الآية ٣٣ من سورة فاطر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ٣٣ من سورة فاطر

جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍۢ وَلُؤْلُؤًۭا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌۭ ٣٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 98 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٣ من سورة فاطر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٣ من سورة فاطر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أن مأوى هؤلاء المصطفين من عباده ، الذين أورثوا الكتاب المنزل من رب العالمين يوم القيامة ( جنات عدن ) أي : جنات الإقامة يدخلونها يوم معادهم وقدومهم على ربهم ، عز وجل ، ( يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ) ، كما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " .

( ولباسهم فيها حرير ) ولهذا كان محظورا عليهم في الدنيا ، فأباحه الله لهم في الدار الآخرة ، وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " .

وقال : " [ لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ] هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة " .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا عمرو بن سواد السرحي ، أخبرنا ابن وهب ، عن ابن لهيعة ، عن عقيل بن خالد ، عن الحسن ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه; أن أبا أمامة حدث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم ، وذكر حلي أهل الجنة فقال : " مسورون بالذهب والفضة ، مكللة بالدر ، وعليهم أكاليل من در وياقوت متواصلة ، وعليهم تاج كتاج الملوك ، شباب جرد مرد مكحلون " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) يقول تعالى ذكره: بساتين إقامة يدخلونها هؤلاء الذين أورثناهم الكتاب، الذين اصطفينا من عبادنا يوم القيامة (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ) يلبسون في جنات عدن أسورة من ذهب ( وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ) يقول: ولباسهم في الجنة حرير.

وقوله ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ) اختلف أهل التأويل في الحَزَنِ الذي حمد الله على إذهابه عنهم هؤلاء القوم؛ فقال بعضهم: ذلك الحزَن الذي كانوا فيه قبل دخولهم الجنة من خوف النار إذ كانوا خائفين أن يدخلوها.

* ذكر من قال ذلك: حدثني قتادة بن سعيد بن قتادة السدوسي قال: ثنا معاذ بن هشام صاحب الدستوائي قال: ثنا أَبي عن عمرو بن مالك عن أَبي الجوزاء عن ابن عباس في قوله ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ) قال: حزن النار.

حدثنا ابن حميد قال: ثنا ابن المبارك عن مَعْمَر عن يحيى بن المختار عن الحسن وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا قال: إن المؤمنين قوم ذُلُل ذلَّت والله الأسماع والأبصار والجوارح، حتى يحسبهم الجاهل مَرضَى، وما بالقوم مرض، وإنهم لأصحة القلوب ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ) والحَزَنُ، والله ما حزنهم حزن الدنيا ولا تعاظم في أنفسهم ما طلبوا به الجنة أبكاهم الخوف من النار، وأنه من لا يتعزَّ بعزاء الله يقطِّع نفسه على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب فقد قل علمه وحضر عذابه.

وقال آخرون: عني به الموت.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أَبو كريب قال: ثنا ابن إدريس عن أبيه عن عطية في قوله ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ) قال: الموت.

وقال آخرون: عني به حزن الخبز (2) .

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد قال: ثنا يعقوب عن حفص يعني ابن حميد عن شمر قال: لما أدخل الله أهل الجنة الجنة قالوا( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ) قال: حزن الخبز.

وقال آخرون.

عني بذلك: الحزن من التعب الذي كانوا فيه في الدنيا.

* ذكر من قال ذلك: ------------------------ الهوامش: (2) كذا في الأصل: الخبز، ولعل المراد به.

هم العيش في الدنيا.

والعيش فيها قوامه الطعام والخبز.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : جنات عدن يدخلونها جمعه في الدخول ; لأنه ميراث ، والعاق والبار في الميراث سواء إذا كانوا معترفين بالنسب ; فالعاصي والمطيع مقرون بالرب .

وقرئ : ( جنة عدن ) على الإفراد ، كأنها جنة مختصة بالسابقين لقلتهم ; على ما تقدم .

و ( جنات عدن ) بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر ; أي يدخلون جنات عدن يدخلونها .

وهذا للجميع ، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى .

وقرأ أبو عمرو ( يدخلونها ) بضم الياء وفتح الخاء .

قال : لقوله : ( يحلون ) .

وقد مضى في ( الحج ) الكلام في قوله تعالى : يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر جزاء الذين أورثهم كتابه فقال: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } أي: جنات مشتملات على الأشجار، والظل، والظليل، والحدائق الحسنة، والأنهار المتدفقة، والقصور العالية، والمنازل المزخرفة، في أبد لا يزول، وعيش لا ينفد.والعدن \"الإقامة\" فجنات عدن أي: جنات إقامة، أضافها للإقامة، لأن الإقامة والخلود وصفها ووصف أهلها.{ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ } وهو الحلي الذي يجعل في اليدين، على ما يحبون، ويرون أنه أحسن من غيره، الرجال والنساء في الحلية في الجنة سواء.{ و } يحلون فيها { لُؤْلُؤًا } ينظم في ثيابهم وأجسادهم.

{ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } من سندس، ومن إستبرق أخضر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم أخبر بثوابهم فقال : ( جنات عدن يدخلونها ) يعني : الأصناف الثلاثة ، قرأ أبو عمرو " يدخلونها " بضم الياء وفتح الخاء ، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم الخاء ( يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«جنات عدن» أي إقامة «يدخلونها» الثلاثة بالبناء وللمفعول خبر جنات المبتدأ «يُحلَّون» خبر ثان «فيها من» بعض «أساور من ذهب ولؤلؤا» مرصع بالذهب «ولباسهم فيها حرير».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

جنات إقامة دائمة للذين أورثهم الله كتابه يُحلَّون فيها الأساور من الذهب واللؤلؤ، ولباسهم المعتاد في الجنة حرير أي: ثياب رقيقة.

وقالوا حين دخلوا الجنة: الحمد لله الذي أذهب عنا كل حَزَن، إن ربنا لغفور؛ حيث غفر لنا الزلات، شكور؛ حيث قبل منا الحسنات وضاعفها.

وهو الذي أنزلَنا دار الجنة من فضله، لا يمسنا فيها تعب ولا إعياء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وعلى هذا يكون الضمير فى قوله - تعالى - بعد ذلك : ( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا .

.

.

) يعود إلى تلك الأقسام الثلاثة ، لأنهم جميعاً من أهل الجنة بفضل الله ورحمته .ومن العلماء من يرى أن المراد بالظالم لنفسه : الكافر ، وعليه يكون الضمير فى قوله : ( يَدْخُلُونَهَا ) يعود إلى المقتصد والسابق بالخيرات ، وأن هذه الآية نظير قوله - تعالى - فى سورة الواقعة : ( وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً فَأَصْحَابُ الميمنة مَآ أَصْحَابُ الميمنة وَأَصْحَابُ المشأمة مَآ أَصْحَابُ المشأمة والسابقون السابقون .

.

) .ومن المفسرين الذين رجحوا القول الأول ابن كثير فقد قال ما ملخصه : يقول - تعالى - ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم .

.

.

وهم هذه الأمة على ثلاث أقسام : ( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ) وهو المفرط فى بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات .

( وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ ) وهو المؤدى للواجبات التارك للمرحمات وقد يترك بعض المستحبات ، ويفعل بعض المكروهات .( وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله ) وهو الفاعل للواجبات والمستحبات .وقال ابن عباس : هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ورثهم الله - تعالى - كل كتاب أنزله .

فظالمهم يغفر له ، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا ، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب .وفى رواية عنه : السبق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب ، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله - تعالى - ، والظالم لنفسه يدخل الجنة بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم .وفى الحديث الشريف : " شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى " .وقال آخرون : الظالم لنفسه : هو الكافر .والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة ، وهذا اختيار ابن جرير كما و ظاهر الآية ، وكا جاءت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق يشد بعضها بعضاً .ثم أورد الإِمام ابن كثير بعد ذلك جملة من الأحاديث منها : ما أخرجه الإِمام أحمد عن أبى سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال فى هذه الآية : " هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة ، وكلهم فى الجنة " .ومعنى قوله " بمنزلة واحدة " أى : فى أنهم من هذه الأمة ، وأنهم من أهل الجنة ، وإن كان بينهم فرق فى المنازل فى الجنة .وقال الإِمام ابن جرير : فإن قال لنا قائل : إن قوله ( يَدْخُلُونَهَا ) إنما عنى به المقتصد والسابق بالخيرات؟قيل له : وما برهانك على أن ذلك كذلك من خبر أو عقل؟

فإن قلا : قيام الحجة أن الظالم من هذه الأمة سيدخل النار ، ولم لم يدخل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد ، وجب أن لا يكون لأهل الإِيمان وعيد .قيل : إنه ليس فى الآية خبر أنهم لا يدخلون النار ، وإنما فيها إخبار من الله - تعالى - أنهم يدخلون جنات عدن : وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة الله إياه على ذنوبه التى أصابها فى الدنيا .

.

ثم يدخلون الجنة بعد ذلك ، فيكون ممن عمه خبر الله - تعالى - بقوله : ( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ) .وقال الشوكانى : والظالم لنفسه : هو الذى عمل الصغائر .

وقد روى هذا القول عن عمر ، وعثمان ، وابن مسعود ، وأبى الدرداء ، وعائشة .

وهذا هو الراجح ، لأن عمل الصغائر لا ينافى الاصطفاء ، ولا يمنع من دخول صاحبه مع الذين يدخلون الجنة يحلون فيها من أساور .

.

وجه كونه ظالماً لنفسه ، أنها نقصها من الثواب بما فعل من الصغائر المغفورة له ، فإنه لو عمل تلك الصغائر طاعات ، لكان لنفسه فيها من الثواب عظيماً .

.قالوا : وتقديم الظالم لنفسه على المقتصد وعلى السابق بالخيرات .

لا يقتضى تشريفاً ، كما فى قوله - تعالى - ( لاَ يستوي أَصْحَابُ النار وَأَصْحَابُ الجنة .

.

) ولعل السر فى مجئ هذه الأقسام بهذا الترتيب ، أن الظالمين لأنفسهم الأقسام عددا ، ويليهم المقتصدون ، ويليهم السابقون بالخيرات ، كما قال - تعالى - ( وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور ) وقوله : ( بِإِذُنِ الله ) أى : بتوفيقه وإرادته وفضله .واسم الإِشارة فى قوله : ( ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير ) يعود إلى ما تقدم من توريث الكتاب ومن الاصطفاء .أى : ذلك الذى أعطيناه - أيها الرسول الكريم - لأمتك من الاصطفاء ومن توريهم الكتاب ، هو الفضل الواسع الكبير ، الذى لا يقادر قدره ، ولا يعرف كنهه إلا الله - تعالى - .ثم بين - سبحانه - مظاهر هذا الفضل فقال : ( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ) والضمير للأنواع الثلاثة .أى : هؤلاء الظالمون لأنفسهم والمقتصدون والسابقون بالخيرات ، ندخلهم بفضلنا ورحمتنا ، الجنات الدائمة التى يخلدون فيها خلوداً أبدياً .يقال : عدن فلان بالمكان ، إذا أقام به إقامة دائمة .( يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ) أى أنهم يدخلون الجنات دخولاً دائماً ، وهم فى تلك الجنات يتزينون بأجمل الزينات ، وبأفخر الملابس ، حيث يلبسون فى أيديهم أساور من ذهب ولؤلؤا ، أما ثيابهم فهى من الحرير الخالص .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الداخلين وجوه: أحدها: الأقسام الثلاثة وهي على قولنا أن الظالم والمقتصد والسابق أقسام المؤمنين والثاني: الذين يتلون كتاب الله والثالث: هم السابقون وهو أقوى لقرب ذكرهم ولأنه ذكر إكرامهم بقوله: ﴿ يُحَلَّوْنَ ﴾ فالمكرم هو السابق وعلى هذا فيه أبحاث: الأول: تقديم الفاعل على الفعل وتأخير المفعول عنه موافق لترتيب المعنى إذا كان المفعول حقيقياً كقولنا: الله خلق السموات، وقول القائل: زيد بنى الجدار فإن الله موجود قبل كل شيء، ثم له فعل هو الخلق، ثم حصل به المفعول وهو السموات، وكذلك زيد قبل البناء ثم الجدار من بنائه، وإذا لم يكن المفعول حقيقياً كقولنا زيد دخل الدار وضرب عمراً فإن الدار في الحقيقة ليس مفعولاً للداخل وإنما فعل من أفعال تحقق بالنسبة إلى الدار، وكذلك عمرو فعل من أفعال زيد تعلق به فسمي مفعولاً لا يحصل هذا الترتيب، ولكن الأصل تقديم الفاعل على المفعول ولهذا يعاد المفعول المقدم بالضمير تقول عمراً ضربه زيد فتوقعه بعد الفعل بالهاء العائدة إليه وحينئذ يطول الكلام فلا يختاره الحكيم إلا لفائدة، فما الفائدة في تقديم الجنات على الفعل الذي هو الدخول وإعادة ذكر بالهاء في يدخلونها، وما الفرق بين هذا وبين قول القائل يدخلونها جنات عدن؟

نقول السامع إذا علم أن له مدخلاً من المداخل وله دخول ولم يعلم عين المدخل فإذا قيل له أنت تدخل فإلى أن يسمع الدار أو السوق يبقى متعلق القلب بأنه في أي المداخل يكون، فإذا قيل له دار زيد تدخلها فبذكر الدار، يعلم مدخله وبما عنده من العلم السابق بأن له دخولاً يعلم الدخول فلا يبقى له توقف ولا سيما الجنة والنار، فإن بين المدخلين بوناً بعيداً الثاني: قوله: ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا ﴾ إشارة إلى سرعة الدخول فإن التحلية لو وقعت خارجاً لكان فيه تأخير الدخول فقال: ﴿ يَدْخُلُونَهَا ﴾ وفيها تقع تحليتهم الثالث: قوله: ﴿ مِنْ أَسَاوِرَ ﴾ بجمع الجمع فإنه جمع أسورة وهي جمع سوار، وقوله: ﴿ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ ليس كذلك لأن الإكثار من اللباس يدل على حاجة من دفع برد أو غيره والإكثار من الزينة لا يدل إلا على الغنى الرابع: ذكر الأساور من بين سائر الحلي في كثير من المواضع منها قوله تعالى: ﴿ وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ  ﴾ وذلك لأن التحلي بمعنيين أحدهما: إظهار كون المتحلي غير مبتذل في الأشغال لأن التحلي لا يكون حالة الطبخ والغسل وثانيهما: إظهار الاستغناء عن الأشياء وإظهار القدرة على الأشياء وذلك لأن التحلي إما باللآلئ والجواهر وإما بالذهب والفضة والتحلي بالجواهر واللآلئ يدل على أن المتحلي لا يعجز عن الوصول إلى الأشياء الكبيرة عند الحاجة حيث يعجز عن الوصول إلى الأشياء القليلة الوجود لا لحاجة، والتحلي بالذهب والفضة يدل على أنه غير محتاج حاجة أصلية وإلا لصرف الذهب والفضة إلى دفع الحاجة، إذا عرفت هذا فنقول الأساور محلها الأيدي وأكثر الأعمال باليد فإنها للبطش، فإذا حليت بالأساور علم الفراغ والذهب واللؤلؤ إشارة إلى النوعين اللذين منهما الحلي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب ﴾ ؟

قلت: فيه وجهان، أحدهما: إنا أوحينا إليك القرآن ثم أورثنا من بعدك أي حكمنا بتوريثه.

