الآية ٤٥ من سورة فصلت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ٤٥ من سورة فصلت

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۗ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ مُرِيبٍۢ ٤٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 59 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٥ من سورة فصلت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٥ من سورة فصلت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ) أي : كذب وأوذي ، ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) [ الأحقاف : 35 ] .

( ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى ) [ الشورى : 14 ] بتأخير الحساب إلى يوم المعاد ، ( لقضي بينهم ) أي : لعجل لهم العذاب ، بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا ( وإنهم لفي شك منه مريب ) أي : وما كان تكذيبهم له عن بصيرة منهم لما قالوا ، بل كانوا شاكين فيما قالوا ، غير محققين لشيء كانوا فيه .

هكذا وجهه ابن جرير ، وهو محتمل ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 45 ) يقول تعالى ذكره: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ) يا محمد, يعني التوراة, كما آتيناك الفرقان, ( فَاخْتُلِفَ فِيهِ ) يقول: فاختلف في العمل بما فيه الذين أوتوه من اليهود ( وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) يقول: ولولا ما سبق من قضاء الله وحكمه فيهم أنه أخر عذابهم إلى يوم القيامة.

كما حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ) قال: أخروا إلى يوم القيامة.

وقوله: ( وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ) يقول: وإن الفريق المبطل منهم لفي شكّ مما قالوا فيه ( مُريب ) يقول: يريبهم قولهم فيه ما قالوا, لأنهم قالوا بغير ثبت, وإنما قالوه ظنًّا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولقد آتينا موسى الكتاب يعني التوراة فاختلف فيه أي آمن به قوم وكذب به قوم .

والكناية ترجع إلى الكتاب ، وهو تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ، أي : لا يحزنك اختلاف قومك في كتابك ، فقد اختلف من قبلهم في كتابهم .

وقيل : الكناية ترجع إلى موسى .ولولا كلمة سبقت من ربك أي في إمهالهم .

لقضي بينهم أي بتعجيل العذاب .

وإنهم لفي شك منه من القرآن مريب أي شديد الريبة .

وقد تقدم .

وقال الكلبي في هذه الآية : لولا أن الله أخر عذاب هذه الأمة إلى يوم القيامة لأتاهم العذاب كما فعل بغيرهم من الأمم .

وقيل : تأخير العذاب لما يخرج من أصلابهم من المؤمنين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ } كما آتيناك الكتاب، فصنع به الناس ما صنعوا معك، اختلفوا فيه: فمنهم من آمن به واهتدى وانتفع، ومنهم من كذبه ولم ينتفع به، وإن اللّه تعالى، لولا حلمه وكلمته السابقة، بتأخير العذاب إلى أجل مسمى لا يتقدم عليه ولا يتأخر { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } بمجرد ما يتميز المؤمنون من الكافرين، بإهلاك الكافرين في الحال، لأن سبب الهلاك قد وجب وحق.

{ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ } أي: قد بلغ بهم إلى الريب الذي يقلقهم، فلذلك كذبوه وجحدوه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ) فمصدق ومكذب كما اختلف قومك في كتابك ، ( ولولا كلمة سبقت من ربك ) في تأخير العذاب عن المكذبين بالقرآن ، ( لقضي بينهم ) لفرغ من عذابهم وعجل إهلاكهم ، ( وإنهم لفي شك منه ) من صدقك ، ( مريب ) موقع لهم الريبة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد آتينا موسى الكتاب» التوراة «فاختلف فيه» بالتصديق والتكذيب كالقرآن «ولولا كلمة سبقت من ربك» بتأخير الحساب والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة «لقضي بينهم» في الدنيا فيما اختلفوا فيه «وإنهم» أي المكذبين به «لفي شك منه مريب» موقع في الريبة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد آتينا موسى التوراة كما آتيناك -أيها الرسول- القرآن فاختلف فيها قومه: فمنهم مَن آمن، ومنهم مَن كذَّب.

ولولا كلمة سبقت من ربك بتأجيل العذاب عن قومك لفُصِل بينهم بإهلاك الكافرين في الحال، وإن المشركين لفي شك من القرآن شديد الريبة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - زيادة فى التسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم ، أن اختلاف الأمم فى شأن ما جاء به الرسل شئ قديم فقال - تعالى - : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب فاختلف فِيهِ .

.

) .أى : ولقد آتينا نبينا موسى - عليه السلام - كتابه التوراة ليكون هداية ونورا لقومه ، فاختلفوا فى شأن هذا الكتاب ، فمنهم من آمن به ، ومنهنم من صد عنه .( وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ ) - أيها الرسول الكريم - وهى ألا يعذب المكذبين من أمتك فى الدنيا عذابا يستأصلهم ويهلكهم .لولا ذلك ( لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) أى : لأهلكهم كما أهلك السابقين من قبلهم .( وَإِنَّهُمْ ) أى : كفار قومك ( لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ) أى : لفى شك من هذا القرآن وريبة من أمره ، جعلهم يعيشون فى قلق واضطراب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما هدد الملحدين في آيات الله، ثم بيّن شرف آيات الله، وعلو درجة كتاب الله رجع إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يصبر على أذى قومه وأن لا يضيق قلبه بسبب ما حكاه عنهم في أول السورة من أنهم ﴿ قَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ فاعمل إِنَّنَا عاملون  ﴾ فقال: ﴿ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ وفيه وجهان: الأول: وهو الأقرب أن المراد ما تقول لك كفار قومك إلا مثل ما قد قال للرسل كفار قومهم من الكلمات المؤذية والمطاعن في الكتب المنزّلة ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ للمحقين ﴿ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴾ للمبطلين ففوض هذا الأمر إلى الله واشتغل بما أمرت به وهو التبليغ والدعوة إلى الله تعالى الثاني: أن يكون المراد ما قال الله لك إلا مثل ما قال لسائر الرسل وهو أنه تعالى أمرك وأمر كل الأنبياء بالصبر على سفاهة الأقوام فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخافه أهل معصيته، وقد ظهر من كلامنا في تفسير هذه السورة أن المقصود من هذه السورة، هو ذكر الأجوبة عن قولهم: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي ءَاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فاعمل إِنَّنَا عَامِلُونَ ﴾ فتارة ينبه على فساد هذه الطريقة، وتارة يذكر الوعد والوعيد لمن لم يؤمن بهذا القرآن ولم يعرض عنه، وامتد الكلام إلى هذا الموضع من أول السورة على الترتيب الحسن والنظم الكامل، ثم إنه تعالى ذكر جواباً آخر عن قولهم: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي ءَاذانِنَا وَقْرٌ ﴾ فقال: ﴿ وَلَوْ جعلناه قُرْءَاناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصّلَتْ ءاياته ءاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: أأعجمي بهمزتين على الاستفهام، والباقون بهمزة واحدة ومدة على أصلهم في أمثاله، كقوله: ﴿ أأَنذَرْتَهُمْ  ﴾ ونحوها على الاستفهام، وروي عن ابن عباس بهمزة واحدة، وأما القراءة بهمزتين: فالهمزة الأولى همزة إنكار، والمراد أنكروا وقالوا قرآن أعجمي ورسول عربي، أو مرسل إليه عربي، وأما القراءة بغير همزة الاستفهام، فالمراد الإخبار بأن القرآن أعجمي والمرسل إليه عربي.

المسألة الثانية: نقلوا في سبب نزول هذه الآية أن الكفار لأجل التعنت، قالوا لو نزل القرآن بلغة العجم فنزلت هذه الآية، وعندي أن أمثال هذه الكلمات فيها حيف عظيم على القرآن، لأنه يقتضي ورود آيات لا تعلق للبعض فيها بالبعض، وأنه يوجب أعظم أنواع الطعن فكيف يتم مع التزام مثل هذا الطعن ادعاء كونه كتاباً منتظماً، فضلاً عن ادعاء كونه معجزاً؟

بل الحق عندي أن هذه السورة من أولها إلى آخرها كلام واحد، على ما حكى الله تعالى عنهم من قولهم: ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ ﴾ وهذا الكلام أيضاً متعلق به، وجواب له، والتقدير: أنا لو أنزلنا هذا القرآن بلغة العجم لكان لهم أن يقولوا: كيف أرسلت الكلام العجمي إلى القوم العرب، ويصح لهم أن يقولوا ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ أي من هذا الكلام ﴿ وفي آذاننا وقر ﴾ منه لأنا لا نفهمه ولا نحيط بمعناه، أما لما أنزلنا هذا الكتاب بلغة العرب، وبألفاظهم وأنتم من أهل هذه اللغة، فكيف يمكنكم ادعاء أن قلوبكم في أكنة منها، وفي آذانكم وقر منها، فظهر أنا إذا جعلنا هذا الكلام جواباً عن ذلك الكلام، بقيت السورة من أولها إلى آخرها على أحسن وجوه النظم، وأما على الوجه الذي يذكره الناس فهو عجيب جداً.

ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَاء والذين لاَ يُؤْمِنُونَ فِي ءاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ .

واعلم أن هذا متعلق بقولهم: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ إلى آخر الآية، كأنه تعالى يقول: إن هذا الكلام أرسلته إليكم بلغتكم لا بلغة أجنبية عنكم، فلا يمكنكم أن تقولوا إن قلوبنا في أكنة منه بسبب جهلنا بهذه اللغة، فبقي أن يقال إن كل من آتاه الله طبعاً مائلاً إلى الحق، وقلباً مائلاً إلى الصدق، وهمة تدعوه إلى بذل الجهد في طلب الدين، فإن هذا القرآن يكون في حقه هدىً شفاء.

أما كونه هدىً فلأنه دليل على الخيرات ويرشد إلى كل السعادات، وأما كونه شفاء فإنه إذا أمكنه الاهتداء فقد حصل الهدى، فذلك الهدى شفاء له من مرض الكفر والجهل، وأما من كان غارقاً في بحر الخذلان، وتائهاً في مفاوز الحرمان، ومشغوفاً بمتابعة الشيطان، كان هذا القرآن في آذانه وقراً، كما قال: ﴿ وفي آذاننا وقر  ﴾ وكان القرآن عليهم عمى كما قال: ﴿ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ  ﴾ ، ﴿ أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ بسبب ذلك الحجاب الذي حال بين الانتفاع ببيان القرآن، وكل من أنصف ولم يتعسف علم أنا إذا فسرنا هذه الآية على الوجه الذي ذكرناه صارت هذه السورة من أولها إلى آخرها كلاماً واحداً منتظماً مسوقاً نحو غرض واحد، فيكون هذا التفسير أولى مما ذكروه، وقرأ الجمهور ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ على المصدر، وقرأ ابن عباس عم على النعت، قال أبو عبيد والأول هو الوجه، كقوله: ﴿ هُدًى وَشِفَاء ﴾ وكذلك ﴿ عَمًى ﴾ وهو مصدر مثلها، ولو كان المذكور أنه هاد وشاف لكان الكسر في ﴿ عَمًى ﴾ أجود فيكون نعتاً مثلهما، وقوله تعالى: ﴿ أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ قال ابن عباس: يريد مثل البهيمة التي لا تفهم إلا دعاء ونداء، وقيل من دعي من مكان بعيد لم يسمع، وإن سمع لم يفهم، فكذا حال هؤلاء.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى الكتاب فاختلف فِيهِ ﴾ وأقول أيضاً إن هذا متعلق بما قبله، كأنه قيل إنا لما آتينا موسى الكتاب اختلفوا فيه، فقبله بعضهم ورده الآخرون، فكذلك آتيناك هذا الكتاب فقبله بعضهم وهم أصحابك، ورده الآخرون، وهم الذين يقولون ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ ﴾ يعني في تأخير العذاب عنهم إلى أجل مسمى وهو يوم القيامة، كما قال: ﴿ بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ  ﴾ ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ يعني المصدق والمكذب بالعذاب الواقع بمن كذب وإنهم لفي شك من صدقك وكتابك مريب، فلا ينبغي أن تستعظم استيحاشك من قولهم: ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ .

ثم قال: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ﴾ يعني خفف على نفسك إعراضهم، فإنهم إن آمنوا فنفع إيمانهم يعود عليهم، وإن كفروا فضرر كفرهم يعود إليهم، والله سبحانه يوصل إلى كل أحد ما يليق بعمله من الجزاء ﴿ وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فاختلف فِيهِ ﴾ فقال بعضهم: هو حق، وقال بعضهم: هو باطل.

والكلمة السابقة: هي العدة بالقيامة، وأنّ الخصومات تفصل في ذلك اليوم، ولولا ذلك لقضى بينهم في الدنيا.

قال الله تعالى: ﴿ بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ ﴾ [القمر: 46] ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ﴾ بِالتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ كَما اخْتُلِفَ في القُرْآنِ.

﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ وهي العِدَةُ بِالقِيامَةِ وفَصْلُ الخُصُومَةِ حِينَئِذٍ، أوْ تَقْدِيرُ الآجالِ.

﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ بِاسْتِئْصالِ المُكَذِّبِينَ.

﴿ وَإنَّهُمْ ﴾ وإنَّ اليَهُودَ أوِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ.

﴿ لَفِي شَكٍّ مِنهُ ﴾ مِنَ التَّوْراةِ أوِ القُرْآنِ.

﴿ مُرِيبٍ ﴾ مُوجِبٍ لِلِاضْطِرابِ.

﴿ مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ﴾ نَفْعُهُ.

﴿ وَمَن أساءَ فَعَلَيْها ﴾ ضُرُّهُ.

﴿ وَما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ فَيَفْعَلُ بِهِمْ ما لَيْسَ لَهُ أنْ يَفْعَلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فِيهِ} فقال بعضهم هو حق وقال بعضهم هو باطل كما اختلف قومك في كتابك {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} بتأخير العذاب {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} لأهلكهم إهلاك استئصال وقيل الكلمة السابقة هي العدة بالقيامة وأن الخصومات تفصل في ذلك اليوم ولولا ذلك لقضى بينهم افي الدنا {وإِنَّهُمْ} وإن الكفار {لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} موقع في الريبة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ الِاخْتِلافَ في شَأْنِ الكُتُبِ عادَةٌ قَدِيمَةٌ لِلْأُمَمِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِقَوْمِكَ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا أيْ وبِاللَّهِ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ فاخْتُلِفَ فِيها فَمِن مُصَدِّقٍ لَها ومُكَذِّبٍ وهَكَذا حالُ قَوْمِكَ في شَأْنِ ما آتَيْناكَ مِنَ القُرْآنِ فَمِن مُؤْمِنٍ بِهِ وكافِرٍ ﴿ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ في حَقِّ أُمَّتِكَ المُكَذِّبَةِ وهي العِدَةُ بِتَأْخِيرِ عَذابِهِمْ وفَصْلِ ما بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الخُصُومَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِنَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ  ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى  ﴾ ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ بِاسْتِئْصالِ المُكَذِّبِينَ كَما فُعِلَ بِمُكَذِّبِي الأُمَمِ السّالِفَةِ ﴿ وإنَّهُمْ ﴾ أيْ كُفّارُ قَوْمِكَ ﴿ لَفِي شَكٍّ مِنهُ ﴾ أيْ مِنَ القُرْآنِ ﴿ مُرِيبٍ ﴾ مُوجِبٌ لِلْقَلَقِ والِاضْطِرابِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ الثّانِي لِلتَّوْراةِ والأوَّلُ لِلْيَهُودِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في كِتابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: مَّا يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ يعني: اصبر على مقالة الكفار، فإنهم لا يقولون من التكذيب لك، إلا ما قد قيل للرسل من قبلك من التكذيب.

ويقال: معناه مَّا يُقالُ لَكَ يعني: لا يؤمر لك.

يعني: في الرسالة إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، بأن يعبدوا الله.

فيقال لك: أن تعبد الله أيضاً.

ويقال: مَّا يُقالُ لَكَ إلا بأن تبلغ الرسالة، إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ بأن يبلغوا الرسالة، إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ قال مقاتل: أي ذو تجاوز في تأخير العذاب عنهم إلى أجلهم.

وقال الكلبي: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لمن تاب من الشرك، وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ لمن لم يتب، ومات على الكفر.

قوله عز وجل: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا يعني: لو أنزلناه بلسان العبرانية، لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ يعني: هلا بيّن بالعربية.

ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ويقولون: القرآن أعجمي، والرسول عربي، فكان ذلك أشد لتكذيبهم.

قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية أبي بكر: بهمزتين بغير مد.

والباقون بهمزة واحدة مع المد، ومعناهما واحد ويكون على معنى الاستفهام.

وقرأ الحسن أَعْجَمِىٌّ بهمزة واحدة بغير مد.

ويكون على غير وجه الاستفهام.

وقرأ بعضهم أَعْجَمِىٌّ بنصب العين، والجيم.

يقال: رجل عجمي إذا كان من العجم، وإن كان فصيحاً.

ورجل أعجمي إذا كان لا يفصح، وإن كان من العرب.

ثم قال تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً يعني: القرآن هدى للمؤمنين من الضلالة، وَشِفاءٌ أي: شفاء لما في الصدور من العمى، وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة، فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ يعني: ثقل، وصم، وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى عَمي بالكسر على معنى النعت، وقراءة العامة بالنصب.

يعني: القرآن عليهم حجة، وهذا قول الكلبي.

وقال مقاتل: يعني: عموا عنه فلا ينظرونه، ولا يفهمونه.

وروي عن ابن عباس أنه قرأ: وهو عليهم عم بالكسر على معنى النعت، وقراءة العامة بالنصب، على معنى المصدر.

كما أنه قال: هُدىً وَشِفاءٌ على معنى المصدر.

ثم قال: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ وهذا على سبيل المثل.

يقال للرجل إذا قل فهمه: إنك تنادي من مكان بعيد يعني: إنك لا تفهم شيئاً ويقال ينادون من مكان بعيد.

يعني: من السماء.

وقال مجاهد: يعني: بعيداً من قلوبهم.

وقال الضحاك: ينادون يوم القيامة من مكان بعيد، فينادى الرجل بأشنع أسمائه.

يعني: يقال له يا فاسق، يا منافق يا، كذا يا كذا.

قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعني: أعطينا موسى التوراة، ويقال: الألواح.

قوله: فَاخْتُلِفَ فِيهِ يعني: صدق بعضهم، وكذب بعضهم، وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ يعني: وجبت بتأخير العذاب، لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ يعني: لفرغ من أمرهم، ولهلك المكذب.

وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ يعني: من العذاب بعد البعث مُرِيبٍ لا يعرفون شكهم.

ويقال: مُرِيبٍ أي: ظاهر الشك.

ويقال: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ بتأخير العذاب عن هذه الأمة إلى يوم القيامة، لأتاهم العذاب، إذ كذبوه كما فعل بغيرهم.

قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ يعني: ثوابه لنفسه، وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها يعني: العذاب على نفسه، وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ يعني: لا يعذب أحداً بغير ذنب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إظهاراً لِمَذَمَّةِ الكُفَّارِ به وذلك لأَنَّ قوله: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ داخل في صفة الذكر المُكَذَّبِ بهِ فلم يتم ذكر المُخْبَر عنه إلاَّ بعد استيفاء وصفِهِ، ووصفَ اللَّه تعالى الكتابَ بالعِزَّةِ لأنه بصحة معانيه مُمْتَنِعٌ الطَّعْنُ فيه والإزراء عليه، وهو محفوظ من اللَّه تعالى قال ابن عباس:

معناه: كريمٌ على اللَّه تعالى «١» .

وقوله تعالى: لاَّ يَأْتِيهِ/ الْباطِلُ قال قتادة والسُّدِّيُّ: يريد: الشيطان «٢» ، وظاهر اللفظَ يَعُمُّ الشيطان، وأنْ يجيء أمْرٌ يُبْطِلُ منه شَيْئاً.

وقوله: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ معناه: ليس فيما تقدم من الكتب ما يُبْطِلُ شَيْئاً منه.

وقوله: وَلا مِنْ خَلْفِهِ أي: ليس يأتي بعده من نَظَرِ ناظر وفِكْرَةِ عاقل ما يبطل شيئا منه، والمراد باللفظة على الجملة: لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات.

وقوله: تَنْزِيلٌ خبر مبتدإٍ، أي: هو تنزيلٌ.

وقوله تعالى: مَّا يُقالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ: يحتمل معنيين:

أحدهما: أن يكون تسلية للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن مقالات، قومه وما يلقَاهُ من المكروه منهم.

والثاني: أنْ يكون المعنى: ما يقال لك من الوحي، وتُخَاطَبُ به من جهة اللَّه تعالى إلاَّ ما قد قيل للرُّسُلِ من قبلك.

وقوله تعالى: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا ...

الآية، الأَعْجَمِيُّ: هو الذي لا يفصح، عربيًّا كان أو غير عربيٍّ، والعَجَمِيُّ: الذي ليس من العرب، فصيحاً كان أو غيرَ فصيحٍ، والمعنى: ولو جعلنا هذا القرآن أعجمِيّاً، لا يبين لقالوا واعترضوا: لولا بينت

آياته، وهذه الآية نزلت بسبب تخليطٍ كان من قريش في أقوالهم من أجل حروف وقعت في القرآن، وهي مِمَّا عُرِّبَ من كلام العجم كسِجِّينٍ وإسْتَبْرَق ونحوه، وقرأ الجمهور:

ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ على الاستفهام وهمزة ممدودة قبل الألف، وقَرَأَ حمزةُ والكسائيُّ وحَفْصٌ: «أَأَعْجَمِيٌّ» بهمزتين «١» ، وكأنهم يُنْكِرُونَ ذلك، ويقولون: أأعجمي وعربي مُخْتَلِطٌ؟

هذا لا يحسن [ثم قال تعالى] «٢» : قُلْ هُوَ يعني القرآن لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ واختلف الناس في قوله: وَهُوَ عَلَيْهِمْ/ عَمًى فقالت فرقة: يريد ب «هو» القرآن، وقالت فرقة يريد ب «هو» الوَقْرَ، وهذه كلُّها استعاراتٌ، والمعنى: أَنَّهم كالأعمى وصاحب الوقر وهو الثِّقْلُ في الأذن، المانِعُ من السمع وكذلك قوله تعالى: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ يحتمل معنيين، وكلاهما مَقُولٌ للمفسِّرين:

أحدهما: أنَّها استعارة لِقِلَّة فِهمهم، شَبَّهَهُمْ بالرجل ينادى على بُعْدٍ، يَسْمَعُ منه الصوت، ولا يفهمُ تفاصيلَهُ ولا معانيه، وهذا تأويلُ مجاهد «٣» .

والآخر: أنَّ الكلام على الحقيقة، وأَنَّ معناه: أَنَّهم يوم القيامة يُنَادَوْنَ بكفرهم وقبيحِ أعمالهم من بعد حتى يَسْمَعَ ذلك أهلُ الموقف ليُفْضَحُوا على رؤوس الخلائق، ويكونَ أعظمَ لتوبيخهم وهذا تأويل الضَّحَّاكِ «٤» .

قال أبو حَيَّان «٥» : عَمًى- بفتح الميم- مصدر عَمِيَ، انتهى.

ثم ضرب الله تعالى أمر موسى مثلا للنبي ع ولقريش، أي: فَعَلَ أولئك كأفعال هؤلاء، حين جاءهم مِثْلُ ما جاء هؤلاءِ، والكلمةُ السابقةُ هي حَتْمُ اللَّهِ تعالى بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة، والضمير في قوله: لَفِي شَكٍّ مِنْهُ يحتمل أنْ يعودَ على موسى، أو على كتابه.

وقوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ ...

الآية: نصيحةٌ بليغةٌ لِلْعَالَمِ، وتحذيرٌ وترجيَةٌ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ ﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  ، والمَعْنى: كَما آمَنَ بِكِتابِكَ قَوْمٌ وكَذَّبَ بِهِ قَوْمٌ، فَكَذَلِكَ كِتابُ مُوسى، ﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ في تَأْخِيرِ العَذابِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى وهو القِيامَةُ ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ بِالعَذابِ الواقِعِ بِالمُكَذِّبِينَ ﴿ وَإنَّهم لَفي شَكٍّ ﴾ مِن صِدْقِكَ وكِتابِكَ، ﴿ مُرِيبٍ ﴾ أيْ: مُوقِعٌ لَهُمُ الرِّيبَةَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ ﴾ ﴿ مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ الأعْجَمِيُّ هو الَّذِي لا يُفْصِحُ عَرَبِيًّا كانَ أو غَيْرَ عَرَبِيٍّ، والعَجَمِيُّ: الَّذِي لَيْسَ مِنَ العَرَبِ فَصِيحًا كانَ أو غَيْرَ فَصِيحٍ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ تَخْلِيطٍ كانَ مِن قُرَيْشٍ في أقْوالِهِمْ، مِن أجْلِ الحُرُوفِ الَّتِي وقَعَتْ في القُرْآنِ وهي مِمّا عُرِّبَ مِن كَلامِ العَجَمِ كالسِجِّينِ والإسْتَبْرَقِ ونَحْوَهُ، فَقالَ عَزَّ وجَلَّ: ولَوْ جَعَلْنا هَذا القُرْآنَ أعْجَمِيًّا لا يُبَيِّنَ لَقالُوا واعْتَرَضُوا: لَوْلا بَيَّنْتَ آياتِهِ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ ﴾ ، فَقِراءَةُ الجُمْهُورِ عَلى الِاسْتِفْهامِ وهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ قَبْلَ الألْفِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وَحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ: [أأعْجَمِيٌّ] بِهَمْزَتَيْنِ، وكَأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ: لَوْلا بُيِّنَ، أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ مُخْتَلِطٌ؟

هَذا لا يَحْسُنُ، وتَأوَّلَ ابْنُ جُبَيْرٍ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِمْ: أتَجِيئُنا عُجْمَةٌ ونَحْنُ- عَرَبٌ؟

ما لَنا ولِلْعُجْمَةِ؟

وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وأبُو الأُسُودِ، والجَحْدَرِيُّ، وسَلامٌ، والضَحّاكُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عامِرٍ - بِخِلافٍ عنهُما -: [أعْجَمِيٌّ] دُونَ اسْتِفْهامٍ وبِسُكُونِ العَيْنِ، كَأنَّهم قالُوا: أعُجْمَةٌ وإعْرابٌ.؟

إنَّ هَذا لِشاذٌّ، أوكَأنَّهم قالُوا: لَوْلا فُصِلَ فَصْلَيْنِ، فَكانَ بَعْضُهُ أعْجَمِيًّا يَفْهَمُهُ العَجَمُ، وبَعْضُهُ عَرَبِيًّا يَفْهَمُهُ العَرَبُ؟

وهَذا تَأْوِيلٌ لِابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: [أعَجَمِيٌّ] بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ دُونَ مَدٍّ وبِفَتْحِ العَيْنِ، فَأخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عنهم أنَّهُ لَوْ كانَ عَلى أيِّ وجْهٍ تُخُيِّلَ، لَكانَ لَهم قَوْلٌ واعْتِراضٌ فاسِدٌ، هَذا مَقْصَدُ الكَلامٍ.

وأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  أنْ يَقُولَ لَهُمْ: إنَّ القُرْآنَ هُدًى وشِفاءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ المُبْصِرِينَ لِلْحَقائِقِ، وأنَّهُ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ولا يُصَرِّفُونَ نَظَرَهم وحَواسَّهم في المَصْنُوعاتِ عَمًى؛ لِأنَّهم في آذانِهِمْ وقْرٌ، وعَلى قُلُوبِهِمْ أقْفالٌ، وعَلى أعْيُنِهِمْ غِشاوَةٌ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ بِـ"هُوَ" القُرْآنُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: [وَهُوَ] يُرِيدُ بِهِ الوَقْرُ، والوَقْرُ: الثِقْلُ في الأُذُنِ المانِعُ مِنَ السَمْعِ، وهَذِهِ كُلُّها اسْتِعاراتٌ، أيْ: هم لَمّا لَمْ يَفْهَمُوا ولا حَصَّلُوا؛ كالأعْمى وصاحِبِ الوَقْرِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُعاوِيَةُ، وعَمْرُو بْنُ العاصِي: [وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمٍ] بِكَسْرِ المِيمِ مُنَوَّنَةً، وقالَ يَعْقُوبُ: لا أدْرِي أنَوَّنُوا أمْ فَتَحُوا الياءَ عَلى الفِعْلِ الماضِي، وبِغَيْرِ ياءٍ رَواها عَمْرُو بْنُ دِينارٍ، وسُلَيْمانُ بْنُ قَتَّةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذِهِ القِراءَةُ أيْضًا فِيها اسْتِعارَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، وكَلاهُما مَقُولٌ لِلْمُفَسِّرِينَ: أحَدُهُما أنَّها اسْتِعارَةٌ لِقِلَّةٍ فَهِمَهُمْ، شَبَّهَهم بِالرَجُلِ يُنادى عَلى بُعْدٍ يَسْمَعُ مِنهُ الصَوْتَ ولا تَفْهَمُ تَفاصِيلَهُ ولا مَعانِيهِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، والآخِرُ أنَّ الكَلامَ عَلى الحَقِيقَةِ، وأنَّ المَعْنى: أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ يُنادُونَ بِكُفْرِهِمْ وقَبِيحِ أعْمالِهِمْ مِن بُعْدٍ، حَتّى يَسْمَعَ ذَلِكَ أهْلُ المُوَقِّفِ، فَتَعْظُمُ السُمْعَةُ عَلَيْهِمْ ويَحُلُّ المُصابُ، وهَذا تَأْوِيلُ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ.

ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى أمْرَ مُوسى مَثَلًا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ ولِقُرَيْشٍ، أيْ: فِعْلُ أُولَئِكَ كَأفْعالٍ هَؤُلاءِ، حِينَ جاءَهم مِثْلُ ما جاءَ هَؤُلاءِ، و"الكَلِمَةُ السابِقَةُ" هي حَتْمُ اللهِ تَعالى بِتَأْخِيرِ عَذابِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَفِي شَكٍّ مِنهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أو عَلى كِتابِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ﴾ الآيَةُ.

نَصِيحَةٌ بَيِّنَةٌ لِلْعالَمِ وتَحْذِيرٌ وتَرْجِيَةٌ وصَدْعٌ بَيْنَ اللهِ تَعالى لا يَجْعَلُ شَيْئًا مِن عُقُوباتِ عَبِيدِهِ في غَيْرِ مَوْضِعِها، بَلْ هو العادِلُ المُتَفَضِّلُ الَّذِي يُجازِي كُلَّ عَبْدٍ بِتَكَسُّبِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ بَعِيدٍ * وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الكتاب فاختلف فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ﴾ .

اعتراض بتسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم على تكذيب المشركين وكفرهم بالقرآن بأنه ليس بأَوحدَ في ذلك فقد أوتي موسى التوراة فاختلف الذين دعاهم في ذلك، فمنهم من آمن به ومنهم من كفر.

والمقصود الاعتبار بالاختلاف في التوراة فإنه أشد من الاختلاف في القرآن فالاختلاف في التوراة كان على نوعين: اختلاف فيها بين مؤمن بها وكافر، فقد كفر بدعوة موسى فرعون وقومه وبعض بني إسرائيل مثلُ قارون ومثل الذين عبدوا العجل في مغيب موسى للمناجاة، واختلاف بين المؤمنين بها اختلافاً عطلوا به بعض أحكامها كما قال تعالى: ﴿ ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ﴾ [البقرة: 253]، وكلا الاختلافين موضع عبرة وأسوة لاختلاف المشركين في القرآن.

وهذا ما عصم الله القرآن من مثله إذ قال: ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ [يوسف: 12] فالتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم بهذا أوقع، وهذا ناظر إلى قوله آنفاً: ﴿ ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ﴾ [فصلت: 43] على الوجه الثاني من معنييه بذكر فرد من أفراد ذلك العموم وهو الأعظم الأهم.

﴿ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ ﴾ هذا متعلق بالذين كذبوا بالقرآن من العرب لأن قوله: ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ يقتضي أن الله أخر القضاء بينهم وبين المؤمنين إلى أجل اقتضته حكمتُه، فأَما قوم موسى فقد قضَى بينهم باستئصال قوم فرعون، وبتمثيل الأشوريين باليهود بعد موسى، وبخراب بيت المقدس، وزوال ملك إسرائيل آخراً.

وهذا الكلام داخل في إتمام التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في استبطاء النصر.

والكلمة هي كلمة الإمهال إلى يوم القيامة بالنسبة لبعض المكذبين، والإِمهاللِ إلى يوم بدر بالنسبة لمن صرعوا ببدر.

والتعبير عن الجلالة بلفظ ﴿ رَبِّكَ ﴾ لما في معنى الرب من الرأفة به والانتصار له، ولما في الإضافة إلى ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم من التشريف.

وكلا الأمرين تعزيز للتسلية.

ولك أن تجعل كلمة (بين) دالة على أخرى مقدرة على سبيل إيجاز الحذف.

والتقدير: بينهم وبينَ المؤمنين، أي بما يظهر به انتصار المؤمنين، فإنه يكثر أن يقال: بين كذا وبين كذا، قال تعالى: ﴿ وحيل بينهم وبين ما يشتهون ﴾ [سبأ: 54].

ومعنى ﴿ سَبَقَتْ ﴾ أي تقدمت في علمه على مقتضى حكمته وإرادته.

والأجلُ المسمى: جنس يصدق بكل ما أجل به عقابهم في علم الله.

وأما ضمير ﴿ وإنَّهُمْ لَفِي شَكَ مِنْهُ مُرِيبٍ ﴾ فهو خاص بالمشركين الشاكين في البعث والشاكين في أن الله ينصر رسوله والمؤمنين.

والريب: الشك، فوصف ﴿ شَكّ ﴾ ب ﴿ مُرِيبٍ ﴾ من قبيل الإسناد المجازي لقصد المبالغة بأن اشتق له من اسمه وصف كقولهم: لَيلٌ أَلْيل وشِعْرٌ شَاعر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِالأعْجَمِيِّ غَيْرَ المُبِينِ وإنْ كانَ عَرَبِيًّا، قالَهُ المُفَضَّلُ.

الثّانِي: بِلِسانٍ أعْجَمِيٍّ.

﴿ لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ ﴾ أيْ بُيِّنَتْ آياتُهُ لَنا بِالعَرَبِيَّةِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، والفَصْحُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ.

﴿ أأعْجَمِيٌّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَيْفَ يَكُونُ القُرْآنُ أعْجَمِيًّا ومُحَمَّدٌ  عَرَبِيٌّ؟

قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: كَيْفَ يَكُونُ القُرْآنُ أعْجَمِيًّا ونَحْنُ قَوْمٌ عَرَبٌ؟

قالَهُ السُّدِّيُّ.

قالَ مُجاهِدٌ أعْجَمِيُّ الكَلامِ وعَرَبِيُّ الرَّجُلِ.

﴿ قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: هُدًى لِلْأبْصارِ وشِفاءٌ لِلْقُلُوبِ.

الثّانِي: هُدًى مِنَ الضَّلالِ وشِفاءٌ مِنَ البَيانِ.

﴿ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ ﴾ أيْ صَمَمٌ.

﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ أيْ حِيرَةٌ، وقالَ قَتادَةُ: عَمُوا عَنِ القُرْآنِ وصَمُّوا عَنْهُ.

﴿ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن مَكانٍ بَعِيدٍ مِن قُلُوبِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهَ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: مِنَ السَّماءِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: يُنادَوْنَ بِأبْشَعِ أسْمائِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَيَحْتَمِلُ راِبِعًا: مِن مَكانٍ بَعِيدٍ مِنَ الإجابَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ قال: سبق لهم من الله حين واجلهم بالغرة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ ﴾ يعني القدر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الخامس والعشرون من أجزاء القرآن الكريم القراءات: ﴿ ربنا أرنا ﴾ بسكون الراء: ابن كثير وابن عامر وأبو بكر ورويس أبو عمرو بالاختلاس.

الآخرون: بكسر الراء.

﴿ اللذين ﴾ بتشديد النون: ابن كثير.

﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة.

الباقون: بضم الياء وكسر الحاء ﴿ أعجمي ﴾ بهمزة واحدة: هشام.

وقرأ بتحقيق الهمزتين: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص إلا الخزاز.

الباقون: بالمد ﴿ ثمرات ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص والمفضل.

﴿ شركاي ﴾ مثل ﴿ من وراي ﴾ على وزن ﴿ عصاي ﴾ قد مر في سورة مريم ﴿ إلى ربي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ ونأى بجانب ﴾ وقد مر في السورة ﴿ سبحان الذي أسرى ﴾ .

الوقوف: ﴿ والإنس ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال كونه جواب القسم في حق ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ تغلبون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً أي كائناً لهم فيها ﴿ دار الخلد ﴾ ج ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الأسفلين ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ وفي الآخرة ﴾ ج لانقطاع النظم بتقدير الجار مع اتحاد المقول ﴿ تدعون ﴾ 5 ط لحق المحذوف أي أصبتم أو وجدتم نزلاً ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ السيئة ﴾ ط ﴿ حميم ﴾ ه ﴿ صبروا ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع تكرارها للتوكيد ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ يسأمون ﴾ ه سجدة ﴿ اهتزت وربت ﴾ ط ﴿ الموتى ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ شئتم ﴾ ه لا ليكون ما بعده دالاً على أنه أمر تهديد ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ لما جاءهم ﴾ ج لأن خبر أن محذوف فيتقدر ههنا أو بعد قوله ﴿ من خلفه ﴾ كما يجيء ﴿ عزيز ﴾ ه لا لاتصال الصفة ﴿ من خلفه ﴾ ط ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وآياته ﴾ ط ﴿ وعربي ﴾ ط ﴿ وشفاء ﴾ ط ﴿ عمى ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ فعليها ﴾ ط ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ بعلمه ﴾ ط ج ﴿ شركائي ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ عامل ﴿ يوم ﴾ ﴿ آنذاك ﴾ لا لأنه في معنى القول وقع على الجملة بعده ﴿ من شهيد ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ الخير ﴾ ز لاختلاف الجملتين إلا أن مقصود الكلام يتم بهما ﴿ قنوط ﴾ ه ﴿ هذا لي ﴾ لا تحرز إعمالاً يقوله مسلم قائمة كذلك ﴿ للحسنى ﴾ ه ج لابتداء الأمر بالتوكيد مع فاء التعقيب ﴿ عملوا ﴾ إمهالاً للتذكر في الحالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ غليظ ﴾ ه ﴿ بجانبه ﴾ ج فصلاً بين تناقض الحالين مع اتفاق الجملتين ﴿ عريض ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج ﴿ محيط ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر وعيد الكفار أردفه بذكر السبب الذي لأجله وقعوا في ذلك الكفر.

ومعنى ﴿ قيضنا ﴾ سببنا لهم من حيث لا يحتسبون أو قدرنا أو سلطنا وأصله من القيض وهو البدل، والمقايضة المعاوضة كأن القرينين يصلح كل منهما أن يقوم مقام الآخر.

والقرناء إخوانهم من الشياطين جمع قرين ﴿ فزينوا لهم ما بين أيديهم ﴾ وهو الدنيا وما فيها من الشهوات ﴿ وما خلفهم ﴾ وهو الآخرة بأن لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب وقيل: ما بين أيديهم أعمالهم التي عملوها، وما خلفهم ما عزموا على فعله وزينوا لهم فعل مفسدي زمانهم والذين تقدم عصرهم.

والآية على مذهب الأشاعرة واضحة.

وقالت المعتزلة: معناها أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين.

ومعنى ﴿ في أمم ﴾ كائنين في جملة أمم وقد مر في أوائل الأعراف كانوا يقولون إذا سمعتم القرآن من محمد فارفعوا أصواتكم باللغو وهو الساقط من الكلام فنزلت ﴿ وقال الذين كفروا ﴾ الآية.

يقال: لغى بكسر الغين يلغى بالفتح، ولغا يلغو فلهذا قرىء بالضم أيضاً، والمقصود أنهم علموا أن القرآن كلام كامل لفظاً ومعنى، وكل من سمعه ووقف على معانيه وأنصف حكم بأنه واجب القبول فدبروا هذا التدبير الفاسد وهو قول بعضهم لبعض ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ إذا قرىء وتشاغلوا عن قراءته برفع الصوت بالمكاء والهذيان والرجز ﴿ لعلكم تغلبون ﴾ القارىء على قراءته فلا يحصل غرضه من التفهيم والإرشاد.

وحين حكى حيلتهم ذكر وعيدهم بقوله ﴿ فلنذيقن ﴾ الآية.

والمضاف في قوله ﴿ أسوأ ﴾ محذوف أي جزاء أسوأ الذي ولذلك أشار اليه بقوله ﴿ ذلك جزاء أعداء الله ﴾ وقوله ﴿ النار ﴾ بدل من الجزاء أو خبر مبتدأ مضمر.

و ﴿ دار الخلد ﴾ موضع المقام.

قال الزجاج: هو كما يقول لك في هذه الدار دار السرور وأنت تعني الدار بعينها وقد وضع قوله ﴿ بما كانوا بآياتنا يجحدون ﴾ موضع أن لو قال بما كانوا يلغون إقامة للسبب مقام المسبب ثم حكى عنهم ما سيقولون في النار وهو قولهم ﴿ ربنا أرنا ﴾ أي أبصرنا ﴿ اللذين أضلانا من الجن والإنس ﴾ وذلك أن الشياطين ضربان: جني وإنسي، وقد ورد في القرآن كثيراً، وقيل: هما إبليس الذي سن الكفر، وقابيل الذي سن القتل.

ومن قرأ بسكون الراء فلثقل الكسرة.

وقد يقال: معناه إذ ذاك أعطناه.

وحكوا عن الخليل أنك إذا قلت أرني ثوبك بالكسر فمعناه بصرنيه، وإذا قلت بالسكون فهو بمعنى الإعطاء ونظيره اشتهار الإيتاء في معنى الإعطاء وأصله الإحضار.

﴿ نجعلهما تحت أقدامنا ﴾ أي نطأهما إذلالاً وإهانة ﴿ ليكونا من الأسفلين ﴾ الأذلين وقيل: في الدرك الأسفل.

وتأوله بعض حكماء الإسلام بأنهما الشهوة والغضب المشار إليهما في قوله ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء  ﴾ كأنهم سألوا توفيق أن يجعلوا القرينين تحت قدم النفس الناطقة.

وحين أطنب في الوعيد أردفه بالوعد على العادة المستمرة فقوله ﴿ ربنا الله ﴾ إشارة إلى العلوم النظرية التي هذه المسألة رأسها وأصلها.

وقوله ﴿ ثم استقاموا ﴾ إشارة إلى الحكمة العملية وجملتها الاستقامة على الوسط دون الميل إلى أحد شقي الإفراط والتفريط كما سبق تقرير ذلك في تفسير قوله ﴿ اهدنا الصراط المستقيم  ﴾ ومعنى "ثم" تراخي الاستقامة في الرتبة عن الإقرار، وفيه أن حصول العلوم النظرية بدون القسم العملي كشجرة بلا ثمرة.

وقال أهل العرفان: قالوا ربنا الله يوم الميثاق في عالم الأرواح، ثم استقاموا على ذلك في عالم الأشباح.

وعن أبي بكر الصديق: معناه لم يلتفتوا إلى إله غيره.

﴿ تتنزل عليهم الملائكة ﴾ عند الموت أو عنده وفي القبر وفي القيامة.

و "أن" مفسرة أو مخففة.

ولقد فسرنا الخوف والحزن مراراً والإبشار لازم.

قال الجوهري: يقال بشرته بمولود فأبشر إبشاراً.

وقوله ﴿ ألا تخافوا ولا تحزنوا ﴾ إشارة إلى رفع المضار في المآل وفي الحال.

وقوله ﴿ وأبشروا ﴾ إخبار عن حصول المنافع.

وقوله ﴿ نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا ﴾ يقابل قوله ﴿ وقضينا لهم قرناء ﴾ فللملائكة تأثيرات في الأرواح بالإلهامات الحسنة والخواطر الشريفة كما للشياطين تأثيرات بإلقاء الوساوس والهواجس، وقد تقدم في أول الكتاب في تفسير الاستعاذة.

وإذا كانت هذه الولاية ثابتة في الدنيا بحكم المناسبة النورية كانت بعد الموت أقوى وأظهر لزوال العلائق الجسمانية.

وقيل: في الحياة الدنيا بالاستغفار.

﴿ وفي الآخرة ﴾ بالشفاعة.

وقيل: كنا نحفظكم في الدنيا ولا نفارقكم في الآخرة حتى تدخلوا الجنة ﴿ ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ﴾ يعني الحظوظ الجسمانية ﴿ ولكم فيها ما تدعون ﴾ أي تمنون من المواهب الروحانية، وقد مر في "يس" سائر الوجوه.

والنزل ما يهيأ للضيف وقد مر.

وفي ذكر الغفور الرحيم ههنا مناسبة لا تخفى.

قال أهل النظم إن القوم لما أتوا بأنواع السفاهة والإيذاء كقولهم ﴿ قلوبنا غلف  ﴾ ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ حرض  نبيه  على مواظبة التبليغ والدعوة واحتمال أعباء الرسالة والتزام السيرة الفاضلة إظهار المزية على الجهال وتحصيلاً للغرض بالرفق واللطف ما أمكن فقال ﴿ ومن أحسن قولاً ﴾ ووجه آخر في النظم وهو أنه لما مدح الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا وذكر جزاءهم وهم أهل الكمال، أراد أن يبين حال المشتغلين بتكميل الناقصين.

زعم بعض المفسرين أن المراد بهذا الدعاء الأذان، والعمل الصالح الصلاة بين الأذان والإقامة، ورفعوه إلى عائشة.

والأصح أنه عام لجميع الأئمة والدعاة إلى طاعة الله وتوحيده، ولا ريب أن مصطفاهم ومقتداهم هو رسول الله  وآله وبعده العلماء بالله وهم الحكماء المتألهون، وبعدهم العلماء بصفات الله وهم الأصوليون، ثم العلماء بأحكام الله وهم الفقهاء، ثم الملوك العادلون الذين يدعون إلى الله بالسيف والسبب.

وفي الاستفهام الإنكاري دلالة على أنه لا قول أحسن من الدعاء إلى الله فمن زعم أنه الأذان ذهب إلى أنه واجب وإلا لكان الواجب أحسن منه.

ونوقض بأنا نعلم بالدلائل اليقينية أن الدعوة إلى الدين القويم بالحجة أو السيف أحسن من الأذان فلا يدخل الأذان تحت الآية.

قال جار الله: ليس معنى قوله ﴿ وقال إنني من المسلمين ﴾ أنه تكلم بهذا الكلام، ولكن المراد أنه جعل دين الإسلام مذهبه ومعتقده كما تقول: هذا قول أبي حنيفة.

وقال آخرون: أراد به التلفظ به تفاخراً بالإسلام وتمدحاً.

وزعموا أن فيه إبطال قول من جوز: أنا مسلم إن شاء الله.

فإنه لو كان ذلك معتبراً لورد في الآية كذلك ولا يخفى ضعفه، فإن التجويز غير الإيجاب.

ثم صبر رسوله  على سفاهة الكفار وعلمه الأدب الجميل في باب الدعاء أي الدين بل في مطلق أمور التمدن فقال ﴿ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ﴾ "لا" زائدة لتأكيد نفي الاستواء، والمعنى لا تستوي الحسنة والسيئة قط ومثالهما الإيمان والشرك والحلم والغضب والطاعة والمعصية واللطف والعنف ثم إن سائلاً كأنه سأل: فكيف نصنع؟

فأجيب ﴿ ادفع بالتي هي أحسن ﴾ فإن الحسنة أحسن من السيئة كما يقال: الصيف أحر من الشتاء وذهب صاحب الكشاف إلى أن "لا" غير مزيدة والمعنى أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما فخذ بالحسنة التي هي أحسن إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة.

مثاله: رجل أساء إليك فالحسنة أن تعفو عنه والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إسائته.

قال: ومن جعل "لا" مزيدة فالقياس على تفسيره أن يقال: ادفع بالتي هي حسنة.

ولكنه وضع أحسن موضع الحسنة ليكون أبلغ لأن من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما هو دونها.

قال العارفون: الحسنة التوجه إلى الله بصدق الطلب، والسيئة الالتفات إلى غيره.

﴿ فإذا الذي ﴾ إذا فعلت ذلك انقلب عدوك ولياً مصافياً.

قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان وكان مؤذياً لرسول الله  فصار يتحاب بعد ذلك لما رأى من لطف رسول الله  وعطفه.

ثم مدح هذه السيرة وأهلها بقوله ﴿ وما يلقاها إلا الذين صبروا ﴾ أي لا يعمل بها إلا كل صبار على تجرع المكاره.

﴿ وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ﴾ من قوة جوهر النفس الناطقة بحيث لا يتأثر من الواردات الخارجية، وقد يفسر الحظ العظيم بالثواب الجزيل.

وعن الحسن: ما عظم حفظ دون الجنة.

ثم ذكر طريقاً آخر في دفع الغضب والانتقام قائلاً ﴿ وإما ينزغنك ﴾ وقد مر في آخر الأعراف.

والمعنى إن صرفك الشيطان عما أمرت به فاستعذ بالله من شره وإنما قال ههنا ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ بالفصل وتعريف الخبر ليكون مناسباً لما تقدّمه من قوله ﴿ وما يلقاها ﴾ مؤكداً بالتكرار وبالنفي والإثبات ولم يكن هذا المقتضى في الأعراف فجاء على أصل الاسم معرفة والخبر نكرة.

وحين ذكر أن أحسن الأقوال هو الدعوة إلى الله بين الدلائل على وجوده فقال ﴿ ومن آياته ﴾ الخ.

والضمير في ﴿ خلقهن ﴾ للآيات أو الليل وما عطف عليه.

ولم يغلب المذكر لأن ذلك قياس مع العقلاء.

وفي قوله ﴿ إن كنتم إياه تعبدون ﴾ تزييف لطريقة الصابئين وسائر عبدة الكواكب جهلاً منهم وزعماً أنها الواسطة بين الخلق والإله، فنهوا عن هذا التوسيط لأن ذلك مظنة العبادة المستقلة لرفعة شأنها وارتفاع مكانها، وهذا بخلاف التوجه في الصلاة إلى القبلة فإن الحجر قلما يظن به أنه معبود بالحق والجزم حاصل بأنه لتوحيد متوجهات المصلين عند صلاتهم مع أن للبيت شرفاً ظاهراً في نفسه ﴿ فإن استكبروا ﴾ عن قبول قولك يا محمد في النهي عن السجود للشمس والقمر ﴿ فالذين عند ربك ﴾ عندية بالشرف والرتبة وهم الملائكة المقربون ﴿ يسبحون له بالليل والنهار ﴾ أي على الدوام والاستمرار ﴿ وهم لا يسأمون ﴾ من السآمة والملالة.

والحاصل أنهم إن يمتثلوا ما أمروا به ونهوا عنه وأبوا إلا الواسطة فدعهم وشأنهم فإن ربك لا يعدم عابداً مخلصاً.

ولما فرغ من تقرير الآيات السماوية شرع في الدلائل الأرضية فقال ﴿ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ﴾ وأصل الخشوع التذلل فاستعير للأرض التي لا خضرة بها ولا نفع كما وصفها بالهمود وقد مرّ في سورة الحج، وذلك أنها إذا اهتزت وربت أي انتفخت حين يهم النبت بالخروج منها كانت بمنزلة المختال في زيه وهي قبل ذلك كالفقير الكاسف البال المتلبس بثوب أطمار.

وبعد تقرير الدلائل الباهرة ذكر وعيد الملحدين في آياته المنحرفين عن الجادة والوعيد قوله ﴿ لا يخفون علينا ﴾ وكفى به وعيداً.

ثم أكده بالاستفهام على سبيل التقرير وهو قوله ﴿ أفمن يلقى ﴾ الخ.

وقوله ﴿ يوم القيامة ﴾ ظرف لآمنا أو ليأتي.

ثم هددهم بقوله ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ الخ.

ثم أبدل من قوله ﴿ إن الذين كفروا بالذكر ﴾ أي القرآن لأنهم بكفرهم به طعنوا فيه وحرفوا معانيه، وعلى هذا فالخبر هو ما تقدم من قوله ﴿ لا يخفون ﴾ وإنه كلام مستأنف.

وعلى هذا فاختلفوا في خبر "إن".

فالأكثرون على أنه ﴿ أولئك ينادون ﴾ وما بينهما اعتراض من تتمة الذكر.

وقيل: خبره ما يقال إذ التقدير ما يقولون لك.

وقيل: هو محذوف.

ثم اختلفوا فقال قوم: إن الذين كفروا بالذكر كفروا لما جاءهم.

وقال آخرون: هلكوا أو يجازون بكفرهم ونحو ذلك، وهذا يمكن تقديره بعد قوله ﴿ لما جاءهم ﴾ وبعد قوله ﴿ من خلفه ﴾ وبعد قوله ﴿ حميد ﴾ والعزيز معناه الغالب القاهر بقوة حجته على ما سواه من الكتب، والمراد أنه عديم النظير لأن الأولين والآخرين عجزوا عن معارضته.

ثم أكد هذا الوصف بقوله ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴾ قال جار الله: وهو تمثيل أي لا يتطرق البطلان إليه بجهة من الجهات فلا ينقص منه شيء ولا يزاد عليه شيء.

وقيل: أراد أنه لا تكذبه الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل ولن يجيء بعده ما يخالفه.

وقد يحتج أبو مسلم بالآية على عدم وقوع النسخ في القرآن زعماً منه أن النسخ نوع من البطلان، ولا يخفى ضعفه فإن بيان انتهاء حكم لا يقتضي إبطاله فإنه حق في نفسه ومأمور به في وقته.

﴿ تنزيل ﴾ أي هو منزل ﴿ من ﴾ إله ﴿ حكيم ﴾ في جميع أفعاله ﴿ حميد ﴾ إلى جميع خلقه بسبب كثرة نعمه.

ثم سلى نبيه  بقوله ﴿ ما يقال لك ﴾ وفيه وجهان: أحدهما ما يقول لك كفار قريش إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم من المطاعن فيهم وفي كتبهم.

﴿ إن ربك لذو مغفرة ﴾ للمحقين ﴿ وذو عقاب أليم ﴾ للمبطلين، ففوض الأمر إلى الله واشتغل بما أمرت به من الدعاء إلى دينه.

وثانيهما ما يقول لك الله إلا مثل ما قال لغيرك من الرسل من الصبر على سفاهة الأقوام وإيذائهم.

ويجوز أن يكون المقول هو قوله ﴿ إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب ﴾ فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخشاه أهل عصيانه.

كانوا يقولون: لولا أنزل القرآن بلغة العجم تعنتاً منهم فأجابهم الله بقوله ﴿ ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا ﴾ معترضين منكرين ﴿ لولا فصلت آياته ﴾ أي بينت بلسان نفهمه.

أقرآن أعجمي ورسول عربي أو مرسل إليه عربي؟

وإنما جاز هذا التقدير الثاني مع أن المرسل إليهم كثيرون وهم غير أمة العرب، لأن الغرض بيان تنافر حالتي القرآن، والذين أنزل القرآن إليهم من العجمية والعربية لا بيان أنهم جمع أو واحد كما تقول: وقد رأيت لباساً طويلاً على امرأة قصيرة اللباس طويل واللابس قصير.

ولو قلت: واللابسة قصيرة جئت بما هو أفضل.

ومن قرأ بغير همزة الاستفهام فعلى حذفها أو على الإخبار بأن القران أعجمي والرسول أو المرسل إليه عربي، والغرض أنهم لعنادهم لا ينفكون عن المراء والاعتراض سواء كان القرآن عربياً أو أعجمياً.

وفيه إفحام لهم وجواب عن قولهم ﴿ قلوبنا في أكنة ﴾ فإن القرآن إذا كان بلغتهم وهم فصحاء وبلغاء فكيف لا يفهمونه إلا إذا كان هناك مانع إلهي ولذلك قال ﴿ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ﴾ لداء الجهل ﴿ والذين ﴾ أي وللذين ﴿ لا يؤمنون في آذانهم وقر ﴾ وهذا التقدير عند من يجوز العطف على عاملين، ومن لم يجوز زعم أن الرابط محذوف تقديره: والذين لا يؤمنون هو في آذانهم وقر أو في آذانهم منه.

وقرأ والذين لا يؤمنون به الخ.

والحاصل أنهم لعدم انتفاعهم بالقرآن كأنهم صم عمي.

ثم أكد هذا المعنى بقوله ﴿ أولئك ينادون من مكان بعيد ﴾ فلهذا لا يسمعون النداء أي مثلهم كمثل الشخص الذي ينادي من بعد فلا يسمع، وإن سمع لم يفهم.

ثم شبه حال القرآن بحال الكتب المتقدمة في أنها اختلف فيها كما اختلف فيه إلا أنه خص كتاب موسى بالذكر لكثرة أحكامه وعجيب قصته.

والكلمة السابقة هي العدة بالقيامة وتأخر العذاب والقضاء بين المصدقين والمكذبين إلى وقتئذ.

ثم ذكر أن جزاء كل أحد يختص به سواء كان له أو عليه وأن الله لا يظلم أحداً ثم كان لسائل أن يسأل: متى القيامة التي يتعلق بها الجزاء فقال ﴿ إليه ﴾ لا إلى غيره ﴿ يرد علم الساعة ﴾ أي إذا سأل عنها.

قيل: لا يعلمها إلا هو.

ثم عمم بعد هذا التخصيص وذكر مثالين يعرف منهما أن علم جميع الحوادث المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس إلا له  .

والكم بكسر الكاف وعاء الثمرة.

ثم ذكر من أحوال القيامة طرفاً آخر فقال ﴿ ويوم يناديهم أين شركائي ﴾ وهو نداء تهكم أو توبيخ كما مر مراراً ﴿ قالوا آذناك ﴾ قال ابن عباس: أي أسمعناك من أذن بالكسر أذناً بالفتح إذا استمع.

وقال الكلبي: أعلمناك قال الإمام فخر الدين الرازي: هو بعيد لأن أهل القيامة يعلمون أنه  يعلم الأشياء علماً واجباً، فالإعلام في حقه محال.

قلت: لو أريد أظهرنا معلومك أين الاستبعاد؟

والمعنى ظهر وحصل في الواقع من جهة قولنا ما كان ثابتاً في علمك القديم أنا سنقوله كقوله ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا  ﴾ أي لم يحصل بعد معلومه في الواقع وقد مر.

وقولهم ﴿ آذناك ﴾ ماض في معنى المستقبل على عادة القرآن أو إنشاء للإيذان أو إخبار عما قيل لهم قبل ذلك فإنه يمكن أن يعاد عليهم هذا الاستفهام مرات لمزيد التوبيخ.

ومعنى ﴿ ما منا من شهيد ﴾ ليس منا من يشهد اليوم بأنهم شركاؤك لأنا عرفنا عياناً أنه لا شريك لك.

أو هو كلام الشركاء أحياها الله وأنطقها فتبرأ مما أضيف إليها من الشركة.

ومعنى الضلال على هذا التفسير عدم النفع، ويجوز أن يراد ما منا من أحد يشاهدهم لأنهم غابوا عنا.

ومعنى ﴿ يدعون ﴾ يعبدون.

والظن بمعنى اليقين، والمحيص المهرب.

وحين بين أن الكفار تبرؤا في الآخرة من شركائهم بعد أن كانوا مصرين في الدنيا على عبادتهم، بين أن الكافر تبدله في حالاته كلي أو أكثري.

ففي حالة الإقبال لا يسأم من طلب الجاه والمال، في حالة الإدبار يصير في غاية اليأس والانكسار، وإن عاودته النعمة بعد يأسه فلا بد أن يقول هذا إنما وجدته باستحقاق لي وهذا لا يزول عني ويبقى علي وعلى عقبي وأنكر البعث، وعلى فرض وجوده زعم بل جزم أن له عند الله الحالة الحسنى قائساً أمر الآخرة على أمر الدنيا، ونظير الآية ما سبق في سورة الكهف { ﴿ ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً  ﴾ فلا جرم خيب الله أمله وعكس ما تصوره بقوله ﴿ فلننبئن ﴾ وحين حكى قول الكافر أخبر عن أفعاله بقوله ﴿ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ﴾ أي تعظم وتجبر.

وقد سلف في "سبحان".

واستعير العرض لكثرة الدعاء ودوامه، وقد يستعار الطول لكثرة الدعاء ودوامه أيضاً وإن لم يكن الشيء ذا جزم كما استعير الغلظ لشدة العذاب.

فإن قيل: كيف قال أولاً ﴿ فيؤس قنوط ﴾ ثم قال ﴿ فذو دعاء عريض ﴾ ؟

قلنا: أراد أنه يؤس بالقلب دعاء باللسان، أو قنوط من الصنم دعاء الله، أو الأول في قوم والثاني في آخرين.

ولما ذكر مرات في السورة مبالغة الكفار في العداوة والنفرة من اتباع الرسول والقرآن أرشدهم إلى طريق أحوط مما فيه فقال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.

وتقريره أنكم كما سمعتم القرآن أعرضتم عنه ثم كفرتم به حتى قلتم ﴿ قلوبنا في أكنة  ﴾ ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ ومن المعلوم أن هذا ليس ببديهي فقبل الدليل يحتمل أن يكون صحيحاً وحينئذ يلزم أن يكون بعدم قبوله العقاب الأبدي.

وقوله ﴿ ممن هو في شقاق بعيد ﴾ من وضع الظاهر مقام المضمر وهو منكم بياناً لبعد شوطهم في الشقاق والخلاف قاله في الكشاف.

وأقول: جواب الشرط بالحقيقة محذوف وهو قوله مثلاً فمن أضل منكم.

وإنما قال في الأحقاف ﴿ وكفرتم  ﴾ بالواو لأن معناه في السورة كان عاقبة أمركم بعد الإمهال للنظر الكفر فحسن دخول "ثم" مع أنها تفيد التراخي في الرتبة، وهناك عطف عليه قوله ﴿ وشهد شاهد ﴾ فلم يحسن إلا الواو.

ثم بين أن الإسلام يعلو ولا يعلى وأن الغلبة والنصرة تكون لذويه فقال ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق ﴾ وهي الفتوح الواقعة على أيدي الخلفاء الراشدين والتي ستقع على أيدي أنصار دينه إلى يوم القيامة.

﴿ وفي أنفسهم ﴾ وهي فتح مكة وسائر الفتوح التي وجدت في عصر النبي  ﴿ حتى يتبين لهم أنه ﴾ أي محمداً أو القرآن أو الدين ﴿ الحق ﴾ ووجه التبين أن هذا إخبار عن الغيب فإذا وقع مطابقاً دل على صدق المخبر بل إعجازه.

وواحد الآفاق أفق وهو الناحية من نواحي الأرض والسماء.

وعند المحققين الآيات الآفاقية هي الخارجة عن حقيقة الإنسان وبدنه كالأفلاك والكواكب والظلم والأنوار والعناصر والمواليد سواه.

ولا ريب أن العجائب المودعة في هذه الأشياء مما لا نهاية لها، وإنما يوقف عليها حيناً بعد حين.

وقد أكثر الله  من تقدير تلك الدلائل في القرآن، بعضها في السور المكيات وكثير منها في المدنيات، والآيات النفسية هي التي أودعها في تركيب الإنسان وفي ربط روحه العلوي ببدنه السفلي كقوله ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون  ﴾ وفي قوله ﴿ سنريهم ﴾ دلالة على أن رؤية الأدلة إنما تكون بإراءة الله.

قال جار الله: معنى قوله ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ هو أن هذه الآيات الموعودة تكفيهم دلالة على أن القرآن منزل من عالم الغيب المطلع على كل شيء.

وقال حكماء الإسلام: أراد بقوله ﴿ أو لم يكف ﴾ توبيخ من ليس له رتبة الاستدلال بنفس الوجود على واجب الوجود، فإن هذا هو طريقة الصديقين، وأما غيرهم فإنهم يستدلون بالممكن على الواجب فيفتقرون إلى النظر في الآفاق.

قال أهل المعرفة: النظر في الآفاق لأجل العوام والأنفس للخواص وقوله ﴿ أو لم يكف ﴾ لخواص الخواص.

وقيل: أولم يكف الإنسان من الزاجر والرادع عن المعاصي كون الله شهيداً عليهم.

وقيل: أراد أنه لا يخلف ما وعد لاطلاعه على الأشياء كلها.

ثم ختم السورة بتوبيخ الشاكين في أمر البعث وبالنعي عليهم وأوعدهم بأنه عالم بكل شيء فيجازي كلاً على حسب ما يستحقه والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ﴾ .

كأنه يقول - والله أعلم -: إنا قد آتينا موسى الكتاب ما عرفوا أنه إنما نزل من عند الله  ؛ حيث شاهدوا نزوله جملة، ومع أنهم عرفوا ذلك، اختلفوا فيه حتى كذبه بعضهم؛ فعلى ذلك يقول والله أعلم -: لو أنزلنا القرآن عليك أعجميّاً، فأديته إليهم بلسانك العربي، لكذبوك، ولا يصدقونك، وإن كان ذلك في الدلالة أكثر في الأعجوبة [و]أعظم على ما فعل قوم موسى بالكتاب الذي أنزل على موسى  ، يذكر سفههم وتعنتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ﴾ .

ظاهر هذه الآية على أن ما ذكر من المنة والرحمة في تأخير العذاب إنما هو لقوم موسى، وهو قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ ﴾ ، لكن أهل التأويل قد أجمعوا على صرف هذه المنة والرحمة في تأخير العذاب إلى هذه الأمة، وكذا ظهر فيهم المنة في العفو عن الإهلاك في الدنيا دون سائر الأمم، والله أعلم.

ثم ظاهر قوله: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ استدلال واحتجاج لأهل الإلحاد؛ لأن مثل هذا في الشاهد إنما يقال لأحد معنيين: أما لجهل بالعواقب، أو لعجز عن وفاء ما وعد، لكن الله يتعالى عن الوصف بالجهل بعواقب الأمور والوصف بالعجز عن شيء مما أقام من الآيات والبراهين على العلم والقدرة.

ثم قوله: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ ﴾ يحتمل الكلمة: الحجة؛ كقوله  : ﴿ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ  ﴾ ، وقوله  : ﴿ قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي  ﴾ ، أي: لحجج ربي، وتكون الكلمة منه: الدين؛ كقوله  : ﴿ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا  ﴾ ، ونحوه.

وقيل: الكلمة: هي الساعة التي هي آخر عذاب هذه الأمة، فقال: ﴿ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ  ﴾ ، والله أعلم.

وجائز أن تكون الكلمة هاهنا ما سبق من المنة لهذه الأمة ألا يعذبها وقت استحقاقهم العذاب.

أو سبق منه المنة والرحمة بتأخير الهلاك عن وقت اكتسابهم أسباب الهلاك، وهذا على المعتزلة والخوارج؛ لقولهم: إن ليس لله أن يعفو أو يؤخر العذاب عمن وجب عليه أو استحقه أو كلام نحوه، حيث منَّ ورحم هذه الأمة بتأخير العذاب عنهم إلى وقت، ولو لم يستحقه العذاب، لم يكن لذكر المنة والرحمة في ذلك معنى؛ وهو كما قال  : ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ﴾ .

يخبر - عز وجل - أنه إنما امتحنهم لا لمنافع فيه يجرُّ إلى نفسه، أو لمضار يدفعها عن نفسه، ولكنه إنما امتحنهم وأمرهم ونهاهم؛ لمنافع يكتسبون لأنفسهم، ولمضار يدفعون بذلك عن أنفسهم، وليس كملوك الأرض أنهم يمتحنون الخلق ويأمرون وينهون ويستعملونهم لمنافع أنفسهم، ولمضار يدفعونها بذلك عن أنفسهم، فأما الله -  وتعالى - فإنما يمتحن الخلائق لمنافع يجرون إلى أنفسهم ولمضار يدفعون به عن أنفسهم، فلهم حصول منافع ذلك الامتحان والأمر والنهي، وعليهم حصول ضرر ذلك؛ فلأنفسهم يعملون ما يعملون من الخير والطاعة، وعليهم ما يعملون من الشر؛ ولذلك قال: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ...

﴾ الآية، قد بين السبيلين جميعاً بيانا شافيا، وأقام لكل ذلك حججا وبراهين، وبين أن من سلك سبيل كذا، أفضاه إلى كذا في العاقبة: إما نعيم دائم وسرور دائم، وإما عذاب دائم وشرور دائمة، فمن سلك السبيل الذي عاقبته النار والحزن، فمن قِبَلِ نفسه أتى ذلك، وهو الذي أوقع نفسه في ذلك، ومن سلك السبيل الذي جعل عاقبته الجنة والنعم الدائمة فيه، واختياره وصل ذلك، فهو تفسير قوله  : ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ .

أجمع من آمن بالله  ، وصدق رسله - عليهم السلام - من أهل السماء وأهل الأرض أن ليس عندهم علم بوقت الساعة؛ فإن ذلك خفي عليهم لا يعلمونه، وأن علم ذلك عند الله  ، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا...

﴾ الآية [الأعراف: 187]؛ غير الباطنية والروافض؛ فإن علم ذلك عندهم على مذهبهم وفي زعمهم: أما الروافض: فإنهم يعدون الأئمة ويقولون: إن الساعة على إمام كذا، وفي زمان كذا.

وأما الباطنية يقولون: إن اسم الساعة والقيامة ونحو ذلك إنما هو اسم قائم الزمان وإنه فلان، فعلى قولهم يظهر وقت قيامها، فهو خلاف ما ذكر في الكتاب، وما أجمع عليه أهل السماء والأرض، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ ﴾ .

جائز أن يكون ما ذكر من إخراج الثمرة من الأكمام وما ذكر من حمل الأنثى ووضعها، وهو موصول بقوله: ﴿ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ ، فإنه كان على ذلك، فمعناه لا يعلم [ذلك] كله إلا هو، لا يعلم وقت خروجها ولا حدها، وأنها تخرج أو لا، وكذلك الولد لا يعلم كيفية علوقه ولا وقته ولا مقداره، وأنه يعلق أو لا، علم ذلك إلى الله  كعلم الساعة، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ ﴾ على الابتداء، ليس على الصلة بالساعة، ولكن موصول بما تقدم من قوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ﴾ ، ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً...

﴾ إلى [آخر] ما ذكر؛ فعلى ذلك يقول - والله أعلم -: ومن آيات ألوهيته ووحدانيته وآيات قدرته وعلمه وتدبيره أن يخرج الثمرات من أكمامها، ومن آياته أن تحمل الأنثى وتضع، وهو أن الله  أنشأ تلك الثمرة في الأكمام، وكذا الولد في البطن في حجب وسواتر ورباه في تلك الحجب والسواتر، وغذاه بأغذية، ودفع عنه جميع الأذى من البرد والحر وجميع ما يؤذيه؛ لضعفه ولطافته؛ لطفا منه ورحمة، وصوَّره في تلك الحجب والسواتر بأحسن صورة؛ ليعلم ألوهيته ووحدانيته وأن له علما ذاتيا وقدرة ذاتية أزلية لا مكتسبا مستفادا؛ إذ العلم المستفاد والقدرة المستفادة لا تبلغ ذلك، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مِّنْ أَكْمَامِهَا ﴾ أي: المواضع التي كانت فيها مستترة، وغلاف كل شيء كمه، كما قيل: كم القميص.

وقال أبو عوسجة: أكمامها: غطاؤها التي يكون فيها قبل أن يتعيق، والتعيق: التشقق؛ يقال: تعيقت الأكمام عن الثمرة، أي: تشققت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي ﴾ .

يذكرهم، ويخبر عما يسألون يوم القيامة وما يكون من جوابهم لذلك السؤال؛ لعلهم يمتنعون عن ذلك، ويحذرون؛ يقول: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي ﴾ أي: أين الذين تزعمون أنهم شركائي في الدنيا؟

أو أين الذين تعبدون في الدنيا وتزعمون أنها آلهة، وأنها شفعاء لكم عندي؟

وإلا لا يحتمل أن يقول لهم الرب - جل وعلا -: أين شركائي؟

ولا شريك له ولا إله غيره، ولكن ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ آذَنَّاكَ ﴾ : أسمعناك.

وقيل: أعلمناك.

والأشبه أن يكون معنى ﴿ آذَنَّاكَ ﴾ : أخبرناك؛ إذ الله  كان عالما بذلك، وإعلام العالم لا يتحقق، أما الإخبار للعالم عن الشيء يتحقق بما علم به، والله أعلم.

ثم اختلف في ذلك أنه قول من؟: قال بعضهم: هو قول أولئك الكفرة الذين نودوا يومئذ يقولون: أخبرناك أن لم يكن منا أحد شهيدا بذلك، أو يقولون بالشريك، أو بإله سواك، يخرج على الإنكار والجحود والكذب أنهم لم يقولوا ذلك، ولم يفعلوا، وهو كما ذكر عنهم في آية أخرى: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ...

﴾ الآية [الأنعام: 22]، فقالوا: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ، أنكروا ما كان منهم من الإشراك؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾ ، أي: لم نشرك بك أحدا، ولم نتخذ من دونك إلها، والله أعلم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾ هذا من قول الأصنام والذين عبدوهم من دون الله في الدنيا، يقولون: ما منا من شهيد على عبادة أولئك إيانا، ولا أمرناهم بذلك؛ وهو كقوله: ﴿ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً  ﴾ ، أخبروا أنهم كانوا غافلين عن عبادتهم إياهم، وأنهم ما أمروهم بها؛ فعلى ذلك قوله  : ﴿ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾ أي: أخبرناك.

وقوله  : ﴿ آذَنَّاكَ ﴾ على هذا التأويل هو ما ذكروا: أن كنا عن عبادتكم لغافلين، والله  أعلم.

ثم إن الكفرة في يوم القيامة مرة أنكروا عبادتهم غير الله، وأحيانا أقروا بها وتبرءوا منها، ومرة سألوا الرجوع إلى المحنة والرد إلى الدنيا على اختلاف الأحوال والأوقات في ذلك اليوم؛ إذ لا تكون هذه إلا الأسئلة المختلفة في وقت واحد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ ﴾ .

هو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ  مِن دُونِ ٱللَّهِ قَـالُواْ ضَـلُّواْ عَنَّا  ﴾ ؛ وذلك أنهم كانوا يعبدون الأصنام في الدنيا؛ رجاء أن تشفع لهم في الآخرة وتقربهم إلى الله زلفى، فلما أيسوا ما رجوا منها، وقمعوا، قالوا: ﴿ ضَـلُّواْ عَنَّا ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ ﴾ من قبل في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ ﴾ ، أي: أيقنوا وعلموا أن لا محيص لهم ولا نجاة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ ﴾ ، أي: مهرب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد أعطينا موسى التوراة فاختلف فيها؛ فمنهم من آمن بها، ومنهم من كفر بها، ولولا وعد من الله أن يفصل بين العباد يوم القيامة فيما اختلفوا فيه لحكم بين المختلفين في التوراة، فبيّن المحق والمبطل، فأكرم المحق وأهان المبطل، وإن الكفار لفي شك من أمر القرآن مريب.

<div class="verse-tafsir" id="91.kpdZa"

مزيد من التفاسير لسورة فصلت

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.9 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله وبحمده