الآية ٣٥ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٣٥ من سورة الحج

ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ وَٱلْمُقِيمِى ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ ٣٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 99 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٥ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٥ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) أي : خافت منه قلوبهم ، ( والصابرين على ما أصابهم ) أي : من المصائب .

قال الحسن البصري : والله لتصبرن أو لتهلكن .

( والمقيمي الصلاة ) : قرأ الجمهور بالإضافة .

السبعة ، وبقية العشرة أيضا .

وقرأ ابن السميقع : " والمقيمين الصلاة " بالنصب .

وقال الحسن البصري : ( والمقيمي الصلاة ) ، وإنما حذفت النون هاهنا تخفيفا ، ولو حذفت للإضافة لوجب خفض الصلاة ، ولكن على سبيل التخفيف فنصبت .

أي : المؤدين حق الله فيما أوجب عليهم من أداء فرائضه ، ( ومما رزقناهم ينفقون ) أي : وينفقون ما آتاهم الله من طيب الرزق على أهليهم وأرقائهم وقراباتهم ، وفقرائهم ومحاويجهم ، ويحسنون إلى خلق الله مع محافظتهم على حدود الله .

وهذه بخلاف صفات المنافقين ، فإنهم بالعكس من هذا كله ، كما تقدم تفسيره في سورة " براءة " [ فلله الحمد والمنة ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

فهذا من نعت المخبتين; يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وبشّر يا محمد المخبتين الذين تخشع قلوبهم لذكر الله وتخضع من خشيته وجلا من عقابه وخوفا من سخطه.

كما:حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) قال: لا تقسو قلوبهم.( والصَّابِرينَ عَلى ما أصَابَهُمْ ) من شدّة في أمر الله, ونالهم من مكروه في جنبه ( والمُقِيمي الصَّلاةِ ) المفروضة ( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ ) من الأموال (يُنْفِقُونَ) في الواجب عليهم إنفاقها فيه, في زكاة ونفقة عيال ومن وجبت عليه نفقته وفي سبيل الله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقونفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : وجلت قلوبهم أي خافت وحذرت مخالفته .

فوصفهم بالخوف والوجل عند ذكره ، وذلك لقوة يقينهم ومراعاتهم لربهم ، وكأنهم بين يديه ، ووصفهم بالصبر وإقامة الصلاة وإدامتها .

وروي أن هذه الآية قوله : وبشر المخبتين نزلت في أبي بكر ، وعمر ، وعلي رضوان الله عليهم .

وقرأ الجمهور ( الصلاة ) بالخفض على الإضافة ، وقرأ أبو عمرو ( الصلاة ) بالنصب على توهم النون ، وأن حذفها للتخفيف لطول الاسم .

وأنشد سيبويه :الحافظو عورة العشيرة [ لا يأتيهم من ورائنا نطفالثانية : هذه الآية نظير قوله تعالى : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ، وقوله تعالى : الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله .

هذه حالة العارفين بالله ، الخائفين من سطوته وعقوبته ؛ لا كما يفعله جهال العوام والمبتدعة الطغام من الزعيق والزئير ، ومن النهاق الذي يشبه نهاق الحمير ، فيقال لمن تعاطى ذلك وزعم أن ذلك وجد وخشوع : إنك لم تبلغ أن تساوي حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا حال أصحابه في المعرفة بالله تعالى ، والخوف منه ، والتعظيم لجلاله ؛ ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله والبكاء خوفا من الله .

وكذلك وصف الله تعالى أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه ، ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ولا على طريقتهم ؛ قال الله تعالى : وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين .

فهذا وصف حالهم ، وحكاية مقالهم ؛ فمن كان مستنا فليستن ، ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون فهو من أخسهم حالا ؛ والجنون فنون .

روى [ ص: 57 ] الصحيح عن أنس بن مالك أن الناس سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أحفوه في المسألة ، فخرج ذات يوم فصعد المنبر فقال : سلوني لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم ما دمت في مقامي هذا فلما سمع ذلك القوم أرموا ورهبوا أن يكون بين أمر قد حضر .

قال أنس : فجعلت ألتفت يمينا وشمالا فإذا كل إنسان لاف رأسه في ثوبه يبكي .

وذكر الحديث .

وقد مضى القول في هذه المسألة بأشبع من هذا في سورة ( الأنفال ) والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } أي: خوفا وتعظيما، فتركوا لذلك المحرمات، لخوفهم ووجلهم من الله وحده، { وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ } من البأساء والضراء، وأنواع الأذى، فلا يجري منهم التسخط لشيء من ذلك، بل صبروا ابتغاء وجه ربهم، محتسبين ثوابه، مرتقبين أجره، { وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ } أي: الذين جعلوها قائمة مستقيمة كاملة، بأن أدوا اللازم فيها والمستحب، وعبوديتها الظاهرة والباطنة، { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } وهذا يشمل جميع النفقات الواجبة، كالزكاة، والكفارة، والنفقة على الزوجات والمماليك، والأقارب، والنفقات المستحبة، كالصدقات بجميع وجوهها، وأتي بـ { من } المفيدة للتبعيض، ليعلم سهولة ما أمر الله به ورغب فيه، وأنه جزء يسير مما رزق الله، ليس للعبد في تحصيله قدرة، لولا تيسير الله له ورزقه إياه.

فيا أيها المرزوق من فضل الله، أنفق مما رزقك الله، ينفق الله عليك، ويزدك من فضله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم ) من البلاء والمصائب ( والمقيمي الصلاة ) أي : المقيمين للصلاة في أوقاتها ، ( ومما رزقناهم ينفقون ) يتصدقون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذين إذا ذكر الله وجلت» خافت «قلوبهم والصابرين على ما أصابهم» من البلايا «والمقيمي الصلاة» في أوقاتها «ومما رزقناهم ينفقون» يتصدقون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هؤلاء المتواضعون الخاشعون مِن صفاتهم أنهم إذا ذُكِر الله وحده خافوا عقابه، وحَذِروا مخالفته، وإذا أصابهم بأس وشدة صبروا على ذلك مؤملين الثواب من الله عز وجل، وأدَّوْا الصلاة تامة، وهم مع ذلك ينفقون مما رزقهم الله في الواجب عليهم مِن زكاة ونفقة عيال، ومَن وَجَبَتْ عليهم نفقته، وفي سبيل الله، والنفقات المستحبة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم مدحهم - سبحانه - بأربع صفات فقال : ( الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ .

.

) .أى : بشر هؤلاء المخبتين الذين من صفاتهم أنهم إذا سمعوا ذكر الله - تعالى - وصفاته ، وحسابه لعباده يوم القيامة ، خافت قلوبهم ، وحذرت معصيته - تعالى - .والذين من صفاتهم كذلك : الصبر على ما يصيبهم من مصائب ومحن فى هذه الحياة ، والمداومة على أداء الصلاة فى مواقيتها بإخلاص وخشوع ، والأنفاق مما رزقهم الله - تعالى - على الفقراء والمحتاجين .فإن قيل : كيف نجمع بين هذه الاية التى وصفت المؤمنين الصادقين بأنهم إذا ذكر الله وجلت قلوبهم .

وبين قوله - تعالى - فى آية أخرى : ( أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب ) فالجواب : أنه لا تنافى بين الآيتين ، لأن من شأن المؤمن الصادق أنه إذا استحضر وعيد الله وحسابه لعباده يوم القيامة ، امتلأ قلبه بالخشية والخوف والوجل .فإذا ما استحضر بعد ذلك رحمته - سبحانه - وسعة عفوه ، اطمأن قلبه وسكن روعه ، وثبت يقينه ، وانشرح صدره ، استسلم لقضاء الله وقدره بدون تردد أو تشكك أو جزع .فالوجل والاطمئنان أمران يجدهما المؤمن فى قلبه ، فى وقتين مختلفين .

وفى حالتين متمايزتين .ويؤخذ من هاتين الآيتين : أن التواضع لله - تعالى - ، والمراقبة له - سبحانه - والصبر على بلائه ، والمحافظة على فرائضه .

.

.

كل ذلك يؤدى إلى رضاه - عز وجل - ، وإلى السعادة الدنيوية والأخروية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله تعالى: ﴿ لَكُمْ فِيهَا منافع إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ لا يليق إلا بأن تحمل الشعائر على الهدي الذي فيه منافع إلى وقت النحر، ومن يحمل ذلك على سائر الواجبات يقول لكم فيها أي في التمسك بها منافع إلى أجل ينقطع التكليف عنده، والأول هو قول جمهور المفسرين، ولا شك أنه أقرب.

وعلى هذا القول فالمنافع مفسرة بالدر والنسل والأوبار وركوب ظهورها، فأما قوله: ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ ففيه قولان: أحدهما: أن لكم أن تنتفعوا بهذه البهائم إلى أن تسموها ضحية وهدياً فإذا فعلتم ذلك فليس لكم أن تنتفعوا بها، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والضحاك وقال آخرون ﴿ لكم فيها ﴾ أي في البدن ﴿ منافع ﴾ مع تسميتها هدياً بأن تركبوها إن احتجتم إليها وأن تشربوا ألبانها إذا اضطررتم إليها ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ يعني إلى أن تنحروها هذه هي الرواية الثانية عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو اختيار الشافعي، وهذا القول أولى لأنه تعالى قال: ﴿ لَكُمْ فِيهَا منافع ﴾ أي في الشعائر ولا تسمى شعائر قبل أن تسمى هدياً وروى أبو هريرة أنه عليه السلام مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد، فقال عليه السلام اركبها فقال يا رسول الله إنها هدى فقال اركبها ويلك وروى جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهراً».

واحتج أبو حنيفة رحمه الله على أنه لا يملك منافعها بأن لا يجوز له أن يؤجرها للركوب فلو كان مالكاً لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها كمنافع سائر المملوكات، وهذا ضعيف لأن أم الولد لا يمكنه بيعها، ويمكنه الانتفاع بها فكذا هاهنا.

أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَا إلى البيت العتيق ﴾ فالمعنى أن لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم وأعظم هذه المنافع محلها إلى البيت العتيق أي وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها منتهية إلى البيت، كقوله: ﴿ هَدْياً بالغ الكعبة  ﴾ وبالجملة فقوله: ﴿ مَحِلُّهَا ﴾ يعني حيث يحل نحرها، وأما البيت العتيق فالمراد به الحرم كله، ودليله قوله تعالى: ﴿ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا  ﴾ أي الحرم كله فالمنحر على هذا القول كل مكة، ولكنها تنزهت عن الدماء إلى منى ومنى من مكة، قال عليه السلام: «كل فجاج مكة منحر وكل فجاج منى منحر».

قال القفال هذا إنما يختص بالهدايا التي بلغت منى فأما الهدي المتطوع به إذا عطب قبل بلوغ مكة فإن محله موضعه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لّيَذْكُرُواْ اسم الله ﴾ فالمعنى شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة من عهد إبراهيم عليه السلام إلى من بعده ضرباً من القربان وجعل العلة في ذلك أن يذكروا اسم الله تقدست أسماؤه على المناسك، وما كانت العرب تذبحه للصنم يسمى العتر والعتيرة كالذبح والذبيحة، وقرأ أهل الكوفة إلا عاصماً منسكاً بكسر السين وقرأ الباقون بالفتح وهو مصدر بمعنى النسك والمكسور بمعنى الموضع.

أما قوله تعالى: ﴿ فإلهكم إله واحد ﴾ ففي كيفية النظم وجهان: أحدهما: أن الإله واحد وإنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح الثاني: ﴿ فإلهكم إله واحد ﴾ فلا تذكروا على ذبائحكم غير اسم الله ﴿ فَلَهُ أَسْلِمُواْ ﴾ أي اخلصوا له الذكر خاصة بحيث لا يشوبه إشراك ألبتة، والمراد الانقياد لله تعالى في جميع تكاليفه، ومن انقاد له كان مخبتاً فلذلك قال بعده ﴿ وَبَشّرِ المخبتين ﴾ والمخبت المتواضع الخاشع.

قال أبو مسلم: حقيقة المخبت من صار في خبت من الأرض، يقال أخبت الرجل إذا صار في الخبت كما يقال أنجد وأشأم وأتهم، والخبت هو المطمئن من الأرض.

وللمفسرين فيه عبارات أحدها: المخبتين المتواضعين عن ابن عباس وقتادة.

وثانيها: المجتهدين في العبادة عن الكلبي.

وثالثها: المخلصين عن مقاتل.

ورابعها: الطمئنين إلى ذكر الله تعالى والصالحين عن مجاهد.

وخامسها: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا عن عمرو بن أوس.

ثم وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿ الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ فيظهر عليهم الخوف من عقاب الله تعالى والخشوع والتواضع لله، ثم لذلك الوجل أثران أحدهما: الصبر على المكاره وذلك هو المراد بقوله: ﴿ والصابرين على مَا أَصَابَهُمْ ﴾ وعلى ما يكون من قبل الله تعالى، لأنه الذي يجب الصبر عليه كالأمراض والمحن والمصائب.

فأما ما يصيبهم من قبل الظلمة فالصبر عليه غير واجب بل إن أمكنه دفع ذلك لزمه الدفع ولو بالمقاتلة والثاني: الاشتغال بالخدمة وأعز الأشياء عند الإنسان نفسه وماله.

أما الخدمة بالنفس فهي الصلاة، وهو المراد بقوله: ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ وأما الخدمة بالمال فهو المراد من قوله: ﴿ وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ ﴾ قرأ الحسن ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ بالنصب على تقدير النون، وقرأ ابن مسعود والمقيمين الصلاة على الأصل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

شرع الله لكل أمّة أن ينسكوا له: أي يذبحوا لوجهه على وجه التقرّب، وجعل العلة في ذلك أن يذكر اسمه تقدست أسماؤه على النسائك: قرئ ﴿ مَنسَكًا ﴾ بفتح السين وكسرها، وهو مصدر بمعنى النسك، والمكسور يكون بمعنى الموضع ﴿ فَلَهُ أَسْلِمُواْ ﴾ أي أخلصوا له الذكر خاصة، واجعلوه لوجهه سالماً، أي: خالصاً لا تشوبوه بإشراك.

[(وبشر المخبتين)] المخبتون: المتواضعون الخاشعون، من الخبث وهو المطمئن من الأرض.

وقيل: هم الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا.

وقرأ الحسن: (والمقيمي الصلاة) بالنصب على تقدير النون.

وقرأ ابن مسعود: ﴿ والمقيمين الصلاة ﴾ على الأصل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ ﴾ ولِكُلِّ أهْلِ دِينٍ.

﴿ جَعَلْنا مَنسَكًا ﴾ مُتَعَبَّدًا أوْ قُرْبانًا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى اللَّهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالكَسْرِ أيْ مَوْضِعُ نُسُكٍ.

﴿ لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ ﴾ دُونَ غَيْرِهِ ويَجْعَلُوا نَسِيكَتَهم لِوَجْهِهِ، عَلَّلَ الجَعْلَ بِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ المَناسِكِ تَذَكُّرُ المَعْبُودِ.

﴿ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ ﴾ عِنْدَ ذَبْحِها، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ القُرْبانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ نُعُمًا.

﴿ فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَلَهُ أسْلِمُوا ﴾ أخْلِصُوا التَّقَرُّبَ أوِ الذِّكْرَ ولا تَشُوبُوهُ بِالإشْراكِ.

﴿ وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ ﴾ المُتَواضِعِينَ أوِ المُخْلِصِينَ فَإنَّ الإخْباتَ صِفَتُهم.

﴿ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ هَيْبَةً مِنهُ لِإشْراقِ أشِعَّةِ جَلالِهِ عَلَيْها.