أو قال: أورثناه وهو يريد نورثه، لما عليه أخبار الله ﴿ الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا ﴾ وهم أمّته من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة؛ لأنّ الله اصطفاهم على سائر الأمم، وجعلهم أمة وسطاً ليكونوا شهداء على الناس، واختصهم بكرامة الانتماء إلى أفضل رسل الله، وحمل الكتاب الذي هو أفضل كتب الله، ثم قسمهم إلى ظالم لنفسه مجرم وهو المرجأ لأمر الله.

ومقتصد: هو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وسابق من السابقين.

والوجه الثاني: أنه قدم إرساله في كل أمّة رسولاً وأنهم كذبوا برسلهم وقد جاؤهم بالبينات والزبر والكتاب المنير، ثم قال: إنّ الذين يتلون كتاب الله، فأثنى على التالين لكتبه العاملين بشرائعه من بين المكذبين بها من سائر الأمم واعترض بقوله: ﴿ والذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الكتاب هُوَ الحق ﴾ ثم قال: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا ﴾ أي من بعد أولئك المذكورين، يريد بالمصطفين من عباده: أهل الملة الحنيفية، فإن قلت: فكيف جعلت ﴿ جنات عَدْنٍ ﴾ بدلاً من الفضل الكبير، الذي هو السبق بالخيرات المشار إليه بذلك؟

قلت: لما كان السبب في نيل الثواب، نزل منزلة المسبب، كأنه هو الثواب، فأبدلت عنه جنات عدن، وفي اختصاص السابقين بعد التقسيم بذكر ثوابهم والسكوت عن الآخرين ما فيه من وجوب الحذر، فليحذر المقتصد، وذلك الظالم لنفسه حذراً وعليهما بالتوبة النصوح المخلصة من عذاب الله، ولا يغترا بما رواه عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له» فإنّ شرط ذلك صحة التوبة لقوله تعالى: ﴿ عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 102] وقوله: ﴿ إِمَّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 106] ولقد نطق القرآن ذلك في مواضع من استقرأها اطلع على حقيقة الأمر ولم يعلل نفسه بالخدع.

وقرئ: ﴿ سباق ﴾ ومعنى: ﴿ بِإِذُنِ الله ﴾ بتيسيره وتوفيقه.

فإن قلت: لم قدم الظالم؟

ثم المقتصد ثم السابق؟

قلت: للإيذان بكثرة الفاسقين وغلبتهم، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم والسابقون أقلّ من القليل.

وقرئ: ﴿ جنة عدن ﴾ على الإفراد، كأنها جنة مختصة بالسابقين.

وجنات عدن: بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر، أي يدخلون جنات عدن يدخولنها، ويدخلونها، على البناء للمفعول.

ويحلون: من حليت: المرأة، فهي حال ﴿ وَلُؤْلُؤاً ﴾ معطوف على محل من أساور، ومن داخلة للتبعيض، أي: يحلون بعض أساور من ذهب، كأنه بعض سابق لسائر الابعاض، كما سبق المسوّرون به غيرهم.

وقيل: إنّ ذلك الذهب في صفاء اللؤلؤ.

وقرئ: ﴿ ولولؤاً ﴾ بتخفيف الهمزة الأولى، وقرئ: ﴿ الحزن ﴾ والمراد: حزن المتقين، وهو ما أهمهم من خوف سوء العاقبة، كقوله تعالى: ﴿ إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم ﴾ [الطور: 26- 27].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: حزن الاعراض والآفات.

وعنه: حزن الموت.

وعن الضحاك: حزن إبليس ووسوسته.

وقيل: همّ المعاش.

وقيل: حزن زوال النعم، وقد أكثروا حتى قال بعضهم: كراء الدار، ومعناه: أنه يعمّ كل حزن من أحزان الدين والدنيا.

حتى هذا.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس على أهل لا إله إلاّ الله وحشة في قبورهم ولا في محشرهم ولا في مسيرهم؛ وكأني بأهل لا إله إلاّ الله يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن» وذكر الشكور: دليل على أن القوم كثيرو الحسنات، المقامة: بمعنى الإقامة يقال: أقمت إقامة ومقاماً ومقامة ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ من عطائه وإفضاله، من قولهم: لفلان فضول على قومه وفواضل، وليس من الفضل الذي هو التفضل؛ لأنّ الثواب بمنزلة الأجر المستحق، والتفضل كالتبرع.

وقرئ: ﴿ لغوب ﴾ بالفتح: وهو اسم ما يلغب منه، أي: لا تتكلف عملاً يلغبنا: أو مصدر كالقبول والولوغ، أو صفة للمصدر، كأنه لغوب لغوب، كقولك: موت مائت، فإن قلت: ما الفرق بين النصب واللغوب؟

قلت: النصب التعب والمشقة التي تصيب المنتصب للأمر المزاول له.

وأما اللغوب فما يلحقه من الفتور بسبب النصب فالنصب نفس المشقة والكلفة.

واللغوب: نتيجته وما يحدث منه من الكلال والفترة.

﴿ والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور وهم يسترخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير ﴾ ﴿ فيموتوا ﴾ جواب النفي ونصبه بإضمار أن: وقرئ: فيموتون عطفا على يقضي وإدخالا له في حكم النفي أي: لا يقضي عليهم الموت فلا يموتون كقوله تعالى: ﴿ ولا يؤذن لهم فيعتذرون ﴾ [المرسلات: 36]، ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك الجزاء ﴿ نجري ﴾ وقرئ: يجارى.

ونجزي ﴿ كل كفور ﴾ بالنون ﴿ يسترخون ﴾ يتصارخون: يفتعلون من الصراخ وهو الصياح بجهد وشدة.

قال: كصرخة حبلى أسلمتها قبيلها واستعمل في الاستغاثة لجهد المستغيث صوته.

فإن قلت: هلا اكتفى بصالحا كما اكتفى به في قوله تعالى: ﴿ فارجعنا نعمل صالحا ﴾ [السجدة: 12] وما فائدة زيادة ﴿ غير الذي كنا نعمل ﴾ على أنه على أنه يؤذن أنهم يعلمون صالحا آخر غير الصالح الذي عملوه؟

قلت: فائدة زيادة التحسر على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به.

وأما الوهم فزائل لظهور حالهم في الكفر وركوب المعاصي لأنهم كانوا يحسبون أنهم على سيرة صالحة كما قال الله تعالى: ﴿ وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ﴾ [الكهف: 104] فقالوا: أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نحيبه صالحا فنعمله ﴿ أولم نعمركم ﴾ توبيخ من الله يعني: فنقول لهم.

وقرئ: وما يذكر فيه من أذكر على الإدغام وهو متناول لكل عمر تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه وإن قصر؛ إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة.

وعن مجاهد: ما بين العشرين إلى الستين.

وقيل: ثماني عشرة وسبع عشرة و(النذير) الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقيل: الشيب.

وقرئ: وجاءتكم النذر فإن قلت: علام عطف وجاءكم النذير؟

قلت: على معنى: أو لم نعمركم؛ لأن لفظه لفظ استخبار.

ومعناه معنى إخبار كأنه قيل: قد عمرناكم وجاءكم النذير.

﴿ إن الله عالم غيب السموات والأرض إنه عليم بذات الصدور ﴾ ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ كالتعليل لأنه إذا علم مافي الصدور وهو أخفى ما يكوهن فقد علم كل غيب في العالم وذات الصدور: مضمراتها وهي تأنيث ذو في محو قول أبي بكر رضي الله عنه: ذو بطن خارجة جارية وقوله: لتغني عني ذا إنائك أجمعا المعنى ما في بطنها من الحبل وما في إنائك من الشراب؛ لأن الحبل والشراب يصحبان البطن والإناء.

ألا ترى إلى قولهم: معها حبل وكذلك المضمرات تصحب الصدور وهي معها وذو: موضوع لمعنى الصحبة.

﴿ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد كفرهم إلا خسارا ﴾ .

يقال للمستخلف: خليفة؛ فالخليفة تجمع خلائف والخليف: خلفاء والمعنى أنه جعلكم خلفاءه في أرضه قد ملككم مقاليد التصريف فيها وسلطكم على ما فيها وأباح لكم منافعها لتشكروه بالتوحيد والطاعة (فمن كفر) منكم وغمط مثل هذه النعمة السنية فوبال كفره راجع عليه وهو مقت الله الذي ليس وراءه خزي وصغار وخسارة الآخرة الذي ما بقي بعده خسار والمقت: أشد البغض.

ومنه قيل لمن ينكح امرأته أبيه: مقتي لكونه ممقوتا في كل قلب.

وهو خطاب للناس.

وقيل: خطاب لمن بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أي جعلكم فعليه جزاء كفره من مقت الله وخسار الآخرة كما أن ذلك حكم من قبلكم.

﴿ قل أرءيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات أم ءاتيناهم كتابا فهم على بينت منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا ﴾ ﴿ أروني ﴾ بدل من أرأيتم: لأن المعنى: أرأيتم أخبروني كأنه قال: أخبروني عن هؤلاء الشركاء وعما استحقوا به الإلهية والشركة أروني أي جزء من أجزاء الأرض استبدوا بخلقه دون الله أم لهم مع الله شركة في خلق السموات أم معهم كتاب من عند الله ينطق بأنهم شركاؤه فهم على حجة وبرهان من ذلك الكتاب.

أو يكون الضمير في ﴿ ءاتيناكم ﴾ للمشركين كقوله تعالى: ﴿ أم أنولنا عليهم سلطانا ﴾ [الروم: 35] أم آتيناهم كتابا من قبله بل إن يعد بعضهم وهم الرؤوساء ﴿ بعضا ﴾ وهم الأتباع ﴿ إلا غرورا ﴾ وهو قولهم: ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ [يونس: 18] وقرئ: بينات.

﴿ إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا ﴾ ﴿ أن تزولا ﴾ كراهة أن تزولا.

أو يمنعهما من أن تزولا: لأن الإمساك منع ﴿ إنه كان حليما غفورا ﴾ غير معاجل بالعقوبة حيث يمسكها وكانتا جديرتين بأن تهدا هدا لعظم كلمة الشرك كما قال: ﴿ تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ﴾ [مريم: 90] .

وقرئ: ولو زالتا وإن أمسكهما: جواب القسم في ﴿ ولئن زالتا ﴾ سد مسد الجوابين ومن الأولى مزيدة لتأكيد النفي والثانية: للإبتداء.

ومن بعده: من بعد إمساكه.

وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال لرج لمقبل من الشام: من لقيت به؟

قال: كعبا.

قال: وما سمعته يقول؟

قال: سمعته يقول: إن السموات على منكب ملك.

قال: كذب كعب.

أما ترك يهوديته بعد ثم قرأ هذه الآية: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن اهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا استكبارا في الأرض ومكر السي ولا يحيق المكر الئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في ألأرض إنه كان عليما قديرا ﴾ بلغ قريشا قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبوه.

وفي ﴿ إحدى الأمم ﴾ وجهان: أحدهما: من بعض الأمم ومن واحدة من الأمم من اليهود والنصارى وغيرهم.

والثاني: من الأمة التي يقال لها إحدى الأمم تفصيلا لها على غيرها في الهدى والاستقامة ﴿ ما زادهم ﴾ اسناد مجازي لأنه هو لسبب في أنزادوا أنفسهم.

نفورا عن الحق وابتعادا عنه كقوله تعالى: ﴿ فزادتهم رجسا إلى رجسهم ﴾ [التوبة: 125] .

﴿ استكبارا ﴾ بدل من نفورا.

أو مفعول له على معنى: فما زادهم إلا أن نفروا استكبارا وعلوا ﴿ في الأرض ﴾ أو حال بمعنى: مستكبرين وماكرين برسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

ويجوز أن يكون ﴿ ومكر السيئ ﴾ معطوفا على نفورا فإن قلت: فما وجه قوله: ﴿ ومكر السيئ ﴾ ؟

قلت: أصله: وأن مكروا السيئ أي المكر السيئ ثم ومكرا السيئ.

ثم ومكر السيئ والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ﴾ ومعنى يحيق: يحيط وينزل.

وقرئ: ولا يحيق المكر السيئ أي لا يحيق الله ولقد حاق بهم يوم بدر.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ﴾ ولا تبغوا ولا تعينوا باغيا يقول الله تعالى: ﴿ إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ [يونس: 23] » .

وعن كعب أنه قال لابن عباس رضي الله عنهما: قرأت في التوراة: من حفر مغواة وقع فيها.

قال: أنا وجدت ذلك في كتاب الله وقرأ الآية.

وفي أمثال العرب: من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا.

وقرأ حمزة: ومكر السيئ بإسكان الهمزة وذلك لاستقاله الحركات مع الياء والهمزة ولعله اختلس فظن سكونا أو وقف وقفة خفيفة ثم ابتدى ﴿ ولا يحيق ﴾ .

وقرأ ابن مسعود: ومكرا سيئا ﴿ سنت الأولين ﴾ إنزال العذاب على الذين كذبوا برسلهم من الأمم قبلهم وجعل استقبالهم لذلك انتظارا له منهم وبين أن عادجته التي هي الانتقام من مكذبي الرسل عادة لا يبدلها ولا يحولها أي: لا يغيرها وأن ذلك مفعول له لا محالة واستشهد عليهم بما كانوا يشاهدونه في مسايرهم ومتاجرهم في رحلهم إلى الشام والعراق واليمن: من آثار الماضين وعلامات هلاكهم ودمارهم ﴿ ليعجزه ﴾ ليسبقه ويفوته.

﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ﴾ ﴿ بما كسبوا ﴾ بما اقترفوا من معاصيهم ﴿ على ظهرها ﴾ على ظهر الأرض ﴿ من دابة ﴾ من نسمة تدب عليها يريد بني آدم.

وقيل: ما ترك بني آدم وغيرهم من سائر الدواب بشؤم ذنوبهم.

وعن ابن مسعود: كاد الجعل يعذب في جحره بذنب ابن آدم ثم تلا هذه الآية.

وعن أنس: إن الضب ليموت هزالا في جحره بذنب ابن آدم.

وقيل: يحبس المطر فيهلك كل شيء ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ إلى يوم القيامة ﴿ كان بعباده بصيرا ﴾ وعيد بالجزاء.

من قرأ سورة الملائكة دعته ثمانية أبواب الجنة: أن ادخل من أي باب شئت.

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والضَّمِيرُ لِلثَّلاثَةِ أوْ لِـ ( الَّذِينَ ) أوْ لِلْـ ( مُقْتَصِدٌ ) والـ ( سابِقٌ )، فَإنَّ المُرادَ بِهِما الجِنْسُ وقُرِئَ «جَنَّةُ عَدْنٍ» و «جَنّاتِ عَدْنٍ» مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ( يُدْخَلُونَها ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

﴿ يُحَلَّوْنَ فِيها ﴾ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وقُرِئَ ( يُحَلَّوْنَ ) مِن حَلِيَتِ المَرْأةُ فَهي حالِيَةٌ.

﴿ مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ﴾ ( مِن ) الأُولى لِلتَّبْعِيضِ والثّانِيَةُ لِلتَّبْيِينِ.

﴿ وَلُؤْلُؤًا ﴾ عُطِفَ عَلى ( ذَهَبٍ ) أيْ ( مِن ذَهَبٍ ) مُرَصَّعٍ بِاللُّؤْلُؤِ، أوْ ( مِن ذَهَبٍ ) في صَفاءِ اللُّؤْلُؤِ ونَصَبَهُ نافِعٌ وعاصِمٌ رَحِمَهُما اللَّهُ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ﴿ مِن أساوِرَ ﴾ .

﴿ وَلِباسُهم فِيها حَرِيرٌ ﴾ .

﴿ وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ ﴾ هَمَّهم مِن خَوْفِ العاقِبَةِ، أوْ هَمَّهم مِن أجْلِ المَعاشِ وآفاتِهِ أوْ مِن وسْوَسَةِ إبْلِيسَ وغَيْرِها، وقُرِئَ ( الحُزْنَ ) .

( وإنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ ) لِلْمُذْنِبِينَ.

﴿ شَكُورٌ ﴾ لِلْمُطِيعِينَ.

﴿ الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ ﴾ دارَ الإقامَةِ.

﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ مِن إنْعامِهِ وتَفَضُّلِهِ إذْ لا واجِبَ عَلَيْهِ.

﴿ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ﴾ تَعَبٌ.

﴿ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ ﴾ كَلالٌ، إذْ لا تَكْلِيفَ فِيها ولا كَدَّ، أتْبَعَ نَفْيَ النَّصَبِ نَفْيَ ما يَتْبَعُهُ مُبالَغَةً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{جنات عدن} خبر ثان لذلك أو خبر مبتدا محذوف أو مبتدأ أو الخبر {يَدْخُلُونَهَا} أي الفرق الثلاثة يَدْخُلُونَهَا أبو عمرو {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ} جمع أسورة جمع سوار {مّن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً} أي من ذهب مرصع باللؤلؤ ولؤلؤا بالنصب والهمزة نافع وحفص عطفاً على محل من أساور أى يحلون اساور ولؤلؤ {ولباسهم فيها حرير} لما فيه من الذة والزينة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَدْخُلُونَها ﴾ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الجَحْدَرِيِّ وهارُونَ عَنْ عاصِمٍ «جَنّاتِ» بِالنَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ أيْ يَدْخُلُونَ جَنّاتِ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، واحْتِمالُ جَرِّهِ بَدَلًا مِنَ الخَيْراتِ بِعِيدٌ، وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِأجْنَبِيٍّ فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.

وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلَّذِينَ اِصْطَفَيْنا أوْ لِلثَّلاثَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى السَّبْقِ بِالخَيْراتِ و ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الفَضْلِ الَّذِي هو السَّبْقُ، ولَمّا كانَ السَّبْقُ بِالخَيْراتِ سَبَبًا لِنَيْلِ الثَّوابِ جُعِلَ نَفْسُ الثَّوابِ إقامَةً لِلسَّبَبِ مَقامَ المُسَبَّبِ، ثُمَّ أُبْدِلَ مِنهُ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلسّابِقِ لِأنَّ القَصْدَ إلى الجِنْسِ، فَخُصَّ الوَعْدُ بِالقِسْمِ الأخِيرِ مُراعاةً لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، وهو عَلى ما سَمِعْتَ لِلْأقْسامِ الثَّلاثَةِ، وذَلِكَ هو الأظْهَرُ في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِيُطابِقَهُ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ ﴾ ولِيُناسِبَ حَدِيثَ التَّعْظِيمِ والِاخْتِصاصَ المُدْمَجَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ ﴾ وإلّا فَأيُّ تَعْظِيمٍ في ذَلِكَ الذِّكْرِ بَعْدَ أنْ لَزِمَ أكْثَرُ المُصْطَفَيْنَ في قِرْنِ الكافِرِينَ ولِيُناسِبَ ذِكْرُ الغَفُورِ بَعْدَ حالِ الظّالِمِ والمُقْتَصِدِ والشَّكُورِ حالَ السّابِقِ، ولِتَعَسُّفِ ما ذَكَرَهُ مِنَ الإعْرابِ وبُعْدِهِ عَنِ الذَّوْقِ وكَيْفَ لا يَكُونُ الأظْهَرَ وقَدْ فَسَّرَهُ كَذَلِكَ أفْضَلُ الرُّسُلِ ومَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ هَذا الكِتابُ المُبِينُ عَلى ما مَرَّ آنِفًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ الكَثِيرُ مِن أصْحابِهِ الفِخامِ ونُجُومِ الهِدايَةِ بَيْنَ الأنامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وعَدَّ مِنهم في البَحْرِ عُمَرَ وعُثْمانَ وابْنَ مَسْعُودٍ وأبا الدَّرْداءِ وأبا سَعِيدٍ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.

وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّهُ قالَ بَعْدَ أنْ قَرَأ الآيَةَ: أشْهَدُ عَلى اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ جَمِيعًا، وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأ الآيَةَ إلى ﴿ لُغُوبٌ ﴾ فَقالَ دَخَلُوها ورَبِّ الكَعْبَةِ، وفي لَفْظٍ: كُلُّهم في الجَنَّةِ، ألا تَرى عَلى أثَرِهِ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ ﴾ نَعَمْ إنْ أُرِيدَ بِالظّالِمِ لِنَفَسِهِ الكافِرُ يَتَعَذَّرُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى ما ذُكِرَ ويَتَعَيَّنُ رُجُوعُهُ إلى السّابِقِ وإلَيْهِ وإلى المُقْتَصِدِ، لِأنَّ المُرادَ بِهِما الجِنْسُ لَكِنْ لا يَنْبَغِي أنْ يُرادَ بَعْدَ هاتِيكَ الأخْبارِ.

وقَرَأ زَرُّ بْنُ حُبَيْشٍ والزُّهْرِيُّ «جَنَّةُ عَدْنٍ» بِالأفْرادِ والرَّفْعِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو «يُدْخَلُونَها» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَتْ عَنِ اِبْنِ كَثِيرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيها ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِجَنّاتٍ أوْ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وقِيلَ: إنَّها لِقُرْبِ الوُقُوعِ بَعْدَ الدُّخُولِ تُعَدُّ مُقارَنَةً، وقُرِئَ «يَحْلُوْنَ» بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الحاءِ وتَخْفِيفِ اللّامِ مِن حَلِيَتِ المَرْأةُ فَهي حالِيَةٌ إذا لَبِسَتِ الحُلِيَّ، ويُقالُ جِيدٌ حالٍ إذا كانَ عَلَيْهِ الحُلِيُّ.

﴿ مِن أساوِرَ ﴾ جَمْعُ سِوارٍ عَلى ما في الإرْشادِ، وفي القامُوسِ السِّوارُ كَكِتابٍ وغُرابٍ القَلْبُ كالأسْوارِ بِالضَّمِّ جَمْعُهُ أسْوِرَةٌ وأساوِرُ وأساوِرَةُ وسُورٌ وسُؤُورٌ اه، وإطْلاقُ الجَمْعِ عَلى جَمْعِ الجَمْعِ كَثِيرٌ فَلا مُخالَفَةَ، وسِوارُ المَرْأةِ مُعَرَّبٌ كَما قالَ الرّاغِبُ وأصْلُهُ دستواره، ومِن لِلتَّبْعِيضِ أيْ يُحَلَّوْنَ بَعْضَ أساوِرَ كَأنَّهُ بَعْضٌ لَهُ اِمْتِيازٌ وتَفَوُّقٌ عَلى سائِرِ الأبْعاضِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْبَيانِ لِما أنَّ ذِكْرَ التَّحْلِيَةِ مِمّا يُنْبِئُ عَنِ الحُلِيِّ المُبْهَمِ، وقِيلَ: زائِدَةٌ بِناءً عَلى ما يَرى الأخْفَشُ مِن جَوازِ زِيادَتِها في الإثْباتِ، وقِيلَ: نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ لِ ﴿ يُحَلَّوْنَ ﴾ وأنَّهُ بِمَعْنى يَلْبَسُونَ ومِن في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن ذَهَبٍ ﴾ بَيانِيَّةٌ ﴿ ولُؤْلُؤًا ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ ﴿ مِن أساوِرَ ﴾ أيْ ويُحَلَّوْنَ فِيها لُؤْلُؤًا.

أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «أنَّ النَّبِيَّ  تَلا الآيَةَ فَقالَ: إنَّ عَلَيْهِمُ التِّيجانَ إنَّ أدْنى لُؤْلُؤَةٍ مِنها لَتُضِيءُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ».

وقِيلَ: عُطِفَ عَلى المَفْعُولِ المَحْذُوفِ أوْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ يُحَلَّوْنَ ﴾ أيْ ويُؤْتَوْنَ لُؤْلُؤًا.

وقَرَأ جَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ «لُؤْلُؤٍ» بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ﴿ ذَهَبٍ ﴾ أيْ يُحَلَّوْنَ فِيها بَعْضَ أساوِرَ مِن مَجْمُوعِ ذَهَبٍ ولُؤْلُؤٍ بِأنْ تُنَظَّمَ حَبّاتِ ذَهَبٍ مَعَ حَبّاتِ لُؤْلُؤٍ ويُتَّخَذَ مِن ذَلِكَ سِوارٌ كَما هو مَعْهُودٌ اليَوْمَ في بِلادِنا أوْ بِأنْ يُرَصَّعَ الذَّهَبُ بِاللُّؤْلُؤِ كَما يُرَصَّعُ بِبَعْضِ الأحْجارِ، وقِيلَ: أيْ مِن ذَهَبٍ في صَفاءِ اللُّؤْلُؤِ، وفِيهِ ما فِيهِ مِنَ الكَدَرِ.

ولَعَلَّ مَن يَقُولُ بِأنَّهُ لا اِشْتِراكَ بَيْنَ ذَهَبِ الدُّنْيا ولُؤْلُؤِها وذَهَبِ الآخِرَةِ ولُؤْلُؤِها إلّا بِالِاسْمِ لا يَلْتَزِمُ النَّظْمَ ولا التَّرْصِيعَ كَما لا يَخْفى، وقُرِئَ «لُؤْلُؤًا» بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ الأُولى.

﴿ ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ ﴾ أيْ إبْرَيْسِمٌ مَحْضٌ كَما في (مَجْمَعِ البَيانِ)، وقالَ الرّاغِبُ: مارِقٌ مِنَ الثِّيابِ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ ويَلْبَسُونَ فِيها حَرِيرًا قِيلَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ثُبُوتَ اللِّباسِ لَهم أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ إذْ لا يُمْكِنُ عَراؤُهم عَنْهُ، وإنَّما المُحْتاجُ إلى البَيانِ أنْ لِباسَهم ماذا بِخِلافِ الأساوِرِ واللُّؤْلُؤِ فَإنَّها لَيْسَتْ مِنَ اللَّوازِمِ الضَّرُورِيَّةِ، ولِذا لا يَلْزَمُ العَدْلُ بَيْنَ الزَّوْجاتِ فِيها، فَجُعِلَ بَيانُ تَحْلِيَتِهِمْ مَقْصُورًا بِالذّاتِ، ولَعَلَّ هَذا هو الباعِثُ عَلى تَقْدِيمِ التَّحْلِيَةِ عَلى بَيانِ حالِ اللِّباسِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَرِيرَ ثِيابُهُمِ المُعْتادَةُ مَعَ المُحافَظَةِ عَلى هَيْئَةِ الفَواصِلِ، ولَيْسَ بِذاكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: جَنَّاتُ عَدْنٍ يعني: لهم جنات عدن أي دار الإقامة يقال عدن يعدن إذا أقام قرأ أبو عمرو وابن كثير في إحدى الروايتين يَدْخُلُونَها بضم الياء، وفتح الخاء على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

وقرأ الباقون يَدْخُلُونَها على معنى أن الفعل لهم يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ يعني: يلبسون الحلي من أساور مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً قرأ نافع وعاصم وَلُؤْلُؤاً بالنصب ومعناه: يحلون أساور ولؤلؤاً.

وقرأ الباقون بالكسر يعني: من ذهب ومن لؤلؤ.

ثم قال: وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ يعني: لباسهم في الجنة من حرير الجنة لا كحرير الدنيا.

قوله عز وجل: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ يعني: حزن الموت وحزن خوف الخاتمة.

ويقال: همّ العيش.

ويقال: همّ المرور على الصراط إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ يغفر الذنوب شَكُورٌ يقبل اليسير من العمل ويعطي الجزيل عز وجل الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ يعني: الحمد لله الذي أنزلنا دار الخلود والمقامة.

والمقام بمعنى واحد يعني: الإقامة والدوام من فضله وكرمه لاَ يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ يعني: لا يصيبنا تعب وعناء وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ يعني: لا يصيبنا فيها من أعباء كما يصيبنا في الدنيا.

ثم بين حال المشركين في النار: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ فَيَقُولُ: أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ نَاوَلْتُكَ طَهُوراً؟

فَيَشْفَعُ لَهْ» ، قال ابن نُمَيْرٍ:

«وَيَقُولُ: يَا فُلاَنٌ أَما تَذْكُرُ يَوْمَ بعَثَتْنِي لِحَاجَةِ كَذَا وَكَذَا، فَذَهَبْتُ لَكَ؟

فَيَشْفَعُ لَهُ» «١» .

وخرجه الطحاوي وابن وضاح بمعناه، انتهى من «التذكرة» .

وقوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا ...

الآيةُ: أَوْرَثْنَا معناه:

أعطيناه فرقةً بعد موتِ فرقة، والْكِتابَ هنا يريد به: معانيَ الكتابِ، وعلمَه، وأحكامَه، وعقائدَه، فكأن اللهَ تعالى لمّا أعطى أمَة محمد صلى الله عليه وسلّم القرآنَ وهو قد تضمَّن معانيَ الكُتُبِ المنزَّلةِ قَبْلَه فكأنه وَرَّثَ أمَّة محمد الكتابَ الذي كان في الأمم قبلَها.

قال ابْنُ عَطَاءَ الله في «التنوير» : قال الشيخ أبو الحسنِ الشاذليُّ- رحمه الله تعالى-: أَكْرِمِ المؤمنين وإن كانوا عصاةً فاسقينَ، وَأَمْرُهُمْ بالمعروف، وانههم عن المنكر، واهجرهم رحمة بهم لا تعزُّزاً عليهم، فلو كُشِفَ عن نور المؤمن العاصي، لَطَبَّقَ السماء والأرض، فما ظنّك بنور المؤمن المطيع، ويكفيكَ في تعظيم المؤمنين- وإن كانوا عن الله غافلينَ- قولُ ربِّ العالمينَ: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ فانظر كيف أثبت لهم الاصطفاءَ مع وجود ظلمِهم، واعلم أنّه لا بد في مملكتِه من عبادٍ هُمْ نصيبُ الحِلْم، ومحلُّ ظهور الرحمة والمغفرة، ووقوع الشفاعة، انتهى.

والَّذِينَ اصْطَفَيْنا يريد بهم أمّة محمد صلى الله عليه وسلّم.

قاله ابن عباس وغيره «٢» .

واصْطَفَيْنا معناه: اخترنا وفضَّلنا، والعبادُ عامُّ في جميع العَالم، واخْتُلِفَ في عَوْدِ الضمير من قوله: فَمِنْهُمْ فقال ابن عباس وغيره ما مقتضاه: إن الضمير عائد على

الَّذِينَ اصْطَفَيْنا وإن الأصنَافَ الثلاثةَ هِي كلُّها في أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلّم «١» ، فالظالمُ لنفسِه:

العاصي المسرفُ، والمقتصدُ: متقي الكبائرِ، وَهُمْ جمهور الأمَّة، والسَّابق: المتقي على الإطلاق، وقالت هذه الفرقة: الأصناف الثلاثة في الجنة، وقاله أبو سعيد الخدري «٢» ، والضمير في يَدْخُلُونَها عائد على الأصناف الثلاثة، قالت عائشة- رضي الله عنها- وكعب- رضي الله عنه-: دخولها كلُّهمْ ورَبِّ الكَعْبَة «٣» ، وقال أبو إسحاق السبيعي: أما الذي سمعت منذ ستين سنة فكلُّهم «٤» ناجٍ.

وقال ابن مسعود: هذه الأمة يوم القيامة أثلاث: ثلثٌ: يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث: يحاسبون حساباً يسيراً ثم يدخلون الجنة، وثلث: يجيئون بذنوب عظام فيقول الله- عز وجل-: ما هؤلاء؟

- وهو أعلم بهم- فتقول الملائكة: هم مذنبون إلا أنهم لم يشركوا فيقول- عز وجل- أدخلوهم في سعة رحمتي «٥» .

وروى أسامة بن زيد أن النبيّ صلى الله عليه وسلّم قَرَأَ هذه الآيَةَ وَقَالَ: «كُلُّهُمْ في الجَنَّةِ» وقرأ عمر هذه الآية، ثم قال/: قال ٨٤ ب رسول الله صلى الله عليه وسلّم سابِقُنَا سَابِقٌ، ومُقْتَصِدُنَا نَاجٍ، وَظَالِمُنَا مَغْفُور له» «٦» وقال عكرمة والحسن وقتادة «٧» ما مقتضاه: أن الضمير في مِنْهُمْ عائدٌ على العباد، فالظَّالِم لنفسه: الكافرُ، والمقتصد: المؤمن العاصي، والسابق: التقي على الإطلاق «٨» .

وقالوا هذه الآية نظير قوله

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ ﴾ في " ثُمَّ " وجْهانِ؛ أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى الواوِ، والثّانِي: أنَّها لِلتَّرْتِيبِ.

والمَعْنى: أنْزَلْنا الكُتُبَ المُتَقَدِّمَةَ، ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ ﴿ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ وأتْباعُهُمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفِي الكِتابِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ والمُرادُ بِهِ الكُتُبُ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا يُخَرَّجُ عَلى القَوْلَيْنِ.

فَإنْ قُلْنا: الَّذِينَ اصْطُفُوا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، فَقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ أوْرَثَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  كُلَّ كِتابٍ أنْزَلَهُ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: ومَعْنى ذَلِكَ: أوْرَثَهُمُ الإيمانَ بِالكُتُبِ كُلِّها- وجَمِيعُ الكُتُبِ تَأْمُرُ بِاتِّباعِ القُرْآنِ- فَهم مُؤْمِنُونَ بِها عامِلُونَ بِمُقْتَضاها؛ واسْتَدَلَّ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ: ﴿ والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ ﴾ وأتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ ﴾ فَعَلِمْنا أنَّهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، إذْ كانَ مَعْنى المِيراثِ: انْتِقالَ شَيْءٍ مِن قَوْمٍ، إلى قَوْمٍ ولَمْ تَكُنْ أُمَّةٌ عَلى عَهْدِ نَبِيِّنا انْتَقَلَ إلَيْهِمْ كِتابٌ مِن قَوْمٍ كانُوا قَبْلَهم غَيْرُ أُمَّتِهِ.

فَإنْ قُلْنا: هُمُ الأنْبِياءُ وأتْباعُهُمْ، كانَ المَعْنى: أوْرَثْنا كُلَّ كِتابٍ أُنْزِلَ عَلى نَبِيٍّ ذَلِكَ النَّبِيَّ وأتْباعَهُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ القُرْآنُ.

وَفِي مَعْنى ﴿ أوْرَثْنا ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أعْطَيْنا، لِأنَّ المِيراثَ عَطاءٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أخَّرْنا، ومِنهُ المِيراثُ، لِأنَّهُ تَأخَّرَ عَنِ المَيِّتِ فالمَعْنى: أخَّرْنا القُرْآنَ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ وأعْطَيْناهُ هَذِهِ الأُمَّةَ، إكْرامًا لَها، ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ صاحِبُ الصَّغائِرِ؛ رَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " سابِقُنا سابِقٌ، ومُقْتَصِدُنا ناجٍ، وظالِمُنا مَغْفُورٌ لَهُ» " .

ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: " كُلُّهم في الجَنَّةِ "» .

والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي ماتَ عَلى كَبِيرَةٍ ولَمْ يَتُبْ مِنها، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الكافِرُ، رَواهُ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ رَواهُ ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ  .

فَعَلى هَذا يَكُونُ الِاصْطِفاءُ لِجُمْلَةِ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ الكِتابُ، كَما قالَ: ﴿ وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ  ﴾ أيْ: لَشَرَفٌ لَكُمْ، وكَمْ مِن مُكْرَمٍ لَمْ يَقْبَلِ الكَرامَةَ!

والرّابِعُ: أنَّهُ المُنافِقُ: حُكِيَ عَنِ الحَسَنِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: الظّالِمُ: الَّذِي تَرْجَحُ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ، والمُقْتَصِدُ: الَّذِي قَدِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ، والسّابِقُ: مَن رَجَحَتْ حَسَناتُهُ.

ورُوِيَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: سابِقُنا أهْلُ جِهادِنا، ومُقْتَصِدُنا أهْلُ حَضَرِنا، وظالِمُنا أهْلَ بَدْوِنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم سابِقٌ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " سَبّاقٌ " مِثْلُ: فَعّالٍ ﴿ بِالخَيْراتِ ﴾ أيْ: بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ إلى الجَنَّةِ، أوْ إلى الرَّحْمَةِ ﴿ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ أيْ: بِإرادَتِهِ وأمْرِهِ ﴿ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ يَعْنِي إيراثَهُمُ الكِتابَ.

ثُمَّ أخْبَرَ بِثَوابِهِمْ، فَجَمَعَهم في دُخُولِ الجَنَّةِ فَقالَ: ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: " يُدْخَلُونَها " بِضَمِّ الياءِ؛ وفَتَحَها الباقُونَ وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: (وَلُؤْلُؤًا) بِالنَّصْبِ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ كانَ يَهْمِزُ الواوَ الثّانِيَةَ ولا يَهْمِزُ الأُولى؛ وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهُ كانَ يَهْمِزُ الأُولى ولا يَهْمِزُ الثّانِيَةَ.

والآيَةُ مُفَسَّرَةٌ في سُورَةِ (الحَجِّ: ٢٣) .

قالَ كَعْبٌ: تَحاكَّتْ مَناكِبُهم ورَبِّ الكَعْبَةِ، ثُمَّ أُعْطُوا الفَضْلَ بِأعْمالِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ أورَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ ﴾ ﴿ وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ ﴿ "أورَثْنا" ﴾ مَعْناهُ: أعْطَيْناهُ فِرْقَةً بَعْدَ مَوْتِ فِرْقَةٍ، والمِيراثُ - حَقِيقَةً أو مَجازًا - إنَّما يُقالُ فِيما صارَ لِإنْسانٍ بَعْدَ مَوْتِ آخَرَ، والكِتابُ هُنا يُرِيدُ بِهِ مَعانِيَ الكِتابِ وعِلْمِهِ وأحْكامِهِ وعَقائِدِهِ، فَكَأنَّ اللهَ تَعالى لَمّا أعْطى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  القُرْآنَ - وهو قَدْ تَضَمَّنَ مَعانِيَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ - فَكَأنَّهُ ورَّثَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  الكِتابَ الَّذِي كانَ في الأُمَمِ قَبْلَهم.

و ﴿ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا ﴾ يُرِيدُ بِهِمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وكَأنَّ اللَفْظَ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ مِن كُلِّ أُمَّةٍ إلّا أنَّ عِبارَةَ تَوْرِيثِ الكِتابِ لَمْ تَكُنْ إلّا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، والأُوَلُ لَمْ يُوَرَّثُوهُ.

و"اصْطَفَيْنا": اخْتَرْنا وفَضَّلْنا، و"العِبادُ" عامٌّ في جَمِيعِ العالَمِ، مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ.

واخْتَلَفَ الناسُ في عَوْدِ الضَمِيرِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمِنهُمْ ﴾ ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهم ما مُقْتَضاهُ أنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى "الَّذِينَ"، والأصْنافُ الثَلاثَةُ هي كُلُّها في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، فـَ"الظالِمُ لِنَفْسِهِ": العاصِي المُسْرِفُ.

و"المُقْتَصِدُ": مُتَّقِي الكَبائِرِ، وهَوَ الجُمْهُورُ مِنَ الأُمَّةِ، و"السابِقُ": المُتَّقِي عَلى الإطْلاقِ، وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: والأصْنافُ الثَلاثَةُ في الجَنَّةِ، وقالَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والضَمِيرُ في ﴿ "يَدْخُلُونَها" ﴾ عائِدٌ عَلى الأصْنافِ الثَلاثَةِ، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها: دَخَلُوا الجَنَّةَ كُلُّهُمْ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: اسْتَوَتْ مَناكِبُهم ورَبِّ الكَعْبَةِ وتَفاضَلُوا بِأعْمالِهِمْ، وفي رِوايَةٍ: تَحاكَّتْ مَناكِبُهُمْ، وقالَ أبُو إسْحَقٍ السَبِيعِيُّ: أمّا الَّذِي سَمِعَتُ مُذْ سِتِّينَ سَنَةٍ، فَكُلُّهم ناجٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ الأُمَّةُ يَوْمَ القِيامَةِ أثْلاثٌ: ثُلْثٌ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، وثُلُثٌ يُحاسِبُونَ حِسابًا يَسِيرًا ثُمَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وثُلُثٌ يَجِيئُونَ بِذُنُوبٍ عِظامٍ، فَيَقُولُ اللهُ: ما هَؤُلاءِ؟

- وهو أعْلَمُ بِهِمْ - فَتَقُولُ المَلائِكَةُ: هم مُذْنِبُونَ إلّا أنَّهم لَمْ يُشْرِكُوا، فَيَقُولُ عَزَّ وجَلَّ: أدْخِلُوهم في سَعَةِ رَحْمَتِي، وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: السابِقُ مَن أُسَلَمَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، والمُقْتَصِدُ مَن أسْلَمَ بَعْدَها، والظالِمُ نَحْنُ، وقالَ الحَسَنُ: السابِقُ مَن رَجَحَتْ حَسَناتُهُ، والمُقْتَصِدُ مَنِ اسْتَوَتْ بِسَيِّئاتِهِ، والظالِمُ مَن خَفَّتَ مَوازِينُهُ، وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: السابِقُ العالِمُ، والمُقْتَصِدُ المُتَعَلِّمُ، والظالِمُ الجاهِلُ.

وقالَ ذُو النُونِ: الظالِمُ الذاكِرُ لِلَّهِ بِلِسانِهِ فَقَطْ، والمُقْتَصِدُ الذاكِرُ بِقَلْبِهِ، والسابِقُ الَّذِي لا يَنْساهُ.

وقالَ الأنْطاكِيُّ: الظالِمُ صاحِبُ الأقْوالِ، والمُقْتَصِدُ صاحِبُ الأفْعالِ، والسابِقُ صاحِبُ الأحْوالِ، ورَوى أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ «أنَّ النَبِيَّ  قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: "كُلُّهم في الجَنَّةِ"،»«وَقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ  : "سابِقُنا سابِقٌ، ومُقْتَصِدُنا ناجٍ، وظالِمُنا مَغْفُورٌ لَهُ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أنا سابِقُ العَرَبِ، وسَلْمانُ سابِقُ الفُرْسِ، وصُهَيْبٌ سابِقُ الرُومِ، وبِلالٌ سابِقُ الحَبَشَةِ"،» أرادَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّ هَؤُلاءِ رُؤُوسُ السابِقِينَ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "سابِقُنا أهْلُ جِهادٍ، ومُقْتَصِدُنا أهْلُ حَضَرِنا، وظالِمُنا أهُلَ بَدْوِنا، لا يَشْهَدُونَ جَماعَةً ولا جُمُعَةً".

وقالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والحُسْنُ، ما مُقْتَضاهُ أنَّ الضَمِيرَ في "مِنهُمْ" عائِدٌ عَلى "العِبادِ"، والظالِمُ لِنَفْسِهِ: الكافِرُ والمُنافِقُ، والمُقْتَصِدُ: المُؤْمِنُ العاصِي، والسابِقُ: التَقِيُّ عَلى الإطْلاقِ، قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً  ﴾ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "يَدْخُلُونَها" ﴾ - عَلى هَذا القَوْلِ - خاصٌّ عَلى الفِرْقَتَيْنِ: المُقْتَصِدُ والسابِقُ، والفِرْقَةُ الظالِمَةُ في النارِ، قالُوا: وبَعِيدٌ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُصْطَفى ظالِمٌ كَما يَقْتَضِي التَأْوِيلُ الأوَّلُ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَدَّمَ الظالِمَ لِأنَّهُ لا يَتَّكِلُ إلّا عَلى رَحْمَةِ اللهِ، والمُقْتَصِدُ هو المُعْتَدِلُ في أُمُورِهِ، لا يُسْرِفُ في جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ، بَلْ يَلْزَمُ الوَسَطَ.

وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "خَيْرُ الأُمُورِ أوساطُها".» وقالَتْ فُرْقَةٌ - لا مَعْنى لِقَوْلِها -: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا ﴾ هُمُ الأنْبِياءُ، والظالِمُ لِنَفْسِهِ مِنهم مَن وقَعَ في صَغِيرَةٍ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ مِن غَيْرِ ما وجْهٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "سابِقٌ بِالخَيْراتِ"، ﴾ وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: "سَبّاقٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِإذْنِ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: بِأمْرِهِ ومَشِيئَتِهِ فِيمَن أحَبَّ مِن عِبادِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ إشارَةٌ إلى الِاصْطِفاءِ وما يَكُونُ عنهُ مِنَ الرَحْمَةِ.

وقالَ الطَبَرَيُّ: السُبُوقُ بِالخَيِّراتِ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ، قالَ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: جَمَعَهم في دُخُولِ الجَنَّةِ لِأنَّهُ مِيراثٌ، والبارُّ والعاقُّ سَواءٌ في المِيراثِ مَعَ صِحَّةِ النَسَبِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ مَعَ صِحَّةِ الإيمانِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "جَنّاتُ" بِالرَفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ "الفَضْلُ"، وقَرَأ الجَحْدَرَيُّ: [جَنّاتِ] بِالنَصْبِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ﴿ "يَدْخُلُونَها"، ﴾ وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: "جَنَّةُ عَدْنٍ" عَلى الإفْرادِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يُدْخَلُونَها" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الخاءِ.

و"أساوِرَ" جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارٍ، بِضَمِّ السِينِ وكَسْرِها، وفي حِرَفِ أبِيٍّ [أساوِيرَ]، وهو جَمْعُ أسْوارٍ، وقَدْ يُقالُ ذَلِكَ في الحُلِيِّ، ومَشْهُورُ أسْوارٍ أنَّهُ الجَيِّدُ الرَمْيِ مِن جُنْدِ الفُرْسِ، و"يُحَلَّوْنَ" مَعْناهُ: نِساءً ورِجالًا، وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "وَلُؤْلُؤًا" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "أساوِرَ"، وكانَ عاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - يَقْرَأُ: "وَلُولُؤًا" بِسُكُونِ الواوِ الأُولى دُونَ هَمْزٍ وبِهَمْزِ الثانِيَةِ، ورُوِيَ عنهُ ضِدُّ هَذا، وقَرَأ الباقُونَ: "وَلُؤْلُؤٍ" بِالهَمْزِ وبِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى ﴿ "أساوِرَ".

﴾ و"الحَزَنُ" في هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ في جَمِيعِ أنْواعِ الأحْزانِ، وخَصَّصَ المُفَسِّرُونَ في هَذا هاهُنا، فَقالَ أبُو الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: حَزَنُ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ وما يُصِيبُ هُناكَ مِن ظَلَمِ نَفْسَهُ مِنَ الغَمِّ والحُزْنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حَزَنُ جَهَنَّمَ، وقالَ عَطِيَّةُ: حَزَنُ المَوْتِ، وقالَ قَتادَةُ: حُزْنُ الدُنْيا في الخَوْفِ ألّا تُتَقَبَّلَ أعْمالُهُمْ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو جُزْءٌ مِنَ الحُزْنِ، ولا مَعْنى لِتَخْصِيصِ شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأحْزانِ؛ لِأنَّ الحُزْنَ أجْمَعَ قَدْ ذَهَبَ عنهم.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ وصَفُوهُ بِأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى يَغْفِرُ الذُنُوبَ، ويُجازِي عَلى القَلِيلِ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ بِالكَثِيرِ مِنَ الثَوابِ، وهَذا هو شُكْرُهُ لا رَبَّ سِواهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الأظهر أنه بدل اشتمال من قوله: ﴿ ذلك هو الفضل الكبير ﴾ [فاطر: 32] فإن مما يشتمل عليه الفضل دخولهم الجنة كما علمت وتخصيص هذا الفضل من بين أصنافه لأنه أعظم الفضل لأنه أمارة على رضوان الله عنهم حين إدخالهم الجنة، ﴿ ورضوانٌ من الله أكبر ﴾ [التوبة: 72].

ويجوز أن يكون استئنافاً بيانياً لبيان الفضل الكبير وقد بيّن بأعظم أصنافه.

والمعنى واحد.

وضمير الجماعة في ﴿ يدخلونها ﴾ راجع إلى ﴿ الذين اصطفينا ﴾ [فاطر: 32] المقسم إلى ثلاثة أقسام: ظالممٍ، ومقتصدٍ، وسابققٍ، أي هؤلاء كلهم يدخلون الجنة لأن المؤمنين كلهم مآلهم الجنة كما دلت عليه الأخبار التي تكاثرت.

وقد روى الترمذي بسند فيه مجهولان عن أبي سعيد الخدري «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية: ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ﴾ [فاطر: 32] قال: " هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة وكلهم في الجنة ".

قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

قال أبو بكر بن العربي في «العارضة»: من الناس من قال: إن هذه الأصناف الثلاثة هم الذين في سورة الواقعة (8 10): ﴿ أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقون ﴾ وهذا فاسد لأن أصحاب المشأمة في النار الحامية، وأصحاب سورة فاطر في جنة عالية لأن الله ذكرهم بين فاتحة وخاتمة فأما الفاتحة فهي قوله: ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ﴾ [فاطر: 32] فجعلهم مصطفَيْن.

ثم قال في آخرهم ﴿ جنات عدن يدخلونها ﴾ [فاطر: 33] ولا يصطفَى إلا من يدخل الجنة، ولكن أهل الجنة ظالم لنفسه فقال: ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ﴾ [فاطر: 32] وهو العاصي والظالم المطلق هو الكافر، وقيل عنه: الظالم لنفسه رفقاً به، وقيل للآخر: السابق بإذن الله إنباء أن ذلك بنعمة الله وفضله لا من حال العبد ا ه.

وفي الإِخبار بالمسند الفعلي عن المسنْد إليه إفادة تقوي الحكم وصوَغ الفعل بصيغة المضارع لأنه مستقبل، وكذلك صوغ ﴿ يحلون ﴾ وهو خبر ثاننٍ عن ﴿ جنات عدن ﴾ .

وتقدم نظيرها في سورة الحج فانظره.

وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر ﴿ ولؤلؤاً ﴾ بالنصب عطفاً على محل ﴿ أساور ﴾ لأنه لما جر بحرف الجر الزائد كان في موضع نصب على المفعول الثاني لفعل ﴿ يحلون ﴾ فجاز في المعطوف أن ينصب على مراعاة محل المعطوف عليه.

وقرأه الباقون بالجر على مراعاة اللفظ، وهما وجهان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ خَوْفُ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ حَزَنُ المَوْتِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

الثّالِثُ: تَعَبُ الدُّنْيا وهُمُومُها، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: حَزَنُ المِنَّةِ، قالَهُ سَمُرَةُ.

الخامِسُ: حَزَنُ الظّالِمِ لِما يُشاهِدُ مِن سُوءِ حالِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

السّادِسُ: الجُوعُ حَكاهُ النَّقّاشُ.

السّابِعُ: خَوْفُ السُّلْطانِ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ.

الثّامِنُ: طَلَبُ المَعاشِ، حَكاهُ الفَرّاءُ.

التّاسِعُ: حَزَنُ الطَّعامِ، وهو مَأْثُورٌ.

وَيَحْتَمِلُ عاشِرًا: أنَّهُ حَزَنُ التَّباغُضِ والتَّحاسُدِ لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مُتَواصِلُونَ لا يَتَباغَضُونَ ولا يَتَحاسَدُونَ.

وَفي وقْتِ قَوْلِهِمْ لِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِنْدَ إعْطاءِ كُتُبِهِمْ بِأيْمانِهِمْ لِأنَّهُ أوَّلُ بِشاراتِ السَّلامَةِ، فَيَقُولُونَ عِنْدَها: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ ﴾ الثّانِي: بَعْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وهو أشْبَهُ لِاسْتِقْرارِ الجَزاءِ والخَلاصِ مِن أهْوالِ القِيامَةِ فَيَقُولُونَ ذَلِكَ عِنْدَ أمْنِهِمْ شُكْرًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ ﴾ أيْ دارَ الإقامَةِ وهي الجَنَّةُ.

وَفي الفَرْقِ بَيْنَ المُقامَةِ بِالضَّمِّ والفَتْحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِالضَّمِّ دارُ الإقامَةِ، وبِالفَتْحِ مَوْضِعُ الإقامَةِ.

الثّانِي: أنَّها بِالضَّمِّ المَجْلِسُ الَّذِي يُجْتَمَعُ فِيهِ لِلْحَدِيثِ.

﴿ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَعَبٌ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: وجَعٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَناءُ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ الإعْياءُ، قالَهُ قُطْرُبٌ وابْنُ عِيسى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ﴾ قال: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

ورثهم الله كل كتاب أنزل، فظالمهم مغفور له، ومقتصدهم يحاسب حساباً يسيراً، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب.

وأخرج الطيالسي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: في هذه الآية ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات ﴾ قال: هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنة» .

وأخرج الفريابي وأحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن أبي الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات، بإذن الله ﴾ فأما الذين سبقوا، فأولئك يدخلون الجنة بغير حساب.

وأما الذين اقتصدوا، فأولئك الذين يحاسبون حساباً يسيراً، وأما الذين ظلموا أنفسهم، فأولئك يحبسون في طول المحشر، ثم هم الذين تلقاهم الله برحمة، فهم الذين يقولون ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور، الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ﴾ قال البيهقي: إن أكثر الروايات في حديث ظهر أن للحديث أصلاً» .

وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم وابن مردويه عن عقبة بن صهبان قلت لعائشة: أرأيت قول الله: ﴿ ثم أورثنا الكتاب...

﴾ .

قالت: أما السابق، فقد مضى في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشهد له بالجنة.

وأما المقتصد، فمن اتبع أمرهم، فعمل بمثل أعمالهم حتى يلحق بهم.

وأما الظالم لنفسه، فمثلي ومثلك، ومن اتبعنا.

وكل في الجنة.

وأخرج الطبراني والبيهقي في البعث عن أسامة بن زيد رضي الله عنه ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلهم من هذه الأمة، وكلهم في الجنة» .

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمتي ثلاثة أثلاث: فثلث يدخلون الجنة بغير حساب.

وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، ثم يدخلون الجنة.

وثلث يمحصون ويكسفون، ثم تأتي الملائكة فيقولون: وجدناهم يقولون: لا إله إلا الله وحده فيقول الله: أدخلوهم الجنة بقولهم لا إله إلا الله وحده، واحملوا خطاياهم على أهل التكذيب وهي التي قال الله: ﴿ وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم ﴾ وتصديقاً في التي ذكر الملائكة قال الله تعالى ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ﴾ فجعلهم ثلاثة أنواع ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ﴾ فهذا الذي يكسف ويمحص ﴿ ومنهم مقتصد ﴾ وهو الذي يحاسب حساباً يسيراً ﴿ ومنهم سابق بالخيرات ﴾ فهو الذي يلج الجنة بغير حساب ولا عذاب باذن الله.

يدخلونها جميعاً لم يفرق بينهم ﴿ يحلون فيها من أساور من ذهب ﴾ إلى قوله: ﴿ لغوب ﴾ » .

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: هذه الآية ثلاثة أثلاث يوم القيامة.

ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، وثلث يحبسون بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا.

فيقول الرب «أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي» ثم قرأ ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا...

﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في البعث عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا نزع بهذه الآية قال: الا أن سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له.

وأخرج العقيلي وابن لال وابن مردويه والبيهقي من وجه آخر عن عمر بن الخطاب.

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له» ، وقرأ عمر ﴿ فمنهم ظالم لنفسه...

﴾ .

وأخرج ابن النجار عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له» .

وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب.

والمقتصد برحمة الله، والظالم لنفسه، وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عثمان بن عفان: أنه نزع بهذه الآية قال: إن سابقنا أهل جهاد.

ألا وأن مقتصدنا ناج أهل حضرنا، ألا وأن ظالمنا أهل بدونا.

وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في البعث عن البراء بن عازب في قوله: ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ﴾ قال: أشهد على الله أنه يدخلهم الجنة جميعاً.

وأخرج الفريابي وابن مردويه عن البراء قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ﴾ قال: كلهم ناج وهي هذه الأمة» .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم أورثنا الكتاب...

﴾ .

قال: هي مثل الذي في الواقعة ﴿ فأصحاب الميمنة ﴾ ﴿ وأصحاب المشئمة ﴾ ﴿ والسابقون ﴾ صنفان ناجيان، وصنف هالك.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمنهم ظالم لنفسه...

﴾ .

قال: ﴿ الظالم لنفسه ﴾ هو الكافر ﴿ والمقتصد ﴾ أصحاب اليمين.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن كعب الأحبار أنه تلا هذه الآية ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ﴾ إلى قوله: ﴿ لغوب ﴾ قال: دخلوها ورب الكعبة، وفي لفظ قال: كلهم في الجنة.

ألا ترى على أثره ﴿ والذين كفروا لهم نار جهنم ﴾ فهؤلاء أهل النار فذكر ذلك للحسن فقال: أبت ذلك عليهم الواقعة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الجنة فقال: «مسوّرون بالذهب والفضة، مكللة بالدر وعليهم أكاليل من در وياقوت متواصلة، وعليهم تاج كتاج الملوك، جرد، مرد، مكحلون» .

وأخرج ابن مردويه والديلمي عن حذيفة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يبعث الله الناس على ثلاثة أصناف، وذلك في قوله: ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ﴾ فالسابق بالخيرات يدخل الجنة بلا حساب، والمقتصد يحاسب حساباً يسيراً، والظالم لنفسه يدخل الجنة برحمة الله» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم أورثنا الكتاب ﴾ قال: جعل الله أهل الإِيمان على ثلاثة منازل كقوله: ﴿ أصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ﴾ [ الواقعة: 41] ، ﴿ وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ﴾ [ الواقعة: 27] ، ﴿ والسابقون السابقون ﴾ [ الواقعة: 10] ، ﴿ أولئك المقربون ﴾ [ الواقعة: 11] فهم على هذا المثال.

وأخرج ابن مردويه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ﴾ قال: الكافر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ﴾ قال: هذا المنافق ﴿ ومنهم مقتصد ﴾ قال: هذا صاحب اليمين ﴿ ومنهم سابق بالخيرات ﴾ قال: هذا المقرب قال قتادة: كان الناس ثلاث منازل عند الموت، وثلاث منازل في الدنيا، وثلاث منازل في الآخرة.

فأما الدنيا فكانوا: مؤمن، ومنافق، ومشرك.

وأما عند الموت فإن الله قال: ﴿ فأما إن كان من المقربين...

﴾ [ الواقعة: 88] ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين...

﴾ [ الواقعة: 90] ﴿ وأما إن كان من المكذبين الضالين ﴾ [ الواقعة: 92] .

وأما الآخرة فكانوا أزواجاً ثلاثة ﴿ فأصحاب الميمنة ﴾ ﴿ وأصحاب المشئمة ﴾ ﴿ والسابقون السابقون أولئك المقربون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن الحسن ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ﴾ قال: هو المنافق سقط والمقتصد والسابق بالخيرات في الجنة.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبيهقي عن عبيد بن عمير في الآية قال: كلهم صالح.

وأخرج عبد بن حميد عن صالح أبي الخليل قال: قال كعب يلومني أحبار بني إسرائيل إني دخلت في أمة فرقهم الله ثم جمعهم، ثم أدخلهم الجنة، ثم تلا هذه الآية ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ﴾ حتى بلغ ﴿ جنات عدن يدخلونها ﴾ قال: قال فادخلهم الله الجنة جميعاً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: العلماء ثلاثة: منهم عالم لنفسه ولغيره، فذلك أفضلهم وخيرهم.

ومنهم عالم لنفسه محسن.

ومنهم عالم لا لنفسه ولا لغيره، فذلك شرهم.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مسلم الخولاني قال: قرأت في كتاب الله أن هذه الأمة تصنف يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنف منهم يدخلون الجنة بغير حساب.

وصنف يحاسبهم الله حساباً يسيراً ويدخلون الجنة.

وصنف يوقفون ويؤخذ منهم ما شاء الله، ثم يدركهم عفو الله وتجاوزه.

وأخرج عبد بن حميد عن كعب في قوله: ﴿ جنات عدن يدخلونها ﴾ قال: دخلوها ورب الكعبة، فأخبر الحسن بذلك فقال: أبت والله ذلك عليهم الواقعة.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عبدالله بن الحارث أن ابن عباس سأل كعباً عن قوله: ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا...

﴾ .

نجوا كلهم، ثم قال: تحاكت مناكبهم ورب الكعبة، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن الحنفية قال: أعطيت هذه الأمة ثلاثاً لم تعطها أمة كانت قبلها ﴿ منهم ظالم لنفسه ﴾ مغفور له ﴿ ومنهم مقتصد ﴾ في الجنان ﴿ ومنهم سابق ﴾ بالمكان الأعلى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ﴾ قال: هم أصحاب المشئمة ﴿ ومنهم مقتصد ﴾ قال: هم أصحاب الميمنة ﴿ ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ﴾ قال: هم السابقون من الناس كلهم.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ذلك هو الفضل الكبير ﴾ قال: ذاك من نعمة الله.

وأخرج الترمذي والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري «أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله: ﴿ جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ ﴾ فقال: إن عليهم التيجان.

ان أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله أهل الجنة حين دخلوا الجنة ﴿ وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴾ قال: هم قوم كانوا في الدنيا يخافون الله، ويجتهدون له في العبادة سراً وعلانية، وفي قلوبهم حزن من ذنوب قد سلفت منهم، فهم خائفون أن لا يتقبل منهم هذا الاجتهاد من الذنوب التي سلفت.

فعندها ﴿ قالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور ﴾ غفر لنا العظيم، وشكر لنا القليل من أعمالنا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴾ قال: حزن النار.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ الذي أذهب عنا الحزن ﴾ قال: ما كانوا يعملون.

وأخرج الحاكم وأبو نعيم وابن مردويه عن صهيب رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المهاجرون هم السابقون الْمُدِلُّون على ربهم، والذي نفس محمد بيده انهم ليأتون يوم القيامة على عواتقهم السلاح، فيقرعون باب الجنة، فتقول لهم الخزنة، من أنتم؟

فيقولون: نحن المهاجرون فتقول لهم الخزنة: هل حوسبتم؟

فيجثون على ركبهم ويرفعون أيديهم إلى السماء فيقولون: أي رب أبهذه نحاسب؟!

قد خرجنا وتركنا الأهل والمال والولد، فيمثل الله لهم أجنحة من ذهب، مخوّصة بالزبرجد والياقوت، فيطيرون حتى يدخلوا الجنة فذلك قوله: ﴿ وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴾ إلى قوله: ﴿ ولا يمسنا فيها لغوب ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلهم بمنازلهم في الجنة أعرف منهم بمنازلهم في الدنيا» .

وأخرج ابن المنذر عن شمر بن عطية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حيث دخلوا الجنة ﴿ وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴾ قال: حزنهم هو الحزن» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن شمر بن عطية رضي الله عنه في قوله: ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴾ قال: الجوع.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴾ قال: طلب الخبز في الدنيا، فلا نهتم له كاهتمامنا له في الدنيا طلب الغداء والعشاء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه قال: ينبغي لمن يحزن أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة، لأنهم قالوا ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴾ وينبغي لمن يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة، لأنهم ﴿ قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين ﴾ [ الطور: 26] .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن شمر بن عطية رضي الله عنه في قوله: ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ﴾ قال: حزن الطعام ﴿ إن ربنا لغفور شكور ﴾ قال: غفر لهم الذنوب التي عملوها، وشكر لهم الخير الذي دلهم عليه، فعملوا به، فأثابهم عليه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي رافع رضي الله عنه قال: يأتي يوم القيامة العبد بدواوين ثلاثة: بديوان فيه النعم.

وديوان فيه ذنوبه.

وديوان فيه حسناته.

فيقال لأصغر نعمة عليه: قومي فاستوفي ثمنك من حسناته، فتقوم فتستوهب تلك النعمة حسناته كلها، وتبقي بقية النعم عليه وذنوبه كاملة.

فمن ثم يقول العبد إذا أدخله الله الجنة ﴿ إن ربنا لغفور شكور ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن ربنا لغفور شكور ﴾ يقول ﴿ غفور ﴾ لذنوبهم ﴿ شكور ﴾ لحسناتهم ﴿ الذي أحلنا دار المقامة من فضله ﴾ قال: أقاموا فلا يتحوّلون ولا يحوّلون ﴿ لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ﴾ قال: قد كان القوم ينصبون في الدنيا في طاعة الله، وهم قوم جهدهم الله قليلاً، ثم أراحهم كثيراً فهنيئاً لهم.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: قال رجل يا رسول الله إن النوم مما يُقِرُّ الله به أعيننا في الدنيا، فهل في الجنة من نوم؟

قال: «لا إن النوم شريك الموت، وليس في الجنة موت قال: يا رسول الله فما راحتهم؟

فأعظم ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ليس فيها لغوب، كل أمرهم راحة فنزلت ﴿ لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ﴾ » .

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ لا يمسنا فيها نصب ﴾ أي وجع.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لغوب ﴾ قال: إعياء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم أخبر بثوابهم وجمعهم في دخول الجنة فقال: ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ﴾ فقال ابن عباس: أدخلهم الجنة أفضل الجنان وأشرفها (١) وقال مقاتل: يعني: هؤلاء (٢) (٣) قال أبو علي: (جنات عدن نكرة ويدخلونها أو يدخلونها -على ما قرأ أبو عمرو- صفة لها؛ لأنها جملة والنكرات توصف بالجمل، وأما ارتفاع جنات، فيجوز أن يكون تفسيرا للفضل كأنه قيل: ما ذلك الفضل؟

فقال: الفضل جنات عدن، أي: دخول جنات.

قال: ويجوز أن تجعل الجنات بدلاً من الفضل، كأن ذلك الفضل جنات عدن، أي: دخول جنات عدن) (٤) (٥) (٦) قال مقاتل: فلما دخلوها واستقرت بهم الدار، حمدوا ربهم على ما صنع بهم (٧) (١) انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 367.

(٢) في (ب): (هذه).

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 154 أ.

(٤) "الحجة" 6/ 28.

(٥) "هو" ساقطة من (ب).

(٦) آية: 23، وأحال على سورة الكهف.

(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 104 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ ﴾ بدل من الفضل أو خبر مبتدأ تقديره: ثوابهم جنات عدن أو مبتدأ تقديره: لهم جنات عدن ﴿ يَدْخُلُونَهَا ﴾ ضمير الفاعل يعود على الظالم، والمقتصد، والسابق، على القول بأن الآية في هذه الأمة: وأما على القول بأن الظالم هو الكافر فيعود على المقتصد والسابق خاصة، وقال الزمخشري: إنه يعود على السابق خاصة وذلك على قول المعتزلة في الوعيد ﴿ أَسَاوِرَ ﴾ ذكر في [الحج: 23].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يدخلونها ﴾ مجهولاً: ابو عمرو و ﴿ يجزي ﴾ مجهولاً غائباً كل بالرفع: أبو عمرو.

الباقون: بالنون مبيناً للفاعل كل بالنصب و ﴿ مكر السيء ﴾ بهمزة ساكنة: حمزة استثقالاً للحركات، وحمله النحويون على الاختلاس، وإذا وقف يبدل من الهمزة ياء ساكنة.

الوقوف: ﴿ ماء ﴾ ج للعدول ﴿ ألوانها ﴾ الأولى ج ﴿ سود ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ط ﴿ العلماء ﴾ ط ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ لن تبور ﴾ ه ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ﴿ يديه ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ عبادنا ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ مقتصد ﴾ ج تفصيلاً بين الجمل مع النسق ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ط لأن ما بعده مبتدأ لا بدل ﴿ ولؤلؤاً ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ حرير ﴾ ه ﴿ الحزن ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ﴿ فضله ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿ لغوب ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ج لمثل ما قلنا ﴿ عذابها ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ج لاحتمال الواو الحال ﴿ فيها ﴾ ج للقول المحذوف ﴿ كنا نعمل ﴾ ط ﴿ النذير ﴾ ه ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ كفره ﴾ ط ﴿ مقتاً ﴾ ج وان اتفقت الجملتان ولكن لتكرار الفعل وتصريح الفاعل والمفعول في الثانية ﴿ خساراً ﴾ ه ﴿ دون الله ﴾ ط ﴿ السموات ﴾ ج لاحتمال أن "أم" منقطعة ﴿ منه ﴾ ج ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ تزولا ﴾ ج لابتداء ما في معنى القسم مع الواو ﴿ من بعده ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ الأمم ﴾ ج ﴿ نفوراً ﴾ ه لا ﴿ ومكر السيء ﴾ ط ﴿ بأهله ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ج لانتهاء الاستفهام مع اتصال الفاء ﴿ تبديلاً ﴾ هج ﴿ تحويلاً ﴾ ه ﴿ قوة ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ج ﴿ بصيراً ﴾ ه.

التفسير: لما بين دلائل الوحداينة بطريق الإخبار ذكر دليلاً آخر بطريق الاستخبار لأن الشيء إذا كان خفياً ولا يراه من بحضرتك كان معذوراً، أما إذا كان بارزاً مكشوفاً فإنك تقول: أما تراه.

والمخاطب إما كل أحد أو النبي  لأن السيد إذا نصح بعض العباد ولم ينفعهم الإرشاد قال لغيره.

اسمع ولا تكن مثل هذا ويكرر معه ما ذكره مع الأول.

والالتفات في ﴿ فأخرجنا ﴾ لأن نزول الماء يمكن أن يقال: إنه بالطبع ولكن الإخراج لا يمكن إلا بإرادة الله.

وأيضاً الإخراج أتم نعمة من الإنزال لأن إنزال المطر لفائدة الإخراج.

واختلاف ألوان الثمرات اختلاف" أصنافها أو هيئاتها، والجدد الخطط، والطرائق "فعلة" بمعنى "مفعول" والجد القطع.

قال جار الله: لا بدّ من تقدير مضاف أي ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر مختلف ألوانها في البياض والحمرة، لأن الأبيض قد يكون على لون الجص وقد يكون أدنى من ذلك، وكذلك الحمرة.

والغرابيب تأكيد للسود إلا أنه أضمر المؤكد أوّلاً ثم أظهر ثانياً على طريقة قوله: والمؤمن العائذات الطير *** وإنما لم يتصوّر اختلاف الألوان ههنا لأن السواد إذا كان في الغاية لم يكن بعدها لون.

يقال: أسود غربيب للذي أبعد في السواد وأغرب فيه ومنه الغراب.

ويمكن أن يقال: إن المختلف صفة الحمر فقط.

وحين فرغ من دلائل النبات وما يشبه المعادن شرع في الاستدلال بالحيوان، وقدّم الإنسان لشرفه، ثم ذكر الدواب على العموم، ثم خصص الأنعام، أو أراد بالدابة الفرس فجعله لشرفه رديف الإنسان.

وقوله ﴿ مختلف ﴾ اي بعض مختلف ﴿ ألوانه ﴾ وذكر الضمير تغليباً للإنسان أو نظراً إلى البعض.

وقوله ﴿ كذلك ﴾ أي كاختلاف الجبال والثمرات، وفيه ن هذه الأجناس كما أنها في أنفسها دلائل فهي باختلافها أيضاً دلائل.

وحين خاطب نبيه بقوله ﴿ ألم تر ﴾ بمعنى ألم تعلم أتبعه قوله ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ كأنه قال: إنما يخشاه مثلك ومن على صفتك ممن نظر في دلائله فعرفه حق معرفته، أو أراد أن يعرّفه كنه معرفته لأن الخشية على حسب العلم بنعوت كماله وصفات جلاله.

وفي الحديث "أعلمكم بالله أشدّكم خشية له" وفائدة تقديم المفعول أن يعلم أن الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم، ولو أخر المفعول كان معنى صحيحاً وهو أنهم لا يخشون أحداً إلا الله إلا أن ذلك غير مراد ههنا.

وعن عمر بن عبد العزيز ويحكى عن أبي حنيفة قرءا برفع الله ونصب العلماء فتكون الخشية مستعارة للتعظيم اي لا يعظم الله ولا يجل من الرجال إلا العلماء به.

ثم بين السبب الباعث على الخشية بقوله ﴿ إن الله عزيز غفور ﴾ فالعزة توجب الخوف من أليم عقابه والمغفرة توجب الطمع في نعيمه وثوابه، وفيه أن خوف المؤمن ينبغي أن يكون مخلوطاً برجائه.

ثم مدح العالمين العاملين بقوله ﴿ إن الذين يتلون ﴾ الآية.

قال أهل التحقيق: قوله ﴿ إنما يخشى الله ﴾ إشارة إلى عمل القلب، وقوله ﴿ إن الذين يتلون ﴾ أي يداومون على التلاوة إشارة إلى عمل اللسان.

وقوله ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ إشارة إلى عمل الجوارح، والكل أقسام التعظيم لأمر الله.

ثم اشار إلى الشفقة على خلق الله بقوله ﴿ وأنفقوا مما رزقناكم ﴾ وقوله ﴿ يرجون ﴾ وهو خبر "إن" إشارة إلى الإخلاص في العقائد والأعمال أي نفقون من الأموال لا ليقال إنه كريم أو لغرض آخر بل لتجارة لا كساد فيها ولا بوار وهي طلب مرضاة الله.؟

وقوله ﴿ ليوفيهم ﴾ متعلق بـ ﴿ لن تبور ﴾ أي تنفق عند الله ليوفيهم بنفاقها عنده أجورهم.

وجوّز جار الله أن يجعل ﴿ يرجون ﴾ في موضع الحال واللام متعلق بالأفعال المتقدّمة اي فعلوا جميع ما ذكر من التلاوة والإقامة والإنفاق لغرض التوفية.

وخبر "إن" قوله ﴿ إنه غفور ﴾ لهم ﴿ شكور ﴾ لأعمالهم.

وحين ذكر دلائل الوحدانية أتبعه بيان الرسالة وذكر حقيقة الكتاب المتلوّ والكتاب للجنس فـ "من" للتبعيض أو هو القرآن، و"من" للتبيين أو هو اللوح المحفوظ و"من" للابتداء وقد مرّ في البقرة أن قوله ﴿ مصدقاً ﴾ حال مؤكدة.

وفي قوله ﴿ إن الله بعباده لخبير بصير ﴾ تقرير لكونه حقاً لأن الذي يكون عالماً بالبواطن والظواهر لم يمكن أن يكون في كلامه شوب باطل.

وفيه لم يختر محمداً للرسالة جزافاً وعلى سبيل الاتفاق ولكنه أعلم حيث يجعل رسالته.

قوله ﴿ ثم أورثنا الكتاب ﴾ زعم جمع من المفسرين أن الكتاب للجنس بدليل قوله فيما قبل ﴿ جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر ﴾ والإيراث الإعطاء، والمصطفون من عبيده هم الأنبياء كأنه قال: علمنا البواطن وابصرنا الظواهر فاصطفينا عباداً ثم أورثناهم الكتاب.

وعلى هذا فالمراد بالظلم على النفس وضع الشيء في غير موضعه وإن كان بترك الأولى ومنه قول ابينا آدم ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا  ﴾ وقول يونس ﴿ إني كنت من الظالمين  ﴾ وإذا كان الظلم بهذا المعنى جائزاً عليهم فالاقتصاد أولى.

ويجوز أن يعود الضمير في قوله ﴿ فمنهم ﴾ إلى الأمة كأنه قيل: إن الذي أوحينا إليك هو الحق وأنت المصطفى كما اصطفينا رسلنا، وآتيناهم كتباً فمن قومك ظالم كفر بك وبما أنزل إليك، ومقتصد آمن به ولم يأتِ بجميع ما أمر به، وسابق آمن وعمل صالحاً.

وقال أكثرهم: إنه القرآن والإيراث الحكم بالتوريث أو هو على عادة إخبار الله في التعبير عن المستقبل بالماضي لتحققه أي نريد أن نورثه.

والمصطفون هم الصحابة والتابعون ومن بعدهم إلى يوم القيامة كقوله ﴿ كنتم خير أمة  ﴾ ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا  ﴾ وعلى هذا ففي تفسير المراتب الثلاثة أقوال أحدها: الظالم الراجح السيئات، والمقتصد المتساوي الحسنات والسيئات، والسابق راجح الحسنات.

ثانيها الظالم من ظاهره خير من باطنه، والمقتصد المتساوي، والسابق من باطنه خير.

ثالثها: الظالم صاحب الكبيرة، والمقتصد صاحب الصغيرة، والسابق المعصوم.

رابعها: عن علي  : الظالم أنا، والمقتصد أنا، والسابق أنا.

فقيل له: كيف ذاك؟

قال: أنا ظالم بمعصيتي، ومقتصد بتوبتي، وسابق بمحبتي.

خامسها: الظالم التالي للقرآن غير العالم به ولا العامل بموجبه، والمقتصد التالي العالم غير العامل، والسابق التالي العامل سادسها: الظالم الجاهل، والمقتصد المتعلم، والسابق العالم.

سابعها: الظالم من يحاسب فيدخل النار وهو أصحاب المشأمة، والمقتصد من يحاسب فيدخل الجنة وهو اصحاب الميمنة، والسابق من يدخل الجنة بغير حساب، ثامنها: الظالم من خالف أوامر الله وارتكب مناهيه فإنه واضع للتكليف في غير موضعه، والمقتصد هو المجتهد في أداء التكاليف وإن لم يوفق لذلك فإنه قصد الحق واجتهد، والسابق هو الذي لم يخالف تكاليف الله بتوفيقه دليله قوله في الأخير ﴿ بإذن الله ﴾ وذلك أنه إذا وقع الخير في نفسه سبق إليه قبل تسويل النفس، والمقتصد يقع في قلبه فتردّده النفس، والظالم تغلبه النفس.

وبعبارة أخرى من غلبته النفس الأمارة وأمرته فأطاعها ظالم، ومن جاهد نفسه فغلبته تارة غلب أخرى فهو المقتصد صاحب النفس اللوامة، ومن قهر نفسه فهو السابق.

وفي تقديم الظالم ثم المقتصد إيذان بأن المقتصدين أكثر من السابقين والظالمون أكثر الأقسام كما قال ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من التوفيق أو من السبق بالخيرات أو من الإيراث ﴿ هو الفضل الكبير ﴾ قال جار الله: أبدل قوله ﴿ جنات عدن ﴾ من الفضل لأنها مسببة عنه وكأنها هو.

قلت: ويمكن أن يقال ﴿ جنات عدن ﴾ مبتدأ لأنها معرفة بدليل قوله ﴿ جنات عدن التي وعد الرحمن  ﴾ ولئن سلم أنها نكرة فليكن ﴿ يدخلونها ﴾ صفة له وخبرها ﴿ يحلون ﴾ ثم إن ضمير ﴿ يدخلون ﴾ إن عاد إلى التالين لكتاب الله أو إلى السابقين فلا إشكال؛ فالظالم يدخل النار والمقتصد يكون أمره موقوفاً كقوله ﴿ وآخرون مرجون لأمر الله  ﴾ أو كقوله ﴿ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ وإن عاد إلى الفرق الثلاث فبشرط العفو أو بشرط التوبة، وقد يروى عن رسول الله  : "سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له" وفي تقديم ﴿ جنات عدن ﴾ وبناء الكلام عليها دون أن يقول "يدخلون جنات عدن" إيذان بأن الاهتمام بشأنها أكثر فإن نظر السامع على المدخول فيه لا على نفس الدخول.

وقد مرت العبارة الأصلية في سورة الحج في قوله ﴿ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات  ﴾ إلى قوله ﴿ حرير  ﴾ وتغيير العبارة في هذا المقام لمزيد هذه الفائدة والله أعلم.

وفي قوله ﴿ يحلون فيها ﴾ إشارة إلى سرعة الدخول فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيراً للدخول.

وفي تحليتهم بالسوار إشارة إلى أمرين: أحدهما الترفه والتنعم، الثاني أنهم لا يحتاجون فيها إلى عمل من الصبخ وتهيئة سائر الأسباب.

قال جار الله: أي يحلون بعض أساور من ذهب كأنه بعض سابق لسائر الأبعاض كما سبق المسوّرون به غيرهم، والذهب واللؤلؤ إشارة إلى النوعين اللذين منهما الحليّ.

وقيل: إن ذلك الذهب في صفاء اللؤلؤ، والحزن للجنس فيعم كل حزن من أحزان الدنيا والدين كما روي عن رسول الله  "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في محشرهم وكأني بأهل لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن وجوههم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" وقد خصه جمع من المفسرين بخوف سوء العاقبة أو بحزن الآفات أو بحزن الموت أو بهمّ المعاش حتى قال بعضهم: كراء الدار والتعميم أولى.

والمقامة بمعنى الإقامة والفضل التفضل.

وعند المعتزلة العطاء لأن الثواب أجر مستحق واجب عندهم.

والنصب التعب والمشقة التي تصيب المزاول للأمر المنتصب له.

واللغوب ما يلحقه من الفتور والكلال بعد ذلك قاله جار الله.

وقال غيره: إن الذي يباشر عملاً من الأعمال لا يظهر عليه الإعياء إلا بعد أن يستريح، فالمراد أنهم لايخرجون من الجنة إلى موضع يتعبون بسبب ذلك ثم يلحقهم الإعياء بعد الرجوع.

ثم عطف قوله ﴿ والذين كفروا ﴾ على قوله ﴿ إن الذين يتلون ﴾ وقوله ﴿ فيموتوا ﴾ جواب للنفي والتقدير لا يقضي عليهم بالموت فيستريحوا و ﴿ يصطرخون ﴾ يفتعلون من الصراخ وهو الصياح بجهد وشدّة كشأن المستغيث.

وفائدة قوله ﴿ غير الذي كنا نعمل ﴾ زيادة التحسر على ما عملوه من غير الصالح، أو المراد نعمل صالحاً غير الذي كنا نحسبه صالحاً لأنهم كانوا يحسبون أنهم يحسنون.

وفيه إشارة إلى أنهم في الآخرة أيضاً ضالون لم يهدهم الله في الآخرة كما لم يهدهم في الدنيا، ولو كانوا مهتدين لقالوا: ربنا زدت للمحسنين حسنات بفضلك لا بعملهم ونحن أحوج إلى تخفيف العذاب منهم إلى تضعيف الثواب فافعل بنا ما أنت أهله نظراً إلى فضلك، ولا تفعل بنا ما نحن أهله نظراً إلى عدلك، وانظر إلى مغفرتك الهاطلة ولا تنظر إلى معذرتنا الباطلة.

وهذا بخلاف حال المؤمن هداه في العقبى كما هداه في الدنيا حتى دعاه بأقرب دعاء إلى الإجابة، وأثنى عليه بأطيب ثناء عند الإنابة فقالوا ﴿ الحمد لله ﴾ وقالوا ﴿ إن ربنا لغفور ﴾ اعترافاً بتقصيرهم ﴿ شكور ﴾ إقراراً بوصول ما لم يخطر ببالهم إليهم وأحالوا الكل إلى فضله تصريحاً بأنه لا عمل لهم بالنسبة إلى بحار نعمه.

قوله ﴿ أولم نعمركم ﴾ استفهام فيه توبيخ وإفحام وهو متناول لكل عمر تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه إلا أن التوبيخ في العمر الطويل أعظم.

عن النبي  "العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة" وروي "من جاوز الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار" وعن مجاهد: ما بين العشرين إلى الستين.

وقيل: ثماني عشرة وسبع عشرة.

وقوله ﴿ وجاءكم ﴾ معطوف على المعنى كأنه قيل: قد عمرناكم وجاءكم ﴿ النذير ﴾ وهو النبي  .

وقيل: الشيب.

فبين بالجملتين أن القابل موجود والفاعل حاصل، فالعذر غير مقبول ﴿ فذوقوا ﴾ العذاب ﴿ فما للظالمين ﴾ الذين وضعوا أعمالهم في غير موضعها وأتوا بالمعذرة في غير وقتها ﴿ من نصير ﴾ نفى الأنصار والناصرين في آخر "آل عمران" وفي "الروم" ووحد ههنا كأنهم في النار قد أيسوا من كثير ممن كانوا يتوقعون منهم النصرة إلا من نصير واحد وهو الله  .

ثم كان لسائل أن يسأل: ما بال الكافر يعذب ابداً وإنه ما كفر إلا أياماً معدودة فلا جرم قال ﴿ إن الله عالم غيب السموات والأرض ﴾ فكان يعلم من الكافر أن الكفر قد تمكن في قلبه بحيث لو دام إلى الأبد لما أطاع الله ولا عبده.

وذات الصدور صواحباتها من الظنون والعقائد فذو موضوع لمعنى الصحبة، فالصدور ذات العقائد والعقائد ذات الصدور باعتبار أنها تصحبها.

وحين ذكرهم بما مر من أنه سوف يوبخهم بالتعمير وإيتاء العقول وإرسال من يؤيد المعقول بالمنقول وعظهم بأنه ﴿ هو الذي جعلكم ﴾ وفقد العاطف هنا خلاف ما في آخر "الأنعام" للعدول عن خطاب أهل الآخرة إلى خطاب أهل الدنيا.

وقال ههنا ﴿ خلائف في الأرض ﴾ بزيادة "في" المفيدة لتمكن المظروف في الظرف لأجل المبالغة والترقي من الأدنى إلى الأعلى كأنه قيل: أمهلتهم وعمرتم وأمرتم على لسان الرسل بما أمرتم وجعلتم خلفاء الهالكين الماضين فأصبحتم بحالهم راضين ﴿ فمن كفر ﴾ بعد هذا كله ﴿ فعليه ﴾ وبال ﴿ كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتاً ﴾ لأن الكافر السابق ممقوت واللاحق الذي أنذروه الرسول ولم ينتبه أمقت لأنه رأى عذاب من تقدّمه ولم يتنبه ﴿ ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا ﴾ فإن العمر كرأس مال من اشترى به رضا الله ربح ومن اشترى به سخطه خسر.

ثم وبخ أهل الشرك بقوله ﴿ قل أرأيتم ﴾ وأبدل منه ﴿ أروني ﴾ كأنه قال: أخبروني عن هؤلاء الشركاء، أروني أيّ جزء من أجزاء الأرض استبدّوا بخلقه ﴿ أم لهم ﴾ مع الله ﴿ شرك في ﴾ خلق ﴿ السموات ﴾ أم معهم أو مع عابديهم كتاب من عند الله فهم على برهان من ذلك الكتاب.

والإضافة في ﴿ شركائكم ﴾ لملابسة العبادة، أو المراد كونهم شركاءهم في النار كقوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  ﴾ ﴿ بل إن يعد الظالمون بعضهم ﴾ وهم الرؤساء ﴿ بعضاً ﴾ وهم الأتباع ﴿ إلا غروراً ﴾ وهو قولهم ﴿ هؤلاء شفعاؤنا  ﴾ وحين بين عجز الأصنام أراد أن يبين كمال القدرة فقال ﴿ إن الله يمسك السموات والأرض ﴾ أي يمنعهما من ﴿ أن تزولاً ﴾ أو كراهة زوالهما عن مقرهما ومركزهما، ولو فرض زوالهما بأمر الله فلن يمسكهما أحد من بعد زوالهما أو من بعد الله.

وقيل: أراد أنهما كانتا جديرتين بأن تهدّ هدّاً لعظم كلمة الشرك كقوله ﴿ تكاد السموات يتفطرن منه  ﴾ يؤيد هذا الوجه قوله ﴿ إنه كان حليماً ﴾ غير معاجل بالعقوبة ﴿ غفوراً ﴾ لمن تاب من الشرك.

قال المفسرون: بلغ قريشاً قبل مبعث رسول الله أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم رسلهم فكذبوا فوالله لئن أتانا رسول لكنا أهدى.

وزيف هذا النقل بأن المشركين كانوا منكرين للرسالة والحشر فكيف اعترفوا بأن اليهود والنصارى جاءهم رسل.

سلمنا لكنهم كيف عرفوا تكذيب اليهود وتحريفهم ولم يأتهم رسول ولا كتاب؟

فالوجه الصحيح في سبب النزول أنهم كانوا يقولون: لو جاءنا رسول لم ننكره وإنما ينكرون كون محمد  رسولاً لأنه كاذب، ولو صح كونه رسولاً لآمنا.

وقوله ﴿ من إحدى الأمم ﴾ ليس للتفضيل بل المراد أنا نكون أهدى مما نحن عليه ونكون من إحدى الأمم كقولك: زيد من المسلمين.

أو هو للتفضيل والأمم لتعريف العهد أي أمة محمد وموسى وعيسى عليهم السلام، أو للعموم أي أهدى من ايّ أمة تفرض ويقال فيها إحدى الأمم تفضيلاً لها على غيرها في الهدى والاستقامة.

﴿ فلما جاءهم نذير ﴾ هو محمد  الذي صح لهم نذارته بالمعجزات الباهرة ﴿ ما زادهم ﴾ هو أو مجيئه ﴿ إلا نفوراً ﴾ كأنه صار سبباً في نفارهم عن الحق عناداً وكبراً فانتصب ﴿ استكباراً ﴾ على أنه مفعول لأجله أو حل ويجوز أن يون بدلاً من ﴿ نفوراً ﴾ وقوله ﴿ ومكر ﴾ من إضافة المصدر إلى صفة معموله أصله وأن مكروا السيء أي المكر السيء، والمكر هو مكرهم بالنبي  من الهّم بالقتل والإخراج وقد حاق بهم يوم بدر، أو هو عام وعاقبة الماكر وخيمة يصل إليه جزاؤه عاجلاً أو آجلاً.

عن النبي  "لا تمكروا ولا تعينوا ماكراً فإن الله يقول ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله" .

وفي أمثالهم "من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكباً".

وفي قوله ﴿ بأهله ﴾ دون أن يقول "إلا بالماكر إشارة إلى أن الرضا بالمكر والإعانة عليه كهو فيندرج صاحبه في زمرة أهل المكر.

وقوله ﴿ سنة الأوّلين ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول.

وقوله ﴿ سنة الله ﴾ من إضافته إلى الفاعل والمراد بها إنزال العذاب على أمثالهم من مكذبي الرسل، جعل استقبالهم لذلك واستعجالهم إياه انتظاراً له منهم.

والتبديل تغيير الصورة مع بقاء المادة، والتحويل نقل الشيء من مكان إلى مكان آخر.

خص هذه السورة بالجمع بين الوصفين لأن كثيراً من أحوال الكفرة جاءت ههنا مثناة كقوله ﴿ ولا يزيد الكافرين ﴾ إلى قوله ﴿ إلا خساراً ﴾ وكقوله ﴿ إلا نفوراً استكباراً في الأرض ومكر السيء ﴾ ويحتمل أن يريد بسنة الأوّلين استمرارهم على الإنكار كأنه قال: أنتم تريدون الإتيان بسنة الأوّلين والله يأتي بسنة لا تبدل.

العذاب المعلوم بنوع آخر ولا تحوّله عن مستحقيه إلى من لا يستحقه.

ثم أمرهم بالسير وذكرهم ما رأوه في مسايرهم ومتاجرهم إلى الشام والعراق واليمن من آثار الهالكين الأقدمين مع وفور قوّتهم وكثرة شوكتهم.

ثم بين كمال علمه ونهاية قدرته على اتصال أصناف الاستحقاقات بقوله ﴿ وما كان الله ليعجزه ﴾ أي ليسبقه ويفوته شيء.

ثم ختم السورة بما يدل على غاية حلمه وهو أنه لا يؤاخذ الناس بكل جرم ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو القيامة وهو يومئذ أعلم بأحوالهم علماً عيانياً فيجزي كلاً بحسب علمه، وقد مر مثل الآية في سورة النحل.

وقيل: الأجل هو يوم لا يوجد في الخلق من يؤمن أو حين يجتمع الناس على الضلال والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ﴾ : يا محمد، ﴿ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ : وهو القرآن، ﴿ هُوَ ٱلْحَقُّ ﴾ : أنه من عند الله، ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أي: موافقاً للكتب التي قبله.

ثم يكون وفاقه إياها بأحد شيئين: إما في الأخبار والأنباء: أن توافق الأنباء والأخبار التي في القرآن أنباء الكتب المتقدمة وأخبارها ويصدق بعضها بعضا، فكذلك كانت الكتب كلها داعية إلى توحيد الله والعبادة له والطاعة.

أو توافق الأحكام، فإن كانت الموافقة في الأحكام ففيها الناسخ والمنسوخ مختلفة؛ ألا ترى أن في القرآن ناسخاً ومنسوخاً، ثم أخبر أنه لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، ولو كان الناسخ والمنسوخ خلافاً في الحقيقة لكان من عند غير الله على ما أخبر، فدل أن بينهما وفاقاً ليس باختلاف.

وقال بعضهم: إن محمداً يصدق ما قبله من الكتب والرسل، وهو ما ذكرنا: أن جميع الكتب والرسل: إنما دعوا الخلق إلى توحيد الله وعبادته.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ .

أي: ﴿ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ بما به مصالحهم، أو ﴿ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ ، أي: على علم وبصيرة منه بتكذيب القوم رسلهم بعث الرسل إليهم لا عن جهل منه بذلك، وذلك لا يخرجه عن الحكمة كما قال بعض الملاحدة: إن ليس بحكيم من بعث الرسل إلى من يعلم أنه يكذبه ويرد رسالته، فهذا لو كان بعث الرسل لحاجة المرسل ولمنفعته يكون إرساله وبعثه إلى من يعلم أنه يكذبه ويردّ رسالته [عبثاً]، فأمّا الله -  وتعالى - يتعالى عن أن يرسل الرسل لحاجة أو لمنفعة بل لحاجة المبعوث إليه والمرسل [إليه]؛ فلم يخرج علمه برده وتكذيبه عن الحكمة، والتوفيق بالله.

أو أن يكون قوله: ﴿ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ يخرج عن الوعيد، أي: عالم بأحوالهم وأفعالهم؛ ليكونوا أبداً على حذر ومراقبة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ﴾ هو ممن أخبر أنه اصطفاه للهدى من متبعي محمد، وهم أصحاب الكبائر في قول بعض.

وقال بعضهم: هم أصحاب الصغائر.

وقال بعضهم: هم أصحاب الصغائر والكبائر جميعاً.

ومنهم من يقول: هو في الناس جميعاً المتبع له وغير المتبع.

ثم اختلف في قوله: ﴿ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ﴾ : قال بعضهم: هو المنافق الذي أظهر الموافقة لرسوله وأضمر الخلاف له.

وقال بعضهم: هم اليهود والنصارى، فقد آمنوا قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به.

وقال بعضهم: هم المشركون وقد أقسموا أنه لو جاءهم نذير: ﴿ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ  ﴾ .

فهؤلاء كلهم في النار، وما ذكر من الاصطفاء والاختيار على قول هؤلاء يكون لرسول الله؛ حيث بعث إليهم؛ ليدعوهم إلى توحيد الله.

والأشبه أن يكون قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ﴾ من أمته من متبعي الرسول ما روي في الخبر عن أبي الدرداء  - إن ثبت - قال: "تلا رسول الله هذه الآية فقال: أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حساباً يسيراً ثم يدخل الجنة، وأما الظالم لنفسه فيحبس حتى يظن أنه لن ينجو ثم تناله الرحمة فيدخل الجنة، ثم قال رسول الله: وهم الذين قالوا: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ...

﴾ " .

الآية [فاطر: 34] وكذلك روي عن أنس وعائشة عن رسول الله  ، فإن ثبت عنه فهو تأويل الآية، وتفسير الظالم من أهل التوحيد والملة.

والمقتصد: قال بعضهم: هو الذي يخلط عملا صالحاً بعمل سيئ؛ كقوله: ﴿ وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً  ﴾ .

وقال بعضهم: هو الذي يقوم بأداء الفرائض والأركان وأما غيره فلا.

والسابق يخرج على وجهين: أحدهما: سابق بالخيرات كلها لا تقصير فيه ولا نقصان.

أو سابق بالخيرات فيه تقصير ونقصان، وقد ذكرنا هؤلاء الفرق الثلاثة في غير موضع: ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ...

﴾ الآية [التوبة: 100]، ثم قال: ﴿ وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ  ﴾ ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ  ﴾ ، فالذين اعترفوا بذنوبهم هم المقتصد، والآخرون هم الظالم لنفسه.

وقال في موضع آخر: ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ  أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ  فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ  فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ  ﴾ إلى آخر ما ذكر، وقال: ﴿ وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ  ﴾ - ففي ظاهر هذا أن أصحاب الشمال المكذبون؛ حيث ذكر في آخر هذه السورة الفرق الثلاثة حيث قال: ﴿ فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ  فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ  وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ  فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ  وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ  ﴾ ، ففي ظاهر هذا أن الظالم لنفسه هو المكذب والكافر في قوله: ﴿ وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ  ﴾ في ظاهر ما ذكر في سورة التوبة أنه من أهل التوحيد حيث قال: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [التوبة: 106]، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ بِإِذُنِ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل: بعلم الله، ويحتمل: بمشيئة الله، وقيل: بأمره.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: هذا الذي أورثناهم من الكتاب هو الفضل الكبير؛ كقوله: ﴿ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً  ﴾ .

أو يقول: إدخالهم الجنة فضل منه كبير.

وروي عن عمر -  - قال: " ﴿ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ ﴾ قال: ألا إن سابقنا سابق، وإن مقتصدنا ناج، وإن ظالمنا مغفور له".

وقال عثمان بن عفان -  -: "ألا إن سابقنا أهل الجهاد منا، وإن مقتصدنا أهل حضرنا، وإن ظالمنا أهل بدونا".

وابن عباس -  - يقول: "الظالم لنفسه كافر".

وعن الحسن قال: "الظالم لنفسه المنافق وهو هالك، وأما السابق والمقتصد فقد نجيا".

وقوله: ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ .

ذكر التحلي فيها بالذهب واللؤلؤ ولبس الحرير، وليس للرجال رغبة في هذه الدنيا في التحلي بذلك ولا لبس الحرير، اللهم إلا [أن] يكون للعرب رغبة فيما ذكر، فخرج الوعد لهم بذلك والترغيب في ذلك، وهو ما ذكر من الخيام فيها والقباب والغرفات، وذلك أشياء تستعمل في حال الضرورة في الأسفار، وعند عدم غيره من المنازل والغرف عند ضيق المكان؛ فأما في حال الاختيار ووجود غيره فلا، لكنه خرج ذلك لهم؛ لما لهم في ذلك من فضل رغبة؛ ألا ترى أنهم قالوا: ﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ  ﴾ ، ذكروا ذلك لما لذلك عندهم فضل قدر ومنزلة ورغبة في ذلك.

أو يذكر هذا لهم في الجنة - أعني: الذهب والفضة والحرير وما ذكر - ليس على أن هذا مما يشابهه بحال أو يماثله في الجوهر على التحقيق سوى موافقة الاسم؛ لما روي في الخبر: "أن فيها - يعني في الجنة - ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر أو بال بشر" على ما ذكر، وما ذكر - أيضاً - أن ما في الجنة لا يشبه ما في الدنيا أو لا يوافقه إلا في الاسم أو كلام نحو هذا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ ﴾ .

قال بعضهم: إنما يقول هذا الظالم لنفسه الذي ذكر في قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ﴾ أنهم يحبسون على الصراط حبساً طويلا، أو يحاسبون حساباً شديداً؛ فيطول حزنهم بذلك، ثم يؤذن لهم بالدخول في الجنة، فعند ذلك يقولون ذلك ويحمدون ربهم على إذهاب ذلك الحزن عنهم.

وقال بعضهم: لا، ولكن يقول هذا كل مسلم إذا دخل الجنة؛ لما يخاف كل مسلم في الدنيا على مساويه؛ لما لا يدري إلى ماذا يكون مصيره ومرجعه؟

وأين مقامه في الآخرة؟

فلما أدخل الجنة أمن ما كان يخافه في الدنيا ويحزن عليه، وسلم من تلك الأخطار، حمد ربه عند ذلك.

وقال بعضهم: ذلك الحمد إنما يكون منهم؛ لما ذهب عنهم غمّ العيش والخبر الذي كان لهم في الدنيا؛ إذ كل أحد يهتم لعيشه في الدنيا، فلما دخل الجنة فذهب ذلك عنه، فعند ذلك يحمد ربه.

وقال بعضهم: يحمدون ربهم؛ لما يأمنون الموت عند ذلك؛ إذ ذكر في الخبر "أنه يؤتى بالموت يوم القيامة على صورة كبش، فيذبح بين أيديهم" ، فعند ذلك يأمنون الموت، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ .

لمساوئهم من غير أن كان منهم ما يستوجبون المغفرة، شكور لحسناتهم حيث قبلها منهم وأعطاهم الثواب.

وقال أهل التأويل: غفور لذنوبهم، شكور يعطيهم الجزاء الجزيل بالعمل القليل.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِيۤ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ ﴾ .

لما لا يتمنى التحوّل منها ولا الانتقال، لا يبغون حولا.

وقوله: ﴿ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾ .

ليس من صاحب نعمة في هذه الدنيا وإن عظمت إلا وهو يمل منها ويسأم، ويتمنى التحول منها والانتقال، وكذلك ليس من لذة وإن حلت في هذه الدنيا إلا وهي تعقب آفة وتعباً، فأخبر أن نعيم [الآخرة] ولذاتها مما لا يتمنى ولا يبتغى التحول منها، ولا لذتها تعقب آفة ولا تعباً ولا إعياء.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾ وذلك أن من حل بقرابته وبالمتصلين [به شيء] في هذه الدنيا من آفاتها يهتم لذلك ويتكلف دفع ذلك عنهم، فأخبر أنهم إذا حلوا في دار المقامة لا يهمهم شيء من ذلك، والله أعلم.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ : شكر لهم ما كان منه إليهم، وغفر لهم ما كان منهم من ذنب، "وفي حديث رفع إلى رسول الله  في قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ قال: شكر الله للمؤمن اليسير من الحسنات، وغفر لهم الذنوب العظام" .

والنصب: الأذى، ويقال: الفناء، واللغوب: التعب.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ ﴾ : فيستريحوا من عذابها، ﴿ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا ﴾ .

وفي قوله: ﴿ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا ﴾ نقض قول الجهم وأبي هذيل المعتزلي: أما قول الجهم؛ لأنه يقول: بانقطاع العذاب عن أهل النار، فأخبر أنه لا يخفف عنهم العذاب، فلو كان يحتمل الانقطاع يحتمل التخفيف، فإذا أخبر أنه لا يخفف عنهم دل أنه لا ينقطع، وكذلك قول مالك لهم: ﴿ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ  ﴾ لما طلبوا منه التخفيف: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ  ﴾ .

وأما على قول أبي الهذيل فإنه يقول: إن العذاب قد يفتر عن أهل النار، ويصير بحال لو أراد الله أن يزيد في عذابهم شيئاً ما قدر عليه، وكذلك يقول في لذات أهل الجنة: إنها تصير بحال وتبلغ مبلغاً لو أراد الله أن يزيد لهم شيئاً منها ما قدر عليه، فظاهر الآية يكذبهم ويردّ قولهم حيث قال: ﴿ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا ﴾ .

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴾ : لنعمه وجاحد وحدانيته.

وقوله: ﴿ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا ﴾ .

قال بعضهم: يصيحون فيها.

[و] قال بعضهم: الاصطراخ: الاستغاثة، أي: يستغيثون، واصطراخهم قولهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ ﴾ يفزعون أولا إلى كبرائهم الذين اتبعوهم في الدنيا، يطلبون منهم دفع ما هم فيه من العذاب والتخفيف عنهم، حيث قالوا: ﴿ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ  ﴾ فأجابوا لهم: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ...

﴾ الآية [غافر: 48]، فلما أيسوا وانقطع رجاؤهم بالفرج من عندهم فزعوا عند ذلك إلى خزنة جهنم حيث قالوا: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ  قَالُوۤاْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ  ﴾ ، فلما أيسوا منهم وانقطع رجاؤهم، فزعوا إلى مالك يطلبون منه أن يسأل ربه؛ ليقضي عليهم بالموت حيث قال: ﴿ وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ  ﴾ ، فلما أيسوا، سألوا ربهم الإخراج عنها؛ ليعملوا غير الذي عملوا حيث قالوا: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ ﴾ ، فاحتج عليهم: ﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ﴾ أي: أولم نعمركم فيها من العمر مثل العمر الذي يتعظ به من يتعظ، فهلا اتعظتم فيه ما اتعظ من اتعظ فيه، وقد أعمرناكم مثل الذي أعمرنا أولئك، أو كلام نحو هذا.

﴿ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ﴾ .

قال بعضهم: جاءكم الرسول وأنذركم هذا فقد كذبتموه.

وقال بعضهم: ﴿ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ﴾ أي: الشيب، ومعناه - والله أعلم - أي: قد رأيتم وعاينتم تغير الأحوال في أنفسكم من حال إلى حال: من حال الصغر إلى الكبر من الشباب إلى الشيب، ثم الرد إلى أرذل العمر، فهلا اتعظتم به كما اتعظ أولئك، فذوقوا ما أنذركم به الرسل ﴿ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على الوعيد والتخويف، أي: هو عالم بالأشياء التي لم يمتحنها بمحن، ولا أمرها بأمور، ولا نهاها بمناه، فالذين امتحنهم بأنواع المحن، وأمرهم بأوامر، ونهى بمناه - أحق أن يكون عالماً بهم.

والثاني: أنه على علم بما يكون من خلق السماوات وأهل الأرض، خلقهم وبعث إليهم الرسل من التكذيب لهم والردّ عليهم، لا عن سهو وجهل بما يكون منهم؛ ليعلم أنه إنما بعث إليهم الرسل لحاجة أنفس المبعوث إليهم ولمنفعة لهم في ذلك، لا لحاجة المرسل والباعث ولمنفعة له؛ لذلك خرج البعث إليهم على علم بما يكون منهم من التكذيب والرد للرسالة على الحكمة وفي الشاهد على السفه؛ لأن في الشاهد إنما يبعث الرسل إلى من يبعث لحاجة نفسه ولمنفعة له في ذلك، فخرج البعث إليه على علم منه بالتكذيب والردّ عليه سفها وباطلا، ومن الله حكمة وحقّاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ .

وكأن ذات الصدور هم البشر، خصهم بعلم ما يكون منهم؛ لأنهم أهل تمييز وبصر وامتحان، فيخرج ذلك مخرج الوعيد لهم والتحذير، وأما غيرهم من الدواب ونحوها فلا محنة عليهم ولا تمييز لهم؛ لذلك خص هؤلاء بذلك، وإن كان عالماً بالكل بذات الصدور وغير ذات الصدور، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

جنات إقامة يدخلها هؤلاء المصطَفَوْن، يلبسون فيها لؤلؤًا وأساور من ذهب، ولباسهم فيها حرير.

<div class="verse-tafsir" id="91.xb71W"

مزيد من التفاسير لسورة فاطر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل