الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ٨ من سورة الفتح
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 56 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٨ من سورة الفتح من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول تعالى لنبيه محمد - صلوات الله وسلامه عليه ( إنا أرسلناك شاهدا ) أي : على الخلق ، ( ومبشرا ) أي : للمؤمنين ، ( ونذيرا ) أي : للكافرين .
وقد تقدم تفسيرها في سورة " الأحزاب " .
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ ) يا محمد ( شَاهِدًا ) على أمتك بما أجابوك فيما دعوتهم إليه, مما أرسلتك به إليهم من الرسالة, ومبشرا لهم بالجنة إن أجابوك إلى ما دعوتهم إليه من الدين القيم, ونذيرا لهم عذاب الله إن هم تولَّوْا عما جئتهم به من عند ربك.
قوله تعالى : إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيراقوله تعالى : إنا أرسلناك شاهدا قال قتادة : على أمتك بالبلاغ .
وقيل : شاهدا عليهم بأعمالهم من طاعة أو معصية .
وقيل : مبينا لهم ما أرسلناك به إليهم .
وقيل : شاهدا عليهم يوم القيامة .
فهو شاهد أفعالهم اليوم ، والشهيد عليهم يوم القيامة .
وقد مضى في ( النساء ) عن سعيد بن جبير هذا المعنى مبينا .
ومبشرا : لمن أطاعه بالجنة .
ونذيرا : من النار لمن عصى ، قاله قتادة وغيره .
وقد مضى في ( البقرة ) اشتقاق البشارة والنذارة ومعناهما .
وانتصب " شاهدا ومبشرا ونذيرا " على الحال المقدرة .
حكى سيبويه : مررت برجل معه صقر صائدا به غدا ، فالمعنى : إنا أرسلناك مقدرين بشهادتك يوم القيامة .
وعلى هذا تقول : رأيت عمرا قائما غدا .
أي: { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ } أيها الرسول الكريم { شَاهِدًا } لأمتك بما فعلوه من خير وشر، وشاهدا على المقالات والمسائل، حقها وباطلها، وشاهدا لله تعالى بالوحدانية والانفراد بالكمال من كل وجه، { وَمُبَشِّرًا } من أطاعك وأطاع الله بالثواب الدنيوي والديني والأخروي، ومنذرا من عصى الله بالعقاب العاجل والآجل، ومن تمام البشارة والنذارة، بيان الأعمال والأخلاق التي يبشر بها وينذر، فهو المبين للخير والشر، والسعادة والشقاوة، والحق من الباطل.
" إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً "
«إنا أرسلناك شاهدا» على أمتك في القيامة «ومبشرا» لهم في الدنيا «ونذيرا» منذرا مخّوفا فيها من عمل سوءا بالنار.
إنا أرسلناك -أيها الرسول- شاهدًا على أمتك بالبلاغ، مبينًا لهم ما أرسلناك به إليهم، ومبشرًا لمن أطاعك بالجنة، ونذيرًا لمن عصاك بالعقاب العاجل والآجل؛ لتؤمنوا بالله ورسوله، وتنصروا الله بنصر دينه، وتعظموه، وتسبحوه أول النهار وآخره.
ثم حدد الله - تعالى - الوظيفة التى كلف بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - وبشر المؤمنين الذين وفوا بعهودهم بالأجر العظيم فقال : ( إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً .
.
.
فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) .وقوله : ( مُبَشِّراً ) من التبشير ، وهو الإِخبار بالأمر السار لمن لا علم له بهذا الأمر .وقوله : ( وَنَذِيراً ) من الإِنذار ، وهو الإِخبار بالأمر المخيف ، لكى يجتنب ويحذر .أى : ( إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ ) - أيها الرسول الكريم - إلى الناس ، لتكون ( شَاهِداً ) لمن آمن منهم بالإِيمان ، ولمن كفر منهم بالكفر ، بعد أن بلغتهم رسالة ربك تبليغا تاما كاملا .ولتكون ( مُبَشِّراً ) للمؤمنين منهم برضا الله عنهم ومغفرته لهم ( وَنَذِيراً ) للكافرين وللعصاة بسوء المصير إذا ما استمروا على كفرهم وعصيانهم .والحكمة فى جعله - صلى الله عليه وسلم - شاهدا مع أن الله - تعالى - لا يخفى عليه شئ : إظهار العدل الإِلهى للناس فى صورة جلية واضحة ، وتكريم النبى - صلى الله عليه وسلم - بهذه الشهادة .وجمع - سبحانه - بين كونه - صلى الله عليه وسلم - ( مُبَشِّراً وَنَذِيراً ) لأن من الناس من ينفعه الترغيب فى الثواب ، ومنهم من لا يزجره إلى التخويف من العقاب .
وانتصاب ( شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ) على الحال المقدرة .وفى معنى هذه الآية وردت آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً .
.
) وقوله - سبحانه - ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً على هؤلاءآء .
.
.
) وقوله - عز وجل - : ( ياأيها النبي إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ).
واعلم أنه قدم المنافقين على المشركين في الذكر في كثير من المواضع لأمور أحدها: أنهم كانوا أشد على المؤمنين من الكافر المجاهر لأن المؤمن كان يتوقى المشرك المجاهر وكان يخالط المنافق لظنه بإيمانه، وهو كان يفشي أسراره، وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك والمنافق على صورة الشيطان فإنه لا يأتي الإنسان على أني عدوك، وإنما يأتيه على أني صديقك، والمجاهر على خلاف الشيطان من وجه، ولأن المنافق كان يظن أن يتخلص للمخادعة، والكافر لا يقطع بأن المؤمن إن غلب يفديه، فأول ما أخبر الله أخبر عن المنافق وقول: ﴿ الظانين بالله ظَنَّ السوء ﴾ هذا الظن يحتمل وجوهاً أحدها: هو الظن الذي ذكره الله في هذه السورة بقوله: ﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرسول ﴾ ثانيها: ظن المشركين بالله في الإشراك كما قال تعالى: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ ﴾ إلى أن قال: ﴿ إِنْ هِىَ إِلَّآ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَٰنٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰٓ أَمْ لِلْإِنسَٰنِ مَا تَمَنَّىٰ فَلِلَّهِ ٱلْءَاخِرَةُ وَٱلْأُولَىٰ وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغْنِى شَفَٰعَتُهُمْ شَيْـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰٓ إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلْأُنثَىٰ وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا ﴾ ثالثها: ظنهم أن الله لا يرى ولا يعلم كما قال: ﴿ ولكن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مّمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ والأول أصح أو نقول المراد جميع ظنونهم حتى يدخل فيه ظنهم الذي ظنوا أن الله لا يحيي الموتى، وأن العالم خلقه باطل، كما قال تعالى: ﴿ ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُواْ ﴾ ويؤيد هذا الوجه الألف واللام الذي في السوء وسنذكره في قوله: ﴿ ظَنَّ السوء ﴾ وفيه وجوه: أحدها: ما اختاره المحققون من الأدباء، وهو أن السوء صار عبارة عن الفساد، والصدق عبارة عن الصلاح يقال مررت برجل سوء أي فاسد، وسئلت عن رجل صدق أي صالح، فإذا كان مجموع قولنا رجل سوء يؤدي معنى قولنا فاسد، فالسوء وحده يكون بمعنى الفساد، وهذا ما اتفق عليه الخليل والزجاج واختاره الزمخشري، وتحقيق هذا أن السوء في المعاني كالفساد في الأجساد، يقال ساء مزاجه، وساء خلقه، وساء ظنه، كما يقال فسد اللحم وفسد الهواء، بل كان ما ساء فقد فسد وكل ما فسد فقد ساء غير أن أحدهما كثير الاستعمال في المعاني والآخر في الأجرام قال الله تعالى: ﴿ ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر ﴾ وقال: ﴿ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ هذا ما يظهر لي من تحقيق كلامهم.
ثم قال تعالى: ﴿ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء ﴾ أي دائرة الفساد وحاق بهم الفساد بحيث لا خروج لهم منه.
