الآية ٤٧ من سورة فصلت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ٤٧ من سورة فصلت

۞ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَٰتٍۢ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى قَالُوٓا۟ ءَاذَنَّـٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍۢ ٤٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 83 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٧ من سورة فصلت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٧ من سورة فصلت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( إليه يرد علم الساعة ) أي : لا يعلم ذلك أحد سواه ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - وهو سيد البشر لجبريل وهو من سادات الملائكة - حين سأله عن الساعة ، فقال : " ما المسئول عنها بأعلم من السائل " ، وكما قال تعالى : ( إلى ربك منتهاها ) [ النازعات : 44 ] ، وقال ( لا يجليها لوقتها إلا هو ) [ الأعراف : 187 ] .

وقوله : ( وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ) أي : الجميع بعلمه ، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء .

وقد قال تعالى : ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) [ الأنعام : 59 ] ، وقال جلت عظمته : ( يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار ) [ الرعد : 8 ] ، وقال ( وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير ) [ فاطر : 11 ] .

وقوله : ( ويوم يناديهم أين شركائي ) أي : يوم القيامة ينادي الله المشركين على رءوس الخلائق : أين شركائي الذين عبدتموهم معي ؟

( قالوا آذناك ) أي : أعلمناك ، ( ما منا من شهيد ) أي : ليس أحد منا اليوم يشهد أن معك شريكا ،

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47) يقول تعالى ذكره: إلى الله يرد العالمون به علم الساعة, فإنه لا يعلم ما قيامها غيره.( وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا ) يقول: وما تظهر من ثمرة شجرة من أكمامها التي هي متغيبة فيها, فتخرج منها بارزة.( وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى ) يقول: وما تحمل من أنثى من حمل حين تحمله, ولا تضع ولدها إلا بعلم من الله, لا يخفى عليه شيء من ذلك.

وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ( وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا ) قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( مِنْ أَكْمَامِهَا ) قال: حين تطلع.

حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا ) قال: من طلعها والأكمام جمع كمة (1) وهو كل ظرف لماء أو غيره, والعرب تدعو قشر الكفراة كمَّا.

واختلفت القراء في قراءة قوله: ( مِنْ ثَمَرَاتٍ ) فقرأت ذلك قرّاء المدينة: ( مِنْ ثَمَرَاتٍ ) على الجماع, وقرأت قراء الكوفة " من ثمرات " على لفظ الواحدة, وبأي القراءتين قرئ ذلك فهو عندنا صواب لتقارب معنييهما مع شهرتهما في القراءة.

وقوله: ( وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي ) يقول تعالى ذكره: ويوم ينادي الله هؤلاء المشركين به في الدنيا الأوثان والأصنام: أين شركائي الذين كنتم تشركونهم في عبادتكم إياي؟.( قَالُوا آذَنَّاكَ ) يقول: أعلمناك ( مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ ) يقول: قال هؤلاء المشركون لربهم يومئذ: ما منا من شهيد يشهد أن لك شريكا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثما أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( آذَنَّاكَ ) يقول: أعلمناك.

حدثني محمد, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ ) قالوا: أطعناك (2) ما منا من شهيد على أن لك شريكا.

------------------------ الهوامش: (1) لعل الأصل : جمع كم ، بلا تاء ، لأن الأكمام جمع" كم" لا جمع كمة .

انظر ( اللسان : كم ) .

(2) كذا في الأصل .

ولعله" أطلعناك" ، ليكون فيه معنى العلم .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إليه يرد علم الساعة أي : حين وقتها .

وذلك أنهم قالوا : يا محمد إن كنت نبيا فخبرنا متى قيام الساعة ، فنزلت : وما تخرج من ثمرات " من " زائدة أي : وما تخرج ثمرة .

من أكمامها أي : من أوعيتها ، فالأكمام أوعية الثمرة ، واحدها كمة وهي كل ظرف لمال أو غيره ، ولذلك سمي قشر الطلع أعني كفراه الذي ينشق عن الثمرة كمة ، قال ابن عباس : الكمة الكفرى قبل أن تنشق ، فإذا انشقت فليست بكمة .

وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة " الرحمن " وقرأ نافع وابن عامر وحفص من ثمرات على الجمع .

الباقون " ثمرة " على التوحيد ، والمراد الجمع ، لقوله : وما تحمل من أنثى ، والمراد الجمع ، يقول : إليه يرد علم الساعة كما يرد إليه علم الثمار والنتاج .ويوم يناديهم أي ينادي الله المشركين أين شركائي الذين زعمتم في الدنيا أنها آلهة تشفع .

قالوا يعني الأصنام .

وقيل : المشركون .

ويحتمل أن يريدهم جميعا العابد والمعبود " آذناك " : أسمعناك وأعلمناك .

يقال : آذن يؤذن : إذا أعلم ، قال [ الشاعر الحارث بن حلزة ] :آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء[ ص: 332 ] ما منا من شهيد أي نعلمك ما منا أحد يشهد بأن لك شريكا .

لما عاينوا القيامة تبرءوا من الأصنام وتبرأت الأصنام منهم كما تقدم في غير موضع .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا إخبار عن سعة علمه تعالى واختصاصه بالعلم الذي لا يطلع عليه سواه فقال: { إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ } أي: جميع الخلق ترد علمهم إلى الله تعالى، ويقرون بالعجز عنه، الرسل، والملائكة، وغيرهم.{ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا } أي: وعائها الذي تخرج منه، وهذا شامل لثمرات جميع الأشجار التي في البلدان والبراري، فلا تخرج ثمرة شجرة من الأشجار، إلا وهو يعلمها علما تفصيليًا.{ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى } من بني آدم وغيرهم، من أنواع الحيوانات، إلا بعلمه { وَلَا تَضَعُ } أنثى حملها { إِلَّا بِعِلْمِهِ } فكيف سوَّى المشركون به تعالى، من لا علم عنده ولا سمع ولا بصر؟.{ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } أي: المشركين به يوم القيامة توبيخًا وإظهارًا لكذبهم، فيقول لهم: { أَيْنَ شُرَكَائِيَ } الذين زعمتم أنهم شركائي، فعبدتموهم، وجادلتم على ذلك، وعاديتم الرسل لأجلهم؟

{ قَالُوا } مقرين ببطلان إلهيتهم، وشركتهم مع الله: { آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ } أي: أعلمناك يا ربنا، واشهد علينا أنه ما منا أحد يشهد بصحة إلهيتهم وشركتهم، فكلنا الآن قد رجعنا إلى بطلان عبادتها، وتبرأنا منها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إليه يرد علم الساعة ) أي : علمها إذا سئل عنها مردود إليه لا يعلمه غيره ، ( وما تخرج من ثمرات من أكمامها ) قرأ أهل المدينة والشام وحفص : " ثمرات " ، على الجمع ، وقرأ الآخرون " ثمرة " على التوحيد ، ( من أكمامها ) أوعيتها ، واحدها : كم .

قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : يعني الكفرى قبل أن تنشق .

( وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ) إلا بإذنه .

يقول : يرد إليه علم الساعة كما يرد إليه علم الثمار والنتاج .

( ويوم يناديهم ) ينادي الله المشركين ، ( أين شركائي ) الذين كنتم تزعمون أنها آلهة ، ( قالوا ) يعني المشركين ، ( آذناك ) أعلمناك ، ( ما منا من شهيد ) أي : من شاهد بأن لك شريكا لما عاينوا العذاب تبرءوا من الأصنام .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إليه يردُّ علم الساعة» متى تكون لا يعلمها غيره «وما تخرج من ثمرة» وفي قراءة ثمرات «من أكمامها» أوعيتها جمع كِم بكسر الكاف إلا بعلمه «وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك» أعلمناك الآن «ما منا من شهيد» أي شاهد بأن لك شريكاً.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إلى الله تعالى وحده لا شريك له يُرْجَع علم الساعة، فإنه لا يعلم أحد متى قيامها غيره، وما تخرج من ثمرات من أوعيتها، وما تحمل مِن أنثى ولا تضع حَمْلها إلا بعلم من الله، لا يخفى عليه شيء من ذلك.

ويوم ينادي الله تعالى المشركين يوم القيامة توبيخًا لهم وإظهارًا لكذبهم: أين شركائي الذين كنتم تشركونهم في عبادتي؟

قالوا: أعلمناك الآن ما منا من أحد يشهد اليوم أن معك شريكًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - فى أواخر هذه السورة الكريمة ، أن علم قيام الساعة إليه - تعالى - وحده ، وأن الإِنسان لا يسأم من طلب المزيد من الخير فإذا مسه الشر يئس وقنط .

وأن حكمته - تعالى - قد اقتضت أن يقيم للناس الأدلة على قدرته ووحدانيته من أنفسهم وعن طريق هذا الكون الذى يعيشون فيه فقال - تعالى - :( إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعة وَمَا تَخْرُجُ .

.

.

) .قوله - تعالى - : ( إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعة وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ .

.

) بيان لانفراد الخالق - عز وجل - بوقت قيام الساعة ، وبإحاطة علمه - تعالى - بكل شئ ، وإرشاد للمؤمنين إلى ما يقولونه إذا ما سئلوا عن ذلك .والأكمام : جمع كم - بكسر الكاف - وهو الوعاء الذى تكون الثمرة بداخله .أى : إلى الله - تعالى - وحده مرجع علم قيام الساعة ، وما تخرج ثمرات من أوعيتها الكائنة بداخلها ، وما تحمل من أنثى حملا ولا تضعه إلا بعلمه وإرادته - عز وجل - و " من " فى قوله ( مِن ثَمَرَاتٍ ) وفى قوله ( مِنْ أنثى ) مزيد لتأكيد الاستغراق .

وفى قوله ( مِّنْ أَكْمَامِهَا ) ابتدائية .قال الجمل : " فإن قلت : قد يقول الرجل الصالح قولا فيصيب فيه ، وكذلك الكهان والمنجمون .قلت : أما قول الرجل الصالح فهو من إلهام الله ، فكان من عمله - تعالى - الذى يرد إليه ، وأما الكهان والمنجمون فلا يمكنهم القطع والجزم فى شئ ما يقولونه ألبتة ، وإنما غايته ادعاء ظن ضعيف قد لا يصيب .

وعلم الله - تعالى - هو العلم اليقين المقطوع به الذى لا يشركه فيه أحد .ثم بين - سبحانه - تبرُّأ المشركين من آلهتهم يوم القيامة فقالك ( وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي قالوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ .

وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ ) .والظرف " يوم " منصوب بفعل مقدر ، ومعنى " آذناك " أعلمناك وأخبرناك ، آذان فلان غيره يؤذنه ، إذا أعلمه بما يريد إعلامه به .والنداء والسؤال إنما لتوبيخهم والتهكم بهم فى هذا الموقف العظيم .والظن هنا بمعنى اليقين .أى : واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ يوم ينادى الله - تعالى - المشركين فيقول لهم يوم القيامة : أين شركائى الذين كنتم تعبدون من دونى ليقربوكم إلى أو ليشفعوا لكم عندى؟( قالوا ) على سبيل التحسر والتذلل : يا ربنا لقد ( آذَنَّاكَ ) أى : لقد أعلمناك بأنه مامنا أحد يشهد بأن لك شريكا ، فقد انكشفت عنا الحجب ، واعترفنا بأنك أنت الواحد القهار .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما هدد الكفار في الآية المتقدمة بقوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا  ﴾ ومعناه أن جزاء كل أحد يصل إليه في يوم القيامة، وكأن سائلاً قال ومتى يكون ذلك اليوم؟

فقال تعالى إنه لا سبيل للخلق إلى معرفة ذلك اليوم ولا يعلمه إلا الله فقال: ﴿ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعة ﴾ وهذه الكلمة تفيد الحصر أي لا يعلم وقت الساعة بعينه إلا الله، وكما أن هذا العلم ليس إلا عند الله فكذلك العلم بحدوث الحوادث المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس إلا عند الله سبحانه وتعالى، ثم ذكر من أمثلة هذا الباب مثالين أحدهما: قوله: ﴿ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثمرات مّنْ أَكْمَامِهَا ﴾ والثاني: قوله: ﴿ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ ﴾ قال أبو عبيدة أكمامها أوعيتها وهي ما كانت فيه الثمرة واحدها كم وكمة، قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم (من ثمرات) بالألف على الجمع والباقون (من ثمرة) بغير ألف على الواحد.

واعلم أن نظير هذه الآية قوله: ﴿ إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة وَيُنَزّلُ الغيث  ﴾ إلى آخر لآية، فإن قيل أليس أن المنجمين قد يتعرفون من طالع سنة العالم أحوالاً كثيرة من أحوال العالم، وكذلك قد يتعرفون من طوالع الناس أشياء من أحوالهم، وهاهنا شيء آخر يسمى علم الرمل وهو كثير الإصابة وأيضاً علم التعبير بالاتفاق قد يدل على أحوال المغيبات، فكيف الجمع بين هذه العلوم المشاهدة وبين هذه الآية؟

قلنا إن أصحاب هذه العلوم لا يمكنهم القطع والجزم في شيء من المطالب ألبتة وإنما الغاية القصوى ادعاء ظن ضعيف والمذكور في هذه الآية أن علمها ليس إلا عند الله والعلم هو الجزم واليقين وبهذ لطريق زالت المنافاة والمعاندة والله أعلم، ثم إنه تعالى لما ذكر القيامة أردفه بشيء من أحوال يوم القيامة، وهذا الذي ذكره هاهنا شديد التعلق أيضاً بما وقع الابتداء به في أول السورة، وذلك لأن أول السورة يدل على أن شدة نفورهم عن استماع القرآن إنما حصلت من أجل أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يدعوهم إلى التوحيد وإلى البراءة عن الأصنام والأوثان بدليل أنه قال في أول السورة ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ  ﴾ فذكر في خاتمة السورة وعيد القائلين بالشركاء ولأنداد فقال: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِى ﴾ أي بحسب زعمكم واعتقادكم ﴿ قَالُواْ آذناك ﴾ قال ابن عباس أسمعناك كقوله تعالى: ﴿ وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا وَحُقَّتْ  ﴾ بمعنى سمعت، وقال الكلبي أعلمناك وهذا بعيد، لأن أهل القيامة يعلمون الله ويعلمون أنه يعلم الأشياء علماً واجباً، فالإعلام في حقه محال.

ثم قال: ﴿ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾ وفيه وجوه: الأول: ليس أحد منا يشهد بأن لك شريكاً، فالمقصود أنهم في ذلك اليوم يتبرءون من إثبات الشريك لله تعالى الثاني: ما منا من أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنهم وضلت عنهم آلهتهم لا يبصرونها في ساعة التوبيخ الثالث: أن قوله: ﴿ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾ كلام الأصنام فإن الله يحييها، ثم إنها تقول ما منا من أحد يشهد بصحة ما أضافوا إلينا من الشركة، وعلى هذا التقدير فمعنى أنها لا تنفعهم فكأنهم ضلوا عنهم.

ثم قال: ﴿ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ ﴾ وهذا ابتداء كلام من الله تعالى يقول إن الكفار ظنوا أولاً ثم أيقنوا أنه لا محيص لهم عن النار والعذاب، ومنهم من قال إنهم ظنوا أولاً أنه لا محيص لهم عن النار ثم أيقنوا ذلك بعده، وهذا بعيد لأن أهل النار يعلمون أن عقابهم دائم، ولما بيّن الله تعالى من حال هؤلاء الكفار أنهم بعد أن كانوا مصرين على القول بإثبات الشركاء والأضداد لله في الدنيا تبرءوا عن تلك الشركاء في الآخرة بين أن الإنسان في جميع الأوقات متبدل الأحوال متغير المنهج، فإن أحس بخير وقدرة انتفخ وتعظم وإن أحسّ ببلاء ومحنة ذبل، كما قيل في المثل: إن هذا كالقرلى، إن رأى خيراً تدلى، وإن رأى شراً تولى، فقال: ﴿ لاَّ يَسْأمُ الإنسان مِن دُعَاء الخير وَإِن مَّسَّهُ الشر فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ﴾ يعني أنه في حال الإقبال ومجيء المرادات لا ينتهي قط إلى درجة إلا ويطلب الزيادة عليها ويطمع بالفوز بها، وفي حال الإدبار والحرمان يصير آيساً قانطاً، فالانتقال من ذلك الرجاء الذي لا آخر له إلى هذا اليأس الكلي يدل على كونه مبتدل الصفة متغير الحال وفي قوله: ﴿ يئوس قنوط ﴾ مبالغة من وجهين: أحدهما: من طريق بناء فعول والثاني: من طريق التكرير واليأس من صفة القلب، والقنوط أن يظهر آثار ليأس في الوجه والأحوال الظاهرة.

ثم بيّن تعالى أن هذا الذي صار آيساً قانطاً لو عاودته النعمة والدولة، وهو المراد من قوله: ﴿ وَلَئِنْ أذقناه رَحْمَةً مّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ ﴾ فإن هذا الرجل يأتي بثلاثة أنواع من الأقاويل الفاسدة والمذاهب الباطلة الموجبة للكفر والبعد عن الله تعالى فأولها أنه لابد وأن يقول هذا لي وفيه وجهان الأول: معناه أن هذا حقي وصل إلي، لأني استوجبته بما حصل عندي من أنواع الفضائل وأعمال البر والقربة من الله ولا يعلم المسكين أن أحداً لا يستحق على الله شيئاً، وذلك لأنه إن كان ذلك الشخص عارياً عن الفضائل، فهذا الكلام ظاهر الفساد وإن كان موصوفاً بشيء من الفضائل والصفات الحميدة، فهي بأسرها إنما حصلت له بفضل الله وإحسانه، وإذ تفضل الله بشيء على بعض عبيده، امتنع أن يصير تفضله عليه بتلك العطية سبباً لأن يستحق على الله شيئاً آخر، فثبت بهذا فساد قوله إنما حصلت هذه الخيرات بسبب استحقاقي والوجه الثاني: أن هذا لي أي لا يزول عني ويبقى علي وعلى أولادي وذريتي.

والنوع الثاني: من كلماتهم الفاسدة أن يقول: ﴿ وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً ﴾ يعني أنه يكون شديد الرغبة في الدنيا عظيم النفرة عن الآخرة، فإذا آل الأمر إلى أحوال الدنيا يقول إنها لي وإذا آل الأمر إلى الآخرة يقول: ﴿ وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً ﴾ .

والنوع الثالث: من كلماتهم الفاسدة أن يقول ﴿ وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى رَبّي إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى ﴾ يعني أن الغالب على الظن أن القول بالبعث والقيامة باطل، وبتقدير أن يكون حقاً فإن لي عنده للحسنى، وهذه الكلمة تدل على جزمهم بوصولهم إلى الثواب من وجوه: الأول: أن كلمة إن تفيد التأكيد.

الثاني: أن تقديم كلمة لي تدل على هذا التأكيد الثالث: قوله: ﴿ عِندَهُ ﴾ يدل على أن تلك الخيرات حاضرة مهيئة عنده كما تقول لي عند فلان كذا من الدنانير، فإن هذا يفيد كونها حاضرة عنده، فلو قلت إن لي عند فلان كذا من الدنانير لا يفيد ذلك والرابع: اللام في قوله: ﴿ للحسنى ﴾ تفيد التأكيد الخامس: للحسنى يفيد الكمال في الحسنى.

ولما حكى الله تعالى عنهم هذه الأقوال الثلاثة الفاسدة قال: ﴿ فَلَنُنَبّئَنَّ الذين كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ ﴾ أي نظهر لهم أن الأمر على ضد ما اعتقدوه وعلى عكس ما تصوروه كما قال تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً  ﴾ ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ في مقابلة قولهم: ﴿ إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى ﴾ .

ولما حكى الله تعالى أقوال الذي أنعم عليه بعد وقوعه في الآفات حكى أفعاله أيضاً فقال: ﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ ﴾ عن التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ﴿ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ﴾ أي ذهب بنفسه وتكبر وتعظم، ثم إن مسه الضر والفقر أقبل على دوام الدعاء وأخذ في الابتهال والتضرع، وقد استعير العرض لكثرة الدماء ودوامه وهو من صفات الأجرام ويستعار له الطول أيضاً كما استعير الغلظ لشدة العذاب.

واعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد العظيم على الشرك وبين أن المشركين يرجعون عن القول بالشرك في يوم القيامة، ويظهرون من أنفسهم الذلة والخضوع بسبب استيلاء الخوف عليهم، وبين أن الإنسان جبل على التبدل، فإن وجد لنفسه قوة بالغ في التكبر والتعظم، وإن أحسّ بالفتور والضعف بالغ في إظهار الذلة والمسكنة ذكر عقيبة كلاماً آخر يوجب على هؤلاء الكفار أن لا يبالغوا في إظهار النفرة من قبول التوحيد، وأن لا يفرطوا في إظهار العداوة مع الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ وتقرير هذا الكلام أنكم كلما سمعتم هذا القرآن أعرضتم عنه وما تأملتم فيه وبالغتم في النفرة عنه حتى قلتم: ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي ءَاذانِنَا وَقْرٌ  ﴾ ثم من المعلوم بالضرورة أنه ليس العلم بكون القرآن باطلاً علماً بديهياً، وليس العلم بفساد القول بالتوحيد والنبوة علماً بديهياً، فقبل الدليل يحتمل أن يكون صحيحاً وأن يكون فاسداً بتقدير أن يكون صحيحاً كان إصراركم على دفعه من أعظم موجبات العقاب، فهذا الطريق يوجب عليكم أن تتركوا هذه الثغرة، وأن ترجعوا إلى النظرة والاستدلال فإن دل الدليل على صحته قبلتموه، وإن دل على فساده تركتموه، فأما قبل الدليل فالإصرار على الدفع والإعراض بعيد عن العقل، وقوله: ﴿ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ موضوع موضع منكم بياناً بحالهم وصفاتهم، ولما ذكر هذه الوجوه الكثيرة في تقرير التوحيد والنبوة، وأجاب عن شبهات المشركين وتمويهات الضالين قال: ﴿ سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِي الآفاق وَفِي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق ﴾ قال الواحدي واحد الآفاق أفق وهو الناحية من نواحي الأرض، وكذلك آفاق السماء ونواحيها وأطرافها، وفي تفسير قوله: ﴿ سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِي الآفاق وَفِي أَنفُسِهِمْ ﴾ قولان الأول: أن المراد بآيات الآفاق الآيات الفلكية والكوكبية وآيات الليل والنهار وآيات الأضواء والإضلال والظلمات وآيات عالم العناصر الأربعة وآيات المواليد الثلاثة، وقد أكثر الله منها في القرآن، وقوله: ﴿ وَفِي أَنفُسِهِمْ ﴾ المراد منها الدلائل المأخوذة من كيفية تكون الأجنة في ظلمات الأرحام وحدوث الأعضاء العجيبة والتركيبات الغريبة، كما قال تعالى: ﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ  ﴾ يعني نريهم من هذه الدلائل مرة بعد أخرى إلى أن تزول الشبهات عن قلوبهم ويحصل فيها الجزم والقطع بوجود الإله القادر الحكيم العليم المنزّه عن المثل والضد، فإن قيل هذا الوجه ضعيف لأن قوله تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ ﴾ يقتضي أنه تعالى ما أطلعهم على تلك الآيات إلى الآن وسيطلعهم عليها بعد ذلك، والآيات الموجودة في العالم الأعلى والأسفل قد كان الله أطلعهم عليها قبل ذلك فثبت أنه تعذر حمل هذا اللفظ على هذا الوجه، قلنا إن القوم وإن كانوا قد رأوا هذه الأشياء إلا أن العجائب التي أودعها الله تعالى في هذه الأشياء مما لا نهاية لها، فهو تعالى يطلعهم على تلك العجائب زماناً فزماناً، ومثاله كل أحد رأى بعينه بنية الإنسان وشاهدها، إلا أن العجائب التي أبدعها الله في تركيب هذا البدن كثيرة وأكثر الناس لا يعرفونها، والذي وقف على شيء منها فكلما ازداد وقوفاً على تلك العجائب والغرائب فصح بهذا الطريق قوله: ﴿ سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِي الآفاق وَفِى أَنفُسِهِمْ ﴾ والقول الثاني: أن المراد بآيات الآفاق فتح البلاد المحيطة بمكة وبآيات أنفسهم فتح مكة والقائلون بهذا القول رجّحوه على القول الأول لأجل أن قوله: ﴿ سَنُرِيهِمْ ﴾ يليق بهذا الوجه ولا يليق بالأول إلا أنا أجبنا عنه بأن قوله: ﴿ سَنُرِيهِمْ ﴾ لائق بالوجه الأول كما قررناه، فإن قيل حمل الآية على هذا الوجه بعيد لأن أقصى ما في الباب أن محمداً صلى الله عليه وسلم استولى على بعض البلاد المحيطة بمكة، ثم استولى على مكة، إلا أن الاستيلاء على بعض البلاد لا يدل على كون المستولي محقاً، فإنا نرى أن الكفار قد يحصل لهم استيلاء على بلاد الإسلام وعلى ملوكهم، وذلك لا يدل على كونهم محقين، ولهذا السبب قلنا إن حمل الآية على الوجه الأول أولى، ثم نقول إن أردنا تصحيح هذا الوجه، قلنا إنا لا نستدل بمجرد استيلاء محمد صلى الله عليه وسلم على تلك البلاد على كونه محقاً في ادعاء النبوة، بل نستدل به من حيث إنه صلى الله عليه وسلم أخبر عن مكة أنه يستولي عليها ويقهر أهلها ويصير أصحابه قاهرين للأعداء، فهذا إخبار عن الغيب وقد وقع مخبره مطابقاً لخبره، فيكون هذا إخباراً صدقاً عن الغيب، والإخبار عن الغيب معجزة، فبهذا الطريق يستدل بحصول هذا الاستيلاء على كون هذا الدين حقاً.

ثم قال: ﴿ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنَّهُ على كُلّ شَيْء شَهِيدٌ ﴾ وقوله: ﴿ بِرَبّكَ ﴾ في موضع الرفع على أنه فاعل ﴿ يَكُفَّ ﴾ و ﴿ أنه على كل شيء شهيد ﴾ بدل منه، وتقديره: أو لم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد، ومعنى كونه تعالى شهيداً على الأشياء أنه خلق الدلائل عليها، وقد اسقضينا ذلك في تفسير قوله: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله  ﴾ والمعنى ألم تكفهم هذه الدلائل الكثيرة التي أوضحها الله تعالى وقررها في هذه السورة وفي كل سور القرآن الدالة على التوحيد والتنزيه والعدل والنبوة.

ثم ختم السورة بقوله: ﴿ أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مّن لّقَاء رَبّهِمْ ﴾ أي إن القوم في شك عظيم وشبهة شديدة من البعث والقيامة، وقرئ ﴿ فِى مِرْيَةٍ ﴾ بالضم.

ثم قال: ﴿ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلّ شَيْء مُّحِيطُ ﴾ أي عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها فيعلم بواطن هؤلاء الكفار وظواهرهم، ويجازي كل أحد على فعله بحسب ما يليق به إن خيراً فخير، وإن شراً فشر فإن قيل قوله: ﴿ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلّ شَيْء مُّحِيطُ ﴾ يقتضي أن تكون علومه متناهية، قلنا قوله: ﴿ بِكُلّ شَيْء مُّحِيطُ ﴾ يقتضي أن يكون علمه محيطاً بكل شيء من الأشياء فهذا يقتضي كون كل واحد منها متناهياً، لا كون مجموعها متناهياً، والله أعلم بالصواب.

تم تفسير هذه السورة وقت ظهر الرابع من ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة والحمد لله رب العالمين وصلاته على خاتم النبيين محمد وآله وصحبه وسلم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعة ﴾ أي إذا سئل عنها قيل: الله يعلم.

أو لا يعلمها إلا الله.

وقرئ ﴿ من ثمرات من أكمامهن ﴾ .

والكم- بكسر الكاف- وعاء الثمرة، كجف الطلعة، أي: وما يحدث شيء من خروج ثمرة ولا حمل حامل ولا وضع واضع إلا وهو عالم به.

يعلم عدد أيام الحمل وساعاته وأحواله: من الخداج والتمام، والذكورة والأنوثة، والحسن والقبح وغير ذلك ﴿ أَيْنَ شُرَكَآءِى ﴾ أضافهم إليه تعالى على زعمهم، وبيانه في قوله تعالى: ﴿ أَيْنَ شُرَكَائِىَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ [القصص: 62] وفيه تهكم وتقريع ﴿ ءاذَنَّاكَ ﴾ أعلمناك ﴿ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾ أي ما منا أحد اليوم- وقد أبصرنا وسمعنا- يشهد بأنهم شركاؤك، أي: ما منا إلا من هو موحدلك: أو ما منا من أحد يشاهدهم، لأنهم ضلوا عنهم وضلت عنهم آلهتهم، لا يبصرونها في ساعة التوبيخ وقيل: هو كلام الشركاء، أي: ما منا من شهيد يشهد بما أضافوا إلينا من الشركة.

ومعنى ضلالهم عنهم على هذا التفسير: أنهم لا ينفعونهم، فكأنهم ضلوا عنهم ﴿ وَظَنُّواْ ﴾ وأيقنوا ما لهم من محيص.

والمحيص: المهرب.

فإن قلت: ﴿ ءاذَنَّاكَ ﴾ إخبار بإيذان كان منهم، فإذ قد آذنوا فلم سئلوا؟

قلت: يجوز أن يعاد عليهم (أين شركائي)؟

إعادة للتوبيخ، وإعادته في القرآن على سبيل الحكاية: دليل على إعادة المحكى.

ويجوز أن يكون المعنى: أنك علمت من قلوبنا وعقائدنا الآن أنا لا نشهد تلك الشهادة الباطلة، لأنه إذا علمه من نفوسهم فكأنهم أعلموه.

ويجوز أن يكون إنشاء للإيذان ولا يكون إخباراً بإيذان قد كان، كما تقول: أعلم الملك أنه كان من الأمر كيت وكيت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ أيْ إذا سُئِلَ عَنْها إذْ لا يَعْلَمُها إلاَّ هو.

( وما تَخْرُجُ مِن ثَمَرَةٍ مِن أكْمامِها ) مِن أوْعِيَتِها جَمْعُ كِمٍّ بِالكَسْرِ.

وقَرَأنافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ مِن ثَمَراتٍ بِالجَمْعِ لِاخْتِلافِ الأنْواعِ، وقُرِئَ بِجَمْعِ الضَّمِيرِ أيْضًا وما نافِيَةٌ ومِنَ الأُولى مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى السّاعَةِ ومِن مُبَيِّنَةٌ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿ وَما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ ﴾ بِمَكانٍ.

﴿ إلا بِعِلْمِهِ ﴾ إلّا مَقْرُونًا بِعِلْمِهِ واقِعًا حَسَبَ تَعَلُّقِهِ بِهِ.

﴿ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي ﴾ بِزَعْمِكم.

﴿ قالُوا آذَنّاكَ ﴾ أعْلَمْناكَ.

﴿ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ ﴾ مِن أحَدٍ يَشْهَدُ لَهم بِالشَّرِكَةِ إذْ تَبَرَّأْنا عَنْهم لَمّا عايَنا الحالَ فَيَكُونُ السُّؤالُ عَنْهم لِلتَّوْبِيخِ، أوْ مِن أحَدٍ يُشاهِدُهم لِأنَّهم ضَلُّوا عَنّا.

وقِيلَ: هو قَوْلُ الشُّرَكاءِ أيْ ما مِنّا مَن يَشْهَدُ لَهم بِأنَّهم كانُوا مُحِقِّينَ.

﴿ وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ ﴾ يَعْبُدُونَ.

﴿ مِن قَبْلُ ﴾ لا يَنْفَعُهم أوْ لا يَرَوْنَهُ.

﴿ وَظَنُّوا ﴾ وأيْقَنُوا.

﴿ ما لَهم مِن مَحِيصٍ ﴾ مَهْرَبٍ والظَّنُّ مُعَلَّقٌ عَنْهُ بِحَرْفِ النَّفْيِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعة} أي علم قيامها يرد اليه اى يجب على المسئول أن يقول الله يعلم ذلك {وَمَا تَخْرُجُ مِن ثمرات} مدني وشامي وحفص وغيرهم بغير الف {من أكمامها} او عيتها قبل أن تنشق جمع كم {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى} حملها {وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} أي ما يحدث شيء من خروج ثمرة ولا حمل حامل ولا وضع واضع إلا وهو عالم به يعلم عدد أيام الحمل

وساعاته وأحواله من الخداج والتمام والذكورة والأنوثة والحسن والقبح وغير ذلك {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِى} أضافهم إلى نفسه على زعمهم وبيانه في قوله أَيْنَ شُرَكَائِىَ الذين زَعَمْتُمْ وفيه تهكم وتقريع {قالوا آذناك} أعلمناك وقيل أخبرناك وهو الأظهر إذ الله تعالى كان عالماً بذلك وإعلام العالم محال أما الإخبار للعالم بالشيء فيتحقق بما علم به إلا أن يكون المعنى إنك علمت من قلوبناالان انا لا نشهد تلك الشهادة الباطلة لأنه إذا علمه من نفوسهم فكانهم اعلموه

فصلت (٥١ - ٤٧)

{ما منا من شهيد} اى مامنا أحد اليوم يشهد بأن لك شريكاً وما منا إلا من هو موحد لك أو ما منا من أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنهم وضلت عنهم الهتهم لايبصرونها في ساعة التوبيخ وقيل هو كلام الشركاء اى مامنا من شهيد يشهد بما أضافوا إلينا من الشركة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ ﴿ إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ أيْ إذا سُئِلَ عَنْها قِيلَ اَللَّهُ تَعالى يَعْلَمُ أوْ لا يَعْلَمُها إلّا اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فالمَقْصُودُ مِن هَذا اَلْكَلامِ إرْشادُ اَلْمُؤْمِنِينَ في اَلتَّقَصِّي عَنْ هَذا اَلسُّؤالِ وكِلا اَلْجَوابَيْنِ يَلْزَمُهُ اِخْتِصاصُ عِلْمِها بِهِ تَعالى، أمّا اَلثّانِي فَظاهِرٌ، وأمّا اَلْأوَّلُ فَلِأنَّكَ إذا سُئِلْتَ عَنْ مَسْألَةٍ وقُلْتَ.

فُلانٌ يَعْلَمُهُ كانَ فِيهِ نَفْيٌ عَنْكَ كِنايَةً وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ فُلانًا أهْلٌ أنْ يَسْألَ عَنْهُ دُونَكَ ﴿ وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها ﴾ أيْ مِن أوْعِيَتِها جَمْعُ كِمٍّ بِالكَسْرِ وهو وِعاءُ اَلثَّمَرَةِ كَجَفَّ اَلطَّلْعَةُ مِن كِمِّهِ إذا سَتَرَهُ وقَدْ يُضَمُّ وكُمُّ اَلْقَمِيصِ بِالضَّمِّ وقَرَأ اَلْحَسَنُ في رِوايَةٍ والأعْمَشُ.

وطَلْحَةُ.

وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ اَلسَّبْعَةِ (مِن ثَمَرَةٍ) عَلى إرادَةِ اَلْجِنْسِ والجَمْعِ لِاخْتِلافِ اَلْأنْواعِ.

وقُرِئَ (مِن ثَمَراتٍ) مِن أكْمامِهِنَّ، بِجَمِيعِ اَلضَّمِيرِ أيْضًا وما نافِيَةٌ ومِنَ اَلْأُولى مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ اَلِاسْتِغْراقِ والنَّصُّ عَلَيْهِ ومِنَ اَلثّانِيَةِ اِبْتِدائِيَّةٌ وكَذا (ما) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ ﴾ أيْ حَمْلَها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا بِعِلْمِهِ ﴾ في مَوْضِعِ اَلْحالِ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أوِ اَلْمُصاحَبَةِ والِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ اَلْأحْوالِ أيْ ما يَحْدُثُ شَيْءٌ مِن خُرُوجِ ثَمَرَةٍ ولا حَمْلِ حامِلٍ ولا وضْعِ واضِعٍ مُلابِسًا أوْ مُصاحِبًا بِشَيْءٍ مِنَ اَلْأشْياءِ إلّا مُصاحِبًا أوْ مُلابِسًا بِعِلْمِهِ اَلْمُحِيطِ سُبْحانَهُ واقِعًا حَسْبَ تَعَلُّقِهِ بِهِ، وجُوِّزَ في اَلْأُولى أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى اَلسّاعَةِ أيْ إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ اَلسّاعَةِ وعِلْمُ ما يَخْرُجُ ومِنَ اَلْأُولى بَيانِيَّةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ اَلْحالِ ومِنَ اَلثّانِيَةِ عَلى حالِها، وتَأْنِيثُ ﴿ تَخْرُجُ ﴾ بِاعْتِبارِ اَلْمَعْنى لِأنَّ ما بِمَعْنى ثَمَرَةٍ قِيلَ: ولا يَجُوزُ في اَلثّانِيَةِ ذَلِكَ لِمَكانِ اَلِاسْتِثْناءِ اَلْمُفَرَّغِ وأجازَهُ بَعْضُهُمْ، ويَكْفِي لِصِحَّةِ اَلتَّفْرِيغِ اَلنَّفْيُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَضَعُ ﴾ وجُمْلَةُ لا تَضَعُ إمّا حالٌ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ إلَيْهِ يُرَدُّ ﴾ إلَخْ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ اَلْمُتَبادِرَ في اَلْمَوْضِعَيْنِ اَلنَّفْيُ ثُمَّ إنَّ اَلِاسْتِثْناءَ مُتَعَلِّقٌ بِالكُلِّ وتَبْيِينِ اَلْقَدْرِ اَلْمُشْتَرِكِ بَيْنَ اَلْأفْعالِ اَلثَّلاثَةِ وجَعْلِهِ اَلْأصْلَ في تَعَلُّقِ اَلْمُفَرَّغِ كَما سَمِعْتَ لِإظْهارِ اَلْمَعْنى والإيماءِ إلى أنَّهُ لا يَحْتاجُ في مَثَلِهِ إلى حَذْفٍ مِنَ اَلْأوَّلَيْنِ أعْنِي ما تَخْرُجُ وما تَحْمِلُ وهو قَرِيبٌ مِن أُسْلُوبِ وقَدْ حِيلَ بَيْنَ اَلْعِيرِ والنَّزَوانِ لِأنَّ خَرَجَ زَيْدٌ مَعْناهُ حَدَثَ خُرُوجُهُ كَما أنَّ مَعْنى ذَلِكَ فِعْلُ اَلْحَيْلُولَةِ ولَيْسَ ذاكَ مِن بابِ اَلِاسْتِثْناءِ اَلْمُتَعَقِّبِ لِجُمَلٍ والخِلافُ في مُتَعَلِّقِهِ في شَيْءٍ لِأنَّ ذَلِكَ في غَيْرِ اَلْمُفَرَّغِ فَقَدْ ذَكَرَ اَلنَّحْوِيُّونَ في بابِ اَلتَّنازُعِ وإنْ كانَ مَنفِيًّا بِإلّا فالحَذْفُ لَيْسَ إلّا ولَوْ كانَ مِنهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ اَلْمُخْتَلَفِ فِيهِ لِاتِّحادِ اَلْجُمَلِ في اَلْمَقْصُودِ وظُهُورِ قَرِينَةِ اَلرُّجُوعِ إلى اَلْكُلِّ، والكَلامُ عَلى ما في شَرْحِ اَلتَّأْوِيلاتِ مُتَّصِلٌ بِأمْرِ اَلسّاعَةِ والبَعْثِ فَإنَّهُ لا يَعْلَمُ هَذا كُلَّهُ إلّا اَللَّهُ تَعالى فَذَكَرَ هَذِهِ اَلْأُمُورَ لِمُناسَبَتِها لِعِلْمِ اَلسّاعَةِ وإنَّ اَلْكُلَّ إيجادٌ بَعْدَ اَلْعَدَمِ بِقُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَيَكُونُ كالبُرْهانِ عَلى اَلْحَشْرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ ﴾ إلَخْ وبِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً ﴾ إلَخْ؛ فالمَعْنى مِن آياتِ أُلُوهِيَّتِهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ أنْ تَخْرُجَ اَلثَّمَراتُ وتَحْمِلَ اَلْحَوامِلُ وتَضَعَ حَسْبَ عِلْمِهِ جَلَّ وعَلا، والأوَّلُ أقْرَبُ.

﴿ ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي ﴾ أيْ بِزَعْمِكم كَما نَصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ”أيْنَ شُرَكائِيَ اَلَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ“ وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَقْرِيعٌ لَهُمْ، و”يَوْمَ“ مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ أوْ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ مُؤَخَّرٍ قَدْ تُرِكَ إيذانًا بِقُصُورِ اَلْبَيانِ عَنْهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ﴾ وضَمِيرُ ﴿ يُنادِيهِمْ ﴾ عامٌّ في كُلِّ مَن عَبَدَ غَيْرَ اَللَّهِ تَعالى فَيَنْدَرِجُ فِيهِ عَبَدَةُ اَلْأوْثانِ.

﴿ قالُوا ﴾ أيْ أُولَئِكَ اَلْمُنادَوْنَ ﴿ آذَنّاكَ ﴾ أيْ أعْلَمْناكَ والمُرادُ بِالإعْلامِ هُنا اَلْإخْبارُ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ فَلا يَصِحُّ إعْلامُهُ بِما هو سُبْحانَهُ عالِمٌ بِهِ بِخِلافِ اَلْإخْبارِ فَإنَّهُ يَكُونُ لِلْعالِمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ أخْبَرْناكَ ﴿ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ ﴾ أيْ بِأنَّهُ لَيْسَ مِنّا أحَدٌ يَشْهَدُ لَهم بِالشَّرِكَةِ فالجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولِ ﴿ آذَنّاكَ ﴾ وقَدْ عَلَّقَ عَنْها وفي تَعْلِيقِ بابِ أعْلَمَ وأنْبَأ خِلافٌ والصَّحِيحُ أنَّهُ مَسْمُوعٌ في اَلْفَصِيحِ، و ﴿ شَهِيدٍ ﴾ فَعَيْلٌ مِنَ اَلشَّهادَةِ ونَفْيُ اَلشَّهادَةِ كِنايَةٌ عَنِ اَلتَّبَرُّؤِ مِنهم لِأنَّ اَلْكَفَرَةَ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ أنْكَرُوا عِبادَةَ غَيْرِهِ تَعالى مَرَّةً وأقَرُّوا بِها وتَبَرَّءُوا عَنْها مَرَّةً أُخْرى وفَسَّرَهُ اَلسَّمَرْقَنْدِيُّ بِالإنْكارِ لِعِبادَتِهِمْ غَيْرَ اَللَّهِ تَعالى وشِرْكِهِمْ كَذِبًا مِنهم وافْتِراءً كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُمْ: ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ وظاهِرُ ﴿ آذَنّاكَ ﴾ يَقْتَضِي سَبْقَ اَلْإيذانِ في جَوابِ أيْنَ شُرَكائِي وإنَّما سُئِلُوا ثانِيًا حَتّى أجابُوا بِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ اَلْجَوابُ لِأنَّهُ تَوْبِيخٌ وفي إعادَةِ اَلتَّوْبِيخِ مِن تَأْكِيدِ أمْرِ اَلْجِنايَةِ وتَقْبِيحِ حالِ مَن يَرْتَكِبُها ما لا يَخْفى، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ اَلْمُرادَ إحْداثُ إيذانٍ لا إخْبارٌ عَنْ إيذانٍ سابِقٍ عَلى نَحْوِ طَلَّقْتُ وأمْثالِهِ، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ إخْبارٌ بِإعْلامٍ سابِقٍ وذَلِكَ اَلْإعْلامُ اَلسّابِقُ ما عَلِمَهُ تَعالى مِن بَواطِنِهِمْ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ أنَّهم لَمْ يَبْقَوْا عَلى اَلشِّرْكِ وعَلى تِلْكَ اَلشَّهادَةِ وكَأنَّهُ إعْلامٌ مِنهم بِلِسانِ اَلْحالِ وهَذا لا يَقْتَضِي سَبْقَ سُؤالٍ ولا جَوابٍ وفِيهِ حُسْنُ أدَبٍ كَأنَّهم يَقُولُونَ أنْتَ أعْلَمُ بِهِ ثُمَّ يَأْخُذُونَ في اَلْجَوابِ.

قالَ في اَلْكَشْفِ: وهَذا اَلْوَجْهُ هو اَلْمُخْتارُ لِاشْتِمالِهِ عَلى اَلنُّكْتَةِ اَلْمَذْكُورَةِ وما في اَلْآخَرِينَ مِن سُوءِ اَلْأدَبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اَلْمَعْنى آذَنّاكَ بِأنَّهُ لَيْسَ مِنّا أحَدٌ يُشاهِدُهم فَشَهِيدٌ مِنَ اَلشُّهُودِ بِمَعْنى اَلْحُضُورِ والمُشاهَدَةِ ونَفْيِ مُشاهَدَتِهِمُ اَلظّاهِرَ أنَّهُ عَلى اَلْحَقِيقَةِ وذَلِكَ في مَوْقِفِ وجَعْلِ بَعْضِ اَلْعَبَدَةِ مُقِرِّينَ بِمَعْبُوداتِهِمْ في آخَرَ فَلا تَنافِيَ بَيْنَهُما، وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهُ تَعالى شَرِيكٌ نَحْوَ قَوْلِكَ: لا نَرى لَكَ مَثَلًا تُرِيدُ لا مَثَلَ لَكَ لِنَراهُ، والكَلامُ في ﴿ آذَنّاكَ ﴾ عَلى ما آذَنّاكَ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿ قالُوا ﴾ لِلشُّرَكاءِ أيْ قالَ اَلشُّرَكاءُ: لَيْسَ مِنّا أحَدٌ يَشْهَدُ لَهم بِأنَّهم كانُوا مُحِقِّينَ فَشَهِيدٌ مِنَ اَلشَّهادَةِ لا غَيْرَ، والمُرادُ اَلتَّبَرُّؤُ مِنهم وفِيهِ تَفْكِيكُ اَلضَّمائِرِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ يعني: لا يعلم قيام الساعة أحد إلا الله.

يعني: يرد الخلق كلهم علم قيام الساعة إلى ربهم.

وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها يعني: من أجوافها.

يعني: حين تطلع، وغلاف كل شيء كلمه أي: تخرج من موضعها الذي كانت فيه.

قرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، في إحدى رواية حفص: مِنْ ثَمَراتٍ بلفظ الجمع.

والباقون: مِن ثَمَرَةٍ بلفظ الواحد.

ثم قال: وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ يعني: إلا وهو يعلمه، ولا يعلم أحد قبل الولادة، قبل صفته، ولا يعلم أحد بعد وضعه، كم أجله.

وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ يعني: يدعوهم، أَيْنَ شُرَكائِي يعني: الذين كنتم تدعون من دون الله، قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ يعني: أعلمناك، وقلنا لك: ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ يعني: يشهد بأن لك شريك تبرؤوا من أن يكون مع الله شريك.

وقالوا: ما منا من أحد يشهد لك أنه عبد أحد دونك.

وقال القتبي: هذا قول الآلهة التي كانوا يعبدون في الدنيا.

وما منا من شهيد لهم كما قالوا.

وادعوه في الدنيا فينا.

وَضَلَّ عَنْهُمْ يعني: بطل عنهم، مَّا كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ في الدنيا، وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ يعني: علموا، واستيقنوا ما لهم من ملجأ، ولا مفر من النار.

قوله تعالى: لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ يعني: لا يمل الكافر.

قال الضحاك: نزلت في شأن النضر بن الحارث.

مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ يعني: من سؤال الخير.

يعني: العافية في الجسد، والسعة في الرزق.

وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ يعني: أصابته الشدة، والبلاء، والفقر، فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ يعني: آيساً من الخير، قانطاً من رحمة الله تعالى.

ويقال: لا يمل من دعاء الخير، وإذا نزلت به شدة.

يقول: اللهم عافني، وإذا مسه الشر فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ يعني: آيساً من معبوده.

وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا يعني: أصبناه عافية منا، وَغِنًى، مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ يعني: من بعد شدة أصابته، لَيَقُولَنَّ هذا لِي يعني: أنا أهل لهذا، ومستحق له.

ويقال: أنا أحق بهذا.

ويقال: هذا بعملي، وأنا محقوق به.

وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً يعني: ما أحسب القيامة كائنة، وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي يعني: يوم القيامة، إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى يعني: الجنة ولئن كان يوم القيامة، كما يقول محمد  فلي الجنة.

يقول الله تعالى: فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: لنخبرنهم، بِما عَمِلُوا من أعمالهم الخبيثة، وَلَنُذِيقَنَّهُمْ يعني: لنجزينهم، مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ يعني: عذاب شديد لا يفتر عنهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠)

وقوله تعالى: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ...

الآية، المعنى: إنَّ علم الساعة ووقتَ مجيئها يَرُدُّهُ كلّ مؤمن متكلّم فيه إلى الله عز وجل.

وقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي ...

الآية، التقدير: واذكر يوم يناديهم، والضمير في يُنادِيهِمْ الأظهر والأسبق فيه للفهم: أنَّه يريد الكفارَ عَبَدَةَ الأوثان، ويحتمل أنْ يريد كلَّ مَنْ عُبِدَ من دون اللَّه من إنسانٍ وغَيْرِهِ، وفي هذا ضَعْفٌ، وأَمَّا الضمير/ في قوله: وَضَلَّ عَنْهُمْ فلا احتمال لِعَوْدَتِهِ إلاَّ على الكفار، وآذَنَّاكَ قال ابن عباس وغيره: معناه: أعلمناك ما مِنَّا مَنْ يشهدُ، ولا مَنْ شَهِدَ بأنَّ لك شريكاً وَضَلَّ عَنْهُمْ أي:

نَسُوا ما كانوا يقولُونَ في الدنيا، ويَدْعُونَ من الآلهة والأصنام، ويحتمل أن يريد: وضَلَّ عنهم الأصنام، أي: تلفت، فلم يجدوا منها نَصْراً، وتلاشى لهم أمْرُهَا.

وقوله: وَظَنُّوا يحتمل أنْ يكونَ متَّصِلاً بما قبله، ويكون الوقْفُ عليه، ويكون قوله: مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ استئنافاً، نفَى أنْ يكُونَ لهم مَلْجَأً أو موضِعَ رَوَغَانٍ، تقول:

حَاصَ الرَّجُلُ: إذَا رَاغَ لِطَلَبِ النجاةِ مِنْ شَيْءٍ ومنه الحديثُ: «فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إلَى الأَبْوَابِ» «١» ، ويكونَ الظَّنُّ على هذا التأويل على بابه، أي: ظَنُّوا أَنَّ هذه المقالة مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ مَنْجَاةٌ لهم، أو أمر يموِّهون به، ويحتمل أنْ يكون الوقف في قوله: مِنْ قَبْلُ، ويكون وَظَنُّوا متصلاً بقوله: مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ أي: ظنوا ذلك، ويكون الظن على هذا التأويل بمعنى اليقين، وقد تقدَّم البحثُ في إطلاق الظن على اليقين.

ت: وهذا التأويلُ هو الظاهرُ، والأوَّلُ بعيدٌ جدًّا.

وقوله تعالى: لاَّ يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ هذه آياتٌ نزلَتْ في كفّار، قيل: في

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : أخْبِرْنا عَنِ السّاعَةِ إنْ كُنْتَ رَسُولًا كَما تَزْعُمُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

ومَعْنى الآيَةِ: لا يَعْلَمُ قِيامَها إلّا هُوَ، فَإذا سُئِلَ عَنْها فَعِلْمُها مَرْدُودٌ إلَيْهِ.

( وما تَخْرُجُ مِن ثَمَرَة ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وَأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "مِن ثَمَرَةٍ" .

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ: "مِن ثَمَراتٍ" عَلى الجَمْعِ ﴿ مِن أكْمامِها ﴾ أيْ: أوْعِيَتِها.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مِنَ المَواضِعِ الَّتِي كانَتْ فِيها مُسْتَتِرَةً، وغِلافُ كُلِّ شَيْءٍ: كُمُّهُ، وإنَّما قِيلَ: كُمُّ القَمِيصِ، مِن هَذا.

قالَ الزَّجّاجُ: الأكْمامُ: ما غَطّى، وكُلُّ شَجَرَةٍ تُخْرِجُ ماهُو مُكَمَّمٌ فَهي ذاتُ أكْمامٍ، وأكْمامُ النَّخْلَةِ: ما غَطّى، جِمارَها مِنَ السَّعَفِ واللِّيفِ والجِذْعِ، وكُلُّ ما أخْرَجَتْهُ النَّخْلَةُ فَهو ذُو أكْمامٍ، فالطَّلْعَةُ كُمُّها قِشْرُها، ومِن هَذا قِيلَ لِلْقَلَنْسُوَةِ: كُمَّةٌ، لِأنَّها تُغَطِّي الرَّأْسَ، ومِن هَذا كُمّا القَمِيصِ، لِأنَّهُما يُغَطِّيانِ اليَدَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ ﴾ أيْ: يُنادِي اللَّهُ تَعالى المُشْرِكِينَ ﴿ أيْنَ شُرَكائِي ﴾ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿ قالُوا آذَنّاكَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: أعْلَمْناكَ، وقالَ مُقاتِلٌ: أسْمَعْناكَ ﴿ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ؛ والمَعْنى: ما مِنّا مِن شَهِيدٍ بِأنَّ لَكَ شَرِيكًا، فَيَتَبَرَّؤُونَ يَوْمَئِذٍ مِمّا كانُوا يَقُولُونَ، هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ.

والثّانِي: [أنَّهُ] مِن قَوْلِ الآلِهَةِ الَّتِي كانَتْ تُعْبَدُ، والمَعْنى: ما مِنّا مِن شَهِيدٍ لَهم بِما قالُوا، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أيْ: بَطَلَ عَنْهم في الآخِرَةِ ﴿ ما كانُوا يَدْعُونَ ﴾ أيْ: يَعْبُدُونَ في الدُّنْيا، ﴿ وَظَنُّوا ﴾ أيْ: أيْقَنُوا ﴿ ما لَهم مِن مَحِيصٍ ﴾ وقَدْ شَرَحْنا المَحِيصَ في سُورَةِ [النِّساءِ: ١٢١] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعَةِ وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ ﴾ ﴿ وَضَلَّ عنهم ما كانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ ﴾ ﴿ لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ الساعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ ﴾ المَعْنى: أنَّ وقْتَ عِلْمِ الساعَةِ ومَجِيئِها يَرُدُّهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ مُتَكَلِّمٍ فِيهِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وذَكَرَ تَعالى الثِمارَ وخُرُوجَها مِنَ الأكْمامِ وحَمْلَ الإناثِ مِثالًا لِجَمِيعِ الأشْياءِ؛ إذْ كَلُّ شَيْءٍ خَفِيٌّ، فَهو في حُكْمِ هَذَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: [مِن ثَمَرَةِ] بِالإفْرادِ عَلى أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: [مِن ثَمَراتِ] بِالجَمْعِ، واخْتَلَفَ عن عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والأعْرَجِ، والحَسَنِ - بِخِلافٍ - وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "فِي ثَمَرَةٍ".

و"الأكْمامُ" جَمْعُ كُمٍّ، وهو غِلافُ التَمْرِ قَبْلَ ظُهُورِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ ﴾ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ يَوْمَ يُنادِيهِمْ، والضَمِيرُ في ﴿ "يُنادِيهِمْ" ﴾ ظاهِرُهُ والأسْبَقُ فِيهِ أنَّهُ يُرِيدُ بِهِ الكُفّارَ عَبَدَةَ الأوثانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ كُلَّ مَن عُبِدَ مَن دُونِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى مِن إنْسانٍ وغَيْرِهِ، وفي هَذا ضَعْفٌ.

وأمّا الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَضَلَّ عنهُمْ ﴾ فَلا احْتِمالٌ لِعَوْدَتِهِ، إلّا عَلى الكُفّارِ.

و[آذَنّاكَ] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: أعْلَمْناكَ ما مِنّا مِن يَشْهَدُ ولا مَن شَهِدَ بِأنَّ لَكَ شَرِيكًا.

و" ضَلَّ عنهم " أيْ نَسُوا ما كانُوا يَقُولُونَ في الدُنْيا ويَدْعُونَ مِنَ الآلِهَةِ والأصْنامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وضَلَّ عنهُمُ الأصْنامَ، أيْ تَلْفِتُ عنهُمْ، فَلَمْ يَجِدُوا مِنها نَصْرًا وتَلاشى لَهم أمْرَها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [وَظَنُّوا]﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِما قَبِلَهُ ويَكُونُ الوَقْفُ عَلَيْهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ما لَهم مِن مَحِيصٍ ﴾ اسْتِئْنافٌ، نَفى أنْ يَكُونَ لَهم مَنجى أو مَوْضِعُ رَوَغانِ، تَقُولُ: حاصَ الرَجُلُ، إذا راغَ يَطْلُبُ النَجاةَ مِن شَيْءٍ، ومِنهُ في الحَدِيثِ: « "فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إلى الأبْوابِ"،» ويَكُونُ الظَنُّ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - عَلى بابِهِ، أيْ: ظَنُّوا أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ ﴿ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ ﴾ مَنجاةٌ لَهم أو أمْرٌ يُمَوِّهُونَ بِهِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ ، ويَكُونُ [وَظَنُّوا] مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما لَهم مِن مَحِيصٍ ﴾ ، أيْ: ظَنُّوا ذَلِكَ، ويَكُونُ الظَنُّ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - بِمَعْنى اليَقِينِ، وبِهِ فَسَّرَ السَدِّيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عِبارَةٌ يُطْلِقُها أهْلُ اللِسانِ عَلى الظَنِّ، ولَسْتَ تَجِدُ ذَلِكَ، إلّا فِيما عَلِمَ عِلْمًا قَوِيًّا وتَقَرَّرَ في النَفْسِ ولَمْ يَتَلَبَّسْ بِهِ بَعْدُ، وإلّا فَمَتى تَلْبَسُ بِالشَيْءِ وحَصَلَ تَحْتَ إدْراكِ الحَواسِّ، فَلَسْتُ تَجِدُهم يُوقِعُونَ عَلَيْهِ لَفْظَةَ الظَنِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْأمُ الإنْسانُ ﴾ آياتٌ نَزَلَتْ في كُفّارٍ، قِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وَقِيلَ: في عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وجُلُّ الآيَةِ يُعْطِي أنَّها نَزَلَتْ في كُفّارٍ وإنْ كانَ أوَّلُها يَتَضَمَّنُ خُلُقًا رُبَّما شارَكَ فِيها بَعْضُ المُؤْمِنِينَ، و"دُعاءُ الخَيْرِ" إضافَتُهُ إضافَةُ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مِن دُعاءِ الخَيْرِ هُوَ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مِن دُعاءٍ بِالخَيْرِ" والخَيْرُ في هَذِهِ الآيَةِ: المالُ والصِحَّةُ، وبِذَلِكَ تَلِيقُ الآيَةُ بِالكافِرِينَ، وإنْ قَدَّرْناهُ خَيْرَ الآخِرَةِ فَهي لِلْمُؤْمِنِينَ، وأمّا اليَأْسُ والقَنَطُ عَلى الإطْلاقِ، فَمِن صِفَةِ الكافِرِ وحْدَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي ﴾ أيْ بِفِعْلِي وبِما سَعَيْتُ، ولا يَرى أنَّ النِعَمَ إنَّما هي بِتَفَضُّلٍ مِنَ اللهِ تَعالى، ﴿ وَما أظُنُّ الساعَةَ قائِمَةً ﴾ قَوْلٌ بَيِّنٌ فِيهِ الجُحْدُ والكُفْرُ، ثُمَّ يَقُولُ هَذا الكافِرُ: ولَئِنْ كانَ ثَمَّ رُجُوعٍ كَما تَقُولُونَ، لَتَكُونَنَّ لِي حالٌ تُرْضِينِي مِن غِنًى ومالٍ وبَنِينٍ، فَتَوَعَّدَهُمُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ سَيُعَرِّفُهم بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ مَعَ إذاقَتِهِمِ العَذابُ عَلَيْها، فَهَذا عَذابٌ وخِزْيٌ، وغَلْظَةُ العَذابِ: شِدَّتُهُ وصُعُوبَتُهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لِلْكافِرِ أُمْنِيَّتانِ، أمّا في دُنْياهُ فَهَذِهِ: ﴿ إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى ﴾ ، وأمّا في الآخِرَةِ فَـ"لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأمانِي عَلى اللهِ تَعالى وتَرْكُ الجَدِّ في الطاعَةِ مَذْمُومٌ لِكُلِّ أحَدٍ، فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ، وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ، والعاجِزُ مَنِ اتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها، وتَمَنّى عَلى اللهِ الأمانِيَ".» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

كانوا إذا أُنذروا بالبعث وساعته استهزأوا فسألوا عن وقتها، وكان ذلك مما يتكرّر منهم، قال تعالى: ﴿ يسألونك عن السّاعة أيّان مُرساها لِّلْعَبِيدِ * إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعة وَمَا تَخْرُجُ مِن ثمرات مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا ﴾ [الأعراف: 187] فلمّا جرى ذكر دليل إحياء الموتى وذكر إلحاد المشركين في دلالته بسؤالهم عنها استهزاء انتقل الكلام إلى حكاية سؤالهم تمهيداً للجواب عن ظاهره وتقديم المجرور على متعلّقه لإفادة الحصر، أي إلى الله يفوض علم السّاعة لا إليّ، فهو قصر قلب.

وردّ عليهم بطريق الأسلوب الحكيم، أي الأجدر أن تعلموا أنْ لا يعلم أحد متى السّاعة وأن تؤمنوا بها وتستعدّوا لها.

ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم وسأله رجل من المسلمين: متى الساعة؟

فقال له: ﴿ ماذا أعددت لها ﴾ أي استعدادك لها أولى بالاعتناء من أن تسأل عن وقتها.

والرّد: الإرجاع وهو مستعمل لتفويض علم ذلك إلى الله والتبرؤ من أن يكون للمسؤول علم به، فكأنّه جيء بالسؤال إلى النّبيء صلى الله عليه وسلم فردّه إلى الله.

وفي حديث موسى مع الخضر في «الصحيح» «فعاتب الله موسى أن لم يَرُدّ العِلم إليه» وقال تعالى: ﴿ ولو رَدّوه إلى الرّسول ﴾ [النساء: 83] الآية.

وعطف جملة ﴿ وما تخرج من ثمرات من أكمامها ﴾ وما بعدها توجيه لصرف العلم بوقت السّاعة إلى الله بذكر نظائرِ لا يعلمها النّاس، وليس علم السّاعة بأقرب منها فإنّها أمور مشاهدة ولا يعلم تفصيل حالها إلاّ الله، أي فليس في عدم العلم بوقت السّاعة حجةٌ على تكذيب من أنذَر بها، لأنّهم قالوا: ﴿ متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ﴾ [يس: 48]، أي إن لم تبيّن لنا وقته فلست بصادق.

فهذا وجه ذكر تلك النظائر، وهي ثلاثة أشياء: أوّلها: علم ما تُخرجه أكمام النخيل من الثَمَر بقدره وجودتِه وثباته أو سقوطه، وضمير ﴿ أكمامها ﴾ راجع إلى الثمرات.

والأكمام: جمع كِمّ بكسر الكاف وتشديد الميم وهو وعاء الثّمر وهو الجُفّ الذي يخرج من النّخلة محتوياً على طلْع الثّمر.

ثانيها: حمل الأنثى من النّاس والحيوان، ولا يعلم التي تلقح من التي لا تلقح إلاّ الله.

ثالثها: وقت وضع الأجنّة فإن الإناث تكون حوامل مثقلة ولا يعلم وقت وضعها باليوم والسّاعة إلا الله.

وعُدل عن إعادة حرف ﴿ ما ﴾ مرة أخرى للتفادي من ذكر حرف واحد ثلاث مرّات لأنّ تساوي هذه المنفيات الثلاثة في علم الله تعالى وفي كون أزمان حصولها سواءً بالنسبة للحال وللاستقبال يسدّ علينا باب ادعاء الجمهور الفرق بين ﴿ ما ﴾ و(لا) في تخليص المضارع لزمان الحال مع حرف ﴿ ما ﴾ وتخليصه للاستقبال مع حرف (لا).

ويؤيّد ردّ ابن مالك عليهم فإن الحق في جانب قول ابن مالك.

وحرف ﴿ من ﴾ بعد مدخولي ﴿ ما ﴾ في الموضعين لإفادة عموم النفي ويسمّى حرفاً زائِداً.

والباء في ﴿ بعلمه ﴾ للملابسة.

وتقدم نظيره في سورة فاطر.

وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم ﴿ ثمرات ﴾ بالجمع.

وقرأه الباقون ﴿ ثمرةٍ ﴾ واحدةِ الثمرات.

﴿ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِى قالوا ءَاذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن ﴾ ﴿ شَهِيدٍ * وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ ﴾ .

عطف على الجملة قبلها فإنّه لما تضمن قوله: ﴿ إليه يرد علم الساعة ﴾ إبطال شبهتهم بأن عدم بيان وقتها يدلّ على انتفاء حصولها، وأتبع ذلك بنظائر لوقت السّاعة مما هو جار في الدّنيا دَوْماً عاد الكلام إلى شأن السّاعة على وجه الإنذار مقتضياً إثبات وقوع السّاعة بذكر بعض ما يلْقونه في يومها.

و ﴿ يوم ﴾ متعلّق بمحذوف شائععٍ حذفه في القرآن، تقديره: واذكر يوم يناديهم.

والضّمير في (ينادي) عائد إلى ﴿ ربّك في قوله وما ربّك بظلام للعبيد ﴾ [فصلت: 46]، والنداء كناية عن الخطاب العلني كقوله: ﴿ ينادونهم ألم نكن معكم ﴾ [الحديد: 14].

وقد تقدم الكلام على النداء عند قوله تعالى: ﴿ ربّنا إننا سمِعنا منادياً ينادي للإيمان ﴾ في آل عمران (193)، وقوله: ﴿ ونُودوا أن تلكُم الجنّة أورثتموها ﴾ في سورة الأعراف (43).

وجملة ﴿ أين شركائي ﴾ يصح أن يكون مقول قول محذوف كما صرّح به في آية أخرى ﴿ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ﴾ [القصص: 74] ﴿ ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين ﴾ [القصص: 65].

وحذف القول ليس بعزيز.

ويصحّ أن تكون مبيّنة لما تضمنه ﴿ يناديهم ﴾ من معنى الكلام المعْلن به.

وجاءت جملة ﴿ قالوا آذناك ﴾ غير معطوفة لأنّها جارية على طريقة حكاية المحاورات كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وإذ قال ربّك للملائكة ﴾ إلى قوله: ﴿ ما لا تعلمون ﴾ [البقرة: 30].

و ﴿ آذناك ﴾ أخبرناك وأعلمناك.

وأصل هذا الفعل مشتق من الاسم الجامد وهو الأذن بضم الهمزة وسكون الذال وقال تعالى: ﴿ فقل آذنتكم على سواء ﴾ [الأنبياء: 109]، وقال الحارث بن حلزة: أذنَتْنَا بِبَيْنها أسماء *** وصيغة الماضي في ﴿ آذناك ﴾ إنشاء فهو بمعنى الحال مثل: بعْتُ وطلقت، أي نأذنك ونُقر بأنّه ما منّا من شهيد.

والشهيد يجوز أن يكون بمعنى المشاهد، أي المبصر، أي ما أحد منا يَرى الذين كنّا ندعوهم شركاءك الآن، أي لا نرى واحداً من الأصنام التي كنّا نعبدها فتكون جملة ﴿ وضلّ عنهم ما كانوا يدعون ﴾ في موضع الحال، والواو واو الحال.

ويجوز أن يكون الشهيد بمعنى الشاهد، أي ما منّا أحد يشهد أنّهم شركاؤك، فيكون ذلك اعترافاً بكذبهم فيما مضى، وتكون جملة ﴿ وضل عنهم ﴾ معطوفة على جملة ﴿ قالوا آذناك ﴾ ، أي قالوا ذلك ولم يجدوا واحداً من أصنامهم.

وفعل ﴿ آذناك ﴾ معلّق عن العمل لورود النفي بعده.

و ﴿ ضلّ ﴾ : حقيقته غاب عنهم، أي لم يجدوا ما كانوا يدعونهم من قبل في الدّنيا، قال تعالى: ﴿ بل ضلُّوا عنهم ﴾ [الأحقاف: 28].

فالمراد به هنا: غيبة أصنامهم عنهم وعدم وجودها في تلك الحضرة بقطع النّظر عن كونها ملقاة في جهنّم أو بقيت في العالم الدنيوي حين فنائه.

وإذ لم يجدوا ما كانوا يزعمونه فقد علموا أنّهم لا محيص لهم، أي لا ملجأ لهم من العذاب الذي شاهدوا إعداده، فالظّنّ هنا بمعنى اليقين.

والمحيصُ مصدر ميمي أو اسم مكان من: حاص يَحيصُ، إذا هرب، أي ما لهم مفر من النّار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلِمُوا ما لَهم مِن مَعْدِلٍ.

الثّانِي: اسْتَيْقَنُوا أنَّ لَيْسَ لَهم مَلْجَأٌ مِنَ العَذابِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقَدْ يُعَبَّرُ بِالظَّنِّ عَنِ اليَقِينِ فِيما طَرِيقُهُ الخَبَرُ دُونَ العَيانِ لِأنَّ الخَبَرَ مُحْتَمِلٌ والعَيانَ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما تخرج من ثمرة من أكمامها ﴾ قال: حين تطلع.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ آذناك ﴾ أعلمناك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ لا يسأم الإِنسان ﴾ قال: لا يمل.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولئن أذقناه رحمة منا..

﴾ الآية.

قال: عافية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق ﴾ قال: كانوا يسافرون فيرون آثار عاد وثمود يقولون والله لقد صدق محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وما أراهم في أنفسهم ﴾ قال: الأمراض.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعة ﴾ أي علم زمان وقوعها، فإذا سئل أحد عن ذلك قال: الله هو الذي يعلمها ﴿ مِّنْ أَكْمَامِهَا ﴾ جمع كم بكسر الكاف وهو غلاف الثمرة قبل ظهورها.

﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي ﴾ العامل في يوم محذوف والمراد به يوم القيامة، والضمير للمشركين وقوله: ﴿ أَيْنَ شُرَكَآئِي ﴾ توبيخ لهم، وأضاف الشركاء إلى نفسه على زعم المشركين، كأنه قال: الشركاء الذين جعلتم لي ﴿ قالوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾ المعنى: أنهم قالوا: أعلمناك ما منا من يشهد اليوم بأن لك شريكاً، لأنهم كفروا يوم القيامة بشركائهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الخامس والعشرون من أجزاء القرآن الكريم القراءات: ﴿ ربنا أرنا ﴾ بسكون الراء: ابن كثير وابن عامر وأبو بكر ورويس أبو عمرو بالاختلاس.

الآخرون: بكسر الراء.

﴿ اللذين ﴾ بتشديد النون: ابن كثير.

﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة.

الباقون: بضم الياء وكسر الحاء ﴿ أعجمي ﴾ بهمزة واحدة: هشام.

وقرأ بتحقيق الهمزتين: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص إلا الخزاز.

الباقون: بالمد ﴿ ثمرات ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص والمفضل.

﴿ شركاي ﴾ مثل ﴿ من وراي ﴾ على وزن ﴿ عصاي ﴾ قد مر في سورة مريم ﴿ إلى ربي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ ونأى بجانب ﴾ وقد مر في السورة ﴿ سبحان الذي أسرى ﴾ .

الوقوف: ﴿ والإنس ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال كونه جواب القسم في حق ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ تغلبون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً أي كائناً لهم فيها ﴿ دار الخلد ﴾ ج ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الأسفلين ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ وفي الآخرة ﴾ ج لانقطاع النظم بتقدير الجار مع اتحاد المقول ﴿ تدعون ﴾ 5 ط لحق المحذوف أي أصبتم أو وجدتم نزلاً ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ السيئة ﴾ ط ﴿ حميم ﴾ ه ﴿ صبروا ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع تكرارها للتوكيد ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ يسأمون ﴾ ه سجدة ﴿ اهتزت وربت ﴾ ط ﴿ الموتى ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ شئتم ﴾ ه لا ليكون ما بعده دالاً على أنه أمر تهديد ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ لما جاءهم ﴾ ج لأن خبر أن محذوف فيتقدر ههنا أو بعد قوله ﴿ من خلفه ﴾ كما يجيء ﴿ عزيز ﴾ ه لا لاتصال الصفة ﴿ من خلفه ﴾ ط ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وآياته ﴾ ط ﴿ وعربي ﴾ ط ﴿ وشفاء ﴾ ط ﴿ عمى ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ فعليها ﴾ ط ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ بعلمه ﴾ ط ج ﴿ شركائي ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ عامل ﴿ يوم ﴾ ﴿ آنذاك ﴾ لا لأنه في معنى القول وقع على الجملة بعده ﴿ من شهيد ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ الخير ﴾ ز لاختلاف الجملتين إلا أن مقصود الكلام يتم بهما ﴿ قنوط ﴾ ه ﴿ هذا لي ﴾ لا تحرز إعمالاً يقوله مسلم قائمة كذلك ﴿ للحسنى ﴾ ه ج لابتداء الأمر بالتوكيد مع فاء التعقيب ﴿ عملوا ﴾ إمهالاً للتذكر في الحالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ غليظ ﴾ ه ﴿ بجانبه ﴾ ج فصلاً بين تناقض الحالين مع اتفاق الجملتين ﴿ عريض ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج ﴿ محيط ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر وعيد الكفار أردفه بذكر السبب الذي لأجله وقعوا في ذلك الكفر.

ومعنى ﴿ قيضنا ﴾ سببنا لهم من حيث لا يحتسبون أو قدرنا أو سلطنا وأصله من القيض وهو البدل، والمقايضة المعاوضة كأن القرينين يصلح كل منهما أن يقوم مقام الآخر.

والقرناء إخوانهم من الشياطين جمع قرين ﴿ فزينوا لهم ما بين أيديهم ﴾ وهو الدنيا وما فيها من الشهوات ﴿ وما خلفهم ﴾ وهو الآخرة بأن لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب وقيل: ما بين أيديهم أعمالهم التي عملوها، وما خلفهم ما عزموا على فعله وزينوا لهم فعل مفسدي زمانهم والذين تقدم عصرهم.

والآية على مذهب الأشاعرة واضحة.

وقالت المعتزلة: معناها أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين.

ومعنى ﴿ في أمم ﴾ كائنين في جملة أمم وقد مر في أوائل الأعراف كانوا يقولون إذا سمعتم القرآن من محمد فارفعوا أصواتكم باللغو وهو الساقط من الكلام فنزلت ﴿ وقال الذين كفروا ﴾ الآية.

يقال: لغى بكسر الغين يلغى بالفتح، ولغا يلغو فلهذا قرىء بالضم أيضاً، والمقصود أنهم علموا أن القرآن كلام كامل لفظاً ومعنى، وكل من سمعه ووقف على معانيه وأنصف حكم بأنه واجب القبول فدبروا هذا التدبير الفاسد وهو قول بعضهم لبعض ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ إذا قرىء وتشاغلوا عن قراءته برفع الصوت بالمكاء والهذيان والرجز ﴿ لعلكم تغلبون ﴾ القارىء على قراءته فلا يحصل غرضه من التفهيم والإرشاد.

وحين حكى حيلتهم ذكر وعيدهم بقوله ﴿ فلنذيقن ﴾ الآية.

والمضاف في قوله ﴿ أسوأ ﴾ محذوف أي جزاء أسوأ الذي ولذلك أشار اليه بقوله ﴿ ذلك جزاء أعداء الله ﴾ وقوله ﴿ النار ﴾ بدل من الجزاء أو خبر مبتدأ مضمر.

و ﴿ دار الخلد ﴾ موضع المقام.

قال الزجاج: هو كما يقول لك في هذه الدار دار السرور وأنت تعني الدار بعينها وقد وضع قوله ﴿ بما كانوا بآياتنا يجحدون ﴾ موضع أن لو قال بما كانوا يلغون إقامة للسبب مقام المسبب ثم حكى عنهم ما سيقولون في النار وهو قولهم ﴿ ربنا أرنا ﴾ أي أبصرنا ﴿ اللذين أضلانا من الجن والإنس ﴾ وذلك أن الشياطين ضربان: جني وإنسي، وقد ورد في القرآن كثيراً، وقيل: هما إبليس الذي سن الكفر، وقابيل الذي سن القتل.

ومن قرأ بسكون الراء فلثقل الكسرة.

وقد يقال: معناه إذ ذاك أعطناه.

وحكوا عن الخليل أنك إذا قلت أرني ثوبك بالكسر فمعناه بصرنيه، وإذا قلت بالسكون فهو بمعنى الإعطاء ونظيره اشتهار الإيتاء في معنى الإعطاء وأصله الإحضار.

﴿ نجعلهما تحت أقدامنا ﴾ أي نطأهما إذلالاً وإهانة ﴿ ليكونا من الأسفلين ﴾ الأذلين وقيل: في الدرك الأسفل.

وتأوله بعض حكماء الإسلام بأنهما الشهوة والغضب المشار إليهما في قوله ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء  ﴾ كأنهم سألوا توفيق أن يجعلوا القرينين تحت قدم النفس الناطقة.

وحين أطنب في الوعيد أردفه بالوعد على العادة المستمرة فقوله ﴿ ربنا الله ﴾ إشارة إلى العلوم النظرية التي هذه المسألة رأسها وأصلها.

وقوله ﴿ ثم استقاموا ﴾ إشارة إلى الحكمة العملية وجملتها الاستقامة على الوسط دون الميل إلى أحد شقي الإفراط والتفريط كما سبق تقرير ذلك في تفسير قوله ﴿ اهدنا الصراط المستقيم  ﴾ ومعنى "ثم" تراخي الاستقامة في الرتبة عن الإقرار، وفيه أن حصول العلوم النظرية بدون القسم العملي كشجرة بلا ثمرة.

وقال أهل العرفان: قالوا ربنا الله يوم الميثاق في عالم الأرواح، ثم استقاموا على ذلك في عالم الأشباح.

وعن أبي بكر الصديق: معناه لم يلتفتوا إلى إله غيره.

﴿ تتنزل عليهم الملائكة ﴾ عند الموت أو عنده وفي القبر وفي القيامة.

و "أن" مفسرة أو مخففة.

ولقد فسرنا الخوف والحزن مراراً والإبشار لازم.

قال الجوهري: يقال بشرته بمولود فأبشر إبشاراً.

وقوله ﴿ ألا تخافوا ولا تحزنوا ﴾ إشارة إلى رفع المضار في المآل وفي الحال.

وقوله ﴿ وأبشروا ﴾ إخبار عن حصول المنافع.

وقوله ﴿ نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا ﴾ يقابل قوله ﴿ وقضينا لهم قرناء ﴾ فللملائكة تأثيرات في الأرواح بالإلهامات الحسنة والخواطر الشريفة كما للشياطين تأثيرات بإلقاء الوساوس والهواجس، وقد تقدم في أول الكتاب في تفسير الاستعاذة.

وإذا كانت هذه الولاية ثابتة في الدنيا بحكم المناسبة النورية كانت بعد الموت أقوى وأظهر لزوال العلائق الجسمانية.

وقيل: في الحياة الدنيا بالاستغفار.

﴿ وفي الآخرة ﴾ بالشفاعة.

وقيل: كنا نحفظكم في الدنيا ولا نفارقكم في الآخرة حتى تدخلوا الجنة ﴿ ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ﴾ يعني الحظوظ الجسمانية ﴿ ولكم فيها ما تدعون ﴾ أي تمنون من المواهب الروحانية، وقد مر في "يس" سائر الوجوه.

والنزل ما يهيأ للضيف وقد مر.

وفي ذكر الغفور الرحيم ههنا مناسبة لا تخفى.

قال أهل النظم إن القوم لما أتوا بأنواع السفاهة والإيذاء كقولهم ﴿ قلوبنا غلف  ﴾ ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ حرض  نبيه  على مواظبة التبليغ والدعوة واحتمال أعباء الرسالة والتزام السيرة الفاضلة إظهار المزية على الجهال وتحصيلاً للغرض بالرفق واللطف ما أمكن فقال ﴿ ومن أحسن قولاً ﴾ ووجه آخر في النظم وهو أنه لما مدح الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا وذكر جزاءهم وهم أهل الكمال، أراد أن يبين حال المشتغلين بتكميل الناقصين.

زعم بعض المفسرين أن المراد بهذا الدعاء الأذان، والعمل الصالح الصلاة بين الأذان والإقامة، ورفعوه إلى عائشة.

والأصح أنه عام لجميع الأئمة والدعاة إلى طاعة الله وتوحيده، ولا ريب أن مصطفاهم ومقتداهم هو رسول الله  وآله وبعده العلماء بالله وهم الحكماء المتألهون، وبعدهم العلماء بصفات الله وهم الأصوليون، ثم العلماء بأحكام الله وهم الفقهاء، ثم الملوك العادلون الذين يدعون إلى الله بالسيف والسبب.

وفي الاستفهام الإنكاري دلالة على أنه لا قول أحسن من الدعاء إلى الله فمن زعم أنه الأذان ذهب إلى أنه واجب وإلا لكان الواجب أحسن منه.

ونوقض بأنا نعلم بالدلائل اليقينية أن الدعوة إلى الدين القويم بالحجة أو السيف أحسن من الأذان فلا يدخل الأذان تحت الآية.

قال جار الله: ليس معنى قوله ﴿ وقال إنني من المسلمين ﴾ أنه تكلم بهذا الكلام، ولكن المراد أنه جعل دين الإسلام مذهبه ومعتقده كما تقول: هذا قول أبي حنيفة.

وقال آخرون: أراد به التلفظ به تفاخراً بالإسلام وتمدحاً.

وزعموا أن فيه إبطال قول من جوز: أنا مسلم إن شاء الله.

فإنه لو كان ذلك معتبراً لورد في الآية كذلك ولا يخفى ضعفه، فإن التجويز غير الإيجاب.

ثم صبر رسوله  على سفاهة الكفار وعلمه الأدب الجميل في باب الدعاء أي الدين بل في مطلق أمور التمدن فقال ﴿ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ﴾ "لا" زائدة لتأكيد نفي الاستواء، والمعنى لا تستوي الحسنة والسيئة قط ومثالهما الإيمان والشرك والحلم والغضب والطاعة والمعصية واللطف والعنف ثم إن سائلاً كأنه سأل: فكيف نصنع؟

فأجيب ﴿ ادفع بالتي هي أحسن ﴾ فإن الحسنة أحسن من السيئة كما يقال: الصيف أحر من الشتاء وذهب صاحب الكشاف إلى أن "لا" غير مزيدة والمعنى أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما فخذ بالحسنة التي هي أحسن إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة.

مثاله: رجل أساء إليك فالحسنة أن تعفو عنه والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إسائته.

قال: ومن جعل "لا" مزيدة فالقياس على تفسيره أن يقال: ادفع بالتي هي حسنة.

ولكنه وضع أحسن موضع الحسنة ليكون أبلغ لأن من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما هو دونها.

قال العارفون: الحسنة التوجه إلى الله بصدق الطلب، والسيئة الالتفات إلى غيره.

﴿ فإذا الذي ﴾ إذا فعلت ذلك انقلب عدوك ولياً مصافياً.

قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان وكان مؤذياً لرسول الله  فصار يتحاب بعد ذلك لما رأى من لطف رسول الله  وعطفه.

ثم مدح هذه السيرة وأهلها بقوله ﴿ وما يلقاها إلا الذين صبروا ﴾ أي لا يعمل بها إلا كل صبار على تجرع المكاره.

﴿ وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ﴾ من قوة جوهر النفس الناطقة بحيث لا يتأثر من الواردات الخارجية، وقد يفسر الحظ العظيم بالثواب الجزيل.

وعن الحسن: ما عظم حفظ دون الجنة.

ثم ذكر طريقاً آخر في دفع الغضب والانتقام قائلاً ﴿ وإما ينزغنك ﴾ وقد مر في آخر الأعراف.

والمعنى إن صرفك الشيطان عما أمرت به فاستعذ بالله من شره وإنما قال ههنا ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ بالفصل وتعريف الخبر ليكون مناسباً لما تقدّمه من قوله ﴿ وما يلقاها ﴾ مؤكداً بالتكرار وبالنفي والإثبات ولم يكن هذا المقتضى في الأعراف فجاء على أصل الاسم معرفة والخبر نكرة.

وحين ذكر أن أحسن الأقوال هو الدعوة إلى الله بين الدلائل على وجوده فقال ﴿ ومن آياته ﴾ الخ.

والضمير في ﴿ خلقهن ﴾ للآيات أو الليل وما عطف عليه.

ولم يغلب المذكر لأن ذلك قياس مع العقلاء.

وفي قوله ﴿ إن كنتم إياه تعبدون ﴾ تزييف لطريقة الصابئين وسائر عبدة الكواكب جهلاً منهم وزعماً أنها الواسطة بين الخلق والإله، فنهوا عن هذا التوسيط لأن ذلك مظنة العبادة المستقلة لرفعة شأنها وارتفاع مكانها، وهذا بخلاف التوجه في الصلاة إلى القبلة فإن الحجر قلما يظن به أنه معبود بالحق والجزم حاصل بأنه لتوحيد متوجهات المصلين عند صلاتهم مع أن للبيت شرفاً ظاهراً في نفسه ﴿ فإن استكبروا ﴾ عن قبول قولك يا محمد في النهي عن السجود للشمس والقمر ﴿ فالذين عند ربك ﴾ عندية بالشرف والرتبة وهم الملائكة المقربون ﴿ يسبحون له بالليل والنهار ﴾ أي على الدوام والاستمرار ﴿ وهم لا يسأمون ﴾ من السآمة والملالة.

والحاصل أنهم إن يمتثلوا ما أمروا به ونهوا عنه وأبوا إلا الواسطة فدعهم وشأنهم فإن ربك لا يعدم عابداً مخلصاً.

ولما فرغ من تقرير الآيات السماوية شرع في الدلائل الأرضية فقال ﴿ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ﴾ وأصل الخشوع التذلل فاستعير للأرض التي لا خضرة بها ولا نفع كما وصفها بالهمود وقد مرّ في سورة الحج، وذلك أنها إذا اهتزت وربت أي انتفخت حين يهم النبت بالخروج منها كانت بمنزلة المختال في زيه وهي قبل ذلك كالفقير الكاسف البال المتلبس بثوب أطمار.

وبعد تقرير الدلائل الباهرة ذكر وعيد الملحدين في آياته المنحرفين عن الجادة والوعيد قوله ﴿ لا يخفون علينا ﴾ وكفى به وعيداً.

ثم أكده بالاستفهام على سبيل التقرير وهو قوله ﴿ أفمن يلقى ﴾ الخ.

وقوله ﴿ يوم القيامة ﴾ ظرف لآمنا أو ليأتي.

ثم هددهم بقوله ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ الخ.

ثم أبدل من قوله ﴿ إن الذين كفروا بالذكر ﴾ أي القرآن لأنهم بكفرهم به طعنوا فيه وحرفوا معانيه، وعلى هذا فالخبر هو ما تقدم من قوله ﴿ لا يخفون ﴾ وإنه كلام مستأنف.

وعلى هذا فاختلفوا في خبر "إن".

فالأكثرون على أنه ﴿ أولئك ينادون ﴾ وما بينهما اعتراض من تتمة الذكر.

وقيل: خبره ما يقال إذ التقدير ما يقولون لك.

وقيل: هو محذوف.

ثم اختلفوا فقال قوم: إن الذين كفروا بالذكر كفروا لما جاءهم.

وقال آخرون: هلكوا أو يجازون بكفرهم ونحو ذلك، وهذا يمكن تقديره بعد قوله ﴿ لما جاءهم ﴾ وبعد قوله ﴿ من خلفه ﴾ وبعد قوله ﴿ حميد ﴾ والعزيز معناه الغالب القاهر بقوة حجته على ما سواه من الكتب، والمراد أنه عديم النظير لأن الأولين والآخرين عجزوا عن معارضته.

ثم أكد هذا الوصف بقوله ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴾ قال جار الله: وهو تمثيل أي لا يتطرق البطلان إليه بجهة من الجهات فلا ينقص منه شيء ولا يزاد عليه شيء.

وقيل: أراد أنه لا تكذبه الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل ولن يجيء بعده ما يخالفه.

وقد يحتج أبو مسلم بالآية على عدم وقوع النسخ في القرآن زعماً منه أن النسخ نوع من البطلان، ولا يخفى ضعفه فإن بيان انتهاء حكم لا يقتضي إبطاله فإنه حق في نفسه ومأمور به في وقته.

﴿ تنزيل ﴾ أي هو منزل ﴿ من ﴾ إله ﴿ حكيم ﴾ في جميع أفعاله ﴿ حميد ﴾ إلى جميع خلقه بسبب كثرة نعمه.

ثم سلى نبيه  بقوله ﴿ ما يقال لك ﴾ وفيه وجهان: أحدهما ما يقول لك كفار قريش إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم من المطاعن فيهم وفي كتبهم.

﴿ إن ربك لذو مغفرة ﴾ للمحقين ﴿ وذو عقاب أليم ﴾ للمبطلين، ففوض الأمر إلى الله واشتغل بما أمرت به من الدعاء إلى دينه.

وثانيهما ما يقول لك الله إلا مثل ما قال لغيرك من الرسل من الصبر على سفاهة الأقوام وإيذائهم.

ويجوز أن يكون المقول هو قوله ﴿ إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب ﴾ فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخشاه أهل عصيانه.

كانوا يقولون: لولا أنزل القرآن بلغة العجم تعنتاً منهم فأجابهم الله بقوله ﴿ ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا ﴾ معترضين منكرين ﴿ لولا فصلت آياته ﴾ أي بينت بلسان نفهمه.

أقرآن أعجمي ورسول عربي أو مرسل إليه عربي؟

وإنما جاز هذا التقدير الثاني مع أن المرسل إليهم كثيرون وهم غير أمة العرب، لأن الغرض بيان تنافر حالتي القرآن، والذين أنزل القرآن إليهم من العجمية والعربية لا بيان أنهم جمع أو واحد كما تقول: وقد رأيت لباساً طويلاً على امرأة قصيرة اللباس طويل واللابس قصير.

ولو قلت: واللابسة قصيرة جئت بما هو أفضل.

ومن قرأ بغير همزة الاستفهام فعلى حذفها أو على الإخبار بأن القران أعجمي والرسول أو المرسل إليه عربي، والغرض أنهم لعنادهم لا ينفكون عن المراء والاعتراض سواء كان القرآن عربياً أو أعجمياً.

وفيه إفحام لهم وجواب عن قولهم ﴿ قلوبنا في أكنة ﴾ فإن القرآن إذا كان بلغتهم وهم فصحاء وبلغاء فكيف لا يفهمونه إلا إذا كان هناك مانع إلهي ولذلك قال ﴿ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ﴾ لداء الجهل ﴿ والذين ﴾ أي وللذين ﴿ لا يؤمنون في آذانهم وقر ﴾ وهذا التقدير عند من يجوز العطف على عاملين، ومن لم يجوز زعم أن الرابط محذوف تقديره: والذين لا يؤمنون هو في آذانهم وقر أو في آذانهم منه.

وقرأ والذين لا يؤمنون به الخ.

والحاصل أنهم لعدم انتفاعهم بالقرآن كأنهم صم عمي.

ثم أكد هذا المعنى بقوله ﴿ أولئك ينادون من مكان بعيد ﴾ فلهذا لا يسمعون النداء أي مثلهم كمثل الشخص الذي ينادي من بعد فلا يسمع، وإن سمع لم يفهم.

ثم شبه حال القرآن بحال الكتب المتقدمة في أنها اختلف فيها كما اختلف فيه إلا أنه خص كتاب موسى بالذكر لكثرة أحكامه وعجيب قصته.

والكلمة السابقة هي العدة بالقيامة وتأخر العذاب والقضاء بين المصدقين والمكذبين إلى وقتئذ.

ثم ذكر أن جزاء كل أحد يختص به سواء كان له أو عليه وأن الله لا يظلم أحداً ثم كان لسائل أن يسأل: متى القيامة التي يتعلق بها الجزاء فقال ﴿ إليه ﴾ لا إلى غيره ﴿ يرد علم الساعة ﴾ أي إذا سأل عنها.

قيل: لا يعلمها إلا هو.

ثم عمم بعد هذا التخصيص وذكر مثالين يعرف منهما أن علم جميع الحوادث المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس إلا له  .

والكم بكسر الكاف وعاء الثمرة.

ثم ذكر من أحوال القيامة طرفاً آخر فقال ﴿ ويوم يناديهم أين شركائي ﴾ وهو نداء تهكم أو توبيخ كما مر مراراً ﴿ قالوا آذناك ﴾ قال ابن عباس: أي أسمعناك من أذن بالكسر أذناً بالفتح إذا استمع.

وقال الكلبي: أعلمناك قال الإمام فخر الدين الرازي: هو بعيد لأن أهل القيامة يعلمون أنه  يعلم الأشياء علماً واجباً، فالإعلام في حقه محال.

قلت: لو أريد أظهرنا معلومك أين الاستبعاد؟

والمعنى ظهر وحصل في الواقع من جهة قولنا ما كان ثابتاً في علمك القديم أنا سنقوله كقوله ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا  ﴾ أي لم يحصل بعد معلومه في الواقع وقد مر.

وقولهم ﴿ آذناك ﴾ ماض في معنى المستقبل على عادة القرآن أو إنشاء للإيذان أو إخبار عما قيل لهم قبل ذلك فإنه يمكن أن يعاد عليهم هذا الاستفهام مرات لمزيد التوبيخ.

ومعنى ﴿ ما منا من شهيد ﴾ ليس منا من يشهد اليوم بأنهم شركاؤك لأنا عرفنا عياناً أنه لا شريك لك.

أو هو كلام الشركاء أحياها الله وأنطقها فتبرأ مما أضيف إليها من الشركة.

ومعنى الضلال على هذا التفسير عدم النفع، ويجوز أن يراد ما منا من أحد يشاهدهم لأنهم غابوا عنا.

ومعنى ﴿ يدعون ﴾ يعبدون.

والظن بمعنى اليقين، والمحيص المهرب.

وحين بين أن الكفار تبرؤا في الآخرة من شركائهم بعد أن كانوا مصرين في الدنيا على عبادتهم، بين أن الكافر تبدله في حالاته كلي أو أكثري.

ففي حالة الإقبال لا يسأم من طلب الجاه والمال، في حالة الإدبار يصير في غاية اليأس والانكسار، وإن عاودته النعمة بعد يأسه فلا بد أن يقول هذا إنما وجدته باستحقاق لي وهذا لا يزول عني ويبقى علي وعلى عقبي وأنكر البعث، وعلى فرض وجوده زعم بل جزم أن له عند الله الحالة الحسنى قائساً أمر الآخرة على أمر الدنيا، ونظير الآية ما سبق في سورة الكهف { ﴿ ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً  ﴾ فلا جرم خيب الله أمله وعكس ما تصوره بقوله ﴿ فلننبئن ﴾ وحين حكى قول الكافر أخبر عن أفعاله بقوله ﴿ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ﴾ أي تعظم وتجبر.

وقد سلف في "سبحان".

واستعير العرض لكثرة الدعاء ودوامه، وقد يستعار الطول لكثرة الدعاء ودوامه أيضاً وإن لم يكن الشيء ذا جزم كما استعير الغلظ لشدة العذاب.

فإن قيل: كيف قال أولاً ﴿ فيؤس قنوط ﴾ ثم قال ﴿ فذو دعاء عريض ﴾ ؟

قلنا: أراد أنه يؤس بالقلب دعاء باللسان، أو قنوط من الصنم دعاء الله، أو الأول في قوم والثاني في آخرين.

ولما ذكر مرات في السورة مبالغة الكفار في العداوة والنفرة من اتباع الرسول والقرآن أرشدهم إلى طريق أحوط مما فيه فقال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.

وتقريره أنكم كما سمعتم القرآن أعرضتم عنه ثم كفرتم به حتى قلتم ﴿ قلوبنا في أكنة  ﴾ ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ ومن المعلوم أن هذا ليس ببديهي فقبل الدليل يحتمل أن يكون صحيحاً وحينئذ يلزم أن يكون بعدم قبوله العقاب الأبدي.

وقوله ﴿ ممن هو في شقاق بعيد ﴾ من وضع الظاهر مقام المضمر وهو منكم بياناً لبعد شوطهم في الشقاق والخلاف قاله في الكشاف.

وأقول: جواب الشرط بالحقيقة محذوف وهو قوله مثلاً فمن أضل منكم.

وإنما قال في الأحقاف ﴿ وكفرتم  ﴾ بالواو لأن معناه في السورة كان عاقبة أمركم بعد الإمهال للنظر الكفر فحسن دخول "ثم" مع أنها تفيد التراخي في الرتبة، وهناك عطف عليه قوله ﴿ وشهد شاهد ﴾ فلم يحسن إلا الواو.

ثم بين أن الإسلام يعلو ولا يعلى وأن الغلبة والنصرة تكون لذويه فقال ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق ﴾ وهي الفتوح الواقعة على أيدي الخلفاء الراشدين والتي ستقع على أيدي أنصار دينه إلى يوم القيامة.

﴿ وفي أنفسهم ﴾ وهي فتح مكة وسائر الفتوح التي وجدت في عصر النبي  ﴿ حتى يتبين لهم أنه ﴾ أي محمداً أو القرآن أو الدين ﴿ الحق ﴾ ووجه التبين أن هذا إخبار عن الغيب فإذا وقع مطابقاً دل على صدق المخبر بل إعجازه.

وواحد الآفاق أفق وهو الناحية من نواحي الأرض والسماء.

وعند المحققين الآيات الآفاقية هي الخارجة عن حقيقة الإنسان وبدنه كالأفلاك والكواكب والظلم والأنوار والعناصر والمواليد سواه.

ولا ريب أن العجائب المودعة في هذه الأشياء مما لا نهاية لها، وإنما يوقف عليها حيناً بعد حين.

وقد أكثر الله  من تقدير تلك الدلائل في القرآن، بعضها في السور المكيات وكثير منها في المدنيات، والآيات النفسية هي التي أودعها في تركيب الإنسان وفي ربط روحه العلوي ببدنه السفلي كقوله ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون  ﴾ وفي قوله ﴿ سنريهم ﴾ دلالة على أن رؤية الأدلة إنما تكون بإراءة الله.

قال جار الله: معنى قوله ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ هو أن هذه الآيات الموعودة تكفيهم دلالة على أن القرآن منزل من عالم الغيب المطلع على كل شيء.

وقال حكماء الإسلام: أراد بقوله ﴿ أو لم يكف ﴾ توبيخ من ليس له رتبة الاستدلال بنفس الوجود على واجب الوجود، فإن هذا هو طريقة الصديقين، وأما غيرهم فإنهم يستدلون بالممكن على الواجب فيفتقرون إلى النظر في الآفاق.

قال أهل المعرفة: النظر في الآفاق لأجل العوام والأنفس للخواص وقوله ﴿ أو لم يكف ﴾ لخواص الخواص.

وقيل: أولم يكف الإنسان من الزاجر والرادع عن المعاصي كون الله شهيداً عليهم.

وقيل: أراد أنه لا يخلف ما وعد لاطلاعه على الأشياء كلها.

ثم ختم السورة بتوبيخ الشاكين في أمر البعث وبالنعي عليهم وأوعدهم بأنه عالم بكل شيء فيجازي كلاً على حسب ما يستحقه والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ﴾ .

كأنه يقول - والله أعلم -: إنا قد آتينا موسى الكتاب ما عرفوا أنه إنما نزل من عند الله  ؛ حيث شاهدوا نزوله جملة، ومع أنهم عرفوا ذلك، اختلفوا فيه حتى كذبه بعضهم؛ فعلى ذلك يقول والله أعلم -: لو أنزلنا القرآن عليك أعجميّاً، فأديته إليهم بلسانك العربي، لكذبوك، ولا يصدقونك، وإن كان ذلك في الدلالة أكثر في الأعجوبة [و]أعظم على ما فعل قوم موسى بالكتاب الذي أنزل على موسى  ، يذكر سفههم وتعنتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ﴾ .

ظاهر هذه الآية على أن ما ذكر من المنة والرحمة في تأخير العذاب إنما هو لقوم موسى، وهو قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ ﴾ ، لكن أهل التأويل قد أجمعوا على صرف هذه المنة والرحمة في تأخير العذاب إلى هذه الأمة، وكذا ظهر فيهم المنة في العفو عن الإهلاك في الدنيا دون سائر الأمم، والله أعلم.

ثم ظاهر قوله: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ استدلال واحتجاج لأهل الإلحاد؛ لأن مثل هذا في الشاهد إنما يقال لأحد معنيين: أما لجهل بالعواقب، أو لعجز عن وفاء ما وعد، لكن الله يتعالى عن الوصف بالجهل بعواقب الأمور والوصف بالعجز عن شيء مما أقام من الآيات والبراهين على العلم والقدرة.

ثم قوله: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ ﴾ يحتمل الكلمة: الحجة؛ كقوله  : ﴿ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ  ﴾ ، وقوله  : ﴿ قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي  ﴾ ، أي: لحجج ربي، وتكون الكلمة منه: الدين؛ كقوله  : ﴿ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا  ﴾ ، ونحوه.

وقيل: الكلمة: هي الساعة التي هي آخر عذاب هذه الأمة، فقال: ﴿ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ  ﴾ ، والله أعلم.

وجائز أن تكون الكلمة هاهنا ما سبق من المنة لهذه الأمة ألا يعذبها وقت استحقاقهم العذاب.

أو سبق منه المنة والرحمة بتأخير الهلاك عن وقت اكتسابهم أسباب الهلاك، وهذا على المعتزلة والخوارج؛ لقولهم: إن ليس لله أن يعفو أو يؤخر العذاب عمن وجب عليه أو استحقه أو كلام نحوه، حيث منَّ ورحم هذه الأمة بتأخير العذاب عنهم إلى وقت، ولو لم يستحقه العذاب، لم يكن لذكر المنة والرحمة في ذلك معنى؛ وهو كما قال  : ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ﴾ .

يخبر - عز وجل - أنه إنما امتحنهم لا لمنافع فيه يجرُّ إلى نفسه، أو لمضار يدفعها عن نفسه، ولكنه إنما امتحنهم وأمرهم ونهاهم؛ لمنافع يكتسبون لأنفسهم، ولمضار يدفعون بذلك عن أنفسهم، وليس كملوك الأرض أنهم يمتحنون الخلق ويأمرون وينهون ويستعملونهم لمنافع أنفسهم، ولمضار يدفعونها بذلك عن أنفسهم، فأما الله -  وتعالى - فإنما يمتحن الخلائق لمنافع يجرون إلى أنفسهم ولمضار يدفعون به عن أنفسهم، فلهم حصول منافع ذلك الامتحان والأمر والنهي، وعليهم حصول ضرر ذلك؛ فلأنفسهم يعملون ما يعملون من الخير والطاعة، وعليهم ما يعملون من الشر؛ ولذلك قال: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ...

﴾ الآية، قد بين السبيلين جميعاً بيانا شافيا، وأقام لكل ذلك حججا وبراهين، وبين أن من سلك سبيل كذا، أفضاه إلى كذا في العاقبة: إما نعيم دائم وسرور دائم، وإما عذاب دائم وشرور دائمة، فمن سلك السبيل الذي عاقبته النار والحزن، فمن قِبَلِ نفسه أتى ذلك، وهو الذي أوقع نفسه في ذلك، ومن سلك السبيل الذي جعل عاقبته الجنة والنعم الدائمة فيه، واختياره وصل ذلك، فهو تفسير قوله  : ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ .

أجمع من آمن بالله  ، وصدق رسله - عليهم السلام - من أهل السماء وأهل الأرض أن ليس عندهم علم بوقت الساعة؛ فإن ذلك خفي عليهم لا يعلمونه، وأن علم ذلك عند الله  ، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا...

﴾ الآية [الأعراف: 187]؛ غير الباطنية والروافض؛ فإن علم ذلك عندهم على مذهبهم وفي زعمهم: أما الروافض: فإنهم يعدون الأئمة ويقولون: إن الساعة على إمام كذا، وفي زمان كذا.

وأما الباطنية يقولون: إن اسم الساعة والقيامة ونحو ذلك إنما هو اسم قائم الزمان وإنه فلان، فعلى قولهم يظهر وقت قيامها، فهو خلاف ما ذكر في الكتاب، وما أجمع عليه أهل السماء والأرض، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ ﴾ .

جائز أن يكون ما ذكر من إخراج الثمرة من الأكمام وما ذكر من حمل الأنثى ووضعها، وهو موصول بقوله: ﴿ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ ، فإنه كان على ذلك، فمعناه لا يعلم [ذلك] كله إلا هو، لا يعلم وقت خروجها ولا حدها، وأنها تخرج أو لا، وكذلك الولد لا يعلم كيفية علوقه ولا وقته ولا مقداره، وأنه يعلق أو لا، علم ذلك إلى الله  كعلم الساعة، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ ﴾ على الابتداء، ليس على الصلة بالساعة، ولكن موصول بما تقدم من قوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ﴾ ، ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً...

﴾ إلى [آخر] ما ذكر؛ فعلى ذلك يقول - والله أعلم -: ومن آيات ألوهيته ووحدانيته وآيات قدرته وعلمه وتدبيره أن يخرج الثمرات من أكمامها، ومن آياته أن تحمل الأنثى وتضع، وهو أن الله  أنشأ تلك الثمرة في الأكمام، وكذا الولد في البطن في حجب وسواتر ورباه في تلك الحجب والسواتر، وغذاه بأغذية، ودفع عنه جميع الأذى من البرد والحر وجميع ما يؤذيه؛ لضعفه ولطافته؛ لطفا منه ورحمة، وصوَّره في تلك الحجب والسواتر بأحسن صورة؛ ليعلم ألوهيته ووحدانيته وأن له علما ذاتيا وقدرة ذاتية أزلية لا مكتسبا مستفادا؛ إذ العلم المستفاد والقدرة المستفادة لا تبلغ ذلك، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مِّنْ أَكْمَامِهَا ﴾ أي: المواضع التي كانت فيها مستترة، وغلاف كل شيء كمه، كما قيل: كم القميص.

وقال أبو عوسجة: أكمامها: غطاؤها التي يكون فيها قبل أن يتعيق، والتعيق: التشقق؛ يقال: تعيقت الأكمام عن الثمرة، أي: تشققت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي ﴾ .

يذكرهم، ويخبر عما يسألون يوم القيامة وما يكون من جوابهم لذلك السؤال؛ لعلهم يمتنعون عن ذلك، ويحذرون؛ يقول: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي ﴾ أي: أين الذين تزعمون أنهم شركائي في الدنيا؟

أو أين الذين تعبدون في الدنيا وتزعمون أنها آلهة، وأنها شفعاء لكم عندي؟

وإلا لا يحتمل أن يقول لهم الرب - جل وعلا -: أين شركائي؟

ولا شريك له ولا إله غيره، ولكن ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ آذَنَّاكَ ﴾ : أسمعناك.

وقيل: أعلمناك.

والأشبه أن يكون معنى ﴿ آذَنَّاكَ ﴾ : أخبرناك؛ إذ الله  كان عالما بذلك، وإعلام العالم لا يتحقق، أما الإخبار للعالم عن الشيء يتحقق بما علم به، والله أعلم.

ثم اختلف في ذلك أنه قول من؟: قال بعضهم: هو قول أولئك الكفرة الذين نودوا يومئذ يقولون: أخبرناك أن لم يكن منا أحد شهيدا بذلك، أو يقولون بالشريك، أو بإله سواك، يخرج على الإنكار والجحود والكذب أنهم لم يقولوا ذلك، ولم يفعلوا، وهو كما ذكر عنهم في آية أخرى: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ...

﴾ الآية [الأنعام: 22]، فقالوا: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ، أنكروا ما كان منهم من الإشراك؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾ ، أي: لم نشرك بك أحدا، ولم نتخذ من دونك إلها، والله أعلم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾ هذا من قول الأصنام والذين عبدوهم من دون الله في الدنيا، يقولون: ما منا من شهيد على عبادة أولئك إيانا، ولا أمرناهم بذلك؛ وهو كقوله: ﴿ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً  ﴾ ، أخبروا أنهم كانوا غافلين عن عبادتهم إياهم، وأنهم ما أمروهم بها؛ فعلى ذلك قوله  : ﴿ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾ أي: أخبرناك.

وقوله  : ﴿ آذَنَّاكَ ﴾ على هذا التأويل هو ما ذكروا: أن كنا عن عبادتكم لغافلين، والله  أعلم.

ثم إن الكفرة في يوم القيامة مرة أنكروا عبادتهم غير الله، وأحيانا أقروا بها وتبرءوا منها، ومرة سألوا الرجوع إلى المحنة والرد إلى الدنيا على اختلاف الأحوال والأوقات في ذلك اليوم؛ إذ لا تكون هذه إلا الأسئلة المختلفة في وقت واحد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ ﴾ .

هو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ  مِن دُونِ ٱللَّهِ قَـالُواْ ضَـلُّواْ عَنَّا  ﴾ ؛ وذلك أنهم كانوا يعبدون الأصنام في الدنيا؛ رجاء أن تشفع لهم في الآخرة وتقربهم إلى الله زلفى، فلما أيسوا ما رجوا منها، وقمعوا، قالوا: ﴿ ضَـلُّواْ عَنَّا ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ ﴾ من قبل في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ ﴾ ، أي: أيقنوا وعلموا أن لا محيص لهم ولا نجاة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ ﴾ ، أي: مهرب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إلى الله وحده يُردُّ علم الساعة؛ فهو وحده يعلم متى تقع، فلا يعلم ذلك غيره، وما تخرج من ثمرات من أوعيتها التي تحفظها، وما تحمل من أنثى ولا تلد إلا بعلمه، لا يفوته من ذلك شيء، ويوم ينادي الله المشركين الذين كانوا يعبدون معه الأصنام؛ مُوبِّخًا إياهم على عبادتهم لهم: أين شركائي الذين كنتم تزعمون أنهم شركاء؟

قال المشركون: اعترفنا أمامك، لا أحد منا يشهد الآن أن لك شريكًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.1eanG"

مزيد من التفاسير لسورة فصلت

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر