الآية ٩ من سورة الفتح

الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ٩ من سورة الفتح

لِّتُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةًۭ وَأَصِيلًا ٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 83 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩ من سورة الفتح: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩ من سورة الفتح عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه ) ، قال ابن عباس وغير واحد : يعظموه ، ( وتوقروه ) من التوقير وهو الاحترام والإجلال والإعظام ، ( وتسبحوه ) أي : يسبحون الله ، ( بكرة وأصيلا ) أي : أول النهار وآخره .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

ثم اختلفت القرّاء في قراءة قوله ( لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ ) فقرأ جميع ذلك عامة قرّاء الأمصار خلا أبي جعفر المدني وأبي عمرو بن العلاء بالتاء ( لِتُؤْمِنُوا - وَتُعَزِّرُوهُ - وَتُوَقِّرُوهُ - وَتُسَبِّحُوهُ ) بمعنى: لتؤمنوا بالله ورسوله أنتم أيها الناس وقرأ ذلك أبو جعفر وأبو عمرو كله بالياء ( لِيُؤْمِنُوا - وَيُعَزِّرُوهُ - وَيُوَقِّرُوهُ - وَيُسَبِّحُوهُ ) بمعنى: إنا أرسلناك شاهدا إلى الخلق ليؤمنوا بالله ورسوله ويعزّروه.

والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ) يقول: شاهدا على أمته على أنه قد بلغهم ومبشرا بالجنة لمن أطاع الله, ونذيرا من النار.

وقوله ( وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ) اختلف أهل التأويل في تأويله, فقال بعضهم: تجلوه, وتعظموه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس ( وَتُعَزِّرُوهُ ) يعني: الإجلال ( وَتُوَقِّرُوهُ ) يعني: التعظيم.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ) كل هذا تعظيم وإجلال.

وقال آخرون: معنى قوله ( وَتُعَزِّرُوهُ ) : وينصروه, ومعنى ( وَتُوَقِّرُوهُ ) ويفخموه.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَتُعَزِّرُوهُ ) : ينصروه ( وَتُوَقِّرُوهُ ) أمر الله بتسويده وتفخيمه.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله ( وَتُعَزِّرُوهُ ) قال: ينصروه, ويوقروه: أي ليعظموه.

حدثني أبو هريرة الضُّبَعيّ, قال: ثنا حرميّ, عن شعبة, عن أبي بشر, جعفر بن أبي وحشية, عن عكرِمة ( وَتُعَزِّرُوهُ ) قال: يقاتلون معه بالسيف.

حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثني هشيم, عن أبي بشر, عن عكرِمة, مثله.

حدثني أحمد بن الوليد, قال: ثنا عثمان بن عمر, عن سعيد, عن أبي بشر, عن عكرمة, بنحوه.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا يحيى ومحمد بن جعفر, قالا ثنا شعبة, عن أبي بشر, عن عكرِمة, مثله.

وقال آخرون: معنى ذلك: ويعظموه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ) قال: الطاعة لله.

وهذه الأقوال متقاربات المعنى, وإن اختلفت ألفاظ أهلها بها.

ومعنى التعزير في هذا الموضع: التقوية بالنُّصرة والمعونة, ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والتعظيم والإجلال.

وقد بيَّنا معنى ذلك بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

فأما التوقير: فهو التعظيم والإجلال والتفخيم.

وقوله ( وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا ) يقول: وتصلوا له يعني لله بالغدوات والعشيات.

والهاء في قوله ( وَتُسَبِّحُوهُ ) من ذكر الله وحده دون الرسول.

وقد ذُكر أن ذلك في بعض القراءات: ( وَيُسَبِحُوا الله بُكْرَةً وَأَصِيلا ).

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا ) في بعض القراءة ( ويسبحوا الله بكرة وأصيلا ).

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة في بعض الحروف ( وَيُسَبِحُوا الله بُكْرَةً وَأَصِيلا ).

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا ) يقول: يسبحون الله رجع إلى نفسه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

لتؤمنوا بالله ورسوله قرأ ابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو ( ليؤمنوا ) بالياء ، وكذلك ( يعزروه ويوقروه ويسبحوه ) كله بالياء على الخبر .

واختاره أبو عبيد لذكر المؤمنين قبله وبعده ، فأما قبله فقوله : " ليدخل " وأما بعده فقوله : إن الذين يبايعونك الباقون بالتاء على الخطاب ، واختاره أبو حاتم .

وتعزروه أي تعظموه وتفخموه ، قاله الحسن والكلبي ، والتعزيز : التعظيم والتوقير .

وقال قتادة : تنصروه وتمنعوا منه .

ومنه التعزير في الحد لأنه مانع .

قال القطامي :[ ص: 244 ]ألا بكرت مي بغير سفاهة تعاتب والمودود ينفعه العزروقال ابن عباس وعكرمة : تقاتلون معه بالسيف .

وقال بعض أهل اللغة : تطيعوه .وتوقروه أي تسودوه ، قاله السدي .

وقيل : تعظموه .

والتوقير : التعظيم والترزين أيضا .

والهاء فيهما للنبي - صلى الله عليه وسلم - .

وهنا وقف تام ، ثم تبتدئ وتسبحوه أي تسبحوا الله بكرة وأصيلا أي عشيا .

وقيل : الضمائر كلها لله تعالى ، فعلى هذا يكون تأويل تعزروه وتوقروه أي : تثبتوا له صحة الربوبية وتنفوا عنه أن يكون له ولد أو شريك .

واختار هذا القول القشيري .

والأول قول الضحاك ، وعليه يكون بعض الكلام راجعا إلى الله سبحانه وتعالى ، وهو وتسبحوه من غير خلاف .

وبعضه راجعا إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو وتعزروه وتوقروه أي : تدعوه بالرسالة والنبوة لا بالاسم والكنية .

وفي ( تسبحوه ) وجهان : تسبيحه بالتنزيه له سبحانه من كل قبيح .

والثاني : هو فعل الصلاة التي فيها التسبيح .

( بكرة وأصيلا ) أي : غدوة وعشيا .

وقد مضى القول فيه .

وقال الشاعر [ أبو ذؤيب ] :لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأجلس في أفيائه بالأصائل

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } أي: بسبب دعوة الرسول لكم، وتعليمه لكم ما ينفعكم، أرسلناه لتقوموا بالإيمان بالله ورسوله، المستلزم ذلك لطاعتهما في جميع الأمور.{ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ } أي: تعزروا الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقروه أي: تعظموه وتجلوه، وتقوموا بحقوقه، كما كانت له المنة العظيمة برقابكم، { وَتُسَبِّحُوهُ } أي: تسبحوا لله { بُكْرَةً وَأَصِيلًا } أول النهار وآخره، فذكر الله في هذه الآية الحق المشترك بين الله وبين رسوله، وهو الإيمان بهما، والمختص بالرسول، وهو التعزير والتوقير، والمختص بالله، وهو التسبيح له والتقديس بصلاة أو غيرها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه ) أي تعينوه وتنصروه ) وتوقروه ) تعظموه وتفخموه ، هذه الكنايات راجعة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهاهنا وقف ) وتسبحوه ) أي تسبحوا الله يريد تصلوا له ) بكرة وأصيلا ) بالغداة والعشي ، قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو : " ليؤمنوا ، ويعزروه ، ويوقروه ، ويسبحوه " بالياء فيهن لقوله : في " قلوب المؤمنين " ، وقرأ الآخرون بالتاء فيهن .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ليؤمنوا بالله ورسوله» بالياء والتاء فيه وفي الثلاثة بعده «ويعزروه» ينصروه وقرئ بزايين مع الفوقانية «ويوقروه» يعظموه وضميرها لله أو لرسوله «ويسبحوه» أي الله «بكرة وأصيلا» بالغداة والعشيّ.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنا أرسلناك -أيها الرسول- شاهدًا على أمتك بالبلاغ، مبينًا لهم ما أرسلناك به إليهم، ومبشرًا لمن أطاعك بالجنة، ونذيرًا لمن عصاك بالعقاب العاجل والآجل؛ لتؤمنوا بالله ورسوله، وتنصروا الله بنصر دينه، وتعظموه، وتسبحوه أول النهار وآخره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - الحكمة من إرساله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( لِّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) .وقوله : ( وَتُعَزِّرُوهُ ) من التعزيز بمعنى النصرة مع التعظيم والتفخيم .وقوله : ( وَتُوَقِّرُوهُ ) أى : تعظموه وتقدروه .وقوله : ( وَتُسَبِّحُوهُ ) من التسبيح بمعنى التنزيه .

تقول : سبحت الله - تعالى - أى : نزهته عما لا يليق به ، و ( بُكْرَةً ) أول النهار ، و ( أَصِيلاً ) آخره ، المراد ظاهرهما ، أو جميع أوقات النهار ، كما يقال : شرقا وغربا لجميع الجهات .والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولأمته ، كقوله - تعالى - : ( ياأيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء .

.

.

) والقراءة بتاء الخطاب ، هى قراءة الجمهور من القراء .قال الآلوسى : وهو من باب التغليب ، غلب فيه المخاطب على الغائب فيفيد أن النبى - صلى الله عليه وسلم - مخاطب بالإِيمان برسالته كأمته .

.أى : أرسلناك - أيها الرسول الكريم - شاهدا ومبشرا ونذيرا ، لتكون على رأس المؤمنين بما أرسلناك به ، وليتبعك فى ذلك اصحابك ومن سيأتى بعدهم ، بأن يؤمنوا بالله ورسوله إيمانا حقا ، ولينصروك ويعظموك ، وليسبحوا الله - تعالى - فى الصباح والمساء .

وعلى هذا يكون الضمير فى قوله - تعالى - : ( وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ) يعود إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفى قوله ( وَتُسَبِّحُوهُ ) يعود إلى الله - تعالى - .قال القرطبى ما ملخصه : قرأ ابن كثير وأبو عمرو ( ليؤمنوا ) وكذلك ( يعزروه ويوقروه ويسبحوه ) كله بالياء على الخبر .

.وقرأ الباقون بالتاء فى الخطاب .

.

والهاء فى قوله : ( وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ) للنبى - صلى الله عليه وسلم - وهنا وقف تام .

ثم تبتدئ بقوله : ( وَتُسَبِّحُوهُ ) أى : تسبحوا الله بكرة وأصيلا .وقيل : الضمائر كلها لله - تعالى - فعلى هذا يكون تأويل : ( وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ) أى : تثبتوا له صحة الربوبية ، وتنفوا عنه أن يكون له ولد أو شريك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قال المفسرون: ﴿ شاهدا ﴾ على أمتك بما يفعلون كما قال تعالى: ﴿ وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  ﴾ والأولى أن يقال إن الله تعالى قال: ﴿ إِنَّا أرسلناك شَاهِداً ﴾ وعليه يشهد أنه لا إله إلا الله كما قال تعالى: ﴿ شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم  ﴾ وهم الأنبياء عليهم السلام، الذين آتاهم الله علماً من عنده وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، ولذلك قال تعالى: ﴿ فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلا الله  ﴾ أي فاشهد وقوله: ﴿ وَمُبَشِّراً ﴾ لمن قبل شهادته وعمل بها ويوافقه فيها ﴿ وَنَذِيرًا ﴾ لمن رد شهادته ويخالفه فيها ثم بيّن فائدة الإرسال على الوجه الذي ذكره فقال: ﴿ لّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون الأمور الأربعة المذكورة مرتبة على الأمور المذكورة من قبل فقوله: ﴿ لّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ﴾ مرتب على قوله: ﴿ إِنَّا أرسلناك ﴾ لأن كونه مرسلاً من الله يقتضي أن يؤمن المكلف بالله والمرسل وبالمرسل وقوله: ﴿ شاهدا ﴾ يقتضي أن يعزر الله ويقوي دينه لأن قوله: ﴿ شاهدا ﴾ على ما بينا معناه أنه يشهد أنه لا إله إلا هو فدينه هو الحق وأحق أن يتبع وقوله: ﴿ مُبَشِّرًا ﴾ يقتضي أن يوقر الله لأن تعظيم الله عنده على شبه تعظيم الله إياه.

وقوله: ﴿ نَذِيراً ﴾ يقتضي أن ينزه عن السوء والفحشاء مخافة عذابه الأليم وعقابه الشديد، وأصل الإرسال مرتب على أصل الإيمان ووصف الرسول يترتب عليه وصف المؤمن وثانيهما: أن يكون كل واحد مقتضياً للأمور الأربعة فكونه مرسلاً يقتضي أن يؤمن المكلف بالله ورسوله ويعزره ويوقره ويسبحه، وكذلك كونه ﴿ شاهدا ﴾ بالوحدانية يقتضي الأمور المذكورة، وكذلك كونه ﴿ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾ لا يقال إن اقتران اللام بالفعل يستدعي فعلاً مقدماً يتعلق به ولا يتعلق بالوصف وقوله: ﴿ لّتُؤْمِنُواْ ﴾ يستدعي فعلاً وهو قوله: ﴿ إِنَّا أرسلناك ﴾ فكيف تترتب الأمور على كونه ﴿ شَاهِداً وَمُبَشِّراً ﴾ لأنا نقول يجوز الترتيب عليه معنى لا لفظاً، كما أن القائل إذا قال بعثت إليك عالماً لتكرمه فاللفظ ينبئ عن كون البعث سبب الإكرام، وفي المعنى كونه عالماً هو السبب للإكرام، ولهذا لو قال بعثت إليك جاهلاً لتكرمه كان حسناً، وإذا أردنا الجمع بين اللفظ والمعنى نقول: الإرسال الذي هو إرسال حال كونه شاهداً كما تقول بعث العالم سبب جعله سبباً لا مجرد البعث، ولا مجرد العالم، في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال في الأحزاب ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا  وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِۦ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا  ﴾ وهاهنا اقتصر على الثلاثة من الخمسة فما الحكمة فيه؟

نقول الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن ذلك المقام كان مقام ذكره لأن أكثر السورة في ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم وأحواله وما تقدمه من المبايعة والوعد والدخول ففصل هنالك، ولم يفصل هاهنا ثانيهما: أن نقول الكلام مذكور هاهنا لأن قوله: ﴿ شاهدا ﴾ لما لم يقتض أن يكون داعياً لجواز أن يقول مع نفسه أشهد أن لا إله إلا الله، ولا يدعو الناس قال هناك وداعياً لذلك، وهاهنا لما لم يكن كونه ﴿ شاهدا ﴾ منبئاً عن كونه داعياً قال: ﴿ لّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ ﴾ دليل على كونه سراجاً لأنه أتى بما يجب من التعظيم والاجتناب عما يحرم من السوء والفحشاء بالتنزيه وهو التسبيح.