ثم قال تعالى: ﴿ وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ ﴾ زيادة في الإفادة لأن من كان به بلاء فقد يكون مبتلى به على وجه الامتحان فيكون مصاباً لكي يصير مثاباً، وقد يكون مصاباً على وجه التعذيب فقوله: ﴿ وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ ﴾ إشارة إلى أن الذي حاق بهم على وجه التعذيب وقوله: ﴿ وَلَعَنَهُمُ ﴾ زيادة إفادة لأن المغضوب عليه قد يكون بحيث يقنع الغاضب بالعتب والشتم أو الضرب، ولا يفضي غضبه إلى إبعاد المغضوب عليه من جنابه وطرده من بابه، وقد يكون بحيث يفضي إلى الطرد والإبعاد، فقال: ﴿ وَلَعَنَهُمُ ﴾ لكون الغضب شديداً، ثم لما بيّن حالهم في الدنيا بيّن مآلهم في العقبى قال: ﴿ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً ﴾ وقوله: ﴿ سَاءتْ ﴾ إشارة لمكان التأنيث في جهنم يقال هذه الدار نعم المكان، وقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السموات والأرض ﴾ قد تقدم تفسيره، وبقي فيه مسائل: المسألة الأولى: ما الفائدة في الإعادة؟
نقول لله جنود الرحمة وجنود العذاب أو جنود الله إنزالهم قد يكون للرحمة، وقد يكون للعذاب فذكرهم أولى لبيان الرحمة بالمؤمنين قال تعالى: ﴿ وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً ﴾ وثانياً لبيان إنزال العذاب على الكافرين.
المسألة الثانية: قال هناك ﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ﴾ وهنا ﴿ وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ لأن قوله: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السموات والأرض ﴾ قد بينا أن المقصود من ذكرهم الإشارة إلى شدة العذاب فذكر العزة كما قال تعالى: ﴿ أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ ذِي انتقام ﴾ وقال تعالى: ﴿ فأخذناهم أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾ وقال تعالى: ﴿ العزيز الجبار ﴾ .
المسألة الثالثة: ذكر جنود السموات والأرض قبل إدخال المؤمنين الجنة، وذكرهم هاهنا بعد ذكر تعذيب الكفار وإعداد جنهم، نقول فيه ترتيب حسن لأن الله تعالى ينزل جنود الرحمة فيدخل المؤمنين مكرمين معظمين الجنة ثم يلبسهم خلع الكرامة بقوله: ﴿ وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم ﴾ كما بينا ثم تكون لهم القربى والزلفى بقوله: ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ الله فَوْزاً عَظِيماً ﴾ وبعد حصول القرب والعندية لا تبقى واسطة الجنود فالجنود في الرحمة أولاً ينزلون ويقربون آخراً وأما في الكافر فيغضب عليه أولاً فيبعد ويطرد إلى البلاد النائية عن ناحية الرحمة وهي جهنم ويسلط عليهم ملائكة العذاب وهم جنود الله كما قال تعالى: ﴿ عَلَيْهَا مَلَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ ﴾ ولذلك ذكر جنود الرحمة أولاً والقربة بقوله عند الله آخراً، وقال هاهنا ﴿ غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمُ ﴾ وهو الإبعاد أولاً وجنود السموات والأرض آخراً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ السكينة ﴾ السكون كالبهيتة للبهتان، أي: أنزل الله في قلوبهم السكون، والطمأنينة بسبب الصلح والأمن، ليعرفوا فضل الله عليهم بتيسير الأمن بعد الخوف، والهدنة غب القتال، فيزدادوا يقيناً إلى يقينهم، وأنزل فيها السكون إلى ما جاء به محمد عليه السلام من الشرائع ﴿ لِيَزْدَادُواْ إيمانا ﴾ بالشرائع مقروناً إلى إيمانهم وهو التوحيد.
عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن أوّل ما أتاهم به النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة والزكاة، ثم الحج، ثم الجهاد، فازدادوا إيماناً إلى إيمانهم.
أو أنزل فيها الوقار والعظمة لله عزّ وجل ولرسوله، ليزدادوا باعتقاد ذلك إيماناً إلى إيمانهم.
وقيل: أنزل فيها الرحمة ليتراحموا فيزداد إيمانهم ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السماوات والأرض ﴾ يسلط بعضها على بعض كما يقتضيه علمه وحكمته، ومن قضيته أن سكّن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية ووعدهم أن يفتح لهم، وإنما قضى ذلك ليعرف المؤمنون نعمة الله فيه ويشكروها فيستحقوا الثواب، فيثيبهم ويعذب الكافرين والمنافقين لما غاظهم من ذلك وكرهوه.
وقع السوء: عبارة عن رداءة الشيء وفساده؛ والصدق عن جودته وصلاحه، فقيل في المرضى الصالح من الأفعال: فعل صدق، وفي المسخوط الفاسد منها: فعل سوء.
ومعنى ﴿ ظَنَّ السوء ﴾ ظنهم أن الله تعالى لا ينصر الرسول والمؤمنين، ولا يرجعهم إلى مكة ظافرين فاتحيها عنوة وقهراً ﴿ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء ﴾ أي: ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم- والسوء: الهلاك والدمار.
وقرئ: ﴿ دائرة السوء ﴾ بالفتح، أي: الدائرة التي يذمونها ويسخطونها، فهي عندهم دائر سوء، وعند المؤمنين دائرة صدق.
فإن قلت: هل من فرق بين السُّوء والسَّوء؟
قلت: هما كالكُره والكَره والضُّعْف والضَّعْف، من ساء، إلا أنّ المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شيء.
وأما السُّوء بالضم فجار مجرى الشر الذي هو نقيض الخير.
يقال: أراد به السوء وأراد به الخير؛ ولذلك أضيف الظن إلى المفتوح لكونه مذموماً؛ وكانت الدائرة محمودة فكان حقها أن لا تضاف إليه إلا على التأويل الذي ذكرنا وأما دائرة السوء بالضم، فلأن الذي أصابهم مكروه وشدة، فصح أن يقع عليه اسم السوء، كقوله عزّ وعلا: ﴿ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ﴾ [الأحزاب: 17] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ﴾ عِلَّةٌ بِما بَعْدَهُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ مِن مَعْنى التَّدْبِيرِ، أيْ دَبَّرَ ما دَبَّرَ مِن تَسْلِيطِ المُؤْمِنِينَ لِيَعْرِفُوا نِعْمَةَ اللَّهِ فِيهِ ويَشْكُرُوها فَيُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ ويُعَذِّبَ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ لِما غاظَهم مِن ذَلِكَ، أوْ فَتَحْنا أوْ أنْزَلَ أوْ جَمِيعُ ما ذَكَرَ أوْ لِيَزْدادُوا، وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ الِاشْتِمالِ.
﴿ وَيُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ يُغَطِّيَها ولا يُظْهِرَها.
﴿ وَكانَ ذَلِكَ ﴾ أيِ الإدْخالُ والتَّكْفِيرُ.
﴿ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ لِأنَّهُ مُنْتَهى ما يُطْلَبُ مِن جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ، وعِنْدَ حالٍ مِنَ الفَوْزِ.
﴿ وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ﴾ عَطْفٌ عَلى «يُدْخِلَ» إلّا إذا جَعَلْتَهُ بَدَلًا فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى المُبْدَلِ مِنهُ.
﴿ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾ ظَنَّ الأمْرِ السُّوءِ وهو أنْ لا يَنْصُرَ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ.
﴿ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ دائِرَةُ ما يَظُنُّونَهُ ويَتَرَبَّصُونَهُ بِالمُؤْمِنِينَ لا يَتَخَطّاهُمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو دائِرَةُ السُّوءِ بِالضَّمِّ وهُما لُغَتانِ، غَيْرَ أنَّ المَفْتُوحَ غَلَبَ في أنْ يُضافَ إلَيْهِ ما يُرادُ ذَمُّهُ والمَضْمُومُ جَرى مَجْرى الشَّرِّ وكِلاهُما في الأصْلِ مَصْدَرٌ ﴿ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ ﴾ عَطْفٌ لِما اسْتَحَقُّوهُ في الآخِرَةِ عَلى ما اسْتَوْجَبُوهُ في الدُّنْيا، والواوُ في الأخِيرَيْنِ والمَوْضِعُ مَوْضِعُ الفاءِ إذِ اللَّعْنُ سَبَبٌ لِلْإعْدادِ، والغَضَبُ سَبَبٌ لَهُ لِاسْتِقْلالِ الكُلِّ في الوَعِيدِ بِلا اعْتِبارِ السَّبَبِيَّةِ.
﴿ وَساءَتْ مَصِيرًا ﴾ جَهَنَّمُ.
﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ <div class="verse-tafsir"
{إِنَّآ أرسلناك شَاهِداً} تشهد على أمتك يوم القيامة وهذه حال مقدرة {وَمُبَشِّراً} للمؤمنين بالجنة {وَنَذِيرًا} للكافرين من النار
﴿ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ﴾ أيْ عَلى أُمَّتِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا ﴾ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ شاهِدًا عَلى أُمَّتِكَ وشاهِدًا عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّهم قَدْ بَلَّغُوا ﴿ ومُبَشِّرًا ﴾ بِالثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ ﴿ ونَذِيرًا ﴾ بِالعَذابِ عَلى المَعْصِيَةِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وذلك أن النبي تجهز في سنة ست في ذي القعدة، فخرج إلى العمرة معه ألف وستمائة رجل، ويقال: ألف وأربعمائة، وساق سبعين بدنة.
فبلغ قريشاً خبر النبي وأصحابه، فبعثوا خالد بن الوليد في عصابة منهم ليصدوا النبيّ وأصحابه عن البيت؟
فلما نزل النبيّ بعسفان قال: «إنَّ قُرَيْشاً جَعَلَتْ لِي عُيُوناً، فَمَنْ يَدُلُّنِي عَلَى طَرِيقِ الثَّنِيَّةِ» .
فقال رجل من المسلمين: أنا يا رسول الله فخرج بهم، وانتهوا إلى الثنية، وصعدوا فيها.
فلما هبط رسول الله من الثنية، بركت ناقته القصواء، فلم تنبعث، فزجرَها، وزجرها الناس، وضربوها، فلم تنبعث.
فقال الناس: خلأت القصواء أي: صارت حروناً.
فقال النبيّ : «ما خَلأَتِ القَصْوَاءُ، وَمَا كَانَ ذلك لَهَا بِخُلُقٍ، ولكن حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ» ، ثم قال: «لا يَسْأَلُونَنِي فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ شَيْئاً يعظمون به حرماتهم، إلا قِبْلتُهُ مِنْهُمْ» ثَم زجرها، فانبعثت.
فلما نزلوا على القليب بالحديبية، لم يكن في البئر إلا ماء وشيك.
يعني: قليل متغير، فاستسقوا فلم يبق في البئر ماء.
فقال: مَن رجل يهيج لنا الماء؟
فقال رجل: أنا يا رسول الله.
فقال: «ما اسمك» ؟
قال: مرة.
فقال: «تأخر» ، فقال رجل آخر أنا يا رسول الله، فقال: «ما اسمك؟» .
قال: ناجيه.
فقال: «أنْزِلْ» .
فنزل، فأعطاه رسول الله مشقصاً، فبحت به البئر، فنبع الماء.
وقال في رواية عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: كان ماء الحديبية قد قل.
فأتى بدلو من ماء، فتوضأ منه رسول الله ، وجعل منه في فيه، ثم مجه في الدلو، ثم أمرهم بأن يجعلوه في البئر، ففعلوا، فامتلأت البئر حتى كادوا يغرقون منها وهم جلوس.
ففزع المشركون لنزول النبيّ وأصحابه في الحديبية، فجاؤوه، واستعدوا ليصدوه.
فقال رسول الله لعمر: «يا عُمَرُ اذْهَبْ فَاسْتَأْذِنْ لَنَا عَلَيْهِمْ حَتَّى نَعْتَمِرَ، وَيُخْلُوا بَيْنِي وَبَيْنَ البَيْتِ، لا أُرِيدُ مِنْهُمْ غَيْرَهُ» .
فقال عمر: يا رسول الله ليس ثم أحد من قومي يمنعني.
فأرسل عثمان، فإن هناك ناساً من بني عمه، يمنعونه، فذهب عثمان، فتلقاه أبان بن سعيد بن العاص، فقال له: أجرني من قومك حتى أبلغ رسالة رسول الله ، فأجاره، وحمله على فرسه وراءه، ودخل به مكة فاستأذن عثمان قريشاً، فأبوا أن يأذنوا له.
فقال: أبان لعثمان!
طف أنت إن شئت.
فقال: لما كنت لأتقدم بين يدي رسول الله ، وبقي هناك ثلاثة أيام، فذكر للنبي أن عثمان قد قتل.
فقال لأصحابه: بايعوني على الموت.
فجلس النبيّ تحت الشجرة، فبايعه أصحابه على الموت، فقال النبي : «إِنِّي أَخَافُ أَلاَّ يُدْرِكَ عُثْمَانَ هَذِهِ البَيْعَةَ، فَأَنَا أُبَايِعُ لَهُ يَمِينِي بِشمَالِي» .
ثم رجع عثمان، فأخبر أنهم قد أبوا ذلك، وبلغت قريشاً البيعة، فكبرت تلك البيعة عندهم، وقالوا ليزيد بن الحارث الكناني: أردده عنا فقال النبيّ : «ابْعَثُوا الهَدْيَ فِي وَجْهِهِ يَرَاهَا، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ يُعَظِّمُونَ الهَدْيَ» .
فبعثوا الهدي في وجهه، فلما رأى يزيد بن الحارث الهدي قال: ما أرى أحداً يفلح بردّ هذا الهدي، ورجع إلى قريش.
فقال لهم: لا تردوا هذا الهدي فإني أخشى أن يصيبكم عذاب من السماء.
فأرسلوا عروة بن مسعود الثقفي، فجاء إلى النبيّ ، فجلس إليه، فقال: يا محمد ارجع عن قومك هذه المرة، فجعل يكلم رسول الله ، ويومئ بيديه إلى لحيته، وكان المغيرة قائماً عند رسول الله ، فضربه بالسوط على يده، وقال: اكفف يدك عن لحية رسول الله قبل أن يصل إليك ما تكره.
فقال عروة: من هذا يا محمد؟
فقال: ابن أخيك المغيرة بن شعبة.
فقال: يا غدر ما غسلت سلحتك عني بعد.
أفتضرب يدي؟
قال: اكففها قبل أن لا تصل إليك.
فرجع عروة إلى قريش، فقالوا له: ما ورائك يا أبا يعقوب؟
فقال: خلوا سبيل الرجل يعتمر، فإني حضرت كسرى، وقيصر، والنجاشي، فما رأيت ملكاً قط أصحابه أطوع من هذا الملك.
والله إنه ليتنخم فيبتدرون نخامته، والله إنه ليجلس فيبتدرون التراب الذي يجلس عليه، وإنه ليتوضأ فيبتدرون وضوءه.
فقالوا: جبنت، وانتفح سحرك.
ثم قالوا لسهيل بن عمرو: اذهب واردده عنا، وصالحه.
فلما رآه رسول الله قال: «قَدْ سَهُلَ أمْرُهُمْ» ، فجاءه سهيل في نفر من قريش فقال: يا محمد ارجع عن قومك هذه المرة، على أن لك أن تأتيهم من العام المقبل، فتعتمر أنت، وأصحابك، ويدخل كل إنسان منكم بسلاحه راكباً، فتصالحنا على أن لا تقاتلنا، ولا نقاتلك سنتين.
فرضي رسول الله بذلك.
فقال: اكتب بيننا وبينك كتاباً، فأمر علياً إن يكتب، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم.
فقال سهيل: لا أعرف الرحمن.
قال: فكيف أكتب؟
قال: اكتب باسمك اللهم فكتب باسمك اللهم، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله .
فقال سهيل: لو أعلم أنك رسول الله، لاتبعتك.
أفترغب عن اسم أبيك؟
فقال علي : فو الله إنه لرسول الله على رغم أنفك.
فقال رسول الله : «أنا مَحَمَّدٌ رَسُولُ الله، وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله، اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله» ، لأنه كان عهد أن لا يسألوه عن شيئاً يعظمون به حرماتهم إلا قبله.
فكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، ألاّ تقاتلنا، ولا نقاتلك سنتين، وندخل في حلفنا من نشاء، وتدخلوا في حلفكم من شئتم، وعلى أنكم تأتون من العام المقبل، وتقيمون ثلاثة أيام، ثم ترجعون، وعلى أن ما جاء منا إليكم لا تقبلوه، وتردوه إلينا، ومن جاء منكم إلينا فهو منا، فلا نرده إليكم، فشق ذلك الشرط على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله من لحق بنا منهم لم نقبله، ومن لحق بهم منا فهو لهم.
فقال رسول الله : «فأمَّا مَنْ لَحِقَ بِهِمْ مِنَّا فَأبْعَدَهُ الله وَأَوْلَى بِمَنْ كَفر.
وَأمَّا مَنْ أرَادَ أنْ يَلْحَقَ بِنَا مِنْهُمْ فَسَيَجْعَلُ الله لَهُ مَخْرِجَاً» .
فجاء أبو جندل بن سهيل يوسف في الحديد، يعني: يمشي مشي الأعرج قد أسلم، فأوثقه أبوه حين خشي أن يذهب إلى النبيّ ، فلما وقع في ظهراني المسلمين، قال: إني مسلم.
فجاء أبوه فقال: إنما كتبنا الكتاب الساعة.
فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله حق وأنت نبيه؟
قال: «بَلَى» .
قال: ونحن قوم مؤمنون؟
وهم كفار؟
قال: «بَلَى» .
قال: فلم نُعْطِي الدنية في ديننا؟
قال: «إنَّمَا كَتَبْنَا الكِتَابَ السَّاعَةَ» .
فتحول عمر إلى أبي جندل فقال: يا أبا جندل إن الرجل يقتل أباه في الله، وإن دم الكافر لا يساوي دم كلب، وجعل عمر يقرب إليه سيفه كيما يأخذه، ويضرب به أباه.
فقال أبو جندل: ما لك لا تقتله أنت؟
فقال عمر: نهاني رسول الله .
فقال: ما أنت بأحق بطاعة رسول الله مني، لا أقتل أبي، فأخذ سهيل بن عمرو غصناً من أغصان تلك الشجرة، فضرب به وجه أبي جندل، والمسلمون يبكون.
فقال النبيّ : «خَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ، فَإنْ يَعْلَمِ الله مِنْ أبِي جَنْدَلٍ الصَّدْقَ يُنْجِهِ مِنْهُمّ» .
فقال رسول الله لسهيل: «هَبْهُ لِي» فقال سهيل: لا.
فقال: مكرز بن حفص: قد أجرته.
يعني: أمنته فآمنه حتى رده إلى مكة، فأنجى الله تعالى أبا جندل من أيديهم بعد ما رجع النبيّ إلى المدينة، فخرج إلى شط البحر، واجتمع إليه قريباً من سبعين رجلاً، كرهوا أن يقيموا مع المشركين، وعلموا أن النبي لن يقبلهم حتى تنقضي المدة، فعمدوا إلى عير لقريش مقبلة إلى الشام، أو مدبرة فأخذوها، وجعلوا يقطعون الطريق على المشركين، فأرسل المشركون إلى النبي يناشدونه إلا قبضهم إليه، وقالوا له: أنت في حلَ منهم.
فالتحقوا برسول الله ، فعلم الذين كرهوا الصلح، أن الخير فيما رأى رسول الله .
ثم أمر النبيّ أصحابه أن ينحروا البدن، ويحلقوا الرؤوس، فلم يفعل ذلك منهم أحد.
فدخل النبيّ على أم سلمة فقال: ألا تعجبين؟
أمرت الناس أن ينحروا البدن، ويحلقوا.
فلم يفعل أحد منهم.
فقالت أم سلمة: قم أنت يا رسول الله وانحر بدنك، واحلق رأسك، فإنهم سيقتدون بك.
فنحر رسول الله البدن، وحلق رأسه، ففعل القوم كلهم، فحلق بعضهم، وقصر بعضهم.
فقال رسول الله : «يَرْحَمُ الله المُحَلِّقِينَ» .
فقالوا: والمقصرين يا رسول الله؟
فقال: «يَرْحَمُ الله المُحَلِّقِينَ، والمقصرين» .
فرجع النبيّ إلى المدينة، فنزل إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً إلى قوله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ يعني: السكون، والطمأنينة في البيعة، في قلوب المؤمنين.
لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ يعني: تصديقاً مع تصديقهم الذي هم عليه.
ويقال: تصديقاً بما أمرهم رسول الله في البيعة.
ويقال: يعني: إقراراً بالفرائض، مع إقرارهم بالله تعالى.
وروي عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ قال: يعني: الرحمة فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً.
قال: إن الله تعالى بعث رسوله بشهادة أن لا إله إلا الله، محمد رسول الله، كما قال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (4) [الاخلاص] فلما صدقوا بها، زادهم الصلاة.
فلما صدقوا بها زادهم الزكاة.
فلما صدقوا بها زادهم الصوم.
فلما صدقوا بها زادهم الحج.
فلما صدقوا به زادهم الجهاد.
يعني: إن في كل ذلك يزيد تصديقاً مع تصديقهم.
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فجنود السموات الملائكة، وجنود الأرض المؤمنون من الجن والإنس وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً في أمره حيث حكم بالنصر للمؤمنين يوم بدر.
<div class="verse-tafsir"
سهمه، وثاب الماء حتى كَفَى الجيش، واتَّفَقَتْ بيعةُ الرضوان، وهي الفتح الأعظم قاله جابر بن عبد اللَّه والبَرَاءُ بن عازب «١» ، وبلغ هَدْيُهُ مَحِلَّهُ قاله الشَّعْبِيُّ «٢» ، واستقبل فتح خيبر، وامتلأت أيدي المؤمنين، وظهرت في ذلك الوقت الروم على فارس، فكانت من جملة الفتح فسرّ بها صلّى الله عليه وسلّم هو والمؤمنون لظهور أهل الكتاب على المجوس، وشَرَّفَه اللَّه بأنْ أخبره أَنَّه قد غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تأخر، أي: وإِنْ لم يكن ذنب.
ت: قال الثعلبيُّ: قوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ قال أبو حاتم: هذه لام القسم، لما حُذِفَتِ النون من فعله كُسِرَتْ، ونُصِبَ فعلها تشبيهاً بلام «كي» ، انتهى.
قال عياض: ومقصد الآية أَنَّك مغفور لك، غيرَ مؤاخذ بذنب، إنْ لو كان، انتهى.
قال أبو حيان «٣» : لِيَغْفِرَ اللام لِلْعِلَّةِ، وقال ع: هي لام الصيرورة، وقيل:
هي لام القسم، ورُدَّ بأنَّ لام القسم لا تُكْسَرُ وَلا يُنْصَبُ بها، وأُجِيبَ بأَنَّ الكَسْرَ قد عُلِّلَ بالحمل على «لام كي» وأَمَّا الحركة فليست نصباً بل هي الفتحة الموجودة مع النون، بَقِيَتْ بعد حذفها دَالَّةً على المحذوف، ورُدَّ باَّنَّهُ لم يُحْفَظْ من كلامهم: واللَّهِ ليقوم ولا باللَّه ليخرج زيد، انتهى.
وفي «صحيح البخاريِّ» عن أنس بن مالك: «إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَاً مُبِيناً» : الحديبية «٤» ، انتهى.
وقوله سبحانه: وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ أي: / بإظهارك وتغليبك على عَدُوِّك، والرُّضْوَانُ في الآخرة والسَّكِينَةُ فعيلة من السكون، وهو تسكين قلوبهم لتلك الهُدْنَةِ مع قريش حتَّى اطمأَنَّتْ، وعلموا أنّ وعد الله حق.
سُورَةُ الفَتْحِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.
.
.
﴾ \[الآيَةُ\] سَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ ﴾ قالَ اليَهُودُ: كَيْفَ نَتَّبِعُ رَجُلًا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ؟!
فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَفِي المُرادِ بِالفَتْحِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: نَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: هو فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وأُطْعِمُوا نَخْلَ خَيْبَرَ، وبَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ بِظُهُورِ أهْلِ الكِتابِ عَلى المَجُوسِ.
قالَ الزُّهْرِيُّ: لَمْ يَكُنْ فَتْحٌ أعْظَمَ مِن صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ اخْتَلَطُوا بِالمُسْلِمِينَ فَسَمِعُوا كَلامَهم فَتَمَكَّنَ الإسْلامُ في قُلُوبِهِمْ، وأسْلَمَ في ثَلاثِ سِنِينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ وكَثُرَ بِهِمْ سَوادُ الإسْلامِ.
قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي بِالفَتْحِ ما قَضى اللَّهُ لَهُ مِن نَحْرِ الهَدْيِ بِالحُدَيْبِيَةِ وحَلْقِ رَأْسِهِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ أيْ: قَضَيْنا لَكَ قَضاءً عَظِيمًا، ويُقالُ لِلْقاضِي: الفَتّاحُ.
قالَ الفَرّاءُ: والفَتْحُ قَدْ يَكُونُ صُلْحًا، ويَكُونُ أخْذَ الشَّيْءِ عَنْوَةً، ويَكُونُ بِالقِتالِ.
وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى الفَتْحِ في اللُّغَةِ: فَتْحُ المُنْغَلِقِ، والصُّلْحُ الَّذِي جُعِلَ مَعَ المُشْرِكِينَ بِالحُدَيْبِيَةِ كانَ مَسْدُودًا مُتَعَذِّرًا حَتّى فَتَحَهُ اللَّهُ تَعالى.
الإشارَةُ إلى قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ رَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَأى في النَّوْمِ كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ [لَهُ]: لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، فَأصْبَحَ فَحَدَّثَ النّاسَ بِرُؤْياهُ، وأمَرَهم بِالخُرُوجِ لِلْعُمْرَةِ؛ فَذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالسِّيَرِ أنَّهُ خَرَجَ واسْتَنْفَرَ أصْحابَهُ لِلْعُمْرَةِ، وذَلِكَ في سَنَةِ سِتٍّ، ولَمْ يَخْرُجْ بِسِلاحٍ إلّا السُّيُوفَ في القُرُبِ.
وساقَ هو وأصْحابُهُ البُدْنَ.
فَصَلّى الظُّهْرَ بِـ "ذِي الحُلَيْفَةِ"، ثُمَّ دَعا بِالبُدْنِ فَجُلِّلَتْ، ثُمَّ أشْعَرَها وقَلَّدَها، وفَعَلَ ذَلِكَ أصْحابُهُ، وأحْرَمَ ولَبّى، فَبَلَغَ المُشْرِكِينَ خُرُوجُهُ، فَأجْمَعَ رَأْيُهم عَلى صَدِّهِ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وَخَرَجُوا حَتّى عَسْكَرُوا بِـ "بَلْدَحٍ"، وقَدَّمُوا مِائَتَيْ فارِسٍ إلى كُراعِ الغَمِيمِ، وسارَ رَسُولُ اللَّهِ حَتّى دَنا مِنَ الحُدَيْبِيَةِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: وهي بِئْرٌ، فَسُمِّيَ المَكانُ بِاسْمِ البِئْرِ؛ قالُوا: وبَيْنَها وبَيْنَ مَكَّةَ تِسْعَةُ أمْيالٍ، فَوَقَفَتْ يَدا راحِلَتِهِ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: حَلْ حَلْ يَزْجُرُونَها، فَأبَتْ، فَقالُوا: خَلَأتِ القَصْواءُ -والخِلاءُ في النّاقَةِ مِثْلُ الحِرانِ في الفَرَسِ- فَقالَ: "ما خَلَأتْ، ولَكِنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ، أما واللَّهِ لا يَسْألُونِي خُطَّةً فِيها تَعْظِيمُ حُرْمَةِ اللَّهِ إلّا أعْطَيْتُهم إيّاها"، ثُمَّ جَرَّها فَقامَتْ، فَوَلّى راجِعًا عَوْدُهُ عَلى بَدْئِهِ حَتّى نَزَلَ عَلى ثَمَدٍ مِن أثْمادِ الحُدَيْبِيَةِ قَلِيلِ الماءِ، فانْتَزَعَ سَهْمًا مِن كِنانَتِهِ فَغَرَزَهُ فِيها، فَجاشَتْ لَهم بِالرَّواءِ، وجاءَهُ بَدِيلُ بْنُ ورْقاءَ في رَكْبٍ فَسَلَّمُوا وقالُوا: جِئْناكَ مِن عِنْدَ قَوْمِكَ وقَدِ اسْتَنْفَرُوا لَكَ الأحابِيشَ ومَن أطاعَهُمْ، يُقْسِمُونَ، لا يُخَلُّونَ بَيْنَكَ وبَيْنَ البَيْتِ حَتّى تُبِيدَ خَضْراءَهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : "لَمْ نَأْتِ لِقِتالِ أحَدٍ إنَّما جِئْنا لِنَطُوفَ بِهَذا البَيْتِ، فَمَن صَدَّنا عَنْهُ قاتَلْناهُ"، فَرَجَعَ [بَدِيلٌ] فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، فَبَعَثُوا عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ، فَكَلَّمَهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ، فَأخْبَرَ قُرَيْشًا، فَقالُوا: نَرُدُّهُ مِن عامِنا هَذا، ويَرْجِعُ مِن قابِلٍ فَيَدْخُلُ مَكَّةَ ويَطُوفُ بِالبَيْتِ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ، قالَ: "اذْهَبْ إلى قُرَيْشٍ فَأخْبِرْهم أنّا لَمْ نَأْتِ لِقِتالِ أحَدٍ، وإنَّما جِئْنا زُوّارًا لِهَذا البَيْتِ، مَعَنا الهَدْيُ نَنْحَرُهُ ونَنْصَرِفُ، فَأتاهم فَأخْبَرَهُمْ، فَقالُوا: لا كانَ هَذا أبَدًا، ولا يَدْخُلُها العامَ، وبَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ أنَّ عُثْمانَ قَدْ قُتِلَ، فَقالَ: "لا نَبْرَحُ حَتّى نُناجِزَهُمْ"، فَذاكَ حِينَ دَعا المُسْلِمِينَ إلى بَيْعَةِ الرِّضْوانِ، فَبايَعَهم تَحْتَ الشَّجَرَةِ.» وَفِي عَدَدِهِمْ يَوْمَئِذٍ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ألْفٌ وأرْبَعُمِائَةٍ، قالَهُ البَراءُ، وسَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ، وجابِرٌ، ومَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ.
والثّانِي: ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ، رُوِيَ عَنْ جابِرٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ وخَمْسٌ وعِشْرُونَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: ألْفٌ وثَلاثُمِائَةٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى، قالَ: «وَضَرَبَ يَوْمَئِذٍ رَسُولُ اللَّهِ بِشِمالِهِ عَلى يَمِينِهِ لِعُثْمانَ، وقالَ: إنَّهُ ذَهَبَ في حاجَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ،» وَجَعَلَتِ الرُّسُلُ تَخْتَلِفُ بَيْنَهُمْ، فَأجْمَعُوا عَلى الصُّلْحِ، فَبَعَثُوا سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو في عِدَّةِ رِجالٍ، فَصالَحَهُ كَما ذَكَرْنا في [بَراءَةٍ: ٧]، فَأقامَ بِالحُدَيْبِيَةِ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ويُقالُ: عِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمّا كانَ بِـ "ضَجْنانَ" نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ ، فَقالَ جِبْرِيلُ: يُهَنِّيكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، وهَنَّأهُ المُسْلِمُونَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الفَتْحَ فَتْحُ مَكَّةَ، رَواهُ مَسْرُوقٌ عَنْ عائِشَةَ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.
وقالَ بَعْضُ مَن ذَهَبَ إلى هَذا: إنَّما وُعِدَ بِفَتْحِ مَكَّةَ بِهَذِهِ الآيَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ فَتْحُ خَيْبَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والعَوْفِيُّ وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ كالقَوْلَيْنِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ القَضاءُ لَهُ بِالإسْلامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وقالَ غَيْرُهُ: حُكْمُنا لَكَ بِإظْهارِ دِينِكِ والنُّصْرَةِ عَلى عَدُوِّكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ﴾ قالَ ثَعْلَبٌ: اللّامُ لامُ "كَيْ"، والمَعْنى: لِكَيْ يَجْتَمِعَ لَكَ [مَعَ] المَغْفِرَةِ تَمامَ النِّعْمَةِ في الفَتْحِ، فَلَمّا انْضَمَّ إلى المَغْفِرَةِ شَيْءٌ حادِثٌ، حَسُنَ مَعْنى "كَيْ"، وغَلَطَ مَن قالَ: لَيْسَ الفَتْحُ سَبَبَ المَغْفِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمَعْنى: "ما تَقَدَّمَ" في الجاهِلِيَّةِ، و "ما تَأخَّرَ" ما لَمْ تَعْلَمْهُ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَضْرِبُ مَن يَلْقاهُ ومَن لا يَلْقاهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ في الجَنَّةِ.
والثّانِي: أنَّهُ بِالنُّبُوَّةِ والمَغْفِرَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: بِفَتْحِ مَكَّةَ والطّائِفِ وخَيْبَرَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
والرّابِعُ: بِإظْهارِ دِينِكَ عَلى سائِرِ الأدْيانِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ أيْ: ويُثَبِّتَكَ عَلَيْهِ؛ وقِيلَ: وَيَهْدِي بِكَ، ﴿ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ ﴾ عَلى عَدُوِّكَ ﴿ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: نَصَرًا ذا عِزٍّ لا يَقَعُ مَعَهُ ذُلٌّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ويُكَفِّرَ عنهم سَيِّئاتِهِمْ وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ ﴿ وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ الظانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَوْءِ وغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَماواتِ والأرْضِ وكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ ﴾ مَعْناهُ: فازْدادُوا وتَلَقَّوْا ذَلِكَ، فَتَمَكَّنَ - بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ بِتَكَسُّبِهِمُ القَبُولَ لِما أنْزَلَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، ويُرْوى في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ ﴾ تَكَلَّمَ فِيها أهْلُ الكِتابِ، وقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُ مَن لا يَدْرِي ما يَفْعَلُ بِهِ وبِالناسِ مَعَهُ، فَبَيَّنَ اللهُ في هَذِهِ السُورَةِ ما يَفْعَلُ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ ، فَلَمّا سَمِعَها المُؤْمِنُونَ قالُوا: هَنِيئًا مَرِيئًا، هَذا لَكَ يا رَسُولَ اللهِ، فَما لَنا؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَساءَتْ مَصِيرًا ﴾ »، فَعَرَّفَهُ اللهُ تَعالى ما يَفْعَلُ بِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وذَكَرَ النِقاشُ «أنَّ رَجُلًا مِن عَكٍّ قالَ: هَذِهِ لَكَ يا رَسُولَ اللهِ، فَما لَنا؟
فَقالَ النَبِيُّ : "هِيَ لِي ولِأُمَّتِي كَهاتَيْنِ"، وجَمَعَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُكَفِّرَ عنهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ فِيهِ تَرْتِيبُ الجُمَلِ في السَرْدِ لا تَرْتِيبَ وُقُوعِ مَعانِيها؛ لِأنَّ تَكْفِيرَ السَيِّئاتِ قَبْلَ إدْخالِهِمُ الجَنَّةَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الظانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَوْءِ ﴾ قِيلَ مَعْناهُ: مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَسُولُ ﴾ الآيَةُ، فَكَأنَّهم ظَنُّوا بِاللهِ ظَنَّ السَوْءِ في جِهَةِ الرَسُولِ والمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: ظَنُّوا بِاللهِ تَعالى ظَنَّ سُوءٍ، إذْ هم يَعْتَقِدُونَهُ بِغَيْرِ صِفاتِهِ، فَهي ظُنُونُ سُوءٍ مِن حَيْثُ هي كاذِبَةٌ مُؤَدِّيَةٌ إلى عَذابِهِمْ في نارِ جَهَنَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَوْءِ ﴾ كَأنَّهُ يُقَوِّي التَأْوِيلَ الآخَرَ، أيْ: أصابَهم ما أرادُوهُ بِكم.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَوْءِ" كالأوَّلِ، ورَجَّحَها الفَرّاءُ وقالَ: قُلَّ ما تَضُمُّ العَرَبُ السِينَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هُما مُتَقارِبانِ، والفَتْحُ أشَدُّ مُطابَقَةً في اللَفْظِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "ظَنَّ السَوْءِ" بِفَتْحِ السِينِ، و"عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَوْءِ" بِضَمِّ السِينِ، وهو اسْمٌ، أيْ: دائِرَةُ السَوْءِ الَّذِي أرادُوهُ بِكم في ظَنِّهِمُ السُوءَ، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّ السِينِ في المَوْضِعَيْنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن أبِي عَمْرِو ومُجاهِدٍ، وسَمّى تَعالى المُصِيبَةَ الَّتِي دَعا بِها عَلَيْهِمْ دائِرَةً مِن حَيْثُ يُقالُ في الزَمانِ: إنَّهُ يَسْتَدِيرُ، ألا تَرى أنَّ السُنَّةَ والشَهْرَ كَأنَّها مُسْتَدِيراتٌ، تَذْهَبُ عَلى تَرْتِيبٍ وتَجِيءُ مِن حَيْثُ هي تَقْدِيراتٌ لِلْحَرَكَةِ العُظْمى، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "إنَّ الزَمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ"،» فَيُقالُ الأقْدارُ والحَوادِثُ الَّتِي هي في طَيِّ الزَمانِ: دائِرَةٌ، لِأنَّها تَدُورُ بِدَوَرانِ الزَمانِ، كَأنَّكَ تَقُولُ: إنَّ أمْرًا كَذا يَكُونُ في يَوْمِ كَذا مِن سَنَةِ كَذا، فَمِن حَيْثُ يَدُورُ ذَلِكَ اليَوْمُ حَتّى يَبْرُزَ إلى الوُجُودِ تَدُورُ هي أيْضًا فِيهِ، وَمِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: ودائِراتُ الدَهْرِ قَدْ تَدُورا ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ويَعْلَمُ أنَّ النائِباتِ تَدُورُ وهَذا كَثِيرٌ، ويَحْسُنُ أنْ تُسَمّى المُصِيبَةُ دائِرَةً مِن حَيْثُ كَمالُها أنْ تُحِيطَ بِصاحِبِها كَما يُحِيطُ شَكْلُ الدائِرَةِ عَلى السَواءِ مِنَ النُقْطَةِ، وقَدْ أشارَ النَقّاشُ إلى هَذا المَعْنى.
و"غَضِبَ اللهُ تَعالى" مَتى قَصَدَ بِهِ الإرادَةَ فَهو صِفَةُ ذاتٍ، ومَتى قَصَدَ بِهِ ما يَظْهَرُ مِنَ الأفْعالِ عَلى المَغْضُوبِ عَلَيْهِ فَهي صِفَةُ فِعْلٍ.
و"لَعَنَهُمْ": أبْعَدَهُمْ، وقالَ تَعالى في هَذِهِ: ﴿ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ فَذَكَرَ صِفَةَ العِزَّةِ مِن حَيْثُ تَقَدَّمَ الِانْتِقامُ مِنَ الكَفّارِ، وفي الَّتِي قَبْلَ قَرْنٍ بِالحِكْمَةِ والعِلْمِ مِن حَيْثُ وعَدَهُ بِمُغَيَّباتٍ، وقَرَنَ بِاللَفْظَتَيْنِ ذِكْرَ جُنُودِ اللهِ تَعالى الَّتِي مِنها السِكِّينَةُ ومِنها نِقْمَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ، فَلِكُلِّ لَفْظٍ وجْهٌ مِنَ المَعْنى، وقالَ ابْنُ المُبارَكِ في كِتابِ النَقّاشِ: جُنُودُ اللهِ في السَماءِ المَلائِكَةُ، وفي الأرْضِ الغُزاةُ في سَبِيلِ اللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعْضٌ مِن كُلٍّ.
<div class="verse-tafsir"
هذا نظير ما تَقدم آنفاً إلا أن هذا أوثر بصفة عزيز دون عليم لأن المقصود من ذكر الجنود هنا الإنذار والوعيد بهزائم تحل بالمنافقين والمشركين فكما ذكر ﴿ ولله جنود السماوات والأرض ﴾ فيما تقدم للإشارة إلى أنّ نصر النبي صلى الله عليه وسلم يكون بجنود المؤمنين وغيرهما ذكر ما هنا للوعيد بالهزيمة فمناسبة صفة عزيز، أي لا يغلبه غالب.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الصَّبْرُ عَلى أمْرِ اللَّهِ.
الثّانِي: أنَّها الثِّقَةُ بِوَعْدِ اللَّهِ.
الثّالِثُ: أنَّها الرَّحْمَةُ لِعِبادِ اللَّهِ.
﴿ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِيَزْدادُوا عَمَلًا مَعَ تَصْدِيقِهِمْ.
الثّانِي: لِيَزْدادُوا صَبْرًا مَعَ اجْتِهادِهِمْ.
الثّالِثُ: لِيَزْدادُوا ثِقَةً بِالنَّصْرِ مَعَ إيمانِهِمْ بِالجَزاءِ.
﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ تَرْغِيبًا لِلْمُؤْمِنِينَ في خَيْرِ الدُّنْيا وثَوابِ الآخِرَةِ.
الثّانِي: مَعْناهُ: ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ إشْعارًا لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّ لَهم في جِهادِهِمْ أعْوانًا عَلى طاعَةِ رَبِّهِمْ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هو ظَنُّهم أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا.
الثّانِي: هو ظَنُّهم أنَّهُ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا.
الثّالِثُ: هو ظَنُّهم أنْ يَجْعَلَهُمُ اللَّهُ كَرَسُولِهِ.
الرّابِعُ: أنْ سَيَنْصُرَهم عَلى رَسُولِهِ.
قالَ الضَّحّاكُ: ظَنَّتْ أسَدٌ وغَطَفانُ في رَسُولِ اللَّهِ حِينَ خَرَجَ إلى الحُدَيْبِيَةِ أنَّهُ سَيُقْتَلُ أوْ يَنْهَزِمُ ولا يَعُودُ إلى المَدِينَةِ سالِمًا، فَعادَ ظافِرًا.
﴿ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلَيْهِمْ يَدُورُ سُوءُ اعْتِقادِهِمْ.
الثّانِي: عَلَيْهِمْ يَدُورُ جَزاءُ ما اعْتَقَدُوهُ في نَبِيِّهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن أنس رضي الله عنه قال: أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ مرجعه من الحديبية فقال: «لقد أنزلت عليَّ آية هي أحب إلي مما على الأرض» ثم قرأها عليهم فقالوا: هنيئاً مريئاً يا رسول الله قد بين الله لك ماذا يفعل بك فماذا يفعل بنا؟
فنزلت عليه ﴿ ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ حتى بلغ ﴿ فوزاً عظيماً ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: لما رجعنا من الحديبية وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قد خالطوا الحزن والكآبة حيث ذبحوا هديهم في أمكنتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنزلت عليَّ ضحى آية هي أحب إلي من الدنيا جميعاً ثلاثاً» قلنا: ما هي يا رسول الله؟
فقرأ ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ الآيتين قلنا: هنيئاً لك يا رسول الله فما لنا؟
فقرأ ﴿ ليدخل المؤمنين والمؤمنات ﴾ الآية فلما أتينا خيبر فأبصروا خميس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني جيشه أدبروا هاربين إلى الحصن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ الآية قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: هنيئاً لك ما أعطاك ربك، هذا لك فما لنا؟
فأنزل الله: ﴿ ليدخل المؤمنين والمؤمنات ﴾ إلى آخر الآية.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾ قال ابن عباس: يريد على جميع الخلق (١) (٢) (٣) (٤) (٥) - ملابساً لها في الدنيا (٦) قال عطاء: ومبشراً لأوليائي وأهل طاعتي، ونذيراً لأعدائي وأهل معصيتي.
وقال الكلبي: مبشراً بالقرآن للمؤمنين بالجنة، ونذيراً للكافرين بالسخط (٧) وقال المقاتلان: مبشراً بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة للمؤمنين ونذيراً من النار (٨) (١) لم أقف على هذا القول.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 69، "تفسير الشوكاني" 5/ 47.
(٣) انظر: "تنوير المقباس" ص 511، وقد نسب القرطبي 16/ 266 هذا القول لقتادة.
(٤) لم أقف على هذا القول.
(٥) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 266.
(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 21، وانظر: "تفسير ابن عطية" 14/ 94، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 266.
(٧) لم أقف على قولي عطاء والكلبي.
(٨) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 70، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 266.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الظآنين بالله ظَنَّ السوء ﴾ معناه أنهم ظنوا أن الله يخذل المؤمنين وقالوا: لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً.
وقيل: معناه أنهم لا يعرفون الله بصفاته، فذلك هو ظن السوء به، والأول أظهر بدليل ما بعده ﴿ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء ﴾ يحتمل أن يكون خبراً أو دعاء.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ قال بعضهم: هو فتح مكة.
وقال بعضهم: هو صلح الحديبية الذي بين رسول الله وبين أهل مكة حين صدوهم عن دخولهم مكة، وحالوا بينه وبين زيارة البيت، وكان له فيها - أعني: في قصة الحديبية - أمران وآيتان ظاهرتان عظيمتان: أحدهما: أنه أصابه ومن معه من أصحابه عطش، فأتى بإناء ماء، فنبع من ذلك الإناء من الماء مقدار ما شرب منه زهاء ألف وخمسمائة، حتى رووا جميعاً؛ فذلك آية عظيمة حسّية على رسالته.
والثاني: أخبر بغلبة الروم فارس، وذلك علم غيب، وكان كما ذكر وأخبر؛ فدل أنه إنما علم ذلك بالله .
وقصة الحديبية: روي عن رجل يقال له: مجمع بن حارثة قال: "شهدت الحديبية مع رسول الله فلما انصرفنا عنها إذ الناس يوجفون الأباعر، فقال بعض الناس لبعض: ما للناس؟
قال: أوحي إلى رسول الله قال: فخرجنا نوجف مع الناس حتى وجدنا رسول الله واقفاً عند كراح الغميم - اسم موضع - فلما اجتمع إليه بعض ما يريد من الناس قرأ عليهم: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ قال: قال رجل من أصحاب رسول الله: أو فتح هو يا رسول الله؟
قال: إي والذي نفسي بيده إنه بفتح قال: ثم قسمت الحديبية على ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة" .
وفي بعض الأخبار: "أنه الصلح الذي كان بين رسول الله وبين المشركين، ولم نر قتالا، ولو نرى لقاتلنا، قال: فنزلت سورة الفتح، فأرسل رسول الله إلى عمر - - فأقرأها إياه، فقال: يا رسول الله، فتح هو؟
قال: نعم" وعن عامر "أن النبي كان بالحديبية، فأنزل الله - -: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ فقال رجل: إنه فتح هو؟
قال: نعم" وعن جابر أنه قال: ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية.
وكذلك روي عن عبد الله بن مسعود - - أنه قال: نزلت هذه الآية: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ بالحديبية.
وعن ابن عباس - - أنه قال: لم يكن في الإسلام فتح أعظم من صلح الحديبية، وضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس كلهم، ودخل في الإسلام في السنتين أكثر مما كان دخل قبيل ذلك، فلما رجع رسول الله إلى المدينة من الحديبية...
وفي الحديث طول تركنا ذكره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: أي: إنا قضينا ذلك قضاء بيناً بالحجج والبراهين على رسالتك ونبوتك؛ ليعلم أنك محق على ما تدعي، صادق في قولك؛ ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ بما أكرمك، وعظم أمرك بالرسالة والنبوة؛ أي: أعطاك ذلك وأكرمك به؛ ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر.
والثاني: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ﴾ ما لم يطمع أحد من الخلائق أنه يفتح عليك أمثال ذلك الفتح ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ .
والثالث: إنا فتحنا لك جميع أبواب الحكمة والعلوم وجميع أبواب الخيرات والحسنات ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ بما أكرمك من أبواب الحكمة والخيرات.
يخرج على هذه الوجوه الثلاثة، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل : ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: يرجع إلى ذنبه؛ أخبر أنه غفر له.
ثم لا يجوز لنا أن نبحث عن ذنبه ونتكلف أنه ما كان ذنبه؟
وأيش كانت زلته؟
لأن البحث عن زلته مما يوجب التنقص فيه، فمن تكلف البحث عن ذلك يخاف عليه الكفر، لكن ذنبه وذنب سائر الأنبياء - عليهم السلام - ليس نظير ذنبنا؛ إذ ذنبهم بمنزلة فعل مباح منا، لكنهم نهوا عن ذلك، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ أي: يغفر ذنبه ابتداء غفران؛ أي: عصمة عن ذلك، وذلك جائز في اللغة، والله أعلم.
والوجه الثاني يرجع إلى ذنوب أمته؛ أي: ليغفر لك الله ذنوب أمتك، وهو ما يشفع لأمته، فيغفر له؛ أي: لشفاعته، وهو كما روى في الخبر: "يغفر للمؤذن مدّ صوته" أي: يجعل له الشفاعة، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ أي: يغفر لأمته بشفاعته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ يحتمل إتمام نعمته عليه هو ما ذكرنا من الرسالة والنبوة، وفتح ما ذكر من أبواب الخيرات والحكمة في الدنيا والآخرة، والشفاعة له في الآخرة، أو إظهار دينه على الأديان كلها، وإياس أولئك الكفرة عن عوده إلى دينهم؛ كقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...
﴾ الآية [المائدة: 3]، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً ﴾ ، يحتمل: أي: ينصرك نصراً عزيزاً بالغلبة عليهم، والقهر، والظفر، لا صلحاً، ولا موادعة، وعلى ذلك يخرج قول أهل التأويل: نصراً عزيزاً لا يستذل ولا يسترذل، وظاهر الآية ليس على ذلك؛ لأنه قال على إثره: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ ؛ لأن الخيرات والحسنات تكون سبباً للمغفرة؛ فجائز أن يكون ما ذكر من الفتح له والمغفرة هذا، لا ما ذكره [أهل التأويل] إلا أن يقال: إن النبي كان يسأل منه الفتح لما أقدم على أسباب الفتح، وهو القتال مع الكفرة، ونحو ذلك، وذلك من الخيرات التي تكون سبب المغفرة، إلا أن الله أضاف الفتح إلى نفسه، والقتال منهم، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون ما ذكر من الفتح له ليغفر له هو أن الله جعل رسوله بحيث لا يخط بيده خطّاً، ولا يكتب كتاباً، ولا يفهم كتابه، وهو ما وصفه الله - جل وعلا - بقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ﴾ لدفع ارتياب المبطلين فيه على ما ذكر، ثم مع أنه جعله هكذا أحوج جميع حكماء الخلق إليه، وأحوج - أيضاً - جميع أهل الكتب السالفة إليه في معرفة ما ضمن كتابه المنزل عليه، وجعله رسولا إليهم؛ فيكون كأنه قال: إنا فتحنا لك النبوة، والحكمة، وأنواع العلوم، والخيرات، والحسنات؛ ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ﴾ ؛ أي: إنما فتح لك ما ذكر ليغفر لك ويتم نعمته عليك من النبوة، والحكمة، وإظهار دينه على الأديان كلها، ويهديه صراطاً مستقيماً، وينصره نصراً عزيزاً، أعطاه ما ذكرنا، وذلك كله النصر العزيز، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ ﴾ أي: من ذنب أمتك وما تأخر من ذنبهم؛ على ما قال بعض أهل التأويل، ويتم نعمته عليهم من أنواع الخيرات، والأمن لهم، والإياس لأولئك الكفرة عنهم، ويهديهم صراطاً مستقيماً، وينصرهم نصراً عزيزاً، أي: فتحنا لك ما ذكر؛ ليكون لأمتك ما ذكرنا من المغفرة لهم، وإتمام النعمة والهداية لهم: الصراط المستقيم، والنصر لهم: النصر العزيز، أي: نصراً يعزون به في حياتهم وبعد وفاتهم في الدنيا والآخرة، والله أعلم.
ومن الناس من يقول: إن الله - جل وعلا - امتحن رسوله - عليه الصلاة والسلام - في الابتداء بالخوف حين قال: ﴿ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ ، وجد النبي لذلك وجداً شديداً، ونزل بعده ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ...
﴾ إلى آخره، قال رسول الله عند ذلك: "نزلت علي آية أحب إلي مما على الأرض" ، ثم قرأها النبي ، فقالوا: هنيئاً مريئاً يا نبي الله، قد بين لك ماذا يفعل بك، ولم يبين ماذا يفعل بنا؛ فنزل قوله - -: ﴿ لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ...
﴾ الآية، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
قال بعضهم: السكينة: هي كهيئة الريح لها جناحان، ولها رأس كرأس الهرّ؛ لكن هذا ليس بشيء، فإنه - عز وجل - قال: ﴿ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ بحقيقة الدين، وهو تفسير العلم، وهذا يدل على أن خالق العلم الاستدلالي ومنزله ومنشئه هو الله - - وهم يقولون: إن خالقه هو المستدل؛ فيكون حجة عليهم.
قال بعض المعتزلة: إضافة إنزال السكينة إلى نفسه على سبيل المجاز، ليس على التحقيق، كما يقال: فلان أنزل فلاناً في منزله أو مسكنه وإن لم يكن منه حقيقة إنزاله إياه في المنزل، لكن أضيف إليه ذلك؛ لأنه وجد منه سبب به يصل ذلك إلى نزوله في منزله ومسكنه، فعلى ذلك أضاف إنزال السكينة في قلوب المؤمنين؛ ليزدادوا إيماناً؛ فلا يقال في مثله لأمر كان منه أو بسبب جعل له ذلك؛ وهو كقوله - -: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ وإنما يقال ذلك لتحقيق إنزال ذلك؛ ليكون ما ذكر على ما أخبر أنه فتح؛ ليغفر له ما ذكر، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: ما قال أبو حنيفة - رحمه الله -: ليزدادوا إيماناً بالتفسير على إيمانهم بالجملة.
والثاني: ليزدادوا إيماناً بمحمد وبكتابه مع إيمانهم بسائر الرسل والكتب التي كانوا آمنوا بها وصدقوها، وهذا في أهل الكتاب خاصة.
والثالث: ليزدادوا إيماناً في حادث الوقت مع إيمانهم فيما مضى من الأوقات، فإذا وصل هذا بالأول فيكون بحكم الزيادة، وإن شئت جعلته بحكم الابتداء؛ إذ للإيمان حق التجدد والحدوث في كل وقت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ فإن كان نزوله على إثر قول ذلك المنافق على ما ذكر بعض أهل التأويل؛ حيث قال لأصحابه: يزعم محمد أن الله قد غفر له، وأن له على عدوه ظفراً، ويهديه صراطاً مستقيماً، وينصره نصراً عزيزاً، هيهات هيهات، لقد بقي له من العدو أكثر وأكثر، فأين أهل فارس والروم؟!
هم أكثر عدداً، فعند ذلك نزل: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ فمعناه: أي: لله تدبير جنود السماوات والأرض، ينصر من يشاء على من يشاء، ويجعل الأمر لمن يشاء على ما يشاء، ليس لهم التدبير وإنفاذ الأمر على من شاءوا، ولكن ذلك إلى الله - - وهو كقوله: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً ﴾ أي: لله تدبير مكرهم، لا ينفذ مكرهم إلا بالله - - فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ أي: عن علم بما يكون منهم من إيثارهم عداوة الله على ولايته، واختيار الخلاف له - أنشأهم لا عن جهل، ليعلم أنه لم ينشئهم ولم يأمرهم بما أمرهم وامتحنهم بما امتحن؛ لحاجة نفسه، أو لمنافع ترجع إليه، ولكن لحاجة أولئك ولمنافعهم؛ ولذلك قال: ﴿ حَكِيماً ﴾ ؛ لأن الحكيم هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، فإذا كان إنشاؤه إياهم وما أمرهم به، ونهاهم عنه، لا لحاجة له في نفسه ولا منفعة، ولكن لحاجتهم ومنفعتهم - كان حكيماً في إنشائه إياهم على علم منه بما يكون منهم من إيثار العداوة له على ولايته، واختيار الخلاف له والمعصية، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا...
﴾ الآية.
كأن هذا صلة قوله - -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ ﴾ ، ﴿ لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ...
﴾ الآية، أنزل السكينة في قلوبهم؛ أي: أنزل ما تسكن به قلوبهم؛ ليزدادوا إيماناً، وأنزل السكينة - أيضاً - ليدخلهم فيما ذكر، كما ذكر في رسول الله : ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ ﴾ فتح له ليغفر له، فعلى ذلك أنزل السكينة في قلوبهم؛ ليزداد لهم الإيمان، وليدخلهم الجنات التي وصف، ثم أخبر أن ذلك لهم عند الله فوز عظيم لا هلاك بعده، ولا تبعة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ ﴾ ذكر للمنافقين والمشركين من العذاب مقابل ما ذكر للمؤمنين من إنزال السكينة عليهم، وإدخالهم الجنة، حرم هؤلاء السكينة التي ذكر أن قلوب المؤمنين بها تسكن؛ لما علم أنهم يختارون عداوته، ويؤثرون عداوة أوليائه على ولايتهم، وعلم من المؤمنين أنهم يؤثرون ولايته على عداوته، وولاية أوليائه على عداوتهم فأنزل السكينة في قلوبهم ولم ينزل على أولئك هذا؛ ليعلم أن من بلغ في الإيمان الحدّ الذي ذكر إنما بلغ ذلك بالله - - وبفضله، وبرحمته، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ﴾ جائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ﴾ المنافقون الذين ذكرهم في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ﴾ ظنوا أن رسول الله لا يرجع إلى أهله، وكذلك المؤمنون لا يرجعون إلى أهليهم أبداً، ثم أخبر أن ذلك الظن منهم ظن السوء، فيحتمل ما ذكر - هاهنا - ﴿ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ﴾ هذا ما ذكرنا، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ﴾ : هم المشركون.
ثم إن كانوا من المنافقين فيكون ظنهم بالله ظن السوء: ألا يرجع هو وأصحابه إلى أهليهم أبداً وإن كانوا من مكذبي الرسول فيكون ظنهم بالله ظن السوء ألا يكرم محمداً بالرسالة؛ ولا يعظمه بالنبوة، لا يختاره ولا يؤثره، على غيره من الناس الذين يختارونهم؛ كقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ فيكون ظنهم بالله ظن السوء على هذا: ألا يكرم الله - - محمداً ولا يختاره لرسالته ونبوته، والله أعلم.
وإن كان ذلك من مكذبي البعث ومنكريه، فيكون ظنهم بالله ظن السوء هو ألا يقدر على البعث والإحياء بعد الموت.
ثم أخبر أن عليهم دائرة السوء الذي ظنوا ألا يرجع إلى رسول الله فصار عليهم ما ظنوا برسول الله حيث تفرقوا من أوطانهم، وهتك أستارهم، ونحو ذلك.
وإن كانوا من مكذبي الرسول أنه لا يرسله، فظنهم كان ما ظنوا؛ لأنه بعث هو رسولا ولم يبعث من اختاروا هم.
وإن كانوا منكري البعث فعليهم كان عذاب اليوم، وفيه هلاكهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً ﴾ أخبر - عز وجل - أنهم استوجبوا غضب الله ولعنه بالذي كان منهم من سوء ظنهم بالله ورسوله، وأعد لهم جهنم بذلك، وساءت مصيراً لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ ذكر على إثر ما ذكر ﴿ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ ؛ ليعلم أن عزه ليس بما ذكر من الجنود الذين له في السماوات والأرض، ولكنه عزيز بذاته، له العز الذاتي الأزلي، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
إنا بعثناك -أيها الرسول- شاهدًا تشهد على أمتك يوم القيامة، ومبشرًا المؤمنين بما أعدّ لهم في الدنيا من النصر والتمكين، وبما أعد لهم في الآخرة من النعيم، ومخوّفًا الكافرين بما أعدّ لهم في الدنيا من الذلة والهزيمة على أيدي المؤمنين، وبما أعدّ في الآخرة من العذاب الأليم الذي ينتظرهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.1K0E2"