﴿ والصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهُمْ ﴾ مِنَ الكُلَفِ والمَصائِبِ.

﴿ والمُقِيمِي الصَّلاةِ ﴾ في أوْقاتِها، وقُرِئَ «والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ» عَلى الأصْلِ.

﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ في وُجُوهِ الخَيْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)

{الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} خافت منه هيبة {والصابرين على مَا أَصَابَهُمْ} من المحن والمصائب {والمقيمي الصلاة} في أوقاتها {وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ} يتصدقون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ ﴾ أيْ خافَتْ ﴿ قُلُوبُهُمْ ﴾ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ لِإشْراقِ أشِعَّةِ الجَلالِ عَلَيْها ﴿ والصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهُمْ ﴾ مِن مَشاقِّ التَّكالِيفِ ومَؤُوناتِ النَّوائِبِ كالأمْراضِ والمِحَنِ والغُرْبَةِ عَنِ الأوْطانِ ولا يَخْفى حُسْنُ مَوْقِعِ ذَلِكَ هُنا أيْضًا، والظّاهِرُ أنَّ الصَّبْرَ عَلى المَكارِهِ مُطْلَقًا مَمْدُوحٌ.

وقالَ الرّازِيُّ: يَجِبُ الصَّبْرُ عَلى ما كانَ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا عَلى ما يَكُونُ مِن قِبَلِ الظَّلَمَةِ فَغَيْرُ واجِبٍ بَلْ يَجِبُ دَفْعُهُ عَلى مَن يُمْكِنُهُ ذَلِكَ ولَوْ بِالقِتالِ انْتَهى وفِيهِ نَظَرٌ ﴿ والمُقِيمِي الصَّلاةِ ﴾ في أوْقاتِها، ولَعَلَّ ذِكْرُ ذَلِكَ هُنا لِأنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ التَّقْصِيرِ في إقامَةِ الصَّلاةِ.

وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو عَمْرٍ و في رِوايَةٍ «الصَّلاةَ» بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِمُقِيمِي وحُذِفَتِ النُّونُ مِنهُ تَخْفِيفًا كَما في بَيْتِ الكِتابِ: الحافِظُو عَوْرَةَ العَشِيرَةِ لا تَأْتِيهِمْ مِن ورائِهِمْ نُطَفُ بِنَصْبِ عَوْرَةٍ ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: إنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهم ∗∗∗ هُمُ القَوْمُ كُلَّ القَوْمِ يا أُمَّ مالِكِ وقَوْلُهُ: ابْنَيْ كُلَيْبٍ إنَّ عَمِّيَ اللَّذا ∗∗∗ قَتَلا المُلُوكَ وفَكَّكا الأغْلالا وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ «والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ» بِإثْباتِ النُّونِ ونَصْبِ الصَّلاةِ عَلى الأصْلِ، وقَرَأ الضَّحّاكُ «والمُقِيمَ الصَّلاةِ» بِالإفْرادِ والإضافَةِ ﴿ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ في وُجُوهِ الخَيْرِ ومِن ذَلِكَ إهْداءُ الهَدايا الَّتِي يُغالُونَ فِيها <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: ذلِكَ يقول: هذا الذي أمر من اجتناب الأوثان.

وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ، يعني: البدن، فيذبح أعظمها وأسمنها.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «تعظيمها استعظامها، وأيضاً استسمانها واستحسانها» .

ثم قال: فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ، يعني: من إخلاص القلوب، ويقال: من صفاء القلوب، وشَعائِرَ اللَّهِ: معالم الله ودينه، التي ندب إلى القيام بها وواحدها: شعيرة.

قوله عز وجل: لَكُمْ فِيها مَنافِعُ، يعني: في البدن.

وقال مجاهد: يعني: في ركوبها وشرب ألبانها وأوبارها.

إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، يعني: إلى أجَلٍ مسمًّى بدناً، فمحلها إلى البيت العتيق.

وروي عن ابن عباس نحو هذا، وقد قول بعض الناس: إنه يجوز ركوب البدن، وقال أهل العراق: لا يجوز إلا عند الضرورة، ويضمن ما نقصها الركوب، وهذا القول أحوط الوجهين.

ثُمَّ مَحِلُّها يعني: منحرها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، يعني: في الحرم.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «جَمِيعُ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ» .

ثم قال عز وجل: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ، يعني: لكل أهل دين، ويقال: لكل قوم من المؤمنين فيما خلا، جَعَلْنا مَنْسَكاً يعني: ذبحاً لهراقة دمائهم.

ويقال: مذبحاً يذبحون فِيهِ.

قال الزجاج: معناه، جعلنا لكل أمة أن تتقرب بأن تذبح الذبائح لله تعالى.

قرأ حمزة والكسائي مَنْسَكاً بكسر السين، وقرأ الباقون بالنصب.

فمن قرأ بالكسر، يعني: مكان النسك.

ومن قرأ بالنصب، فعلى المصدر.

وقال أبو عبيد: قراءتنا هي بالنصب لفخامتها.

ثم قال: لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ، يعني: يذكرون اسم الله تعالى عند الذبح.

فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، أي ربكم رب واحد.

فَلَهُ أَسْلِمُوا، أي: أخلصوا بالتسمية عند الذبيحة وفي التلبية.

وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ، أي: المخلصين بالجنة.

ويقال: المجتهدين في العبادة والسكون فيها.

قال قتادة: المختبون المتواضعون.

وقال الزجاج: أصله من الخبت من الأرض، وهو المكان المنخفض.

ويقال: المخبت الذي فيه الخصال التي ذكرها الله بعده، وهو قوله عز وجل: الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، يعني: خافت قلوبهم وَالصَّابِرِينَ عَلى مَا أَصابَهُمْ من أمر الله من المرازي والمصائب وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ يعني: يقيمونها بمواقيتها، وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ يعني: يتصدقون وينفقون في الطاعة.

ثم ذكر البدن، يعني: ينحرون البدن.

فهذه الخصال الخمسة صفة المخبتين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ويظهر أَنَّ الإشارة إلى زور أقوالهم في تحريمِ وتحليلِ ما كانوا قد شرعوا في الأنعام، وحُنَفاءَ معناه مستقيمين أو مائلين إلى الحق، بحسب أن لفظة الحنف من الأضداد، تَقَعُ على الاستقامة، وتقع على الميل، والسحيق: البعيد.

ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)

وقوله سبحانه: ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ التقدير في هذا الموضع: الأمر ذلك، والشعائر جمع شعيرة وهي كلّ شيء لله عز وجل فيه أمر أشعر به وأعلم.

قال الشيخ ابن أبي جمرة: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ قال:

تعظيمُ شعائِرِ اللهِ، - كان من البقع أو من البشر أو مِمَّنْ شاء الله تعالى- زيادَةٌ في الإيمان وقوة في اليقين.

انتهى.

وقال العراقي في أرجوزته: [الرجز]

أَعْلاَمُ طَاعَةٍ هي الشعائر ...

...............

....

٢٤ ب/ البيت.

وقالت فرقة: قصد بالشعائر في هذه الآية الهَدْيُ والأنعام المشعرة، ومعنى تعظيمها التسمين والاهتبال بأمرها، قاله ابن عباس «١» وغيرُه، ثم اخْتَلَفَ المتأوِّلُون في قوله سبحانه:

لَكُمْ فِيها مَنافِعُ ...

الآية: فقال مجاهد وقتادة: أراد أنَّ للناس في أنعامهم منافِعَ من الصُّوف، واللَّبَن، والذبح للأكل، وغيرِ ذلك ما لم يبعثها رَبُّها هدياً، فَإذا بعثها فهو الأجل المُسَمَّى «٢» ، وقال عطاء: أراد لكم في الهدي المبعوثِ منافِعُ، من الركوب، والاحتلاب لمن اضطر، والأجل نحرها «٣» ، وتكون «ثم» من قوله: ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ لترتيب الجمل لأَنَّ المَحِلَّ قبل الأجل، ومعنى الكلام عند هذين الفريقين: ثم مَحِلَّها إلى موضع النحر، وذكر البيت لأنَّه أشرفُ الحرم، وهو المقصود بالهدي وغيره.

وقال ابن زيد، والحسن، وابن عمر، ومالك: الشعائر في هذه الآية: مواضِعُ الحج كُلُّها، ومعالمه بمنى، وَعَرَفَةَ، والمزدلفة، والصَّفَا والمروة، والبيت وغير ذلك «٤» ، وفي الآية التي تأتي أَنَّ البُدنَ من الشعائر، والمنافِعُ: التجارة وطلب الرزق أوِ الأجر والمغفرة، والأجل المُسَمَّى: الرجوعُ إلى مكة لطواف الأُفاضة، ومَحِلُّها مأخوذٌ من إحلال المحرم، والمعنى: ثم أُخِّروا هذا كله إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق، فالبيتُ على هذا التأويل مُرَادٌ بنفسه، قاله مالك في «الموطإ» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وبَعْضُ أصْحابِ أبِي عَمْرٍو بِكَسْرِ السِّينِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها.

فَمَن فَتَحَ أرادَ المَصْدَرَ مِن نَسَكَ يَنْسُكُ، ومَن كَسَرَ أرادَ مَكانَ النُّسُكِ كالمَجْلِسِ والمَطْلَعِ.

ومَعْنى الآيَةِ: لِكُلِّ جَماعَةٍ مُؤْمِنَةٍ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ جَعَلْنا ذَبْحَ القَرابِينِ؛ ﴿ لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ ﴾ ، وإنَّما خَصَّ بَهِيمَةَ الأنْعامِ؛ لِأنَّها المَشْرُوعَةُ في القُرْبِ.

والمُرادُ مِنَ الآيَةِ: أنَّ الذَّبائِحَ لَيْسَتْ مِن خَصائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وأنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَيْها كانَتْ مَشْرُوعَةً قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ ؛ أيْ: لا يَنْبَغِي أنْ تَذْكُرُوا عَلى ذَبائِحِكم سِواهُ، ﴿ فَلَهُ أسْلِمُوا ﴾ ؛ أيِ: انْقادُوا واخْضَعُوا، وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الإخْباتِ في ( هُودٍ: ٢٣ )، وكَذَلِكَ ألْفاظُ الآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ ﴾ ﴿ لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ ﴾ ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَلَهُ أسْلِمُوا وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم والصابِرِينَ عَلى ما أصابَهم والمُقِيمِي الصَلاةِ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ التَقْدِيرُ في هَذا المَوْضِعِ: الأمْرُ ذَلِكَ.

و"الشَعائِرُ" جَمْعُ شَعِيرَةٍ، وهي كُلُّ شَيْءٍ لِلَّهِ تَعالى فِيهِ أمْرٌ أشْعَرَ بِهِ وأعْلَمَ، قالَتْ فِرْقَةٌ: قَصَدَ بِالشَعائِرِ في هَذِهِ الآيَةِ الهَدْيِ والأنْعامَ المُشْعِرَةَ، ومَعْنى "تَعْظِيمِها" التَسْمِينِ والِاهْتِبالَ بِأمْرِها والمُغالاةِ بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ.

وعَوْدُ الضَمِيرِ في "فَإنَّها" عَلى التَعْظِمَةِ والفَعْلَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها الكَلامُ، وقُرِئَ "القُلُوبُ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّها فاعِلَةٌ بِالمَصْدَرِ الَّذِي هو "تَقْوى"، ثُمُ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَكم فِيها مَنافِعُ ﴾ الآيَةُ، فَقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: أرادَ أنَّ لِلنّاسِ في أنْعامِهِمْ مَنافِعَ مِنَ الصُوفِ واللَبَنِ وغَيْرِ ذَلِكَ ما لَمْ يَبْعَثْها رَبُّها هَدْيًا، فَإذا بَعَثَها فَهو "الأجَلُ المُسَمّى"، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: أرادَ: لَكم في الهَدْيِ المَبْعُوثِ مَنافِعُ مِنَ الرُكُوبِ والِاحْتِلابِ لِمَنِ اضْطُرَّ، و"الأجَلُ المُسَمّى": نَحْرُها، وتَكُونُ "ثُمْ" لِتَرْتِيبِ الجُمَلِ، لِأنَّ "المَحَلَّ" قَبْلَ "الأجَلِ"، ومَعْنى الكَلامِ عِنْدَ هاتَيْنِ الفِرْقَتَيْنِ: ثُمْ مَحِلُّها إلى مَوْضِعِ النَحْرِ، فَذِكْرُ البَيْتِ لِأنَّهُ أشْرَفُ الحُرُمْ وهو المَقْصُودُ بِالهَدْيِ وغَيْرِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عُمَرَ، والحُسْنُ: تِلْكَ الشَعائِرُ في هَذِهِ الآيَةِ مَواضِعُ الحَجِّ كُلُّها ومَعالِمُهُ بِمِنى وعَرَفَةَ والمُزْدَلِفَةَ والصَفا والمَرْوَةَ والبَيْتِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي الآيَةِ الَّتِي تَأْتِي أنَّ البَدَنَ مِنَ الشَعائِرِ، و"المَنافِعُ": التِجارَةُ وطَلَبُ الرِزْقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ كَسْبَ الأجْرِ والمَغْفِرَةَ، وبِكُلِّ احْتِمالٍ قالَتْ فِرْقَةٌ، و"الأجَلُ": الرُجُوعُ إلى مَكَّةَ وطَوافُ الإفاضَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمْ مَحِلُّها" مَأْخُوذٌ مِن إحْلالِ المُحَرَّمِ مَعْناهُ، ثُمْ أخَّرَ هَذا كُلَّهُ إلى طَوافِ الإفاضَةِ بِالبَيْتِ العَتِيقِ، فالبَيْتُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مُرادٌ بِنَفْسِهِ، قالَهُ مالِكٌ في (المُوَطَّأِ).

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ مَنسَكًا، أيْ مَوْضِعَ نُسُكٍ وعِبادَةٍ، ثُمْ أنَّ المَنسَكَ ظَرْفٌ كالمَذْبَحِ ونَحْوَ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ المَصْدَرَ، كَأنَّهُ قالَ: عِبادَةٌ وَنَحْوَها، والناسِكُ: العابِدُ، وقالَ مُجاهِدٌ: سُنَّةٌ في إراقَةِ دِماءِ الذَبائِحِ، وقَرَأ مُعْظَمُ القُرّاءِ: "مَنسَكًا" بِفَتْحِ السِينِ، وهو مِن: نَسَكَ يَنْسُكُ بِضَمِّ السِينِ في المُسْتَقْبَلِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "مَنسِكًا" بِكَسْرِ السِينِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: الفَتْحُ أُولى؛ لِأنَّهُ إمّا المَصْدَرُ وإمّا المَكانُ وكُلاهُما مَفْتُوحٌ، والكَسْرُ في هَذا مِنَ الشاذِّ في اسْمِ المَكانِ أنْ يَكُونَ (مَفْعِلْ) مِن: فَعَلَ يَفْعَلُ، مِثْلَ مَسْجِدٌ، مِن: سَجَدَ يَسْجُدُ، ولا يَسُوغُ فِيهِ القِياسُ، ويُشْبِهُ أنَّ الكِسائِيَّ سَمِعَهُ مِنَ العَرَبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: أمَرْناهم عِنْدَ ذَبائِحِهِمْ بِذِكْرِ اللهِ، وأنْ يَكُونَ الذَبْحُ لَهُ لِأنَّهُ رازِقُ ذَلِكَ، ثُمْ رَجَعَ اللَفْظُ مِنَ الخَبَرِ عَنِ الأُمَمِ إلى إخْبارِ الحاضِرِينَ بِما مَعْناهُ: فالإلَهُ واحِدٌ لِجَمِيعِكُمْ، فَكَذَلِكَ الأمْرُ في الذَبِيحَةِ إنَّما يَنْبَغِي أنْ تُخْلِصَ لَهُ، و"أسْلَمُوا" مَعْناهُ: لِحَقِّهِ ولِوَجْهِهِ ولِإنْعامِهِ آمَنُوا وأسْلَمُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الِاسْتِسْلامَ.

