الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ٤٢ من سورة فصلت
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 68 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٤٢ من سورة فصلت من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) أي : ليس للبطلان إليه سبيل ; لأنه منزل من رب العالمين ; ولهذا قال : ( تنزيل من حكيم حميد ) أي : حكيم في أقواله وأفعاله ، حميد بمعنى محمود ، أي : في جميع ما يأمر به وينهى عنه ، الجميع محمودة عواقبه وغاياته .
وقوله: ( لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ) اختلف أهل التأويل في تأويله فقال بعضهم: معناه: لا يأتيه النكير من بين يديه ولا من خلفه.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب, قال: ثنا ابن يمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد ( لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ) قال: النكير من بين يديه ولا من خلفه.
وقال آخرون: معنى ذلك: لا يستطيع الشيطان أن ينقص منه حقا, ولا يزيد فيه باطلا قالوا: والباطل هو الشيطان.
وقوله: ( مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ) من قبل الحق ( وَلا مِنْ خَلْفِهِ ) من قبل الباطل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ) الباطل: إبليس لا يستطيع أن ينقص منه حقا, ولا يزيد فيه باطلا.
وقال آخرون: معناه: إن الباطل لا يطيق أن يزيد فيه شيئا من الحروف ولا ينقص, منه شيئا منها.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ) قال: الباطل: هو الشيطان لا يستطيع أن يزيد فيه حرفا ولا ينقص.
وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: معناه: لا يستطيع ذو باطل بكيده تغييره بكيده, وتبديل شيء من معانيه عما هو به, وذلك هو الإتيان من بين يديه, ولا إلحاق ما ليس منه فيه, وذلك إتيانه من خلفه.
وقوله: ( تَنـزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) يقول تعالى ذكره: هو تنـزيل من عند ذي حكمة بتدبير عباده, وصرفهم فيما فيه مصالحهم, ( حَمِيدٍ ) يقول: محمود على نعمه عليهم بأياديه عندهم.
لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أي لا يكذبه شيء مما أنزل الله من قبل ، ولا ينزل من بعده يبطله وينسخه ، قاله الكلبي .
وقال السدي وقتادة : لا يأتيه الباطل يعني الشيطان من بين يديه ولا من خلفه لا يستطيع أن يغير ولا يزيد ولا ينقص .
وقال سعيد بن جبير : لا يأتيه التكذيب من بين يديه ولا من خلفه ابن جريج : لا يأتيه الباطل فيما أخبر عما مضى ولا فيما أخبر عما يكون .
وعن ابن عباس : من بين يديه من الله تعالى : ولا من خلفه يريد من جبريل - صلى الله عليه وسلم - ، ولا من محمد صلى الله عليه وسلم .تنزيل من حكيم حميد ابن عباس : حكيم في خلقه حميد إليهم .
قتادة : حكيم في أمره حميد إلى خلقه .
{ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ } أي: لا يقربه شيطان من شياطين الإنس والجن، لا بسرقة، ولا بإدخال ما ليس منه به، ولا بزيادة ولا نقص، فهو محفوظ في تنزيله، محفوظة ألفاظه ومعانيه، قد تكفل من أنزله بحفظه كما قال تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } { تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ } في خلقه وأمره، يضع كل شيء موضعه، وينزله منازله.
{ حَمِيدٌ } على ما له من صفات الكمال، ونعوت الجلال، وعلى ما له من العدل والإفضال، فلهذا كان كتابه، مشتملاً على تمام الحكمة، وعلى تحصيل المصالح والمنافع، ودفع المفاسد والمضار، التي يحمد عليها.
وهو قوله : ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) قال قتادة والسدي : الباطل : هو الشيطان ، لا يستطيع أن يغيره أو يزيد فيه أو ينقص منه .
قال الزجاج : معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه فيأتيه الباطل من بين يديه أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه .
وعلى هذا معنى : " الباطل " الزيادة والنقصان .
وقال مقاتل : لا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله ، ولا يجيء من بعده كتاب فيبطله .
.
( تنزيل من حكيم حميد ) ثم عزى نبيه - صلى الله عليه وسلم - على تكذيبهم
«لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه» أي ليس قبله كتاب يكذبه ولا بعده «تنزيل من حكيم حميد» أي الله المحمود في أمره.
إن الذين جحدوا بهذا القرآن وكذَّبوا به حين جاءهم هالكون ومعذَّبون، وإن هذا القرآن لكتاب عزيز بإعزاز الله إياه وحفظه له من كل تغيير أو تبديل، لا يأتيه الباطل من أي ناحية من نواحيه ولا يبطله شيء، فهو محفوظ من أن يُنقص منه، أو يزاد فيه، تنزيل من حكيم بتدبير أمور عباده، محمود على ما له من صفات الكمال.
ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى فقال : ( لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ) أى : لا يستطيع الباطل أن يتطرق إليه من أى جهة من الجهات ، لا من جهة لفظه ولا من جهة معناه لأن الله - تعالى - تكفل بحفظه وصيانته ، كما قال - تعالى -( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أما طعن فيه الطاعنون وتأوله المبطلون؟قلت : بلى ، ولكن الله قد تكفل بحمايته عن تعلق الباطل به ، بأن قيض قوما عارضوهم بإبطال تأويلهم ، وإفساد أقاويلهم .
فلم يخلوا طعن طاعن إلا ممحوقا ، ولا قول مبطل إلا مضمحلا .وقوله : ( تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) أى : هذا الكتاب منزل من لدن الله الحكيم فى أقواله وأفعاله ، المحمود على ما أسدى لعباده من نعم لا تحصى .
اعلم أنه تعالى لما بيّن أن الدعوة إلى دين الله تعالى أعظم المناصب وأشرف المراتب، ثم بيّن أن الدعوة إلى دين الله تعالى، إنما تحصل بذكر دلائل التوحيد والعدل وصحة البعث والقيامة، عاد إلى تهديد من ينازع في تلك الآيات، ويحاول إلقاء الشبهات فيها، فقال: ﴿ إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ فِي ءاياتنا ﴾ يقال ألحد الحافر ولحد إذا مال عن الاستقامة فحفر في شق، فالملحد هو المنحرف، ثم بحكم العرف اختص بالمنحرف عن الحق إلى الباطل، وقوله: ﴿ لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ﴾ تهديد كما إذا قال الملك المهيب: إن الذين ينازعونني في ملكي أعرفهم، فإنه يكون ذلك تهديداً، ثم قال: ﴿ أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمناً يوم القيامة ﴾ وهذا استفهام بمعنى التقرير، والغرض التنبيه على أن الذين يلحدون في آياتنا يلقون في النار، والذين يؤمنون بآياتنا يأتون آمنين يوم القيامة.
ثم قال: ﴿ اعملوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ وهذا أيضاً تهديد ثالث، ونظيره ما يقوله الملك المهيب عند الغضب الشديد إذا أخذ يعاتب بعض عبيده ثم يقول لهم اعملوا ما شئتم فإه هذا مما يدل على الوعيد الشديد.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر لَمَّا جَاءهُمْ ﴾ وهذا أيضاً تهديد، وفي جوابه وجهان: أحدهما: أنه محذوف كسائر الأجوبة المحذوفة في القرآن على تقدير: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم يجازون بكفرهم أو ما أشبه والثاني: أن جوابه قوله: ﴿ أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ والأول أصوب، ولما بالغ في تهديد الذين يلحدون في آيات القرآن أتبعه ببيان تعظيم القرآن، فقال: ﴿ وَإِنَّهُ لكتاب عَزِيزٌ ﴾ والعزيز له معنيان أحدهما: الغالب القاهر والثاني: الذي لا يوجد نظيره، أما كون القرآن عزيزاً بمعنى كونه غالباً، فالأمر كذلك لأنه بقورة حجته غلب على كل ما سواه، وأما كونه عزيزاً بمعنى عديم النظير، فالأمر كذلك لأن الأولين والآخرين عجزوا عن معارضته، ثم قال: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ وفيه وجوه: الأول: لا تكذبه الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل والزبور، ولا يجيء كتاب من بعده يكذبه الثاني: ما حكم القرآن بكونه حقاً لا يصير باطلاً، وما حكم بكونه باطلاً لا يصير حقاً الثالث: معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه فيأتيه الباطل من بين يديه، أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه.
والدليل عليه قوله: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لحافظون ﴾ فعل هذا الباطل هو الزيادة والنقصان الرابع: يحتمل أن يكون المراد أنه لا يوجد في المستقبل كتاب يمكن جعله معارضاً وله ولم يوجد فيما تقدم كتاب يصلح جعله معارضاً له الخامس: قال صاحب الكشاف هذا تمثيل، والمقصود أن الباطل لا يتطرق إليه، ولا يجد إليه سبيلاً من جهة من الجهات حتى يتصل إليه.
واعلم أن لأبي مسلم الأصفهاني أن يحتج بهذه الآية على أنه لم يوجد النسخ فيه لأن النسخ إبطال فلو دخل النسخ فيه لكان قد أتاه الباطل من خلفه وإنه على خلاف هذه الآية.
ثم قال تعالى: ﴿ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ أي حكيم في جميع أحواله وأفعاله، حميد إلى جميع خلقه بسبب كثرة نعمه، ولهذا السبب جعل ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ فاتحة كلامه، وأخبر أن خاتمة كلام أهل الجنة، وهو قوله: ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: بم اتصل قوله: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر ﴾ ؟
قلت: هو بدل من قوله: ﴿ إنّ الذين يُلْحِدُونَ فِي ءاياتنا ﴾ [فصلت: 40] والذكر: القرآن، لأنهم لكفرهم به طعنوا فيه وحرّفوا تأويله ﴿ وَإِنَّهُ لكتاب عَزِيزٌ ﴾ أي منيع محمى بحماية الله تعالى ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ مثل كأن الباطل لا يتطرّق إليه ولا يجد إليه سبيلاً من جهة من الجهات حتى يصل إليه ويتعلق به.
فإن قلت: أما طعن فيه الطاعنون، وتأوّله المبطلون؟
قلت: بلى، ولكن الله قد تقدّم في حمايته عن تعلق الباطل به: بأن قيض قوماً عارضوهم بإبطال تأويلهم وإفساد أقاويلهم، فلم يخلوا طعن طاعن إلا ممحوقاً، ولا قول مبطل إلا مضمحلاً.
ونحوه قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون ﴾ [الحجر: 9] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا ﴾ أوْ مُسْتَأْنَفٌ وخَبَرُ إنَّ مَحْذُوفٌ مِثْلَ مُعانِدُونَ أوْ هالِكُونَ، أوْ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ و «الذِّكْرِ» القُرْآنُ.
﴿ وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ﴾ كَثِيرُ النَّفْعِ عَدِيمُ النَّظِيرِ أوْ مَنِيعٌ لا يَتَأتّى إبْطالُهُ وتَحْرِيفُهُ.
لاَّ ﴿ يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ ﴾ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الباطِلُ مِن جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ أوْ مِمّا فِيهِ مِنَ الأخْبارِ الماضِيَةِ والأُمُورِ الآتِيَةِ.
﴿ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ ﴾ أيْ حَكِيمٍ.
﴿ حَمِيدٍ ﴾ يَحْمَدُهُ كُلُّ مَخْلُوقٍ بِما ظَهَرَ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{لاَّ يَأْتِيهِ الباطل} التبديل أو التناقض {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} أي بوجه من الوجوه {تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} مستحق للحمد
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِكِتابٍ، وما بَيْنَ يَدَيْهِ وما خَلْفَهُ كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ كالصَّباحِ والمَساءِ كِنايَةٌ عَنِ الزَّمانِ كُلِّهِ أيْ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الباطِلُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، وفِيهِ تَمْثِيلٌ لِتَشْبِيهِهِ بِشَخْصٍ حُمِيَ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ فَلا يُمَكِّنُ أعْداءَهُ الوُصُولَ إلَيْهِ لِأنَّهُ في حِصْنٍ حَصِينٍ مِن حِمايَةِ الحَقِّ المُبِينِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن جِهَةِ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الأخْبارِ الماضِيَةِ والأُمُورِ الآتِيَةِ.
وقِيلَ: الباطِلُ بِمَعْنى المُبْطِلِ كَوارِسٍ بِمَعْنى مُورِسٍ أوْ هو مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ بِمَعْنى مُبْطِلٍ أيْضًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ أيْ مَحْمُودٌ عَلى ما أسْدى مِنَ النِّعَمِ الَّتِي مِنها تَنْزِيلُ الكِتابِ، وحَمْدُهُ سُبْحانَهُ: بِلِسانِ الحالِ مُتَحَقَّقٌ مِن كُلِّ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ وبِلِسانِ القالِ مُتَحَقَّقٌ مِمَّنْ وُفِّقَ لِذَلِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ صِفَةٌ أُخْرى لِكِتابٍ مُفِيدَةٌ لِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ كَما أنَّ الصِّفَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ مُفِيدَتانِ لِفَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَأْتِيهِ ﴾ ..
إلَخْ.
اعْتِراضٌ عِنْدَ مَن لا يُجَوِّزُ تَقْدِيمَ غَيْرِ الصَّرِيحِ مِنَ الصِّفاتِ عَلى الصَّرِيحِ كُلُّ ذَلِكَ لِتَأْكِيدِ بُطْلانِ الكُفْرِ بِالقُرْآنِ، واخْتَلَفُوا في خَبَرِ ( إنَّ ) أمَذْكُورٌ هو أوْ مَحْذُوفٌ فَقِيلَ: مَذْكُورٌ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ وهو قَوْلُ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ في حِكايَةٍ جَرَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ بِلالِ بْنِ أبِي بَرْدَةَ سُئِلَ بِلالٌ في مَجْلِسِهِ عَنْ هَذا فَقالَ: لَمْ أجِدْ لَها نَفاذًا فَقالَ لَهُ أبُو عَمْرٍو: إنَّهُ مِنكَ لَقَرِيبٌ ﴿ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ وذَهَبَ إلَيْهِ الحَوْفِيُّ وهو في مَكانٍ بَعِيدٍ، وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ ﴾ بِحَذْفِ العائِدِ أيِ الكافِرُونَ وحالُهُ أنَّهُ كِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِنهم أيْ مَتى رامُوا إبْطالًا لَهُ لَمْ يَصِلُوا إلَيْهِ أوْ بِجَعْلِ ألْ في الباطِلِ عِوَضًا مِنَ الضَّمِيرِ بِهِ عَلى قَوْلِ الكُوفِيِّينَ أيْ لا يَأْتِيهِ باطِلُهم أوْ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ما يُقالُ لَكَ ﴾ ..
إلَخْ.
والعائِدُ أيْضًا مَحْذُوفٌ أيْ ما يُقالُ لَكَ في شَأْنِهِمْ أوْ فِيهِمْ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ أيْ أوْحى إلَيْكَ في شَأْنِ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ لَكَ ولِما جِئْتَ بِهِ مِثْلَ ما أوْحى إلى مَن قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ وهو أنَّهم عاقِبَتُهم سَيِّئَةٌ في الدُّنْيا بِالهَلاكِ وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ الدّائِمِ ثُمَّ قالَ: وغايَةُ ما في هَذَيْنِ التَّوْجِيهَيْنِ حَذْفُ الضَّمِيرِ العائِدِ وهو مَوْجُودٌ نَحْوَ السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ والبُرُّ كُرٌّ بِدِرْهَمٍ أيْ مِنهُ.
ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ نُحاةِ الكُوفَةِ أنَّ الخَبَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ﴾ وتَعَقَّبَهُ بِأنَّهُ لا يُتَعَقَّلُ، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ وخَبَرُ ( إنَّ ) يُحْذَفُ لِفَهْمِ المَعْنى، وسَألَ عِيسى بْنُ عُمَرَ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ عَمْرٌو: مَعْناهُ في التَّفْسِيرِ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم كَفَرُوا بِهِ وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ فَقالَ عِيسى: أجَدْتَ يا أبا عُثْمانَ.
وقالَ قَوْمٌ: تَقْدِيرُهُ مُعانِدُونَ أوْ هالِكُونَ، وقالَ الكِسائِيُّ: قَدْ سَدَّ مَسَدَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ قَبْلُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن يُلْقى ﴾ وكَأنَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ فَيُمْكِنُ أنْ يُقَدَّرَ يَخْلُدُونَ في النّارِ، ويُقَدَّرَ الخَبَرُ عَلى ما اسْتَحْسَنَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بَعْدَ ( حَمِيدٍ ) وفي الكَشّافِ أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا ﴾ قالَ في البَحْرِ: ولَمْ يَتَعَرَّضْ بِصَرِيحِ الكَلامِ إلى خَبَرِ ( إنَّ ) أمَذْكُورٌ هو أوْ مَحْذُوفٌ لَكِنَّهُ قَدْ يَدَّعِي أنَّهُ أشارَ إلى ذَلِكَ فَإنَّ المَحْكُومَ بِهِ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ هو المَحْكُومُ بِهِ عَلى البَدَلِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا.
وفي الكَشْفِ فائِدَةُ هَذا الإبْدالِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ ما يَحْمِلُهم عَلى الإلْحادِ إلّا مُجَرَّدُ الكُفْرِ، وفِيهِ إمْدادُ التَّحْذِيرِ مِن وُجُوهِ ما ذَكَرَ مِنَ التَّنْبِيهِ ووَضْعُ الذِّكْرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى الآياتِ زِيادَةُ تَحْسِيرٍ لَهم، وما في ( لَمّا ) مِن مَعْنى مُفاجَأتِهِمْ بِالكُفْرِ أوَّلَ ما جاءَ، وما فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ لِشَأْنِ الآياتِ والتَّمْهِيدِ لِلْحَدِيثِ عَنْ كَمالِ الكِتابِ الدّالِّ عَلى سُوءِ مَغَبَّةِ المُلْحِدِ فِيهِ، ثُمَّ الأشْبَهُ أنْ يُحْمَلَ كَلامُ الكَشّافِ عَلى أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ السّابِقِ عَلَيْهِ ولِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ لِذَهابِ الوَهْمِ كُلَّ مَذْهَبٍ وتَكُونُ الجُمْلَةُ بَدَلًا عَنِ الجُمْلَةِ لِأنَّ البَدَلَ بِتَكْرِيرِ العامِلِ إنَّما جُوِّزَ في المَجْرُورِ لِشِدَّةِ الِاتِّصالِ.
انْتَهى.
فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ ما <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا قال مقاتل: يعني: يميلون عن الإيمان بالقرآن.
وقال الكلبي: يعني: يميلون في آياتنا بالتكذيب.
وقال قتادة: الإلحاد التكذيب.
وقال الزجاج: أي يجعلون الكلام على غير وجهه.
ومن هذا سمي اللحد لحداً، لأنه في جانب القبر.
قرأ حمزة: يُلْحِدُونَ بنصب الحاء، والياء.
والباقون: بضم الياء، وكسر الحاء، ومعناهما واحد، لحد وألحد بمعنى واحد.
قوله: لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أي: لا يقدرون على أن يهربوا من عذابنا، ولا يستترون منا، أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ يعني: أبا جهل وأصحابه، خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني: النبيّ .
ويقال: نزلت في شأن جميع الكفار، وجميع المؤمنين.
يعني: من كان مرجعه إلى النار، حاله يكون خيراً أم حال من يدخل الجنة.
ثم قال لكفار مكة: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ لفظه لفظ التخيير والإباحة، والمراد به التوبيخ، والتهديد، لأنه بيّن مغير كل عامل.
ثم قال تعالى: إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ من الخير، والشر.
قوله تعالى: بصير أي: عالم إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ يعني: جحدوا بالقرآن لما جاءهم، وَإِنَّهُ يعني: القرآن، لَكِتابٌ عَزِيزٌ يعني: كريم عند المؤمنين.
ويقال: كريم على الله، أنزله آخر الكتب.
وقال مقاتل: كتاب عزيز يعني: منيع عن الباطل.
ويقال: عزيز لا يوجد مثله في النظم، وكثرة فوائده.
لاَّ يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ قال الكلبي ومقاتل: لاَّ يَأْتِيهِ الْباطِلُ أي: لا يأتيه التكذيب من الكتاب الذي قبله، كل يصدق هذا، ولا يجيء من بعده كتاب يكذبه.
وقال قتادة: لاَّ يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ يعني: لا يستطيع الشيطان أن يبطل منه حقاً، ولا يؤيد فيه باطلاً.
قال أبو الليث: حدثنا الخليل بن أحمد.
قال: حدثنا الباغندي.
قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي سنان، عن عمرو بن مرة، عن أبي البحتري، عن الحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب قال: قيل للنبي : إن أمتك ستفترق من بعدك.
فقال رسول الله : «بَلَى» .
فقالوا: ما المخرج منها.
فقال جبريل لرسول الله : قال: كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
من ابتغى العلم في غيره، أضله الله، ومن حكم بغيره، قصمه الله، وهو الذكر الحكيم، والنور المبين، والصراط المستقيم، فيه خبر من كان قبلكم، وبيان من بعدكم، والحكم فيما بينكم هو الفصل المبين، وهو الفضل، وليس بالهزل، وهو الذي سمعته الجن، فقالوا: إنا سمعنا قرآناً عجباً لا يخلق على طول الدهر، ولا تنقضي عبره، ولا تفنى عجائبه، ثم قال للحارث خذها إليك يا أعور.
ثم قال: تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ يعني: القرآن تنزيل من الله تعالى، الحكيم في أمره، المحمود في فعاله.
وقال بعضهم: قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ، لم يذكر جوابه، وجوابه مضمر.
وقال بعضهم: جوابه في قوله: وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ ويقال: جوابه في قوله أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [فصلت: 44] .