المسألة الثانية: قد ذكرنا مراراً أن اختيار البكرة والأصيل يحتمل أن يكون إشارة إلى المداومة، ويحتمل أن يكون أمراً بخلاف ما كان المشركون يعملونه فإنهم كانوا يجتمعون على عبادة الأصنام في الكعبة بكرةً وعشية فأمروا بالتسبيح في أوقات كانوا يذكرون فيها الفحشاء والمنكر.

المسألة الثالثة: الكنايات المذكور في قوله تعالى: ﴿ وَتُعَزّرُوهُ وَتُوَقّرُوهُ وَتُسَبّحُوهُ ﴾ راجعة إلى الله تعالى أو إلى الرسول عليه الصلاة والسلام؟

والأصح هو الأول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ شاهدا ﴾ تشهد على أمّتك، كقوله تعالى: ﴿ وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143] .

﴿ لّتُؤْمِنُواْ ﴾ الضمير للناس ﴿ وَتُعَزّرُوهُ ﴾ ويقووه بالنصرة ﴿ وَتُوَقّرُوهُ ﴾ ويعظموه ﴿ وَتُسَبّحُوهُ ﴾ من التسبيح.

أو من السبحة، والضمائر لله عز وجلّ والمراد بتعزيز الله: تعزيز دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم.

ومن فرق الضمائر فقد أبعد.

وقرئ: ﴿ لتؤمنوا ﴾ ﴿ وتعزروه ﴾ ﴿ وتوقروه ﴾ ﴿ وتسبحوه ﴾ بالتاء.

والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمّته.

وقرئ: ﴿ وتعزروه ﴾ بضم الزاي وكسرها.

وتعزروه بضم التاء والتخفيف، وتعززوه بالزايين.

وتوقروه من أوقره بمعنى وقره.

وتسبحوا الله ﴿ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ عن ابن عباس رضي الله عنهما: صلاة الفجر وصلاة الظهر والعصر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ﴾ عَلى أُمَّتِكَ.

﴿ وَمُبَشِّرًا ونَذِيرًا ﴾ عَلى الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ.

﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ  والأُمَّةِ، أوْ لَهم عَلى أنَّ خِطابَهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ خِطابِهِمْ.

﴿ وَتُعَزِّرُوهُ ﴾ وتُقَوُّوهُ بِتَقْوِيَةِ دِينِهِ ورَسُولِهِ ﴿ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ وتُعَظِّمُوهُ.

﴿ وَتُسَبِّحُوهُ ﴾ وتُنَزِّهُوهُ أوْ تُصَلُّوا لَهُ.

﴿ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ غُدْوَةً وعَشِيًّا أوْ دائِمًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو الأفْعالَ الأرْبَعَةَ بِالياءِ، وقُرِئَ «تُعْزُرُوهُ» بِسُكُونِ العَيْنِ و «تَعْزُرُوهُ» بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الزّايِ وكَسْرِها و «تُعَزِّزُوهُ» بِالزّاءَيْنِ «وَتُوقِرُوهُ» مِن أوْقَرَهُ بِمَعْنى وقَّرَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لتؤمنوا بالله ورسوله} والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمته {وَتُعَزِّرُوهُ} وتقووه بالنصر {وَتُوَقِّرُوهُ} وتعظموه {وَتُسَبِّحُوهُ} من التسبيح أو من السبحة والضمائر لله عز وجل والمراد بتعزيز الله تعزيز دينه ورسوله ومن فرق الضمائر فجعل الاولين للنبى صلى الله عليه وسلم فقد أبعد لِيُؤْمِنُواْ مكي وأبو عمرو والضمير للناس وكذا الثلاثة الأخيرة بالياء عندهما {بُكْرَةً} صلاة الفجر {وَأَصِيلاً} الصلوات الأربع

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ  وأُمَّتِهِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ﴾ وهو مِن بابِ التَّغْلِيبِ غُلِّبَ فِيهِ المُخاطَبُ عَلى الغَيْبِ فَيُفِيدُ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُخاطَبٌ بِالإيمانِ بِرِسالَتِهِ كالأُمَّةِ وهو كَذَلِكَ، وقالَ الواحِدِيُّ: الخِطابُ في ( أرْسَلْناكَ ) لِلنَّبِيِّ  وفي ( لِتُؤْمِنُوا ) لِأُمَّتِهِ فَعَلى هَذا إنْ كانَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ يَكُونُ المُعَلَّلُ مَحْذُوفًا أيْ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وكَيْتَ وكَيْتَ فَعَلَ ذَلِكَ الإرْسالُ أوْ لِلْأمْرِ عَلى طَرِيقَةِ (فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا) عَلى قِراءَةِ التّاءِ الفَوْقانِيَّةِ فَقِيلَ هو عَلى مَعْنى قُلْ لَهُمْ: لِتُؤْمِنُوا إلَخْ، وقِيلَ: هو لِلْأُمَّةِ عَلى أنَّ خِطابَهُ  مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ خِطابِهِمْ فَهو عَيْنُهُ ادِّعاءٌ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأرْسَلْنا، ولا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِما قَرَّرَهُ الرَّضِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّهُ يُمْتَنَعُ أنْ يُخاطَبَ في كَلامٍ واحِدٍ اثْنانِ مِن غَيْرِ عَطْفٍ أوْ تَثْنِيَةٍ أوْ جَمْعٍ لِأنَّهُ بَعْدَ التَّنْزِيلِ لا تَعَدُّدَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّهم حِينَئِذٍ غَيْرُ مُخاطَبِينَ في الحَقِيقَةِ فَخِطابُهم في حُكْمِ الغَيْبَةِ، وقِيلَ: الِامْتِناعُ المَذْكُورُ مَشْرُوطٌ بِأنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ المُخاطَبِينَ مُسْتَقِلًّا، أمّا إذا كانَ أحَدُهُما داخِلًا في خِطابِ الآخَرِ بِرِسالَتِهِ فَلا امْتِناعَ كَما يُعْلَمُ مِن تَتَبُّعِ كَلامِهِمْ، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يُرادَ خِطابُ الأُمَّةِ أيْضًا مِن غَيْرِ تَغْلِيبٍ، والكَلامُ في ذَلِكَ طَوِيلٌ وما ذُكِرَ سابِقًا سالِمٌ عَنِ القالِ والقِيلِ.

﴿ وتُعَزِّرُوهُ ﴾ أيْ تَنْصُرُوهُ كَما رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا، وأخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ونُصْرَتُهُ سُبْحانَهُ بِنُصْرَةِ دِينِهِ ورَسُولِهِ  ﴿ وتُوَقِّرُوهُ ﴾ أيْ تُعَظِّمُوهُ كَما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، والضَّمِيرُ لَهُ تَعالى أيْضًا، وقِيلَ: كِلا الضَّمِيرَيْنِ لِلرَّسُولِ  ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَتَعَيَّنُ كَوْنُ الضَّمِيرِ في ( تُعَزِّرُوهُ ) لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَوَهُّمِ أنَّ التَّعْزِيرَ لا يَكُونُ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما يَتَعَيَّنُ عِنْدَ الكُلِّ كَوْنُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتُسَبِّحُوهُ ﴾ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولا يَخْفى أنَّ الأوْلى كَوْنُ الضَّمِيرَيْنِ فِيما تَقَدَّمَ لِلَّهِ تَعالى أيْضًا لِئَلّا يَلْزَمَ فَكُّ الضَّمائِرِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ أيْ وتُنَزِّهُوا اللَّهَ تَعالى أوْ تُصَلُّوا لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ السُّبْحَةِ ﴿ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ غُدْوَةً وعَشِيًّا، والمُرادُ ظاهِرُهُما أوْ جَمِيعُ النَّهارِ ويُكَنّى عَنْ جَمِيعِ الشَّيْءِ بِطَرَفَيْهِ كَما يُقالُ شَرْقًا وغَرْبًا لِجَمِيعِ الدُّنْيا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما صَلاةُ الفَجْرِ وصَلاةُ الظُّهْرِ وصَلاةُ العَصْرِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو الأفْعالَ الأرْبَعَةَ.

أعْنِي لِتُؤْمِنُوا وما بَعْدَهُ بِياءِ الغَيْبَةِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ جُبَيْرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُما قَرَءا (ويُسَبِّحُوا اللَّهَ) بِالِاسْمِ الجَلِيلِ مَكانَ الضَّمِيرِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ (تَعْزُرُوهُ) بِفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ وضَمِّ الزّايِ مُخَفَّفًا، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ فَتْحُ التّاءِ وكَسْرُ الزّايِ مُخَفَّفًا ورُوِيَ هَذا عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

وقُرِئَ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الزّايِ مُخَفَّفًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحَمَّدُ بْنُ اليَمانِيِّ ( تُعَزِّزُوهُ) بِزاءَيْنِ مِنَ العِزَّةِ أيْ تَجْعَلُوهُ عَزِيزًا وذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِجَعْلِ دِينِهِ ورَسُولِهِ  كَذَلِكَ.

وقُرِئَ (وتُوَقِّرُوهُ) مِن أوْقَرَهُ بِمَعْنى وقَّرَهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يعني: المصدقين والمصدقات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يعني: من تحت غرفها، وأشجارها خالِدِينَ فِيها يعني: دائمين مقيمين، لا يموتون، ولا يخرجون منها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ يعني: يمحو، ويتجاوز عن سيئاتهم.

يعني: عن ذنوبهم وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً في الآخرة.

أي: نجاة وافرة من العذاب.

ثم قال: وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ يعني: ولكن يعذب المنافقين، والمنافقات، من أهل المدينة وَالْمُشْرِكِينَ من أهل مكة وَالْمُشْرِكاتِ الذين أقاموا على عبادة الأصنام.

قوله: الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ وظنهم ترك التصديق بالله تعالى ورسوله، مخافة ألا ينصر محمد  كما قال تعالى: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ [الفتح: 12] .

ثم قال: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ يعني: عاقبة العذاب والهزيمة وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ في الدنيا وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ في الآخرة وَساءَتْ مَصِيراً يعني: بئس المصير الذي صاروا إليه.

قوله تعالى: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً بالنقمة لمن مات على كفره، ونفاقه.

حَكِيماً في أمره، وقضائه، حكم بالنصرة للنبي  .

ثم قال: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً يعني: بعثناك شاهداً بالبلاغ إلى أمتك وَمُبَشِّراً لمن أجابك بالجنة وَنَذِيراً يعني: مخوفاً للكفار بالنار لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يعني: لتصدقوا بالله فيما يأمركم، وتصدقوا برسوله محمد  وَتُعَزِّرُوهُ يعني: لكي تعينوه، وتنصروه على عدوه بالسيف، وَتُوَقِّرُوهُ أي: تعظموا النبي  وَتُسَبِّحُوهُ يعني: تصلوا لله تبارك وتعالى بُكْرَةً وَأَصِيلًا يعني: غدوة وعشياً.

فكأنه قال: لتؤمنوا بالله وتسبحوه، وتؤمنوا برسوله، وتعزروه، وتوقروه.

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: لِيُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ويعزّروه ويوقّروه ويسبّحوه كلها بالياء على معنى الخبر عنهم، وقرأ الباقون: بالتاء على معنى المخاطبة، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: دَائِرَةُ السوء بضم السين.

وقرأ الباقون: بالنصب، كقولك رجل سوء، وعمل سوء، وقد روي عمر عن ابن كثير، وأبي عمرو: بالنصب أيضا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ...

الآية، رُوِيَ في معنى هذه الآية أَنَّه لَمَّا نزلت: وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [الأحقاف: ٩] تَكَلَّمَ فيها أهل الكفر، وقالوا: كيف نَتَّبِعُ مَنْ لا يعرف ما يفعل به وبالناس؟!

فَبَيَّنَ اللَّه في هذه السورة ما يفعل به بقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ فَلَمَّا سمعها المؤمنون قالوا: هنيئاً لك يا رسول اللَّه، لقد بَيَّنَ اللَّه لك ما يفعل بك، فما يفعل بنا؟

فنزلت: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ إلى قوله: مَصِيراً فعرَّفه اللَّه ما يفعل به وبالمؤمنين وبالكافرين، وذكر النقاش أَنَّ رجلاً من «عَكَّ» قال: هذا الذي لرسول الله، فما لنا؟

فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «هِيَ لِي وَلامَّتِي كَهَاتَيْنِ، وَجَمَعَ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ» .

وقوله: وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ هو من ترتيب الجمل في السرد، لا ترتيب وقوع معانيها لأَنَّ تكفير السيئات قبل إدخالهم الجنة.

وقوله: الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ قيل: معناه: من قولهم: لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ ...

[الفتح: ١٢] الآية، وقيل: هو كونهم يعتقدون اللَّه بغير صفاته العلى.

وقوله: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [أي: دائرة السوء] «١» الذي أرادوه بكم في ظَنِّهم السوءَ، ويقال للأقدار والحوادث التي هي في طَيِّ الزمان: دائرة، / لأنّها تدور بدوران الزمان.

وقوله سبحانه: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً ...

الآية، مَنْ جعل الشاهِدَ مُحَصِّلَ الشهادة من يوم يحصلها، فقوله: شاهِداً حال واقعة، ومَنْ جعل الشاهد مُؤَدِّي الشهادةَ فهي حال مستقبلة، وهي التي يسميها النحاة المُقَدَّرَةَ، والمعنى: شاهداً على الناس بأعمالهم، وأقوالهم حين بَلَّغْتَ، وَمُبَشِّراً: أهلَ الطاعة برحمة اللَّه، وَنَذِيراً: من عذاب اللَّه أهلَ المعصية، ومعنى تُعَزِّرُوهُ تعظموه وتكبروه قاله ابن عباس «٢» ، وقرأ ابن عبّاس

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ ﴾ أيِ: السُّكُونُ والطُّمَأْنِينَةُ ﴿ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ ﴾ لِئَلّا تَنْزَعِجَ قُلُوبُهم لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ، فَسَلَّمُوا لِقَضاءِ اللَّهِ، وكانُوا قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ صَدُّ المُشْرِكِينَ لَهم عَنِ البَيْتِ، حَتّى «قالَ عُمَرُ: عَلامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : "أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، لَنْ أُخالِفَ أمْرَهُ ولَنْ يُضَيِّعَنِي"،» ثُمَّ أوْقَعَ اللَّهُ الرِّضى بِما جَرى في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، فَسَلَّمُوا وأطاعُوا.

﴿ لِيَزْدادُوا إيمانًا ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ كُلَّما نَزَلَتْ فَرِيضَةٌ زادَ إيمانُهم.

﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يُرِيدُ أنَّ جَمِيعَ أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ مِلْكٌ لَهُ، لَوْ أرادَ نُصْرَةَ نَبِيِّهِ بِغَيْرِكم لَفَعَلَ، ولَكِنَّهُ اخْتارَكم لِذَلِكَ، فاشْكُرُوهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ.

.

.

﴾ \[الآيَةُ\] سَبَبُ نُزُولِها «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: "إنّا فَتَحْنا لَكَ" قالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  : هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ بِما أعْطاكَ اللَّهُ، فَما لَنا؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: فَلَمّا سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِذَلِكَ، انْطَلَقَ في نَفَرٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالُوا: ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ؟

فَنَزَلَتْ: ﴿ وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ.

.

.

﴾ الآيَةُ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كُرِّرَتِ اللّامُ في "لِيُدْخِلَ" عَلى اللّامِ في "لِيَغْفِرَ"، فالمَعْنى: إنّا فَتَحْنا لَكَ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ لَمْ يُدْخِلْ بَيْنَهُما واوَ العَطْفِ، والمَعْنى: لِيُدْخِلَ ولِيُعَذِّبَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّ السِّينِ؛ والباقُونَ: بِفَتْحِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ ذَلِكَ ﴾ أيْ: ذَلِكَ الوَعْدُ بِإدْخالِهِمُ الجَنَّةَ وتَكْفِيرِ سَيِّئاتِهِمْ ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ ﴿ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ لَهُمْ؛ والمَعْنى: أنَّهُ حَكَمَ لَهم بِالفَوْزِ، فَلِذَلِكَ وعَدَهم إدْخالَ الجَنَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم ظَنُّوا أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا.

والثّانِي: أنَّ اللَّهَ لا يَنْصُرُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ.

والثّالِثُ: أنَّهم ظَنُّوا بِهِ حِينَ خَرَجَ إلى الحُدَيْبِيَةِ أنَّهُ سَيُقْتَلُ أوَيُهْزَمُ ولا يَعُودُ ظافِرًا.

والرّابِعُ: أنَّهم ظَنُّوا أنَّهم ورَسُولَ اللَّهِ  بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ عِنْدَ اللَّهِ.

والخامِسُ: ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ المَوْتى.

وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "دائِرَةُ السَّوْءِ" في [بَراءَةٍ: ٩٨] .

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الفَتْحِ: ٤، الأحْزابِ: ٤٥] إلى قَوْلِهِ: ( لِيُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُوله ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ" وأبُو عَمْرٍو: "لِيُؤْمِنُوا" بِالياءِ "وَيُعَزِّرُوهُ ويُوَقِّرُوهُ ويُسَبِّحُوهُ" كُلُّهُنَّ بِالياءِ؛ والباقُونَ: بِالتّاءِ؛ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهُمْ: إنّا أرْسَلْناكَ، لِتُؤْمِنُوا وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "وَيُعَزِّزُوهُ" بِزاءَيْنِ.

وقَدْ ذَكَرْنا في [الأعْرافِ: ١٥٧] مَعْنى "وَيُعَزِّرُوهُ" عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ وَعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُوَقِّرُوهُ ) أيْ: يُعَظِّمُوهُ ويُبَجِّلُوهُ.

واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ القُرّاءِ الوَقْفَ هاهُنا، لِاخْتِلافِ الكِنايَةِ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُسَبِّحُوهُ ) هَذِهِ الهاءُ تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

والمُرادُ بِتَسْبِيحِهِ هاهُنا: الصَّلاةُ لَهُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِصَلاةِ البُكْرَةِ: الفَجْرُ، وبِصَلاةِ الأصِيلِ: باقِي الصَّلَواتِ الخَمْسِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ ﴾ يَعْنِي بَيْعَةَ الرِّضْوانِ بِالحُدَيْبِيَةِ.

وعَلى ماذا بايَعُوهُ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم بايَعُوهُ عَلى المَوْتِ، قالَهُ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ.

والثّانِي: عَلى أنْ لا يَفِرُّوا، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

ومَعْناهُما مُتَقارِبٌ، لِأنَّهُ أرادَ: عَلى أنْ لا تَفِرُّوا ولَوْ مُتُّمْ.

وسُمِّيَتْ بَيْعَةً، لِأنَّهم باعُوا أنْفُسَهم مِنَ اللَّهِ بِالجَنَّةِ، وكانَ العَقْدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَكَأنَّهم بايَعُوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّهُ ضِمْنَ لَهُمُ الجَنَّةُ بِوَفائِهِمْ.

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَدُ اللَّهِ في الوَفاءِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ.

والثّانِي: يَدُ اللَّهِ في الثَّوابِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ.

والثّالِثُ: يَدُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في المِنَّةِ بِالهِدايَةِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ بِالطّاعَةِ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: قُوَّةُ اللَّهِ ونُصْرَتُهُ فَوْقَ قُوَّتِهِمْ ونُصْرَتِهِمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ كَيْسانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن نَكَثَ ﴾ أيْ: نَقَضَ ما عَقَدَهُ مِن هَذِهِ البَيْعَةِ ﴿ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ﴾ أيْ: يَرْجِعُ ذَلِكَ النَّقْضُ عَلَيْهِ ﴿ وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ ﴾ مِنَ البَيْعَةِ ( فَسَنُؤْتِيه ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: "فَسَنُؤْتِيهِ" بِالنُّونِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالياءِ ﴿ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ وهو الجَنَّةُ.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: فَلَمْ يَنْكُثِ العَهْدَ مِنهم غَيْرُ رَجُلٍ واحِدٍ يُقالُ لَهُ: الجِدُّ بْنُ قَيْسٍ، وكانَ مُنافِقًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا ﴾ ﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهَ فَوْقَ أيْدِيهِمْ فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ومَن أوفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ مَن جَعَلَ الشاهِدُ مُحَصِّلَ الشَهادَةِ مِن يَوْمٍ يُحَصِّلُها، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "شاهِدًا" ﴾ حالٌ واقِعَةٌ، ومَن جَعَلَ الشاهِدَ مُؤَدِّي الشَهادَةِ فَهي حالٌ مُسْتَقْبِلَةٌ، وهي الَّتِي يُسَمِّيها النُحاةُ: المُقَدَّرَةُ، المَعْنى: شاهِدًا عَلى الناسِ بِأعْمالِهِمْ وأقْوالِهِمْ حِينَ بَلَّغَتْ إلَيْهِمُ الشَرْعَ، ومُبَشِّرًا أهْلَ الطاعَةِ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى، ونَذِيرًا أهْلَ الكُفْرِ تُنْذِرُهم مِن عَذابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ في كُلِّ الأمْصارِ: "لِتُؤْمِنُوا" عَلى مُخاطَبَةِ الناسِ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهُمْ، وكَذَلِكَ الأفْعالُ الثَلاثَةُ بَعْدُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: "لِيُؤْمِنُوا" بِالياءِ عَلى اسْتِمْرارِ خِطابِ مُحَمَّدٍ  ، وكَذَلِكَ الأفْعالُ الثَلاثَةُ بَعْدُ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "وَتُعَزِّرُوهُ" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُونِ العَيْنِ وضَمِّ الزايِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَتُعَزِّزُوهُ" بِزاءَيْنِ، مِنَ العِزَّةِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "وَتُعَزِّرُوهُ" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُونِ العَيْنِ وكَسْرِ الزايِ، ومَعْنى: "تُعَزِّرُوهُ": تُعَظِّمُوهُ وتُكَبِّرُوهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: تَنْصُرُوهُ بِالقِتالِ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: الضَمائِرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ ﴾ هي كُلُّها لِلَّهِ تَعالى، وقالَ الجُمْهُورُ: "تُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ" هُما لِلنَّبِيِّ  ، و"تُسَبِّحُوهُ" هي لِلَّهِ تَعالى، وهي صَلاةُ البَرْدَيْنِ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَتُسَبِّحُوا اللهَ"، وفي بَعْضِ ما حَكى أبُو حاتِمٍ: "وَتُسَبِّحُونَ اللهَ" بِالنُونِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "وَلِيُسَبِّحُوا اللهَ"، و"البَكْرَةُ": الغُدُوُّ، و"الأصِيلُ": "العَشِيُّ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ ﴾ يُرِيدُ تَعالى: في بَيْعَةِ الرِضْوانِ، وهي بَيْعَةُ الشَجَرَةِ حِينَ أخَذَ رَسُولُ اللهِ  الأهُبَّةَ لِقِتالِ قُرَيْشٍ لَمّا بَلَغَهُ قَتْلُ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ رَسُولَهُ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللهِ  مِنَ الحُدَيْبِيَةِ، وكانَ في ألْفٍ وأرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ، قالَ النَقّاشُ: وقِيلَ: كانَ في ألْفٍ وثَمانِمائَةٍ، وقِيلَ: وسَبْعِمِائَةٍ، وقِيلَ: وسِتِّمائَةٍ، وقِيلَ: ومِائَتَيْنِ، وبايَعَهم رَسُولُ اللهِ  عَلى الصَبْرِ المُتَناهِي في قِتالِ العَدُوِّ إلى أقْصى الجُهْدِ، حَتّى «قالَ سَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ وغَيْرُهُ: بايَعَنا رَسُولُ اللهِ  عَلى المَوْتِ،» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: «بايَعَنا رَسُولُ اللهِ  عَلى ألّا نَفِرَّ،» و"المُبايَعَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ مُفاعَلَةٌ مِنَ البَيْعِ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى اشْتَرى مِنهم أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ، وبَقِيَ اسْمُ البَيْعَةِ بَعْدَ مُعاقَدَةِ الخُلَفاءِ والمُلُوكِ، وعَلى هَذا سَمَّتِ الخَوارِجُ أنْفُسَهُمُ الشُراةَ، أيِ اشْتَرَوْا بِزَعْمِهِمُ الجَنَّةَ بِأنْفُسِهِمْ، ومَعْنى ﴿ إنَّما يُبايِعُونَ اللهَ ﴾ أنَّ صَفْقَتَهم إنَّما يُمْضِيها اللهُ تَعالى ويَمْنَحُ الثَمَنَ، وقَرَأ تَمّامُ بْنُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ: ﴿ إنَّما يُبايِعُونَ اللهَ ﴾ ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ذَلِكَ عَلى حَذْفِ المَفْعُوِلِ لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ وقُرْبِهِ مِنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَدُ اللهِ ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: اليَدُ بِمَعْنى "النِعْمَةِ"، أيْ نِعْمَةِ اللهِ تَعالى في نَفْسِ هَذِهِ المُبايَعَةِ - لِما يُسْتَقْبَلُ مِن مَحاسِنِها، فَوْقَ أيْدِيهِمُ الَّتِي مَدُّوها لِبَيْعَتِكَ، وقالَ آخَرُونَ: يَدُ اللهِ هُنا بِمَعْنى قُوَّةِ اللهِ تَعالى فَوْقَ قُواهُمْ، أيْ في نَصْرِكَ ونَصْرِهِمْ، فالآيَةُ - عَلى هَذا - تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ عَلَيْهِمْ مُسْتَقْبَلَةٍ مُخْبَرٍ بِها، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ حاصِلَةٍ يَشْرُفُ بِها الأمْرُ، قالَ النِقّاشُ: يَدُ اللهِ في الثَوابِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن نَكَثَ ﴾ أيْ فَمَن نَقَضَ هَذا العَهْدَ فَإنَّما يَجْنِي عَلى نَفْسِهِ، وإيّاها يَهْلَكُ، فَنَكْثُهُ عَلَيْهِ لا لَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ" ﴾ بِالنَصْبِ عَلى التَعْظِيمِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "بِما عاهَدَ عَلَيْهِ اللهُ" بِالرَفْعِ، عَلى أنَّ اللهَ هو المُعاهِدُ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "عَلَيْهِ" مَضْمُومَةُ الهاءِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، و"الأجْرُ العَظِيمُ": الجَنَّةُ، لا يَفْنى نَعِيمُها ولا يَنْقَضِي أمَدُها.

وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والعامَّةُ: ﴿ "فَسَيُؤْتِيهِ" ﴾ بِالياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "فَسَنُؤْتِيهِ" بِالنُونِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَسَوْفَ يُؤْتِيهِ اللهُ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما أريد الانتقال من الوعد بالفتح والنصر وما اقتضاه ذلك مما اتصل به ذِكره إلى تبيين ما جرى في حادثة الحديبية وإبلاغ كل ذي حظ من تلك القضية نصيبهُ المستحق ثناء أو غيره صدر ذلك بذكر مراد الله من إرسال رسوله صلى الله عليه وسلم ليكون ذلك كالمقدمة للقصة وذكرت حكمة الله تعالى في إرساله ما له مزيد اختصاص بالواقعة المتحدث عنها، فذكرت أوصاف ثلاثة هي: شاهد، ومبشر، ونذير.

وقدم منها وصف الشاهد لأنه يتفرع عنه الوصفان بعده.

فالشاهد: المخبر بتصديق أحدٍ أو تكذيبه فيما ادعاه أو ادُعي به عليه وتقدم في قوله: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ﴾ في سورة النساء (41) وقوله: ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيدا ﴾ في سورة البقرة (143).

فالمعنى: أرسلناك في حال أنك تشهد على الأمة بالتبليغ بحيث لا يعذر المخالفون عن شريعتك فيما خالفوا فيه، وتشهد على الأمم وهذه الشهادة حاصلة في الدنيا وفي يوم القيامة، فانتصب شاهداً} على أنه حال، وهو حال مقارنة ويترتّب على التبليغ الذي سيشهد به أنه مبشر للمطيعين ونذير للعَاصين على مراتب العصيان.

والكلام استئناف ابتدائي وتأكيده بحرف التأكيد للاهتمام.

وقوله: ﴿ لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا ﴾ .

قرأ الجمهور الأفعال الأربعة ﴿ لتؤمنوا وتعزروه وتوقروه وتسبحوه ﴾ بالمثناة الفوقية في الأفعال الأربعة فيجوز أن تكون اللام في ﴿ لتؤمنوا ﴾ لام كي مفيدة للتعليل ومتعلقة بفعل ﴿ أرسلناك ﴾ .

والخطاب يجوز أن يكون للنبيء صلى الله عليه وسلم مع أمة الدعوة، أي لتؤمن أنت والذين أرسلت إليهم شاهداً ومبشراً ونذيراً، والمقصود الإيمان بالله.

وأقحم ﴿ ورسوله ﴾ لأن الخطاب شامل للأمّة وهم مأمورون بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمور بأن يؤمن بأنه رسول الله ولذلك كان يقول في تشهده: «وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» وقال يوم حنين: «أشهدُ أني عبد الله ورسوله» وصحّ أنه كان يتابع قول المؤذن «أشهد أن محمداً رسول الله» ويجوز أن يكون الخطاب للناس خاصة ولا إشكال في عطف ﴿ ورسوله ﴾ .

ويجوز أن يكون الكلام قد انتهى عند قوله ﴿ ونذيرا ﴾ وتكون جملة ﴿ لتؤمنوا بالله ﴾ الخ جملة معترضة، ويكون اللام في قوله ﴿ لتؤمنوا ﴾ لام الأمر وتكون الجملة استئنافاً للأمر كما في قوله تعالى: ﴿ آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ﴾ في سورة الحديد (7).

وقرأه ابن كثير وأبو عمرو بياء الغيبة فيها، والضمائر عائدة إلى معلوم من السياق لأن الشهادة والتبشير والنذارة متعينة للتعلق بمقدّر، أي شاهداً على الناس ومبشراً ونذيراً لهم ليُؤمنوا بالله الخ.

والتعزيز: النصر والتأييد، وتعزيزهم الله كقوله: ﴿ إن تنصروا الله ﴾ [محمد: 7].

والتوقير: التعظيم.

والتسبيح: الكلام الذي يدل على تنزيه الله تعالى عن كل النقائص.

وضمائر الغيبة المنصوبة الثلاثة عائدة إلى اسم الجلالة لأن إفراد الضمائر مع كون المذكور قبلها اسمين دليل على أن المراد أحدهما.

والقرينة على تعيين المراد ذكر ﴿ وتسبحوه ﴾ ، ولأن عطف ﴿ ورسوله ﴾ على لفظ الجلالة اعتداد بأن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم إيمان بالله فالمقصود هو الإيمان بالله.

ومن أجل ذلك قال ابن عباس في بعض الروايات عنه: إن ضمير ﴿ تعزروه وتوقروه ﴾ عائد إلى ﴿ رسوله ﴾ .

والبُكرة: أول النهار.

والأصيل: آخره، وهما كناية عن استيعاب الأوقات بالتسبيح والإكثار منه، كما يقال: شرقاً وغرباً لاستيعاب الجهات.

وقيل التسبيح هنا: كناية عن الصلوات الواجبة والقول في ﴿ بكرة وأصيلا ﴾ هو هو.

وقد وقع في سورة الأحزاب نظير هذه الآية وهو قوله: ﴿ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشّراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ﴾ [الأحزاب: 45، 46]، فزيد في صفات النبي صلى الله عليه وسلم هنالك ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ﴾ ولم يذكر مثله في الآية هذه التي في سورة الفتح.

ووجه ذلك أن هذه الآية التي في سورة الفتح وردت في سياق إبطال شك الذين شكوا في أمر الصلح والذين كذبوا بوعد الفتح والنصر، والثناءِ على الذين اطمأنوا لذلك فاقتصر من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم على الوصف الأصلي وهو أنه شاهد على الفريقين وكونه مبشراً لأحد الفريقين ونذيراً للآخر، بخلاف آية الأحزاب فإنها وردت في سياق تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن مطاعن المنافقين والكافرين في تزوجه زينب بنت جحش بعد أن طلقها زيد بن حارثة بزعمهم أنها زوجة ابنه، فناسب أن يزاد في صفاته ما فيه إشارة إلى التمحيص بين ما هو من صفات الكمال وما هو من الأوهام الناشئة عن مزاعم كاذبة مثل التبنِّي، فزيد كونه ﴿ داعياً إلى الله بإذنه ﴾ ، أي لا يتبع مزاعم الناس ورغباتهم وأنه سراج منير يهتدي به من همتُّه في الاهتداء دون التقعير.

وقد تقدم في تفسير سورة الأحزاب حديث عبد الله بن عَمرو بن العاصي في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في «التوراة» فارجع إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: شاهِدًا عَلى أُمَّتِكَ بِالبَلاغِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: شاهِدًا عَلى أُمَّتِكَ بِأعْمالِهِمْ مِن طاعَةٍ أوْ مَعْصِيَةٍ.

الثّالِثُ: مُبَيِّنًا ما أرْسَلْناكَ بِهِ إلَيْهِمْ.

﴿ وَمُبَشِّرًا ونَذِيرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُبِّشَرًا لِلْمُؤْمِنِينَ ونَذِيرًا لِلْكافِرِينَ.

الثّانِي: مُبَشِّرًا بِالجَنَّةِ لِمَن أطاعَ ونَذِيرًا بِالنّارِ لَمَن عَصى، قالَهُ قَتادَةُ، والبِشارَةُ والإنْذارُ مَعًا خَيْرٌ لِأنَّ المُخْبَرَ بِالأمْرِ السّارِّ مُبَشِّرٌ والمُحَذِّرَ مِنَ الأمْرِ المَكْرُوهِ مُنْذِرٌ.

قالَ النّابِغَةُ الذُّبْيانِيُّ تَناذَرَها الرّاقُونَ مِن سُوءِ سَعْيِها تُطْلِقُها طَوْرًا وطَوْرًا تُراجِعُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تُطِيعُوهُ، قالَهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ.

الثّانِي: تُعَظِّمُوهُ، قالَهُ الحَسَنُ والكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: تَنْصُرُوهُ وتَمْنَعُوا مِنهُ، ومِنهُ التَّعْزِيرُ في الحُدُودِ لِأنَّهُ مانِعٌ، قالَهُ القَطامِيُّ ألا بَكَرَتْ مَيٌّ بِغَيْرِ سَفاهَةً ∗∗∗ تُعاتِبُ والمَوْدُودُ يَنْفَعُهُ العَزَرُ وَفِي ﴿ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: تُسَوِّدُوهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّ تَأْوِيلَهُ مُخْتَلِفٌ بِحَسَبِ اخْتِلافِهِمْ فِيمَن أُشِيرَ إلَيْهِ بِهَذا الذِّكْرِ: فَمِنهم مَن قالَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ ﴾ أيْ تُعَزِّرُوا اللَّهَ وتُوَقِّرُوهُ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ وَتُسَبِّحُوهُ ﴾ راجِعٌ إلى اللَّهِ وكَذَلِكَ ما تَقَدَّمَهُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ ﴿ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ أيْ تُثْبِتُوا لَهُ صِحَّةَ الرُّبُوبِيَّةِ وتَنْفُوا عَنْهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ أوْ شَرِيكٌ.

وَمِنهم مَن قالَ: المُرادُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ  أنْ يُعَزِّرُوهُ ويُوَقِّرُوهُ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها، فَجازَ أنْ يَكُونَ بَعْضُ الكَلامِ راجِعًا إلى اللَّهِ وبَعْضُهُ راجِعًا إلى رَسُولِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ تَأْوِيلُ ﴿ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ أيْ تَدْعُوهُ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ لا بِالِاسْمِ والكُنْيَةِ.

﴿ وَتُسَبِّحُوهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَسْبِيحُهُ بِالتَّنْزِيهِ لَهُ مِن كُلِّ قَبِيحٍ.

الثّانِي: هو فِعْلُ الصَّلاةِ الَّتِي فِيها التَّسْبِيحُ.

﴿ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ أيْ غُدْوَةً وعَشِيًّا.

قالَ الشّاعِرُ ؎ لَعَمْرِي لَأنْتَ البَيْتُ أُكْرِمُ أهْلَهُ ∗∗∗ وأجْلَسُ في أفْيائِهِ بِالأصائِلِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ قال: شاهداً على أمته وشاهداً على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنهم قد بلّغوا ﴿ ومبشراً ﴾ يبشر بالجنة من أطاع الله ﴿ ونذيراً ﴾ ينذر الناس من عصاه ﴿ ليؤمنوا بالله ورسوله ﴾ قال: بوعده وبالحساب وبالبعث بعد الموت ﴿ وتعزروه ﴾ قال: تنصروه ﴿ وتوقروه ﴾ قال: أمر الله بتسويده وتفخيمه وتشريفه وتعظيمه، قال: وكان في بعض القراءة ﴿ ويسبحوا الله بكرة وأصيلا ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه: ﴿ ويعزروه ﴾ قال: لينصروه ﴿ ويوقروه ﴾ أي ليعظموه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وتعزروه ﴾ يعني الإِجلال ﴿ وتوقروه ﴾ يعني التعظيم يعني محمداً صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وتعزروه ﴾ قال: تضربوا بين يديه بالسيف.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتعزروه ﴾ قال: تقاتلوا معه بالسيف.

وأخرج ابن عدي وابن مردويه والخطيب وابن عساكر في تاريخه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ وتعزروه ﴾ قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه «ما ذاك؟

قالوا: الله ورسوله أعلم قال:لتنصروه» .

وأخرج ابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه قال: كان ابن عباس يقرأ هذه الآية ﴿ تؤمنون بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً ﴾ قال: فكان يقول: إذا أشكل ياء أو تاء فاجعلوها على ياء فإن القرآن كله على ياء.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويسبحوه ﴾ قال: يسبحوا الله، رجع إلى نفسه.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هرون رضي الله عنه قال: في قراءة ابن مسعود ﴿ ويسبحوا الله بكرة وأصيلاً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ ويسبحوا الله بكرة وأصيلاً ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ قرئ: بالتاء والياء، وكذلك ما بعده من الأفعال، فمن قرأ بالتاء فعلى معنى: قل لهم: إنا أرسلناك لتؤمنوا، ومن قرأ بالياء: وهو اختيار أبي عبيد، قال ذكر المؤمنين قبله وهو قوله: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ولقوله بعده: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ ﴾ ولأنه لا يقال للنبي -  -: لتؤمنوا بالله ورسوله وهو الرسول، وهذا معنى قول أبي إسحاق في وجه هذه القراءة، لأن النبي -  - قد آمن بالله وبأنبيائه وكتبه (١) وقوله: ﴿ وتعزروه ﴾ ذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ  ﴾ ، قال مقاتل: تعينوه وتنصروه على أمره (٢) وقال قتادة: تنصروه وتعزروه بالسيف واللسان (٣) وقال ابن حيان: تنصروا النبي -  - بالسيف (٤) وقال عكرمة: تقاتلوا معه بالسيف (٥) وروى الحجاج بن أرطأة عنه قال: قلت لابن عباس: ما قوله: (وتعزروه)؟

قال: الضرب بين يدي النبي -  - بالسيف (٦) قوله: ﴿ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ قال قتادة: تكرموه وتعظموه وتسودوه (٧) وقال ابن حيان: تشرفوه وتبجلوه وتجلوه (٨) قوله: ﴿ وَتُسَبِّحُوهُ ﴾ هذه الكناية راجعة إلى اسم الله (٩) ﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ﴾ وكثير من القراء اختاروا الوقف على قوله: وتوقروه (١٠) (١١) (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 21، "التذكرة في القراءات" 2/ 687، "الحجة" لأبي علي 6/ 200، وأشار القرطبي 16/ 266 إلى اختيار أبي عبيد.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 70.

(٣) أخرج ذلك الطبري في "تفسيره" 13/ 74 عن قتادة، ونسبه القرطبي لقتادة، وذكره في "الوسيط" 4/ 136 من غير نسبه.

(٤) لم أقف على هذا القول.

(٥) أخرج ذلك الطبري في "تفسيره" عن عكرمة 13/ 75، ونسبه النحاس في "معاني القرآن" لعكرمة 6/ 499، ونسبه القرطبي 16/ 266 لابن عباس وعكرمة.

(٦) أخرج الطبري 13/ 75 عن عكرمة قال: يقاتلون معه بالسيف، ونسبه القرطبي في "الجامع" 16/ 267 لابن عباس وعكرمة.

(٧) أخرج الطبري 13/ 74 عن قتادة في ﴿ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ أمر الله بتسويده وتفخيمه.

(٨) لم أقف على هذا القول.

(٩) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 75، "الماوردي" 5/ 313، "البغوي" 7/ 299.

(١٠) انظر: "المكتفى" للداني ص 528، "تفسير البغوي" 7/ 299، القرطبي 16/ 267، ونقل النحاس عن أبي حاتم وأحمد بن موسى أن التمام عند قوله: ويوقروه.

لأنهما قالا المعنى: ويوقروا النبي -  - ويسبحوا الله بكرة وأصيلًا.

وخولفا في هذا لأن (ويسبحوه) معطوف على ما قبله قد حذفت منه النون للنصب فكيف يتم الكلام على ما قبله.

انظر: "القطع والائتاف" لأبي جعفر النحاس ص670.

(١١) "تفسير مقاتل" 4/ 70.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً ﴾ أي تشهد على أمتك ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ ﴾ أي تعظموه وقيل: تنصرونه، وقرئ تعززوه بزايين منقوطتين، والضمير في ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ للنبي صلى الله عليه وسلم وفي تسبحوه لله تعالى، وقيل: الثلاثة لله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ليؤمنوا ﴾ ﴿ ويعزروه ويوقروه ويسبحوه ﴾ بياءات الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو.

و ﴿ عليه الله ﴾ بضم الهاء: حفص ﴿ فسنؤتيه ﴾ بالنون: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر.

الآخرون: بالياء التحتانية والضمير لله  ﴿ شغلتنا ﴾ بالتشديد: قتيبة ﴿ ضراً ﴾ بالضم ﴿ كلم الله ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف ﴿ بل ظننتم ﴾ بالإدغام: علي وهشام ﴿ بل تحسدوننا ﴾ مدغماً: حمزة وعلي وهشام.

﴿ ندخله ﴾ ﴿ ونعذبه ﴾ بالنون فيهما: أبو جعفر ونافع وإبن عامر ﴿ بما يعملون بصيراً ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو ﴿ الرؤيا ﴾ بالإمالة: ابن عامر وعلي وهشام ﴿ شطأه ﴾ بفتح الطاء من غير مد: ابن ذكوان والبزي والقواس.

الباقون: ساكنة الطاء.

الوقوف: ﴿ مبيناً ﴾ ه لا ﴿ مستقيماً ﴾ ه لا على احتمال الجواز ههنا لتكرار إسم الله بالتصريح ﴿ عزيزاً ﴾ ه ﴿ إيمانهم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ سيئاتهم ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ ظن السوء ﴾ ط ﴿ دائرة السوء ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفين ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ه لا ﴿ وتوقروه ﴾ ط للفصل بين ضمير اسم الله وضمير الرسول في المعطوفين فيمن لم يجعل الضمائر كلها لله ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ يبايعون الله ﴾ ط ﴿ أيديهم ﴾ ج ط للشرط مع الفاء ﴿ على نفسه ﴾ ج للعطف مع الشرط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ فاستغفر لنا ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ نفعاً ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ بوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ نتبعكم ﴾ ج لأن ما بعده حال عامله ﴿ سيقول ﴾ أو مستأنف ﴿ كلام الله ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ج للسين مع الفاء ﴿ تحسدوننا ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ يسلمون ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ج ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ المريض حرج ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ قريباً ﴾ ه لا ﴿ يأخذونها ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ عنكم ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو المعلل محذوف والواو داخلة في الكلام المعترض، أو عاطفة على تقدير ليستيقنوا ولتكون ﴿ مستقيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ بها ﴾ ج ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ محله ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ج لحق المحذوف أي قدر ذلك ليدخل ﴿ من يشاء ﴾ ج لاحتمال أن جواب " لولا" محذوف وأن يكون هذه مع جوابها جواباً للأولى ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ وأهلها ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لحق حذف القسم ﴿ آمنين ﴾ لا ﴿ مقصرين ﴾ لا لأنها أحوال متابعة ﴿ لا تخافون ﴾ ط لأن قوله ﴿ فعلم ﴾ بيان حكم الصدق كالأعذار فلا ينعطف على قوله ﴿ صدق الله ﴾ ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ كله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ رسول الله ﴾ ج لأن ما بعده مستأنف ﴿ ورضواناً ﴾ ز لأن ﴿ سيماهم ﴾ مبتدأ غير أن الجملة من حد الأولى في كون الكل خبر والذين ﴿ السجود ﴾ ط ﴿ الإنجيل ﴾ ج لاحتمال أن التقدير هم كزرع ﴿ الكفار ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه.

التفسير: الفتح في باب الجهاد هو الظفر بالبلد بصلح أو حرب لأنه منغلق ما لم يظفر به.

والجمهور على أن المراد به ما جرى يوم الحديبية.

عن أنس قال: لما رجعنا عن الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا فنحن بين الحزن والكآبة، أنزل الله ﴿ إنا فتحنا ﴾ فقال  : "لقد أنزل عليّ آية هي أحب إليّ من الدنيا كلها" .

والحديبية بئر سمي المكان بها وكان قد غاض ماؤها فتمضمض فيها النبي  فجاء بالماء حتى عمهم.

وعن ابن شهاب: لم يكن في الإسلام فتح أعظم من فتح الحديبية وضعت الحرب وأمن الناس.

وقال الشعبي: أصاب النبي  في تلك الغزوة ما لم يصب في غيرها، بويع فيها بيعة الرضوان تحت الشجرة، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وكان رسول الله  وعد به فصح صدقه وأطعم نخل خيبر.

وذلك أن رسول الله  بعد هجرته إلى المدينة أحب أن يزور بيت الله الحرام بمكة فخرج قاصداً نحوه في سنة ست من الهجرة، وخرج معه أولو البصيرة وتخلف من كان في قلبه مرض ظناً منه أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً.

واستصحب سبعين بدنة لينحرها بمكة، ولما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأحرم بالعمرة لتعلم قريش أنه لم يأت لقتال وكانوا ألفاً وثلثمائة أو أربعمائة أو خمسمائة فبايعوه إلا جد بن قيس فإنه اختبأ تحت إبطي ناقته، فجاءه عروة بن مسعود لإيقاع صلح.

فلما رأى أصحاب النبي  فقال: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله على أني أرى وجوهاً وأسراباً خليقاً أن يفروا ويدعوك؟

فشتمه أبو بكر فلما عاد إلى قريش قال: لقد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم من الملوك وما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً.

والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم، وما يحدّون النظر إليه تفخيماً، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها منه.

فلما اتفقوا على الصلح جاء سهيل بن عمرو المخزومي وتصالحوا على أن لا يدخل النبي  مكة سنته بل يعود في القابل ويقيم ثلاثة أيام ثم ينصرف، فلما كتب علي بن أبي طالب  "بسم الله الرحمن الرحيم".

قال سهيل: ما نعرف "الرحمن الرحيم" اكتب في قضيتنا ما نعرف "باسمك اللهم".

ولما كتب "هذا ما صالح محمد رسول الله  ".

قال: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، اكتب محمد بن عبد الله.

فتنازع المسلمون وقريش في ذلك وكادوا يتواثبون، فمنعهم رسول الله  وأمرهم بالإجابة فكتب "هذا ما صالح محمد بن عبد الله قريشاً على أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجاً أو معتمراً أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة مجتازاً إلى مصر والشام أو يبتغي من فضل الله فهو على دمه وأهله آمن، وعلى أنه من جاء محمداً من قريش فهو إليهم ردّ، ومن جاءهم من أصحاب محمد فهو لهم" فاشتدّ ذلك على المسلمين فقال النبي صلى الله عيله وسلم: من جاءهم منا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فإن علم الله منه الإسلام جعل له مخرجاً.

فلما فرغوا من الهدنة نحر النبي  وحلق وفعل أصحابه ذلك فنزل عليه في طريقه في هذا الشأن ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ يريد ما كان من أمر الحديبية والفتح قد يكون بالصلح.

وقيل: كان ذلك بلفظ الماضي على عادة إخبار الله.

وقال ابن عيسى: الفتح الفرج المزيل للهم ومنه فتح المسألة إذا انفرجت عن بيان يؤدّي إلى الثقة.

وقيل وهو قول قتادة: الفتح القضاء والحكم، والفتاح القاضي، والفتاحة الحكومة أي حكما لك بهذه المهادنة وأرشدناك إلى الإسلام ليغفر لك الله.

قال أهل النظم: لأوّل هذه السورة مناسبة تامة مع آخر السورة المتقدّمة وذلك أنه قال ﴿ ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا  ﴾ إلى آخره فبين بعد ذلك أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاعت عنهم هذه الفوائد.

وأيضاً لما قال ﴿ وأنتم الأعلون  ﴾ بين برهانه بصلح الحديبية أو بفتح مكة وكان في قوله ﴿ وتدعوا إلى السلم  ﴾ إشارة إلى ما جرى يوم الحديبية من أن المسلمين صبروا إلى أن طلب المشركون الصلح.

سؤال: ما المناسبة بين الفتح والمغفرة حتى جعلت غاية له؟

الجواب الغاية هي مجموع المغفرة وما ينعطف عليها كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة وغيره من الفتوح ليجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل.

ويجوز أن تكون الفتوح من حيث إنها جهاد للعدّو سبباً للغفران والثواب.

قال جار الله: وقيل: تقدير الكلام إنا فتحنا لك فاستغفره ليغفر لك كقوله ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح  ﴾ إلى قوله ﴿ واستغفره  ﴾ وقيل: إن فتح مكة كان سبباً لتطهير البيت من رجس الأوثان، وتطهير بيته سبب لتطهير عبده.

وأيضاً بالفتح يحصل الحج وبالحج تحصل المغفرة كما ورد في الأخبار " "خرج كيوم ولدته أمه" وأيضاً إن الناس قد علموا عام الفيل أن مكة لا يتسلط عليها عدواً لله، فلما فتحت للرسول  عرف أنه حبيب الله المغفور له.

أما الذنب فقيل: أراد به ذنب المؤمنين من أمته، أو أريد به ترك الأفضل والصغائر سهواً أو عمداً.

ومعنى ﴿ ما تأخر ﴾ أي عن الفتح أو ما تقدم عن النبوّة وتأخر عنها.

وقيل ﴿ ما تقدم ﴾ ذنب أبويه آدم وحواء ﴿ وما تأخر ﴾ ذنب أمته.

وقيل: أراد جميع الذنوب فحدّ أوّلها وآخرها، أو هو على وجه المبالغة كما تقول: أعطى من رأى ومن لم يره.

وقيل: ما تقدم من أمر مارية وما تأخر من أمر زينب وهو قول سخيف لعدم التئام الكلام ظاهراً.

والأولى أن يقال: ما تقدم النبوّة بالعفو وما تأخر عنها بالعصمة ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بإعلاء دينك وفتح البلاد على يدك لقوله ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي  ﴾ ومن إتمام النعمة تكليف الحج وقد تم يومئذ ولم يبق للنبي  عدوّ من قريش، فإن كثيراً منهم وقد أهلكوا يوم بدر، والباقين آمنوا واستأمنوا يوم الفتح.

وقيل: إمام النعمة في الدنيا باستجابة الدعاء في طلب الفتح وفي الآخرة بقبول الشفاعة ﴿ ويهديك صراطاً مستقيماً ﴾ أي يثبتك ويهديك عليه فإن الفتح لا يكون إلا لمن هو على صراط الله، ولعل المراد بهذا الخطاب هو أمته.

والنصر العزيز ذو العزة وهو الذي لا ذل بعده، أو هو بمعنى المعز أو الممتنع على الغير وهو النفيس الذي لا يناله كل أحد.

وفي الآية تفخيم شأن الفتح والنصر من وجوه: أحدها لفظ (إنا) الدال على التعظيم.

وثانيها لفظ (لك) الدال على الاختصاص.

ثالثها إعادة اسم الله في الموضعين أوّلاً وآخراً.

ثم بين سبب النصر بقوله ﴿ هو الذي أنزل السكينة ﴾ وهي السكون والوقار والطمأنينة والثقة بوعد الله كما مر في "البقرة" وفي "التوبة" ﴿ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ﴾ أي يقيناً مع يقينهم أو إيماناً بالشرائع مع إيمانهم بالله.

وعن ابن عباس أو أول ما أتاهم به النبي  التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة ثم الزكاة ثم الجاد ثم الحج، أو ازدادوا إيماناًَ استدلالياً مع إيمانهم الفطري.

وعلى هذا ففائدة قوله ﴿ مع إيمانهم ﴾ أن الفطرة تشهد بالإيمان، فلما عرفوا صحة الإيمان بالنظر والاستدلال انضم هذا الثاني إلى الأول.

وجنود السموات والأرض ملائكتهما، ويمكن أن يراد بمن في الأرض الثقلان والحيوان غير الإنسان.

ويحتمل أن يراد بالجنود معنى أعم وهو الأسباب الأرضية والسماوية فيدخل فيهما الصيحة والرجفة.

وظن السوء هو ظنهم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم، أو أن الله  لا ينصرهم على أعدائهم، أو أن لله شريكاً، أو أنه لا يقدر على إحياء الموتى.

ومعنى دائرة السوء أن ضرر ظنهم يعود إليهم ويدور عليهم وقد مر في سورة التوبة.

قال بعض العلماء: ضم المؤمنات ههنا إلى المؤمنين بخلاف قوله ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ \[المؤمنون: 1\] ﴿ وبشر المؤمنين  ﴾ ونحو ذلك.

والسر فيه أن كل موضع يوهم اختصاص الرجال به مع كون النساء مشاركات لهم ذكرهن صريحاً نفياً لهذا التوهم، وكل موضع لا يوهم ذلك اكتفى فيه بذكر الرجال لأنهم الأصل في أكثر الأحكام والتكاليف.

مثلاً من المعلوم أن البشارة والنذارة عامة للناس قاطبة فلم يحتج فيهما إلى ذكر النساء بخلاف هذه الآية فإن إدخال الجنة يوهم أنه لأجل الجهاد مع العدوّ والفتح على أيديهم والمرأة لا جهاد عليها، فكان يظن أنهن لا يدخلن الجنات فنفى الله  هذا الوهم، وكذا الكلام في تعذيب المنافقات والمشركات.

نكتة الجنود المذكورة أوّلاً هي جنود الرحمة فكانوا سبباً لإدخال المؤمنين الجنة بالإكرام والتعظيم ثم إلباسهم خلع الكرامة لقوله ﴿ ويكفر عنهم سيئاتهم ﴾ ثم تشريفهم بالفوز العظيم من الله كما قال ﴿ وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً ﴾ وأما الكافر فعكس منه الترتيب: أخبر بتعذيبهم أوّلاً على الإطلاق، ثم فصل بأنه يغضب عليهم أوّلاً ثم يوبقهم في خبر اللعن والبعد عن الرحمة، ثم يسلط عليهم ملائكة العذاب الذين هم جنوده كما قال ﴿ عليها ملائكة غلاظ شداد  ﴾ ولا ريب أن كل ذلك على قانون الحكمة إلا أنه قرن العلم في الأول إلى الحكمة تنبيهاً على أن إنزال السكينة وازدياد إيمان المؤمنين وترتيب الفتح على ذلك كانت كلها ثابتة في علم الله، جارية على وفق الحكمة.

وقرن العز بالحكمة ثانياً لأن العذاب والغضب وسلب الأموال والغنائم يناسب ذكر العزة والغلبة والقهر زادنا الله إطلاعاً على أسرار قرآنه الكريم وفرقانه العظيم.

ثم مدح رسول صلى الله عيله وسلم وذكر فائدة بعثته ليرتب عليه ذكر البيعة فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ على أمتك ﴿ ومبشراً ونذيراً ﴾ وقد مر في سورة الأحزاب مثله إلا أن قوله ﴿ لتؤمنوا بالله ورسوله ﴾ قائم مقام قوله هناك ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه  ﴾ من قرأ على الغيبة فظاهر، وأما من قرأ على الخطاب فلتنزيل خطاب النبي منزلة خطاب المؤمنين.

وقوله ﴿ وتعزروه وتوقروه ﴾ كلاهما بمعنى التعظيم من العز والوقار ينوب منابه.

قوله هناك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ وذلك أن النور متبع والتبجيل والتعظيم دليل المتبوعية.

وقال جار الله: الضمائر كلها لله عز وجل وتعظيم الله تعظيم دينه ورسوله.

وقوله ﴿ وتسبحوه ﴾ من التسبيح أو من السبحة وهي صلاة التطوع.

و ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ للدوام أو المراد صلاة الفجر والعصر وحدها أو مع الظهر قاله ابن عباس.

﴿ إن الذين يبايعونك ﴾ هي بيعة الرضوان تحت الشجرة كما يجيء في السورة.

وقيل: ليلة العقبة وفيه بعد.

وسماها مبايعة تشبيهاً بعقد البيع نظيره ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم  ﴾ ﴿ إنما يبايعون الله ﴾ لأن طاعة الرسول هي طاعة الله في الحقيقة.

ثم أكد هذا المعنى بقوله ﴿ يد الله فوق أيديهم ﴾ قال أهل المعاني: هذا تمثيل وتخييل ولا جارحة هناك.

وقيل: اليد النعمة أي نعمة الله عليهم بالهداية فوق إحسانهم إلى الله بإجابة البيعة كما قال ﴿ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا عليّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم  ﴾ قال القفال: هو من قوله  : "اليد العليا خير من اليد السفلى" يريد بالعليا المعطية أي الله يعطيهم ما يكون له به الفضل عليهم.

وقيل: اليد القوة أي نصرته إياهم فوق نصرتهم لرسوله.

وقيل: يد الله بمعنى الحفظ فإن المتوسط بين المتبايعين يضع يده فوق يدهما فلا يترك أن تتفارق أيديهما حتى يتم البيع، والمراد أن الله  يحفظهم على بيعتهم.

ثم زجرهم من نقض العهد وحثهم على الوفاء بقوله ﴿ فمن نكث ﴾ إلى آخره.

والنكث والنقض أخوان.

وقوله ﴿ فإنما ينكث على نفسه ﴾ أي لا يعود ضرر نكثه إلا عليه.

قال جابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله  تحت الشجرة على الموت وعلى أن لا نفر، فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس، وكان منافقاً اختبأ تحت إبط ناقته ولم يثر مع القوم.

ثم بين ما يعلم منه إعجاز القرآن لأنه أخبر عن الغيب وقد وقع مطابقاً وله في السورة نظائر فقال ﴿ سيقول لك المخلفون ﴾ هم أسلم ومزينة وجهينة وغفار.

وقيل: سموا مخلفين لأن التوفيق خلفهم ولم يعتدّ بهم.

والظاهر أنهم سموا بذلك لأنه  حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً استنفر الأعراب وأهل البوادي حذراً من قريش أن يصدّوه عن البيت، فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا: يذهب إلى قوم قصدوه في داره بالمدينة وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة فاعتلوا.

فلما رجع رسول الله  اعتذروا وقالوا ﴿ شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا ﴾ سل الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك وإن كان من عذر فكذبهم الله بقوله ﴿ يقولون بألسنتهم ﴾ وقوله شيئاً من الضر كقتل وهزيمة ولا يوصل إليهم نفعاً إلا ما شاء الله.

وإنما قال ههنا بزيادة لفظة ﴿ لكم ﴾ لأنه في قوم بأعيانهم بخلاف "المائدة" فإنه عام لقوله ﴿ أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً  ﴾ ثم ردّ قولهم اللساني فقال ﴿ بل كان الله بما تعملون خبيراً ﴾ ثم ردّ اعتذارهم الواهي بقوله ﴿ بل ظننتم ﴾ الآية.

والبور جمع بائر أي هالك والباقي واضح إلى قوله ﴿ رحيماً ﴾ وفيه بيان كمال قدرته على تعذيب الكافرين مع أن مغفرته ذاتيه ورحمته سابقة.

وقوله ﴿ سيقول المخلفون ﴾ إنما لم يقل هنا لك لأن المخاطبين هم المؤمنون كلهم لا النبي وحده.

وجمهور المفسرين على أن هؤلاء هم المخلفون المذكورون فيما تقدم.

وقوله ﴿ إلى مغانم ﴾ هي مغانم خيبر، وذلك أن رسول الله  وعد أهل الحديبية أن غنائم أهل خيبر لهم خصوصاً من غاب منهم ومن حضر بدل تعب السفر في العمرة التي صدّهم المشركون عنها.

وزاد الزهري فقال: وإن حضرها من غيرهم من الناس.

قالوا: ولم يغب منهم عنها أحد إلا جابر ابن عبد الله، فقسم له رسول الله  كسهم من حضر.

وكان انصراف النبي  في ذي الحجة فأقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرم، ثم خرج إلى خيبر وخرج معه من شهد الحديبية ففتحها وغنم أموالاً كثيرة وجعلها لهم خاصة، وكان قبل ذلك وعد النبي  أصحابه غنائم خيبر فسمع المنافقون ذلك فقالوا للمؤمنين ﴿ ذرونا نتبعكم ﴾ فمنعهم النبي  لأن أمره أن لا يخرج إلى خيبر إلا أهل الحديبية وذلك قوله ﴿ يريدون أن يبدّلوا كلام الله ﴾ فقال الله لنبيه ﴿ قل لنا تتبعونا ﴾ أي في خيبر.

وقيل: عامّ في غزواته ﴿ كذلكم قال الله من قبل ﴾ أي قبل انصرافهم إلى المدينة ﴿ فسيقولون ﴾ ردّاً على النبي والمؤمنين إن الله لم يأمركم به ﴿ بل تحسدوننا ﴾ أن نشارككم في الغنيمة فرد الله عليهم ردّهم بقوله ﴿ بل كانوا لا يفقهون إلا ﴾ فهماً ﴿ قليلاً ﴾ وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون أمور الدين، أو هو فهمهم من قوله ﴿ قل لن تتبعونا ﴾ مجرد النهي فحملوه على الحسد ولم يعلموا أن المراد هو أن هذا الاتباع لا يقع أصلاً لأن الصادق قد أخبر بنفيه.

وذهب جماعة من المفسرين منهم الزجاج إلى أن كلام الله ههنا هو قوله في سورة براءة ﴿ لن تخرجوا معي أبداً  ﴾ واعترض بأن هذا في قصة تبوك التي كانت بعد الحديبية بسنتين بإجماع من أهل المغازي.

وأجاب بعضهم بأن هذ الآية أعني ﴿ سيقول المخلفون ﴾ نزلت في غزوة تبوك أيضاً.

وعندي أن الاعتراض غير وارد ولا حاجة إلى الجواب المذكور.

ثم إن الله  أخبر عن مخلفي الحديبية بأنهم سيدعون إلى قوم أولي قوة ونجدة في الحروب.

وقيل: هم هوازن وغطفان.

وقيل: هم الروم، غزاهم رسول الله  في تبوك.

والأكثرون على أن القوم أولي البأس الشديد هم بنو حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر الصدّيق لأنه  قال ﴿ تقاتلونهم أو يسلمون ﴾ ومشركو العرب والمرتدون هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب والمجوس تقبل منهم الجزية.

هذا عند أبي حنيفة، وأما الشافعي فعنده لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، والمجوس دون مشركي العجم والعرب.

وقد يستدل بهذا على إمامة أبي بكر فإنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام رسول الله  ، ولكن بعد وفاته ولا سيما فيمن يزعم أنه نزل فيهم ﴿ لن تخرجوا معي أبداً  ﴾ اللهم إلا أن يقال: المراد لن تخرجوا معي ما دمتم على حالكم من مرض القلوب والاضطراب في الدين، أو أنهم لا يتبعون الرسول إلا متطوّعين لا نصيب لهم في المغنم قاله مجاهد.

وقوله ﴿ أو يسلمون ﴾ رفع على الاستئناف يعني أو هم يسلمون.

ويجوز أن يراد إلى أن يسلموا، فحين حذف "أن" رفع الفعل.

وقيل: الإسلام ههنا الانقياد فيشمل إعطاء الجزية أيضاً.

والأجر الحسن في الدنيا الغنيمة، وفي الآخرة الجنة.

وقيل: الغنيمة فقط بناء على أن الآية في المنافقين، وعلى هذا لا يتم الاستدلال على إمامة الخلفاء.

وقوله ﴿ من قبل ﴾ أي في الحديبية.

قال ابن عباس: إن أهل الزمانة قالوا: يا رسول الله كيف بنا؟

فأنزل الله  ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ أي إثم في التخلف لأنه كالطائر الذي قص جناحه لا يمتنع على من قصده.

وقدم الأعمى لأن عذره مستمر ولو حضر القتال، والأعرج قد يمكنه الركوب والرمي وغير ذلك.

نعم يتعسر عليه الحرب ماشياً وكذا جودة الكر والفر راكباً.

وقد يقاس الأقطع على الأعرج، ويمكن أن لا يكون الأقطع معذوراً لأنه نادر الوجود.

والأعذار المانعة من الجهاد أكثر من هذا وقد ضبطها الفقهاء بأن المانع إما عجز حسي أو عجز حكمي.

فمن الأول الصغر والجنون والأنوثة والمرض المانع من الركوب للقتال لا كالصداع ووجع السن، ومنه العرج البين وإن قدر على الركوب لأن الدابة قد تهلك.

وعند أبي حنيفة لا أثر للعرج في رجل واحدة، ومنه فقد البصر ولا يلحق به العور والعشي، ومنه عدم وجدان السلاح وآلات القتال.

ومن الثاني الرق والدين الحالّ بلا إذن رب الدين ومن أحد أبويه في الحياة ليس له الجهاد لا بإذنه إلا إذا كان كافراً.

والباقي واضح إلى قوله ﴿ لقد رضى الله ﴾ .

وبه سميت بيعة الرضوان ويبايعونك حكاية الحال الماضية والشجرة كانت سمرة.

وقيل: سدرة روي أنها عميت عليهم من قابل فلم يدروا أين ذهبت.

وعن جابر بن عبد الله: لو كنت أبصر لأريتكم مكانها ﴿ فعلم ما في قلوبهم ﴾ من خلوص النية ﴿ فأنزل السكينة ﴾ الطمأنينة والأمن عليهم ﴿ وأثابهم ﴾ جازاهم عن الإخلاص في البيعة ﴿ فتحاً قريباً ﴾ هو فتح خيبر غب انصرافه من الحديبية كما ذكرناه.

وقيل: هو فتح مكة ﴿ ومغانم كثيرة يأخذونها ﴾ هي مغانم خيبر وكانت أرضاً ذات عقار وأموال فقسمها عليهم ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة ﴾ هي التي أصابوها مع النبي  أو بعده إلى يوم ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ يعني غنيمة خيبر ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ يعني أيدي أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان جاؤا لنصرتهم فقذف الله الرعب في قلوبهم وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح، وقيل: أيدي اليهود حين خرجتم وخلفتم عيالكم بالمدينة وهمت اليهود بهم فمنعهم الله قوله ﴿ ولتكون آية ﴾ أي لتكون هذه الغنيمة المعجلة دلالة على ما وعدهم الله من الغنائم، أو دلالة على صحة النبوة من حيث إنه أخبر بالفتح القريب وقد وقع مطابقاً.

وقيل: الضمير للكف والتأنيث لأجل التأنيث الخبر، أو بتقدير الكفة ويهديكم ويثبتكم ويزيدكم بصيرة.

قوله ﴿ وأخرى ﴾ أي وعدكم الله مغانم أخرى.

عن ابن عباس: هي فتوح فارس والروم.

أو يقال: مغانم هوازن في غزوة حنين لم يظنوا أن يقدروا عليها لما فيها من الهزيمة، ثم الرجوع مرة بعد أخرى قد أحاط الله بها علماً أنها ستصير لكم.

قال جار الله: يجوز في ﴿ أخرى ﴾ النصب بفعل مضمر يفسره ﴿ قد أحاط ﴾ أي وقضى الله أخرى قد أحاط بها.

ويجوز فيها الرفع على الابتداء لكونها موصوفة بالجملة و ﴿ قد أحاط ﴾ خبره.

وجوز الجر بإضمار "رب".

ثم بين أن نصر الله إياهم في صلح الحديبية أو في فتح خيبر لم يكن اتفاقياً بل كان إلهياً سماوياً فقال ﴿ ولو قاتلكم ﴾ إلى آخره.

والسر فيه أن الله كتب وأوجب غلبة حزبه ونصر رسله كما قال ﴿ سنة الله ﴾ إلى آخره.

عن أنس أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على النبي  من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي  وأصحابه، فأخذهم واستحياهم فأنزل الله  ﴿ وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة ﴾ وهو الحديبية لأنها من أرض الحرم.

وقيل: هو التنعيم.

وقيل: إظفاره دخوله بلادهم بغير إذنهم.

وعن عبد الله بن مغفل المزني قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي ذكرها الله في القرآن، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم رسول الله  فأخذ الله  بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم  : هل كنتم في عهد أحد وهل جعل لكم أحد أماناً فقالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم فأنزل الله الآية.

وإنما قدم كف أيدي الكفار عن المؤمنين لأنهم أهم.

وقيل: كف أيديكم بأن أمركم أن لا تحاربوا، وكف أيديهم بإلقاء الرعب أو بالصلح وقيل: إن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة رجل فقال النبي  لخالد بن الوليد: هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل.

فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله ارم بي حيث شئت.

فبعثه على خيل فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد فهزمه حتى أدخله جوف مكة.

فأنزلت الآية.

وسمي خالد يومئذ سيف الله.

وروي أن كفار مكة خرجوا يوم الحديبية يرمون المسلمين فرماهم المسلمون بالحجارة حتى أدخولهم بيوت مكة.

ثم ذم قريشاً بقوله ﴿ هم الذين كفروا وصدّوكم ﴾ يعني يوم الحديبية ﴿ عن المسجد الحرام ﴾ أن تطوفوا به للعمرة ﴿ و ﴾ صدّوا ﴿ الهدى ﴾ أو صدّوكم مع الهدي حال كونه ﴿ معكوفاً ﴾ أي محبوساً ممنوعاً موقوفاً عن ﴿ أن يبلغ محله ﴾ المعهود وهو مِنى وقد مر تفسير الهدي ومحله والبحث عنه في "البقرة".

ثم بين حكمة المصالحة بقوله ﴿ ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ﴾ وقوله ﴿ لم تعلموهم ﴾ سفة الرجال والنساء جميعاً على جهة التغليب.

و ﴿ أن تطؤهم ﴾ بدل الاشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في ﴿ تعلموهم ﴾ والوطء كالدّوس عبارة عن الإيقاع والإهلاك.

وقوله ﴿ فتصيبكم ﴾ جواب النفي أو عطف على ﴿ أن تطؤهم ﴾ والمعرة "مفعلة" ممن العرالعيب كالجرب ونحوه.

وقوله ﴿ بغير علم ﴾ متقدم في النية متعلق بـ ﴿ أن تطؤهم ﴾ والفحوى أنه كان بمكة ناس من المسلمين فقال  : ولولا كراهة أن تهلكوا ناساً من المؤمنين فيما بين المشركين وأنتم غير عالمين بحالهم فتصيبكم بإهلاكهم تبعة في الدين لوجوب الدية والكفارة أو عيب بسوء قالة أهل الشرك، إنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا، أو أثم إذا جرى دينهم منكم بعض التقصير لما كف أيديكم عنهم، والكلام يدل على هذا الجواب وفي حذفه فخامة وذهاب للوهم كل مذهب، ويعلم منه أنه يفعل بهم إذ ذاك ما لا يدخل تحت الوصف.

وجوّزوا أن يكون ﴿ لو تزيلوا ﴾ كالتكرير لقوله ﴿ ولولا رجال ﴾ لرجعهما إلى معنى واحد.

والتنزيل التميز والتفرق ويكون ﴿ لعذبنا ﴾ هو الجواب.

وقوله ﴿ ليدخل ﴾ تعليل لما دلت عليه الآية من كف الأيدي عن قريش صوناً لأهل الإيمان المختلطين بهم كأنه قيل: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله مؤمنيهم في حيز توفيق الخير والطاعة، أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من المشركين.

وحكى القفال أن اللام متصل بالمؤمنين والمؤمنات أي آمنوا لكذا.

وقوله ﴿ إذ جعل ﴾ يجوز أن ينتصب بإضمار "اذكر" أو يكون ظرفاً ﴿ لعذبنا ﴾ أو لـ ﴿ ـصدّوكم ﴾ وفاعل ﴿ جعل ﴾ يجوز أن يكون ﴿ الله ﴾ وقوله ﴿ في قلوبهم ﴾ بيان لمكان الجعل كما مر في قوله { ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل  ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ الذين كفروا ﴾ ومفعولاه الحمية والظرف فيكون جعلهم في قلبهم بإزاء أنزل الله.

والحمية في مقابلة السكينة، والحمية الأنفة والاستكبار الذي كان عليها أهل الجاهلية، ومن ذلك عدم إقرارهم بمحمد  ومنه ما جرى في قصة الحديبية من إبائهم أن يكتب في كتاب العهد "بسم الله الرحمن الرحيم" وأن يكتب "محمد رسول الله" يقال: حميت أنفي حمية كأنها "فعلية" بمعنى "مفعول" من الحماية اسم أقيم مقام المصدر كالسكينة بمعنى السكون فأنزل الله على رسوله السكينة والوقار حتى أعطاهم ما أرادوا.

وكلمة التقوى التسمية والتوحيد والاعتراف برسالة محمد  ، اختارها الله للمؤمنين.

ومعنى الإضافة إنها سبب التقوى وأساسها، أو المراد كلمة أهل التقوى الذين يتقون بها غضب الله.

﴿ وكانوا أحق بها وأهلها ﴾ لأنهم خيار الأمم.

وقيل: أراد وكانوا يعني أهل مكة أحق بهذه الكلمة لتقدّم إنذارهم إلا أن بعضهم سلبوا التوفيق.

وحكى المبرد أن الذين كانوا قبلنا لم يكن لأحد أن يقول "لا إله إلا الله" في اليوم والليلة إلا مرة واحدة لا يستطيع أن يقول أكثر من ذلك.

وكان قائلها يمدّ بها صوته إلى أن ينقطع نفسه تبركاً بذكر الله، وقد جعل الله لهذه الأمة أن يقولوها متى شاؤا وهو قوله ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ أي ندبهم إلى ذكرها ما استطاعوا.

ثم قص رؤيا نبيه  بياناً لإعجازه فإن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.

وقصته أنه رأى في المنام أن ملكاً قال له ﴿ لتدخلن ﴾ إلى قوله ﴿ لا تخافون ﴾ فأخبر أصحابه بها ففرحوا وجزموا بأنهم داخلوها في عامهم، فلما صدّوا عن البيت واستقر الأمر على الصلح قال بعض الضعفة: أليس كان يعدنا النبي  أن نأتي البيت فنطوف به؟

فقال لهم أهل البصيرة: هل أخبركم أنكم تأتونه العام؟

فقالوا: لا.

قال: فإنكم تأتونه وتطوفون بالبيت فأنزل الله تصديقه.

ومعنى ﴿ صدق الله رسوله الرؤيا ﴾ صدقه في رؤياه ولم يكذبه.

وقوله ﴿ بالحق ﴾ إما أن يكون متعلقاً بـ ﴿ صدق ﴾ أي صدقه فيما رأى صدقاً متلبساً بالحق وهو أن يكون ما أراه كما أراه، وإما أن يكون حالاً من الرؤيا أي متلبسة بالحق يعني بالغرض الصحيح وهو الإبتلاء، وتميز المؤمن المخلص من المنافق المرائي.

وجوّز أن يكون ﴿ بالحق ﴾ قسماً لأنه إسم من أسماء الله  ، أو لأن المراد الحق الذي هو نقيض الباطل فتكون اللام في ﴿ لتدخلنّ ﴾ جواب القسم لا للابتداء فيحسن الوقف على ﴿ الرؤيا ﴾ .

والبحث عن الحلق والتقصير وسائر أركان الحج والعمرة وشرائطهما استوفيناها في سورة البقرة فليتذكر.

وفي ورود ﴿ إن شاء الله ﴾ في خبر الله عز وجل أقوال أحدها: أنه حكاية قول الملك كما روينا.

والثاني أن ذلك خارج على عادة القرآن من ذكر المشيئة كقوله ﴿ يغفر لمن يشاء ﴾ ﴿ ويعذب المنافقين إن شاء ﴾ والمعنى إن الله يفعل بالعباد ما هو الصلاح فيكون استثناء تحقيق لا تعليق.

والثالث أنه أراد لتدخلن جميعاً إن شاء ولم يمت أحد أو لم يغب.

والرابع أنه تأديب وإرشاد إلى استعمال الاستثناء في كل موضع لقوله  وقد دخل البقيع " "وأنا إن شاء الله بكم لاحقون" وليس في فروع الموت استثناء.

الخامس أنه راجع إلى حالة الأمن وعدم الخوف.

ثم رتب على الصدق وعلى سوء ظن القوم قوله ﴿ فعلم ما لم تعلموا ﴾ من الحكمة في تأخير الفتح إلى العام القابل ﴿ فجعل من دون ذلك ﴾ الفتح ﴿ فتحاً قريباً ﴾ وهو فتح خيبر.

ثم أكد صدق الرؤيا بل صدق الرسول في كل شيء بقوله ﴿ هو الذي أرسل ﴾ الآية.

وذلك أنه كذب رسوله كان مضلاً ولم يكن إرساله سبباً لظهور دينه وقوة ملته.

وقد مر نظير الآية في سورة التوبة.

ومن استعلاء هذا الدين أنه لا ترى أهل ملة إلا والمسلم غالب عليه إلا أن يشاء الله.

وقد يقال: إن كمال العز والغلبة عند نزول عيسى  فلا يبقى على الأرض كافر ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على أن هذا الدين يعلو ولا يعلى.

ثم أكد الشهادة وأرغم أنف قريش الذين لم يرضوا بهذا التعريف في كتاب العهد فقال ﴿ محمد رسول الله ﴾ فهو مبتدأ وخبر.

وجوز أهل الإعراب أن يكون المبتدأ محذوفاً لتقدم ذكره في قوله ﴿ أرسل رسوله ﴾ أي هو محمد فيكون ﴿ رسول الله ﴾ صفة أو عطف بيان، وجوزوا أن يكون ﴿ محمد ﴾ مبتدأ و ﴿ رسول الله ﴾ صفته أو بياناً.

وقوله ﴿ والذين معه ﴾ وهم الصحابة عطفاً على ﴿ محمد ﴾ وخبر الجميع ﴿ أشداء على الكفار ﴾ جمع شديد كما قال ﴿ واغلظ عليهم  ﴾ ﴿ أعزة على الكافرين  ﴾ عن الحسن: بلغ من تشدّدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم فكيف بأبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه.

والمصافحة جائزة بالاتفاق، وأما المعانقة والتقبيل فقد كرههما أبو حنيفة  وإن كان التقبيل على اليد.

ومن حق المؤمنين أن يراعوا هذه السنة أبداً فيتشدّدوا على مخالفيهم ويرحموا أهل دينهم ﴿ تراهم ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب ﴿ ركعاً سجداً ﴾ راكعين ساجدين ﴿ يبتغون فضلاً من الله ﴾ بالعفو عن تقصيرهم ﴿ ورضواناً ﴾ منه عن أعمالهم الصالحة بأن يتقبلها الله منهم ﴿ سيماهم ﴾ علامتهم ﴿ في وجوههم من أثر السجود ﴾ فيجوز أن تكون العلامة أمراً محسوساً وأن السجود بمعنى حقيقة وضع الجبهة على ألأرض، وكان كل من عليّ بن الحسين زين العابدين  وعليّ بن عبد الله بن عباس أبي الأملاك يقال له ذو الثفنات، لأن كثرة سجودهما أحدثت في مواضع السجود منهما أشباه ثفنات البعير.

والذي جاء في الحديث "لا تعلبوا صوركم" أي لا تخدشوها.

وعن ابن عمر أنه رأى رجلاً أثر في وجهه السجود فقال: إن صورة وجهك أنفك فلا تعلب وجهك ولا تشن صورتك محمول على التعمد رياء وسمعة.

وعن سعيد بن المسيب هي ندى الطهور وتراب الأرض.

ويجوز أن يكون أمراً معنوياً من البهاء والنور.

وعن عطاء: استنارت وجوههم من التهجد كما قيل "من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" وإن الذي يبيت شارباً يتميزعند أراب البصيرة من الذي يبيت مصلياً وفيه قال بعضهم: عيناك قد حكتا مبيـ *** ـتك كيف كنت وكيف كانا ولرب عين قد أرتـ *** ـك مبيت صاحبها عياناً قال المحققون: إن من توجه إلى شمس الدنيا لا بد من أن يقع شعاعها على وجهه، فالذي أقبل على شمس عالم الوجود وهو الله  كيف لا يستنير ظاهره وباطنه ولا سيما يوم تبلى السرائر ويكشف الغطاء ﴿ ذلك مثلهم ﴾ أي ذلك الوصف وصفهم العجيب الشأن في الكتابين: ويجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أوضحت بقوله ﴿ كزرع ﴾ إلى آخره.

كقوله ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع  ﴾ وقد يقال: تم الكلام عند قوله ﴿ ذلك مثلهم في التوراة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ مثلهم في الإنجيل كزرع ﴾ لما روى أنه مكتوب في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر عرفوا إلى بني إسرائيل بهذا الوصف ليعرفوهم إذا أبصروهم.

والشطء بالتسكين والتحريك فراخ الزرع التي تنبت إلى جانب الأصل، ومنه شاطىء النهر.

﴿ فآزره ﴾ من المؤازره المعاونة.

ويجوز أن يكون أفعل من الأزر القوة أي أعان الزرع الشطء أو بالعكس.

﴿ فاستغلظ ﴾ الزرع أو الشطء أي صار من الرقة إلى الغلظ ﴿ فاستوى على سوقه ﴾ فاستقام على قصبته أي تناهى وصار كالأصل بحيث يعجب الزارعين.

والسوق جمع ساق وقد يخص الساق بالشجر فيكون ساق الزرع مجازاً مستعاراً.

ووجه التشبيه أن النبي  خرج وحده ثم أتبعه من ههنا قليل ومن ههنا حتى كثروا وقوي أمرهم.

وقوله ﴿ ليغيظ بهم الكفار ﴾ تعليل لوجه التشبيه أو للتشبيه أي ضرب الله ذلك المثل وقضى وحكم بذلك ليغيظ بمحمد  وأصحابه كفار مكة والعجم.

وقيل: هذا الزرع يغيظ بكثرته الكفار أي سائر الزرّاع الذين ليس لهم مثل زرعهم وفيه بعد، ولكن الكلام لا يخلو عن فصاحة لفظية من قبل المناسبة بين الزراع والكفار لاشتراكهما بالجملة في معنى من المعاني وإن لم يكن مقصوداً ههنا.

وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله ﴿ والذين معه ﴾ أبو بكر ﴿ أشداء على الكفار ﴾ عمر ﴿ رحماء بينهم ﴾ عثمان ﴿ نراهم ركعاً سجداً ﴾ علي  ﴿ يبتغون فضلاً من الله ورضواناً ﴾ طلحة والزبير ﴿ سيماهم في وجوههم ﴾ سعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة ابن الجراح.

وعن عكرمة: أخرج شطأة بأبي بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعليّ.

وقوله ﴿ منهم ﴾ لبيان الجنس.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ ليغيظ ﴾ تعليلاً للوعد لان الكفار إذا سمعوا بما أعدّ لهم في الآخرة مع ما حصل لهم في الدنيا من الغلبة والاستعلاء غاظهم ذلك والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ﴾ قوله: ﴿ شَٰهِداً ﴾ لله ما لله -  - على عباده، [و]ما لبعضهم على بعض؛ فعلى هذا التأويل يكون قوله: ﴿ شَٰهِداً ﴾ أي: مبيناً؛ أي لتبين ما لله عليهم، وما لبعضهم على بعض؛ وهو قول أبي بكر الأصم.

وقال بعضهم: أي: شاهداً للرسل - عليهم السلام - بالتبليغ بالإجابة لمن أجابهم، وشاهداً على من أبى الإجابة بالإباء والرد، فعلى هذا التأويل يكون قوله: ﴿ شَٰهِداً ﴾ على حقيقة الشهادة؛ على ما ذكرنا، والله أعلم.

وقال بعضهم: أي: أرسلناك شاهداً على أمتك وعلى الأنبياء - عليهم السلام - بالتبليغ ومن ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ﴾ : البشارة: هي تذكر عواقب الخيرات والحسنات، والإخبار عن أحوالها: أنها إلى ماذا يفضي أربابها وعما لهم؛ ليرغبهم فيها.

والنذارة: هي تذكر عواقب الشرور والسيئات، والإخبار عن أحوالها أنها إلى ماذا يفضي أربابها ومرتكبيها؛ ليزجرهم عنها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ خاطب بهذا البشر كلهم وفي الأول خاطب رسول الله  ، كأنه يقول على الجمع بينهما في الخطاب: أرسلناك رسولا شاهداً؛ لتؤمنوا أنتم بالله ورسوله.

ويحتمل أن يكون على الإضمار؛ أي: إنا أرسلناك مبشراً ونذيرا، وقل لهم: إنما أرسلت لتؤمنوا بالله ورسوله، وهو كقوله -  -: ﴿ يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ  ﴾ ، معناه: يأيها النبي، قل لهم: إذا طلقتم النساء، فطلقوهن لعدتهن، فعلى ذلك جائز ما ذكرنا، والله أعلم.

وقرئ بالياء، وهي ظاهرة.

ثم الإيمان بالله -  - هو أن يشهد له بالوحدانية والألوهية، وأن له الخلق والأمر في كل شيء وكل أمر.

والإيمان برسوله: هو أن يشهد له بالصدق في كل أمر، وبالعدالة له فيما يحكم ويقضي، ويصدقه في كل ما يقوله، ويجيبه في كل ما يدعو إليه، ويطيعه في كل أمر يأمر به، وينهى عنه؛ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: أي: تنصروه وتعينوه.

وقال بعضهم: أي: تطيعوه.

وقال بعضهم: أي: تعظموه.

فمن يقول: إن قوله: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ ﴾ ليس على النصر والإعانة، ولكن على التعظيم، أو على الطاعة - استدل بما قال في آية أخرى: ﴿ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ  ﴾ ذكر التعزير وعطف النصر عليه؛ والمعطوف غير المعطوف عليه، فدل أنه غير النصر، ولكن جائز أن يذكر الشيء الواحد بلفظين مختلفين ومعناهما واحد على التأكيد، وكذلك من يقول بالتعظيم يقول: أمرهم بتعظيمه في الحرفين؛ أعني: قوله: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ وذلك جائز في الكلام.

ويحتمل أن يكون التعزير هو الطاعة له، والتوقير هو التعظيم، وفي الطاعة له تعظيمه، والله أعلم.

ومن قال بالنصر والمعونة في التبليغ تبليغ الرسالة إلى الخلق، والدفع عنه، والذب، والتعظيم له في قلبه وجميع جوارحه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ والتسبيح، أجمع أهل التأويل أن قوله -  -: ﴿ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً ﴾ راجع إلى الله -  - وكذلك ذكر في بعض القراءة ﴿ ويسبحون الله بكرة وأصيلا ﴾ ، والتسبيح هو التنزيه في الأفعال والأقوال، فجائز نسبة ذلك إلى رسول الله  ؛ لأنه كان برئيا من العيوب في أفعاله وأقواله لا يدخل في أفعاله وأقواله عيب، وإن كان هو تنزيهاً عن الحدثية، والفناء، وآفات كل في نفسه، فذلك لا يجوز إضافته ونسبته [إلا] إلى الله - عز وجل - فأما غيره لا يجوز إضافة ذلك إليه.

وأصله ما ذكر أهل التأويل من صرفه إلى الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ صرف أهل التأويل البكرة إلى صلاة الفجر، والأصيل إلى صلاة المغرب والعشاء، ولكن جائز أن تكون البكرة كناية عن النهار، والأصيل كناية وعبارة عن الليل، فكأنه يقول: سبحوه بالليل والنهار جملة في كل وقت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ ﴾ أجمع أهل التأويل أو عامتهم على أن المبايعة المذكورة في هذه الآية هي البيعة التي كانت بالحديبية، بايعوه على ألا يفروا إذا لقوا عدوا.

قال معقل بن يسار: "لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي  يبايع الناس، وأنا رافع غصناً من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة؛ أي: ألف وأربعمائة نفر، وقال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على ألا نفر".

وجائز أن تكون المبايعة على ألا يفروا كما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ  ﴾ والمبايعة هي المعاهدة؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ ﴾ ذكر في أول الآية المبايعة، وفي آخرها المعاهدة؛ ليعلم أن المبايعة والمعاهدة سواء، والله أعلم.

ثم إضافة مبايعتهم رسوله إلى نفسه يحتمل وجهين: أحدهما: لما بأمره يبايعونه.

أو ذكر ونسب إلى نفسه؛ لعظيم قدره، وجليل منزلته عنده، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ قال بعضهم: يد الله في جزاء المبايعة فوق أيديهم في المبايعة؛ أو كلام نحوه.

وجائز أن يكون قوله ﴿ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: يد الله في الجزاء إذا وفوا بالعهد فوق أيديهم عند رسول الله  ؛ لأنه لما بايعوا رسول الله  كانت لهم عنده يد، فيخبر أن جزاء الله الذي يجزيهم بوفاء تلك المبايعة فوق أيديهم التي عند رسول الله  .

ويحتمل أن يكون ما ذكر من يد الله وإضافتها إليه يريد بها رسول الله  كأنه يقول: يد رسول الله  عندكم فيما بايعكم فوق أيديكم عنده؛ لما يحتمل أن يقع عندهم أن يكون لهم يد عند رسول الله  بما بايعوه؛ كقوله -  -: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ...

﴾ الآية [الحجرات: 17]؛ فيخبر أن يد رسول الله  فوق أيديكم عنده بالمبايعة التي بايعتم، والله أعلم.

ويحتمل: أي: يد رسول الله  بالمد والبسط بالمبايعة فوق أيديهم، والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: توفيق الله -  - إياكم ومعونته على مبايعتكم رسوله فوق وخير من وفائكم ببيعته وعهده، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: يد الله في النصر لرسوله فوق أيديهم؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ  ﴾ حقيقة النصر إنما يكون بالله  ؛ ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ﴾ أي: من نكث فعليه ضرر نكثه، وإليه يرجع ذلك الضرر لا إلى رسول الله  وأصحابه - رضوان الله عليهم أجمعين - لأن الله - جل وعلا - وعد النصر له والظفر بأولئك، فمن نكث فإنما يرجع ضرر نكثه إليه؛ إذ الله يفي لرسوله  ما وعد الله من النصر له، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

رجاء أن تؤمنوا بالله، وتؤمنوا برسوله، وتعظِّموا رسوله وتُجِلّوه، وتسبِّحوا الله أول النهار وآخره.

من فوائد الآيات صلح الحديبية بداية فتح عظيم على الإسلام والمسلمين.

السكينة أثر من آثار الإيمان تبعث على الطمأنينة والثبات.

خطر ظن السوء بالله، فإن الله يعامل الناس حسب ظنهم به سبحانه.

وجوب تعظيم وتوقير رسول الله  .

<div class="verse-tafsir" id="91.KWKq1"

مزيد من التفاسير لسورة الفتح

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله وبحمده