الآية ٩ من سورة سبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ٩ من سورة سبأ

أَفَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۚ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّكُلِّ عَبْدٍۢ مُّنِيبٍۢ ٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 78 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩ من سورة سبأ: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩ من سورة سبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال منبها لهم على قدرته في خلق السماوات والأرض ، فقال : ( أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ) أي : حيثما توجهوا وذهبوا فالسماء مظلة مظللة عليهم ، والأرض تحتهم ، كما قال : ( والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون .

والأرض فرشناها فنعم الماهدون ) [ الذاريات : 47 ، 48 ] .

قال عبد بن حميد : أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة : ( أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ) ؟

قال : إنك إن نظرت عن يمينك أو عن شمالك ، أو من بين يديك أو من خلفك ، رأيت السماء والأرض .

وقوله : ( إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء ) أي : لو شئنا لفعلنا بهم ذلك لظلمهم وقدرتنا عليهم ، ولكن نؤخر ذلك لحلمنا وعفونا .

ثم قال : ( إن في ذلك لآية لكل عبد منيب ) قال معمر ، عن قتادة : ( منيب ) : تائب .

وقال سفيان عن قتادة : المنيب : المقبل إلى الله عز وجل .

أي إن في النظر إلى خلق السماء والأرض لدلالة لكل عبد فطن لبيب رجاع إلى الله ، على قدرة الله على بعث الأجساد ووقوع المعاد; لأن من قدر على خلق هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها ، وهذه الأرضين في انخفاضها وأطوالها وأعراضها ، إنه لقادر على إعادة الأجسام ونشر الرميم من العظام ، كما قال تعالى : ( أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى ) [ يس : 81 ] ، وقال : ( لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) [ غافر : 57 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9) يقول تعالى ذكره: أفلم ينظر هؤلاء المكذبون بالمعاد الجاحدون البعث بعد الممات القائلون لرسولنا محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض، فيعلموا أنهم حيث كانوا فإن أرضي وسمائي محيطة بهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم؛ فيرتدعوا عن جهلهم وينـزجروا عن تكذيبهم بآياتنا حذرًا أن نأمر الأرض فتخسف بهم أو السماء فتسقط عليه قطعًا، فإنا إن نشأ نفعل ذلك بهم فعلنا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة قوله ( أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا &; 20-356 &; بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) قال: ينظرون عن أيمانهم وعن شمائلهم كيف السماء قد أحاطت بهم (إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ) كما خسفنا بمن كان قبلهم (أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ) أي: قطعًا من السماء.

وقوله ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ) يقول تعالى ذكره: إن في إحاطة السماء والأرض بعباد الله لآية: يقول: لدلالة لكل عبد منيب: يقول لكل عبد أناب إلى ربه بالتوبة، ورجع إلى معرفة توحيده والإقرار بربوبيته والاعتراف بوحدانيته والإذعان لطاعته على أن فاعل ذلك لا يمتنع عليه فعل شيء أراد فعله ولا يتعذر عليه فعل شيء شاءه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال ثنا سعيد عن قتادة ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ) والمنيب: المقبل التائب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب .[ ص: 239 ] أعلم الله تعالى أن الذي قدر على خلق السماوات والأرض وما فيهن قادر على البعث وعلى تعجيل العقوبة لهم ، فاستدل بقدرته عليهم ، وأن السماوات والأرض ملكه ، وأنهما محيطتان بهم من كل جانب ، فكيف يأمنون الخسف والكسف .

كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة .

وقرأ حمزة والكسائي ( إن يشأ يخسف بهم الأرض أو يسقط ) بالياء في الثلاث ; أي إن يشأ الله أمر الأرض فتنخسف بهم ، أو السماء فتسقط عليهم كسفا .

الباقون بالنون على التعظيم .

وقرأ السلمي وحفص ( كسفا ) بفتح السين .

الباقون بالإسكان .

وقد تقدم بيانه في ( سبحان ) وغيرها .

( إن في ذلك لآية ) أي في هذا الذي ذكرناه من قدرتنا ( لآية ) أي دلالة ظاهرة .

لكل عبد منيب أي تائب رجاع إلى الله بقلبه .

وخص المنيب بالذكر لأنه المنتفع بالفكرة في حجج الله وآياته .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم نبههم على الدليل العقلي, الدال على عدم استبعاد البعث, الذي استبعدوه, وأنهم لو نظروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم, من السماء والأرض فرأوا من قدرة اللّه فيهما, ما يبهر العقول, ومن عظمته ما يذهل العلماء الفحول, وأن خلقهما وعظمتهما وما فيهما من المخلوقات, أعظم من إعادة الناس - بعد موتهم - من قبورهم، فما الحامل لهم, على ذلك التكذيب مع التصديق, بما هو أكبر منه؟

نعم ذاك خبر غيبي إلى الآن, ما شاهدوه, فلذلك كذبوا به.قال اللّه: { إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ } أي: من العذاب, لأن الأرض والسماء تحت تدبيرنا, فإن أمرناهما لم يستعصيا، فاحذروا إصراركم على تكذيبكم, فنعاقبكم أشد العقوبة.

{ إِنَّ فِي ذَلِكَ } أي: خلق السماوات والأرض, وما فيهما من المخلوقات { لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ } فكلما كان العبد أعظم إنابة إلى اللّه, كان انتفاعه بالآيات أعظم, لأن المنيب مقبل إلى ربه, قد توجهت إراداته وهماته لربه, ورجع إليه في كل أمر من أموره, فصار قريبا من ربه, ليس له هم إلا الاشتغال بمرضاته، فيكون نظره للمخلوقات نظر فكرة وعبرة, لا نظر غفلة غير نافعة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ) فيعلموا أنهم حيث كانوا فإن أرضي وسمائي محيطة بهم لا يخرجون من أقطارها ، وأنا القادر عليهم ( إن نشأ نخسف بهم الأرض ) قرأ الكسائي : " نخسف بهم " بإدغام الفاء في الباء ( أو نسقط عليهم كسفا من السماء ) قرأ حمزة والكسائي : " إن يشأ يخسف أو يسقط " ، بالياء فيهن لذكر الله من قبل ، وقرأ الآخرون بالنون فيهن ) ( إن في ذلك ) أي : فيما ترون من السماء والأرض ) ( لآية ) تدل على قدرتنا على البعث ( لكل عبد منيب ) تائب راجع إلى الله بقلبه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أفلم يروا» ينظروا «إلى ما بين أيديهم وما خلفهم» ما فوقهم وما تحتهم «من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسْفا» بسكون السين وفتحها قِطَعَا «من السماء» وفي قراءة في الأفعال الثلاثة بالياء «إن في ذلك» المرئي «لآيه لكل عبد منيب» راجع إلى ربه تدل على قدرة الله على البعث وما يشاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أفلم ير هؤلاء الكفار الذين لا يؤمنون بالآخرة عظيم قدرة الله فيما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض مما يبهر العقول، وأنهما قد أحاطتا بهم؟

إن نشأ نخسف بهم الأرض، كما فعلنا بقارون، أو ننزل عليهم قطعًا من العذاب، كما فعلنا بقوم شعيب، فقد أمطرت السماء عليهم نارًا فأحرقتهم.

إن في ذلك الذي ذكرنا من قدرتنا لَدلالة ظاهرة لكل عبد راجع إلى ربه بالتوبة، ومقر له بتوحيده، ومخلص له في العبادة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم هددهم - سبحانه - بسوء العاقبة ، إذا ما استمروا فى ضلالهم وجهالاتهم وذكرهم بما يشاهدونه من عجائب قدرته فقال : ( أَفَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ السمآء والأرض ) .والاستفهام للتعجب من حالهم ، ومن ذهولهم عن الفكر والتدبر ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام .والمعنى : أعمى هؤلاء الكافرون فلم يعتبروا ولم يتعظوا بما يشاهدونه من مظاهر قدرته - عز وجل - المحيطة بهم من كل جانب والمنتشرة فى آفاق السماوات وفى جوانب الأرض؟إن تأملهم فى مظاهر قدرتنا الواضحة أمام أعينهم ، من شأنه أن يهديهم إلى الحق الذى جاءهم به رسولنا صلى الله عليه وسلم ومن شأنه أن يجعلهم يوقنون بأننا ( إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرض ) كما فعلنا بقارون .( أَوْ ) إن نشأ ( نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ السمآء ) والكِسَفُ جمع كِسْفَة بمعنى قطعة أى : لا يعجزنا أن نخصف بهم الأرض .

كما لا يعجزنا - أيضا - أن نتنزل عليهم قطعا من العذاب الكائن من السماء فنهلكهم ، كما أنزلناها على أصحاب الأيكة فأهلكناهم بسبب تذكيبهم وجحودهم .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ) .أى : إن فى ذلك الذى ذكرناه من مظاهر قدرتنا الواضحة بين أيديهم ، لآية بينة ، وعبرة ظاهرة ، لكل عبد أى : راجع إلى الله - تعالى - بالتوبة الصادقة ، وبالطاعة الخالصة لما جاءه به نبينا صلى الله عليه وسلم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مّنَ السماء والأرض إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرض أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كسفاً من السماء ﴾ لما ذكر الدليل بكونه عالم الغيب وكونه جازياً على السيئات والحسنات ذكر دليلاً آخر وذكر فيه تهديداً.

أما الدليل فقوله: ﴿ مّنَ السماء والأرض ﴾ فإنهما يدلان على الوحدانية كما بيناه مراراً، وكما قال تعالى: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله  ﴾ ويدلان على الحشر لأنهما يدلان على كمال قدرته ومنها الإعادة، وقد ذكرناه مراراً، وقال تعالى: ﴿ أَوَ لَيْسَ الذي خَلَقَ السموات والأرض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم  ﴾ وأما التهديد فبقوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الارض ﴾ يعني نجعل عين نافعهم ضارهم بالخسف والكسف.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأََيَةً لّكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ﴾ أي لكل من يرجع إلى الله ويترك التعصب ثم إن الله تعالى لما ذكر من ينيب من عباده، ذكر منهم من أناب وأصاب ومن جملتهم داود كما قال تعالى عنه: ﴿ فاستغفر رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ النظر إلى السماء والأرض والفكر فيهما وما يدلاّن عليه من قدرة الله ﴿ لأيَةً ﴾ ودلالة ﴿ لّكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ﴾ وهو الراجع إلى ربه المطيع له؛ لأنّ المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله، على أنه قادر على كل شيء من البعث ومن عقاب من يكفر به.

قرئ: ﴿ يشأ ويخسف ويسقط ﴾ : بالياء؛ لقوله تعالى: ﴿ افترى عَلَى الله كَذِبًا ﴾ [الأنعام: 93] وبالنون لقوله: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا ﴾ وكسفاً: بفتح السين وسكونه.

وقرأ الكسائي: ﴿ يخسف بهم ﴾ بالإدغام وليست بقوية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ ﴾ تَذْكِيرٌ بِما يُعايِنُونَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ وما يَحْتَمِلُ فِيهِ إزاحَةً لِاسْتِحالَتِهِمُ الإحْياءَ حَتّى جَعَلُوهُ افْتِراءً وهَزْءًا، وتَهْدِيدًا عَلَيْها والمَعْنى أعَمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا إلى ما أحاطَ بِجَوانِبِهِمْ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا أهم أشَدُّ خَلْقًا، أمِ السَّماءُ، وإنّا إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا، لِتَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ بَعْدَ ظُهُورِ البَيِّناتِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يَشَأْ ) و ( يَخْسِفْ ) و ( يُسْقِطْ ) بِالياءِ لِقَوْلِهِ: ﴿ أفْتَرى عَلى اللَّهِ ﴾ .

والكِسائِيُّ وحْدَهُ بِإدْغامِ الفاءِ في الباءِ وحَفْصٌ ( كِسَفًا ) بِالتَّحْرِيكِ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ النَّظَرِ والتَّفَكُّرِ فِيهِما وَما يَدُلّانِ عَلَيْهِ.

﴿ لآيَةً ﴾ لَدَلالَةً.

﴿ لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ راجِعٍ إلى رَبِّهِ فَإنَّهُ يَكُونُ كَثِيرَ التَّأمُّلِ في أمْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَفَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مّنَ السماء والأرض إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بهم} وبالادغام على التقارب بين الفاء والباء وضعفه البعض لزيادة صوت الفاء على الباء {الأرض أَوْ نُسْقِطْ} الثلاثة بالياء كوفي غير عاصم لقوله افترى عَلَى الله كَذِبًا {عَلَيْهِمْ كِسَفاً} كِسَفًا حفص {مّنَ السماء} أي أعموا فلم ينظروا إلى السماء والأرض والأرض وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم لا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما وان يخرجوا عماهم فيه من ملكوت اللله ولم يخافوا أن يخسف الله بهم أو يسقط عليهم كسفا لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول وبما جاء به كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة {إِنَّ فِى ذَلِكَ} النظر إلى السماء والأرض والفكر فيهما

وما تدلان عليه من قدرة الله تعالى {لآيَةً} لدلالة {لّكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} راجع إلى ربه مطيع له إذ المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله على أنه قادر على كل شيء من البعث ومن عقاب من يكفر به

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ ﴾ قِيلَ: هو اِسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَذْكِيرِهِمْ بِما يُعايِنُونَ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَنْبِيهِهِمْ عَلى ما يُحْتَمَلُ أنْ يَقَعَ مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ في ذَلِكَ إزاحَةً لِاسْتِحالَتِهِمُ الإحْياءَ حَتّى قالُوا ما قالُوا فِيمَن أخْبَرَهم بِهِ وتَهْدِيدًا عَلى ما اِجْتَرَءُوا عَلَيْهِ، والمَعْنى أُعْمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا إلى ما أحاطَ بِجَوانِبِهِمْ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا أنَّهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ هي وإنّا إنْ نَشَأ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ كَما خَسَفْناها بِقارُونَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا أيْ قِطَعًا مِنَ السَّماءِ كَما أسْقَطْنا عَلى أصْحابِ الأيْكَةِ لِتَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ بَعْدَ ظُهُورِ البَيِّناتِ، وهو تَفْسِيرٌ مُلائِمٌ لِلْمَقامِ، إلّا أنَّ رَبْطَ قَوْلِهِ تَعالى إنْ نَشَأْ إلخ بِما قَبْلَهُ بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرَهُ بِعِيدٌ.

وفِي البَحْرِ أنَّهُ تَعالى وقَّفَهم في ذَلِكَ عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ وحَذَّرَهم إحاطَةَ السَّماءِ والأرْضِ بِهِمْ، وكَأنَّ ثَمَّ حالًا مَحْذُوفَةً، أيْ أفَلا يَرَوْنَ إلى ما يُحِيطُ بِهِمْ مِن سَماءٍ وأرْضٍ مَقْهُورًا تَحْتَ قُدْرَتِنا نَتَصَرَّفُ فِيهِ كَما نُرِيدُ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ الخ، أوْ فَلَمْ يَنْظُرُوا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مُحِيطًا بِهِمْ وهم مَقْهُورُونَ فِيما بَيْنَهُ إنْ نَشَأْ الخ، ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ.

وقالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَرَوْا ﴾ إلخ اِسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَهْوِيلِ ما اِجْتَرَءُوا عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِ آياتِ اللَّهِ تَعالى واسْتِعْظامِ ما قالُوا في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّهُ مِنَ العَظائِمِ المُوجِبَةِ لِنُزُولِ أشَدِّ العِقابِ وحُلُولِ أفْظَعِ العَذابِ مِن غَيْرِ رَيْثٍ وتَأْخِيرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ نَشَأْ ﴾ إلخ بَيانٌ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ ذَكَرَ إحاطَتَهُما بِهِمْ مِنَ المَحْذُورِ المُتَوَقَّعِ مِن جِهَتِهِما وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن أسْبابِ وُقُوعِهِ إلّا تَعَلُّقُ المَشِيئَةِ بِهِ أيْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ المُنْكَرِ الهائِلِ المُسْتَتْبَعِ لِلْعُقُوبَةِ فَلَمْ يَنْظُرُوا إلى ما أحاطَ بِهِمْ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِمْ بِحَيْثُ لا مَفَرَّ لَهم عَنْهُ ولا مَحِيصَ إنْ نَشَأْ جَرْيًا عَلى مُوجَبِ جِناياتِهِمْ نَخْسِفْ الخ، ولا يَخْفى أنَّ فِيهِ بُعْدًا وضِعْفَ رَبْطٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا مَعَ أنَّ ما بَعْدُ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ مُلائِمَةٍ لِما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.

ويَخْطُرُ لِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَرَوْا ﴾ مَسُوقٌ لِتَذْكِيرِهِمْ بِأظْهَرِ شَيْءٍ لَهم بِحَيْثُ إنَّهم يُعايِنُونَهُ أيْنَما اِلْتَفَتُوا ولا يَغِيبُ عَنْ أبْصارِهِمْ حَيْثُما ذَهَبُوا يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ إزاحَةً لِما دَعاهم إلى ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءِ والوَقِيعَةِ بِسَيِّدِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن زَعْمِهِمْ قُصُورَ قُدْرَتِهِ تَعالى عَنِ البَعْثِ والإحْياءِ ضَرُورَةَ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ تِلْكَ الأجْرامِ العِظامِ لا يُعْجِزُهُ إعادَةُ أجْسامٍ هي كُلُّ شَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ الإجْرامِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ  ﴾ وفِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى مَزِيدِ جَهْلِهِمُ المُشارِ إلَيْهِ بِالضَّلالِ البَعِيدِ ما فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ مِمّا بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ﴿ لآيَةً ﴾ أيْ لَدَلالَةً واضِحَةً عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وأنَّهُ لا يُعْجِزُهُ البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ وتَفَرُّقُ الأجْزاءِ المُحاطَةِ بِهِما ﴿ لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ أيْ راجِعٍ إلى رَبِّهِ تَعالى مُطِيعٍ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ لِأنَّ المُنِيبَ لا يَخْلُو مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والتَّفَكُّرِ فِيها كالتَّعْلِيلِ لِما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ أفَلَمْ يَرَوْا ﴾ إلخ مِنَ الحَثِّ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ عَلى ما يُزِيحُ إنْكارَهُمُ البَعْثَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم مُعْرِضُونَ عَنْ رَبِّهِمْ سُبْحانَهُ غَيْرُ مُطِيعِينَ لَهُ جَلَّ وعَلا وتَخْلُصُ إلى ذِكْرِ المُنِيبِينَ إلَيْهِ تَعالى عَلى قَوْلٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ نَشَأْ ﴾ كالِاعْتِراضِ جِيءَ بِهِ لِتَأْكِيدِ تَقْصِيرِهِمْ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم بَلَغُوا فِيهِ مَبْلَغًا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ في الدُّنْيا فَضْلًا عَنِ الأُخْرى نُزُولَ أشَدِّ العِقابِ وحُلُولَ أفْظَعِ العَذابِ، وأنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن أسْبابِ ذَلِكَ إلّا تَعَلُّقُ المَشِيئَةِ بِهِ إلّا أنَّها لَمْ تَتَعَلَّقْ لِحِكْمَةٍ، وظَنِّي أنَّهُ حَسَنٌ وتَحْتَمِلِ الآيَةُ غَيْرَ ذَلِكَ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ يَرَوْا وهو الرُّؤْيَةُ وذُكِرَ لِتَأْوِيلِهِ بِالنَّظَرِ والمُرادُ بِهِ الفِكْرُ، وقِيلَ إشارَةٌ إلى ما تَلِي مِنَ الوَحْيِ النّاطِقِ بِما ذُكِرَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ وعِيسى والأعْمَشُ وابْنُ مُصَرِّفٍ (يَشَأْ ويَخْسِفْ ويُسْقِطْ) بِالياءِ فِيهِنَّ، وأدْغَمَ الكِسائِيُّ الفاءَ في الباءِ في (يَخْسِفْ بِهِمْ) قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأنَّ الباءَ أضْعَفُ في الصَّوْتِ مِنَ الفاءِ فَلا تُدْغَمُ فِيها وإنْ كانَتِ الباءُ تُدْغَمُ في الفاءِ نَحْوَ (اِضْرِبْ فُلانًا) وهَذا كَما تُدْغَمُ الباءُ في المِيمِ نَحْوَ (اِضْرِبْ مالِكًا ) ولا تُدْغَمُ المِيمُ في الباءِ نَحْوَ (اُضْمُمْ بِكَ) لِأنَّ الباءَ اِنْحَطَّتْ عَنِ المِيمِ بِفَقْدِ الغُنَّةِ الَّتِي فِيها.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَرَأ الكِسائِيُّ «يَخْسِفْ بِهِمْ» بِالإدْغامِ ولَيْسَتْ بِقَوِيَّةٍ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ ويُوجِدُ فِيها الفَصِيحُ والأفْصَحُ وذَلِكَ مِن تَيْسِيرِ اللَّهِ تَعالى القُرْآنَ لِلذِّكْرِ وما أدْغَمَ الكِسائِيُّ إلّا عَنْ سَماعٍ فَلا اِلْتِفاتَ إلى قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ ولا الزَّمَخْشَرِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ يعني: أي: يعلم الذين أوتوا العلم.

وهذا روي في قراءة ابن مسعود: يعني به مؤمني أهل الكتاب يعني: إنهم يعلمون أن الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعني: القرآن هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي يعني: يدعو ويدل إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ يعني: إلى طريق الرب العزيز بالنقمة لمن لم يجب الرسل الحميد في فعاله.

قوله عز وجل: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: كفار أهل مكة هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يعني: قال بعضهم لبعض هل ندلكم على رجل يُنَبِّئُكُمْ يعني: يخبركم إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ يعني: يخبركم أنكم إذا متم وتفرقتم في الأرض، وأكلتكم الأرض كل ممزق، يعني: وكنتم تُرَابًا إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ يعني: بعد هذا كله صرتم خلقاً جديداً.

قوله عز وجل: أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً يعني: قالوا: إن الذي يقول إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ اختلق على الله كذباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ يعني: به جنون.

يقول الله: بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ هم كذبوا حين كذبوا بالبعث فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ يعني: هم في العذاب في الآخرة.

والخطأ الطويل في الدنيا عن الحق.

ثم خوفهم ليعتبروا فقال عز وجل: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لأن الإنسان حيثما نظر، رأى السماء والأرض.

قال قتادة: إن نظرت عن يمينك أو عن شمالك، أو بين يديك أو من خلفك رأيت السماء والأرض إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ يعني: تغور بهم وتبتلعهم الأرض أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ يعني: جانباً من السماء.

قرأ حمزة والكسائي: إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ أو يسقط الثلاثة كلها بالياء.

وقرأ الباقون: كلها بالنون.

فمن قرأ بالياء: فمعناه إن يشأ الله.

ومن قرأ بالنون فهو على معنى الإضافة إلى نفسه.

ثم قال عز وجل: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني: لعبرة لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ يعني: مقبل إلى طاعة الله عَزَّ وَجَلَّ.

ويقال: مخلص القلب بالتوحيد.

ويقال: مشتاق إلى ربه.

ويقال: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني: أفلم يعلموا أن الله خالقهم، وخالق السموات والأرض، وهو قادر على أن يخسف بهم إن لم يوحدوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي: لعلامة لوحدانيتي.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وهم مُنْكِرُو البَعْثِ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿ هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ ﴾ أيْ: يَقُولُ لَكُمْ: إنَّكم ﴿ إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ أيْ: فُرِّقْتُمْ كُلَّ تَفْرِيقٍ؛ والمُمَزَّقُ هاهُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّمْزِيقِ ﴿ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ أيْ: يُجَدَّدُ خَلْقُكم لِلْبَعْثِ.

ثُمَّ أجابَ بَعْضُهم فَقالُوا: ﴿ أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ حِينَ زَعَمَ أنّا نُبْعَثُ؟!

وألِفُ " أفْتَرى " ألِفُ اسْتِفْهامٍ، وهو اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ وإنْكارٍ، ﴿ أمْ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ أيْ: جُنُونٌ؟!

فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ بَلِ ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ مِنَ الِافْتِراءِ والجُنُونِ، بَلِ ﴿ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ يَجْحَدُونَ البَعْثَ ﴿ فِي العَذابِ ﴾ إذا بُعِثُوا في الآخِرَةِ ﴿ والضَّلالِ البَعِيدِ ﴾ مِنَ الحَقِّ في الدُّنْيا.

ثُمَّ وعَظَهم فَقالَ: ﴿ أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ﴾ وذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ حَيْثُما نَظَرَ رَأى السَّماءَ والأرْضَ قَدّامَهُ وخَلْفَهُ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ؛ فالمَعْنى أنَّهم أيْنَ كانُوا فَأرْضِي وسَمائِي مُحِيطَةٌ بِهِمْ، وأنا القادِرُ عَلَيْهِمْ، إنْ شِئْتُ خَسَفْتُ بِهِمُ الأرْضَ، وإنْ شِئْتُ أسْقَطْتُ عَلَيْهِمْ قِطْعَةً مِنَ السَّماءِ، ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيْ: فِيما يَرَوْنَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ﴿ لآيَةً ﴾ تَدَلُّ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى بَعْثِهِمْ والخَسْفِ بِهِمْ ﴿ لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى طاعَةِ اللَّهِ، مُتَأمِّلٍ لِما يَرى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أو نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَماءِ إنْ في ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَيْرَ وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ ﴾ ﴿ أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السَرْدِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ الضَمِيرُ في "يَرَوْا" لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، وقَّفَهُمُ اللهُ تَعالى عَلى قُدْرَتِهِ، وخَوَّفَهم مِن إحاطَتِها بِهِمُ، المَعْنى: ألَيْسَ يَرَوْنَ أمامَهم ووَراءَهم سَمائِي وأرْضِي، لا سَبِيلَ لَهم إلى فَقْدِ ذَلِكَ عن أبْصارِهِمْ، ولا عَدَمِ إحاطَتِهِ بِهِمْ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ"، ﴾ أو ﴿ "نُسْقِطْ" ﴾ بِالنُونِ في الثَلاثَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالياءِ فِيهِنَّ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وابْنِ مُصَّرِفٍ، والأعْمَشِ، وعِيسى، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ.

و"خَسْفُ الأرْضِ" هو إهْواؤُها بِهِمْ وتَهَوُّرُها وغَرَقُهم فِيها، و"الكِسَفُ" قِيلَ: هو مُفْرَدٌ اسْمِ القِطْعَةِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ كِسْفَةٍ، جَمْعُها عَلى مِثالِ تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، ومَشْهُورُ جَمْعِها كِسْفٌ كَسِدْرَةٍ وسِدْرٍ.

وأدْغَمَ الكِسائِيُّ الفاءَ في الباءِ في قَوْلِهِ تَعالى: "نَخْسِفْ بِهِمُ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الباءَ أضْعَفُ في الصَوْتِ مِنَ الفاءِ فَلا تُدْغَمُ فِيها، وإنْ كانَتِ الباءُ تُدْغَمُ في الفاءِ كَقَوْلِكَ: "اضْرِبْ فُّلانًا"، وهَذا كَما تُدْغَمُ الباءُ في المِيمِ كَقَوْلِكَ: "اضْرِبْ مُّحَمَّدًا"، ولا تُدْغَمُ المِيمُ في الباءِ كَقَوْلِكَ: "أصَمَمٌ بِكَ"؛ لِأنَّ الباءَ انْحَطَّتْ عَنِ المِيمِ بِفِعْلِ الغُنَّةِ الَّتِي في المِيمِ.

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فِي ذَلِكَ ﴾ إلى إحاطَةِ السَماءِ بِالمَرْءِ، ومُماسَّةِ الأرْضِ لَهُ عَلى كُلِّ حالٍ.

و"المُنِيبُ": الراجِعُ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى نِعْمَتَهُ عَلى داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَلامُ احْتِجاجًا عَلى ما مَنَحَ مُحَمَّدًا  ، أيْ: لا تَسْتَبْعِدُوا هَذا فَقَدْ تَفَضَّلْنا عَلى عَبْدِنا قَدِيمًا بِكَذا، فَلَمّا فَرَغَ التَمْثِيلُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ رَجَعَ التَمْثِيلُ لَهم بِسَبَإٍ وما كانَ مِن هَلاكِهِمْ بِالكُفْرِ والعُتُوِّ، والمَعْنى: قُلْنا:يا جِبالُ، و"أوِّبِي" مَعْناهُ: ارْجِعِي مَعَهُ؛ لِأنَّهُ مُضاعَفُ آبَ يُؤُوبُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمْ: مَعْناهُ: سَبِّحِي مَعَهُ، أيْ: يُسَبِّحُ هو وتُرَجِّعُ هي مَعَهُ التَسْبِيحَ، أيْ: تَرُدُّهُ بِالذِكْرِ، ثُمَّ ضُوعِفَ الفِعْلُ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: سِيرِي مَعَهُ؛ لِأنَّ التَأْوِيبَ سَيْرُ النَهارِ، كانَ الإنْسانُ يَسِيرُ بِاللَيْلِ ثُمَّ يُرَجِّعُ السَيْرَ بِالنَهارِ، أيْ يُرَدِّدُهُ، فَكَأنَّهُ يَؤُوبُهُ، فَقِيلَ لَهُ: التَأْوِيبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ∗∗∗ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْوِيبُ ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: لَحِقْنا بِحَيٍّ أوَّبُوا السَيْرَ بَعْدَما ∗∗∗ ∗∗∗ دَفَعْنا شُعاعَ الشَمْسِ والطَرَفُ يَجْنَحُ وقالَ مُؤَرِّجٌ: "أوِّبِي": سَبِّحِي بِلُغَةِ الحَبَشَةِ.

وهَذا ضَعِيفٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: المَعْنى: نُوحِي مَعَهُ والطَيْرُ تُساعِدُكَ عَلى ذَلِكَ، قالَ: فَكانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ إذا نادى بِالنِياحَةِ والحَنِينِ أجابَتْهُ الجِبالُ وعَكَفَتِ الطَيْرُ عَلَيْهِ مِن فَوْقِهِ، قالَ: فَمِن حِينَئِذٍ سَمِعَ صَدى الجِبالِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "أُوبِي" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الواوِ، أيِ" ارْجِعِي مَعَهُ، أيْ في السَيْرِ أو في التَسْبِيحِ، وأمَرَ الجِبالَ كَما تُؤْمَرُ الواحِدَةُ المُؤَنَّثَةُ لِأنَّ جَمِيعَ ما لا يَعْقِلُ كَذَلِكَ يُؤْمَرُ، وكَذَلِكَ يُكَنّى عنهُ ويُوصَفُ، ومِنهُ المَثَلُ "يا خَيْلَ اللهِ ارْكَبِي"، ومِنهُ ﴿ مَآرِبُ أُخْرى  ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ.

وَقَرَأ الأعْرَجُ، وعاصِمٌ - بِخِلافٍ - وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ: ﴿ "والطَيْرَ" ﴾ بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى لَفْظِ قَوْلِهِ: ﴿ "يا جِبالُ"، ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو جَعْفَرٍ: "والطَيْرَ" بِالنَصْبِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ عَطْفٌ عَلى "فَضْلًا"، وهو مَذْهَبُ الكِسائِيِّ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "يا جِبالُ" لِأنَّ مَوْضِعَ المُنادى المُفْرَدِ نَصْبٌ، وقالَ أبُو عَمْرٍو: نَصْبُها بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وسَخَّرْنا الطَيْرَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ ﴾ مَعْناهُ: جَعَلْناهُ لَيِّنًا، ورَوى قَتادَةُ وغَيْرُهُ أنَّ الحَدِيدَ كانَ لَهُ كالشَمْعِ لا يَحْتاجُ في عَمَلِهِ إلى نارٍ، وقِيلَ: أعْطاهُ قُوَّةً يَثْنِي بِها الحَدِيدَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَقِيَ مَلَكًا - وداوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ يَظُنُّهُ إنْسانًا - وداوُدُ مُتَنَكِّرٌ خَرَجَ لِيَسْألَ الناسَ عن نَفْسِهِ في خَفاءٍ، فَقالَ داوُدُ لِذَلِكَ الشَخْصِ الَّذِي تَمَثَّلَ فِيهِ المَلَكُ: ما قَوْلُكَ في هَذا المَلِكِ داوُدَ؟

فَقالَ لَهُ المَلَكُ: نِعْمَ العَبْدُ لَوْلا خَلَّةٌ فِيهِ، قالَ داوُدُ: وما هِيَ؟

قالَ: يَرْتَزِقُ مِن بَيْتِ المالِ، ولَوْ أكَلَ مَن عَمِلَ يَدَيْهِ لَتَمَّتْ فَضائِلُهُ، فَرَجَعَ فَدَعا اللهَ في أنْ يُعَلِّمَهُ صَنْعَةً ويُسَهِّلَها عَلَيْهِ، فَعَلَّمَهُ تَعالى صَنْعَةَ اللَبُوسِ، وألانَ لَهُ الحَدِيدَ، فَكانَ - فِيما رُوِيَ - يَصْنَعُ ما بَيْنَ يَوْمِهِ ولَيْلَتِهِ دِرْعًا تُساوِي ألْفَ دِرْهَمٍ، حَتّى ادَّخَرَ مِنها كَثِيرًا وتَوَسَّعَتْ مَعِيشَتُهُ، وكانَ يُنْفِقُ بَيْتَ المالِ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ ﴾ ، قِيلَ إنَّ "أنِ" مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقِيلَ: هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، و"السابِغاتُ": الدُرُوعُ الكاسِياتُ ذَواتُ القُفُولِ، قالَ قَتادَةُ: داوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلُ مَن صَنَعَها، ودِرْعُ الحَدِيدِ مُؤَنَّثَةٌ، ودِرْعُ المَرْأةِ مُذَكَّرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدِّرْ في السَرْدِ ﴾ ، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ، في أيِّ شَيْءٍ هو التَقْدِيرُ مِن أشْياءِ السَرْدِ؟

إذِ السَرْدُ هو اتِّباعُ الشَيْءِ بِالشَيْءِ مِن جِنْسِهِ، قالَ الشَمّاخُ: كَما تابَعَتْ سَرْدَ العِنانِ الخَوارِزُ وَمِنهُ: سَرْدُ الحَدِيثِ، وقِيلَ لِلدِّرْعِ: مَسْرُودَةٌ لِأنَّها تُوبِعَتْ فِيها الحِلَقُ بِالحِلَقِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗...داوُدُ أو صَنَعُ السَوابِغِ تُبَّعُ وقَوْلُ دُرَيْدٍ: في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التَقْدِيرُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ هو في قَدْرِ الحَلْقَةِ، أيْ: لا تَعْمَلْها صَغِيرَةً فَتَضْعُفُ ولا تَقْوى الدِرْعُ عَلى الدِفاعِ، ولا كَبِيرَةً فَيَنالُ لابِسُها مِن خِلالِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: التَقْدِيرُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ هو المِسْمارُ، يُرِيدُ: قَدِّرِ المَسامِيرَ والحِلَقَ، حَتّى لا تَدُقَّ المِسْمارَ فَتَسْلَسَ، ويُرْوى فَيُسَلْسِلَ، ولا تُغْلِظْهُ فَيَنْقَصِمَ، بِالقافِ - وبِالفاءِ أيْضًا رِوايَةً -، ورَوى قَتادَةُ أنَّ الدُرُوعَ كانَتْ قَبْلَهُ صَفائِحَ فَكانَتْ ثِقالًا، فَلِذَلِكَ أُمِرَ هو بِالتَقْدِيرِ فِيما يَجْمَعُ بَيْنَ الخِفَّةِ والحَصانَةِ، أيْ: قَدِّرْ ما يَأْخُذُ مِن هَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ بِقِسْطِهِ، أيْ: لا تَقْصِدِ الحَصانَةَ فَتُثْقِلَ، ولا الخِفَّةَ وحْدَها فَيُزِيلَ المَنَعَةَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ واعْمَلُوا صالِحًا ﴾ ، لَمّا كانَ الأمْرُ لَداوُدَ وآلِهِ حُكِيَ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِمْ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ، أيْ: لا يَخْفى عَلَيَّ حُسْنُهُ مِن قَبِيحِهِ، وبِحَسَبَ ذَلِكَ يَكُونُ جَزائِي لَكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء لتفريع ما بعدها على قوله: ﴿ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب ﴾ [سبأ: 8] الخ، لأن رؤية مخلوقات الله في السماء والأرض من شأنها أن تهديهم لو تأملوا حق التأمل.

والاستفهام للتعجيب الذي يخالطه إنكار على انتفاء تأملهم فيما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض، أي من المخلوقات العظيمة الدالة على أن الذي قدَر على خلق تلك المخلوقات من عدم هو قادر على تجديد خلق الإِنسان بعد العدم.

والرؤية بصرية بقرينة تعليق ﴿ إلى ﴾ .

فمعنى الاستفهام عن انتفائها منهم انتفاء آثارها من الاستدلال بأحوال الكائنات السماوية والأرضية على إمكان البعث، فشبه وجود الرؤية بعدمها واستعير له حرف النفي.

والمقصود: حثهم على التأمل والتدبر ليتداركوا علمهم بما أهملوه.

وهذا كقوله: ﴿ أفلم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون ﴾ [الروم: 8].

والمراد ب ﴿ ما بين أيديهم ﴾ ما يستقبله كل أحد منهم من الكائنات السماوية والأرضية، وب ﴿ ما خلفهم ﴾ ما هو وراء كل أحد منهم، فإنهم لو شاءوا لنظروا إليه بأن يلتفتوا إلى ما وراءهم، وذلك مثل أن ينظروا النصف الشمالي من الكرة السماوية في الليل ثم ينظروا النصف الجنوبي منها فيروا كواكب ساطعة بعضها طالع من مشرقه وبعضها هاو إلى مغربه وقمراً مختلف الأشكال باختلاف الأيام، وفي النهار بأن ينظروا إلى الشمس بازغة وآفلة، وما يقارن ذلك من إسفار وأصيل وشفق.

وكذلك النظر إلى جبال الأرض وبحارها وأوديتها وما عليها من أنواع الحيوان واختلاف أصنافه.

و ﴿ من ﴾ في قوله: ﴿ من السماء والأرض ﴾ تبعيضية.

والسماء والأرض أطلقتا على محوياتهما كما أطلقت القرية على أهلها في قوله: ﴿ واسأل القرية ﴾ [يوسف: 82].

وجملة ﴿ إن نشأ نخسف بهم الأرض ﴾ اعتراض بالتهديد فمناسبة التعجيب الإِنكاري بما يذكرهم بقدرة صانع تلك المصنوعات العظيمة على عقاب الذين أشركوا معه غيره والذين ضيقوا واسع قدرته وكذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم وما يخطر في عقولهم ذكر الأمم التي أصابها عقاب بشيء من الكائنات الأرضية كالخسف أو السماوية كإسقاط كسف من الأجرام السماوية مثل ما أصاب قارون من الخسف وما أصاب أهل الأيْكة من سقوط الكسف.

وقرأ الكسائي وحده «نخسبّهم» بإدغام الفاء في الباء، قال أبو علي: وذلك لا يجوز لأن الباء أضعف في الصوت من الفاء فلا تدغم الفاء في الباء، وإن كانت الباء تدغم في الفاء كقولك: اضرب فلاناً، وهذا كما تدغم الباء في الميم كقولك: اضرب مالكاً، ولا تدغم الميم في الباء كقولك: اضمم بكراً، لأن الباء انحطت عن الميم بفقد الغثة التي في الميم، وهذا رد للرواية بالقياس وهو غصْب.

والكِسف بكسر الكاف وسكون السين في قراءة الجمهور، وهو القطعة من الشيء.

وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ﴾ في سورة الإِسراء (92).

وقرأ الجمهور نخسف } و ﴿ نسقط ﴾ بنون العظمة.

وقرأها حمزة والكسائي وخلف بياء الغائب على الالتفات من مقام التكلم إلى مقام الغيبة، ومعاد الضميرين معروف من سياق الكلام.

وجملة ﴿ إن في ذلك لآية لكل عبد منيب ﴾ تعليل للتعجيب الإِنكاري باعتبار ما يتضمنه من الحث على التأمل والتدبر كما تقدم آنفاً، فموقع حرف التوكيد هنا لمجرد التعليل، كقول بشار: إنّ ذاك النجاحَ في التبكير *** ولك أن تجعل تذييلاً.

والمشار إليه هو ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض، أي من الكائنات فيهما.

والآية: الدليل والتعريف للجنس، فالمفرد المعرّف مساو للجمع، أي لآيات كثيرة.

والمنيب: الراجع بفكره إلى البحث عما فيه كماله النفساني وحسن مصيره في الآخرة فهو يقدّر المواعظ حقّ قدرها ويتلقّاها بالشك في الحالة التي وعظ من أجلها فيعاود النظر حتى يهتدي ولا يرفض نصح الناصحين وإرشاد المرشدين مرتدياً برداء المتكبرين فهو لا يخلو من النظر في دلائل قدرة الله، ومن أكبر المنيبين المؤمنون مع رسولهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي بِالبَعْثِ.

﴿ هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا  .

﴿ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ أيْ يُخْبِرُكم أنَّكم إذا مُتُّمْ فَأكَلَتْكُمُ الأرْضُ أوِ الطَّيْرُ حَتّى صِرْتُمْ عِظامًا ورُفاتًا.

﴿ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ أيْ تَحْشُرُونَ وتَبْعَثُونَ.

قِيلَ إنَّ أبا سُفْيانَ ابْنِ حَرْبٍ قالَ هَذا لِأهْلِ مَكَّةَ، فَأجابَ بَعْضُهم بَعْضًا.

﴿ أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ أيْ قائِلُ هَذا أنْ يَكُونَ كَذّابًا أوْ مَجْنُونًا فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ قَوْلَهم هَذا بِأنْ قالَ: ﴿ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ ﴾ العَذابُ في الآخِرَةِ، والضَّلالُ البَعِيدُ في الدُّنْيا.

وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ البَعِيدُ مِنَ الهُدى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الشَّقاءُ الطَّوِيلُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ألَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ والأرْضِ كَيْفَ أحاطَتْ بِهِمْ؟

لِأنَّكَ إنْ نَظَرْتَ عَنْ يَمِينِكَ أوْ شِمالِكَ، أوْ بَيْنَ يَدَيْكَ أوْ خَلْفَكَ رَأيْتَ السَّماءَ والأرْضَ، قالَهُ قَتادَةُ، إذْكارًا لَهم بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وإحاطَتِها بِهِمْ، لِأنَّهم لا يَرَوْنَ لِأوَّلِيَّتِهِما ابْتِداءً ولا لِآخِرَتِهِما انْتِهاءً، وإنْ بَعُدُوا شَرْقًا وغَرْبًا.

الثّانِي: يَعْنِي ﴿ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ ﴾ فَمَن أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ في أرْضِهِ ﴿ وَما خَلْفَهُمْ ﴾ مِن أمْرِ الآخِرَةِ في سَمائِهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

﴿ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ ﴾ يَعْنِي كَما خَسَفْنا بِمَن كانَ قَبْلَهم.

﴿ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الكِسَفَ العَذابُ قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: قِطَعًا مِنَ السَّماءِ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعَذِّبَ بِسَمائِهِ إنْ شاءَ ويُعَذِّبَ بِأرْضِهِ إنْ شاءَ، وكُلُّ خَلْقِهِ لَهُ جُنْدٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُجِيبُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ.

الثّانِي: أنَّهُ المُقْبِلُ بِتَوْبَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ، قالَ الشّاعِرُ: أنابَ إلى قَوْلِي فَأصْبَحْتُ مُرْصِدًا لَهُ بِالمُكافَأةِ المُنِيبَةِ والشُّكْرِ الثّالِثُ: أنَّهُ المُسْتَقِيمُ إلى رَبِّهِ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ المُخْلِصُ لِلتَّوْحِيدِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهو الحكيم الخبير ﴾ قال: ﴿ حكيم ﴾ في أمره ﴿ خبير ﴾ بخلقه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ يعلم ما يلج في الأرض ﴾ قال: من المطر ﴿ وما يخرج منها ﴾ قال: من النبات ﴿ وما ينزل من السماء ﴾ قال: الملائكة ﴿ وما يعرج فيها ﴾ قال: الملائكة.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب ﴾ قال: يقول: بلى وربي عالم الغيب لتأتينكم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أولئك لهم مغفرة ورزق كريم ﴾ قال: مغفرة لذنوبهم ﴿ ورزق كريم ﴾ في الجنة ﴿ والذين سعوا في آياتنا معاجزين ﴾ قال: أي لا يعجزون وفي قوله: ﴿ أولئك لهم عذاب من رجز أليم ﴾ قال: الرجز هو العذاب الأليم الموجع.

وفي قوله: ﴿ ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ﴾ قال: أصحاب محمد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ ويرى الذين أوتوا العلم ﴾ قال: الذين أوتوا الحكمة ﴿ من قبل ﴾ قال: يعني المؤمنين من أهل الكتاب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم ﴾ قال: قال ذلك مشركو قريش ﴿ إذا مزقتم كل ممزق ﴾ يقول: إذا أكلتكم الأرض وصرتم عظاماً ورفاتاً.

وتقطعتكم السباع والطير ﴿ إنكم لفي خلق جديد ﴾ إنكم ستحيون وتبعثون قالوا: ذلك تكذيباً به ﴿ أفترى على الله كذباً أم به جنة ﴾ قال: قالوا: إما أن يكون يكذب على الله، واما أن يكون مجنوناً ﴿ أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ﴾ قال: إنك إن نظرت عن يمينك، وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك رأيت السماء والأرض ﴿ إن نشأ نخسف بهم الأرض ﴾ كما خسفنا بمن كان قبلهم ﴿ أو نسقط عليهم كسفاً من السماء ﴾ أي قطعاً من السماء إن يشأ يعذب بسمائه فعل، وان يشأ يعذب بأرضه فعل، وكل خلقه له جند قال قتادة رضي الله عنه: وكان الحسن رضي الله عنه يقول: إن الزبد لمن جنود الله ﴿ إن في ذلك لآية لكل عبد منيب ﴾ قال قتادة: تائب مقبل على الله عز وجل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وفي هذه الآية وعظهم وخوفهم ليعتبروا فقال: ﴿ أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ قال مقاتل: وذلك أن الإنسان حيث ما نظر رأى السماء والأرض، إن نظر قدامه وإن نظر خلفه (١) وقال قتادة: إنك إذا نظرت عن يمينك وعن (٢) (٣) ثم هددهم فقال: ﴿ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ ﴾ فتبتلعهم.

﴿ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا ﴾ يعني: جانبًا.

﴿ مِنَ السَّمَاءِ ﴾ فيهلكهم.

والمعنى أنهم حيث كانوا فإن أرضي وسمائي محيطة بهم، أنا القادر عليهم لا يعجزونني، إن شئت خسفت بهم أرضي، وإن شئت أسقطت عليهم قطعة من السماء، أفلا يعتبرون ولا يخافون.

وأدغم الكسائي (٤) ﴿ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ ﴾ .

قال أبو علي: (إدغام الفاء في الباء لا يجوز، فإن جاز إدغام الباء في الفاء نحو: أذهب في ذلك، وذلك أن الفاء من باطن الشفة السفلى وأطراف الشفايا العليا، فانحدرت الصوت إلى الفم حتى اتصلت بمخرج الباء صارت بمنزلة حرف من موضع التاء، فلم يجز إدغامها في الباء كما لا يجوز إدغام التاء فيه؛ لزيادة صوت الفاء على صوت التاء.

وكذلك الباء (٥) اختلفوا في النون من قوله: (نشأ نخسف) أو (نسقط)؛ فقرأ حمزة والكسائي: بالياء، في الأحرف الثلاثة؛ لقوله: ﴿ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ ، والباقون؛ بالنون لقوله فيما بعد: ﴿ آتَيْنَا دَاوُودَ ﴾ ، والنون أشبه بآتينا) (٦) ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ أي: فيما يرون من السماء والأرض، لآية تدل على قدرة الله على البعث، وعلى ما يشاء من الخسف بهم وإهلاكهم.

﴿ لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ قال ابن عباس: راجع إلى مرضات الله (٧) وقال قتادة: تائب (٨) (٩) (١٠) (١) لم أقف عليه عن مقاتل.

وقد ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 435، ولم ينسبه.

(٢) في (ب): (أو عن)، زيادة همزة.

(٣) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 434، "الطبري" 22/ 64، "بحر العلوم" 3/ 67.

(٤) انظر: "الحجة في القراءات السبع" ص 292.

(٥) في (ب): (التاء).

(٦) "الحجة" 6/ 7 - 8.

(٧) انظر: "تفسير ابن عباس" ص 429، قال: مقبل إلى الله وإلى طاعته.

(٨) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 64، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 394.

(٩) لم أقف عليه عن السدي.

وقد ذكر "تفسير الماوردي" 4/ 435 نحوه عن قتادة، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 435، ولم ينسبه.

(١٠) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 242.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَفَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ السمآء والأرض ﴾ الضمير في يروا للكفار المنكرين للبعث، وجعل السماء والأرض بين أيديهم وخلفهم، لأنهما محيطتان بهم، والمعنى ألم يروا إلى السماء والأرض فيعلمون أن الذي خلقهما قادر على بعث الناس بعد موتهم، ويحتمل أن يكون المعنى تهديد لهم ثم فسره بقوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرض أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ السمآء ﴾ : أي أفلم يروا إلى السماء والأرض أنهما محيطتان بهم، فيعملون أنهم لا مهرب لهم من الله ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ﴾ الإشارة إلى إحاطة السماء بهم، أو إلى عظمة السماء والأرض بأن فيهما آية تدل على البعث.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عالم الغيب ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ورويس.

﴿ علام ﴾ بالجر وبناء المبالغة: حمزة وعلي.

الباقون ﴿ عالم ﴾ بالجر وبدون المبالغة.

﴿ معاجزين ﴾ بالألف وقد روي عن ابن كثير وأبي عمرو ﴿ معجزين ﴾ بالتشديد ﴿ رجز أليم ﴾ بالرفع صفة العذاب وكذلك في "الجاثية": ابن كثير وحفص ويعقوب وجبلة.

الآخرون: بالجر ﴿ إن يشأ يخسف ﴾ ﴿ أو يسقط ﴾ على الغيبة فيهما: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون ﴿ نخسف بهم ﴾ بإدغام الفاء في الباء: علي ﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: حفص غير الخزاز ﴿ والطير ﴾ بالرفع حملاً على لفظ المنادى: يعقوب غير رويس الآخرون: بالنصب حملاً على المحل أو لأنه مفعول معه أو معطوف على ﴿ فضلاً ﴾ بمعنى وسخرنا له الطير ﴿ الريح ﴾ بالرفع: أبو بكر وحماد والمفضل بتقدير: ولسليمان الريح مسخرة أو سخرت الريح له ﴿ الرياح ﴾ بالرفع أيضاً ولكن مجموعاً: يزيد.

الباقون: موحداً منصوباً ﴿ كالجوابي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو وورش في الوصل ﴿ عبادي الشكور ﴾ يسكون الياء حمزة والوقف بالياء لا غير ﴿ منساته ﴾ بالألف: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وزيد عن يعقوب.

وقرأ ابن ذكوان ساكنة الهمزة.

الآخرون: بفتح الهمزة ﴿ تبينت الجن ﴾ على البناء للمفعول: يعقوب غير زيد ﴿ سبأ ﴾ غير مصروف: أبو عمرو والبزي ﴿ سبأ ﴾ بهمزة ساكنة: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ سبأ ﴾ بالألف: ابن فليح وزمعة والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون ﴿ مسكنهم ﴾ بفتح الكاف: حمزة وحفص، وبكسرها علي وخلف الباقون ﴿ مساكنهم ﴾ مجموعة ﴿ بجنتيهم ﴾ بضم الهاء: سهل ويعقوب ﴿ أكل خمط ﴾ بضم الكاف والإضافة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الآخرون: بالسكون والتنوين ﴿ نجازي ﴾ بضم النون وكسر الزاي ﴿ إلا الكفور ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص ويعقوب.

الآخرون: بضم الياء وفتح الزاي وبرفع ﴿ الكفور ﴾ ﴿ ربنا ﴾ بالرفع ﴿ باعد ﴾ بلفظ الماضي من المفاعلة: سهل.

الآخرون: ﴿ ربنا ﴾ بالنصب على النداء ﴿ باعد ﴾ على الأمر.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام ﴿ بعد ﴾ أمراً من التبعيد ﴿ صدّق ﴾ بالتشديد: عاصم وعلي وخلف.

الباقون: بالتخفيف أي صدق في ظنه أو صدق يظن ظناً نحو "فعلته جهدك".

الوقوف: ﴿ في الآخرة ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ الغفور ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ لتأتينكم ﴾ ه لمن قرأ ﴿ عالم ﴾ بالرفع أي هو عالم ومن خفض جعله نعتاً لربي فلم يقف ﴿ بالغيب ﴾ ج لأن قوله ﴿ لا يعزب ﴾ يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق اللام أبو حاتم يقف ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج لأن قولهن ﴿ ويهدي ﴾ عطف على المعنى اي يحق قبوله ويهدي ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط لأن ما بعده في حكم المفعول لأنه مفعول ثان لـ ﴿ ينبئكم ﴾ وإنما كسرت لدخول اللام في خبرها ﴿ جديد ﴾ ه ج للآية ولاتحاد المقول ﴿ جنة ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ السماء ﴾ ط ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ فضلاً ﴾ ط ﴿ والطير ﴾ ج لأن ما يتلوه يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ الحديد ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ صالحاً ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ ورواحها شهر ﴾ ط لأن قوله ﴿ واسلنا ﴾ عطف على محذوف أي وسخرنا لسليمان الريح ﴿ القطر ﴾ ط ﴿ ربه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ راسيات ﴾ ط ﴿ شكراً ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ منسأته ﴾ ه ﴿ المهين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ج لاحتمال أن يكون التقدير هي جنتان وأن يكون بدلاً من آية ﴿ وشمال ﴾ ط ﴿ له ﴾ ط اي لكم بلدة ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ الكفور ﴾ ه ﴿ السير ﴾ ط ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ شك ﴾ ط ﴿ حفيظ ﴾ ه.

التفسير: قال في التفسير الكبير: السور المفتتحة بالحمد خمس: ثنتان في النصف الأول "الأنعام" و "الكهف"، وثنتان في النصف الأخير هذه "والملائكة" والخامسة وهي "الفاتحة" تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الأخير، وذلك لأن المكلف له حالتان الإبداء والإعادة وفي كل حالة لله علينا نعمتان: نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فأشار في أوّل "الأنعام" إلى نعمة الإيجاد الأول بدليل قوله  ﴿ هو الذي خلقكم من طين  ﴾ واشار في أوّل "الكهف" إلى إنزال الكتاب الذي به يتم نظام العالم ويحصل قوام معاش بني آدم، وأشار في أوّل هذه السورة إلى نعمة الإيجاد الثاني بدليل قوله  ﴿ وله الحمد في الآخرة ﴾ وأشار في أوّل سورة الملائكة غلى الإبقاء الأبدي بدليل قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ والملائكة بأجمعهم لا يكونون رسلاً إلا يوم القيامة يرسلهم الله مسلمين على المسلمين كقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة  ﴾ وقال  في تحتهم ﴿ سلام عليكم طبتم  ﴾ وفاتحة الكتاب حيث تشتمل على نعمة الدنيا بقوله ﴿ الحمد لله رب العالمين  ﴾ وعلى نعمة الآخرة بقوله ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ يقرأ في الافتتاح وفي الاختتام.

واعلم أنه  وصف نفسه في أول هذه السورة بأن له ما في السموات وما في الأرض إيذاناً بأنه كونه مالكاً لكل الأشياء يوجب كونه محموداً على كل لسان، لأن الكل إذا كان له فكل من ينتفع بشيء من ذلك كان مستنفعاً بنعمه.

ثم صرح بأن له الحمد في الآخرة تفضيلاً لنعم الآخرة على نعم الدنيا وإيذاناً بأنها هي النعمة الحقيقية التي يحق أن يحمد عليها ويثنى عليه ن أجلها مع إفادة الاختصاص بتقديم الظرف ﴿ وهو الحكيم ﴾ في الابتداء ﴿ الخبير ﴾ بالانتهاء.

ثم أكد علمه بقوله ﴿ يعلم ما يلج في الأرض ﴾ أي يدخل فيها من المياه والحبات والكنوز والأموات ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الشجر والنبات ومياه الآبار والجواهر والمعدنيات ﴿ وما ينزل من السماء ﴾ من الأمطار والأرزاق وأنواع البركات والوحي ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من الملائكة وأعمال العباد.

وقد أشار بقوله ﴿ فيها ﴾ دون أن يقول "إليها" إلى أن الأعمال الصالحة مقبولة والنفوس الزكية واصلة، قد ينتهي الشيء إلى الشيء ولا ينفذ فيه ولا تصل به ﴿ وهو الرحيم ﴾ حين الإنزال ﴿ الغفور ﴾ وقت عروج الأعمال للمفرطين في الأقوال والأفعال.

ثم بين أن نعمة الآخرة بإتيان الساعة الآخرة قد ينكرها قوم ثم رد عليهم بقوله ﴿ بلى ﴾ وأكد ذلك بقوله ﴿ وربي ﴾ ثم برهن على ذلك بقوله ﴿ عالم الغيب ﴾ لأن العالم بجميع الأشياء عالم بأجزاء الأحياء قادر على جمعها كما بدأها.

وفي قوله ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ﴾ إشارة إلى أن الإنسان له جسم أرضي وروح سماوي، فالعالم بما في العالمين القادر على تأليفهما قادر على إعادتهما على ما كانا عليه.

وإنما ذكر الأكبر مع أن الأصغر هو اللائق بالمبالغة لئلا يتوهم متوهم أن الصغار تثبت لكونها تنسى أما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته، بل المراد أن الصغير والكبير مثبت في الكتاب وقد مر نظيره في "يونس".

وقدم السموات على الأرض موافقة لقوله ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ بخلاف "يونس" فإن المخاطبين في الأرض فقدمت.

ثم ذكر غاية الإعادة بقوله ﴿ ليجزي ﴾ إلى قوله ﴿ من رجز أليم ﴾ ومعنى ﴿ سعوا في آياتنا ﴾ أي في إبطال آياتنا معاجزين مريدين تعجيز النبيّ في التقرير والتبلي، أو يعجزون من آمن بنا.

وقيل: أي مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا.

وقال ابن زيد: جاهدين وهو قولهم ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه  ﴾ وعن قتادة: الرجز سوء العذاب.

وحين بين جزاء المؤمن الصالح وعمله والمكذب الساعي العجز علم منه حال غيرهما، فالمؤمن الذي لم يعمل صالحاً يكون له مغفرة من غير رزق كريم، والكافر غير المعاند يكون له عذاب وإن لم يكن من أسوأ أنواعه.

ثم بين أن الذين أوتوا العلم لا يغترون بشبهات أهل العناد ويرون ما أنزل على محمد  هو الحق ليس الحق إلا هو والنزاع غير لفظي حتى يمكن تصحيح قول المعاند بوجه.

وأولو العلم هم أصحاب الرسول  والتابعون لهم: وقيل: هم علماء أهل الكتابين الذين أسلموا.

ويرى من فعل القلب مفعولاه الذي مع صلته والحق وهو فصل.

وقيل: إن ﴿ يرى ﴾ معطوف على ﴿ ليجزي ﴾ فلا وقف على ﴿ أليم ﴾ أي ويعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق علماً لا يزاد عليه في الإيقان ويحتجوا به على المعاند، أو وليعلم من لم يؤمن من الأحبار أنه هو الحق فيزدادوا حسرة.

والعزيز إشارة إلى كونه منتقماً من الساعين في التكذيب، والحميد إشارة إلى أنه يشكر سعي من يصدق ويعمل صالحاً، وقدم صفة الهيبة لأن الكلام مع منكري البعث.

ثم قص عناد أهل قريش وخصهم بالتعجيب من حالهم لأنهم تجاهلوا حين قالوا على رجل مع أن النبي  كان عندهم أظهر من الشمس قصدوا بذلك الطعن والسخرية فأخرجوا الكلام مخرج الحكاية ببعض الأضاحيك والأعاجيب كأن لم يكونوا قد عرفوا منه إلا أنه رجل ما.

ومعنى ﴿ مزقتم كل ممزق ﴾ فرقت أوصالكم كل تفريق وجوّز جار الله أن يكون اسم مكان فمن الأموات ما حصل أجزاؤه في بطون الطير والسباع، ومنها ما مرت به السيول فذهب به كل مذهب أو سفته الرياح فطرحته كل مطرح.

والعامل في "إذا" ما دل عليه قوله ﴿ إنكم لفي خلق جديد ﴾ وهو تبعثون أو تخلقون، ثم ازدادوا في التجاهل قائلين ﴿ افترى على الله كذبا ﴾ إن كان يعتقد خلافه ﴿ أ به جنة ﴾ إن كان لا يعتقد خلافه.

وفيه أن الكافر لا يرضى بالكذب البحت فيردد كلامه بين الأمرين ولكن أخطأ ابن أخت خالته حين ترك قسماً ثالثاً وهو أنه عاقل صادق فلذلك ردّ الله عليهم بقوله ﴿ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ﴾ جعل وقوعهم في العذاب رسلاً لوقوعهم في الضلال إذ العذاب من لوازم الظلال وموجباته قابل قولهم ﴿ أفترى ﴾ بالعذاب وقولهم ﴿ به جنة ﴾ بالضلال البعيد لأن نسبة الجنون إلى العاقل أقل في باب الإيذاء من نسبة الافتراء إليه.

وقد أسقطت همزة الوصل في قوله ﴿ أفترى ﴾ استثقالا لاجتماع همزتين: همزة الاستفهام المفتوحة وهمزة الوصل المكسورة وهو على القياس.

وجوز بعضهم أن يكون هذا الاستفهام من كلام السامع المجيب لمن قال: هل ندلكم.

وحين قرر دليل الحشر من جهة كونه علام الغيوب أراد أن يذكر دليلاً آخر على ذلك من قبل كمال قدرته فقال ﴿ أفلم يروا ﴾ معناه أعموا فلم ينظروا، خصت بالفاء وليس غيره في القرآن تعجيلاً للجواب وتعقيباً لحل الشبهة نظيره قوله ﴿ أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم  ﴾ ثم هدّدهم بأنه قادر على أن يجعل عين النافع ضاراً بالخسف وإسقاط الكسف.

وقال جار الله: أراد أفلم ينظروا إلى السماء والأرض وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم لا يقدرون أن يخرجوا من أقطارهما فلم يخافوا أن يخسف الله بهم، أو يسقط عليهم كسفاً لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة.

﴿ إن في ذلك ﴾ النظر والاعتبار ﴿ لآية لكل عبد منيب ﴾ لأن الراجع إلى ربه قلما يخلو من الاعتبار والاستبصار.

ثم ذكر من عباده المنيبين إليه داود وسليمان كما قال في "ص" ﴿ فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب  ﴾ وقال في سليمان ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب  ﴾ وفي قوله ﴿ منا ﴾ تنويه بالفضل وشأنه.

ثم بين الفضل بقوله ﴿ يا جبال أوّبي ﴾ لأن هذا القول نوع من إيتاء الفضل، ويجوز أن يكون التقدير: قلنا يا جبال أوّبي أي رجعي معه التسبيح.

قيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين وكانت الجبال تساعده على نوحه بأصدائها والطير باصدائها، وقد مر تحقيقه في سورة الأنبياء.

والتأويب السير طول النهار والنزول ليلاً فكأنه قال: أوّبي النهار كله بالتسبيح معه.

وفي خطاب الجماد إشعار بأنه ما من صامت ولا ناطق إلا وهو منقاد لمشيئته.

وقد ألان الله له الحديد كالشمع أو لان الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة.

و"أن" في قوله ﴿ أن أعمل ﴾ مفسرة لأن إلانة الحديد له في معنى الأمر بأن يستعمل.

﴿ سابغات ﴾ أي دروعاً واسعة وهي من الصفات التي غلبت عيها الاسمية حتى ترك ذكر موصوفها.

والسرد نسج الدروع ومعنى التقدير فيه أن لا تجعل المسامير دقاقاً فتقلق ولا غلاظاً فتفصم الحلق.

يروى أنه كان يخرج حين ملك بني إسرائيل متنكراً فيسال الناس عن نفسه ويقول لهم: ما تقولون في داود؟

فيثنون عليه فقيض الله  ملكاً في صورة آدمي فسأله على عادته فقال: نعم الرجل لولا خصلة فيه.

فخاف داود فسأله فقال: لولا أنه يطعم عياله من بيت المال فطلب عند ذلك من الله أن يغنيه عن أكل بيت المال فعلمه صنعة اللبوس.

وإنما اختار له ذلك لأنه وقاية للروح ويحفظ الآدمي المكرم عند الله من القتل، فالزرّاد خير من القوّاس والسياف.

وقيل: إن التقدير في السرد إشارة إلى أنه غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب يكون بقدر الحاجة إلى القوت وباقي اليوم والليلة للعبادة بدليل قوله ﴿ واعملوا صالحاً ﴾ اي لستم يا آل داود مخلوقين إلا للعمل الصالح فأكثروا منه وأما كسب القوت فاقتصدوا فيه.

ثم أكد الفعل الصالح بقوله ﴿ إني بما تعملون بصير ﴾ فإن من يعلم أنه بمرأى من الملك اجتهد في حسن العمل وتزكية الباطن.

ثم ذكر المنيب الآخر وهو سليمان، وحكى ما استفاد هو بالإنابة وهو تسخير الريح له كالمملوك المنقاد لأمره ﴿ غدوّها شهر ﴾ أي جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشي كذلك.

يروى أن بعض أصحاب سليمان كتب في منزل بناحية دجلة: نحن نزلناه وما بنيناه، ومبنياً وجدناه غدونا من اصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه وبائتون بالشام إن شاء الله.

ومن جملة معجزاته إسالة عين القطر، والقطر النحاس أساله لأجله كما ألان الحديد لداود فنبع كما ينبع الماء من العين فلذلك سماه عين القطر.

روي أنه كان يسيل في شهر ثلاثة أيام.

زعم بعض المتحذلقين أن المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع داود أنها كانت تسبح كما يسبح كل شيء بحمده وكان هو  يففقه تسبيحهم فيسبح.

والمراد من تسخير الريح أنه راض الخيل وهو كالريح.

وقوله ﴿ غدوها شهر ﴾ أي ثلاثون فرسخاً لأن الذي يخرج للتفرج لا يسير في العادة أكثر من فرسخ ثم يرجع.

والمراد بإلانة الحديد وإسالة القطر أنهم استخرجوا الحديد والنحاس بالنار واستعمال آلاتها.

والمراد بالشياطين ناس أقوياء.

ولا يخفى ضعف هذه التأويلات فإن قدرة الله في باب خوارق العادات أكثر وأكمل من أن تحتاج إلى هذه التكلفات.

وقال في التفسير الكبير: الجبال لما سبحت تشرفت بذكر الله فلم يضفها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحب، والريح لم يذكر فيها أنها سبحت فجعلها كالمملوكة.

أو نقول: الجبل في السير ليس أصلاً بل هو يتحرك معه تبعاً، والريح لا تتحرك مع سليمان بل تتحرك مع نفسها فلم يقل الريح مع سليمان بل سليمان كان مع الريح.

وههنا نكتة وهي أن الله  ذكر ثلاثة أشياء في حق داود وثلاثة في حق سليمان.

لعله كالمصروف عن جهته تأمل فالجبال المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان: إذ كل منهما ثقيل مع خفيف، فالجبال أثقل من الآدمي والآدمي أثقل من الريح.

وأيضاً تسخير الطير من جنس الجن فإن الطير تنفر من الآدمي والآدمي يتقي مواضع الجن والجن تطلب ابداً اصطياد الناس والإنسان يطلب اصطياد الطير.

وإلانة الحديد شبيهة بإسالة القطر.

وفي قوله ﴿ بإذن ربه ﴾ إشارة إلى أن حضور الجن بين يديه كان مصلحة له لا مفسدة.

وفي قوله ﴿ عن أمرنا ﴾ دون أن يقول "عن أمر ربه" إشارة إلى أن الجن كانوا بصدد التعذيب عند زيغهم عن أمر الله، فإن لفظ الرب ينبئ عن الرحمة، وصيغة جمع المتكلم في مقام الوحدة ينبئ عن الهيبة.

قال ابن عباس: عذاب السعير عذاب الآخرة.

وعن السدي: كان معه ملك بيده سوط من النار كلما استعصى عليه الجنيّ ضربه من حيث لا يراه الجني.

ثم فصل عمل الجن بقوله ﴿ يعملون له ما يشاء من محاريب ﴾ وهي المساجد والمجالس الرفيعة الشريفة المصونة عن الابتذال وقد مر في "آل عمران".

والتماثيل صور الملائكة والنبيين كان يأمر بأن تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم.

عن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور في تلك الشرائع محرماً ولعلها صور غير الحيوان من الأشجار ونحوها.

ويروى أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما.

وحين فرغ من تقرير مسكنه ونقوشه شرع في تقرير آلات مجلسه فقدم ذكر الجفان التي بها تظهر عظمة السماط الممدود منه.

والجفنة القصعة الكبيرة، والجوابي الحياض الكبار، لأن الماء يجبى فيها أي يجمع جعل الفعل لها مجازاً وهي من الصفات الغالبة كالدابة، وكان يقعد على الجفنة ألف رجل.

وحين ذكر الجفان كان يقع في النفس أن هذه الأطعمة كيف تكون قدروها فذكر أنها قدور راسيات تابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها.

ويعلم من تقرير قصتي داود سليمان أن اشتغال داود بآلة الحرب أكثر لأنه قتل جالوت، ثم أراد تسوية الملك والغلبة على الجبابرة، وأما في زمن سليمان فالملك قد استوى ولم يكن على وجه الأرض أحد يقاومه وكان يفرق الأموال في الإطعام والإنعام.

ثم بين بقوله ﴿ اعملوا آل داود شكراً ﴾ أن الدنيا عرض زائل وإن كان ملك سليمان فعلى العاقل أن يصرف همته في طلب الآخرة.

وانتصب ﴿ شكراً ﴾ على أنه مفعول له أو حال أي شاكرين، أو مصدراً لأن ﴿ اعلموا ﴾ في معنى الشكر، أو مفعول به لأن الشكر عمل صالح.

وقال جار الله: إنه على طريق المشاكلة ومعناه إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً.

قلت: وفي لفظ العمل إشارة إلى أن الشكر اللساني غير كافٍ وإنما المعتبر الشكر الفعلي أو هو مع القولي.

يروى أن داود  جزّاً ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي.

والشكور هو المتوفر على آداء الشكر الباذل وسعه فيه بالقلب واللسان والجوارح في أكثر الأوقات والأحوال وإنهم لقليل فلذلك قال بعضهم: اللهم اجعلني من الأقلين.

وهذا الشكر القليل إنما هو بقدر الطاقة البشرية وأما الذي يناسب نعم الله فلن يقدر الإنسان عليه إلا أن يقول الله: عبدي ما أتيت به من الشكر قبلته منك مع قلته وكتبتك شاركاً لأنعمي بأسرها، وهذا القول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها.

وحين بين عظمة سليمان وتسخير الريح والجن له، بين أنه لم ينج من الموت وأنه قضى عليه الموت ولو نجا أحد منه لكان نبي الله أولى بذلك.

يروى أن داود  أسس بناء بيت المقدس فمات قبل أن يتمه، فوصى به إلى سليمان فأمر الشياطين بإتمامه، وكان من عادته أن يعتكف فيه أحياناً.

فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله عز وجل فيسألها لأي شيء أنت؟

فتقول: لكذا حتى أصبح ذات يوم فرأى الخروبة فسألها لأيّ شيء أنت؟

فقالت: لخراب هذا المسجد.

فقال: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ.

فقال: اللهم عمّ على الجن موتي حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب.

وقال لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني.

فقال: مرت بك وقد بقيت في عمرك ساعة.

فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب؟

فقام يصلي متكئاً على عصاه فقبض روحه فبقي كذلك وظن جنوده أنه في العبادة فكانوا يواظبون على الأعمال الشاقة إلى أن أكلت الأرضة عصاه فخرّ ميتاً وذلك بعد سنة.

والأرض مصدر أرضت الخشبة أرضاً إذا أكلتها الأرضة.

والمنسأة العصا لأنه ينسأ بها أي يطرد ويؤخر، وقديترك همزها.

وقرئ ﴿ من سأته ﴾ أي طرف عصاه سميت بسأة القوس على الاستعارة.

وتبينت بمعنى ظهرت "وأن" مع صلتها بدل من الجن بدل الاشتمال على نحو قولك "تبين زيد جهله" أو هو بمعنى علمت أي علم الجن كلهم بعد التباس الأمر على عامتهم أن كبارهم لا يعلمون الغيب وكان ادعاؤهم ذلك من قبل زوراً.

أو المراد التهكم بهم وأن الذين ادعّوا منهم علم الغيب اعترفوا بعجزهم مع أنهم كانوا من قبل عارفين عجزهم كما لو قلت لمدعي الباطل إذا دحضت حجته: هل تبينت أنك مبطل.

وأنت تعلم أنه لم يزل متبيناً لذلك.

وكان عمر سليمان ثلاثاً وخمسين سنة، ملك وهو ابن ثلاث عشرة وبقي في ملكه إلى أن مات، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه.

ولما بين حال الشاكرين لأنعمه ذكر حال من كفر النعمة.

وسبأ بصرف بناء على أنه اسم للحي أو الأب الأكبر، ولا يصرف بتأويل القبيلة وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

ثم سميت مدينة مأرب بسبأ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.

من قرأ ﴿ مساكنهم ﴾ فظاهر.

ومن قرأ على التوحيد فالمراد مسكن كل واحد منهم أو موضع سكانهم وهو بلدهم وأرضهم.

عن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.

ومعنى كون الجنتين آية أنه جعل قصتهما عبرة لأهل الكفران، أو علامة دالة على الصانع وكمال اقتداره ووجوب شكره.

قال جار الله: لم يرد بستانين اثنين فحسب وإنما أراد جماعيتن من البساتين: جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها، كأن كل واحد من الجماعتين في تقاربها وتضامها جنة واحدة، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب  ﴾ .

وقوله ﴿ كلوا من رزق ﴾ حكاية لسان الحال أو لسان الأنبياء المبعوثين إليهم وهم ثلاثة عشر نبياً على ما روي.

وفيه إشارة إلى كمال النعمة حيث لم يمنعهم من أكل ثمارها خوف ولا مرض.

وكذا قوله ﴿ واشكروا له ﴾ لأن الشكر لا يطلب إلا على النعمة المعتبرة.

وكذا قوله ﴿ بلدة طيبة ﴾ اي عن المؤذيات من لعقارب والحيات وسائر الهوام والحشرات، أو المراد أنها ليست بسبخة كقوله ﴿ والبلد الطيب  ﴾ ﴿ ورب غفور ﴾ أي ربكم الذي رزقكم فطلب شكركم غفور لمن يشكره بقدر طاقته لا يؤاخذه بالتقصير في أداء حق الشكر إذا توجه عليه الشكر وبذل وسعة فيه، أو أراد غفران سائر الذنوب فكأنه وعدهم سعادة الدارين.

وعن ثعلب: معناه اسكن واعبد.

وحين بين ما كان من جانبه ذكر ما كان من جانبهم وهو قوله ﴿ فأعرضوا ﴾ أي عن الشكر.

ثم ذكر جزاءهم بقوله ﴿ فأرسلنا عليهم سيل العرم ﴾ وهو الجرذ.

يروى أن بلقيس الملكة عمدت إلى جبال هناك فسدّت ما بينها من الشعب بالصخر والقار فحقنت به ماء العيون والأمطار وتركت فيه خروقاً لها أبواب مترتبة بعضها فوق بعض على مقدار ما يحتاجون إليه في سقي أراضيهم، فلما طغوا سلط الله على سدّهم الخلد فثقبه من أسفله.

وقيل: العرم جمع عرمة وهي الحجارة المركوزة والمراد بها المسناة التي عقدوها سكراً.

وقيل: العرم اسم الوادي: وقيل: المطر الشديد.

والتركيب يدل على الشكاسة وسوء الخلق ومنه قولهم "صبي عارم" من العرام بالضم أي شرس.

ومن ذلك "عرمت العظم" عرقته و"عرمت الإبل الشجر" نالت منه ﴿ ذواتي أكل ﴾ صاحبتي ثمر.

والقياس ذاتي إلا أن المستعمل في التثنية هو الجمع.

والخمط شجر الأراك.

أبو عبيدة: كل شجر ذي شوك.

الزجاج: كل نبت أخذ طعماً من مرارة حتى لا يمكن أكله.

والأثل نوع من الطرفاء وهو من أحسن أشجار البادية فلذلك وصفه ههنا بالقلة.

عن الحسن: قلل السدر لأنه أكرم ما بدّلوا، والتحقيق فيه أن البساتين إذا عمرت كل سنة ونقيت من الحشائش كانت ثمارها زاكية وأشجارها عالية، فإذا تركت سنين صارت كالغيضة والأجمة والتفت الأشجار بعضها ببعض فيقل الثمر وتكثر الحشائش والإشجار ذوات الشوك على أنه لا يبعد التبديل تحقيقاً فيكون شبه المشخ.

من قرأ ﴿ أكل خمط ﴾ بالإضافة فظاهر، ومن قرأ بالتنوين فعلى حذف المضاف أي أكل أكل خمط، أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل: ذواتي أكل بشع.

وتسمية البدل جنتين لأجل المشاكلة أو التهكم.

قال في الكشاف: الأثل والسدر معطوفان على ﴿ أكل ﴾ لا على ﴿ خمط ﴾ لأن الأثل لا أكل له ﴿ ذلك ﴾ الإرسال والتبديل ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ النعمة وغمطوها ﴿ وهل مجازي ﴾ مثل هذا الجزاء وهو العقاب العاجل ﴿ ألا الكفور ﴾ قال بعضهم: المجازاة في النقمة والجزاء في النعمة إلا إذا قيد كقوله  ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ وقال جار الله: الجزاء عام لكل مكافأة يستعمل في المعاقبة تارة وفي الإثابة أخرى، فلما استعمل أوّلاً في معنى المعاقبة استعمل ثانياً على نحو ذلك.

وقيل: إن المجازاة مفاعلة وهي في الأكثر تكون بين اثنين يوجد من كل واحد جزاء في حق الآخر، ففي النعمة لا يكون مجازاة لأن الله مبتدئ بالنعم.

وحين ذكر حال مسكنهم وجنتيهم وحكى تبديل الجنتين بما لا نفع فيه أراد أن يذكر حال خارج بلدهم وما يؤل إليه أمره فقال ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ﴾ وهي قرى الشام ﴿ قرى ظاهرة ﴾ متواصلة يرى من كل منها ما يتلوها لتقاربها، أو ظاهرة للسابلة لكونها على متن الطريق.

﴿ وقدرنا فيها السير سيروا ﴾ فيقيل الغادي في قرية ويبيت الرائح في أخرى، فمنازل ما بين تلك القرى مقدّرة ومعلومة لا يجوزها المسافر عرفاً بخلاف المفاوز فإن السائر يسير فيها بقدر طاقته حتى يقطعها.

ثم بين أمن تلك الطريق بقوله ﴿ سيروا ﴾ أي قلنا لهم سيروا إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار.

قال أهل البيان: لا قول ثمة ولكنهم مكنوا من السير بتهيئة أسبابه من وجدان الزاد والراحلة وعدم المخاوف والمضارّ فكأنهم أمروا بذلك.

والمقصود من ذكر الليالي والأيام تقرير كمال الأمن ولذلك قدمت الليالي فإنها مظنة الآفات.

ويمكن تقرير الأمن بوجه آخر وهو أن يقال: سيروا فيها وإن تطاولت مدّة سفركم فيها وامتدت أياماً وليالي، أو يراد بالليالي والأيام مدّة أعمارهم أي سيروا فيها مدّة عمركم فإنكم لا تلقون إلا الأمن.

ثم حكى أنهم سئموا العيش الهنيء وملوا الدعة والراحة كما طلب بنو إسرائيل البصل والفوم مكان المن والسلوى ﴿ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ أرادوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزوّدوا الأزواد قائلين: لو كان جني جناتنا أبعد كان أشهى وأرغد.

ويحتمل أن يكون لفساد اعتقادهم وشدّة اعتمادهم على أن ذلك لا يعدم كما يقول القائل لغيره: اضربني مشيراً بذلك إلى أنه لا يقدر عليه.

ومن قرأ على الابتداء والخبر فالمراد استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوّها لفرط تنعمهم وترفههم ﴿ وظلموا أنفسهم ﴾ بوضع الكفر موضع الشكر ﴿ فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ﴾ فرقناهم كل تفريق لا جرم اتخذ الناس حالهم مثلاً قائلين "ذهبوا أيدي سبأ" أي في طرق شتى.

واليد في كلام العرب الطريق يقال: سلك بهم يد البحر.

وقيل: الأيادي الأولاد لأنه يعضد بهم كما بالأيدي.

والمعنى ذهبوا تفرق أولاد سبأ فلحق غسان بالشام، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان ﴿ إن في ذلك ﴾ الجعل والتمزيق ﴿ لآيات لكل صبار ﴾ عن المعاصي ﴿ شكور ﴾ للنعم أو صبار على النعم حتى لا يلحقه البطر شكور لها برعاية حق الله فيها.

ثم أخبر عن ضعف عزم الإنسان بقوله ﴿ ولقد صدّق عليهم ﴾ أي على بني آدم لقرينة الحال.

وقيل: على أهل سبأ وظن إبليس هو قوله ﴿ لأغوينهم  ﴾ أو قوله ﴿ أنا خير منه  ﴾ بدليل قوله ﴿ فاتبعوه ﴾ والمتبوع خير من التابع.

ولا ريب أن الكافر أدون حالاً من إبليس لأنه خالف أمر الله في سجدة آدم والكافر يجحد الصانع أو يشرك به.

ثم بين قوله ﴿ وما كان له ﴾ أن الشيطان ليس بملجئ ولكنه آية وعلامة يتميز به ما هو السابق في علمه من المقرّ والشاك.

والحفيظ المحافظ ويدخل في مفهوم الحفظ العلم والقدرة إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه وكذا العاجز.

التأويل: ﴿ يعلم ما يلج ﴾ في أرض البشرية بواسطة الحواس والأغذية الحلال والحرام ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الصفات المتولدة منها.

﴿ وما ينزل ﴾ من سماء القلب من الفيوض والإلهامات ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من آثار الفجور والتقوى وظلمة الضلالة ونور الهدى إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من سماء القلب وأرض النفس، نخسف بهم أرض البشرية بغلبات صفاتها أو يغلب عليهم صفة من صفات القلب بالميل إلى الإفراط فنهلكهم بها كالسخاوة فإنها صفة حميدة لكنها إذا جاوزت حدّ الاعتدال صارت ذميمة ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين  ﴾ ﴿ يا جبال أوبي ﴾ قد مر تأويله في سورة الأنبياء ﴿ وقدّر في السرد ﴾ وهو المتكلم بالحكمة على قدر عقول الناس ﴿ ولسليمن ﴾ القلب سخرت ريح العناية وذلك أن مركب القلوب في السير هو الجذبة الإِلهية كما أن مركب البدن في المسير البدن.

يروى أن سليمان في سيره لاحظ ملكه يوماً فمال الريح ببساطه فقال سليمان للريح: استو قالت الريح: استو أنت فإني لا أكون مستوية حتى تستوي أنت.

كذلك حال السر مع القلب وريح العناية إذا زاغ القلب أزاغ الله بريح الخذلان بساط السر ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم  ﴾ ﴿ وأسلنا له عين القطر ﴾ الحقائق والمعاني وسخرنا له صفات الشيطنة لتعمل بين ديه على وفق أوامر الله ونواهيه كما قال نبينا  "شيطاني أسلم على يدي فلا يأمرني إلا بالخير" ﴿ من محاريب ﴾ وهو كل ما يتوج إلى الله به بخاصية الإباء والاستكبار وأنفة السجود لغير الله، ولو وكل القلب والروح إلى خاصية الروحانية التي جبل الروح عليها ما كان يرغب في العبور عن مقام الروحانية كالملائكة.

قال جبرائيل  : لو دنوت أنملة لاحترقت.

﴿ وجفان كالجواب ﴾ فيه إشارة إلى مأدبة الله التي أكل منها الأنبياء والأولياء إذ يبيتون عنده ﴿ اعملوا آل داود ﴾ وهم متولدات الروح فشكر البدن استعمال الشريعة بجميع الأعضاء والحواس، وشكر النفس بإقامة شرائط التقوى والورع، وشكر القلب بمحبة الله وحده، وشكر السر المراقبة، وشكر الروح بذل الوجود على نار المحبة كالفراش على شعلة الشمعة، وشكر الخفي قبول الفيض بلا واسطة في مقام الوحدة مخفياً بنور الوحدة عن نفسه.

فالعوام شكرهم بالأقوال، والخواص شكرهم بالأعمال، وخواص الخواص شكرهم بالأحوال من الاتصاف بصفة الشكورية التي تعطي على عمل.

فإن عشرة ثواب باقٍ ولذلك وصفهم بالقلة ﴿ تاكل منسأته ﴾ اتكأ سليمان على عصاه فبعث الله أخس دابة لإبطال متكئه وجعله سبباً لزوال ملكه وفوات روحه وكان قبل متكئاً على فضل الله فآتاه ما لم يؤت أحداً من خلقه ﴿ لقد كان لسبأ ﴾ السر ﴿ جنتان ﴾ جنة الروح عن يمين السر وجنة القلب عن شمال السر ﴿ بلدة طيبة ﴾ هي بلدة الإنسانية القابلة لبذر التوحيد ﴿ ورب غفور ﴾ يستر العيوب ﴿ فأعرضوا ﴾ عن الوفاء وأقبلوا على الجفاء ﴿ فأرسلنا عليهم سيل ﴾ سطوات ﴿ العرم ﴾ قهرنا ﴿ وبدلناهم بجنتيهم ﴾ الشجرتين بأشجار الأخلاق الحميدة ﴿ جنيتن ﴾ من الأوصاف الذميمة ﴿ وهل نجازي ﴾ وهل يكون للأشجار الخبيثة إلا الأثمار الخبيثة.

﴿ قرى ظاهرة ﴾ منازل السالكين ومقامات العارفين من التوبة والزهد والتوكل والتزكية والتحلية.

وقلنا لهم سيورا في ليالي البشرية وايام الروحاينة ﴿ آمنين ﴾ في حيازة الشريعة فطلبوا البعد عن الله بالميل إلى ما سواه ففرقناهم في أودية الهلاك ودركات البعد.

﴿ وما كان له عليهم من سلطان ﴾ فيه أن الشيطان إنما سلط على بني آدم لاستخراج جواهر النفوس من معادنها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: إنهم أقسموا باللات والعزى أن لا بعث ولا حياة بعد الموت؛ فأمر الله نبيه أن يقسم بالله الواحد على بعث وقيامة بقوله: ﴿ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ .

وجائز أن يكون على غير هذا، وهو ما قال في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً  ﴾ هم أقسموا بالله: إنه لا يبعث من يموت؛ فأمر رسوله في هذه الآية أن يقسم بالله - الذي أقسموا هم: إنه يبعث، وهو قوله: ﴿ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ ، وكأن قسمه بما أقسم عندهم أصدق من قسمهم؛ لأنهم لم يأخذوا عليه كذباً قط، ولا اتهموه في شيء؛ يدل على ذلك ما أخبر الله عنهم؛ حيث قال: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ  ﴾ أخبر أنهم لا يكذبونك في مقالتك؛ ولكن همتهم الجحود بالآيات والإنكار لها؛ فيكون قسمه مقابل قسم أولئك في إنكارهم البعث؛ ليعلموا كذب أنفسهم في قسمهم - بقسم رسول الله بما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ ﴾ ، بالخفض، وقد قرئ ﴿ عالم الغيب ﴾ : بالرفع، و ﴿ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ : فمن خفضه، جعله صفة ونعتاً لما تقدم من قوله: ﴿ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ ﴾ .

ومن رفعه، يجعله على الابتداء، ويجعل الكلام تامّاً بقوله: ﴿ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ ، ثم استأنف فقال: ﴿ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ﴾ .

ثم قوله: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ ﴾ .

قد قرئ برفع الزاي، وبخفضها: ﴿ لاَ يَعْزُبُ ﴾ ، وكلاهما لغتان، والعازب في كلام العرب: الغائب.

وقال بعضهم: ﴿ لاَ يَعْزُبُ ﴾ ، أي: لا يبعد، وهما واحد.

وقوله: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ ﴾ .

وقال في الأولى ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ﴾ : جائز أن تكون هذه الآية في جواهر الأشياء وأجناسها المختلفة؛ لأنه أخبر عن علمه بما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما يصعد فيها وما ينزل، وذلك علم جواهر الأشياء.

وقوله: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ...

﴾ إلى آخر ما ذكر: في الأفعال والأعمال، يخبر أنه لا يخفى عليه شيء، ولا يغيب عنه شيء من أفعالهم وأعمالهم؛ ليكونوا أبداً على حذر؛ ألا ترى أنه ذكر على أثر ذلك الجزاء؛ حيث قال: ﴿ لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ .

أو أن يكونا واحداً، إلا أنه ذكر في الآية الأولى الداخل في الأرض والخارج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ولم يذكر في ذلك الساكن فيهما والمقيم وما يكون فيهما؛ فذكر ذلك في قوله: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يخبر عن إحاطة علمه بالأشياء كلها: من الساكنة، والمقيمة، والمتحركة، والمنقلبة فيهما، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ .

المغفرة: هي التغطية والستر، ثم يكون الستر بوجهين: أحدهما: يستر على أعين الزلات أنفسها ألا تذكر.

والثاني: يستر بالجزاء الحسن إذا لم يجز للزلات، هذا للمؤمنين: يستر عليهم الزلات مرة بترك ذكرها، ومرة بترك الجزاء عليها.

وأما الكافر فإنه إذا جزي على سيئة فقد أُظْهِرَ وفَشَا، ولم يستر عليه.

أو أن يكون قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ ﴾ ، أي: ستر وهو أنه إذا أدخلهم الجنة، أنساهم زلاتهم؛ حتى لا يذكروا أبدا؛ لأن ذكر زلاتهم لربهم ينغص عليهم لذاتهم وتنعمهم.

وقوله: ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ ، قيل: الكريم: الحسن.

وجائز أن يكون سماه: كريماً؛ لأن من ناله كرم وشرف، كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ  ﴾ والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾ .

يحتمل حقيقة سعيهم في آياته بما ذكر؛ كقوله: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ  ﴾ : ذكر مرورهم عليها والإعراض عنها؛ فهو سعي.

وجائز على التمثيل، أي: يعملون عمل من أعجز الآيات؛ للجحود لها والتمرد والعناد، والمعجز: هو السابق، ﴿ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ، أي: سابقين فائتين، أي: لا تعجزونني، ولا تفوتون عني.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ﴾ .

الرجز: العذاب الأليم، أي: مؤلم، وذلك جائز في اللغة.

وقال أبو عوسجة: المعاجز: الهارب؛ يهرب؛ لكي يعجز.

وقوله: ﴿ وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ ﴾ .

قال بعضهم: الذين أوتوا العلم هم المؤمنون: مؤمنو أهل الكتاب الذين أوتوا العلم على التوراة والإنجيل وغيرهما؛ يقول - والله أعلم - يعلم الذين أوتوا منافع تلك الكتب أن ما أنزل إليك من ربك هو الحق، بأجمعهم جميعاً الذين أوتوا العلم بتلك الكتب؛ لما يجدون نعته وصفته فيها، يعلمون أنه هو الحق من ربّك، لكن بعضهم عاندوا ولم يؤمنوا به، وبعضهم قد آمنوا به.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ : هم أصحاب محمد - صلوت الله عليه - أي: الذين أوتوا منافع ما أنزل إليك، هم يعلمون أنه هو الحق من ربك، فأما من لم يؤت منافع العلم فلا يعلم ذلك.

وفي حرف ابن مسعود ﴿ ويعلم الذين أوتوا الحكمة من قبل الذي أنزل إليك من ربّك هو الحق ﴾ ، يعني: القرآن.

وقوله: ﴿ وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ .

قوله: ﴿ وَيَهْدِيۤ ﴾ يحتمل: يدعو، ويحتمل ﴿ وَيَهْدِيۤ ﴾ ، أي: يبين لهم ﴿ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ ﴾ .

كان بعضهم يقول لبعض: ﴿ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ .

قوله: ﴿ إِذَا مُزِّقْتُمْ ﴾ يحتمل أن قالوا: النبي؛ يقول: إذا تفرقت جوارحكم وأعضاؤكم تكونوا خلقاً جديداً، فإن كان على هذا فهو - والله أعلم - كان من أهل الدهر ذلك القول؛ لأنهم يقولون بقدم العالم، ولا يقولون بفنائه؛ لأن أهل مكة كانوا فريقين: فرقة تذهب مذهب أهل الدهر، وفرقة يقولون بحدث العالم، ويقرون بفنائه، لكنهم ينكرون إحياءه بعد الفناء، فإن كان ذلك من هؤلاء؛ فيكون قوله: ﴿ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ ، أي: إذا ذهبت أجسادكم، وفنيت اللحوم والعظام، وكنتم رماداً ورفاتا ﴿ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ، أي: تكونون خلقا جديدا، يخرج ذلك منهم على أحد وجهين: إما على استبعاد ذلك في أوهامهم وعقولهم، أي: لا يكون ذلك.

أو على التعجب: أن كيف يكون ذلك؟!

فقال عند ذلك: ﴿ أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ ﴾ : يقولون: أفترى محمد على الله كذبا أم به جنون؟

إذ لم نسمع ذلك من أحد من قبل، ولا رأينا ذلك أنه كان ما ذكر، فرد الله ذلك عليهم وقال: ﴿ بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ ﴾ ، أي: بالبعث والإحياء بعد الموت - هم المفترون على الله، هم ﴿ فِي ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ ﴾ .

جزاء قولهم: أم به جنون؟

يقول: بل هم في ضلال بعيد، الضلال البعيد: كأنه هو الذي لا يرجع إلى الهدى أبداً؛ فتكون الآية في قوم: علم الله أنهم يختمون على الضلال، ولا يؤمنون أبداً؛ فيكون في ذلك دلالة إثبات الرسالة.

وقوله: ﴿ أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ : قد ذكرنا قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ ؛ ﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ  ﴾ ، ونحوه أنه يخرج على وجهين: أحدهما: قد رأوا على الخبر.

والثاني: على الأمر: أن انظروا ﴿ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

ثم يقول بعضهم لبعض: حيثما قدم الإنسان رأى بين يديه من السماء مثل السماء [التي] يرى خلفه، وكذلك الأرض.

وقتادة يقول: لينظروا كيف أحاطت بهم السماء والأرض، وهما واحد.

﴿ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ ﴾ ، كما خسفنا بمن كان قبلهم، ﴿ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

أي: عذاباً من السماء؛ كما أنزل على من كان قبلهم بالتكذيب والعناد، يذكر هذا على أثر قولهم: ﴿ أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ ﴾ ، أي: لو نظروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض؛ لعرفوا أنه رسول الله، وأنه صادق، وأن ما يقول: إنه بعث بعد الموت، وإن العذاب ينزل - يقوله لا عن جنون، ولكن عن علم وعقل ومعرفة؛ لأن من قدر على إنشاء السماء على ما أنشأ من سعتها وغلظها وشدتها، وكذلك الأرض، قدر على البعث وخسف من يشاء أن يخسف؛ وإسقاط السماء على من يشاء أن يسقط.

أو يقول: لو نظروا، لعرفوا أنه لم ينشئ ما ذكر من السماء والأرض عبثاً باطلا؛ ولكن أنشأهما على الحكمة، وإنما يصير إنشاؤهما حكمة بالبعث والإحياء بعد الموت ومصيرهم إليه، وأما للفناء خاصة فلا يكون حكمة، والله أعلم ما أراد بذلك.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ﴾ .

المنيب، قيل: هو المطيع لله، وقيل: هو المقبل على أمر الله.

والمنيب كأنه هو المؤمن؛ لأنه هو المصدق بالآيات، فإذا كان المؤمن هو المصدق بالآيات، فيكون هو المنتفع بها، فيكون الآية [له].

وأما المكذب بها فلا ينتفع بها؛ فلا يكون الآية له في الحقيقة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أفلم ير هؤلاء المكذبون بالبعث ما بين أيديهم من الأرض، ويروا ما خلفهم من السماء؟

إن نشأ خَسْف الأرض من تحت أقدامهم خسفناها من تحتهم، وإن نشأ أن نسقط عليهم قِطَعًا من السماء لأسقطناها عليهم، إن في ذلك لعلامة قاطعة لكل عبد كثير الرجوع إلى طاعة ربه يستدل بها على قدرة الله، فالقادر على ذلك قادر على بعثكم بعد موتكم وتمزيق أجسامكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.KEnmW"

مزيد من التفاسير لسورة سبأ

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
الحمد لله