تفسير الآية ١٠ من سورة سبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ١٠ من سورة سبأ

۞ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضْلًۭا ۖ يَـٰجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُۥ وَٱلطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ ١٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 62 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٠ من سورة سبأ من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٠ من سورة سبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله داود ، صلوات الله وسلامه عليه ، مما آتاه من الفضل المبين ، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن ، والجنود ذوي العدد والعدد ، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم ، الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات ، الصم الشامخات ، وتقف له الطيور السارحات ، والغاديات والرائحات ، وتجاوبه بأنواع اللغات .

وفي الصحيح أنرسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبي موسى الأشعري يقرأ من الليل ، فوقف فاستمع لقراءته ، ثم قال " لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود " .

وقال أبو عثمان النهدي : ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا وتر أحسن من صوت أبي موسى الأشعري ، رضي الله عنه .

ومعنى قوله : ( أوبي ) أي : سبحي .

قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وغير واحد .

وزعم أبو ميسرة أنه بمعنى سبحي بلسان الحبشة .

وفي هذا نظر ، فإن التأويب في اللغة هو الترجيع ، فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها .

وقال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي في كتابه " الجمل " في باب النداء منه : ( يا جبال أوبي معه ) أي : سيري معه بالنهار كله ، والتأويب : سير النهار كله ، والإسآد : سير الليل كله .

وهذا لفظه ، وهو غريب جدا لم أجده لغيره ، وإن كان له مساعدة من حيث اللفظ في اللغة ، لكنه بعيد في معنى الآية هاهنا .

والصواب أن المعنى في قوله تعالى : ( أوبي معه ) أي : رجعي معه مسبحة معه ، كما تقدم ، والله أعلم .

وقوله : ( وألنا له الحديد ) : قال الحسن البصري ، وقتادة ، والأعمش وغيرهم : كان لا يحتاج أن يدخله نارا ولا يضربه بمطرقة ، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط; ولهذا قال :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) يقول تعالى ذكره: ولقد أعطينا داود منا فضلا وقلنا للجبال (أَوِّبِي مَعَهُ) : سبحي معه إذا سبح.

والتأويب عند العرب: الرجوع ومبيت الرجل في منـزله وأهله، ومنه قول الشاعر: يَوْمَــانِ يَــومُ مقامــاتٍ وأنديـةٍ ويـومُ سَـيرٍ إلَـى الأعْـدَاءِ تَـأْوِيبِ (1) أي رجوع وقد كان بعضهم يقرؤه (أُوْبِي مَعَهُ) من آب يئوب، بمعنى تصرفي معه، وتلك قراءة لا أستجيز القراءة بها لخلافها قراءة الحجة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني سليمان بن عبد الجبار قال ثني محمد بن الصلت قال ثنا أَبو كدينة، وحدثنا محمد بن سنان القزاز قال ثنا الحسن بن الحسن الأشقر قال ثنا أَبو كدينة عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (أَوِّبِي مَعَهُ) قال: سبحي معه.

حدثني محمد بن سعد قال ثني أَبي قال ثني عمي قال ثني أَبي عن أبيه عن ابن عباس قوله (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) يقول: سبحي معه.

حدثنا أَبو عبد الرحمن العلائي قال ثنا مِسْعر عن أَبي حصين عن أَبي عبد الرحمن (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) يقول: سبحي.

حدثنا ابن حميد قال ثنا حكام عن عنبسة عن أَبي إسحاق عن أَبي ميسرة (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) قال: سبحي بلسان الحبشة.

حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال: ثنا فضيل عن منصور عن مجاهد في قوله (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) قال: سبحي معه.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قوله (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) قال: سبحي.

حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) أي: سبحي معه إذا سبح.

حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) قال: سبحي معه، قال: والطيرُ أيضًا.

حُدثت عن الحسين قال سمعت أبا معاذ يقول أخبرنا عبيد قال سمعت الضحاك يقول في قوله (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) قال: سبحي.

حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال ثنا مروان بن معاوية عن جويبر عن الضحاك قوله (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) سبحي معه.

وقوله (وَالطَّيْرَ) وفي نصب الطير وجهان: أحدهما على ما قاله ابن زيد من أن الطير نوديت كما نوديت الجبال فتكون منصوبة من أجل أنها معطوفة على مرفوع بما لا يحسن إعادة رافعه عليه فيكون كالمصدر (2) عن جهته، والآخر: فعل ضمير متروك استغني بدلالة الكلام عليه، فيكون معنى الكلام: فقلنا يا جبال أوبي معه وسخرنا له الطير.

وإن رفع ردا على ما في قوله: سبحي من ذكر الجبال كان جائزًا، وقد يجوز رفع الطير وهو معطوف على الجبال، وإن لم يحسن نداؤها بالذي نوديت به الجبال، فيكون ذلك كما قال الشاعر: ألا يــا عمــرُو والضحـاكَ سِـيرا فقــد جاوزتمــا خَــمَرَ الطـريقِ (3) وقوله (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) ذكر أن الحديد كان في يده كالطين المبلول يصرفه في يده كيف يشاء بغير إدخال نار ولا ضرب بحديد.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) سخر الله له الحديد بغير نار.

حدثنا ابن بشار قال: ثنا ابن عثمة قال: ثنا سعيد بن بشير عن قتادة في قوله (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) كان يسويها بيده ولا يدخلها نارًا ولا يضربها بحديدة.

----------------------- الهوامش : (1) البيت لسلامة بن جندل.

قاله أبو عبيدة في (مجاز القرآن، مصورة الجامعة رقم 26059 ص 197 - ب) وانظره في المفضليات طبع القاهرة سنة 1926 والتأويب أن يبيت في أهله.

قال سلامة بن جندل: (يومان ...

البيت).

استشهد به (اللسان: أوب) ونسبه لسلامة وقال: التأويب أن يسير النهار أجمع، وينزل الليل.

وقيل: هو تباري الركاب في السير.

قال: سلامة ...

البيت.

ثم قال التأويب في كلام العرب: سير النهار كله إلى الليل.

يقال: أوب القوم تأويبا: أي ساروا بالنهار.

و (في اللسان: أوب): والتأويب: الرجوع.

وقوله عز وجل: (يا جبال أوبي معه) ويقرأ: (أوبي معه) أي بضم الهمزة.

فمن قرأ أوبي معه (بفتح الهمزة، وشد الواو المكسورة) فمعناه: يا جبال سبحي معه، ورجعة التسبح لأنه قال: سخرنا الجبال معه يسبحن.

ومن قرأ (أوبي معه) أي بضم الهمزة، فمعناه: عودي معه في التسبيح كلما عاد فيه.

(2) لعله كالمصروف عن جهته.

(3) البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة 261) قال في قوله تعالى: (يا جبال أوبي معه والطير): منصوبة على جهتين: إحداهما أن تنصبهما بالفعل، بقوله: (ولقد آتينا داود منا فضلا) وسخرنا له الطير، فيكون مثل قوله: أطعمته طعاما وما تريد، وسقيته ماء.

فيجوز ذلك.

والوجه الآخر بالنداء، لأنك إذا قلت: يا عمرو والصلت أقبلا، نصبت: الصلت بدعائهما، فإذا فقدت كان كالمعدول عن جهته، فنصب، وقد يجوز رفعه، على أن يتبع ما قبله.

ويجوز رفعه على أوبي أنت والطير.

وأنشدني بعض العرب النداء إذا نصب، لفقده يا أيها: (ألا يا عمرو والضحاك) والخمر بالتحريك: ما سترك من الشجر وغيرها، فيجوز نصب الضحاك ورفعه.

وقال الآخر: يا طلحة الكامل وابن الكامل.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد .ولقد آتينا داود منا فضلا بين لمنكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أن إرسال الرسل ليس أمرا بدعا ، بل أرسلنا الرسل وأيدناهم بالمعجزات ، وأحللنا بمن خالفهم العقاب .

( آتينا ) أعطينا .

( فضلا ) أي أمرا فضلناه به على غيره .

واختلف في هذا الفضل على تسعة أقوال : الأول : النبوة .

الثاني : الزبور .

الثالث : العلم ، قال الله تعالى : ولقد آتينا داود وسليمان علما .

الرابع - القوة ، قال الله تعالى : واذكر عبدنا داود ذا الأيد .

الخامس : تسخير الجبال والناس ، قال الله تعالى : يا جبال أوبي معه .

السادس : التوبة ، قال الله تعالى : فغفرنا له ذلك .

السابع : الحكم بالعدل ، قال الله تعالى : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض الآية .

الثامن : إلانة الحديد ، قال تعالى : وألنا له الحديد .

التاسع : حسن الصوت ، وكان ، داود عليه السلام ذا صوت حسن ووجه حسن .

وحسن الصوت هبة من الله تعالى وتفضل منه ، وهو المراد بقوله تبارك وتعالى : يزيد في الخلق ما يشاء على ما يأتي إن شاء الله تعالى .

وقال صلى الله عليه وسلم لأبي موسى : لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود .

قال [ ص: 240 ] العلماء : المزمار والمزمور الصوت الحسن ، وبه سميت آلة الزمر مزمارا .

وقد استحسن كثير من فقهاء الأمصار القراءة بالتزيين والترجيع .

وقد مضى هذا في مقدمة الكتاب والحمد لله .قوله تعالى : يا جبال أوبي معه أي وقلنا يا جبال أوبي معه ، أي سبحي معه ، لأنه قال تبارك وتعالى : إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق .

قال أبو ميسرة : هو التسبيح بلسان الحبشة ، ومعنى تسبيح الجبال : هو أن الله تعالى خلق فيها تسبيحا كما خلق الكلام في الشجرة ، فيسمع منها ما يسمع من المسبح معجزة لداود عليه الصلاة والسلام .

وقيل : المعنى سيري معه حيث شاء ; من التأويب الذي هو سير النهار أجمع ومنزل الليل .

قال ابن مقبل :لحقنا بحي أوبوا السير بعدما دفعنا شعاع الشمس والطرف يجنحوقرأ الحسن وقتادة وغيرهما : ( أوبي معه ) أي رجعي معه ; من آب يئوب إذا رجع ، أوبا وأوبة وإيابا .

وقيل : المعنى تصرفي معه على ما يتصرف عليه داود بالنهار ، فكان إذا قرأ الزبور صوتت الجبال معه ، وأصغت إليه الطير ، فكأنها فعلت ما فعل .

وقال وهب بن منبه : المعنى نوحي معه والطير تساعده على ذلك ، فكان إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها ، وعكفت الطير عليه من فوقه .

فصدى الجبال الذي يسمعه الناس إنما كان من ذلك اليوم إلى هذه الساعة ; فأيد بمساعدة الجبال والطير لئلا يجد فترة ، فإذا دخلت الفترة اهتاج ، أي ثار وتحرك ، وقوي بمساعدة الجبال والطير .

وكان قد أعطي من الصوت ما يتزاحم الوحوش من الجبال على حسن صوته ، وكان الماء الجاري ينقطع عن الجري وقوفا لصوته .

( والطير ) بالرفع قراءة ابن أبي إسحاق ونصر عن عاصم وابن هرمز ومسلمة بن عبد الملك ، عطفا على لفظ الجبال ، أو على المضمر في ( أوبي ) وحسنه الفصل بمع .

الباقون بالنصب عطفا على موضع ( يا جبال ) أي نادينا الجبال والطير ، قاله سيبويه .

وعند أبي عمرو بن العلاء بإضمار فعل على معنى وسخرنا له الطير .

وقال الكسائي : هو معطوف ، أي وآتيناه الطير ، حملا على ولقد آتينا داود منا فضلا .

النحاس : ويجوز أن يكون مفعولا معه ، كما تقول : استوى الماء والخشبة .

وسمعت الزجاج يجيز : قمت وزيدا ، فالمعنى أوبي معه ومع الطير .

وألنا له الحديد قال ابن عباس : صار عنده كالشمع .

وقال الحسن : كالعجين ، فكان يعمله من غير نار .

وقال السدي : كان الحديد في يده كالطين المبلول والعجين والشمع ، يصرفه كيف شاء ، [ ص: 241 ] من غير إدخال نار ولا ضرب بمطرقة .

وقاله مقاتل .

وكان يفرغ من الدرع في بعض اليوم أو بعض الليل ، ثمنها ألف درهم .

وقيل : أعطي قوة يثني بها الحديد ، وسبب ذلك أن داود عليه السلام ، لما ملك بني إسرائيل لقي ملكا وداود يظنه إنسانا ، وداود متنكر خرج يسأل عن نفسه وسيرته في بني إسرائيل في خفاء ، فقال داود لذلك الشخص الذي تمثل له : ( ما قولك في هذا الملك داود ) ؟

فقال له الملك ( نعم العبد لولا خلة فيه ) قال داود : ( وما هي ) ؟

قال : ( يرتزق من بيت المال ولو أكل من عمل يده لتمت فضائله ) .

فرجع فدعا الله في أن يعلمه صنعة ويسهلها عليه ، فعلمه صنعة لبوس كما قال جل وعز في سورة ( الأنبياء ) ، فألان له الحديد فصنع الدروع ، فكان يصنع الدرع فيما بين يومه وليلته يساوي ألف درهم ، حتى ادخر منها كثيرا وتوسعت معيشة منزله ، وتصدق على الفقراء والمساكين ، وكان ينفق ثلث المال في مصالح المسلمين ، وهو أول من اتخذ الدروع وصنعها وكانت قبل ذلك صفائح .

ويقال : إنه كان يبيع كل درع منها بأربعة آلاف .

والدرع مؤنثة إذا كانت للحرب .

ودرع المرأة مذكر .مسألة : في هذه الآية دليل على تعلم أهل الفضل الصنائع ، وأن التحرف بها لا ينقص من مناصبهم ، بل ذلك زيادة في فضلهم وفضائلهم ; إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم والاستغناء عن غيرهم ، وكسب الحلال الخلي عن الامتنان .

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن خير ما أكل المرء من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده ) .

وقد مضى هذا في ( الأنبياء ) مجودا والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ولقد مننا على عبدنا ورسولنا, داود عليه الصلاة والسلام, وآتيناه فضلا من العلم النافع, والعمل الصالح, والنعم الدينية والدنيوية، ومن نعمه عليه, ما خصه به من أمره تعالى الجمادات, كالجبال والحيوانات, من الطيور, أن تُؤَوِّب معه, وتُرَجِّع التسبيح بحمد ربها, مجاوبة له، وفي هذا من النعمة عليه, أن كان ذلك من خصائصه التي لم تكن لأحد قبله ولا بعده, وأن ذلك يكون منهضا له ولغيره على التسبيح إذا رأوا هذه الجمادات والحيوانات, تتجاوب بتسبيح ربها, وتمجيده, وتكبيره, وتحميده, كان ذلك مما يهيج على ذكر اللّه تعالى.ومنها: أن ذلك - كما قال كثير من العلماء, أنه طرب لصوت داود، فإن اللّه تعالى, قد أعطاه من حسن الصوت, ما فاق به غيره, وكان إذا رجَّع التسبيح والتهليل والتحميد بذلك الصوت الرخيم الشجيِّ المطرب, طرب كل من سمعه, من الإنس, والجن, حتى الطيور والجبال, وسبحت بحمد ربها.ومنها: أنه لعله ليحصل له أجر تسبيحها, لأنه سبب ذلك, وتسبح تبعا له.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( ولقد آتينا داود منا فضلا ) يعني النبوة والكتاب ، وقيل : الملك .

وقيل : جميع ما أوتي من حسن الصوت وتليين الحديد وغير ذلك مما خص به ) ( يا جبال ) أي : وقلنا يا جبال ) ( أوبي ) أي : سبحي ) ( معه ) إذا سبح ، وقيل : هو تفعيل من الإياب وهو الرجوع ، أي : رجعي معه وقال القتيبي : أصله من التأويب في السير ، وهو أن يسير النهار كله وينزل ليلا كأنه قال أوبي النهار كله بالتسبيح معه .

وقال وهب : نوحي معه .

) ( والطير ) عطف على موضع الجبال ، لأن كل منادى في موضع النصب .

وقيل : معناه : وسخرنا وأمرنا الطير أن تسبح معه ، وقرأ يعقوب : " والطير " بالرفع ردا على الجبال ، أي : أوبي أنت والطير .

وكان داود إذا نادى بالناحية أجابته الجبال بصداها وعكفت الطير عليه من فوقه ، فصدى الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك .

وقيل : كان داود إذا تخلل الجبال فسبح الله جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبح .

وقيل : كان داود عليه السلام إذا لحقه فتور أسمعه الله تسبيح الجبال تنشيطا له .

( وألنا له الحديد ) حتى كان الحديد في يده كالشمع والعجين يعمل منه ما يشاء من غير نار ولا ضرب مطرقة .

وكان سبب ذلك على ما روي في الأخبار : أن داود عليه السلام لما ملك بني إسرائيل كان من عادته أن يخرج للناس متنكرا ، فإذا رأى رجلا لا يعرفه تقدم إليه وسأله عن داود ويقول له : ما تقول في داود واليكم هذا أي رجل هو ؟

فيثنون عليه ، ويقولون خيرا ، فقيض الله له ملكا في صورة آدمي ، فلما رآه داود تقدم إليه على عادته فسأله ، فقال الملك : نعم الرجل هو لولا خصلة فيه ، فراع داود ذلك وقال : ما هي يا عبد الله ؟

قال : إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال ، قال فتنبه لذلك وسأل الله أن يسبب له سببا يستغني به عن بيت المال ، فيتقوت منه ويطعم عياله ، فألان الله تعالى له الحديد وعلمه صنعة الدرع ، وإنه أول من اتخذها .

ويقال : إنه كان يبيع كل درع بأربعة آلاف درهم ، فيأكل ويطعم منها عياله ويتصدق منها على الفقراء والمساكين .

ويقال إنه كان يعمل كل يوم درعا يبيعها بستة آلاف درهم ، فينفق ألفين منها على نفسه وعياله ، ويتصدق بأربعة آلاف على فقراء بني إسرائيل ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كان داود عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يده " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد آتينا داود منا فضلا» نبوة وكتابا وقلنا «يا جبال أوّبي» رجعي «معه» بالتسبيح «والطير» بالنصب عطفا على محل الجبال، أي ودعوناها تسبح معه «وألنا له الحديد» فكان في يده كالعجين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد آتينا داود نبوة، وكتابًا وعلمًا، وقلنا للجبال والطير: سبِّحي معه، وألنَّا له الحديد، فكان كالعجين يتصرف فيه كيف يشاء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - نموذجين من الناس ، أولهما : أعطاه الله - تعالى - الكثير من نعمه وفضله وإحسانه ، فوقف من كل ذلك موقف المعترف بنعم الله الشاكر لفضله .وثانيهما : أعطاه الله - تعالى - النعم فوقف منها مموقف الجاحد البطر الكنود .أما النموذج الأول فنراه فى شخص النبيين الكريمين داود وسليمان - عليهما السلام - فقد قال - سبحانه - فى شأنهما : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً .

.

.

العذاب المهين ) .وقوله - سبحانه - : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ) بيان لما مَنّ الله - تعالى - به على عبده داود - عليه السلام - من خير وبركة .أى : ولقد آتينا عبدنا فضلا عظيما ، وخيرا وفيرا ، وملكا كبيرا ، بسبب إنابته إلينا ، وطاعته لنا .ثم فصل - سبحانه - مظاهر هذا الفضل فقال : ( ياجبال أَوِّبِي مَعَهُ ) والتأويب الترديد والترجيع .

يقال : أوَّب فلان تأويبا إذا رَجَّع مع غيره ما يقوله .والجملة مقول لقول محذوف : أى : وقلنا يا جبال رددى ورجعى مع عبدنا داود تسبيحه لنا ، وتقديسه لذاتنا ، وثناءه علينا ، كما قال - تعالى - : ( إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بالعشي والإشراق ) وقوله : ( والطير ) بالنصب عطفا على قوله ( فَضْلاً ) أى : وسخرنا له الطير لتسبح معه بحمدنا .

أو معطوف على محل ( ياجبال ) أى : ودعونا الجبال والطير إلى التسبيح معه .قال الإِمام ابن كثير - رحمه الله : يخبر - تعالى - عما به على عبده ورسوله داود - عليه السلام - مما آتاه من الفضل المبين ، وجمع له بين الانبوة والملك المتكن ، والجنود ذوى العَدَد والعُدَد ، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم ، الذى كان إذا سبح به ، تسبح معه الجبال الراسيات ، الصم الشامخات ، وتقف له الطيور السارحات .

والغاديات الرائحات ، وتجاوبه بأنواع اللغات .وفى الصحيح " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبى موسى الأشعرى يقرأ من الليل ، فوقف فاستمع لقراءته ثم قال : " لقد أوتى هذا مزمارا من مزامير آل داود " " .وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : أى فريق بين هذا النظم وبين أن يقال : ( آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ) تأويب الجبال معه والطير؟قلت : كم بينهما من الفرق؟

ألا ترى إلى ما فيه من الفخامة التى لا تخفى ، من الدلالة على عزة الربوبية وكبرياء الألوهية ، حيث جعلت الجبال مُنَزْلَةَّ مَنزِلَةَ العقلاء ، الذين إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا ، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا ، إشعارا بأنه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت إلا وهو منقاد لمشيئته ، غير ممتنع على إرادته .وقوله - تعالى - : ( وَأَلَنَّا لَهُ الحديد ) ، بيان لنعمة أخرى من النعم التى أنعم بها - سبحانه - عليه .أى : وصيرنا الحديد لينا فى يده ، بحيث يصبح - مع صلابته وقوته - كالعجيبن فى يده ، يشسكله كيف يشاء ، من غير أن يدخله فى نار ، أو أن يطرقه بمطرقة .فالجملة الكريمة معطوفة على قوله ( آتَيْنَا ) ، وهى من جملة الفضل الذى منحه - سبحانه - لنبيه داود - عليه السلام - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿ مِنَّا ﴾ إشارة إلى بيان فضيلة داود عليه السلام، وتقريره هو أن قوله: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ﴾ مستقل بالمفهوم وتام كما يقول القائل: آتي الملك زيداً خلعة، فإذا قال القائل آتاه منه خلعة يفيد أنه كان من خاص ما يكون له، فكذلك إيتاء الله الفضل عام لكن النبوة من عنده خاص بالبعض، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿ يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ ورضوان  ﴾ فإن رحمة الله واسعة تصل إلى كل أحد في الدنيا لكن رحمته في الآخرة على المؤمنين رحمة من عنده لخواصه فقال: ﴿ يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ ﴾ .

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ ياجبال أَوّبِى مَعَهُ ﴾ قال الزمخشري: ﴿ يا جِبَال ﴾ بدل من قوله: ﴿ فَضْلاً ﴾ معناه آتيناه فضلاً قولنا يا جبال، أو من آتينا ومعناه قلنا يا جبال.

المسألة الثالثة: قرئ (أوبي) بتشديد الواو من التأويب وبسكونها وضم الهمزة أوبي من الأوب وهو الرجوع والتأويب الترجيع، وقيل بأن معناه سيرى معه، وفي قوله: ﴿ يُسَبّحْنَ ﴾ قالوا: هو من السباحة وهي الحركة المخصوصة.

المسألة الرابعة: قرئ ﴿ والطير ﴾ بالنصب حملاً على محل المنادى والطير بالرفع حملاً على لفظه.

المسألة الخامسة: لم يكن الموافق له في التأويب منحصراً في الجبال والطير ولكن ذكر الجبال، لأن الصخور للجمود والطير للنفور تستبعد منهما الموافقة، فإذا وافقه هذه الأشياء فغيرها أولى، ثم إن من الناس من لم يوافقه وهم القاسية قلوبهم التي هي أشد قسوة من الحجارة.

المسألة السادسة: قوله: ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ الحديد ﴾ عطف، والمعطوف عليه يحتمل أن يكون قلنا المقدر في قوله يا جبال تقديره قلنا: يا جِبَال أوبي وألنا، ويحتمل أن يكون عطفاً على آتينا تقديره آتيناه فضلاً وألنا له.

المسألة السابعة: ألان الله له الحديد حتى كان في يده كالشمع وهو في قدرة الله يسير، فإنه يلين بالنار وينحل حتى يصير كالمداد الذي يكتب به، فأي عاقل يستبعد ذلك من قدرة الله، قيل إنه طلب من الله أن يغنيه عن أكل مال بيت المال فألان له الحديد وعلمه صنعة اللبوس وهي الدروع، وإنما اختار الله له ذلك، لأنه وقاية للروح التي هي من أمره وسعى في حفظ الآدمي المكرم عند الله من القتل، فالزراد خير من القواس والسياف وغيرهما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ النظر إلى السماء والأرض والفكر فيهما وما يدلاّن عليه من قدرة الله ﴿ لأيَةً ﴾ ودلالة ﴿ لّكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ﴾ وهو الراجع إلى ربه المطيع له؛ لأنّ المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله، على أنه قادر على كل شيء من البعث ومن عقاب من يكفر به.

قرئ: ﴿ يشأ ويخسف ويسقط ﴾ : بالياء؛ لقوله تعالى: ﴿ افترى عَلَى الله كَذِبًا ﴾ [الأنعام: 93] وبالنون لقوله: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا ﴾ وكسفاً: بفتح السين وسكونه.

وقرأ الكسائي: ﴿ يخسف بهم ﴾ بالإدغام وليست بقوية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ ﴾ تَذْكِيرٌ بِما يُعايِنُونَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ وما يَحْتَمِلُ فِيهِ إزاحَةً لِاسْتِحالَتِهِمُ الإحْياءَ حَتّى جَعَلُوهُ افْتِراءً وهَزْءًا، وتَهْدِيدًا عَلَيْها والمَعْنى أعَمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا إلى ما أحاطَ بِجَوانِبِهِمْ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا أهم أشَدُّ خَلْقًا، أمِ السَّماءُ، وإنّا إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا، لِتَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ بَعْدَ ظُهُورِ البَيِّناتِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يَشَأْ ) و ( يَخْسِفْ ) و ( يُسْقِطْ ) بِالياءِ لِقَوْلِهِ: ﴿ أفْتَرى عَلى اللَّهِ ﴾ .

والكِسائِيُّ وحْدَهُ بِإدْغامِ الفاءِ في الباءِ وحَفْصٌ ( كِسَفًا ) بِالتَّحْرِيكِ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ النَّظَرِ والتَّفَكُّرِ فِيهِما وَما يَدُلّانِ عَلَيْهِ.

﴿ لآيَةً ﴾ لَدَلالَةً.

﴿ لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ راجِعٍ إلى رَبِّهِ فَإنَّهُ يَكُونُ كَثِيرَ التَّأمُّلِ في أمْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)

{ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال} بدل من فضلا أو من آتينا بتقدير قولنا يا جبال أو قلنا يا جبال {أَوّبِى مَعَهُ} من التأويب رجعي معه التسبيح ومعنى تسبيح الجبال أن الله يخلق فيها تسبيحاً فيسمع منها كما يسمع من المسبح معجزة لداود عليه السلام {والطير} عطف على محل الجبال والطير عطف على لفظ الجبال وفي هذا النظم من الفخامة مالا يخفى حيث جعلت الجبال بمنزلة العقلاء الذين إذا أمرهم بالطاعة أطاعوا وإا دعاهم أجابوا اشعار بأنه مامن حيوان إلا وهو منقاد لمشيئة الله

سبأ (١٣ - ١٠)

تعالى ولو قال آتينا داود منا فضلاً تأويب الجبال معه والطير لم يكن فيه هذه الفخامة {وَأَلَنَّا لَهُ الحديد} وجعلناه له ليّناً كالطين المعجون يصرفه بيده كيف يشاء من غير نار ولا ضرب بمطرقة وقيل لأن الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا ﴾ أيْ آتَيْناهُ لِحُسْنِ إنابَتِهِ وصِحَّةِ تَوْبَتِهِ ﴿ فَضْلا ﴾ أيْ نِعْمَةً وإحْسانًا، وقِيلَ فَضْلًا وزِيادَةً عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ أوْ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ أوْ عَلى ما عَدا نَبِيَّنا  لِأنَّهُ ما مِن فَضِيلَةٍ في أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلّا وقَدْ أُوتِيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِثْلُها بِالفِعْلِ أوْ تَمَكَّنَ مِنها فَلَمْ يَخْتَرْ إظْهارَها أوْ عَلى الأنْبِياءِ مُطْلَقًا، وقَدْ يَكُونُ في المَفْضُولِ ما لَيْسَ في غَيْرِهِ، وقَدِ اِنْفَرَدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما ذُكِرَ هاهُنا، وقِيلَ: أوْ عَلى سائِرِ النّاسِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ النُّبُوَّةِ والكِتابِ والمُلْكِ والصَّوْتِ الحَسَنِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ أنَّ كُلًّا مِنها فَضْلٌ لا يُوجَدُ في سائِرِ النّاسِ فَعَدَمُ مِثْلِ مُلْكِهِ وصَوْتِهِ مَحَلُّ شُبْهَةٍ، وإنْ أُرِيدَ المَجْمُوعُ مِن حَيْثُ هو نَفْيُهُ أنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ في الأنْبِياءِ أيْضًا فَلا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِهَذا الوَجْهِ، وأنا أرى الفَضْلَ لِتَفْسِيرِ الفَضْلِ بِالإحْسانِ وتَنْكِيرِهِ لِلتَّفْخِيمِ.

ومِنّا أيْ بِلا واسِطَةٍ لِتَأْكِيدِ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ بِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا ﴾ وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِلِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ لِيَتَمَكَّنَ في النَّفْسِ عِنْدَ وُرُودِهِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ، وذَكْرُ شُؤُونِ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ هُنا لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ المُنِيبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: مُناسَبَةُ قِصَّتَيْهِما عَلَيْهِما السَّلامُ لِما قَبْلَها هي أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ أنْكَرُوا البَعْثَ لِاسْتِحالَتِهِ في زَعْمِهِمْ فَأخْبَرُوا بِوُقُوعِ ما هو مُسْتَحِيلٌ في العادَةِ مِمّا لا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ إذْ طَفَحَتْ بِبَعْضِهِ أخْبارُهم وأشْعارُهُمْ، وقِيلَ: ذَكَرَ سُبْحانَهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِما اِحْتِجاجًا عَلى ما مَنَحَ نَبِيَّنا  كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَسْتَبْعِدُوا هَذا فَقَدْ تَفَضَّلْنا عَلى عَبِيدِنا قَدِيمًا بِكَذا وكَذا فَلَمّا فَرَغَ التَّمْثِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَجَعَ التَّمْثِيلَ لَهم بِسَبَأً وما كانَ مِن هَلاكِهِمْ بِالكُفْرِ والعُتُوِّ.

﴿ يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ ﴾ أيْ سَبِّحِي مَعَهُ قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ، وأخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ إلّا أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ ذَلِكَ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَرَبِيٌّ مِنَ التَّأْوِيبِ، والمُرادُ رَجِّعِي مَعَهُ التَّسْبِيحَ ورَدِّدِيهِ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ أصْلَ ماضِيهِ آبَ وضُعِّفَ لِلْمُبالَغَةِ، وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِقَوْلِهِ ويَظْهَرُ أنَّ التَّضْعِيفَ لِلتَّعْدِيَةِ لِأنَّ آبَ بِمَعْنى رَجَعَ لازِمٌ صِلَتُهُ اللّامُ فَعُدِّيَ بِالتَّضْعِيفِ إذْ شَرَحُوهُ بِقَوْلِهِمْ رَجِّعِي مَعَهُ التَّسْبِيحَ.

يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذا سَبَّحَ سَبَّحَتِ الجِبالُ مِثْلَ تَسْبِيحِهِ بِصَوْتٍ يُسْمَعُ مِنها، ولا يُعْجِزُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَجْعَلَها بِحَيْثُ تُسَبِّحُ بِصَوْتٍ يُسْمَعُ وقَدْ سَبَّحَ الحَصى في كَفِّ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وسُمِعَ تَسْبِيحُهُ وكَذا في كَفِّ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولا يَبْعُدُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ فِيها الفَهْمَ أوَّلًا فَناداها كَما يُنادى أُولُو الفَهْمِ وأمَرَها، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ سُبْحانَهُ نَزَّلَ الجِبالَ مَنزِلَةَ العُقَلاءِ الَّذِينَ إذا أمَرَهم أطاعُوا وأذْعَنُوا وإذا دَعاهم سَمِعُوا وأجابُوا إشْعارًا بِأنَّهُ ما مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ إلّا وهو مُنْقادٌ لِمَشِيئَتِهِ تَعالى غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَلى إرادَتِهِ سُبْحانَهُ، ودَلالَةً عَلى عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ وكِبْرِياءِ الأُلُوهِيَّةِ حَيْثُ نادى الجِبالَ وأمَرَها، وقِيلَ: المُرادُ بِتَأْوِيبِها حَمْلُها إيّاهُ عَلى التَّسْبِيحِ إذا تَأمَّلَ ما فِيها، وفِيهِ مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ المَأْثُورِ أنَّ ( مَعَهُ ) يَأْباهُ، وأيْضًا لا اِخْتِصاصَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَأْوِيبِ الجِبالِ بِهَذا المَعْنى حَتّى يُفَضَّلَ بِهِ أوْ يَكُونُ مُعْجِزَةً لَهُ، وقِيلَ: كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنُوحُ عَلى ذَنْبِهِ بِتَرْجِيعٍ وتَحْزِينٍ وكانَتِ الجِبالُ تُسْعِدُهُ بِأصْدائِها.

وفِيهِ أنَّ الصَّدى لَيْسَ بِصَوْتِ الجِبالِ حَقِيقَةً وإنَّما هو مِن آثارِ صَوْتِ المُتَكَلِّمِ عَلى ما قامَ عَلَيْهِ البُرْهانُ، واَللَّهُ تَعالى نادى الجِبالَ وأمَرَها أنْ تُؤَوِّبَ مَعَهُ، وأيْضًا أيُّ اِخْتِصاصٍ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ ولِصَوْتِ كُلِّ أحَدٍ صَدًى عِنْدَ الجِبالِ.

وعَنِ الحَسَنِ أنَّ مَعْنى ﴿ أوِّبِي مَعَهُ ﴾ سَيْرِي مَعَهُ أيْنَ سارَ، والتَّأْوِيبُ سَيْرُ النَّهارِ كَأنَّ الإنْسانَ يَسِيرُ اللَّيْلَ ثُمَّ يَرْجِعُ السَّيْرَ بِالنَّهارِ أيْ يُرَدِّدُهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ تَمِيمِ بْنِ مُقْبِلٍ: لَحِقْنا بِحَيٍّ أوَّبُوا السَّيْرَ بَعْدَ ما دَفَعْنا شُعاعَ الشَّمْسِ والطَّرْفُ يَجْنَحُ وقَوْلُ آخَرَ: يَوْمانِ يَوْمُ مُقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ∗∗∗ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْوِيبِ وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ الجِبالَ أوْتادُ الأرْضِ ولَمْ يُنْقَلْ سَيْرُها مَعَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: المَعْنى تَصَرَّفِي مَعَهُ عَلى ما يَتَصَرَّفُ فِيهِ، فَكانَتْ إذا سَبَّحَ سَبَّحَتْ وإذا ناحَ ناحَتْ وإذا قَرَأ الزَّبُورَ قَرَأتْ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَمْ يُعْرَفِ التَّأْوِيبُ بِمَعْنى التَّصَرُّفِ في لُغَةِ العَرَبِ، وقِيلَ: المَعْنى اِرْجِعِي إلى مُرادِهِ فِيما يُرِيدُ مِن حَفْرٍ واسْتِنْباطِ أعْيُنٍ واسْتِخْراجِ مَعْدِنٍ ووَضْعِ طَرِيقٍ، والجُمْلَةُ مَعْمُولَةٌ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ قَوْلُنا يا جِبالُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿ فَضْلا ﴾ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ أوْ بَدَلُ اِشْتِمالٍ أوْ قُلْنا يا جِبالُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿ آتَيْنا ﴾ وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلًا مِن ﴿ فَضْلا ﴾ بِناءً عَلى أنَّهُ يَجُوزُ إبْدالُ الجُمْلَةِ مِنَ المُفْرَدِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ الِاسْتِئْنافَ ولَيْسَ بِذاكَ.

وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ «أُوبِي» بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الواوِ أمْرٌ مِنَ الأوْبِ وهو الرُّجُوعُ، وفَرَّقَ بَيْنَهُما الرّاغِبُ بِأنَّ الأوْبَ لا يُقالُ إلّا في الحَيَوانِ الَّذِي لَهُ إرادَةٌ والرُّجُوعَ يُقالُ فِيهِ وفي غَيْرِهِ.

والمَعْنى عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ اِرْجِعِي مَعَهُ في التَّسْبِيحِ وأمْرُ الجِبالِ كَأمْرِ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ لِأنَّ جَمْعَ ما لا يَعْقِلُ يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ، ومِنهُ يا خَيْلُ اللَّهِ اِرْكَبِي وكَذا ﴿ مَآرِبُ أُخْرى  ﴾ وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في جَمْعِ مَن يَعْقِلُ مِنَ المُؤَنَّثِ قالَ الشّاعِرُ: تَرَكْنا الخَيْلَ والنَّعَمَ المُفَدّى ∗∗∗ وقُلْنا لِلنِّساءِ بِها أقِيمِي لَكِنْ هَذا قَلِيلٌ.

﴿ والطَّيْرَ ﴾ بِالنَّصْبِ وهو عِنْدَ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ بِإضْمارِ فَعْلٍ تَقْدِيرُهُ وسَخَّرْنا لَهُ الطَّيْرَ، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْهُ أنَّ ذاكَ بِالعَطْفِ عَلى ﴿ فَضْلا ﴾ ولا حاجَةَ إلى الإضْمارِ لِأنَّ إيتاءَها إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَسْخِيرُها لَهُ، وذَكَرَ الطِّيبِيُّ أنَّ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا، وقالَ الكِسائِيُّ: بِالعَطْفِ أيْضًا إلّا أنَّهُ قَدَّرَ مُضافًا أيْ وتَسْبِيحٌ لِطَيْرٍ ولا يُحْتاجُ إلَيْهِ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: الطَّيْرُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ ﴿ جِبالُ ﴾ نَحْوَ قَوْلِهِ: ألا يا زَيْدُ والضَّحّاكَ سَيْرًا، بِنَصْبِ الضِّحّاكِ، ومَنَعَهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ لِلُزُومِ دُخُولِ يا عَلى المُنادى المُعَرَّفِ بِألْ.

