي هو بمعنى المكتفي, فإنه من قنِعت بكسر النون أقنع قناعة وقنعا وقنعانا.

وأما المعترّ: فإنه الذي يأتيك معترّا بك لتعطيه وتطعمه.

وقوله: ( كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ ) يقول هكذا سخرنا البدن لكم أيها الناس.

يقول: لتشكروني على تسخيرها لكم.

--------------------------- الهوامش : (3) هذه أربعة أبيات من مشطور الرجز رواها المؤلف عن الفراء في معاني القرآن في هذا الوضع من التفسير ، وأنشدها قبل ذلك ثلاثة منها في ( 7 : 120 ) عند تفسير قوله تعالى : ( فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان ) في سورة المائدة .

مع اختلاف في بعض الألفاظ عن روايته لها هنا ، وهي : عَــلَيَّ حــينَ تمْلِــكُ الأمُــورَا صَــوْمَ شُــهُورٍ وَجَــبَتْ نُـدُورَا وَبادِنــــا مُقَلَّـــدًا مَنْحُـــورا ولفظة ( بادنا ) على هذه الرواية ، قد تكون صحيحة ، يريد جملا سمينا جسيما .

كما في ( اللسان : بدن ) ، يقال : رجل بادن ، والأنثى بادن وبادنة والجمع : بدن ( بضم فسكون ) ، وبدن ( بالضم وتشديد الدال المفتوحة ) .

وقد تكون ( بادنا ) محرفة عن بدن ( بالتحريك ) ، بدليل تخريج المؤلف له بقوله " والبدن " ( بضم فسكون ) جمع بدنة ( بالتحريك ) ، وقد يقال لواحدها : بدن ( بالتحريك ) ، يدل عليه قول الراجز .

" وبدنا مدرعا موفورا " .

أه .

ويؤيده أيضًا قول أبي البقاء العكبري في إعراب القرآن : البدن ( بضم فسكون ) : وجمع بدن ، ( بالتحريك ) وواحدته : بدنة مثل خشب ( بضم فسكون ) وخشب ( بالتحريك ) ويقال هو جمع بدنة ، مثل ثمرة وثمر ( الأخير بضم فسكون ) ، ويقرأ بضم الدال .

والبدنة كما في ( اللسان : بدن ) بالهاء : لعظمها وسمنها .

أه .

يقول الراجز : أوجبت على نفسي إذا ملكت الأمور بتاء المخاطب أن أصوم شهورا ، وأن أحلق رأسي ، وأن أنحر بدنا أي جملا ضخما .

(4) البيت لأوس بن حجر كما قال المؤلف .

والجبل هنا : يريد به رجلا عظيما ، والواجب الذي مات .

قال في ( اللسان / وجب ) ووجب الرجل وجبا : مات ، قال قيس بن الخطيم يصف حربا وقعت بين الأوس والخزرج في يوم بعاث وأن مقدم بني عوف وأميرهم لج في المحاربة ، ونهى بني عوف عن السلم حتى كان أول قتيل : أطـاعت بنـو عـوف أمـيرا نهـاهم عـن السـلم حـتى كان أول واجب وبيت أوس بن حجر شاهد على أن قوله تعالى : ( فإذا وجبت جنوبها ) معناه : فإذا سقطت فوقعت جنوبها على الأرض بعد النحر ، فكلوا منها .

أه .

(5) البيت للشماخ بن ضرار ( لسان العرب : قنع ) قال : وفي التنزيل : وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ، فالقانع الذي يسأل والمعتر : الذي يتعرض ولا يسأل .

قال الشماخ : " لمال المرء .

.

.

.

البيت " يعني من مسألة الناس .

وقال ابن السكيت ومن العرب : من يجيز القنوع : بمعنى القناعة ، وكلام العرب الجيد : هو الأول .

ويروى : " من الكنوع " والكنوع : التقبض والتصاغر .

وقيل القانع : السائل ، وقيل : المتعفف وكل يصلح ، والرجل : قانع وقنيع .

وقال الفراء : هو الذي يسألك فما أعطيته قبله .

وقيل : القنوع : الطمع .

والفعل : قنع بالفتح يقنع قنوعا : ذل السؤال .

وقيل : سأل .

ومفاقرة : وجوه فقره ، وقيل : جمع فقر على غير قياس كالمشابه والملامح .

ويجوز أن تكون جمع مفقرة مصدر أفقره ، أو جمع مفقر ( اسم فاعل ) .

(6) البيت للبيد كما قال المؤلف ، ولم أجده في ديوانه طبعة ليدن سنة 1891 .

والخلة بالفتح : الحاجة والفقر .

وقال اللحياني : خلة به شديدة : أي خصاصة .

والقنوع : السؤال ، وقد شرحناه وبيناه في الشاهد الذي قبله .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرونفيه عشر مسائل :الأولى : قوله تعالى : ( والبدن ) ، وقرأ ابن أبي إسحاق ( والبدن ) لغتان ، واحدتها بدنة .

كما يقال : ثمرة وثمر وثمر ، وخشبة وخشب وخشب .

وفي التنزيل ( وكان له ثمر ) ، وقرئ ( ثمر ) لغتان .

وسميت بدنة لأنها تبدن ، والبدانة السمن .

وقيل : إن هذا الاسم خاص بالإبل .

وقيل : البدن جمع ( بدن ) بفتح الباء والدال .

ويقال : بدن الرجل ( بضم الدال ) إذا سمن .

وبدن ( بتشديدها ) إذا كبر وأسن .

وفي الحديث إني قد بدنت أي كبرت وأسننت .

وروي ( بدنت ) وليس له معنى ؛ لأنه خلاف صفته - صلى الله عليه وسلم - ، ومعناه كثرة اللحم .

يقال : بدن الرجل يبدن بدنا وبدانة فهو بادن ؛ أي ضخم .الثانية : اختلف العلماء في البدن هل تطلق على غير الإبل من البقر أم لا ؟

فقال ابن مسعود ، وعطاء ، والشافعي : لا .

وقال مالك ، وأبو حنيفة : نعم .

وفائدة الخلاف فيمن نذر بدنة فلم [ ص: 58 ] يجد البدنة أو لم يقدر عليها وقدر على البقرة ؛ فهل تجزيه أم لا ؟

فعلى مذهب الشافعي ، وعطاء لا تجزيه .

وعلى مذهب مالك تجزيه .

والصحيح ما ذهب إليه الشافعي ، وعطاء ؛ لقوله - عليه السلام - في الحديث الصحيح في يوم الجمعة : من راح في الساعة الأولى ، فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية ، فكأنما قرب بقرة الحديث .

فتفريقه - عليه السلام - بين البقرة والبدنة يدل على أن البقرة لا يقال عليها بدنة ؛ والله أعلم .

وأيضا قوله تعالى : فإذا وجبت جنوبها يدل على ذلك ؛ فإن الوصف خاص بالإبل .

والبقر يضجع ويذبح كالغنم ؛ على ما يأتي .

ودليلنا أن البدنة مأخوذة من البدانة وهو الضخامة ، والضخامة توجد فيهما جميعا .

وأيضا فإن البقرة في التقرب إلى الله تعالى بإراقة الدم بمنزلة الإبل ؛ حتى تجوز البقرة في الضحايا على سبعة كالإبل .

وهذا حجة لأبي حنيفة حيث وافقه الشافعي على ذلك ، وليس ذلك في مذهبنا .

وحكى ابن شجرة أنه يقال في الغنم بدنة ، وهو قول شاذ .

والبدن هي الإبل التي تهدى إلى الكعبة .

والهدي عام في الإبل ، والبقر ، والغنم .الثالثة : قوله تعالى : من شعائر الله نص في أنها بعض الشعائر .

لكم فيها خير يريد به المنافع التي تقدم ذكرها .

والصواب عمومه في خير الدنيا والآخرة .الرابعة : قوله تعالى : فاذكروا اسم الله عليها صواف أي انحروها على اسم الله .

و صواف أي قد صفت قوائمها .

والإبل تنحر قياما معقولة .

وأصل هذا الوصف في الخيل ؛ يقال : صفن الفرس فهو صافن إذا قام على ثلاثة قوائم وثنى سنبك الرابعة ؛ والسنبك طرف الحافر .

والبعير إذا أرادوا نحره تعقل إحدى يديه فيقوم على ثلاث قوائم .

وقرأ الحسن ، والأعرج ، ومجاهد ، وزيد بن أسلم ، وأبو موسى الأشعري ( صوافي ) أي خوالص لله - عز وجل - لا يشركون به في التسمية على نحرها أحدا .

وعن الحسن أيضا ( صواف ) بكسر الفاء وتنوينها مخففة ، وهي بمعنى التي قبلها ، لكن حذفت الياء تخفيفا على غير قياس و ( صواف ) قراءة الجمهور بفتح الفاء وشدها ؛ من صف يصف .

وواحد صواف صافة ، وواحد صوافي صافية .

وابن مسعود ، وابن عباس ، وابن عمر ، وأبو جعفر محمد بن علي ( صوافن ) بالنون جمع صافنة .

ولا يكون واحدها صافنا ؛ لأن فاعلا لا يجمع على فواعل إلا في حروف مختصة لا يقاس [ ص: 59 ] عليها ؛ وهي فارس وفوارس ، وهالك وهوالك ، وخالف وخوالف .

والصافنة هي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب .

ومنه قوله تعالى : الصافنات الجياد .

وقال عمرو بن كلثوم :تركنا الخيل عاكفة عليه مقلدة أعنتها صفوناويروي :تظل جياده نوحا عليه مقلدة أعنتها صفوناوقال آخر :ألف الصفون فما يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيراوقال أبو عمرو الجرمي : الصافن عرق في مقدم الرجل ، فإذا ضرب عليه الفرس رفع رجله .

وقال الأعشى :وكل كميت كجذع السحو ق يرنو القناء إذا ما صفنالخامسة : قال ابن وهب : أخبرني ابن أبي ذئب أنه سأل ابن شهاب عن الصواف فقال : تقيدها ثم تصفها .

وقال لي مالك بن أنس مثله .

وكافة العلماء على استحباب ذلك ؛ إلا أبا حنيفة ، والثوري فإنهما أجازا أن تنحر باركة وقياما .

وشذ عطاء فخالف واستحب نحرها باركة .

والصحيح ما عليه الجمهور ؛ لقوله تعالى : فإذا وجبت جنوبها معناه سقطت بعد نحرها ؛ ومنه وجبت الشمس .

وفي صحيح مسلم ، عن زياد بن جبير أن ابن عمر أتى على رجل وهو ينحر بدنته باركة فقال : ابعثها قائمة مقيدة سنة نبيكم - صلى الله عليه وسلم - .

وروى أبو داود ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، وأخبرني عبد الرحمن بن سابط أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها .[ ص: 60 ] السادسة : قال مالك : فإن ضعف إنسان أو تخوف أن تنفلت بدنته فلا أرى بأسا أن ينحرها معقولة .

والاختيار أن تنحر الإبل قائمة غير معقولة ؛ إلا أن يتعذر ذلك فتعقل ولا تعرقب إلا أن يخاف أن يضعف عنها ولا يقوى عليها .

ونحرها باركة أفضل من أن تعرقب .

وكان ابن عمر يأخذ الحربة بيده في عنفوان أيده ، فينحرها في صدرها ، ويخرجها على سنامها ، فلما أسن كان ينحرها باركة لضعفه ، ويمسك معه الحربة رجل آخر ، وآخر بخطامها .

وتضجع البقر والغنم .السابعة : ولا يجوز النحر قبل الفجر من يوم النحر بإجماع .

وكذلك الأضحية لا تجوز قبل الفجر .

فإذا طلع الفجر حل النحر بمنى ، وليس عليهم انتظار نحر إمامهم ؛ بخلاف الأضحية في سائر البلاد .

والمنحر منى لكل حاج ، ومكة لكل معتمر .

ولو نحر الحاج بمكة والمعتمر بمنى لم يحرج واحد منهما ، إن شاء الله تعالى .الثامنة : قوله تعالى : فإذا وجبت جنوبها يقال : وجبت الشمس إذا سقطت ، ووجب الحائط إذا سقط .

قال قيس بن الخطيم :أطاعت بنو عوف أميرا نهاهم عن السلم حتى كان أول واجبوقال أوس بن حجر :ألم تكسف الشمس والبدر وال كواكب للجبل الواجبفقوله تعالى : فإذا وجبت جنوبها يريد إذا سقطت على جنوبها ميتة .

كنى عن الموت بالسقوط على الجنب كما كنى عن النحر والذبح بقوله تعالى : فاذكروا اسم الله عليها والكنايات في أكثر المواضع أبلغ من التصريح .

قال الشاعر [ عنترة ] :فتركته جزر السباع ينشنه ما بين قلة رأسه والمعصموقال عنترة :وضربت قرني كبشها فتجدلاأي سقط مقتولا إلى الجدالة ، وهي الأرض ؛ ومثله كثير .

والوجوب للجنب بعد النحر علامة نزف الدم وخروج الروح منها ، وهو وقت الأكل ، أي وقت قرب الأكل ؛ لأنها إنما تبتدأ بالسلخ وقطع شيء من الذبيحة ثم يطبخ .

ولا تسلخ حتى تبرد لأن ذلك من باب التعذيب ؛ ولهذا قال عمر - رضي الله عنه - : لا تعجلوا الأنفس أن تزهق .[ ص: 61 ] التاسعة : قوله تعالى : فكلوا منها أمر معناه الندب .

وكل العلماء يستحب أن يأكل الإنسان من هديه وفيه أجر وامتثال ؛ إذ كان أهل الجاهلية لا يأكلون من هديهم كما تقدم .

وقال أبو العباس بن شريح : الأكل والإطعام مستحبان ، وله الاقتصار على أيهما شاء .

وقال الشافعي : الأكل مستحب والإطعام واجب ، فإن أطعم جميعها أجزاه وإن أكل جميعها لم يجزه ، وهذا فيما كان تطوعا ؛ فأما واجبات الدماء فلا يجوز أن يأكل منها شيئا حسبما تقدم بيانه .العاشرة : قوله تعالى : وأطعموا القانع والمعتر قال مجاهد ، وإبراهيم ، والطبري : قوله وأطعموا أمر إباحة .

و القانع السائل .

يقال : قنع الرجل يقنع قنوعا إذا سأل ، بفتح النون في الماضي وكسرها في المستقبل ، يقنع قناعة فهو قنع ، إذا تعفف واستغنى ببلغته ولم يسأل ؛ مثل حمد يحمد ، قناعة وقنعا وقنعانا ؛ قاله الخليل .

ومن الأول قول الشماخ :لمال المرء يصلحه فيغني مفاقره أعف من القنوعوقال ابن السكيت : من العرب من ذكر القنوع بمعنى القناعة ، وهي الرضا والتعفف وترك المسألة .

وروي عن أبي رجاء أنه قرأ ( وأطعموا القنع ) ومعنى هذا مخالف للأول .

يقال : قنع الرجل فهو قنع إذا رضي .

وأما المعتر فهو الذي يطيف بك يطلب ما عندك ، سائلا كان أو ساكنا .

وقال محمد بن كعب القرظي ، ومجاهد ، وإبراهيم ، والكلبي ، والحسن بن أبي الحسن : المعتر المعترض من غير سؤال .

قال زهير :على مكثريهم رزق من يعتريهم وعند المقلين السماحة والبذلوقال مالك : أحسن ما سمعت أن القانع الفقير ، والمعتر الزائر .

وروي عن الحسن أنه قرأ ( والمعتري ) ومعناه كمعنى المعتر .

يقال : اعتره واعتراه وعره وعراه إذا تعرض لما عنده أو طلبه ؛ ذكره النحاس .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا دليل على أن الشعائر عام في جميع أعلام الدين الظاهرة.

وتقدم أن الله أخبر أن من عظم شعائره، فإن ذلك من تقوى القلوب، وهنا أخبر أن من جملة شعائره، البدن، أي: الإبل، والبقر، على أحد القولين، فتعظم وتستسمن، وتستحسن، { لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } أي: المهدي وغيره، من الأكل، والصدقة، والانتفاع، والثواب، والأجر، { فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا } أي: عند ذبحها قولوا " بسم الله "س واذبحوها، { صَوَافَّ } أي: قائمات، بأن تقام على قوائمها الأربع، ثم تعقل يدها اليسرى، ثم تنحر.

{ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } أي: سقطت في الأرض جنوبها، حين تسلخ، ثم يسقط الجزار جنوبها على الأرض، فحينئذ قد استعدت لأن يؤكل منها، { فَكُلُوا مِنْهَا } وهذا خطاب للمهدي، فيجوز له الأكل من هديه، { وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ } أي: الفقير الذي لا يسأل، تقنعا، وتعففا، والفقير الذي يسأل، فكل منهما له حق فيهما.

{ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ } أي: البدن { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الله على تسخيرها، فإنه لولا تسخيره لها، لم يكن لكم بها طاقة، ولكنه ذللها لكم وسخرها، رحمة بكم وإحسانا إليكم، فاحمدوه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( والبدن ) جمع بدنة سميت بدنة لعظمها وضخامتها ، يريد : الإبل العظام الصحاح الأجسام ، يقال بدن الرجل بدنا وبدانة إذا ضخم ، فأما إذا أسن واسترخى يقال بدن تبدينا .

قال عطاء والسدي : البدن : الإبل والبقر أما الغنم فلا تسمى بدنة .

( جعلناها لكم من شعائر الله ) من أعلام دينه ، سميت شعائر لأنها تشعر ، وهو أن تطعن بحديدة في سنامها فيعلم أنها هدي ، ( لكم فيها خير ) النفع في الدنيا والأجر في العقبى ، ( فاذكروا اسم الله عليها ) عند نحرها ، ( صواف ) أي : قياما على ثلاث قوائم قد صفت رجليها وإحدى يديها ، ويدها اليسرى معقولة فينحرها كذلك .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا عبد الله بن مسلمة ، أخبرنا يزيد بن زريع ، عن يونس ، عن زياد بن جبير قال : رأيت ابن عمر أتى على رجل قد أناخ بدنة ينحرها ، قال : ابعثها قياما مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم .

وقال مجاهد : الصواف إذا عقلت رجلها اليسرى وقامت على ثلاث قوائم .

وقرأ ابن مسعود : " صوافن " وهي أن تعقل منها يد وتنحر على ثلاث ، وهو مثل صواف .

وقرأ أبي والحسن ومجاهد : " صوافي " بالياء أي : صافية خالصة لله لا شريك له فيها .

( فإذا وجبت جنوبها ) أي : سقطت بعد النحر فوقعت جنوبها على الأرض .

وأصل الوجوب : الوقوع .

يقال : وجبت الشمس إذا سقطت للمغيب ، ( فكلوا منها ) أمر إباحة ، ( وأطعموا القانع والمعتر ) اختلفوا في معناهما : .

فقال عكرمة وإبراهيم وقتادة : " القانع " الجالس في بيته المتعفف يقنع بما يعطى ولا يسأل ، و " المعتر " الذي يسأل .

وروى العوفي عن ابن عباس : " القانع " الذي لا يعترض ولا يسأل ، و " المعتر " الذي يريك نفسه ويتعرض ولا يسأل ، فعلى هذين التأويلين يكون " القانع " : من القناعة ، يقال : قنع قناعة إذا رضي بما قسم له .

وقال سعيد بن جبير والحسن والكلبي : " القانع " : الذي يسأل ، " والمعتر " : الذي يتعرض ولا يسأل ، فيكون " القانع " من قنع يقنع قنوعا إذا سأل .

وقرأ الحسن : " والمعتري " وهو مثل المعتر ، يقال : عره واعتره وعراه واعتراه إذا أتاه يطلب معروفه ، إما سؤالا أو تعرضا .

وقال ابن زيد : " القانع " : المسكين ، " والمعتر " : الذي ليس بمسكين ، ولا يكون له ذبيحة يجيء إلى القوم فيتعرض لهم لأجل لحمهم .

( كذلك ) أي : مثل ما وصفنا من نحرها قياما ، ( سخرناها لكم ) نعمة منا لتتمكنوا من نحرها ، ( لعلكم تشكرون ) لكي تشكروا إنعام الله عليكم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والبدن» جمع بدنة: وهي الإبل «جعلناها لكم من شعائر الله» أعلام دينه «لكم فيها خير» نفع في الدنيا كما تقدم، وأجر في العقبى «فاذكروا اسم الله عليها» عند نحرها «صوافَّ» قائمة على ثلاث معقولة اليد اليسرى «فإذا وجبت جنوبها» سقطت إلى الأرض بعد النحر: وهو وقت الأكل منها «فكلوا منها» إن شئتم «وأطعموا القانع» الذي يقنع بما يعطى ولا يسأل ولا يتعرّض «والمعترَّ» والسائل أو المتعرض «كذلك» أي مثل ذلك التسخير «سخرناها لكم» بأن تُنحر وتركب، وإلا لم تطق «لعلكم تشكرون» إنعامي عليكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وجعلنا لكم نَحْرَ البُدْن من شعائر الدين وأعلامه؛ لتتقربوا بها إلى الله، لكم فيها- أيها المتقربون -خير في منافعها من الأكل والصدقة والثواب والأجر، فقولوا عند ذبحها: بسم الله.

وتُنْحَر الإبل واقفة قد صُفَّتْ ثلاث من قوائمها وقُيِّدت الرابعة، فإذا سقطت على الأرض جنوبها فقد حلَّ أكلها، فليأكل منها مقربوها تعبدًا ويُطْعِمُوا منها القانع -وهو الفقير الذي لم يسأل تعففًا- والمعترَّ الذي يسأل لحاجته، هكذا سخَّر الله البُدْن لكم، لعلكم تشكرون الله على تسخيرها لكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أكد سبحانه - ما سبق الحديث عنه من وجوب ذكر اسمه - تعالى - عند الذبح ، ومن وجوب شكره على نعمه فقال : ( والبدن جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ الله ) .والبدن : جمع بدنة .

وهى الإبل خاصة التى تهدى إلى البيت الحرام للتقرب بها إلى الله - تعالى - وقيل : البدن تطلق على الإبل والبقر .وسميت بهذا الإسم لبدانتها وضخامتها .

يقال : بدن الرجل - بوزن كرم - إذا كثر لحمه ، وضخم جسمه .أى : وشرعنا لكم - أيها المؤمنون - التقرب إلينا بالإبل البدينة السمينة وجعلنا ذلك شعيرة من شعائر ديننا ، وعلامة من العلامات الدالة على قوة إيمان من ينفذ هذه الشعيرة بتواضع وإخلاص .وقوله - تعالى - ( لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ) جملة مستأنفة مقررة لما قبلها .

أى : لكم فيه خير فى الدنيا عن طريق الانتفاع بألبانها ووبرها .

.

.

ولكم فيها خير فى الآخرة عن طريق الثواب الجزيل الذى تنالونه من خالقكم بسبب استجابتكم لما ارشدكم إليه .وقوله - تعالى - : ( فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَآفَّ ) إرشاد لما يقوله الذابح عند ذبحها .وصواف : جمع اصفة .

أى : قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن استعدادا للذبخح!

.أى : إذا ما هيأتم هذه الإبل للذبح ، فاذكروا اسم الله عليها ، بأن تقولوا عند نحرها : بسم الله والله أكبر ، الله منك وإليك .وقوله - سحبانه - : ( فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر ) بيان لما ينبغى عليهم فعله بعد ذبحها .ووجبت بمعنى سقطت : وهو كناية عن موتها .

يقال : وجب الجدار إذا سقط ، ووجبت الشمس إذا غابت .والقانع : هو الراضى بما قدره الله - تعالى - له ، فلا يتعرض لسؤال الناس مأخوذ من قنع يقنع - كرضى يرضى - وزنا ومعنى .والمعتر : هو الذى يسأل غيره ليعطيه .

يقال : فلان يعترى الأغنياء ، أى : يذهب إليهم طالبا عطاءهم .وقيل : القانع هو الطامع الذى يسأل غيره ، والمعتر : هو الذى يتعرض للعطاء من غير سؤال وطلب .أى : فإذا ما سقطت جنوب هذه الإبل على الأرض ، وأعددتموها للأكل فكلوا منها ، وأطعموا الفقير القانع الذى لا يسألكم ، والفقير المعتر الذى يتعرض لكم بالسؤال والطلب .ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله عليهم ، حيث ذلل هذه الأنعام لهم فقال : ( كذلك سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) .وقوله ( كذلك ) نعت لمصدر محذوف .

أى : مثل ذلك التسخير البديع سخرنا لكم هذه الأنعام ، وذللناها لكم ، وجعلناها منقادة لأمركم ، لعلكم بعد أن شاهدتم هذه النعم ، وانتفعتم بها ، تكونون من الشاكرين لنا ، والمستجيبين لتوجيهاتنا وإرشادنا .قال صاحب الكشاف : منَّ الله على عباده واستحمد إليهم ، بأن سخر لهم البدن مثل التسخير الذى رأوا وعلموا .

يأخذونها منقادة للأخذ طيعة ، فيعقلونها ويحبسونها صافة قوائمها ، ثم يطعنون فى لبانها .

ولولا تسخير الله لم تطعن ، ولم تكن بأعجز من بعض الوحوش التى هى أصغر منها جرما ، وأقل قوة ، وكفى بما يتأبد من الإبل شاهدا على ذلك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله تعالى: ﴿ والبدن ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: البدن جمع بدنة كخشب وخشبة، سميت بذلك إذا أهديت للحرم لعظم بدنها وهي الإبل خاصة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحق البقر بالإبل حين قال: البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة ولأنه قال: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ وهذا يختص بالإبل فإنها تنحر قائمة دون البقر، وقال قوم البدن الإبل والبقر التي يتقرب بها إلى الله تعالى في الحج والعمرة، لأنه إنما سمى بذلك لعظم البدن فالأولى دخولها فيه، أما الشاة فلا تدخل وإن كانت تجوز في النسك لأنها صغيرة الجسم فلا تسمى بدنة.

المسألة الثانية: قرأ الحسن والبدن بضمتين كثمر في جمع ثمرة، وابن أبي إسحاق بالضمتين وتشديد النون على لفظ الوقف، وقرئ بالنصب والرفع كقوله: ﴿ والقمر قدرناه مَنَازِلَ  ﴾ والله أعلم.

المسألة الثالثة: إذا قال لله عليَّ بدنة، هل يجوز له نحرها في غير مكة؟

قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله يجوز، وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجوز إلا بمكة واتفقوا فيمن نذر هدياً أن عليه ذبحه بمكة، ولو قال: لله عليَّ جزور، أنه يذبحه حيث شاء، وقال أبو حنيفة رحمه الله البدنة بمنزلة الجزور فوجب أن يجوز له نحرها حيث يشاء بخلاف الهدي فإنه تعالى قال: ﴿ هَدْياً بالغ الكعبة  ﴾ فجعل بلوغ الكعبة من صفة الهدي، واحتج أبو يوسف رحمه الله بقوله تعالى: ﴿ والبدن جعلناها لَكُمْ مّن شعائر الله ﴾ فكان اسم البدنة يفيد كونها قربة فكان كاسم الهدي، أجاب أبو حنيفة رحمه الله بأنه ليس كل ما كان ذبحه قربة اختص بالحرم فإن الأضحية قربة وهي جائزة في سائر الأماكن.

أما قوله تعالى: ﴿ جعلناها لَكُمْ ﴾ فاعلم أنه سبحانه لما خلق البدن وأوجب أن تهدى في الحج جاز أن يقول: ﴿ جعلناها لَكُمْ مّن شعائر الله ﴾ أما قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ فالكلام فيه ما تقدم في قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا منافع  ﴾ وإذا كان قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ كالترغيب فالأولى أن يراد به الثواب في الآخرة وما أخلق العاقل بالحرص على شيء شهد الله تعالى بأن فيه خيراً وبأن فيه منافع، أما قوله: ﴿ فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا ﴾ ففيه حذف أي اذكروا اسم الله على نحرها، قال المفسرون هو أن يقال عند النحر أو الذبح بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك، أما قوله: ﴿ صَوَآفَّ ﴾ ، فالمعنى قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن وقرئ صوافن من صفون الفرس، وهو أن تقوم على ثلاث وتنصب الرابعة على طرف سنبكه لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث، وقرئ صوافي أي خوالص لوجه الله تعالى لا تشركوا بالله في التسمية على نحرها أحداً كما كان يفعله المشركون، وعن عمرو ابن عبيد صوافياً بالتنوين عوضاً عن حرف الإطلاق عند الوقف، وعن بعضهم صوافي نحو قول العرب اعط القوس باريها ولا يبعد أن تكون الحكمة في إصفافها ظهور كثرتها للناظرين فتقوى نفوس المحتاجين ويكون التقرب بنحرها عند ذلك أعظم أجراً وأقرب إلى ظهور التكبير وإعلاء اسم الله وشعائر دينه، وأما قوله: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ فاعلم أن وجوب الجنوب وقوعها على الأرض من وجب الحائط وجبة إذا سقط، ووجبت الشمس وجبة إذا غربت، والمعنى إذا سقطت على الأرض وذلك عند خروج الروح منها ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا ﴾ وقد ذكرنا اختلاف العلماء فيما يجوز أكله منها ﴿ وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر ﴾ القانع السائل يقال قنع يقنع قنوعاً إذا سأل قال أبو عبيد هو الرجل يكون مع القوم يطلب فضلهم ويسأل معروفهم ونحوه، قال الفراء والمعنى الثاني القانع هو الذي لا يسأل من القناعة يقال قنع يقنع قناعة إذا رضي بما قسم له وترك السؤال، أما المعتر فقيل إنه المتعرض بغير سؤال، وقيل إنه المتعرض بالسؤال قال الأزهري قال ابن الأعرابي يقال عروت فلاناً وأعررته وعروته واعتريته إذا أتيته تطلب معروفه ونحوه، قال أبو عبيد والأقرب أن القانع هو الراضي بما يدفع إليه من غير سؤال وإلحاح، والمعتر هو الذي يتعرض ويطلب ويعتريهم حالاً بعد حال فيفعل ما يدل على أنه لا يقنع بما يدفع إليه أبداً وقرأ الحسن والمعتري وقرأ أبو رجاء القنع وهو الراضي لا غير يقال قنع فهو قنع وقانع.

أما قوله: ﴿ كذلك سخرناها لَكُمْ ﴾ فالمعنى أنها أجسم وأعظم وأقوى من السباع وغيرها مما يمتنع علينا التمكن منه، فالله تعالى جعل الإبل والبقر بالصفة التي يمكننا تصريفها على ما نريد، وذلك نعمة عظيمة من الله تعالى في الدين والدنيا، ثم لما بين تعالى هذه النعمة قال بعده ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ والمراد لكي تشكروا.

قالت المعتزلة: هذا يدل على أنه سبحانه أراد من جميعهم أن يشكروا فدل هذا على أنه يريد كل ما أمر به ممن أطاع وعصى، لا كما يقوله أهل السنة من أنه تعالى لم يرد ذلك إلا من المعلوم أن يطيع، والكلام عليه قد تقدم غير مرة.

أما قوله تعالى: ﴿ لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: لما كانت عادة الجاهلية على ما روي في القربان أنهم يلوثون بدمائها ولحومها الوثن وحيطان الكعبة بين تعالى ما هو القصد من النحر فقال: ﴿ لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ ﴾ فبين أن الذي يصل إليه تعالى ويرتفع إليه من صنع المهدي من قوله ونحره وما شاكله من فرائضه هو تقوى الله دون نفس اللحم والدم، ومعلوم أن شيئاً من الأشياء لا يوصف بأنه يناله سبحانه فالمراد وصول ذلك إلى حيث يكتب يدل عليه قوله: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب  ﴾ .

المسألة الثانية: قالت المعتزلة دلت هذه الآية على أمور: أحدها: أن الذي ينتفع به المرء فعله دون الجسم الذي ينتفع بنحره.

وثانيها: أنه سبحانه غني عن كل ذلك، وإنما المراد أن يجتهد العبد في امتثال أوامره.

وثالثها: أنه لما لم ينتفع بالأجسام التي هي اللحوم والدماء وانتفع بتقواه وجب أن تكون تقواه فعلاً وإلا لكانت تقواه بمنزلة اللحوم.

ورابعها: أنه لما شرط القبول بالتقوى وصاحب الكبيرة غير متق فوجب أن لا يكون عمله مقبولاً وأنه لا ثواب له والجواب: أما الأولان فحقان، وأما الثالث فمعارض بالداعي والعلم، وأما الرابع فصاحب الكبيرة وإن لم يكن متقياً مطلقاً ولكنه متق فيما أتى به من الطاعة على سبيل الإخلاص فوجب أن تكون طاعته مقبولة وعند هذا تنقلب الآية حجة عليهم.

المسألة الثالثة: كلهم قرأوا ﴿ يَنَالَ الله ﴾ ويناله بالياء إلا يعقوب فإنه قرأ بالتاء في الحرفين فمن أنث فقد رده إلى اللفظ ومن ذكر فللحائل بين الاسم والفعل.

ثم قال: ﴿ كذلك سَخَّرَهَا لَكُمْ ﴾ والمراد أنه إنما سخرها كذلك لتكبروا الله وهو التعظيم، بما نفعله عند النحر وقبله وبعده على ما هدانا ودلنا عليه وبينه لنا، ثم قال بعده على وجه الوعد لمن امتثل أمره ﴿ وَبَشّرِ المحسنين ﴾ كما قال من قبل ﴿ وَبَشِّرِ المخبتين  ﴾ والمحسن هو الذي يفعل الحسن من الأعمال ويتمسك به فيصير محسناً إلى نفسه بتوفير الثواب عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ والبدن ﴾ جمع بدنة، سميت لعظم بدنها وهي الإبل خاصة، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحقَ البقرَ بالإبلِ حين قال: «البدنةُ عن سبعةٍ، والبقرةُ عنْ سبعةٍ» ؛ فجعل البقر في حكم الإبل، صارت البدنة في الشريعة متناولة للجنسين عند أبي حنيفة وأصحابه، وإلا فالبدن هي الإبل وعليه تدل الآية، وقرأ الحسن: ﴿ والبدن ﴾ ، بضمتين، كثمر في جمع ثمرة.

وابن أبي إسحاق بالضمتين وتشديد النون على لفظ الوقف.

وقرئ بالنصب والرفع كقوله: ﴿ والقمر قدرناه ﴾ [يس: 39].

﴿ مِن شَعَائِرِ الله ﴾ أي من أعلام الشريعة التي شرعها الله.

وإضافتها إلى اسمه: تعظيم لها ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ كقوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا منافع ﴾ ومن شأن الحاج أن يحرص على شيء فيه خير ومنافع بشهادة الله تعالى.

عن بعض السلف أنه لم يملك إلاّ تسعة دنانير، فاشترى بها بدنة، فقيل له في ذلك، فقال: إني سمعت ربي يقول: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ وعن ابن عباس: دنيا وآخرة.

وعن إبراهيم: من احتاج إلى ظهرها ركب، ومن احتاج إلى لبنها شرب.

وذكر اسم الله: أن يقول عند النحر: الله أكبر لا إله إلاّ الله والله أكبر، اللَّهم منك وإليك ﴿ صَوَافَّ ﴾ قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهنّ.

وقرئ: ﴿ صوافن ﴾ من صفون الفرس، وهو أن يقوم على ثلاث وينصب الرابعة على طرف سنبكه؛ لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث.

وقرئ: ﴿ صوافي ﴾ أي: خوالص لوجه الله.

وعن عمرو بن عبيد: صوافنا، بالتنوين عوضاً من حرف الإطلاق عند الوقف.

وعن بعضهم: صواف نحو مثل العرب.

أعط القوس باريها، بسكون الياء.

(فإذا وجبت جنوبها) وجوب الجنوب: وقوعها على الأرض، ومن وجب الحائط وجبة إذا سقط.

ووجبت الشمس جبة: غربت.

والمعنى: فإذا وجبت جنوبها وسكنت نسائسها حلّ لكم الأكل منها والإطعام ﴿ القانع ﴾ السائل، من قنعت إليه وكنعت: إذا خضعت له وسألته قنوعاً ﴿ والمعتر ﴾ المعترض بغير سؤال، أو القانع الراضي بما عنده وبما يعطى من غير سؤال، من قنعت قنعاً وقناعة.

والمعتر: المعترض بسؤال.

وقرأ الحسن: والمعتري.

وعرّه وعراه واعتراه واعتره: بمعنى.

وقرأ أبو رجاء: القنع، وهو الراضي لا غير.

يقال: قنع فهو قنع وقانع.

[(كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون)] من الله على عبادة واستحمد إليهم بأن سخر لهم البدن مثل التسخير الذي رأوا وعلموا، ويأخذونها منقادة للأخذ طيعة فيعقلونها ويحبسونها صافة قوائمها، ثم يطعنون في لبانها.

ولولا تسخير الله لم تطق، ولم تكن بأعجز من بعض الوحوش التي هي أصغر منها جرماً وأقلّ قوّة، وكفى بما يتأبد من الإبل شاهداً وعبرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والبُدْنَ ﴾ جَمْعُ بَدَنَةٍ كَخُشُبِ وخَشَبَةٍ، وأصْلُهُ الضَّمُّ وقَدْ قُرِئَ بِهِ وإنَّما سُمِّيَتْ بِها الإبِلُ لِعَظَمِ بَدَنِها مَأْخُوذَةً مِن بَدَنَ بَدانَةً، ولا يَلْزَمُ مِن مُشارَكَةِ البَقَرَةِ لَها في أجْزائِها عَنْ سَبْعَةٍ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ «البَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ والبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ» تَناوُلُ اسْمِ البَدَنَةِ لَها شَرْعًا، بَلِ الحَدِيثُ يَمْنَعُ ذَلِكَ وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ.

﴿ جَعَلْناها لَكُمْ ﴾ ومَن رَفَعَهُ جَعَلَهُ مُبْتَدَأً.

﴿ مِن شَعائِرِ اللَّهِ ﴾ مِن أعْلامِ دِينِهِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ تَعالى.

﴿ لَكم فِيها خَيْرٌ ﴾ مَنافِعُ دِينِيَّةٌ ودُنْيَوِيَّةٌ.

﴿ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها ﴾ بِأنْ تَقُولُوا عِنْدَ ذَبْحِها اللَّهُ أكْبَرُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُمَّ مِنكَ وإلَيْكَ.

﴿ صَوافَّ ﴾ قائِماتٍ قَدْ صَفَفْنَ أيْدِيَهُنَّ وأرْجُلَهُنَّ، وقُرِئَ «صَوافِنَ» مِن صَفَنِ الفَرَسِ إذا قامَ عَلى ثَلاثٍ وعَلى طَرَفِ حافِرِ الرّابِعَةِ لِأنَّ البَدَنَةَ تُعْقَلُ إحْدى يَدَيْها فَتَقُومُ عَلى ثَلاثٍ، وقُرِئَ «صَوافِنًا» بِإبْدالِ التَّنْوِينِ مِن حَرْفِ الإطْلاقِ عِنْدَ الوَقْفِ و «صَوافِيَ» أيْ خَوالِصَ لِوَجْهِ اللَّهِ، و «صَوافِي» بِسُكُونِ الياءِ عَلى لُغَةِ مَن يُسَكِّنُ الياءَ مُطْلَقًا كَقَوْلِهِمْ: أعْطِ القَوْسَ بارِيها.

﴿ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها ﴾ سَقَطَتْ عَلى الأرْضِ وهو كِنايَةٌ عَنِ المَوْتِ.

﴿ فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ ﴾ الرّاضِيَ بِما عِنْدَهُ وبِما يُعْطى مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ «القُنُعَ»، أوِ السّائِلَ مِن قَنَعْتُ إلَيْهِ قُنُوعًا إذا خَضَعْتُ لَهُ في السُّؤالِ.

﴿ والمُعْتَرَّ ﴾ والمُعْتَرِضَ بِالسُّؤالِ، وقُرِئَ «والمُعْتَرِي» يُقالُ عَرَّهُ وعَرّاهُ واعْتَرَّهُ واعْتَراهُ.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلُ ما وصَفْنا مِن نَحْرِها قِيامًا.

﴿ سَخَّرْناها لَكُمْ ﴾ مَعَ عِظَمِها وقُوَّتِها حَتّى تَأْخُذُوها مُنْقادَةً فَتَعْقِلُوها وتَحْبِسُوها صافَّةً قَوائِمَها ثُمَّ تَطْعَنُونَ في لِبانِها.

﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ إنْعامَنا عَلَيْكم بِالتَّقَرُّبِ والإخْلاصِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والبدن} جمع بدنة سميت لعظم بدنها وفي الشريعة يتناول الابل والبقر وقرئ برفعها وهو كقوله والقمر قدرناه

الحج (٣٩ - ٣٦)

{جعلناها لَكُمْ مّن شعائر الله} أي من أعلام الشريعة التي شرعها الله وإضافتها إلى اسمه تعظيم لها ومن شعائر الله ثاني مفعولي جعلنا {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} النفع في الدنيا والأجر في العقبى {فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا} عند نحرها {صَوَافَّ} حال من الهاء أي قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} وجوب الجنوب وقوعها على الأرض من وجب الحائط وجبة إذا سقط أي إذا سقطت جنوبها على الأرض بعد نحرها وسكنت حركتها {فَكُلُواْ مِنْهَا} إن شئتم {وَأَطْعِمُواْ القانع} السائل من قنعت إليه إذا خضعت له وسألته

قنوعاً {والمعتر} الذي يريك نفسه ويتعرض ولا يسأل وقيل القانع الراضي بما عنده وبما يعطي من غير سؤال من قنعت قنعاً وقناعة والمعتر المتعرض للسؤال {كذلك سخرناها لَكُمْ} أي كما أمرناكم بنحرها لكم أو هو كقوله ذلك ومن يعظم ثم استأنف فقال سخرناها لكم أي ذللناها لكم مع قوتها وعظم أجرامها لتتمكنوا من نحرها {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} لكي تشكروا إنعام الله عليكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ ﴾ أيْ مِن أعْلامِ دِينِهِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ تَعالى، والبُدْنُ جَمْعُ بَدَنَةٍ وهي كَما قالَ الجَوْهَرِيُّ ناقَةٌ أوْ بَقَرَةٌ تُنْحَرُ بِمَكَّةَ، وفي القامُوسِ هي مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ كالأُضْحِيَّةِ مِنَ الغَنَمِ تُهْدى إلى مَكَّةَ وتُطْلَقُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعِظَمِ بَدَنِها لِأنَّهم كانُوا يُسَمِّنُونَها ثُمَّ يُهْدُونَها، وكَوْنُها مِنَ النَّوْعَيْنِ قَوْلُ مُعْظَمِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ وهو مَذْهَبُ الحَنَفِيَّةِ فَلَوْ نَذَرَ نَحْرَ بَدَنَةٍ يُجْزِئُهُ نَحْرُ بَقَرَةٍ عِنْدَهم وهو قَوْلُ عَطاءٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لا تُعْلَمُ البُدْنُ إلّا مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ.

وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كُنّا نَنْحَرُ البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ فَقِيلَ والبَقَرَةُ فَقالَ: وهَلْ هي إلّا مِنَ البُدْنِ، وقالَ صاحِبُ البارِعِ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ: إنَّها لا تُطْلَقُ عَلى ما يَكُونُ مِنَ البَقَرِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيَّةِ فَلا يُجْزِي عِنْدَهم مَن نَذَرَ نَحْرَ بَدَنَةٍ نَحْرُ بَقَرَةٍ، وأُيِّدَ بِما رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««البَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ والبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ»» فَإنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ وفِيما يَأْتِي آخِرًا تَأْيِيدٌ لِذَلِكَ أيْضًا، والظّاهِرُ أنَّ اسْتِعْمالَ البَدَنَةِ فِيما يَكُونُ مِنَ الإبِلِ أكْثَرُ وإنْ كانَ أمْرُ الإجْزاءِ مُتَّحِدًا.

ولَعَلَّ مُرادَ جابِرٍ بِقَوْلِهِ في البَقَرَةِ وهَلْ هي إلّا مِنَ البُدْنِ أنَّ حُكْمَها حُكْمُها وإلّا فَيَبْعُدُ جَهْلُ السّائِلِ بِالمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ لِيَرُدَّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: إنَّ مُرادَهُ بِالبُدْنِ فِيهِ البُدْنُ الشَّرْعِيَّةُ، ولَعَلَّهُ إذا قِيلَ بِاشْتِراكِها بَيْنَ ما يَكُونُ مِنَ النَّوْعَيْنِ يَحْكُمُ العُرْفُ أوْ نَحْوُهُ في التَّعْيِينِ فِيما إذا نَذَرَ الشَّخْصُ بَدَنَةً ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ يَعْقُوبَ الرِّياحِيِّ عَنْ أبِيهِ قالَ: أوْصى إلَيَّ رَجُلٌ وأوْصى بِبَدَنَةٍ فَأتَيْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ رَجُلًا أوْصى إلَيَّ وأوْصى بِبَدَنَةٍ فَهَلْ تُجْزِي عَنِّي بَقَرَةٌ ؟

قالَ: نَعَمْ ثُمَّ قالَ: مِمَّنْ صاحِبُكُمْ؟

فَقُلْتُ: مِن رِياحٍ قالَ: ومَتى اقْتَنى بَنُو رِياحٍ البَقَرَ إلى الإبِلِ وهِمَ صاحِبُكم إنَّما البَقَرُ لِأسَدٍ وعَبْدِ القَيْسِ فَتَدَبَّرْ.

وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وشَيْبَةُ وعِيسى «البُدُنَ» بِضَمِّ الباءِ والدّالِ، وقِيلَ وهو الأصْلُ كَخُشُبٍ وخَشَبَةٍ وإسْكانُ الدّالِ تَخْفِيفٌ مِنهُ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ نافِعٍ وأبِي جَعْفَرٍ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا بِضَمِّ الباءِ والدّالِ وتَشْدِيدِ النُّونِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمًا مُفْرَدًا بُنِيَ عَلى فِعْلٍ كَعُتُلٍّ واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ التَّشْدِيدُ مِنَ التَّضْعِيفِ الجائِزِ في الوَقْفِ وأُجْرِيَ الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ، والجُمْهُورُ عَلى نَصْبِ ( البُدْنَ ) عَلى الِاشْتِغالِ أيْ وجَعَلْنا البُدْنَ جَعَلْناها، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكُمْ ﴾ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِالجَعْلِ، و ﴿ مِن شَعائِرِ اللَّهِ ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكم فِيها خَيْرٌ ﴾ أيْ نَفْعٌ في الدُّنْيا وأجْرٌ في الآخِرَةِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنِ السُّدِّيِّ الِاقْتِصارُ عَلى الأجْرِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها.

﴿ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها ﴾ بِأنْ تَقُولُوا عِنْدَ ذَبْحِها بِسْمِ اللَّهِ واللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُمَّ مِنكَ ولَكَ.

وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي البَحْرِ بِأنْ يَقُولَ عِنْدَ النَّحْرِ: اللَّهُ أكْبَرُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُمَّ مِنكَ وإلَيْكَ.

﴿ صَوافَّ ﴾ أيْ قائِماتٍ قَدْ صَفَفْنَ أيْدِيَهُنَّ وأرْجُلَهُنَّ فَهو جَمْعُ صافَّةٍ ومَفْعُولُهُ مُقَدَّرٌ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ مَسْعُودٍ والباقِرُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعَطاءٌ والكَلْبِيُّ والأعْمَشُ بِخِلافٍ عَنْهُ «صَوافِنَ» بِالنُّونِ جَمْعُ صافِنَةٍ وهو إمّا مِن صَفَنَ الرَّجُلُ إذا صَفَّ قَدَمَيْهِ فَيَكُونُ بِمَعْنى صَوافَّ أوْ مِن صَفَنَ الفَرَسُ إذا قامَ عَلى ثَلاثٍ وطَرَفِ سُنْبُكِ الرّابِعَةِ لِأنَّ البَدَنَةَ عِنْدَ الذَّبْحِ تُعْقَلُ إحْدى يَدَيْها فَتَقُومُ عَلى ثَلاثٍ، وعَقْلُها عِنْدَ النَّحْرِ سُنَّةٌ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ رَأى رَجُلًا قَدْ أناخَ بَدَنَتَهُ وهو يَنْحَرُها فَقالَ: ابْعَثْها قِيامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةَ مُحَمَّدٍ  .

والأكْثَرُونَ عَلى عَقْلِ اليَدِ اليُسْرى، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ سابِطٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ  وأصْحابَهُ كانُوا يَعْقِلُونَ يَدَ البَدَنَةِ اليُسْرى ويَنْحَرُونَها قائِمَةً عَلى ما بَقِيَ مِن قَوائِمِها» .

وأخْرَجَ عَنِ الحَسَنِ قِيلَ لَهُ: كَيْفَ تُنْحَرُ البَدَنَةُ؟

قالَ: تُعْقَلُ يَدُها اليُسْرى إذا أُرِيدَ نَحْرُها، وذَهَبَ بَعْضٌ إلى عَقْلِ اليُمْنى فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ يَنْحَرُها وهي مَعْقُولَةٌ يَدُها اليُمْنى، وقِيلَ لا فَرْقَ بَيْنَ عَقْلِ اليُسْرى وعَقْلِ اليُمْنى، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ أيْضًا عَنْ عَطاءٍ قالَ: اعْقِلْ أيَّ اليَدَيْنِ شِئْتَ.

وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿ صَوافَّ ﴾ بِقائِماتٍ مَعْقُولَةً إحْدى أيْدِيهِنَّ فَلا فَرْقَ في المُرادِ بَيْنَ صَوافَّ وصَوافِنَ عَلى هَذا أصْلًا، لَكِنْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الصَّوافَّ عَلى أرْبَعٍ والصَّوافِنَ عَلى ثَلاثٍ.

وقَرَأ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وشَقِيقٌ وسُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ والأعْرَجُ «صَوافِيَ» بِالياءِ جَمْعُ صافِيَةٍ أيْ خَوالِصُ لِوَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا يُشْرَكُ فِيها شَيْءٌ كَما كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تُشْرِكُ، ونَوَّنَ الياءَ عُمَرُ وابْنُ عُبَيْدٍ وهو خِلافُ الظّاهِرِ لِأنَّ «صَوافِيَ» مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ، وخُرِّجَ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ وُقِفَ عَلَيْهِ بِألِفِ الإطْلاقِ لِأنَّهُ مَنصُوبٌ ثُمَّ نُوِّنَ تَنْوِينَ التَّرَنُّمِ لا تَنْوِينَ الصَّرْفِ بَدَلًا مِنَ الألِفِ، وثانِيهِما أنَّهُ عَلى لُغَةِ مَن يَصْرِفُ ما لا يُصْرَفُ لا سِيَّما الجَمْعَ المُتَناهِيَ ولِذا قالَ بَعْضُهم: والصَّرْفُ في الجَمْعِ أتى كَثِيرا حَتّى ادَّعى قَوْمٌ بِهِ التَّخْيِيرا وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا «صَوافٌ» بِالتَّنْوِينِ والتَّخْفِيفِ عَلى لُغَةِ مَن يَنْصِبُ المَنقُوصَ بِحَرَكَةٍ مُقَدَّرَةٍ ثُمَّ يَحْذِفُ الياءَ فَأصْلُ ﴿ صَوافَّ ﴾ صَوافِيَ حُذِفَتِ الياءُ لِثِقَلِ الجَمْعِ واكْتُفِيَ بِالكَسْرَةِ الَّتِي قَبْلَها ثُمَّ عُوِّضَ عَنْها بِالتَّنْوِينِ ونَحْوِهِ.

ولَوْ أنَّ واشٍ بِاليَمامَةِ دارُهُ ∗∗∗ ودارِي بِأعْلى حَضْرَمَوْتَ اهْتَدى لِيا وقَدْ تَبْقى الياءُ ساكِنَةً كَما في قَوْلِهِ: يا بارِي القَوْسِ بَرْيًا لَسْتَ تُحْسِنُها ∗∗∗ لا تُفْسِدَنَّها وأعْطِ القَوْسَ بارِيَها وعَلى ذَلِكَ قِراءَةُ بَعْضِهِمْ «صَوافِي» بِإثْباتِ الياءِ ساكِنَةً بِناءً عَلى أنَّهُ كَما في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( عَلَيْها ) ولَوْ جُعِلَ كَما قِيلَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ لَمْ يُحْتَجْ إلى التَّخْرِيجِ عَلى لُغَةٍ شاذَّةٍ ﴿ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها ﴾ أيْ سَقَطَتْ عَلى الأرْضِ وهو كِنايَةٌ عَنِ المَوْتِ.

وظاهِرُ ذَلِكَ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآثارِ يَقْتَضِي أنَّها تُذْبَحُ وهي قائِمَةٌ، وأُيِّدَ بِهِ كَوْنُ البُدْنِ مِنَ الإبِلِ دُونَ البَقَرِ لِأنَّهُ لَمْ تَجْرِ عادَةٌ بِذَبْحِها قائِمَةً وإنَّما تُذْبَحُ مُضْطَجِعَةً وقَلَّما شُوهِدَ نَحْرُ الإبِلِ وهي مُضْطَجِعَةٌ ﴿ فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ ﴾ أيِ الرّاضِيَ بِما عِنْدَهُ وبِما يُعْطى مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ ولا تَعَرُّضٍ لَها، وعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُ لَبِيدٍ: فَمِنهم سَعِيدٌ آخِذٌ بِنَصِيبِهِ ∗∗∗ ومِنهم شَقِيٌّ بِالمَعِيشَةِ قانِعُ ﴿ والمُعْتَرَّ ﴾ أيِ المُعْتَرِضَ لِلسُّؤالِ مِنَ اعْتَرَّهُ إذا تَعَرَّضَ لَهُ، وتَفْسِيرُهُما بِذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ومُجاهِدٌ وإبْراهِيمُ والحَسَنُ والكَلْبِيُّ: ﴿ القانِعَ ﴾ السّائِلَ كَما في قَوْلِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: وما خُنْتُ ذا عَهْدٍ وأيَّتُ بِعَهْدِهِ ∗∗∗ ولَمْ أحْرِمِ المُضْطَرَّ إذْ جاءَ قانِعا ﴿ والمُعْتَرَّ ﴾ المُعْتَرِضَ مِن غَيْرِ سُؤالٍ، فالقانِعُ قِيلَ عَلى الأوَّلِ مِن قَنِعَ يَقْنَعُ كَتَعِبَ يَتْعَبُ قَنَعًا إذا رَضِيَ بِما عِنْدَهُ مِن غَيْرِ سُؤالٍ، وعَلى الثّانِي مِن قَنَعَ يَقْنَعُ كَسَألَ يَسْألُ لَفْظًا ومَعْنى قُنُوعًا.

وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُ الشّاعِرِ: العَبْدُ حُرٌّ إنْ قَنَعَ ∗∗∗ والحُرُّ عَبْدٌ إنْ قَنَعَ فاقْنَعْ ولا تَطْمَعْ فَما ∗∗∗ شَيْءٌ يَشِينُ سِوى الطَّمَعِ فَلا يَكُونُ ﴿ القانِعَ ﴾ عَلى هَذا مِنَ الأضْدادِ لِاخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، ونَصَّ عَلى ذَلِكَ الخَفاجِيُّ حاكِمًا بِتَوَهُّمِ مَن يَقُولُ بِخِلافِهِ.

وفي الصِّحاحِ نُقِلَ القَوْلُ بِأنَّهُ مِنَ الأضْدادِ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِشَيْءٍ، ونُقِلَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ السّائِلُ سُمِّيَ قانِعًا لِأنَّهُ يَرْضى بِما يُعْطى قَلَّ أوْ كَثُرَ ويَقْبَلُهُ ولا يَرُدُّ فَيَكُونُ مَعْنى الكَلِمَتَيْنِ راجِعًا إلى الرِّضى، وإلى كَوْنِ قَنِعَ بِالكَسْرِ بِمَعْنى رَضِيَ وقَنَعَ بِالفَتْحِ بِمَعْنى سَألَ ذَهَبَ الرّاغِبُ وجَعَلَ مَصْدَرَ الأوَّلِ قَناعَةً وقَنَعانًا ومَصْدَرَ الثّانِي قُنُوعًا.

ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ أصْلَ ذَلِكَ مِنَ القِناعِ وهو ما يُغَطّى بِهِ الرَّأْسُ فَقَنِعَ بِالكَسْرِ لَبِسَ القِناعَ ساتِرًا لِفَقْرِهِ كَقَوْلِهِمْ: خَفِيَ إذا لَبِسَ الخَفاءَ وقَنَعَ إذا رَفَعَ قِناعَهُ كاشِفًا لِفَقْرِهِ بِالسُّؤالِ نَحْوَ خَفِيَ إذا رَفَعَ الخَفاءَ، وأُيِّدَ كَوْنُ القانِعِ بِمَعْنى الرّاضِي بِقِراءَةِ أبِي رَجاءٍ «القَنِعَ» بِوَزْنِ الحَذِرِ بِناءً عَلى أنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِمَعْنى السّائِلِ بِخِلافِ القانِعِ فَإنَّهُ ورَدَ بِالمَعْنَيَيْنِ والأصْلُ تَوافُقُ القِراءاتِ، وعَنْ مُجاهِدٍ «القانِعُ» الجارُ وإنْ كانَ غَنِيًّا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْهُ وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ القانِعَ أهْلُ مَكَّةَ والمُعْتَرَّ سائِرُ النّاسِ، وقِيلَ: المُعْتَرُّ الصَّدِيقُ الزّائِرُ، والَّذِي أخْتارُهُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أوَّلُها.

وقَرَأ الحَسَنُ «والمُعْتَرِيَ» اسْمُ فاعِلٍ مِنَ اعْتَرى وهو واعْتَرَّ بِمَعْنى.

وقَرَأ عَمْرٌ و وإسْماعِيلُ كَما نَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ «المُعْتَرِ» بِكَسْرِ الرّاءِ بِدُونِ ياءٍ، ورَوى ذَلِكَ المُقْرِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجاءَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أبِي رَجاءٍ وحُذِفَتِ الياءُ تَخْفِيفًا مِنهُ واسْتِغْناءً بِالكَسْرَةِ عَنْها.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الهَدْيَ يُقَسَّمُ أثْلاثًا ثُلُثٌ لِصاحِبِهِ وثُلُثٌ لِلْقانِعِ وثُلُثٌ لِلْمُعْتَرِّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِقِسْمَتِهِ أثْلاثًا أيْضًا إلّا أنَّهُ قالَ: أطْعِمُ القانِعَ والمُعْتَرَّ ثُلُثًا والبائِسَ الفَقِيرَ ثُلُثًا وأهْلِيَ ثُلُثًا وفي القَلْبِ مِن صِحَّتِهِ شَيْءٌ.

وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: لَيْسَ لِصاحِبِ الهَدْيِ مِنهُ إلّا الرُّبُعُ وكَأنَّهُ عَدَّ القانِعَ والمُعْتَرَّ والبائِسَ الفَقِيرَ ثَلاثَةً وهو كَما تَرى، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كُلُّهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحْسانِ لا الفَرْضِ، وكَأنَّهُ أرادَ بِالِاسْتِحْسانِ النَّدْبَ فَيَكُونُ قَدْ حَمَلَ كِلا الأمْرَيْنِ في الآيَةِ عَلى النَّدْبِ.

وفِي التَّيْسِيرِ أمْرُ (كُلُوا ) لِلْإباحَةِ ولَوْ لَمْ يَأْكُلْ جازَ وأمْرُ ( أطْعِمُوا ) لِلنَّدْبِ ولَوْ صَرَفَهُ كُلَّهُ لِنَفْسِهِ لَمْ يَضْمَن شَيْئًا، وهَذا في كُلِّ هَدْيٍ نُسُكٍ لَيْسَ بِكَفّارَةٍ وكَذا الأُضْحِيَّةُ، وأمّا الكَفّارَةُ فَعَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِها فَما أكَلَهُ أوْ أهْداهُ لِغَنِيٍّ ضَمِنَهُ.

وفي الهِدايَةِ يُسْتَحِبُّ لَهُ أنْ يَأْكُلَ مِن هَدْيِ التَّطَوُّعِ والمُتْعَةِ والقِرانِ وكَذا يُسْتَحَبُّ أنْ يَتَصَدَّقَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي عَرَفَ في الضَّحايا وهو قَوْلٌ بِنَحْوِ ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ في كِلا الأمْرَيْنِ وأباحَ مالِكٌ الأكْلَ مِنَ الهَدْيِ الواجِبِ إلّا جَزاءَ الصَّيْدِ والأذى والنَّذْرِ، وأباحَهُ أحْمَدُ إلّا مِن جَزاءِ الصَّيْدِ والنَّذْرِ، وعِنْدَ الحَسَنِ الأكْلُ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ مُباحٌ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في كُتُبِ الفِقْهِ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّسْخِيرِ البَدِيعِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ صَوافَّ ﴾ ﴿ سَخَّرْناها لَكُمْ ﴾ مَعَ كَمالِ عِظَمِها ونِهايَةِ قُوَّتِها فَلا تَسْتَعْصِي عَلَيْكم حَتّى إنَّكم تَأْخُذُونَها مُنْقادَةً فَتَعْقِلُونَها وتَحْبِسُونَها صافَّةً قَوائِمَها ثُمَّ تَطْعَنُونَ في لَبّاتِها ولَوْلا تَسْخِيرُ اللَّهِ تَعالى لَمْ تُطَقْ ولَمْ تَكُنْ بِأعْجَزَ مِن بَعْضِ الوُحُوشِ الَّتِي هي أصْغَرُ مِنها جِرْمًا وأقَلُّ قُوَّةً وكَفى ما يَتَأبَّدُ مِنَ الإبِلِ شاهِدًا وعِبْرَةً.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَما أمَرْناكم فِيها بِهَذا كُلِّهِ سَخَّرْناها لَكم ولا يَخْفى بُعْدُهُ ﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ أيْ لِتَشْكُرُوا إنْعامَنا عَلَيْكم بِالتَّقَرُّبِ والإخْلاصِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ قرأ بعضهم: وَالْبُدْنَ بضم الدال وقراءة العامة بسكون الدال والمعنى واحد.

مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، يعني: جعلنا البدن من مناسك الحج.

لَكُمْ فِيها خَيْرٌ، أي: في نحرها أجر في الآخرة ومنفعة في الدنيا.

فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ، يعني: قائمة قد صفت قوائمها.

والآية تدل على أن الإبل تنحر قائمة.

وروي عن عبد الله بن عمر: «أنه أمر برجل قد أناخ بعيره لينحره، فقال له: «انحره قائماً، فإنه سنّة أبي القاسم  » ، وروي عن ابن مسعود، وابن عباس أنهما كانا يقرآن فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صوافن، والصوافن: التي تقوم على ثلاثة قوائم، إذا أرادوا نحره، تعقل إحدى يديه فهو الصافن، وجماعته صوافن.

وقال مجاهد: من قرأ صوافن، قال: قائمة معقولة.

من قرأها صواف، قال يصف بين يديها.

وروي عن زيد بن أسلم أنه قرأ صوافي بالياء منتصبة، ويقال: خالصة من الشرك.

وروي عن الحسن مثله وقال: خالصة لله تعالى، وهكذا روى عنهما أبو عبيدة، وحكى القتبي عن الحسن أنه كان يقرأ صَوافَّ مثل قاض وغاز، أي خالصة لله تعالى، يعني: لا يشرك به في حال التسمية على نحرها.

ثم قال: فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها، يعني: إذا ضربت بجنبها على الأرض بعد نحرها، يقال: وجب الحائط إذا سقط، ووجب القلب إذا تحرك من الفزع.

ويقال: وجب البيع إذا تمّ.

فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ، فالقانع: الراضي الذي يقنع بما أعطي، وهو السائل.

وَالْمُعْتَرَّ الذي يتعرض للمسألة ولا يتكلم، ويقال: الْقانِعَ المُتَعَفِّفُ الَّذِي لا يَسْألُ ويقنع بما أرسلت إليه وَالْمُعْتَرَّ: السائل الذي يعتريك للسؤال.

وقال الزهري: «السنة أن يأكل الرجل من لحم أضحيته قبل أن يتصدق» ، وروي عن عطاء، عن النبيّ  أنه قال: «لِيَأْكُلْ أَحَدُكُمْ مِنْ لَحْمِ أُضْحِيَتِه» .

وروى منصور، عن إبراهيم قال: كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم، فرخص للمسلمين بقوله: فَكُلُوا مِنْها فَمَن شَاء أَكَلَ وَمَن شَاء لَمْ يَأْكُلُ.

قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: والأفضل أن يتصدق بثلثه على المساكين، ويعطي ثلثه للجيران والقرابة، أغنياء كانوا أو فقراء، ويمسك ثلثه لنفسه.

وروي عن ابن مسعود نحو هذا.

وروي عن ابن عباس: «أن نافع بن الأزرق سأله عن الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ، فقال: القانع الذي يقنع بما أعطي، والمعتر الذي يعتري بالأبواب وقال: أما سمعت قول زهير: عَلَى مُكْثريهمُ حَقُّ مَنِ يَعتَرِيهِم ...

وَعِنْدَ المُقِلِّينَ السَّمَاحَةُ وَالبَذْلُ وقال مجاهد: القانع جارك وإن كان غنياً.

ثم قال: كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ، أي ذللناها لكم وهي البدن.

لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، يعني: لكي تشكروا ربكم على هذه النعمة.

قوله عز وجل: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها، وذلك أن أهل الجاهلية، كانوا إذا نحروا البدن عند زمزم، أخذوا دماءها، ولطخوا بها حول الكعبة، وعلقوا لحومها بالبيت، وقالوا: اللهم تقبل منا.

فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك، فنزل: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها، يعني: لن يصل إلى الله عز وجل لحومها ولا دماؤها.

وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ، أي يصل إليه التقوى من أعمالكم الزاكية والنية الخالصة.

قرأ الحضرمي: لن تنال الله بالتاء، لأن لفظ اللحوم مؤنثة، ولكن تناله بالتاء، لأن لفظ التقوى مؤنث، وقراءة العامة بالياء، وانصرف إلى المعنى، لأن الفعل مقدم.

ثم قال: كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ، يعني: ذلَّلها لكُم، لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ يقول: لتعظموا الله عَزَّ وَجَلَّ عَلى مَا هَداكُمْ، يعني: أرشدكم لأمر دينه.

وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ بالجنة، فمن فعل ما ذكر في هذه الآيات، فهو محسن.

ويقال: المحسن الذي يحسن الذبيحة فيختار بغير عيب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ت وأظهرُ هذه التأويلات عندي تأويلُ عطاءٍ، وفي الثالث بعضُ تكلُّفٍ، ثم أخبر تعالى أنه جعل لكل أُمة من الأُمم المؤمنة منسكاً، أي: موضعَ نُسُكٍ وعبادة، هذا على أَنَّ المنسك ظرف، ويحتملُ أَنْ يريد به المصدر كأنه قال: عبادة، والناسِكِ العابد.

وقال مجاهد «١» : سُنَّةً في هراقة دماء الذبائح.

وقوله: لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ معناه أمرناهم عند ذبائحهم بذكر الله، وأن يكون الذبح له لأَنَّهُ رازق ذلك، وقوله: فَلَهُ أَسْلِمُوا أي: آمنوا، ويحتمل أَنْ يريد استسلموا، ثم أمر سبحانه نبيّه صلى الله عليه وسلّم أَنْ يُبَشِّرَ بشارةً على الإطلاق، وهي أبلغ من المفسرة لأنها مُرْسَلَةٌ مع نهاية التخيل للمخبتين المتواضعين الخاشعين المؤمنين، والخبت ما انخفض من الأَرض، والمُخْبِتُ المتواضع الذي مَشْيُهُ متطامن كأنه في حدورٍ من الأرض، وقال عمرو بن أوس «٢» : المخبتون الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا.

قال ع «٣» : وهذا مثال شريف من خلق المؤمن الهيّن الليّن، وقال مجاهد: هم المطمئنون بأمر اللهِ تعالى، ووصفهم سبحانه بالخوفِ والوَجَلِ عند ذكر الله تعالى، وذلك لِقُوَّةِ يقينهم ومراقبتهم لربهم، وكأنهم بين يديه جلَّ وعلا، ووَصَفَهُم بالصبر وبإقامة الصلاة وإدامتها، ورُوِيَ: أَنَّ هذه الآية قوله: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ نزلت في أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ (رضي الله عنهم أجمعين) .

وقوله سبحانه: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ البُدْنُ: جمع بدنة، وهي ما أشعر من ناقة أو بقرة قاله عطاء وغيره «٤» ، وسمّيت بذلك لأنها تبدن، أي:

تسمن.

وقيل: بل هذا الاسم خاصٌّ بالإبل، والخير هنا قيل فيه ما قيل في المنافع التي تَقدَّم ذكرُها، والصوابُ عُمُومُه في خير الدنيا والآخرة.

وقوله: عَلَيْها يريد عند نَحْرِها، وصَوافَّ، أي: مُصْطَفَّةً، وقرأ ابن مسعود «١» ، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم: «صَوَافِنَ» جمع صَافِنَة، وهي التي رُفِعَتْ إحدى يديها بالعقل لئَلاَّ تضطرب، ومنه في الخيل الصَّافِناتُ الْجِيادُ [ص: ٣١] ، و «وجبت» معناه: سقطت.

٢٦ أوقوله: فَكُلُوا مِنْها: / نَدْبٌ، وكل العلماء يستحب أن يأكل الإِنسان من هديه، وفيه أَجْرٌ وامتثالٌ إذْ كان أهل الجاهليَّةِ لا يأكلون من هديهم، وتحرير القول في الْقانِعَ: أنَّهُ السائل والْمُعْتَرَّ المُتَعَرِّضُ من غير سؤال قاله الحسن ومجاهد وغيرهما «٢» ، وعكست فرقة هذا القول، فحكى الطبريُّ «٣» عن ابن عباس أنَّهُ قال: القَانِعُ:

المُسْتَغني «٤» بما أعطيته، والمعترُّ: هو المتعرض «٥» ، وحكي عنه أَنَّهُ قال: القَانِعُ:

المُتَعَفِّفُ، والمُعترُّ: السائل «٦» .

قال ع «٧» : يُقَالُ: قَنَعَ الرجلُ- بفتح النون- يَقْنَعُ قُنُوعاً فهو قَانِعٌ إذا سأل فالقانع: هو السائل بفتح النون في الماضي، وقَنِعَ- بكسر النون- يَقْنَعُ قَنَاعَةً فهو قَنِعٌ إذا تَعَفَّفَ واستغنى ببلغته قاله الخليل بن أحمد.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والبُدْنَ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ يَعْمُرُ بِرَفْعِ الدّالِ.

قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: بُدْنٌ وبُدُنٌ، والتَّخْفِيفُ أجْوَدُ وأكْثَرُ؛ لِأنَّ كُلَّ جَمْعٍ كانَ واحِدُهُ عَلى ( فَعَلَةٍ )، ثُمَّ ضُمَّ أوَّلُ جَمْعِهِ خُفِّفَ، مِثْلُ: أكَمَةٍ وأُكْمٍ، وأجَمَةٍ وأُجْمٍ، وخَشَبَةٍ وخُشْبٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: " البُدْنَ " مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الَّذِي ظَهَرَ، والمَعْنى وجَعَلَنا البُدْنَ.

وإنْ شِئْتَ رَفَعْتَها عَلى الِاسْتِئْنافِ، والنَّصْبُ أحْسَنُ، ويُقالُ: بُدْنٌ وبُدُنٌ وبَدَنَةٌ، مِثْلُ قَوْلِكَ: ثُمْرٌ وثُمُرٌ وثَمَرَةٌ، وإنَّما سُمِّيَتْ بَدَنَةً لِأنَّها تَبْدُنُ؛ أيْ: تَسْمَنُ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في البُدْنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الإبِلُ والبَقَرُ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّانِي: الإبِلُ خاصَّةً، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ: الأوَّلُ قَوْلُ أكْثَرِ فُقَهاءِ الأمْصارِ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: البَدَنَةُ: اسْمٌ يَخْتَصُّ الإبِلَ في اللُّغَةِ، والبَقَرَةُ تَقُومُ مَقامَها في الحُكْمِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ  جَعَلَ البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ والبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ ﴾ ؛ أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها عِبادَةً لِلَّهِ، مِن سَوْقِها إلى البَيْتِ، وتَقْلِيدِها، وإشْعارِها، ونَحْرِها، والإطْعامِ مِنها.

﴿ لَكم فِيها خَيْرٌ ﴾ وهو النَّفْعُ في الدُّنْيا والأجْرُ في الآخِرَةِ، ﴿ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها ﴾ ؛ أيْ: عَلى نَحْرِها، ﴿ صَوافَّ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: ( صَوافِنَ ) بِالنُّونِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( صَوافِي ) بِالياءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: " صَوّافَّ " مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ، ولَكِنَّها لا تُنَوَّنُ لِأنَّها لا تَنْصَرِفُ؛ أيْ: قَدْ صُفَّتْ قَوائِمُها، والمَعْنى: اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها في حالِ نَحْرِها، والبَعِيرُ يُنْحَرُ قائِمًا، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.

ومَن قَرَأ: ( صَوافِنَ ) فالصّافِنُ: الَّتِي تَقُومُ عَلى ثَلاثٍ، والبَعِيرُ إذا أرادُوا نَحْرَهُ تُعْقَلُ إحْدى يَدَيْهِ، فَهو الصّافِنُ، والجَمِيعُ صَوافِنُ.

هَذا ومَن قَرَأ: ( صَوافِي ) بِالياءِ وبِالفَتْحِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَتَفْسِيرُهُ: خَوالِصُ؛ أيْ: خالِصَةً لِلَّهِ لا تُشْرِكُوا بِهِ في التَّسْمِيَةِ عَلى نَحْرِها أحَدًا.

﴿ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها ﴾ ؛ أيْ: إذا سَقَطَتْ إلى الأرْضِ، يُقالُ: وجَبَ الحائِطُ وجْبَةً: إذا سَقَطَ، ووَجَبَ القَلْبُ وجَيْبًا: إذا تَحَرَّكَ مِن فَزَعٍ.

واعْلَمْ أنَّ نَحْرَها قِيامًا سُنَّةٌ، والمُرادُ بِوُقُوعِها عَلى جَنُوبِها: مَوْتُها، والأمْرُ بِالأكْلِ مِنها أمْرُ إباحَةٍ، وهَذا في الأضاحِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ: ( والمُعْتَرِ ) بِكَسْرِ الرّاءِ خَفِيفَةً.

وفِيهِما سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ القانِعَ: الَّذِي يَسْألُ، والمُعْتَرَّ: الَّذِي يَتَعَرَّضُ ولا يَسْألُ، رَواهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّ القانِعَ: المُتَعَفِّفُ، والمُعْتَزُّ: السّائِلُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ، وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّ القانِعَ: المُسْتَغْنِي بِما أعْطَيْتَهُ وهو في بَيْتِهِ، والمُعْتَرَّ: الَّذِي يَتَعَرَّضُ لَكَ ويُلِمُّ بِكَ ولا يَسْألُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: القانِعُ: جارُكَ الَّذِي يَقْنَعُ بِما أعْطَيْتَهُ، والمُعْتَرُّ: الَّذِي يَتَعَرَّضُ ولا يَسْألُ، وهَذا مَذْهَبُ القُرَظِيِّ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى القانِعِ: أنْ يَقْنَعَ بِما أُعْطِي.

ومَن قالَ: هو المُتَعَفِّفُ، قالَ: هو القانِعُ بِما عِنْدَهُ.

والرّابِعُ: القانِعُ: أهْلُ مَكَّةَ، والمُعْتَرُّ: الَّذِي يَعْتَرُّ بِهِمْ مِن غَيْرِ أهْلِ مَكَّةَ، رَواهُ خَصِيفٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

والخامِسُ: القانِعُ: الجارُ وإنْ كانَ غَنِيًّا، والمُعْتَرُّ: الَّذِي يَعْتَرُّ بِكَ، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

والسّادِسُ: القانِعُ: المِسْكِينُ السّائِلُ، والمُعْتَرُّ: الصَّدِيقُ الزّائِرُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: قَنَعَ يَقْنَعُ قُنُوعًا: إذا سَألَ، وقَنِعَ يَقْنَعُ قَناعَةً: إذا رَضِيَ، ويُقالُ في المُعْتَرِّ: اعْتَرَنِي واعْتَرانِي وعَرّانِي.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَذْهَبُ أهْلِ اللُّغَةِ: أنَّ القانِعَ: السّائِلُ، يُقالُ: قَنَعَ يَقْنَعُ قُنُوعًا: إذا سَألَ، فَهو قانِعٌ، قالَ الشَّمّاخُ: لَمالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي مَفاقِرَهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ أيْ: مِنَ السُّؤالِ، ويُقالُ: قَنِعَ قَناعَةً: إذا رَضِيَ، فَهو قَنِعٌ، والمُعْتَرُّ والمُعْتَرِي واحِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: مِثْلَ ما وصَفْنا مِن نَحْرِها قائِمَةً، ﴿ سَخَّرْناها لَكُمْ ﴾ نِعْمَةً مِنّا عَلَيْكم لِتَتَمَكَّنُوا مِن نَحْرِها عَلى الوَجْهِ المَسْنُونِ، ﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ؛ أيْ: لِكَيْ تَشْكُرُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ﴾ وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ: ( لَنْ تَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ) بِالتّاءِ، ( ولَكِنْ تَنالُهُ التَّقْوى ) بِالتّاءِ أيْضًا.

سَبَبُ نُزُولِها أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا إذا ذَبَحُوا اسْتَقْبَلُوا الكَعْبَةَ بِالدِّماءِ يَنْضَحُونَ بِها نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَأرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: لَنْ تُرْفَعَ إلى اللَّهِ لُحُومُها ولا دِماؤُها، وإنَّما يُرْفَعُ إلَيْهِ التَّقْوى، وهو ما أُرِيدَ بِهِ وجْهُهُ مِنكم.

فَمَن قَرَأ: ( تَنالُهُ التَّقْوى ) بِالتّاءِ، فَإنَّهُ أنَّثَ لِلَفْظِ التَّقْوى.

ومَن قَرَأ: ( يَنالُهُ ) بِالياءِ؛ فَلِأنَّ التَّقْوى والتُّقى واحِدٌ.

والإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّهُ لا يَقْبَلُ اللُّحُومَ والدِّماءَ، إذا لَمْ تَكُنْ صادِرَةً عَنْ تَقْوى اللَّهِ، وإنَّما يَتَقَبَّلُ ما يَتَّقُونَهُ بِهِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى امْتِناعِ قَبُولِ الأعْمالِ إذا عَرِيَتْ عَنْ نِيَّةٍ صَحِيحَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ سَخَّرَها ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [ الحَجّ: ٣٧ ] .

﴿ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ ﴾ ؛ أيْ: عَلى ما بَيَّنَ لَكم وأرْشَدَكم إلى مَعالِمِ دِينِهِ ومَناسِكِ حَجِّهِ، وذَلِكَ أنْ يَقُولَ: اللَّهُ أكْبَرُ عَلى ما هَدانا، ﴿ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: المُوَحِّدِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللهِ لَكم فِيها خَيْرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَقْوى مِنكم كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكم لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكم وبَشِّرِ المُحْسِنِينَ ﴾ "البُدْنُ": جَمْعُ بَدَنَةٍ، وهي ما أُشْعِرَ مِن ناقَةٍ أو بَقَرَةٍ، قالَهُ عَطاءٌ وغَيْرُهُ، وسَمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَبْدَنُ، أيْ تَسْمَنُ، وقِيلَ: بَلْ هَذا الِاسْمُ خاصٌّ بِالإبِلِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "البُدْنَ": جَمْعُ بَدَنٍ -بِفَتْحِ الباءِ والدالِ- ثُمُ اخْتَلَفَتْ، فَقالَ بَعْضُها: البُدْنَ مُفْرِدٌ اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ العَظِيمُ السَمِينُ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ، ويُقالُ لِلسَّمِينِ مِنَ الرِجالِ: بَدُنَ، وقالَ بَعْضُها: البُدْنَ جَمْعُ بَدَنَةٍ كَثَمَرَةٍ وثُمْرٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "والبَدَنُ" ساكِنَةُ الدالِّ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةٍ، والحُسْنُ، وابْنُ أبِي إسْحَقٍ: "البُدُنُ" بِضَمِّ الدالِّ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ بَدَنَةٍ كَثُمُرٍ، وعَدَّدَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ نِعَمَهُ عَلى الناسِ في هَذِهِ البُدُنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "الشَعائِرِ".

و"الخَيْرُ" قِيلَ فِيهِ ما قِيلَ في "المَنافِعِ" الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، والصَوابُ عُمُومُهُ في خَيْرِ الدُنْيا والآخِرَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلَيْها" يُرِيدُ: عِنْدَ نَحْرِها.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "صَوافَّ" بِفَتْحِ الفاءِ وشَدِّها، جَمْعُ صافَّةٍ، أيْ: مُطِيعَةٌ في قِيامِها، وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمٍ، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيِّ، وشَقِيقٌ، وَسُلَيْمانَ التَيْمِيِّ، والأعْرَجُ: "صَوافِي" جَمْعُ صافِيَةٍ، أيْ: خالِصَةٌ لِوَجْهِ اللهِ تَعالى، لا شَرِكَةَ فِيها لِشَيْءٍ كَما كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تُشْرِكُ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: "صَوافٍ" بِكَسْرِ الفاءِ وتَنْوِينِها مُخَفِّفَةً، وهي بِمَعْنى الَّتِي قَبْلَها لَكِنْ حُذِفَتِ الياءُ تَخْفِيفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: "صَوافِنَ" بِالنُونِ جَمْعُ صافِنَةٍ، وهي الَّتِي قَدْ رَفَعَتْ إحْدى يَدَيْها بِالعَقْلِ لِئَلّا تَضْطَرِبُ، والصافِنُ مِنَ الخَيْلِ: الرافِعُ لِفَراهَتِهِ إحْدى يَدَيْهِ وقِيلَ إحْدى رِجْلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الصافِناتُ الجِيادُ  ﴾ ، وقالَ عَمْرُو بْنِ كُلْثُومٍ: تَرَكْنا الخَيْلَ عاكِفَةً عَلَيْهِ مُقَلَّدَةٌ أعِنَّتَها صُفُونا و"وَجَبَتْ" مَعْناهُ: سَقَطَتْ بَعْدَ نَحْرِها، ومِنهُ: وجَبَتِ الشَمْسُ، ومِنهُ قَوْلُ أوسِ بْنِ حَجَرٍ: ألَمْ تُكْسِفُ الشَمْسُ والبَدْرُ والـ ∗∗∗ ـكَواكِبُ لِلْجَبَلِ الواجِبِ وقَوْلُهُ تَعالى: "فَكُلُوا" نَدَبٌ، وكُلُّ العُلَماءِ يَسْتَحِبُّ أنْ يَأْكُلَ الإنْسانُ مِن هَدْيِهِ، وفِيهِ أجْرٌ وامْتِثالٌ إذْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يَأْكُلُونَ مِن هَدْيِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، والطَبَرِيُّ: هي إباحَةٌ.

و"القانِعُ": السائِلُ، يُقالُ: قَنِعَ الرَجُلُ يَقْنَعُ قَنُوعًا إذا سَألَ، بِفَتْحِ النُونِ في الماضِي، وقَنِعَ بِكَسْرِ النُونِ يَقْنَعُ قَناعَةً فَهو قَنِعٌ إذا تَعَفَّفَ واسْتَغْنى بِبُلْغَتِهِ، قالَهُ الخَلِيلُ، ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ الشَمّاخُ: لِمالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي ∗∗∗ مَفاقِرَهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ فَمُحَرِّرُوا القَوْلِ مِن أهْلِ العِلْمِ قالُوا: القانِعُ: السائِلُ.

و"المُعْتَرُّ": المُتْعَرِضُ مِن غَيْرِ سُؤالٍ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، والكَلْبِيُّ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وعَكَسَتْ فِرْقَةٌ هَذا القَوْلَ، حَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: القانِعُ: المُسْتَغْنِي بِما أعْطَيْتُهُ، والمُعْتَرُّ هو المُعْتَرِضُ، وحُكِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: القانِعَ: المُتَعَفِّفُ، والمُعْتَرُّ: السائِلُ، وحُكِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: القانِعُ: الجارُ وإنَّ كانَ غَنِيًّا، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ "القانِعَ"، فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ مَعْنى الآيَةِ: أطْعَمُوا المُتَعَفِّفَ الَّذِي لا يَأْتِي مُعْتَرِضًا، وذَهَبَ أبُو الفَتْحِ بْنُ جِنِّيٍّ إلى أنَّهُ أرادَ "القانِعَ" فَحَذَفَ الألِفَ تَخْفِيفًا.

وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ تَوْجِيهَها عَلى ما ذَكَرْتُهُ آنِفًا أحْسَنُ، وإنَّما يُلْجَأُ إلى هَذا إذا لَمْ تُوجَدُ مَندُوحَةً، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وعَمْرُو بْنِ عَبِيدٍ: "المُعْتَرِي"، والمَعْنى واحِدٌ، ويُرْوى عن أبِي رَجاءٍ "والمُعْتَرَّ" بِتَخْفِيفِ الراءِ، وقالَ الشاعِرُ: لَعَمْرُكَ ما المُعْتَرُّ يَغْشى بِلادَنا ∗∗∗ لِنَمْنَعَهُ بِالضائِعِ المُتَهَضِّمْ وذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى أنَّ الهَدْيَ أثْلاثٌ، وقالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عن أبِيهِ: أُطْعِمُ القانِعُ والمُعْتَرُّ ثُلْثًا، والبائِسُ الفَقِيرُ ثُلْثًا، وأهْلِي ثُلْثًا، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: لَيْسَ لِصاحِبِ الهَدْيِ مِنهُ إلّا الرُبْعَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحْسانِ لا عَلى الفَرْضِ، ثُمْ قالَ تَعالى: "كَذَلِكَ"، أيْ: كَما أمَرْتُكم فِيها بِهَذا كُلِّهِ سَخَّرْناها لَكُمْ، و"لَعَلَّكُمْ" تَرَجٍّ في حَقِّنا وبِالإضافَةِ إلى نَظَرِنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يَنالَ" عِبارَةُ مُبالَغَةٍ وتَوْكِيدٍ، وهي بِمَعْنى: لَنْ يَرْتَفِعَ عِنْدَهُ ويَتَحَصَّلَ سَبَبُ ثَوابٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنْ أهِلَ الجاهِلِيَّةَ كانُوا يُضَرِّجُونَ البَيْتَ بِالدِماءِ فَأرادَ المُؤْمِنُونَ فِعْلَ ذَلِكَ فَنَهى اللهُ تَعالى عن ذَلِكَ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والمَعْنى: ولَكِنْ يَنالُ الرِفْعَةَ عِنْدَهُ والتَحْصِيلَ حَسَنَةً لَدَيْهِ التَقْوى، أيِ الإخْلاصِ وعَمَلِ الطاعاتِ.

وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ، والأعْرَجُ، وابْنُ يَعْمَرِ، والزَهْرِيُّ: "لَنْ تَنالَ"، "وَلَكِنْ تَنالُهُ" بِتاءٍ فِيهِما.

والتَسْمِيَةُ والتَكْبِيرُ عَلى الهَدْيِ والأُضْحِيَّةِ هو أنْ يَقُولَ الذابِحُ: بِاسْمِ اللهِ واللهُ أكْبَرُ، ورُوِيَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ ﴾ نَزَلَتْ في الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهم حَسْبَما تَقَدَّمَ في الَّتِي قَبْلَها، فَأمّا ظاهِرُ اللَفْظِ فَيَقْتَضِي العُمُومَ في كُلِّ مُحْسِنٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ﴾ [الحج: 34] أي جعلنا منسكاً للقربان والهدايا، وجعلنا البدن التي تُهدى ويتقرب بها شعائرَ من شعائر الله.

والمعنى: أنّ الله أمر بقربان البُدْن في الحجّ من عهد إبراهيم عليه السلام وجعلها جزاء عما يترخص فيه من أعمال الحجّ.

وأمر بالتطوع بها فوعد عليها بالثواب الجزيل فنالت بذلك الجَعل الإلهي يُمناً وبركة وحرمة ألحقتها بشعائر الله، وامتن بذلك على الناس بما اقتضته كلمة ﴿ لكم ﴾ .

والبدن: جمع بَدنَة بالتحريك، وهي البعير العظيم البَدن.

وهو اسم مأخوذ من البَدانة، وهي عِظم الجثّة والسمن، وفعله ككرم ونصر، وليست زنة بدنة وصفاً ولكنها اسم مأخوذ من مادة الوصف، وجمعه بُدْن.

وقياس هذا الجمع أن يكون مضموم الدال مثل خُشُب جمع خشبة، وثُمرُ جمع ثَمرة، فتسكين الدال تخفيف شائع، وغلب اسم البدنة على البعير المعيّن للهدي.

وفي «الموطأ»: " عن أبي هُريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنة فقال: اركَبْها، فقال: إنها بدنة، فقال: اركَبْها، فقال: إنها بدنة، فقال: اركبْها ويلك في الثانية أو الثالثة " فقول الرجل: إنها بدنة، متعين لإرادة هديه للحجّ.

وتقديم ﴿ البُدن ﴾ على عامله للاهتمام بها تنويهاً بشأنها.

والاقتصار على البدن الخاصصِ بالإبل لأنها أفضل في الهَدي لكثرة لحمها، وقد ألحقت بها البقر والغنم بدليل السنّة، واسم ذلك هَدي.

ومعنى كونها من شعائر الله: أنّ الله جعلها معالم تؤذن بالحج وجعل لها حرمة.

وهذا وجه تسميتهم وضع العلامة التي يعلّم بها بعير الهَدْي في جلده إشعاراً.

قال مالك في «الموطأ»: «كان عبد الله بن عمر إذا أهدى هدْياً من المدينة قلّده وأشعره بذي الحليفة، يقلّده قبل أن يُشعره...

يقلده بنعلين ويشعره من الشق الأيسر...» بطعن في سنامه فالإشعار إعداد للنحر.

وقد عدها في جملة الحرمات في قوله: {لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي في سورة العقود (2).

وتقديم ﴿ لكم ﴾ على المبتدأ ليتأتى كون المبتدأ نكرة ليفيد تنوينه التعظيم، وتقديم ﴿ فيها ﴾ على متعلّقه وهو ﴿ خير ﴾ للاهتمام بما تجمعه وتحتوي عليه من الفوائد.

والخير: النّفع، وهو ما يحصل للناس من النفع في الدنيا من انتفاع الفقراء بلحومها وجلودها وجِلالها ونعالها وقَلائدها.

وما يحصل للمُهدين وأهلهم من الشبع من لحمها يوم النّحر، وخير الآخرة من ثواب المُهدين، وثواب الشكر من المعطَيْن لحومَها لربّهم الذي أغناهم بها.

وفرع على ذلك أن أمَرَ الناس بأن يذكروا اسم الله عليها حين نحرها.

وصوافّ: جمع صافّة.

يقال: صف إذا كان مع غيره صفّا بأن اتّصل به.

ولعلّهم كانوا يصفُّونها في المنحر يوم النّحر بمِنى، لأنه كان بمِنى موضع أُعدّ للنحر وهو المنحَر.

وقد ورد في حديث مسلم عن جابر بن عبدالله في حجّة الوداع قال فيه: «ثم انصرف رسول الله إلى المنحرَ فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثلاثاً وستين بَدنة جعل يطعنها بحَربة في يده ثم أعطى الحربة عليّاً فنحر ما غَبَر، أي ما بقي وكانت مائة بدنة» وهذا يقتضي أنها كانت مجتمعة متقاربة.

وانتصب ﴿ صوافّ ﴾ على الحال من الضمير المجرور في قوله ﴿ عليها ﴾ .

وفائدة هذه الحال ذكر محاسن من مَشاهد البُدن فإن إيقاف الناس بدنهم للنحر مجتمعة ومنتظمة غير متفرقة مما يزيد هيئتها جلالاً.

وقريب منه قوله تعالى: ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص ﴾ [الصف: 4].

ومعنى ﴿ وجبت ﴾ سقطت، أي إلى الأرض، وهو كناية عن زوال الروح التي بها الاستقلال.

والقصد من هذا التوقيت المبادرة بالانتفاع بها إسراعاً إلى الخير الحاصل من ذلك في الدنيا بإطعام الفقراء وأكل أصحابها منها فإنه يستحب أن يكون فطور الحاج يوم النحر مِن هديه، وكذلك الخير الحاصل من ثواب الآخرة.

والأمر في قوله ﴿ فكلوا منها ﴾ مجمل، يحتمل الوجوب ويحتمل الإباحة ويحتمل الندب، وقرينة عدم الوجوب ظاهرة لأنّ المكلف لا يفرض عليه ما الداعي إلى فعله من طبعه.

وإنما أراد الله إبطال ما كان عند أهل الجاهلية من تحريم أكل المُهدي من لحوم هديه فبقي النظر في أنه مباح بحت أو هو مندوب.

واختلف الفقهاء في الأكل من لحوم الهدايا الواجبة.

فقال مالك: يباح الأكل من لحوم الهدايا الواجبة، وهو عنده مستحبّ ولا يؤكل من فدية الأذى وجزاءِ الصيد ونذر المساكين، والحُجّة لمالك صريح الآية.

فإنها عامة إلا ما قام الدّليل على منعه وهي الثلاثة الأشياء المستثناة.

وقال أبو حنيفة: يأكل من هدي التمتّع والقِران، ولا يأكل من الواجب الذي عيّنه الحاج عند إحرامه.

وقال الشافعي: لا يأكل من لحوم الهدايا بحاللٍ مستنداً إلى القياس، وهو أن المُهدي أوجب إخراج الهدي من ماله فكيف يأكل منه.

كذا قال ابن العربي.

وإذا كان هذا قصارى كلام الشافعي فهو استدلال غير وجيه ولفظ القرآن ينافيه لا سيما وقد ثبت أكل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من لحوم الهدايا بأحاديث صحيحة.

وقال أحمد: يؤكل من الهدايا الواجبة إلاّ جزاء الصيد والنذر.

وأما الأمر في قوله: ﴿ وأطعموا القانع والمعتر ﴾ فقال الشافعي: للوجوب، وهو الأصح.

قال ابن العربي وهو صريح قول مالك.

وقلت: المعروف من قول مالك أنه لو اقتصر المُهدي على نحر هديه ولم يتصدق منه ما كان آثماً.

والقانع: المتصف بالقنوع، وهو التذلل.

يقال: قنَع من باب سَأل.

قُنوعاً بضم القاف إذا سأل بتذلّل.

وأما القناعة ففعلها من باب تَعِب ويستوي الفعل المضارع مع اختلاف الموجب.

ومن أحسن ما جمع من النظائر ما أنشده الخفاجي: العَبْد حرّ إن قَنِع *** والحر عبد إن قنَع فاقنَع ولا تقنَع فما *** شيء يشين سوى الطمَع وللزمخشري في «مقاماته»: «يا أبا القاسم اقنَع من القَناعة لا من القنوع، تستغْن عن كل مِعْطَاءٍ ومنوع».

وفي «الموطأ» في كتاب الصيد قال مالك: «والقانع هو الفقير».

والمعتَرّ: اسم فاعل من اعترّ، إذا تعرّض للعطاء، أي دون سؤال بل بالتعريض وهو أن يحضر موضع العطاء، يقال: اعترّ، إذا تعرّض.

وفي «الموطأ» في كتاب الصيد قال مالك: «وسمعت أنّ المعترّ هو الزائر، أي فتكون من عرا إذا زار» والمراد زيارة التعرض للعطاء.

وهذا التفسير أحسن ويرجحه أنه عطف ﴿ المعترّ ﴾ على ﴿ القانع، ﴾ فدل العطف على المغايرة، ولو كانا في معنى واحد لما عطف عليه كما لم يعطف في قوله ﴿ وأطعموا البائس الفقير ﴾ [الحج: 28].

وجملة ﴿ وكذلك سخرناها لكم ﴾ استئناف للامتنان بما خلق من المخلوقات لنفع الناس.

والأمارة الدالة على إرادته ذلك أنه سخّرها للناس مع ضعف الإنسان وقوّة تلك الأنعام فيأخذ الرجل الواحد العدد منها ويسوقها منقادة ويؤلمونها بالإشعار ثم بالطعن.

ولولا أنّ الله أودع في طباعها هذا الانقياد لما كانت أعجزَ من بعض الوحوش التي هي أضعف منها فتنفر من الإنسان ولا تسخّر له.

وقوله ﴿ كذلك ﴾ هو مثل نظائره، أي مثلَ ذلك التسخير العجيب الذي ترونه كان تسخيرها لكم.

ومعنى ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ خلقناها مسخرة لكم استجلاباً لأن تشكروا الله بإفراده بالعبادة.

وهذا تعريض بالمشركين إذا وضعوا الشكر موضع الشكر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ ﴾ في البُدْنِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الإبِلُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّها الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ، وهو قَوْلُ جابِرٍ، وعَطاءٍ.

والثّالِثُ: كُلُّ ذاتِ خُفٍّ وحافِرٍ مِنَ الإبِلِ، والبَقَرِ، والغَنَمِ، وهو شاذٌّ حَكاهُ ابْنُ الشَّجَرَةِ، وسُمِّيَتْ بُدْنًا لِأنَّها مُبَدَّنَةٌ في السِّمَنِ، وشَعائِرُ اللَّهِ تَعالى دِينُهُ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، وفُرُوضُهُ في الوَجْهِ الآخَرِ.

وَتَعَمَّقَ بَعْضُ أصْحابِ الخَواطِرِ فَتَأوَّلَ البُدْنَ أنْ تُطَهِّرَ بَدَنَكَ مِنَ البِدَعِ، والشَّعائِرُ أنْ تَسْتَشْعِرَ بِتَقْوى اللَّهِ وطاعَتِهِ، وهو بَعِيدٌ.

﴿ لَكم فِيها خَيْرٌ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أيْ أجْرٌ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: مَنفَعَةٌ فَإنِ احْتِيجَ إلى ظَهْرِها رُكِبَ، وإنْ حُلِبَ لَبَنُها شُرِبَ، وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ النَّخْعِيِّ.

﴿ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ ﴾ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ: صَوافِيَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَوافِنَ.

فَتَأوَّلَ صَوافَّ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُصْطَفَّةً، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.

والثّانِي: قائِمَةً لِتَصَفُّدِ يَدَيْها بِالقُيُودِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.

والثّالِثُ: مَعْقُولَةً، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

وَتَأْوِيلُ صَوافِيَ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ: أيْ خالِصَةً لِلَّهِ تَعالى، مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّفْوَةِ.

وَتَأْوِيلُ صَوافِنَ وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّها مَصْفُوفَةٌ، وهو أنْ تَعْقِلَ إحْدى يَدَيْها حَتّى تَقِفَ عَلى ثَلاثٍ، مَأْخُوذٌ مِن صَفَنَ الفَرَسَ إذا ثَنى إحْدى يَدَيْهِ حَتّى يَقِفَ عَلى ثَلاثٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الصّافِناتُ الجِيادُ ﴾ وقالَ الشّاعِرُ: ألِفَ الصُّفُونَ مِمّا يَزالُ كَأنَّهُ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَّلاثِ كَسِيرًا ﴿ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها ﴾ أيْ سَقَطَتْ جَنُوبُها عَلى الأرْضِ، ومِنهُ وجَبَ الحائِطُ إذا سَقَطَ، ووَجَبَتِ الشَّمْسُ إذا سَقَطَتْ لِلْغُرُوبِ، وقالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ: ألَمْ تُكْسَفُ الشَّمْسُ ضَوْءُ النَّهارِ ∗∗∗ والبَدْرُ لِلْجَبَلِ الواجِبِ ﴿ فَكُلُوا مِنها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ أكْلَهُ مِنها واجِبٌ إذا تَطَوَّعَ بِها، وهو قَوْلُ أبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ.

والثّانِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّهُ اسْتِحْبابٌ ولَيْسَ بِواجِبٍ، وإنَّما ورَدَ الأمْرُ بِهِ لِأنَّهُ بَعْدَ حَظْرٍ، لِأنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ أكْلَها عَلى نُفُوسِهِمْ.

﴿ وَأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ القانِعَ السّائِلُ، والمُعْتَرَّ الَّذِي يَتَعَرَّضُ ولا يَسْألُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ: لَمالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي ∗∗∗ مَفاقِرَهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ أيْ مِنَ السُّؤالِ.

والثّانِي: أنَّ القانِعَ الَّذِي يَقْنَعُ ولا يَسْألُ، والمُعْتَرَّ الَّذِي يَسْألُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ عَلى مُكْثِرِيهِمْ رِزْقُ مَن يَعْتَرِيهِمْ ∗∗∗ وعِنْدَ المُقِلِّينَ السَّماحَةُ والبَذْلُ والثّالِثُ: أنَّ القانِعَ المِسْكِينُ الطَّوّافُ، والمُعْتَرَّ: الصَّدِيقُ الزّائِرُ، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ: إمّا اعْتِيادًا وإمّا اعْتِرارًا والرّابِعُ: أنَّ القانِعَ الطّامِعُ، والمُعْتَرَّ الَّذِي يَعْتَرِي البُدْنَ ويَتَعَرَّضُ لِلَحْمٍ لِأنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ لَحْمٌ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ عَلى الطّارِقِ المُعْتَرِّ يا أُمَّ مالِكٍ ∗∗∗ إذا ما اعْتَرانِي بَيْنَ قَدَرِي وصَخْرَتِي <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ عندما يخوفون ﴿ والصابرين على ما أصابهم ﴾ من البلاء والمصيبات ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ يعني إقامتها بأداء ما استحفظهم الله فيها.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه، أنه قرأ ﴿ والبدن ﴾ خفيفة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: لا نعلم البدن إلا من الإبل والبقر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله عنه قال: البدنة، ذات الخف.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عمر رضي الله عنه قال: البدنة ذات البدن من الإبل والبقر.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: ليس البدن إلا من الإبل.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عبد الكريم قال: اختلف عطاء والحكم فقال عطاء البدن من الإبل والبقر.

وقال الحكم: من الإبل.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن سعيد بن المسيب قال: البدن، البعير والبقرة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه قال: البدن من البقر.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن يعقوب الرياحي، عن أبيه قال أوصى الي رجل، وأوصى ببدنة، فأتيت ابن عباس- رضي الله عنهما- فقلت له: إن رجلاً أوصى إلي، وأوصى إلي ببدنة، فهل تجزئ عني بقرة؟

قال: نعم.

ثم قال: ممن صاحبكم؟

فقلت: من بني رياح.

قال: ومتى تقتني.

اقتنى بنو رياح البقر إلى الإبل [ ] وهو صاحبكم وإنما البقر للأسد، وعبد القيس.

وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: إنما سميت البدن؛ من قبل السمانة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن إبراهيم في قوله: ﴿ لكم فيها خير ﴾ قال: هي البدنة.

ان احتاج إلى ظهر ركب، أو إلى لبن شرب.

وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لكم فيها خير ﴾ قال: لكم أجر ومنافع للبدن.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن ماجة، والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب، «عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قلنا يا رسول الله، ما هذه الأضاحي؟» قال سنة أبيكم إبراهيم «قال: فما لنا فيها يا رسول الله؟

قال: بكل شعرة حسنة» قالوا: فالصوف؟

قال: «بكل شعرة من الصوف حسنة» .

وأخرج ابن عدي والدارقطني والطبراني والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد» .

وأخرج الترمذي وحسنة وابن ماجة والحاكم وصححه، عن عائشة- رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من هراقه دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها واظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفساً» .

وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من وجد سعة لأن يضحي فلم يضح فلا يقربن مصلانا» .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مالك بن أنس قال: حج سعيد بن المسيب وحج معه ابن حرملة، فاشترى سعيد كبشاً فضحى به، واشترى ابن حرملة بدنة بستة دنانير فنحرها.

فقال له سعيد: اما كان لك فينا أسوة؟

فقال: إني سمعت الله يقول: ﴿ والبدن جعلناها لكم من شعائر الله، لكم فيها خير ﴾ فاحببت أن آخذ الخير من حيث دلني الله عليه، فاعجب ذلك ابن المسيب منه!

وجعل يحدث بها عنه.

وأخرج أبو نعيم الحلية، عن ابن عيينة قال: حج صفوان بن سليم ومعه سبعة دنانير فاشترى بها بدنة، فقيل له: ليس معك إلا سبعة دنانير تشتري بها بدنة!

فقال: إني سمعت الله يقول: ﴿ لكم فيها خير ﴾ .

وأخرج قاسم بن أصبغ وابن عبد البر في التمهيد، عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا أيها الناس ضحوا وطيبوا بها نفساً، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد يوجه بأضحيته إلى القبلة؛ إلا كان دمها وقرنها وصوفها حسنات محضرات في ميزانه يوم القيامة، فإن الدم إن وقع في التراب فإنما يقع في حرز الله حتى يوفيه صاحبه يوم القيامة» وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- «اعملوا قليلاً تجزوا كثيراً» .

وأخرج أحمد عن أبي الأشد السملي، عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أفضل الضحايا أغلاها وأسمنها» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس قال: «ما أنفق الناس من نفقة أعظم أجراً من دم يهراق يوم النحر؛ إلا رحماً محتاجة يصلها» .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد في قوله: ﴿ لكم فيها خير ﴾ قال: إن احتاج إلى اللبن شرب، وإن احتاج إلى الركوب ركب، وإن احتاج إلى الصوف أخذ.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عكرمة قال: قال رجل لابن عباس أيركب الرجل البدنة على غير مثقل؟

قال: ويحلبها على غير مجهد.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن علي رضي الله عنه قال: يركب الرجل بدنته بالمعروف.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهراً» .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عطاء رضي الله عنه: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- رخص لهم أن يركبوها إذا احتاجوا إليها.

وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، عن أبي هريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنة فقال: اركبها قال: إنها بدنة.

قال: اركبها ويلك أو يحك» .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن أنس: «أن النبي- صلى الله عليه وسلم- رأى رجلاً يسوق بدنة أو هدية فقال: اركبها فقال: إنها بدنة- أو هدية.

قال:وإن كانت» .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الأضاحي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه، عن أبي ظبيان قال: سألت ابن عباس، عن قوله: ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صواف ﴾ قال: إذا أردت أن تنحر البدنة، فاقمها على ثلاث قوائم معقولة، ثم قل: بسم الله والله أكبر اللهم منك ولك.

وأخرج الفريابي وأبو عبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ صواف ﴾ قال: قياماً معقولة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عمر: أنه نحر بدنة وهي قائمة معقولة إحدى يديها.

وقال: ﴿ صواف ﴾ كما قال الله عز وجل.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلاً أناخ بدنته وهو ينحرها فقال: ابعثها قياماً مقيدة؛ سنة محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن سابط: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كانوا يعقلون من البدنة اليسرى، وينحرونها قائمة على ما هي من قوائمها.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان ينحرها وهي معقولة يدها اليمنى.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن الحسن في البدنة كيف تنحر؟

قال: تعقل يدها اليسرى وينحرها من قبل يدها اليمنى.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد أنه كان يعقل يدها اليسرى إذا أراد أن ينحرها.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عطاء قال: اعقل أي اليدين شئت.

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف والضياء في المختارة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه كان يقرأ ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صوافن ﴾ .

وأخرج ابن الأنباري، عن مجاهد في قوله: ﴿ صوافن ﴾ قال: معقولة على ثلاثة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن الأنباري، عن قتادة قال: كان عبد الله بن مسعود يقرأ ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صوافن ﴾ أي معقولة قياماً.

وأخرج عبد بن حميد، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه: أنه كان يقرأُها ﴿ صوافن ﴾ قال: رأيت ابن عمر ينحر بدنته وهي على ثلاثة قوائم قياماً معقولة.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه، عن مجاهد قال: من قرأها ﴿ صوافن ﴾ قال: معقولة.

ومن قرأها ﴿ صواف ﴾ قال: يصف بين يديها.

ولفظ عبد بن حميد من قرأها ﴿ صواف ﴾ فهي قائمة مضمومة يديها.

ومن قرأها ﴿ صوافن ﴾ قياماً معقولة، ولفظ ابن أبي شيبة الصواف، على أربع، والصوافن على ثلاثة.

وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف وابن أبي حاتم، عن الحسن أنه كان يقرأُها ﴿ صواف ﴾ قال: خالصة.

لله تعالى قال: كانوا يذبحونها لأصنامهم.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم أنه قرأ «فاذكروا اسم الله عليها صوافي» بالياء منتصبة.

وقال: خالصة لله من الشرك، لأنهم كانوا يشركون في الجاهلية إذا نحروها.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ فإذا وجبت ﴾ قال: سقطت على جنبها.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ فإذا وجبت ﴾ قال نحرت.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد ﴿ فإذا وجبت جنوبها ﴾ قال: إذا سقطت إلى الأرض.

وأخرج أبو داود والنسائي والحاكم وصححه وأبو نعيم في الدلائل، عن عبد الله بن قرط قال: قدم إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- بدنات خمس أو ست، فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، فلما وجبت جنوبها قال: من شاء اقتطع.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عمر أنه: كان يطعم من بدنه قبل أن يأكل منها ويقول: ﴿ فكلوا منها وأطعموا ﴾ هما سواء.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن إبراهيم قال: كانوا لا يأكلون من شيء جعلوه لله، ثم رخص لهم أن يأكلوا من الهدي والأضاحي وأشباهه.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن علي قال: لا يؤكل من النذر، ولا من جزاء الصيد، ولا مما جعل للمساكين.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن سعيد بن جبير قال: لا يؤكل من النذر، ولا من الكفارة، ولا مما جعل للمساكين.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن معاذ قال: أمرنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن نطعم من الضحايا الجار، والسائل، والمتعفف.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عمر: أنه كان بمنى فتلا هذه الآية ﴿ فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ﴾ وقال: لغلام معه هذه القانع الذي يقنع بما آتيته.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: القانع المتعفف، والمعتر السائل.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، القانع الذي يقنع بما أوتي، والمعتر الذي يعترض.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: القانع الذي يجلس في بيته.

وأخرج الطستي في مسائله، عن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق قال له: اخبرني عن قوله: ﴿ القانع والمعتر ﴾ قال: القانع الذي يقنع بما أُعطي، والمعتر الذي يعتر من الأبواب.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر وهو يقول: على مكثريهم حق من يعتريهم ** وعند المقلين السماحة والبذل وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه، عن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية؟

قال: أما القانع؛ فالقانع بما أرسلت إليه في بيته.

والمعتر الذي يعتريك.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد مثله.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس قال: القانع الذي يسأل، والمعتر الذي يعترض لولا يسأل.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، عن سعيد بن جبير قال: القانع السائل الذي يسأل، ثم أنشد قول الشاعر: لمال المرء يصلح فيبقى ** معاقره أعف من القنوع وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، عن الحسن قال: القانع الذي يقنع اليك بما في يديك، والمعتر الذي يتصدى إليك لتطعمه.

ولفظ ابن أبي شيبة، والمعتر الذي يعتريك، يريك نفسه ولا يسألك.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، والبيهقي في سننه، عن مجاهد قال: القانع الطامع بما قبلك ولا يسألك، والمعتر الذي يعتريك ولا يسألك.

وأخرج عبد بن حميد، عن سعيد بن جبير قال: القانع الذي يسأل فيعطى في يديه، والمعتر الذي يعتر فيطوف.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال: القانع أهل مكة.

والمعتر سائر الناس.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد قال: القانع السائل، والمعتر معتر البدن.

وأخرج البيهقي في سننه، عن مجاهد قال: البائس الذي يسأل بيده إذا سأل، والقانع الطامع الذي يطمع في ذبيحتك من جيرانك.

والمعتر الذي يعتريك بنفسه، ولا يسألك يتعرض لك.

وأخرج عبد بن حميد، عن القاسم بن أبي بزة أنه سئل عن هذه الآية، ما الذي آكل وما الذي أعطي القانع والمعتر؟

قال: اقسمها ثلاثة أجزاء.

قيل: ما القانع؟

قال: من كان حولك.

قيل: وإن ذبح؟

قال: وإن ذبح.

والمعتر: الذي يأتيك ويسألك.

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه، عن ابن عباس قال: كان المشركون إذا ذبحوا استقبلوا الكعبة بالدماء، فينضحون بها نحو الكعبة.

فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك، فأنزل الله: ﴿ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن جرير قال: كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإبل ودمائها.

فقال: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فنحن أحق أن ننضح.

فأنزل الله: ﴿ لن ينال الله لحومها ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج قال: النصب ليست بأصنام الصنم يصوّر وينقش، وهذه حجارة تنصب ثلثمائة وستون حجراً، فكانوا إذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت، وشرحوا اللحم، وجعلوه على الحجارة.

فقال المسلمون: يا رسول الله، كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم، فنحن أحق أن نعظمه.

فكأن النبي- صلى الله عليه وسلم- لم يكره ما قالوا.

فنزلت ﴿ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيان ﴿ لن ينال الله ﴾ قال: لن يرفع إلى الله ﴿ لحومها ولا دماؤها ولكن ﴾ نحر البدن من تقوى الله وطاعته.

يقول: يرفع إلى الله منكم: الأعمال الصالحة والتقوى.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن إبراهيم ﴿ ولكن يناله التقوى منكم ﴾ قال: ما التمس به وجه الله تعالى.

وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ ولكن يناله التقوى منكم ﴾ يقول: إن كانت من طيب وكنتم طيبين وصل إلي أعمالكم وتقبلتها.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولتكبروا الله على ما هداكم ﴾ قال: على ذبحها في تلك الأيام.

وأخرج الحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب، عن الحسن قال: أمرنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن نلبس أجود ما نجد، وأن نتطيب بأجود ما نجد، وأن نضحي بأسمن ما نجد، والبقرة عن سبعة، والجزور عن سبعة، وأن نظهر التكبير، وعلينا السكينة والوقار، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَالْبُدْنَ ﴾ قال الزجاج: البدن بتسكين الدال وضمها، بَدَنَةٌ وبُدْنٌ وبُدُنٌ، مثل قولك: ثَمَرَةٌ وثُمْر وثُمُرٌ قال: وإنما سميت بدنة لأنها تبدن أي: تسمن (١) وقال الليث وغيره: البدنة بالهاء تقع على الناقة والبقرة والبعير مما يجوز في الهدي والأضاحي، ولا تقع على الشاة، وسميت بدنة لعظمها (٢) قال ابن السكيت: يقال: بدن (٣) (٤) أمْ (٥) (٦) وقال ابن الأنباري: يجوز أن يكون سميت بدنة لعظمها وضخامتها.

ويجوز أن يكون سميت لسنّها، رجل بدن إذا كان كبير السنن، وبدنت أي أسنت، وبدنت أي: سمنت وضخمت (٧) والمفسرون يقولون في تفسير البدنة: إنّها الإبل والبقر.

وهو قول عطاء والسدي (٨) وقوله تعالى: ﴿ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ أي: من أعلام دينه.

والمعنى: جعلنا لكم فيها عبادة لله -عز وجل-، من سوقها إلى البيت، وتقليدها، وإشعارها، ونحرها، والإطعام منها.

ومضى الكلام في تفسير الشعائر (٩) وقوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد في الدنيا والآخرة (١٠) قال المفسرون: يعني النفع في الدنيا والأجر في العقبى (١١) وذكرنا هذا (١٢) (١٣) ﴿ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ إلا أن المراد بتلك المنافع الدنيا لقوله ﴿ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ والمراد بالخير هاهنا خير الدنيا والآخرة، كما ذكر ابن عباس.

قوله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ﴾ أي: على نحرها، لأنَّ السنة أن يذكر الله عند نحرها.

قال ابن عباس: هو أن يقول: بسم الله، والله أكبر لا إله إلا الله، اللهم منك ولك (١٤) وقوله ﴿ صَوَافَّ ﴾ جمع صافّة، وهي فاعلة من الصَفّ، وهو جعل الأجسام يلي أحدها الآخر على منهاج واحد (١٥) قال ابن عباس في رواية ابن أبي مليكة: قيامًا (١٦) وقال ابن عمر: قيامًا مقيدة، سنة محمد -  - (١٧) وقال مجاهد: الصَّواف: إذا عُقلت (١٨) (١٩) (٢٠) وعلى هذا هي صواف، لأنها قد صفت أيديها وأرجلها إذا وقفن على منهاج واحد، كما روى ليث، عن مجاهد قال (٢١) (٢٢) (٢٣) يعني لئلا يتقدم بعضها على بعض فلا تكون صواف.

وفي هذا دليل على أنها تُنْحر قائمة واقفة مصفوفة، لأنها إن كانت باركة أو ماشية لا تكون صافة، ولا يتصور الصف في البدنة الواحدة إلا أن يقال إنها إذا وقفت صفت يديها أو رجليها (٢٤) (٢٥) ﴿ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ  ﴾ .

وقال أبو إسحاق -في قوله: ﴿ صَوَافَّ ﴾ -: أي قد صفت قوائمها (٢٦) وقال أبو عبيدة: تصفّ بين أيديها (٢٧) وقال ابن قتيبة: أي: قد صُفَّت أيديها (٢٨) وقال ابن عباس في رواية أبي ظبيان في قوله ﴿ صَوَافَّ ﴾ قال: معقولة (٢٩) ونحوه قال عطاء، والفرَّاء (٣٠) وكثير من الصحابة قرؤوا "صوافي" (٣١) (٣٢) (٣٣) قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا ﴾ قال أبو عبيدة (٣٤) (٣٥) (٣٦) يقال: وجب الحائط يجب وَجْبَةَ إذا سقط، وسمعت له وجْبَةً، أي.

وقعة، ووجبت الشمس إذا وقعت للغروب في المغيب، ووجب الشيء إذا (وقع لازمًا، ووجب القلب وجيبًا إذا] (٣٧) (٣٨) (٣٩) ألم تكسف الشمس والبدر ...

والكواكب للجبل الواجب (٤٠) وقال الكميت: ألم ترني لقيت ضباء (٤١) (٤٢) (٤٣) حلفت برب مكة والهدايا ...

غداة النحر واجبة الجنوب (٤٤) قال ابن عباس ومجاهد، والضحاك: خرت لجنوبها (٤٥) وذلك عند نزف دمها وخروج الروح منها، ولذلك قال ابن زيد في تفسيرها: فإذا ماتت (٤٦) (٤٧) ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا ﴾ وهذا يدل على أنّه لا ينبغي للمرء أن يعجل فيقطع منها ليأكل قبل أن يتم نحرها، ولكن يصبر حتى تسكن حركتها وكذلك السلخ يُبْتدأ بعد السكون، وهذا معنى قول عمر -  -: لا تعجلوا الأنفس أن تزهق (٤٨) (٤٩) ولهذا ايضا نُهي عن النَّخْع (٥٠) (٥١) (٥٢) وذكرنا وجه هذا الأمر فيما تقدم من هذه السورة.

قوله تعالى: ﴿ وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ﴾ القانع في الآية بمعنيين: أحدهما: أنه من القُنُوع بمعنى المسألة.

يقال: قنع (٥٣) والقانع: السائل.

ومنه الحديث في ذكر من لا تجوز شهادته: "ولا شهادة القانع مع أهل البيت" (٥٤) قال أبو عبيد (٥٥) (٥٦) لمالُ المرء يُصلِحُه فيغني ...

مَفَاقِرَةُ أعفُّ من القُنُوع أي: من المسألة (٥٧) ومن هذا قول لبيد: وإعطائي المَوْلَى على حين فقره ...

إذا قال أبْصِرْ خَلَّتي وقُنُوعي (٥٨) المعنى الثاني: أن القانع الذي لا يسأل وهو من القناعة.

يقال: قَنِعَ يقنع قناعة وَقَنعًا (٥٩) (٦٠) (٦١) قال ابن السكيت: ومن العرب من أجاز القُنُوع بمعنى القناعة، وكلام العرب الجيد هو الأول (٦٢) قال أبو زيد: قال بعضهم: القانع: السائل، وقال بعضهم: المتعفف؛ وكلُّ يصلح (٦٣) وكقول أبي زيد ذكر أبو عبيدة (٦٤) (٦٥) وأما المعتر: فقال الأزهري: قال أهل اللغة: المعتر: الذي يُطِيف بك يطلب ما عندك سألك أو سكت عن السؤال (٦٦) وقال ابن الأعرابي: عررت (٦٧) (٦٨) (٦٩) (٧٠) ونحو هذا قال أبو عبيدة (٧١) لعمرك ما المعتر يأتي بيوتنا ...

لنمنعه بالضّايع المتهضم (٧٢) فحصل من هذا أن القانع يجوز أن يكون السائل وغير السائل، وكذا المعتر إلا أنه لا ينفك من تعرض ونوع طلب.

وعلى هذين الوجهين كلام المفسرين.

منهم من يقول: القانع: الذي يسأل والمعتر الذي يأتيك بالسلام ويريك وجهه ولا يسأل، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٧٣) (٧٤) (٧٥) (٧٦) (٧٧) (٧٨) ومنهم من يقول بعكس هذا فيقول: القانع: المتعفف الجالس في بيته، والمعترّ: السائل الذي يعتريك ويسأل.

وهو قول ابن عباس في رواية الوالبي (٧٩) (٨٠) (٨١) وروي عن ابن عباس قول ثالث وهو: أن كلاهما الذي لا يسأل، وهو رواية العوفي عنه، قال: القانع الذي يرضى بما عنده ولا يسأل، والمعتر الذي يتعرض لك ولا يسألك (٨٢) ونحو هذا روى ليث عن مجاهد قال: القانع: جارك وإن كان موسرًا، والمعتر: الذي يعتريك ولا يسألك (٨٣) (٨٤) وعلى هذا إنما يُطْعم القانع بأن يرسل إليه، كما روى قابوس، عن أبيه (٨٥) (٨٦) والمستحب للمُهْدي أن يطلب القانع والمعتر، فيعطيهما جميعًا، قيامًا بالأمر وامتثالًا له.

قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ كذلك أي: مثل ما وصفنا من نحرها قيامًا، والإطعام منها ﴿ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ ﴾ نعمة منا عليكم لتتمكنوا من نحرها على الوجه المسنون.

﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد لكي تطيعوني.

وشكر الله طاعة له واعتراف بإنعامه.

(١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 428.

(٢) "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 144 نقلاً عن الليث وغيره.

(٣) (بدن): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).

وبدن كبصر وكرم.

قاله الفيروزآبادي في "القاموس المحيط" 4/ 200.

(٤) البيت أنشده ابن السكيت في "إصلاح المنطق" ص 330، للأسود بن يعفر، وأوله: هل لشباب فَاتَ من مَطلْبِ هو في "ديوان الأسود" ص 21 وروايته فيه: "البائس" في موضع "البدن"، و"أدب الكاتب" لابن قتيبة ص 265، و"تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 144 (بدن)، وفيه: "بقاء" في موضع "بكاء"، و"لسان العرب" 13/ 48 (بدن).

قال البطليوسي في "الاقتضاب" 3/ 209: يقول: هل يمكن طلب الشباب الغائب واسترجاعه، بل كيف يبكي الرجل الأشيب شوقًا إلى أحبته؟.

وذلك لا يليق به.

(٥) في (أ)، (ظ): (أمّا).

(٦) قول ابن السكيت وإنشاده في "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 144، وهو في "إصلاح المنطق" ص 330.

(٧) لم أجد من ذكره عنه.

وانظر: "بدن" في "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 144، "الصحاح" للجوهري 5/ 2077، "لسان العرب" 13/ 48 - 49.

(٨) ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 52 ب.

ورواه الطبري 17/ 163 عن عطاء بلفظ: البقرة والبعير.

وللمفسرين في البدن قول آخر وهو أنها الإبل خاصّة، ذكره الماوردي 4/ 26 وعزاه للجمهور.

وحكاه القرطبي 12/ 61 عن ابن مسعود وعطاء والشافعي.

وحكى القول الأول عن مالك وأبي حنيفة.

ثم قال القرطبي: والصحيح ما ذهب إليه الشافعي وعطاء، لقوله  في الحديث الصحيح في يوم الجمعة: "من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة" الحديث.

فتفريقه -  - بين البقرة والبدنة يدل على أن البقرة لا يقال لها بدنة.

والله أعلم.

وأيضًا قوله تعالى: "فإذا وجبت جنوبها" يدل على ذلك، فإن الوصف خاصٌ بالإبل، والبقر يضجع ويذبح كالغنم.

انتهى من القرطبي 12/ 61.

والحديث الذي أشار إليه القرطبي رواه البخاري في صحيحه (كتاب الجمعة -باب فضل الجمعة 2/ 366، ومسلم في صحيحه (كتاب الجمعة -باب الطيب والسواك يوم الجمعة 2/ 582 من حديث أبي هريرة  .

وصحح ابن كثير 3/ 221 أنَّ البقرة يطلق عليها بدنة شرعًا.

ونقل ابن الجوزي 5/ 432 عن القاضي أبي يعلى أنه قال: البدنة اسمٌ يختص الإبل في اللغة، والبقرة تقوم مقامها في الحكم؛ لأن النبي -  - جعل البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة.

اهـ.

والذي يظهر أن البدن في الآية هي الإبل للتعليل الذي ذكره القرطبي، والبقرة تدخل في مسمى البدن من حيث اتحاد الحكم بينهما.

(٩) في (ظ): (الشعيرة).

(١٠) ذكره عنه الزمخشري في "الكشاف" 3/ 14، وأبو حيان في "البحر" 6/ 369.

وذكره القرطبي 12/ 61 من غير نسبة، وصوبه.

(١١) "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 52 ب، 53 أ.

(١٢) (هذا): ساقطة من (أ).

(١٣) في (ع): (الكلام).

(١٤) هذا مجموع روايات رواها الطبري 17/ 164 من طريق أبي ظَبيان، عن ابن عباس.

(١٥) انظر: "لسان العرب" 9/ 194 (صفف)، "القاموس المحيط" 3/ 162 - 163.

(١٦) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه 4/ 83 عنه من رواية ابن أبي مليكة.

(١٧) رواه البخاري في صحيحه كتاب الحج -باب نحر الإبل مقيَّدة 3/ 553، ومسلم في "صحيحه" (كتاب الحج- باب نحر البدن قيامًا، مقيّدة 2/ 956).

(١٨) في (أ): (علّقت).

(١٩) في (أ): (ثلاثة).

(٢٠) ذكره عنه الثعلبي في الكشف والبيان 3/ 53 أ.

وفيه: إذا عقلت رجلها اليسرى وقامت ...

كذلك.

وبنحوه مختصرًا رواه الطبري 17/ 164.

(٢١) قال: ساقطة من (ط).

(٢٢) في (ظ)، (د)، (ع): (أوطانها.

والصواب ما في (أ).

وأوظافها: جمع وَظيف، قال الجوهري في الصحاح 4/ 1439 "وظف": الوظيف: مستدق الذراع والساق من الخيل والإبل ونحوها.

(٢٣) رواه الطبري 17/ 164 من رواية ليث، عن مجاهد.

(٢٤) في (ظ)، (د)، (ع): (رجليها أو يديها).

(٢٥) انظر الطبري 17/ 165، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 99، "الشواذ" لابن خالوية ص 95، "المحتسب" لابن جني 2/ 81.

(٢٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 428.

(٢٧) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 50.

(٢٨) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 293.

(٢٩) رواه الطبري 17/ 164، والبيهقي في "السنن" 5/ 237 من طريق أبي ظبيان.

(٣٠) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 226.

(٣١) رويت هذه القراءة عن أبي بن كعب وأبي موسى الأشعري  ما.

ونسبت إلى الحسن ومجاهد وزيد بن أسلم وسليمان التيمي وجماعة.

انظر: الطبري 17/ 163، "الشواذ" لابن خالويه ص 95، "المحتسب" لابن جني 2/ 81، "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 53 أ، "البحر المحيط" 6/ 369.

(٣٢) في (ظ)، (د)، (ع): (إلي).

(٣٣) وهو ومروي عن الحسن وطاووس والزهري وابن زيد.

انظر الطبري 17/ 165، وابن كثير 3/ 222.

(٣٤) "مجاز القرآن " لأبي عبيدة 2/ 51.

(٣٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 428.

(٣٦) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 11/ 222 (وجب)، "لسان العرب" 1/ 794 (وجب).

(٣٧) ما بين المعقوفين ساقط من (د)، (ع).

(٣٨) انظر "معاني القرآن" للزجاج 3/ 428، "تهذيب اللغة" للأزهري 11/ 222 - 223 مادة "وجب"، "لسان العرب" 1/ 794 "وجب".

(٣٩) يرثي: ساقطة من (أ).

(٤٠) البيت في "ديوانه" ص 10، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 51، والطبري 17/ 166، و"التعازي والمراثي" للمبرد ص 33، و"السمط اللآلي" ص 466.

وهو من أبيات يرثي بها فضالة بن كلدة، وبعده: لفقد فضالة لا تستوي الـ ...

فُقُود ولا خُلّة الذَّاهب (٤١) في (أ): (طلبا)، وهو خطأ.

(٤٢) في (و)، (ع): (الجبوب)، وهو خطأ.

(٤٣) هذا البيت والذي بعده أثبتها المعلق على "مجاز القرآن" 2/ 51 في الهامش، == وذكر أنهما كتبا في حاشية نسخة "س" منسوبين للكُميت.

واعتمد جامع ديوان الكميت على هذه الحاشية فأورد الأول في "ديوانه" 1/ 81، والثاني في 1/ 125 وأحال على حاشية المجاز.

(٤٤) في (د)، (ع): (الجبوب)، وهو خطأ.

(٤٥) ذكره عن ابن عباس السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 53 بلفظ: سقطت على جنبها.

وعزاه لابن أبي حاتم.

ورواه الطبري 17/ 166 عن مجاهد بلفظ سقطت على الأرض.

(٤٦) رواه الطبري 17/ 166.

(٤٧) في (أ): (يهدى)، وهو خطأ.

(٤٨) في (ظ): (قبل أن تزهق).

(٤٩) رواه الثوري في جامعه (كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 22، ومسند عمر بن الخطاب له أيضًا 1/ 335، والبيهقي في "السنن الكبرى" 9/ 278 عن عمر  ، به).

ورواه عنه عبد الرزاق "المصنف" 4/ 495، وابن أبي شيبة في مصنفه 5/ 292 - 293 عنه بلفظ: وذر، وعند ابن أبي شيبة: وأقرّوا الأنفس حتى تزهق.

(٥٠) روى البخاري في صحيحه (كتاب الذبائح والصيد- باب النحر والذبح 9/ 640) تعليقا عن نافع أن ابن عمر نهى عن النَّخع.

وانظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 167 ففيه: وفي الحديث: "ألا لا تنخعوا الذبيحة حتى تجب".

ومثله في "الفائق في غريب الحديث" للزمخشري 3/ 414، و"غريب الحديث" لابن الجوزي 2/ 389.

ولم أجد هذا الحديث.

(٥١) الأوداج: جمع ودج، والودج: عرق في العنق، وهما ودجان.

الصحاح للجوهري 1/ 347 (ودج).

(٥٢) انظر: (نخع) في "تهذيب اللغة" 1/ 67، "الصحاح" للجوهري 3/ 1288، "القاموس المحيط" 3/ 87.

والفقار: جمع فقرة -بالكسر- وفقرة وفقارة -بفتحهما- وهو: ما انتضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العجب.

"لسان العرب" 5/ 61 (فقر)، "القاموس المحيط" 2/ 111.

(٥٣) كمنع.

قاله الفيروزآبادي في "القاموس" 3/ 76.

(٥٤) هذا طرف حديث رواه أبو عبيد في "غريب الحديث" 2/ 156، والترمذي في "جامعه" كتاب الشهادات 6/ 580 - 581، والدراقطني في "سننه" 4/ 244، == والبيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 202 من حديث عائشة  ا مرفوعًا.

قال الترمذي بعد روايته للحديث: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد ابن زياد الشَّامي، ويزيد يضعّف في الحديث.

وضَعّف هذا الحديث بيزيد: الدارقطني والبيهقيُ.

(٥٥) في (ظ)، (د)، (ع): (أبو عبيدة)، وهو خطأ.

(٥٦) البيت أنشده أبو عبيد في "غريب الحديث" 2/ 156 للشمَّاخ.

وهو في "ديوانه" ص 56، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 51، و"المعاني الكبير" لابن قتيبة 1/ 489 - 499، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 428، والطبري 17/ 68، "الأضداد" لابن الأنباري ص 66 - 67.

(٥٧) قول أبي عبيد وإنشاده في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 59 "قنع" كتاب "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 156 لكن فيه: هو الرجل يكون مع الرجل يطلب فضله ويسأل معروفه.

وهو في كتاب "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 156، والكلام مفسر فيه مثل ما نقله الأزهري عنه.

(٥٨) البيت في "ديوانه" ص 71، وفيه "خشوعي" في موضع "قنوعي".

وفي "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 52، والطبري 17/ 170 بمثل الرواية هنا.

قال الطوسي في شرحه لديوان لبيد ص 71: (المولى: ابن العم، الخلّة.

الحاجة، خلَّتي وقنوعي: الاستكانه وسوء الحالة.

(٥٩) قنعًا: ساقطة من (أ).

(٦٠) في (ظ): (وقناعًا)، وفي (د)، (ع): (وقناعًا).

(٦١) انظر: "قنع" في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 259، "الصحاح" للجوهري 3/ 1273، "لسان العرب" 8/ 298.

(٦٢) قول ابن السكيت في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 259 (قنع).

(٦٣) قول أبي زيد في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 259 (قنع).

(٦٤) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 51 - 52.

(٦٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 428.

(٦٦) "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 99 (عَرَّ).

(٦٧) في المطبوع من "تهذيب اللغة" 1/ 99: عروت.

(٦٨) في المطبوع من "تهذيب اللغة" 3/ 99: وعررته.

(٦٩) في (د)، (ع): (واعتروته).

(٧٠) قول ابن الأعرابي في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 99 (عرَّ) (٧١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 51.

(٧٢) البيت أنشده أبو عبيدة لحسان في "مجاز القرآن" 2/ 52، وروايته عنده: لعمرك ما المعترُّ يأتي بلادنا ...

لنمنعه ..............

(٧٣) ذكر السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 55 هذا القول عن ابن عباس من غير ذكر من رواه عنه، وعزاه لابن المنذر.

وذكر هذا القول عن ابن عباس النحاس في "معاني القرآن" 4/ 413.

وذكره ابن الجوزي وعزاه لابن المنذر.

وذكر هذا القول عن ابن عباس النحاس في "معاني القرآن" 4/ 413.

وذكره ابن الجوزي 5/ 433 وقال: رواه بكر بن عبد الله عن ابن عباس.

وذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 22.

(٧٤) وقوله ذكره عنه بنحوه الثعلبي في "الكشف" 3/ 53 أ.

ورواه الطبري 17/ 169 بنحوه.

(٧٥) ذكره عنه بنحوه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 53 أ.

(٧٦) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 38، والطبري 17/ 168، والبيهقي في "سننه" 9/ 294.

(٧٧) ذكره الثعلبي 3/ 53 أ، والطبري 17/ 168 (٧٨) رواه سعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 156 ب)، وابن أبي شيبة في مصنّفه == 4/ 72، والطبري 17/ 168، والبيهقي في "السنن الكبرى" 9/ 294.

(٧٩) ذكره الثعلبي 3/ 53 أمن رواية الوالبي.

ورواه الطبري 17/ 167.

(٨٠) رواه الطبري 17/ 167 عن عكرمة - وقتادة.

(٨١) رواه الطبري 17/ 168، والبيهقي في "السنن" 9/ 294.

(٨٢) ذكره الثعلبي 3/ 53 أمن رواية العوفي.

ورواه الطبري 17/ 167.

(٨٣) رواه الطبري 17/ 167 من رواية ليث، عنه.

(٨٤) روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 72، والطبري 17/ 167 من طريق خصيف، عن مجاهد قال: القانع: أهل مكة، والمعتر الذي يعتريك فيسألك.

(٨٥) هو: أبو ضبيان حصين بن جندب.

(٨٦) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" 9/ 294 من طريق قابوس، عن أبيه، عن ابن == عباس بلفظ: القانع بما أرسلت ...

وهذا الأثر ضعيف لضعف قابوس.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 54 - 55 بمثل لفظ البيهقي، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في "سننه".

واختار الطبري 17/ 170 أن القانع: السائل، والمعتر هو الذي يأتيك معترًا بك لتعطيه وتطعمه، وعّلل ذلك بقوله: لأنه لو كان المعني بالقانع -في هذا الموضع: المكتفى بما عنده والمستغني به- لقيل: وأطعموا القانع والسائل، ولم يقل "وأطعموا القانع والمعتر" وفي اتباع ذلك قوله "والمعتر" الدليل الواضح على أن القانع معني به السائل ..

وقال النحاس في "معاني القرآن" 4/ 413 عن القول بأن القانع هو السائل والمعتر الذي يتعرض لك ولا يسألك، إنه أحسن ما قيل في هذا وهو الصحيح في اللغة.

واستظهر هذا القول الشنقيطي في "أضواء البيان" 5/ 695.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ أي لكل أمة مؤمنة، والمنسك اسم مكان أي موضعها لعبادتهم، ويحتمل أن يكون اسم مصدر بمعنى عبادة، والمراد بذلك الذبائح لقوله: ﴿ لِّيَذْكُرُواْ اسم الله على مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الأنعام ﴾ بخلاف ما يفعله الكفار من الذبح تقرّباً إلى الأصنام ﴿ فإلهكم إله وَاحِدٌ ﴾ في وجه اتصاله بما قبله وجهان: أحدهما أنه لما ذكر الأمم المتقدمة خاطبها بقوله: ﴿ فإلهكم إله وَاحِدٌ ﴾ ، أي هو الذي شرع المناسك لكم ولمن تقدّم قبلكم، والثاني: أنه إشارة إلى الذبائح أي إلهكم إله واحد فلا تذبحوا تقرباً لغيره ﴿ المخبتين ﴾ الخاشعين وقيل: المتواضعين، وقيل: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، وكذلك قوله بعد ذلك: ﴿ وَبَشِّرِ المحسنين ﴾ [الحج: 37] واللفظ فيهما أعم من ذلك ﴿ وَجِلَتْ ﴾ خافت ﴿ والبدن ﴾ جمع بَدَنة، وهو ما أشعر من الإبل، واختلف هل يقال للبقرة بدنة، وانتصابه بفعل مضمر ﴿ مِّن شَعَائِرِ الله ﴾ واحدها شعيرة، ومن للتبعيض، واستدل بذلك من قال: إن شعائر الله المذكورة أو على العموم في أمور الدين ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ قيل: الخير هنا المنافع المذكورة قبل، وقيل: الثواب، والصواب العموم في خير الدنيا والآخرة ﴿ صَوَآفَّ ﴾ معناه: قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، وهي منصوبة على الحال من الضمير المجرور، ووزنه فواعل، وواحده صافة ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ أي سقطت إلى الأرض عند موتها، يقال: وجب الحائط وغيره إذا سقط ﴿ القانع ﴾ معناه السائل، هو من قولك قنع الرجل بفتح النون: إذا سأل، وقيل: معناه المتعفف عن السؤال، فهو على هذا من قولك: قنع بالكسر إذا رضي بالقليل ﴿ والمعتر ﴾ المعترض بغير سؤال، ووزنه مفتعل، يقال: اعتررت بالقوم إذا تعرّضت لهم، فالمعنى: أطعموا من سأل ومن لم يسأل ممن تعرض بلسان حاله، وأطعموا من تعفف عن السؤال بالكلية، ومن تعرض للعطاء ﴿ كذلك سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ ﴾ أي كما أمرناكم بهذا كله سخرناها لكم، وقال الزمخشري: التقدير مثل التخيير الذي علمتم سخرناها لكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولؤلؤاً ﴾ بهمزتين منصوباً: نافع وحفص.

مثله ولكن بتخفيف الأولى واواً ساكنة.

أبو بكر وحماد وزيد وكذلك في سورة فاطر.

وقرأ سهل ويعقوب والمفضل ههنا بالهمزة والنصب.

وفي "فاطر" بالهمز والخفض.

الباقون بالهمز والخفض في السورتين ﴿ سواء ﴾ بالنصب: حفص وروح وزيد.

الآخرون بالرفع.

﴿ والبادي ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير وافق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل.

﴿ بوأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ بيتي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وحفص وهشام.

﴿ فتخطفه ﴾ بتشديد الطاء: أبو جعفر ونافع ﴿ الرياح ﴾ يزيد طريق المفضل ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ بالنصب على تقدير النون: عباس ﴿ منسكاً ﴾ ونحو بكسر السين: حمزة وعلي وخلف ﴿ لن تنال الله ﴾ بتاء التأنيث: يعقوب ﴿ ولكن تناله ﴾ بالتأنيث أيضاً زيد ﴿ يدفع ﴾ من الدفع: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب الباقون ﴿ يدافع ﴾ من المدافعة ﴿ أذن ﴾ مبنياً للمفعول: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم ﴿ يقاتلون ﴾ مبنياً للمفعول أيضاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص الآخرون مبنياً للفاعل فيهما.

﴿ دفاع ﴾ بألف: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ لهدمت ﴾ مخففاً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وسهل وحمزة وعلي وخلق مشدداً مدغماً الباقون مشدداً.

الوقوف: ﴿ ولؤلؤاً ﴾ ط ﴿ من القول ﴾ ج للعطف مع تكرار ﴿ وهدوا ﴾ ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ والباد ﴾ ه ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ السجود ﴾ ه ﴿ عميق ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ الأنعام ﴾ ج للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ الفقير ﴾ ه للعطف مع العدول ﴿ العتيق ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ق قد قيل: لأن المراد ذلك على ما ذكر أو الأمر والشأن ذلك ثم يبتدأ بالشرط ﴿ عند ربه ﴾ ط ﴿ الزور ﴾ ه لا ﴿ مشركين به ﴾ ط ﴿ سحيق ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ق ﴿ القلوب ﴾ ه ﴿ العتيق ﴾ ه ﴿ الأنعام ﴾ ط ﴿ اسلموا ﴾ ط ﴿ المخبتين ﴾ ه لا لاتصال الوصف ﴿ الصلاة ﴾ ه ﴿ ينفقون ﴾ ج ه ﴿ خير ﴾ ق والوصل أحسن للفاء ﴿ صواف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ والمعتر ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ هداكم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ لقدير ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ بدل من الضمير في ﴿ نصرهم ﴾ ﴿ ربنا الله ﴾ ط ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ ينصره ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر حال أحد الخصمين في الآخرة أراد أن يذكر حال الآخر وهو المؤمن ولهذا ألزم التكرار، إلا أنه يفطن بهذه الآية فائدة أخرى هي بيان أهل الجنة يحلون فيها وقد مر مثله في أوائل الكهف.

ومن قرأ ﴿ لؤلؤاً ﴾ بالنصب فعلى تقدير ويؤتون لؤلؤاً لأن السوار من اللؤلؤ غريب إلا أن يكون شيئاً منظوماً منه.

﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ عن ابن عباس هو قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده يلهمهم الله ذلك ﴿ وهدوا إلى صراط الحميد ﴾ أي إلى طريق المقام المحمود وهو الجنة أو إلى صراط الله كقوله ﴿ إلى صراط العزيز الحميد  الله الذي له ما في السموات وما في الأرض  ﴾ وقال السدي: الطيب من القول هو القرآن.

وقيل: شهادة أن لا إله إلا الله وقال حكماء الإسلام: هو كشف الغطاء عن الحقائق الروحانية والمعارف الربانية، ثم كرر وعيد أهل الكفر ومن دناهم فقال ﴿ إن الذين كفروا ويصدون ﴾ إنما حسن عطف المستقبل على الماضي لأنه أراد به الاستمرار وأنه من شأنهم الصد وكأنه قيل: كفروا واستمروا على الصد.

وقال ابو علي الفارسي.

كفروا في الماضي وهم الآن يصدون.

عن ابن عباس أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله  ومن معه عام الحديبية عن أن يحجوا ويعتمروا وينحروا الهدي.

ومن قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب فعلى أنه مفعول ثانٍ لجعلنا أي جعلناه مستوياً ﴿ العاكف فيه والباد ﴾ ومن قرأ بالرفع فعلى أن ﴿ العاكف ﴾ مبتدأ و ﴿ سواء ﴾ خبر مقدم والجملة مفعول ثان ويجوز أن يكون ﴿ للناس ﴾ مفعولاً ثانياً اي جعلناه متعبداً لكل من وقع عليه اسم الناس، وقوله ﴿ سواء ﴾ إلى آخره الجملة بيان لذلك الجعل أي لا فرق بين الحاضر المقيم به وبين الطارئ من البدو، واختلفوا في أن المكي والآفاقي يستويان في أي شيء فعن ابن عباس في بعض الروايات أنهما يستويان في سكنى مكة والنزول بها للآية بناء على أن المراد بالمسجد الحرام مكة، ولما روي أنه  قال "مكة مباحة سبق إليها" وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وهو قول قتادة وسعيد بن جبير أيضاً، ولأجل ذلك زعموا أن كراء دور مكة حرام.

والأكثرون على أنهما مستويان في العبادة في المسجد ليس للمقيم أن يمنع البادي وبالعكس ومنه قوله  " "يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئاً فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" وعلى هذا فلا منع من بيع دور مكة وإجارتها وهو مذهب الشافعي وقد جرت المناظرة بينه وبين إسحق الحنظلي وكان إسحق لا يرخص في كراء دور مكة فاحتج الشافعي بقوله  ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق  ﴾ بأن عمر اشترى دار السجن فسكت إسحق وإنما ذهب الأولون إلى أن المراد بالمسجد الحرام ههنا مكة كلها لأنه جعل العاكف فيه بإزاء البادي.

أجاب الأكثرون بأنه اراد بالعاكف المجاور للمسجد المتمكن في كل وقت من التعبد فيه.

والإلحاد العدول عن القصد كما مر في قوله ﴿ وذَرُوا الذين يلحدون في أسمائه  ﴾ وقوله ﴿ بالحاد بظلم ﴾ حالان ومفعول ﴿ يرد ﴾ متروك ليفيد العموم أي ومن يرد فيه مراداً ما جائراً ظالماً.

وفائدة الحال الثانية أن العدول عن القصد قد يكون بالحق كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة  ﴾ واختلفوا في الإلحاد في الحرم فعن قتادة وسعيد بن جبير وابن عباس في رواية عطاء أنه الشرك يعني من لجأ إلى حرم الله ليشرك به عذبه الله.

وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن حنظلة حيث قتل الأنصاري وهرب إلى مكة كافراً.

فأمر النبي  بقتله يوم الفتح وهو العذاب الأليم.

وعن مجاهد أنه الاحتكار.

وقيل: المنع من عمارته.

وعن عطاء: هو قول الرجل في المبايعة "لا والله" وبلى والله.

ومثله ما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل فقيل له في ذلك فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل "لا والله" و"بلى والله".

والأولى التعميم.

وفيه أن الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في مهامه ومقاصده، وهذا وإن كان واجباً في كل مكان إلا أن وجوبه هناك أو كد فللمكان خاصية كما للزمكان ولهذا قال مجاهد: تضاعف السيئات فيه كما تضاعف الحسنات.

عن ابن مسعود: أن القصد إلى الذنب يكتب هناك ذنباً وإن لم يخرج إلى الفعل.

وعنه لو أن رجلاً يهم بأن يعمل سيئة عند البيتن اذاقه الله  عذاباً أليماً.

واعلم أن خبر إن محذوف لدلالة جواب الشرط عليه كأنه قيل: إن الذين كفروا ويصدون نذيقهم من عذاب أليم ومن يرد في الحرم بإلحاد فهو كذلك، وحين انجر الكلام إلى ذكر المسجد الحرام أتبعه ذكر الكعبة وبعض ما يتعلق به من المناسك فقال ﴿ وإذ بوأنا ﴾ أي واذكر حين جعلنا ﴿ لإبراهيم مكان البيت ﴾ مباءة أي مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة، ويروى أن موضع البيت كان مطموساً بفبعث الله  ريحاً كنست ما حوله حتى ظهر اسه القديم فبنى إبراهيم عليه وقد مر قصة ذلك في "البقرة".

وقيل: بعث غمامة على قدر البيت الحرام في العرض والطول وفيها راس يتكلم وله لسان وعينان فقال: يا إبراهيم ابن على قدري فأخذ في البناء وذهبت السحابة.

وأن في ﴿ أن لا تشرك ﴾ هي المفسرة وذلك أن المقصود من التوبة هو العبادة فكأنه قيل: تعبدنا لإبراهيم قلنا له: لا تشرك وطهر وقد مر مثله في "البقرة".

وإنما قال ههنا ﴿ والقائمين ﴾ لأن العاكف ذكر مرة في قوله ﴿ سواء العاكف ﴾ والقائم إما بمعنى القيام في الصلاة بدليل قوله ﴿ والركع السجود ﴾ أو بمعنى المقيم المتوطن.

والظاهر أن الخطاب في ﴿ وأذن ﴾ لإبراهيم أيضاً أي ناد ﴿ في الناس ﴾ وهو أن يقول حجوا أو عليكم ﴿ بالحج ﴾ يروى أنه صعد أبا قبيس فقال: ايها الناس حجوا بيت ربكم، قال مجاهد: فما حج إنسان ولا يحج إلى القيامة إلا وقد سمع ذلك النداء من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فمن أجاب مرة حج مرة ومن أجاب أكثر فأكثر.

ولعل الفائدة في قوله ﴿ يأتوك ﴾ هي هذه لأن الإتيان إلى مكة بسبب ندائه إتيان إليه.

وأيضاً هو أول من حج وغيره يقتدي به وكأنه يأتيه.

وعن الحسن وهو اختيار أكثر العلماء المعتزلة أن الخطاب للنبي  وأنه معطوف على "أذكر" مقدراً، ثم إنه عام لجميع الناس أو خاص بمن حج معه في حجة الوداع قولان.

وقيل: إنه ابتداء فرض الحج والرجال المشاة واحده راجل.

وقوله ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ حال آخر كأنه قيل رجالاً وركباناً.

والضامر البعير المهزول لطول السفر.

﴿ ويأتين ﴾ صفة ﴿ لكل ضامر ﴾ لأنه في معنى الجمع.

والفج الطريق الواسع وقد مر في السورة المتقدمة.

والعميق البعيد ومثله معيق وبه قرأ ابن مسعود.

وفي تقديم المشاة تشريف لهم.

روى سعيد بن جبير بإسناده عن النبي  "إن الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشي سبعمائة من حسنات الحرم.

قيل: يا رسول الله وما حسنات الحرم؟

قال: الحسنة بمائة ألف حسنة" قال جار الله: ذكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات وقد كنى عن النحر والذبح بذكر اسم الله  لأن المسلمين لا ينفكون عن التسمية إذا نحروا أو ذبحوا، وفيه تنبيه على أن التسمية من الأغراض الأصلية المعتبرة خلاف ما كان يفعله المشركون من الذبح للنصب.

وفي قوله ﴿ على ما رزقهم ﴾ إشارة إلى أن نفس القربان وتيسير ذلك العمل من نعم الله  ولو قيل "لينحروا في أيام معلومات بهيمة الأنعام" لم يكن شيء من هذه الفوائد.

والأيام المعلومات عند أكثر العلماء عشر ذي الحجة الأول آخرها يوم النحر لأنها معلومة عند الناس لحرصهم على أعمال الحج فيها.

ثم للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة والمعشر الحرام، كذلك للذبح وقت بعينه وهو يوم النحر وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والحسن ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس واختيار الشافعي وأبي حنيفة.

وعن ابن عباس في رواية أخرى أنها يوم النحر وثلاثة ايام بعدها وهو اختيار أبي مسلم وقول أبي يوسف ومحمد.

وعلى الأول يكون قوله ﴿ في أيام ﴾ متعلقاً بكلا الفعلين أعني ﴿ ليشهدوا ﴾ ﴿ وليذكروا ﴾ وعلى الثاني يختص تعلقه بالثاني.

ومعنى ﴿ بهيمة الأنعام ﴾ بهيمة من الأنعام لأن البهيمة تشمل كل ذات أربع في البر والبحر فبينت بالأنعام وهي الإبل والبقر والضأن والمعز، وقد مر في أول المائدة قال مقاتل: إذا ذبحت فقل "بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك" وتستقبل القبلة.

وزاد الكلبي "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين".

قال القفال: كأن المتقرب بها وبإراقة دمائها متصور بصورة من يفدي نفسه بما يعادلها فكأنه يبذل تلك الشاة بذل مهجته طلباً لمرضاة الله واعترافاً بأن تقصيره كاد يستحق مهجته.

أما قوله ﴿ فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ﴾ فالبائس الذي أصابه بؤس أي شدة والفقير قد مر في آية الصدقات في "التوبة" وفي غيرها.

ثم من الناس من قال: الأمران للوجوب لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون منها فأمر المسلمون بمخالفتهم.

والأكثرون على أن الأكل ليس بواجب.

ثم منهم من قال: يحسن أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف رعاية للأمرين.

ومنهم من قال: يأكل الثلث ويتصدق بالثلثين لما يجيء من قوله ﴿ فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ﴾ فجعلها على ثلاثة أقسام ومنهم من قال: يأكل الثلث ويدخر الثلث ويتصدق بالثلث لما جاء في الحديث من الأمر بالادخار.

والأولى وهو مذهب الشافعي أنه إن أطعم جميعها أجزأه، وإن أكل جميعها لم يجزئه، وإذا تصدق بأقل شيء من لحمها يكفي هذا إذا كان متطوعاً.

وأما الواجبات كالنذور والكفارات وجبران النقصانات مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة فلا يأكل منها لا هو ولا أغنياء الرفقة ولا فقراؤها لما روي عن هشام بن عروة عن أبيه "عن ناجية الخزاعي قال: قلت: يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من البدن؟

قال: انحرها ثم إغمس نعلها في دمها ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها" .

وقال ايضاً  في مثله: "لا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك" .

قوله ﴿ ثم ليقضوا تفثهم ﴾ لا يبعد أن يكون معطوفاً على ﴿ ليشهدوا ﴾ فإن هذه الأعمال كلها غايات للإتيان إلا أن إسكان هذه اللامات في بعض القراآت يدل على أنها لام الأمر وعلى هذا تكون هذه الأوامر الغائبة معطوفة على الأمرين الحاضرين قبلها والله أعلم.

قال أبو عبيدة: لم يجيء في الشعر ما يحتج به في معنى النفث.

وقال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير.

وقال القفال: قال نفطويه: سألت أعرابياً فصيحاً ما معنى قوله ﴿ ثم ليقضوا نفثهم ﴾ ؟

فقال: ما أفسر القرآن ولكنا نقول للرجل: ما أتفثك وما أدرنك!

ثم زعم القفال أن هذا أولى من قول الزجاج لأن المثبت أولى من النافي.

وقال المبرد: أصل التفث في كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها.

وأجمع أهل التفسير على أن المراد ههنا إزالة الأوساخ والزوائد كقص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة.

فتقدير الآية ثم ليقضوا إزالة تفثهم وليوفوا نذورهم اي الأعمال التي أوجبها الحج بالشروع فيه، أو أعمال البر التي أوجبوها على أنفسهم بالنذر فإن الرجل إذا حج أو اعتمر فقد يوجب على نفسه من الهدي وغيره ما لولا إيجابه لم يكن الحج يقتضيه.

﴿ وليطوفوا ﴾ هو طواف الإفاضة والزيارة التي هي ركن وقد شرحت حاله في البقرة في قوله ﴿ فإذا أفضتم من عرفات  ﴾ وقيل: هو طواف الوداع والصدر.

سمي ﴿ بالبيت العتيق ﴾ لأنه أول بيت وضع للناس عن الحسن، وقال قتادة: لأنه أعتق من تسلط الجبابرة عليه وهو قول ابن عباس وابن الزبير ورووه عن رسول الله صلى الله عيله وسلم.

وعن ابن عيينة لأنه لم يملك قط.

وعن مجاهد لأنه أعتق من الغرق أيام الطوفان.

وقيل: معناه البيت الكريم من قولهم "عتاق الخيل والطير".

والحرمة مالا يحل هتكه وجميع التكاليف بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، ويحتمل أن يراد ههنا ما يتعلق بالحج، عن زيد بن أسلم أن الحرمات خمس: الكعبة الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمحرم حتى يحل.

وتعظيمها العلم بوجوبها والقيام بحقوقها.

وقوله ﴿ فهو خير ﴾ أي فالتعظيم له خير من التهاون بذلك.

وقوله ﴿ عند ربه ﴾ إشارة إلى أن ثوابه مدخر لأجله.

قوله ﴿ وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ﴾ قد مر في أول "المائدة" مثله أي إلا ما يتلى عليكم آية تحيمه وهي ﴿ حرمت عليكم الميتة  ﴾ أو قوله ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم  ﴾ أو قوله ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه  ﴾ وحين حث على تعظيم الحرمات أتبعه الأمر بما هو أعظم أنواعها وأقدم أصنافها قائلاً ﴿ فاجتنبوا الرجس ﴾ وبينه بقوله ﴿ من الأوثان ﴾ أي الرجس الذي هو الأوثان كقولك "عندي عشرون من الدراهم".

والرجس العمل القبيح في الغاية وقد مر في آخر المائدة في تفسير قوله ﴿ رجس من عمل الشيطان  ﴾ والزور من الزور الميل والإضافة كقولهم "رجل صدق" جمع بين القول الزور وبين الشرك لأن عبادة الأوثان هي راس الزور وملاكه.

قال الصم: وصف الأوثان بأنها رجس لأن عادتهم في القرابين أن يتعمدوا سقوط الدماء عليها، والأقرب أنها وصفت بذلك لأن عبادتها فعلة ممادية في القبح والسماجة.

وللمفسرين في قول الزور وجوه منها: أنه قولهم هذا حلال وهذا حرام.

ومنها أنه شهادة الزور رفعوا هذا التفسير إلى النبي  .

ومنها أنه الكذب والبهتان.

ومنها أنه قول أهل الجاهلية في الطواف "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك" وقوله ﴿ حنفاء لله غير مشركين به ﴾ حالان مؤكدان والمراد الإخلاص في التوحيد كقوله ﴿ حنيفاً ولم يك من المشركين  ﴾ وفائدة الحالين هي فائدة التولي والتبري وإنما أخر نفي الإشراك وإن كان مقدماً في الرتبة إذ التخلية والتبرئة مقدمة على التحلية والتولية ليرتب عليه قوله ﴿ ومن يشرك بالله ﴾ الآية.

قال جار الله: إن كان تشبيهاً مركباً فمعناه من أشرك بالله فقد هلك نفسه غاية الإهلاك وذلك بأن صور حاله بصورة من خر من السماء فاحتطفه أي استلبته الطير فتفرق مزعاً أي قطعاً من اللحم في حواصلها، أو بحال من خر فعصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح السحيقة البعيدة.

وإن كان مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي تركه فأشرك فقد سقط منها والإهواء التي توزع أفكاره بالطير المتخطفة، وفي المثل الآخر شبه الشيطان الذي يطرح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بالأشياء في المهاوي المتلفة.

وتعظيم شعائر الله وهي الهدايا كما مر في أمر "المائدة" هي أن يختارها عظام الأجرام غالية الأثمان.

وقد مر وصفها الشرعي في "البقرة" في قوله { ﴿ فما استيسر من الهدي  ﴾ وقد أهدى رسول الله  مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب قال في الكشاف ﴿ فإنها من تقوى القلوب ﴾ أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى من ليرتبط به.

وأقول: في هذا الوجوب نظر لأنه ليس بشرعي ولا بعقلي على ما تزعم المعتزلة.

أما المضاف الأول فلأنه يحتمل أن يعود الضمير إلى التعظيم موحدين حتى لا يطابقها لفظ القلوب بل يحتمل أن يقدر لفظة منهم أويقدر فإن تعظيمهم إياها فيرجع الكلام إلى قلوبنا ﴿ ومن يعظم شعائر الله ﴾ فإن تلك الخلة منهم من تقوى القلوب أي ناشئة من تقوى قلوبهم، فإن القلوب مراكز التقوى التي منها عيارها وعليها مدارها ولا عبرة بما يظهر من آثارها على سائر الجوارح دونها.

ثم كان لسائل أن يسال: ما بال هذه الحيوانات تذبح فيتقرب بها إلى الله  ؟

فلهذا قال ﴿ لكم فيها منافع ﴾ يعني الدنيوية من الدر وركوب الظهر وسيشير إلى الدينية بقوله ﴿ لكم فيها خير ﴾ ولهذا أطلق ذلك وقيد هذه بقوله ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ وهو أوان النحر.

ثم بين أن وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها أو مكان نحرها منته إلى البيت أو إلى ما يجاوره ويقرب مه وهو الحرم كما مر في قوله ﴿ هديا بالغ الكعبة  ﴾ ومثله قوله:بلغنا البلد" إذا شارفوه واتصل مسيرهم بحدوده.

قال القفال: هذا إنما يختص بالهدايا التي بلغت مني، فأما إذا عطبت قبل بلوغ مكة فإن محلها هو موضعها.روى أبو هريرة " أنه  مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد فقال  : اركبها فقال: يا رسول الله إنها هدي.

فقال: اركبها ويلك" .

وعن جابر أنه  قال: "اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهراً" .

وهذا هو الذي اختاره الشافعي.

وعن ابي حنيفة أنه لا يجوز الإنتفاع بها لأنه لا يجوز إجازتها ولو كان مالكاً لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها.

وضعف بأن أم الولد لا يمكنه بيعها ويمكنه الانتفاع بها.

وممن ذهب إلى هذا القول من فسر الأجل المسمى بوقت تسميتها هدياً، والمراد أن لكم أن تنتفعوا بهذه الأنعام إلى أن تسموها أضحية وهدياً فإذا فعلتم ذلك فليس لكم أن تنتفعوا بها.

وقد ينسب هذا القول إلى ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والضحاك.

أجاب الأولون بأن الضمير في قوله ﴿ لكم فيها منافع ﴾ عائد إلى الشعائر، وتسمية ما سيجعل شعيرة مجاز والأصل عدمه.

قال في الكشاف: "ثم" للتراخي في الوقت فاستعيرت للتراخي في الأحوال، والمعنى إن لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم، وأعظم هذه المنافع وأبعدها شوطاً في النفع محلها منتهية إلى البيت.

ومنهم من فسر الشعائر بالمناسك كلها وفسر الأجل المسمى بأوان انقطاع التكليف، وزيفه جار الله بأن محلها إلى البيت يأباه، ثم بين أن القرابين في الشرائع القديمة وإن اختلفت أمكنتها وأوقاتها فقال ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ﴾ موضعاً أو وقتاً يذبح فيه النسائك الذبائح كسر السين سماع وفتحها قياس.

ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى النسك والمراد شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة من زمن إبراهيم إلى من قبله وبعده أن ينسكوا له أي يذبحوا لوجهه على جهة التقرب وجعل الغاية في ذلك هي أن يذكر اسمه على نحرها، ثم بين العلة في تخصيص اسمه بذلك قائلاً ﴿ فإلهكم إله واحد ﴾ لأن تفرده بالإلهية يقتضي أن لا يذكر على الذبائح إلا إسمه.

ويجوز أن يتعلق هذا الكلام بأول الآية، والمعنى إنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح لا لتعدد الإله.

ثم ذكر أن تفرده بالإلهية يقتضي اختصاصه بالطاعة قائلاً ﴿ فله أسلموا ﴾ أي خصوه بالانقياد الكلي والامتثال لأوامره ونواهيه خالصاً لوجهه من غير شائبة إشراك.

ثم أمر نبيه  بتبشير المخبتين وفسرهم بقوله ﴿ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ والتركيب يدور على التواضع والخشوع ومنه الخبت للمطمئن من الأرض، وعن عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا.

قال الكلبي: هم المجتهدون في العبادة.

ثم عطف على المخبتين قوله ﴿ والصابرين على ما أصابهم ﴾ أي من المكاره في ذات الله كالأمراض والمحن، فأما الذي يصيبهم من قبل الظلمة فقد قال العلماء: إنه لا يجب الصبر عليه ولكن لو أمكن الدفع وجب دفعه ولو بالقتال.

ثم خص من أنواع التكاليف التي تشق على النفس وتكرهها نوعين هما أشرف العبادات البدنية والمالية أعني الصلاة والزكاة وقوله ﴿ ومما رزقناهم ﴾ عطف على ﴿ المقيمي الصلاة ﴾ من حيث المعنى كأنه قيل: والذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون.

ثم عاد إلى تعظيم شأن الضحايا مرة اخرى وخص منها العظام الجسام بقوله ﴿ والبدن جعلناها ﴾ هي بضم الدال وسكونها جمع بدنة وهي الإبل خاصة لعظم بدنها إلا أن الشارع ألحق البقرة بها حكماً.

قال أبو حنيفة ومحمد: لو قال: عليَّ بدنة يجوز له نحرها في غير مكة.

وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بمكة بناء على أن البدنة مختصة بناقة أو بقرة تذبح هناك.

واتفقوا فيما إذا نذر هدياً أنه يجب ذبحه بمكة، وفيما إذا أنذر جزوراً أنه يذبحه حيث شاء.

وانتصب قوله و ﴿ البدن ﴾ بفعل يفسره ما بعده.

ومعنى جعلها من شعائر الله أنها من أعلام الشريعة التي شرعها الله.

عن بعض السلف أنه لم يملك إلا تسعة دنانير فاشترى بها بدنة فقيل له في ذلك فقال: سمعت ربي يقول ﴿ لكم فيها خير ﴾ أي ثواب في الآخرة كما ذكرنا.

وبعضهم لم يفرق بين الآيتين فحمل كلاً منهما على خير الدنيا والآخرة، والأنسب ما فسرناه حذراً من التكرار ما أمكن.

ومعنى ﴿ صواف ﴾ قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، ولعل السر فيه تكثير سوادها للناظرين وتقوية قلوب المحتاجين.

﴿ فإذا وجبت جنوبها ﴾ اي سقطت على الأرض من وجبت الحائط وجبة سقطت، ووجبت الشمس وجبة غربت.

والمعنى إذا زهق روحها حل لكم الأكل منها وإطعام القانع والمعتر فالقانع السائل والمعتر الذي لا يسأل تعففاً.

وقيل: بالعكس فهماً من الأضداد كأن القانع قنع بالسؤال أو قنع بما قسم له فلا يسأل، والمعتر رضي بعرّه اي عيبه فلا يسال أو يسأل.

ثم منَّ على عباده بأن سخر لهم البدن أن يحتبسوها صافة قوائمها مطعوناً في لباتها مثل التسخير الذي شاهدوا وعلموا يأخذ بخطامها صبي فيقودها إلى حيث يشاء، وليست بأعجز من بعض الوحوش التي هي أصغر جرماً وأقل قوة لولا أنه  سخرها.

يورى أن أهل الجاهلية كانوا يلطخون الأوثان وحيطان الكعبة بلحوم القرابين ودمائها فبين الله  ما هو المقصود منها فقال ﴿ لن ينال الله ﴾ أي لن يصيب رضا الله أصحاب اللحوم والدماء المهراقة بمجرد الذبح والتصدق.

﴿ ولكن يناله التقوى منكم ﴾ بأن يكون القربان حلالاً روعي فيها جهات الأجزاء ثم يصرفها فيما آمر.

ثم كرر منة التسخير وأن الغاية تكبير الله على الهداية لأعلام دينه ومناسك حجه، وصورة التكبير وما يتعلق بها قد سبق في "البقرة" في آية الصيام.

قالت المعتزلة: لما لم ينتفع المكلف بالأجسام التي هي اللحوم والدماء وانتفع بتقواه وجب أن تكون التقوى فعلاً له وإلا كان بمنزلة الأجسام.

وأيضاً إنه قد شرط التقوى في قبول العمل وصاحب الكبيرة غير متق فوجب أن لا يقبل عمله.

والجواب أنه لا يلزم من عدم انتفاعه ببعض ما ليس من أفعاله أن لا ينتفع بكل ما ليس من أفعاله.

وأيضاً إن صاحب الكبائر اتقى الشرك فيصدق عليه أنه متقٍ ﴿ وبشر المحسنين ﴾ إلى أنفسهم بتوفير الثواب عليها.

والإحسان بالحقيقة أن تعبد الله كأنك تراه، وفيه ترغيب لما شرط من رعاية الإخلاص في القرابين وغيرها.

وحين فرغ من تعداد بعض مناسك الحج ومنافعها وكان الكلام قد انجر إلى ذكر الكفار وصدهم عن المسجد الحرام أتبعه بيان ما يزيل ذلك الصد ويمكن من الحج وزيارة البيت فقال ﴿ إن الله يدفع ﴾ ومن قرأ ﴿ يدافع ﴾ فمعناه يبالغ في الدفع ﴿ عن الذين آمنوا ﴾ فعل المغالب والمدفوع هو بأس المشركين وما كانوا يخونون الله ورسوله فيه يدل عليه تعليله بقوله ﴿ إن الله لايحب كل خوان كفور ﴾ أي أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذه صفته قال مقاتل: اقروا بالصانع وعبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذا؟

وكان أصحاب رسول الله  يلقون من المشركين أذى شديداً وكانوا يلقونه من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فنزل ﴿ أذن ﴾ وفاعله الله  أم لم يسم والمأذون فيه القتال بدليل قوله ﴿ للذين يقاتلون ﴾ إن فتح التاء فظاهر لأن المشركين كانوا يقاتلون المؤمنين وإنهم يؤمرون بالصبر، وإن كسرت فمعناه أذن للذين يحرصون على قتال المشركين في المستقبل نزل حرصهم على القتال منزلة نفس القتال ﴿ بأنهم ظلموا ﴾ أي بسبب كونهم مظلومين وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعدما نهى عنه في نيف وسبعين آية.

وقيل: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركو مكة فأذن لهم في مقاتلتهم.

وفي قوله ﴿ إن الله يدافع ﴾ ثم في قوله ﴿ وإن الله على نصرهم لقدير ﴾ عدة كاملة بإعلاء هذا الدين وإظهار ذويه على أهل الأديان كلهم كما تقول لغيرك إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك.

لا تريد مجرد إثبات القدرة بل تريد أنك ستفعل ذلك.

ثم وصف ذلك الظلم بأن وصف الموعودين بالنصر بقوله ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم ﴾ ومحل ﴿ أن يقولوا ﴾ جر على الإبدال من ﴿ حق ﴾ اي بغير موجب سوى التوحيد الذي يوجب الإقرار والتمكين لا الإخراج والإزعاج نظيره ﴿ هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله  ﴾ ﴿ ولولا دفع الله الناس ﴾ قد مر في أواخر البقرة.

وللمفسرين في عبارات قال الكلبي: يدفع بالنبيين عن المؤمنين وبالمجاهدين عن القاعدين.

وعن ابن عباس: يدفع بالمحسن عن المسيء وعن ابن عمر أن النبي  قال: "إن الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة من أهل بيته ومن جيرانه ثم تلا هذه الآية" وقال الضحاك: يدفع بدين الإسلام وأهله عن أهل الذمة.

وقال مجاهد: يدفع عن الحقوق بالشهود وعن النفوس بالقصاص.

أما الصوامع والبيع والصلوات فعن الحسن أنها كلها اسماء المساجد، فقد يتخذ المسلم لنفسه صومعة لأجل العبادة.

قال الجوهري: الأصمع الصغير الأذن ويقال أتانا بثريدة مصمعة، إذا دققت وحدد راسها.

وصومعة النصارى "فوعلة" من هذا لأنها دقيقة الرأس، وقد تطلق البيعة على المسجد للتشبيه وكذا الصولات.

وسميت كنيسة اليهود صلاة لأنها يصلى فيها، ويحتمل أن يراد مكان الصلوات أو يراد الصلاة الشرعية نفسها.

وصح إيقاع الهدم عليها نظراً إلى قرائنها كقوله: مقلداً سيفاً ورمحاً.

وإن كان الرمح لا يتقلد.

هذا كله توجيه تفسير الحسن.

والأكثرون على أنها متعبدات مختلفة، فعن ابي العالية أن الصوامع للنصارى والبيع لليهود والصلوات للصابئين والمساجد للمسلمين.

وفي تخصيصها بقوله ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ تشريف لها وتفضيل على غيرها لأن الظاهر عود الضمير إليها فقط.

وعن قتادة أن الصوامع للصابئين والبيع للنصارى والصلوات لليهود.

قال الزجاج: وهي بالعبرانية صلوتا.

وقيل: الصوامع والبيع كلتاهما للنصارى ولكن الأولى في الصحراء والأخرى في البلد، وإنما أخر متعبد أهل الإسلام لتأخر زمانهم ولا ضير فإن أول الفكر آخر العمل.

وقال  "نحن الآخرون السابقون" وتفسير الآية على قول الأكثرين لولا دفع الله لهدم في شرع كل نبي المكان المعهود لهم في العبادة، فهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد  المساجد.

وعلى هذا الوجه إنما رفع عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف والنسخ، ويحتمل أن يراد لولا ذلك لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان في زمن أمة محمد  من المسلمين وأهل الكتاب الذين في ذمتهم، وهدموا المتعبدات باسرها.

وعلى هذا الوجه إنما دفع عن سائر أهل الأديان لأن متعبداتهم يجري فيها ذكر الله في الجملة ليست بمنزلة بيوت الأصنام.

ثم عزم على نفسه نصرة من ينصر دينه وأولياؤه وأكد ذلك بقوله ﴿ إن الله لقوي عزيز ﴾ ومعنى القوة والعزة أنه لا يمتنع شيء من نفاذ أمره فيه مع أنه لا يتأثر عن شيء أصلاً.

ونصرة الله العبد تقويته على أعدائه ووضع الدلائل على ما يفيده في الدارين ونفث روح القدس بأمره داعية الخير والصلاح في روعه.

ثم أتبع قوله الذين أخرجوا قوله.

﴿ الذين إن مكناهم ﴾ وقيل: هو بدل من قوله ﴿ من ينصره ﴾ وهو إخبار منه عز وجل عما ستكون عليه سيرة المهاجرين إذا مكنهم في الأرض وبسط لهم في الدنيا.

وعن عثمان: هذا والله ثناء قبل بلاء، أراد أن الله  قد أثنى عليهم قبل أن يحدثوا في شأن الدين وإعلائه ما أحدثوا.

قيل: إنه مخصوص من المهاجرين بالخلفاء الراشدين لأنه  لم يعط التمكين فتمكينهم هو إبقاءهم إلى أوان التكليف، وقد يشمل الأطفال أيضاً إذا ماتوا قبل البلوغ لقوله الله أعلم بما كانوا عاملين.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ ولله عاقبة الأمور ﴾ أي مرجعها ومصيرها إلى حكمه وتقديره وقد أراد تمكين أهل هذا الدين في كل حين فيقع لا محالة.

التأويل: ﴿ ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ﴾ القلب سواء فيه من سبق إليه مدة طويلة والذي يصل إليه في الحال لأفضل إلا بسبق مقامات القلب ومنازله ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم ﴾ الروح مكان بيت القلب ﴿ وطهر بيتي ﴾ عن غيري وهو كل ما فيه حظ النفس دون الواردات المطيفة والأخلاق الثابتة والأحوال المتوالية كالرغبة والرهبة والقبض والبسط والأنس والهيبة ﴿ رجالاً ﴾ هي النفس وصفاتها ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ هي البدن وجوارحه فإن الأعمال الشرعية قد ركبت الجوارح المرتاضة، فأعمال البدن مركبة من حركات الجوارح ونيات الضمير كما أن أعمال النفس بسيطة.

لأنها نيات الضمير فقط ﴿ من كل فج عميق ﴾ هو مصالح الدنيا لأن مصالحها بعيدة عن مصالح الآخرة ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ فمنافع النفس وصفاتها بتبديل الأخلاق، ومنافع القلب والجوارح بظهور اثر الطاعة عليها ﴿ ويذكروا ﴾ اي القلب والنفس والقالب شكراً ﴿ على ما رزقهم من ﴾ تبديل الصفات البهيمية بالصفات الروحيانية فانتفعوا بها وأفيضوا منها على الطالبين فهو خير لأن العبد يصل بالطاعة إلى الجنة ويصل بحرمة الطاعة إلى الله، وترك الخدمة يوجب العقوبة وترك الحرمة يوجب الفرقة.

﴿ وأحلت لكم ﴾ استعمال الصفات البهيمية بقدر الضرورة ﴿ إلا ما يتلى عليكم ﴾ في قولنا ﴿ ولا تسرفوا  ﴾ وفي قول النبي  "من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه" ﴿ فاجتنبوا ﴾ مقتضيات الهوى وكونوا صادقين في الطلب لا مزورين مائلين إلى الحق غير طالبين معه غيره، وخر من سماء القلب فاستلبه طير الشياطين أو وتهوي به ريح الهوى والخذلان إلى أسفل سافلين البعد والحرمان.

لكم في شواهد آثار صنع الإرشاد منافع وهي لذة العبور على المقامات ولذة البسط ولذة الأنس إلى أجل مسمى وهو حد الكمال، ثم انتهاء السلوك إلى حضرة القديم.

ولكل سالك جعلن مقصداً وطريقاًً، منهم من يطلب الله من طريق المعاملات، ومنهم من يطلبه من طريق المجاهدات، ومنهم من يطلبه بطريق المعارف، ومنهم من يطلبه به.

﴿ فله أسلموا ﴾ أي أخلصوا والإخلاص تصفية الأعمال من الآفات، ثم الأخلاق من الكدورات، ثم الأحوال من الالتفات، ثم الأنفاس من الأغيار ﴿ وبشر المخبتين ﴾ عنى المستقيمين على هذه الطريقة.

﴿ وجلت قلوبهم ﴾ الوجل عند الذكر على حسب تجلي الحق للقلب ﴿ والصابرين على ما اصابهم ﴾ من غير تمني ترحة ولا روم فرحة ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ الحافظين مع الله أسرارهم لا يطلبون إطلاع الخلق على أحوالهم ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ يبذلون الموجود في طلب المقصود والوجود بشهود المعبود ﴿ والبدن ﴾ يعني بدن الأبدان الجسام جعلنا قربانها عند كعبة القلب بذبحها عن شهواتها من شعائر أهل الصدق في الطلب، فإذا ماتت عن طبيعتها فانتفعوا بها أنتم وغيركم من الطالبين والقانعين بما أفضتم عليه، والمعترين المتعطشين الذين لا يروون رياً من ماء حياة المعرفة شربت الحب كأساً بعد كأس *** فما نفد الشراب وما رويت ﴿ وكذلك سخرناها لكم ﴾ فيه أن ذبح النفس بسكين الرياضة لا يتيسر إلا بتسخير خالقها وتيسير موجدها يؤكده قوله ﴿ إن الله يدافع ﴾ خيانة النفس وهواها ﴿ عن الذين آمنوا ﴾ ﴿ أذن للذين يقاتلون ﴾ فيه أن قتال يجب أن يكون بإذن من الله  وهو أن يكون على وفق الشرع وفي أوان التكليف وعلى حسب ظلم النفس على القلب وإخراجها إياه من ديار الطمأنينة ﴿ ولولا دفع الله ﴾ النفوس بالقلوب لضيعت صوامع أركان الشريعة، وبيع آداب الطريقة، وصلوات مقامات الحقيقة، ومساجد القلوب التي ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ لاتساعها بإشراف نور الله عليها ﴿ أن مكناهم في الأرض ﴾ البشرية ﴿ أقاموا ﴾ صلاة المواصلة وأتوا زكاة الأحوال وهي إيثار ربع عشر الأوقات على مصالح الخلق، وأمروا بحفظ الحواس عن مخالفات الأمر وبمراعاة الأنفاس مع الله، ونهوا عن مناكير الرياء والإعجاب وإلى الله عاقبة الأمور.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ قوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ جائز أن يكون الذي تقدم ذكره من قوله: ﴿ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ * لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ...

﴾ إلى آخر ما ذكر ذلك الذي ذكر: ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

وجائز أن يكون لا على ذلك، ولكن حرف يذكر عند ختم قصّة والفراغ منها مبتدأ، لا على ربط شيء، نحو قوله: ﴿ هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ...

 ﴾ كذا ﴿ وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ...

 ﴾ كذا، قوله: ﴿ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ ﴾ يصح دون ذكر هذا، لكنه ذكر على ختم كلام الأوّل وابتداء آخر، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ كذلك.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ﴾ كأنّه قال: ومن يعظم حرمات الله، وخرج للحج، وأنفق المال، وأتعب النفس فما له عند ربّه من الثواب، فذلك خير له من حفظ ماله وحفظ نفسه، وإلا لا شك أن من عظم حرمات الله خير له ممن لم يعظمها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ ﴾ ، وفي حرف ابن مسعود: (وأحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم) من المحرمات من الميتة والدم، وما ذكر في سورة المائدة، وقد ذكرنا هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ ﴾ وهم الأوثان.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَٱجْتَنِبُواْ ﴾ عبادة الأوثان فإنه رجس، وليس فيه أن غير الأوثان ليس برجس، كقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ  ﴾ ليس فيه أن يحل قتل الأولاد في غير خشية الإملاق، فعلى ذلك هذا.

وقوله: ﴿ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ ﴾ يحتمل كل قول زور.

ويحتمل الزور الذي قالوا في الله من الولد والشريك وما لا يليق به.

﴿ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ * حُنَفَآءَ للَّهِ ﴾ تأويله - والله أعلم -: واجتنبوا قول الزور، وكونوا حنفاء لله غير مشركين به.

وقوله: ﴿ حُنَفَآءَ ﴾ قد ذكرناه.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ غَيْرَ مُشْرِكِينَ ﴾ تفسير قوله: ﴿ حُنَفَآءَ للَّهِ ﴾ أي: كونوا مخلصين لله في جميع أموركم، غير مشركين به في ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ يحتمل ضرب مثل من أشرك بالله بالسّاقط من السماء واختطاف الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق - وجوهاً: أحدها: ما وصف وضرب مثله بشيء لا قرار له ولا ثبات، نحو ما قال: ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ  ﴾ ، ونحو ما قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً...

﴾ الآية [النور: 39]، ضرب مثل الكفر بشيء لا قرار له ولا ثبات، فعلى ذلك مثله بالساقط من السماء تخطفه الطير أو تهوي به الريح، لا يدري أين هو؟

ولا أين يطلب إن أرادوا طلبه؟

ولا يظفر به، فعلى ذلك الكافر.

والثاني: ضرب مثله بالسّاقط من السماء، وهي أبعد البقاع في الأوهام، لا ينتفع بمن سقط منها ولا بشيء من نفسه، ولا تبقى نفسه؛ فعلى ذلك الكافر لا ينتفع بشيء من محاسنه، ولا تبقى نفسه ينتفع بها لبعده عن دين الله.

والثالث: [الساقط] من السماء أثر سقوطه منها في نفسه وفي جميع جوارحه، وظهر ذلك كله فيه حتى لا يرجى برؤه وصحّته، فعلى ذلك الكافر يظهر آثار الكفر في نفسه وجوارحه؛ لبعده عن دين الله، والله أعلم.

وقال بعضهم: هذا مثل ضربه الله لمن أشرك به في هلاكه وبعده من الهدى، والسحيق: البعيد، وهو قريب مما ذكرنا.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ هو ما ذكرنا في قوله: ﴿ هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ  ﴾ ، ﴿ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ ﴾ تأويله - والله أعلم - أي: ومن يعظم شعائر الله بالجوارح، فذلك التعظيم من تقوى القلوب، وهكذا الأمر الظاهر في الناس: أنه إذا كان في القلب شيء من تقوى أو خير، ظهر ذلك في الجوارح، وكذلك الشر أيضاً إذا كان في القلب ظهر في الجوارح.

وقوله: ﴿ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ و ﴿ شَعَائِرَ ٱللَّهِ ﴾ قال بعضهم: هما واحد، وهي المناسك.

وقال بعضهم: الحرمات هي جميع محارم الله ومعاصيه يتقيها؛ تعظيما لها، وقد ذكرنا تأويل ﴿ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ﴾ في سورة [المائدة: 2]، والسحيق: هو المكان البعيد، يقال: سحق المكان يسحق سحقا فهو سحيق: إذا بعد، والسحق أيضاً: الشيء الخلق، يقال: أسحق الثوب، وسحق يسحق سحقاً، وأسحق يسحق، والسحوق: النخلة الطويلة.

وقوله: ﴿ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ ﴾ أي: تذهب به، يقال: هوى يهوي هواء، أي: ذهب بنفسه.

وقوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا ﴾ أي: فيما ذكر من الشعائر ﴿ مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ قال بعضهم: لكم فيها منافع من ظهورها وألبانها وأصوافها ﴿ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ ، أي: إلى أن تقلد وتهدى، ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَآ ﴾ إذا قلدت وأهديت ﴿ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ .

وكذلك يقول أصحابنا: إن من أوجب بدنة أو أهدى بدنة، لا يحل له الانتفاع بها ولا بشيء منها إلا في حال الاضطرار، فإذا بلغت محلها، وذبحت، حل الانتفاع بلحمها.

ومنهم من قال في قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ : إلى وقت محلها من الرّكوب بظهرها، وحلب اللبن، وجزّ الصّوف، وغير ذلك مما كانوا ينتفعون بها من قبل، ويَرْوي في ذلك خبراً: "رُوي أنّ نبيّ الله  رأى رجلا ساق بدنة، فقال: اركبها فقال: إنها بدنة فقال: اركبها فقال: إنها بدنة يا رسول الله، قال: اركبها ويلك" ، وبه يقول بعض الناس، يبيحون الانتفاع بالهدايا والقلائد قبل أن تنحر وتذبح، لكن عندنا ذلك في وقت الحاجة الشديدة المضطر إليها، ففي مثل ذلك يجوز الانتفاع بملك غير ببدل، فعلى ذلك بالهدايا ينتفع بها بما ذكرنا ويضمن ما نقصها ركوبه لها.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ إلى أن تهلك أو تهلكون أنتم، كقوله: ﴿ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ  ﴾ أي: إلى وقت هلاكها، فعلى ذلك الأول.

ثم يكون قوله: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ - والله أعلم - ابتداء سؤال سئل عن محل الهدايا والقلائد، فقال عند ذلك: ﴿ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ ، والله أعلم.

والأول أشبه وأقرب لما ذكرنا.

وقوله: ﴿ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ ذكر البيت العتيق، ومعلوم: أنه لم يرد به نفس البيت، ولكن إنما أراد به البقعة التي فيها البيت؛ لأن الدماء لا تراق في البيت إنما تراق في تلك البقعة التي هو فيها، الحرم كله منحر ومذبح، وأراد بقوله: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ  ﴾ نفس البيت؛ ألا ترى أنه قال هاهنا: ﴿ بِٱلْبَيْتِ ﴾ ، فإنما يطاف به، وقال هنالك: ﴿ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ﴾ ، أضاف إليه؛ دل أنه لم يرد به نفس البيت، ولكن البقعة التي فيها البيت، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ قال بعضهم: المنسك: الموضع الذي يعبدون وينسكون فيه ويصيرون إليه لعبادتهم، ومن ثمة يقال للرجل العابد: ناسك؛ ولذلك قال من قال: ﴿ مَنسَكاً ﴾ ، أي: يصيرون ويخرجون إليه للعبادة، وقال: المنسك: الدّين، وقال: الشريعة.

وقال بعضهم: المنسك: المنحر والمذبح.

وجائز أن يسمّى في اللغة الذبح: نسكاً، كقوله: ﴿ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ  ﴾ وهو الذبح، وقوله: ﴿ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي  ﴾ ، ولو كان النسك عبادة كذكر الصلاة وهي عبادة لكان لا يذكر النسك، فدل أنه أراد بالنسك الذبح.

وقوله: ﴿ لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ ﴾ ، دل قوله: ﴿ لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ ﴾ أن ذكر اسم الله من شرط الذبيحة، حيث ذكر اسم الله ولم يذكر الذبح، ففهموا من ذكر اسم الله الذبح؛ دل أنه من شرط جوازه وحله، سوى الشافعي فإن لم يفهم ما فهم الناس والأمم جميعاً، حيث لم يجعل ذكر اسم الله من شرط الذبيحة.

وقوله: ﴿ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ كأنه ذكر قوله: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ لقوم أنكروا الذبائح، فقال: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ ، أي: ذبحا ذبحوه، وذكروا اسم معبودهم عليه، ثم أخبر أن معبودهم واحد ﴿ فَلَهُ أَسْلِمُواْ ﴾ ، أي: أخلصوا ذلك كله، ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ ﴾ قال: المتواضعين.

وقال بعضهم: المطمئنين.

وقال بعضهم الخاشعين.

وقال بعضهم: كل مجتهد في العبادة هو المخبت.

ويقال: المخلصين.

وتفسير المخبت: ما ذكر على إثره، حيث قال: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...

﴾ الآية.

ومن قال: المخبت: المطمئن، قال: والخبتة: الطمأنينة.

قوله: ﴿ مَنسَكاً ﴾ و (منسِكا)، فيه لغتان: قال الكسائي: من قرأ: (مَنِسكاً) بكسر السين فهو من نَسَك يَنْسِك، ومن قرأ: ﴿ مَنسَكاً ﴾ بالنصب فهو من نَسَكَ يَنْسَكُ، ثم لا خلاف بين أهل العلم في أن البدن التي تساق والهدايا التي تقلد في الحج والعمرة لا يجوز أن تنحر في غير الحرم، إنما اختلفوا في المحصر إذا أراد أن يحل أين ينحر ويذبح هديه الذي يحل به؟

وقد ذكرنا أقاويلهم واختلافهم في سورة البقرة.

ولم يختلف في أن معنى قول الله: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ يدخل فيه الحرم كله على ما ذكرنا، وعلى [ذلك] رويت الأخبار: روي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  : "عرفة كلها موقف، ومنى كلها منحر، وكل فجاج مكة طريقٌ ومنحر" ، وعن علي -  - قال: قال رسول الله  : "كل عرفة موقف، وكل منى منحر" ، وفي بعض الأخبار: "في كل أيام التشريق ذبح" ، وعن علي -  - "أن النبي  أتى الجمرة، فرمى بها، ثم أتى المنحر فقال: هذا المنحر، ومني كلها منحر" ، وعن ابن عباس -  - قال: "إنما المنحر بمكة، ولكنها نزهت عن الدماء، ومني مكة" وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ أي: خافت وفرقت؛ خوفاً منه ﴿ وَٱلصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ ﴾ من المصائب والرزايا ﴿ وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاَةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ هذه الآية قد ذكرنا تأويلها في سورة الأنفال.

وقوله: ﴿ وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ ﴾ قال بعضهم: من فرائض الله.

وقال الحسن: من دين الله.

والأشبه أن يكون قوله: ﴿ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: من معالم دين الله وعبادته ونسكه؛ لأن الشعائر هي المعالم في اللغة، خصّت بها المناسك دون غيرها من العبادات فجعلها معالم لها، والبدنة سميّت: بدنة؛ لما تعظم في أنفسها وتبدن، ويقال للرجل إذا عظم في نفسه: بدن فلان.

وظاهر ما روي عن رسول الله  أنه قال: "البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة تجزئ عن سبعة" أن البدنة هي الجزور والإبل؛ حيث قال: "البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة تجزئ عن سبعة" فرق بين البدنة والبقرة بالذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ قال بعضهم: المنافع الحاضرة من الركوب، والحلب، والحمل عليها بعد ما قلدت وأوجبت هدياً.

وقال بعضهم: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ إلى أن تقلد، فإذا قلدت فلهم الأجر في الآخرة، وكأن هذا أشبه، أي: يكون قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ أي: الأجر في الآخرة؛ لأن الانتفاع بها لا يحل إذا أوجبت بدنة إلا في حال الاضطرار؛ لأنّه قال في آية أخرى: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ  ﴾ وفي الانتفاع بها إحلال شعائره؛ لذلك قال أصحابنا: لا ينتفع بالبدن، وما روي عنه  "أنه رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال له: اركبها فقال: إنها بدنة يا رسول الله، فقال النبي: اركبها، فقال: إنها بدنة.

فقال: اركبها ويحك" ، وفي بعض الأخبار: "ويلك"؛ فهذا عندنا لما رأى بالرجل الحاجة الشديدة إلى ركوبها، وهو ما ذكرنا: أن الانتفاع بها يجوز في حال الاضطرار، ولا يجوز في حال الاختيار؛ إذ الانتفاع بالمحرمات يجوز في حال الاضطرار، فعلى ذلك بالبدن التي جعلت معالم للمناسك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ ﴾ دل هذا أن ذكر اسم الله من شرط الذبيحة؛ لأنه لم يذكر الذبح بنفسه، ولكن إنما ذكر: ذكر اسمه، فلولا أنهم فهموا من ذكر اسم الله عليها ذبحها ونحرها، وإلا لم يكتف بذكر اسمه دون ذكر الذبح؛ فدل أنهم إنما عرفوا ذلك به، وأنه من شرط جوازها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ صَوَآفَّ ﴾ ، فيه لغات ثلاث: إحداها: (صوافي): أي بالياء، وهو من الإخلاص لله، والصفو له.

والثانية: (صوافن) بالنون، وهو من عقل ثلاث قوائم منها، وترك أخرى مطلقة.

والثالثة: (صوافٍ) بالتنوين، أي: قياما مصطفة.

وكأن جميع ما ذكر يراد أن يجمع فيها من الإخلاص له وعقل القوائم، والقيام، وكذلك جاءت السنة والآثار.

وفي حرف ابن مسعود: (صوافن)، بالنون، وتأويله ما ذكرنا.

وظاهر الآية يدل على القيام؛ لأنّه قال: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ ، وقوله: ﴿ وَجَبَتْ ﴾ ، أي: سقطت، والسقوط إنما يكون من القيام، فدل أنها تنحر قياماً لا مضطجعة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا ﴾ قد ذكرنا هذا فيما تقدم في قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ ﴾ و ﴿ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ ﴾ : من سألك؛ هذا قول بعض.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْبَآئِسَ ﴾ : المعروف بالبؤس، و ﴿ ٱلْفَقِيرَ ﴾ : المتعفف الذي لا يسأل.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْبَآئِسَ ﴾ : المسكين، و ﴿ ٱلْفَقِيرَ ﴾ : فقير.

قال بعضهم: ﴿ ٱلْبَآئِسَ ﴾ : الضرير.

و ﴿ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : هو الراضي، وهو من القناعة.

وقال بعضهم: هو السائل، وهو من القنوع، ﴿ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : الذي يعتريك ولا يسأل، و ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : هو الجالس في بيته، ونحوه.

وقال القتبي: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : السائل، يقال: قنع يقنع قنوعاً، ومن الرضا: قنع يقنع قناعة، ﴿ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : الذي يعتريك ولا يسأل، يقال: اعتراني: وعدني، واعتراني.

وقال أبو عوسجة: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : السائل، والقنوع: السؤال، والقناعة من الرضا، يقال منه: قنع يقنع قناعة، ويقول: قنعته، أي: أرضيته، وقنعته، أي: غطيت رأسه بالقناع ونحوه، ويقال من المعتر: اعتر اعترارا واعترى وعرا يعر، وكلها واحد.

وقال: ﴿ صَوَآفَّ ﴾ ، أي: قياما مصطفة، وقال: ويكون (صوافن)، أي: قائماً على ثلاث قوائم.

يقال: صفن الفرس يصفن صفونا: إذا قام على ثلاث قوائم.

وقوله: ﴿ وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ ، أي: سقطت إلى الأرض، يقال: وجب يجب وجوبا، فهو واجب: إذا سقط، ووجبت الشمس: إذا غابت، قال: وهذا كله من الصوت، يقال: سمعت وجبة، أي: صوتاً، وقال: ﴿ مَنسَكاً ﴾ ، أي: موضعا ينسكون إليه للعبادة.

وعن ابن عباس قال: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : الذي يقنع بما أعطيته، ﴿ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : الذي يريك نفسه ولا يسأل.

وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ ﴾ أي: البدن التي ذكرناها.

ثم يحتمل ما ذكر من تسخيره إياها لنا وجهين: أحدهما: ﴿ كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا ﴾ أي: كما سخرناها لكم لركوبها والحمل عليها وأنواع الانتفاع بها في حال الحياة، كذلك سخرناها لكم، أي: مثل الذي وصفته لكم، كل ذلك من تسخيرها إياها لكم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لن يقبل الله ذلك إلا ممن كان من أهل التقوى، لا يقبلها من أهل الكفر؛ لأنهم قد كانوا ينحرون البدن في الجاهلية، على ما ذكرنا، فأخبر أنه لا يقبل ذلك إلا ممن كان من أهل التقوى، وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ  ﴾ .

والثاني: أن يكون قوله: ﴿ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ ﴾ أي: لن يرفع إلى الله إلا الأعمال الصالحة الزاكية وما كان بالتقوى، وأما ما كان غيرها فإنه لا يرفع ولا يصعد بها، وهو ما قال: ﴿ وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ﴾ .

وقال بعض أهل التأويل: ذكر هذا؛ لأن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن نضحوا بدمائها حول البيت، ويقولون: هذا قربة إلى الله، فأراد المسلمون أن يفعلوا مثل صنيعهم، فنزل: ﴿ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْمِنكُمْ كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ ﴾ قد ذكرنا ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ﴾ أي: لتصفوا الله بالعظمة والكبرياء على ما هداكم من أسباب تسخير البدن التي بها يوصل إلى الانتفاع بها من أنواع الانتفاع؛ إذ لولا ما هدانا الله وعلمنا من الأسباب التي بها تسخر وتذلل وإلا ما قدرنا على الانتفاع بها؛ لقوتها ولشدّتها وصلابتها.

والثاني: بأن يكون قوله: ﴿ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ﴾ من أمر الدّين والهدي.

وقوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ يخرج قوله: ﴿ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ على وجوه: أحدها: محسنين إلى أنفسهم، أو المحسنين إلى إخوانهم، أو الذين حسنت أفعالهم، وصلح عملهم، فأما المحسنين إلى الله فلا يحتمل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والإبل والبقر التي تُهْدَى إلى البيت جعلناها لكم من شعائر الدين وأعلامه، لكم فيها منافع دينية ودنيوية، فقولوا: (باسم الله) عند نحرها بعد أن تصفّ قوائمها وهي قائمة قد ربطت إحدى يديها حتى لا تشرد، فإذا سقطت بعد النحر على جنبها، فكلوا -أيها المُهْدون- منها، وأعطوا منها الفقير الذي يتعفف عن السؤال, والفقير الذي يتعرض ليُعْطَى منها، كما ذللناها لكم لتحملوا عليها وتركبوها ذللناها لكم فانقادت إلى حيث تنحرونها؛ تقربًا لله لعلكم تشكرون الله على نعمة تذليلها لكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.BDmNA"

مزيد من التفاسير لسورة الحج

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
سبحان الله وبحمده