<div class="verse-tafsir"
ومقاتلٌ وجماعةٌ «١» ، وقيل: إنَّ الآية نزلَتْ في المُؤَذِّنينَ، وهذا ضعيفٌ لأَنَّ الآية مَكِّيَّةٌ، والأذانُ شُرِعَ بالمدينةِ، قال أبو حَيّان «٢» : وَلَا السَّيِّئَةُ «لا» زائدة للتوكيدِ، انتهى.
وقوله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ آية جَمَعَتْ مكارمَ الأخلاقِ وأنواعَ الحِلْمِ، والمعنى: ادفع ما يعرض لك مع الناس في مخالطتهم بالفعلة أو بالسيرة التي هي أَحْسَنُ، قال ابن عبَّاس: أمره اللَّه تعالى في هذه الآية بالصَّبْر عند الغَضَبِ، وَالحِلْمِ عند الجَهْل، والعَفْوِ عِنْدَ الإسَاءَةِ، فإذا فعل المؤمنُونَ ذلك، عَصَمَهُمُ اللَّه من الشيطان، وخضع لهم عَدُوُّهم، كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ «٣» البخاريُّ: «وليُّ حميم» أي: قريب، انتهى،، وفسَّر مجاهدٌ وعطاءٌ هذه الآية بالسَّلاَمِ عند اللِّقاء «٤» ، قال ع «٥» : ولا شَكَّ أنَّ السلام هو مبدأُ الدَّفْعِ بالتي هي أحسن، وهو جزء منه، والضمير في قوله: يُلَقَّاها عائد على هذه الخُلُقِ التي يقتضيها قوله: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وقالت فرقة: / المراد: وما يُلَقَّى «لاَ إله إلاَّ اللَّهُ» ، وهذا تفسير لا يقتضيه اللفظ.
وقوله سبحانه: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا: مدح بليغ للصابرين، وذلك بَيِّنٌ للمتأَمِّلِ لأنَّ الصَّبْرَ على الطاعات وعنِ الشهوات جامع لخصَالِ الْخَيْر كلِّها، والحظُّ العظيمُ: يَحْتَمِلُ أن يريد من العقل والفضلِ فتكونَ الآية مدحاً لِلْمُتَّصِفِ بذلك، ويحتمل أن يريد: ذو حظ عظيم من الجنة وثواب الآخرة، فتكونَ الآية وعداً، وبالجنة فسر قتادة الحظّ هنا «٦» .
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦) وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)
وقوله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ «إِمَّا» : شرطٌ وجوابُ الشرطِ قوله: فَاسْتَعِذْ والنَّزْغُ: فِعْلُ الشيطانِ في قَلْبٍ أو يدٍ من إلقاءِ غَضَبٍ، أو حقدٍ، أو بطشٍ في اليد.
فمن الغضب هذه الآية، ومن الحقد قوله: نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي [يوسف: ١٠٠] ، ومن البطش قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ يُشِرْ أَحَدُكُمْ عَلَى أخِيهِ بالسِّلاَح لاَ يَنْزَغُ الشَّيْطَانُ في يَدِهِ فَيُلْقِيَهُ في حُفْرَةٍ مِنْ حُفَرِ النَّارِ» «١» .
ومن دعاء الشيخِ الوليِّ العارف باللَّه سبحانه، محمَّد بن مَسَرَّة القُرْطُبِيِّ: اللَّهُمَّ، لاَ تَجْعَلْ صدري للشيطان مَرَاغاً، ولا تُصَيِّرْ قلبي له مجالاً، ولا تَجْعَلْنِي، مِمَّنِ استفزَّهُ بصوته، وأجلب عليه بخيله ورَجْلِهِ، وكُنْ لي من حبائله مُنْجِياً، ومن مصائده مُنْقِذاً، ومن غَوَايَتِهِ مُبْعِداً، اللهم إنَّه وَسْوَسَ في القلب، وألقى في النَّفْس ما لا يطيقُ اللِسانُ ذِكْرَهُ، ولا تستطيعُ النَّفْس نشره مِمَّا نَزَّهَك عنه عُلُوُّ عِزِّكَ، وسُمُوُّ مجدك، فَأَزِلْ يا سيِّدِي ما سَطَرَ، وامح ما زَوَّرَ بوَابِلِ من سحائِبِ عَظَمَتِكَ وطُوفَانٍ مِنْ بِحَارِ نُصْرَتِكَ، واسلل عليه سيفَ إبعادك، وارشقه بسهام إقصائِكَ، وأحْرِقْهُ بنار/ انتقامك، واجعل خَلاَصِي منه زائداً في حُزْنِهِ، وَمُؤَكِّداً لأسفه، ثم قال رحمه اللَّه: اعلم أَنَّه ربما كان العبد في خَلْوَتِهِ مشتغلاً بتلاوته، ويجدُ في نفسه من الوسوسة ما يحولُ بينه وبين رَبِّه، حتى لا يَجِدَ لطعمِ الذِّكْرِ حلاوةً، ويجدَ في قلبه قساوةً، وربما اعتراه ذلك مع الاجتهاد في قراءته وعِلَّةُ ذلك أَنَّ الذِّكْرَ ذِكْرَانِ: ذكرُ خَوْفٍ ورهبةٍ، وذكْرُ أَمْنٍ وغفلةٍ، فإذا كان [الذِّكْرُ بالخَوْفِ والرهبة، خَنَسَ الشيطانُ، ولم يحتملِ الحَمْلَةَ، وأذهب الوسوسة لأنَّ الذكر إذا كان] «٢» باجتماع القلب وصِدْقِ النية، لم يكُنْ للشيطانِ قُوَّةٌ عند ذلك، وانقطعَتْ علائقُ حِيَلِهِ وإنَّما قُوَّتُهُ ووسوستُهُ مع الغَفْلَة، وإذا كان [الذِّكْرُ بالأَمْنِ والغَفْلَةِ لَمْ تفارقْهُ الوَسْوَسَةُ، وإنِ استدام العَبْدُ الذِّكْرَ والقراءةَ لأَنَّ على قلب الغافلِ غشاوةً ولا يجد] «٣» صاحبها لطعم الذكْرِ حلاوةً، فَتَحَفَّظْ على دينك من هذا العدوّ، وليس لك أن تزيله عن
مرتبته، ولا أَنْ تزيحَهُ عن وطنه، وإنما أُبِيحَ لك مجاهدته، فاستعنْ باللَّه يُعِنْك، وثِقْ باللَّه فإنَّهُ لا يَخْذُلُكَ قال تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: ٦٩] ، انتهى من تصنيفه- رحمه اللَّه-.
وندب سبحانه في الآية المتقدمة إلى الأخذ بمكارم الأخلاق، ووعد على ذلك، وعَلِمَ سبحانه أَنَّ خِلْقَةَ البشر تغلب أحياناً وتَثُورُ بِهِمْ سَوْرَةُ الغضب ونَزْغُ الشيطان فَدَلَّهُمْ في هذه الآية على ما يُذْهِبُ ذلك، وهي الاستعاذة به عزَّ وجلَّ، ثم عَدَّدَ سبحانه آياته ليعتبر فيها، فقال: وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، ثم قال تعالى: لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ: وإِنْ كانت لكم فيهما منافع لأَنَّ النفع منهما إنَّما هو بتسخير اللَّهِ إيَّاهما، فهو الذي ينبغي أَنْ يُسْجَدَ له، والضمير في خَلَقَهُنَّ قيل: هو عائد على الآيات المتقدم ذكرُهَا، وقيل: عائد على الشمس والقمر، والاثنان جمع، وأيضاً جمع ما لاَ يَعْقِلُ يُؤنَّثُ/، فلذلك قال: خَلَقَهُنَّ ومن حيث يقال: شُمُوسٌ وأقمار لاِختلافهما بالأَيَّامِ ساغ أنْ يعود الضميرُ مجموعاً، وقيل: هو عائد على الأربعة المذكورة.
ت: ومن كتاب «المستغيثين باللَّه» لأبي القاسم بن بَشْكَوَال حَدَّثَ بسنده إلى أَنس بن مالك، قال: تقرأ «حم السجدة» ، وتَسْجُدُ عند السجدة، وتَدْعُو فإنَّه يُسْتَجَابُ لك، قال الراوي: وَجَرَّبْتُهُ فوجدته مُسْتَجاباً، انتهى،، ثم خاطب جل وعلا نَبِيَّهُ- عليه السلام- بما يتضمَّن وعيدهم وحقارَة أمرهم، وأَنَّهُ سبحانه غَنِيٌّ عن عبادتهم بقوله: فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا ...
الآية، وقوله: فَالَّذِينَ يعني بهم الملائكة هم صَافُّونَ يسبحون، وعِنْدَ هنا ليست بظرف مكان وإِنَّما هي بمعنى المنزلة والقربةِ [كما تقول: زَيْدٌ عنْدَ الْمَلِكِ جليلٌ، ويروى أَنَّ تَسبيحَ الملائكة قد صار لهم كالنّفس لبني آدم، وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ معناه: لا] «١» يَملُّون، ثم ذكر تعالى آيةً منصوبةً ليعتبر بها في أمر البعث من القبور، ويستدِلَّ بما شُوهِدَ من هذه على ما لم يشاهد، فقال: وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً ...
الآية، وخشوع الأرض هو ما يظهر عليها من استكانة وشَعَثٍ بالجَدْبِ، فهي عابسةٌ كما الخاشِعُ عَابِسٌ يكاد يَبْكِي، واهتزاز الأرض: هو تَخَلْخُلُ أجْزَائِهَا وَتَشَقُّقُهَا للنبات، ورُبُوُّهَا: هو انتفاخها بالماء وعُلُوُّ سطحِها به، وعبارة البخاريِّ: اهتزت بالنبات، ورَبَت:
ارتفعَت اهـ، ثم ذكر تعالى بالأمر الذي ينبغي أنْ يُقَاسَ على هذه الآية، والعبرة، وذلك إحياء الموتى، فقال: إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ والشيء في اللغة: الموجود.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.
وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الإلْحادِ في [النَّحْلِ: ١٠٣]؛ وفي المُرادِ بِهِ هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ وضَعَ الكَلامَ عَلى غَيْرِ مَوْضِعِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ المُكاءُ والصَّفِيرُ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ التَّكْذِيبُ بِالآياتِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ المُعانَدَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والخامِسُ: أنَّهُ المَيْلُ عَنِ الإيمانِ بِالآياتِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا ﴾ هَذا وعِيدٌ بِالجَزاءِ ﴿ أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ وهَذا عامٌّ، غَيْرَ أنَّ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا فِيمَن أُرِيدُ بِهِ سَبْعَةَ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ أبُو جَهْلٍ وأبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أبُو جَهْلٍ وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: أبُو جَهْلٍ ورَسُولُ اللَّهِ ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أبُو جَهْلٍ وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
والخامِسُ: أبُو جَهْلٍ وحَمْزَةُ، حَكاهُ الواحِدِيُّ.
والسّادِسُ: أبُو جَهْلٍ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ.
والسّابِعُ: الكافِرُ والمُؤْمِنُ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناهُ الوَعِيدُ والتَّهْدِيدُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ؛ ثُمَّ أخَذَ في وصْفِ الذِّكْرِ؛ وتَرَكَ جَوابَ "إنَّ"، وفي جَوابِها هاهُنا قَوْلانِ.
[أحَدُهُما]: أنَّهُ "أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ"، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّهُ مَتْرُوكٌ، وفي تَقْدِيرِهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم كَفَرُوا بِهِ.
والثّانِي: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُجازَوْنَ بِكُفْرِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحُدُها: مَنِيعٌ مِنَ الشَّيْطانِ لا يَجِدُ إلَيْهِ سَبِيلًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّالِثُ: مَنِيعٌ مِنَ الباطِلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: يَمْتَنِعُ عَلى النّاسِ أنْ يَقُولُوا مِثْلَهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: التَّكْذِيبُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: الشَّيْطانُ.
والثّالِثُ: التَّبْدِيلُ، رُوِيا عَنْ مُجاهِدٍ.
قالَ قَتادَةُ: لا يَسْتَطِيعُ إبْلِيسُ أنْ يَنْقُصَ مِنهُ حَقًّا، ولا يَزِيدَ فِيهِ باطِلًا.
وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَدْخُلُ فِيهِ مالَيْسَ مِنهُ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: بَيْنَ يَدَيْ تَنْزِيلِهِ، وبَعْدَ نُزُولِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ كِتابٌ يُبْطِلُهُ، ولا يَأْتِي بَعْدَهُ كِتابٌ يُبْطِلُهُ.
والثّالِثُ: لا يَأْتِيهِ الباطِلُ في إخْبارِهِ عَمّا تَقَدَّمَ، ولا في إخْبارِهِ عَمّا تَأخَّرَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللهِ إنَّهُ هو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ وَمِن آياتِهِ اللَيْلُ والنَهارُ والشَمْسُ والقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَيْلِ والنَهارِ وهم لا يَسْأمُونَ ﴾ ﴿ وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [إمّا] شَرْطٌ، وجَوابُ الشَرْطِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [فاسْتَعِذْ]،﴾ و"النَزْغُ": فِعْلُ الشَيْطانِ في قَلْبٍ أو يَدٍ، مِن إلْقاءِ غَضَبٍ وحِقْدٍ أو بَطْشٍ في اليَدِ، فَمِنَ الغَضَبِ هَذِهِ الآيَةُ، ومِنَ الحِقْدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَزَغَ الشَيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي ﴾ ، ومِنَ البَطْشِ قَوْلُ النَبِيِّ : « "لا يُشِرْ أحَدُكم عَلى أخِيهِ بِالسِلاحِ لا يَنْزَغُ الشَيْطانُ في يَدِهِ، فَيُلْقِيهِ في حُفْرَةٍ مِن حُفَرِ النارِ"،» ونَدَبَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ إلى مَكارِمِ الخُلُقِ في الدَفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، ثُمَّ أثْنى تَعالى عَلى مَن لَقِيَها ووَعَدَهُ، وعَلِمَ أنَّ خِلْقَةَ البَشَرِ تَغْلِبُ أحْيانًا وتَثُورُ بِهِمْ ثَوْرَةَ الغَضَبِ ونَزْغِ الشَيْطانِ، فَدَلَّهم عَلى مُذْهِبِ ذَلِكَ وهي الِاسْتِعاذَةُ بِهِ عَزَّ وجَلَّ.
ثُمَّ عَدَّدَ آياتِهِ لِيَعْتَبِرَ فِيها مِن صَدَفَ عَنِ التَوْحِيدِ، بِذِكْرِ اللَيْلِ والنَهارِ، وذِكْرُهِما يَتَضَمَّنُ ما فِيهِما مِنَ القِصَرِ والطُولِ والتَداخُلِ والِاسْتِواءِ في مَواضِعَ وسائِرَ عِبَرِهِما، وكَذَلِكَ الشَمْسُ والقَمَرُ مُتَضَمِّنٌ عَجائِبَهُما وحِكْمَةَ اللهِ تَعالى فِيهِما ونَفَعَهُ عِبادَهُ بِهِما، ثُمَّ قالَ تَعالى: لا تَسْجُدُوا لِهَذِهِ المَخْلُوقاتِ وإنْ كانَتْ تَنْفَعُكُمْ؛ لِأنَّ النَفْعَ مِنهُما إنَّما هو بِتَسْخِيرِ اللهِ إيّاهُما، فَهو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُسْجَدَ لَهُ، والضَمِيرُ في ﴿ "خَلَقَهُنَّ" ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى الأيّامِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرِها، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الشَمْسِ والقَمَرِ، والِاثْنانِ جَمْعٌ، وجَمْعُ ما لا يَعْقِلُ يُؤَنَّثُ، فَلِذَلِكَ قالَ: "خَلَقَهُنَّ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن حَيْثُ يُقالُ: شُمُوسٌ وأقْمارٌ لِاخْتِلافِهِما بِالأيّامِ، ساغَ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ مَجْمُوعًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، وشَأْنُ ضَمِيرِ ما لا يُعْقَلُ، إذا كانَ العَدَدُ أقَلَّ مِنَ العَشْرَةِ أنْ يَجِيءَ هَكَذا، فَإذا زادَ أُفْرِدَ مُؤَنَّثًا، فَتَقُولُ: الأجْذاعُ انْكَسَرْنَ، والجُذُوعُ انْكَسَرَتْ، ومِنهُ: ﴿ إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ ﴾ الآيَةُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ: وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن نَجْدَةِ دَمًا وقالَ السَمَوْألُ: ولا عَيْبَ فِينا غَيْرَ أنَّ سُيُوفَنا ∗∗∗ ∗∗∗ بِها مِن قِراعِ الدارِعِينَ فُلُولُ وَهَذا كَثِيرٌ مَهْيَعٌ وإنْ كانَ الأمْرُ قَدْ يُوجَدُ مُتَداخِلًا بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
ثُمَّ خاطَبَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِما يَتَضَمَّنُ وعِيدَهم وحَقارَةَ أمْرِهِمْ، وأنَّ اللهَ تَعالى غَيَّرَ مُحْتاجٍ إلى عِبادَتِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنِ اسْتَكْبَرُوا ﴾ الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي بِهِمُ المَلائِكَةَ وهم صافُّونَ يُسَبِّحُونَ، و"عِنْدَ" في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَتْ بِظَرْفِ مَكانٍ، وإنَّما هي بِمَعْنى المَنزِلَةِ والقُرْبَةُ، كَما تَقُولُ: زِيدٌ عِنْدَ المَلِكِ جَلِيلٌ، وفي نَفْسِهِ رَفِيعٌ، ويُرْوى أنَّ تَسْبِيحَ المَلائِكَةِ قَدْ صارَ لَهم كالنَفْسِ لِابْنِ آدَمَ، و"يَسْأمُونَ" مَعْناهُ: يَمَلُّونَ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى آيَةً مَنصُوبَةً لِيُعْتَبَرَ بِها في أمْرِ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، ويُسْتَدَلُّ بِما شُوهِدَ مِن هَذِهِ عَلى ما لَمْ يُشاهَدْ بَعْدُ مِن تِلْكَ، وهي آيَةٌ يَراها عِيانًا كُلَّ مَفْطُورٍ عَلى عَقْلٍ.
و"خُشُوعُ الأرْضِ" هو ما يَظْهَرُ عَلَيْها مِنَ اسْتِكانَةٍ وشَعَثٍ بِالجَدْبِ وصَلِيمِ السُمُومِ، فَهي عابِسَةٌ كَما الخاشِعُ عابِسٌ يَكادُ يَبْكِي، و"الماءُ المُنَزَّلُ" هو المَطَرُ، و"اهْتِزازُ الأرْضِ" هو تَخَلْخُلُ أجْزائِها بِالماءِ وتَشَقُّقُها لِلنَّباتِ، و"رَبُّوُها" هو انْتِفاخُها بِالماءِ وعُلُوُّ سَطْحِها بِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَرَبَتْ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ: "وَرَبَأتْ" بِألْفِ مَهْمُوزَةٍ، ورَواها الرَواسِيُّ عن أبِي عَمْرُو، وهو أيْضًا بِمَعْنى: عَلَتْ وارْتَفَعَتْ، ومِنهُ الرَبِيئَةُ وهو الَّذِي يَرْتَفِعُ حَتّى يُرْصَدَ لِلْقَوْمِ، ثُمَّ ذَكَّرَ تَعالى بِالأمْرِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُقاسَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ والعِبْرَةِ، وذَلِكَ إحْياءُ المَوْتى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: ﴾ عُمُومٌ، و"الشَيْءُ" في اللُغَةِ: المَوْجُودُ.
<div class="verse-tafsir"
أعقب تهديدهم على الإِلحاد في آيات الله على وجه العموم بالتعرض إلى إلحادهم في آيات القرآن وهو من ذكر الخاص بعد العام للتنويه بخصال القرآن وأنه ليس بعُرضَةٍ لأن يُكفر به بل هو جدير بأن يتقبل بالاقتداء والاهتداء بهديه، فلهذه الجملة اتصال في المعنى بجملة: ﴿ إن الذين يلحدون في آياتنا ﴾ [فصلت: 40] واتصال في الموقع بجملة ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ [فصلت: 40].
وتحديد هذين الاتصالين اختلفت فيه آراء المفسرين، وعلى اختلافهم فيهما جرى اختلافهم في موقعها من الإعراب وفي مواقع أجزائها من تصريح وتقدير.
فجعل صاحب «الكشاف» قوله: ﴿ إنَّ الذِين كَفَروا بالذِّكر ﴾ بدلاً من قوله: ﴿ إنَّ الذين يُلحِدُونَ في آياتنا، وهو يريد أنه إبدال المفرد من المفرد بدلاً مطابقاً أو بدل اشتمال، وأنه بتكرير العامل وهو حرف إنَّ ﴾ وإن كانت إعادة العامل مع البدل غير مشهورة إلاّ في حرف الجر كما قال الرضيّ، فكلام الزمخشري في «المفصل» يقتضي الإِطلاق، وإن كان أتى بمثالين عاملهما حرف جر.
وعلى هذا القول لا يقدر خبر لأن الخبر عن المبدل منه خبر عن البدل وهو قوله: ﴿ لا يَخْفَون علينا ﴾ [فصلت: 40].
وعن أبي عمرو بن العلاء والكسائي وعمرو بن عبيد ما يقتضي أنهم يجعلون جملة: ﴿ إنَّ الذين كفروا بالذِكْر ﴾ جملة مستقلة لأنهم جعلوا ل ﴿ إن ﴾ خبراً.
فأما أبو عمرو فقال: خبر ﴿ إن ﴾ قوله: ﴿ أولئك ينادون من مكان بعيد ﴾ [فصلت: 44].
حكي أن بلال بن أبي بردة سئل في مجلس أبي عمرو بن العلاء عن خبر ﴿ إن ﴾ فقال: لم أجد لها نفاذاً، فقال له أبو عمرو: إنه منك لقريب: ﴿ أولئك ينادون من مكان بعيد.
وهو يقتضي جعل الجمل التي بين اسم إنَّ ﴾ وخبرها جملاً معترضة وهي نحو سبع.
وأما الكسائي وعمرو بن عبيد فقدروا خبراً لاسم ﴿ إن ﴾ فقال الكسائي: الخبر محذوف دل عليه قوله قبله: ﴿ أفمن يلقى في النار خير ﴾ [فصلت: 40]، فنقدر الخبر، يُلقون في النار، مثلاً.
وسأل عيسى بنُ عمر عمرو بن عبيد عن الخبر، فقال عمرو: معناه أن الذين كفروا بالذكر كفروا به وإنه لكتاب عزيز.
فقال عيسى: أجدتَ يا أبا عثمان.
ويجيء على قول هؤلاء أن تكون الجملة بدلاً من جملة: ﴿ ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ﴾ [فصلت: 43]، أي ما يقال لك فيهم إلا ما قد قلنا للرسل من قبلك في مكذبيهم، أو ما يقولون إلا كما قاله الأمم للرسل من قبلك، وما بينهما اعتراض.
والكفر بالقرآن يشمل إنكار كل ما يوصف به القرآن من دلائل كونه من عند الله وما اشتمل عليه مما خالف معتقدهم ودين شركهم وذلك بالاختلافات التي يختلفونها كقولهم: سحر، وشعر، وقول كاهن، وقول مجنون، ولو نشاء لقلنا مثل هذا، وأساطير الأولين، وقلوبنا في أكنّة، وفي آذاننا وقر.
والأظهر أن تكون جملة ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالذِّكْرِ ﴾ الخ واقعة موقع التعليل للتهديد بالوعيد في قوله: ﴿ لاَ يَخْفَونَ عَلَيْنا ﴾ [فصلت: 40].
والمعنى: لأنهم جديرون بالعقوبة إذ كفروا بالآيات، وهي آية القرآن المؤيد بالحق، وبشهادة ما أوصي إلى الرسل من قوله.
وموقع إن } موقع فاء التعليل.
وخبر ﴿ إنّ ﴾ محذوف دل عليه سياق الكلام.
والأحسن أن يكون تقديره بما تدل عليه جملةُ الحال من جلالة الذكر ونفاسته، فيكون التقدير: خسروا الدنيا والآخرة، أو سفهوا أنفسهم أو نحو ذلك مما تذهب إليه نفس السامع البليغ، ففي هذا الحذف توفير للمعاني وإيجاز في اللفظ يقوم مقام عدة جمل، وحَذْفُ خبرِ ﴿ إنّ ﴾ إذا دل عليه دليل وارد في الكلام.
وأجازه سيبويه في باب ما يحسن السكوت عليه من هذه الأحرف الخمسة، وتبعه الجمهور، وخالفه الفراء فشرطه بتكرر ﴿ إنّ ﴾ .
ومن الحذف قوله تعالى: ﴿ إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ﴾ الآية في سورة الحج (25)، وأنشد سيبويه: يا ليت أيام الصبا رواجعا *** إذ روي بنصب (رواجعا) على الحال فلم يذكر خبر (ليت).
وذكر أن العرب يقولون: «إنّ مالاً وإنَّ وَلَداً» أي إِنَّ لهم، وقول الأعشى: إنَّ مَحلاًّ وإِنَّ مُرْتَحَلا *** أي أن لنا في الدنيا حلولاً ولنا عنها مرتحلاً، إذ ليس بقية البيت وهو قوله: وإن في السَّفر إذ مَضَوْا مَهَلا *** ما يصح وقوعه خبراً عن (إنّ) الأولى.
وقال جميل: وقالوا نراها يا جميل تنكرتْ *** وغَيَّرها الواشي فقلتُ لعلَّها وقال الجاحظ في «البيان» في باب من الكلام المحذوف عن الحسن: أن المهاجرين قالوا: " يا رسول الله إن الأنصار آوونا ونصرونا، قال النبي صلى الله عليه وسلم تعرفون ذلك لهم، قالوا: نعم، قال: فإن ذلك ليس في الحديث غير هذا " يريد فإن ذلك شكر ومكافأة ا ه.
وفي المقامة الثالثة والأربعين «حسبك يا شيخُ فقد عرفتُ فنَّك، واستبنتُ أنك» أي أنك أبو زيد.
وقد مثل في «شرح التسهيل» لحذف خبر (إنَّ) بهذه الآية.
وجملة: ﴿ وَإنَّهُ لكتاب ﴾ الخ في موضع الحال من الذِّكْر، أي كفروا به في حاله هذا، ويجوز أن تكون الجملة عطفاً على جملة: ﴿ إنَّ الذينَ كَفَروا بالذِّكْر ﴾ على تقدير خبر ﴿ إن ﴾ المحذوف.
وقد أجري على القرآن ستة أوصاف ما منها واحد إلا وهو كمال عظيم: الوصف الأول: أنه ذِكر، أي يذكِّر الناس كلهم بما يغفلون عنه مما في الغفلة عنه فوات فوزهم.
الوصف الثاني من معنى الذكر: أنه ذكر للعرب وسُمعة حسنة لهم بين الأمم يخلد لهم مفخرة عظيمة وهو كونه بلغتهم ونزل بينهم كما قال تعالى: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ [الزخرف: 44] وفي قوله: ﴿ لما جاءهم ﴾ إشارة إلى هذا المعنى الثاني.
الوصف الثالث: أنه كتاب عزيز، والعزيز النفيس، وأصله من العزة وهي المنعة لأن الشيء النفسي يدافعَ عنه ويُحمَى عن النبذ فإنه بيِّن الإِتقان وعلوِّ المعاني ووضوح الحجة ومثل ذلك يكون عزيزاً، والعزيز أيضاً: الذي يَغلب ولا يُغلب، وكذلك حجج القرآن.
الوصف الرابع: أنه لا يتطرقه الباطل ولا يخالطه صريحُه ولا ضمنيُّه، أي لا يشتمل على الباطل بحال.
فمُثِّل ذلك بِ ﴿ من بين يديه ولا من خلفه ﴾ .
والمقصود استيعاب الجهات تمثيلاً لحال انتفاء الباطل عنه في ظاهره وفي تأويله بحال طرد المهاجم ليضر بشخص يأتيه من بين يديه فإن صدّه خاتله فأتاه من خلفه، وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ ثم لآتِيَنّهم من بين أيديهم ومن خلفهم ﴾ [الأعراف: 17].
فمعنى: لا يأتِيهِ الباطل} لا يوجد فيه ولا يداخله، وليس المراد أنه لا يُدعَى عليه الباطل.
الوصف الخامس: أنه مشتمل على الحكمة وهي المعرفة الحقيقية لأنه تنزيل من حكيم، ولا يصدر عن الحكيم إلا الحكمة: ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ﴾ [البقرة: 269] فإن كلام الحكيم يأتي محكماً متقناً رصيناً لا يشوبه الباطل.
الوصف السادس: أنه تنزيل من حميد، والحميد هو المحمود حمداً كثيراً، أي مستحقّ الحمد الكثير، فالكلام المنزل منه يستحق الحمد وإنما يحمد الكلام إذْ يكون دليلاً للخيرات وسائقاً إليها لا مطعن في لفظه ولا في معناه، فيحمده سامعه كثيراً لأنه يجده مجلبة للخير الكثير، ويحمد قائله لا محالة خلافاً للمشركين.
وفي إجراء هذه الأوصاف إيماء إلى حماقة الذين كفروا بهذا القرآن وسفاهة آرائهم إذ فرطوا فيه ففرطوا في أسباب فوزهم في الدنيا وفي الآخرة ولذلك جيء بجملة الحال من الكتاب عقب ذكر تكذيبهم إياه فقال: ﴿ وَإنَّهُ لكتاب عَزِيزٌ ﴾ الآيات.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ ﴾ ووَجْهُ الآياتِ فِيهِما تَقْدِيرُهُما عَلى حَدٍّ مُسْتَقِرٍّ، وتَسْيِيرُهُما عَلى نَظْمٍ مُسْتَمِرٍّ، يَتَغايَرانِ لِحِكْمَةٍ ويَخْتَلِفانِ لِمَصْلَحَةٍ.
﴿ والشَّمْسُ والقَمَرُ ﴾ ووَجْهُ الآيَةِ فِيهِما ما خَصَّهُما بِهِ مِن نُورٍ، وأظْهَرَهُ فِيهِما مِن تَدْبِيرٍ وتَقْدِيرٍ.
﴿ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ خَلَقَ هَذِهِ الآياتِ.
وَفي مَوْضِعِ السُّجُودِ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ.
الثّانِي: عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ وَهم لا يَسْأمُونَ ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: غَبْراءُ دِراسَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مَيْتَةٌ يابِسَةٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: ذَلِيلَةٌ بِالجَدْبِ لِأنَّها مَهْجُورَةٌ، وهي إذا أخْصَبَتْ عَزِيزَةٌ لِأنَّها مَعْمُورَةٌ.
﴿ فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اهْتَزَّتْ بِالحَرَكَةِ لِلنَّباتِ، ورَبَتْ بِالِارْتِفاعِ قَبْلَ أنْ تَنْبُتَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: اهْتَزَّتْ بِالنَّباتِ ورَبَتْ بِكَثْرَةِ رِيعِها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
فَيَكُونُ عَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: رَبَتْ واهْتَزَّتْ.
﴿ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى ﴾ الآيَةَ، جَعَلَ ذَلِكَ دَلِيلًا لِمُنْكِرِي البَعْثِ عَلى إحْياءِ الخَلْقِ بَعْدَ المَوْتِ اسْتِدْلالًا بِالشّاهِدِ عَلى الغائِبِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال: قيل لرسول الله أو سئل: «ما المخرج منها؟
فقال: كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿ تنزيل من حكيم حميد ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن سعد لا أحسبه إلا أسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مثل القرآن ومثل الناس كمثل الأرض والغيث، بينما الأرض ميتة هامدة ثم لا يزال ترسل الأدوية حتى تبذر وتنبت ويتم شأنها، ويخرج الله ما فيها من زينتها ومعايش الناس، وكذلك فعل الله بهذا القرآن والناس» .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا ﴿ إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم ﴾ إلى قوله: ﴿ حميد ﴾ فقال: «إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أحب إليه من شيء خرج منه يعني القرآن» .
وأخرج البيهقي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه يعني القرآن» .
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن عطية بن قيس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما تكلم العباد بكلام أحب إلى الله من كلامه، وما أناب العباد إلى الله بكلام أحب إليه من كلامه بالذكر قال بالقرآن» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا يأتيه الباطل ﴾ قال: الشيطان.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في الآية ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴾ قال: لا يدخل فيه الشيطان ما ليس منه ولا أحد من الكفرة.
وأخرج عبد بن حميد وابن الضريس عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴾ قال: أعزه الله لأنه كلامه، وحفظه من الباطل، والباطل إبليس لا يستطيع أن ينقص منه حقاً ولا يزيد فيه باطلاً.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ في آيَاتِنَا ﴾ أي يطعنون عليها، وهذا الإلحاد هو بالتكذيب وقيل: باللغو فيه حسبما تقدم في السورة ﴿ أَفَمَن يلقى فِي النار ﴾ الآية: قيل إن المراد بالذي يلقى بالنار أبو جهل، وبالذي يأتي آمناً عثمان بن عفان وقيل: عمار بن ياسر واللفظ أعم من ذلك ﴿ اعملوا مَا شِئْتُمْ ﴾ تهديد لا إباحة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سواء ﴾ بالرفع: يزيد.
وقرأ يعقوب بالجر.
الباقون: بالنصب ﴿ نحسات ﴾ بسكون الحاء: ابن كثير وأبو عمرو ونافع وسهل ويعقوب ﴿ وأما ثمود ﴾ بالنصب: المفضل ﴿ نحشر ﴾ بالنون ﴿ أعداء ﴾ بالنصب: نافع ويعقوب.
الآخرون: بالياء مجهولاً ﴿ أعداء ﴾ مرفوعاً.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ﴿ الرحيم ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ كتاب ﴾ يصلح أن يكون بدلاً من ﴿ تنزيل ﴾ وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب.
ويجوز أن يكون ﴿ تنزيل ﴾ هو مع وصفه مبتدأ ﴿ وكتاب ﴾ خبره ﴿ يعلمون ﴾ ه ج لأن ﴿ وبشيراً ﴾ صفة أخرى لـ ﴿ قرآناً ﴾ ﴿ ونذيراً ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ عاملون ﴾ ه ﴿ واستغفروه ﴾ ج ﴿ للمشركين ﴾ ه لا ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ممنون ﴾ ه ﴿ وأنداداً ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه لا للآية مع العطف ﴿ أيام ﴾ ط لمن نصب ﴿ سواء ﴾ أو رفع ومن خفض لم يقف ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ كرهاً ﴾ ط ﴿ طائعين ﴾ ه ﴿ أمرها ﴾ ج للعدول ﴿ بمصابيح ﴾ ج لحق المحذوف أي وحفظناها حفظاً ولعل الوصل أولى لما يجيء ﴿ وحفظاً ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ه بناء على أن "إذ" يتعلق بمحذوف هو اذكر أو بمعنى الفعل في الصاعقة أي يصعقون إذ ذاك، ولا يجوز أن يتعلق بـ ﴿ أنذرتكم ﴾ ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ منا قوّة ﴾ ط ﴿ منهم قوّة ﴾ ط للفصل بين الإخبار والاستخبار ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ مثوى لهم ﴾ ط ﴿ المعتبين ﴾ ه.
التفسير: ﴿ حم ﴾ قال بعضهم: الحاء من الحكمة، والميم من المنة أي منّ على عباده بتنزيل الحكمة من الرحمن في الأزل، الرحيم في الأبد وهي ﴿ كتاب فصلت آياته ﴾ أي ميزت أمثالاً ومواعظ وأحكاماً وقصصاً إلى غير ذلك.
وقد مر في أوّل "هود".
وانتصب ﴿ قرآناً ﴾ على المدح والاختصاص أو على الحال الموطئة ﴿ لقوم يعلمون ﴾ أي لقوم عرب يفهمون معانيه يعني بالأصالة وللباقين بعدهم، وذلك أن النبي منهم فالدعوة تحصل أوّلاً لهم.
والأظهر عندي أنه كقوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وذلك أنه لا ينتفع بالقرآن إلا أهل العلم به.
قال أهل السنة: الصفات المذكورة ههنا للقرآن توجب شدة الاهتمام بمعرفته.
والوقوف على معانيه بيانه أن كونه نازلاً من الرحمن الرحيم دليل على أن تنزيله رحمة للعالمين، وفيه شفاء لأمراض القلوب، وكونه كتاباً.
والتركيب يدور على الجمع كما سبق في أول الكتاب يدل على أن فيه علوم الأوّلين والآخرين.
وقوله ﴿ فصلت آياته ﴾ دليل على أنه في غاية الكشف والبيان وكونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ ولغة العرب أفصح اللغات مما يوجب أن تتوفر عليه الرغبات ولا سيما للعرب ومن داناهم.
وكونه ﴿ بشيراً ونذيراً ﴾ يدل على أن الاحتياج إليه من أهم المهمات لأنه سعي في معرفة ما يوصل إلى الثواب الأبديّ، ويخلص من العقاب السرمدي.
فإذا علم المخاطبون هذه الفوائد ثم أعرض أكثرهم عن القرآن ولم يسمعوه سماع قبول دل ذلك على أن المهديّ من هداه الله ومن يضلله فلا هادي له.
ثم أكد بيان إعراضهم بقوله ﴿ وقالوا قلوبنا في أكنة ﴾ ولا يخفى أنه ذكر هذا في معرض الذم فوجه الجمع بينه وبين قوله ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً ﴾ هو أن الذم إنما يتوجه على اعتقادهم أنهم إذا كانوا كذلك لم يجز تكليفهم ولا خطابهم بالأمر والنهي، أو أنهم قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء.
قال جار الله: فائدة "من" في قوله ﴿ ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ دون أن يقول "وبيننا" هو أن العبارة الثانية تدل على مطلق الحجاب، ولكن العبارة الواردة في القرآن تفيد أن المسافة التي بينهم وبين رسول الله مملوءة من الحجاب لا فراغ فيها كأنه قيل: إن الحجاب ابتدأ منا ومنك.
ثم حكى عنهم ما قالوا على سبيل التهديد أو التحلية ﴿ فاعمل ﴾ أي على دينك أو في إبطال ديننا ﴿ إننا عاملون ﴾ على ديننا أو في إبطال أمرك.
ثم أمر رسوله أن يجيب عن شبهتهم بقوله ﴿ إنما أنا بشر مثلكم ﴾ وتوجيه النظم إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبراً فإني بشر مثلكم ولا امتياز إلا أني أوحي إليّ بالتوحيد والأمر به، فعليّ البلاغ وحده.
ثم إن قبلتم قولي أثابكم الله وإلا عاقبكم.
قال في الكشاف: أراد إن نبوّتي صحت بالوحي وإذا صحت وجب اتباعي ومن جملة ذلك القول بالتوحيد.
ثم بين أن خلاصة الوحي ترجع إلى أمرين: الاستقامة والإقامة على التوحيد المتوجهين إلى الله والاستغفار من تقصير قد يقع في الطاعة.
ثم هددّ أهل الشرك بقوله ﴿ وويل للمشركين ﴾ وقرن منع الزكاة بالكفر بالله أوّلاً وبالآخرة ثانياً، لأن المال شقيق الروح، وبه وببذله في سبيل الله يعرف الموافق من المنافق، ففيه بعث شديد لأهل الإيمان على أداء الزكاة، وفيه أن الشفقة على خلق الله قرينة التعظيم لأمر الله.
وقيل: كانت قريش يطعمون الحاج ولا يطعمون المؤمنين فنزلت قاله الفراء.
وقيل: أراد بالزكاة ههنا الإيمان لأنه يزكي النفس من دون الشرك.
ثم ذكر جزاء المطيعين وهو ظاهر.
والممنون المقطوع.
وقيل: هو من المنة.
قال جمع من المفسرين: نزلت في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون.
لما حكى بعض قبائح المشركين وسائر الكفرة أراد أن يورد دليلاً على التوحيد فأمر رسوله أن يوبخهم بقوله ﴿ أئنكم لتكفرون بالذي ﴾ سمعتم ممن تصدّقونهم من أهل الكتاب غيركم أنه ﴿ خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ﴾ عمم الكفر أوّلاً ثم خصص بنوع الشرك ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ ومعنى ﴿ من فوقها ﴾ أي بالنسبة إلى سكان المعمورة تذكيراً لنعمة فوق نعمة فإن الجبال منافعها أكثر من أن تحصى يعرف بعضها أهلها ولعلنا قد عددنا في أوّل "البقرة" طرفاً منها.
﴿ وبارك فيها ﴾ بوضع الخيرات الكثيرة فيها.
قال ابن عباس: يريد شق الأنهار وخلق الجبال والأشجار والحيوانات وكل ما يحتاج إليه ﴿ وقدّر فيها أقواتها ﴾ عن مجاهد: يعني المطر فإنه بمنزلة الغذاء للأرض به حياتها.
وعن محمد بن كعب: أراد أقوات أهلها ومعايشهم وما يصلحهم.
وقيل: لا حاجة إلى الإضمار فإن الإضافة تحسن لأدنى ملابسة أي وقدر فيها أقواتها التي يختص حدوثها بها ﴿ في أربعة أيام ﴾ يعني مع اليومين الأوّلين فيكون إيجاد نفس الأرض في يومين وإيجاد هذه الأشياء في يومين آخرين والمجموع أربعة أيام وخلق السماء في تتمة ستة فتكون هذه الآية موافقة لسائر الآيات، وقد سبق هذا المعنى في أوّل سورة البقرة.
من قرأ ﴿ سواء ﴾ بالرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو سواء.
ثم إن كان الضمير للأربعة فمعناه أن تلك الأيام مستوية في الطول والقصر كأيام خط الاستواء، أو هي تامة غير ناقصة بشيء فقد يطلق لفظ الكل على الأكثر، وهذه إحدى فوائد العدول عن العبارة الصريحة وهي أن لو قال في يومين آخرين.
وقال بعضهم: من فوائده أنه لا يجوز عطف قوله ﴿ وجعل ﴾ على ﴿ خلق ﴾ لأن قوله ﴿ وتجعلون ﴾ معطوف على ﴿ لتكفرون ﴾ ولا يجوز أن يحال بين صلة الموصول وما يعطف عليه بأجنبي لا يقال: جاءني الذي يكتب وجلس يقرأ فلا بدّ من إضمار فعل مثل الأول فتقدير الكلام: ذلك أن رب العالمين خلق الأرض وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام، وهو كلام لا يرد عليه سؤال أصلاً.
ومن قرأ بالجر فعلى وصف الأربعة بالاستواء والمعنى كما مر.
ومن قرأ بالنصب فعلى المصدر أي استوت استواء.
ثم إن كان الضمير للأربعة فالمعنى كما قلنا، وإن كان للأقوات.
وكذا في قراءة الرفع احتمل أن يكون ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً به أي الأقوات والأرزاق سواء لمن سأل ولمن لم يسأل لما روى عن ابن عباس قال: سمعت النبي وأنا رديفه يقول: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة سواء لمن سأل ولمن لم يسأل، وأنا من الذين لم يسألوا الله الرزق، ومن سأل فهو جهل منه.
واحتمل أن يكون قوله ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً بقوله ﴿ وقدّر ﴾ أي قدّر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها وهم في الاحتياج سواء.
وقيل: إنه متعلق بمحذوف كأنه قيل: هذا الحصر والبيان لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها، لأن اليهود سألوا رسول الله عن ذلك.
قوله ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ أي توجه بداعي الحكمة بعد خلق الأرض لا دحوها إلى خلق السماء، وقد مر في أول "البقرة".
قوله ﴿ وهي دخان ﴾ ذكر أصحاب الأثر وجاء في أوّل توراة اليهود أن عرش الله قبل خلق السموات والأرض كان على الماء فأحدث في ذلك الماء سخونة فارتفع زبد ودخان، أما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق الله منه الأرض، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق الله منه السموات.
وزعم المتكلمون أن الله خلق الأجزاء التي لا تتجزأ فكانت مظلمة عديمة النور، ثم ركبها وجعلها سموات وكواكب وشمساً وقمراً وأحدث صفة الضوء فيها فحينئذ صارت مستنيرة فصحت تسمية تلك الأجزاء قبل استنارتها بالدخان، لأنه لا معنى للدخان إلا أنها أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور.
واعلم أن ظاهر قوله ﴿ ثم استوى ﴾ يدل على أن خلق السماء متأخر عن خلق الأرض وقد جاء مثله في آيات أخر.
وفي الآثار، إلا أن الواحدي نقل في البسيط عن مقاتل أنه قال: خلق الله السماء قبل الأرض فتأوّل الآية بأن لفظة كان مضمرة أي ثم كان قد استوى كما في قوله ﴿ إن يسرق فقد ﴾ أي إن يكن يسرق.
وزيف بأن الجمع بين "ثم" الدال على التأخر وبين إضمار "كان" الدال على التقدم جمع بين النقيضين.
ويمكن أن يجاب بأن "ثم" ههنا لترتيب الأخبار.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: المختار عندي أن تكوين السماء مقدم على تكوين الأرض والخلق الوارد في الآية بمعنى التقدير كقوله ﴿ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ﴾ فإن إيجاد الموجود محال.
فمعنى الآية أنه قضى بحدوث الأرض في يومين أي حكم بأنه سيحدث كذا في مدة كذا.
قلت: لو لم يكن قوله ﴿ وجعل فيها رواسي من فوقها ﴾ إلى قوله ﴿ أربعة أيام ﴾ لكان هذا التأويل له وجه.
وقال بعض الصوفية: خلق أرض البشرية في يومي الهواء والطبيعة وهما من الأنداد، وجعل لها رواسخ العقل من فوقها لتستقر بها، وبارك فيها بالحواس الخمسة، وقدر فيها أقواتها من سائر القوى البشرية في تتمة أربعة أيام يعني في يومي الروح الحيواني والطبيعي، ثم استوى إلى سماء القلب وهي دخان نار الروحانية فقضى سماء القلب أطواراً سبعة كقوله ﴿ وقد خلقكم أطواراً ﴾ أوّلها الوسوسة ثم الهواجس ثم الرؤية ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ ثم الحكمة "ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه" ثم ظهور المغيبات ثم المحبة ثم التجلي في يومي الروح والإلهام الرباني.
قوله ﴿ فقال لها وللأرض ائتيا ﴾ الآية.
للمفسرين فيه قولان: الأول إجراء الكلام على ظاهره فإنه ليس بمستبعد من الله إنطاق أيّ جسم فرض بل إيداع الحياة والفهم فيه ولهذا قال ﴿ طائعين ﴾ على لفظ جمع المذكر السالم، فإن جمع المؤنث السالم لا يختص بالعقلاء.
ووجه الجمع أن أقل الجمع اثنان أو لأن كل واحد منهما سبع.
ومن هؤلاء من قال: نطق من الأرض موضع الكعبة، ومن السماء ما بحذائها، فجعل الله لها حرمة على سائر الأرض.
وعلى هذا القول لا بد أن يكون هذا التخاطب بعد الوجود فقالوا: معناه ائتيا بما خلقت فيكما أما أنت يا سماء فأطلعي الشمس والقمر والنجوم، وأما أنت يا أرض فاخرجي ما خلقت فيك من النبات فقالتا: جئنا بما أحدثت فينا مستجيبين لأمرك.
ومعنى الإتيان الحصول والوقوع كما يقال: أتى عمله مرضياً.
ويجوز أن يراد لتأت كل منكما صاحبتها الإتيان الذي تقتضيه الحكمة من كون الأرض قراراً والسماء سقفاً لها.
وقوله ﴿ طوعاً أو كرهاً ﴾ إظهار لكمال القدرة والتقدير أبيتما أو شئتما كما يقول الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شئت أو أبيت، وانتصابهما على الحال بمعنى طائعين أو كارهين.
والقول الثاني أن هذا تمثيل لنفوذ قدرته فيهما ولا قول ثمة، وعلى هذا لا يبعد أن يكون المقصود إيجادهما على وفق إرادته وهما في حيز العدم، وأن يكون المراد ما تقدم.
وقال بعضهم: الطوع يرجع إلى السماء لأن أحوالها على نهج واحد لا يختلف.
وشبه مكلف مطيع والكره يعود إلى الأرض لأنها مكان تغيير الأحوال ومحل الحوادث والمكاره.
قلت: لعل هذين الوصفين لهما باعتبار سكانهما.
قوله ﴿ فقضاهن ﴾ قضاء الشيء إتمامه والفراغ منه مع الإتقان.
والضمير إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سموات سبع.
وانتصب ﴿ سبع سموات ﴾ على الحال.
وإما مبهم مميز بما بعده.
يروى أنه خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين، وخلق سائر ما في الأرض في يوم الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم وأسكنه الجنة وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة.
﴿ وأوحى في كل سماء أمرها ﴾ أي أمر أهلها من العبادة والتكليف الخاص بكل منهم، فبعضهم وقوف وبعضهم ركوع وبعضهم سجود، وعلى هذا احتمل أن يكون خلق الملائكة مع السموات وقبلها.
وقيل: الإيحاء ههنا التكوين والإيجاد وأمرها شأنها وما يصلحها ﴿ وزينا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ أي بالنيرات المضيئة كالمصباح ﴿ وحفظناها ﴾ حفظاً من الشياطين المسترقة للسمع كما مرّ مراراً.
وجوّز جار الله أن يكون ﴿ حفظاً ﴾ مفعولاً له على المعنى كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة ﴿ وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم ﴾ فلكمال عزته قدر على خلق ما خلق ولشمول علمه دبر ما دبر.
ثم قال لنبيه ﴿ فإن أعرضوا ﴾ عن التوحيد بعد هذا البيان الباهر والبرهان القاهر ﴿ فقل أنذرتكم صاعقة ﴾ لأن الإصرار على الجهل بعد وضوح الحق عناد، ولا علاج للمعاند سوى التأديب بما يناسبه.
يروى أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد فلو التمستم لنا رجلاً عالماً بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان عن أمره.
فقال عتبة بن ربيعة: أنا ذاك.
فأتاه وقال: أنت خير أم هاشم؟
أنت خير أم عبد المطلب؟
أنت خير أم عبد الله؟
فبم تشتم آلهتنا وتضللنا.
وعرض عليه الرياسة والنساء والأموال إن ترك ذلك فقال رسول الله : ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ إلى قوله ﴿ مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ فهال عتبة بذاك وناشده بالرحم ورجع ولم يأت قريشاً.
فلما احتبس عنهم قالوا: ما نرى عتبة إلا قد صبأ.
فانطلقوا إليه فقال: والله لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر ولما بلغ ﴿ صاعقة عاد وثمود ﴾ ناشدته بالرحم أن يكف.
ولقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب.
فإن قيل: كيف يصح هذا الإنذار وقد أخبر الله في قوله ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ وإن هذه الأمة آمنون من العذاب؟
قلنا: الأنفال مدنية وهذه مكية.
قوله ﴿ إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ﴾ قيل: الضميران عائدان إلى الرسل أي جاءهم رسل بعد الرسل.
وقيل: من بين أيديهم أي حذروهم الدنيا ﴿ ومن خلفهم ﴾ الآخرة.
وقيل: من بين أيديهم الذين عاينوهم، ومن خلفهم الذين وصل إليهم خبرهم وكتبهم.
وحقيقة بين يديه أن يستعمل للشيء الحاضر، ومجازه أن يستعمل للشيء الماضي بزمان قريب.
وقال بعض المحققين: معناه أتاهم الرسل من كل جهة وأعملوا في إرشادهم كل حيلة ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ ويجوز أن تكون "أن" مفسرة أو مخففة وضمير الشأن مقدر.
والفاء في قوله ﴿ فإنا ﴾ للجزاء كأنه قيل: فإذا أنتم بشر ولستم بملائكة فانا لا نؤمن بكم.
وقولهم ﴿ ربنا ﴾ وكذا بما أرسلتم أي على زعمكم، أو أرادوا التهكم.
ثم فصل حال كل فريق قائلاً ﴿ فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ﴾ وهذا إخلال بالشفقة على الخلق ﴿ وقالوا من أشد منا قوّة ﴾ وهذا إخلال بالتعظيم لأمر الله ولهذا وبخهم بقوله ﴿ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشدّ منهم قوة ﴾ لأن الفاعل والعلة أقوى من القابل والمعلول، والقوة في الإنسان نتيجة صحة البنية والاعتدال وحقيقتها زيادة القدرة فلذلك جاز أن يقال: الله أقوى منهم كما صح أن يقال: الله أقدر، الله أكبر.
وإن كان لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.
وقوله ﴿ وكانوا بآياتنا يجحدون ﴾ معطوف على قوله ﴿ فاستكبروا ﴾ وقالوا: إن التوبيخ المذكور وقع اعتراضاً في البين.
ثم أخبر عن إهلاكهم والصرصر الريح الباردة الشديدة ضوعفت من الصر بالكسر وهو البرد الذي يصر أي يجمع ويقبض، أو من صرير الباب.
والتركيب يدور على الضم والجمع.
عن ابن عباس أن الله ما أرسل على عاد من الريح إلا قدر خاتمي ومع ذلك أهلكت الكل.
والأيام النحسات هي التي فسرها الله في الحاقة ﴿ سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام ﴾ والنحس بالسكون ضد السعد وهو إما مخفف نحس بالكسر أو هو أصل في نفسه كضخم، أو وصف لمصدر.
واستدل به بعض الأحكاميين على أن بعض الأيام يصح وصفه بالسعادة وبعضها بضدها.
وأجاب بعض المتكلمين بأن المراد بالنحوسة كونها ذات غبار وتراب وبرد.
والإنصاف أنه تكلف خارج عن قانون اللغة.
والإضافة في قوله ﴿ عذاب الخزي ﴾ كهي في قولك: رجل صدق.
وقوله ﴿ ولعذاب الآخرة أخزى ﴾ من الإسناد المجازي فإن الذل والهوان لصاحبه.
قوله ﴿ وأما ثمود ﴾ مرتفع على الابتداء.
قوله ﴿ فهديناهم ﴾ خبره قال سيبويه: هذا أفصح لأن أما من مظان وقوع المبتدأ بعده.
وقرىء بالنصب إضماراً على شريطة التفسير.
واتفقوا على أن المراد بالهداية ههنا الدلالة المجردة لقوله بعده ﴿ فاستحبوا العمى ﴾ يعني عمى البصيرة وهي الضلالة ﴿ على الهدى ﴾ إلا أن المعتزلة تأوّلوه بأنه إنما شاع استعماله في الدلالة المجردة لأنه مكنهم وأزاح علتهم فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها.
على أن المراد المعقولة ونقيضها، وقد مر هذا البحث في أول "البقرة" في قوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وصاعقة العذاب داهيته وقارعته، والهون مصدر بمعنى الهوان وصف به العذاب مبالغة، أو أبدله منه وكسبهم شركهم وتكذيبهم صالحاً وعقرهم الناقة.
ثم بين أحوال الذين آمنوا واتقوا المعاصي بقوله ﴿ ونجينا ﴾ الآية.
وحين بين عقوبتهم في الدنيا أخبر عن عذابهم وعذاب أمثالهم في الآخرة فقال ﴿ ويوم يحشر ﴾ الآية.
والعامل فيه "اذكر" محذوفاً، أو هو ظرف لما يدل عليه ﴿ يوزعون ﴾ كأنه قيل: يمنعون يوم يحشر فيحبس أوائلهم حتى يلحق بهم أواخرهم.
قال جار الله: هو عبارة عن كثرة أهل النار.
قلت: وذلك لأن الإيزاع لا يحتاج إليه إلا عند كثرة العدد كما مر في "النحل".
وما الإبهامية في قوله ﴿ حتى إذا ما جاؤها ﴾ تفيد التأكيد.
وهو أن عند وقت مجيئهم لا بد أن تحصل هذه الشهادة وشهادة الجلود بملامسة ما هو محرم.
وعن ابن عباس: المراد شهادة الفروج فيكون كناية.
وعن النبي : "أوّل ما يتكلم من الآدميّ فخذه وكفه" وفيه وعيد شديد في فعل الزنا لأن مقدمته تحصل بالكف ونهايته تكون بمساعدة الفخذ.
قوله ﴿ أنطق كل شيء ﴾ من العمومات المخصوصة أي ممن يصح النطق منه.
والمراد أن القادر على خلقكم وإنطاقكم في المرة الأولى في الدنيا، ثم خلقكم وإنطاقكم مرة أخرى، وثالثة في القبر وفي القيامة، كيف يستبعد منه إنطاق الجوارح والأعضاء؟
وقد مر تمام البحث في "يس".
عن ابن مسعود قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر ثقفيان وقرشيّ فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟
فقال آخر: إذا رفعنا أصواتنا يسمع وإلا لم يسمع.
وقال الآخر: إن كان يسمع إذا رفعنا أصواتنا يسمع إذا خفضنا.
فذكرت ذلك للنبي فنزل ﴿ وما كنتم تستترون ﴾ الآية.
وذلك أنهم كانوا يستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب القبائح فقيل لهم: ما كان استتاركم ذلك خفية أن تشهد عليكم جوارحكم هذه، لأن ذلك غير ممكن فإنها متصلة بكم وهي أعوانكم ومع ذلك لم يكن استتاركم في اعتقادكم أنها تشهد عليكم ولكنكم استترتم لظنكم أن الله لا يعلم كثيراً مما كنتم تعملون وهو الخفيات من أعمالكم.
وفيه ردّ على بعض الجهلة الذين يستخفون من الناس ولا يمكنهم الاستخفاء من الله، وفيه تنبيه على أن المؤمن يجب عليه أن يكون في أوقات خلواته أهيب لربه وأوفر احتشاماً ومراقبة.
ثم أخبر ﴿ فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ﴾ ولا ينتج الصبر لهم فرجاً وخلاصاً ﴿ وإن يستعتبوا ﴾ يطلبوا من الله الرضا عنهم ﴿ فما هم من المعتبين ﴾ أي من المرضيين.
والمراد أنهم باقون في مكروههم أبداً، سكتوا أو نطقوا.
قال الضعيف مؤلف الكتاب: إذا كان هذا وعيد من ظن أنه يمكن إخفاء بعض الأعمال من الله بالأستار والحجب فما ظنكم بوعيد من جزم أنه غير عالم بالجزئيات نعوذ بالله من هذا الاعتقاد والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ .
كأنه يقول - والله أعلم -: إن الشمس والقمر آيتان من آيات ألوهيته ووحدانيته كالليل والنهار أنهما آيتان من آيات الله ، فإذا لم تعبدوا الليل والنهار فكيف عبدتم الشمس والقمر؟!
والله أعلم.
أو نقول: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، سخرهما لمنافع الخلق كالليل والنهار مسخرات للخلق والمنافع التي جعل فيها للخلق إن لم يكن أكثر لم يكن دون منافع الشمس والقمر، فإذا لم تعبدوا الليل والنهار فكيف عبدتم هاتين؟!
يذكر هذا لأن منهم من كان يعبد الشمس ومنهم من كان يعبد القمر ونحوه، يذكر سفههم بعبادة غير الله .
وقوله: ﴿ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ ﴾ .
أي: اسجدوا لله الذي أنشأ هذه الأشياء وسخرها لكم.
﴿ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ .
أي: إن كنتم بعبادتكم هذه الأشياء تقصدون القربة عند الله ، أو إن كنتم بعبادتكم هذه الأشياء إياه تريدون؛ لأنهم كانوا يعبدون هذه الأشياء دون الله رجاء القربة عنده والزلفى لقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ يقول: إن كنتم إياه تقصدون بعبادة هذه الأشياء فاسجدوا له واعبدوا؛ لما أمركم بالسجود له والعبادة، والله الموفق.
وقوله: ﴿ فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم أن لا أحد يقصد قصد الاستكبار على الله .
ثم يخرج هذا على وجهين: أحدهما: أنهم قد أمروا بطاعة الرسل - عليهم السلام - فاستكبروا عن الائتمار لهم لما دعوهم إليه؛ فيصير استكبارهم عليه كالاستكبار على الله .
والثاني: لما تركوا عبادة الله وجعل في أنفسهم دلالة العبادة لله ؛ فإذا تركوا العبادة لله فقد تركوا الائتمار بأمره، لم يعتقدوا الائتمار لذلك الأمر فيكون استكباراً عليه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: فإن استكبر هؤلاء على عبادة الله فأوحشك ذلك، فاذكر عبادة من عنده من الملائكة بالليل والنهار حتى تستأنس بذلك، والله أعلم.
وهو كقوله: ﴿ وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ كان يستوحش باستهزائهم به؛ فذكر له استهزاء أولئك بإخوانه لِيَقِلَّ ذلك فيه؛ لما علم أنه ليس أول من استهزئ به، فهذا مثله.
والثاني: فإن استكبر هؤلاء على عبادة الله وقد عبدوا الملائكة والأصنام وغيرهم، فالذين هم عند ربك ممن عندهم هؤلاء لم يستكبروا؛ بل هم مسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون، وهو كقوله - -: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ ﴾ الآية [الإسراء: 57]؛ وكقوله - -: ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴾ يقول: إن استنكف هؤلاء عن أن يكونوا عُبُداً لله، فالمسيح ومن ذكر لم يستنكفوا عن ذلك.
وقوله : ﴿ وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ ﴾ .
يخبر أنهم لا يسأمون عن عبادته كما يسأم البشر أحياناً عن عبادته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ...
﴾ الآية.
وقال فيما تقدم: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ﴾ فيما ذكر من الآيات آيات وحدانيته، وآيات قدرته وعلمه وتدبيره، وآيات حكمته: أما آيات وحدانيته في الليل والنهار والشمس والقمر: هو أنه إذا كان سلطان أحدهما ليل أو نهار أو شمس أو قمر لم يمنع عن كون الآخر، ولو كان ذلك فِعْلَ عددٍ لكان منع الآخر عن إتيان ما يذهب سلطانه؛ فإذا لم يكن دل أنه فِعْلُ واحدٍ.
ودل جريان ما ذكر من الليل والنهار والشمس والقمر على سياق واحد وسنن واحد من أول ما كان إلى آخر ما يكونان على أن منشئهما عليم مدبر علماً ذاتيّاً وتدبيراً ذاتيّاً ليس بمستفاد ولا مكتسب.
ودل سيرهما وجريانهما في يوم واحد وليلة واحدة مسيرة كذا وكذا عاما على أن منشئهما قادر له قدرة ذاتية لا يعجزه شيء؛ إذ القدرة المستفادة والمكتسبة لا تبلغ ذلك.
وكذلك في إحياء الأرض بعد موتها وإخراج النبات منها دلالة ذلك كله: من دلالة الوحدانية، ودلالة العلم الذاتي والقدرة الذاتية والحكمة والتدبير؛ لأنه لما أحياها بعد موتها، وأماتها بعد إحيائه إياها دل أنه فِعْلُ واحدٍ لا عدد؛ لأنه لو كان فعل عدد لكان إذا أحيا هذا منع الآخر عن الإماتة، وهكذا إذا مات هذا منع الآخر على أن يكون من فعل ذي عدد من ملوك الأرض؛ فإذا لم يمنع ذلك دل أنه فعل واحد، ودل جريان ذلك كله في كل عام على مجرى واحد وسنن واحد وعلى مقدار واحد من النبات وغيره على أنه إنما كان بعلم ذاتي وحكمة ذاتية، ودلت القدرة على إحيائها بعد موتها وإماتتها بعد حياتها أن له قدرة ذاتية لا يعجزه شيء من البعث وغيره.
ثم جعل - جل وعلا - في الماء معنى، يوافق ذلك المعنى جميع النبات الخارج من الأرض على اختلاف أجناسها وجواهرها؛ حتى يكون حياة كل شيء من ذلك به: أن ذلك كان كذلك بلطف منه لا يبلغه فهم البشر ولا علمهم، ثم ذلك النبات مع لينه وضعفه ورقته يشق تلك الأرض مع شدتها وصلابتها ويخرج منها ما لا يتوهم خروج أشد الأشياء منها بفعل أحد سواه[، دلَّ] ذلك على قدرته ولطفه، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً ﴾ أي: ميتة.
﴿ فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ ﴾ أي: تحركت نباتُها وتزينت وصارت حية.
وقوله: ﴿ وَرَبَتْ ﴾ أي: تربو ويزيد ما عليها من النبات.
قال القتبي: اهتزت بالنبات، ربت: علت وانتفخت.
وقال أبو عوسجة: اهتزت أي: فرجت، وربت: من الزيادة.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ .
هو ما ذكرنا: أن الذي ملك وقدر على إحيائها لقادر على إحياء الموتى بعد موتهم.
﴿ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، أي: لا يعجزه شيء.
<div class="verse-tafsir"
لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بنقص أو زيادة أو تبديل أو تحريف، تنزيل من حكيم في خلقه وتقديره وتشريعه، محمود على كل حال.
<div class="verse-tafsir" id="91.Gpxz4"