الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ٤٤ من سورة فصلت
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 96 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٤٤ من سورة فصلت من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
لما ذكر تعالى القرآن وفصاحته وبلاغته ، وإحكامه في لفظه ومعناه ، ومع هذا لم يؤمن به المشركون ، نبه على أن كفرهم به كفر عناد وتعنت ، كما قال : ( ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين ) [ الشعراء : 198 ، 199 ] .
وكذلك لو أنزل القرآن كله بلغة العجم ، لقالوا على وجه التعنت والعناد : ( لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي ) أي : لقالوا : هلا أنزل مفصلا بلغة العرب ، ولأنكروا ذلك وقالوا : أعجمي وعربي ؟
أي : كيف ينزل كلام أعجمي على مخاطب عربي لا يفهمه .
هكذا روي هذا المعنى عن ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والسدي ، وغيرهم .
وقيل : المراد بقولهم : ( لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي ) أي : هلا أنزل بعضها بالأعجمي ، وبعضها بالعربي .
هذا قول الحسن البصري ، وكان يقرؤها كذلك بلا استفهام في قوله ( أعجمي ) وهو رواية عن سعيد بن جبير وهو في [ التعنت و ] العناد أبلغ .
ثم قال تعالى : ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ) أي : قل يا محمد : هذا القرآن لمن آمن به هدى لقلبه وشفاء لما في الصدور من الشكوك والريب ، ( والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر ) أي : لا يفهمون ما فيه ، ( وهو عليهم عمى ) أي : لا يهتدون إلى ما فيه من البيان كما قال تعالى : ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) [ الإسراء : 82 ] .
( أولئك ينادون من مكان بعيد ) قال مجاهد : يعني بعيدا من قلوبهم .
قال ابن جرير : معناه : كأن من يخاطبهم يناديهم من مكان بعيد ، لا يفهمون ما يقول .
قلت : وهذا كقوله تعالى : ( ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون ) [ البقرة : 171 ] .
وقال الضحاك : ينادون يوم القيامة بأشنع أسمائهم .
وقال السدي : كان عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ] جالسا عند رجل من المسلمين يقضي ، إذ قال : يا لبيكاه .
فقال عمر : لم تلبي ؟
هل رأيت أحدا ، أو دعاك أحد ؟
قال : دعاني داع من وراء البحر .
فقال عمر : أولئك ينادون من مكان بعيد .
رواه ابن أبي حاتم .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ( 44 ) يقول تعالى ذكره: ولو جعلنا هذا القرآن الذي أنـزلناه يا محمد أعجميا لقال قومك من قريش: ( لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ) يعني: هلا بينت أدلته وما فيه من آية, فنفقهه ونعلم ما هو وما فيه, أأعجميّ, يعني أنهم كانوا يقولون إنكارا له: أأعجميّ هذا القرآن ولسان الذي أنـزل عليه عربي؟.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير أنه قال في هذه الآية ( لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ) قال: لو كان هذا القران أعجميا لقالوا: القرآن أعجميّ, ومحمد عربيّ.
حدثنا محمد بن المثنى, قال: ثني محمد بن أبي عديّ, عن داود بن أبي هند, عن جعفر بن أبي وحشية عن سعيد بن جبير في هذه الآية: ( لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ) قال: الرسول عربيّ, واللسان أعجميّ.
حدثنا ابن المثنى, قال: ثني عبد الأعلى, قال: ثنا أبو داود عن سعيد بن جبير في قوله: ( وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ) قرآن أعجميّ ولسان عربيّ.
حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا عبد الأعلى, قال: ثنا داود, عن محمد بن أبي موسى, عن عبد الله بن مطيع بنحوه.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ) فجعل عربيا, أعجميّ الكلام وعربيّ الرجل.
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ) يقول: بُينت آياته, أأعجميّ وعربيّ, نحن قوم عرب ما لنا وللعجمة.
وقد خالف هذا القول الذي ذكرناه عن هؤلاء آخرون, فقالوا: معنى ذلك ( لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ) بعضها عربيّ, وبعضها عجميّ.
وهذا التأويل على تأويل من قرأ ( أَعْجَمِيّ ) بترك الاستفهام فيه, وحمله خبرا من الله تعالى عن قيل المشركين ذلك, يعني: هلا فصلت آياته, منها عجميّ تعرفه العجم, ومنها عربيّ تفقهه العرب.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا يعقوب, عن جعفر, عن سعيد, قال: قالت قريش: لولا أنـزل هذا القرآن أعجميا وعربيا, فأنـزل الله ( لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ) فأنـزل الله بعد هذه الآية كل لسان, فيه حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ قال: فارسية أعربت سنك وكل.
وقرأت قراء الأمصار: ( أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ؟
) على وجه الاستفهام, وذكر عن الحسن البصري أنه قرأ ذلك: أعجميّ بهمزة واحدة على غير مذهب الاستفهام, على المعنى الذي ذكرناه عن جعفر بن أبي المغيرة, عن سعيد بن جبير.
والصواب من القراءة في ذلك عندنا القراءة التي عليها قراء الأمصار لإجماع الحجة عليها على مذهب الاستفهام.
وقوله: ( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ) يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهم: هو, ويعني بقوله ( هُوَ ) القرآن ( لِلَّذِينَ آمَنُوا ) بالله ورسوله, وصدقوا بما جاءهم به من عند ربهم ( هُدًى ) يعني بيان للحق ( وَشِفَاءٌ ) يعني أنه شفاء من الجهل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال.
ثنا سعيد, عن قتادة ( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ) قال: جمله الله نورا وبركة وشفاء للمؤمنين.
حدثنا محمد, قال.
ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ) قال: القرآن.
وقوله: ( وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ) يقول تعالى ذكره: والذين لا يؤمنون بالله ورسوله, وما جاءهم به من عند الله في آذانهم ثقل عن استماع هذا القرآن, وصمم لا يستمعونه ولكنهم يعرضون عنه, ( وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ) يقول: وهذا القرآن على قلوب هؤلاء المكذّبين به عمى عنه, فلا يبصرون حججه عليهم, وما فيه من مواعظه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ) عموا وصموا عن القرآن, فلا ينتفعون به, ولا يرغبون فيه.
حدثنا محمد, قال.
ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ ) قال: صمم ( وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ) قال: عميت قلوبهم عنه.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ) قال: العمى: الكفر.
وقرأت قرّاء الأمصار: ( وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ) بفتح الميم.
وذُكر عن ابن عباس أنه قرأ: " وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمٍ" بكسر الميم على وجه النعت للقرآن.
والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار.
وقوله: ( أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ) اختلف أهل التأويل في معناه, فقال بعضهم: معنى ذلك: تشبيه من الله جلّ ثناؤه, لعمى قلوبهم عن فهم ما أنـزل في القرآن من حججه ومواعظه ببعيد, فهم كما مع صوت من بعيد نودي, فلم يفهم ما نودي, كقول العرب للرجل القليل الفهم: إنك لتنادى من بعيد, وكقولهم للفهم: إنك لتأخذ الأمور من قريب.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن ابن جريج, عن بعض أصحابه, عن مجاهد ( أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ) قال: بعيد من قلوبهم.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو أحمد, قال: ثنا سفيان, عن ابن جريج عن مجاهد, بنحوه.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ) قال: ضيعوا أن يقبلوا الأمر من قريب, يتوبون ويؤمنون, فيقبل منهم, فأبوا.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنهم ينادون يوم القيامة من مكان بعيد منهم بأشنع أسمائهم.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو أحمد, قال: ثنا سفيان, عن أجلح, عن الضحاك بن مزاحم ( أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ) قال: ينادَى الرجل بأشنع اسمه.
واختلف أهل العربية في موضع تمام قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ فقال بعضهم: تمامه: ( أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ) وجعل قائلو هذا القول خبر إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ - ( أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ) ; وقال بعض نحويي البصرة: يجوز ذلك ويجوز أن بكون على الأخبار التي في القرآن يستغنى بها, كما استغنت أشياء عن الخبر إذا طال الكلام, وعرف المعنى, نحو قوله: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ .
وما أشبه ذلك.
قال: وحدثني شيخ من أهل العلم, قال: سمعت عيسى بن عمر يسأل عمرو بن عبيد إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ أين خبره؟
فقال عمرو: معناه في التفسير: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم كفروا به وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ فقال عيسى: أجدت يا أبا عثمان.
وكان بعض نحويي الكوفة يقول: إن شئت جعلت جواب إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ ( أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ) وإن شئت كان جوابه في قوله: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ , فيكون جوابه معلوما, فترك فيكون أعرب الوجهين وأشبهه بما جاء في القرآن.
وقال آخرون: بل ذلك مما انصرف عن الخبر عما ابتدئ به إلى الخبر عن الذي بعده من الذكر; فعلى هذا القول ترك الخبر عن الذين كفروا بالذكر, وجعل الخبر عن الذكر فتمامه على هذا القول; وإنه لكتاب عزيز; فكان معنى الكلام عند قائل هذا القول: إن الذكر الذي كفر به هؤلاء المشركون لما جاءهم, وإنه لكتاب عزيز, وشبهه بقوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ .
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: هو مما ترك خبره اكتفاء بمعرفة السامعين بمعناه لما تطاول الكلام.
قوله تعالى : ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي .فيه ثلاث مسائل : الأولى : قوله تعالى : ولو جعلناه قرآنا أعجميا أي بلغة غير العرب لقالوا لولا فصلت آياته أي بينت بلغتنا فإننا عرب لا نفهم الأعجمية .
فبين أنه أنزله بلسانهم ليتقرر به معنى الإعجاز ، إذ هم أعلم الناس بأنواع الكلام نظما ونثرا .
وإذا عجزوا عن معارضته كان من أدل الدليل على أنه من عند الله ، ولو كان بلسان العجم لقالوا لا علم لنا بهذا اللسان .الثانية : وإذا ثبت هذا ففيه دليل على أن القرآن عربي ، وأنه نزل بلغة العرب ، وأنه ليس أعجميا ، وأنه إذا نقل عنها إلى غيرها لم يكن قرآنا .الثالثة : أأعجمي وعربي وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي " ااعجمي وعربي " بهمزتين مخففتين ، والعجمي الذي ليس من العرب كان فصيحا أو غير فصيح ، والأعجمي الذي لا يفصح كان من العرب أو من العجم ، فالأعجم ضد الفصيح ، وهو الذي لا يبين كلامه .
ويقال للحيوان غير الناطق أعجم ، ومنه ( صلاة النهار عجماء ) أي : لا يجهر فيها بالقراءة .
فكانت النسبة إلى الأعجم آكد ، لأن الرجل العجمي الذي ليس من العرب قد يكون فصيحا بالعربية ، والعربي قد يكون غير فصيح ، فالنسبة إلى الأعجمي آكد في البيان .
والمعنى أقرآن أعجمي ، ونبي عربي ؟
وهو استفهام إنكار .
وقرأ الحسن وأبو العالية ونصر بن عاصم والمغيرة وهشام عن ابن عامر " أعجمي " بهمزة واحدة على الخبر .
والمعنى : لولا فصلت آياته فكان منها عربي يفهمه العرب ، وأعجمي يفهمه العجم .
وروى سعيد بن جبير قال : قالت قريش : لولا أنزل القرآن أعجميا وعربيا فيكون بعض آياته عجميا وبعض آياته عربيا .
فنزلت الآية .
وأنزل في القرآن من كل لغة ، فمنه السجيل وهي فارسية وأصلها سنك كيل ، أي : طين وحجر ، ومنه الفردوس رومية ، وكذلك القسطاس .
وقرأ أهل الحجاز وأبو عمرو وابن ذكوان وحفص على الاستفهام ، إلا أنهم لينوا الهمزة على أصولهم .
والقراءة الصحيحة قراءة الاستفهام .
والله أعلم .قوله تعالى : قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء أعلم الله أن القرآن هدى وشفاء لكل من آمن به من الشك والريب والأوجاع .
والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر أي صمم عن [ ص: 330 ] سماع القرآن .
ولهذا تواصوا باللغو فيه .
ونظير هذه الآية : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا وقد مضى مستوفى .
وقراءة العامة عمى على المصدر .
وقرأ ابن عباس وعبد الله بن الزبير وعمرو بن العاص ومعاوية وسليمان بن قتة " وهو عليهم عم " بكسر الميم أي : لا يتبين لهم .
واختار أبو عبيد القراءة الأولى ، لإجماع الناس فيها ، ولقوله أولا : هدى وشفاء ، ولو كان هاد وشاف لكان الكسر في عمى أجود ، ليكون نعتا مثلهما ، تقديره : والذين لا يؤمنون في ترك قبوله بمنزلة من في آذانهم وقر وهو يعني القرآن عليهم ذو عمى ، لأنهم لا يفقهون ، فحذف المضاف .
وقيل : المعنى : والوقر عليهم عمى .أولئك ينادون من مكان بعيد يقال ذلك لمن لا يفهم من التمثيل .
وحكى أهل اللغة أنه يقال للذي يفهم : أنت تسمع من قريب .
ويقال للذي لا يفهم : أنت تنادى من بعيد .
أي : كأنه ينادى من موضع بعيد منه فهو لا يسمع النداء ولا يفهمه .
وقال الضحاك : ينادون يوم القيامة بأقبح أسمائهم من مكان بعيد فيكون ذلك أشد لتوبيخهم وفضيحتهم .
وقيل : أي : من لم يتدبر القرآن صار كالأعمى الأصم ، فهو ينادى من مكان بعيد فينقطع صوت المنادي عنه وهو لم يسمع .
وقال علي - رضي الله عنه - ومجاهد : أي : بعيد من قلوبهم .
وفي التفسير : كأنما ينادون من السماء فلا يسمعون .
وحكى معناه النقاش .
يخبر تعالى عن فضله وكرمه، حيث أنزل كتابا عربيًا، على الرسول العربي، بلسان قومه، ليبين لهم، وهذا مما يوجب لهم زيادة الاغتناء به، والتلقي له والتسليم، وأنه لو جعله قرآنا أعجميًا، بلغة غير العرب، لاعترض، المكذبون وقالوا: { لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ } أي: هلا بينت آياته، ووضحت وفسرت.
{ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ } أي: كيف يكون محمد عربيًا، والكتاب أعجمي؟
هذا لا يكون فنفى الله تعالى كل أمر، يكون فيه شبهة لأهل الباطل، عن كتابه، ووصفه بكل وصف، يوجب لهم الانقياد، ولكن المؤمنون الموفقون، انتفعوا به، وارتفعوا، وغيرهم بالعكس من أحوالهم.ولهذا قال: { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ } أي: يهديهم لطريق الرشد والصراط المستقيم، ويعلمهم من العلوم النافعة، ما به تحصل الهداية التامة وشفاء لهم من الأسقام البدنية، والأسقام القلبية، لأنه يزجر عن مساوئ الأخلاق وأقبح الأعمال، ويحث على التوبة النصوح، التي تغسل الذنوب وتشفي القلب.{ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ } بالقرآن { فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ } أي: صمم عن استماعه وإعراض، { وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } أي: لا يبصرون به رشدًا، ولا يهتدون به، ولا يزيدهم إلا ضلالاً فإنهم إذا ردوا الحق، ازدادوا عمى إلى عماهم، وغيًّا إلى غيَّهم.{ أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } أي: ينادون إلى الإيمان، ويدعون إليه، فلا يستجيبون، بمنزلة الذي ينادي، وهو في مكان بعيد، لا يسمع داعيًا ولا يجيب مناديًا.
والمقصود: أن الذين لا يؤمنون بالقرآن، لا ينتفعون بهداه، ولا يبصرون بنوره، ولا يستفيدون منه خيرًا، لأنهم سدوا على أنفسهم أبواب الهدى، بإعراضهم وكفرهم.
( ولو جعلناه ) أي : جعلنا هذا الكتاب الذي تقرؤه على الناس ، ( قرآنا أعجميا ) بغير لغة العرب ، ( لقالوا لولا فصلت آياته ) هلا بينت آياته بالعربية حتى نفهمها .
( أأعجمي وعربي ) يعني : أكتاب أعجمي ورسول عربي ؟
وهذا استفهام على وجه الإنكار .
أي : أنهم كانوا يقولون : المنزل عليه عربي والمنزل أعجمي .
قال مقاتل : وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدخل على يسار غلام عامر بن الحضرمي ، وكان يهوديا أعجميا يكنى أبا فكيهة ، فقال المشركون : إنما يعلمه يسار فضربه سيده ، وقال : إنك تعلم محمدا ، فقال يسار : هو يعلمني ، فأنزل الله تعالى هذه الآية : ( قل ) يا محمد ، ( هو ) يعني : القرآن ، ( للذين آمنوا هدى وشفاء ) هدى من الضلالة وشفاء لما في القلوب ، وقيل : شفاء من الأوجاع .
( والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ) قال قتادة : عموا عن القرآن وصموا عنه فلا ينتفعون به .
( أولئك ينادون من مكان بعيد ) أي : أنهم لا يسمعون ولا يفهمون كما أن من دعي من مكان بعيد لم يسمع ولم يفهم ، وهذا مثل لقلة انتفاعهم بما يوعظون به كأنهم ينادون من حيث لا يسمعون .
«ولو جعلناه» أي الذكر «قراناً أعجميا لقالوا لولا» هلا «فصلت» بينت «آياته» حتى نفهمها «أ» قرآن «اعجمي و» نبي «عربي» استفهام إنكار منهم بتحقيق الهمزة الثانية وقلبها ألفا بإشباع، ودونه «قل هو للذين آمنوا هدى» من الضلالة «وشفاء» من الجهل «والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر» ثقل فلا يسمعونه «وهو عليهم عمى» فلا يفهمونه «أولئك ينادون من مكان بعيد» أي هم كالمنادى من مكان بعيد لا يسمع ولا يفهم ما ينادى به.
ولو جعلنا هذا القرآن الذي أنزلناه عليك -أيها الرسول- أعجميًا، لقال المشركون: هلا بُيِّنتْ آياته، فنفقهه ونعلمه، أأعجمي هذا القرآن، ولسان الذي أنزل عليه عربي؟
هذا لا يكون.
قل لهم -أيها الرسول-: هذا القرآن للذين آمنوا بالله ورسوله هدى من الضلالة، وشفاء لما في الصدور من الشكوك والأمراض، والذين لا يؤمنون بالقرآن في آذانهم صمم من سماعه وتدبره، وهو على قلوبهم عَمًى، فلا يهتدون به، أولئك المشركون كمن يُنادى، وهو في مكان بعيد لا يسمع داعيًا، ولا يجيب مناديًا.
ثم رد - سبحانه - على بعض الشبهات التى أثاروها حول القرآن الكريم ردا يخرس ألسنتهم فقال : ( وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ .
.
.
) .والأعجمى : يطلق على الكلام الذى لا يفهمه العربى ، كما يطلق على من لا يحسن النطق بالعربية .
وقوله : ( ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ) خبر لمبتدأ محذوف .أى : ولو أنزلنا هذا القرآن بلغة العجم كما قالوا : هلا أنزل هذا القرآن بلغة العجم .لو فعلنا ذلك - كما أرادوا - لقالوا مرة أخرى على سبيل التعجب : فلا فصلت ووضحت آيات هذا الكتاب بلغة نفهمها؟
ثم لأضافوا إلى التعجب والإِنكار ، تعجبا آخر فقالوا : أقرآن أعجمى ورسول عربى؟ومقصدهم من هذه الشبهة الداحضة ، إنما هو إنكار الإِيمان به سواء أنزل بلغة العرب أم بلغة العجم .فهم عند نزوله عربيا قالوا من بين ما قالوا : لا تسمعوا لهذا القرآن والغو فيه ، ولو نزل بلسان أعجمى ، لاعترضوا وقالوا : هلا نزل بلسان عربى نفهمه .ولو جعلنا بعضه أعجميا وبعضه عربيا لقالوا : أقرآن أعجمى ورسول عربى .وهكذا المعاندون الجاحدون لا يقصدون من وراء جدالهم إلا التعنت والسفاهة .ثم أمر الله - تعالى - رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بالرد الذى يكبتهم فقال : ( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ .
.
.
)أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين : هذا القرآن هو للذين آمنوا إيمانا حقا هداية إلى الصراط المستقيم ، وشفاء لما فى الصدور من أسقام .كما قال - سبحانه - فى آية أخرى : ( وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ .
.
.
) ثم بين - سبحانه - موقف للكافرين من هذا الكتاب فقال : ( والذين لاَ يُؤْمِنُونَ ) أى : بهذا الكتاب ، وبمن نزل عليه الكتاب .( في آذَانِهِمْ وَقْرٌ ) أى : فى آذانهم صمم عن سماع ما ينفعهم .( وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ) أى : وهذا القرآن عميت قلوبهم عن تدبره وعن الاهتداء به .وقوله - تعالى - ( أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ) ذم شنيع لهم على إعراضهم عن هذا القرآن الذى ما أنزله الله - تعالى - إلا لإِخراجهم من الظلمات إلى النور .أى : أولئك الكافرون الذين لا ينتفعون بالقرآن مثلهم فى صممم وانطماس بصائرهم ، كمثل من يناديه مناد من مكان بعيد ، فهو لا يسمع منه شيئا ، ولا يعقل عنه شيئا ، لوجود السمافة الشاسعة بين المنادى ، وبين من وقع عليه النداء .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ) يقال ذلك لمن لا يفهم من التمثيل .وحكى أهل اللغة أنه يقال للذى يفهم : أنت تسمع من قريب ، ويقال للذى لا يفهم : أنت تنادى من بعيد أى : كأنه ينادى من موضع بعيد منه ، فهو لا يسمع النداء ولا يفهمه .وقال الضحاك : ( يُنَادَوْنَ ) يوم القيامة بأقبح أسمائهم ( مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ) فيكون ذلك لتوبيخهم وفضيحتهم .ومن يتدبر هذه الآية الكريمة يرى مصداقها فى كل زمان ومكان ، فهناك من ينتفع بهذا القرآن قراءة وسماعا وتطبيقا .
.
وهناك من يستمعون إلى هذا القرآن ، فلا يزيدهم إلا صمما ، ورجسا إلى رجسهم وعمى على عماهم .
اعلم أنه تعالى لما بيّن أن الدعوة إلى دين الله تعالى أعظم المناصب وأشرف المراتب، ثم بيّن أن الدعوة إلى دين الله تعالى، إنما تحصل بذكر دلائل التوحيد والعدل وصحة البعث والقيامة، عاد إلى تهديد من ينازع في تلك الآيات، ويحاول إلقاء الشبهات فيها، فقال: ﴿ إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ فِي ءاياتنا ﴾ يقال ألحد الحافر ولحد إذا مال عن الاستقامة فحفر في شق، فالملحد هو المنحرف، ثم بحكم العرف اختص بالمنحرف عن الحق إلى الباطل، وقوله: ﴿ لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ﴾ تهديد كما إذا قال الملك المهيب: إن الذين ينازعونني في ملكي أعرفهم، فإنه يكون ذلك تهديداً، ثم قال: ﴿ أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمناً يوم القيامة ﴾ وهذا استفهام بمعنى التقرير، والغرض التنبيه على أن الذين يلحدون في آياتنا يلقون في النار، والذين يؤمنون بآياتنا يأتون آمنين يوم القيامة.
ثم قال: ﴿ اعملوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ وهذا أيضاً تهديد ثالث، ونظيره ما يقوله الملك المهيب عند الغضب الشديد إذا أخذ يعاتب بعض عبيده ثم يقول لهم اعملوا ما شئتم فإه هذا مما يدل على الوعيد الشديد.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر لَمَّا جَاءهُمْ ﴾ وهذا أيضاً تهديد، وفي جوابه وجهان: أحدهما: أنه محذوف كسائر الأجوبة المحذوفة في القرآن على تقدير: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم يجازون بكفرهم أو ما أشبه والثاني: أن جوابه قوله: ﴿ أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ والأول أصوب، ولما بالغ في تهديد الذين يلحدون في آيات القرآن أتبعه ببيان تعظيم القرآن، فقال: ﴿ وَإِنَّهُ لكتاب عَزِيزٌ ﴾ والعزيز له معنيان أحدهما: الغالب القاهر والثاني: الذي لا يوجد نظيره، أما كون القرآن عزيزاً بمعنى كونه غالباً، فالأمر كذلك لأنه بقورة حجته غلب على كل ما سواه، وأما كونه عزيزاً بمعنى عديم النظير، فالأمر كذلك لأن الأولين والآخرين عجزوا عن معارضته، ثم قال: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ وفيه وجوه: الأول: لا تكذبه الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل والزبور، ولا يجيء كتاب من بعده يكذبه الثاني: ما حكم القرآن بكونه حقاً لا يصير باطلاً، وما حكم بكونه باطلاً لا يصير حقاً الثالث: معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه فيأتيه الباطل من بين يديه، أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه.
والدليل عليه قوله: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لحافظون ﴾ فعل هذا الباطل هو الزيادة والنقصان الرابع: يحتمل أن يكون المراد أنه لا يوجد في المستقبل كتاب يمكن جعله معارضاً وله ولم يوجد فيما تقدم كتاب يصلح جعله معارضاً له الخامس: قال صاحب الكشاف هذا تمثيل، والمقصود أن الباطل لا يتطرق إليه، ولا يجد إليه سبيلاً من جهة من الجهات حتى يتصل إليه.
واعلم أن لأبي مسلم الأصفهاني أن يحتج بهذه الآية على أنه لم يوجد النسخ فيه لأن النسخ إبطال فلو دخل النسخ فيه لكان قد أتاه الباطل من خلفه وإنه على خلاف هذه الآية.
ثم قال تعالى: ﴿ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ أي حكيم في جميع أحواله وأفعاله، حميد إلى جميع خلقه بسبب كثرة نعمه، ولهذا السبب جعل ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ فاتحة كلامه، وأخبر أن خاتمة كلام أهل الجنة، وهو قوله: ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
كانوا لتعنتهم يقولون: هلا نزل القرآن بلغة العجم، فقيل: لو كان كما يقترحون لم يتركوا الاعتراض والتعنت وقالوا: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ ءاياته ﴾ أي بينت ولخصت بلسان نفقهه ﴿ ءَاعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ﴾ الهمزة همزة الإنكار، يعني: لأنكروا وقالوا: أقرآن أعجمي ورسول عربي، أو مرسل إليه عربي، وقرئ ﴿ أعجمي ﴾ والأعجمي: الذي لا يفصح ولا يفهم كلامه من أي جنس كان، والعجمي: منسوب إلى أمّة العجم.
وفي قراءة الحسن (أعجمي) بغير همزة الاستفهام على الإخبار بأن القرآن أعجمي، والمرسل أو المرسل إليه عربي.
والمعنى: أنّ آيات الله على أي طريقة جاءتهم وجدوا فيها متعنتاً؛ لأنّ القوم غير طالبين للحق وإنما يتبعون أهواءهم.
ويجوز في قراءة الحسن: هلا فصلت آياته تفصيلاً، فجعل بعضها بياناً للعجم، وبعضها بياناً للعرب.
فإن قلت: كيف يصح أن يراد بالعربي المرسل إليهم وهم أمّة العرب؟
قلت: هو على ما يجب أن يقع في إنكار المنكر لو رأى كتاباً أعجمياً كتب إلى قوم من العرب يقول: كتاب أعجمي ومكتوب إليه عربي، وذلك لأن مبنى الإنكار على تنافر حالتي الكتاب والمكتوب إليه، لا على أن المكتوب إليه واحد أو جماعة، فوجب أن يجرّد لما سيق إليه من الغرض، ولا يوصل به ما يخل غرضاً آخر.
ألا تراك تقول- وقد رأيت لباساً طويلاً على امرأة قصيرة:- اللباس طويل واللابس قصير.
ولو قلت: واللابسة قصيرة، جئت بما هو لكنة وفضول قول، لأنّ الكلام لم يقع في ذكورة اللابس وأنوثته، إنما وقع في غرض وراءهما ﴿ هُوَ ﴾ أي القرآن ﴿ هُدًى وَشِفَاءٌ ﴾ إرشاد إلى الحق وشفاء ﴿ لِمَا فِي الصدور ﴾ من الظن والشك.
فإن قلت: ﴿ والذين لاَ يُؤْمِنُونَ فى ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ ﴾ منقطع عن ذكر القرآن، فما وجه اتصاله به؟
قلت: لا يخلو إما أن يكون (الذين لا يؤمنون) في موضع الجر معطوفاً على قوله تعالى: (للذين آمنوا) على معنى قولك: هو للذين آمنوا هدى وشفاء، وهو للذين لا يؤمنون في آذانهم وقر؛ إلا أنّ فيه عطفاً على عاملين وإن كان الأخفش يجيزه.
وإمّا أن يكون مرفوعاً على تقدير: والذين لا يؤمنون هو في آذانهم وقر على حذف المتبدأ.
أو في آذانهم منه وقر وهو عليهم عمى.
وقرئ ﴿ وهو عليهم عم ﴾ ﴿ وعمى ﴾ ، كقوله تعالى: ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ [هود: 28] ﴿ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ يعني: أنهم لا يقبلونه ولا يرعونه أسماعهم، فمثلهم في ذلك مثل من يصيح به من مسافة شاطة لا يسمع من مثلها الصوت فلا يسمع النداء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ما يُقالُ لَكَ ﴾ أيْ ما يَقُولُ لَكَ كُفّارُ قَوْمِكَ.
﴿ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ إلّا مِثْلَ ما قالَ لَهم كُفّارُ قَوْمِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ما يَقُولُ اللَّهُ لَكَ إلّا مِثْلَ ما قالَ لَهم.
﴿ إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ لِأنْبِيائِهِ.
﴿ وَذُو عِقابٍ ألِيمٍ ﴾ لِأعْدائِهِمْ، وهو عَلى الثّانِي يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَقُولُ بِمَعْنى أنَّ حاصِلَ ما أُوحِيَ إلَيْكَ وإلَيْهِمْ، وعْدُ المُؤْمِنِينَ بِالمَغْفِرَةِ والكافِرِينَ بِالعُقُوبَةِ.
﴿ وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا ﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: هَلّا أُنْزِلَ القُرْآنُ بِلُغَةِ العَجَمِ والضَّمِيرُ «لِلذِّكْرِ» .
﴿ لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ ﴾ بُيِّنَتْ بِلِسانٍ نَفْقَهُهُ.
﴿ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ ﴾ أكَلامٌ أعْجَمِيٌّ ومُخاطَبٌ عَرَبِيٌّ إنْكارٌ مُقَرِّرٌ لِلتَّخْصِيصِ، والأعْجَمِيُّ يُقالُ لِلَّذِي لا يُفْهَمُ كَلامُهُ.
وهَذا قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ، وقَرَأ قالُونُ وأبُو عَمْرٍو بِالمَدِّ والتَّسْهِيلِ ووَرْشٌ بِالمَدِّ وإبْدالِ الثّانِيَةِ ألِفًا، وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ ذَكْوانَ وحَفْصٌ بِغَيْرِ المَدِّ بِتَسْهِيلِ الثّانِيَةِ وقُرِئَ «أعْجَمِيٌّ» وهو مَنسُوبٌ إلى العَجَمِ، وقَرَأ هِشامٌ «أعْجَمِيٌّ» عَلى الإخْبارِ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هَلّا فُصِّلَتْ آياتُهُ فَجُعِلَ بَعْضُها أعْجَمِيًّا لِإفْهامِ العَجَمِ وبَعْضُها عَرَبِيًّا لِإفْهامِ العَرَبِ، والمَقْصُودُ إبْطالُ مُقْتَرَحِهِمْ بِاسْتِلْزامِهِ المَحْذُورَ، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنِ التَّعَنُّتِ في الآياتِ كَيْفَ جاءَتْ.
﴿ قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى ﴾ إلى الحَقِّ.
﴿ وَشِفاءٌ ﴾ لِما في الصُّدُورِ مِنَ الشَّكِّ والشُّبَهِ.
﴿ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿ فِي آذانِهِمْ وقْرٌ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ هو في آذانِهِمْ وقْرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ وذَلِكَ لِتَصامِّهِمْ عَنْ سَماعِهِ وتَعامِيهِمْ عَمّا يُرِيهِمْ مِنَ الآياتِ، ومَن جَوَّزَ العَطْفَ عَلى عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عَطَفَ ذَلِكَ عَلى لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى.
﴿ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ أيْ صُمٌّ، وهو تَمْثِيلٌ لَهم في عَدَمِ قَبُولِهِمُ الحَقَّ واسْتِماعِهِمْ لَهُ بِمَن يُصاحُ بِهِ مِن مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ.
<div class="verse-tafsir"
{ولو جعلناه} اى الذكر {قرآنا أَعْجَمِيَّاً} أي بلغة العجم كانوا لتعنتهم يقولون هلا نزل القرآن بلغة العجم فقيل في جوابهم لو كان كما يقترحون {لَّقَالُواْ لَوْلاَ فصلت آياته} أي بينت بلسان العرب حتى نفهمها تعنتاً {أأعجمي وَعَرَبِىٌّ} بهمزتين كوفي غير حفص والهمزة للإنكار يعنى لا نكروا وقالوا أقرآن أعجمي ورسول عربي أو مرسل إليه عربي الباقون بهمزة واحدة ممدودة مستفهمة والاعجمى الذى يفصح ولا يفهم كلامه سواء كان من العجم أو العرب والعجمي منسوب إلى أمة العجم فصيحاً كان أو غير فصيح والمعنى أن آيات الله على أي طريقة جاءتهم وجدوا فيها متعنتاً لأنهم غير طالبين للحق وانما يتبعون اهواءهم وفيه اشارة
فصلت (٤٧ - ٤٤)
على أنه لو أنزله بلسان العجم لكان قرآناً فيكون دليلا لابى حنيفة رضى الله عنه في جواز الصلاة اذ قرا بالفارسية {قل هو} اى القران الذين امنو {هُدًى} إرشاد إلى الحق {وَشِفَاءٌ} لما في الصدور من الشك إذ
الشك مرض {والذين لا يؤمنون في آذانهم وَقْرٌ} في موضع الجر لكونه معطوفاً على الذين امنوا اى هو الذين امنوا هدى وشفاء وهو الذين لا يؤمنون في آذانهم وقر أي صمم إلا أن فيه عطفاً على عاملين وهو جائز عند الأخفش أو الرفع وتقديره والذين لا يؤمنون هو في آذانهم وقر على حذف المبتدأ أو في آذانهم منه وقر {وهو} اى القران {عليهم عمى} ظلم وشبهه {أولئك ينادون من مكان بعيد} بعنى أنهم لعدم قبولهم وانتفاعهم كأنهم ينادون إلى الإيمان بالقرآن من حيث لا يسمعون لبعد المسافة وقيل ينادون في القيامة من مكان بعيد باقبح الاسماء
﴿ ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا ﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: هَلّا أُنْزِلَ القُرْآنُ بِلُغَةِ العَجَمِ، والضَّمِيرُ لِلذِّكْرِ ﴿ لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ ﴾ أيْ بُيِّنَتْ لَنا وأُوضِحَتْ بِلِسانٍ نَفْقَهُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ ﴾ بِهَمْزَتَيْنِ الأُولى لِلِاسْتِفْهامِ والثّانِيَةُ هَمْزَةُ أعْجَمِيٍّ والجُمْهُورُ يَقْرَؤُونَ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ بَعْدَها مَدَّةٌ هي هَمْزَةُ أعْجَمِيٍّ إنْكارٌ مُقَرِّرٌ لِلتَّحْضِيضِ أيْ كَلامٌ أعْجَمِيٌّ ورَسُولٌ أوْ مُرْسَلٌ إلَيْهِ عَرَبِيٌّ، وحاصِلُهُ أنَّهُ لَوْ نَزَلَ كَما يُرِيدُونَ لَأنْكَرُوا أيْضًا وقالُوا ما لَكَ ولِلْعُجْمَةِ أوْ ما لَنا ولِلْعُجْمَةِ، والأعْجَمِيُّ أصْلُهُ أعْجَمَ بِلا ياءٍ ومَعْناهُ مَن لا يُفْهَمُ كَلامُهُ لِلُكْنَتِهِ أوْ لِغَرابَةِ لُغَتِهِ وزِيدَتِ الياءُ لِلْمُبالَغَةِ كَما في أحْمَرِيٍّ ودَوّارِيٍّ وأُطْلِقَ عَلى كَلامِهِ مَجازًا لَكِنَّهُ اشْتُهِرَ حَتّى التَحَقَ بِالحَقِيقَةِ، وزَعَمَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّ الياءَ فِيهِ بِمَنزِلَةِ ياءِ كُرْسِيٍّ وهو وهْمٌ، وقِيلَ: ( عَرَبِيٌّ ) عَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ ومُرْسَلٌ إلَيْهِ عَرَبِيٌّ مَعَ أنَّ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ جَمْعٌ فَحَقُّهُ أنْ يُقالَ: عَرَبِيَّةٌ أوْ عَرَبِيُّونَ لِأنَّ المُرادَ بَيانُ التَّنافِي والتَّنافُرِ بَيْنَ الكَلامِ وبَيْنَ المُخاطَبِ بِهِ لا بَيانُ كَوْنِ المُخاطَبِ بِهِ واحِدًا أوْ جَمْعًا، ومِن حَقِّ البَلِيغِ أنْ يُجَرِّدَ الكَلامَ لِلدَّلالَةِ عَلى ما ساقَهُ لَهُ ولا يَأْتِي بِزائِدٍ عَلَيْهِ إلّا ما يَشُدُّ مِن عَضُدِهِ فَإذا رَأى لِباسًا طَوِيلًا عَلى امْرَأةٍ قَصِيرَةٍ قالَ: اللِّباسُ طَوِيلٌ واللّابِسُ قَصِيرٌ دُونَ واللّابِسَةُ قَصِيرَةٌ لِأنَّ الكَلامَ لَمْ يَقَعْ في ذُكُورَةِ اللّابِسِ وأُنُوثَتِهِ فَلَوْ قالَ لَخُيِّلَ أنَّ لِذَلِكَ مَدْخَلًا فِيما سِيقَ لَهُ الكَلامُ، وهَذا أصْلٌ مِنَ الأُصُولِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلى ذِكْرٍ، ويُبْنى عَلَيْهِ الحَذْفُ والإثْباتُ والتَّقْيِيدُ والإطْلاقُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى وكُلِّ كَلامٍ بَلِيغٍ.
وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ «( أعْجَمِيّ )» بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ بِفَتْحِ العَيْنِ أيْ أكَلامٌ مَنسُوبٌ إلى العَجَمِ وهم مَن عَدا العَرَبِ وقَدْ يُخَصُّ بِأهْلِ فارِسَ ولُغَتِهِمُ العَجَمِيَّةِ أيْضًا فَبَيْنَ الأعْجَمِيِّ والعَجَمِيِّ عُمُومٌ وخُصُوصٌ مِن وجْهٍ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالعَرَبِيِّ مُقابِلُ الأعْجَمِيِّ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ ومُقابِلُهُ العَجَمِيُّ في القِراءَةِ الأُخْرى.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو الأسْوَدِ والجَحْدَرِيُّ وسَلّامٌ والضَّحّاكُ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عامِرٍ بِخِلافٍ عَنْهُما «( أعْجَمِيّ )» بِلا اسْتِفْهامٍ وبِسُكُونِ العَيْنِ عَلى أنَّ الكَلامَ إخْبارٌ بِأنَّ القُرْآنَ أعْجَمِيٌّ والمُتَكَلِّمَ بِهِ أوِ المُخاطَبَ عَرَبِيٌّ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ هَلّا فُصِّلَتْ آياتُهُ فَجُعِلَ بَعْضُها أعْجَمِيًّا لِإفْهامِ العَجَمِ وبَعْضُها عَرَبِيًّا لِإفْهامِ العَرَبِ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ هو بَعْضٌ أيْ بَعْضُها أعْجَمِيٌّ وبَعْضُها عَرَبِيٌّ، والمَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ إبْطالُ مُقْتَرَحِهِمْ وهو كَوْنُهُ بِلُغَةِ العَجَمِ بِاسْتِلْزامِهِ المَحْذُورَ وهو فَواتُ الغَرَضِ مِنهُ إذْ لا مَعْنى لِإنْزالِهِ أعْجَمِيًّا عَلى مَن لا يَفْهَمُهُ أوِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنِ التَّعَنُّتِ فَإذا وُجِدَتِ الأعْجَمِيَّةُ طَلَبُوا أمْرًا آخَرَ وهَكَذا.
﴿ قُلْ ﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ ﴿ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى ﴾ يَهْدِي إلى الحَقِّ ﴿ وشِفاءٌ ﴾ لِما في الصُّدُورِ مِن شَكٍّ وشُبْهَةٍ ﴿ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ فِي آذانِهِمْ وقْرٌ ﴾ عَلى أنَّ ( في آذانِهِمْ ) خَبَرَ مُقَدَّمٌ و( وقْرٌ ) مُبْتَدَأٌ أيْ مُسْتَقِرٌّ في آذانِهِمْ وقْرٌ أيْ صَمَمٌ مِنهُ فَلا يَسْمَعُونَهُ، وقِيلَ: خَبَرُ المَوْصُولِ ( في آذانِهِمْ ) و( وقْرٌ ) فاعِلُ الظَّرْفِ، وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هو آيُ القُرْآنِ و( في آذانِهِمْ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( وقْرٌ ) .
ورُجِّحَ بِأنَّهُ أوْفَّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ ومَن جَوَّزَ العَطْفَ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ عَطَفَ المَوْصُولَ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ و( وقْرٌ ) عَلى ( هُدىً ) عَلى مَعْنى هو لِلَّذِينِ آمَنُوا هُدًى ولِلَّذِينِ لا يُؤْمِنُونَ وقْرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي آذانِهِمْ ﴾ ذُكِرَ بَيانًا لِمَحَلِّ الوَقْرِ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ الرّاجِعِ إلى ﴿ وقْرٌ ﴾ والأوَّلُ أبْلَغُ ويَرُدُّ عَلَيْهِ بُعْدُ الإغْماضِ عَمّا في جَوازِ العَطْفِ المَذْكُورِ مِنَ الخِلافِ أنَّ فِيهِ تَنافُرًا بِجَعْلِ القُرْآنِ نَفْسَ الوَقْرِ لا سِيَّما وقَدْ ذَكَرَ مَحَلَّهُ ولَيْسَ كَجَعْلِهِ نَفْسَ العَمى لِأنَّهُ يُقابِلُ جَعْلَهُ نَفْسَ الهُدى فَرُوعِيَ الطِّباقُ ولِذا لَمْ يُبَيِّنْ مَحَلَّهُ، وأمّا الوَقْرُ إذا جُعِلَ نَفْسَ الكِتابِ فَهو كالدَّخِيلِ ولَمْ يُطابِقْ ما ورَدَ في سائِرِ المَواضِعِ مِنَ التَّنْزِيلِ، وهَذا يَرُدُّ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ أيْضًا، وجَوَّزَ ابْنُ الحاجِبِ في الأمالِي أنْ يَكُونَ ﴿ وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ مُرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ ﴾ والتَّقْدِيرُ هو لِلَّذِينِ آمَنُوا هُدًى وعَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ عَمى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ عَلى الدُّعاءِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا وإنْ جازَ مِن جِهَةِ الإعْرابِ لَكِنَّهُ مِن جِهَةِ المَعانِي مَرْدُودٌ لَفَّكِ النَّظْمِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ضَمِيرَ ( هو ) عائِدٌ عَلى الوَقْرِ وهو مِنَ العَمى كَما تَرى.
وأوْلى الأوْجَهِ ما تَقَدَّمَ وجِيءَ بِعَلى في ﴿ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِيلاءِ العَمى عَلَيْهِمْ، ولَمْ يُذْكَرْ حالَ القَلْبِ لِما عُلِمَ مِنَ التَّعْرِيضِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ ﴾ بِأنَّهُ لِغَيْرِهِمْ مَرَضٌ فَظِيعٌ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةً إلى المَوْصُولِ الثّانِي بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرِّ مَعَ ما فِيهِ مِن كَمالِ المُناسَبَةِ لِلنِّداءِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ أيْ أُولَئِكَ البُعَداءُ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِن ( اَلتَّصامّ ) عَنِ الحَقِّ الَّذِي يُسْمِعُونَهُ والتَّعامِي عَنِ الآياتِ الَّتِي يُشاهِدُونَها ﴿ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ تَمْثِيلٌ لَهم في عَدَمِ فَهْمِهِمْ وانْتِفاعِهِمْ بِما دُعُوا لَهُ بِمَن يُنادى مِن مَسافَةٍ نائِيَةٍ فَهو يَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا يَفْهَمُ تَفاصِيلَهُ ولا مَعانِيَهُ أوْ لا يَسْمَعُ ولا يَفْهَمُ، فَقَدْ حَكى أهْلُ اللُّغَةِ أنَّهُ يُقالُ لِلَّذِي لا يَفْهَمُ: أنْتَ تُنادى مِن بَعِيدٍ، وإرادَةُ هَذا المَعْنى مَرْوِيَّةٌ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
ومُجاهِدٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّ الكَلامَ عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ يُنادَوْنَ بِكُفْرِهِمْ وقَبِيحِ أعْمالِهِمْ بِأقْبَحِ أسْمائِهِمْ مِن بُعْدٍ حَتّى يَسْمَعَ ذَلِكَ أهْلُ المَوْقِفِ فَتَعْظُمُ السُّمْعَةُ عَلَيْهِمْ وتَحِلُّ المَصائِبُ بِهِمْ، وحاصِلُ الرَّدِّ أنَّهُ هادٍ لِلْمُؤْمِنِينَ شافٍ لِما في صُدُورِهِمْ كافٍ في دَفْعِ الشُّبَهِ فَلِذا ورَدَ بِلِسانِهِمْ مُعْجِزًا بَيِّنًا في نَفْسِهِ مُبَيِّنًا لِغَيْرِهِ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الِانْتِفاعِ بِهِ عَلى أيِّ حالٍ جاءَهم، وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ ومُعاوِيَةُ وعَمْرُو بْنُ العاصِ وابْنُ هُرْمُزَ «عَمٍ» بِكَسْرِ المِيمِ وتَنْوِينِهِ، وقالَ يَعْقُوبُ القارِيُّ وأبُو حاتِمٍ: لا نَدْرِي ( نَوَّنُوا ) أمْ فَتَحُوا الياءَ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، وبِغَيْرِ تَنْوِينٍ رَواها عَمْرُو بْنُ دِينارٍ وسُلَيْمانُ بْنُ قُتَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا قال مقاتل: يعني: يميلون عن الإيمان بالقرآن.
وقال الكلبي: يعني: يميلون في آياتنا بالتكذيب.
وقال قتادة: الإلحاد التكذيب.
وقال الزجاج: أي يجعلون الكلام على غير وجهه.
ومن هذا سمي اللحد لحداً، لأنه في جانب القبر.
قرأ حمزة: يُلْحِدُونَ بنصب الحاء، والياء.
والباقون: بضم الياء، وكسر الحاء، ومعناهما واحد، لحد وألحد بمعنى واحد.
قوله: لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أي: لا يقدرون على أن يهربوا من عذابنا، ولا يستترون منا، أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ يعني: أبا جهل وأصحابه، خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني: النبيّ .
ويقال: نزلت في شأن جميع الكفار، وجميع المؤمنين.
يعني: من كان مرجعه إلى النار، حاله يكون خيراً أم حال من يدخل الجنة.
ثم قال لكفار مكة: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ لفظه لفظ التخيير والإباحة، والمراد به التوبيخ، والتهديد، لأنه بيّن مغير كل عامل.
ثم قال تعالى: إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ من الخير، والشر.
قوله تعالى: بصير أي: عالم إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ يعني: جحدوا بالقرآن لما جاءهم، وَإِنَّهُ يعني: القرآن، لَكِتابٌ عَزِيزٌ يعني: كريم عند المؤمنين.
ويقال: كريم على الله، أنزله آخر الكتب.
وقال مقاتل: كتاب عزيز يعني: منيع عن الباطل.
ويقال: عزيز لا يوجد مثله في النظم، وكثرة فوائده.
لاَّ يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ قال الكلبي ومقاتل: لاَّ يَأْتِيهِ الْباطِلُ أي: لا يأتيه التكذيب من الكتاب الذي قبله، كل يصدق هذا، ولا يجيء من بعده كتاب يكذبه.
وقال قتادة: لاَّ يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ يعني: لا يستطيع الشيطان أن يبطل منه حقاً، ولا يؤيد فيه باطلاً.
قال أبو الليث: حدثنا الخليل بن أحمد.
قال: حدثنا الباغندي.
قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي سنان، عن عمرو بن مرة، عن أبي البحتري، عن الحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب قال: قيل للنبي : إن أمتك ستفترق من بعدك.
فقال رسول الله : «بَلَى» .
فقالوا: ما المخرج منها.
فقال جبريل لرسول الله : قال: كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
من ابتغى العلم في غيره، أضله الله، ومن حكم بغيره، قصمه الله، وهو الذكر الحكيم، والنور المبين، والصراط المستقيم، فيه خبر من كان قبلكم، وبيان من بعدكم، والحكم فيما بينكم هو الفصل المبين، وهو الفضل، وليس بالهزل، وهو الذي سمعته الجن، فقالوا: إنا سمعنا قرآناً عجباً لا يخلق على طول الدهر، ولا تنقضي عبره، ولا تفنى عجائبه، ثم قال للحارث خذها إليك يا أعور.
ثم قال: تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ يعني: القرآن تنزيل من الله تعالى، الحكيم في أمره، المحمود في فعاله.
وقال بعضهم: قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ، لم يذكر جوابه، وجوابه مضمر.
وقال بعضهم: جوابه في قوله: وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ ويقال: جوابه في قوله أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [فصلت: 44] .
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنا ...
الآية، آيةُ وعيدٍ، والإلحاد: المَيْلُ، وهو هنا ميل عن الحَقِّ/ ومنه لَحْدُ المَيِّتِ لأنَّه في جانب، يقال: لَحَدَ الرَّجُلُ، وألحد بمَعْنًى.
واختلف في إلحادهم هذا: ما هو؟
فقال قتادة وغيره: هو إلحاد بالتكذيب «١» ، وقال مجاهد وغيره «٢» : هو بالمُكَاءِ والصفير واللغو الذي ذهبوا إليه، وقال ابن عباس: إلحادهم:
وَضْعُهُمْ للكَلاَمِ غَيْرَ موضعه، ولفظة «٣» الإلحاد تَعُمُّ هذا كُلَّه، وباقي الآية بَيِّنٌ.
وقوله تعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ وعيدٌ في صيغة الأمر بإجماع من أهل العلم.
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ ...
الآية: يريد ب الَّذِينَ كَفَرُوا قريشا، والذكر: القرآن بإجماع.
واختُلِفَ في الخبر عنهم: أين هو؟
فقالت فرقة: هو في قوله: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [فصلت: ٤٤] ، ورُدَّ بكثرة الحائل، وأنَّ هنالك قوماً قد ذكروا بحسن رد قوله: «أولئك ينادون عليهم» ، وقالت فرقة: الخبر مُضمَرٌ، تقديره: إنَّ الذين كفروا بالذكر لما جاءهم، هَلَكُوا أو ضَلُّوا، وقيل: الخبر في قوله: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ وهذا ضعيف لا يتجه، وقال عمرو بن عُبَيْدٍ: معناه في التفسير: إنَّ الذين كفروا بالذِّكْرِ لما جاءهم كفروا به، وإنه لكتاب عزيز قال ع «٤» : والذي يَحْسُنُ في هذا هو إضمار الخبر، ولكِنَّهُ عند قوم في غير هذا الموضع الذي قدَّره هؤلاء فيه وإنَّمَا هو بعد حَكِيمٍ حَمِيدٍ، وهو أشدّ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ قِيلَ فِيمَن أُرْسِلَ قَبْلَكَ: ساحِرٌ وكاهِنٌ ومَجْنُونٌ، وكُذِّبُوا كَما كُذِّبْتَ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، والجُمْهُورِ.
والثّانِي: ما تُخْبَرُ إلّا بِما أُخْبِرَ الأنْبِياءُ قَبْلَكَ مِن أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ، وأنَّهُ ذُو عِقابٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ جَعَلْناهُ ﴾ يَعْنِي الكِتابَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا ﴾ أيْ: بِغَيْرِ لُغَةِ العَرَبِ ﴿ لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ ﴾ أيْ: هَلّا بُيِّنَتْ آياتُهُ بِالعَرَبِيَّةِ حَتّى نَفْهَمَهُ؟!
﴿ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "آعْجَمِيٌّ" [بِهَمْزَةٍ] مَمْدُودَةٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "أأعْجَمِيٌّ" بِهَمْزَتَيْنِ، والمَعْنى: أكِتابٌ أعْجَمِيٌّ ونَبِيٌّ عَرَبِيٌّ؟!
وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ؛ أيْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ أشَدَّ لِتَكْذِيبِهِمْ.
﴿ قُلْ هُوَ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى ﴾ مِنَ الضَّلالَةِ ﴿ وَشِفاءٌ ﴾ لِلشُّكُوكِ والأوْجاعِ.
و "الوَقْرُ": الصَّمَمُ؛ فَهم في تَرْكِ القَبُولِ بِمَنزِلَةِ مَن في أُذُنِهِ صَمَمٌ.
﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ أيْ: ذُو عَمى.
قالَ قَتادَةُ: صَمُّوا عَنِ القُرْآنِ وعَمُوا عَنْهُ ﴿ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ أيْ: إنَّهم لا يَسْمَعُونَ ولا يَفْهَمُونَ كالَّذِي يُنادى مِن بَعِيدٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أفَمَن يُلْقى في النارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِكْرِ لَمّا جاءَهم وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ﴾ ﴿ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ ﴿ ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ ﴾ هَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ، و"الإلْحادُ": المَيْلُ، وهو هاهُنا عَنِ الحَقِّ، ومِنَ "الإلْحادِ" لِحَدِّ المَيِّتِ؛ لِأنَّهُ في جانِبٍ، يُقالُ: لَحَدَ الرَجُلُ وألْحَدَ بِمَعْنى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "يُلْحِدُونَ" ﴾ بِضَمِّ الياءِ مَن ألْحَدَ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "يَلْحَدُونَ" بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ مِن لَحَدَ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الإلْحادِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ، ما هُوَ؟
فَقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الإلْحادُ بِالتَكْذِيبِ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: الإلْحادُ بِالمُكاءِ والصَفِيرِ واللَغْوِ الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إلْحادُهم هو أنْ يُوضَعَ الكَلامُ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، ولَفْظَةُ الإلْحادِ تَعُمُّ هَذا كُلَّهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا ﴾ أيْ: فَنَحْنُ بِالمِرْصادِ لَهم وسَنُعَذِّبُهُمْ، ثُمَّ قَرَّرَهم تَعالى عَلى هَذَيْنَ القِسْمَيْنِ أنَّهُما خَيْرٌ؟
وهَذا التَقْرِيرُ هُمُ المُرادُ بِهِ، أيْ: فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: [أفَمَن]، قالَ مُقاتِلُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَهْلٍ، وفي عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقِيلَ: في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وحَسُنَ التَفْضِيلُ هُنا بَيْنَ الإلْقاءِ في النارِ والأمْنِ يَوْمَ القِيامَةِ - وإنْ كانا لا يَشْتَرِكانِ في صِفَةِ الخَيْرِ - مِن حَيْثُ كانَ الكَلامُ تَقْرِيرًا لا مُجَرَّدَ خَبَرٍ؛ لِأنَّ المُقَرِّرَ قَدْ يُقَرِّرُ خَصْمَهُ عَلى قِسْمَيْنِ أحَدُهُما بَيِّنُ الفَسادِ، حَتّى يَرى جَوابَهُ، فَعَساهُ يَقَعُ في الفاسِدِ المَعْنى، فَيُبَيِّنُ جَهْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ واسْتِيعابُ القَوْلِ في هَذا المَعْنى، ولا يَتَّجِهُ هُنا أنْ يُقالَ: خاطَبَ عَلى مُعْتَقَدِهِمْ كَما يَتَّجِهُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا ﴾ فَتَأمَّلْهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ﴾ وعِيدٌ في صِيغَةِ الأمْرِ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، ودَلِيلُ الوَعِيدِ ومُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِكْرِ لَمّا جاءَهُمْ ﴾ ، يُرِيدُ تَعالى قُرَيْشًا، و"الذِكْرُ": القُرْآنُ بِإجْماعٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في الخَبَرِ عنهُمْ، أيْنَ هُوَ؟
فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ ، ذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ بِلالَ بْنَ أبِي بُرْدَةَ سَألَ عن هَذا في مَجْلِسِهِ وقالَ: لَمْ أجِدْ لَها نَفاذًا، فَقالَ لَهُ أبُو عَمْرُو بْنُ العَلاءِ: إنَّهُ مِنكَ لِقَرِيبٌ، ﴿ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَرُدُّ هَذا النَظَرُ كَثْرَةَ الحائِلِ، وأنَّ هُنالِكَ قَوْمًا قَدْ ذَكَرُوا بِحُسْنِ رَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ ﴾ عَلَيْهِمْ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الخَبَرُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِكْرِ لَمّا جاءَهم هَلَكُوا أو ضَلُّوا، وقالَ بَعْضُ نُحاةِ الكُوفَةِ: الجَوابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ﴾ ، حَكى ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وهو ضَعِيفٌ لا يَتَّجِهُ، وسَألَ عِيسى بْنُ عُمَرَ عَمْرُو بْنَ عُبَيْدٍ عن هَذا، فَقالَ عَمْرُو: مَعْناهُ في التَفْسِيرِ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِكْرِ لَمّا جاءَهُمْ، كَفَرُوا بِهِ وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ، فَقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: أجَدْتُ يا أبا عُثْمانَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يُحْسِنُ في هَذا هو إضْمارُ الخَبَرِ، ولَكِنَّهُ عِنْدَ قَوْمٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ الَّذِي قَدَّرَهُ هَؤُلاءِ فِيهِ، وإنَّما هو بَعْدُ ﴿ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ ، وهو أشَدُّ إظْهارًا لِمَذَمَّةِ الكَفّارِ بِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَكِتابٌ ﴾ داخِلٌ في صِفَةِ الذِكْرِ المُكَذَّبِ بِهِ، فَلَمْ يَتِمُّ ذِكْرُ المُخْبَرِ عنهُ، إلّا بَعْدَ اسْتِيفاءِ وصْفِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: أتُخالِفُ زَيْدًا وهو العالِمُ الوَدُودُ، الَّذِي مِن شَأْنِهِ ومِن أمْرِهِ، فَهَذِهِ كُلُّها أوصافٌ.
ووَصَفَ تَعالى الكِتابَ بِالعِزَّةِ، لِأنَّهُ بِصِحَّةِ مَعانِيهِ مُمْتَنِعُ الطَعْنِ فِيهِ والإزْراءِ عَلَيْهِ، وهو مَحْفُوظٌ مِنَ اللهِ تَعالى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: كَرِيمٌ عَلى اللهِ تَعالى، قالَ مُقاتِلٌ: مَنِيعٌ مِنَ الشَيْطانِ، قالَ السَدِّيُّ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ، والسَدَّيُّ: يُرِيدُ الشَيْطانَ، وظاهِرُ اللَفْظِ يَعُمُّ الشَيْطانُ وأنْ يَجِيءَ أمْرٌ يُبْطِلُ مِنهُ شَيْئًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ مَعْناهُ: لَيْسَ فِيما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ ما يُبْطِلُ شَيْئًا مِنهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا مِن خَلْفِهِ ﴾ أيْ: لَيْسَ يَأْتِي بَعْدَهُ مِن نَظَرِ ناظِرٍ وفِكْرَةِ عاقِلٍ ما يُبْطِلُ أشْياءَ مِنهُ، والمُرادُ بِاللَفْظِ عَلى الجُمْلَةِ: لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "تَنْزِيلٌ" ﴾ خَبَرُ ابْتِداءٍ، أيْ: هو تَنْزِيلٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ عن مَقالاتِ قَوْمِهِ، أيْ: ما تَلْقى يا مُحَمَّدُ مِنَ المَكْرُوهِ مِنهُمْ، ولا يَقُولُونَ لَكَ مِنَ الأقْوالِ المُؤْلِمَةِ، إلّا ما قَدْ قِيلَ ولَقِيَ بِهِ مِن تَقَدُّمِكَ مِنَ الرُسُلِ، فَلْتَتَأسَّ بِهِمْ، ولْتَمْضِ لِأمْرِ اللهِ ولا يُهِمُّكَ شَأْنُهُمْ، والمَعْنى الثانِي: أنْ تَكُونَ الآيَةُ تَخْلِيصًا لِمَعانِي الشَرْعِ، أيْ: ما يُقالُ لَكَ مِنَ الوَحْيِ وتُخاطَبُ بِهِ مِن جِهَةِ اللهِ تَعالى، إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ، ثُمَّ فَسَّرَ اللهُ تَعالى ذَلِكَ الَّذِي قِيلَ لِجَمِيعِهِمْ وهُوَ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ لِلطّائِعِينَ، ﴿ وَذُو عِقابٍ ألِيمٍ ﴾ لِلْكافِرِينَ، وفي هَذِهِ الكَلِماتِ جِماعُ النَهْيِ والزَجْرِ والمَوْعِظَةِ، وإلَيْها يَرْجِعُ كُلُّ نَظَرٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَلِيمٍ * وَلَوْ جعلناه قُرْءَاناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ ءاياته ءَاعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ والذين ﴾ .
اتصال نظم الكلام من أول السورة إلى هنا وتناسب تنقلاته بالتفريع والبيان والاعتراض والاستطراد يقتضي أن قوله: ﴿ ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا ﴾ إلى آخره تنقُّلٌ في دَرجَ إثبات أن قصدهم العناد فيما يتعللون به ليواجهوا إعراضهم عن القرآن والانتفاع بهديه بما يختلقونه عليه من الطعن فيه والتكذيببِ به، وتكلّفُ الأعذار الباطلة ليتستروا بذلك من الظهور في مظهر المنهزم المحجوج، فأخَذ يَنقض دعاويهم عُروة عُروة، إذْ ابتدئت السورة بتحدِّيهم بمعجزة القرآن بقوله: ﴿ حم تَنزِيلٌ مِنَ الرحمن الرَّحِيممِ كتاب فُصِّلَتْ ءاياته قُرءَاناً عَرَبِياً ﴾ إلى قوله ﴿ فهم لا يسمعون ﴾ [فصلت: 1 4] فهذا تحدَ لهم ووصف للقرآن بصفة الإِعجاز.
ثم أخذَ في إبطال معاذيرهم ومطاعنهم بقوله: ﴿ وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ﴾ [فصلت: 5]، فإن قولهم ذلك قصدوا به أن حجة القرآن غير مقنعة لهم إغاظة منهم للنبيء صلى الله عليه وسلم ثم تَمالُئهم على الأعراض بقوله: ﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ﴾ [فصلت: 26] وهو عجز مكشوف بقوله: ﴿ إن الذين يلحدون في ءاياتنا لا يَخْفَون علينا ﴾ [فصلت: 40] وبقوله: ﴿ إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم ﴾ [فصلت: 41] الآيات.
فأعقبها بأوصاف كمال القرآن التي لا يجدون مطعناً فيها بقوله: ﴿ وإنه لكتاب عزيز ﴾ [فصلت: 41] الآية.
وإذ قد كانت هذه المجادلات في أول السورة إلى هنا إبطالاً لتعللاتهم، وكان عماده على أن القرآن عربي مفصَّل الدلالةِ المعروفةِ في لغتهم حسبما ابتدئ الكلام بقوله: ﴿ كتاب فُصِّلَتْ ءاياته قُرءاناً عربياً لِقَوْممٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [فصلت: 3] وانْتُهي هنا بقوله: ﴿ وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴾ [فصلت: 41، 42]، فقد نهضت الحجة عليهم بدلالته على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الجهة فانتقل إلى حجة أخرى عمادها الفرضُ والتقديرُ أن يكون قد جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم بقرآن من لغة أخرى غير لغة العرب.
ولذلك فجملة: ﴿ ولو جعلناه قرءاناً أعجمياً ﴾ معطوفة على جملة: ﴿ وإنه لكتاب عزيز ﴾ [فصلت: 41] على الاعتبارين المتقدمين آنفاً في موقع تلك الجملة.
ومعنى الآية متفرع على ما يتضمنه قوله: ﴿ كتاب فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْءاناً عربياً لِقَوم يعلمون ﴾ [فصلت: 3] وقوله: ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحَى إلي ﴾ [الكهف: 110] من التحدِّي بصفة الأمية كما علمت آنفاً، أي لو جئناهم بلون آخر من معجزة الأمية فأنزلنا على الرسول قُرآناً أعجمياً، وليس للرسول صلى الله عليه وسلم علم بتلك اللغة من قبل، لقلبوا معاذيرهم فقالوا: لولا بُينت آياتُه بلغة نفهمها وكيف يخاطِبنا بكلام أعجمي.
فالكلام جار على طريقة الفرض كما هو مقتضى حرف ﴿ لو ﴾ الامتناعية.
وهذا إبانة على أن هؤلاء القوم لا تجدي معهم الحجة ولا ينقطعون عن المعاذير لأن جدالهم لا يريدون به تطلب الحق وما هو إلا تعنت لترويج هواهم.
ومن هذا النوع في الاحتجاج قوله تعالى: ﴿ ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين ﴾ [الشعراء: 198، 199]، أي لو نزلناه بلغة العرب على بعض الأعجمين فقرأه عليهم بالعربية، لاشتراك الحجتين في صفة الأمية في اللغة المفروضضِ إنزالُ الكتاب بها، إلا أن تلك الآية بينت على فرض أن ينزل هذا القرآن على رسوللٍ لا يعرف العربية، وهذه الآية بنيت على فرض أن ينزل القرآن على الرسول العربي صلى الله عليه وسلم بلغة غير العربية.
وفي هذه الآية إشارة إلى عموم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم للعرب والعجم فلم يكن عجباً أن يكون الكتاب المنزل عليه بلغة غير العرب لولا أن في إنزاله بالعربية حكمةً علمها الله، فإن الله لما اصطفى الرسول صلى الله عليه وسلم عربياً وبعثه بين أمة عربية كان أحقُّ اللغات بأن ينزل بها كتابه إليه العربية، إذ لو نزل كتابه بغير العربية لاستوت لغات الأمم كلها في استحقاق نزول الكتاب بها فأوقع ذلك تحاسداً بينها لأن بينهم من سوابق الحوادث في التاريخ ما يثير الغيرة والتحاسد بينهم بخلاف العرب إذ كانوا في عزلة عن بقية الأمم، فلا جرم رُجحت العربية لأنها لغة الرسول صلى الله عليه وسلم ولغة القوم المرسل بينهم فلا يستقيم أن يبقى القوم الذين يدعوهم لا يفقهون الكتاب المنزل إليهم..
ولو تعددت الكتب بعدد اللغات لفاتت معجزة البلاغة الخاصة بالعربية لأن العربية أشرف اللغات وأعلاها خصائص وفصاحة وحسنَ أداء للمعاني الكثيرة بالألفاظ الوجيزة.
ثم العرب هم الذين يتولون نشر هذا الدين بين الأمم وتبيين معاني القرآن لهم.
ووقع في «تفسير الطبري» عن سعيد بن جبير أنه قال: قالت قريش: لولا أنزل هذا القرآن أعجمياً وعربياً؟
فأنزل الله: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ ءاياته أعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ بهمزة واحدة على غير مذهب الاستفهام ا ه.
ولا أحسب هذا إلا تأويلاً لسعيد بن جبير لأنه لم يسنده إلى راو، ولم يرو عن غيره فرأى أن الآية تنبئ عن جواب كلام صدر عن المشركين المعبر عنهم بضمير ﴿ لَّقَالُوا ﴾ .
وسياق الآية ولفظها ينبو عن هذا المعنى، وكيف و ﴿ لو ﴾ الامتناعية تمتنع من تحمل هذا التأويل وتدفعه.
وأما ما ذكره في «الكشاف»: «أنهم كانوا لتعنتهم يقولون: هلا نزل القرآن بلغة العجم؟
فقيل: لو كان كما يقترحون لم يتركوا الاعتراض والتعنت، وقالوا: لولا فصّلت آياته الخ».
فلم نقف على من ذكر مثله من المفسرين وأصحاب أسباب النزول وما هو إلا من صنف ما روي عن سعيد.
ولو كان كذلك لكان نظم الآية: وقالوا لولا فصلت آياته، ولم يكن على طريقة ﴿ لو ﴾ وجوابها.
ولا يظن بقريش أن يقولوا ذلك إلا إذا كان على سبيل التهكم والاستهزاء.
وضمير ﴿ جعلناه ﴾ عائد إلى ﴿ إنَّ الذِينَ كَفَرُوا بالذِّكْرِ ﴾ [فصلت: 41].
وقوله: أعجمِيٌّ وعَرَبِيٌّ} بقية ما يقولونه على فرض أن يُجعل القرآن أعجمياً، أي أنهم لا يخلون من الطعن في القرآن على كل تقدير.
و ﴿ لولا ﴾ حرف تحضيض.
ومعنى: ﴿ فُصِّلَتْ ﴾ هنا: بيِّنت ووضِّحت، أي لولا جعلت آياته عربية نفهمها.
والواو في قوله: ﴿ وَعَرَبِيٌّ ﴾ للعطف بمعنى المعية.
والمعنى: وكيف يلتقي أعجمي وعربي، أي كيف يكون اللفظ أعجمياً والمخاطب به عربياً كأنهم يقولون: أيلقى لفظ أعجمي إلى مخاطب عربي.
ومعنى: ﴿ قوآناً ﴾ كتاباً مقروءاً.
وورد في الحديث تسمية كتاب داود عليه السلام قرآناً، وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن داود يُسّر له القرآن فكان يقرأ القرآن كله في حين يسرج له فرسه (أو كما قال).
والأعجمي: المنسوب إلى أعجم، والأعجم مشتق من العجمة وهي الإِفصاح، فالأعجم: الذي لا يفصح باللغة العربية، وزيادة الياء فيه للوصف نحو: أحمري ودَوّاري.
فالأعجمي من صفات الكلام.
وأفرد ﴿ وَعَرَبِيٌّ ﴾ على تأويله بجنس السامع، والمعنى: أكتاب عربي لسامعين عرب فكان حق } هذا جواب تضمنه قوله: ﴿ ما يُقَالُ لَكَ إلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُللِ مِن قَبْلِكَ وَعَرَبِىٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ والذين لاَ يُؤْمِنُونَ فى ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ ﴾ [فصلت: 43]، أي ما يقال من الطعن في القرآن، فجوابه: أن ذلك الذكر أو الكتاب للذين آمنوا هدى وشفاء، أي أن تلك الخصال العظيمة للقرآن حَرَمَهم كُفْرُهم الانتفاع بها وانتفع بها المؤمنون فكان لهم هدياً وشفاء.
وهذا ناظر إلى ما حكاه عنهم من قولهم: ﴿ قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ﴾ [فصلت: 5]، فهو إلزام لهم بحكم على أنفسهم.
وحقيقة الشفاء: زوال المرض وهو مستعار هنا للبصارة بالحقائق وانكشاف الالتباس من النفس كما يزول المرض عند حصول الشفاء، يقال: شُفيتْ نفسه، إذا زال حَرجه، قال قيس بن زهير: شَفَيْتُ النفسَ من حَمَللِ بننِ بدر *** وسيفي من حُذيفة قد شفاني ونظيره قولهم: شُفي غليله، وبرد غليله، فإن الكفر كالداء في النفس لأنه يوقع في العذاب ويبعث على السيئات.
وجملة: ﴿ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ الخ معطوفة على جملة: ﴿ هُوَ للذِينَ ءامَنُوا هُدًى ﴾ فهي مستأنفة استئنافاً ابتدائياً، أي وأما الذين لا يؤمنون فلا تتخلل آياته نفوسَهم لأنهم كمن في آذانهم وقر دون سماعه، وهو ما تقدم في حكاية قولهم: ﴿ وفي آذاننا وقر ﴾ [فصلت: 5]، ولهذا الاعتبار كان معنى الجملة متعلقاً بأحوال القرآن مع الفريق غير المؤمن من غير تكلف لتقدير جعل الجملة خبراً عن القرآن.
ويجوز أن تكون الجملة خبراً ثانياً عن ضمير الذكر، أي القرآن، فتكونَ من مقول القول وكذلك جملة ﴿ وَهُوَ عَليهِمْ عَمًى ﴾ .
والإِخبار عنهُ ب ﴿ وَقْرٌ ﴾ و ﴿ عَمًى ﴾ تشبيه بليغ ووجه الشبه هو عدم الانتفاع به مع سماع ألفاظه، والوقر: داء فمقابلته بالشفاء من محسِّن الطِّباق.
وضمير ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ يتبادر أنه عائد إلى الذِّكر أو الكتاب كما عاد ضمير ﴿ هو ﴾ ﴿ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا هُدًى ﴾ .
والعَمى: عدم البصر، وهو مستعار هنا لضد الاهتداء فمقابلته بالهدى فيها محسِّن الطِّباق.
والإِسناد إلى القرآن على هذا الوجه في معاد الضمير بأنه عليهم عمًى من الإِسناد المجازي لأن عنادهم في قبوله كان سبباً لضلالهم فكان القرآن سَبَبَ سبببٍ، كقوله تعالى: ﴿ وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ [التوبة: 125].
ويجوز أن يكون ضمير ﴿ وَهُوَ ﴾ ضميرَ شأن تنبيهاً على فظاعة ضلالهم.
وجملة ﴿ عَلَيهم عَمًى ﴾ خبر ضميرَ الشأن، أي وأعظم من الوقر أن عليهم عمى، أي على أبصارهم عمى كقوله: ﴿ وعلى أبصارهم غشاوة ﴾ [البقرة: 7].
وإنما علق العمى بالكون على ذواتهم لأنه لما كان عمى مجازياً تعين أن مصيبَته على أنفسهم كلها لا على أبصارهم خاصة فإن عمى البصائر أشدّ ضراً من عمى الأبصار كقوله تعالى: ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمَى القلوب التي في الصدور ﴾ [الحج: 46].
وجملة ﴿ أولئك يُنَادونَ مِن مَكاننٍ بَعِيدٍ ﴾ خبر ثالث عن ﴿ الذين لا يؤمنون ﴾ .
والكلام تمثيل لحال إعراضهم عن الدعوة عند سماعها بحال من يُنادَى من مكان بعيد لا يبلغ إليه في مثله صوت المنادي على نحو قوله تعالى: ﴿ ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع ﴾ كما تقدم في سورة البقرة (171).
وتقول العرب لمن لا يفهم: أنت تُنادَى من مكان بعيد.
والإِشارة ب ﴿ أولئك ﴾ إلى ﴿ الذين لا يؤمنون ﴾ لقصد التنبيه على أن المشار إليهم بعد تلك الأوصاف أحْرياء بما سيذكر بعدها من الحكم من أجلها نظير ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5].
ويتعلق ﴿ مِن مكاننٍ بعيدٍ ﴾ ب ﴿ يُنَادونَ ﴾ .
وإذا كان النداء من مكان بعيد كان المنادَى (بالفتح) في مكان بعيد لا محالة كما تقدم في تعلق ﴿ من الأرض ﴾ ، بقوله: ﴿ ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض ﴾ [الروم: 25] أي دعاكم من مكانكم في الأرض، ويذلك يجوز أن يكون ﴿ مِن مَكَاننٍ بعيدٍ ﴾ ظرفاً مستقراً في موضع الحال من ضمير ﴿ يُنَادونَ ﴾ وذلك غير متأتَ في قوله: ﴿ إذا دعاكم دعوة من الأرض ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يُكَذِّبُونَ بِآياتِنا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: يَمِيلُونَ عَنْ آياتِنا، قالَهُ أبُو مالِكٍ.
الثّالِثُ: يَكْفُرُونَ بِنا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الرّابِعُ: يُعانِدُونَ رُسُلَنا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الخامِسُ: هو المُكاءُ والتَّصْفِيقُ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا ﴾ وهَذا وعِيدٌ.
﴿ أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الَّذِي يُلْقى في النّارِ أبُو جَهْلٍ، والَّذِي يَأْتِي آمِنًا عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: أنَّ الَّذِي يُلْقى في النّارِ أبُو جَهْلٍ، والَّذِي يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.
الثّالِثُ: أنَّ الَّذِي يُلْقى في النّارِ أبُو جَهْلٍ وأصْحابُهُ قالَهُ الكَلْبِيُّ، والَّذِي يَأْتِي آمِنًا رَسُولُ اللَّهِ ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الرّابِعُ: أنَّها عَلى العُمُومِ فالَّذِي يُلْقى في النّارِ الكافِرُ، والَّذِي يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ المُؤْمِنُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ.
﴿ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ وعِيدٌ، فَهَدَّدَ وتَوَعَّدَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ ﴾ الذِّكْرُ هُنا القُرْآنُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، ولَهُ جَوابٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هالِكُونَ أوْ مُعَذَّبُونَ.
﴿ وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَزِيزٌ مِنَ الشَّيْطانِ أنْ يُبَدِّلَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: يَمْتَنِعُ عَلى النّاسِ أنْ يَقُولُوا مِثْلَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ ﴾ في ﴿ الباطِلُ ﴾ هُنا أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ إبْلِيسُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ الشَّيْطانُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّالِثُ: التَّبْدِيلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: التَّعْذِيبُ، قالَهُ سَعِيدٌ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّ البّاطِلَ التَّناقُضُ والِاخْتِلافُ.
﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن كِتابٍ قَبْلَهُ، ولا يَأْتِيهِ مِن كِتابٍ بَعْدَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن أوَّلِ التَّنْزِيلِ ولا مِن آخِرِهِ.
الثّالِثُ: لا يَأْتِيهِ الباطِلُ في إخْبارِهِ عَمّا تَقَدَّمَ ولا في إخْبارِهِ عَمّا تَأخَّرَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: ما بَيْنَ يَدَيْهِ: لَفْظُهُ وما خَلْفَهُ: تَأْوِيلُهُ، فَلا يَأْتِيهِ الباطِلُ في لَفْظٍ ولا تَأْوِيلٍ: ﴿ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ قالَ قَتادَةُ: حَكِيمٌ في أمْرِهِ حَمِيدٌ إلى خَلْقِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما يَقُولُ المُشْرِكُونَ لَكَ إلّا ما قالَهُ مَن قَبْلَهم لِأنْبِيائِهِمْ إنَّهُ ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: ما تُخْبِرُ إلّا بِما يُخْبِرُ الأنْبِياءُ قَبْلَكَ بِـ ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ ﴾ حَكاهُ ابْنُ عِيسى وقالَهُ الكَلْبِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولو جعلناه قرآناً أعجمياً..
﴾ الآية يقول لو جعلنا القرآن أعجمياً ولسانك يا محمد عربي ﴿ لقالوا أأعجمي وعربي ﴾ يأتينا به مختلفاً أو مختلطاً ﴿ لولا فصلت آياته ﴾ فكان القرآن مثل اللسان يقول فلم يفعل لئلا يقولوا فكانت حجة عليهم.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في الآية قال: لو نزل أعجمياً قال المشركون: كيف يكون أعجمياً وهو عربي؟
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: قالت: قريش لولا أنزل هذا القرآن أعجمياً وعربياً، فأنزل الله: ﴿ وقالوا: لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي ﴾ وأنزل الله تعالى بعد هذه الآية فيه بكل لسان حجارة من سجيل قال ابن جبير رضي الله عنه، والقراءة على هذا أعجمي بالاستفهام.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي ميسرة رضي الله عنه قال: في القرآن بكل لسان.
وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أولئك ينادون من مكان بعيد ﴾ قال: بعيد من قلوبهم.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر ﴾ الذكر هنا القرآن باتفاق، وخبر إن محذوف تقديره؛ ﴿ ضَلُّواْ ﴾ أو هلكوا، وقيل: خبرها: ﴿ أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ ، وذلك بعيد.
﴿ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴾ أي كريم على الله، وقيل منيع من الشيطان ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ الباطل ﴾ أي ليس فيما تقدمه ما يبطله، ولا يأتي ما يبطله والمراد على الجملة أنه لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات ﴿ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ في معناه قولان: أحدهما: ما يقول الله لك من الوحي والشرائع، إلا مثل ما قال للرسل من قبلك، والآخر: ما يقول لك الكفار من التكذيب والأذى إلا مثل ما قالت الأمم المتقدمون لرسلهم، فالمراد على هذا تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بالتأسي، والمراد على القول الأوّل أنه عليه الصلاة والسلام أتى بما جاءت به الرسل فلا تنكر رسالته ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ يحتمل أن يكون مستأنفاً، أو يكون هو المقول في الآية المتقدمة، وذلك على القول الأوّل، وأما القول الثاني فهو مستأنف منطقع مما قبله.
﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ الأعجمي الذي لا يفصح، ولا يبين كلامه سواء كان من العرب أو من العجم، والعجمي الذي ليس من العرب فصيحاً كان أو غير فصيح، ونزلت الآية بسبب طعن قريش في القرآن، فالمعنى أنه كان أعجمياً لطعنوا فيه وقالوا: هلا كان مبيناً فظهر أنهم يطعنون فيه على أي وجه كان ﴿ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ هذا من تمام كلامهم، والهمزة للإنكار، والمعنى: أنه لو كان القرآن أعجمياً لقالوا قرآن أعجمي، ورسول عربي، أو مرسل إليه عربي، وقيل: إنما طعنوا فيه لما فيه من الكلمات العجمية، كسجين وإستبرق، فقالوا أقرآن أعجمي وعربي، أي مختلط من كلام العرب والعجم، وهذا يجري على قراءة أعجمي بفتح العين ﴿ في آذَانِهِمْ وَقْرٌ ﴾ عبارة عن إعراضهم عن القرآن، فكأنهم صم لا يسمعون وكذلك ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ عبارة عن قلة فهمهم له ﴿ أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ فيه قولان: أحدهما عبارة عن قلة فهمهم فشبههم بمن ينادي من مكان بعيد فهو لايسمع الصوت ولا يفقه ما يقال، والثاني: أنه حقيقة في يوم القيامة أي ينادون من مكان بعيد ليسمعوا أهل الموقف توبيخهم، والأوّل أليق بالكنايات التي قبلها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سواء ﴾ بالرفع: يزيد.
وقرأ يعقوب بالجر.
الباقون: بالنصب ﴿ نحسات ﴾ بسكون الحاء: ابن كثير وأبو عمرو ونافع وسهل ويعقوب ﴿ وأما ثمود ﴾ بالنصب: المفضل ﴿ نحشر ﴾ بالنون ﴿ أعداء ﴾ بالنصب: نافع ويعقوب.
الآخرون: بالياء مجهولاً ﴿ أعداء ﴾ مرفوعاً.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ﴿ الرحيم ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ كتاب ﴾ يصلح أن يكون بدلاً من ﴿ تنزيل ﴾ وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب.
ويجوز أن يكون ﴿ تنزيل ﴾ هو مع وصفه مبتدأ ﴿ وكتاب ﴾ خبره ﴿ يعلمون ﴾ ه ج لأن ﴿ وبشيراً ﴾ صفة أخرى لـ ﴿ قرآناً ﴾ ﴿ ونذيراً ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ عاملون ﴾ ه ﴿ واستغفروه ﴾ ج ﴿ للمشركين ﴾ ه لا ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ممنون ﴾ ه ﴿ وأنداداً ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه لا للآية مع العطف ﴿ أيام ﴾ ط لمن نصب ﴿ سواء ﴾ أو رفع ومن خفض لم يقف ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ كرهاً ﴾ ط ﴿ طائعين ﴾ ه ﴿ أمرها ﴾ ج للعدول ﴿ بمصابيح ﴾ ج لحق المحذوف أي وحفظناها حفظاً ولعل الوصل أولى لما يجيء ﴿ وحفظاً ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ه بناء على أن "إذ" يتعلق بمحذوف هو اذكر أو بمعنى الفعل في الصاعقة أي يصعقون إذ ذاك، ولا يجوز أن يتعلق بـ ﴿ أنذرتكم ﴾ ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ منا قوّة ﴾ ط ﴿ منهم قوّة ﴾ ط للفصل بين الإخبار والاستخبار ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ مثوى لهم ﴾ ط ﴿ المعتبين ﴾ ه.
التفسير: ﴿ حم ﴾ قال بعضهم: الحاء من الحكمة، والميم من المنة أي منّ على عباده بتنزيل الحكمة من الرحمن في الأزل، الرحيم في الأبد وهي ﴿ كتاب فصلت آياته ﴾ أي ميزت أمثالاً ومواعظ وأحكاماً وقصصاً إلى غير ذلك.
وقد مر في أوّل "هود".
وانتصب ﴿ قرآناً ﴾ على المدح والاختصاص أو على الحال الموطئة ﴿ لقوم يعلمون ﴾ أي لقوم عرب يفهمون معانيه يعني بالأصالة وللباقين بعدهم، وذلك أن النبي منهم فالدعوة تحصل أوّلاً لهم.
والأظهر عندي أنه كقوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وذلك أنه لا ينتفع بالقرآن إلا أهل العلم به.
قال أهل السنة: الصفات المذكورة ههنا للقرآن توجب شدة الاهتمام بمعرفته.
والوقوف على معانيه بيانه أن كونه نازلاً من الرحمن الرحيم دليل على أن تنزيله رحمة للعالمين، وفيه شفاء لأمراض القلوب، وكونه كتاباً.
والتركيب يدور على الجمع كما سبق في أول الكتاب يدل على أن فيه علوم الأوّلين والآخرين.
وقوله ﴿ فصلت آياته ﴾ دليل على أنه في غاية الكشف والبيان وكونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ ولغة العرب أفصح اللغات مما يوجب أن تتوفر عليه الرغبات ولا سيما للعرب ومن داناهم.
وكونه ﴿ بشيراً ونذيراً ﴾ يدل على أن الاحتياج إليه من أهم المهمات لأنه سعي في معرفة ما يوصل إلى الثواب الأبديّ، ويخلص من العقاب السرمدي.
فإذا علم المخاطبون هذه الفوائد ثم أعرض أكثرهم عن القرآن ولم يسمعوه سماع قبول دل ذلك على أن المهديّ من هداه الله ومن يضلله فلا هادي له.
ثم أكد بيان إعراضهم بقوله ﴿ وقالوا قلوبنا في أكنة ﴾ ولا يخفى أنه ذكر هذا في معرض الذم فوجه الجمع بينه وبين قوله ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً ﴾ هو أن الذم إنما يتوجه على اعتقادهم أنهم إذا كانوا كذلك لم يجز تكليفهم ولا خطابهم بالأمر والنهي، أو أنهم قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء.
قال جار الله: فائدة "من" في قوله ﴿ ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ دون أن يقول "وبيننا" هو أن العبارة الثانية تدل على مطلق الحجاب، ولكن العبارة الواردة في القرآن تفيد أن المسافة التي بينهم وبين رسول الله مملوءة من الحجاب لا فراغ فيها كأنه قيل: إن الحجاب ابتدأ منا ومنك.
ثم حكى عنهم ما قالوا على سبيل التهديد أو التحلية ﴿ فاعمل ﴾ أي على دينك أو في إبطال ديننا ﴿ إننا عاملون ﴾ على ديننا أو في إبطال أمرك.
ثم أمر رسوله أن يجيب عن شبهتهم بقوله ﴿ إنما أنا بشر مثلكم ﴾ وتوجيه النظم إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبراً فإني بشر مثلكم ولا امتياز إلا أني أوحي إليّ بالتوحيد والأمر به، فعليّ البلاغ وحده.
ثم إن قبلتم قولي أثابكم الله وإلا عاقبكم.
قال في الكشاف: أراد إن نبوّتي صحت بالوحي وإذا صحت وجب اتباعي ومن جملة ذلك القول بالتوحيد.
ثم بين أن خلاصة الوحي ترجع إلى أمرين: الاستقامة والإقامة على التوحيد المتوجهين إلى الله والاستغفار من تقصير قد يقع في الطاعة.
ثم هددّ أهل الشرك بقوله ﴿ وويل للمشركين ﴾ وقرن منع الزكاة بالكفر بالله أوّلاً وبالآخرة ثانياً، لأن المال شقيق الروح، وبه وببذله في سبيل الله يعرف الموافق من المنافق، ففيه بعث شديد لأهل الإيمان على أداء الزكاة، وفيه أن الشفقة على خلق الله قرينة التعظيم لأمر الله.
وقيل: كانت قريش يطعمون الحاج ولا يطعمون المؤمنين فنزلت قاله الفراء.
وقيل: أراد بالزكاة ههنا الإيمان لأنه يزكي النفس من دون الشرك.
ثم ذكر جزاء المطيعين وهو ظاهر.
والممنون المقطوع.
وقيل: هو من المنة.
قال جمع من المفسرين: نزلت في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون.
لما حكى بعض قبائح المشركين وسائر الكفرة أراد أن يورد دليلاً على التوحيد فأمر رسوله أن يوبخهم بقوله ﴿ أئنكم لتكفرون بالذي ﴾ سمعتم ممن تصدّقونهم من أهل الكتاب غيركم أنه ﴿ خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ﴾ عمم الكفر أوّلاً ثم خصص بنوع الشرك ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ ومعنى ﴿ من فوقها ﴾ أي بالنسبة إلى سكان المعمورة تذكيراً لنعمة فوق نعمة فإن الجبال منافعها أكثر من أن تحصى يعرف بعضها أهلها ولعلنا قد عددنا في أوّل "البقرة" طرفاً منها.
﴿ وبارك فيها ﴾ بوضع الخيرات الكثيرة فيها.
قال ابن عباس: يريد شق الأنهار وخلق الجبال والأشجار والحيوانات وكل ما يحتاج إليه ﴿ وقدّر فيها أقواتها ﴾ عن مجاهد: يعني المطر فإنه بمنزلة الغذاء للأرض به حياتها.
وعن محمد بن كعب: أراد أقوات أهلها ومعايشهم وما يصلحهم.
وقيل: لا حاجة إلى الإضمار فإن الإضافة تحسن لأدنى ملابسة أي وقدر فيها أقواتها التي يختص حدوثها بها ﴿ في أربعة أيام ﴾ يعني مع اليومين الأوّلين فيكون إيجاد نفس الأرض في يومين وإيجاد هذه الأشياء في يومين آخرين والمجموع أربعة أيام وخلق السماء في تتمة ستة فتكون هذه الآية موافقة لسائر الآيات، وقد سبق هذا المعنى في أوّل سورة البقرة.
من قرأ ﴿ سواء ﴾ بالرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو سواء.
ثم إن كان الضمير للأربعة فمعناه أن تلك الأيام مستوية في الطول والقصر كأيام خط الاستواء، أو هي تامة غير ناقصة بشيء فقد يطلق لفظ الكل على الأكثر، وهذه إحدى فوائد العدول عن العبارة الصريحة وهي أن لو قال في يومين آخرين.
وقال بعضهم: من فوائده أنه لا يجوز عطف قوله ﴿ وجعل ﴾ على ﴿ خلق ﴾ لأن قوله ﴿ وتجعلون ﴾ معطوف على ﴿ لتكفرون ﴾ ولا يجوز أن يحال بين صلة الموصول وما يعطف عليه بأجنبي لا يقال: جاءني الذي يكتب وجلس يقرأ فلا بدّ من إضمار فعل مثل الأول فتقدير الكلام: ذلك أن رب العالمين خلق الأرض وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام، وهو كلام لا يرد عليه سؤال أصلاً.
ومن قرأ بالجر فعلى وصف الأربعة بالاستواء والمعنى كما مر.
ومن قرأ بالنصب فعلى المصدر أي استوت استواء.
ثم إن كان الضمير للأربعة فالمعنى كما قلنا، وإن كان للأقوات.
وكذا في قراءة الرفع احتمل أن يكون ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً به أي الأقوات والأرزاق سواء لمن سأل ولمن لم يسأل لما روى عن ابن عباس قال: سمعت النبي وأنا رديفه يقول: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة سواء لمن سأل ولمن لم يسأل، وأنا من الذين لم يسألوا الله الرزق، ومن سأل فهو جهل منه.
واحتمل أن يكون قوله ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً بقوله ﴿ وقدّر ﴾ أي قدّر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها وهم في الاحتياج سواء.
وقيل: إنه متعلق بمحذوف كأنه قيل: هذا الحصر والبيان لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها، لأن اليهود سألوا رسول الله عن ذلك.
قوله ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ أي توجه بداعي الحكمة بعد خلق الأرض لا دحوها إلى خلق السماء، وقد مر في أول "البقرة".
قوله ﴿ وهي دخان ﴾ ذكر أصحاب الأثر وجاء في أوّل توراة اليهود أن عرش الله قبل خلق السموات والأرض كان على الماء فأحدث في ذلك الماء سخونة فارتفع زبد ودخان، أما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق الله منه الأرض، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق الله منه السموات.
وزعم المتكلمون أن الله خلق الأجزاء التي لا تتجزأ فكانت مظلمة عديمة النور، ثم ركبها وجعلها سموات وكواكب وشمساً وقمراً وأحدث صفة الضوء فيها فحينئذ صارت مستنيرة فصحت تسمية تلك الأجزاء قبل استنارتها بالدخان، لأنه لا معنى للدخان إلا أنها أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور.
واعلم أن ظاهر قوله ﴿ ثم استوى ﴾ يدل على أن خلق السماء متأخر عن خلق الأرض وقد جاء مثله في آيات أخر.
وفي الآثار، إلا أن الواحدي نقل في البسيط عن مقاتل أنه قال: خلق الله السماء قبل الأرض فتأوّل الآية بأن لفظة كان مضمرة أي ثم كان قد استوى كما في قوله ﴿ إن يسرق فقد ﴾ أي إن يكن يسرق.
وزيف بأن الجمع بين "ثم" الدال على التأخر وبين إضمار "كان" الدال على التقدم جمع بين النقيضين.
ويمكن أن يجاب بأن "ثم" ههنا لترتيب الأخبار.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: المختار عندي أن تكوين السماء مقدم على تكوين الأرض والخلق الوارد في الآية بمعنى التقدير كقوله ﴿ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ﴾ فإن إيجاد الموجود محال.
فمعنى الآية أنه قضى بحدوث الأرض في يومين أي حكم بأنه سيحدث كذا في مدة كذا.
قلت: لو لم يكن قوله ﴿ وجعل فيها رواسي من فوقها ﴾ إلى قوله ﴿ أربعة أيام ﴾ لكان هذا التأويل له وجه.
وقال بعض الصوفية: خلق أرض البشرية في يومي الهواء والطبيعة وهما من الأنداد، وجعل لها رواسخ العقل من فوقها لتستقر بها، وبارك فيها بالحواس الخمسة، وقدر فيها أقواتها من سائر القوى البشرية في تتمة أربعة أيام يعني في يومي الروح الحيواني والطبيعي، ثم استوى إلى سماء القلب وهي دخان نار الروحانية فقضى سماء القلب أطواراً سبعة كقوله ﴿ وقد خلقكم أطواراً ﴾ أوّلها الوسوسة ثم الهواجس ثم الرؤية ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ ثم الحكمة "ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه" ثم ظهور المغيبات ثم المحبة ثم التجلي في يومي الروح والإلهام الرباني.
قوله ﴿ فقال لها وللأرض ائتيا ﴾ الآية.
للمفسرين فيه قولان: الأول إجراء الكلام على ظاهره فإنه ليس بمستبعد من الله إنطاق أيّ جسم فرض بل إيداع الحياة والفهم فيه ولهذا قال ﴿ طائعين ﴾ على لفظ جمع المذكر السالم، فإن جمع المؤنث السالم لا يختص بالعقلاء.
ووجه الجمع أن أقل الجمع اثنان أو لأن كل واحد منهما سبع.
ومن هؤلاء من قال: نطق من الأرض موضع الكعبة، ومن السماء ما بحذائها، فجعل الله لها حرمة على سائر الأرض.
وعلى هذا القول لا بد أن يكون هذا التخاطب بعد الوجود فقالوا: معناه ائتيا بما خلقت فيكما أما أنت يا سماء فأطلعي الشمس والقمر والنجوم، وأما أنت يا أرض فاخرجي ما خلقت فيك من النبات فقالتا: جئنا بما أحدثت فينا مستجيبين لأمرك.
ومعنى الإتيان الحصول والوقوع كما يقال: أتى عمله مرضياً.
ويجوز أن يراد لتأت كل منكما صاحبتها الإتيان الذي تقتضيه الحكمة من كون الأرض قراراً والسماء سقفاً لها.
وقوله ﴿ طوعاً أو كرهاً ﴾ إظهار لكمال القدرة والتقدير أبيتما أو شئتما كما يقول الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شئت أو أبيت، وانتصابهما على الحال بمعنى طائعين أو كارهين.
والقول الثاني أن هذا تمثيل لنفوذ قدرته فيهما ولا قول ثمة، وعلى هذا لا يبعد أن يكون المقصود إيجادهما على وفق إرادته وهما في حيز العدم، وأن يكون المراد ما تقدم.
وقال بعضهم: الطوع يرجع إلى السماء لأن أحوالها على نهج واحد لا يختلف.
وشبه مكلف مطيع والكره يعود إلى الأرض لأنها مكان تغيير الأحوال ومحل الحوادث والمكاره.
قلت: لعل هذين الوصفين لهما باعتبار سكانهما.
قوله ﴿ فقضاهن ﴾ قضاء الشيء إتمامه والفراغ منه مع الإتقان.
والضمير إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سموات سبع.
وانتصب ﴿ سبع سموات ﴾ على الحال.
وإما مبهم مميز بما بعده.
يروى أنه خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين، وخلق سائر ما في الأرض في يوم الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم وأسكنه الجنة وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة.
﴿ وأوحى في كل سماء أمرها ﴾ أي أمر أهلها من العبادة والتكليف الخاص بكل منهم، فبعضهم وقوف وبعضهم ركوع وبعضهم سجود، وعلى هذا احتمل أن يكون خلق الملائكة مع السموات وقبلها.
وقيل: الإيحاء ههنا التكوين والإيجاد وأمرها شأنها وما يصلحها ﴿ وزينا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ أي بالنيرات المضيئة كالمصباح ﴿ وحفظناها ﴾ حفظاً من الشياطين المسترقة للسمع كما مرّ مراراً.
وجوّز جار الله أن يكون ﴿ حفظاً ﴾ مفعولاً له على المعنى كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة ﴿ وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم ﴾ فلكمال عزته قدر على خلق ما خلق ولشمول علمه دبر ما دبر.
ثم قال لنبيه ﴿ فإن أعرضوا ﴾ عن التوحيد بعد هذا البيان الباهر والبرهان القاهر ﴿ فقل أنذرتكم صاعقة ﴾ لأن الإصرار على الجهل بعد وضوح الحق عناد، ولا علاج للمعاند سوى التأديب بما يناسبه.
يروى أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد فلو التمستم لنا رجلاً عالماً بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان عن أمره.
فقال عتبة بن ربيعة: أنا ذاك.
فأتاه وقال: أنت خير أم هاشم؟
أنت خير أم عبد المطلب؟
أنت خير أم عبد الله؟
فبم تشتم آلهتنا وتضللنا.
وعرض عليه الرياسة والنساء والأموال إن ترك ذلك فقال رسول الله : ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ إلى قوله ﴿ مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ فهال عتبة بذاك وناشده بالرحم ورجع ولم يأت قريشاً.
فلما احتبس عنهم قالوا: ما نرى عتبة إلا قد صبأ.
فانطلقوا إليه فقال: والله لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر ولما بلغ ﴿ صاعقة عاد وثمود ﴾ ناشدته بالرحم أن يكف.
ولقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب.
فإن قيل: كيف يصح هذا الإنذار وقد أخبر الله في قوله ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ وإن هذه الأمة آمنون من العذاب؟
قلنا: الأنفال مدنية وهذه مكية.
قوله ﴿ إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ﴾ قيل: الضميران عائدان إلى الرسل أي جاءهم رسل بعد الرسل.
وقيل: من بين أيديهم أي حذروهم الدنيا ﴿ ومن خلفهم ﴾ الآخرة.
وقيل: من بين أيديهم الذين عاينوهم، ومن خلفهم الذين وصل إليهم خبرهم وكتبهم.
وحقيقة بين يديه أن يستعمل للشيء الحاضر، ومجازه أن يستعمل للشيء الماضي بزمان قريب.
وقال بعض المحققين: معناه أتاهم الرسل من كل جهة وأعملوا في إرشادهم كل حيلة ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ ويجوز أن تكون "أن" مفسرة أو مخففة وضمير الشأن مقدر.
والفاء في قوله ﴿ فإنا ﴾ للجزاء كأنه قيل: فإذا أنتم بشر ولستم بملائكة فانا لا نؤمن بكم.
وقولهم ﴿ ربنا ﴾ وكذا بما أرسلتم أي على زعمكم، أو أرادوا التهكم.
ثم فصل حال كل فريق قائلاً ﴿ فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ﴾ وهذا إخلال بالشفقة على الخلق ﴿ وقالوا من أشد منا قوّة ﴾ وهذا إخلال بالتعظيم لأمر الله ولهذا وبخهم بقوله ﴿ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشدّ منهم قوة ﴾ لأن الفاعل والعلة أقوى من القابل والمعلول، والقوة في الإنسان نتيجة صحة البنية والاعتدال وحقيقتها زيادة القدرة فلذلك جاز أن يقال: الله أقوى منهم كما صح أن يقال: الله أقدر، الله أكبر.
وإن كان لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.
وقوله ﴿ وكانوا بآياتنا يجحدون ﴾ معطوف على قوله ﴿ فاستكبروا ﴾ وقالوا: إن التوبيخ المذكور وقع اعتراضاً في البين.
ثم أخبر عن إهلاكهم والصرصر الريح الباردة الشديدة ضوعفت من الصر بالكسر وهو البرد الذي يصر أي يجمع ويقبض، أو من صرير الباب.
والتركيب يدور على الضم والجمع.
عن ابن عباس أن الله ما أرسل على عاد من الريح إلا قدر خاتمي ومع ذلك أهلكت الكل.
والأيام النحسات هي التي فسرها الله في الحاقة ﴿ سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام ﴾ والنحس بالسكون ضد السعد وهو إما مخفف نحس بالكسر أو هو أصل في نفسه كضخم، أو وصف لمصدر.
واستدل به بعض الأحكاميين على أن بعض الأيام يصح وصفه بالسعادة وبعضها بضدها.
وأجاب بعض المتكلمين بأن المراد بالنحوسة كونها ذات غبار وتراب وبرد.
والإنصاف أنه تكلف خارج عن قانون اللغة.
والإضافة في قوله ﴿ عذاب الخزي ﴾ كهي في قولك: رجل صدق.
وقوله ﴿ ولعذاب الآخرة أخزى ﴾ من الإسناد المجازي فإن الذل والهوان لصاحبه.
قوله ﴿ وأما ثمود ﴾ مرتفع على الابتداء.
قوله ﴿ فهديناهم ﴾ خبره قال سيبويه: هذا أفصح لأن أما من مظان وقوع المبتدأ بعده.
وقرىء بالنصب إضماراً على شريطة التفسير.
واتفقوا على أن المراد بالهداية ههنا الدلالة المجردة لقوله بعده ﴿ فاستحبوا العمى ﴾ يعني عمى البصيرة وهي الضلالة ﴿ على الهدى ﴾ إلا أن المعتزلة تأوّلوه بأنه إنما شاع استعماله في الدلالة المجردة لأنه مكنهم وأزاح علتهم فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها.
على أن المراد المعقولة ونقيضها، وقد مر هذا البحث في أول "البقرة" في قوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وصاعقة العذاب داهيته وقارعته، والهون مصدر بمعنى الهوان وصف به العذاب مبالغة، أو أبدله منه وكسبهم شركهم وتكذيبهم صالحاً وعقرهم الناقة.
ثم بين أحوال الذين آمنوا واتقوا المعاصي بقوله ﴿ ونجينا ﴾ الآية.
وحين بين عقوبتهم في الدنيا أخبر عن عذابهم وعذاب أمثالهم في الآخرة فقال ﴿ ويوم يحشر ﴾ الآية.
والعامل فيه "اذكر" محذوفاً، أو هو ظرف لما يدل عليه ﴿ يوزعون ﴾ كأنه قيل: يمنعون يوم يحشر فيحبس أوائلهم حتى يلحق بهم أواخرهم.
قال جار الله: هو عبارة عن كثرة أهل النار.
قلت: وذلك لأن الإيزاع لا يحتاج إليه إلا عند كثرة العدد كما مر في "النحل".
وما الإبهامية في قوله ﴿ حتى إذا ما جاؤها ﴾ تفيد التأكيد.
وهو أن عند وقت مجيئهم لا بد أن تحصل هذه الشهادة وشهادة الجلود بملامسة ما هو محرم.
وعن ابن عباس: المراد شهادة الفروج فيكون كناية.
وعن النبي : "أوّل ما يتكلم من الآدميّ فخذه وكفه" وفيه وعيد شديد في فعل الزنا لأن مقدمته تحصل بالكف ونهايته تكون بمساعدة الفخذ.
قوله ﴿ أنطق كل شيء ﴾ من العمومات المخصوصة أي ممن يصح النطق منه.
والمراد أن القادر على خلقكم وإنطاقكم في المرة الأولى في الدنيا، ثم خلقكم وإنطاقكم مرة أخرى، وثالثة في القبر وفي القيامة، كيف يستبعد منه إنطاق الجوارح والأعضاء؟
وقد مر تمام البحث في "يس".
عن ابن مسعود قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر ثقفيان وقرشيّ فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟
فقال آخر: إذا رفعنا أصواتنا يسمع وإلا لم يسمع.
وقال الآخر: إن كان يسمع إذا رفعنا أصواتنا يسمع إذا خفضنا.
فذكرت ذلك للنبي فنزل ﴿ وما كنتم تستترون ﴾ الآية.
وذلك أنهم كانوا يستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب القبائح فقيل لهم: ما كان استتاركم ذلك خفية أن تشهد عليكم جوارحكم هذه، لأن ذلك غير ممكن فإنها متصلة بكم وهي أعوانكم ومع ذلك لم يكن استتاركم في اعتقادكم أنها تشهد عليكم ولكنكم استترتم لظنكم أن الله لا يعلم كثيراً مما كنتم تعملون وهو الخفيات من أعمالكم.
وفيه ردّ على بعض الجهلة الذين يستخفون من الناس ولا يمكنهم الاستخفاء من الله، وفيه تنبيه على أن المؤمن يجب عليه أن يكون في أوقات خلواته أهيب لربه وأوفر احتشاماً ومراقبة.
ثم أخبر ﴿ فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ﴾ ولا ينتج الصبر لهم فرجاً وخلاصاً ﴿ وإن يستعتبوا ﴾ يطلبوا من الله الرضا عنهم ﴿ فما هم من المعتبين ﴾ أي من المرضيين.
والمراد أنهم باقون في مكروههم أبداً، سكتوا أو نطقوا.
قال الضعيف مؤلف الكتاب: إذا كان هذا وعيد من ظن أنه يمكن إخفاء بعض الأعمال من الله بالأستار والحجب فما ظنكم بوعيد من جزم أنه غير عالم بالجزئيات نعوذ بالله من هذا الاعتقاد والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا ﴾ .
قرأ بعضهم: ﴿ يُلْحِدُونَ ﴾ برفع الياء، وقرأ بعضهم بنصبها: فمن قرأ بالرفع، تأويله: إن الذين يميلون عن قبول آياتنا، قال أبو عوسجة: الإلحاد: الميل، وأخذ اللحد من هذا.
ومن قرأ بالنصب يقول: يعملون في آياتنا، إن الذين يعملون في دفع آياتنا وإبطالها.
﴿ لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ﴾ وعيد منه لهم، يقول: لا يخفون هم وما يفعلون علينا فيجزيهم بذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .
يشبه أن يكون هذا صلة لآيتين تقدم ذكرهما: إحداهما: قوله : ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ...
﴾ الآية هذه في المؤمنين، وقال في الكافرين: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ الآية [فصلت: 27].
والآية الثانية: قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ﴾ يقول: أفمن يلقى في النار بأعماله السوء خير أمّن يأتي آمنا عن ذلك بأعماله الحسنة؟!
أي: يعلمون أن من يلقى في الآخرة في النار ليس كالذي يأتي آمنا عن ذلك كله، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: أحدهما: على التخيير؛ لأنه جل وعلا بيَّن السبيلين جميعاً على المبالغة بياناً شافياً واضحاً، وبين عاقبة كل سبيل من سلكه إلى ماذا يفضي، ثم قال: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ ﴾ أي: اسلكوا أي سبيل شئتم، فإن سلكتم طريق كذا فلكم كذا، وإن سلكتم طريق كذا فلكم كذا، والله أعلم.
والثاني: على الوعيد.
وكذا قوله: ﴿ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ على الوعيد.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ .
سمى القرآن ذكرا، وهو يحتمل وجوهاً: أحدهما: سماه ذكر؛ لأن من اتبعه وعمل بما فيه صار مذكوراً شريفاً.
أو سماه ذكرا؛ لما يذكر لهم ما نسوا من أحكام الله.
أو يذكر ما لله عليهم وما لبعض على بعض.
﴿ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴾ أي: عزيز لا يذله جحود الجاحدين ولا تكذيب المكذبين، أو يقول: عزيز عند الله أكرم به محمداً وعزيز يعز من اتبعه وعمل به، كما ذكرنا أنه يشرف من اتبعه وعمل بما فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: أي: لا ينزل كتاب من بعده يكذبه أو يبطله، ولا قبله كتاب يكذبه أو يبطله، بل خرج موافقاً لما قبله من الكتب.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ أي: إبليس لا يستطيع أن يبطل منه حقّاً، أو يحق منه باطلا، أو ينقص منه حقّاً، أو يزيد فيه باطلا، بل هو على ما ذكرنا: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ .
وقال بعضهم ما ذكرنا: لا تكذبه الكتب التي كان قبله.
وقوله: ﴿ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ .
أي: لا يجيء من بعده كتاب يكذبه، ومعنى هذا: أنهم كانوا يردون ذلك ويدفعونه، وليست لهم حجة من الله في ردهم إياه ولا في دفعه، بل يدفعونه بلا حجة ولا برهان ﴿ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ .
وعن الحسن قال في قوله : ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ : إن الله - وتعالى - حفظه من الشيطان فلا يزيد فيه باطلا ولا ينقص منه حقّاً، ثم قرأ: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ .
ودل قوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ على أن كل ما أضيف إليه [من] اليدين والخلف لا يُفهم منه بذكر اليدين: الجارحتان، أو بذكر الخلف: بقوله: ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ ؛ فعلى ذلك ما أضيف إلى الله من اليدين ومن بين يديه، لا يُفهِمُ اليدان حقيقة الجارحتين، والله أعلم.
وقوله: ﴿ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ .
أي: هذا القرآن هو تنزيل من حكيم حميد، الحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في تدبيره أو في حكمه، والحميد: هو الذي لا يلحقه الذم في فعله، والله الموفق.
ثم قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ لم يخرج له جواب في هذا الموضع، ثم قال بعضهم: جوابه ما ذكر في آية أخرى بعد هذا، وهو قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ ، وقال بعضهم: بل جوابه ما ذكر في "حم المؤمن" حيث قال الله - -: ﴿ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ يعزِّي النبي ويصبِّره ليصبر على ما كانوا يقولون له: إنه كذاب وإنه ساحر، وإنه مجنون، وإنه إنما يعلمه بشر، وإنه مفترٍ، وغير ذلك من أنواع الأذى، كانوا يؤذونه وكان يشتد عليه ذلك ويثقل؛ لأنه كان يدعوهم إلى ما به نجاتهم وهم كانوا يستقبلونه بما ذكر، فقال الله - - له عند ذلك: ﴿ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ من التكذيب والنسبة إلى السحر والجنون وغير ذلك، يصبِّره على ذلك؛ وهو كقوله : ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ...
﴾ الآية [الأحقاف: 35].
ويحتمل أنه إنما ذكر ذلك له؛ ليسلَّى به عن بعض ما يلحقه من الضجر والوحشة بالذي قالوا فيه؛ بما علم أنه ليس بأول مكذَّب من الرسل، ولا بأول متأذٍّ في ذات الله ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: على أن ذلك إن ربك لذو مغفرة لو تابوا، ورجعوا عن ذلك، وذو عقاب أليم لو ثبتوا وداموا على ذلك.
أو يقول - والله أعلم - على الصلة لقوله : ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ أي: إنه لذو مغفرة يغفر لهم ما كان منهم من التكذيب لك والتكذيب للقرآن لو تابوا ورجعوا وصدقوا، وذو عقاب أليم إن لم يتوبوا وثبتوا على ذلك، والله أعلم.
أو يذكر هذا، أي: ليس إليك مكافأتهم ومجازاتهم بما كان منهم، إنما ذلك إلينا إن شئت غفرت لهم إذا رجعوا عنه، وإن شئت عاقبتهم؛ وهو كقوله : ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ...
﴾ الآية [آل عمران: 128].
وقوله: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ .
وقال في آية أخرى: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ يذكر في هذه الآيات كلها سفه أهل مكة وشدة تعنتهم؛ يقول: لو أنزلنا عليك الكتاب جملة في قرطاس بحيث يرون نزوله من السماء ويعاينونه، قالوا: ما هذا إلا سحر مبين.
ويقول أيضاً - والله أعلم -: ولو نزلنا هذا القرآن على بعض الأعجميين بلسان، فقرأه عليهم - أي على أهل مكة - بلسان العرب بحيث يفهمون - ما كانوا به مؤمنين؛ لأن قراءة الأعجمي إياه بلسان العرب أكبر في الآية وأعظم في الأعجوبة من قراءة العربي بلسان العربية، أي: قراءة كل أحد شيئاً بغير اللسان الذي هو لسانه أكبر في الآية وأعظم في الأعجوبة من القراءة بلسان هو لسانه.
يقول: لو نزلنا على من لسانه لسان العجم والقرآن عربي، فقرأ الأعجمي ذلك على أهل مكة بلسان العرب؛ فهو أكبر أعجوبة وأعظم في الآية - لكانوا لا يؤمنون به.
فعلى ذلك يقول - والله أعلم -: ولو جعلناه قرآناً أعجميّاً وعاينوا نزول ذلك على محمد وفهمه وأداه وقرأه عليهم بلسان العرب ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ يعنون القرآن ﴿ وَعَرَبِيٌّ ﴾ أي محمد - عليه الصلاة والسلام - يقولون: القرآن أعجمي ومحمد عربي كيف يكون؟!
أي: لا يكون هذا ويكذبونه ولا يؤمنون به؛ وذلك لما ذكرنا: أن أداءه بلسان ليس ذلك لسانه وقراءته بعين ذلك اللسان، أكثر في جعله آية وأعظم في الأعجوبة؛ إذ يمكن الاختلاف من نفسه باللسان الذي هو لسانه، وموهوم ذلك إذا لم يكن ذلك لسانه، يخبر عن سفههم وشدة عنادهم في تكذيبهم محمداً وما جاء به، والله أعلم.
وقال بعض أهل التأويل: إن النبي كان أحيانا يدخل على رجل أعجمي يقال له أبو فكيهة، فقالوا: إنما يعلمه بشر فأنزل الله : ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً ﴾ بلسان أعجمي، لقال كفار مكة: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ بالعربية، أي: بينت حتى نفقهها ونعلمها ما يقول محمد ولقالوا: أعجمي أنزل عليه القرآن ومحمد عربي؛ فأنزله عربيّاً ليفقهوه؛ فلا يكون لهم الاعتلال والاحتجاج.
وقال بعضهم: لولا فصلت آياته حتى يفقهها، أعجميٌّ القرآن وعربيٌّ الرجل؟!
وقال أبو معاذ: يكون معنى هذا: أن الله يستفهم قرآنا أعجميّاً على رجل عربي فلا يفهمون؛ فيكون الحجة لهم بذلك، وهو مثل الأول.
وقال بعضهم: ﴿ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ استفهام من قريش، يكون معناه: لو أنزلناه قرآنا أعجميّاً على رجل عربي لقالوا: أعجمي وعربي كيف يفهم هذا وكيف يعقله؟!
لَكنَّا قد ذكرنا أن هذا في الدلالة أكثر وفي الأعجوبة أعظم، والوجه فيه ما ذكرنا بدءاً.
وقال القتبي: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ أنزلت عربية مفصلة بالآي كان التفصيل للسان العرب، لكن لسنا ندري ما يريد بهذا الكلام أن التفصيل للسان العرب.
وقال بعضهم: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ أي: هلا فرقت آياته حتى جعل من كل لسان من لسان العجم ولسان العرب؛ حتى يفهمها أهل كل لسان، والله أعلم.
وفي هذه الآية دلالة على أنه لو أنزله بلسان العجم لكان قرآنا، وأن اختلاف اللسان لا يغيره ولا يحوله عن أن يكون قرآنا - والله أعلم - فيكون دليلا لقول أبي حنيفة - رحمه الله -: إنه إذا قرأ بالفارسية في صلاته يجوز، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ .
وصف الله هذا القرآن بالشفاء وللرحمة والهدى، وسماه مرة عزيزاً كريماً مجيداً حكيماً، ونحوه، فهو هدى من الضلالة والحيرة والشك وكل شبهة، وشفاء لكل داء وسقم يكون في الدين والأنفس جميعاً، هو شفاء لذلك كله وهو هدى.
ثم يحتمل الهدى وجهين في هذا الموضع: أحدهما: هو هدى لكل ضلالة، أي: دعاء إلى الذي يضاد الضلال.
والثاني: هدى، أي: جعل بياناً لكل حيرة وشك وشبهة، من اتبعه وقبله ونظر إليه بعين التعظيم والتبجيل دعاه إلى سبيله ودينه ويخرجه من الضلال، ويكون بياناً لكل من فيه الحيرة والشك والشبهة، ويخلى له الطريق ويوضح له السبيل ويخرجه من الشبهات، فهو للمؤمنين من الهدى والشفاء؛ لأنهم قبلوه واتبعوه وتكلفوا العمل بما فيه، وأما الكفرة فهو عليهم عمى وحيرة وشك، لأنهم لم يقبلوه ولم يتبعوه ونظروا إليه بالاستخفاف والهوان؛ ونبذوه وراء ظهورهم فلم يبصروا ما فيه؛ فهو صار لهم عمى وما ذكر، والله أعلم.
وكذلك قال : ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ سماهم غيبة وإن كانوا بأنفسهم حضوراً شهوداً، وسماهم موتى، وإن كانوا في الحقيقة أحياء، وسماهم صمّاً وبكماً وعمياً وإن كانت لهم هذه الجوارح في الحقيقة؛ لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح بالذي جعلت هذه الجوارح له وأنسيت فنفاها عنهم؛ ليعلم أن المقصود ما يشاهده الجوارح والأنفس، لا نفس هذه الحوارح والأنفس ولكن طلب ما غاب عنها وخفي؛ إذ أنفسهم في الحقيقة كانت شهودا وحضورا؛ سماهم: ميتة وأحياء وبصراء، وسماهم موتى وعميا وما ذكر؛ ليعلم أنها إنما جعلت؛ ليكتسبوا بها الحياة الدائمة، والبصر الدائم، وما ذكر من كل شيء من السمع وغيره، وكذلك هذه النعم التي جعلت؛ في الدنيا جعلت ليكتسبوا بها النعم الدائمة، فإذا لم يستعملوها فيما جعلت صاروا كما ذكر، والله أعلم.
وقال بعضهم: ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ ، أي: عموا عه.
وقال بعضهم: ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ ، أي: في الآخرة، جزاء بما نسوه في الدنيا؛ كقوله : ﴿ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ ﴾ .
وقيل: قوله: ﴿ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ عبارة عن قلة أفهامهم؛ يقال للرجل الذي لا يفهم: أنت تنادى من مكان بعيد، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولو أنزلنا هذا القرآن بغير لغة العرب لقال الكفار منهم: لولا بُيِّنت آياته حتى نفهمها، أيكون القرآن أعجميًّا، والذي جاء به عربي؟
قل -أيها الرسول- لهؤلاء: القرآن -للذين آمنوا بالله وصدقوا رسله- هداية من الضلال وشفاء لما في الصدور من الجهل وما يتبعه، والذين لا يؤمنون بالله في آذانهم صمم، وهو عليهم عمى لا يفهمونه، أولئك الموصوفون بتلك الصفات كمن ينادون من مكان بعيد، فكيف لهم أن يسمعوا صوت المنادي!
<div class="verse-tafsir" id="91.dJl2Y"