ثُمْ أمَرَ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ  أنْ يُبَشِّرَ بِشارَةً عَلى الإطْلاقِ، وهي أبْلَغُ مِنَ المُفَسِّرَةِ لِأنَّها مُرْسَلَةٌ مَعَ نِهايَةِ التَخَيُّلِ، و "المُخْبِتِينَ": المُتَواضِعِينَ الخاشِعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، و"الخَبْتُ": ما انْخَفَضَ مِنَ الأرْضِ، والمُخْبِتُ: المُتَواضِعُ الَّذِي مَشْيُهُ مَتَطامِنٌ كَأنَّهُ في حُدُورٍ مِنَ الأرْضِ، وقالَ عَمْرُو بْنِ أوسِ: المُخْبِتُونَ: الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ وإذا ظَلَمُوا لَمْ يَنْتَصِرُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِثالٌ شَرِيفٌ مَن خُلُقِ المُؤْمِنِ الهَيِّنِ اللَيِّنِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ المُطَمْئِنُونَ بِأمْرِ اللهِ تَعالى، ووَصَفَهم تَعالى بِالخَوْفِ والوَجِلِ عِنْدَ ذِكْرِ اللهِ، وتِلْكَ لِقُوَّةِ يَقِينِهِمْ ومُراعاتِهِمْ لِرَبِّهِمْ وكَأنَّهم بَيْنَ يَدَيْهِ، ووَصْفَهم تَبارَكَ وتَعالى بِالصَبْرِ والصَلاةِ وإقامَةِ الصَلاةِ وإدامَتِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الصَلاةُ" بِالخَفْضِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحَقٍ، والحُسْنِ: "الصَلاةُ" بِالنَصْبِ عَلى تَوَهُّمُ النُونِ وأنَّ حَذْفَها لِلتَّخْفِيفِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرُو، وَقَرَأ الأعْمَشُ: "والمُقِيمِينَ الصَلاةَ" بِالنُونِ والنُصْبِ في "الصَلاةِ"، وقَرَأ الضِحاكُ: "والمُقِيمُ الصَلاةَ"، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ -قَوْلُهُ تَعالى: "وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ"- نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُواْ اسم الله على مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الانعام فإلهكم إله واحد فَلَهُ أَسْلِمُواْ ﴾ عطف على جملة ﴿ ثم محلها إلى البيت العتيق ﴾ [الحج: 33].

والأمة: أهل الدين الذين اشتركوا في اتباعه.

والمراد: أنّ المسلمين لهم منسك واحد وهو البيت العتيق كما تقدم.

والمقصود من هذا الرد على المشركين إذ جعلوا لأصنامهم مناسك تشابه مناسك الحج وجعلوا لها مواقيت ومذابح مثل الغَبْغَب مَنحر العُزّى، فذكرهم الله تعالى بأنه ما جعل لكل أمّة إلاّ منسكاً واحداً للقربان إلى الله تعالى الذي رزق الناس الأنعام التي يتقربون إليه منها فلا يحق أن يُجعل لغير الله منسك لأنّ ما لا يخلق الأنعام المقرّب بها ولا يرزقها الناسَ لا يسْتحق أن يُجعل له منسكٌ لِقربانها فلا تتعدد المناسك.

فالتنكير في قوله ﴿ منسكاً ﴾ للإفراد، أي واحداً لا متعدداً، ومحلّ الفائدة هو إسناد الجعل إلى ضمير الجلالة.

وقد دل على ذلك قوله: ﴿ ليذكروا اسم الله ﴾ وأدلّ عليه التفريع بقوله ﴿ فإلهكم إله واحد ﴾ .

والكلام يفيد الاقتداء ببقيّة الأمم أهل الأديان الحق.

و ﴿ على ﴾ يجوز أن تكون للاستعلاء المجازي متعلقة ب ﴿ يذكروا اسم الله ﴾ مع تقدير مضاف بعدَ ﴿ على ﴾ تقديره: إهداء ما رزقهم، أي عند إهداء ما رزقهم، يعني ونحرها أو ذبحها.

ويجوز أن تكون ﴿ على ﴾ بمعنى: لام التعليل.

والمعنى: ليذكروا اسم الله لأجل ما رزقهم من بهيمة الأنعام.

وقد فرع على هذا الانفرادُ بالإلهية بقوله: ﴿ فإلهكم إله واحد فله أسلموا ﴾ أي إذ كان قد جعل لكم منسكاً واحداً فقد نبهكم بذلك أنه إله واحد، ولو كانت آلهة كثيرة لكانت شرائعها مختلفة.

وهذا التفريع الأول تمهيد للتفريع الذي عقبه وهو المقصود، فوقع في النظم تغيير بتقديم وتأخير.

وأصل النظم: فلله أسلموا، لأن إلهكم إله واحد.

وتقديم المجرور في ﴿ فله أسلموا ﴾ للحصر، أي أسلموا له لا لغيره.

والإسلام: الانقياد التام، وهو الإخلاص في الطاعة، أي لا تخلصوا إلا لله، أي فاتركوا جميع المناسك التي أُقيمت لغيرِ الله فلا تنسكوا إلاّ في المنسك الذي جعله لكم، تعريضاً بالرد على المشركين.

وقرأ الجمهور ﴿ مَنسَكاً ﴾ بفتح السين وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف بكسر السين، وهو على القراءتين اسم مكان للنَّسْك، وهو الذبح.

إلا أنه على قراءة الجمهور جارٍ على القياس لأن قياسه الفتح في اسم المكان إذ هو من نسك ينسك بضمّ العين في المضارع.

وأما على قراءة الكسر فهو سماعي مثل مَسجد من سجد يسجد، قال أبو عليّ الفارسي: ويشبه أن الكسائي سمعه من العرب.

﴿ وَبَشِّرِ المخبتين الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ والصابرين على مَآ أَصَابَهُمْ والمقيمى الصلاة وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ ﴾ اعتراض بين سوق المنن، والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وأصحاب هذه الصفات هم المسلمون.

والمُخْبِت: المتواضع الذي لا تكبُّر عنده.

وأصل المخبت مَن سلك الخَبْت.

وهو المكان المنخفض ضد المُصعد، ثم استعير للمتواضع كأنه سلك نفسه في الانخفاض، والمراد بهم هنا المؤمنون، لأنّ التواضع من شيمهم كما كان التكبّر من سمات المشركين قال تعالى: ﴿ كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ﴾ [غافر: 35].

والوَجل: الخوف الشديد.

وتقدّم في قوله تعالى: ﴿ قال إنا منكم وجلون ﴾ في [سورة الحجر: 52].

وقد أتبع صفة ﴿ المخبتين ﴾ بأربع صفات وهي: وجل القلوب عند ذكر الله، والصّبر على الأذى في سبيله، وإقامة الصلاة، والإنفاق.

وكلّ هذه الصفات الأربع مظاهر للتواضع فليس المقصود مَن جمع تلك الصفات لأن بعض المؤمنين لا يجد ما ينفق منه وإنما المقصود مَن لم يُخِل بواحدة منها عند إمكانها.

والمراد من الإنفاق الإنفاق على المحتاجين الضعفاء من المؤمنين لأنّ ذلك هو دأب المخبتين.

وأما الإنفاق على الضيف والأصحاب فذلك مما يفعله المتكبرون من العرب كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين ﴾ [البقرة: 180].

وهو نظير الإنفاق على الندماء في مجالس الشراب.

ونظير إتمام الإيسار في مواقع الميسر، كما قال النّابغة: أني أتمم أيساري وأمنحهم *** مثنَى الأيادي وأكسوا الجفنة الأُدما والمراد بالصبر: الصبر على ما يصيبهم من الأذى في سبيل الإسلام.

وأما الصبر في الحروب وعلى فقد الأحبّة فمما تتشرك فيه النفوس الجلْدة من المتكبرين والمخبتين.

وفي كثير من ذلك الصبر فضيلة إسلامية إذا كان تخلقاً بأدب الإسلام قال تعالى: ﴿ وبشّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ [البقرة: 155156] الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي حَجًّا، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: ذَبْحًا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: عِيدًا، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ والفَرّاءِ، والمَنسَكُ في كَلامِ العَرَبِ هو المَوْضِعُ المُعْتادُ، ومِنهُ تَسْمِيَةُ مَناسِكِ الحَجِّ، لِاعْتِيادِ مَواضِعِها.

﴿ لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الهَدْيُ، إذا قِيلَ إنَّ المَنسَكَ الحَجُّ.

والثّانِي: الأضاحِيُّ، إذا قِيلَ إنَّ المَنسَكَ العِيدُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: المُطْمَئِنِّينَ إلى ذِكْرِ إلَهِهِمْ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ  ﴾ .

والثّانِي: مَعْناهُ المُتَواضِعِينَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: الخاشِعِينَ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

والفَرْقُ بَيْنَ التَّواضُعِ والخُشُوعِ أنَّ التَّواضُعَ في الأخْلاقِ والخُشُوعَ في الأبْدانِ.

والرّابِعُ: الخائِفِينَ، وهو مَعْنى قَوْلِ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.

والخامِسُ: المُخْلِصِينَ، وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ النَّخْعِيِّ.

والسّادِسُ: الرَّقِيقَةَ قُلُوبُهم، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

والسّابِعُ: أنَّهُمُ المُجْتَهِدُونَ في العِبادَةِ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومُجاهِدٍ.

والثّامِنُ: أنَّهُمُ الصّالِحُونَ المُطَمْئِنُونَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.

والتّاسِعُ: هُمُ الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ، وإذا ظَلَمُوا لَمْ يَنْتَصِرُوا، وهو قَوْلُ الخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ عندما يخوفون ﴿ والصابرين على ما أصابهم ﴾ من البلاء والمصيبات ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ يعني إقامتها بأداء ما استحفظهم الله فيها.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه، أنه قرأ ﴿ والبدن ﴾ خفيفة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: لا نعلم البدن إلا من الإبل والبقر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله عنه قال: البدنة، ذات الخف.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عمر رضي الله عنه قال: البدنة ذات البدن من الإبل والبقر.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: ليس البدن إلا من الإبل.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عبد الكريم قال: اختلف عطاء والحكم فقال عطاء البدن من الإبل والبقر.

وقال الحكم: من الإبل.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن سعيد بن المسيب قال: البدن، البعير والبقرة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه قال: البدن من البقر.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن يعقوب الرياحي، عن أبيه قال أوصى الي رجل، وأوصى ببدنة، فأتيت ابن عباس- رضي الله عنهما- فقلت له: إن رجلاً أوصى إلي، وأوصى إلي ببدنة، فهل تجزئ عني بقرة؟

قال: نعم.

ثم قال: ممن صاحبكم؟

فقلت: من بني رياح.

قال: ومتى تقتني.

اقتنى بنو رياح البقر إلى الإبل [ ] وهو صاحبكم وإنما البقر للأسد، وعبد القيس.

وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: إنما سميت البدن؛ من قبل السمانة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن إبراهيم في قوله: ﴿ لكم فيها خير ﴾ قال: هي البدنة.

ان احتاج إلى ظهر ركب، أو إلى لبن شرب.

وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لكم فيها خير ﴾ قال: لكم أجر ومنافع للبدن.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن ماجة، والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب، «عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قلنا يا رسول الله، ما هذه الأضاحي؟» قال سنة أبيكم إبراهيم «قال: فما لنا فيها يا رسول الله؟

قال: بكل شعرة حسنة» قالوا: فالصوف؟

قال: «بكل شعرة من الصوف حسنة» .

وأخرج ابن عدي والدارقطني والطبراني والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد» .

وأخرج الترمذي وحسنة وابن ماجة والحاكم وصححه، عن عائشة- رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من هراقه دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها واظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفساً» .

وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من وجد سعة لأن يضحي فلم يضح فلا يقربن مصلانا» .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مالك بن أنس قال: حج سعيد بن المسيب وحج معه ابن حرملة، فاشترى سعيد كبشاً فضحى به، واشترى ابن حرملة بدنة بستة دنانير فنحرها.

فقال له سعيد: اما كان لك فينا أسوة؟

فقال: إني سمعت الله يقول: ﴿ والبدن جعلناها لكم من شعائر الله، لكم فيها خير ﴾ فاحببت أن آخذ الخير من حيث دلني الله عليه، فاعجب ذلك ابن المسيب منه!

وجعل يحدث بها عنه.

وأخرج أبو نعيم الحلية، عن ابن عيينة قال: حج صفوان بن سليم ومعه سبعة دنانير فاشترى بها بدنة، فقيل له: ليس معك إلا سبعة دنانير تشتري بها بدنة!

فقال: إني سمعت الله يقول: ﴿ لكم فيها خير ﴾ .

وأخرج قاسم بن أصبغ وابن عبد البر في التمهيد، عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا أيها الناس ضحوا وطيبوا بها نفساً، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد يوجه بأضحيته إلى القبلة؛ إلا كان دمها وقرنها وصوفها حسنات محضرات في ميزانه يوم القيامة، فإن الدم إن وقع في التراب فإنما يقع في حرز الله حتى يوفيه صاحبه يوم القيامة» وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- «اعملوا قليلاً تجزوا كثيراً» .

وأخرج أحمد عن أبي الأشد السملي، عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أفضل الضحايا أغلاها وأسمنها» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس قال: «ما أنفق الناس من نفقة أعظم أجراً من دم يهراق يوم النحر؛ إلا رحماً محتاجة يصلها» .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد في قوله: ﴿ لكم فيها خير ﴾ قال: إن احتاج إلى اللبن شرب، وإن احتاج إلى الركوب ركب، وإن احتاج إلى الصوف أخذ.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عكرمة قال: قال رجل لابن عباس أيركب الرجل البدنة على غير مثقل؟

قال: ويحلبها على غير مجهد.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن علي رضي الله عنه قال: يركب الرجل بدنته بالمعروف.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهراً» .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عطاء رضي الله عنه: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- رخص لهم أن يركبوها إذا احتاجوا إليها.

وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، عن أبي هريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنة فقال: اركبها قال: إنها بدنة.

قال: اركبها ويلك أو يحك» .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن أنس: «أن النبي- صلى الله عليه وسلم- رأى رجلاً يسوق بدنة أو هدية فقال: اركبها فقال: إنها بدنة- أو هدية.

قال:وإن كانت» .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الأضاحي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه، عن أبي ظبيان قال: سألت ابن عباس، عن قوله: ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صواف ﴾ قال: إذا أردت أن تنحر البدنة، فاقمها على ثلاث قوائم معقولة، ثم قل: بسم الله والله أكبر اللهم منك ولك.

وأخرج الفريابي وأبو عبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ صواف ﴾ قال: قياماً معقولة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عمر: أنه نحر بدنة وهي قائمة معقولة إحدى يديها.

وقال: ﴿ صواف ﴾ كما قال الله عز وجل.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلاً أناخ بدنته وهو ينحرها فقال: ابعثها قياماً مقيدة؛ سنة محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن سابط: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كانوا يعقلون من البدنة اليسرى، وينحرونها قائمة على ما هي من قوائمها.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان ينحرها وهي معقولة يدها اليمنى.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن الحسن في البدنة كيف تنحر؟

قال: تعقل يدها اليسرى وينحرها من قبل يدها اليمنى.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد أنه كان يعقل يدها اليسرى إذا أراد أن ينحرها.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عطاء قال: اعقل أي اليدين شئت.