والمُجِيزُ يَقُولُ: رُبَّ شَيْءٍ يَجُوزُ تَبَعًا ولا يَجُوزُ اِسْتِقْلالًا، وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِأنَّ قَبْلَهُ ( مَعَهُ ) ولا يَقْتَضِي اِثْنَيْنِ مِنَ المَفْعُولِ مَعَهُ إلّا عَلى البَدَلِ أوِ العَطْفِ فَكَما لا يَجُوزُ جاءَ زَيْدٌ مَعَ عَمْرٍو مَعَ زَيْنَبَ إلّا بِالعَطْفِ كَذَلِكَ هَذا، وقالَ الخَفاجِيُّ: لا يَأْباهُ ( مَعَهُ ) سَواءٌ تَعَلَّقَ بِ أوِّبِي عَلى أنَّهُ ظَرْفُ لَغْوٍ أوْ جُعِلَ حالًا لِأنَّهُما مَعْمُولانِ مُتَغايِرانِ، إذِ الظَّرْفُ والحالُ غَيْرُ المَفْعُولِ مَعَهُ وكُلٌّ مِنها بابٌ عَلى حَدِّهِ وإنَّما المُوهِمُ لِذَلِكَ لَفْظُ المَعِيَّةِ، فَما اِعْتَرَضَ بِهِ أبُو حَيّانَ غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ وإنْ ظُنَّ كَذَلِكَ، وأقْبَحُ مِنَ الذَّنْبِ الِاعْتِذارُ حَيْثُ أُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ حُذِفَتْ واوُ العَطْفِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والطَّيْرَ ﴾ اِسْتِثْقالًا لِاجْتِماعِ الواوَيْنِ أوِ اُعْتُبِرَ تَعَلُّقُ الثّانِي بَعْدَ تَعَلُّقِ الأوَّلِ.

وقَرَأ السُّلْمِيُّ وابْنُ هُرْمُزَ وأبُو يَحْيى وأبُو نَوْفَلٍ ويَعْقُوبُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ «والطَّيْرُ» بِالرَّفْعِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ جِبالُ ﴾ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وحَرَكَتِهِ لِعُرُوضِها تُشْبِهُ حَرَكَةَ الإعْرابِ ويُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ، وقِيلَ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ﴿ أوِّبِي ﴾ وسَوَّغَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِالظَّرْفِ، وقِيلَ: هو بِتَقْدِيرِ ولْتُؤَوِّبِ الطَّيْرُ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( اُسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ ) [اَلْبَقَرَةِ: 35، الأعْرافِ: 19] .

وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ والطَّيْرُ تُؤَوِّبُ ﴿ وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ ﴾ وجَعَلْناهُ في يَدِهِ كالشَّمْعِ والعَجِينِ يُصَرِّفُهُ كَما يَشاءُ مِن غَيْرِ نارٍ ولا ضَرْبِ مِطْرَقَةٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: جَعَلْناهُ بِالنِّسْبَةِ إلى قُوَّتِهِ الَّتِي آتَيْناها إيّاهُ لَيِّنًا كالسَّمْعِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُوى سائِرِ البَشَرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ يعني: أي: يعلم الذين أوتوا العلم.

وهذا روي في قراءة ابن مسعود: يعني به مؤمني أهل الكتاب يعني: إنهم يعلمون أن الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعني: القرآن هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي يعني: يدعو ويدل إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ يعني: إلى طريق الرب العزيز بالنقمة لمن لم يجب الرسل الحميد في فعاله.

قوله عز وجل: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: كفار أهل مكة هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يعني: قال بعضهم لبعض هل ندلكم على رجل يُنَبِّئُكُمْ يعني: يخبركم إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ يعني: يخبركم أنكم إذا متم وتفرقتم في الأرض، وأكلتكم الأرض كل ممزق، يعني: وكنتم تُرَابًا إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ يعني: بعد هذا كله صرتم خلقاً جديداً.

قوله عز وجل: أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً يعني: قالوا: إن الذي يقول إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ اختلق على الله كذباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ يعني: به جنون.

يقول الله: بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ هم كذبوا حين كذبوا بالبعث فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ يعني: هم في العذاب في الآخرة.

والخطأ الطويل في الدنيا عن الحق.

ثم خوفهم ليعتبروا فقال عز وجل: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لأن الإنسان حيثما نظر، رأى السماء والأرض.

قال قتادة: إن نظرت عن يمينك أو عن شمالك، أو بين يديك أو من خلفك رأيت السماء والأرض إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ يعني: تغور بهم وتبتلعهم الأرض أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ يعني: جانباً من السماء.

قرأ حمزة والكسائي: إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ أو يسقط الثلاثة كلها بالياء.

وقرأ الباقون: كلها بالنون.

فمن قرأ بالياء: فمعناه إن يشأ الله.

ومن قرأ بالنون فهو على معنى الإضافة إلى نفسه.

ثم قال عز وجل: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني: لعبرة لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ يعني: مقبل إلى طاعة الله عَزَّ وَجَلَّ.

ويقال: مخلص القلب بالتوحيد.

ويقال: مشتاق إلى ربه.

ويقال: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني: أفلم يعلموا أن الله خالقهم، وخالق السموات والأرض، وهو قادر على أن يخسف بهم إن لم يوحدوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي: لعلامة لوحدانيتي.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وهم مُنْكِرُو البَعْثِ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿ هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ ﴾ أيْ: يَقُولُ لَكُمْ: إنَّكم ﴿ إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ أيْ: فُرِّقْتُمْ كُلَّ تَفْرِيقٍ؛ والمُمَزَّقُ هاهُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّمْزِيقِ ﴿ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ أيْ: يُجَدَّدُ خَلْقُكم لِلْبَعْثِ.

ثُمَّ أجابَ بَعْضُهم فَقالُوا: ﴿ أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ حِينَ زَعَمَ أنّا نُبْعَثُ؟!

وألِفُ " أفْتَرى " ألِفُ اسْتِفْهامٍ، وهو اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ وإنْكارٍ، ﴿ أمْ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ أيْ: جُنُونٌ؟!

فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ بَلِ ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ مِنَ الِافْتِراءِ والجُنُونِ، بَلِ ﴿ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ يَجْحَدُونَ البَعْثَ ﴿ فِي العَذابِ ﴾ إذا بُعِثُوا في الآخِرَةِ ﴿ والضَّلالِ البَعِيدِ ﴾ مِنَ الحَقِّ في الدُّنْيا.

ثُمَّ وعَظَهم فَقالَ: ﴿ أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ﴾ وذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ حَيْثُما نَظَرَ رَأى السَّماءَ والأرْضَ قَدّامَهُ وخَلْفَهُ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ؛ فالمَعْنى أنَّهم أيْنَ كانُوا فَأرْضِي وسَمائِي مُحِيطَةٌ بِهِمْ، وأنا القادِرُ عَلَيْهِمْ، إنْ شِئْتُ خَسَفْتُ بِهِمُ الأرْضَ، وإنْ شِئْتُ أسْقَطْتُ عَلَيْهِمْ قِطْعَةً مِنَ السَّماءِ، ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيْ: فِيما يَرَوْنَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ﴿ لآيَةً ﴾ تَدَلُّ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى بَعْثِهِمْ والخَسْفِ بِهِمْ ﴿ لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى طاعَةِ اللَّهِ، مُتَأمِّلٍ لِما يَرى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ﴿ أفْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَلالِ البَعِيدِ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ والثَعْلَبِيُّ وغَيْرُهُما: "يَرى" مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلِهُ مِنَ الأفْعالِ، والظاهِرُ أنَّهُ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ، وأنَّ الواوَ إنَّما عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وكَأنَّ المَعْنى الإخْبارُ بِأنَّ أهْلَ العِلْمِ يَرَوْنَ الوَحْيَ المُنَزَّلَ عَلى مُحَمَّدٍ  حَقًّا وأنَّهُ يَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِي أُنْزِلَ ﴾ مَفْعُولٌ بِـ"يَرى"، و"الحَقَّ" مَفْعُولٌ ثانٍ، و"هُوَ" عِمادٌ.

و ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ قِيلَ: هم مَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ،وَقالَ قَتادَةُ: هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ المُؤْمِنُونَ بِهِ كائِنًا مَن كانَ، و"يَهْدِي" مَعْناهُ: يُرْشِدُ، و"الصِراطُ المُسْتَقِيمُ" الطَرِيقُ المُعْتَدِلُ، وأرادَ طَرِيقَ الشَرْعِ والدِينِ.

ثُمَّ حَكى عَنِ الكُفّارِ مَقالَتَهُمُ الَّتِي قالُوها عَلى جِهَةِ التَعَجُّبِ والهُزْءِ، أيْ: قالَها بَعْضُهم لِبَعْضٍ، كَما يَقُولُ الرَجُلُ لِمَن يُرِيدُ أنْ يُعَجِّبَهُ: هَلْ أدُلُّكَ عَلى أُضْحُوكَةٍ ونادِرَةٍ؟

فَلَمّا كانَ البَعْثُ عِنْدَهم مِنَ البَعِيدِ المُحالِ جَعَلُوا مَن يُخْبِرُ بِهِ في حَيِّزِ مَن يُتَعَجَّبُ مِنهُ، والعامِلُ في "إذا" فِعْلٌ مُضْمَرٌ قَبْلَها فِيما قالَ بَعْضُ الناسِ، تَقْدِيرُهُ: يُنَبِّئُكم بِأنَّكم تُبْعَثُونَ إذا مُزِّقْتُمْ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ العامِلُ ما في قَوْلِهِ: ﴿ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ مِن مَعْنى الفِعْلِ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: يُنَبِّئُكم إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ إذا مُزِّقْتُمْ.

وقالَ الزَجّاجُ: العامِلُ في "إذا" هو ﴿ "مُزِّقْتُمْ" ﴾ وهو خَطَأٌ وإفْسادٌ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ ﴿ "يُنَبِّئُكُمْ" ﴾ بِوَجْهٍ، و"مُزِّقْتُمْ" مَعْناهُ: بِالبِلى وتَقَطُّعِ الأوصالِ في القُبُورِ وغَيْرِها.

وكُسِرَ الألِفُ مِن ﴿ "إنَّكُمْ" ﴾ لِأنَّ ﴿ "يُنَبِّئُكُمْ" ﴾ في مَعْنى: يَقُولُ لَكُمْ، ولِمَكانِ اللامِ الَّتِي في الخَبَرِ.

و"جَدِيدٍ" بِمَعْنى: مُجَدِّدٍ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ "أفْتَرى" ﴾ هو مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وهي ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى ألِفِ الوَصْلِ، فَحُذِفَتْ ألِفُ الوَصْلِ، وبَقِيَتْ مَفْتُوحَةً غَيْرَ مَمْدُودَةٍ، فَكَأنَّ بَعْضَهُمُ اسْتَفْهَمَ بَعْضًا عن مُحَمَّدٍ -  -: أحالُ الفِرْيَةِ عَلى اللهِ هي حالُهُ أمْ حالُ الجُنُونِ؟

لِأنَّ هَذا القَوْلَ إنَّما يَصْدُرُ عن أحَدِ هَذَيْنِ.

فَأضْرَبَ القُرْآنُ عن قَوْلِهِمْ وكَذَّبَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا، ﴿ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ والإشارَةُ بِذَلِكَ إلَيْهِمْ، ﴿ "فِي العَذابِ"، ﴾ يُرِيدُ: عَذابَ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم يَصِيرُونَ إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: في العَذابِ في الدُنْيا بِمُكابَدَةِ الشَرْعِ ومُكايَدَتِهِ، ومُحاوَلَةِ إطْفاءِ نُورِ اللهِ وهو يُتِمُّ، فَهَذا كُلُّهُ عَذابٌ، وفي الضَلالِ البَعِيدِ، أيْ: قَوِيَتِ الحَيْرَةُ وتَمَكَّنَ التَلَفُ لِأنَّهُ قَدْ أبْعَدَ صاحِبَهُ عَنِ الطَرِيقِ الَّذِي ضَلَّ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء لتفريع ما بعدها على قوله: ﴿ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب ﴾ [سبأ: 8] الخ، لأن رؤية مخلوقات الله في السماء والأرض من شأنها أن تهديهم لو تأملوا حق التأمل.

والاستفهام للتعجيب الذي يخالطه إنكار على انتفاء تأملهم فيما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض، أي من المخلوقات العظيمة الدالة على أن الذي قدَر على خلق تلك المخلوقات من عدم هو قادر على تجديد خلق الإِنسان بعد العدم.

والرؤية بصرية بقرينة تعليق ﴿ إلى ﴾ .

فمعنى الاستفهام عن انتفائها منهم انتفاء آثارها من الاستدلال بأحوال الكائنات السماوية والأرضية على إمكان البعث، فشبه وجود الرؤية بعدمها واستعير له حرف النفي.

والمقصود: حثهم على التأمل والتدبر ليتداركوا علمهم بما أهملوه.

وهذا كقوله: ﴿ أفلم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون ﴾ [الروم: 8].

والمراد ب ﴿ ما بين أيديهم ﴾ ما يستقبله كل أحد منهم من الكائنات السماوية والأرضية، وب ﴿ ما خلفهم ﴾ ما هو وراء كل أحد منهم، فإنهم لو شاءوا لنظروا إليه بأن يلتفتوا إلى ما وراءهم، وذلك مثل أن ينظروا النصف الشمالي من الكرة السماوية في الليل ثم ينظروا النصف الجنوبي منها فيروا كواكب ساطعة بعضها طالع من مشرقه وبعضها هاو إلى مغربه وقمراً مختلف الأشكال باختلاف الأيام، وفي النهار بأن ينظروا إلى الشمس بازغة وآفلة، وما يقارن ذلك من إسفار وأصيل وشفق.

وكذلك النظر إلى جبال الأرض وبحارها وأوديتها وما عليها من أنواع الحيوان واختلاف أصنافه.

و ﴿ من ﴾ في قوله: ﴿ من السماء والأرض ﴾ تبعيضية.

والسماء والأرض أطلقتا على محوياتهما كما أطلقت القرية على أهلها في قوله: ﴿ واسأل القرية ﴾ [يوسف: 82].

وجملة ﴿ إن نشأ نخسف بهم الأرض ﴾ اعتراض بالتهديد فمناسبة التعجيب الإِنكاري بما يذكرهم بقدرة صانع تلك المصنوعات العظيمة على عقاب الذين أشركوا معه غيره والذين ضيقوا واسع قدرته وكذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم وما يخطر في عقولهم ذكر الأمم التي أصابها عقاب بشيء من الكائنات الأرضية كالخسف أو السماوية كإسقاط كسف من الأجرام السماوية مثل ما أصاب قارون من الخسف وما أصاب أهل الأيْكة من سقوط الكسف.

وقرأ الكسائي وحده «نخسبّهم» بإدغام الفاء في الباء، قال أبو علي: وذلك لا يجوز لأن الباء أضعف في الصوت من الفاء فلا تدغم الفاء في الباء، وإن كانت الباء تدغم في الفاء كقولك: اضرب فلاناً، وهذا كما تدغم الباء في الميم كقولك: اضرب مالكاً، ولا تدغم الميم في الباء كقولك: اضمم بكراً، لأن الباء انحطت عن الميم بفقد الغثة التي في الميم، وهذا رد للرواية بالقياس وهو غصْب.

والكِسف بكسر الكاف وسكون السين في قراءة الجمهور، وهو القطعة من الشيء.

وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ﴾ في سورة الإِسراء (92).

وقرأ الجمهور نخسف } و ﴿ نسقط ﴾ بنون العظمة.

وقرأها حمزة والكسائي وخلف بياء الغائب على الالتفات من مقام التكلم إلى مقام الغيبة، ومعاد الضميرين معروف من سياق الكلام.

وجملة ﴿ إن في ذلك لآية لكل عبد منيب ﴾ تعليل للتعجيب الإِنكاري باعتبار ما يتضمنه من الحث على التأمل والتدبر كما تقدم آنفاً، فموقع حرف التوكيد هنا لمجرد التعليل، كقول بشار: إنّ ذاك النجاحَ في التبكير *** ولك أن تجعل تذييلاً.

والمشار إليه هو ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض، أي من الكائنات فيهما.

والآية: الدليل والتعريف للجنس، فالمفرد المعرّف مساو للجمع، أي لآيات كثيرة.

والمنيب: الراجع بفكره إلى البحث عما فيه كماله النفساني وحسن مصيره في الآخرة فهو يقدّر المواعظ حقّ قدرها ويتلقّاها بالشك في الحالة التي وعظ من أجلها فيعاود النظر حتى يهتدي ولا يرفض نصح الناصحين وإرشاد المرشدين مرتدياً برداء المتكبرين فهو لا يخلو من النظر في دلائل قدرة الله، ومن أكبر المنيبين المؤمنون مع رسولهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي بِالبَعْثِ.

﴿ هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا  .

﴿ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ أيْ يُخْبِرُكم أنَّكم إذا مُتُّمْ فَأكَلَتْكُمُ الأرْضُ أوِ الطَّيْرُ حَتّى صِرْتُمْ عِظامًا ورُفاتًا.

﴿ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ أيْ تَحْشُرُونَ وتَبْعَثُونَ.

قِيلَ إنَّ أبا سُفْيانَ ابْنِ حَرْبٍ قالَ هَذا لِأهْلِ مَكَّةَ، فَأجابَ بَعْضُهم بَعْضًا.

﴿ أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ أيْ قائِلُ هَذا أنْ يَكُونَ كَذّابًا أوْ مَجْنُونًا فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ قَوْلَهم هَذا بِأنْ قالَ: ﴿ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ ﴾ العَذابُ في الآخِرَةِ، والضَّلالُ البَعِيدُ في الدُّنْيا.

وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ البَعِيدُ مِنَ الهُدى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الشَّقاءُ الطَّوِيلُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ألَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ والأرْضِ كَيْفَ أحاطَتْ بِهِمْ؟

لِأنَّكَ إنْ نَظَرْتَ عَنْ يَمِينِكَ أوْ شِمالِكَ، أوْ بَيْنَ يَدَيْكَ أوْ خَلْفَكَ رَأيْتَ السَّماءَ والأرْضَ، قالَهُ قَتادَةُ، إذْكارًا لَهم بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وإحاطَتِها بِهِمْ، لِأنَّهم لا يَرَوْنَ لِأوَّلِيَّتِهِما ابْتِداءً ولا لِآخِرَتِهِما انْتِهاءً، وإنْ بَعُدُوا شَرْقًا وغَرْبًا.

الثّانِي: يَعْنِي ﴿ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ ﴾ فَمَن أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ في أرْضِهِ ﴿ وَما خَلْفَهُمْ ﴾ مِن أمْرِ الآخِرَةِ في سَمائِهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

﴿ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ ﴾ يَعْنِي كَما خَسَفْنا بِمَن كانَ قَبْلَهم.

﴿ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الكِسَفَ العَذابُ قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: قِطَعًا مِنَ السَّماءِ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعَذِّبَ بِسَمائِهِ إنْ شاءَ ويُعَذِّبَ بِأرْضِهِ إنْ شاءَ، وكُلُّ خَلْقِهِ لَهُ جُنْدٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُجِيبُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ.

الثّانِي: أنَّهُ المُقْبِلُ بِتَوْبَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ، قالَ الشّاعِرُ: أنابَ إلى قَوْلِي فَأصْبَحْتُ مُرْصِدًا لَهُ بِالمُكافَأةِ المُنِيبَةِ والشُّكْرِ الثّالِثُ: أنَّهُ المُسْتَقِيمُ إلى رَبِّهِ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ المُخْلِصُ لِلتَّوْحِيدِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهو الحكيم الخبير ﴾ قال: ﴿ حكيم ﴾ في أمره ﴿ خبير ﴾ بخلقه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ يعلم ما يلج في الأرض ﴾ قال: من المطر ﴿ وما يخرج منها ﴾ قال: من النبات ﴿ وما ينزل من السماء ﴾ قال: الملائكة ﴿ وما يعرج فيها ﴾ قال: الملائكة.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب ﴾ قال: يقول: بلى وربي عالم الغيب لتأتينكم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أولئك لهم مغفرة ورزق كريم ﴾ قال: مغفرة لذنوبهم ﴿ ورزق كريم ﴾ في الجنة ﴿ والذين سعوا في آياتنا معاجزين ﴾ قال: أي لا يعجزون وفي قوله: ﴿ أولئك لهم عذاب من رجز أليم ﴾ قال: الرجز هو العذاب الأليم الموجع.

وفي قوله: ﴿ ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ﴾ قال: أصحاب محمد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ ويرى الذين أوتوا العلم ﴾ قال: الذين أوتوا الحكمة ﴿ من قبل ﴾ قال: يعني المؤمنين من أهل الكتاب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم ﴾ قال: قال ذلك مشركو قريش ﴿ إذا مزقتم كل ممزق ﴾ يقول: إذا أكلتكم الأرض وصرتم عظاماً ورفاتاً.

وتقطعتكم السباع والطير ﴿ إنكم لفي خلق جديد ﴾ إنكم ستحيون وتبعثون قالوا: ذلك تكذيباً به ﴿ أفترى على الله كذباً أم به جنة ﴾ قال: قالوا: إما أن يكون يكذب على الله، واما أن يكون مجنوناً ﴿ أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ﴾ قال: إنك إن نظرت عن يمينك، وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك رأيت السماء والأرض ﴿ إن نشأ نخسف بهم الأرض ﴾ كما خسفنا بمن كان قبلهم ﴿ أو نسقط عليهم كسفاً من السماء ﴾ أي قطعاً من السماء إن يشأ يعذب بسمائه فعل، وان يشأ يعذب بأرضه فعل، وكل خلقه له جند قال قتادة رضي الله عنه: وكان الحسن رضي الله عنه يقول: إن الزبد لمن جنود الله ﴿ إن في ذلك لآية لكل عبد منيب ﴾ قال قتادة: تائب مقبل على الله عز وجل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ﴾ أي: أعطيناه من عندنا فضلاً.

قال ابن عباس: يريد تفضلت عليه وأعطيته ما لم أعط أحدًا قبله ولا بعده (١) (٢) قال الكلبي: يعني: النبوة وما أعطي من الدنيا (٣) ﴿ يَا جِبَالُ ﴾ ، قال أبو عبيدة والزجاج: هو مختصر، المعنى: وقلنا يا جبال ﴿ أَوِّبِي مَعَهُ ﴾ ورجعي التسبيح (٤) قال أبو إسحاق: أوبي معه معناه: رجعى، يقال: آب يؤوب إذا رجع ومعنى رجعي معه أي: سبحي معه ورجعي التسبيح (٥) وقال غيره: التأويب في كلام العرب.

سير النهار كله إلى الليل، يقال: أوب تأويبًا، والمعنى: يا جبال أوبي النهار كله إلى الليل بالتسبيح (٦) يومان يوم مقامات وأندية ...

ويوم سير إلى الأعداء تأويب وروى أبو عبيد عن أبي عمرو: التأويب أن يسير النهار وينزل الليل (٧) وهذا اختيار ابن قتيبة، (وأنشد للراعي فقال: لحقنا بحي أوبوا السير بعد ما ...

دفعنا شعاع الشمس والطرف يجنح (٨) (٩) قال المفسرون: وكانت إذا سبح داود سبحت الجبال معه (١٠) وقال وهب (١١) (١٢) قوله -عز وجل-: ﴿ وَالطَّيْرَ ﴾ قال أبو إسحاق: (في نصب والطير ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون عطفًا على قوله فضلا (١٣) (١٤) وروى هذا يونس عن أبي عمرو (١٥) وقال الفراء في هذا الوجه هو كقولك: أطعمته طعامًا وسقيته ماء (١٦) الوجه الثاني: أن يكون نصبًا على النداء، كأنه قيل: ادعوا الجبال والطير، فالطير معطوف على موضع [الجبال] (١٧) (١٨) وقال أبو عبيدة: زعم النحويون أن سبيل نصبها كقولك: يا زيد والصلت أقبلا (١٩) قال الفراء: نصبت الصلة؛ لأنه إنما يدعى بياء أها (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) الوجه الثالث: أن يكون الطير منصوبًا على موضع مع، كما تقول: قمت وزيدًا، المعنى: مع زيد.

والمعنى في الآية: أوبي معه ومع الطير (٢٤) (٢٥) وقوله: ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ﴾ قال ابن عباس: حتى صار عنده مثل السمع (٢٦) (٢٧) وقال قتادة: ألان (٢٨) (٢٩) وقال الأعمش: ألين له حتى كان مثل الخيوط (٣٠) وقال مقاتل: كان داود يسرد الدرع لا يفرغها بحديد ولا يدخلها النار، ويفرغ من الدرع في بعض اليوم أو بعض الليلة ثمنها ألف درهم (٣١) (١) لم أقف عليه عن ابن عباس.

وقد ذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 435 نحوه، ولم ينسبه.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 97 ب.

(٣) لم أقف عليه منسوبًا للكلبي، وقد ذكره أكثر المفسرين غير منسوب.

انظر: "تفسير == الماوردي" 4/ 435، "مجمع البيان" 8/ 597، "تفسير القرطبي" 14/ 264، "زاد المسير" 6/ 435.

(٤) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 142، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 243.

(٥) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 243.

(٦) انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 608 (آب)، "اللسان" 1/ 220 (أوب)،"مجاز القرآن" 2/ 142.

(٧) انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 608 (آب).

(٨) البيت من الطويل، وهو للراعي النميري في "ديوانه" ص 39، ونسبه ابن قتيبة في "غريب القرآن" ص 353، لابن مقبل.

وكذا أبو حيان في "البحر" 7/ 63، والقرطبي في "تفسيره" 14/ 265، والثعلبي في "الكشف والبيان" 30/ 211 ب.

(٩) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 353.

(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 65، "بحر العلوم" 3/ 66، "الماوردي" 4/ 435.

(١١) هو: أبو عبد الله وهب بن منبه بن كامل الصنعاني الذماري، تقدمت ترجمته.

(١٢) انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 265.

(١٣) في (أ): (فضلنا).

(١٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 243.

(١٥) انظر: "علل القراءات" 2/ 549، "البحر المحيط" 8/ 525، "الكتاب" لسيبويه 2/ 186 - 187.

(١٦) "معاني القرآن" 2/ 355.

(١٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٨) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 243.

(١٩) "مجاز القرآن" 2/ 143.

(٢٠) في (ب): (بيائها).

(٢١) في (ب): (بعدها).

(٢٢) "معاني القرآن" 2/ 355.

(٢٣) هكذا في النسخ!

والذي يظهر لي أن ما بين المعفوفين زيادة.

(٢٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 243.

(٢٥) انظر: "الوسيط" 3/ 488، "تفسير الماوردي" 4/ 435، "زاد المسير" 6/ 436.

(٢٦) انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 267، "البحر المحيط" 8/ 525.

(٢٧) نفسه.

(٢٨) في (أ): (ألانه)، وهو خطأ.

(٢٩) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 66، "تفسير الماوردي" 4/ 436، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 396.

(٣٠) لم أقف عليه (٣١) انظر: "تفسير مقاتل" 97 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ياجبال أَوِّبِي مَعَهُ ﴾ تقديره: قلنا يا جبال، والجملة تفسير لفضلاً، ومعنى أوّبي: سبّحي، وأصلحه من التأويب، وهو الترجيع، لأن كان يرجِّع التسبيح فترجعه معه: وقيل: هو من التأويب بمعنى السير بالنهار، وقيل: كان ينوح فتساعده الجبال بصداها، والطير بأصواتها ﴿ والطير ﴾ بالنصب عطف على موضع يا جبال، وقيل: مفعول معه، وقيل: معطوف على فضللاً، وقرئ بالرفع عطفاً على لفظ: يا جبال ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ الحديد ﴾ أي جعلناه له ليناً بغير نار كالطين والعجين، وقيل: لأن له الحديد لشدّة قوته.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: إنهم أقسموا باللات والعزى أن لا بعث ولا حياة بعد الموت؛ فأمر الله نبيه أن يقسم بالله الواحد على بعث وقيامة بقوله: ﴿ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ .

وجائز أن يكون على غير هذا، وهو ما قال في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً  ﴾ هم أقسموا بالله: إنه لا يبعث من يموت؛ فأمر رسوله في هذه الآية أن يقسم بالله - الذي أقسموا هم: إنه يبعث، وهو قوله: ﴿ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ ، وكأن قسمه بما أقسم عندهم أصدق من قسمهم؛ لأنهم لم يأخذوا عليه كذباً قط، ولا اتهموه في شيء؛ يدل على ذلك ما أخبر الله عنهم؛ حيث قال: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ  ﴾ أخبر أنهم لا يكذبونك في مقالتك؛ ولكن همتهم الجحود بالآيات والإنكار لها؛ فيكون قسمه مقابل قسم أولئك في إنكارهم البعث؛ ليعلموا كذب أنفسهم في قسمهم - بقسم رسول الله بما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ ﴾ ، بالخفض، وقد قرئ ﴿ عالم الغيب ﴾ : بالرفع، و ﴿ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ : فمن خفضه، جعله صفة ونعتاً لما تقدم من قوله: ﴿ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ ﴾ .

ومن رفعه، يجعله على الابتداء، ويجعل الكلام تامّاً بقوله: ﴿ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ ، ثم استأنف فقال: ﴿ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ﴾ .

ثم قوله: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ ﴾ .

قد قرئ برفع الزاي، وبخفضها: ﴿ لاَ يَعْزُبُ ﴾ ، وكلاهما لغتان، والعازب في كلام العرب: الغائب.

وقال بعضهم: ﴿ لاَ يَعْزُبُ ﴾ ، أي: لا يبعد، وهما واحد.

وقوله: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ ﴾ .

وقال في الأولى ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ﴾ : جائز أن تكون هذه الآية في جواهر الأشياء وأجناسها المختلفة؛ لأنه أخبر عن علمه بما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما يصعد فيها وما ينزل، وذلك علم جواهر الأشياء.

وقوله: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ...

﴾ إلى آخر ما ذكر: في الأفعال والأعمال، يخبر أنه لا يخفى عليه شيء، ولا يغيب عنه شيء من أفعالهم وأعمالهم؛ ليكونوا أبداً على حذر؛ ألا ترى أنه ذكر على أثر ذلك الجزاء؛ حيث قال: ﴿ لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ .

أو أن يكونا واحداً، إلا أنه ذكر في الآية الأولى الداخل في الأرض والخارج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ولم يذكر في ذلك الساكن فيهما والمقيم وما يكون فيهما؛ فذكر ذلك في قوله: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يخبر عن إحاطة علمه بالأشياء كلها: من الساكنة، والمقيمة، والمتحركة، والمنقلبة فيهما، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ .

المغفرة: هي التغطية والستر، ثم يكون الستر بوجهين: أحدهما: يستر على أعين الزلات أنفسها ألا تذكر.

والثاني: يستر بالجزاء الحسن إذا لم يجز للزلات، هذا للمؤمنين: يستر عليهم الزلات مرة بترك ذكرها، ومرة بترك الجزاء عليها.

وأما الكافر فإنه إذا جزي على سيئة فقد أُظْهِرَ وفَشَا، ولم يستر عليه.

أو أن يكون قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ ﴾ ، أي: ستر وهو أنه إذا أدخلهم الجنة، أنساهم زلاتهم؛ حتى لا يذكروا أبدا؛ لأن ذكر زلاتهم لربهم ينغص عليهم لذاتهم وتنعمهم.

وقوله: ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ ، قيل: الكريم: الحسن.

وجائز أن يكون سماه: كريماً؛ لأن من ناله كرم وشرف، كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ  ﴾ والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾ .

يحتمل حقيقة سعيهم في آياته بما ذكر؛ كقوله: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ  ﴾ : ذكر مرورهم عليها والإعراض عنها؛ فهو سعي.

وجائز على التمثيل، أي: يعملون عمل من أعجز الآيات؛ للجحود لها والتمرد والعناد، والمعجز: هو السابق، ﴿ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ، أي: سابقين فائتين، أي: لا تعجزونني، ولا تفوتون عني.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ﴾ .

الرجز: العذاب الأليم، أي: مؤلم، وذلك جائز في اللغة.

وقال أبو عوسجة: المعاجز: الهارب؛ يهرب؛ لكي يعجز.

وقوله: ﴿ وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ ﴾ .

قال بعضهم: الذين أوتوا العلم هم المؤمنون: مؤمنو أهل الكتاب الذين أوتوا العلم على التوراة والإنجيل وغيرهما؛ يقول - والله أعلم - يعلم الذين أوتوا منافع تلك الكتب أن ما أنزل إليك من ربك هو الحق، بأجمعهم جميعاً الذين أوتوا العلم بتلك الكتب؛ لما يجدون نعته وصفته فيها، يعلمون أنه هو الحق من ربّك، لكن بعضهم عاندوا ولم يؤمنوا به، وبعضهم قد آمنوا به.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ : هم أصحاب محمد - صلوت الله عليه - أي: الذين أوتوا منافع ما أنزل إليك، هم يعلمون أنه هو الحق من ربك، فأما من لم يؤت منافع العلم فلا يعلم ذلك.

وفي حرف ابن مسعود ﴿ ويعلم الذين أوتوا الحكمة من قبل الذي أنزل إليك من ربّك هو الحق ﴾ ، يعني: القرآن.

وقوله: ﴿ وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ .

قوله: ﴿ وَيَهْدِيۤ ﴾ يحتمل: يدعو، ويحتمل ﴿ وَيَهْدِيۤ ﴾ ، أي: يبين لهم ﴿ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ ﴾ .

كان بعضهم يقول لبعض: ﴿ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ .

قوله: ﴿ إِذَا مُزِّقْتُمْ ﴾ يحتمل أن قالوا: النبي؛ يقول: إذا تفرقت جوارحكم وأعضاؤكم تكونوا خلقاً جديداً، فإن كان على هذا فهو - والله أعلم - كان من أهل الدهر ذلك القول؛ لأنهم يقولون بقدم العالم، ولا يقولون بفنائه؛ لأن أهل مكة كانوا فريقين: فرقة تذهب مذهب أهل الدهر، وفرقة يقولون بحدث العالم، ويقرون بفنائه، لكنهم ينكرون إحياءه بعد الفناء، فإن كان ذلك من هؤلاء؛ فيكون قوله: ﴿ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ ، أي: إذا ذهبت أجسادكم، وفنيت اللحوم والعظام، وكنتم رماداً ورفاتا ﴿ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ، أي: تكونون خلقا جديدا، يخرج ذلك منهم على أحد وجهين: إما على استبعاد ذلك في أوهامهم وعقولهم، أي: لا يكون ذلك.

أو على التعجب: أن كيف يكون ذلك؟!

فقال عند ذلك: ﴿ أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ ﴾ : يقولون: أفترى محمد على الله كذبا أم به جنون؟

إذ لم نسمع ذلك من أحد من قبل، ولا رأينا ذلك أنه كان ما ذكر، فرد الله ذلك عليهم وقال: ﴿ بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ ﴾ ، أي: بالبعث والإحياء بعد الموت - هم المفترون على الله، هم ﴿ فِي ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ ﴾ .

جزاء قولهم: أم به جنون؟

يقول: بل هم في ضلال بعيد، الضلال البعيد: كأنه هو الذي لا يرجع إلى الهدى أبداً؛ فتكون الآية في قوم: علم الله أنهم يختمون على الضلال، ولا يؤمنون أبداً؛ فيكون في ذلك دلالة إثبات الرسالة.

وقوله: ﴿ أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ : قد ذكرنا قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ ؛ ﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ  ﴾ ، ونحوه أنه يخرج على وجهين: أحدهما: قد رأوا على الخبر.

والثاني: على الأمر: أن انظروا ﴿ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

ثم يقول بعضهم لبعض: حيثما قدم الإنسان رأى بين يديه من السماء مثل السماء [التي] يرى خلفه، وكذلك الأرض.

وقتادة يقول: لينظروا كيف أحاطت بهم السماء والأرض، وهما واحد.

﴿ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ ﴾ ، كما خسفنا بمن كان قبلهم، ﴿ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

أي: عذاباً من السماء؛ كما أنزل على من كان قبلهم بالتكذيب والعناد، يذكر هذا على أثر قولهم: ﴿ أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ ﴾ ، أي: لو نظروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض؛ لعرفوا أنه رسول الله، وأنه صادق، وأن ما يقول: إنه بعث بعد الموت، وإن العذاب ينزل - يقوله لا عن جنون، ولكن عن علم وعقل ومعرفة؛ لأن من قدر على إنشاء السماء على ما أنشأ من سعتها وغلظها وشدتها، وكذلك الأرض، قدر على البعث وخسف من يشاء أن يخسف؛ وإسقاط السماء على من يشاء أن يسقط.

أو يقول: لو نظروا، لعرفوا أنه لم ينشئ ما ذكر من السماء والأرض عبثاً باطلا؛ ولكن أنشأهما على الحكمة، وإنما يصير إنشاؤهما حكمة بالبعث والإحياء بعد الموت ومصيرهم إليه، وأما للفناء خاصة فلا يكون حكمة، والله أعلم ما أراد بذلك.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ﴾ .

المنيب، قيل: هو المطيع لله، وقيل: هو المقبل على أمر الله.

والمنيب كأنه هو المؤمن؛ لأنه هو المصدق بالآيات، فإذا كان المؤمن هو المصدق بالآيات، فيكون هو المنتفع بها، فيكون الآية [له].

وأما المكذب بها فلا ينتفع بها؛ فلا يكون الآية له في الحقيقة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد أعطينا داود  منا نبوة وملكًا، وقلنا للجبال: يا جبال، رجِّعي مع داود التسبيح، وهكذا قلنا للطير، وصيّرنا له الحديد لينًا ليصنع منه ما يشاء من أدوات.

<div class="verse-tafsir" id="91.dGkgA"

مزيد من التفاسير لسورة سبأ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله