الآية ٤٣ من سورة فصلت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ٤٣ من سورة فصلت

مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍۢ ٤٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 72 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٣ من سورة فصلت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٣ من سورة فصلت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ) قال قتادة ، والسدي ، وغيرهما : ما يقال لك من التكذيب إلا كما قد قيل للرسل من قبلك ، فكما قد كذبت فقد كذبوا ، وكما صبروا على أذى قومهم لهم ، فاصبر أنت على أذى قومك لك .

وهذا اختيار ابن جرير ، ولم يحك هو ، ولا ابن أبي حاتم غيره .

وقوله : ( إن ربك لذو مغفرة للناس ) أي : لمن تاب إليه ( وذو عقاب أليم ) أي : لمن استمر على كفره ، وطغيانه ، وعناده ، وشقاقه ومخالفته .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد ، عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال : لما نزلت هذه الآية : ( إن ربك لذو مغفرة ) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لولا غفر الله وتجاوزه ما هنأ أحدا العيش ، ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ( 43 ) يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ما يقول لك هؤلاء المشركون المكذّبون ما جئتهم به من عند ربك إلا ما قد قاله من قبلهم من الأمم الذين كانوا من قبلك, يقول له: فاصبر على ما نالك من أذى منهم, كما صبر أولو العزم من الرسل, وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ) يعزي نبيّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كما تسمعون, يقول: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ .

حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ في قوله: ( مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ) قال: ما يقولون إلا ما قد قال المشركون للرسل من قبلك.

وقوله: ( إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ) يقول: إن ربك لذو مغفرة لذنوب التائبين إليه من ذنوبهم بالصفح عنهم ( وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ) يقول: وهو ذو عقاب مؤلم لمن أصرّ على كفره وذنوبه, فمات على الإصرار على ذلك قبل التوبة منه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ما يقال لك أي من الأذى والتكذيب إلا ما قد قيل للرسل من قبلك يعزي نبيه ويسليه " إن ربك لذو مغفرة " لك ولأصحابك " وذو عقاب أليم " يريد لأعدائك وجيعا .

وقيل : أي : ما يقال لك من إخلاص العبادة لله إلا ما قد أوحي إلى من قبلك ، ولا خلاف بين الشرائع فيما يتعلق بالتوحيد ، وهو كقوله : ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك أي : لم تدعهم إلا ما تدعو إليه جميع الأنبياء ، فلا معنى لإنكارهم عليك .

وقيل : هو استفهام ، أي : أي شيء يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلكوقيل : " إن ربك " كلام مبتدأ وما قبله كلام تام إذا كان الخبر مضمرا .

وقيل : هو متصل ب " ما يقال لك " إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم أي : إنما أمرت بالإنذار والتبشير .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { مَا يُقَالُ لَكَ } أيها الرسول من الأقوال الصادرة، ممن كذبك وعاندك { إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ } أي: من جنسها، بل ربما إنهم تكلموا بكلام واحد، كتعجب جميع الأمم المكذبة للرسل، من دعوتهم إلى الإخلاص للّه وعبادته وحده لا شريك له، وردهم هذا بكل طريق يقدرون عليه، وقولهم: { مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا } واقتراحهم على رسلهم الآيات، التي لا يلزمهم الإتيان بها، ونحو ذلك من أقوال أهل التكذيب، لما تشابهت قلوبهم في الكفر، تشابهت أقوالهم، وصبر الرسل عليهم السلام على أذاهم وتكذيبهم، فاصبر كما صبر من قبلك.ثم دعاهم إلى التوبة والإتيان بأسباب المغفرة، وحذرهم من الاستمرار على الغيّ فقال: { إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ } أي: عظيمة، يمحو بها كل ذنب لمن أقلع وتاب { وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ } لمن: أصر واستكبر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

فقال : ( ما يقال لك ) من الأذى ، ( إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ) يقول : إنه قد قيل للأنبياء والرسل قبلك : ساحر ، كما يقال لك وكذبوا كما كذبت .

( إن ربك لذو مغفرة ) لمن تاب وآمن بك ( وذو عقاب أليم ) لمن أصر على التكذيب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ما يقال لك» من التكذيب «إلا» مثل «ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة» للمؤمنين «وذو عقاب أليم» للكافرين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ما يقول لك هؤلاء المشركون -أيها الرسول- إلا ما قد قاله مَن قبلهم مِنَ الأمم لرسلهم، فاصبر على ما ينالك في سبيل الدعوة إلى الله.

إن ربك لذو مغفرة لذنوب التائبين، وذو عقاب لمن أصرَّ على كفره وتكذيبه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم سلى - سبحانه - نبيه صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه فقال : ( مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ) .أى : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - من الأقوال الباطلة التى قالها المشركون فى حقك ، فإن ما قالوه فى شأنك قد قاله السابقون عليهم فى حق رسلهم .فالآية الكريمة من أبلغ الآيات فى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم لأنها كانها تقول له ، إن ما أصابك من أذى قد أصاب إخوانك ، فاصبر كما صبروا .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( كَذَلِكَ مَآ أَتَى الذين مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ .

أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ) ثم علل - سبحانه - هذه التسلية وهذا التوجيه بقوله : ( إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ) .أى : ما يقال لك إلا مثل ما قيل لإخوانك من قبلك ، وما دام الأمر كذلك .

فاصبر كما صبروا ، إن ربك الذى تولاك بتربيته ورعايته ، لذو مغفرة عظيمة لعباده المؤمنين وذو عقاب أليم للكفار المكذبين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما هدد الملحدين في آيات الله، ثم بيّن شرف آيات الله، وعلو درجة كتاب الله رجع إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يصبر على أذى قومه وأن لا يضيق قلبه بسبب ما حكاه عنهم في أول السورة من أنهم ﴿ قَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ فاعمل إِنَّنَا عاملون  ﴾ فقال: ﴿ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ وفيه وجهان: الأول: وهو الأقرب أن المراد ما تقول لك كفار قومك إلا مثل ما قد قال للرسل كفار قومهم من الكلمات المؤذية والمطاعن في الكتب المنزّلة ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ للمحقين ﴿ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴾ للمبطلين ففوض هذا الأمر إلى الله واشتغل بما أمرت به وهو التبليغ والدعوة إلى الله تعالى الثاني: أن يكون المراد ما قال الله لك إلا مثل ما قال لسائر الرسل وهو أنه تعالى أمرك وأمر كل الأنبياء بالصبر على سفاهة الأقوام فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخافه أهل معصيته، وقد ظهر من كلامنا في تفسير هذه السورة أن المقصود من هذه السورة، هو ذكر الأجوبة عن قولهم: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي ءَاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فاعمل إِنَّنَا عَامِلُونَ ﴾ فتارة ينبه على فساد هذه الطريقة، وتارة يذكر الوعد والوعيد لمن لم يؤمن بهذا القرآن ولم يعرض عنه، وامتد الكلام إلى هذا الموضع من أول السورة على الترتيب الحسن والنظم الكامل، ثم إنه تعالى ذكر جواباً آخر عن قولهم: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي ءَاذانِنَا وَقْرٌ ﴾ فقال: ﴿ وَلَوْ جعلناه قُرْءَاناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصّلَتْ ءاياته ءاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: أأعجمي بهمزتين على الاستفهام، والباقون بهمزة واحدة ومدة على أصلهم في أمثاله، كقوله: ﴿ أأَنذَرْتَهُمْ  ﴾ ونحوها على الاستفهام، وروي عن ابن عباس بهمزة واحدة، وأما القراءة بهمزتين: فالهمزة الأولى همزة إنكار، والمراد أنكروا وقالوا قرآن أعجمي ورسول عربي، أو مرسل إليه عربي، وأما القراءة بغير همزة الاستفهام، فالمراد الإخبار بأن القرآن أعجمي والمرسل إليه عربي.

المسألة الثانية: نقلوا في سبب نزول هذه الآية أن الكفار لأجل التعنت، قالوا لو نزل القرآن بلغة العجم فنزلت هذه الآية، وعندي أن أمثال هذه الكلمات فيها حيف عظيم على القرآن، لأنه يقتضي ورود آيات لا تعلق للبعض فيها بالبعض، وأنه يوجب أعظم أنواع الطعن فكيف يتم مع التزام مثل هذا الطعن ادعاء كونه كتاباً منتظماً، فضلاً عن ادعاء كونه معجزاً؟

بل الحق عندي أن هذه السورة من أولها إلى آخرها كلام واحد، على ما حكى الله تعالى عنهم من قولهم: ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ ﴾ وهذا الكلام أيضاً متعلق به، وجواب له، والتقدير: أنا لو أنزلنا هذا القرآن بلغة العجم لكان لهم أن يقولوا: كيف أرسلت الكلام العجمي إلى القوم العرب، ويصح لهم أن يقولوا ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ أي من هذا الكلام ﴿ وفي آذاننا وقر ﴾ منه لأنا لا نفهمه ولا نحيط بمعناه، أما لما أنزلنا هذا الكتاب بلغة العرب، وبألفاظهم وأنتم من أهل هذه اللغة، فكيف يمكنكم ادعاء أن قلوبكم في أكنة منها، وفي آذانكم وقر منها، فظهر أنا إذا جعلنا هذا الكلام جواباً عن ذلك الكلام، بقيت السورة من أولها إلى آخرها على أحسن وجوه النظم، وأما على الوجه الذي يذكره الناس فهو عجيب جداً.

ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَاء والذين لاَ يُؤْمِنُونَ فِي ءاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ .

واعلم أن هذا متعلق بقولهم: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ إلى آخر الآية، كأنه تعالى يقول: إن هذا الكلام أرسلته إليكم بلغتكم لا بلغة أجنبية عنكم، فلا يمكنكم أن تقولوا إن قلوبنا في أكنة منه بسبب جهلنا بهذه اللغة، فبقي أن يقال إن كل من آتاه الله طبعاً مائلاً إلى الحق، وقلباً مائلاً إلى الصدق، وهمة تدعوه إلى بذل الجهد في طلب الدين، فإن هذا القرآن يكون في حقه هدىً شفاء.

أما كونه هدىً فلأنه دليل على الخيرات ويرشد إلى كل السعادات، وأما كونه شفاء فإنه إذا أمكنه الاهتداء فقد حصل الهدى، فذلك الهدى شفاء له من مرض الكفر والجهل، وأما من كان غارقاً في بحر الخذلان، وتائهاً في مفاوز الحرمان، ومشغوفاً بمتابعة الشيطان، كان هذا القرآن في آذانه وقراً، كما قال: ﴿ وفي آذاننا وقر  ﴾ وكان القرآن عليهم عمى كما قال: ﴿ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ  ﴾ ، ﴿ أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ بسبب ذلك الحجاب الذي حال بين الانتفاع ببيان القرآن، وكل من أنصف ولم يتعسف علم أنا إذا فسرنا هذه الآية على الوجه الذي ذكرناه صارت هذه السورة من أولها إلى آخرها كلاماً واحداً منتظماً مسوقاً نحو غرض واحد، فيكون هذا التفسير أولى مما ذكروه، وقرأ الجمهور ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ على المصدر، وقرأ ابن عباس عم على النعت، قال أبو عبيد والأول هو الوجه، كقوله: ﴿ هُدًى وَشِفَاء ﴾ وكذلك ﴿ عَمًى ﴾ وهو مصدر مثلها، ولو كان المذكور أنه هاد وشاف لكان الكسر في ﴿ عَمًى ﴾ أجود فيكون نعتاً مثلهما، وقوله تعالى: ﴿ أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ قال ابن عباس: يريد مثل البهيمة التي لا تفهم إلا دعاء ونداء، وقيل من دعي من مكان بعيد لم يسمع، وإن سمع لم يفهم، فكذا حال هؤلاء.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى الكتاب فاختلف فِيهِ ﴾ وأقول أيضاً إن هذا متعلق بما قبله، كأنه قيل إنا لما آتينا موسى الكتاب اختلفوا فيه، فقبله بعضهم ورده الآخرون، فكذلك آتيناك هذا الكتاب فقبله بعضهم وهم أصحابك، ورده الآخرون، وهم الذين يقولون ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ ﴾ يعني في تأخير العذاب عنهم إلى أجل مسمى وهو يوم القيامة، كما قال: ﴿ بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ  ﴾ ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ يعني المصدق والمكذب بالعذاب الواقع بمن كذب وإنهم لفي شك من صدقك وكتابك مريب، فلا ينبغي أن تستعظم استيحاشك من قولهم: ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ .

ثم قال: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ﴾ يعني خفف على نفسك إعراضهم، فإنهم إن آمنوا فنفع إيمانهم يعود عليهم، وإن كفروا فضرر كفرهم يعود إليهم، والله سبحانه يوصل إلى كل أحد ما يليق بعمله من الجزاء ﴿ وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ما يقال لك ﴾ أي: ما يقول لك كفار قومك إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم من الكلمات المؤذية والمطاعن في الكتب المنزلة ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ ورحمة لأنبيائه ﴿ وَذُو عِقَابٍ ﴾ لأعدائهم.

ويجوز أن يكون: ما يقول لك الله إلا مثل ما قال للرسل من قبلك، والمقول: هو قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴾ فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخافه أهل معصيته، والغرض: تخويف العصاة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ما يُقالُ لَكَ ﴾ أيْ ما يَقُولُ لَكَ كُفّارُ قَوْمِكَ.

﴿ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ إلّا مِثْلَ ما قالَ لَهم كُفّارُ قَوْمِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ما يَقُولُ اللَّهُ لَكَ إلّا مِثْلَ ما قالَ لَهم.

﴿ إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ لِأنْبِيائِهِ.

﴿ وَذُو عِقابٍ ألِيمٍ ﴾ لِأعْدائِهِمْ، وهو عَلى الثّانِي يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَقُولُ بِمَعْنى أنَّ حاصِلَ ما أُوحِيَ إلَيْكَ وإلَيْهِمْ، وعْدُ المُؤْمِنِينَ بِالمَغْفِرَةِ والكافِرِينَ بِالعُقُوبَةِ.

﴿ وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا ﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: هَلّا أُنْزِلَ القُرْآنُ بِلُغَةِ العَجَمِ والضَّمِيرُ «لِلذِّكْرِ» .

﴿ لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ ﴾ بُيِّنَتْ بِلِسانٍ نَفْقَهُهُ.

﴿ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ ﴾ أكَلامٌ أعْجَمِيٌّ ومُخاطَبٌ عَرَبِيٌّ إنْكارٌ مُقَرِّرٌ لِلتَّخْصِيصِ، والأعْجَمِيُّ يُقالُ لِلَّذِي لا يُفْهَمُ كَلامُهُ.

وهَذا قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ، وقَرَأ قالُونُ وأبُو عَمْرٍو بِالمَدِّ والتَّسْهِيلِ ووَرْشٌ بِالمَدِّ وإبْدالِ الثّانِيَةِ ألِفًا، وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ ذَكْوانَ وحَفْصٌ بِغَيْرِ المَدِّ بِتَسْهِيلِ الثّانِيَةِ وقُرِئَ «أعْجَمِيٌّ» وهو مَنسُوبٌ إلى العَجَمِ، وقَرَأ هِشامٌ «أعْجَمِيٌّ» عَلى الإخْبارِ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هَلّا فُصِّلَتْ آياتُهُ فَجُعِلَ بَعْضُها أعْجَمِيًّا لِإفْهامِ العَجَمِ وبَعْضُها عَرَبِيًّا لِإفْهامِ العَرَبِ، والمَقْصُودُ إبْطالُ مُقْتَرَحِهِمْ بِاسْتِلْزامِهِ المَحْذُورَ، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنِ التَّعَنُّتِ في الآياتِ كَيْفَ جاءَتْ.

﴿ قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى ﴾ إلى الحَقِّ.

﴿ وَشِفاءٌ ﴾ لِما في الصُّدُورِ مِنَ الشَّكِّ والشُّبَهِ.

﴿ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿ فِي آذانِهِمْ وقْرٌ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ هو في آذانِهِمْ وقْرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ وذَلِكَ لِتَصامِّهِمْ عَنْ سَماعِهِ وتَعامِيهِمْ عَمّا يُرِيهِمْ مِنَ الآياتِ، ومَن جَوَّزَ العَطْفَ عَلى عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عَطَفَ ذَلِكَ عَلى لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى.

﴿ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ أيْ صُمٌّ، وهو تَمْثِيلٌ لَهم في عَدَمِ قَبُولِهِمُ الحَقَّ واسْتِماعِهِمْ لَهُ بِمَن يُصاحُ بِهِ مِن مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مَّا يُقَالُ لَكَ} ما يقول لك كفار قومك {إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم من الكلمات المؤذية والمطاعن في الكتب المنزلة {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ} ورحمة لأنبيائه {وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} لأعدائهم ويجوز أن يكون ما يقول لك الله إلا مثل ما قال للرسل من قبلك والمقول هو قوله إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يُقالُ لَكَ ﴾ إلى آخِرِهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمّا يُصِيبُهُ مِن أذِيَّةِ الكُفّارِ مِن طَعْنِهِمْ في كِتابِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ فالقائِلُ الكُفّارُ أيْ ما يَقُولُ كُفّارُ قَوْمِكَ في شَأْنِكَ وشَأْنِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ ﴿ إلا ما قَدْ قِيلَ ﴾ أيْ مِثْلُ ما قَدْ قالَ الكَفَرَةُ السّابِقُونَ ﴿ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ مِنَ الكَلامِ المُؤْذِي المُتَضَمِّنِ لِلطَّعْنِ فِيما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ ﴾ قِيلَ: تَعْلِيلٌ لِما يُسْتَفادُ مِنَ السِّياقِ مِنَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يُقالُ لَكَ إلّا نَحْوُ ما قِيلَ لِأمْثالِكَ مِنَ الرُّسُلِ فاصْبِرْ كَما صَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ عَظِيمَةٍ لِأوْلِيائِهِ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ لِأعْدائِهِمْ فَيَنْصُرُ أوْلِياءَهُ ويَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِمْ، أوْ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ ماذا ؟

فَقِيلَ: إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِأوْلِيائِهِ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ لِأعْدائِهِمْ وقَدْ نَصَرَ لِذَلِكَ مَن قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وانْتَقَمَ مِن أعْدائِهِمْ وسَيَفْعَلُ ذَلِكَ بِكَ وبِأعْدائِكَ أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ القائِلُ هو اللَّهُ تَعالى والمَعْنى عَلى ما سَمِعْتُ عَنْ أبِي حَيّانَ وقَدْ جَعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ خَبَرَ ( إنَّ ) أيْ ما يُوحِي اللَّهُ تَعالى إلَيْكَ في شَأْنِ الكُفّارِ المُؤْذِينَ لَكَ إلّا مِثْلَ ما أوْحى لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ في شَأْنِ الكُفّارِ المُؤْذِينَ لَهم مِن أنَّ عاقِبَتَهم سَيِّئَةٌ في الدُّنْيا بِالهَلاكِ وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ الألِيمِ فاصْبِرْ إنَّ رَبَّكَ..

إلَخْ، وقَدْ يُجْعَلُ ﴿ إنَّ رَبَّكَ ﴾ ..

إلَخْ.

بِاعْتِبارِ مَضْمُونِهِ تَفْسِيرًا لِلْمَقُولِ فَحاصِلُ المَعْنى ما أوْحى إلَيْكَ وإلى الرُّسُلِ إلّا وعْدُ المُؤْمِنِينَ بِالمَغْفِرَةِ والكافِرِينَ بِالعُقُوبَةِ دُونَ العَكْسِ الَّذِي يَزْعُمُهُ الكَفَرَةُ بِلِسانِ حالِهِمْ فاصْبِرْ فَسَيُنْجِزُ اللَّهُ تَعالى وعْدَهُ، وقِيلَ: المَقُولُ هو الشَّرائِعُ أيْ ما يُوحى إلَيْكَ إلّا مِثْلُ ما أُوحِيَ إلى الرُّسُلِ مِنَ الشَّرائِعِ دُونَ أُمُورِ الدُّنْيا وقَدْ جَرَتْ عادَةُ الكُفّارِ بِتَكْذِيبِ ذَلِكَ فَما عَلَيْكَ إذا كَذَّبَ كُفّارُ قَوْمِكَ واصْبِرْ عَلى ذَلِكَ، وجَعَلَ ﴿ إنَّ رَبَّكَ ﴾ ..

إلَخْ.

تَعْلِيلًا لِما يُسْتَفادُ مِنَ السِّياقِ أيْضًا، وجَعَلَهُ بَعْضُهم تَفْسِيرًا لِذَلِكَ المَقُولِ أعْنِي الشَّرائِعَ لِأنَّها الأوامِرُ والنَّواهِي الإلَهِيَّةُ وهي مُجْمَلَةٌ فِيهِ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، وإلى نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا ذَهَبَ قَتادَةُ.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: ﴿ ما يُقالُ لَكَ ﴾ مِنَ التَّكْذِيبِ ﴿ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ فَكَما كُذِّبُوا كُذِّبْتَ وكَما صَبَرُوا عَلى أذى قَوْمِهِمْ لَهم فاصْبِرْ عَلى أذى قَوْمِكَ لَكَ، واخْتِيارُ ( ألِيمٍ ) عَلى شَدِيدٍ مَعَ أنَّهُ أنْسَبُ بِالفَواصِلِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ نَظْمَ القُرْآنِ لَيْسَ كالأسْجاعِ والخُطَبِ وأنَّ حُسْنَهُ ذاتِيٌّ والنَّظَرَ فِيهِ إلى المَعانِي دُونَ الألْفاظِ، ويَحْسُنُ وصْفُ العِقابِ بِهِ هُنا كَوْنُ العِقابِ جَزاءَ التَّكْذِيبِ المُؤْلِمِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: مَّا يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ يعني: اصبر على مقالة الكفار، فإنهم لا يقولون من التكذيب لك، إلا ما قد قيل للرسل من قبلك من التكذيب.

ويقال: معناه مَّا يُقالُ لَكَ يعني: لا يؤمر لك.

يعني: في الرسالة إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، بأن يعبدوا الله.

فيقال لك: أن تعبد الله أيضاً.

ويقال: مَّا يُقالُ لَكَ إلا بأن تبلغ الرسالة، إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ بأن يبلغوا الرسالة، إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ قال مقاتل: أي ذو تجاوز في تأخير العذاب عنهم إلى أجلهم.

وقال الكلبي: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لمن تاب من الشرك، وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ لمن لم يتب، ومات على الكفر.

قوله عز وجل: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا يعني: لو أنزلناه بلسان العبرانية، لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ يعني: هلا بيّن بالعربية.

ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ويقولون: القرآن أعجمي، والرسول عربي، فكان ذلك أشد لتكذيبهم.

قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية أبي بكر: بهمزتين بغير مد.

والباقون بهمزة واحدة مع المد، ومعناهما واحد ويكون على معنى الاستفهام.

وقرأ الحسن أَعْجَمِىٌّ بهمزة واحدة بغير مد.

ويكون على غير وجه الاستفهام.

وقرأ بعضهم أَعْجَمِىٌّ بنصب العين، والجيم.

يقال: رجل عجمي إذا كان من العجم، وإن كان فصيحاً.

ورجل أعجمي إذا كان لا يفصح، وإن كان من العرب.

ثم قال تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً يعني: القرآن هدى للمؤمنين من الضلالة، وَشِفاءٌ أي: شفاء لما في الصدور من العمى، وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة، فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ يعني: ثقل، وصم، وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى عَمي بالكسر على معنى النعت، وقراءة العامة بالنصب.

يعني: القرآن عليهم حجة، وهذا قول الكلبي.

وقال مقاتل: يعني: عموا عنه فلا ينظرونه، ولا يفهمونه.

وروي عن ابن عباس أنه قرأ: وهو عليهم عم بالكسر على معنى النعت، وقراءة العامة بالنصب، على معنى المصدر.

كما أنه قال: هُدىً وَشِفاءٌ على معنى المصدر.

ثم قال: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ وهذا على سبيل المثل.

يقال للرجل إذا قل فهمه: إنك تنادي من مكان بعيد يعني: إنك لا تفهم شيئاً ويقال ينادون من مكان بعيد.

يعني: من السماء.

وقال مجاهد: يعني: بعيداً من قلوبهم.

وقال الضحاك: ينادون يوم القيامة من مكان بعيد، فينادى الرجل بأشنع أسمائه.

يعني: يقال له يا فاسق، يا منافق يا، كذا يا كذا.

قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعني: أعطينا موسى التوراة، ويقال: الألواح.

قوله: فَاخْتُلِفَ فِيهِ يعني: صدق بعضهم، وكذب بعضهم، وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ يعني: وجبت بتأخير العذاب، لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ يعني: لفرغ من أمرهم، ولهلك المكذب.

وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ يعني: من العذاب بعد البعث مُرِيبٍ لا يعرفون شكهم.

ويقال: مُرِيبٍ أي: ظاهر الشك.

ويقال: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ بتأخير العذاب عن هذه الأمة إلى يوم القيامة، لأتاهم العذاب، إذ كذبوه كما فعل بغيرهم.

قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ يعني: ثوابه لنفسه، وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها يعني: العذاب على نفسه، وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ يعني: لا يعذب أحداً بغير ذنب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنا ...

الآية، آيةُ وعيدٍ، والإلحاد: المَيْلُ، وهو هنا ميل عن الحَقِّ/ ومنه لَحْدُ المَيِّتِ لأنَّه في جانب، يقال: لَحَدَ الرَّجُلُ، وألحد بمَعْنًى.

واختلف في إلحادهم هذا: ما هو؟

فقال قتادة وغيره: هو إلحاد بالتكذيب «١» ، وقال مجاهد وغيره «٢» : هو بالمُكَاءِ والصفير واللغو الذي ذهبوا إليه، وقال ابن عباس: إلحادهم:

وَضْعُهُمْ للكَلاَمِ غَيْرَ موضعه، ولفظة «٣» الإلحاد تَعُمُّ هذا كُلَّه، وباقي الآية بَيِّنٌ.

وقوله تعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ وعيدٌ في صيغة الأمر بإجماع من أهل العلم.

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ ...

الآية: يريد ب الَّذِينَ كَفَرُوا قريشا، والذكر: القرآن بإجماع.

واختُلِفَ في الخبر عنهم: أين هو؟

فقالت فرقة: هو في قوله: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [فصلت: ٤٤] ، ورُدَّ بكثرة الحائل، وأنَّ هنالك قوماً قد ذكروا بحسن رد قوله: «أولئك ينادون عليهم» ، وقالت فرقة: الخبر مُضمَرٌ، تقديره: إنَّ الذين كفروا بالذكر لما جاءهم، هَلَكُوا أو ضَلُّوا، وقيل: الخبر في قوله: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ وهذا ضعيف لا يتجه، وقال عمرو بن عُبَيْدٍ: معناه في التفسير: إنَّ الذين كفروا بالذِّكْرِ لما جاءهم كفروا به، وإنه لكتاب عزيز قال ع «٤» : والذي يَحْسُنُ في هذا هو إضمار الخبر، ولكِنَّهُ عند قوم في غير هذا الموضع الذي قدَّره هؤلاء فيه وإنَّمَا هو بعد حَكِيمٍ حَمِيدٍ، وهو أشدّ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ قِيلَ فِيمَن أُرْسِلَ قَبْلَكَ: ساحِرٌ وكاهِنٌ ومَجْنُونٌ، وكُذِّبُوا كَما كُذِّبْتَ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، والجُمْهُورِ.

والثّانِي: ما تُخْبَرُ إلّا بِما أُخْبِرَ الأنْبِياءُ قَبْلَكَ مِن أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ، وأنَّهُ ذُو عِقابٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ جَعَلْناهُ ﴾ يَعْنِي الكِتابَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا ﴾ أيْ: بِغَيْرِ لُغَةِ العَرَبِ ﴿ لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ ﴾ أيْ: هَلّا بُيِّنَتْ آياتُهُ بِالعَرَبِيَّةِ حَتّى نَفْهَمَهُ؟!

﴿ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "آعْجَمِيٌّ" [بِهَمْزَةٍ] مَمْدُودَةٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "أأعْجَمِيٌّ" بِهَمْزَتَيْنِ، والمَعْنى: أكِتابٌ أعْجَمِيٌّ ونَبِيٌّ عَرَبِيٌّ؟!

وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ؛ أيْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ أشَدَّ لِتَكْذِيبِهِمْ.

﴿ قُلْ هُوَ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى ﴾ مِنَ الضَّلالَةِ ﴿ وَشِفاءٌ ﴾ لِلشُّكُوكِ والأوْجاعِ.

و "الوَقْرُ": الصَّمَمُ؛ فَهم في تَرْكِ القَبُولِ بِمَنزِلَةِ مَن في أُذُنِهِ صَمَمٌ.

﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ أيْ: ذُو عَمى.

قالَ قَتادَةُ: صَمُّوا عَنِ القُرْآنِ وعَمُوا عَنْهُ ﴿ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ أيْ: إنَّهم لا يَسْمَعُونَ ولا يَفْهَمُونَ كالَّذِي يُنادى مِن بَعِيدٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أفَمَن يُلْقى في النارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِكْرِ لَمّا جاءَهم وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ﴾ ﴿ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ ﴿ ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ ﴾ هَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ، و"الإلْحادُ": المَيْلُ، وهو هاهُنا عَنِ الحَقِّ، ومِنَ "الإلْحادِ" لِحَدِّ المَيِّتِ؛ لِأنَّهُ في جانِبٍ، يُقالُ: لَحَدَ الرَجُلُ وألْحَدَ بِمَعْنى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "يُلْحِدُونَ" ﴾ بِضَمِّ الياءِ مَن ألْحَدَ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "يَلْحَدُونَ" بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ مِن لَحَدَ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الإلْحادِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ، ما هُوَ؟

فَقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الإلْحادُ بِالتَكْذِيبِ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: الإلْحادُ بِالمُكاءِ والصَفِيرِ واللَغْوِ الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إلْحادُهم هو أنْ يُوضَعَ الكَلامُ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، ولَفْظَةُ الإلْحادِ تَعُمُّ هَذا كُلَّهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا ﴾ أيْ: فَنَحْنُ بِالمِرْصادِ لَهم وسَنُعَذِّبُهُمْ، ثُمَّ قَرَّرَهم تَعالى عَلى هَذَيْنَ القِسْمَيْنِ أنَّهُما خَيْرٌ؟

وهَذا التَقْرِيرُ هُمُ المُرادُ بِهِ، أيْ: فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: [أفَمَن]، قالَ مُقاتِلُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَهْلٍ، وفي عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقِيلَ: في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وحَسُنَ التَفْضِيلُ هُنا بَيْنَ الإلْقاءِ في النارِ والأمْنِ يَوْمَ القِيامَةِ - وإنْ كانا لا يَشْتَرِكانِ في صِفَةِ الخَيْرِ - مِن حَيْثُ كانَ الكَلامُ تَقْرِيرًا لا مُجَرَّدَ خَبَرٍ؛ لِأنَّ المُقَرِّرَ قَدْ يُقَرِّرُ خَصْمَهُ عَلى قِسْمَيْنِ أحَدُهُما بَيِّنُ الفَسادِ، حَتّى يَرى جَوابَهُ، فَعَساهُ يَقَعُ في الفاسِدِ المَعْنى، فَيُبَيِّنُ جَهْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ واسْتِيعابُ القَوْلِ في هَذا المَعْنى، ولا يَتَّجِهُ هُنا أنْ يُقالَ: خاطَبَ عَلى مُعْتَقَدِهِمْ كَما يَتَّجِهُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا  ﴾ فَتَأمَّلْهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ﴾ وعِيدٌ في صِيغَةِ الأمْرِ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، ودَلِيلُ الوَعِيدِ ومُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِكْرِ لَمّا جاءَهُمْ ﴾ ، يُرِيدُ تَعالى قُرَيْشًا، و"الذِكْرُ": القُرْآنُ بِإجْماعٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في الخَبَرِ عنهُمْ، أيْنَ هُوَ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ  ﴾ ، ذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ بِلالَ بْنَ أبِي بُرْدَةَ سَألَ عن هَذا في مَجْلِسِهِ وقالَ: لَمْ أجِدْ لَها نَفاذًا، فَقالَ لَهُ أبُو عَمْرُو بْنُ العَلاءِ: إنَّهُ مِنكَ لِقَرِيبٌ، ﴿ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَرُدُّ هَذا النَظَرُ كَثْرَةَ الحائِلِ، وأنَّ هُنالِكَ قَوْمًا قَدْ ذَكَرُوا بِحُسْنِ رَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ  ﴾ عَلَيْهِمْ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الخَبَرُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِكْرِ لَمّا جاءَهم هَلَكُوا أو ضَلُّوا، وقالَ بَعْضُ نُحاةِ الكُوفَةِ: الجَوابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ﴾ ، حَكى ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وهو ضَعِيفٌ لا يَتَّجِهُ، وسَألَ عِيسى بْنُ عُمَرَ عَمْرُو بْنَ عُبَيْدٍ عن هَذا، فَقالَ عَمْرُو: مَعْناهُ في التَفْسِيرِ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِكْرِ لَمّا جاءَهُمْ، كَفَرُوا بِهِ وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ، فَقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: أجَدْتُ يا أبا عُثْمانَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يُحْسِنُ في هَذا هو إضْمارُ الخَبَرِ، ولَكِنَّهُ عِنْدَ قَوْمٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ الَّذِي قَدَّرَهُ هَؤُلاءِ فِيهِ، وإنَّما هو بَعْدُ ﴿ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ ، وهو أشَدُّ إظْهارًا لِمَذَمَّةِ الكَفّارِ بِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَكِتابٌ ﴾ داخِلٌ في صِفَةِ الذِكْرِ المُكَذَّبِ بِهِ، فَلَمْ يَتِمُّ ذِكْرُ المُخْبَرِ عنهُ، إلّا بَعْدَ اسْتِيفاءِ وصْفِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: أتُخالِفُ زَيْدًا وهو العالِمُ الوَدُودُ، الَّذِي مِن شَأْنِهِ ومِن أمْرِهِ، فَهَذِهِ كُلُّها أوصافٌ.

ووَصَفَ تَعالى الكِتابَ بِالعِزَّةِ، لِأنَّهُ بِصِحَّةِ مَعانِيهِ مُمْتَنِعُ الطَعْنِ فِيهِ والإزْراءِ عَلَيْهِ، وهو مَحْفُوظٌ مِنَ اللهِ تَعالى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: كَرِيمٌ عَلى اللهِ تَعالى، قالَ مُقاتِلٌ: مَنِيعٌ مِنَ الشَيْطانِ، قالَ السَدِّيُّ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ، والسَدَّيُّ: يُرِيدُ الشَيْطانَ، وظاهِرُ اللَفْظِ يَعُمُّ الشَيْطانُ وأنْ يَجِيءَ أمْرٌ يُبْطِلُ مِنهُ شَيْئًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ مَعْناهُ: لَيْسَ فِيما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ ما يُبْطِلُ شَيْئًا مِنهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا مِن خَلْفِهِ ﴾ أيْ: لَيْسَ يَأْتِي بَعْدَهُ مِن نَظَرِ ناظِرٍ وفِكْرَةِ عاقِلٍ ما يُبْطِلُ أشْياءَ مِنهُ، والمُرادُ بِاللَفْظِ عَلى الجُمْلَةِ: لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "تَنْزِيلٌ" ﴾ خَبَرُ ابْتِداءٍ، أيْ: هو تَنْزِيلٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ  عن مَقالاتِ قَوْمِهِ، أيْ: ما تَلْقى يا مُحَمَّدُ مِنَ المَكْرُوهِ مِنهُمْ، ولا يَقُولُونَ لَكَ مِنَ الأقْوالِ المُؤْلِمَةِ، إلّا ما قَدْ قِيلَ ولَقِيَ بِهِ مِن تَقَدُّمِكَ مِنَ الرُسُلِ، فَلْتَتَأسَّ بِهِمْ، ولْتَمْضِ لِأمْرِ اللهِ ولا يُهِمُّكَ شَأْنُهُمْ، والمَعْنى الثانِي: أنْ تَكُونَ الآيَةُ تَخْلِيصًا لِمَعانِي الشَرْعِ، أيْ: ما يُقالُ لَكَ مِنَ الوَحْيِ وتُخاطَبُ بِهِ مِن جِهَةِ اللهِ تَعالى، إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ، ثُمَّ فَسَّرَ اللهُ تَعالى ذَلِكَ الَّذِي قِيلَ لِجَمِيعِهِمْ وهُوَ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ لِلطّائِعِينَ، ﴿ وَذُو عِقابٍ ألِيمٍ ﴾ لِلْكافِرِينَ، وفي هَذِهِ الكَلِماتِ جِماعُ النَهْيِ والزَجْرِ والمَوْعِظَةِ، وإلَيْها يَرْجِعُ كُلُّ نَظَرٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ حَمِيدٍ * مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو ﴾ .

استئناف بياني جواب لسؤال يثيره قوله: ﴿ إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا ﴾ [فصلت: 40]، وقوله: ﴿ إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم ﴾ [فصلت: 41] وما تخلل ذلك من الأوصاف فيقول سائل: فما بال هؤلاء طعنوا فيه؟

فأجيب بأن هذه سنة الأنبياء مع أممهم لا يعدمون معاندين جاحدين يكفرون بما جاءوا به.

وإذا بنيت على ما جوزته سابقاً أن يكون جملة: ﴿ مَّا يُقَالُ ﴾ خبر ﴿ إنّ ﴾ [فصلت: 41] كانت خبراً وليست استئنافاً.

وهذا تسلية للنبيء بطريق الكناية وأمر له بالصبر على ذلك كما صبر من قبله من الرسل بطريق التعريض.

ولهذا الكلام تفسيران: أحدهما: } أن ما يقوله المشركون في القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم هو دأب أمثالهم المعاندين من قَبلهم فما صدقُ ﴿ مَا قَدْ قِيلَ للِرُّسُلِ ﴾ هو مقالات الذين كذبوهم، أي تشابهت قلوب المكذبين فكانت مقالاتهم متماثلة قال تعالى: ﴿ أتواصوا به ﴾ [الذاريات: 53].

التفسير الثاني: ما قُلنا لك إلا ما قلناه للرسل من قبلك، فأنت لم تكن بدعاً من الرسل فيكون لقومك بعض العذر في التكذيب ولكنهم كذبوا كما كذب الذين من قبلهم، فمَا صدقُ: ﴿ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسل ﴾ هو الدين والوحي فيكون من طريقة قوله تعالى: ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى ﴾ [الأعلى: 18].

وكلا المعنيين وارد في القرآن فيحمل الكلام على كليهما.

وفي التعبير ب ﴿ ما ﴾ الموصولة وفي حذف فاعل القولين في قوله: ﴿ مَّا يُقَالُ ﴾ وقوله: ﴿ مَا قَدْ قِيلَ ﴾ نظم متين حمَّل الكلام هذين المعنيين العظيمين، وفي قوله: ﴿ إلاَّ ما قَدْ قِيل للرسل ﴾ تشبيه بليغ.

والمعنى: إلا مثل ما قد قيل للرسل.

واجتلاب المضارع في ﴿ مَا يُقَال ﴾ لإِفادة تجدد هذا القول منهم وعدم ارعوائهم عنه مع ظهور ما شأنه أن يصدهم عن ذلك.

واقتران الفعل ب ﴿ قد ﴾ لتحقيق أنه قد قيل للرسل مثل ما قال المشركون للرسول صلى الله عليه وسلم فهو تأكيد للازم الخبر وهو لزوم الصبر على قولهم.

وهو منظور فيه إلى حال المردود عليهم إذ حسبوا أنهم جابهوا الرسول بما لم يخطر ببال غيرهم، وهذا على حد قوله تعالى: ﴿ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون ﴾ [الذاريات: 52، 53].

﴿ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ وَذُو عِقَابٍ ﴾ تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ووعد بأن الله يغفر له.

ووقوع هذا الخبر عقب قوله: ﴿ ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ﴾ يومئ إلى أن هذا الوعد جزاء على ما لقيه من الأذى في ذات الله وأن الوعيد للذين آذوه، فالخبر مستعمل في لازمه.

ومعنى المغفرة له: التجاوز عما يلحقه من الحزن بما يسمع من المشركين من أذى كثير.

وحرف ﴿ إنَّ ﴾ فيه لإِفادة التعليل والتسبب لا للتأكيد.

وكلمة ﴿ ذو ﴾ مؤذنة بأن المغفرة والعقاب كليهما من شأنه تعالى وهو يضعهما بحكمته في المواضع المستحقة لكل منهما.

ووصف العقاب ب ﴿ أَلِيمٍ ﴾ دون وصف آخر للاشارة إلى أنه مناسب لما عوقبوا لأجله فإنهم آلموا نفس النبي صلى الله عليه وسلم بما عصوا وآذوا.

وفي جملة: ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرة وَذُو عِقَاببٍ ألِيم ﴾ مُحسِّن الجمع ثم التقسيم، فقوله: ﴿ ما يقال لك ﴾ يجمع قائلاً ومقولاً له فكان الإِيماء بوصف (ذو مغفرة) إلى المقول له، ووصف ﴿ ذو عقاب أليم ﴾ إلى القائلين، وهو جار على طريقة اللف والنشر المعكوس وقرينة المقام ترد كُلاًّ إلى مناسبه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يُكَذِّبُونَ بِآياتِنا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: يَمِيلُونَ عَنْ آياتِنا، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

الثّالِثُ: يَكْفُرُونَ بِنا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: يُعانِدُونَ رُسُلَنا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الخامِسُ: هو المُكاءُ والتَّصْفِيقُ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا ﴾ وهَذا وعِيدٌ.

﴿ أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الَّذِي يُلْقى في النّارِ أبُو جَهْلٍ، والَّذِي يَأْتِي آمِنًا عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: أنَّ الَّذِي يُلْقى في النّارِ أبُو جَهْلٍ، والَّذِي يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.

الثّالِثُ: أنَّ الَّذِي يُلْقى في النّارِ أبُو جَهْلٍ وأصْحابُهُ قالَهُ الكَلْبِيُّ، والَّذِي يَأْتِي آمِنًا رَسُولُ اللَّهِ  ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الرّابِعُ: أنَّها عَلى العُمُومِ فالَّذِي يُلْقى في النّارِ الكافِرُ، والَّذِي يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ المُؤْمِنُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ.

﴿ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ وعِيدٌ، فَهَدَّدَ وتَوَعَّدَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ ﴾ الذِّكْرُ هُنا القُرْآنُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، ولَهُ جَوابٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هالِكُونَ أوْ مُعَذَّبُونَ.

﴿ وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَزِيزٌ مِنَ الشَّيْطانِ أنْ يُبَدِّلَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: يَمْتَنِعُ عَلى النّاسِ أنْ يَقُولُوا مِثْلَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ ﴾ في ﴿ الباطِلُ ﴾ هُنا أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ إبْلِيسُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ الشَّيْطانُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّالِثُ: التَّبْدِيلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: التَّعْذِيبُ، قالَهُ سَعِيدٌ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّ البّاطِلَ التَّناقُضُ والِاخْتِلافُ.

﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن كِتابٍ قَبْلَهُ، ولا يَأْتِيهِ مِن كِتابٍ بَعْدَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن أوَّلِ التَّنْزِيلِ ولا مِن آخِرِهِ.

الثّالِثُ: لا يَأْتِيهِ الباطِلُ في إخْبارِهِ عَمّا تَقَدَّمَ ولا في إخْبارِهِ عَمّا تَأخَّرَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: ما بَيْنَ يَدَيْهِ: لَفْظُهُ وما خَلْفَهُ: تَأْوِيلُهُ، فَلا يَأْتِيهِ الباطِلُ في لَفْظٍ ولا تَأْوِيلٍ: ﴿ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ قالَ قَتادَةُ: حَكِيمٌ في أمْرِهِ حَمِيدٌ إلى خَلْقِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما يَقُولُ المُشْرِكُونَ لَكَ إلّا ما قالَهُ مَن قَبْلَهم لِأنْبِيائِهِمْ إنَّهُ ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: ما تُخْبِرُ إلّا بِما يُخْبِرُ الأنْبِياءُ قَبْلَكَ بِـ ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ ﴾ حَكاهُ ابْنُ عِيسى وقالَهُ الكَلْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما يقال لك ﴾ من التكذيب ﴿ إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ﴾ فكما كذبت فقد كذبوا، وكما صبروا على أذى قومهم لهم فاصبر على أذى قومك إليك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ﴾ قال: من الأذى.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: تعزية.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر ﴾ الذكر هنا القرآن باتفاق، وخبر إن محذوف تقديره؛ ﴿ ضَلُّواْ ﴾ أو هلكوا، وقيل: خبرها: ﴿ أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ ، وذلك بعيد.

﴿ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴾ أي كريم على الله، وقيل منيع من الشيطان ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ الباطل ﴾ أي ليس فيما تقدمه ما يبطله، ولا يأتي ما يبطله والمراد على الجملة أنه لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات ﴿ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ في معناه قولان: أحدهما: ما يقول الله لك من الوحي والشرائع، إلا مثل ما قال للرسل من قبلك، والآخر: ما يقول لك الكفار من التكذيب والأذى إلا مثل ما قالت الأمم المتقدمون لرسلهم، فالمراد على هذا تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بالتأسي، والمراد على القول الأوّل أنه عليه الصلاة والسلام أتى بما جاءت به الرسل فلا تنكر رسالته ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ يحتمل أن يكون مستأنفاً، أو يكون هو المقول في الآية المتقدمة، وذلك على القول الأوّل، وأما القول الثاني فهو مستأنف منطقع مما قبله.

﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ الأعجمي الذي لا يفصح، ولا يبين كلامه سواء كان من العرب أو من العجم، والعجمي الذي ليس من العرب فصيحاً كان أو غير فصيح، ونزلت الآية بسبب طعن قريش في القرآن، فالمعنى أنه كان أعجمياً لطعنوا فيه وقالوا: هلا كان مبيناً فظهر أنهم يطعنون فيه على أي وجه كان ﴿ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ هذا من تمام كلامهم، والهمزة للإنكار، والمعنى: أنه لو كان القرآن أعجمياً لقالوا قرآن أعجمي، ورسول عربي، أو مرسل إليه عربي، وقيل: إنما طعنوا فيه لما فيه من الكلمات العجمية، كسجين وإستبرق، فقالوا أقرآن أعجمي وعربي، أي مختلط من كلام العرب والعجم، وهذا يجري على قراءة أعجمي بفتح العين ﴿ في آذَانِهِمْ وَقْرٌ ﴾ عبارة عن إعراضهم عن القرآن، فكأنهم صم لا يسمعون وكذلك ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ عبارة عن قلة فهمهم له ﴿ أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ فيه قولان: أحدهما عبارة عن قلة فهمهم فشبههم بمن ينادي من مكان بعيد فهو لايسمع الصوت ولا يفقه ما يقال، والثاني: أنه حقيقة في يوم القيامة أي ينادون من مكان بعيد ليسمعوا أهل الموقف توبيخهم، والأوّل أليق بالكنايات التي قبلها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الخامس والعشرون من أجزاء القرآن الكريم القراءات: ﴿ ربنا أرنا ﴾ بسكون الراء: ابن كثير وابن عامر وأبو بكر ورويس أبو عمرو بالاختلاس.

الآخرون: بكسر الراء.

﴿ اللذين ﴾ بتشديد النون: ابن كثير.

﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة.

الباقون: بضم الياء وكسر الحاء ﴿ أعجمي ﴾ بهمزة واحدة: هشام.

وقرأ بتحقيق الهمزتين: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص إلا الخزاز.

الباقون: بالمد ﴿ ثمرات ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص والمفضل.

﴿ شركاي ﴾ مثل ﴿ من وراي ﴾ على وزن ﴿ عصاي ﴾ قد مر في سورة مريم ﴿ إلى ربي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ ونأى بجانب ﴾ وقد مر في السورة ﴿ سبحان الذي أسرى ﴾ .

الوقوف: ﴿ والإنس ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال كونه جواب القسم في حق ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ تغلبون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً أي كائناً لهم فيها ﴿ دار الخلد ﴾ ج ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الأسفلين ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ وفي الآخرة ﴾ ج لانقطاع النظم بتقدير الجار مع اتحاد المقول ﴿ تدعون ﴾ 5 ط لحق المحذوف أي أصبتم أو وجدتم نزلاً ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ السيئة ﴾ ط ﴿ حميم ﴾ ه ﴿ صبروا ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع تكرارها للتوكيد ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ يسأمون ﴾ ه سجدة ﴿ اهتزت وربت ﴾ ط ﴿ الموتى ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ شئتم ﴾ ه لا ليكون ما بعده دالاً على أنه أمر تهديد ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ لما جاءهم ﴾ ج لأن خبر أن محذوف فيتقدر ههنا أو بعد قوله ﴿ من خلفه ﴾ كما يجيء ﴿ عزيز ﴾ ه لا لاتصال الصفة ﴿ من خلفه ﴾ ط ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وآياته ﴾ ط ﴿ وعربي ﴾ ط ﴿ وشفاء ﴾ ط ﴿ عمى ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ فعليها ﴾ ط ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ بعلمه ﴾ ط ج ﴿ شركائي ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ عامل ﴿ يوم ﴾ ﴿ آنذاك ﴾ لا لأنه في معنى القول وقع على الجملة بعده ﴿ من شهيد ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ الخير ﴾ ز لاختلاف الجملتين إلا أن مقصود الكلام يتم بهما ﴿ قنوط ﴾ ه ﴿ هذا لي ﴾ لا تحرز إعمالاً يقوله مسلم قائمة كذلك ﴿ للحسنى ﴾ ه ج لابتداء الأمر بالتوكيد مع فاء التعقيب ﴿ عملوا ﴾ إمهالاً للتذكر في الحالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ غليظ ﴾ ه ﴿ بجانبه ﴾ ج فصلاً بين تناقض الحالين مع اتفاق الجملتين ﴿ عريض ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج ﴿ محيط ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر وعيد الكفار أردفه بذكر السبب الذي لأجله وقعوا في ذلك الكفر.

ومعنى ﴿ قيضنا ﴾ سببنا لهم من حيث لا يحتسبون أو قدرنا أو سلطنا وأصله من القيض وهو البدل، والمقايضة المعاوضة كأن القرينين يصلح كل منهما أن يقوم مقام الآخر.

والقرناء إخوانهم من الشياطين جمع قرين ﴿ فزينوا لهم ما بين أيديهم ﴾ وهو الدنيا وما فيها من الشهوات ﴿ وما خلفهم ﴾ وهو الآخرة بأن لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب وقيل: ما بين أيديهم أعمالهم التي عملوها، وما خلفهم ما عزموا على فعله وزينوا لهم فعل مفسدي زمانهم والذين تقدم عصرهم.

والآية على مذهب الأشاعرة واضحة.

وقالت المعتزلة: معناها أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين.

ومعنى ﴿ في أمم ﴾ كائنين في جملة أمم وقد مر في أوائل الأعراف كانوا يقولون إذا سمعتم القرآن من محمد فارفعوا أصواتكم باللغو وهو الساقط من الكلام فنزلت ﴿ وقال الذين كفروا ﴾ الآية.

يقال: لغى بكسر الغين يلغى بالفتح، ولغا يلغو فلهذا قرىء بالضم أيضاً، والمقصود أنهم علموا أن القرآن كلام كامل لفظاً ومعنى، وكل من سمعه ووقف على معانيه وأنصف حكم بأنه واجب القبول فدبروا هذا التدبير الفاسد وهو قول بعضهم لبعض ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ إذا قرىء وتشاغلوا عن قراءته برفع الصوت بالمكاء والهذيان والرجز ﴿ لعلكم تغلبون ﴾ القارىء على قراءته فلا يحصل غرضه من التفهيم والإرشاد.

وحين حكى حيلتهم ذكر وعيدهم بقوله ﴿ فلنذيقن ﴾ الآية.

والمضاف في قوله ﴿ أسوأ ﴾ محذوف أي جزاء أسوأ الذي ولذلك أشار اليه بقوله ﴿ ذلك جزاء أعداء الله ﴾ وقوله ﴿ النار ﴾ بدل من الجزاء أو خبر مبتدأ مضمر.

و ﴿ دار الخلد ﴾ موضع المقام.

قال الزجاج: هو كما يقول لك في هذه الدار دار السرور وأنت تعني الدار بعينها وقد وضع قوله ﴿ بما كانوا بآياتنا يجحدون ﴾ موضع أن لو قال بما كانوا يلغون إقامة للسبب مقام المسبب ثم حكى عنهم ما سيقولون في النار وهو قولهم ﴿ ربنا أرنا ﴾ أي أبصرنا ﴿ اللذين أضلانا من الجن والإنس ﴾ وذلك أن الشياطين ضربان: جني وإنسي، وقد ورد في القرآن كثيراً، وقيل: هما إبليس الذي سن الكفر، وقابيل الذي سن القتل.

ومن قرأ بسكون الراء فلثقل الكسرة.

وقد يقال: معناه إذ ذاك أعطناه.

وحكوا عن الخليل أنك إذا قلت أرني ثوبك بالكسر فمعناه بصرنيه، وإذا قلت بالسكون فهو بمعنى الإعطاء ونظيره اشتهار الإيتاء في معنى الإعطاء وأصله الإحضار.

﴿ نجعلهما تحت أقدامنا ﴾ أي نطأهما إذلالاً وإهانة ﴿ ليكونا من الأسفلين ﴾ الأذلين وقيل: في الدرك الأسفل.

وتأوله بعض حكماء الإسلام بأنهما الشهوة والغضب المشار إليهما في قوله ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء  ﴾ كأنهم سألوا توفيق أن يجعلوا القرينين تحت قدم النفس الناطقة.

وحين أطنب في الوعيد أردفه بالوعد على العادة المستمرة فقوله ﴿ ربنا الله ﴾ إشارة إلى العلوم النظرية التي هذه المسألة رأسها وأصلها.

وقوله ﴿ ثم استقاموا ﴾ إشارة إلى الحكمة العملية وجملتها الاستقامة على الوسط دون الميل إلى أحد شقي الإفراط والتفريط كما سبق تقرير ذلك في تفسير قوله ﴿ اهدنا الصراط المستقيم  ﴾ ومعنى "ثم" تراخي الاستقامة في الرتبة عن الإقرار، وفيه أن حصول العلوم النظرية بدون القسم العملي كشجرة بلا ثمرة.

وقال أهل العرفان: قالوا ربنا الله يوم الميثاق في عالم الأرواح، ثم استقاموا على ذلك في عالم الأشباح.

وعن أبي بكر الصديق: معناه لم يلتفتوا إلى إله غيره.

﴿ تتنزل عليهم الملائكة ﴾ عند الموت أو عنده وفي القبر وفي القيامة.

و "أن" مفسرة أو مخففة.

ولقد فسرنا الخوف والحزن مراراً والإبشار لازم.

قال الجوهري: يقال بشرته بمولود فأبشر إبشاراً.

وقوله ﴿ ألا تخافوا ولا تحزنوا ﴾ إشارة إلى رفع المضار في المآل وفي الحال.

وقوله ﴿ وأبشروا ﴾ إخبار عن حصول المنافع.

وقوله ﴿ نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا ﴾ يقابل قوله ﴿ وقضينا لهم قرناء ﴾ فللملائكة تأثيرات في الأرواح بالإلهامات الحسنة والخواطر الشريفة كما للشياطين تأثيرات بإلقاء الوساوس والهواجس، وقد تقدم في أول الكتاب في تفسير الاستعاذة.

وإذا كانت هذه الولاية ثابتة في الدنيا بحكم المناسبة النورية كانت بعد الموت أقوى وأظهر لزوال العلائق الجسمانية.

وقيل: في الحياة الدنيا بالاستغفار.

﴿ وفي الآخرة ﴾ بالشفاعة.

وقيل: كنا نحفظكم في الدنيا ولا نفارقكم في الآخرة حتى تدخلوا الجنة ﴿ ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ﴾ يعني الحظوظ الجسمانية ﴿ ولكم فيها ما تدعون ﴾ أي تمنون من المواهب الروحانية، وقد مر في "يس" سائر الوجوه.

والنزل ما يهيأ للضيف وقد مر.

وفي ذكر الغفور الرحيم ههنا مناسبة لا تخفى.

قال أهل النظم إن القوم لما أتوا بأنواع السفاهة والإيذاء كقولهم ﴿ قلوبنا غلف  ﴾ ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ حرض  نبيه  على مواظبة التبليغ والدعوة واحتمال أعباء الرسالة والتزام السيرة الفاضلة إظهار المزية على الجهال وتحصيلاً للغرض بالرفق واللطف ما أمكن فقال ﴿ ومن أحسن قولاً ﴾ ووجه آخر في النظم وهو أنه لما مدح الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا وذكر جزاءهم وهم أهل الكمال، أراد أن يبين حال المشتغلين بتكميل الناقصين.

زعم بعض المفسرين أن المراد بهذا الدعاء الأذان، والعمل الصالح الصلاة بين الأذان والإقامة، ورفعوه إلى عائشة.

والأصح أنه عام لجميع الأئمة والدعاة إلى طاعة الله وتوحيده، ولا ريب أن مصطفاهم ومقتداهم هو رسول الله  وآله وبعده العلماء بالله وهم الحكماء المتألهون، وبعدهم العلماء بصفات الله وهم الأصوليون، ثم العلماء بأحكام الله وهم الفقهاء، ثم الملوك العادلون الذين يدعون إلى الله بالسيف والسبب.

وفي الاستفهام الإنكاري دلالة على أنه لا قول أحسن من الدعاء إلى الله فمن زعم أنه الأذان ذهب إلى أنه واجب وإلا لكان الواجب أحسن منه.

ونوقض بأنا نعلم بالدلائل اليقينية أن الدعوة إلى الدين القويم بالحجة أو السيف أحسن من الأذان فلا يدخل الأذان تحت الآية.

قال جار الله: ليس معنى قوله ﴿ وقال إنني من المسلمين ﴾ أنه تكلم بهذا الكلام، ولكن المراد أنه جعل دين الإسلام مذهبه ومعتقده كما تقول: هذا قول أبي حنيفة.

وقال آخرون: أراد به التلفظ به تفاخراً بالإسلام وتمدحاً.

وزعموا أن فيه إبطال قول من جوز: أنا مسلم إن شاء الله.

فإنه لو كان ذلك معتبراً لورد في الآية كذلك ولا يخفى ضعفه، فإن التجويز غير الإيجاب.

ثم صبر رسوله  على سفاهة الكفار وعلمه الأدب الجميل في باب الدعاء أي الدين بل في مطلق أمور التمدن فقال ﴿ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ﴾ "لا" زائدة لتأكيد نفي الاستواء، والمعنى لا تستوي الحسنة والسيئة قط ومثالهما الإيمان والشرك والحلم والغضب والطاعة والمعصية واللطف والعنف ثم إن سائلاً كأنه سأل: فكيف نصنع؟

فأجيب ﴿ ادفع بالتي هي أحسن ﴾ فإن الحسنة أحسن من السيئة كما يقال: الصيف أحر من الشتاء وذهب صاحب الكشاف إلى أن "لا" غير مزيدة والمعنى أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما فخذ بالحسنة التي هي أحسن إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة.

مثاله: رجل أساء إليك فالحسنة أن تعفو عنه والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إسائته.

قال: ومن جعل "لا" مزيدة فالقياس على تفسيره أن يقال: ادفع بالتي هي حسنة.

ولكنه وضع أحسن موضع الحسنة ليكون أبلغ لأن من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما هو دونها.

قال العارفون: الحسنة التوجه إلى الله بصدق الطلب، والسيئة الالتفات إلى غيره.

﴿ فإذا الذي ﴾ إذا فعلت ذلك انقلب عدوك ولياً مصافياً.

قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان وكان مؤذياً لرسول الله  فصار يتحاب بعد ذلك لما رأى من لطف رسول الله  وعطفه.

ثم مدح هذه السيرة وأهلها بقوله ﴿ وما يلقاها إلا الذين صبروا ﴾ أي لا يعمل بها إلا كل صبار على تجرع المكاره.

﴿ وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ﴾ من قوة جوهر النفس الناطقة بحيث لا يتأثر من الواردات الخارجية، وقد يفسر الحظ العظيم بالثواب الجزيل.

وعن الحسن: ما عظم حفظ دون الجنة.

ثم ذكر طريقاً آخر في دفع الغضب والانتقام قائلاً ﴿ وإما ينزغنك ﴾ وقد مر في آخر الأعراف.

والمعنى إن صرفك الشيطان عما أمرت به فاستعذ بالله من شره وإنما قال ههنا ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ بالفصل وتعريف الخبر ليكون مناسباً لما تقدّمه من قوله ﴿ وما يلقاها ﴾ مؤكداً بالتكرار وبالنفي والإثبات ولم يكن هذا المقتضى في الأعراف فجاء على أصل الاسم معرفة والخبر نكرة.

وحين ذكر أن أحسن الأقوال هو الدعوة إلى الله بين الدلائل على وجوده فقال ﴿ ومن آياته ﴾ الخ.

والضمير في ﴿ خلقهن ﴾ للآيات أو الليل وما عطف عليه.

ولم يغلب المذكر لأن ذلك قياس مع العقلاء.

وفي قوله ﴿ إن كنتم إياه تعبدون ﴾ تزييف لطريقة الصابئين وسائر عبدة الكواكب جهلاً منهم وزعماً أنها الواسطة بين الخلق والإله، فنهوا عن هذا التوسيط لأن ذلك مظنة العبادة المستقلة لرفعة شأنها وارتفاع مكانها، وهذا بخلاف التوجه في الصلاة إلى القبلة فإن الحجر قلما يظن به أنه معبود بالحق والجزم حاصل بأنه لتوحيد متوجهات المصلين عند صلاتهم مع أن للبيت شرفاً ظاهراً في نفسه ﴿ فإن استكبروا ﴾ عن قبول قولك يا محمد في النهي عن السجود للشمس والقمر ﴿ فالذين عند ربك ﴾ عندية بالشرف والرتبة وهم الملائكة المقربون ﴿ يسبحون له بالليل والنهار ﴾ أي على الدوام والاستمرار ﴿ وهم لا يسأمون ﴾ من السآمة والملالة.

والحاصل أنهم إن يمتثلوا ما أمروا به ونهوا عنه وأبوا إلا الواسطة فدعهم وشأنهم فإن ربك لا يعدم عابداً مخلصاً.

ولما فرغ من تقرير الآيات السماوية شرع في الدلائل الأرضية فقال ﴿ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ﴾ وأصل الخشوع التذلل فاستعير للأرض التي لا خضرة بها ولا نفع كما وصفها بالهمود وقد مرّ في سورة الحج، وذلك أنها إذا اهتزت وربت أي انتفخت حين يهم النبت بالخروج منها كانت بمنزلة المختال في زيه وهي قبل ذلك كالفقير الكاسف البال المتلبس بثوب أطمار.

وبعد تقرير الدلائل الباهرة ذكر وعيد الملحدين في آياته المنحرفين عن الجادة والوعيد قوله ﴿ لا يخفون علينا ﴾ وكفى به وعيداً.

ثم أكده بالاستفهام على سبيل التقرير وهو قوله ﴿ أفمن يلقى ﴾ الخ.

وقوله ﴿ يوم القيامة ﴾ ظرف لآمنا أو ليأتي.

ثم هددهم بقوله ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ الخ.

ثم أبدل من قوله ﴿ إن الذين كفروا بالذكر ﴾ أي القرآن لأنهم بكفرهم به طعنوا فيه وحرفوا معانيه، وعلى هذا فالخبر هو ما تقدم من قوله ﴿ لا يخفون ﴾ وإنه كلام مستأنف.

وعلى هذا فاختلفوا في خبر "إن".

فالأكثرون على أنه ﴿ أولئك ينادون ﴾ وما بينهما اعتراض من تتمة الذكر.

وقيل: خبره ما يقال إذ التقدير ما يقولون لك.

وقيل: هو محذوف.

ثم اختلفوا فقال قوم: إن الذين كفروا بالذكر كفروا لما جاءهم.

وقال آخرون: هلكوا أو يجازون بكفرهم ونحو ذلك، وهذا يمكن تقديره بعد قوله ﴿ لما جاءهم ﴾ وبعد قوله ﴿ من خلفه ﴾ وبعد قوله ﴿ حميد ﴾ والعزيز معناه الغالب القاهر بقوة حجته على ما سواه من الكتب، والمراد أنه عديم النظير لأن الأولين والآخرين عجزوا عن معارضته.

ثم أكد هذا الوصف بقوله ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴾ قال جار الله: وهو تمثيل أي لا يتطرق البطلان إليه بجهة من الجهات فلا ينقص منه شيء ولا يزاد عليه شيء.

وقيل: أراد أنه لا تكذبه الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل ولن يجيء بعده ما يخالفه.

وقد يحتج أبو مسلم بالآية على عدم وقوع النسخ في القرآن زعماً منه أن النسخ نوع من البطلان، ولا يخفى ضعفه فإن بيان انتهاء حكم لا يقتضي إبطاله فإنه حق في نفسه ومأمور به في وقته.

﴿ تنزيل ﴾ أي هو منزل ﴿ من ﴾ إله ﴿ حكيم ﴾ في جميع أفعاله ﴿ حميد ﴾ إلى جميع خلقه بسبب كثرة نعمه.

ثم سلى نبيه  بقوله ﴿ ما يقال لك ﴾ وفيه وجهان: أحدهما ما يقول لك كفار قريش إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم من المطاعن فيهم وفي كتبهم.

﴿ إن ربك لذو مغفرة ﴾ للمحقين ﴿ وذو عقاب أليم ﴾ للمبطلين، ففوض الأمر إلى الله واشتغل بما أمرت به من الدعاء إلى دينه.

وثانيهما ما يقول لك الله إلا مثل ما قال لغيرك من الرسل من الصبر على سفاهة الأقوام وإيذائهم.

ويجوز أن يكون المقول هو قوله ﴿ إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب ﴾ فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخشاه أهل عصيانه.

كانوا يقولون: لولا أنزل القرآن بلغة العجم تعنتاً منهم فأجابهم الله بقوله ﴿ ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا ﴾ معترضين منكرين ﴿ لولا فصلت آياته ﴾ أي بينت بلسان نفهمه.

أقرآن أعجمي ورسول عربي أو مرسل إليه عربي؟

وإنما جاز هذا التقدير الثاني مع أن المرسل إليهم كثيرون وهم غير أمة العرب، لأن الغرض بيان تنافر حالتي القرآن، والذين أنزل القرآن إليهم من العجمية والعربية لا بيان أنهم جمع أو واحد كما تقول: وقد رأيت لباساً طويلاً على امرأة قصيرة اللباس طويل واللابس قصير.

ولو قلت: واللابسة قصيرة جئت بما هو أفضل.

ومن قرأ بغير همزة الاستفهام فعلى حذفها أو على الإخبار بأن القران أعجمي والرسول أو المرسل إليه عربي، والغرض أنهم لعنادهم لا ينفكون عن المراء والاعتراض سواء كان القرآن عربياً أو أعجمياً.

وفيه إفحام لهم وجواب عن قولهم ﴿ قلوبنا في أكنة ﴾ فإن القرآن إذا كان بلغتهم وهم فصحاء وبلغاء فكيف لا يفهمونه إلا إذا كان هناك مانع إلهي ولذلك قال ﴿ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ﴾ لداء الجهل ﴿ والذين ﴾ أي وللذين ﴿ لا يؤمنون في آذانهم وقر ﴾ وهذا التقدير عند من يجوز العطف على عاملين، ومن لم يجوز زعم أن الرابط محذوف تقديره: والذين لا يؤمنون هو في آذانهم وقر أو في آذانهم منه.

وقرأ والذين لا يؤمنون به الخ.

والحاصل أنهم لعدم انتفاعهم بالقرآن كأنهم صم عمي.

ثم أكد هذا المعنى بقوله ﴿ أولئك ينادون من مكان بعيد ﴾ فلهذا لا يسمعون النداء أي مثلهم كمثل الشخص الذي ينادي من بعد فلا يسمع، وإن سمع لم يفهم.

ثم شبه حال القرآن بحال الكتب المتقدمة في أنها اختلف فيها كما اختلف فيه إلا أنه خص كتاب موسى بالذكر لكثرة أحكامه وعجيب قصته.

والكلمة السابقة هي العدة بالقيامة وتأخر العذاب والقضاء بين المصدقين والمكذبين إلى وقتئذ.

ثم ذكر أن جزاء كل أحد يختص به سواء كان له أو عليه وأن الله لا يظلم أحداً ثم كان لسائل أن يسأل: متى القيامة التي يتعلق بها الجزاء فقال ﴿ إليه ﴾ لا إلى غيره ﴿ يرد علم الساعة ﴾ أي إذا سأل عنها.

قيل: لا يعلمها إلا هو.

ثم عمم بعد هذا التخصيص وذكر مثالين يعرف منهما أن علم جميع الحوادث المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس إلا له  .

والكم بكسر الكاف وعاء الثمرة.

ثم ذكر من أحوال القيامة طرفاً آخر فقال ﴿ ويوم يناديهم أين شركائي ﴾ وهو نداء تهكم أو توبيخ كما مر مراراً ﴿ قالوا آذناك ﴾ قال ابن عباس: أي أسمعناك من أذن بالكسر أذناً بالفتح إذا استمع.

وقال الكلبي: أعلمناك قال الإمام فخر الدين الرازي: هو بعيد لأن أهل القيامة يعلمون أنه  يعلم الأشياء علماً واجباً، فالإعلام في حقه محال.

قلت: لو أريد أظهرنا معلومك أين الاستبعاد؟

والمعنى ظهر وحصل في الواقع من جهة قولنا ما كان ثابتاً في علمك القديم أنا سنقوله كقوله ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا  ﴾ أي لم يحصل بعد معلومه في الواقع وقد مر.

وقولهم ﴿ آذناك ﴾ ماض في معنى المستقبل على عادة القرآن أو إنشاء للإيذان أو إخبار عما قيل لهم قبل ذلك فإنه يمكن أن يعاد عليهم هذا الاستفهام مرات لمزيد التوبيخ.

ومعنى ﴿ ما منا من شهيد ﴾ ليس منا من يشهد اليوم بأنهم شركاؤك لأنا عرفنا عياناً أنه لا شريك لك.

أو هو كلام الشركاء أحياها الله وأنطقها فتبرأ مما أضيف إليها من الشركة.

ومعنى الضلال على هذا التفسير عدم النفع، ويجوز أن يراد ما منا من أحد يشاهدهم لأنهم غابوا عنا.

ومعنى ﴿ يدعون ﴾ يعبدون.

والظن بمعنى اليقين، والمحيص المهرب.

وحين بين أن الكفار تبرؤا في الآخرة من شركائهم بعد أن كانوا مصرين في الدنيا على عبادتهم، بين أن الكافر تبدله في حالاته كلي أو أكثري.

ففي حالة الإقبال لا يسأم من طلب الجاه والمال، في حالة الإدبار يصير في غاية اليأس والانكسار، وإن عاودته النعمة بعد يأسه فلا بد أن يقول هذا إنما وجدته باستحقاق لي وهذا لا يزول عني ويبقى علي وعلى عقبي وأنكر البعث، وعلى فرض وجوده زعم بل جزم أن له عند الله الحالة الحسنى قائساً أمر الآخرة على أمر الدنيا، ونظير الآية ما سبق في سورة الكهف { ﴿ ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً  ﴾ فلا جرم خيب الله أمله وعكس ما تصوره بقوله ﴿ فلننبئن ﴾ وحين حكى قول الكافر أخبر عن أفعاله بقوله ﴿ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ﴾ أي تعظم وتجبر.

وقد سلف في "سبحان".

واستعير العرض لكثرة الدعاء ودوامه، وقد يستعار الطول لكثرة الدعاء ودوامه أيضاً وإن لم يكن الشيء ذا جزم كما استعير الغلظ لشدة العذاب.

فإن قيل: كيف قال أولاً ﴿ فيؤس قنوط ﴾ ثم قال ﴿ فذو دعاء عريض ﴾ ؟

قلنا: أراد أنه يؤس بالقلب دعاء باللسان، أو قنوط من الصنم دعاء الله، أو الأول في قوم والثاني في آخرين.

ولما ذكر مرات في السورة مبالغة الكفار في العداوة والنفرة من اتباع الرسول والقرآن أرشدهم إلى طريق أحوط مما فيه فقال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.

وتقريره أنكم كما سمعتم القرآن أعرضتم عنه ثم كفرتم به حتى قلتم ﴿ قلوبنا في أكنة  ﴾ ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ ومن المعلوم أن هذا ليس ببديهي فقبل الدليل يحتمل أن يكون صحيحاً وحينئذ يلزم أن يكون بعدم قبوله العقاب الأبدي.

وقوله ﴿ ممن هو في شقاق بعيد ﴾ من وضع الظاهر مقام المضمر وهو منكم بياناً لبعد شوطهم في الشقاق والخلاف قاله في الكشاف.

وأقول: جواب الشرط بالحقيقة محذوف وهو قوله مثلاً فمن أضل منكم.

وإنما قال في الأحقاف ﴿ وكفرتم  ﴾ بالواو لأن معناه في السورة كان عاقبة أمركم بعد الإمهال للنظر الكفر فحسن دخول "ثم" مع أنها تفيد التراخي في الرتبة، وهناك عطف عليه قوله ﴿ وشهد شاهد ﴾ فلم يحسن إلا الواو.

ثم بين أن الإسلام يعلو ولا يعلى وأن الغلبة والنصرة تكون لذويه فقال ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق ﴾ وهي الفتوح الواقعة على أيدي الخلفاء الراشدين والتي ستقع على أيدي أنصار دينه إلى يوم القيامة.

﴿ وفي أنفسهم ﴾ وهي فتح مكة وسائر الفتوح التي وجدت في عصر النبي  ﴿ حتى يتبين لهم أنه ﴾ أي محمداً أو القرآن أو الدين ﴿ الحق ﴾ ووجه التبين أن هذا إخبار عن الغيب فإذا وقع مطابقاً دل على صدق المخبر بل إعجازه.

وواحد الآفاق أفق وهو الناحية من نواحي الأرض والسماء.

وعند المحققين الآيات الآفاقية هي الخارجة عن حقيقة الإنسان وبدنه كالأفلاك والكواكب والظلم والأنوار والعناصر والمواليد سواه.

ولا ريب أن العجائب المودعة في هذه الأشياء مما لا نهاية لها، وإنما يوقف عليها حيناً بعد حين.

وقد أكثر الله  من تقدير تلك الدلائل في القرآن، بعضها في السور المكيات وكثير منها في المدنيات، والآيات النفسية هي التي أودعها في تركيب الإنسان وفي ربط روحه العلوي ببدنه السفلي كقوله ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون  ﴾ وفي قوله ﴿ سنريهم ﴾ دلالة على أن رؤية الأدلة إنما تكون بإراءة الله.

قال جار الله: معنى قوله ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ هو أن هذه الآيات الموعودة تكفيهم دلالة على أن القرآن منزل من عالم الغيب المطلع على كل شيء.

وقال حكماء الإسلام: أراد بقوله ﴿ أو لم يكف ﴾ توبيخ من ليس له رتبة الاستدلال بنفس الوجود على واجب الوجود، فإن هذا هو طريقة الصديقين، وأما غيرهم فإنهم يستدلون بالممكن على الواجب فيفتقرون إلى النظر في الآفاق.

قال أهل المعرفة: النظر في الآفاق لأجل العوام والأنفس للخواص وقوله ﴿ أو لم يكف ﴾ لخواص الخواص.

وقيل: أولم يكف الإنسان من الزاجر والرادع عن المعاصي كون الله شهيداً عليهم.

وقيل: أراد أنه لا يخلف ما وعد لاطلاعه على الأشياء كلها.

ثم ختم السورة بتوبيخ الشاكين في أمر البعث وبالنعي عليهم وأوعدهم بأنه عالم بكل شيء فيجازي كلاً على حسب ما يستحقه والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا ﴾ .

قرأ بعضهم: ﴿ يُلْحِدُونَ ﴾ برفع الياء، وقرأ بعضهم بنصبها: فمن قرأ بالرفع، تأويله: إن الذين يميلون عن قبول آياتنا، قال أبو عوسجة: الإلحاد: الميل، وأخذ اللحد من هذا.

ومن قرأ بالنصب يقول: يعملون في آياتنا، إن الذين يعملون في دفع آياتنا وإبطالها.

﴿ لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ﴾ وعيد منه لهم، يقول: لا يخفون هم وما يفعلون علينا فيجزيهم بذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

يشبه أن يكون هذا صلة لآيتين تقدم ذكرهما: إحداهما: قوله  : ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ...

﴾ الآية هذه في المؤمنين، وقال في الكافرين: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ الآية [فصلت: 27].

والآية الثانية: قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ  ﴾ يقول: أفمن يلقى في النار بأعماله السوء خير أمّن يأتي آمنا عن ذلك بأعماله الحسنة؟!

أي: يعلمون أن من يلقى في الآخرة في النار ليس كالذي يأتي آمنا عن ذلك كله، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: على التخيير؛ لأنه جل وعلا بيَّن السبيلين جميعاً على المبالغة بياناً شافياً واضحاً، وبين عاقبة كل سبيل من سلكه إلى ماذا يفضي، ثم قال: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ ﴾ أي: اسلكوا أي سبيل شئتم، فإن سلكتم طريق كذا فلكم كذا، وإن سلكتم طريق كذا فلكم كذا، والله أعلم.

والثاني: على الوعيد.

وكذا قوله: ﴿ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ على الوعيد.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ .

سمى القرآن ذكرا، وهو يحتمل وجوهاً: أحدهما: سماه ذكر؛ لأن من اتبعه وعمل بما فيه صار مذكوراً شريفاً.

أو سماه ذكرا؛ لما يذكر لهم ما نسوا من أحكام الله.

أو يذكر ما لله عليهم وما لبعض على بعض.

﴿ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴾ أي: عزيز لا يذله جحود الجاحدين ولا تكذيب المكذبين، أو يقول: عزيز عند الله  أكرم به محمداً  وعزيز يعز من اتبعه وعمل به، كما ذكرنا أنه يشرف من اتبعه وعمل بما فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: أي: لا ينزل كتاب من بعده يكذبه أو يبطله، ولا قبله كتاب يكذبه أو يبطله، بل خرج موافقاً لما قبله من الكتب.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ أي: إبليس لا يستطيع أن يبطل منه حقّاً، أو يحق منه باطلا، أو ينقص منه حقّاً، أو يزيد فيه باطلا، بل هو على ما ذكرنا: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  ﴾ .

وقال بعضهم ما ذكرنا: لا تكذبه الكتب التي كان قبله.

وقوله: ﴿ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ .

أي: لا يجيء من بعده كتاب يكذبه، ومعنى هذا: أنهم كانوا يردون ذلك ويدفعونه، وليست لهم حجة من الله في ردهم إياه ولا في دفعه، بل يدفعونه بلا حجة ولا برهان ﴿ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ .

وعن الحسن قال في قوله  : ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ : إن الله -  وتعالى - حفظه من الشيطان فلا يزيد فيه باطلا ولا ينقص منه حقّاً، ثم قرأ: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  ﴾ .

ودل قوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ على أن كل ما أضيف إليه [من] اليدين والخلف لا يُفهم منه بذكر اليدين: الجارحتان، أو بذكر الخلف: بقوله: ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ ؛ فعلى ذلك ما أضيف إلى الله  من اليدين ومن بين يديه، لا يُفهِمُ اليدان حقيقة الجارحتين، والله أعلم.

وقوله: ﴿ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ .

أي: هذا القرآن هو تنزيل من حكيم حميد، الحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في تدبيره أو في حكمه، والحميد: هو الذي لا يلحقه الذم في فعله، والله الموفق.

ثم قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ لم يخرج له جواب في هذا الموضع، ثم قال بعضهم: جوابه ما ذكر في آية أخرى بعد هذا، وهو قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ ، وقال بعضهم: بل جوابه ما ذكر في "حم المؤمن" حيث قال الله -  -: ﴿ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ يعزِّي النبي ويصبِّره ليصبر على ما كانوا يقولون له: إنه كذاب وإنه ساحر، وإنه مجنون، وإنه إنما يعلمه بشر، وإنه مفترٍ، وغير ذلك من أنواع الأذى، كانوا يؤذونه وكان يشتد عليه ذلك ويثقل؛ لأنه كان يدعوهم إلى ما به نجاتهم وهم كانوا يستقبلونه بما ذكر، فقال الله -  - له عند ذلك: ﴿ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ من التكذيب والنسبة إلى السحر والجنون وغير ذلك، يصبِّره على ذلك؛ وهو كقوله  : ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ...

﴾ الآية [الأحقاف: 35].

ويحتمل أنه إنما ذكر ذلك له؛ ليسلَّى به عن بعض ما يلحقه من الضجر والوحشة بالذي قالوا فيه؛ بما علم أنه ليس بأول مكذَّب من الرسل، ولا بأول متأذٍّ في ذات الله  ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: على أن ذلك إن ربك لذو مغفرة لو تابوا، ورجعوا عن ذلك، وذو عقاب أليم لو ثبتوا وداموا على ذلك.

أو يقول - والله أعلم - على الصلة لقوله  : ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ أي: إنه لذو مغفرة يغفر لهم ما كان منهم من التكذيب لك والتكذيب للقرآن لو تابوا ورجعوا وصدقوا، وذو عقاب أليم إن لم يتوبوا وثبتوا على ذلك، والله أعلم.

أو يذكر هذا، أي: ليس إليك مكافأتهم ومجازاتهم بما كان منهم، إنما ذلك إلينا إن شئت غفرت لهم إذا رجعوا عنه، وإن شئت عاقبتهم؛ وهو كقوله  : ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 128].

وقوله: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ .

وقال في آية أخرى: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ  فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ  ﴾ يذكر في هذه الآيات كلها سفه أهل مكة وشدة تعنتهم؛ يقول: لو أنزلنا عليك الكتاب جملة في قرطاس بحيث يرون نزوله من السماء ويعاينونه، قالوا: ما هذا إلا سحر مبين.

ويقول أيضاً - والله أعلم -: ولو نزلنا هذا القرآن على بعض الأعجميين بلسان، فقرأه عليهم - أي على أهل مكة - بلسان العرب بحيث يفهمون - ما كانوا به مؤمنين؛ لأن قراءة الأعجمي إياه بلسان العرب أكبر في الآية وأعظم في الأعجوبة من قراءة العربي بلسان العربية، أي: قراءة كل أحد شيئاً بغير اللسان الذي هو لسانه أكبر في الآية وأعظم في الأعجوبة من القراءة بلسان هو لسانه.

يقول: لو نزلنا على من لسانه لسان العجم والقرآن عربي، فقرأ الأعجمي ذلك على أهل مكة بلسان العرب؛ فهو أكبر أعجوبة وأعظم في الآية - لكانوا لا يؤمنون به.

فعلى ذلك يقول - والله أعلم -: ولو جعلناه قرآناً أعجميّاً وعاينوا نزول ذلك على محمد  وفهمه وأداه وقرأه عليهم بلسان العرب ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ يعنون القرآن ﴿ وَعَرَبِيٌّ ﴾ أي محمد - عليه الصلاة والسلام - يقولون: القرآن أعجمي ومحمد عربي كيف يكون؟!

أي: لا يكون هذا ويكذبونه ولا يؤمنون به؛ وذلك لما ذكرنا: أن أداءه بلسان ليس ذلك لسانه وقراءته بعين ذلك اللسان، أكثر في جعله آية وأعظم في الأعجوبة؛ إذ يمكن الاختلاف من نفسه باللسان الذي هو لسانه، وموهوم ذلك إذا لم يكن ذلك لسانه، يخبر عن سفههم وشدة عنادهم في تكذيبهم محمداً  وما جاء به، والله أعلم.

وقال بعض أهل التأويل: إن النبي  كان أحيانا يدخل على رجل أعجمي يقال له أبو فكيهة، فقالوا: إنما يعلمه بشر فأنزل الله  : ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً ﴾ بلسان أعجمي، لقال كفار مكة: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ بالعربية، أي: بينت حتى نفقهها ونعلمها ما يقول محمد  ولقالوا: أعجمي أنزل عليه القرآن ومحمد عربي؛ فأنزله عربيّاً ليفقهوه؛ فلا يكون لهم الاعتلال والاحتجاج.

وقال بعضهم: لولا فصلت آياته حتى يفقهها، أعجميٌّ القرآن وعربيٌّ الرجل؟!

وقال أبو معاذ: يكون معنى هذا: أن الله  يستفهم قرآنا أعجميّاً على رجل عربي فلا يفهمون؛ فيكون الحجة لهم بذلك، وهو مثل الأول.

وقال بعضهم: ﴿ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ استفهام من قريش، يكون معناه: لو أنزلناه قرآنا أعجميّاً على رجل عربي لقالوا: أعجمي وعربي كيف يفهم هذا وكيف يعقله؟!

لَكنَّا قد ذكرنا أن هذا في الدلالة أكثر وفي الأعجوبة أعظم، والوجه فيه ما ذكرنا بدءاً.

وقال القتبي: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ أنزلت عربية مفصلة بالآي كان التفصيل للسان العرب، لكن لسنا ندري ما يريد بهذا الكلام أن التفصيل للسان العرب.

وقال بعضهم: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ أي: هلا فرقت آياته حتى جعل من كل لسان من لسان العجم ولسان العرب؛ حتى يفهمها أهل كل لسان، والله أعلم.

وفي هذه الآية دلالة على أنه لو أنزله بلسان العجم لكان قرآنا، وأن اختلاف اللسان لا يغيره ولا يحوله عن أن يكون قرآنا - والله أعلم - فيكون دليلا لقول أبي حنيفة - رحمه الله -: إنه إذا قرأ بالفارسية في صلاته يجوز، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ .

وصف الله  هذا القرآن بالشفاء وللرحمة والهدى، وسماه مرة عزيزاً كريماً مجيداً حكيماً، ونحوه، فهو هدى من الضلالة والحيرة والشك وكل شبهة، وشفاء لكل داء وسقم يكون في الدين والأنفس جميعاً، هو شفاء لذلك كله وهو هدى.

ثم يحتمل الهدى وجهين في هذا الموضع: أحدهما: هو هدى لكل ضلالة، أي: دعاء إلى الذي يضاد الضلال.

والثاني: هدى، أي: جعل بياناً لكل حيرة وشك وشبهة، من اتبعه وقبله ونظر إليه بعين التعظيم والتبجيل دعاه إلى سبيله ودينه ويخرجه من الضلال، ويكون بياناً لكل من فيه الحيرة والشك والشبهة، ويخلى له الطريق ويوضح له السبيل ويخرجه من الشبهات، فهو للمؤمنين من الهدى والشفاء؛ لأنهم قبلوه واتبعوه وتكلفوا العمل بما فيه، وأما الكفرة فهو عليهم عمى وحيرة وشك، لأنهم لم يقبلوه ولم يتبعوه ونظروا إليه بالاستخفاف والهوان؛ ونبذوه وراء ظهورهم فلم يبصروا ما فيه؛ فهو صار لهم عمى وما ذكر، والله أعلم.

وكذلك قال  : ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ سماهم غيبة وإن كانوا بأنفسهم حضوراً شهوداً، وسماهم موتى، وإن كانوا في الحقيقة أحياء، وسماهم صمّاً وبكماً وعمياً وإن كانت لهم هذه الجوارح في الحقيقة؛ لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح بالذي جعلت هذه الجوارح له وأنسيت فنفاها عنهم؛ ليعلم أن المقصود ما يشاهده الجوارح والأنفس، لا نفس هذه الحوارح والأنفس ولكن طلب ما غاب عنها وخفي؛ إذ أنفسهم في الحقيقة كانت شهودا وحضورا؛ سماهم: ميتة وأحياء وبصراء، وسماهم موتى وعميا وما ذكر؛ ليعلم أنها إنما جعلت؛ ليكتسبوا بها الحياة الدائمة، والبصر الدائم، وما ذكر من كل شيء من السمع وغيره، وكذلك هذه النعم التي جعلت؛ في الدنيا جعلت ليكتسبوا بها النعم الدائمة، فإذا لم يستعملوها فيما جعلت صاروا كما ذكر، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ ، أي: عموا عه.

وقال بعضهم: ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ ، أي: في الآخرة، جزاء بما نسوه في الدنيا؛ كقوله  : ﴿ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً  قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ  ﴾ .

وقيل: قوله: ﴿ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ عبارة عن قلة أفهامهم؛ يقال للرجل الذي لا يفهم: أنت تنادى من مكان بعيد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ما يقال لك -أيها الرسول- من التكذيب إلا ما قد قيل للرسل من قبلك فاصبر، فإن ربك لذو مغفرة لمن تاب إليه من عباده، وذو عقاب موجع لمن أصرَّ على ذنوبه ولم يتب.

<div class="verse-tafsir" id="91.RRj3d"

مزيد من التفاسير لسورة فصلت

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.1 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر