تفسير الآية ٣٤ من سورة فاطر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ٣٤ من سورة فاطر

وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌۭ شَكُورٌ ٣٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 67 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٤ من سورة فاطر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣٤ من سورة فاطر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ) وهو الخوف من المحذور ، أزاحه عنا ، وأراحنا مما كنا نتخوفه ، ونحذره من هموم الدنيا والآخرة .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليس على أهل " لا إله إلا الله " وحشة في قبورهم ولا في منشرهم ، وكأني بأهل " لا إله إلا الله " ينفضون التراب عن رءوسهم ، ويقولون : ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ) رواه ابن أبي حاتم من حديثه .

وقال الطبراني : حدثنا جعفر بن محمد الفريابي ، حدثنا يحيى بن موسى المروزي ، حدثنا سليمان بن عبد الله بن وهب الكوفي ، عن عبد العزيز بن حكيم ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس على أهل " لا إله إلا الله " وحشة في الموت ولا في قبورهم ولا في النشور .

وكأني أنظر إليهم عند الصيحة ينفضون رءوسهم من التراب ، يقولون : ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور ) قال ابن عباس ، وغيره : غفر لهم الكثير من السيئات ، وشكر لهم اليسير من الحسنات .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ) قال: كانوا في الدنيا يعملون وينصبون وهم في خوف، أو يحزنون.

وقال آخرون: بل عني بذلك الحزن الذي ينال الظالم لنفسه في موقف القيامة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار قال: ثنا أَبو أحمد قال: ثنا سفيان عن الأعمش قال: ذكر أَبو ثابت أن أبا الدرداء قال: سمعت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: " أما الظالم لنفسه فيصيبه في ذلك المكان من الغم والحزن فذلك قوله ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ) " .

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء القوم الذين أكرمهم بما أكرمهم به أنهم قالوا حين دخلوا الجنة ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ) وخوف دخول النار من الحزن، والجَزَع من الموت من الحزن، والجزع من الحاجة إلى المطعم من الحزن.

ولم يخصص الله إذ أخبر عنهم أنهم حمدوه على إذهابه الحزن عنهم نوعًا دون نوع، بل أخبر عنهم أنهم عموا جميع أنوع الحزن بقولهم ذلك، وكذلك ذلك؛ لأن من دخل الجنة فلا حزن عليه بعد ذلك، فحمدهم على إذهابه عنهم جميع معاني الحزن.

وقوله ( إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ) يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل هذه الأصناف الذين أخبر أنه اصطفاهم من عباده عند دخولهم الجنة: إن ربنا لغفور لذنوب عباده الذين تابوا من ذنوبهم، فساترها عليهم بعفوه لهم عنها، شكور لهم على طاعتهم إياه، وصالح ما قدموا في الدنيا من الأعمال.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ) لحسناتهم.

حدثنا ابن حميد قال: ثنا يعقوب عن حفص عن شمر ( إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ) غفر لهم ما كان من ذنب، وشكر لهم ما كان منهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن قال أبو ثابت : دخل رجل المسجد فقال اللهم ارحم غربتي وآنس وحدتي يسر لي جليسا صالحا .

فقال أبو الدرداء : لئن كنت صادقا فلأنا أسعد بذلك منك ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : [ ص: 314 ] ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات - قال - فيجيء هذا السابق فيدخل الجنة بغير حساب ، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا ، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام ويوبخ ويقرع ثم يدخل الجنة فهم الذين قالوا : الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور وفي لفظ آخر وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين يتلقاهم الله برحمته فهم الذين يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور - إلى قوله - ولا يمسنا فيها لغوب .

وقيل : هو الذي يؤخذ منه في مقامه ; يعني يكفر عنه بما يصيبه من الهم والحزن ، ومنه قوله تعالى من يعمل سوءا يجز به يعني في الدنيا .

قال الثعلبي : وهذا التأويل أشبه بالظاهر ; لأنه قال : جنات عدن يدخلونها ، ولقوله : الذين اصطفينا من عبادنا والكافر والمنافق لم يصطفوا .قلت : وهذا هو الصحيح ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ، ريحها طيب وطعمها مر فأخبر أن المنافق يقرؤه ، وأخبر الحق سبحانه وتعالى أن المنافق في الدرك الأسفل من النار ، وكثير من الكفار واليهود والنصارى يقرءونه في زماننا هذا .

وقال مالك : قد يقرأ القرآن من لا خير فيه .

والنصب : التعب .

واللغوب : الإعياء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ و } لما تم نعيمهم، وكملت لذتهم { قَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ } وهذا يشمل كل حزن، فلا حزن يعرض لهم بسبب نقص في جمالهم، ولا في طعامهم وشرابهم، ولا في لذاتهم ولا في أجسادهم، ولا في دوام لبثهم، فهم في نعيم ما يرون عليه مزيدا، وهو في تزايد أبد الآباد.{ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ } حيث غفر لنا الزلات { شَكُورٌ } حيث قبل منا الحسنات وضاعفها، وأعطانا من فضله ما لم تبلغه أعمالنا ولا أمانينا، فبمغفرته نجوا من كل مكروه ومرهوب، وبشكره وفضله حصل لهم كل مرغوب محبوب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقالوا ) أي : ويقولون إذا دخلوا الجنة : ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ) والحزن والحزن واحد كالبخل والبخل .

قال ابن عباس : أي حزن النار .

وقال قتادة : حزن الموت .

وقال مقاتل : حزنوا لأنهم كانوا لا يدرون ما يصنع الله بهم .

وقال عكرمة : حزن الذنوب والسيئات وخوف رد الطاعات .

وقال القاسم : حزن زوال النعم وتقليب القلب ، وخوف العاقبة ، وقيل : حزن أهوال يوم القيامة .

وقال الكلبي : ما كان يحزنهم في الدنيا من أمر يوم القيامة .

وقال سعيد بن جبير : هم الخبز في الدنيا .

وقيل : هم المعيشة .

وقال الزجاج : أذهب الله عن أهل الجنة كل الأحزان ما كان منها لمعاش أو لمعاد .

أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن الضحاك الخطيب ، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفرايني ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي ، أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد الترابي ، حدثنا يحيى بن عبد الحميد ، حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في منشرهم ، وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم ، ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن " .

قوله تعالى : ( إن ربنا لغفور شكور )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحَزَنَ» جميعه «إن ربنا لغفور» للذنوب «شكور» للطاعة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

جنات إقامة دائمة للذين أورثهم الله كتابه يُحلَّون فيها الأساور من الذهب واللؤلؤ، ولباسهم المعتاد في الجنة حرير أي: ثياب رقيقة.

وقالوا حين دخلوا الجنة: الحمد لله الذي أذهب عنا كل حَزَن، إن ربنا لغفور؛ حيث غفر لنا الزلات، شكور؛ حيث قبل منا الحسنات وضاعفها.

وهو الذي أنزلَنا دار الجنة من فضله، لا يمسنا فيها تعب ولا إعياء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - ما يقولونه بعد فوزهم بهذا النعيم فقال : ( وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن ) .والحزن : غم يعترى الإِنسان لخوفه من وال نعمة هو فيها .

والمراد به هنا : جنس الحزن الشامل لجميع أحزان الدين والدنيا والآخرة .أى : وقالوا عند دخولهم الجنات الدائمة ، وشعورهم بالأمان والسعاة والاطمئنان : الحمد لله الذى أذهب عنا جميع ما يحزننا من أمور الدنيا أو الآخرة .( إِنَّ رَبَّنَا ) بفضله وكرمه ( لَغَفُورٌ شَكُورٌ ) أى : لواسع المغفرة لعباده ولكثير العطاء للمطيعين ، حيث أعطاهم الخيرات الوفيرة فى مقابل الأعمال القليلة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الحزن أقوال كثيرة والأولى أن يقال المراد إذهاب كل حزن والألف واللام للجنس واستغراقه وإذهاب الحزن بحصول كل ما ينبغي وبقائه دائماً فإن شيئاً منه لو لم يحصل لكان الحزن موجوداً بسببه وإن حصل ولم يدم لكان الحزن غير ذاهب بعد بسبب زواله وخوف فواته، وقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ ذكر الله عنهم أموراً كلها تفيد الكرامة من الله الأول: الحمد فإن الحامد مثاب الثاني: قولهم (ربنا) فإن الله لم يناد بهذا اللفظ إلا واستجاب لهم، اللهم إلا أن يكون المنادي قد ضيع الوقت الواجب أو طلب ما لا يجوز كالرد إلى الدنيا من الآخرة الثالث: قولهم: (غَفُورٌ).

الرابع: قولهم: ﴿ شَكُورٍ ﴾ والغفور إشارة إلى ما غفر لهم في الآخرة بما وجد لهم من الحمد في الدنيا، والشكور إشارة إلى ما يعطيهم ويزيد لهم بسبب ما وجد لهم في الآخرة من الحمد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الكتاب ﴾ القرآن.

ومن للتبيين أو الجنس.

و (من) للتبعيض ﴿ مُصَدّقاً ﴾ حال مؤكدة؛ لأنّ الحق لا ينفك عن هذا التصديق ﴿ لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ لما تقدّمه من الكتب ﴿ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ يعني أنه خبرك وأبصر أحوالك، فرآك أهلاً لأن يوحي إليك مثل هذا الكتاب المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ ﴾ حَكَمْنا بِتَوْرِيثِهِ مِنكَ أوْ نُورِثُهُ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِهِ، أوْ أوْرَثْناهُ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والعَطْفُ عَلى ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ ﴾ ، ﴿ والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ﴾ اعْتِراضٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّوْرِيثِ.

﴿ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا ﴾ يَعْنِي عُلَماءَ الأُمَّةِ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم، أوِ الأُمَّةَ بِأسْرِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ اصْطَفاهم عَلى سائِرِ الأُمَمِ ﴿ فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ﴾ بِالتَّقْصِيرِ في العَمَلِ بِهِ.

﴿ وَمِنهم مُقْتَصِدٌ ﴾ يَعْمَلُ بِهِ في غالِبِ الأوْقاتِ.

﴿ وَمِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ بِضَمِّ التَّعْلِيمِ والإرْشادِ إلى العَمَلِ، وقِيلَ الظّالِمُ الجاهِلُ والمُقْتَصِدُ المُتَعَلِّمُ والسّابِقُ العالِمُ.

وقِيلَ الظّالِمُ المُجْرِمُ والمُقْتَصِدُ الَّذِي خَلَطَ الصّالِحَ بِالسَّيِّئِ والسّابِقُ الَّذِي تَرَجَّحَتْ حَسَناتُهُ بِحَيْثُ صارَتْ سَيِّئاتُهُ مُكَفَّرَةً، وهو مَعْنى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أمّا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ، وأمّا الَّذِينَ اقْتَصَدُوا فَأُولَئِكَ يُحاسَبُونَ حِسابًا يَسِيرًا، وأمّا الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأُولَئِكَ يُحْبَسُونَ في طُولِ المَحْشَرِ ثُمَّ يَتَلَقّاهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ» .

وَقِيلَ الظّالِمُ الكافِرُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْعِبادِ، وتَقْدِيمُهُ لِكَثْرَةِ الظّالِمِينَ ولِأنَّ الظُّلْمَ بِمَعْنى الجَهْلِ والرُّكُونُ إلى الهَوى مُقْتَضى الجِبِلَّةِ والِاقْتِصادُ والسَّبْقُ عارَضانِ.

﴿ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوْرِيثِ أوِ الِاصْطِفاءِ أوِ السَّبْقِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن} خوف النار أو خوف الموت أو هموم الدنيا {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ} يغفر الجنايات وإن كثرت {شَكُورٌ} يقبل الطاعات وإن قلت

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالُوا ﴾ أيْ ويَقُولُونَ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ ﴾ حَزَنَ تَقَلُّبِ القَلْبِ وخَوْفِ العاقِبَةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: حَزَنُ أهْوالِ القِيامَةِ وما يُصِيبُ مِن ظُلْمِ نَفْسِهِ هُنالِكَ، وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُما عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: حَزَنُ النّارِ، وقالَ الضَّحّاكُ: حَزَنُ المَوْتِ، يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا ذَبَحَ المَوْتُ، وقالَ مُقاتِلٌ: حَزَنُ الِانْتِقالِ، يَقُولُونَ ذَلِكَ إذا اِسْتَقَرُّوا فِيها، وقالَ قَتادَةُ: حَزَنُ أنْ لا تُتَقَبَّلَ أعْمالُهُمْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: خَوْفُ الشَّيْطانِ، وقالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ: حَزَنُ مَعِيشَةِ الدُّنْيا الخُبْزِ ونَحْوِهِ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: حَزَنُ الآفاتِ والأعْراضِ، وقِيلَ: حَزَنُ كِراءِ الدّارِ، والأوْلى أنْ يُرادَ جِنْسُ الحَزَنِ المُنْتَظِمِ لِجَمِيعِ أحْزانِ الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ، وكُلُّ ما سَمِعْتَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ: «إنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ» أيْ بَعْدَ أنْ يَتَلَقّاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ ﴾ الخ، فَلا تَغْفُلْ.

وقُرِئَ «اَلْحُزْنَ» بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزّايِ، ذَكَرَهُ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ.

﴿ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ ﴾ لِلْمُذْنِبِينَ ﴿ شَكُورٌ ﴾ لِلْمُطِيعِينَ، وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: غَفَرَ لَنا العَظِيمَ مِن ذُنُوبِنا وشَكَرَ لَنا القَلِيلَ مِن أعْمالِنا، وفي الكَشّافِ ذِكْرُ الشَّكُورِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَوْمَ كَثِيرُو الحَسَناتِ، وكانَ عَلَيْهِ أنْ يَقُولَ: وذِكْرُ الغَفُورِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم كَثِيرُو الفُرُطاتِ، فَيَنْطَبِقُ عَلى الفَرْقِ ولا يَنْفَكَّ النَّظْمُ، ولَكِنْ مَنعَهُ المَذْهَبُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ يعني: أرسلنا إليك جبريل-  - بالقرآن هُوَ الْحَقُّ لا شك فيه، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يعني: موافقاً لما قبله من الكتب إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ يعني: عالم بهم وبأعمالهم.

قوله عز وجل: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ ويقال: أعطينا القرآن الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا يعني: اخترنا من هذه الأمة.

وثُمَّ بمعنى العطف.

يعني: وأورثنا الكتاب.

ويقال ثُمَّ بمعنى التأخير.

يعني: بعد كتب الأولين أَوْرَثْنَا الْكِتابَ فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ يعني: من الناس ظالم لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ.

روي عن ابن عباس في إحدى الروايتين أنه قال: الظالم الكافر، والمقتصد المنافق، والسابق المؤمن.

وروي عنه رواية أُخرى أنه قال: هؤلاء كلهم من المؤمنين.

فالسابق الذي أسلم قبل الهجرة.

والمقتصد الذي أسلم بعد الهجرة، قبل فتح مكة.

والظالم الذي أسلم بعد فتح مكة.

وطريق ثالث ما روى أبو الدرداء عن رسول الله  أنه قال: «السابق الذي يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَالمُقْتَصِدُ الَّذِي يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً، وَالظَّالِمُ الذي يُحَاسَبُ فِي طُولِ المَحْشَرِ» .

وطريق رابع ما روي عن عمر بن الخطاب-  - أنه قال: سابقنا سابق، ومقتصدنا ناجي، وظالمنا مغفور له.

وطريق آخر ما روى أسد بن رفاعة عن عثمان بن عفان-  - أنه قال: سابقنا أهل الجهاد، ومقتصدنا أهل حضرنا، يعني: أهل الأمصار وهم أهل الجماعات والجمعات، وظالمنا أهل بدونا.

وطريق سادس ما روي عن عائشة-  ا- أنها سألت عن هذه الآية فقالت: السابق النبي  ومن مضى معه، والمقتصد مثل أبي بكر ومن مضى معه، والظالم فمثلي ومثلكم.

وطريق سابع ما روي عن مجاهد قال: الظالم هم أصحاب المشأمة، والمقتصد أصحاب الميمنة، والسابق هم السابقون بالخيرات، فكأنه استخرجه من قوله: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ [الواقعة: 8] وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الواقعة: 10] وطريق ثامن ما روي عن الحسن البصري- رحمه الله- أنه قال: الظالم هم المنافقون، والمقتصد هم التابعون بإحسان، والسابق هم أصحاب النبيّ  .

وطريق تاسع ما روي عن الحسن أيضاً أنه قال: السابق الذي ترك الدنيا، والمقتصد الذي أخذ من الحلال، والظالم الذي لا يبالي من أين أخذ.

وقيل: طريق عاشر: السابق الذي رجحت حسناته على سيئاته، والمقتصد الذي استوت حسناته مع سيئاته، والظالم الذي رجحت سيئاته على حسناته.

وقيل: طريق حادي عشر، السابق الذي سره خَيْرٌ من علانيته، والمقتصد الذي سِرُّهُ وعلانيته سواء، والظالم الذي علانيته خير من سره.

وطريق ثاني عشر: السابق الذي تهيأ للصلاة قبل دخول وقتها، والمقتصد الذي تهيأ للصلاة بعد دخول وقتها، والظالم الذي ينتظر الإقامة.

وطريق ثالث عشر: السابق الذي يتوكل على الله يجعل جميع جهده في طاعة الله عز وجل، والمقتصد الذي يطلب قوته ولا يطلب الزيادة، والظالم الذي يطلب فوق القوت والكفاف.

وقيل: طريق رابع عشر: السابق الذي شغله معاده عن معاشه، والمقتصد الذي يشتغل بهما جميعاً، والظالم الذي شغله معاشه عن معاده.

وقيل: طريق خامس عشر: السابق الذي ينجو نفسه وينجو غيره بشفاعته، والمقتصد الذي يدخل الجنة برحمة الله وفضله، والظالم الذي يدخل الجنة بشفاعة الشافعين.

وطريق سادس عشر: السابق الذي يعطى كتابه بيمينه، والمقتصد الذي يعطى كتابه بشماله، والظالم الذي يعطى كتابه وراء ظهره.

وطريق سابع عشر قيل: السابق الذي ركن إلى المولى، والمقتصد الذي ركن إلى العقبى، والظالم الذي ركن إلى الدنيا.

وطريق ثامن عشر: ما روي عن يحيى بن معاذ الرازي قال: الظالم الذي يضيع العمر في الشهوة، والمعصية، والمقتصد الذي يحارب فيهما، والسابق الذي يجتهد في الزلات.

ثم قال: لأن محاربة الصديقين في الزلات، ومحاربة الزاهدين في الشهوات، ومحاربة التائبين في الموبقات.

وطريق تاسع عشر قال: الظالم يطلب الدنيا تمتعاً، والمقتصد الذي يطلب الدنيا تلذذاً، والسابق الذي ترك الدنيا تزهداً.

وطريق العشرين قال: الظالم الذي يطلب ما لم يؤمر بطلبه، وهو الرزق، والمقتصد الذي يطلب ما أمر به ولم يؤمر بطلبه، والسابق الذي طلبه مرضاة الله ومحبته.

وطريق حادي عشرين قيل: الظالم أصحاب الكبائر، والمقتصد أصحاب الصغائر، والسابق المجتنب عن الصغائر والكبائر.

وطريق ثاني عشرين قيل: السابق الخارج إلى الغزو والرباطات قبل الناس، والمقتصد الخارج إليها مع الناس الذي يعلم ويعلم الناس ويعمل به، والمقتصد الذي يعلم ويعلم ولا يعمل به، والظالم الذي لا يعلم ولا يرغب إلى التعليم.

وطريق رابع وعشرين، السابق الذي هو مشغول في عيب نفسه ولا يطلب عيب غيره، والمقتصد الذي يطلب عيب غيره، والظالم الذي هو مشغول في عيب غيره ولا يصلح عيب نفسه.

وطريق خامس وعشرين ما روي عن أنس بن مالك-  - عن النبيّ  - في قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا إلى قوله: الْفَضْلُ الْكَبِيرُ قال: قال رسول الله  : «هَؤُلاءِ كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ.

أمَّا السَّابِقُ بِالخَيْرَاتِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَأَمَّا المُقْتَصِدُ فَإِنَّهُ يُحَاسَبُ حِسَابَاً يَسِيْرَاً ثُمَّ يَدْخُلُ الجَنَّةَ، وَأَمَّا الظَالِمُ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يُحَاسَبُ حِسَابَاً شَدِيداً وَيُحْبَسُ حَبْسَاً طَوِيلاً ثُمَّ يَدْخُلُ الجَنَّةَ.

فَإِذَا دَخَلُوا الجَنَّةَ قَالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ الذى أذهب عنا الحزن إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ» .

وقد قيل غير هذا: إلا أنه يطول الكلام فيه.

وفيما ذكرنا كفاية لمن عمل به.

وأكثر الروايات أن الأصناف الثلاثة كلهم في الجنة مؤمنون، وأول الآية وآخرها دليل على ذلك.

فأما أول الآية فقوله عز وجل: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا من عبادنا يعني: أعطينا الكتاب.

فأخبر أنه أعطى الكتاب لهؤلاء الثلاثة.

وقال في آخر الآية جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها [النحل: 31 وغيرها] فأشار إلى الأصناف الثلاثة بالآية الأولى، حيث قال: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ، والأخرى حيث قال: يَدْخُلُونَها ولم يقل: يدخلانها.

وفي الآية الأخرى دليل أن الأصناف الثلاثة هم يدخلون الجنة.

وقال بعضهم: تأول قول ابن عباس الذي قاله في رواية أبي صالح: أن الظالم كافر يعني: كفر النعمة.

ومعناه: فمنهم من كفر بهذه النعمة، ولم يشكر الله عز وجل عليها.

ومنهم مقتصد يعني: يشكر ويكفر.

ومنهم سابق يعني: يشكر ولا يكفر.

وروي عن كعب الأحبار أنه قيل له: ما منعك أن تسلم على عهد رسول الله  ؟

قال: كان أبي مكنني جميع التوراة إلا ورقات منعني أن أنظر فيها.

فخرج أبي يوماً لحاجة.

فنظرت فيها فوجدت فيها نعت رسول الله  وأمته، وأنه يجعلهم يوم القيامة ثلاثة أثلاث ثلث يدخلون الجنة بغير حساب.

وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، ويدخلون الجنة بغير حساب، وثلث تشفع لهم الملائكة والنبيون فأسلمت.

وقلت: لعلّي أكون من الصنف الأول، وإن لم أكن من الصنف الأول لعلّي أن أكون من الصنف الثاني أو من الصنف الثالث.

فلما قرأت القرآن وجدتها في القرآن وهو قوله عز وجل: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ إلى قوله: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها الآية.

فإن قيل: ايش الحكمة في ذكره الظالم ابتداءً وتأخيره ذكر السابق قيل له: الحكمة فيه والله أعلم لكيلا يعجب السابق بنفسه، ولا ييأس الظالم من رحمة الله عز وجل.

ثم قال تعالى: بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ يعني: الذي أورثهم من الكتاب واختارهم هو الفضل الكبير من الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال صاحب: «الكلم الفارقية والحكم الحقيقة» : العلم النافعُ ما زَهَّدَك في دنياك، ورغَّبك في أخراك، وزادَ في خوفِك وتَقْواك، وبعثَك على طاعةِ مولاك، وصَفَّاك مِن كَدَرِ هَوَاك.

وقال- رحمه الله-: العلومُ النافعةُ ما كانتْ لِلْهِمَمِ رافعةً، وللأهواءِ قامِعةً، وللشكوكِ صَارِفةً دافعةً.

انتهى.

إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ ...

الآية، قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: هذه آية «١» القُرَّاء.

قال ع «٢» : وهذا على أنْ يَتْلُونَ بمعنى: يقرؤون، وإنْ جَعَلناه بمعنى: يتبعون، صَحَّ معنى الآية وكانت في القُرَّاء وغيرهم ممن اتصف بأوصاف الآية، وكتاب الله هو القرآن، وإقامةُ الصلاة، أي: بجميع شروطها، والنفقةُ هي في الصدقات ووجوه البرّ ولَنْ تَبُورَ معناه: لن تكسد.

ويَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ قالت فرقة: هو تَضْعِيفُ الحسناتِ، وقالت فرقة: هو إما النظر إلى وجه الله عز وجل، وإما أن يجعلَهم شَافِعينَ في غيرهم كما قال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ٢٦] .

ت: وَقَدْ خَرَّجَ أبو نُعَيْمٍ بإسناده عن الثَّورِي عن شقيق عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ قال: أجورهم: يدخلهم الجنة، ويزيدهم من فضله: الشفاعةُ لِمَنْ وَجَبَتْ له النار ممن صنع إليه المعروف في الدنيا.

وخَرَّج ابنُ مَاجَه في «سُنَنه» عن أنس بن مالك/، قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلّم: «يصفّ النّاس ٨٤ أصفوفا» .

وقال ابن نُمير: أهُلُ الجَنَّةِ- فَيَمُرُّ الرَّجُلُ مِنْ أهْلِ النَّارِ عَلَى الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا فُلاَنُ، أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ استسقيتني، فسقيتك شربة؟

قال: فيشفع له.

ويمرّ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ ﴾ في " ثُمَّ " وجْهانِ؛ أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى الواوِ، والثّانِي: أنَّها لِلتَّرْتِيبِ.

والمَعْنى: أنْزَلْنا الكُتُبَ المُتَقَدِّمَةَ، ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ ﴿ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ وأتْباعُهُمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفِي الكِتابِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ والمُرادُ بِهِ الكُتُبُ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا يُخَرَّجُ عَلى القَوْلَيْنِ.

فَإنْ قُلْنا: الَّذِينَ اصْطُفُوا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، فَقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ أوْرَثَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  كُلَّ كِتابٍ أنْزَلَهُ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: ومَعْنى ذَلِكَ: أوْرَثَهُمُ الإيمانَ بِالكُتُبِ كُلِّها- وجَمِيعُ الكُتُبِ تَأْمُرُ بِاتِّباعِ القُرْآنِ- فَهم مُؤْمِنُونَ بِها عامِلُونَ بِمُقْتَضاها؛ واسْتَدَلَّ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ: ﴿ والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ ﴾ وأتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ ﴾ فَعَلِمْنا أنَّهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، إذْ كانَ مَعْنى المِيراثِ: انْتِقالَ شَيْءٍ مِن قَوْمٍ، إلى قَوْمٍ ولَمْ تَكُنْ أُمَّةٌ عَلى عَهْدِ نَبِيِّنا انْتَقَلَ إلَيْهِمْ كِتابٌ مِن قَوْمٍ كانُوا قَبْلَهم غَيْرُ أُمَّتِهِ.

فَإنْ قُلْنا: هُمُ الأنْبِياءُ وأتْباعُهُمْ، كانَ المَعْنى: أوْرَثْنا كُلَّ كِتابٍ أُنْزِلَ عَلى نَبِيٍّ ذَلِكَ النَّبِيَّ وأتْباعَهُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ القُرْآنُ.

وَفِي مَعْنى ﴿ أوْرَثْنا ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أعْطَيْنا، لِأنَّ المِيراثَ عَطاءٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أخَّرْنا، ومِنهُ المِيراثُ، لِأنَّهُ تَأخَّرَ عَنِ المَيِّتِ فالمَعْنى: أخَّرْنا القُرْآنَ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ وأعْطَيْناهُ هَذِهِ الأُمَّةَ، إكْرامًا لَها، ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ صاحِبُ الصَّغائِرِ؛ رَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " سابِقُنا سابِقٌ، ومُقْتَصِدُنا ناجٍ، وظالِمُنا مَغْفُورٌ لَهُ» " .

ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: " كُلُّهم في الجَنَّةِ "» .

والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي ماتَ عَلى كَبِيرَةٍ ولَمْ يَتُبْ مِنها، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الكافِرُ، رَواهُ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ رَواهُ ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ  .

فَعَلى هَذا يَكُونُ الِاصْطِفاءُ لِجُمْلَةِ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ الكِتابُ، كَما قالَ: ﴿ وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ  ﴾ أيْ: لَشَرَفٌ لَكُمْ، وكَمْ مِن مُكْرَمٍ لَمْ يَقْبَلِ الكَرامَةَ!

والرّابِعُ: أنَّهُ المُنافِقُ: حُكِيَ عَنِ الحَسَنِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: الظّالِمُ: الَّذِي تَرْجَحُ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ، والمُقْتَصِدُ: الَّذِي قَدِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ، والسّابِقُ: مَن رَجَحَتْ حَسَناتُهُ.

ورُوِيَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: سابِقُنا أهْلُ جِهادِنا، ومُقْتَصِدُنا أهْلُ حَضَرِنا، وظالِمُنا أهْلَ بَدْوِنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم سابِقٌ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " سَبّاقٌ " مِثْلُ: فَعّالٍ ﴿ بِالخَيْراتِ ﴾ أيْ: بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ إلى الجَنَّةِ، أوْ إلى الرَّحْمَةِ ﴿ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ أيْ: بِإرادَتِهِ وأمْرِهِ ﴿ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ يَعْنِي إيراثَهُمُ الكِتابَ.

ثُمَّ أخْبَرَ بِثَوابِهِمْ، فَجَمَعَهم في دُخُولِ الجَنَّةِ فَقالَ: ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: " يُدْخَلُونَها " بِضَمِّ الياءِ؛ وفَتَحَها الباقُونَ وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: (وَلُؤْلُؤًا) بِالنَّصْبِ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ كانَ يَهْمِزُ الواوَ الثّانِيَةَ ولا يَهْمِزُ الأُولى؛ وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهُ كانَ يَهْمِزُ الأُولى ولا يَهْمِزُ الثّانِيَةَ.

والآيَةُ مُفَسَّرَةٌ في سُورَةِ (الحَجِّ: ٢٣) .

قالَ كَعْبٌ: تَحاكَّتْ مَناكِبُهم ورَبِّ الكَعْبَةِ، ثُمَّ أُعْطُوا الفَضْلَ بِأعْمالِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ أورَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ ﴾ ﴿ وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ ﴿ "أورَثْنا" ﴾ مَعْناهُ: أعْطَيْناهُ فِرْقَةً بَعْدَ مَوْتِ فِرْقَةٍ، والمِيراثُ - حَقِيقَةً أو مَجازًا - إنَّما يُقالُ فِيما صارَ لِإنْسانٍ بَعْدَ مَوْتِ آخَرَ، والكِتابُ هُنا يُرِيدُ بِهِ مَعانِيَ الكِتابِ وعِلْمِهِ وأحْكامِهِ وعَقائِدِهِ، فَكَأنَّ اللهَ تَعالى لَمّا أعْطى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  القُرْآنَ - وهو قَدْ تَضَمَّنَ مَعانِيَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ - فَكَأنَّهُ ورَّثَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  الكِتابَ الَّذِي كانَ في الأُمَمِ قَبْلَهم.

و ﴿ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا ﴾ يُرِيدُ بِهِمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وكَأنَّ اللَفْظَ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ مِن كُلِّ أُمَّةٍ إلّا أنَّ عِبارَةَ تَوْرِيثِ الكِتابِ لَمْ تَكُنْ إلّا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، والأُوَلُ لَمْ يُوَرَّثُوهُ.

و"اصْطَفَيْنا": اخْتَرْنا وفَضَّلْنا، و"العِبادُ" عامٌّ في جَمِيعِ العالَمِ، مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ.

واخْتَلَفَ الناسُ في عَوْدِ الضَمِيرِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمِنهُمْ ﴾ ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهم ما مُقْتَضاهُ أنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى "الَّذِينَ"، والأصْنافُ الثَلاثَةُ هي كُلُّها في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، فـَ"الظالِمُ لِنَفْسِهِ": العاصِي المُسْرِفُ.

و"المُقْتَصِدُ": مُتَّقِي الكَبائِرِ، وهَوَ الجُمْهُورُ مِنَ الأُمَّةِ، و"السابِقُ": المُتَّقِي عَلى الإطْلاقِ، وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: والأصْنافُ الثَلاثَةُ في الجَنَّةِ، وقالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والضَمِيرُ في ﴿ "يَدْخُلُونَها" ﴾ عائِدٌ عَلى الأصْنافِ الثَلاثَةِ، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها: دَخَلُوا الجَنَّةَ كُلُّهُمْ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: اسْتَوَتْ مَناكِبُهم ورَبِّ الكَعْبَةِ وتَفاضَلُوا بِأعْمالِهِمْ، وفي رِوايَةٍ: تَحاكَّتْ مَناكِبُهُمْ، وقالَ أبُو إسْحَقٍ السَبِيعِيُّ: أمّا الَّذِي سَمِعَتُ مُذْ سِتِّينَ سَنَةٍ، فَكُلُّهم ناجٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ الأُمَّةُ يَوْمَ القِيامَةِ أثْلاثٌ: ثُلْثٌ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، وثُلُثٌ يُحاسِبُونَ حِسابًا يَسِيرًا ثُمَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وثُلُثٌ يَجِيئُونَ بِذُنُوبٍ عِظامٍ، فَيَقُولُ اللهُ: ما هَؤُلاءِ؟

- وهو أعْلَمُ بِهِمْ - فَتَقُولُ المَلائِكَةُ: هم مُذْنِبُونَ إلّا أنَّهم لَمْ يُشْرِكُوا، فَيَقُولُ عَزَّ وجَلَّ: أدْخِلُوهم في سَعَةِ رَحْمَتِي، وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: السابِقُ مَن أُسَلَمَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، والمُقْتَصِدُ مَن أسْلَمَ بَعْدَها، والظالِمُ نَحْنُ، وقالَ الحَسَنُ: السابِقُ مَن رَجَحَتْ حَسَناتُهُ، والمُقْتَصِدُ مَنِ اسْتَوَتْ بِسَيِّئاتِهِ، والظالِمُ مَن خَفَّتَ مَوازِينُهُ، وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: السابِقُ العالِمُ، والمُقْتَصِدُ المُتَعَلِّمُ، والظالِمُ الجاهِلُ.

وقالَ ذُو النُونِ: الظالِمُ الذاكِرُ لِلَّهِ بِلِسانِهِ فَقَطْ، والمُقْتَصِدُ الذاكِرُ بِقَلْبِهِ، والسابِقُ الَّذِي لا يَنْساهُ.

وقالَ الأنْطاكِيُّ: الظالِمُ صاحِبُ الأقْوالِ، والمُقْتَصِدُ صاحِبُ الأفْعالِ، والسابِقُ صاحِبُ الأحْوالِ، ورَوى أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ «أنَّ النَبِيَّ  قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: "كُلُّهم في الجَنَّةِ"،»«وَقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ  : "سابِقُنا سابِقٌ، ومُقْتَصِدُنا ناجٍ، وظالِمُنا مَغْفُورٌ لَهُ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أنا سابِقُ العَرَبِ، وسَلْمانُ سابِقُ الفُرْسِ، وصُهَيْبٌ سابِقُ الرُومِ، وبِلالٌ سابِقُ الحَبَشَةِ"،» أرادَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّ هَؤُلاءِ رُؤُوسُ السابِقِينَ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "سابِقُنا أهْلُ جِهادٍ، ومُقْتَصِدُنا أهْلُ حَضَرِنا، وظالِمُنا أهُلَ بَدْوِنا، لا يَشْهَدُونَ جَماعَةً ولا جُمُعَةً".

وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والحُسْنُ، ما مُقْتَضاهُ أنَّ الضَمِيرَ في "مِنهُمْ" عائِدٌ عَلى "العِبادِ"، والظالِمُ لِنَفْسِهِ: الكافِرُ والمُنافِقُ، والمُقْتَصِدُ: المُؤْمِنُ العاصِي، والسابِقُ: التَقِيُّ عَلى الإطْلاقِ، قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً  ﴾ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "يَدْخُلُونَها" ﴾ - عَلى هَذا القَوْلِ - خاصٌّ عَلى الفِرْقَتَيْنِ: المُقْتَصِدُ والسابِقُ، والفِرْقَةُ الظالِمَةُ في النارِ، قالُوا: وبَعِيدٌ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُصْطَفى ظالِمٌ كَما يَقْتَضِي التَأْوِيلُ الأوَّلُ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَدَّمَ الظالِمَ لِأنَّهُ لا يَتَّكِلُ إلّا عَلى رَحْمَةِ اللهِ، والمُقْتَصِدُ هو المُعْتَدِلُ في أُمُورِهِ، لا يُسْرِفُ في جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ، بَلْ يَلْزَمُ الوَسَطَ.

وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "خَيْرُ الأُمُورِ أوساطُها".» وقالَتْ فُرْقَةٌ - لا مَعْنى لِقَوْلِها -: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا ﴾ هُمُ الأنْبِياءُ، والظالِمُ لِنَفْسِهِ مِنهم مَن وقَعَ في صَغِيرَةٍ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ مِن غَيْرِ ما وجْهٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "سابِقٌ بِالخَيْراتِ"، ﴾ وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: "سَبّاقٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِإذْنِ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: بِأمْرِهِ ومَشِيئَتِهِ فِيمَن أحَبَّ مِن عِبادِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ إشارَةٌ إلى الِاصْطِفاءِ وما يَكُونُ عنهُ مِنَ الرَحْمَةِ.

وقالَ الطَبَرَيُّ: السُبُوقُ بِالخَيِّراتِ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ، قالَ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: جَمَعَهم في دُخُولِ الجَنَّةِ لِأنَّهُ مِيراثٌ، والبارُّ والعاقُّ سَواءٌ في المِيراثِ مَعَ صِحَّةِ النَسَبِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ مَعَ صِحَّةِ الإيمانِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "جَنّاتُ" بِالرَفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ "الفَضْلُ"، وقَرَأ الجَحْدَرَيُّ: [جَنّاتِ] بِالنَصْبِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ﴿ "يَدْخُلُونَها"، ﴾ وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: "جَنَّةُ عَدْنٍ" عَلى الإفْرادِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يُدْخَلُونَها" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الخاءِ.

و"أساوِرَ" جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارٍ، بِضَمِّ السِينِ وكَسْرِها، وفي حِرَفِ أبِيٍّ [أساوِيرَ]، وهو جَمْعُ أسْوارٍ، وقَدْ يُقالُ ذَلِكَ في الحُلِيِّ، ومَشْهُورُ أسْوارٍ أنَّهُ الجَيِّدُ الرَمْيِ مِن جُنْدِ الفُرْسِ، و"يُحَلَّوْنَ" مَعْناهُ: نِساءً ورِجالًا، وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "وَلُؤْلُؤًا" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "أساوِرَ"، وكانَ عاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - يَقْرَأُ: "وَلُولُؤًا" بِسُكُونِ الواوِ الأُولى دُونَ هَمْزٍ وبِهَمْزِ الثانِيَةِ، ورُوِيَ عنهُ ضِدُّ هَذا، وقَرَأ الباقُونَ: "وَلُؤْلُؤٍ" بِالهَمْزِ وبِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى ﴿ "أساوِرَ".

﴾ و"الحَزَنُ" في هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ في جَمِيعِ أنْواعِ الأحْزانِ، وخَصَّصَ المُفَسِّرُونَ في هَذا هاهُنا، فَقالَ أبُو الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: حَزَنُ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ وما يُصِيبُ هُناكَ مِن ظَلَمِ نَفْسَهُ مِنَ الغَمِّ والحُزْنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حَزَنُ جَهَنَّمَ، وقالَ عَطِيَّةُ: حَزَنُ المَوْتِ، وقالَ قَتادَةُ: حُزْنُ الدُنْيا في الخَوْفِ ألّا تُتَقَبَّلَ أعْمالُهُمْ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو جُزْءٌ مِنَ الحُزْنِ، ولا مَعْنى لِتَخْصِيصِ شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأحْزانِ؛ لِأنَّ الحُزْنَ أجْمَعَ قَدْ ذَهَبَ عنهم.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ وصَفُوهُ بِأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى يَغْفِرُ الذُنُوبَ، ويُجازِي عَلى القَلِيلِ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ بِالكَثِيرِ مِنَ الثَوابِ، وهَذا هو شُكْرُهُ لا رَبَّ سِواهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الأظهر أنه بدل اشتمال من قوله: ﴿ ذلك هو الفضل الكبير ﴾ [فاطر: 32] فإن مما يشتمل عليه الفضل دخولهم الجنة كما علمت وتخصيص هذا الفضل من بين أصنافه لأنه أعظم الفضل لأنه أمارة على رضوان الله عنهم حين إدخالهم الجنة، ﴿ ورضوانٌ من الله أكبر ﴾ [التوبة: 72].

ويجوز أن يكون استئنافاً بيانياً لبيان الفضل الكبير وقد بيّن بأعظم أصنافه.

والمعنى واحد.

وضمير الجماعة في ﴿ يدخلونها ﴾ راجع إلى ﴿ الذين اصطفينا ﴾ [فاطر: 32] المقسم إلى ثلاثة أقسام: ظالممٍ، ومقتصدٍ، وسابققٍ، أي هؤلاء كلهم يدخلون الجنة لأن المؤمنين كلهم مآلهم الجنة كما دلت عليه الأخبار التي تكاثرت.

وقد روى الترمذي بسند فيه مجهولان عن أبي سعيد الخدري «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية: ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ﴾ [فاطر: 32] قال: " هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة وكلهم في الجنة ".

قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

قال أبو بكر بن العربي في «العارضة»: من الناس من قال: إن هذه الأصناف الثلاثة هم الذين في سورة الواقعة (8 10): ﴿ أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقون ﴾ وهذا فاسد لأن أصحاب المشأمة في النار الحامية، وأصحاب سورة فاطر في جنة عالية لأن الله ذكرهم بين فاتحة وخاتمة فأما الفاتحة فهي قوله: ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ﴾ [فاطر: 32] فجعلهم مصطفَيْن.

ثم قال في آخرهم ﴿ جنات عدن يدخلونها ﴾ [فاطر: 33] ولا يصطفَى إلا من يدخل الجنة، ولكن أهل الجنة ظالم لنفسه فقال: ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ﴾ [فاطر: 32] وهو العاصي والظالم المطلق هو الكافر، وقيل عنه: الظالم لنفسه رفقاً به، وقيل للآخر: السابق بإذن الله إنباء أن ذلك بنعمة الله وفضله لا من حال العبد ا ه.

وفي الإِخبار بالمسند الفعلي عن المسنْد إليه إفادة تقوي الحكم وصوَغ الفعل بصيغة المضارع لأنه مستقبل، وكذلك صوغ ﴿ يحلون ﴾ وهو خبر ثاننٍ عن ﴿ جنات عدن ﴾ .

وتقدم نظيرها في سورة الحج فانظره.

وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر ﴿ ولؤلؤاً ﴾ بالنصب عطفاً على محل ﴿ أساور ﴾ لأنه لما جر بحرف الجر الزائد كان في موضع نصب على المفعول الثاني لفعل ﴿ يحلون ﴾ فجاز في المعطوف أن ينصب على مراعاة محل المعطوف عليه.

وقرأه الباقون بالجر على مراعاة اللفظ، وهما وجهان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ، ومَعْنى الإرْثِ انْتِقالُ الحُكْمِ إلَيْهِمْ.

الثّانِي: أنَّ إرْثَ الكِتابِ هو الإيمانُ بِالكُتُبِ السّالِفَةِ لِأنَّ حَقِيقَةَ الإرْثِ انْتِقالُ الشَّيْءِ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ.

وَفِي ﴿ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أنَّهم بَنُو إسْرائِيلَ لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا  ﴾ الآيَةَ.

قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّالِثُ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  .

قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لا يَرْجِعُ إلى المُصْطَفِينَ، وهَذا قَوْلُ مَن تَأوَّلَ المُصْطَفِينَ الأنْبِياءَ، فَيَكُونُ مَن عَداهم ثَلاثَةَ أصْنافٍ عَلى ما بَيَّنَهم.

الثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى تَفْصِيلِ أحْوالِ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا، ومَعْنى الِاصْطِفاءِ الِاخْتِيارُ، وهَذا قَوْلُ مَن تَأوَّلَ المُصْطَفِينَ غَيْرَ الأنْبِياءِ، فَجَعَلَهم ثَلاثَةَ أصْنافٍ.

فَأمّا الظّالِمُ لِنَفْسِهِ ها هُنا فَفِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ الصَّغائِرِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، رَوى شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سابِقُنا سابِقٌ، ومُقْتَصِدُنا ناجٍ، وظالِمُنا مَغْفُورٌ لَهُ.

الثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكَبائِرِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ وهم مُسْتَثْنَوْنَ.

الرّابِعُ: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الخامِسُ: أنَّهُ الجاحِدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَأمّا المُقْتَصِدُ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المُتَوَسِّطُ في الطّاعاتِ وهَذا مَعْنى حَدِيثِ أبِي الدَّرْداءِ، رَوى إبْراهِيمُ عَنْ أبِي صالِحٍ «عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: (أمّا السّابِقُ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، وأمّا المُقْتَصِدُ فَيُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا، وأمّا الظّالِمُ لِنَفْسِهِ فِيُحْصَرُ في طُولِ الحَبْسِ ثُمَّ يَتَجاوَزُ اللَّهُ عَنْهُ)» .

الثّانِي: أنَّهم أصْحابُ اليَمِينِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهم أصْحابُ الصَّغائِرِ وهو قَوْلٌ مُتَأخِّرٌ.

الرّابِعُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا سُنَنَ النَّبِيِّ  مِن بَعْدِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ وَمِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ المُقَرَّبُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُمُ المُسْتَكْثِرُونَ مِن طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وهو مَأْثُورٌ.

الثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ المَنزِلَةِ العُلْيا في الطّاعاتِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

الرّابِعُ: أنَّهُ مَن مَضى عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  فَشَهِدَ لَهُ بِالجَنَّةِ.

رَوى عُقْبَةُ بْنُ صُهْبانَ قالَ: سَألْتُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَتْ: كُلُّهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ، السّابِقُ مَن مَضى عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  فَشَهِدَ لَهُ بِالحَياةِ والرِّزْقِ، والمُقْتَصِدُ مَنِ اتَّبَعَ أثَرَهُ حَتّى لَحِقَ بِهِ، والظّالِمُ لِنَفَسِهِ مِثْلِي ومِثْلُكَ ومَنِ اتَّبَعَنا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الغني بن سعيد الثقفي في تفسيره عن ابن عباس؛ أن حصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي، نزلت فيه ﴿ إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ يرجون تجارة لن تبور ﴾ قال: الجنة ﴿ لن تبور ﴾ لا تبيد ﴿ ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ﴾ قال: هو كقوله: ﴿ ولدينا مزيد ﴾ [ ق: 35] ﴿ إنه غفور ﴾ قال: لذنوبهم ﴿ شكور ﴾ لحسناتهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ يرجون تجارة لن تبور ﴾ قال: لن تهلك.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة...

﴾ .

قال كان مطرف بن عبد الله يقول: هذه آية القراء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ﴾ .

قال أبو عبيدة والزجاج: الحزن والحزن واحد كالبخل والبخل والرشد والرشد (١) قال ابن عباس: يعنون ما يعاينون (٢) (٣) قال مقاتل: لأنهم كانوا لا يدرون ما يصنع الله بهم (٤) وقال الكلبي: يعني الذي كان يحزنهم في الدنيا من أمر يوم القيامة (٥) وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس قال: حزن النار (٦) وقال سعيد بن جبير: همُّ الخبز في الدنيا (٧) وقال الحسن: أحزان أهل الدنيا يقطعها الموت، ولكن أحزان الآخرة (٨) وقال عكرمة: حزن الذنوب والسيئات وخوف رد الطاعات (٩) وقال أبو إسحاق: اذهب الله عن أهل الجنة كل الأحزان ما كان منها لمعاش أو لمعاد (١٠) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ قال ابن عباس: يعنون بذلك أنهم غفر لنا العظائم من ذنوبنا، وشكر لنا من محاسن أعمالنا (١١) (١) "مجاز القرآن" 2/ 155، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 270.

(٢) في (أ): (عاينون).

(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 229 أ، "الماوردي" 4/ 475، "البغوي" 3/ 572.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 104 أ.

(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 229 أ، "البغوي" 3/ 572، "فتح القدير" 4/ 350.

(٦) انظر: المصادر السابقة، ولعله لا فرق بين القولين.

(٧) انظر: "البغوي" 3/ 572، "زاد المسير" 6/ 492، "فتح القدير" 4/ 350.

ولعل المقصود بهذا القول هو هم طلب الرزق.

(٨) لم أقف عليه.

(٩) انظر: المصادر السابقة.

(١٠) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 270.

(١١) انظر: "تفسير ابن عباس" ص 367، وذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 506.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَذْهَبَ عَنَّا الحزن ﴾ قيل هو عذاب النار، وقيل: أهوال القيامة وقيل: هموم الدنيا والصواب العموم في ذلك كله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ غير الله ﴾ بالجر: يزيد وحمزة وعليّ.

الآخرون: بالرفع حملاً على المحل ﴿ فلا تذهب ﴾ من الإذهاب ﴿ نفسك ﴾ منصوباً: يزيد.

الآخرون: بفتح التاء والهاء من الذهاب ﴿ نفسك ﴾ مرفوعاً: ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ ولا ينقص ﴾ بفتح الياء وضم القاف: روح وزيد.

الباقون: بالعكس.

﴿ من عمره ﴾ باختلاس الضمة: عباس ﴿ والذين يدعون ﴾ على الغيبة: قتيبة.

الوقوف: ﴿ ورباع ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ لها ﴾ ج ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ز للاستفهام ولفاء التعقيب وإتحاد المعنى ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ قبلك ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ عدوّاً ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ط لأن ﴿ الذين ﴾ مبتدأ.

﴿ شديد ﴾ ه ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط لحذف الجواب ﴿ حسرات ﴾ ط ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ النشور ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ يرفعه ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يبور ﴾ ه ﴿ أزواجاً ﴾ ط ﴿ بعلمه ﴾ ط ﴿ في كتاب ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ أجاج ﴾ ط ﴿ تلبسونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ قطمير ﴾ ه ﴿ دعاءكم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بشرككم ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط لاتفاق الجملتين مع حسن الفصل بين وصفي الخالق والمخلوق ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ط لاستئناف الشرط ﴿ قربى ﴾ ط ﴿ الصلاة ﴾ ط ﴿ لنفسه ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ والبصير ﴾ ه لا ﴿ ولا النور ﴾ ه لا ﴿ ولا الحرور ﴾ ه ج للطول والتكرار ﴿ الأموات ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ج للعطف مع الإثبات إلى النفي مع اتفاق الجملتين ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ إلا نذير ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ المنير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه.

التفسير: لما بين في آخر السورة المتقدمة انقطاع رجاء الشاك وعدم قبول توبته في الآخرة ذكر في أوّل هذه السورة حال الموفق المؤمن وبشر بإرسال الملائكة إليهم مبشرين، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة.

و ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ مبدعهما أو شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض يؤيد التفسير الثاني قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ وقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون  ﴾ و ﴿ أولي أجنحة ﴾ اي أصحاب أجنحة أراد أن طائفة منهم أجنحة كل منهم اثنان اثنان، وبعضهم أجنحة ثلاثة ثلاثة لعل الثالث منها في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة أو لعله لغير الطيران فلقد رأيت في بعض الكتب أن صنفاً من الملائكة لهم ستة أجنحة، فجناحان يلفون بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما في الأمر من أمور الله عز وجل، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله عز وجل.

وعن رسول الله  أنه رأى جبرائيل  ليلة المعراج وله ستمائة جناح.

وروي أن إسرافيل له اثنا عشر جناحاً، جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله وإنه ليتضاءل لعظمة الله  وتعالى حتى يعود مثل الوصع وهو العصفور الصغير.

ويجوز أن يخالف حال الملائكة حال الطيور في الطيران كالحيوان الذي يدب بأرجل كثيرة، ويجوز أن يكون البعض للزينة، ويجوز أن يكون كل جناح ذا شعب.

قال الحكيم: الجناحان إشارة إلى جهتين: جهة الأخذ من ا لله، وجهة الإعطاء لمن دونهم بإذن الله كقوله ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك  ﴾ ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ ﴿ فالمدبرات أمرا  ﴾ ومنهم من يفعل بواسطة فلهم ثلاث جهات أو أكثر على حسب الوسائط.

ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ ويزيد في الخلق ما يشاء ﴾ والظاهر أنه عام يتناول كل زيادة في كل أمر يعتبر في الصورة كحسن الوجه والخط والصوت ونحوهما، أو في المعنى كحصافة العقل وجزالة الرأي وسماحة النفس وذلاقة اللسان وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة.

ثم أكد نفاذ أمره وجريان الأمور على وفق مشيئته بقوله ﴿ وما يفتح الله للناس ﴾ الآية.

وفيها دلالة على أن رحمته سبقت غضبه من جهة تقديم الرحمة ومن جهة بيان الضمير في القرينة الأولى بقوله ﴿ من رحمة ﴾ والإطلاق في قوله ﴿ وما يمسك ﴾ فيشمل إمساك الغضب وإمساك الرحمة.

ومن جهة قوله ﴿ من بعده ﴾ أي من بعد إمساكه فيفيد أن الرحمة إذ جاءته لم يكن لها انقطاع وإن ضدّها قد ينقطع وإن كان لا يقطعه إلا الله ولهذا لا يخرج أهل الجنة من الجنة وقد يخرج أهل النار من النار ﴿ وهو العزيز ﴾ الغالب على إرسال الرحمة وإمساكها ﴿ الحكيم ﴾ الذي لا يمسك ولا يرسل إلا عن علم كامل وصلاح شامل.

وحيث بين أن الحمد لله وبين بعض وجوه النعمة المستدعية للحمد على التفصيل أمر المكلفين بتذكر العمة على الإجمال لساناً وقلباً وعملاً، ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أياديّ عندك يريد حفظها وشكرها والعمل بموجبها.

وعن ابن عباس: أن الناس أهل مكة أسكنهم حرمه ويتخطف الناس من حولهم.

وعنه أيضاً أنه اراد بالنعمة العافية، والظاهر تعميم النعمة والمنعم عليهم.

ثم اشار إلى نعمة الإيجاد بقوله ﴿ هل من خالق غير الله ﴾ وإلى نعمة الإبقاء بقوله ﴿ يرزقكم ﴾ وهو نعت خالق أو مستأنف أو تفسير لمضمر والتقدير: هل يرزقكم خالق يرزقكم؟

قال جار الله: إن جعلت ﴿ يرزقكم ﴾ كلاماً مستأنفاً ففيه دليل على أن الخالق لا يطلق إلا على الله عز وجل.

وأما على الوجهين الآخرين فلا، إذ لا يلزم مننفي خالق رازق غيره نفي خالق غيره مطلقاً.

وقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ جملة مفصولة لا محل لها مثل ﴿ يرزقكم ﴾ في غير وجه الوصف إذ لو جعلت وصفاً لزم التناقض لأن قولك "هل من خالق آخر سوى الله" إثبات الله، ولو جعلت المنفية وصفاً صار تقدير الكلام: هل من خالق آخر سوى لا إله إلا ذلك الخالق فلزم نقض الإثبات المذكور مع أن الكلام في نفسه يكون غير مستقيم.

﴿ فأنى تؤفكون ﴾ أي وكيف تصرفون عن هذا الظاهر فتشركون المنعوت بمالك الملك والملكوت.

وحين بينّ الاصل الأول وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ الآية.

والمراد إن يكذبوك فتسل بهذا المعنى.

ثم بينت الأصل الثالث وهو الحشر بقوله ﴿ يا أيها الناس ﴾ وقد مرّ مثل الآية في آخر سورة لقمان.

وقد يسبق إلى الظن ههنا أن الغرور وهو الشيطان لأنه عقبه بقوله ﴿ إن الشيطان لكم عدّو فاتخذوه عدّواً ﴾ لأن الحازم لا يقبل قول العدوّ ولا يعتمد عليه.

ثم صرح بوجه اتخاذه وبعاقبة دعوته فقال ﴿ إنما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير ﴾ ثم فصل مال حال حزبه وحزب الله بقوله ﴿ الذين كفروا ﴾ إلى قوله ﴿ وأجر كبير ﴾ عرض على العقول أنه لا سواء بين الحزبين والمعنى ﴿ أفمن زين له سوء عمله ﴾ من الفريقين كمن لم يزين له.

ولا ريب أن المزين لهم عملهم هم أهل الأهواء والبدع الذين لا مستند لهم في مأخذهم سوى التقليد واتباع الهوى.

ثم أنتج من ذلك قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ وذلك أن الناس متساوية الأقدام في الإنسانية ومتفاوتة الأحوال في الأعمال، فتبين أنه لا استقلال، وأن أفعال العباد مستندة إلى إزادة مصرف القلوب والأحوال.

ثم رتب على عدم الاستقلال قوله ﴿ فلا تذهب ﴾ أي فلا تهلك ﴿ نفسك ﴾ و ﴿ عليهم ﴾ صلة تذهب كما تقول هذك عليه حباً أو هو بيان للمتحسر عليه ولا يتعلق بـ ﴿ ـ مجسرات ﴾ المفعول لأجله لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته.

وجوّز جار الله أن يكون حالاً كأن كل نفسه صارت حسرات لفرط التحسر.

وعن الزجاج أن تقدير الآية: أمفن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم فحذف لدلالة المذكور وهو فلا تذهب عليه، أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، فحذف لأن قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ يدل عليه.

ثم بين أن حزنه إن كان لما بهم من الضلال فالله عالم بهم وبما يصنعون لو أراد منهم الإيمان لآمنوا وإن كان لما بهم منالإيذاء فالله عليم بفعلهم فيجازيهم بذلك.

ثم أكد كونه فاعلاً مختاراً قادراً قهاراً مبدئاً معيداً بقوله ﴿ والله الذي أرسل ﴾ وهو من الالتفات الموجب للتهويل والتعظيم.

وقوله ﴿ فتثير ﴾ بلفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن، عرف نفسه بفعل الإرسال ثم قال ﴿ فسقناه ﴾ كأنه قال: أنا الذي عرفتني بمثل هذه السياقة والصناعة وأنعمت عليك بهذه النعمة الشاملة.

ثم شبه البعث والنشور بالصنع المذكور ووجهه ظاهر.

وحين بين برهان الإيمان أشار إلى ما كان يمنع الكفار منه وهو العزة الظاهرة الت يكانوا يتوهمونها من حيث إن معبوديهم كانت تحت تسخيرهم والرسول كان يدعوهم إلى الإيمان لطاعة الله وطاعة أنبيائه فكنه قال: إن كنتم تطلبون حقيقة العزة ﴿ فلله العزة ﴾ خاصة كلها فلتطلبها من عنده ومن عند أوليائه نظيره قولك "من أراد النصيحة فهي عند الأبرار" يريد فليطلبها عندهم فاعتبر في هذه الآية حرف النهاية.

وأما في قوله ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين  ﴾ فاعتبر الوسائط فالعزة للمؤمنين بواسطة الرسول وله من رب العزة.

ثم إن الكفار كأنهم قالوا: نحن لا نعبد من لا نراه ولا نحضر عنده فإن البعد من الملك ذلة فقال ﴿ إليه يصعد ﴾ أي إن كنتم لا تصلون إليه فهو يسمع كلامكم ويقبل الطيب منها وذلك آية العزة، وأما هذه الأصنام فلا يتبين عندها الذليل من العزيز إذ لا حياة لها ولا شعور وهكذا العمل الصالح لا تراه هذه الأصنام فلا يمكن لها مجازاة الأنام.

وفاعل قوله ﴿ يرفعه ﴾ إن كان هو الله فظاهر، وإن كان الكلم أعني قوله "لا إله إلا الله" فمعناه أنه لا يقبل عمل إلا من موحد وإن كان هو العمل فالمعنى: أن الكلم وهو كل كلام فيه ذكر الله أو رضاه يريد الصعود إلى الله إلا أنه لا يستطيع الصعود ولا يقع موقع القبول إلا إذا كان مقروناً بالعمل الصالح.

عن النبي  "الكلم الطيب هو قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن فإذا لم يكن له عمل صالح لم يقبل منه" .

وعن ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر.

ولا تخفى أن القول هو الأصل والعمل مؤكده فلهذا قدم القول.

وحين بيّن حال العمل الصالح ذكر أن المكرات السيئات بائرة كاسدة لا حقيقة لها، ولعله أشار بها إلى مكرات قريش المذكورات في قوله ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك  ﴾ جمع الله مكراتهم فقلبها عليهم حين أوقعهم في قليب بدر.

ولما ذكر دليل الآفاق أكده بدليل الأنفس قائلاً ﴿ والله خلقكم من تراب ﴾ وفيه إشارة إلى خلق آدم ﴿ ثمن من نطفة ﴾ وفيه إشارة إلى خلق أولاده.

ومعنى ﴿ أزواجاً ﴾ أصنافاً أو ذكراناً وإناثاً.

ثم أشار إلى كمال علمه بقوله ﴿ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ﴾ ثم بين نفوذ إرادته بقوله ﴿ وما يعمر من معمر ﴾ قال جار الله: معناه من أحد ولكنه سماه معمراً باعتبار ما يؤل إليه.

وليس المراد تعاقب التعمير وخلافه على شخص واحد وإنما المراد تعاقبهما على شخصين فتسومح في اللفظ تعويلاً على فهم السامع كقول القائل: ما تنعمت بكذا ولا اجتويته إلا قل فيه ثوائي.

وتأويل آخر وهو أن يراد لا يطول عمر إنسان ولا ينقص من عمر ذلك الإنسان بعينه ﴿ إلا في كتاب ﴾ وصورته أن يكتب في اللوح إن حج أو وصل الرحم فعمره أربعون سنة، وإن جمع بين الأمرين فعمره ستون، فإذا جمع بينهما فعمر ستين كان الغاية، وإذا أفرد فعمر أربعين فقد نقص من تلك الغاية.

وبهذا التأويل يستبين معنى ما روي عن النبي  أنه قال "إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار" .

ويصح ما استفاض على الألسن "أطال الله بقاءك".

وعن سعيد بن جبير يكتب في الصحيفة أن عمره كذا سنة، ثم يكتب بعد ذلك في آخرها ذهب يوم ذهب يومان حتى تنقضي المدّة.

وعن قتادة: المعمر من بلغ ستين، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين.

وذلك في علم الله.

﴿ إن ذلك ﴾ الذي ذكر من خلق الإنسان من المادة المذكورة أو الزيادة في الأعمار أو النقصان منها ﴿ على الله يسير ﴾ .

ثم ضرب مثلاً للمؤمن والكافر وذكر ليلاً آخر على عظم قدرته فقال ﴿ وما يستوي البحران ﴾ الآية.

على الأوّل يكون قوله ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ إلى آخر الآية تقريراً للنعمة على سبيل اللاستطراد، أو هو من تمام التشبيه كأنه شبه الجنسين بالبحرين.

ثم فضل البحر الأجاج على الكافر لأنه شارك العذب في استخراج السمك واللؤلؤ وجرى الفلك فيه، وأما الكافر فلا نفع فيه ألبتة فيكون كقوله في البقرة ﴿ ثم قست قلوبكم  ﴾ إلى آخر قوله و ﴿ وَإِنَّ مِنهَا لما يهبط من خشية الله  ﴾ والأشبه أن الآية تقرير دليل مستأنف كما مرّ في أوّل "النحل" يؤيده تعقيبه بدليل آخر وهو قوله ﴿ يولج الليل ﴾ إلى قوله ﴿ أجل مسمى ﴾ قد مرّ في آخر "لقمان" مثله، وفيه ردّ على عبدة الكواكب الذين ينسبون حوادث هذا العالم إلى الكواكب بالذات لا إلى تسخير مبدعها.

قوله ﴿ ذلكم الله ﴾ أي الذي فعل الأشياء المذكورة من فطر السموات والأرض وإرسال الرياح وخلق الإنسان من التراب وغير ذلك هو المعبود الحق.

وقوله ﴿ ربكم له الملك ﴾ خبران آخران، ويجوز أن يكون ﴿ الله ربكم ﴾ خبرين و ﴿ له الملك ﴾ جملة مبتدأه واقعة في طبقات.

قوله ﴿ والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ﴾ وذلك أن المشركين كانوا معترفين بأن الأصنام ليسوا خالقين وإنما كانوا يقولون إنه  فوض أمور الأرضيات إلى الكواكب التي هذه الأصنام صورها وطوالعها، فأخبر الله  أنهم لا يملكون قطميراً وهو القشرة الرقيقة للنواة فضلاً عما قوفها.

قال جار الله: يجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله  صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان و ﴿ ربكم ﴾ خبراً لولا أن المعنى يأباه فقيل: لأن ذلك إشارة إلى معلوم سبق ذكره.

وكونه صفة أو عطف بيان يقتضي أن يكون فيما سبق ضرب إبهام.

قلت: وفيه نظر، أما أولاً فلأن اسم الله من قبيل الأعلام لا من قبيل أسماء الأجناس فكيف يجوز جعله صفة؟

وأما ثانياً فلأنه على تقدير التجويز يكون صفة مدح فلا ينافي كون المشار إليه معلوماً.

والوجه الصحيح في إباء المعنى هو أن الوصف إذا كان معرفة كان أمراً متحققاً في الخارج مسلماً عند السامع.

مثلاً إذا قلت: الرجل الكاتب جاءني.

تريد الرجل الذي تعرفه أيها السامع أنه كاتب جاءني لكن الخطاب ههنا مع الكفار وهم يجحدون المعبود الحق، أو يجحدون أن العبادة لا تصلح إلا له،ن فلا يصح إيقاع اسم الله وصفاً لذلكم والخطاب معهم.

ثم زاد في توبيخ الكفرة بقوله ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ﴾ لأنهم جماد ولو فرض سماعهم ﴿ ما استجابوا لكم ﴾ لما مرّ من أنهم لا يملكون شيئاً ﴿ ويوم القيامة ﴾ ايضاً ﴿ يكفرون بشرككم ﴾ قائلين ما كنتم إيانا تعبدون ﴿ ولا ينبئك ﴾ أي لا يطلعك على حقيقة الحال أيها النبيّ أو أيها السامع ﴿ مثل خبير ﴾ ببواطن الأمور.

والمعنى أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق لأني خبير بما أخبرت به ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل عالم به.

وفيه أنه الخبير بالأمر وحده، وفيه ن هذا الخبر مما لا يعرف بمجرد المعقول لولا إخبار الله  .

ثم بين أن نفع العبادة إنما يعود على المكلفين فقال ﴿ يأيها الناس أنتم الفقراء ﴾ ومعنى تعريف الخبر القصد إلى أنهم جنس الفقراء مبالغة، وذلك أن افتقار الإنسان إلى الله عاجلاً لأمور المعاش وآجلاً لنعيم الآخرة أبين من افتقار سائر المخلوقين إليه.

وقيل: إن كون الناس فقراء أمر ظاهر لا يخفى على أحد فلهذا عرف كقول القائل: الله ربنا ومحمد نبينا.

ثم بين أن فقرهم ليس إلا إلى الله فقابل الفقراء بقوله ﴿ والله هو الغنيّ ﴾ وقابل قوله ﴿ إلى الله ﴾ بقوله ﴿ الحميد ﴾ لأنه إذا أنعم عليهم استحق الحمد منهم.

ثم ذكر أنه غني عن وجودهم أيضاً لا يفتقر في ظهور أثر قدرته إليهم فقال ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مرّ في "النساء" وفي "إبراهيم".

وحين بين الحق بالدلائل الباهرة أراد أن يذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال ﴿ ولا تزر وازرة ﴾ يعني أن النفوس الوازرات لا ترى واحدة منهن إلا حاملة وزرها لا وزر غيرها.

ولا ينافي في هذا قوله ﴿ وليحملن أثقالَهُم وأثقالاً مع أثقالِهِم  ﴾ لأن وزر الإضلال هو وزر النفس الوزارة أيضاً، وفيه أن كل نفس وازرة مهمومة بهمّ وزرها متحيرة في أمرها.

ثم زاد في التهويل بقوله ﴿ وإن تدع مثقلة ﴾ أي نفس ذات حمل ﴿ لا يحمل منه شيء ﴾ فإن عدم قضاء الحاجة بعد السؤال أفظع.

ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ ولو كان ﴾ أي المدعوّ ﴿ ذا قربى ﴾ فإِن عدم القضاء بعد السؤال من القريب من أب وولد أدل على شدّة الأمر فيعلم منه أن لا غياث يومئذ أصلاً.

ثم بين أن هذه الإنذارات إنما تفيد أهل الخشية والطاعة حال كونهم غائبين عن العذاب أو حال كون العذاب غائباً عنهم.

ثم لما بيّن أن الوزر لا يتعدى إلى الغير بيّن أن التظهر عن الذنوب لا يفيد إلا نفس المتزكي ﴿ وإلى الله المصير ﴾ لكل فيجزيهم على حسب ذلك.

ثم ضرب للكافر والمؤمن مثلاً فقال ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ وقيل: إنه مثل للصنم وللمعبود الحق.

ثم ذكر للكفر والإيمان مثلاً قائلاً ﴿ ولا الظلمات ولا النور ﴾ وإذا كان الإيمان نوراً والمؤمن بصيراً فلا يخفى عليه النور، وإذا كان الكفر ظلمة والكافر أعمى فله صادّ فوق صادّ.

ثم بيّن لمآلهما ومرجعهما مثلاً وهو الظل والحرور.

قال أهل اللغة: السموم يكون بالنهار والحرور أعم.

وقال بعضهم: الحرور يكون بالليل فالمؤمن بإيمانه كمن هو في ظل وراحة، والكافر في كفره كمن هو حرّ وتعب.

وههنا مسائل.

الأولى: ضرب أوّلاً مثلاً للكافر والمؤمن ثم أعاد مثلهما بقوله ﴿ وما يستوي الأحياء ولا الأموات ﴾ وهذا أبلغ لأن الأعمى والبصير قد يشتركان في إدراك أشياء ولا كذلك الحي والميت ولمكان هذه المبالغة أعاد الفعل.

الثانية: كرر "لا" النافية في الأمثال الأخيرة دون الأوّل، لأن المنافاة بين العمى والبصر ليست ذاتية كما في سائرهما وقد يكون شخص واحد بصيراً بإحدى العينين أعمى بالأخرى.

الثالثة: قدم الأشرف في مثلين وهو الظل والحيّ، وأخره في الآخرين فهم أهل الظاهر أن ذلك لرعاية الفواصل.

والمحققون قالوا: إنهم كانوا قبل البعث في ظلمة الضلال فصاروا إلى نور الإيمان في زمان محمد  ، فلهذا الترتيب قدّم مثل الكافر وكفره على مثل المؤمن وإيمانه.

ولما ذكر المآل والمرجع قدم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب لأن رحمته سبقت غضبه.

ثم إن الكافر المصرّ بعد البعثة صار أضلّ من الأعمى وشابه الأموات في عدم إدراك الحق فقال ﴿ وما يستوي الأحياء ﴾ أي المؤمن الذي آمن بما أنزل الله.

والأموات الذين تليت عليهم الآيات ولم تنجع فيهم البينات فأخرهم عن المؤمنين لوجود حياتهم قبل ممات الكافرين المعاندين.

الرابعة: إنما وحد الأعمى والبصير لأن المراد أن أحد الجنسين لا يساوي جنس الآخر من جهة العمى والبصر، ولعل فرداً من أحدهما قد يساوي الفرد الآخر من جهة أخرى وكذا الكلام في إفراد الظل والحرور.

وإنما جمع الظلمات ووحّد النور لما مرّ في أوّل "الأنعام" من تحقيق أن الحق واحد والشبهات كثيرة.

وإنما جمع الأحياء والأموات لأن المراد أن أحد الصنفين لا يساوي الآخر سواء قابلت الجنس بالجنس أو قابلت الفرد بالفرد.

الخامسة: لا يخفى أن هذه الواوات بعضها ضمت شفعاً إلى شفع وبعضها ضمت وتراً إلى وتر.

ثم سلى ورسوله بقوله ﴿ إن الله يسمع ﴾ الآية.

فقد مرّ نظيره في قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى  ﴾ وإنما اقتصر على قوله ﴿ إن أنت إلا نذير ﴾ وكذا في قوله ﴿ إلا خلا فيها نذير ﴾ لأن الكلام في معرض التهديد مع أن ذكر البشير يدل عليه بل ذكر النذير يدل على مقابله.

والمراد بالنذارة آثارها لثبوت زمان الفترة.

ثم زاد في التسلية بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ وقد مر مثله في آخر "آل عمران".

وإنما حذف الفاعل هناك لبناء الكلام هنالك على الاقتصار دليله أنه قال ﴿ وإن يكذبوك فقد كذب ﴾ فاقتصر على لفظ المضيّ ولم يسم الفاعل، ويحتمل أن يكون لفظ الماضي إشارة إلى وقوع التكذيب منهم فإن تلك السورة مدنية والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا ﴾ إلى آخر ما ذكر - فيه فوائد من الحكمة: أحدها: أنه جعل - عز وجل - طبع الماء مما يلائم ويوافق طباع هذه الثمرات على اختلاف جواهرها وألوانها؛ حتى يكون حياة كل شيء منها وقوامه بهذا الماء، وكذلك جعل طبع هذا الماء ملائماً موافقاً طباع جميع الخلائق من البشر والدواب والطير والوحش وجميع الحيوان، على اختلاف جواهرهم وأصنافهم وغذائهم، حتى صار هو غذاء وحياة لهم وقياما به؛ ليعلم أن من ملك هذا وقدر توفيق هذا - على اختلاف ما ذكرنا من الجواهر والأغذية - وتدبيرَهُ، لا يعجزه إنشاء شيء لا من شيء، ولا يخفى عليه شيء، وفي ذلك دلالة البعث: أن من بلغت قدرته وتدبيره وعلمه هذا المبلغ لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء.

والثاني: أنه أنشأ ما ذكر من مختلف الأشياء والجواهر بهذا الماء، وجعله سبباً لحياة ما ذكر من البشر والدواب وغيره، من غير أن يكون في ذلك الماء الذي أنشأ ذلك منه، وجعله سبباً لحياتهم من أثر ذلك فيه أو من جنسه؛ ليعلم أنه لم يكن أنشأ هذه الأشياء بهذا الماء، ولا جعله سبباً لها على الاستعانة به والتقوية، بل إعلاماً للخلق أسباب مطالب الغذاء والفضل لهم؛ إذ لو كان على الاستعانة وجعله سبباً له في إنشاء ذلك، لكان يكون تلك الأشياء المنشأة مشاكلة للماء مشابهة له؛ دل أنه جعل ذلك سبباً للخلق في الوصول إلى ما ذكرنا من الأغذية لهم من غير أن يروا أرزاقهم من تلك الأسباب والمكاسب ولكن من فضل الله.

والثالث: أنشأ هذه الفواكه والثمرات مختلفة ألوانها وطعمها؛ لما علم من البشر من الملالة والسآمة من نوع واحد ولون واحد؛ ليتم نعمه عليهم ليتأدّى بذلك الشكر عليها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ﴾ .

قال بعضهم: أنشأ الجبال أيضاً مختلفة من بيض وحمر وغرابيب، كما أنشأ الثمرات والدواب والحيوان كلها مختلفة.

وقال بعضهم: ذلك وصف، وصفها بالسواد للطرق التي أنشأها في الجبال ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كاختلاف الجبال والثمار، وكذلك: ﴿ وَغَرَابِيبُ ﴾ جمع غربيب، وهو الشديد السواد، يقال: أسود غربيب؛ وهو [قول] القتبي وأبي عوسجة، ورجل غربيب الشعر، أي: أسود الشعر، ومأخذه من الغراب لأنه أسود، والجدد: الخطوط والطرائق في الجبال.

وقال أبو عوسجة: الجدة: الخطة، [و] الجدد: جميع الخطوط، يقال: جددت، أي: خططت، [و] يقال: ثوب جديد وثياب جدد، ﴿ وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ ﴾ أي: طرائق مختلفة ألوانها بعضها بيض وبعضها غرابيب وهي سود.

يذكر قدرته وتذكيره أن الجبال مع غلظها وشدتها وارتفاعها جعلها بحيث يتطرق منها في صعودها وهبوطها، فمن قدر على هذا لا يعجزه ولا يخفى عليه شيء.

أو يذكر نعمه عليهم حيث سخرها لهم؛ ليقضوا فيها حوائجهم فيما بعد عنهم وصعب عليهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ ﴾ .

هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: أن الذي يحقّ على العالم بالله أن يكون هو يخشاه؛ لما يعلم من سلطانه وهيبته وقدرته وجلاله.

والثاني: أن العالم بالبعث والمؤمن به هو يخشى مخالفة الله في أوامره ونواهيه؛ لما يعلم من نقمته وعذابه من خالفه وعصى أمره، فأمّا من [لم] يعلم بالبعث ولم يؤمن به فلا يخافه؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ ﴾ \[المؤمنون: 57\] ونحوه.

أو أن يكون قوله: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ ﴾ عباده من جملة المؤمنين؛ يقول - والله أعلم -: إنما يخشى الله من عباده المؤمنون به، المصدقون عذابه ونقمته، فأمّا من لم يؤمن به فلا يخافه كما ذكرنا في قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ  ﴾ إن في ذلك لآيات لكل مؤمن، ويكون الصبار والشكور كناية عن المؤمن؛ فعلى ذلك هذا محتمل.

وقال أهل التأويل: على التقديم والتأخير، أي: أشد الناس لله خشية أعلمهم بالله، والخشية: قال الحسن: هي الخوف الدائم اللازم في القلب غير مفارق له، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ .

قال بعضهم: العزيز: المنتقم من أعدائه، والغفور لذنوب المؤمنين.

وقال بعضهم: عزيز في ملكه ومن دونه ذليل، غفور، أي: ستور على ذنوب المؤمنين.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .

يحتمل ما ذكر من تلاوة الكتاب هاهنا، ما ذكر في آية أخرى قال: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ  ﴾ وأقاموا فيها من الأمر بالصلاة والأمر بالزكاة.

أو أن يكون قوله: ﴿ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ ﴾ أي: يتبعون كتاب الله فيما فيه مما لهم ومما عليهم، يتبعون كله من الإقدام على الحلال والاجتناب على الحرام، والمشفقون بكتاب الله هم الذين اتبعوا ما فيه من إقامة الصلاة وإنفاق ما رزقوا، فأما من تلا ولم يتبع ما فيه فكأنه لم يتل، وهو كما نفى عنهم هذه الحواس من البصر والسمع واللسان وغيره؛ لتركهم الانتفاع بها وإن كانت لهم تلك الحواس حقيقة، وأثبتها للمؤمن لما انتفع بها وإن لم تكن له تلك حقيقة؛ فعلى ذلك يحتمل الأول، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ في كل حال وكل وقت لا يتركون الإنفاق على كل حال؛ كقوله: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ  ﴾ ، أي: ينفقون على كل حال.

ويحتمل: فلينفقوا مما رزقناهم ﴿ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ ، أي: يتصدقون الصدقة ظاهراً وباطناً، أي: ما ظهر للناس وعلموا به، وما خفي عنهم واستتر؛ لما قصدوا بها وجه الله لا مراءاة الخلق، فمن كان قصده بالخيرات وجه الله لا مراءاة الخلق، فعلمهم به وجهلهم سواء، لا يمتنع عن ذلك أبداً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ ﴾ .

سمى ما يبذل العبد لله: تجارة، وإن كان ذلك له في الحقيقة لطفاً منه وإحساناً، وكذلك ما ذكر من إيفاء الأجر لهم على أعمالهم حيث قال: ﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ ﴾ ، وذلك ليس في الحقيقة أجراً لما يستوجبون الأجر قبله بتلك الأعمال؛ لما عليهم من الشكر فيما أنعم عليهم من أنواع النعم، ومتى يفرغون عن شكر ما أنعم عليهم حتى يكون ذلك أجراً لهم، لكنه - عز وجل - بفضله وإنعامه وعد لهم الثواب والأجر على حسناتهم وأعمالهم الصالحات؛ إفضالا منه وإنعاماً منه، وسمى ذلك: تجارة كأن ليس ذلك له في الحقيقة؛ ترغيباً منه الخلق في ذلك وتحريضاً لهم على ذلك، والله أعلم.

﴿ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ﴾ على ذلك أيضاً.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ غَفُورٌ ﴾ أي: ستور لمساويهم، ﴿ شَكُورٌ ﴾ أي: مظهر لحسناتهم بإدخاله إياهم الجنة؛ ليعلم أحد أنه كان محسناً لا مسيئاً.

أو ﴿ غَفُورٌ ﴾ : يتجاوز عن مساوئهم، ﴿ شَكُورٌ ﴾ : يقبل اليسير من العمل القليل منهم [و] يجزيهم على ذلك الجزيل من الثواب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَّن تَبُورَ ﴾ .

قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ لَّن تَبُورَ ﴾ أي: لن تفنى أو لن تكسد، يقال: بارت التجارة تبور فهي بائرة: إذا كسدت.

﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ ﴾ : من الإيفاء، يقال: أوفيته حقه، أي: أعطيته [حقه] كله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقالوا بعد دخولهم الجنة: الحمد لله الذي أزال عنا الحزن بسبب ما كنا نخافه من دخول النار، إن ربنا لغفور لذنوب من تاب من عباده، شكور لهم على طاعتهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.ML1ZV"

مزيد من التفاسير لسورة فاطر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله