الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ٤٦ من سورة فصلت
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 58 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٤٦ من سورة فصلت من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول تعالى : ( من عمل صالحا فلنفسه ) أي : إنما يعود نفع ذلك على نفسه ، ( ومن أساء فعليها ) أي : إنما يرجع وبال ذلك عليه ، ( وما ربك بظلام للعبيد ) أي : لا يعاقب أحدا إلا بذنب ، ولا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه ، وإرسال الرسول إليه .
القول في تأويل قوله تعالى : مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ( 46 ) يقول تعالى ذكره: من عمل بطاعة الله في هذه الدنيا, فائتمر لأمره, وانتهى عما نهاه عنه ( فَلِنَفْسِهِ ) يقول: فلنفسه عمل ذلك الصالح من العمل, لأنه يجازى عليه جزاءه, فيستوجب في المعاد من الله الجنة, والنجاة من النار.
( وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ) يقول: ومن عمل بمعاصي الله فيها, فعلى نفسه جنى, لأنه أكسبها بذلك سخط الله, والعقاب الأليم.
( وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ) يقول تعالى ذكره: وما ربك يا محمد بحامل عقوبة ذنب مذنب على غير مكتسبه, بل لا يعاقب أحدا إلا على جرمه الذي اكتسبه في الدنيا, أو على سبب استحقه به منه, والله أعلم.
من عمل صالحا فلنفسه شرط وجوابه ومن أساء فعليها والله [ ص: 331 ] - جل وعز - مستغن عن طاعة العباد ، فمن أطاع فالثواب له ، ومن أساء فالعقاب عليه .
وما ربك بظلام للعبيد نفى الظلم عن نفسه - جل وعز - قليله وكثيره ، وإذا انتفت المبالغة انتفى غيرها ، دليله قوله الحق : إن الله لا يظلم الناس شيئا وروى العدول الثقات ، والأئمة الأثبات ، عن الزاهد العدل ، عن أمين الأرض ، عن أمين السماء ، عن الرب جل جلاله : يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا .
.
.
الحديث .
وأيضا فهو الحكيم المالك ، وما يفعله المالك في ملكه لا اعتراض عليه ، إذ له التصرف في ملكه بما يريد .
{ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا } وهو العمل الذي أمر اللّه به، ورسوله { فَلِنَفْسِهِ } نفعه وثوابه في الدنيا والآخرة { وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا } ضرره وعقابه، في الدنيا والآخرة، وفي هذا، حثٌّ على فعل الخير، وترك الشر، وانتفاع العاملين، بأعمالهم الحسنة، وضررهم بأعمالهم السيئة، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى.
{ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } فَيُحمِّل أحدًا فوق سيئاتهم.
" من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها، وما ربك بظلام للعبيد ".
«من عمل صالحاً فلنفسه» عمل «ومن أساء فعليها» أي فضرر إساءته على نفسه «وما ربك بظلام للعبيد» أي بذي ظلم لقوله تعالى (إن الله لا يظلم مثقال ذرة).
من عمل صالحًا فأطاع الله ورسوله فلنفسه ثواب عمله، ومن أساء فعصى الله ورسوله فعلى نفسه وزر عمله.
وما ربك بظلام للعبيد، بنقص حسنة أو زيادة سيِّئة.
ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف فقال : ( مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا .
.
)أى : من عمل عملا صالحا بأن آمن بالله ، وصدق بما جاء به رسله ، فثمرة عمله الصالح لنفسه .( وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ) أى : ومن عمل عملا سيئا ، فضرر هذا العمل واقع عليها وحدها ( وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ) أى : وليس ربك - أيها الرسول الكريم - بذى ظلم لعباده الذين خلقهم بقدرته ، ورباهم بنعمته .فقوله ( ظلام ) صيغة نسب - كثمار وخباز - وليس صيغة مبالغة .قال بعض العلماء ما ملخصه : " وفى هذه الآية وأمثالها سؤال معروف ، وهو أن لفظة " ظلام " فيها صيغة مبالغة .
ومعلوم أن نفى المبالغة لا يستلزم نفى أصل الفعل .
فقولك - مثلا - : زيد ليس بقتال للرجال لا ينفى إلا مبالغته فى قتلهم ، فلا ينافى أنه ربما قتل بعض الرجال .ومعلوم أن المراد بنفى المبالغة - وهى لفظ ظلام - فى هذه الآية وأمثالها المراد به نفى الظلم من أصله .وقد أجابوا عن هذا الإِشكال بإجابات منها : أن نفى صيغة المبالغة هنا ، قد جاء فى آيات كثيرة ما دل على أن المراد به نفى الظلم من أصله ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) وقوله - تعالى - : ( إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئاً .
.
.
) ومنها : أن المراد بالنفى فى الآية ، نفى نسبة الظلم إليه .
لأن صيغة فعال تستعمل مرادا بها النسبة ، فتغنى عن ياء النسب .
.
كقولهم " لبان " أى : ذو لبن ، ونبال أى صاحب نبل .
.
واعلم أنه تعالى لما هدد الملحدين في آيات الله، ثم بيّن شرف آيات الله، وعلو درجة كتاب الله رجع إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يصبر على أذى قومه وأن لا يضيق قلبه بسبب ما حكاه عنهم في أول السورة من أنهم ﴿ قَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ فاعمل إِنَّنَا عاملون ﴾ فقال: ﴿ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ وفيه وجهان: الأول: وهو الأقرب أن المراد ما تقول لك كفار قومك إلا مثل ما قد قال للرسل كفار قومهم من الكلمات المؤذية والمطاعن في الكتب المنزّلة ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ للمحقين ﴿ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴾ للمبطلين ففوض هذا الأمر إلى الله واشتغل بما أمرت به وهو التبليغ والدعوة إلى الله تعالى الثاني: أن يكون المراد ما قال الله لك إلا مثل ما قال لسائر الرسل وهو أنه تعالى أمرك وأمر كل الأنبياء بالصبر على سفاهة الأقوام فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخافه أهل معصيته، وقد ظهر من كلامنا في تفسير هذه السورة أن المقصود من هذه السورة، هو ذكر الأجوبة عن قولهم: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي ءَاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فاعمل إِنَّنَا عَامِلُونَ ﴾ فتارة ينبه على فساد هذه الطريقة، وتارة يذكر الوعد والوعيد لمن لم يؤمن بهذا القرآن ولم يعرض عنه، وامتد الكلام إلى هذا الموضع من أول السورة على الترتيب الحسن والنظم الكامل، ثم إنه تعالى ذكر جواباً آخر عن قولهم: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي ءَاذانِنَا وَقْرٌ ﴾ فقال: ﴿ وَلَوْ جعلناه قُرْءَاناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصّلَتْ ءاياته ءاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: أأعجمي بهمزتين على الاستفهام، والباقون بهمزة واحدة ومدة على أصلهم في أمثاله، كقوله: ﴿ أأَنذَرْتَهُمْ ﴾ ونحوها على الاستفهام، وروي عن ابن عباس بهمزة واحدة، وأما القراءة بهمزتين: فالهمزة الأولى همزة إنكار، والمراد أنكروا وقالوا قرآن أعجمي ورسول عربي، أو مرسل إليه عربي، وأما القراءة بغير همزة الاستفهام، فالمراد الإخبار بأن القرآن أعجمي والمرسل إليه عربي.
المسألة الثانية: نقلوا في سبب نزول هذه الآية أن الكفار لأجل التعنت، قالوا لو نزل القرآن بلغة العجم فنزلت هذه الآية، وعندي أن أمثال هذه الكلمات فيها حيف عظيم على القرآن، لأنه يقتضي ورود آيات لا تعلق للبعض فيها بالبعض، وأنه يوجب أعظم أنواع الطعن فكيف يتم مع التزام مثل هذا الطعن ادعاء كونه كتاباً منتظماً، فضلاً عن ادعاء كونه معجزاً؟
بل الحق عندي أن هذه السورة من أولها إلى آخرها كلام واحد، على ما حكى الله تعالى عنهم من قولهم: ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ ﴾ وهذا الكلام أيضاً متعلق به، وجواب له، والتقدير: أنا لو أنزلنا هذا القرآن بلغة العجم لكان لهم أن يقولوا: كيف أرسلت الكلام العجمي إلى القوم العرب، ويصح لهم أن يقولوا ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ أي من هذا الكلام ﴿ وفي آذاننا وقر ﴾ منه لأنا لا نفهمه ولا نحيط بمعناه، أما لما أنزلنا هذا الكتاب بلغة العرب، وبألفاظهم وأنتم من أهل هذه اللغة، فكيف يمكنكم ادعاء أن قلوبكم في أكنة منها، وفي آذانكم وقر منها، فظهر أنا إذا جعلنا هذا الكلام جواباً عن ذلك الكلام، بقيت السورة من أولها إلى آخرها على أحسن وجوه النظم، وأما على الوجه الذي يذكره الناس فهو عجيب جداً.
ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَاء والذين لاَ يُؤْمِنُونَ فِي ءاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ .
واعلم أن هذا متعلق بقولهم: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ إلى آخر الآية، كأنه تعالى يقول: إن هذا الكلام أرسلته إليكم بلغتكم لا بلغة أجنبية عنكم، فلا يمكنكم أن تقولوا إن قلوبنا في أكنة منه بسبب جهلنا بهذه اللغة، فبقي أن يقال إن كل من آتاه الله طبعاً مائلاً إلى الحق، وقلباً مائلاً إلى الصدق، وهمة تدعوه إلى بذل الجهد في طلب الدين، فإن هذا القرآن يكون في حقه هدىً شفاء.
أما كونه هدىً فلأنه دليل على الخيرات ويرشد إلى كل السعادات، وأما كونه شفاء فإنه إذا أمكنه الاهتداء فقد حصل الهدى، فذلك الهدى شفاء له من مرض الكفر والجهل، وأما من كان غارقاً في بحر الخذلان، وتائهاً في مفاوز الحرمان، ومشغوفاً بمتابعة الشيطان، كان هذا القرآن في آذانه وقراً، كما قال: ﴿ وفي آذاننا وقر ﴾ وكان القرآن عليهم عمى كما قال: ﴿ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ ، ﴿ أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ بسبب ذلك الحجاب الذي حال بين الانتفاع ببيان القرآن، وكل من أنصف ولم يتعسف علم أنا إذا فسرنا هذه الآية على الوجه الذي ذكرناه صارت هذه السورة من أولها إلى آخرها كلاماً واحداً منتظماً مسوقاً نحو غرض واحد، فيكون هذا التفسير أولى مما ذكروه، وقرأ الجمهور ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ على المصدر، وقرأ ابن عباس عم على النعت، قال أبو عبيد والأول هو الوجه، كقوله: ﴿ هُدًى وَشِفَاء ﴾ وكذلك ﴿ عَمًى ﴾ وهو مصدر مثلها، ولو كان المذكور أنه هاد وشاف لكان الكسر في ﴿ عَمًى ﴾ أجود فيكون نعتاً مثلهما، وقوله تعالى: ﴿ أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ قال ابن عباس: يريد مثل البهيمة التي لا تفهم إلا دعاء ونداء، وقيل من دعي من مكان بعيد لم يسمع، وإن سمع لم يفهم، فكذا حال هؤلاء.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى الكتاب فاختلف فِيهِ ﴾ وأقول أيضاً إن هذا متعلق بما قبله، كأنه قيل إنا لما آتينا موسى الكتاب اختلفوا فيه، فقبله بعضهم ورده الآخرون، فكذلك آتيناك هذا الكتاب فقبله بعضهم وهم أصحابك، ورده الآخرون، وهم الذين يقولون ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ ﴾ يعني في تأخير العذاب عنهم إلى أجل مسمى وهو يوم القيامة، كما قال: ﴿ بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ ﴾ ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ يعني المصدق والمكذب بالعذاب الواقع بمن كذب وإنهم لفي شك من صدقك وكتابك مريب، فلا ينبغي أن تستعظم استيحاشك من قولهم: ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ .
ثم قال: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ﴾ يعني خفف على نفسك إعراضهم، فإنهم إن آمنوا فنفع إيمانهم يعود عليهم، وإن كفروا فضرر كفرهم يعود إليهم، والله سبحانه يوصل إلى كل أحد ما يليق بعمله من الجزاء ﴿ وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلِنَفْسِهِ ﴾ فنفسه نفع ﴿ فَعَلَيْهَا ﴾ فنفسه ضرّ ﴿ وَمَا رَبُّكَ بظلام ﴾ فيعذب غير المسيء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ﴾ بِالتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ كَما اخْتُلِفَ في القُرْآنِ.
﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ وهي العِدَةُ بِالقِيامَةِ وفَصْلُ الخُصُومَةِ حِينَئِذٍ، أوْ تَقْدِيرُ الآجالِ.
﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ بِاسْتِئْصالِ المُكَذِّبِينَ.
﴿ وَإنَّهُمْ ﴾ وإنَّ اليَهُودَ أوِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ.
﴿ لَفِي شَكٍّ مِنهُ ﴾ مِنَ التَّوْراةِ أوِ القُرْآنِ.
﴿ مُرِيبٍ ﴾ مُوجِبٍ لِلِاضْطِرابِ.
﴿ مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ﴾ نَفْعُهُ.
﴿ وَمَن أساءَ فَعَلَيْها ﴾ ضُرُّهُ.
﴿ وَما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ فَيَفْعَلُ بِهِمْ ما لَيْسَ لَهُ أنْ يَفْعَلَهُ.
<div class="verse-tafsir"
{مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ} فنفسه نفع {وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} فنفسه ضر {وَمَا رَبُّكَ بظلام للعبيد} فيعذب غير المسى
﴿ مَن عَمِلَ صالِحًا ﴾ بِأنْ آمَنَ بِالكُتُبِ وعَمِلَ بِمُوجِبِها ﴿ فَلِنَفْسِهِ ﴾ أيْ فَلِنَفْسِهِ يَعْمَلُهُ أوْ فَلِنَفْسِهِ نَفْعُهُ لا لِغَيْرِهِ، ( ومَن ) يَصِحُّ فِيها الشَّرْطِيَّةُ والمَوْصُولِيَّةُ وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن أساءَ فَعَلَيْها ﴾ ضَرُّهُ لا عَلى الغَيْرِ ﴿ وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِ تَرْكِ إثابَةِ المُحْسِنِ بِعَمَلِهِ أوْ إثابَةِ الغَيْرِ بِعَمَلِهِ وتَنْزِيلِ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ إساءَةٍ أوْ بِإساءَةِ غَيْرِهِ مَنزِلَةَ الظُّلْمِ الَّذِي يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى ولَمْ يَحْتَجْ بَعْضُهم إلى التَّنْزِيلِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ وفي تَوْجِيهِ النَّفْيِ والمُبالَغَةِ فَتَذَكَّرْ.
تَمَّ الجُزْءُ الرّابِعُ والعِشْرُونَ، ويَلِيهِ الجُزْءُ الخامِسُ والعِشْرُونَ، وأوَّلُهُ ﴿ إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ ..
إلَخْ.
.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: مَّا يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ يعني: اصبر على مقالة الكفار، فإنهم لا يقولون من التكذيب لك، إلا ما قد قيل للرسل من قبلك من التكذيب.
ويقال: معناه مَّا يُقالُ لَكَ يعني: لا يؤمر لك.
يعني: في الرسالة إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، بأن يعبدوا الله.
فيقال لك: أن تعبد الله أيضاً.
ويقال: مَّا يُقالُ لَكَ إلا بأن تبلغ الرسالة، إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ بأن يبلغوا الرسالة، إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ قال مقاتل: أي ذو تجاوز في تأخير العذاب عنهم إلى أجلهم.
وقال الكلبي: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لمن تاب من الشرك، وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ لمن لم يتب، ومات على الكفر.
قوله عز وجل: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا يعني: لو أنزلناه بلسان العبرانية، لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ يعني: هلا بيّن بالعربية.
ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ويقولون: القرآن أعجمي، والرسول عربي، فكان ذلك أشد لتكذيبهم.
قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية أبي بكر: بهمزتين بغير مد.
والباقون بهمزة واحدة مع المد، ومعناهما واحد ويكون على معنى الاستفهام.
وقرأ الحسن أَعْجَمِىٌّ بهمزة واحدة بغير مد.
ويكون على غير وجه الاستفهام.
وقرأ بعضهم أَعْجَمِىٌّ بنصب العين، والجيم.
يقال: رجل عجمي إذا كان من العجم، وإن كان فصيحاً.
ورجل أعجمي إذا كان لا يفصح، وإن كان من العرب.
ثم قال تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً يعني: القرآن هدى للمؤمنين من الضلالة، وَشِفاءٌ أي: شفاء لما في الصدور من العمى، وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة، فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ يعني: ثقل، وصم، وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى عَمي بالكسر على معنى النعت، وقراءة العامة بالنصب.
يعني: القرآن عليهم حجة، وهذا قول الكلبي.
وقال مقاتل: يعني: عموا عنه فلا ينظرونه، ولا يفهمونه.
وروي عن ابن عباس أنه قرأ: وهو عليهم عم بالكسر على معنى النعت، وقراءة العامة بالنصب، على معنى المصدر.
كما أنه قال: هُدىً وَشِفاءٌ على معنى المصدر.
ثم قال: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ وهذا على سبيل المثل.
يقال للرجل إذا قل فهمه: إنك تنادي من مكان بعيد يعني: إنك لا تفهم شيئاً ويقال ينادون من مكان بعيد.
يعني: من السماء.
وقال مجاهد: يعني: بعيداً من قلوبهم.
وقال الضحاك: ينادون يوم القيامة من مكان بعيد، فينادى الرجل بأشنع أسمائه.
يعني: يقال له يا فاسق، يا منافق يا، كذا يا كذا.
قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعني: أعطينا موسى التوراة، ويقال: الألواح.
قوله: فَاخْتُلِفَ فِيهِ يعني: صدق بعضهم، وكذب بعضهم، وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ يعني: وجبت بتأخير العذاب، لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ يعني: لفرغ من أمرهم، ولهلك المكذب.
وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ يعني: من العذاب بعد البعث مُرِيبٍ لا يعرفون شكهم.
ويقال: مُرِيبٍ أي: ظاهر الشك.
ويقال: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ بتأخير العذاب عن هذه الأمة إلى يوم القيامة، لأتاهم العذاب، إذ كذبوه كما فعل بغيرهم.
قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ يعني: ثوابه لنفسه، وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها يعني: العذاب على نفسه، وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ يعني: لا يعذب أحداً بغير ذنب.
<div class="verse-tafsir"
إظهاراً لِمَذَمَّةِ الكُفَّارِ به وذلك لأَنَّ قوله: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ داخل في صفة الذكر المُكَذَّبِ بهِ فلم يتم ذكر المُخْبَر عنه إلاَّ بعد استيفاء وصفِهِ، ووصفَ اللَّه تعالى الكتابَ بالعِزَّةِ لأنه بصحة معانيه مُمْتَنِعٌ الطَّعْنُ فيه والإزراء عليه، وهو محفوظ من اللَّه تعالى قال ابن عباس:
معناه: كريمٌ على اللَّه تعالى «١» .
وقوله تعالى: لاَّ يَأْتِيهِ/ الْباطِلُ قال قتادة والسُّدِّيُّ: يريد: الشيطان «٢» ، وظاهر اللفظَ يَعُمُّ الشيطان، وأنْ يجيء أمْرٌ يُبْطِلُ منه شَيْئاً.
وقوله: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ معناه: ليس فيما تقدم من الكتب ما يُبْطِلُ شَيْئاً منه.
وقوله: وَلا مِنْ خَلْفِهِ أي: ليس يأتي بعده من نَظَرِ ناظر وفِكْرَةِ عاقل ما يبطل شيئا منه، والمراد باللفظة على الجملة: لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات.
وقوله: تَنْزِيلٌ خبر مبتدإٍ، أي: هو تنزيلٌ.
وقوله تعالى: مَّا يُقالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ: يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون تسلية للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن مقالات، قومه وما يلقَاهُ من المكروه منهم.
والثاني: أنْ يكون المعنى: ما يقال لك من الوحي، وتُخَاطَبُ به من جهة اللَّه تعالى إلاَّ ما قد قيل للرُّسُلِ من قبلك.
وقوله تعالى: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا ...
الآية، الأَعْجَمِيُّ: هو الذي لا يفصح، عربيًّا كان أو غير عربيٍّ، والعَجَمِيُّ: الذي ليس من العرب، فصيحاً كان أو غيرَ فصيحٍ، والمعنى: ولو جعلنا هذا القرآن أعجمِيّاً، لا يبين لقالوا واعترضوا: لولا بينت
آياته، وهذه الآية نزلت بسبب تخليطٍ كان من قريش في أقوالهم من أجل حروف وقعت في القرآن، وهي مِمَّا عُرِّبَ من كلام العجم كسِجِّينٍ وإسْتَبْرَق ونحوه، وقرأ الجمهور:
ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ على الاستفهام وهمزة ممدودة قبل الألف، وقَرَأَ حمزةُ والكسائيُّ وحَفْصٌ: «أَأَعْجَمِيٌّ» بهمزتين «١» ، وكأنهم يُنْكِرُونَ ذلك، ويقولون: أأعجمي وعربي مُخْتَلِطٌ؟
هذا لا يحسن [ثم قال تعالى] «٢» : قُلْ هُوَ يعني القرآن لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ واختلف الناس في قوله: وَهُوَ عَلَيْهِمْ/ عَمًى فقالت فرقة: يريد ب «هو» القرآن، وقالت فرقة يريد ب «هو» الوَقْرَ، وهذه كلُّها استعاراتٌ، والمعنى: أَنَّهم كالأعمى وصاحب الوقر وهو الثِّقْلُ في الأذن، المانِعُ من السمع وكذلك قوله تعالى: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ يحتمل معنيين، وكلاهما مَقُولٌ للمفسِّرين:
أحدهما: أنَّها استعارة لِقِلَّة فِهمهم، شَبَّهَهُمْ بالرجل ينادى على بُعْدٍ، يَسْمَعُ منه الصوت، ولا يفهمُ تفاصيلَهُ ولا معانيه، وهذا تأويلُ مجاهد «٣» .
والآخر: أنَّ الكلام على الحقيقة، وأَنَّ معناه: أَنَّهم يوم القيامة يُنَادَوْنَ بكفرهم وقبيحِ أعمالهم من بعد حتى يَسْمَعَ ذلك أهلُ الموقف ليُفْضَحُوا على رؤوس الخلائق، ويكونَ أعظمَ لتوبيخهم وهذا تأويل الضَّحَّاكِ «٤» .
قال أبو حَيَّان «٥» : عَمًى- بفتح الميم- مصدر عَمِيَ، انتهى.
ثم ضرب الله تعالى أمر موسى مثلا للنبي ع ولقريش، أي: فَعَلَ أولئك كأفعال هؤلاء، حين جاءهم مِثْلُ ما جاء هؤلاءِ، والكلمةُ السابقةُ هي حَتْمُ اللَّهِ تعالى بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة، والضمير في قوله: لَفِي شَكٍّ مِنْهُ يحتمل أنْ يعودَ على موسى، أو على كتابه.
وقوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ ...
الآية: نصيحةٌ بليغةٌ لِلْعَالَمِ، وتحذيرٌ وترجيَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ ﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ، والمَعْنى: كَما آمَنَ بِكِتابِكَ قَوْمٌ وكَذَّبَ بِهِ قَوْمٌ، فَكَذَلِكَ كِتابُ مُوسى، ﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ في تَأْخِيرِ العَذابِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى وهو القِيامَةُ ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ بِالعَذابِ الواقِعِ بِالمُكَذِّبِينَ ﴿ وَإنَّهم لَفي شَكٍّ ﴾ مِن صِدْقِكَ وكِتابِكَ، ﴿ مُرِيبٍ ﴾ أيْ: مُوقِعٌ لَهُمُ الرِّيبَةَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ ﴾ ﴿ مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ الأعْجَمِيُّ هو الَّذِي لا يُفْصِحُ عَرَبِيًّا كانَ أو غَيْرَ عَرَبِيٍّ، والعَجَمِيُّ: الَّذِي لَيْسَ مِنَ العَرَبِ فَصِيحًا كانَ أو غَيْرَ فَصِيحٍ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ تَخْلِيطٍ كانَ مِن قُرَيْشٍ في أقْوالِهِمْ، مِن أجْلِ الحُرُوفِ الَّتِي وقَعَتْ في القُرْآنِ وهي مِمّا عُرِّبَ مِن كَلامِ العَجَمِ كالسِجِّينِ والإسْتَبْرَقِ ونَحْوَهُ، فَقالَ عَزَّ وجَلَّ: ولَوْ جَعَلْنا هَذا القُرْآنَ أعْجَمِيًّا لا يُبَيِّنَ لَقالُوا واعْتَرَضُوا: لَوْلا بَيَّنْتَ آياتِهِ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ ﴾ ، فَقِراءَةُ الجُمْهُورِ عَلى الِاسْتِفْهامِ وهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ قَبْلَ الألْفِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وَحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ: [أأعْجَمِيٌّ] بِهَمْزَتَيْنِ، وكَأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ: لَوْلا بُيِّنَ، أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ مُخْتَلِطٌ؟
هَذا لا يَحْسُنُ، وتَأوَّلَ ابْنُ جُبَيْرٍ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِمْ: أتَجِيئُنا عُجْمَةٌ ونَحْنُ- عَرَبٌ؟
ما لَنا ولِلْعُجْمَةِ؟
وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وأبُو الأُسُودِ، والجَحْدَرِيُّ، وسَلامٌ، والضَحّاكُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عامِرٍ - بِخِلافٍ عنهُما -: [أعْجَمِيٌّ] دُونَ اسْتِفْهامٍ وبِسُكُونِ العَيْنِ، كَأنَّهم قالُوا: أعُجْمَةٌ وإعْرابٌ.؟
إنَّ هَذا لِشاذٌّ، أوكَأنَّهم قالُوا: لَوْلا فُصِلَ فَصْلَيْنِ، فَكانَ بَعْضُهُ أعْجَمِيًّا يَفْهَمُهُ العَجَمُ، وبَعْضُهُ عَرَبِيًّا يَفْهَمُهُ العَرَبُ؟
وهَذا تَأْوِيلٌ لِابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: [أعَجَمِيٌّ] بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ دُونَ مَدٍّ وبِفَتْحِ العَيْنِ، فَأخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عنهم أنَّهُ لَوْ كانَ عَلى أيِّ وجْهٍ تُخُيِّلَ، لَكانَ لَهم قَوْلٌ واعْتِراضٌ فاسِدٌ، هَذا مَقْصَدُ الكَلامٍ.
وأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: إنَّ القُرْآنَ هُدًى وشِفاءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ المُبْصِرِينَ لِلْحَقائِقِ، وأنَّهُ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ولا يُصَرِّفُونَ نَظَرَهم وحَواسَّهم في المَصْنُوعاتِ عَمًى؛ لِأنَّهم في آذانِهِمْ وقْرٌ، وعَلى قُلُوبِهِمْ أقْفالٌ، وعَلى أعْيُنِهِمْ غِشاوَةٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ بِـ"هُوَ" القُرْآنُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: [وَهُوَ] يُرِيدُ بِهِ الوَقْرُ، والوَقْرُ: الثِقْلُ في الأُذُنِ المانِعُ مِنَ السَمْعِ، وهَذِهِ كُلُّها اسْتِعاراتٌ، أيْ: هم لَمّا لَمْ يَفْهَمُوا ولا حَصَّلُوا؛ كالأعْمى وصاحِبِ الوَقْرِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُعاوِيَةُ، وعَمْرُو بْنُ العاصِي: [وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمٍ] بِكَسْرِ المِيمِ مُنَوَّنَةً، وقالَ يَعْقُوبُ: لا أدْرِي أنَوَّنُوا أمْ فَتَحُوا الياءَ عَلى الفِعْلِ الماضِي، وبِغَيْرِ ياءٍ رَواها عَمْرُو بْنُ دِينارٍ، وسُلَيْمانُ بْنُ قَتَّةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذِهِ القِراءَةُ أيْضًا فِيها اسْتِعارَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، وكَلاهُما مَقُولٌ لِلْمُفَسِّرِينَ: أحَدُهُما أنَّها اسْتِعارَةٌ لِقِلَّةٍ فَهِمَهُمْ، شَبَّهَهم بِالرَجُلِ يُنادى عَلى بُعْدٍ يَسْمَعُ مِنهُ الصَوْتَ ولا تَفْهَمُ تَفاصِيلَهُ ولا مَعانِيهِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، والآخِرُ أنَّ الكَلامَ عَلى الحَقِيقَةِ، وأنَّ المَعْنى: أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ يُنادُونَ بِكُفْرِهِمْ وقَبِيحِ أعْمالِهِمْ مِن بُعْدٍ، حَتّى يَسْمَعَ ذَلِكَ أهْلُ المُوَقِّفِ، فَتَعْظُمُ السُمْعَةُ عَلَيْهِمْ ويَحُلُّ المُصابُ، وهَذا تَأْوِيلُ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ.
ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى أمْرَ مُوسى مَثَلًا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ ولِقُرَيْشٍ، أيْ: فِعْلُ أُولَئِكَ كَأفْعالٍ هَؤُلاءِ، حِينَ جاءَهم مِثْلُ ما جاءَ هَؤُلاءِ، و"الكَلِمَةُ السابِقَةُ" هي حَتْمُ اللهِ تَعالى بِتَأْخِيرِ عَذابِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَفِي شَكٍّ مِنهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أو عَلى كِتابِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ﴾ الآيَةُ.
نَصِيحَةٌ بَيِّنَةٌ لِلْعالَمِ وتَحْذِيرٌ وتَرْجِيَةٌ وصَدْعٌ بَيْنَ اللهِ تَعالى لا يَجْعَلُ شَيْئًا مِن عُقُوباتِ عَبِيدِهِ في غَيْرِ مَوْضِعِها، بَلْ هو العادِلُ المُتَفَضِّلُ الَّذِي يُجازِي كُلَّ عَبْدٍ بِتَكَسُّبِهِ.
<div class="verse-tafsir"
هذا من مكملات التسلية ومن مناسبات ذكر الأجل المسمى.
وفيه معنى التذييل لأن ﴿ مَن ﴾ في الموضعين مفيدة للعموم سواء اعتبرت شرطية أو موصولة.
ووجود الفاء في الموضعين: إمّا لأنهما جوابان للشرط، وإما لمعاملة الموصول معاملةَ الشرط وهو استعمال كثير.
والمعنى: أن الإِمهال إعذار لهم ليتداركوا أمرهم.
وتقديم قريب من هذه الآية في سورة الزمر، كما تقدم نظير ﴿ وما رَبُّكَ بِظَلاممٍ لِلْعَبِيد ﴾ لفظاً ومعنى في سورة غافر (31).
وحرف (على) مؤذن بمؤاخذة وتحمُّل أعباء كما أن اللام في قوله: ﴿ فَلِنَفْسِهِ ﴾ مؤذن بالعطاء.
والخطاب في ﴿ رَبُّكَ ﴾ للرسول صلى الله عليه وسلم وفيه ما تقدم من تعزيز تسليته عند قوله آنفاً: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ [فصلت: 45] من العدول إلى لفظ الرب المضاف إلى ضمير المخاطب.
والمراد بنفي الظلم عن الله تعالى لعبيده: أنه لا يعاقب من ليس منهم بمجرم، لأن الله لما وضع للناس شرائع وبيّن الحسنات والسيئات، ووعد وأوعد فقد جعل ذلك قانوناً، فصار العدول عنه إلى عقاب من ليس بمجرم ظلماً إذ الظلم هو الاعتداء على حق الغير في القوانين المتلقاة من الشرائع الإِلهية أو القوانين الوضعية المستخرجة من العقول الحكيمة.
وأما صيغة (ظلام) المقتضية المبالغة في الظلم فهي معتبرة قبل دخول النفي على الجملة التي وقعت هي فيها كأنه قيل: ليعذب الله المسيء لكان ظلاّماً له وما هو بظلاّم، وهذا معنى قول علماء المعاني: إن النفي إذا توجه إلى كلام مقيَّد قد يكون النفي نفياً للقيد وقد يكون القَيد قيداً في النفي ومثلوه بهذه الآية.
وهذا استعمال دقيق في الكلام البليغ في نفي الوصف المصوغ بصيغة المبالغة من تمام عدل الله تعالى أن جعل كل درجات الظلم في رتبة الظلم الشديد.
الجزء الخامس والعشرون <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِالأعْجَمِيِّ غَيْرَ المُبِينِ وإنْ كانَ عَرَبِيًّا، قالَهُ المُفَضَّلُ.
الثّانِي: بِلِسانٍ أعْجَمِيٍّ.
﴿ لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ ﴾ أيْ بُيِّنَتْ آياتُهُ لَنا بِالعَرَبِيَّةِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، والفَصْحُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ.
﴿ أأعْجَمِيٌّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَيْفَ يَكُونُ القُرْآنُ أعْجَمِيًّا ومُحَمَّدٌ عَرَبِيٌّ؟
قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: كَيْفَ يَكُونُ القُرْآنُ أعْجَمِيًّا ونَحْنُ قَوْمٌ عَرَبٌ؟
قالَهُ السُّدِّيُّ.
قالَ مُجاهِدٌ أعْجَمِيُّ الكَلامِ وعَرَبِيُّ الرَّجُلِ.
﴿ قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: هُدًى لِلْأبْصارِ وشِفاءٌ لِلْقُلُوبِ.
الثّانِي: هُدًى مِنَ الضَّلالِ وشِفاءٌ مِنَ البَيانِ.
﴿ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ ﴾ أيْ صَمَمٌ.
﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ أيْ حِيرَةٌ، وقالَ قَتادَةُ: عَمُوا عَنِ القُرْآنِ وصَمُّوا عَنْهُ.
﴿ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن مَكانٍ بَعِيدٍ مِن قُلُوبِهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهَ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: مِنَ السَّماءِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الثّالِثُ: يُنادَوْنَ بِأبْشَعِ أسْمائِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَيَحْتَمِلُ راِبِعًا: مِن مَكانٍ بَعِيدٍ مِنَ الإجابَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ قال: سبق لهم من الله حين واجلهم بالغرة.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ ﴾ يعني القدر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سواء ﴾ بالرفع: يزيد.
وقرأ يعقوب بالجر.
الباقون: بالنصب ﴿ نحسات ﴾ بسكون الحاء: ابن كثير وأبو عمرو ونافع وسهل ويعقوب ﴿ وأما ثمود ﴾ بالنصب: المفضل ﴿ نحشر ﴾ بالنون ﴿ أعداء ﴾ بالنصب: نافع ويعقوب.
الآخرون: بالياء مجهولاً ﴿ أعداء ﴾ مرفوعاً.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ﴿ الرحيم ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ كتاب ﴾ يصلح أن يكون بدلاً من ﴿ تنزيل ﴾ وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب.
ويجوز أن يكون ﴿ تنزيل ﴾ هو مع وصفه مبتدأ ﴿ وكتاب ﴾ خبره ﴿ يعلمون ﴾ ه ج لأن ﴿ وبشيراً ﴾ صفة أخرى لـ ﴿ قرآناً ﴾ ﴿ ونذيراً ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ عاملون ﴾ ه ﴿ واستغفروه ﴾ ج ﴿ للمشركين ﴾ ه لا ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ممنون ﴾ ه ﴿ وأنداداً ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه لا للآية مع العطف ﴿ أيام ﴾ ط لمن نصب ﴿ سواء ﴾ أو رفع ومن خفض لم يقف ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ كرهاً ﴾ ط ﴿ طائعين ﴾ ه ﴿ أمرها ﴾ ج للعدول ﴿ بمصابيح ﴾ ج لحق المحذوف أي وحفظناها حفظاً ولعل الوصل أولى لما يجيء ﴿ وحفظاً ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ه بناء على أن "إذ" يتعلق بمحذوف هو اذكر أو بمعنى الفعل في الصاعقة أي يصعقون إذ ذاك، ولا يجوز أن يتعلق بـ ﴿ أنذرتكم ﴾ ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ منا قوّة ﴾ ط ﴿ منهم قوّة ﴾ ط للفصل بين الإخبار والاستخبار ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ مثوى لهم ﴾ ط ﴿ المعتبين ﴾ ه.
التفسير: ﴿ حم ﴾ قال بعضهم: الحاء من الحكمة، والميم من المنة أي منّ على عباده بتنزيل الحكمة من الرحمن في الأزل، الرحيم في الأبد وهي ﴿ كتاب فصلت آياته ﴾ أي ميزت أمثالاً ومواعظ وأحكاماً وقصصاً إلى غير ذلك.
وقد مر في أوّل "هود".
وانتصب ﴿ قرآناً ﴾ على المدح والاختصاص أو على الحال الموطئة ﴿ لقوم يعلمون ﴾ أي لقوم عرب يفهمون معانيه يعني بالأصالة وللباقين بعدهم، وذلك أن النبي منهم فالدعوة تحصل أوّلاً لهم.
والأظهر عندي أنه كقوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وذلك أنه لا ينتفع بالقرآن إلا أهل العلم به.
قال أهل السنة: الصفات المذكورة ههنا للقرآن توجب شدة الاهتمام بمعرفته.
والوقوف على معانيه بيانه أن كونه نازلاً من الرحمن الرحيم دليل على أن تنزيله رحمة للعالمين، وفيه شفاء لأمراض القلوب، وكونه كتاباً.
والتركيب يدور على الجمع كما سبق في أول الكتاب يدل على أن فيه علوم الأوّلين والآخرين.
وقوله ﴿ فصلت آياته ﴾ دليل على أنه في غاية الكشف والبيان وكونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ ولغة العرب أفصح اللغات مما يوجب أن تتوفر عليه الرغبات ولا سيما للعرب ومن داناهم.
وكونه ﴿ بشيراً ونذيراً ﴾ يدل على أن الاحتياج إليه من أهم المهمات لأنه سعي في معرفة ما يوصل إلى الثواب الأبديّ، ويخلص من العقاب السرمدي.
فإذا علم المخاطبون هذه الفوائد ثم أعرض أكثرهم عن القرآن ولم يسمعوه سماع قبول دل ذلك على أن المهديّ من هداه الله ومن يضلله فلا هادي له.
ثم أكد بيان إعراضهم بقوله ﴿ وقالوا قلوبنا في أكنة ﴾ ولا يخفى أنه ذكر هذا في معرض الذم فوجه الجمع بينه وبين قوله ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً ﴾ هو أن الذم إنما يتوجه على اعتقادهم أنهم إذا كانوا كذلك لم يجز تكليفهم ولا خطابهم بالأمر والنهي، أو أنهم قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء.
قال جار الله: فائدة "من" في قوله ﴿ ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ دون أن يقول "وبيننا" هو أن العبارة الثانية تدل على مطلق الحجاب، ولكن العبارة الواردة في القرآن تفيد أن المسافة التي بينهم وبين رسول الله مملوءة من الحجاب لا فراغ فيها كأنه قيل: إن الحجاب ابتدأ منا ومنك.
ثم حكى عنهم ما قالوا على سبيل التهديد أو التحلية ﴿ فاعمل ﴾ أي على دينك أو في إبطال ديننا ﴿ إننا عاملون ﴾ على ديننا أو في إبطال أمرك.
ثم أمر رسوله أن يجيب عن شبهتهم بقوله ﴿ إنما أنا بشر مثلكم ﴾ وتوجيه النظم إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبراً فإني بشر مثلكم ولا امتياز إلا أني أوحي إليّ بالتوحيد والأمر به، فعليّ البلاغ وحده.
ثم إن قبلتم قولي أثابكم الله وإلا عاقبكم.
قال في الكشاف: أراد إن نبوّتي صحت بالوحي وإذا صحت وجب اتباعي ومن جملة ذلك القول بالتوحيد.
ثم بين أن خلاصة الوحي ترجع إلى أمرين: الاستقامة والإقامة على التوحيد المتوجهين إلى الله والاستغفار من تقصير قد يقع في الطاعة.
ثم هددّ أهل الشرك بقوله ﴿ وويل للمشركين ﴾ وقرن منع الزكاة بالكفر بالله أوّلاً وبالآخرة ثانياً، لأن المال شقيق الروح، وبه وببذله في سبيل الله يعرف الموافق من المنافق، ففيه بعث شديد لأهل الإيمان على أداء الزكاة، وفيه أن الشفقة على خلق الله قرينة التعظيم لأمر الله.
وقيل: كانت قريش يطعمون الحاج ولا يطعمون المؤمنين فنزلت قاله الفراء.
وقيل: أراد بالزكاة ههنا الإيمان لأنه يزكي النفس من دون الشرك.
ثم ذكر جزاء المطيعين وهو ظاهر.
والممنون المقطوع.
وقيل: هو من المنة.
قال جمع من المفسرين: نزلت في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون.
لما حكى بعض قبائح المشركين وسائر الكفرة أراد أن يورد دليلاً على التوحيد فأمر رسوله أن يوبخهم بقوله ﴿ أئنكم لتكفرون بالذي ﴾ سمعتم ممن تصدّقونهم من أهل الكتاب غيركم أنه ﴿ خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ﴾ عمم الكفر أوّلاً ثم خصص بنوع الشرك ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ ومعنى ﴿ من فوقها ﴾ أي بالنسبة إلى سكان المعمورة تذكيراً لنعمة فوق نعمة فإن الجبال منافعها أكثر من أن تحصى يعرف بعضها أهلها ولعلنا قد عددنا في أوّل "البقرة" طرفاً منها.
﴿ وبارك فيها ﴾ بوضع الخيرات الكثيرة فيها.
قال ابن عباس: يريد شق الأنهار وخلق الجبال والأشجار والحيوانات وكل ما يحتاج إليه ﴿ وقدّر فيها أقواتها ﴾ عن مجاهد: يعني المطر فإنه بمنزلة الغذاء للأرض به حياتها.
وعن محمد بن كعب: أراد أقوات أهلها ومعايشهم وما يصلحهم.
وقيل: لا حاجة إلى الإضمار فإن الإضافة تحسن لأدنى ملابسة أي وقدر فيها أقواتها التي يختص حدوثها بها ﴿ في أربعة أيام ﴾ يعني مع اليومين الأوّلين فيكون إيجاد نفس الأرض في يومين وإيجاد هذه الأشياء في يومين آخرين والمجموع أربعة أيام وخلق السماء في تتمة ستة فتكون هذه الآية موافقة لسائر الآيات، وقد سبق هذا المعنى في أوّل سورة البقرة.
من قرأ ﴿ سواء ﴾ بالرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو سواء.
ثم إن كان الضمير للأربعة فمعناه أن تلك الأيام مستوية في الطول والقصر كأيام خط الاستواء، أو هي تامة غير ناقصة بشيء فقد يطلق لفظ الكل على الأكثر، وهذه إحدى فوائد العدول عن العبارة الصريحة وهي أن لو قال في يومين آخرين.
وقال بعضهم: من فوائده أنه لا يجوز عطف قوله ﴿ وجعل ﴾ على ﴿ خلق ﴾ لأن قوله ﴿ وتجعلون ﴾ معطوف على ﴿ لتكفرون ﴾ ولا يجوز أن يحال بين صلة الموصول وما يعطف عليه بأجنبي لا يقال: جاءني الذي يكتب وجلس يقرأ فلا بدّ من إضمار فعل مثل الأول فتقدير الكلام: ذلك أن رب العالمين خلق الأرض وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام، وهو كلام لا يرد عليه سؤال أصلاً.
ومن قرأ بالجر فعلى وصف الأربعة بالاستواء والمعنى كما مر.
ومن قرأ بالنصب فعلى المصدر أي استوت استواء.
ثم إن كان الضمير للأربعة فالمعنى كما قلنا، وإن كان للأقوات.
وكذا في قراءة الرفع احتمل أن يكون ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً به أي الأقوات والأرزاق سواء لمن سأل ولمن لم يسأل لما روى عن ابن عباس قال: سمعت النبي وأنا رديفه يقول: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة سواء لمن سأل ولمن لم يسأل، وأنا من الذين لم يسألوا الله الرزق، ومن سأل فهو جهل منه.
واحتمل أن يكون قوله ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً بقوله ﴿ وقدّر ﴾ أي قدّر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها وهم في الاحتياج سواء.
وقيل: إنه متعلق بمحذوف كأنه قيل: هذا الحصر والبيان لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها، لأن اليهود سألوا رسول الله عن ذلك.
قوله ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ أي توجه بداعي الحكمة بعد خلق الأرض لا دحوها إلى خلق السماء، وقد مر في أول "البقرة".
قوله ﴿ وهي دخان ﴾ ذكر أصحاب الأثر وجاء في أوّل توراة اليهود أن عرش الله قبل خلق السموات والأرض كان على الماء فأحدث في ذلك الماء سخونة فارتفع زبد ودخان، أما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق الله منه الأرض، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق الله منه السموات.
وزعم المتكلمون أن الله خلق الأجزاء التي لا تتجزأ فكانت مظلمة عديمة النور، ثم ركبها وجعلها سموات وكواكب وشمساً وقمراً وأحدث صفة الضوء فيها فحينئذ صارت مستنيرة فصحت تسمية تلك الأجزاء قبل استنارتها بالدخان، لأنه لا معنى للدخان إلا أنها أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور.
واعلم أن ظاهر قوله ﴿ ثم استوى ﴾ يدل على أن خلق السماء متأخر عن خلق الأرض وقد جاء مثله في آيات أخر.
وفي الآثار، إلا أن الواحدي نقل في البسيط عن مقاتل أنه قال: خلق الله السماء قبل الأرض فتأوّل الآية بأن لفظة كان مضمرة أي ثم كان قد استوى كما في قوله ﴿ إن يسرق فقد ﴾ أي إن يكن يسرق.
وزيف بأن الجمع بين "ثم" الدال على التأخر وبين إضمار "كان" الدال على التقدم جمع بين النقيضين.
ويمكن أن يجاب بأن "ثم" ههنا لترتيب الأخبار.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: المختار عندي أن تكوين السماء مقدم على تكوين الأرض والخلق الوارد في الآية بمعنى التقدير كقوله ﴿ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ﴾ فإن إيجاد الموجود محال.
فمعنى الآية أنه قضى بحدوث الأرض في يومين أي حكم بأنه سيحدث كذا في مدة كذا.
قلت: لو لم يكن قوله ﴿ وجعل فيها رواسي من فوقها ﴾ إلى قوله ﴿ أربعة أيام ﴾ لكان هذا التأويل له وجه.
وقال بعض الصوفية: خلق أرض البشرية في يومي الهواء والطبيعة وهما من الأنداد، وجعل لها رواسخ العقل من فوقها لتستقر بها، وبارك فيها بالحواس الخمسة، وقدر فيها أقواتها من سائر القوى البشرية في تتمة أربعة أيام يعني في يومي الروح الحيواني والطبيعي، ثم استوى إلى سماء القلب وهي دخان نار الروحانية فقضى سماء القلب أطواراً سبعة كقوله ﴿ وقد خلقكم أطواراً ﴾ أوّلها الوسوسة ثم الهواجس ثم الرؤية ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ ثم الحكمة "ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه" ثم ظهور المغيبات ثم المحبة ثم التجلي في يومي الروح والإلهام الرباني.
قوله ﴿ فقال لها وللأرض ائتيا ﴾ الآية.
للمفسرين فيه قولان: الأول إجراء الكلام على ظاهره فإنه ليس بمستبعد من الله إنطاق أيّ جسم فرض بل إيداع الحياة والفهم فيه ولهذا قال ﴿ طائعين ﴾ على لفظ جمع المذكر السالم، فإن جمع المؤنث السالم لا يختص بالعقلاء.
ووجه الجمع أن أقل الجمع اثنان أو لأن كل واحد منهما سبع.
ومن هؤلاء من قال: نطق من الأرض موضع الكعبة، ومن السماء ما بحذائها، فجعل الله لها حرمة على سائر الأرض.
وعلى هذا القول لا بد أن يكون هذا التخاطب بعد الوجود فقالوا: معناه ائتيا بما خلقت فيكما أما أنت يا سماء فأطلعي الشمس والقمر والنجوم، وأما أنت يا أرض فاخرجي ما خلقت فيك من النبات فقالتا: جئنا بما أحدثت فينا مستجيبين لأمرك.
ومعنى الإتيان الحصول والوقوع كما يقال: أتى عمله مرضياً.
ويجوز أن يراد لتأت كل منكما صاحبتها الإتيان الذي تقتضيه الحكمة من كون الأرض قراراً والسماء سقفاً لها.
وقوله ﴿ طوعاً أو كرهاً ﴾ إظهار لكمال القدرة والتقدير أبيتما أو شئتما كما يقول الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شئت أو أبيت، وانتصابهما على الحال بمعنى طائعين أو كارهين.
والقول الثاني أن هذا تمثيل لنفوذ قدرته فيهما ولا قول ثمة، وعلى هذا لا يبعد أن يكون المقصود إيجادهما على وفق إرادته وهما في حيز العدم، وأن يكون المراد ما تقدم.
وقال بعضهم: الطوع يرجع إلى السماء لأن أحوالها على نهج واحد لا يختلف.
وشبه مكلف مطيع والكره يعود إلى الأرض لأنها مكان تغيير الأحوال ومحل الحوادث والمكاره.
قلت: لعل هذين الوصفين لهما باعتبار سكانهما.
قوله ﴿ فقضاهن ﴾ قضاء الشيء إتمامه والفراغ منه مع الإتقان.
والضمير إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سموات سبع.
وانتصب ﴿ سبع سموات ﴾ على الحال.
وإما مبهم مميز بما بعده.
يروى أنه خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين، وخلق سائر ما في الأرض في يوم الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم وأسكنه الجنة وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة.
﴿ وأوحى في كل سماء أمرها ﴾ أي أمر أهلها من العبادة والتكليف الخاص بكل منهم، فبعضهم وقوف وبعضهم ركوع وبعضهم سجود، وعلى هذا احتمل أن يكون خلق الملائكة مع السموات وقبلها.
وقيل: الإيحاء ههنا التكوين والإيجاد وأمرها شأنها وما يصلحها ﴿ وزينا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ أي بالنيرات المضيئة كالمصباح ﴿ وحفظناها ﴾ حفظاً من الشياطين المسترقة للسمع كما مرّ مراراً.
وجوّز جار الله أن يكون ﴿ حفظاً ﴾ مفعولاً له على المعنى كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة ﴿ وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم ﴾ فلكمال عزته قدر على خلق ما خلق ولشمول علمه دبر ما دبر.
ثم قال لنبيه ﴿ فإن أعرضوا ﴾ عن التوحيد بعد هذا البيان الباهر والبرهان القاهر ﴿ فقل أنذرتكم صاعقة ﴾ لأن الإصرار على الجهل بعد وضوح الحق عناد، ولا علاج للمعاند سوى التأديب بما يناسبه.
يروى أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد فلو التمستم لنا رجلاً عالماً بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان عن أمره.
فقال عتبة بن ربيعة: أنا ذاك.
فأتاه وقال: أنت خير أم هاشم؟
أنت خير أم عبد المطلب؟
أنت خير أم عبد الله؟
فبم تشتم آلهتنا وتضللنا.
وعرض عليه الرياسة والنساء والأموال إن ترك ذلك فقال رسول الله : ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ إلى قوله ﴿ مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ فهال عتبة بذاك وناشده بالرحم ورجع ولم يأت قريشاً.
فلما احتبس عنهم قالوا: ما نرى عتبة إلا قد صبأ.
فانطلقوا إليه فقال: والله لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر ولما بلغ ﴿ صاعقة عاد وثمود ﴾ ناشدته بالرحم أن يكف.
ولقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب.
فإن قيل: كيف يصح هذا الإنذار وقد أخبر الله في قوله ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ وإن هذه الأمة آمنون من العذاب؟
قلنا: الأنفال مدنية وهذه مكية.
قوله ﴿ إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ﴾ قيل: الضميران عائدان إلى الرسل أي جاءهم رسل بعد الرسل.
وقيل: من بين أيديهم أي حذروهم الدنيا ﴿ ومن خلفهم ﴾ الآخرة.
وقيل: من بين أيديهم الذين عاينوهم، ومن خلفهم الذين وصل إليهم خبرهم وكتبهم.
وحقيقة بين يديه أن يستعمل للشيء الحاضر، ومجازه أن يستعمل للشيء الماضي بزمان قريب.
وقال بعض المحققين: معناه أتاهم الرسل من كل جهة وأعملوا في إرشادهم كل حيلة ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ ويجوز أن تكون "أن" مفسرة أو مخففة وضمير الشأن مقدر.
والفاء في قوله ﴿ فإنا ﴾ للجزاء كأنه قيل: فإذا أنتم بشر ولستم بملائكة فانا لا نؤمن بكم.
وقولهم ﴿ ربنا ﴾ وكذا بما أرسلتم أي على زعمكم، أو أرادوا التهكم.
ثم فصل حال كل فريق قائلاً ﴿ فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ﴾ وهذا إخلال بالشفقة على الخلق ﴿ وقالوا من أشد منا قوّة ﴾ وهذا إخلال بالتعظيم لأمر الله ولهذا وبخهم بقوله ﴿ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشدّ منهم قوة ﴾ لأن الفاعل والعلة أقوى من القابل والمعلول، والقوة في الإنسان نتيجة صحة البنية والاعتدال وحقيقتها زيادة القدرة فلذلك جاز أن يقال: الله أقوى منهم كما صح أن يقال: الله أقدر، الله أكبر.
وإن كان لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.
وقوله ﴿ وكانوا بآياتنا يجحدون ﴾ معطوف على قوله ﴿ فاستكبروا ﴾ وقالوا: إن التوبيخ المذكور وقع اعتراضاً في البين.
ثم أخبر عن إهلاكهم والصرصر الريح الباردة الشديدة ضوعفت من الصر بالكسر وهو البرد الذي يصر أي يجمع ويقبض، أو من صرير الباب.
والتركيب يدور على الضم والجمع.
عن ابن عباس أن الله ما أرسل على عاد من الريح إلا قدر خاتمي ومع ذلك أهلكت الكل.
والأيام النحسات هي التي فسرها الله في الحاقة ﴿ سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام ﴾ والنحس بالسكون ضد السعد وهو إما مخفف نحس بالكسر أو هو أصل في نفسه كضخم، أو وصف لمصدر.
واستدل به بعض الأحكاميين على أن بعض الأيام يصح وصفه بالسعادة وبعضها بضدها.
وأجاب بعض المتكلمين بأن المراد بالنحوسة كونها ذات غبار وتراب وبرد.
والإنصاف أنه تكلف خارج عن قانون اللغة.
والإضافة في قوله ﴿ عذاب الخزي ﴾ كهي في قولك: رجل صدق.
وقوله ﴿ ولعذاب الآخرة أخزى ﴾ من الإسناد المجازي فإن الذل والهوان لصاحبه.
قوله ﴿ وأما ثمود ﴾ مرتفع على الابتداء.
قوله ﴿ فهديناهم ﴾ خبره قال سيبويه: هذا أفصح لأن أما من مظان وقوع المبتدأ بعده.
وقرىء بالنصب إضماراً على شريطة التفسير.
واتفقوا على أن المراد بالهداية ههنا الدلالة المجردة لقوله بعده ﴿ فاستحبوا العمى ﴾ يعني عمى البصيرة وهي الضلالة ﴿ على الهدى ﴾ إلا أن المعتزلة تأوّلوه بأنه إنما شاع استعماله في الدلالة المجردة لأنه مكنهم وأزاح علتهم فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها.
على أن المراد المعقولة ونقيضها، وقد مر هذا البحث في أول "البقرة" في قوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وصاعقة العذاب داهيته وقارعته، والهون مصدر بمعنى الهوان وصف به العذاب مبالغة، أو أبدله منه وكسبهم شركهم وتكذيبهم صالحاً وعقرهم الناقة.
ثم بين أحوال الذين آمنوا واتقوا المعاصي بقوله ﴿ ونجينا ﴾ الآية.
وحين بين عقوبتهم في الدنيا أخبر عن عذابهم وعذاب أمثالهم في الآخرة فقال ﴿ ويوم يحشر ﴾ الآية.
والعامل فيه "اذكر" محذوفاً، أو هو ظرف لما يدل عليه ﴿ يوزعون ﴾ كأنه قيل: يمنعون يوم يحشر فيحبس أوائلهم حتى يلحق بهم أواخرهم.
قال جار الله: هو عبارة عن كثرة أهل النار.
قلت: وذلك لأن الإيزاع لا يحتاج إليه إلا عند كثرة العدد كما مر في "النحل".
وما الإبهامية في قوله ﴿ حتى إذا ما جاؤها ﴾ تفيد التأكيد.
وهو أن عند وقت مجيئهم لا بد أن تحصل هذه الشهادة وشهادة الجلود بملامسة ما هو محرم.
وعن ابن عباس: المراد شهادة الفروج فيكون كناية.
وعن النبي : "أوّل ما يتكلم من الآدميّ فخذه وكفه" وفيه وعيد شديد في فعل الزنا لأن مقدمته تحصل بالكف ونهايته تكون بمساعدة الفخذ.
قوله ﴿ أنطق كل شيء ﴾ من العمومات المخصوصة أي ممن يصح النطق منه.
والمراد أن القادر على خلقكم وإنطاقكم في المرة الأولى في الدنيا، ثم خلقكم وإنطاقكم مرة أخرى، وثالثة في القبر وفي القيامة، كيف يستبعد منه إنطاق الجوارح والأعضاء؟
وقد مر تمام البحث في "يس".
عن ابن مسعود قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر ثقفيان وقرشيّ فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟
فقال آخر: إذا رفعنا أصواتنا يسمع وإلا لم يسمع.
وقال الآخر: إن كان يسمع إذا رفعنا أصواتنا يسمع إذا خفضنا.
فذكرت ذلك للنبي فنزل ﴿ وما كنتم تستترون ﴾ الآية.
وذلك أنهم كانوا يستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب القبائح فقيل لهم: ما كان استتاركم ذلك خفية أن تشهد عليكم جوارحكم هذه، لأن ذلك غير ممكن فإنها متصلة بكم وهي أعوانكم ومع ذلك لم يكن استتاركم في اعتقادكم أنها تشهد عليكم ولكنكم استترتم لظنكم أن الله لا يعلم كثيراً مما كنتم تعملون وهو الخفيات من أعمالكم.
وفيه ردّ على بعض الجهلة الذين يستخفون من الناس ولا يمكنهم الاستخفاء من الله، وفيه تنبيه على أن المؤمن يجب عليه أن يكون في أوقات خلواته أهيب لربه وأوفر احتشاماً ومراقبة.
ثم أخبر ﴿ فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ﴾ ولا ينتج الصبر لهم فرجاً وخلاصاً ﴿ وإن يستعتبوا ﴾ يطلبوا من الله الرضا عنهم ﴿ فما هم من المعتبين ﴾ أي من المرضيين.
والمراد أنهم باقون في مكروههم أبداً، سكتوا أو نطقوا.
قال الضعيف مؤلف الكتاب: إذا كان هذا وعيد من ظن أنه يمكن إخفاء بعض الأعمال من الله بالأستار والحجب فما ظنكم بوعيد من جزم أنه غير عالم بالجزئيات نعوذ بالله من هذا الاعتقاد والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا ﴾ .
قرأ بعضهم: ﴿ يُلْحِدُونَ ﴾ برفع الياء، وقرأ بعضهم بنصبها: فمن قرأ بالرفع، تأويله: إن الذين يميلون عن قبول آياتنا، قال أبو عوسجة: الإلحاد: الميل، وأخذ اللحد من هذا.
ومن قرأ بالنصب يقول: يعملون في آياتنا، إن الذين يعملون في دفع آياتنا وإبطالها.
﴿ لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ﴾ وعيد منه لهم، يقول: لا يخفون هم وما يفعلون علينا فيجزيهم بذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .
يشبه أن يكون هذا صلة لآيتين تقدم ذكرهما: إحداهما: قوله : ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ...
﴾ الآية هذه في المؤمنين، وقال في الكافرين: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ الآية [فصلت: 27].
والآية الثانية: قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ﴾ يقول: أفمن يلقى في النار بأعماله السوء خير أمّن يأتي آمنا عن ذلك بأعماله الحسنة؟!
أي: يعلمون أن من يلقى في الآخرة في النار ليس كالذي يأتي آمنا عن ذلك كله، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: أحدهما: على التخيير؛ لأنه جل وعلا بيَّن السبيلين جميعاً على المبالغة بياناً شافياً واضحاً، وبين عاقبة كل سبيل من سلكه إلى ماذا يفضي، ثم قال: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ ﴾ أي: اسلكوا أي سبيل شئتم، فإن سلكتم طريق كذا فلكم كذا، وإن سلكتم طريق كذا فلكم كذا، والله أعلم.
والثاني: على الوعيد.
وكذا قوله: ﴿ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ على الوعيد.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ .
سمى القرآن ذكرا، وهو يحتمل وجوهاً: أحدهما: سماه ذكر؛ لأن من اتبعه وعمل بما فيه صار مذكوراً شريفاً.
أو سماه ذكرا؛ لما يذكر لهم ما نسوا من أحكام الله.
أو يذكر ما لله عليهم وما لبعض على بعض.
﴿ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴾ أي: عزيز لا يذله جحود الجاحدين ولا تكذيب المكذبين، أو يقول: عزيز عند الله أكرم به محمداً وعزيز يعز من اتبعه وعمل به، كما ذكرنا أنه يشرف من اتبعه وعمل بما فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: أي: لا ينزل كتاب من بعده يكذبه أو يبطله، ولا قبله كتاب يكذبه أو يبطله، بل خرج موافقاً لما قبله من الكتب.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ أي: إبليس لا يستطيع أن يبطل منه حقّاً، أو يحق منه باطلا، أو ينقص منه حقّاً، أو يزيد فيه باطلا، بل هو على ما ذكرنا: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ .
وقال بعضهم ما ذكرنا: لا تكذبه الكتب التي كان قبله.
وقوله: ﴿ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ .
أي: لا يجيء من بعده كتاب يكذبه، ومعنى هذا: أنهم كانوا يردون ذلك ويدفعونه، وليست لهم حجة من الله في ردهم إياه ولا في دفعه، بل يدفعونه بلا حجة ولا برهان ﴿ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ .
وعن الحسن قال في قوله : ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ : إن الله - وتعالى - حفظه من الشيطان فلا يزيد فيه باطلا ولا ينقص منه حقّاً، ثم قرأ: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ .
ودل قوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ على أن كل ما أضيف إليه [من] اليدين والخلف لا يُفهم منه بذكر اليدين: الجارحتان، أو بذكر الخلف: بقوله: ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ ؛ فعلى ذلك ما أضيف إلى الله من اليدين ومن بين يديه، لا يُفهِمُ اليدان حقيقة الجارحتين، والله أعلم.
وقوله: ﴿ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ .
أي: هذا القرآن هو تنزيل من حكيم حميد، الحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في تدبيره أو في حكمه، والحميد: هو الذي لا يلحقه الذم في فعله، والله الموفق.
ثم قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ لم يخرج له جواب في هذا الموضع، ثم قال بعضهم: جوابه ما ذكر في آية أخرى بعد هذا، وهو قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ ، وقال بعضهم: بل جوابه ما ذكر في "حم المؤمن" حيث قال الله - -: ﴿ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ يعزِّي النبي ويصبِّره ليصبر على ما كانوا يقولون له: إنه كذاب وإنه ساحر، وإنه مجنون، وإنه إنما يعلمه بشر، وإنه مفترٍ، وغير ذلك من أنواع الأذى، كانوا يؤذونه وكان يشتد عليه ذلك ويثقل؛ لأنه كان يدعوهم إلى ما به نجاتهم وهم كانوا يستقبلونه بما ذكر، فقال الله - - له عند ذلك: ﴿ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ من التكذيب والنسبة إلى السحر والجنون وغير ذلك، يصبِّره على ذلك؛ وهو كقوله : ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ...
﴾ الآية [الأحقاف: 35].
ويحتمل أنه إنما ذكر ذلك له؛ ليسلَّى به عن بعض ما يلحقه من الضجر والوحشة بالذي قالوا فيه؛ بما علم أنه ليس بأول مكذَّب من الرسل، ولا بأول متأذٍّ في ذات الله ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: على أن ذلك إن ربك لذو مغفرة لو تابوا، ورجعوا عن ذلك، وذو عقاب أليم لو ثبتوا وداموا على ذلك.
أو يقول - والله أعلم - على الصلة لقوله : ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ أي: إنه لذو مغفرة يغفر لهم ما كان منهم من التكذيب لك والتكذيب للقرآن لو تابوا ورجعوا وصدقوا، وذو عقاب أليم إن لم يتوبوا وثبتوا على ذلك، والله أعلم.
أو يذكر هذا، أي: ليس إليك مكافأتهم ومجازاتهم بما كان منهم، إنما ذلك إلينا إن شئت غفرت لهم إذا رجعوا عنه، وإن شئت عاقبتهم؛ وهو كقوله : ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ...
﴾ الآية [آل عمران: 128].
وقوله: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ .
وقال في آية أخرى: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ يذكر في هذه الآيات كلها سفه أهل مكة وشدة تعنتهم؛ يقول: لو أنزلنا عليك الكتاب جملة في قرطاس بحيث يرون نزوله من السماء ويعاينونه، قالوا: ما هذا إلا سحر مبين.
ويقول أيضاً - والله أعلم -: ولو نزلنا هذا القرآن على بعض الأعجميين بلسان، فقرأه عليهم - أي على أهل مكة - بلسان العرب بحيث يفهمون - ما كانوا به مؤمنين؛ لأن قراءة الأعجمي إياه بلسان العرب أكبر في الآية وأعظم في الأعجوبة من قراءة العربي بلسان العربية، أي: قراءة كل أحد شيئاً بغير اللسان الذي هو لسانه أكبر في الآية وأعظم في الأعجوبة من القراءة بلسان هو لسانه.
يقول: لو نزلنا على من لسانه لسان العجم والقرآن عربي، فقرأ الأعجمي ذلك على أهل مكة بلسان العرب؛ فهو أكبر أعجوبة وأعظم في الآية - لكانوا لا يؤمنون به.
فعلى ذلك يقول - والله أعلم -: ولو جعلناه قرآناً أعجميّاً وعاينوا نزول ذلك على محمد وفهمه وأداه وقرأه عليهم بلسان العرب ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ يعنون القرآن ﴿ وَعَرَبِيٌّ ﴾ أي محمد - عليه الصلاة والسلام - يقولون: القرآن أعجمي ومحمد عربي كيف يكون؟!
أي: لا يكون هذا ويكذبونه ولا يؤمنون به؛ وذلك لما ذكرنا: أن أداءه بلسان ليس ذلك لسانه وقراءته بعين ذلك اللسان، أكثر في جعله آية وأعظم في الأعجوبة؛ إذ يمكن الاختلاف من نفسه باللسان الذي هو لسانه، وموهوم ذلك إذا لم يكن ذلك لسانه، يخبر عن سفههم وشدة عنادهم في تكذيبهم محمداً وما جاء به، والله أعلم.
وقال بعض أهل التأويل: إن النبي كان أحيانا يدخل على رجل أعجمي يقال له أبو فكيهة، فقالوا: إنما يعلمه بشر فأنزل الله : ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً ﴾ بلسان أعجمي، لقال كفار مكة: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ بالعربية، أي: بينت حتى نفقهها ونعلمها ما يقول محمد ولقالوا: أعجمي أنزل عليه القرآن ومحمد عربي؛ فأنزله عربيّاً ليفقهوه؛ فلا يكون لهم الاعتلال والاحتجاج.
وقال بعضهم: لولا فصلت آياته حتى يفقهها، أعجميٌّ القرآن وعربيٌّ الرجل؟!
وقال أبو معاذ: يكون معنى هذا: أن الله يستفهم قرآنا أعجميّاً على رجل عربي فلا يفهمون؛ فيكون الحجة لهم بذلك، وهو مثل الأول.
وقال بعضهم: ﴿ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ استفهام من قريش، يكون معناه: لو أنزلناه قرآنا أعجميّاً على رجل عربي لقالوا: أعجمي وعربي كيف يفهم هذا وكيف يعقله؟!
لَكنَّا قد ذكرنا أن هذا في الدلالة أكثر وفي الأعجوبة أعظم، والوجه فيه ما ذكرنا بدءاً.
وقال القتبي: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ أنزلت عربية مفصلة بالآي كان التفصيل للسان العرب، لكن لسنا ندري ما يريد بهذا الكلام أن التفصيل للسان العرب.
وقال بعضهم: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ أي: هلا فرقت آياته حتى جعل من كل لسان من لسان العجم ولسان العرب؛ حتى يفهمها أهل كل لسان، والله أعلم.
وفي هذه الآية دلالة على أنه لو أنزله بلسان العجم لكان قرآنا، وأن اختلاف اللسان لا يغيره ولا يحوله عن أن يكون قرآنا - والله أعلم - فيكون دليلا لقول أبي حنيفة - رحمه الله -: إنه إذا قرأ بالفارسية في صلاته يجوز، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ .
وصف الله هذا القرآن بالشفاء وللرحمة والهدى، وسماه مرة عزيزاً كريماً مجيداً حكيماً، ونحوه، فهو هدى من الضلالة والحيرة والشك وكل شبهة، وشفاء لكل داء وسقم يكون في الدين والأنفس جميعاً، هو شفاء لذلك كله وهو هدى.
ثم يحتمل الهدى وجهين في هذا الموضع: أحدهما: هو هدى لكل ضلالة، أي: دعاء إلى الذي يضاد الضلال.
والثاني: هدى، أي: جعل بياناً لكل حيرة وشك وشبهة، من اتبعه وقبله ونظر إليه بعين التعظيم والتبجيل دعاه إلى سبيله ودينه ويخرجه من الضلال، ويكون بياناً لكل من فيه الحيرة والشك والشبهة، ويخلى له الطريق ويوضح له السبيل ويخرجه من الشبهات، فهو للمؤمنين من الهدى والشفاء؛ لأنهم قبلوه واتبعوه وتكلفوا العمل بما فيه، وأما الكفرة فهو عليهم عمى وحيرة وشك، لأنهم لم يقبلوه ولم يتبعوه ونظروا إليه بالاستخفاف والهوان؛ ونبذوه وراء ظهورهم فلم يبصروا ما فيه؛ فهو صار لهم عمى وما ذكر، والله أعلم.
وكذلك قال : ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ سماهم غيبة وإن كانوا بأنفسهم حضوراً شهوداً، وسماهم موتى، وإن كانوا في الحقيقة أحياء، وسماهم صمّاً وبكماً وعمياً وإن كانت لهم هذه الجوارح في الحقيقة؛ لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح بالذي جعلت هذه الجوارح له وأنسيت فنفاها عنهم؛ ليعلم أن المقصود ما يشاهده الجوارح والأنفس، لا نفس هذه الحوارح والأنفس ولكن طلب ما غاب عنها وخفي؛ إذ أنفسهم في الحقيقة كانت شهودا وحضورا؛ سماهم: ميتة وأحياء وبصراء، وسماهم موتى وعميا وما ذكر؛ ليعلم أنها إنما جعلت؛ ليكتسبوا بها الحياة الدائمة، والبصر الدائم، وما ذكر من كل شيء من السمع وغيره، وكذلك هذه النعم التي جعلت؛ في الدنيا جعلت ليكتسبوا بها النعم الدائمة، فإذا لم يستعملوها فيما جعلت صاروا كما ذكر، والله أعلم.
وقال بعضهم: ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ ، أي: عموا عه.
وقال بعضهم: ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ ، أي: في الآخرة، جزاء بما نسوه في الدنيا؛ كقوله : ﴿ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ ﴾ .
وقيل: قوله: ﴿ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ عبارة عن قلة أفهامهم؛ يقال للرجل الذي لا يفهم: أنت تنادى من مكان بعيد، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
من عمل عملًا صالحًا فنفْعُ عمله الصالح عائد إليه، فالله لا ينفعه العمل الصالح من أحد، ومن عمل عملًا سيئًا فضرر ذلك راجع إليه، فالله لا تضرَّه معصية أحد من خلقه، وسيجازي كلًّا بما يستحقه، وما ربك -أيها الرسول- بظلَّام لعبيده، فلن ينقصهم حسنة، ولن يزيدهم سيئة.
من فوائد الآيات حَفِظ الله القرآن من التبديل والتحريف، وتكَفَّل سبحانه بهذا الحفظ، بخلاف الكتب السابقة له.
قطع الحجة على مشركي العرب بنزول القرآن بلغتهم.
نفي الظلم عن الله، وإثبات العدل له.
<div class="verse-tafsir" id="91.jjp4A"