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف والضياء في المختارة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه كان يقرأ ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صوافن ﴾ .

وأخرج ابن الأنباري، عن مجاهد في قوله: ﴿ صوافن ﴾ قال: معقولة على ثلاثة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن الأنباري، عن قتادة قال: كان عبد الله بن مسعود يقرأ ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صوافن ﴾ أي معقولة قياماً.

وأخرج عبد بن حميد، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه: أنه كان يقرأُها ﴿ صوافن ﴾ قال: رأيت ابن عمر ينحر بدنته وهي على ثلاثة قوائم قياماً معقولة.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه، عن مجاهد قال: من قرأها ﴿ صوافن ﴾ قال: معقولة.

ومن قرأها ﴿ صواف ﴾ قال: يصف بين يديها.

ولفظ عبد بن حميد من قرأها ﴿ صواف ﴾ فهي قائمة مضمومة يديها.

ومن قرأها ﴿ صوافن ﴾ قياماً معقولة، ولفظ ابن أبي شيبة الصواف، على أربع، والصوافن على ثلاثة.

وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف وابن أبي حاتم، عن الحسن أنه كان يقرأُها ﴿ صواف ﴾ قال: خالصة.

لله تعالى قال: كانوا يذبحونها لأصنامهم.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم أنه قرأ «فاذكروا اسم الله عليها صوافي» بالياء منتصبة.

وقال: خالصة لله من الشرك، لأنهم كانوا يشركون في الجاهلية إذا نحروها.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ فإذا وجبت ﴾ قال: سقطت على جنبها.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ فإذا وجبت ﴾ قال نحرت.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد ﴿ فإذا وجبت جنوبها ﴾ قال: إذا سقطت إلى الأرض.

وأخرج أبو داود والنسائي والحاكم وصححه وأبو نعيم في الدلائل، عن عبد الله بن قرط قال: قدم إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- بدنات خمس أو ست، فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، فلما وجبت جنوبها قال: من شاء اقتطع.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عمر أنه: كان يطعم من بدنه قبل أن يأكل منها ويقول: ﴿ فكلوا منها وأطعموا ﴾ هما سواء.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن إبراهيم قال: كانوا لا يأكلون من شيء جعلوه لله، ثم رخص لهم أن يأكلوا من الهدي والأضاحي وأشباهه.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن علي قال: لا يؤكل من النذر، ولا من جزاء الصيد، ولا مما جعل للمساكين.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن سعيد بن جبير قال: لا يؤكل من النذر، ولا من الكفارة، ولا مما جعل للمساكين.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن معاذ قال: أمرنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن نطعم من الضحايا الجار، والسائل، والمتعفف.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عمر: أنه كان بمنى فتلا هذه الآية ﴿ فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ﴾ وقال: لغلام معه هذه القانع الذي يقنع بما آتيته.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: القانع المتعفف، والمعتر السائل.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، القانع الذي يقنع بما أوتي، والمعتر الذي يعترض.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: القانع الذي يجلس في بيته.

وأخرج الطستي في مسائله، عن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق قال له: اخبرني عن قوله: ﴿ القانع والمعتر ﴾ قال: القانع الذي يقنع بما أُعطي، والمعتر الذي يعتر من الأبواب.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر وهو يقول: على مكثريهم حق من يعتريهم ** وعند المقلين السماحة والبذل وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه، عن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية؟

قال: أما القانع؛ فالقانع بما أرسلت إليه في بيته.

والمعتر الذي يعتريك.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد مثله.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس قال: القانع الذي يسأل، والمعتر الذي يعترض لولا يسأل.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، عن سعيد بن جبير قال: القانع السائل الذي يسأل، ثم أنشد قول الشاعر: لمال المرء يصلح فيبقى ** معاقره أعف من القنوع وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، عن الحسن قال: القانع الذي يقنع اليك بما في يديك، والمعتر الذي يتصدى إليك لتطعمه.

ولفظ ابن أبي شيبة، والمعتر الذي يعتريك، يريك نفسه ولا يسألك.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، والبيهقي في سننه، عن مجاهد قال: القانع الطامع بما قبلك ولا يسألك، والمعتر الذي يعتريك ولا يسألك.

وأخرج عبد بن حميد، عن سعيد بن جبير قال: القانع الذي يسأل فيعطى في يديه، والمعتر الذي يعتر فيطوف.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال: القانع أهل مكة.

والمعتر سائر الناس.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد قال: القانع السائل، والمعتر معتر البدن.

وأخرج البيهقي في سننه، عن مجاهد قال: البائس الذي يسأل بيده إذا سأل، والقانع الطامع الذي يطمع في ذبيحتك من جيرانك.

والمعتر الذي يعتريك بنفسه، ولا يسألك يتعرض لك.

وأخرج عبد بن حميد، عن القاسم بن أبي بزة أنه سئل عن هذه الآية، ما الذي آكل وما الذي أعطي القانع والمعتر؟

قال: اقسمها ثلاثة أجزاء.

قيل: ما القانع؟

قال: من كان حولك.

قيل: وإن ذبح؟

قال: وإن ذبح.

والمعتر: الذي يأتيك ويسألك.

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه، عن ابن عباس قال: كان المشركون إذا ذبحوا استقبلوا الكعبة بالدماء، فينضحون بها نحو الكعبة.

فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك، فأنزل الله: ﴿ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن جرير قال: كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإبل ودمائها.

فقال: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فنحن أحق أن ننضح.

فأنزل الله: ﴿ لن ينال الله لحومها ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج قال: النصب ليست بأصنام الصنم يصوّر وينقش، وهذه حجارة تنصب ثلثمائة وستون حجراً، فكانوا إذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت، وشرحوا اللحم، وجعلوه على الحجارة.

فقال المسلمون: يا رسول الله، كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم، فنحن أحق أن نعظمه.

فكأن النبي- صلى الله عليه وسلم- لم يكره ما قالوا.

فنزلت ﴿ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حيان ﴿ لن ينال الله ﴾ قال: لن يرفع إلى الله ﴿ لحومها ولا دماؤها ولكن ﴾ نحر البدن من تقوى الله وطاعته.

يقول: يرفع إلى الله منكم: الأعمال الصالحة والتقوى.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن إبراهيم ﴿ ولكن يناله التقوى منكم ﴾ قال: ما التمس به وجه الله تعالى.

وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ ولكن يناله التقوى منكم ﴾ يقول: إن كانت من طيب وكنتم طيبين وصل إلي أعمالكم وتقبلتها.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولتكبروا الله على ما هداكم ﴾ قال: على ذبحها في تلك الأيام.

وأخرج الحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب، عن الحسن قال: أمرنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن نلبس أجود ما نجد، وأن نتطيب بأجود ما نجد، وأن نضحي بأسمن ما نجد، والبقرة عن سبعة، والجزور عن سبعة، وأن نظهر التكبير، وعلينا السكينة والوقار، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى ﴿ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد: خافت.

قال مقاتل بن حيان: ﴿ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ عندما يخوّفون (١) وهذا على أنهم إنما توجل قلبوهم إذا خوفوا بالله، ليس (٢) وقوله ﴿ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ ﴾ يعني من البلاء والمصائب في طاعة الله.

قاله ابن عباس ومقاتل (٣) ﴿ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ ﴾ في أوقاتها، يؤدونها كما استحفظهم الله.

قال أبو إسحاق في قوله] (٤) ﴿ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ ﴾ : القراءة الخفض وإسقاط النون، والخفض على الإضافة.

[ويجوز: والمقيمين الصلاة (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) والحافظو عورة العشيرة لا ...

يأتيهم من ورائهم وكف وزعم أنه شاذ.

انتهت الحكاية عن أبي إسحاق (١٠) ويحتاج هاهنا إلى أن نذكر طرفًا (١١) قال أبو علي في كتاب "الإيضاح": إذا ألحقت الألف واللام اسم الفاعل قلت: هذا الضارب زيدًا، ولا يجوز إضافة الضارب إلى زيد.

فإن ثنيت (١٢) (١٣) الحافظو عورة العشيرة قال: والأكثر الجر كما قال تعالى: ﴿ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ ﴾ هذا كلامه (١٤) ومعنى الضارب زيدًا أي: الذي ضرب زيدًا، ولا تجوز الإضافة في هذا، ويجوز في التثنية والجمع (١٥) (١٦) ﴿ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ ﴾ ، كما قال: الفاتحو باب الأمير المبهم، وأما من قال الضاربا زيدا والضاربو زيدا فإنه لم (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) أراد اللذان فحذف النون لطول الاسم بالصلة، إذ قد اجتمع الذي والفعل والفاعل والمفعول، لأن جميع ما يتعلق بالموصول واصل في جملته وجار مجرى الجزء (٢٢) (٢٣) (٢٤) هذا الذي ذكرنا شرح ما ذكره أبو إسحاق مجملًا وهو مذهب البصريين (٢٥) وقال الفراء: إنَّما جاز النصب مع حذف النون؛ لأنَّ العرب لا تقول في الواحد إلا بالنصب.

فيقولون: هو الآخذ حقه، ينصبون الحق، لا يقولون إلا ذلك، والنون مفقودة، فبنوا الاثنين والجميع على الواحد، فنصبوا بحذف النون، والوجه في الاثنين والجميع الخفض؛ لأنَّ نونهما قد تظهر إذا شئت وتحذف إذا شئت، وهي في الواحد لا تظهر، فلذلك نصبوا، ولو خفض في الواحد لجاز ذلك، ولم أسمعه إلا في قولهم: الضّارب الرجل، فإنّهم يخفضون الرجل وينصبونه، فمن خفضه شَبَّهَه بمذهب قولهم: مررت بالحسن الوجه، فإذا أضافُوه إلى مكنّى قالوا: أنْت (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) وهو كما ذكرنا من مذهب البصريين إلا في إضافة الواحد، فإنه يجوزه وعندهم لا يجوز ذلك.

وقوله: ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ قال ابن عباس والكلبي: يريد يتصدقون من الواجب وغيره.

وقال مقاتل: يؤذون الزكاة في طاعة ربهم (٣٠) (١) ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 49 وعزاه لابن أبي حاتم.

(٢) في (أ): (وليس).

(٣) ذكره عن مقاتل السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 49 وعزاه لابن أبي حاتم.

(٤) ساقط من (أ).

(٥) هذه القراءة مروية عن ابن مسعود.

"الشواذ" لابن خالويه ص 95.

وانظر: "تعليل القراءات الشواذ" للعكبري ص 267.

(٦) ساقط من (ظ).

(٧) هذه قراءة ابن أبي إسحاق والحسن، ورويت عن أبي عمرو.

"الشواذ" لابن خالويه ص 95، "المحتسب" لابن جني 2/ 80.

(٨) قال أبو الفتح عثمان بن جني في "المحتسب" 2/ 80: أراد "المقيمين" فخذف النون تخفيفا، لا لتعاقبهما الإضافة.

وقال العكبري في "تعليل القراءات الشواذ" ص 267: (والنون محذوفة للتخفيف لطول الكلمة، مثل قولهم: الحافظو ..

(٩) ذكر الزجاج في "معاني القرآن" 3/ 427 إنشاد سيبويه لهذا البيت، لكن في المعاني "نطف" في موضع "وكف".

والبيت أنشده سيبويه في الكتاب 1/ 185 - 186 ونسبه لرجل من الأنصار وروايته فيه: والحافظو ...

من ورائنا نطف.

وهو في "شرح شواهد الإيضاح" للقيسي 127، و"خزانة الأدب" 4/ 272 - وفيه: من ورائنا نطف، 4/ 275 - 279 وفيه:- من ورائنا وكف) منسوبًا لعمرو بن امرئ القيس الخزرجي، وفي الاقتضاب للبطليوسي 3/ 207 منسوبًا لقيس بن الخطيم، وهو في ديوان قيس 115، وفي "لسان العرب" 9/ 363 "وكف" منسوبًا لعمرو بن امرئ القيس أو قيس بن الخطيم.

ومن غير نسبة في "الإيضاح العضدي" للفارسي ص 175، "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 393 "وكف".

قال البطليوسي في "الاقتضاب" 3/ 207: العورة: المكان الذي نخاف منه العدو، والوكف هاهنا- العيب، ويروى: نطف وهو نحو الوكف.

يقول: نحن نحفظ عورة عشيرتنا فلا يأتيهم من ورائنا شيء يعابون به من بيع ثغرهم وقلة رعايته، هذا على رواية من روى من ورائنا، ومن روى من ورائهم أخرج الضمير مخرج الغيبة على لفظ الألف واللام؛ لأن معنى "الحافظو العشيرة" نحن الذين يحفظون عورة العشيرة، كما تقول: أنا الذي قام، فيخرج الضمير مخرج الغيبة وإن كنت تعني نفسك؛ لأن معناه: أنا الرجل الذي قام، وقد يقولون: أنا الذي قمت، فعلى هذا رواية من روى: من ورائنا.

اهـ.

وانظر: "الخزانة" 4/ 274 - 275.

(١٠) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 427.

(١١) العبارة في (ظ): (ويحتاج إلى أن يذكرها هنا طرفا).

(١٢) في (أ): (نسيت)، وهو خطأ.

(١٣) في (ظ): (ألحقتهما)، وفي باقي النسخ: (لحقته)، والتصويب من كتاب "الإيضاح".

(١٤) "الإيضاح العضدي" لأبي علي الفارسي 1/ 175.

(١٥) في (ظ)، (د)، (ع).

(الجميع).

(١٦) في (أ): (فيجر).

(١٧) موضع (لم) بياض في (ظ).

(١٨) تأثيرًا ليست واضحة في (ظ).

(١٩) في (ظ).

(أصل).

(٢٠) البيت في "الكتاب" 1/ 186 منسوبًا للأخطل.

وهو في "ديوانه" ص 387 أو ص 44، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 536 و"أمالي ابن الشجري" 2/ 306، و"شرح المفصل" لابن يعيش 3/ 154، "المقاصد النحوية" للعيني 1/ 324، و"خزانة الأدب" 6/ 6 - 7.

قال البغدادي في الخزانة 6/ 7: البيت من قصيدة للأخطل يفتخر بقومه ويهجو جريرًا، والألف للنداء، وبنو كليب ابن يربوع: رهط جرير.

فخر الأخطل على جرير بمن اشتهر من قوله من بني تغلب وساد كعمرو بن كلثوم التغلبي قاتل عمرو بن هند ملك العرب، وعضم أبي حنش قاتل شرحبيل بن عمرو بن حجر وغيرهم من سادات تغلب.

والأغلال جمع غل == وهو طوق من حديد يجعل في عنق الأسير، ...

إي إنَّ عميّه يفكان الغل من عنق الإسراء وينجونهم من أسر أعدائهم قسرًا عليهم.

اهـ قال السكري في "شرح ديوان الأخطل" 1/ 108 - 159، أحد عميه أبو حنش عصم بن النعمان قاتل شرحبيل بن الحارث بن عمرو آكل المراء يوم الكلاب الأول، والآخر دوكس بن الفدوكس بن مالك بن جشم.

وانظر الخلاف في أسماء عميه في "الخزانة" 6/ 8 - 9.

(٢١) (إن): ساقطة من (أ).

(٢٢) في (ظ)، (ع): (الجرّ).

(٢٣) في (أ): (الحرف).

(٢٤) في (أ): (اللفظ).

(٢٥) انظر: "شرح المفصّل" لابن يعيش 2/ 122 - 123، "الفوائد الضيائية" للجامي 2/ 14.

(٢٦) (أنت): ساقطة من (أ).

(٢٧) في (ظ)، (د)، (ع): (وأنتم).

(٢٨) في (ظ): (الضاربان).

(٢٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 226.

(٣٠) أنظر: "تفسير مقاتل" 2/ 25 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ أي لكل أمة مؤمنة، والمنسك اسم مكان أي موضعها لعبادتهم، ويحتمل أن يكون اسم مصدر بمعنى عبادة، والمراد بذلك الذبائح لقوله: ﴿ لِّيَذْكُرُواْ اسم الله على مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الأنعام ﴾ بخلاف ما يفعله الكفار من الذبح تقرّباً إلى الأصنام ﴿ فإلهكم إله وَاحِدٌ ﴾ في وجه اتصاله بما قبله وجهان: أحدهما أنه لما ذكر الأمم المتقدمة خاطبها بقوله: ﴿ فإلهكم إله وَاحِدٌ ﴾ ، أي هو الذي شرع المناسك لكم ولمن تقدّم قبلكم، والثاني: أنه إشارة إلى الذبائح أي إلهكم إله واحد فلا تذبحوا تقرباً لغيره ﴿ المخبتين ﴾ الخاشعين وقيل: المتواضعين، وقيل: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، وكذلك قوله بعد ذلك: ﴿ وَبَشِّرِ المحسنين ﴾ [الحج: 37] واللفظ فيهما أعم من ذلك ﴿ وَجِلَتْ ﴾ خافت ﴿ والبدن ﴾ جمع بَدَنة، وهو ما أشعر من الإبل، واختلف هل يقال للبقرة بدنة، وانتصابه بفعل مضمر ﴿ مِّن شَعَائِرِ الله ﴾ واحدها شعيرة، ومن للتبعيض، واستدل بذلك من قال: إن شعائر الله المذكورة أو على العموم في أمور الدين ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ قيل: الخير هنا المنافع المذكورة قبل، وقيل: الثواب، والصواب العموم في خير الدنيا والآخرة ﴿ صَوَآفَّ ﴾ معناه: قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، وهي منصوبة على الحال من الضمير المجرور، ووزنه فواعل، وواحده صافة ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ أي سقطت إلى الأرض عند موتها، يقال: وجب الحائط وغيره إذا سقط ﴿ القانع ﴾ معناه السائل، هو من قولك قنع الرجل بفتح النون: إذا سأل، وقيل: معناه المتعفف عن السؤال، فهو على هذا من قولك: قنع بالكسر إذا رضي بالقليل ﴿ والمعتر ﴾ المعترض بغير سؤال، ووزنه مفتعل، يقال: اعتررت بالقوم إذا تعرّضت لهم، فالمعنى: أطعموا من سأل ومن لم يسأل ممن تعرض بلسان حاله، وأطعموا من تعفف عن السؤال بالكلية، ومن تعرض للعطاء ﴿ كذلك سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ ﴾ أي كما أمرناكم بهذا كله سخرناها لكم، وقال الزمخشري: التقدير مثل التخيير الذي علمتم سخرناها لكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولؤلؤاً ﴾ بهمزتين منصوباً: نافع وحفص.

مثله ولكن بتخفيف الأولى واواً ساكنة.

أبو بكر وحماد وزيد وكذلك في سورة فاطر.

وقرأ سهل ويعقوب والمفضل ههنا بالهمزة والنصب.

وفي "فاطر" بالهمز والخفض.

الباقون بالهمز والخفض في السورتين ﴿ سواء ﴾ بالنصب: حفص وروح وزيد.

الآخرون بالرفع.

﴿ والبادي ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير وافق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل.

﴿ بوأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ بيتي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وحفص وهشام.

﴿ فتخطفه ﴾ بتشديد الطاء: أبو جعفر ونافع ﴿ الرياح ﴾ يزيد طريق المفضل ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ بالنصب على تقدير النون: عباس ﴿ منسكاً ﴾ ونحو بكسر السين: حمزة وعلي وخلف ﴿ لن تنال الله ﴾ بتاء التأنيث: يعقوب ﴿ ولكن تناله ﴾ بالتأنيث أيضاً زيد ﴿ يدفع ﴾ من الدفع: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب الباقون ﴿ يدافع ﴾ من المدافعة ﴿ أذن ﴾ مبنياً للمفعول: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم ﴿ يقاتلون ﴾ مبنياً للمفعول أيضاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص الآخرون مبنياً للفاعل فيهما.

﴿ دفاع ﴾ بألف: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ لهدمت ﴾ مخففاً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وسهل وحمزة وعلي وخلق مشدداً مدغماً الباقون مشدداً.

الوقوف: ﴿ ولؤلؤاً ﴾ ط ﴿ من القول ﴾ ج للعطف مع تكرار ﴿ وهدوا ﴾ ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ والباد ﴾ ه ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ السجود ﴾ ه ﴿ عميق ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ الأنعام ﴾ ج للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ الفقير ﴾ ه للعطف مع العدول ﴿ العتيق ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ق قد قيل: لأن المراد ذلك على ما ذكر أو الأمر والشأن ذلك ثم يبتدأ بالشرط ﴿ عند ربه ﴾ ط ﴿ الزور ﴾ ه لا ﴿ مشركين به ﴾ ط ﴿ سحيق ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ق ﴿ القلوب ﴾ ه ﴿ العتيق ﴾ ه ﴿ الأنعام ﴾ ط ﴿ اسلموا ﴾ ط ﴿ المخبتين ﴾ ه لا لاتصال الوصف ﴿ الصلاة ﴾ ه ﴿ ينفقون ﴾ ج ه ﴿ خير ﴾ ق والوصل أحسن للفاء ﴿ صواف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ والمعتر ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ هداكم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ لقدير ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ بدل من الضمير في ﴿ نصرهم ﴾ ﴿ ربنا الله ﴾ ط ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ ينصره ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر حال أحد الخصمين في الآخرة أراد أن يذكر حال الآخر وهو المؤمن ولهذا ألزم التكرار، إلا أنه يفطن بهذه الآية فائدة أخرى هي بيان أهل الجنة يحلون فيها وقد مر مثله في أوائل الكهف.

ومن قرأ ﴿ لؤلؤاً ﴾ بالنصب فعلى تقدير ويؤتون لؤلؤاً لأن السوار من اللؤلؤ غريب إلا أن يكون شيئاً منظوماً منه.

﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ عن ابن عباس هو قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده يلهمهم الله ذلك ﴿ وهدوا إلى صراط الحميد ﴾ أي إلى طريق المقام المحمود وهو الجنة أو إلى صراط الله كقوله ﴿ إلى صراط العزيز الحميد  الله الذي له ما في السموات وما في الأرض  ﴾ وقال السدي: الطيب من القول هو القرآن.

وقيل: شهادة أن لا إله إلا الله وقال حكماء الإسلام: هو كشف الغطاء عن الحقائق الروحانية والمعارف الربانية، ثم كرر وعيد أهل الكفر ومن دناهم فقال ﴿ إن الذين كفروا ويصدون ﴾ إنما حسن عطف المستقبل على الماضي لأنه أراد به الاستمرار وأنه من شأنهم الصد وكأنه قيل: كفروا واستمروا على الصد.

وقال ابو علي الفارسي.

كفروا في الماضي وهم الآن يصدون.

عن ابن عباس أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله  ومن معه عام الحديبية عن أن يحجوا ويعتمروا وينحروا الهدي.

ومن قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب فعلى أنه مفعول ثانٍ لجعلنا أي جعلناه مستوياً ﴿ العاكف فيه والباد ﴾ ومن قرأ بالرفع فعلى أن ﴿ العاكف ﴾ مبتدأ و ﴿ سواء ﴾ خبر مقدم والجملة مفعول ثان ويجوز أن يكون ﴿ للناس ﴾ مفعولاً ثانياً اي جعلناه متعبداً لكل من وقع عليه اسم الناس، وقوله ﴿ سواء ﴾ إلى آخره الجملة بيان لذلك الجعل أي لا فرق بين الحاضر المقيم به وبين الطارئ من البدو، واختلفوا في أن المكي والآفاقي يستويان في أي شيء فعن ابن عباس في بعض الروايات أنهما يستويان في سكنى مكة والنزول بها للآية بناء على أن المراد بالمسجد الحرام مكة، ولما روي أنه  قال "مكة مباحة سبق إليها" وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وهو قول قتادة وسعيد بن جبير أيضاً، ولأجل ذلك زعموا أن كراء دور مكة حرام.

والأكثرون على أنهما مستويان في العبادة في المسجد ليس للمقيم أن يمنع البادي وبالعكس ومنه قوله  " "يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئاً فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" وعلى هذا فلا منع من بيع دور مكة وإجارتها وهو مذهب الشافعي وقد جرت المناظرة بينه وبين إسحق الحنظلي وكان إسحق لا يرخص في كراء دور مكة فاحتج الشافعي بقوله  ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق  ﴾ بأن عمر اشترى دار السجن فسكت إسحق وإنما ذهب الأولون إلى أن المراد بالمسجد الحرام ههنا مكة كلها لأنه جعل العاكف فيه بإزاء البادي.

أجاب الأكثرون بأنه اراد بالعاكف المجاور للمسجد المتمكن في كل وقت من التعبد فيه.

والإلحاد العدول عن القصد كما مر في قوله ﴿ وذَرُوا الذين يلحدون في أسمائه  ﴾ وقوله ﴿ بالحاد بظلم ﴾ حالان ومفعول ﴿ يرد ﴾ متروك ليفيد العموم أي ومن يرد فيه مراداً ما جائراً ظالماً.

وفائدة الحال الثانية أن العدول عن القصد قد يكون بالحق كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة  ﴾ واختلفوا في الإلحاد في الحرم فعن قتادة وسعيد بن جبير وابن عباس في رواية عطاء أنه الشرك يعني من لجأ إلى حرم الله ليشرك به عذبه الله.

وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن حنظلة حيث قتل الأنصاري وهرب إلى مكة كافراً.

فأمر النبي  بقتله يوم الفتح وهو العذاب الأليم.

وعن مجاهد أنه الاحتكار.

وقيل: المنع من عمارته.

وعن عطاء: هو قول الرجل في المبايعة "لا والله" وبلى والله.

ومثله ما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل فقيل له في ذلك فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل "لا والله" و"بلى والله".

والأولى التعميم.

وفيه أن الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في مهامه ومقاصده، وهذا وإن كان واجباً في كل مكان إلا أن وجوبه هناك أو كد فللمكان خاصية كما للزمكان ولهذا قال مجاهد: تضاعف السيئات فيه كما تضاعف الحسنات.

عن ابن مسعود: أن القصد إلى الذنب يكتب هناك ذنباً وإن لم يخرج إلى الفعل.

وعنه لو أن رجلاً يهم بأن يعمل سيئة عند البيتن اذاقه الله  عذاباً أليماً.

واعلم أن خبر إن محذوف لدلالة جواب الشرط عليه كأنه قيل: إن الذين كفروا ويصدون نذيقهم من عذاب أليم ومن يرد في الحرم بإلحاد فهو كذلك، وحين انجر الكلام إلى ذكر المسجد الحرام أتبعه ذكر الكعبة وبعض ما يتعلق به من المناسك فقال ﴿ وإذ بوأنا ﴾ أي واذكر حين جعلنا ﴿ لإبراهيم مكان البيت ﴾ مباءة أي مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة، ويروى أن موضع البيت كان مطموساً بفبعث الله  ريحاً كنست ما حوله حتى ظهر اسه القديم فبنى إبراهيم عليه وقد مر قصة ذلك في "البقرة".

وقيل: بعث غمامة على قدر البيت الحرام في العرض والطول وفيها راس يتكلم وله لسان وعينان فقال: يا إبراهيم ابن على قدري فأخذ في البناء وذهبت السحابة.

وأن في ﴿ أن لا تشرك ﴾ هي المفسرة وذلك أن المقصود من التوبة هو العبادة فكأنه قيل: تعبدنا لإبراهيم قلنا له: لا تشرك وطهر وقد مر مثله في "البقرة".

وإنما قال ههنا ﴿ والقائمين ﴾ لأن العاكف ذكر مرة في قوله ﴿ سواء العاكف ﴾ والقائم إما بمعنى القيام في الصلاة بدليل قوله ﴿ والركع السجود ﴾ أو بمعنى المقيم المتوطن.

والظاهر أن الخطاب في ﴿ وأذن ﴾ لإبراهيم أيضاً أي ناد ﴿ في الناس ﴾ وهو أن يقول حجوا أو عليكم ﴿ بالحج ﴾ يروى أنه صعد أبا قبيس فقال: ايها الناس حجوا بيت ربكم، قال مجاهد: فما حج إنسان ولا يحج إلى القيامة إلا وقد سمع ذلك النداء من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فمن أجاب مرة حج مرة ومن أجاب أكثر فأكثر.

ولعل الفائدة في قوله ﴿ يأتوك ﴾ هي هذه لأن الإتيان إلى مكة بسبب ندائه إتيان إليه.

وأيضاً هو أول من حج وغيره يقتدي به وكأنه يأتيه.

وعن الحسن وهو اختيار أكثر العلماء المعتزلة أن الخطاب للنبي  وأنه معطوف على "أذكر" مقدراً، ثم إنه عام لجميع الناس أو خاص بمن حج معه في حجة الوداع قولان.

وقيل: إنه ابتداء فرض الحج والرجال المشاة واحده راجل.

وقوله ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ حال آخر كأنه قيل رجالاً وركباناً.

والضامر البعير المهزول لطول السفر.

﴿ ويأتين ﴾ صفة ﴿ لكل ضامر ﴾ لأنه في معنى الجمع.

والفج الطريق الواسع وقد مر في السورة المتقدمة.

والعميق البعيد ومثله معيق وبه قرأ ابن مسعود.

وفي تقديم المشاة تشريف لهم.

روى سعيد بن جبير بإسناده عن النبي  "إن الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشي سبعمائة من حسنات الحرم.

قيل: يا رسول الله وما حسنات الحرم؟

قال: الحسنة بمائة ألف حسنة" قال جار الله: ذكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات وقد كنى عن النحر والذبح بذكر اسم الله  لأن المسلمين لا ينفكون عن التسمية إذا نحروا أو ذبحوا، وفيه تنبيه على أن التسمية من الأغراض الأصلية المعتبرة خلاف ما كان يفعله المشركون من الذبح للنصب.

وفي قوله ﴿ على ما رزقهم ﴾ إشارة إلى أن نفس القربان وتيسير ذلك العمل من نعم الله  ولو قيل "لينحروا في أيام معلومات بهيمة الأنعام" لم يكن شيء من هذه الفوائد.

والأيام المعلومات عند أكثر العلماء عشر ذي الحجة الأول آخرها يوم النحر لأنها معلومة عند الناس لحرصهم على أعمال الحج فيها.

ثم للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة والمعشر الحرام، كذلك للذبح وقت بعينه وهو يوم النحر وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والحسن ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس واختيار الشافعي وأبي حنيفة.

وعن ابن عباس في رواية أخرى أنها يوم النحر وثلاثة ايام بعدها وهو اختيار أبي مسلم وقول أبي يوسف ومحمد.

وعلى الأول يكون قوله ﴿ في أيام ﴾ متعلقاً بكلا الفعلين أعني ﴿ ليشهدوا ﴾ ﴿ وليذكروا ﴾ وعلى الثاني يختص تعلقه بالثاني.

ومعنى ﴿ بهيمة الأنعام ﴾ بهيمة من الأنعام لأن البهيمة تشمل كل ذات أربع في البر والبحر فبينت بالأنعام وهي الإبل والبقر والضأن والمعز، وقد مر في أول المائدة قال مقاتل: إذا ذبحت فقل "بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك" وتستقبل القبلة.

وزاد الكلبي "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين".

قال القفال: كأن المتقرب بها وبإراقة دمائها متصور بصورة من يفدي نفسه بما يعادلها فكأنه يبذل تلك الشاة بذل مهجته طلباً لمرضاة الله واعترافاً بأن تقصيره كاد يستحق مهجته.

أما قوله ﴿ فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ﴾ فالبائس الذي أصابه بؤس أي شدة والفقير قد مر في آية الصدقات في "التوبة" وفي غيرها.

ثم من الناس من قال: الأمران للوجوب لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون منها فأمر المسلمون بمخالفتهم.

والأكثرون على أن الأكل ليس بواجب.

ثم منهم من قال: يحسن أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف رعاية للأمرين.

ومنهم من قال: يأكل الثلث ويتصدق بالثلثين لما يجيء من قوله ﴿ فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ﴾ فجعلها على ثلاثة أقسام ومنهم من قال: يأكل الثلث ويدخر الثلث ويتصدق بالثلث لما جاء في الحديث من الأمر بالادخار.

والأولى وهو مذهب الشافعي أنه إن أطعم جميعها أجزأه، وإن أكل جميعها لم يجزئه، وإذا تصدق بأقل شيء من لحمها يكفي هذا إذا كان متطوعاً.

وأما الواجبات كالنذور والكفارات وجبران النقصانات مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة فلا يأكل منها لا هو ولا أغنياء الرفقة ولا فقراؤها لما روي عن هشام بن عروة عن أبيه "عن ناجية الخزاعي قال: قلت: يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من البدن؟

قال: انحرها ثم إغمس نعلها في دمها ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها" .

وقال ايضاً  في مثله: "لا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك" .

قوله ﴿ ثم ليقضوا تفثهم ﴾ لا يبعد أن يكون معطوفاً على ﴿ ليشهدوا ﴾ فإن هذه الأعمال كلها غايات للإتيان إلا أن إسكان هذه اللامات في بعض القراآت يدل على أنها لام الأمر وعلى هذا تكون هذه الأوامر الغائبة معطوفة على الأمرين الحاضرين قبلها والله أعلم.

قال أبو عبيدة: لم يجيء في الشعر ما يحتج به في معنى النفث.

وقال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير.

وقال القفال: قال نفطويه: سألت أعرابياً فصيحاً ما معنى قوله ﴿ ثم ليقضوا نفثهم ﴾ ؟

فقال: ما أفسر القرآن ولكنا نقول للرجل: ما أتفثك وما أدرنك!

ثم زعم القفال أن هذا أولى من قول الزجاج لأن المثبت أولى من النافي.

وقال المبرد: أصل التفث في كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها.

وأجمع أهل التفسير على أن المراد ههنا إزالة الأوساخ والزوائد كقص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة.

فتقدير الآية ثم ليقضوا إزالة تفثهم وليوفوا نذورهم اي الأعمال التي أوجبها الحج بالشروع فيه، أو أعمال البر التي أوجبوها على أنفسهم بالنذر فإن الرجل إذا حج أو اعتمر فقد يوجب على نفسه من الهدي وغيره ما لولا إيجابه لم يكن الحج يقتضيه.

﴿ وليطوفوا ﴾ هو طواف الإفاضة والزيارة التي هي ركن وقد شرحت حاله في البقرة في قوله ﴿ فإذا أفضتم من عرفات  ﴾ وقيل: هو طواف الوداع والصدر.

سمي ﴿ بالبيت العتيق ﴾ لأنه أول بيت وضع للناس عن الحسن، وقال قتادة: لأنه أعتق من تسلط الجبابرة عليه وهو قول ابن عباس وابن الزبير ورووه عن رسول الله صلى الله عيله وسلم.

وعن ابن عيينة لأنه لم يملك قط.

وعن مجاهد لأنه أعتق من الغرق أيام الطوفان.

وقيل: معناه البيت الكريم من قولهم "عتاق الخيل والطير".

والحرمة مالا يحل هتكه وجميع التكاليف بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، ويحتمل أن يراد ههنا ما يتعلق بالحج، عن زيد بن أسلم أن الحرمات خمس: الكعبة الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمحرم حتى يحل.

وتعظيمها العلم بوجوبها والقيام بحقوقها.

وقوله ﴿ فهو خير ﴾ أي فالتعظيم له خير من التهاون بذلك.

وقوله ﴿ عند ربه ﴾ إشارة إلى أن ثوابه مدخر لأجله.

قوله ﴿ وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ﴾ قد مر في أول "المائدة" مثله أي إلا ما يتلى عليكم آية تحيمه وهي ﴿ حرمت عليكم الميتة  ﴾ أو قوله ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم  ﴾ أو قوله ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه  ﴾ وحين حث على تعظيم الحرمات أتبعه الأمر بما هو أعظم أنواعها وأقدم أصنافها قائلاً ﴿ فاجتنبوا الرجس ﴾ وبينه بقوله ﴿ من الأوثان ﴾ أي الرجس الذي هو الأوثان كقولك "عندي عشرون من الدراهم".

والرجس العمل القبيح في الغاية وقد مر في آخر المائدة في تفسير قوله ﴿ رجس من عمل الشيطان  ﴾ والزور من الزور الميل والإضافة كقولهم "رجل صدق" جمع بين القول الزور وبين الشرك لأن عبادة الأوثان هي راس الزور وملاكه.

قال الصم: وصف الأوثان بأنها رجس لأن عادتهم في القرابين أن يتعمدوا سقوط الدماء عليها، والأقرب أنها وصفت بذلك لأن عبادتها فعلة ممادية في القبح والسماجة.

وللمفسرين في قول الزور وجوه منها: أنه قولهم هذا حلال وهذا حرام.

ومنها أنه شهادة الزور رفعوا هذا التفسير إلى النبي  .

ومنها أنه الكذب والبهتان.

ومنها أنه قول أهل الجاهلية في الطواف "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك" وقوله ﴿ حنفاء لله غير مشركين به ﴾ حالان مؤكدان والمراد الإخلاص في التوحيد كقوله ﴿ حنيفاً ولم يك من المشركين  ﴾ وفائدة الحالين هي فائدة التولي والتبري وإنما أخر نفي الإشراك وإن كان مقدماً في الرتبة إذ التخلية والتبرئة مقدمة على التحلية والتولية ليرتب عليه قوله ﴿ ومن يشرك بالله ﴾ الآية.

قال جار الله: إن كان تشبيهاً مركباً فمعناه من أشرك بالله فقد هلك نفسه غاية الإهلاك وذلك بأن صور حاله بصورة من خر من السماء فاحتطفه أي استلبته الطير فتفرق مزعاً أي قطعاً من اللحم في حواصلها، أو بحال من خر فعصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح السحيقة البعيدة.

وإن كان مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي تركه فأشرك فقد سقط منها والإهواء التي توزع أفكاره بالطير المتخطفة، وفي المثل الآخر شبه الشيطان الذي يطرح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بالأشياء في المهاوي المتلفة.

وتعظيم شعائر الله وهي الهدايا كما مر في أمر "المائدة" هي أن يختارها عظام الأجرام غالية الأثمان.

وقد مر وصفها الشرعي في "البقرة" في قوله { ﴿ فما استيسر من الهدي  ﴾ وقد أهدى رسول الله  مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب قال في الكشاف ﴿ فإنها من تقوى القلوب ﴾ أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى من ليرتبط به.

وأقول: في هذا الوجوب نظر لأنه ليس بشرعي ولا بعقلي على ما تزعم المعتزلة.

أما المضاف الأول فلأنه يحتمل أن يعود الضمير إلى التعظيم موحدين حتى لا يطابقها لفظ القلوب بل يحتمل أن يقدر لفظة منهم أويقدر فإن تعظيمهم إياها فيرجع الكلام إلى قلوبنا ﴿ ومن يعظم شعائر الله ﴾ فإن تلك الخلة منهم من تقوى القلوب أي ناشئة من تقوى قلوبهم، فإن القلوب مراكز التقوى التي منها عيارها وعليها مدارها ولا عبرة بما يظهر من آثارها على سائر الجوارح دونها.

ثم كان لسائل أن يسال: ما بال هذه الحيوانات تذبح فيتقرب بها إلى الله  ؟

فلهذا قال ﴿ لكم فيها منافع ﴾ يعني الدنيوية من الدر وركوب الظهر وسيشير إلى الدينية بقوله ﴿ لكم فيها خير ﴾ ولهذا أطلق ذلك وقيد هذه بقوله ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ وهو أوان النحر.

ثم بين أن وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها أو مكان نحرها منته إلى البيت أو إلى ما يجاوره ويقرب مه وهو الحرم كما مر في قوله ﴿ هديا بالغ الكعبة  ﴾ ومثله قوله:بلغنا البلد" إذا شارفوه واتصل مسيرهم بحدوده.

قال القفال: هذا إنما يختص بالهدايا التي بلغت مني، فأما إذا عطبت قبل بلوغ مكة فإن محلها هو موضعها.روى أبو هريرة " أنه  مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد فقال  : اركبها فقال: يا رسول الله إنها هدي.

فقال: اركبها ويلك" .

وعن جابر أنه  قال: "اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهراً" .

وهذا هو الذي اختاره الشافعي.

وعن ابي حنيفة أنه لا يجوز الإنتفاع بها لأنه لا يجوز إجازتها ولو كان مالكاً لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها.

وضعف بأن أم الولد لا يمكنه بيعها ويمكنه الانتفاع بها.

وممن ذهب إلى هذا القول من فسر الأجل المسمى بوقت تسميتها هدياً، والمراد أن لكم أن تنتفعوا بهذه الأنعام إلى أن تسموها أضحية وهدياً فإذا فعلتم ذلك فليس لكم أن تنتفعوا بها.

وقد ينسب هذا القول إلى ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والضحاك.

أجاب الأولون بأن الضمير في قوله ﴿ لكم فيها منافع ﴾ عائد إلى الشعائر، وتسمية ما سيجعل شعيرة مجاز والأصل عدمه.

قال في الكشاف: "ثم" للتراخي في الوقت فاستعيرت للتراخي في الأحوال، والمعنى إن لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم، وأعظم هذه المنافع وأبعدها شوطاً في النفع محلها منتهية إلى البيت.

ومنهم من فسر الشعائر بالمناسك كلها وفسر الأجل المسمى بأوان انقطاع التكليف، وزيفه جار الله بأن محلها إلى البيت يأباه، ثم بين أن القرابين في الشرائع القديمة وإن اختلفت أمكنتها وأوقاتها فقال ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ﴾ موضعاً أو وقتاً يذبح فيه النسائك الذبائح كسر السين سماع وفتحها قياس.

ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى النسك والمراد شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة من زمن إبراهيم إلى من قبله وبعده أن ينسكوا له أي يذبحوا لوجهه على جهة التقرب وجعل الغاية في ذلك هي أن يذكر اسمه على نحرها، ثم بين العلة في تخصيص اسمه بذلك قائلاً ﴿ فإلهكم إله واحد ﴾ لأن تفرده بالإلهية يقتضي أن لا يذكر على الذبائح إلا إسمه.

ويجوز أن يتعلق هذا الكلام بأول الآية، والمعنى إنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح لا لتعدد الإله.

ثم ذكر أن تفرده بالإلهية يقتضي اختصاصه بالطاعة قائلاً ﴿ فله أسلموا ﴾ أي خصوه بالانقياد الكلي والامتثال لأوامره ونواهيه خالصاً لوجهه من غير شائبة إشراك.

ثم أمر نبيه  بتبشير المخبتين وفسرهم بقوله ﴿ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ والتركيب يدور على التواضع والخشوع ومنه الخبت للمطمئن من الأرض، وعن عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا.

قال الكلبي: هم المجتهدون في العبادة.

ثم عطف على المخبتين قوله ﴿ والصابرين على ما أصابهم ﴾ أي من المكاره في ذات الله كالأمراض والمحن، فأما الذي يصيبهم من قبل الظلمة فقد قال العلماء: إنه لا يجب الصبر عليه ولكن لو أمكن الدفع وجب دفعه ولو بالقتال.

ثم خص من أنواع التكاليف التي تشق على النفس وتكرهها نوعين هما أشرف العبادات البدنية والمالية أعني الصلاة والزكاة وقوله ﴿ ومما رزقناهم ﴾ عطف على ﴿ المقيمي الصلاة ﴾ من حيث المعنى كأنه قيل: والذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون.

ثم عاد إلى تعظيم شأن الضحايا مرة اخرى وخص منها العظام الجسام بقوله ﴿ والبدن جعلناها ﴾ هي بضم الدال وسكونها جمع بدنة وهي الإبل خاصة لعظم بدنها إلا أن الشارع ألحق البقرة بها حكماً.

قال أبو حنيفة ومحمد: لو قال: عليَّ بدنة يجوز له نحرها في غير مكة.

وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بمكة بناء على أن البدنة مختصة بناقة أو بقرة تذبح هناك.

واتفقوا فيما إذا نذر هدياً أنه يجب ذبحه بمكة، وفيما إذا أنذر جزوراً أنه يذبحه حيث شاء.

وانتصب قوله و ﴿ البدن ﴾ بفعل يفسره ما بعده.

ومعنى جعلها من شعائر الله أنها من أعلام الشريعة التي شرعها الله.

عن بعض السلف أنه لم يملك إلا تسعة دنانير فاشترى بها بدنة فقيل له في ذلك فقال: سمعت ربي يقول ﴿ لكم فيها خير ﴾ أي ثواب في الآخرة كما ذكرنا.

وبعضهم لم يفرق بين الآيتين فحمل كلاً منهما على خير الدنيا والآخرة، والأنسب ما فسرناه حذراً من التكرار ما أمكن.

ومعنى ﴿ صواف ﴾ قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، ولعل السر فيه تكثير سوادها للناظرين وتقوية قلوب المحتاجين.

﴿ فإذا وجبت جنوبها ﴾ اي سقطت على الأرض من وجبت الحائط وجبة سقطت، ووجبت الشمس وجبة غربت.

والمعنى إذا زهق روحها حل لكم الأكل منها وإطعام القانع والمعتر فالقانع السائل والمعتر الذي لا يسأل تعففاً.

وقيل: بالعكس فهماً من الأضداد كأن القانع قنع بالسؤال أو قنع بما قسم له فلا يسأل، والمعتر رضي بعرّه اي عيبه فلا يسال أو يسأل.

ثم منَّ على عباده بأن سخر لهم البدن أن يحتبسوها صافة قوائمها مطعوناً في لباتها مثل التسخير الذي شاهدوا وعلموا يأخذ بخطامها صبي فيقودها إلى حيث يشاء، وليست بأعجز من بعض الوحوش التي هي أصغر جرماً وأقل قوة لولا أنه  سخرها.

يورى أن أهل الجاهلية كانوا يلطخون الأوثان وحيطان الكعبة بلحوم القرابين ودمائها فبين الله  ما هو المقصود منها فقال ﴿ لن ينال الله ﴾ أي لن يصيب رضا الله أصحاب اللحوم والدماء المهراقة بمجرد الذبح والتصدق.

﴿ ولكن يناله التقوى منكم ﴾ بأن يكون القربان حلالاً روعي فيها جهات الأجزاء ثم يصرفها فيما آمر.

ثم كرر منة التسخير وأن الغاية تكبير الله على الهداية لأعلام دينه ومناسك حجه، وصورة التكبير وما يتعلق بها قد سبق في "البقرة" في آية الصيام.

قالت المعتزلة: لما لم ينتفع المكلف بالأجسام التي هي اللحوم والدماء وانتفع بتقواه وجب أن تكون التقوى فعلاً له وإلا كان بمنزلة الأجسام.

وأيضاً إنه قد شرط التقوى في قبول العمل وصاحب الكبيرة غير متق فوجب أن لا يقبل عمله.

والجواب أنه لا يلزم من عدم انتفاعه ببعض ما ليس من أفعاله أن لا ينتفع بكل ما ليس من أفعاله.

وأيضاً إن صاحب الكبائر اتقى الشرك فيصدق عليه أنه متقٍ ﴿ وبشر المحسنين ﴾ إلى أنفسهم بتوفير الثواب عليها.

والإحسان بالحقيقة أن تعبد الله كأنك تراه، وفيه ترغيب لما شرط من رعاية الإخلاص في القرابين وغيرها.

وحين فرغ من تعداد بعض مناسك الحج ومنافعها وكان الكلام قد انجر إلى ذكر الكفار وصدهم عن المسجد الحرام أتبعه بيان ما يزيل ذلك الصد ويمكن من الحج وزيارة البيت فقال ﴿ إن الله يدفع ﴾ ومن قرأ ﴿ يدافع ﴾ فمعناه يبالغ في الدفع ﴿ عن الذين آمنوا ﴾ فعل المغالب والمدفوع هو بأس المشركين وما كانوا يخونون الله ورسوله فيه يدل عليه تعليله بقوله ﴿ إن الله لايحب كل خوان كفور ﴾ أي أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذه صفته قال مقاتل: اقروا بالصانع وعبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذا؟

وكان أصحاب رسول الله  يلقون من المشركين أذى شديداً وكانوا يلقونه من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فنزل ﴿ أذن ﴾ وفاعله الله  أم لم يسم والمأذون فيه القتال بدليل قوله ﴿ للذين يقاتلون ﴾ إن فتح التاء فظاهر لأن المشركين كانوا يقاتلون المؤمنين وإنهم يؤمرون بالصبر، وإن كسرت فمعناه أذن للذين يحرصون على قتال المشركين في المستقبل نزل حرصهم على القتال منزلة نفس القتال ﴿ بأنهم ظلموا ﴾ أي بسبب كونهم مظلومين وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعدما نهى عنه في نيف وسبعين آية.

وقيل: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركو مكة فأذن لهم في مقاتلتهم.

وفي قوله ﴿ إن الله يدافع ﴾ ثم في قوله ﴿ وإن الله على نصرهم لقدير ﴾ عدة كاملة بإعلاء هذا الدين وإظهار ذويه على أهل الأديان كلهم كما تقول لغيرك إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك.

لا تريد مجرد إثبات القدرة بل تريد أنك ستفعل ذلك.

ثم وصف ذلك الظلم بأن وصف الموعودين بالنصر بقوله ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم ﴾ ومحل ﴿ أن يقولوا ﴾ جر على الإبدال من ﴿ حق ﴾ اي بغير موجب سوى التوحيد الذي يوجب الإقرار والتمكين لا الإخراج والإزعاج نظيره ﴿ هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله  ﴾ ﴿ ولولا دفع الله الناس ﴾ قد مر في أواخر البقرة.

وللمفسرين في عبارات قال الكلبي: يدفع بالنبيين عن المؤمنين وبالمجاهدين عن القاعدين.

وعن ابن عباس: يدفع بالمحسن عن المسيء وعن ابن عمر أن النبي  قال: "إن الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة من أهل بيته ومن جيرانه ثم تلا هذه الآية" وقال الضحاك: يدفع بدين الإسلام وأهله عن أهل الذمة.

وقال مجاهد: يدفع عن الحقوق بالشهود وعن النفوس بالقصاص.

أما الصوامع والبيع والصلوات فعن الحسن أنها كلها اسماء المساجد، فقد يتخذ المسلم لنفسه صومعة لأجل العبادة.

قال الجوهري: الأصمع الصغير الأذن ويقال أتانا بثريدة مصمعة، إذا دققت وحدد راسها.

وصومعة النصارى "فوعلة" من هذا لأنها دقيقة الرأس، وقد تطلق البيعة على المسجد للتشبيه وكذا الصولات.

وسميت كنيسة اليهود صلاة لأنها يصلى فيها، ويحتمل أن يراد مكان الصلوات أو يراد الصلاة الشرعية نفسها.

وصح إيقاع الهدم عليها نظراً إلى قرائنها كقوله: مقلداً سيفاً ورمحاً.

وإن كان الرمح لا يتقلد.

هذا كله توجيه تفسير الحسن.

والأكثرون على أنها متعبدات مختلفة، فعن ابي العالية أن الصوامع للنصارى والبيع لليهود والصلوات للصابئين والمساجد للمسلمين.

وفي تخصيصها بقوله ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ تشريف لها وتفضيل على غيرها لأن الظاهر عود الضمير إليها فقط.

وعن قتادة أن الصوامع للصابئين والبيع للنصارى والصلوات لليهود.

قال الزجاج: وهي بالعبرانية صلوتا.

وقيل: الصوامع والبيع كلتاهما للنصارى ولكن الأولى في الصحراء والأخرى في البلد، وإنما أخر متعبد أهل الإسلام لتأخر زمانهم ولا ضير فإن أول الفكر آخر العمل.

وقال  "نحن الآخرون السابقون" وتفسير الآية على قول الأكثرين لولا دفع الله لهدم في شرع كل نبي المكان المعهود لهم في العبادة، فهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد  المساجد.

وعلى هذا الوجه إنما رفع عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف والنسخ، ويحتمل أن يراد لولا ذلك لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان في زمن أمة محمد  من المسلمين وأهل الكتاب الذين في ذمتهم، وهدموا المتعبدات باسرها.

وعلى هذا الوجه إنما دفع عن سائر أهل الأديان لأن متعبداتهم يجري فيها ذكر الله في الجملة ليست بمنزلة بيوت الأصنام.

ثم عزم على نفسه نصرة من ينصر دينه وأولياؤه وأكد ذلك بقوله ﴿ إن الله لقوي عزيز ﴾ ومعنى القوة والعزة أنه لا يمتنع شيء من نفاذ أمره فيه مع أنه لا يتأثر عن شيء أصلاً.

ونصرة الله العبد تقويته على أعدائه ووضع الدلائل على ما يفيده في الدارين ونفث روح القدس بأمره داعية الخير والصلاح في روعه.

ثم أتبع قوله الذين أخرجوا قوله.

﴿ الذين إن مكناهم ﴾ وقيل: هو بدل من قوله ﴿ من ينصره ﴾ وهو إخبار منه عز وجل عما ستكون عليه سيرة المهاجرين إذا مكنهم في الأرض وبسط لهم في الدنيا.

وعن عثمان: هذا والله ثناء قبل بلاء، أراد أن الله  قد أثنى عليهم قبل أن يحدثوا في شأن الدين وإعلائه ما أحدثوا.

قيل: إنه مخصوص من المهاجرين بالخلفاء الراشدين لأنه  لم يعط التمكين فتمكينهم هو إبقاءهم إلى أوان التكليف، وقد يشمل الأطفال أيضاً إذا ماتوا قبل البلوغ لقوله الله أعلم بما كانوا عاملين.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ ولله عاقبة الأمور ﴾ أي مرجعها ومصيرها إلى حكمه وتقديره وقد أراد تمكين أهل هذا الدين في كل حين فيقع لا محالة.

التأويل: ﴿ ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ﴾ القلب سواء فيه من سبق إليه مدة طويلة والذي يصل إليه في الحال لأفضل إلا بسبق مقامات القلب ومنازله ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم ﴾ الروح مكان بيت القلب ﴿ وطهر بيتي ﴾ عن غيري وهو كل ما فيه حظ النفس دون الواردات المطيفة والأخلاق الثابتة والأحوال المتوالية كالرغبة والرهبة والقبض والبسط والأنس والهيبة ﴿ رجالاً ﴾ هي النفس وصفاتها ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ هي البدن وجوارحه فإن الأعمال الشرعية قد ركبت الجوارح المرتاضة، فأعمال البدن مركبة من حركات الجوارح ونيات الضمير كما أن أعمال النفس بسيطة.

لأنها نيات الضمير فقط ﴿ من كل فج عميق ﴾ هو مصالح الدنيا لأن مصالحها بعيدة عن مصالح الآخرة ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ فمنافع النفس وصفاتها بتبديل الأخلاق، ومنافع القلب والجوارح بظهور اثر الطاعة عليها ﴿ ويذكروا ﴾ اي القلب والنفس والقالب شكراً ﴿ على ما رزقهم من ﴾ تبديل الصفات البهيمية بالصفات الروحيانية فانتفعوا بها وأفيضوا منها على الطالبين فهو خير لأن العبد يصل بالطاعة إلى الجنة ويصل بحرمة الطاعة إلى الله، وترك الخدمة يوجب العقوبة وترك الحرمة يوجب الفرقة.

﴿ وأحلت لكم ﴾ استعمال الصفات البهيمية بقدر الضرورة ﴿ إلا ما يتلى عليكم ﴾ في قولنا ﴿ ولا تسرفوا  ﴾ وفي قول النبي  "من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه" ﴿ فاجتنبوا ﴾ مقتضيات الهوى وكونوا صادقين في الطلب لا مزورين مائلين إلى الحق غير طالبين معه غيره، وخر من سماء القلب فاستلبه طير الشياطين أو وتهوي به ريح الهوى والخذلان إلى أسفل سافلين البعد والحرمان.

لكم في شواهد آثار صنع الإرشاد منافع وهي لذة العبور على المقامات ولذة البسط ولذة الأنس إلى أجل مسمى وهو حد الكمال، ثم انتهاء السلوك إلى حضرة القديم.

ولكل سالك جعلن مقصداً وطريقاًً، منهم من يطلب الله من طريق المعاملات، ومنهم من يطلبه من طريق المجاهدات، ومنهم من يطلبه بطريق المعارف، ومنهم من يطلبه به.

﴿ فله أسلموا ﴾ أي أخلصوا والإخلاص تصفية الأعمال من الآفات، ثم الأخلاق من الكدورات، ثم الأحوال من الالتفات، ثم الأنفاس من الأغيار ﴿ وبشر المخبتين ﴾ عنى المستقيمين على هذه الطريقة.

﴿ وجلت قلوبهم ﴾ الوجل عند الذكر على حسب تجلي الحق للقلب ﴿ والصابرين على ما اصابهم ﴾ من غير تمني ترحة ولا روم فرحة ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ الحافظين مع الله أسرارهم لا يطلبون إطلاع الخلق على أحوالهم ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ يبذلون الموجود في طلب المقصود والوجود بشهود المعبود ﴿ والبدن ﴾ يعني بدن الأبدان الجسام جعلنا قربانها عند كعبة القلب بذبحها عن شهواتها من شعائر أهل الصدق في الطلب، فإذا ماتت عن طبيعتها فانتفعوا بها أنتم وغيركم من الطالبين والقانعين بما أفضتم عليه، والمعترين المتعطشين الذين لا يروون رياً من ماء حياة المعرفة شربت الحب كأساً بعد كأس *** فما نفد الشراب وما رويت ﴿ وكذلك سخرناها لكم ﴾ فيه أن ذبح النفس بسكين الرياضة لا يتيسر إلا بتسخير خالقها وتيسير موجدها يؤكده قوله ﴿ إن الله يدافع ﴾ خيانة النفس وهواها ﴿ عن الذين آمنوا ﴾ ﴿ أذن للذين يقاتلون ﴾ فيه أن قتال يجب أن يكون بإذن من الله  وهو أن يكون على وفق الشرع وفي أوان التكليف وعلى حسب ظلم النفس على القلب وإخراجها إياه من ديار الطمأنينة ﴿ ولولا دفع الله ﴾ النفوس بالقلوب لضيعت صوامع أركان الشريعة، وبيع آداب الطريقة، وصلوات مقامات الحقيقة، ومساجد القلوب التي ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ لاتساعها بإشراف نور الله عليها ﴿ أن مكناهم في الأرض ﴾ البشرية ﴿ أقاموا ﴾ صلاة المواصلة وأتوا زكاة الأحوال وهي إيثار ربع عشر الأوقات على مصالح الخلق، وأمروا بحفظ الحواس عن مخالفات الأمر وبمراعاة الأنفاس مع الله، ونهوا عن مناكير الرياء والإعجاب وإلى الله عاقبة الأمور.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ قوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ جائز أن يكون الذي تقدم ذكره من قوله: ﴿ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ * لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ...

﴾ إلى آخر ما ذكر ذلك الذي ذكر: ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

وجائز أن يكون لا على ذلك، ولكن حرف يذكر عند ختم قصّة والفراغ منها مبتدأ، لا على ربط شيء، نحو قوله: ﴿ هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ...

 ﴾ كذا ﴿ وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ...

 ﴾ كذا، قوله: ﴿ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ ﴾ يصح دون ذكر هذا، لكنه ذكر على ختم كلام الأوّل وابتداء آخر، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ كذلك.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ﴾ كأنّه قال: ومن يعظم حرمات الله، وخرج للحج، وأنفق المال، وأتعب النفس فما له عند ربّه من الثواب، فذلك خير له من حفظ ماله وحفظ نفسه، وإلا لا شك أن من عظم حرمات الله خير له ممن لم يعظمها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ ﴾ ، وفي حرف ابن مسعود: (وأحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم) من المحرمات من الميتة والدم، وما ذكر في سورة المائدة، وقد ذكرنا هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ ﴾ وهم الأوثان.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَٱجْتَنِبُواْ ﴾ عبادة الأوثان فإنه رجس، وليس فيه أن غير الأوثان ليس برجس، كقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ  ﴾ ليس فيه أن يحل قتل الأولاد في غير خشية الإملاق، فعلى ذلك هذا.

وقوله: ﴿ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ ﴾ يحتمل كل قول زور.

ويحتمل الزور الذي قالوا في الله من الولد والشريك وما لا يليق به.

﴿ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ * حُنَفَآءَ للَّهِ ﴾ تأويله - والله أعلم -: واجتنبوا قول الزور، وكونوا حنفاء لله غير مشركين به.

وقوله: ﴿ حُنَفَآءَ ﴾ قد ذكرناه.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ غَيْرَ مُشْرِكِينَ ﴾ تفسير قوله: ﴿ حُنَفَآءَ للَّهِ ﴾ أي: كونوا مخلصين لله في جميع أموركم، غير مشركين به في ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ يحتمل ضرب مثل من أشرك بالله بالسّاقط من السماء واختطاف الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق - وجوهاً: أحدها: ما وصف وضرب مثله بشيء لا قرار له ولا ثبات، نحو ما قال: ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ  ﴾ ، ونحو ما قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً...

﴾ الآية [النور: 39]، ضرب مثل الكفر بشيء لا قرار له ولا ثبات، فعلى ذلك مثله بالساقط من السماء تخطفه الطير أو تهوي به الريح، لا يدري أين هو؟

ولا أين يطلب إن أرادوا طلبه؟

ولا يظفر به، فعلى ذلك الكافر.

والثاني: ضرب مثله بالسّاقط من السماء، وهي أبعد البقاع في الأوهام، لا ينتفع بمن سقط منها ولا بشيء من نفسه، ولا تبقى نفسه؛ فعلى ذلك الكافر لا ينتفع بشيء من محاسنه، ولا تبقى نفسه ينتفع بها لبعده عن دين الله.

والثالث: [الساقط] من السماء أثر سقوطه منها في نفسه وفي جميع جوارحه، وظهر ذلك كله فيه حتى لا يرجى برؤه وصحّته، فعلى ذلك الكافر يظهر آثار الكفر في نفسه وجوارحه؛ لبعده عن دين الله، والله أعلم.

وقال بعضهم: هذا مثل ضربه الله لمن أشرك به في هلاكه وبعده من الهدى، والسحيق: البعيد، وهو قريب مما ذكرنا.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ هو ما ذكرنا في قوله: ﴿ هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ  ﴾ ، ﴿ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ ﴾ تأويله - والله أعلم - أي: ومن يعظم شعائر الله بالجوارح، فذلك التعظيم من تقوى القلوب، وهكذا الأمر الظاهر في الناس: أنه إذا كان في القلب شيء من تقوى أو خير، ظهر ذلك في الجوارح، وكذلك الشر أيضاً إذا كان في القلب ظهر في الجوارح.

وقوله: ﴿ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ و ﴿ شَعَائِرَ ٱللَّهِ ﴾ قال بعضهم: هما واحد، وهي المناسك.

وقال بعضهم: الحرمات هي جميع محارم الله ومعاصيه يتقيها؛ تعظيما لها، وقد ذكرنا تأويل ﴿ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ﴾ في سورة [المائدة: 2]، والسحيق: هو المكان البعيد، يقال: سحق المكان يسحق سحقا فهو سحيق: إذا بعد، والسحق أيضاً: الشيء الخلق، يقال: أسحق الثوب، وسحق يسحق سحقاً، وأسحق يسحق، والسحوق: النخلة الطويلة.

وقوله: ﴿ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ ﴾ أي: تذهب به، يقال: هوى يهوي هواء، أي: ذهب بنفسه.

وقوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا ﴾ أي: فيما ذكر من الشعائر ﴿ مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ قال بعضهم: لكم فيها منافع من ظهورها وألبانها وأصوافها ﴿ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ ، أي: إلى أن تقلد وتهدى، ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَآ ﴾ إذا قلدت وأهديت ﴿ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ .

وكذلك يقول أصحابنا: إن من أوجب بدنة أو أهدى بدنة، لا يحل له الانتفاع بها ولا بشيء منها إلا في حال الاضطرار، فإذا بلغت محلها، وذبحت، حل الانتفاع بلحمها.

ومنهم من قال في قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ : إلى وقت محلها من الرّكوب بظهرها، وحلب اللبن، وجزّ الصّوف، وغير ذلك مما كانوا ينتفعون بها من قبل، ويَرْوي في ذلك خبراً: "رُوي أنّ نبيّ الله  رأى رجلا ساق بدنة، فقال: اركبها فقال: إنها بدنة فقال: اركبها فقال: إنها بدنة يا رسول الله، قال: اركبها ويلك" ، وبه يقول بعض الناس، يبيحون الانتفاع بالهدايا والقلائد قبل أن تنحر وتذبح، لكن عندنا ذلك في وقت الحاجة الشديدة المضطر إليها، ففي مثل ذلك يجوز الانتفاع بملك غير ببدل، فعلى ذلك بالهدايا ينتفع بها بما ذكرنا ويضمن ما نقصها ركوبه لها.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ إلى أن تهلك أو تهلكون أنتم، كقوله: ﴿ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ  ﴾ أي: إلى وقت هلاكها، فعلى ذلك الأول.

ثم يكون قوله: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ - والله أعلم - ابتداء سؤال سئل عن محل الهدايا والقلائد، فقال عند ذلك: ﴿ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ ، والله أعلم.

والأول أشبه وأقرب لما ذكرنا.

وقوله: ﴿ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ ذكر البيت العتيق، ومعلوم: أنه لم يرد به نفس البيت، ولكن إنما أراد به البقعة التي فيها البيت؛ لأن الدماء لا تراق في البيت إنما تراق في تلك البقعة التي هو فيها، الحرم كله منحر ومذبح، وأراد بقوله: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ  ﴾ نفس البيت؛ ألا ترى أنه قال هاهنا: ﴿ بِٱلْبَيْتِ ﴾ ، فإنما يطاف به، وقال هنالك: ﴿ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ﴾ ، أضاف إليه؛ دل أنه لم يرد به نفس البيت، ولكن البقعة التي فيها البيت، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ قال بعضهم: المنسك: الموضع الذي يعبدون وينسكون فيه ويصيرون إليه لعبادتهم، ومن ثمة يقال للرجل العابد: ناسك؛ ولذلك قال من قال: ﴿ مَنسَكاً ﴾ ، أي: يصيرون ويخرجون إليه للعبادة، وقال: المنسك: الدّين، وقال: الشريعة.

وقال بعضهم: المنسك: المنحر والمذبح.

وجائز أن يسمّى في اللغة الذبح: نسكاً، كقوله: ﴿ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ  ﴾ وهو الذبح، وقوله: ﴿ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي  ﴾ ، ولو كان النسك عبادة كذكر الصلاة وهي عبادة لكان لا يذكر النسك، فدل أنه أراد بالنسك الذبح.

وقوله: ﴿ لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ ﴾ ، دل قوله: ﴿ لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ ﴾ أن ذكر اسم الله من شرط الذبيحة، حيث ذكر اسم الله ولم يذكر الذبح، ففهموا من ذكر اسم الله الذبح؛ دل أنه من شرط جوازه وحله، سوى الشافعي فإن لم يفهم ما فهم الناس والأمم جميعاً، حيث لم يجعل ذكر اسم الله من شرط الذبيحة.

وقوله: ﴿ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ كأنه ذكر قوله: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ لقوم أنكروا الذبائح، فقال: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ ، أي: ذبحا ذبحوه، وذكروا اسم معبودهم عليه، ثم أخبر أن معبودهم واحد ﴿ فَلَهُ أَسْلِمُواْ ﴾ ، أي: أخلصوا ذلك كله، ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ ﴾ قال: المتواضعين.

وقال بعضهم: المطمئنين.

وقال بعضهم الخاشعين.

وقال بعضهم: كل مجتهد في العبادة هو المخبت.

ويقال: المخلصين.

وتفسير المخبت: ما ذكر على إثره، حيث قال: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...

﴾ الآية.

ومن قال: المخبت: المطمئن، قال: والخبتة: الطمأنينة.

قوله: ﴿ مَنسَكاً ﴾ و (منسِكا)، فيه لغتان: قال الكسائي: من قرأ: (مَنِسكاً) بكسر السين فهو من نَسَك يَنْسِك، ومن قرأ: ﴿ مَنسَكاً ﴾ بالنصب فهو من نَسَكَ يَنْسَكُ، ثم لا خلاف بين أهل العلم في أن البدن التي تساق والهدايا التي تقلد في الحج والعمرة لا يجوز أن تنحر في غير الحرم، إنما اختلفوا في المحصر إذا أراد أن يحل أين ينحر ويذبح هديه الذي يحل به؟

وقد ذكرنا أقاويلهم واختلافهم في سورة البقرة.

ولم يختلف في أن معنى قول الله: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ يدخل فيه الحرم كله على ما ذكرنا، وعلى [ذلك] رويت الأخبار: روي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  : "عرفة كلها موقف، ومنى كلها منحر، وكل فجاج مكة طريقٌ ومنحر" ، وعن علي -  - قال: قال رسول الله  : "كل عرفة موقف، وكل منى منحر" ، وفي بعض الأخبار: "في كل أيام التشريق ذبح" ، وعن علي -  - "أن النبي  أتى الجمرة، فرمى بها، ثم أتى المنحر فقال: هذا المنحر، ومني كلها منحر" ، وعن ابن عباس -  - قال: "إنما المنحر بمكة، ولكنها نزهت عن الدماء، ومني مكة" وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ أي: خافت وفرقت؛ خوفاً منه ﴿ وَٱلصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ ﴾ من المصائب والرزايا ﴿ وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاَةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ هذه الآية قد ذكرنا تأويلها في سورة الأنفال.

وقوله: ﴿ وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ ﴾ قال بعضهم: من فرائض الله.

وقال الحسن: من دين الله.

والأشبه أن يكون قوله: ﴿ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: من معالم دين الله وعبادته ونسكه؛ لأن الشعائر هي المعالم في اللغة، خصّت بها المناسك دون غيرها من العبادات فجعلها معالم لها، والبدنة سميّت: بدنة؛ لما تعظم في أنفسها وتبدن، ويقال للرجل إذا عظم في نفسه: بدن فلان.

وظاهر ما روي عن رسول الله  أنه قال: "البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة تجزئ عن سبعة" أن البدنة هي الجزور والإبل؛ حيث قال: "البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة تجزئ عن سبعة" فرق بين البدنة والبقرة بالذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ قال بعضهم: المنافع الحاضرة من الركوب، والحلب، والحمل عليها بعد ما قلدت وأوجبت هدياً.

وقال بعضهم: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ إلى أن تقلد، فإذا قلدت فلهم الأجر في الآخرة، وكأن هذا أشبه، أي: يكون قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ أي: الأجر في الآخرة؛ لأن الانتفاع بها لا يحل إذا أوجبت بدنة إلا في حال الاضطرار؛ لأنّه قال في آية أخرى: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ  ﴾ وفي الانتفاع بها إحلال شعائره؛ لذلك قال أصحابنا: لا ينتفع بالبدن، وما روي عنه  "أنه رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال له: اركبها فقال: إنها بدنة يا رسول الله، فقال النبي: اركبها، فقال: إنها بدنة.

فقال: اركبها ويحك" ، وفي بعض الأخبار: "ويلك"؛ فهذا عندنا لما رأى بالرجل الحاجة الشديدة إلى ركوبها، وهو ما ذكرنا: أن الانتفاع بها يجوز في حال الاضطرار، ولا يجوز في حال الاختيار؛ إذ الانتفاع بالمحرمات يجوز في حال الاضطرار، فعلى ذلك بالبدن التي جعلت معالم للمناسك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ ﴾ دل هذا أن ذكر اسم الله من شرط الذبيحة؛ لأنه لم يذكر الذبح بنفسه، ولكن إنما ذكر: ذكر اسمه، فلولا أنهم فهموا من ذكر اسم الله عليها ذبحها ونحرها، وإلا لم يكتف بذكر اسمه دون ذكر الذبح؛ فدل أنهم إنما عرفوا ذلك به، وأنه من شرط جوازها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ صَوَآفَّ ﴾ ، فيه لغات ثلاث: إحداها: (صوافي): أي بالياء، وهو من الإخلاص لله، والصفو له.

والثانية: (صوافن) بالنون، وهو من عقل ثلاث قوائم منها، وترك أخرى مطلقة.

والثالثة: (صوافٍ) بالتنوين، أي: قياما مصطفة.

وكأن جميع ما ذكر يراد أن يجمع فيها من الإخلاص له وعقل القوائم، والقيام، وكذلك جاءت السنة والآثار.

وفي حرف ابن مسعود: (صوافن)، بالنون، وتأويله ما ذكرنا.

وظاهر الآية يدل على القيام؛ لأنّه قال: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ ، وقوله: ﴿ وَجَبَتْ ﴾ ، أي: سقطت، والسقوط إنما يكون من القيام، فدل أنها تنحر قياماً لا مضطجعة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا ﴾ قد ذكرنا هذا فيما تقدم في قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ ﴾ و ﴿ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ ﴾ : من سألك؛ هذا قول بعض.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْبَآئِسَ ﴾ : المعروف بالبؤس، و ﴿ ٱلْفَقِيرَ ﴾ : المتعفف الذي لا يسأل.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْبَآئِسَ ﴾ : المسكين، و ﴿ ٱلْفَقِيرَ ﴾ : فقير.

قال بعضهم: ﴿ ٱلْبَآئِسَ ﴾ : الضرير.

و ﴿ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : هو الراضي، وهو من القناعة.

وقال بعضهم: هو السائل، وهو من القنوع، ﴿ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : الذي يعتريك ولا يسأل، و ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : هو الجالس في بيته، ونحوه.

وقال القتبي: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : السائل، يقال: قنع يقنع قنوعاً، ومن الرضا: قنع يقنع قناعة، ﴿ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : الذي يعتريك ولا يسأل، يقال: اعتراني: وعدني، واعتراني.

وقال أبو عوسجة: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : السائل، والقنوع: السؤال، والقناعة من الرضا، يقال منه: قنع يقنع قناعة، ويقول: قنعته، أي: أرضيته، وقنعته، أي: غطيت رأسه بالقناع ونحوه، ويقال من المعتر: اعتر اعترارا واعترى وعرا يعر، وكلها واحد.

وقال: ﴿ صَوَآفَّ ﴾ ، أي: قياما مصطفة، وقال: ويكون (صوافن)، أي: قائماً على ثلاث قوائم.

يقال: صفن الفرس يصفن صفونا: إذا قام على ثلاث قوائم.

وقوله: ﴿ وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ ، أي: سقطت إلى الأرض، يقال: وجب يجب وجوبا، فهو واجب: إذا سقط، ووجبت الشمس: إذا غابت، قال: وهذا كله من الصوت، يقال: سمعت وجبة، أي: صوتاً، وقال: ﴿ مَنسَكاً ﴾ ، أي: موضعا ينسكون إليه للعبادة.

وعن ابن عباس قال: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : الذي يقنع بما أعطيته، ﴿ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : الذي يريك نفسه ولا يسأل.

وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ ﴾ أي: البدن التي ذكرناها.

ثم يحتمل ما ذكر من تسخيره إياها لنا وجهين: أحدهما: ﴿ كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا ﴾ أي: كما سخرناها لكم لركوبها والحمل عليها وأنواع الانتفاع بها في حال الحياة، كذلك سخرناها لكم، أي: مثل الذي وصفته لكم، كل ذلك من تسخيرها إياها لكم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لن يقبل الله ذلك إلا ممن كان من أهل التقوى، لا يقبلها من أهل الكفر؛ لأنهم قد كانوا ينحرون البدن في الجاهلية، على ما ذكرنا، فأخبر أنه لا يقبل ذلك إلا ممن كان من أهل التقوى، وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ  ﴾ .

والثاني: أن يكون قوله: ﴿ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ ﴾ أي: لن يرفع إلى الله إلا الأعمال الصالحة الزاكية وما كان بالتقوى، وأما ما كان غيرها فإنه لا يرفع ولا يصعد بها، وهو ما قال: ﴿ وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ﴾ .

وقال بعض أهل التأويل: ذكر هذا؛ لأن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن نضحوا بدمائها حول البيت، ويقولون: هذا قربة إلى الله، فأراد المسلمون أن يفعلوا مثل صنيعهم، فنزل: ﴿ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْمِنكُمْ كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ ﴾ قد ذكرنا ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ﴾ أي: لتصفوا الله بالعظمة والكبرياء على ما هداكم من أسباب تسخير البدن التي بها يوصل إلى الانتفاع بها من أنواع الانتفاع؛ إذ لولا ما هدانا الله وعلمنا من الأسباب التي بها تسخر وتذلل وإلا ما قدرنا على الانتفاع بها؛ لقوتها ولشدّتها وصلابتها.

والثاني: بأن يكون قوله: ﴿ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ﴾ من أمر الدّين والهدي.

وقوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ يخرج قوله: ﴿ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ على وجوه: أحدها: محسنين إلى أنفسهم، أو المحسنين إلى إخوانهم، أو الذين حسنت أفعالهم، وصلح عملهم، فأما المحسنين إلى الله فلا يحتمل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الذين إذا ذُكِر الله خافوا من عقابه، فابتعدوا عن مخالفة أمره، وأدَّوُا الصلاة تامة، ويصبرون إن أصابهم بلاءً، وينفقون في وجوه البر مما رزقهم الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.X9vzp"

مزيد من التفاسير لسورة الحج

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل