الآية ١١٠ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١١٠ من سورة المائدة

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِى ۖ وَتُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ١١٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 143 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٠ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٠ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يذكر تعالى ما امتن به على عبده ورسوله عيسى ابن مريم - عليه السلام - مما أجراه على يديه من المعجزات وخوارق العادات ، فقال تعالى : ( إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك ) أي : في خلقي إياك من أم بلا ذكر ، وجعلي إياك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتي على الأشياء ( وعلى والدتك ) حيث جعلتك لها برهانا على براءتها مما نسبه الظالمون الجاهلون إليها من الفاحشة ( إذ أيدتك بروح القدس ) وهو جبريل ، - عليه السلام - ، وجعلتك نبيا داعيا إلى الله في صغرك وكبرك ، فأنطقتك في المهد صغيرا ، فشهدت ببراءة أمك من كل عيب ، واعترفت لي بالعبودية ، وأخبرت عن رسالتي إياك ودعوتك إلى عبادتي ; ولهذا قال تعالى : ( تكلم الناس في المهد وكهلا ) أي : تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك .

وضمن " تكلم " تدعو ; لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب .

وقوله : ( وإذ علمتك الكتاب والحكمة ) أي : الخط والفهم ) والتوراة ) وهي المنزلة على موسى بن عمران الكليم ، وقد يرد لفظ التوراة في الحديث ويراد به ما هو أعم من ذلك .

وقوله : ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني ) أي : تصوره وتشكله على هيئة الطائر بإذني لك في ذلك فيكون طائرا بإذني ، أي : فتنفخ في تلك الصورة التي شكلتها بإذني لك في ذلك ، فتكون طيرا ذا روح بإذن الله وخلقه .

وقوله : ( وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني ) قد تقدم الكلام على ذلك في سورة آل عمران بما أغنى عن إعادته .

وقوله : ( وإذ تخرج الموتى بإذني ) أي : تدعوهم فيقومون من قبورهم بإذن الله وقدرته ، وإرادته ومشيئته .

وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا مالك بن إسماعيل ، حدثنا محمد بن طلحة - يعني ابن مصرف - عن أبي بشر ، عن أبي الهذيل قال : كان عيسى ابن مريم ، - عليه السلام - ، إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين ، يقرأ في الأولى : ( تبارك الذي بيده الملك ) [ سورة الملك ] ، وفي الثانية : ( الم .

تنزيل الكتاب ) [ سورة السجدة ] .

فإذا فرغ منهما مدح الله وأثنى عليه ، ثم دعا بسبعة أسماء : يا قديم ، يا خفي ، يا دائم ، يا فرد ، يا وتر ، يا أحد ، يا صمد - وكان إذا أصابته شدة دعا بسبعة أخر : يا حي ، يا قيوم ، يا الله ، يا رحمن ، يا ذا الجلال والإكرام ، يا نور السموات والأرض ، وما بينهما ورب العرش العظيم ، يا رب .

وهذا أثر عجيب جدا .

وقوله : ( وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ) أي : واذكر نعمتي عليك في كفي إياهم عنك حين جئتهم بالبراهين والحجج القاطعة على نبوتك ورسالتك من الله إليهم ، فكذبوك واتهموك بأنك ساحر ، وسعوا في قتلك وصلبك ، فنجيتك منهم ، ورفعتك إلي ، وطهرتك من دنسهم ، وكفيتك شرهم .

وهذا يدل على أن هذا الامتنان كان من الله إليه بعد رفعه إلى السماء الدنيا ، أو يكون هذا الامتنان واقعا يوم القيامة ، وعبر عنه بصيغة الماضي دلالة على وقوعه لا محالة .

وهذا من أسرار الغيوب التي أطلع الله عليها رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لعباده: احذروا يومَ يجمع الله الرسلَ فيقول لهم: ماذا أجابتكم أممكم في الدنيا =" إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس ".

* * * ف " إذْ" من صلة أُجِبْتُمْ , كأنّ معناها: ماذا أجابت عيسى الأمم التي أرسل إليها عيسى.

* * * فإن قال قائل: وكيف سئلت الرسل عن إجابة الأمم إيَّاها في عهد عيسى, ولم يكن في عهد عيسى من الرُّسل إلا أقلُّ ذلك؟

(6) قيل: جائزٌ أن يكون الله تعالى ذكره عنى بقوله: فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ، الرسلَ الذين كانوا أرسلوا في عهد عيسى، فخرَج الخبر مخرج الجميع, والمراد منهم من كان في عهد عيسى, كما قال تعالى ذكره: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [سورة آل عمران : 173] ، والمراد واحدٌ من الناس, وإن كان مخرج الكلام على جميع الناس.

(7) قال أبو جعفر: ومعنى الكلام: " إذ قال الله " ، حين قال =" يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس " ، يقول: يا عيسى اذكر أياديّ عندك وعند والدتك, (8) إذ قوّيتك برُوح القُدس و أعنتُك به.

(9) * * * وقد اختلف أهل العربية في" أيدتك "، ما هو من الفعل.

فقال بعضهم: هو " فعّلتك ", [" من الأيد "]، كما قولك: " قوّيتك "" فعّلت " من " القوّة ".

(10) * * * وقال آخرون: بل هو " فاعلتك " من " الأيد ".

وروي عن مجاهد أنه قرأ: (إذْ آيَدْتُك)، بمعنى " أفعلتك "، من القوّة والأيد.

(11) .

* * * وقوله: " بروح القدس " ، يعني: بجبريل.

يقول: إذ أعنتك بجبريل.

* * * وقد بينت معنى ذلك، وما معنى " القدس "، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(12) * * * القول في تأويل قوله : تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخبرًا عن قِيله، لعيسى: اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ، في حال تكليمك الناسَ في المهدِ وكهلا.

* * * وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره: أنه أيده بروح القدس صغيرًا في المهد، &; 11-215 &; وكهلا كبيرًا = فردّ" الكهل " على قوله " في المهد "، لأن معنى ذلك: صغيرًا, كما قال الله تعالى ذكره: دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا ، [سورة يونس: 12] .

* * * وقوله: " وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل " ، يقول: واذكر أيضًا نعمتي عليك " إذ علمتك الكتاب "، وهو الخطّ =" والحكمة "، وهي الفهم بمعاني الكتاب الذي أنـزلته إليك، وهو الإنجيل =" وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير "، يقول: كصورة الطير......

(13) =" بإذني" ، يعني بقوله " تخلق " تعمل وتصلح -" من الطين كهيئة الطير بإذني"، يقول: بعوني على ذلك، وعلمٍ منّي به =" فتنفخ فيها " ، يقول: فتنفخ في الهيئة, قتكون الهيئة والصورة طيرًا بإذني =" وتبرئ الأكمه " ، يقول: وتشفي" الأكمهَ"، وهو الأعمى الذي لا يبصر شيئًا، المطموس البصر=" والأبرص بإذني".

* * * وقد بينت معاني هذه الحروف فيما مضى من كتابنا هذا مفسرًا بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(14) * * * وقوله " وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات " ، يقول: واذكر أيضًا نعمتي عليك بكفِّي عنك بني إسرائيل إذ كففتهم عنك، (15) وقد هموا بقتلك =" إذ جئتهم بالبينات " ، يقول: إذ جئتهم بالأدِلة والأعلام المعجزة على نبوّتك، (16) وحقيقة ما أرسلتك به إليهم.

(17) =" فقال الذين كفروا منهم "، يقول تعالى ذكره: فقال الذين جحدُوا نبوَّتك وكذبوك من بني إسرائيل=" إن هذا إلا سحر مبين ".

* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته قرأة أهل المدينة وبعض أهل البصرة: إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ يعني: يبين عمَّا أتى به لمن رأه ونظر إليه، أنه سحر لا حقيقةَ له.

* * * وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة: ( إن هذا إلا ساحر مبين ) ، بمعنى: " ما هذا ", يعني به عيسى," إلا ساحر مبين ", يقول: يبين بأفعاله وما يأتي به من هذه الأمور العجيبة عن نفسه، أنه ساحرٌ لا نبيٌّ صادق.

(18) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أنَّهما قراءتان معروفتان صحيحتَا المعنى، متفقتان غير مختلفتين.

وذلك أن كل من كان موصوفًا بفعل " السحر "، فهو موصوف بأنه " ساحر ".

ومن كان موصوفًا بأنه " ساحر "، فأنه موصوف بفعل " السحر ".

فالفعل دالٌ على فاعله، والصفة تدلُّ على موصوفها, والموصوف يدل على صفته، والفاعلُ يدلُّ على فعله.

فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ في قراءته.

-------------- الهوامش : (6) في المطبوعة: "إلا أقل من ذلك" ، زاد"من" ، فأفسد الكلام ، والصواب ما في المخطوطة.

(7) انظر ما سلف: 405 413.

(8) انظر تفسير"النعمة" فيما سلف من فهارس اللغة (نعم).

(9) انظر تفسير"أيد" فيما سلف 2: 319/5: 379/6: 242.

(10) الزيادة بين القوسين ، لا بد منها.

وفي المطبوعة: "كما في قوله" بزيادة"في" ، والصواب ما في المخطوطة بحذفها.

(11) انظر معاني القرآن للفراء 1: 325.

وهذا الذي ذكره هنا في"أيدتك" تفصيل أغفله في بيانه السالف في: 2: 319 ، وهذا من ضروب اختصاره في التفسير ، وهو دال أيضًا على طريقته في تأليف هذا التفسير.

(12) انظر تفسير"روح القدس" فيما سلف 2: 320 ، 321/5: 379.

(13) مكان هذا النقط بياض في المخطوطة ، وفي هامشها حرف (ط) ، دلالة على موضع خطأ.

فأثبتها كذلك.

وإن كنت أرجح أن سياق أبي جعفر يقتضي أن تكون عبارته هكذا: {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ، يعني بقوله: "تخلق" ، تعمل وتصلح"من الطين كهيئة الطير" ، يقول: كصورة الطير: "بإذني" ، يقول: بعوني على ذلك .

.

.

ومع ذلك ، فقد تركت ما في المخطوطة على ما هو عليه.

(14) انظر تفسير"المهد" فيما سلف 6: 417 = وتفسير"الكهل" 6: 417 ، 418 = وتفسير"الكتاب" ، و"الحكمة" فيما سلف من فهارس اللغة (كتب) و (حكم) = وأما تفسير"خلق" و"هيأة" بهذا المعنى ، فلم يذكره فيما سلف ، وإن كان ذلك مضى في 6: 424 وتفسير"أبرأ" 6: 428 = وتفسير"الأكمه" 6: 428 - 430 = وأما "الأبرص" فلم يفسره = وتفسير"الإذن" فيما سلف 10: 145 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

(15) انظر تفسير"الكف" فيما سلف 8: 548 ، 579/ 9: 29/10: 101 (16) انظر تفسير"البينات" فيما سلف من فهارس اللغة (بين).

(17) في المطبوعة: "وحقية ما أرسلتك" ، غيرها كما فعل مرارًا كثيرة فيما سلف ، والصواب ما في المخطوطة ، وانظر ما سلف 10: 242 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(18) انظر تفسير"مبين" فيما سلف من فهارس اللغة (بين).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إذ قال الله ياعيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبينقوله تعالى : إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك هذا من صفة يوم [ ص: 279 ] القيامة كأنه قال : اذكر يوم يجمع الله الرسل وإذ يقول الله لعيسى كذا ; قاله المهدوي .

و ( عيسى ) يجوز أن يكون في موضع رفع على أن يكون ابن مريم نداء ثانيا ، ويجوز أن يكون في موضع نصب ; لأنه نداء منصوب كما قال :يا حكم بن المنذر بن الجارودولا يجوز الرفع في الثاني إذا كان مضافا إلا عند الطوال .قوله تعالى : اذكر نعمتي عليك إنما ذكر الله تعالى عيسى نعمته عليه وعلى والدته وإن كان لهما ذاكرا لأمرين : أحدهما : ليتلو على الأمم ما خصهما به من الكرامة ، وميزهما به من علو المنزلة .

الثاني : ليؤكد به حجته ، ويرد به جاحده .

ثم أخذ في تعديد نعمه فقال : إذ أيدتك يعني قويتك ; مأخوذ من الأيد وهو القوة ، وقد تقدم .

وفي روح القدس وجهان : أحدهما : أنها الروح الطاهرة التي خصه الله بها كما تقدم في قوله وروح منه .

الثاني : أنه جبريل عليه السلام وهو الأصح ، كما تقدم في " البقرة " .

تكلم الناس يعني وتكلم الناس في المهد صبيا ، وفي الكهولة نبيا ، وقد تقدم ما في هذا في ( آل عمران ) فلا معنى لإعادته .

كففت معناه دفعت وصرفت بني إسرائيل عنك حين هموا بقتلك إذ جئتهم بالبينات أي الدلالات والمعجزات ، وهي المذكورة في الآية .

فقال الذين كفروا يعني الذين لم يؤمنوا بك وجحدوا نبوتك .

إن هذا أي المعجزات إلا سحر مبين وقرأ حمزة والكسائي " ساحر " أي : إن هذا الرجل إلا ساحر قوي على السحر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ } أي: اذكرها بقلبك ولسانك، وقم بواجبها شكرا لربك، حيث أنعم عليك نعما ما أنعم بها على غيرك.

{ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ } أي: إذ قويتك بالروح والوحي، الذي طهرك وزكاك، وصار لك قوة على القيام بأمر الله والدعوة إلى سبيله.

وقيل: إن المراد "بروح القدس" جبريل عليه السلام، وأن الله أعانه به وبملازمته له، وتثبيته في المواطن المشقة.

{ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا } المراد بالتكليم هنا، غير التكليم المعهود الذي هو مجرد الكلام، وإنما المراد بذلك التكليم الذي ينتفع به المتكلم والمخاطب، وهو الدعوة إلى الله.

ولعيسى عليه السلام من ذلك، ما لإخوانه من أولي العزم من المرسلين، من التكليم في حال الكهولة، بالرسالة والدعوة إلى الخير، والنهي عن الشر، وامتاز عنهم بأنه كلم الناس في المهد، فقال: { إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا } الآية.

{ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } فالكتاب يشمل الكتب السابقة، وخصوصا التوراة، فإنه من أعلم أنبياء بني إسرائيل -بعد موسى- بها.

ويشمل الإنجيل الذي أنزله الله عليه.

والحكمة هي: معرفة أسرار الشرع وفوائده وحكمه، وحسن الدعوة والتعليم، ومراعاة ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي.

{ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ } أي: طيرا مصورا لا روح فيه.

فتنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وتبرئ الأكمه الذي لا بصر له ولا عين.

{ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي } فهذه آيات بيِّنَات، ومعجزات باهرات، يعجز عنها الأطباء وغيرهم، أيد الله بها عيسى وقوى بها دعوته.

{ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ } لما جاءهم الحق مؤيدا بالبينات الموجبة للإيمان به.

{ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ } وهموا بعيسى أن يقتلوه، وسعوا في ذلك، فكفَّ الله أيديهم عنه، وحفظه منهم وعصمه.

فهذه مِنَنٌ امتَنَّ الله بها على عبده ورسوله عيسى ابن مريم، ودعاه إلى شكرها والقيام بها، فقام بها عليه السلام أتم القيام، وصبر كما صبر إخوانه من أولي العزم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك ) قال الحسن : ذكر النعمة شكرها ، وأراد بقوله ( نعمتي ) أي : نعمي ، [ قال الحسن ] لفظه واحد ومعناه جمع ، كقوله تعالى : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) ، ( وعلى والدتك ) مريم ثم ذكر النعم فقال : ( إذ أيدتك ) قويتك ، ( بروح القدس ) يعني جبريل عليه السلام ، ( تكلم الناس ) يعني : وتكلم الناس ، ( في المهد ) صبيا ، ( وكهلا ) نبيا قال ابن عباس : أرسله وهو ابن ثلاثين سنة ، فمكث في رسالته ثلاثين شهرا ثم رفعه الله إليه ، ( وإذ علمتك الكتاب ) يعني الخط ، ( والحكمة ) يعني العلم والفهم ، ( والتوراة والإنجيل وإذ تخلق ) تجعل وتصور ، ( من الطين كهيئة الطير ) كصورة الطير ، ( بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا ) حيا يطير ، ( بإذني وتبرئ ) وتصحح ، ( الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى ) من قبورهم أحياء ، ( بإذني وإذ كففت ) منعت وصرفت ، ( بني إسرائيل ) يعني اليهود ، ( عنك ) حين هموا بقتلك ، ( إذ جئتهم بالبينات ) يعني : الدلالات والمعجزات ، وهي التي ذكرنا .

( فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ) يعني : ما جاءهم به من البينات ، قرأ حمزة والكسائي " ساحر مبين " هاهنا وفي سورة هود والصف ، فيكون راجعا إلى عيسى عليه السلام ، وفي هود يكون راجعا إلى محمد صلى الله عليه وسلم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

اذكر «إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك» بشكرها «إذ أيَّدتك» قويتك «بروح القدس» جبريل «تكلِّم الناس» حال من الكاف في أيدتك «في المهد» أي طفلا «وكهلا» يفيد نزوله قبل الساعة لأنه رفع قبل الكهولة كما سبق آل عمران «وإذ علَّمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة» كصورة «الطير» والكافُ اسم بمعنى مثل مفعول «بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني» بإرادتي «وتُبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموت» من قبورهم أحياء «بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك» حين هموا بقتلك «إذ جئتهم بالبيانات» المعجزات «فقال الذين كفروا منهم إن» ما «هذا» الذي جئت به «إلا سحر مبين» وفي قراءة ساحر أي عيسى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إذ قال الله يوم القيامة: يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك إذ خلقتك من غير أب، وعلى والدتك حيث اصطفيتها على نساء العالمين، وبرأتها مما نُسِب إليها، ومن هذه النعم على عيسى أنه قوَّاه وأعانه بجبريل عليه السلام، يكلم الناس وهو رضيع، ويدعوهم إلى الله وهو كبير بما أوحاه الله إليه من التوحيد، ومنها أن الله تعالى علَّمه الكتابة والخط بدون معلم، ووهبه قوة الفهم والإدراك، وعَلَّمه التوراة التي أنزلها على موسى عليه السلام، والإنجيل الذي أنزل عليه هداية للناس، ومن هذه النعم أنه يصوِّر من الطين كهيئة الطير فينفخ في تلك الهيئة، فتكون طيرًا بإذن الله، ومنها أنه يشفي الذي وُلِد أعمى فيبصر، ويشفي الأبرص، فيعود جلده سليمًا بإذن الله، ومنها أنه يدعو الله أن يحييَ الموتى فيقومون من قبورهم أحياء، وذلك كله بإرادة الله تعالى وإذنه، وهي معجزات باهرة تؤيد نبوة عيسى عليه السلام، ثم يذكِّره الله جل وعلا نعمته عليه إذ منع بني إسرائيل حين همُّوا بقتله، وقد جاءهم بالمعجزات الواضحة الدالة على نبوته، فقال الذين كفروا منهم: إنَّ ما جاء به عيسى من البينات سحر ظاهر.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكر - سبحانه - بعض النعم التي أنعم بها على عيسى وأمه فقال : ( إِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ اذكر نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعلى وَالِدَتِكَ ) .وقوله : ( إِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ ) بدل من قوله : ( يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل ) وقد نصب بإضمار اذكر .والمعنى : اذكر أيها المخاطب لتعتبر وتتعظ يوم يجمع الله الرسل فيقول لهم ماذا أجبتم؟

واذكر - أيضاً - زيادة في العبرة والعظة قوله - سبحانه - ( ياعيسى ابن مَرْيَمَ ) تذكر يا عيسى نعمتي المتعددة عليك وعلى والدتك - وعبر بالماضي في قوله : ( إذ قال الله ) مع أن هذا القول سيكون في الآخرة ، للدلالة على تحقيق الوقوع ، وأن هذا القول سيحصل بلا أدنى ريب يوم القيامة .قال أبو السعود : قوله - تعالى : ( إِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ ) شروع في بيان ما جرى بينه - تعالى - وبين واحد من الرسل المجموعين ، من المفاوضة على التفصيل ، إثر بيان ما جرى بينه - تعالى - وبين الكل على وجه الإِجمال ليكون ذلك كالأنموذج لتفاصيل أحوال الباقين ، وتخصيصي شأن عيسى بالبيان ، لما أن شأنه - عليه السلام - متعلق بكلا الفريقين من أهل الكتاب الذين نعت عليهم هذه السورة جناياتهم .

فتفصيل شأنه يكون أعظم عليهم ، وأجلب لحسراتهم ، وأدخل في صرفهم عن غيهم وعنادهم .والمراد بالنعمة في قوله ( اذكر نِعْمَتِي ) النعم المتعددة التي أنعم بها - سبحانه - على عيسى وعلى والدته مريم حيث طهرها من كل ريبة ، واصطفاها على نساء العالمين .وفي ندائه - سبحانه - لعيسى بقوله ( ياعيسى ابن مَرْيَمَ ) إشارة إلى أنه ابن لها وليس ابنا لأحد سواها ، فقد ولد من غير أب ، ومن كان شأنه كذلك لا يصلح أن يكون إلها ، لأن الإِله الحق لا يمكن أن يكون مولودا أو محدثا .وقوله : ( إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ القدس تُكَلِّمُ الناس فِي المهد وَكَهْلاً ) تعديد للنعم التي أنعم الله - تعالى - بها على عيسى .وقوله ( أيدتك ) أي قويتك من التأييد بمعنى التقوية .والمراد بروح القدس : جبريل - عليه السلام - فإن من وظيفته أن يؤيد الله به رسله بالتعليم الإلهي ، وبالتثبيت في المواطن التي من شأن البشر أن يضعفوا فيها .وقيل : المراد ( بِرُوحِ القدس ) روح عيسى حيث أيده - سبحانه - بطبيعة روحانية مطهرة في وقت سادت فيه المادية وسيطرت .أي : أيدتك بروح الطهارة والنزاهة والكمال ، فكنت متسما بهذه الروح الطاهرة من كل سوء .والمهد : سن الطفولة والصبا - والكهولة : السن التي يكون في أعقاب سن الشباب .والمعنى : اذكر يا عيسى نعمتي عليك وعلى والدتك ، وقد أن قويتك بروح القدس الذي تقوم به حجتك ، ووقت أن جعلتك تكلم الناس في طفولتك بكلام حكيم لا يختلف عن كلامك معهم في حال كهولتك واكتمال رجولتك .وقوله : ( إِذْ أَيَّدتُّكَ ) ظرف لنعمتي .

أي : اذكر إنعامي عليكما وقت تأييدي لك .

وذكر - سبحانه - كلامه في حال الكهولة - مع أن الكلام في هذه الحالة معهود في الناس - للإِيذان بأن كلامه دون أن يكون هناك فرق بين حالة الضعف وحالة القوة .

قال الرازي : وهذه خاصية شريفة كانت حاصلة له ، وما حصلت لأحد من الأنبياء قبله ولا بعده .وقال ابن كثير : قوله ( اذكر نِعْمَتِي عَلَيْكَ ) أي في خلقي إياك من أم بلا ذكر ، وجعلي إياك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتي ( وعلى وَالِدَتِكَ ) حيث جعلتك لها برهانا على براءته مما نسبة الظالمون والجاهلون إليها من الفاحشة و ( إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ القدس ) وهو جبريل ، وجعلتك نبيا داعيا إلى الله في صغرك وكبرك .

فأنطقتك في المهد صغيراً : فشهدت ببراءة أمك من كل عيب .

واعترفت لي بالعبودية .

وأخبرت عن رسالتي إياك ودعوتك إلى عبادتي ولهذا قال : ( تُكَلِّمُ الناس فِي المهد وَكَهْلاً ) أي : تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك .

وضمّن ( تكلم ) معنى تدعو ، لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب .وقوله : ( وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ) بيان لنعمة أخرى من النعم التي أنعم بها - سبحانه - على عيسى .والمراد بالكتاب : الكتابة .

أي أن عيسى - عليه السلام - لم يكن أميا بل كان قارئا وكاتبا وقيل المراد به ما سبقته من كتب النبيين كزبور وداود ، وصحف إبراهيم ، وأخبار الأنبياء الذين جاءوا من قبله .والمراد بالحكمة : الفهم العميق للعلوم مع العمل بما فهمه وإرشاد الغير إليه .أي : واذكر وقت أن علمتك الكتابة حتى تستطيع أن تتحدى من يعرفونها من قومك .

ووقت أن علمتك ( الحكمة ) بحيث تفهم أسرار العلوم فهما سليما تفوق به غيرك ، كما علمتك أحكام الكتاب الذي أنزلته على أخيكح موسى وهو التوراة وأحكام الكتاب الذي أنزلته عليك وهو الإنجيل .ثم ذكر - سبحانه - بعض معجزات عيسى ، بعد أن بين بعض ما منحه من علم ومعرفة ، فقال : ( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير بِإِذْنِي ) أي : واذكر وقت أن وفقتك لأن تخلق أي تصور من الطين صورة مماثلة لهيئة الطوير ( فتنفخ فيها ) أي في تلك الهية المصورة ( فتكون ) أي فتصير تلك الهيئة المصورة ( طَيْراً بِإِذْنِي ) أي : تصير كذلك بقدرتي وإرادتي وأمري .ثم قال - تعالى : ( وَتُبْرِىءُ الأكمه ) وهو الذي يولد أعمى؛ وتبرئ كذلك ( والأبرص ) وهو المريض بهذا المرض العضال ( بِإِذْنِي ) .وقوله : ( وتبرئ ) معطوف على ( تخلق ) .وقوله : ( وَإِذْ تُخْرِجُ الموتى بِإِذْنِيِ ) معطوف على قوله : ( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين ) .أي : واذكر وقت أن جعلت من معجزاتك أن تخرج الموتى من القبور أحياء ينطقون ويتحركون .

وكل ذلك بإذني ومشيئتي وإرادتي .وقد ذكر المفسرون أن إبراء عيسى للأكمة والأبرص وإحياءه للموتى كان عن طريق الدعاء ، وكان دعاؤه يا حي يا قيوم ، وذكروا من بني من أحياهم سام بن نوح .وبعد أن ذكر - سبحانه - بعض المعجزات التي أعطاها لعيسى لكي ينفع بها الناس ، أتبعها بذكر ما دفعه عنه من مضار فقالك ( وَإِذْ كَفَفْتُ بني إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بالبينات ) .أي : واذكر ينعمتي عليك وقت أن صرفت عنك اليهود الذين أرادوا السوء ، وسعوا في قتلك وصلبك مع أنك قد بشرتهم وأنذرتهم وجئتهم بالمعجزات الواضحات التي تشهد بصدقك في نبوتك .وقوله ( فَقَالَ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ) تذييل قصد به ذمم وتسجيل الحقد والجحود عليهم .أي : لقد أعطيناك يا عيسى ما أعطيناك من النعم والمعجزات لتكون دليلا ناطقا بصدقك ، وشاهداً يحمل الناس على الإِيمان بنبوتك ، ولكن الكافرين من بني إسرائيل الذين أرسلت إليهم لم يصدقوا ما جئتهم به من معجزات واضحات ، بل سارعوا إلى كذيبك قائلين : ما هذا الذي جئتنا به يا عيسى إلا سحر ظاهر ، وتخبيل بين .وهكذا نرى أن الكافرين من بني إسرائيل ، لم تزدهم البينات التي جاء بها عيسى إلا جحوداً وعناداً .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ اذكر نِعْمَتِى عَلَيْكَ وعلى والدتك ﴾ في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنا بينا أن الغرض من قوله تعالى للرسل ﴿ مَاذَا أَجَبْتُمُ  ﴾ توبيخ من تمرد من أممهم، وأشد الأمم افتقاراً إلى التوبيخ والملامة النصارى الذين يزعمون أنهم أتباع عيسى عليه السلام؛ لأن طعن سائر الأمم كان مقصوراً على الأنبياء وطعن هؤلاء الملاعين تعدى إلى جلال الله وكبريائه، حيث وصفوه بما لا يليق بعاقل أن يصف الإله به، وهو اتخاذ الزوجة والولد، فلا جرَم ذكر الله تعالى أنه يعدد أنواع نعمه على عيسى بحضرة الرسل واحدة فواحدة، والمقصود منه توبيخ النصارى وتقريعهم على سوء مقالتهم فإن كل واحدة من تلك النعم المعدودة على عيسى تدل على أنه عبد وليس بإله.

والفائدة في هذه الحكاية تنبيه النصارى الذين كانوا في وقت نزول هذه الآية على قبح مقالتهم وركاكة مذهبهم واعتقادهم.

المسألة الثانية: موضع ﴿ إِذْ ﴾ يجوز أن يكون رفعاً بالابتداء على معنى ذاك إذ قال الله، ويجوز أن يكون المعنى اذكر إذ قال الله.

المسألة الثالثة: خرج قوله: ﴿ إِذ قَالَ الله ﴾ على لفظ الماضي دون المستقبل وفيه وجوه: الأول: الدلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد قامت ووقعت وكل آت قريب ويقال: الجيش قد أتى، إذا قرب إتيانهم.

قال الله تعالى: ﴿ أتى أَمْرُ الله  ﴾ الثاني: أنه ورد على حكاية الحال، ونظيرُه قولُ الرجل لصاحبه كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا، فصنعنا فيها كذا، إذ صاح صائح؛ فتركتني وأجبته.

ونظيره من القرآن قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ ترى إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ  ﴾ ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتوفى الذين كفروا الملائكة  ﴾ ﴿ وَلَوْ ترى إِذِ الظالمون مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبّهِمْ  ﴾ والوجه في كل هذه الآيات ما ذكرناه، من أنه خرج على سبيل الحكاية عن الحال.

المسألة الرابعة: ﴿ عِيسَى ابن مَرْيَمَ ﴾ يجوز أن يكون ﴿ عِيسَى ﴾ في محل الرفع لأنه منادى مفرد وصف بمضاف ويجوز أن يكون في محل النصب لأنه في نية الإضافة ثم جعل الابن توكيداً وكل ما كان مثل هذا جاز فيه وجهان نحو يا زيد بن عمرو، ويا زيد بن عمرو، وأنشد النحويون: يا حكم بن المنذر بن الجارود *** برفع الأول ونصبه على ما بيناه.

المسألة الخامسة: قوله: ﴿ نِعْمَتِى عَلَيْكَ ﴾ أراد الجمع كقوله: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا  ﴾ وإنما جاز ذلك لأن مضاف يصلح للجنس.

واعلم أن الله تعالى فسّر نعمته عليه بأمور: أولها: قوله: ﴿ إِذَ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ القدس ﴾ وفيه وجهان: الأول: روح القدس هو جبريل عليه السلام، الروح جبريل والقدس هو الله تعالى، كأنه أضافه إلى نفسه تعظيماً له.

الثاني: أن الأرواح مختلفة بالماهية فمنها طاهرة نورانية ومنها خبيثة ظلمانية، ومنها مشرقة، ومنها كدرة، ومنها خيرة، ومنها نذلة ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: الأرواح جنود مجندة فالله تعالى خصّ عيسى بالروح الطاهرة النورانية المُشْرِقة العلوية الخَيّرة.

ولقائل أن يقول: لما دلّت هذه الآية على أن تأييد عيسى إنما حصل من جبريل أو بسبب روحه المختص به، قدح هذا في دلالة المعجزات على صدق الرسل، لأنا قبل العلم بعصمة جبريل نجوز أنه أعان عيسى عليه السلام على ذلك، على سبيل إغواء الخلق وإضلالهم فما لم تعرف عصمة جبريل لا يندفع هذا وما لم تعرف نبوّة عيسى عليه السلام لا تعرف عصمة جبريل، فيلزم الدور وجوابه: ما ثبت من أصلنا أن الخالق ليس إلا الله وبه يندفع هذا السؤال.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ تُكَلّمُ الناس فِي المهد وَكَهْلاً ﴾ أما كلام عيسى في المهد فهو قوله: ﴿ إِنّى عبد الله ءاتَانِىَ الكتاب  ﴾ وقوله: ﴿ تُكَلّمُ الناس فِي المهد وَكَهْلاً ﴾ في موضع الحال.

والمعنى: يكلمهم طفلاً وكهلاً من غير أن يتفاوت كلامه في هذين الوقتين وهذه خاصية شريفة كانت حاصلة له وما حصلت لأحد من الأنبياء قبله ولا بعده.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ﴾ وفي ﴿ الكتاب ﴾ قولان: أحدهما: المراد به الكتابة وهي الخط.

والثاني: المراد منه جنس الكتب.

فإن الإنسان يتعلم أولاً كتباً سهلة مختصرة، ثم يترقى منها إلى الكتب الشريفة.

وأما ﴿ الحكمة ﴾ فهي عبارة عن العلوم النظرية، والعلوم العملية.

ثم ذكر بعده ﴿ التوراة والإنجيل ﴾ وفيه وجهان: الأول: أنهما خصا بالذكر بعد ذكر الكتب على سبيل التشريف كقوله: ﴿ حافظوا عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى  ﴾ وقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ  ﴾ والثاني: وهو الأقوى أن الاطلاع على أسرار الكتب الإلهية، لا يحصل إلا لمن صار بانياً في أصناف العلوم الشرعية والعقلية الظاهرة التي يبحث عنها العلماء.

فقوله: ﴿ والتوراة والإنجيل ﴾ إشارة إلى الأسرار التي لا يطلع عليها أحد إلا أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

ورابعها: قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِى ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع ﴿ فَتَكُونُ طائراً ﴾ والباقون ﴿ طَيْراً ﴾ بغير ألف وطير جمع طائر كضأن وضائن وركب وراكب.

المسألة الثانية: أنه تعالى ذكر هاهنا ﴿ فَتَنفُخُ فِيهَا ﴾ وذكر في آل عمران ﴿ فَأَنفُخُ فِيهِ  ﴾ .

والجواب: أن قوله: ﴿ كَهَيْئَةِ الطير ﴾ أي هيئة مثل هيئة الطير فقوله: ﴿ فَتَنفُخُ فِيهَا ﴾ الضمير للكاف، لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى وينفخ فيها ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء.

إذا عرفت هذا فنقول: الكاف تؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي مثل هيئة الطير وتذكر بحسب الظاهر.

وإذا كان كذلك جاز أن يقع الضمير عنها تارة على وجه التذكير وأخرى على وجه التأنيث.

المسألة الثالثة: أنه تعالى اعتبر الإذن في خلق الطين كهيئة الطير، وفي صيرورته ذلك الشيء طيراً.

وإنما أعاد قوله: ﴿ بِإِذْنِى ﴾ تأكيداً لكون ذلك واقعاً بقدرة الله تعالى وتخليقه لا بقدرة عيسى وإيجاده.

وخامسها: قوله تعالى: ﴿ وَتُبْرِئ الاكمه والابرص بِإِذْنِى ﴾ وإبراء الأكمه والأبرص معروف وقال الخليلي: الأكمه من ولد أعمى والأعمى من ولد بصيرا ثم عمي.

وسادسها: قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ تُخْرِجُ الموتى بِإِذْنِى ﴾ أي وإذ تخرج الموتى من قبورهم أحياء باذني أي بفعلي ذلك عند دعائك، وعند قولك للميت أخرج بإذن الله من قبرك، وذكر الإذن في هذه الأفاعيل إنما هو على معنى إضافة حقيقة الفعل إلى الله تعالى كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله  ﴾ أي إلا بخلق الله الموت فيها.

وسابعها: قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِى إِسْرئيل عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بالبينات ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: ﴿ إِذْ جِئْتَهُمْ بالبينات ﴾ يحتمل أن يكون المراد منه هذه البيّنات التي تقدم ذكرها، وعلى هذا التقدير فالألف واللام للعهد.

ويحتمل أن يكون المراد منه جنس البينات.

المسألة الثانية: روي أنه عليه الصلاة والسلام لما أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهودُ قتلَه فخلصه الله تعالى منهم حيث رفعه إلى السماء.

ثم قال تعالى: ﴿ فَقَالَ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكَسائي ﴿ ساحر ﴾ بالألف وكذلك في يونس وهود والصّف، وقرأ ابن عامر وعاصم في يونس بالألف فقط والباقون ﴿ سِحر ﴾ فمن قرأ ﴿ ساحر ﴾ أشار إلى الرجل ومن قرأ ﴿ سِحر ﴾ أشار به إلى ما جاء به.

وكلاهما حسن لأن كل واحد منهما قد تقدم ذكره.

قال الواحديّ- رحمه الله-: والاختيار ﴿ سِحر ﴾ لجواز وقوعه على الحدث والشخص، أما وقوعه على الحدث فظاهر وأما وقوعه على الشخص، فتقول: هذا سحر وتريد به ذو سحر كما قال تعالى: ﴿ ولكن البر مَنْ ءامَنَ  ﴾ أي ذا البر قال الشاعر: فإنما هي إقبال وإدبار *** المسألة الثانية: فإن قيل: إنه تعالى شرع هاهنا في تعديد نعمه على عيسى عليه السلام وقول الكفار في حقه ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ ليس من النعم، فكيف ذكره هاهنا؟

والجواب: أن من الأمثال المشهورة أن كل ذي نعمة محسود وطعن الكفار في عيسى عليه السلام بهذا الكلام، يدل على أن نعم الله في حقه كانت عظيمة فَحُسن ذكره عند تعديد النعم للوجه الذي ذكرناه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ﴾ بدل من المنصوب في قوله: (واتقوا الله) وهو من بدل الاشتمال، كأنه قيل: واتقوا الله يوم جمعه.

أو ظرف لقوله: (لا يهدي) أي لا يهديهم طريق الجنة يومئذ كما يفعل بغيرهم.

أو ينصب على إضمار اذكر.

أو يوم يجمع الله الرسل كان كيت وكيت.

و ﴿ مَاذَا ﴾ منتصب بأجبتم انتصاب مصدره، على معنى: أي إجابة أجبتم.

ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم.

فإن قلت: ما معنى سؤالهم؟

قلت: توبيخ قومهم، كما كان سؤال الموؤدة توبيخاً للوائد.

فإن قلت: كيف يقولون: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَا ﴾ وقد علموا بما أجيبوا؟

قلت: يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم فيكلون الأمر إلى علمه وإحاطته بما منوا به منهم وكابدوا من سوء إجابتهم، إظهاراً للتشكي واللجإ إلى ربهم في الانتقام منهم، وذلك أعظم على الكفرة وأفت في أعضادهم وأجلب لحسرتهم وسقوطهم في أيديهم إذا اجتمع توبيخ الله وتشكي أنبيائه عليهم.

ومثاله أن ينكب بعض الخوارج على السلطان خاصة من خواصه نكبة قد عرفها السلطان واطلع على كنهها وعزم على الانتصار له منه، فيجمع بينهما ويقول له: ما فعل بك هذا الخارجي وهو عالم بما فعل به، يريد توبيخه وتبكيته، فيقول له: أنت أعلم بما فعل بي تفويضاً للأمر إلى علم سلطانه، واتكالاً عليه، وإظهاراً للشكاية، وتعظيماً لما حلّ به منه.

وقيل: من هول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب، ثم يجيبون بعدما تثوب إليهم عقولهم بالشهادة على أممهم.

وقيل: معناه علمنا ساقط مع علمك ومغمور به، لأنك علام الغيوب.

ومن علم الخفيات لم تخف عليه الظواهر التي منها إجابة الأمم لرسلهم، فكأنه لا علم لنا إلى جنب علمك.

وقيل: لا علم لنا بما كان منهم بعدنا، وإنما الحكم للخاتمة.

وكيف يخفى عليهم أمرهم وقد رأوهم سود الوجوه زرق العيون موبخين.

وقرئ: ﴿ علام الغيوب ﴾ بالنصب على أنّ الكلام قد تم بقوله: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ﴾ أي أنك الموصوف بأوصافك المعروفة من العلم وغيره ثم نصب علام الغيوب على الاختصاص، أو على على النداء، أو هو صفة لاسم أنّ ﴿ إِذْ قَالَ الله ﴾ بدل من (يوم يجمع) والمعنى: أنه يوبخ الكافرين يومئذ بسؤال الرسل عن إجابتهم، وبتعديد ما أظهر على أيديهم من الآيات العظام، فكذبوهم وسموهم سحرة.

أو جاوزوا حدّ التصديق إلى أن اتخذوهم آلهة، كما قال بعض بني إسرائيل فيما أظهر على يد عيسى عليه السلام من البينات والمعجزات ﴿ هذا سحر مبين ﴾ [الأحقاف: 7] واتخذه بعضهم وأمه إلهين ﴿ أَيَّدتُّكَ ﴾ قوّيتك.

وقرئ: ﴿ أيدتك ﴾ ، على أفعلتك ﴿ بِرُوحِ القدس ﴾ بالكلام الذي يحيا به الدين، وأضافه إلى القدس، لأنه سبب الطهر من أوضار الآثام.

والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ تُكَلّمَ الناس ﴾ و ﴿ فِى المهد ﴾ في موضع الحال، لأنّ المعنى تكلمهم طفلاً ﴿ وَكَهْلاً ﴾ إلا أن في المهد فيه دليل على حدّ من الطفولة.

وقيل روح القدس: جبريل عليه السلام، أيّد به لتثبيت الحجة.

فإن قلت: ما معنى قوله: (في المهد وكهلاً)؟

قلت: معناه تكلمهم في هاتين الحالتين، من غير أن يتفاوت كلامك في حين الطفولة وحين الكهولة الذي هو وقت كمال العقل وبلوغ الأشد والحدّ الذي يستنبأ فيه الأنبياء ﴿ والتوراة والإنجيل ﴾ خصّا بالذكر مما تناوله الكتاب والحكمة، لأن المراد بهما جنس الكتاب والحكمة.

وقيل: (الكتاب) الخط.

و(الحكمة) الكلام المحكم الصواب ﴿ كَهَيْئَةِ الطير ﴾ هيئة مثل هيئة الطير ﴿ بِإِذْنِى ﴾ بتسهيلي ﴿ فَتَنفُخُ فِيهَا ﴾ الضمير للكاف، لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى عليه السلام وينفخ فيها، ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها؛ لأنها ليست في خلقه ولا من نفخه في شيء.

وكذلك الضمير في فتكون ﴿ تُخْرِجُ الموتى ﴾ تخرجهم من القبور وتبعثهم.

قيل: أخرج سام ابن نوح ورجلين وامرأة وجارية ﴿ وَإِذَا كَفَفْتُ بَنِى إسراءيل عَنكَ ﴾ يعني اليهود حين هموا بقتله.

وقيل: لما قال الله تعالى لعيسى ﴿ اذكر نِعْمَتِى عَلَيْكَ ﴾ كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئاً لغد يقول: مع كل يوم رزقه، لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ يَجْمَعُ وهو عَلى طَرِيقَةِ ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُوَبِّخُ الكَفَرَةَ يَوْمَئِذٍ بِسُؤالِ الرُّسُلِ عَنْ إجابَتِهِمْ وتَعْدِيدِ ما أظْهَرَ عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ فَكَذَّبَتْهم طائِفَةٌ وسَمُّوهم سَحَرَةً، وغَلا آخَرُونَ فاتَّخَذُوهم آلِهَةً.

أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ.

﴿ إذْ أيَّدْتُكَ ﴾ قَوَّيْتُكَ وهو ظَرْفٌ لِنِعْمَتِي أوْ حالٌ مِنهُ وقُرِئَ «آيَّدْتُكَ» .

﴿ بِرُوحِ القُدُسِ ﴾ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ بِالكَلامِ الَّذِي يَحْيا بِهِ الدِّينُ، أوِ النَّفْسُ حَياةً أبَدِيَّةً ويُطَهِّرُ مِنَ الآثامِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا ﴾ أيْ كائِنًا في المَهْدِ وكَهْلًا، والمَعْنى تُكَلِّمُهم في الطُّفُولَةِ والكُهُولَةِ عَلى سَواءٍ، والمَعْنى إلْحاقُ حالِهِ في الطُّفُولِيَّةِ بِحالِ الكُهُولِيَّةِ في كَمالِ العَقْلِ والتَّكَلُّمِ، وبِهِ اسْتُدِلَّ عَلى أنَّهُ سَيَنْزِلُ فَإنَّهُ رُفِعَ قَبْلَ أنْ يَكْتَهِلَ.

﴿ وَإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ «آلِ عِمْرانَ» .

وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ طائِرًا ويَحْتَمِلُ الإفْرادَ والجَمْعَ كالباقِرِ.

﴿ وَإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ.

﴿ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ ﴾ ظَرْفٌ لِكَفَفْتُ.

﴿ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ أيْ ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ إلّا «ساحِرٌ» فالإشارَةُ إلى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)

{إِذْ قَالَ الله} بدل من يوم يجمع {يا عيسى ابن مَرْيَمَ اذكر نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعلى والدتك} حيث طهرتها واصطفيتها على نساء العالمين والعامل في {إِذْ أَيَّدتُّكَ} أي قويتك نعمتي {بِرُوحِ القدس} بجبريل عليه السلام أيد به لتثبت الحجة عليهم أو بالكلام الذي يحيا به الدين وأضافه إلى القدس لأنه سبب الطهر من أوصام الآثام دليله {تُكَلّمُ الناس فِى المهد} حال أي تكلمهم طفلاً إعجازاً {وَكَهْلاً} تبليغاً {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ} معطوف على إذ أيدتك ونحوه وإذ تخلق وإذ تخرج وإذ كففت وإذ أوحيت {الكتاب} الخط {والحكمة} الكلام المحكم الصواب {والتوراة والإنجيل وَإِذْ تَخْلُقُ} تقدر {مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير} هيئة مثل هيئة الطير {بِإِذْنِى} بتسهيلي {فَتَنفُخُ فِيهَا} الضمير للكاف لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى وينفخ فيها ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه وكذا الضمير في {فَتَكُونُ طَيْراً بإذني} وعطف {وتبرئ الأكمه والأبرص بِإِذْنِي} على تخلق {وَإِذْ تُخْرِجُ الموتى} من القبور أحياء {بِإِذْنِي} قيل أخرج سام ابن نوح ورجلين وامرأة وجارية {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إسرائيل عَنكَ} أي اليهود حين هموا بقتله {إِذْ جئتهم} ظرف لكففت {بالبينات فَقَالَ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} ساحر حمزة وعلي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ﴾ وقَدْ نُصِبَ بِإضْمارِ (اذْكُرْ)، وقِيلَ: في مَحِلِّ رَفْعٍ عَلى مَعْنى ذاكَ إذْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وصِيغَةُ الماضِي لِما مَرَّ آنِفًا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ، والمُرادُ بَيانُ ما جَرى بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ فَرْدٍ مِنَ الرُّسُلِ المَجْمُوعِينَ عَلى التَّفْصِيلِ إثْرَ بَيانِ ما جَرى بَيْنَهُ عَزَّ وجَلَّ وبَيْنَ الكُلِّ عَلى وجْهِ الإجْمالِ لِيَكُونَ ذَلِكَ كالأُنْمُوذَجِ عَلى تَفاصِيلِ أحْوالِ الباقِينَ، وتَخْصِيصُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذِّكْرِ لِما أنَّ شَأْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَعَلِّقٌ بِكِلا فَرِيقَيْ أهْلِ الكِتابِ المُفْرِطِينَ والمُفَرِّطِينَ الَّذِينَ نَعَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ جِناياتِهِمْ فَتَفْصِيلُهُ أعْظَمُ عَلَيْهِمْ وأجْلَبُ لِحَسَراتِهِمْ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِما مَرَّ، و(عِيسى) مَبْنِيٌّ عِنْدَ الفَرّاءِ ومُتابِعِيهِ إمّا عَلى ضَمَّةٍ مُقَدَّرَةٍ أوْ عَلى فَتْحَةٍ كَذَلِكَ إجْراءٌ لَهُ مَجْرى يا زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو في جَوازِ ضَمِّ المُنادى وفَتْحِهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وهَذا إذا أُعْرِبَ (ابْنُ) صِفَةً لِعِيسى أمّا إذا أُعْرِبَ بَدَلًا أوْ بَيانًا فَلا يَجُوزُ تَقْدِيرُ الفَتْحَةِ إجْماعًا كَما بُيِّنَ في كُتُبِ النَّحْوِ، و(عَلى) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (نِعْمَتِي) جُعِلَ مَصْدَرًا أيِ اذْكُرْ إنْعامِي أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن نِعْمَةٍ أنْ جَعَلَ اسْمًا أيِ اذْكُرْ نِعْمَتِي كائِنَةً عَلَيْكَ إلَخْ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يُرادُ بِالنِّعْمَةِ ما هو في ضِمْنِ المُتَعَدِّدِ ولَيْسَ المُرادُ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ بِأمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَئِذٍ بِذِكْرِ النِّعْمَةِ المُنْتَظِمَةِ في سِلْكِ التَّعْدِيدِ تَكْلِيفَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِشُكْرِها والقِيامِ بِمُواجِبِها ولاتَ حِينَ تَكْلِيفٍ مَعَ خُرُوجِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ عُهْدَةِ الشُّكْرِ في أوانِهِ أيْ خُرُوجٍ بَلْ إظْهارِ أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَعْدادِ تِلْكَ النِّعَمِ حَسْبَما بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى واعْتِدادًا بِها وتَلَذُّذًا بِذِكْرِها عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ ولِيَكُونَ حِكايَةُ ذَلِكَ عَلى ما أنَّبَأ عَنْهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ تَوْبِيخًا لِلْكَفَرَةِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ في شَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إفْراطًا وتَفْرِيطًا وإبْطالًا لِقَوْلِهِما جَمِيعًا، ﴿ إذْ أيَّدْتُكَ ﴾ ظَرْفٌ (لِنِعْمَتِي) أيِ اذْكُرْ إنْعامِي عَلَيْكُما وقْتَ تَأْيِيدِي لَكُما أوْ حال مِنها أيِ اذْكُرْها كائِنَةً وقْتَ ذَلِكَ، وقِيلَ: بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنها وهو في المَعْنى تَفْسِيرٌ لَها وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ عَلى السِّعَةِ وقُرِئَ (آيَدْتُكَ) بِالمَدِّ، ووَزْنُهُ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ أفْعَلْتُكَ وعِنْدَ ابْنِ عَطِيَّةَ فاعَلْتُكَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: ويَحْتاجُ إلى نَقْلِ مُضارِعِهِ مِن كَلامِ العَرَبِ فَإنْ كانَ يُؤايَدُ فَهو فاعِلٌ وإنْ كانَ يُؤَيِّدُ فَهو أفْعَلُ، ومَعْناهُ ومَعْنى أيَّدَ واحِدٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ بِالمَدِّ القُوَّةُ وبِالتَّشْدِيدِ النَّصْرُ وهُما -كَما قِيلَ- مُتَقارِبانِ لِأنَّ النَّصْرَ قُوَّةٌ ﴿ بِرُوحِ القُدُسِ ﴾ أيْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوِ الكَلامُ الَّذِي يُحْيِي بِهِ الدِّينَ، ويَكُونُ سَبَبًا لِلطُّهْرِ عَنْ أوْضارِ الآثامِ أوْ تُحْيِي بِها المَوْتى أوِ النُّفُوسَ حَياةً أبَدِيَّةً أوْ نَفْسَ رُوحِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ أظْهَرَها سُبْحانَهُ وتَعالى رُوحًا مُقَدَّسَةً طاهِرَةً مُشْرِقَةً نُورانِيَّةً عُلْوِيَّةً، وكَوْنُ هَذا التَّأْيِيدِ نِعْمَةً عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا لا خَفاءَ فِيهِ، وأمّا كَوْنُهُ نِعْمَةً عَلى والِدَتِهِ فَلِما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِن بَراءَتِها مِمّا نُسِبَ إلَيْها وحاشاها وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ ﴾ أيْ طِفْلًا صَغِيرًا، وما في النَّظْمِ الكَرِيمِ أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ بِالطُّفُولِيَّةِ وأوْلى لِأنَّ الصَّغِيرَ يُسَمّى طِفْلًا إلى أنْ يَبْلُغَ الحُلُمَ فَلِذا عَدَلَ عَنْهُ، والظَّرْفُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (تُكَلِّمُ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفا لِلْفِعْلِ.

والجُمْلَةُ إمّا اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِتَأْيِيدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (أيَّدْتُكَ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ، والمَهْدُ مَعْرُوفٌ.

و عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِهِ حِجْرُ أُمِّهِ عَلَيْهِما السَّلامُ، وأنْكَرَ النَّصارى كَلامَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في المَهْدِ وقالُوا إنَّما تَكَلَّمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوانَ ما يَتَكَلَّمُ الصِّبْيانُ.

وقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ جَوابِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكَهْلا ﴾ لِلْإيذانِ عَلى ما قِيلَ بِعَدَمِ تَفاوُتِ كَلامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ طُفُولِيَّةً وكُهُولَةً لا لِأنَّ كُلًّا مِنهُما آية فَإنَّ التَّكَلُّمَ في الكُهُولَةِ مَعْهُودٌ مِن كُلِّ أحَدٍ.

وقالَ الإمامُ: إنَّ الثّانِي أيْضًا مُعْجِزَةً مُسْتَقِلَّةً لِأنَّ المُرادَ تُكَلِّمُ النّاسَ في الطُّفُولَةِ وفي الكُهُولَةِ حِينَ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ و السَّلامُ حِينَ رُفِعَ لَمْ يَكُنْ كَهْلًا.

وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى تَفْسِيرِ الكَهْلِ بِمَن وخَطَهُ الشَّيْبُ ورَأيْتَ لَهُ بَجالَةً أوْ مَن جاوَزَ أرْبَعًا وثَلاثِينَ سَنَةً إلى إحْدى وخَمْسِينَ وعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رُفِعَ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ قِيلَ وثَلاثَةِ أشْهُرٍ وثَلاثَةِ أيّامٍ وقِيلَ: رُفِعَ وهو ابْنُ أرْبَعٍ وثَلاثِينَ وما صَحَّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وخَطَّهُ الشَّيْبُ وأمّا لَوْ فُسِّرَ بِمَن جاوَزَ الثَّلاثِينَ فَلا يَتَأتّى هَذا القَوْلُ كَما لا يَخْفى وقالَ بَعْضٌ: الأوْلى أنْ يُجْعَلَ ﴿ وكَهْلا ﴾ تَشْبِيهًا بَلِيغًا أيْ تُكَلِّمُهم كائِنًا في المَهْدِ وكائِنًا كالكَهْلِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أخْذَ التَّشْبِيهِ مِنَ العَطْفِ لا وجْهَ لَهُ وتَقْدِيرُ الكافِ تَكَلُّفٌ، ﴿ وإذْ عَلَّمْتُكَ ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ إذْ أيَّدْتُكَ ﴾ أيْ واذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكُما وقْتَ تَعْلِيمِي لَكَ مِن غَيْرِ مُعَلِّمٍ ﴿ الكِتابَ والحِكْمَةَ ﴾ أيْ جِنْسَهُما، وقِيلَ: الكِتابُ الخَطُّ والحِكْمَةُ الكَلامُ المُحْكَمُ الصَّوابَ ﴿ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ ﴾ خُصّا بِالذِّكْرِ إظْهارًا لِشَرَفِهِما عَلى الأوَّلِ وإذْ تَخْلُقُ أيْ تُصَوِّرُ مِنَ الطِّينِ أيْ جِنْسَهُ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ أيْ هَيْئَةً مِثْلَ هَيْئَتِهِ ﴿ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها ﴾ أيْ في تِلْكَ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ ﴿ فَتَكُونُ ﴾ بَعْدَ نَفْخِكَ مِن غَيْرِ تَراخٍ طَيْرًا بِإذْنِي أيْ حَيَوانًا يَطِيرُ كَسائِرِ الطُّيُورِ وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ (طائِرًا) وهو إمّا اسْمٌ مُفْرَدٌ وإمّا اسْمُ جَمْعٍ كَباقِرٍ وسامِرٍ ﴿ وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي ﴾ عُطِفَ عَلى (تَخْلُقُ) وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي ﴾ عَطْفٌ عَلى (إذْ تَخْلُقُ) أُعِيدَتْ فِيهِ (إذْ) كَما قِيلَ لِكَوْنِ إخْراجِ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ لا سِيَّما بَعْدَ ما صارُوا رَمِيمًا مُعْجِزَةً باهِرَةً حَرِيَّةً بِتَذْكِيرِ وقْتِها صَرِيحًا، وما في النَّظْمِ الكَرِيمِ أبْلَغُ ”مَن تُحْيِ المَوْتى“ فَلِذا عُدِلَ عَنْهُ إلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في بَيانِ مَن أحْياهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ بَيانِ ما يَنْفَعُكَ في هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وذُكِرَ (بِإذْنِي) هُنا أرْبَعَ مَرّاتٍ وثَمَّةَ مَرَّتَيْنِ قالُوا: لِأنَّهُ هُنا لِلِامْتِنانِ وهُناكَ لِلْإخْبارِ فَناسَبَ هَذا التَّكْرارُ هُنا، ﴿ وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ ولَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنهُ ﴿ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ ﴾ أيِ المُعْجِزاتِ الواضِحَةِ مِمّا ذُكِرَ وما لَمْ يُذْكَرْ وهو ظَرْفٌ ل (كَفَفْتُ) مَعَ اعْتِبارِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ 11 - وهو ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَصَدُوا اغْتِيالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَحُوجِ إلى الكَفِّ أيْ كَفَفْتُهم عَنْكَ حِينَ قالُوا ذَلِكَ عِنْدَ مَجِيئِكَ إيّاهم بِالبَيِّناتِ، ووَضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، فَكَلِمَةُ (مِن) بَيانِيَّةٌ وهَذا إشارَةٌ إلى ما جاءَ بِهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (إلّا ساحِرٌ) فالإشارَةُ إلى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَعْلُ الإشارَةِ إلَيْهِ عَلى القِراءَةِ الأُولى وتَأْوِيلِ السِّحْرِ بِساحِرٍ لِتَتَوافَقَ القِراءَتانِ لا حاجَةَ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ بالنبوة وهذا في الآخرة وَعَلى والِدَتِكَ ثم بيّن النعمة التي أنعم الله عليه في الدنيا قال: إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ يعني: اعنتُك بجبريل-  - وتُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا يعني: بعد ثلاثين سنة حين أوحى الله إليه، قال الكلبي: فمكث في رسالته ثلاثين شهراً، ثم رفعه الله ويقال: أوحي إليه وهو ابن ثلاثين سنة ومكث في الرسالة ثلاث سنين، ورفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.

قال: وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ يعني: الخط بالقلم والحكمة يعني: الفقه والفهم وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها وقال في موضع آخر: فَأَنْفُخُ فِيهِ [آل عمران: 49] بلفظ التذكير، لأنه انصرف إلى الطير.

وقال هاهنا فَتَنْفُخُ فِيها بلفظ التأنيث، لأنه انصرف إلى الهيئة المتخذة.

ويقال: فيها يعني في الطين فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي.

قرأ نافع: طائراً بالألف.

وقرأ الباقون: طَيْراً.

وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي يعني: تحيي الموتي بإذني.

يعني: أحييته بدعائك.

وروي عن وهب بن منبه أنه قال: التقى عيسى ابن مريم-  - وإبليس على عقبة من عقبات بيت المقدس.

فقال له إبليس: أنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك، أنك تكلم الناس فى المهد صبياً، وأنك أحييت الموتى، وتبرئ الأكمه والأبرص.

فقال عيسى-  -: بل العظيم الذي بإذنه أحييت الموتى، وهو الذي أنطقني.

فقال إبليس: أنت إله الأرض.

فقال عيسى-  -: بل إله الأرض والسماء واحد.

فكان في ذلك حتى جاءه جبريل وضربه بجناحه وألقاه في لجج البحار.

ثم قال: وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إذ هموا بقتلك إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني: بالعلامات والعجائب فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ يعني: سحر ظاهر.

قرأ حمزة والكسائي: ساحر بالألف.

وقرأ الباقون: سِحْرٌ بغير ألف.

فمن قرأ بالألف يعني: هذا رجل ساحر.

ومن قرأ بغير ألف يعني: هذا الفعل سحر.

والاختلاف في أربع مواضع: هاهنا، وفي سورة يونس، وفي سورة هود، وفي سورة الصف.

قرأ حمزة والكسائي فى هذا كله: بالألف.

وقرأ أبو عمرو ونافع وابن عامر في هذا كله: بغير ألف.

وقرأ عاصم وابن كثير: بغير ألف إلا في سورة يونس.

وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ: تَبَرٍّ في صيغة الاِستعظامِ والاِستقباحِ للظُّلْمِ.

وقوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ ...

الآية: الإشارة ب «ذلك» هي إلى جميع مَا حَدَّ قَبْلُ مِنْ حَبْسِ الشاهدَيْن من بعد الصلاة لليمينِ، ثم إنْ عثر على جَوْرهما، رُدَّتِ اليمينُ، وغَرِمَا، فذلك كلُّه أقربُ إلى اعتدال هذا الصِّنْف فيما عسى أنْ ينزل من النوازلِ لأنهم يخافُونَ الفضيحة، وردَّ اليمين هذا قولُ ابنِ عبَّاس «١» ، وجُمِعَ الضميرُ في يَأْتُوا ويَخافُوا إذ المرادُ صِنْفٌ ونوعٌ من الناسِ، والمعنى: ذلك الحُكْم كلُّه أقربُ إلى أنْ يأتوا، وأقربُ إلى أنْ يخافوا، وباقي الآية بيِّن.

يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١)

وقوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ذهب قومٌ إلى أن العاملَ في يَوْمَ: ما تقدَّم مِنْ قوله تعالى: لاَّ يَهْدِي، وذلك ضعيفٌ، ورصْفُ الآيةِ وبراعَتُها إنما هو أنْ يكونَ هذا الكلامُ مستأنَفاً، والعاملُ مقدَّر، إما «اذكر» ، أو: «تَذَكَّرُوا» ، أو «احذروا» ، ونحو هذا ممَّا حَسُنَ اختصاره لعِلْم السامعِ به، والإشارة بهذا اليوم إلى يومِ القيامةِ، وخُصَّ الرسلُ بالذكْر لأنهم قادةُ الخَلْق، وهم المكلَّمون أوَّلاً، وماذا أُجِبْتُمْ: معناه: ماذا أجابَتْكُمْ الأُمَمُ، وهذا السؤالُ للرُّسُل إنما هو لتقُومَ الحجة على الأممِ، واختلف الناسُ في معنى قولهم- عليهم السلام-: لاَ عِلْمَ لَنا: قال الطبريُّ «٢» : ذُهِلُوا عن الجوابِ، لهولِ المَطْلَع وقاله الحسنُ «٣» ، وعن مجاهدٍ أنه قال: يَفْزَعُون، فيقولُون: لا علْمَ لنا، وضعَّف «٤» بعضُ النَّاس هذا المنْزَع بقوله تعالى: / لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ

[الأنبياء: ١٠٣] ، وقال ابنُ عبَّاس: معنى الآية: لاَ عِلْمَ لنا إلا ما علَّمتنا أنْتَ أعلم به منَّا، وقولُ «١» ابنِ عباس حَسَن، وهو أصوبُ هذه المناحِي لأنه يتخرَّج على التسليم للَّه تعالى، وردِّ الأمر إلَيْه إذ هو العالِمُ بجميعِ ذلك على التَّفْصيل والكمالِ، فرأَوُا التسليمَ والخضوعَ لعلْمه المحيطِ سبحانه، قال مكِّيٌّ: قال ابنُ عباس: المعنى: لا علم لنا إلاَّ عِلمٌ أنت أعلَمُ به «٢» منَّا، وهو اختيار «٣» الطبريِّ، وقيل: لما كان السؤالُ عامًّا يقتضي بعمومه سؤالَهُم عَنْ سِرِّ الأمم وعلانِيَتِها، رَدُّوا الأمر إلَيْهِ إذ ليس عندهم إلاَّ علْمُ الظاهر قال مكِّيٌّ: وهذا القولُ أحبُّ الأقوالِ إلَيَّ، قال: ومعنى مسألة اللَّه الرُسلَ عمَّا أَجِيبُوا، إنما هو لمعنَى التوبيخِ لمَنْ أرسلوا إليه كما قال تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ [التكوير: ٨] ، انتهى من «الهداية» .

وقوله تعالى: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ ...

الآية: قالَ هنا بمعنى يَقُولُ لأن ظاهر هذا القولِ أنه في القيامة تقدمة لقوله سبحانه: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [المائدة: ١١٦] .

وقوله سبحانه: وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى، أي: من قبورهم، وكفُّ بني إسرائيل عنه- عليه السلام- هو رَفْعُهُ حِينَ أحاطوا به في الَبيْتِ مع الحواريِّين، وكذلك مَنْعُه منْهم قَبْل ذلك إلى تلك النازلةِ الأخيرةِ، فهناك ظَهَر عِظَمُ الكَفِّ.

وقوله سبحانه: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ، هو مِنْ جملة تعديدِ النّعم على عيسى- عليه السلام-: وأَوْحَيْتُ في هذا الموضع: إما أن يكون وحْيَ إلهامٍ أَو وحْيَ أمْرٍ، وبالجملةِ فهو إلقاءُ معنًى في خفاءٍ، أوْصَلَهُ سبحانه إلى نفوسهم، كيف شاء، والرسولُ في هذه الآية: عيسى، وقولُ الحواريِّين: وَاشْهَدْ: يحتملُ أن يكون مخاطبةً منهم للَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يكون لعيسى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: وإذْ يَقُولُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ ﴾ في تَذْكِيرِهِ النِّعَمَ فائِدَتانِ.

إحْداهُما: إسْماعُ الأُمَمِ ما خَصَّهُ بِهِ مِنَ الكَرامَةِ.

والثّانِيَةُ: تَوْكِيدُ حُجَّتِهِ عَلى جاحِدِهِ.

ومِن نِعَمِهِ عَلى مَرْيَمَ أنَّهُ اصْطَفاها وطَهَّرَها، وأتاها بِرِزْقِها مِن غَيْرِ سَبَبٍ.

وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ بِذِكْرِ النِّعْمَةِ: الشُّكْرُ.

فَأمّا النِّعْمَةُ، فَلَفْظُها لَفْظُ الواحِدِ، ومَعْناها الجَمْعُ.

فَإنْ قِيلَ: لَمَ قالَ هاهُنا: ﴿ فَتَنْفُخُ فِيها ﴾ وفي (آلِ عِمْرانَ) "فِيهِ"؟

فالجَوابُ: أنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الطَّيْرِ عَلى مَعْنى الجَمِيعِ، وَأنَّثَ عَلى مَعْنى الجَماعَةِ.

وجازَ أنْ يَكُونَ "فِيهِ" لِلطَّيْرِ، و"فِيها" لِلْهَيْأةِ، ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ هاهُنا: وفي (هُودٍ) و (الصَّفِّ) ( إلّا سِحْر مُبِين )، وقَرَأ في (يُونُسَ) ﴿ لَساحِرٌ مُبِينٌ ﴾ بِألِفٍ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: الأرْبَعَةَ ( سِحْر مُبِين ) بِغَيْرِ ألِفٍ، فَمَن قَرَأ "سِحْرَ" أشارَ إلى ما جاءَ بِهِ، ومَن قَرَأ "ساحِرَ" أشارَ إلى الشَّخْصِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ إذْ قالَ اللهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ تُكَلِّمُ الناسَ في المَهْدِ وكَهْلا وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَوْراةَ والإنْجِيلَ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِينِ كَهَيْئَةِ الطَيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عنكَ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ في "إذْ" فِعْلًا مُضْمَرًا؛ تَقْدِيرُهُ: "اُذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ؛ و"قالَ"؛ هُنا بِمَعْنى: "يَقُولُ"؛ لِأنَّ ظاهِرَ هَذا القَوْلِ أنَّهُ في القِيامَةِ؛ تَقْدِمَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ  ﴾ ؛ وذَلِكَ كُلُّهُ أحْكامٌ لِتَوْبِيخِ الَّذِينَ يُتَحَصَّلُونَ كافِرِينَ بِاللهِ في ادِّعائِهِمْ أُلُوهِيَّةَ عِيسى.

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "إذْ"؛ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ  ﴾ .

ونِعْمَةُ اللهِ عَلى عِيسى هي بِالنُبُوَّةِ؛ وسائِرِ ما ذُكِرَ؛ وما عُلِمَ مِمّا لا تُحْصى؛ وعُدِّدَتْ عَلَيْهِ النِعْمَةُ عَلى أُمَّهُ إذْ هي نِعْمَةٌ صائِرَةٌ إلَيْهِ؛ وبِسَبَبِهِ كانَتْ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "أيَّدْتُكَ"؛ ﴾ بِتَشْدِيدِ الياءِ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ ؛ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "آيَدْتُكَ"؛ عَلى وزْنِ "فاعَلْتُكَ"؛ ويَظْهَرُ أنَّ الأصْلَ في القِراءَتَيْنِ "أيَّدْتُكَ"؛ عَلى وزْنِ "أفْعَلْتُكَ"؛ ثُمَّ اخْتَلَفَ الإعْلالُ؛ والمَعْنى فِيهِما: "قَوَّيْتُكَ"؛ مِن "اَلْأيْدُ"؛ وقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الأعَزِّ الأكْرَمْ ∗∗∗ أيَّدَنا يَوْمَ زُحُوفِ الأشْرَمْ ورُوحُ القُدُسِ هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "فِي المَهْدِ" ﴾ حالٌ؛ كَأنَّهُ قالَ: صَغِيرًا؛ "وَكَهْلًا" حالَ أيْضًا مَعْطُوفَةٌ عَلى الأوَّلِ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَعانا لِجَنْبِهِ أو قاعِدًا أو قائِمًا  ﴾ ؛ والكُهُولَةٌ مِنَ الأرْبَعِينَ إلى الخَمْسِينَ؛ وقِيلَ: هي مِن ثَلاثَةٍ وثَلاثِينَ؛ و"اَلْكِتابَ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ: مَصْدَرُ "كَتَبَ؛ يَكْتُبُ"؛ أيْ: "عَلَّمْتُكَ الخَطَّ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ اسْمَ جِنْسٍ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ خَصَّ بَعْدَ ذَلِكَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ بِالذِكْرِ؛ تَشْرِيفًا.

"والحِكْمَةُ" هي الفَهْمُ؛ والإدْراكُ في أُمُورِ الشَرْعِ؛ وقَدْ وهَبَ اللهُ الأنْبِياءَ مِنها ما هم بِهِ مُخْتَصُّونَ؛ مَعْصُومُونَ؛ لا يَنْطِقُونَ عن هَوًى.

قَوْلُهُ تَعالى: "وَإذْ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ حَيْثُما تَكَرَّرَتْ؛ فَهي عَطْفٌ عَلى الأُولى الَّتِي عَمِلَتْ فِيها "نِعْمَتِي".

و"تَخْلُقُ" مَعْناهُ: تُقَدِّرُ؛ وتُهَيِّئُ تَقْدِيرًا مُسْتَوِيًا؛ مُتْقَنًا؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي أيْ: يُهَيِّئُ؛ ويُقَدِّرُ لِيَعْمَلَ ويُكْمِلَ؛ ثُمَّ لا يَفْعَلُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: مَن كانَ يَخْلُقُ ما يَقُو ∗∗∗ ∗∗∗ لُ فَحِيلَتِي فِيهِ قَلِيلَةْ وكانَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - يُصَوِّرُ مِنَ الطِينِ أمْثالَ الخَفافِيشِ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيها أمامَ الناسِ؛ فَتَحْيا؛ وتَطِيرُ بِإذْنِ اللهِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا القَصَصُ في "آلِ عِمْرانَ ".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَهَيْئَةِ" بِالهَمْزِ؛ وهو مَصْدَرٌ مِن قَوْلِهِمْ: "هاءَ الشَيْءُ؛ يَهاءُ"؛ إذا ثَبَتَ؛ واسْتَقَرَّ عَلى أمْرٍ حَسَنٍ؛ قالَ اللِحْيانِيُّ: ويُقالُ "يَهِيءُ"؛ وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "كَهَيَّةِ"؛ بِتَشْدِيدِ الياءِ؛ مِن غَيْرِ هَمْزٍ؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "كَهَيْئَةِ الطائِرِ".

والإذْنُ في هَذِهِ الآيَةِ - كَيْفَ تَكَرَّرَ - مَعْناهُ: اَلتَّمْكِينُ؛ مَعَ العِلْمِ بِما يُصْنَعُ؛ وما يُقْصَدُ مِن دُعاءِ الناسِ إلى الإيمانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَتَنْفُخُ فِيها"؛ ﴾ هو النَفْخُ المَعْرُوفُ مِنَ البَشَرِ؛ وإنَّما جَعَلَ اللهُ الأمْرَ هَكَذا لِيَظْهَرَ تَلَبُّسُ عِيسى بِالمُعْجِزَةِ؛ وصُدُورُها مِنهُ؛ وهَذا كَطَرْحِ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - العَصا؛ وكَإيرادِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - القُرْآنَ؛ وهَذا أحَدُ شُرُوطِ المُعْجِزاتِ؛ وقَوْلُهُ: "فِيها"؛ بِضَمِيرِ مُؤَنَّثٍ؛ مَعَ مَجِيءِ ذَلِكَ في "آلِ عِمْرانَ ": ﴿ فَأنْفُخُ فِيهِ  ﴾ ؛ بِضَمِيرِ مُذَكَّرٍ؛ مَوْضِعٌ قَدِ اضْطَرَبَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ؛ قالَ مَكِّيٌّ: هو في "آلِ عِمْرانَ "؛ عائِدٌ عَلى الطائِرِ؛ وفي "اَلْمائِدَةِ"؛ عائِدٌ عَلى الهَيْئَةِ؛ قالَ: ويَصِحُّ عَكْسُ هَذا؛ وقالَ غَيْرُهُ: اَلضَّمِيرُ المُذَكَّرُ عائِدٌ عَلى الطِينِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا يَصِحُّ عَوْدُ هَذا الضَمِيرِ؛ لا عَلى الطَيْرِ؛ ولا عَلى الطِينِ؛ ولا عَلى الهَيْئَةِ؛ لِأنَّ الطِينَ؛ والطائِرَ الَّذِي يَجِيءُ الطِينُ عَلى هَيْئَتِهِ؛ لا نَفْخَ فِيهِ البَتَّةَ؛ وكَذَلِكَ لا نَفْخَ في هَيْئَتِهِ الخاصَّةِ بِجَسَدِهِ؛ وهي المَذْكُورَةُ في الآيَةِ؛ وكَذَلِكَ الطِينُ المَذْكُورُ في الآيَةِ إنَّما هو الطِينُ العامُّ؛ ولا نَفْخَ في ذَلِكَ؛ وإنَّما النَفْخُ في الصُوَرِ المَخْصُوصَةِ مِنهُ؛ الَّتِي رَتَّبَتْها يَدُ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فالوَجْهُ أنْ يُقالَ في عَوْدِ الضَمِيرِ المُؤَنَّثِ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الآيَةُ ضَرُورَةً؛ وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِينِ كَهَيْئَةِ الطَيْرِ ﴾ ؛ يَقْتَضِي صُوَرًا؛ أو أجْسامًا؛ أو أشْكالًا؛ وكَذَلِكَ الضَمِيرُ المُذَكَّرُ يَعُودُ عَلى المَخْلُوقِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ "تَخْلُقُ"؛ ولَكَ أنْ تُعِيدَهُ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الكافُ في مَعْنى المِثْلِ؛ لِأنَّ المَعْنى: "وَإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِينِ مِثْلَ هَيْئَتِهِ".

ولَكَ أنْ تُعِيدَ الضَمِيرَ عَلى الكافِ نَفْسِهِ؛ فِيمَن يُجَوِّزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا في غَيْرِ الشِعْرِ؛ وتَكُونُ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ صِفَةً لِلْمَصْدَرِ المُرادِ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَإذْ تَخْلُقُ خَلْقًا مِنَ الطِينِ كَهَيْئَةِ الطَيْرِ".

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ: "كَهَيْئَةِ الطَيْرِ فَتَنْفُخُها فَيَكُونُ"؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَتَكُونُ"؛ بِالتاءِ؛ مِن فَوْقُ؛ وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "فِيها فَيَكُونُ"؛ بِالياءِ مِن تَحْتُ؛ وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "فَتَكُونَ طائِرًا"؛ وقَرَأ الباقُونَ: "طَيْرًا"؛ بِغَيْرِ ألِفٍ؛ والقِراءَتانِ مُسْتَفِيضَتانِ في الناسِ؛ فَـ "اَلطَّيْرُ": جَمْعُ "طائِرٌ"؛ كَـ "تاجِرٌ"؛ و"تَجْرٌ"؛ و"صاحِبٌ"؛ و"صَحْبٌ"؛ و"راكِبٌ"؛ و"رَكْبٌ"؛ والطائِرُ: اِسْمٌ مُفْرَدٌ؛ والمَعْنى عَلى قِراءَةِ نافِعٍ: "فَتَكُونُ كُلُّ قِطْعَةٍ مِن تِلْكَ المَخْلُوقاتِ طائِرًا".

قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَوْ قالَ قائِلٌ: إنَّ الطائِرَ قَدْ يَكُونُ جَمْعًا؛ كَـ "اَلْحامِلُ"؛ و"الباقِرُ"؛ فَيَكُونُ عَلى هَذا مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدًا؛ لَكانَ قِياسًا؛ ويُقَوِّي ذَلِكَ ما حَكاهُ أبُو الحَسَنِ مِن قَوْلِهِمْ: "طائِرَةٌ"؛ فَيَكُونُ مِن بابِ: "شَعِيرَةٌ" و"شَعِيرٌ"؛ و"تَمْرَةٌ"؛ و"تَمْرٌ".

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الأكْمَهِ؛ والأبْرَصِ؛ وفي قَصَصِ إحْيائِهِ المَوْتى في "آلِ عِمْرانَ "؛ و ﴿ تُخْرِجُ المَوْتى ﴾ ؛ مَعْناهُ: مِن قُبُورِهِمْ؛ وكَفُّ بَنِي إسْرائِيلَ عنهُ - عَلَيْهِ السَلامُ - هو رَفْعُهُ؛ حِينَ أحاطُوا بِهِ في البَيْتِ مَعَ الحَوارِيِّينَ؛ ومِن أوَّلِ ما مَنَعَهُ اللهُ مِنهم هو الكَفُّ؛ إلى تِلْكَ النازِلَةِ الآخِرَةِ؛ فَهُنالِكَ ظَهَرَ عِظَمُ الكَفِّ؛ والبَيِّناتُ: هي مُعْجِزاتُهُ؛ وإنْجِيلُهُ؛ وجَمِيعُ ما جاءَ بِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٌ - هُنا؛ وفي "هُودٍ"؛ و"اَلصَّفِّ" -: ﴿ "إلا سِحْرٌ"؛ ﴾ بِغَيْرِ ألِفٍ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ - في المَواضِعِ الأرْبَعَةِ -: "ساحِرٌ"؛ بِألِفٍ؛ فَمَن قَرَأ "سِحْرٌ"؛ جَعَلَ الإشارَةَ إلى البَيِّناتِ؛ والحَدِيثِ؛ وما جاءَ بِهِ؛ ومَن قَرَأ "ساحِرٌ"؛ جَعَلَ الإشارَةَ إلى الشَخْصِ؛ إذْ هو ذُو سِحْرٍ عِنْدَهُمْ؛ وهَذا مُطَّرِدٌ في القُرْآنِ كُلِّهِ؛ حَيْثُما ورَدَ هَذا الخِلافُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ يوم يجمع الله الرّسُلَ ﴾ استئناف ابتدائي متّصل بقوله: ﴿ وذلك جزاء المحسنين ﴾ [المائدة: 85].

وما بينهما جمل معترضة نشأ بعضها عن بعض، فعاد الكلام الآن إلى أحوال الذين اتّبعوا عيسى عليه السلام، فبدّل كثير منهم تبديلاً بلغ بهم إلى الكفر ومضاهاة المشركين، للتذكير بهول عظيم من أهوال يوم القيامة تكون فيه شهادة الرسل على الأمم وبراءتهم ممّا أحدثه أممهم بعدهم في الدين ممّا لم يأذن به الله، والتخلّص من ذلك إلى شهادة عيسى على النصارى بأنّه لم يأمرهم بتأليهه وعبادته.

وهذا متّصل في الغرض بما تقدّم من قوله تعالى: ﴿ ولتجدنّ أقربهم مودّة للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى ﴾ [المائدة: 82].

فإنّ في تلك الآيات ترغيباً وترهيباً، وإبعاداً وتقريباً، وقع الانتقال منها إلى أحكام تشريعية ناسبت ما ابتدعه اليهود والنصارى، وذلك من قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم ﴾ [المائدة: 87] وتفنّن الانتقال إلى هذا المبلغ، فهذا عود إلى بيان تمام نهوض الحجّة على النصارى في مشهد يوم القيامة.

ولقد جاء هذا مناسباً للتذكير العامّ بقوله تعالى: ﴿ واتّقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ [المائدة: 108].

ولمناسبة هذا المقام التزم وصف عيسى بابن مريم كلّما تكرّر ذكره في هذه الآيات أربع مرات تعريضاً بإبطال دعوى أنّه ابن لله تعالى.

ولأنّه لمّا تمّ الكلام على الاستشهاد على وصايا المخلوقين ناسب الانتقال إلى شهادة الرسل على وصايا الخالق تعالى، فإنّ الأديان وصايا الله إلى خلقه.

قال تعالى: ﴿ شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى ﴾ [الشورى: 13].

وقد سمّاهم الله تعالى شهداء في قوله: ﴿ فكيف إذا جئنا من كلّ أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ﴾ [النساء: 41].

فقوله: ﴿ يوم يجمع ﴾ ظرف، والأظهر أنه معمول لعامللٍ محذوف يقدّر بنحو: اذكر يوم يجمع الله الرسل، أو يقدّر له عامل يكون بمنزلة الجواب للظرف، لأنّ الظرف إذا تقدّم يعامل معاملة الشرط في إعطائه جواباً.

وقد حذف هذا العامل لتذهب نفس السامع كلّ مذهب ممكن من التهويل، تقديره يوم يجمع الله الرسل يكون هول عظيم لا يبلغه طُولُ التعبير فينبغي طيّه.

ويجوز أن يكون متعلّقاً بفعل ﴿ قالوا لا علم لنا...

﴾ الخ، أي أنّ ذلك الفعل هو المقصود من الجملة المستأنفة.

وأصل نظم الكلام: يجمع الله الرسل يوم القيامة فيقول الخ.

فغيّر نظم الكلام إلى الأسلوب الذي وقع في الآية للاهتمام بالخبر، فيفتتح بهذا الظرف المهول وليوردَ الاستشهاد في صورة المقاولة بين الله والرسل.

والمقصود من الكلام هو ما يأتي بقوله: ﴿ وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس ﴾ [المائدة: 116] وما بينهما اعتراض.

ومن البعيد أن يكون الظرف متعلّقاً بقوله: ﴿ لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ [المائدة: 108] لأنّه لا جدوى في نفي الهداية في يوم القيامة، ولأنّ جزالة الكلام تناسب استئنافه، ولأنّ تعلّقه به غير واسع المعنى.

ومثله قول الزجّاج: إنّه متعلّق بقوله: ﴿ واتّقوا الله ﴾ [المائدة: 108] على أنّ ﴿ يوم ﴾ مفعول لأجله، وقيل: بدل اشتمال من اسم الجلالة في قوله: ﴿ واتّقوا الله ﴾ [المائدة: 108] لأنّ جمع الرسل ممّا يشمل عليه شأن الله، فالاستفهام في قوله: ﴿ ماذا أجبتم ﴾ مستعمل في الاستشهاد.

ينتقل منه إلى لازمه، وهو توبيخ الذين كذّبوا الرسل في حياتهم أو بدّلوا وارتدّوا بعد مماتهم.

وظاهر حقيقة الإجابة أنّ المعنى: ماذا أجابكم الأقوام الذين أرسلتم إليهم، أي ماذا تلقّوا به دعواتكم، حملاً على ما هو بمعناه في نحو قوله تعالى: ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ [النمل: 56].

ويحمل قول الرسل: ﴿ لا علم لنا ﴾ على معنى لا علم لنا بما يضمرون حين أجابوا فأنت أعلم به منّا.

أو هو تأدّب مع الله تعالى لأنّ ما عدا ذلك ممّا أجابت به الأمم يعلمه رسلهم؛ فلا بدّ من تأويل نفي الرسل العلم عن أنفسهم وتفويضهم إلى علم الله تعالى بهذا المعنى.

فأجمع الرسل في الجواب على تفويض العلم إلى الله، أي أنّ علمك سبحانك أعلى من كلّ علم وشهادتك أعدل من كلّ شهادة، فكان جواب الرسل متضمّناً أموراً: أحدها: الشهادة على الكافرين من أممهم بأنّ ما عاملهم الله به هو الحقّ.

الثاني: تسفيه أولئك الكافرين في إنكارهم الذي لا يجديهم.

الثالث: تذكير أممهم بما عاملوا به رسلهم لأنّ في قولهم: ﴿ إنّك أنت علاّم الغيوب ﴾ ، تعميماً للتذكير بكلّ ما صدر من أممهم من تكذيب وأذى وعناد.

ويقال لمن يَسأل عن شيء لا أزيدك علماً بذلك، أو أنت تعرف ما جرى.

وإيراد الضمير المنفصل بعد الضمير المتّصل لزيادة تقرير الخبر وتأكيده.

وعن ابن الأنباري تأويل قول الرسل ﴿ لا علم لنا ﴾ بأنّهم نفوا أن يكونوا يعلمون ما كان من آخر أمر الأمم بعد موت رسلهم من دوام على إقامة الشرائع أو التفريط فيها وتبديلها فيكون قول الرسل ﴿ لا علم لنا ﴾ محمولاً على حقيقته ويكون محمل ﴿ ماذا ﴾ على قوله: ﴿ ماذا أجبتم ﴾ هو ما أجيبوا به من تصديق وتكذيب ومن دوام المصدّقين على تصديقهم أو نقض ذلك، ويعضّد هذا التأويل ما جاء بعد هذا الكلام من قوله تعالى: ﴿ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله ﴾ ، وقولُ عيسى عليه السلام ﴿ وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم ﴾ الآية فإنّ المحاورة مع عيسى بعض من المحاورة مع بقية الرسل.

وهو تأويل حسن.

وعبّر في جواب الرسل ب ﴿ قالوا ﴾ المفيد للمضي مع أنّ الجواب لم يقع، للدلالة على تحقيق أنّه سيقع حتى صار المستقبل من قوة التحقّق بمنزلة الماضي في التحقّق.

على أنّ القول الذي تحكى به المحاورات لا يلتزم فيه مراعاة صيغته لزمان وقوعه لأنّ زمان الوقوع يكون قد تعيّن بقرينة سياق المحاورة.

وقرأ الجمهور ﴿ الغيُوب ﴾ بضم الغين.

وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم بكسر الغين وهي لغة لدفع ثقل الانتقال من الضمّة إلى الباء، كما تقدّم في بيوت في قوله تعالى ﴿ فأمسكوهنّ في البيوت ﴾ من سورة النساء (15).

وفصل قالوا } جرياً على طريقة حكاية المحاورات، كما تقدّم في قوله ﴿ وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة ﴾ في سورة البقرة (30).

وقوله: إذ قال الله يا عيسى ابن مريم } ظرف، هو بدل من ﴿ يومَ يجمع الله الرسل ﴾ بدل اشتمال، فإنّ يوم الجمع مشتمل على زمن هذا الخطاب لعيسى، ولذلك لم تعطف هذه الجملة على التي قبلها.

والمقصود من ذكر ما يقال لعيسى يومئذٍ هو تقريع اليهود.

والنصارى الذين ضلّوا في شأن عيسى بين طرفي إفراط بغض وإفراط حبّ.

فقوله ﴿ اذكر نعمتي عليك ﴾ إلى قوله ﴿ لا أعذّبه أحداً من العالمين ﴾ [المائدة: 115] استئناس لعيسى لئلاّ يفزعه السؤال الوارد بعده بقوله: ﴿ أأنت قلت للناس الخ...

﴾ [المائدة: 116] وهذا تقريع لليهود، وما بعدها تقريع للنصارى.

والمراد من ﴿ اذكر نعمتي ﴾ الذُّكر بضمّ الذال وهو استحضار الأمر في الذهن.

والأمر في قوله ﴿ اذكر ﴾ للامتنان، إذ ليس عيسى بناس لنعم الله عليه وعلى والدته.

ومن لازمه خزي اليهود الذين زعموا أنّه ساحر مفسد إذ ليس السحر والفساد بنعمة يعدّها الله على عبده.

ووجه ذكر والدته هنا الزيادة من تبكيت اليهود وكمدهم لأنّهم تنقّصوها بأقذع ممّا تنقّصوه.

والظرف في قوله ﴿ إذْ أيّدتك بروح القدس ﴾ متعلّق ب ﴿ نعمتي ﴾ لما فيها من معنى المصدر، أي النعمة الحاصلة في ذلك الوقت، وهو وقت التأييد بروح القدس.

وروح القدس هنا جبريل على الأظهر.

والتأييد وروح القدس تقدّماً في سورة البقرة (87) عند قوله: ﴿ وآتينا عيسى ابن مريم البيِّنات وأيّدناه بروح القدس ﴾ وجملة تكلّم } حال من الضمير المنصوب بِ ﴿ أيّدتك ﴾ وذلك أنّ الله ألقى الكلام من الملَك على لسان عيسى وهو في المهد، وفي ذلك تأييد له لإثبات نزاهة تكوّنه، وفي ذلك نعمة عليه، وعلى والدته إذ ثبتت براءتها ممّا اتّهمت به.

والجارّ والمجرور في قوله ﴿ في المهد ﴾ حال من ضمير ﴿ تُكلّم ﴾ .

و ﴿ كَهْلاً ﴾ معطوف على ﴿ في المهد ﴾ لأنّه حال أيضاً، كقوله تعالى: ﴿ دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً ﴾ [يونس: 12].

والمهد والكهل تقدّماً في تفسير سورة آل عمران.

وتكليمه كهلاً أريد به الدعوة إلى الدين فهو من التأييد بروح القدس، لأنّه الذي يلقي إلى عيسى ما يأمره الله بتبليغه.

وقوله: ﴿ وإذْ علّمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ﴾ تقدّم القول في نظيره في سورة آل عمران، وكذلك قوله ﴿ وإذ تخلق من الطين ﴾ إلى قوله وإذ تخرج الموتى بإذني تقدّم القول في نظيره هنالك.

إلاّ أنّه قال هنا ﴿ فتنفخ فيها ﴾ وقال في سورة آل عمران (49) ﴿ فانفخ فيه ﴾ فعن مكّي بن أبي طالب أنّ الضمير في سورة آل عمران عادَ إلى الطير، والضمير في هذه السورة عاد إلى الهيئة.

واختار ابن عطية أن يكون الضمير هنا عائداً إلى ما تقتضيه الآية ضرورة.

أي بدلالة الاقتضاء.

وذلك أنّ قوله: وإذْ تَخْلُق من الطين كهيئة الطير } يقتضي صوراً أو أجساماً أو أشكالاً، وكذلك الضمير المذكّر في سورة آل عمران (49) يعود على المخلوق الذي يقتضيه ﴿ أخْلُق ﴾ وجعله في الكشاف } عائداً إلى الكاف باعتبار كونها صفة للفظ هيئة المحذوف الدّال عليه لفظ هيئة المدخول للكاف وكلّ ذلك ناظر إلى أنّ الهيئة لا تصلح لأن تكون متعلّق ﴿ تنفخ ﴾ ، إذ الهيئة معنى لا ينفخ فيها ولا تكون طائراً.

وقرأ نافع وحده ﴿ فتكون طائراً ﴾ بالإفراد كما قرأ في سورة آل عمران.

وتوجيهها هنا أنّ الضمير جرى على التأنيث فتعيّن أن يكون المراد وإذ تخلق، أي تقدّر هيئة كهيئة الطير فتكون الهيئة طائراً، أي كلّ هيئة تقدّرها تكون واحداً من الطير.

وقرأ البقية «طيراً» بصيغة اسم الجمع باعتبار تعدّد ما يقدّره من هيئات كهيئة الطير.

وقال هنا ﴿ وإذا تخرج الموتى ﴾ ولم يقل: ﴿ وأحي الموتى ﴾ ، كما قال في سورة آل عمران (49)، أي تخرجهم من قبورهم أحياء، فأطلق الإخراج وأريد به لازمه وهو الإحياء، لأنّ الميّت وضع في القبر لأجل كونه ميّتاً فكان إخراجه من القبر ملزوماً الانعكاس السبب الذي لأجله وضع في القبر.

وقد سمّى الله الإحياء خروجاً في قوله: ﴿ وأحيينا به بلدة ميتاً كذلك الخروج ﴾ [ق: 11] وقال: ﴿ إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون ﴾ [المؤمنون: 35].

وقوله: ﴿ وإذ كففت بني إسرائيل عنك ﴾ عطف على ﴿ إذْ أيّدتك ﴾ وما عطف عليه.

وهذا من أعظم النعم، وهي نعمة العصمة من الإهانة؛ فقد كفّ الله عنه بني إسرائيل سنين، وهو يدعو إلى الدين بين ظهرانيهم مع حقدهم وقلّة أنصاره، فصرفهم الله عن ضرّه حتى أدّى الرسالة، ثمّ لمّا استفاقوا وأجمعوا أمرهم على قتله عصمه الله منهم فرفعه إليه ولم يظفروا به، وماتت نفوسهم بغيظها.

وقد دلّ على جميع هذه المدّة الظرف في قوله: ﴿ إذ جئتم بالبيّنات ﴾ فإنّ تلك المدّة كلّها مدّة ظهور معجزاته بينهم.

وقوله: ﴿ فقال الذين كفروا منهم ﴾ تخلّص من تنهية تقريع مكذّبيه إلى كرامة المصدّقين به.

واقتصر من دعاوي تكذيبهم إيّاه على قولهم ﴿ إنْ هذا إلاّ سحر مبين ﴾ ، لأنّ ذلك الادّعاء قصدوا به التوسّل إلى قتله، لأنّ حكم الساحر في شريعة اليهود القتل إذ السحر عندهم كفر، إذ كان من صناعة عبدة الأصنام، فقد قرنت التوراة السحر وعِرافةَ الجانّ بالشرك، كما جاء في سفر اللاويّيين في الإصحاح العشرين.

وقرأ الجمهور: ﴿ إنْ هذا إلاّ سحر ﴾ ، والإشارة بِ ﴿ هذا ﴾ إلى مجموع ما شاهدوه من البيّنات.

وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف ﴿ إلاّ ساحر ﴾ .

والإشارة إلى عيسى المفهوم من قوله: ﴿ إذْ جئتهم بالبيّنات ﴾ .

ولا شك أنّ اليهود قالوا لعيسى كلتا المقالتين على التفريق أو على اختلاف جماعات القائلين وأوقات القول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ ﴾ وإنَّما ذَكَّرَ اللَّهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ وعَلى والِدَتِهِ، وإنْ كانَ لَهُما ذاكِرًا لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: لِيَتْلُوَ عَلى الأُمَمِ ما خَصَّهُ بِهِ مِنَ الكَرامَةِ ومَيَّزَهُ بِهِ مِن عُلُوِّ المَنزِلَةِ.

والثّانِي: لِيُؤَكِّدَ بِهِ حُجَّتَهُ ويَرُدَّ بِهِ جاحِدَهُ.

ثُمَّ أخَذَ تَعالى في تَعْدِيدِ نِعَمِهِ فَقالَ: ﴿ إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ ﴾ يَعْنِي قَوَّيْتُكَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الأيْدِ وهو القُوَّةُ، ورُوحُ القُدُسِ جِبْرِيلُ، والقُدُسُ هو اللَّهُ تَعالى تَقَدَّسَتْ أسْماؤُهُ.

وَتَأْيِيدُهُ لَهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَقْوِيَتُهُ عَلى أمْرِ دِينِهِ.

والثّانِي: مَعُونَتُهُ عَلى دَفْعِ ظُلْمِ اليَهُودِ والكافِرِينَ لَهُ.

﴿ تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا ﴾ أمّا كَلامُهُ لَهم في المَهْدِ إنَّما اخْتَصَّ بِتَعْرِيفِهِمْ حالَ نُبُوَّتِهِ، ﴿ قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴾ ﴿ وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا  ﴾ .

وكَلامُهُ لَهم كَهْلًا دُعاؤُهم إلى ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، وذَلِكَ حِينَ صارَ ابْنَ ثَلاثِينَ سَنَةً وإنْ كانَ مَبْعُوثًا حِينَ وُلِدَ، فَمَكَثَ فِيهِمْ ثَلاثِينَ سَنَةً ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ، ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا حِينَ وُلِدَ غَيْرَهُ ولِذَلِكَ خَصَّهُ اللَّهُ بِالكَلامِ في المَهْدِ صَبِيًّا.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ ﴾ وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُ الخَطَّ.

والثّانِي: يُرِيدُ الكُتُبَ فَعَبَّرَ عَنْها بِالكِتابِ إرادَةً لِلْجِنْسِ.

ثُمَّ فَصَلَ فَقالَ تَعالى: ﴿ والحِكْمَةَ ﴾ وفِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها العِلْمُ بِما في تِلْكَ الكُتُبِ.

والثّانِي: أنَّها جَمِيعُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في دِينِهِ ودُنْياهُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ ﴾ يُرِيدُ تِلاوَتَهُما وتَأْوِيلَهُما.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي ﴾ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿ تَخْلُقُ ﴾ أيْ تَفْعَلُ وتُصَوِّرُ مِنَ الطِّينِ مِثْلَ صُورَةِ الطَّيْرِ، لِأنَّ الخُلُقَ فِعْلٌ لَكِنْ عَلى سَبِيلِ القَصْدِ والتَّقْدِيرِ مِن غَيْرِ سَهْوٍ ولا مُجازَفَةٍ ولِذَلِكَ وُصِفَتْ أفْعالُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّها مَخْلُوقَةٌ لِأنَّها لا تَكُونُ إلّا عَنْ قَصْدٍ وتَقْدِيرٍ ووُصِفَتْ بَعْضُ أفْعالِ العِبادِ بِأنَّها مَخْلُوقَةٌ إذا كانَتْ مُقَدَّرَةً مَقْصُودَةً ولَمْ تُوصَفْ جَمِيعُها بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِجَوازِ كَوْنِ بَعْضِها سَهْوًا أوْ مُجازَفَةً.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَنْفُخُ فِيها ﴾ يَعْنِي الرُّوحَ، والرُّوحُ جِسْمٌ.

وَفي المُتَوَلِّي لِنَفْخِها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَسِيحُ يَنْفُخُ الرُّوحَ في الجِسْمِ الَّذِي صَوَّرَهُ مِنَ الطِّينِ كَصُورَةِ الطَّيْرِ.

والثّانِي: أنَّهُ جِبْرِيلُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى يُقَلِّبُها بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيها لَحْمًا ودَمًا، ويَخْلُقُ فِيها الحَياةَ، فَتَصِيرُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وأمْرِهِ، لا بِفِعْلِ المَسِيحِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي ﴾ أيْ تَدْعُونِي أنْ أُبْرِئَ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، فَأُجِيبُ دُعاءَكَ وأُبْرِئُهُما، وهو فِعْلُ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما نَسَبَهُ إلى المَسِيحِ مَجازًا لِأنَّ فِعْلَهُ لِأجْلِ دُعائِهِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي ﴾ يَعْنِي واذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ، إذْ تَدْعُونِي أنْ أُحْيِيَ المَوْتى، فَأُجِيبُ دُعاءَكَ، حَتّى تُخْرِجَهم مِنَ القُبُورِ أحْياءً، ونَسَبَ إلَيْهِ ذَلِكَ تَوَسُّعًا أيْضًا لِأجْلِ دُعائِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَنْسُبَ إخْراجَهم إلَيْهِ حَقِيقَةً، لِأنَّ إخْراجَهم مِن قُبُورِهِمْ بَعْدَ إحْياءِ اللَّهِ لَهم يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن فِعْلِ المَسِيحِ.

قالَ الكَلْبِيُّ: والَّذِينَ أحْياهم مِنَ المَوْتى رَجُلانِ وامْرَأةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي ﴾ في وحْيِهِ إلى الحَوارِيِّينَ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ألْهَمْتُهم أنْ يُؤْمِنُوا بِي، ويُصَدِّقُوا أنَّكَ رَسُولِي، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ  ﴾ .

والثّانِي: يَعْنِي ألْقَيْتُ إلَيْهِمْ بِالآياتِ الَّتِي أرَيْتُهم أنْ يُؤْمِنُوا بِي وبِكَ.

وَفي التَّذْكِيرِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نِعْمَةٌ عَلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمَنُوا، فَذَكَّرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عِيسى لِأنَّهم أنْصارُهُ.

الثّانِي: أنَّها نِعْمَةٌ عَلى عِيسى، لِأنَّهُ جَعَلَ لَهُ أنْصارًا مِنَ الحَوارِيِّينَ قَدْ آمَنُوا بِهِ.

والحَوارِيُّونَ: هم خَواصُّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِينَ اسْتَخْلَفَهم مِن جُمْلَةِ النّاسِ.

﴿ قالُوا آمَنّا ﴾ يَعْنِي بِاللَّهِ تَعالى رَبَّكَ.

﴿ واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم أشْهَدُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى إسْلامِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وبِهِ.

والثّانِي: أنَّهم أشْهَدُوا اللَّهَ تَعالى بِذَلِكَ عَلى أنْفُسِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة دعى بالأنبياء وأممها، ثم يدعى بعيسى فيذكره الله نعمته عليه فيقربها، يقول ﴿ يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك...

﴾ الآية.

ثم يقول ﴿ أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ﴾ [ المائدة: 116] فينكر أن يكون قال ذلك، فيؤتي بالنصارى فيسألون؟

فيقولون: نعم، هو أمرنا بذلك.

فيطول شعر عيسى حتى يأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده، فيجاثيهم بين يدي الله مقدار ألف عام، حتى يوقع عليهم الحجة، ويرفع لهم الصليب، وينطلق بهم إلى النار» .

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي بكر بن عياش عن ابن وهب عن أبيه قال: قدم رجل من أهل الكتاب اليمن فقال أبي: ائته واسمع منه.

فقلت: تحيلني على رجل نصراني؟

قال: نعم.

ائته واسمع منه.

فأتيته فقال: لما رفع الله عيسى عليه السلام أقامه بين يدي جبريل وميكائيل فقال له ﴿ اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك ﴾ فعلت بك وفعلت بك، ثم أخرجتك من بطن أمك، ففعلت بك وفعلت بك، ستكون أمة بعدك ينتجلونك وينتجلون ربوبيتك، ويشهدون أنك قدمت وكيف يكون رب يموت؟

فبعزتي حلفت لأناصبنهم الحساب يوم القيامة، ولأقيمنهم مقام الخصم من الخصم حتى ينفذوا ما قالوا ولن ينفذوه أبداً، ثم أسلم وجاء من الأحاديث بشيء لم أسمع مثلها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات ﴾ أي الآيات التي وضع على يديه من احياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير.

ثم ينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وإبراء الأسقام، والخبر بكثير من الغيوب مما يدخرون في بيوتهم، وما رد عليهم من التوراة مع الإنجيل الذي أحدث الله إليه، ثم ذكر كفرهم بذلك كله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ الآية، موضع (إذ) يجوز أن يكون رفعًا بالابتداء على معنى: ذاك إذ قال الله، ويجوز أن يكون المعنى: اذكر إذ قال الله (١) وقوله تعالى: ﴿ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ يجوز أن يكون (عيسى) في محل الرفع (٢) يا زبرقانُ أخا بني خَلفٍ ويجوز أن يكون في محل النصب؛ لأنه في نية الإضافة، ثم جعل الابن توكيداً له (٣) يا حَكمُ بنُ المنذرِ بن الجارودُ برفع الأول ونصبه على ما بينا، وقوله تعالى: ﴿ نِعْمَتِي عَلَيْكَ ﴾ أراد الجمع كقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ  ﴾ ، وإنما جاز ذلك لأنه مضاف فصلح للجنس، ثم فسر نعمته عليه بقوله: ﴿ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾ إلى آخر الآية.

وقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى وَالِدَتِكَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد إذ أنبتها نباتًا حسنًا وطهرتها واصطفيتها على نساء العالمين، وكان يأتيها رزقها من عندي وهي في محرابها (٤) وقوله تعالى: ﴿ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾ مضى تفسيره في سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ تُكَلِّمُ النَّاسَ في الْمَهْدِ ﴾ (تكلم) في موضع الحال، أي: أيدتك به مكلما الناس في المهد، قاله الزجاج (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَكَهْلًا ﴾ عطف على موضع (تكلم)، كأن المعنى: وأيدتك به مخاطبًا الناس في صغرك ومخاطبًا الناس كهلًا (٦) ﴿ الْمَهْدِ ﴾ فيكون المعنى: وأيدتك به مكلمًا الناس صغيرًا وكهلًا (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ قيل: الكتابة (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ﴾ وقرأ نافع: (فتكون طائرًا) (١٠) ولو قال قائل: إن الطائر قد يكون جمعًا مثل الحامل والباقر والسامر كان ذلك قياسًا (١١) وأما قوله تعالى: ﴿ فَتَنْفُخُ فِيهَا ﴾ وفي آل عمران: ﴿ فَأَنْفُخُ فِيهِ  ﴾ ، والقول في ذلك أن الضمير في قوله: ﴿ فِيهَا ﴾ يعود إلى الهيئة وتجعلها مصدرًا في موضع المهيأ، كما يقع الخلق موضع المخلوق، وذلك لأن النفخ لا يكون في الهيئة، إنما يكون في المهيأ ذي الهيئة (١٢) ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ  ﴾ ، وأما تذكير الضمير في آل عمران فقد مضى الكلام فيه مستقصى.

وقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد عن قتلك (١٣) وقوله تعالى: ﴿ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ  ﴾ ، وقرأ حمزة والكسائي.

(ساحر) بالألف (١٤) ﴿ سِحْرٌ ﴾ جعله إشارة إلى ما جاء به، كأنه قال: ما هذا الذي جئت به إلا سحر، ومن قرأ: (إلا ساحر) أشار إلى الشخص لا إلى الحدث الذي أتى به، وكلاهما حسن لاستواء كل واحد منهما في أن ذكره قد تقدم (١٥) ﴿ سِحْرٌ ﴾ لجواز وقوعه على الحدث والشخص، أما وقوعه على الحدث فسهل كثير، ووقوعه على الشخص تريد به: ذو سحر، كما جاء: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ  ﴾ أي: ذا البر، وقالوا: إنما أنت سيرٌ وما أنت إلا سيرٌ، وإنما هي إقبال وإدبار، فيجوز أن يريد بسحر ذا سحر، ولا يجوز أن تريد بساحر السحر.

وقد جاء فاعل يراد به المصدر في حروف ليست بالكثير، نحو: عائذ بالله من شره، أي: عياذًا، ونحو العافية (١٦) (١٧) (١) "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 528.

(٢) انظر: المرجع السابق.

(٣) "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 528.

(٤) لم أقف عليه.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 219.

(٦) "معاني الزجاج" 2/ 219.

(٧) "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 528.

(٨) هكذا في النسختين، ولعل الصواب: الكتاب.

(٩) "تفسير الطبري" 7/ 127.

(١٠) انظر: "السبعة" ص 249.

(١١) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2150 (طار)، "الحجة للقراء السبعة" 3/ 276،277.

(١٢) "تفسير الطبري" 7/ 127، "زاد المسير" 2/ 454، 455.

(١٣) "تفسير الطبري" 7/ 128، و"تفسير الوسيط" 2/ 244، والبغوي 3/ 116، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 126.

(١٤) "الحجة" 3/ 270.

(١٥) "الحجة" 3/ 271.

(١٦) في "الحجة" 3/ 272 (العاقبة).

(١٧) من "الحجة" لأبي علي 3/ 271، 272 بتصرف.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِذْ قَالَ الله ﴾ يحتمل أن يكون إذ بدل من يوم يجمع، ويكون هذا القول يوم القيامة أو يكون العامل في إذ مضمراً، ويحتمل على هاذ أن يكون القول في الدنيا أو يوم القيامة وإذا جعلناه يوم القيامة فقوله قال بمعنى يقول، وقد تقدم تفسير ألفاظ هذه الآية في آل عمران ﴿ فَتَنفُخُ فِيهَا ﴾ الضمير المؤنث عائد على الكاف، لأنها صفة للهيئة، وكذلك الضمير فيتكون، وكذلك الضمير المذكور في قوله في آل عمران فينفخ فيه عائد على الكاف أيضاً، لأنها بمعنى مثل وإن شئت قلت: هو في الموضعين عائد على الموصوف المحذوف الذي وصف بقوله كهيئة فتقديره في التأنيث صورة، وفي التذكير شخصاً أو خلقاً وشبه ذلك، وقيل: المؤنث يعود على الهيئة والمذكر يعود على الطير، والطين، وهو بعيد في المعنى ﴿ بِإِذْنِي ﴾ كرره مع كل معجزة ردّاً على من نسب الربوبية إلى عيسى ﴿ وَإِذْ كَفَفْتُ بني إِسْرَائِيلَ عَنكَ ﴾ يعني اليهود حين همّوا بقتله فرفعه الله إليه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب ﴿ شهادة ﴾ بالتنوين ﴿ آلله ﴾ بالمد: روح وزيد.

الباقون بالإضافة."استحق" على البناء للفاعل: حفص والأعشى في اختياره الباقون على البناء للمفعول.

﴿ الأولين ﴾ جمع الأول نقيض الآخر.

سهل ويعقوب وحمزة وخلف وعاصم غير حفص والأعشى في اختياره الباقون ﴿ الأوليان ﴾ تثنية الأولى الأحق ﴿ الغيوب ﴾ بكسر الغين حيث كان: حمزة وحماد وأبو بكر غير الشموني والبرجمي والخزاعي عن ابن فليح في ﴿ ساحر ﴾ وكذلك في هود والصف: حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ سحر ﴾ ﴿ هل تستطيع ﴾ بتاء الخطاب ﴿ ربك ﴾ بالنصب:علي والأعشى في اختياره، الباقون بالياء وبالرفع ﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف من الإنزال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون بالتشديد ﴿ منزلها ﴾ بالتشديد: عاصم وأبو جعفر نافع وابن عامر.

الباقون بالتخفيف ﴿ فإني أعذبه ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ وأمي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ لي أن ﴾ بالفتح: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الباقون بالسكون ﴿ يوم ينفع ﴾ بفتح الميم: نافع.

الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ تسؤكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف.

﴿ تبدلكم ﴾ ط ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ ولا حام ﴾ لا للاستدراك.

﴿ الكذب ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ آبائنا ﴾ ط ﴿ ولا يهتدون ﴾ ه ﴿ أنفسكم ﴾ ج لاحتمال الاستئناف أو الحال أي احفظوا أنفسكم غير مضرورين ﴿ إذا اهتديتم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ مصيبة الموت ﴾ ط ﴿ قربى ﴾ ز لأن وقوله ﴿ ولا نكتم ﴾ من جواب القسم.

﴿ شهادة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلله ﴾ بالمد ﴿ الآثمين ﴾ ه ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز لظاهر "إن" والوصل أجوز لتعلق "إذا" بقوله ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ ط لابتداء الأمر ﴿ واسمعوا ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ أجبتم ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ والدتك ﴾ لا لئلا يوهم أنه ظرف لا ذكر بل عامله محذوف والتقدير: واذكر إذا أيدتك ﴿ وكهلاً ﴾ ج ﴿ والإنجيل ﴾ ج ﴿ والأبرص بإذني ﴾ ج ﴿ الموتى ﴾ ج لأن "إذ" يجوز تعلقه تعلق به "إذ" الأول، ويمكن تعلق كل واحد بمحذوف آخر لتفصيل النعم ﴿ سحر مبين ﴾ ه ﴿ وبرسولي ﴾ ط لاحتمال أن قالوا مستأنف أو عامل في ﴿ إذ أوحيت ﴾ ﴿ مسلمون ﴾ ﴿ من السماء ﴾ الأولى ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ وآية منك ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ ما ليس لي ﴾ ط قد قيل وهو تعسف لأن المنكر لا يقسم به والقسم لا يجاب بالشرط بل الوقف على ﴿ بحق ﴾ ﴿ علمته ﴾ ط ﴿ نفسك ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ وربكم ﴾ ج على أن الواو للاستئناف أو الحال أي وقد كنت ﴿ فيهم ﴾ ط لأن عامل "لما" متأخر وفاء التعقيب دخلتها ﴿ عليهم ﴾ ط لأن الواو لا يحتمل الحال للتعميم في كل شيء ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ عبادك ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين بلا عطف ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ وما فيهن ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: "عن أنس أنهم سألوا رسول الله  فأكثروا المسألة فقام على المنبر فقال: فاسألوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به.

فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه فقال: يا نبي الله من أبي؟

فقال: أبوك حذافة بن قيس وقال سراقة بن مالك" - "ويروى عكاشة بن محصن - يا رسول الله الحج علينا في كل عام؟

فأعرض عنه رسول الله  حتى أعاد مرتين أو ثلاثاً فقال رسول الله  : ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم، والله إن قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لتركتم، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه.

وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أبي؟

فقال: في النار" .

ولما اشتد غضب الرسول  قام عمر فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد  نبياً.

فأنزل الله هذه الآية.

فهي عائدة إلى قوله ﴿ ما على الرسول إلا البلاغ ﴾ كأنه قال: ما آتاكم الرسول فخذوه ولا تخوضوا في غيره فلعله يجيبكم بما يشق عليكم.

وأيضاً كان المشركون يطالبونه بعد ظهور المعجزات بمعجزات أخر كقوله حاكياً عنهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ إلى تمام الآية.

وكان لبعض المسلمين أيضاً ميل إلى ظهورها فمنعوا ذلك لأن طلب الزيادة بعد ثبوت الرسالة من باب التحكم، ولعلها لو ظهرت ثم أنكرت استحق المنكر العقاب العاجل، ويحتمل أن يكون وجه النظم قوله ﴿ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون  ﴾ فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أشياء مخفية إن تبد لكم تسؤكم.

وللنحويين في منع صرف أشياء وجوه، فقال الخليل وسيبويه: أصلها "شياء" على وزن " حمراء" فهو اسم جمع لشيء استثقلوا الهمزتين في آخره فنقلوا الهمزة التي هي لام الفعل إلى أوّل الكلمة فصار وزنه "لفعاء".

وقال الفراء: أصلها "أفعلاء" بناء على أن "شيا" مخفف شيء يقال "هين" في "هين" وقد يجمع "فيعل" على "أفعلاء" كنبي وأنبياء، لكنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فحذفوا اللام فبقي "أشياء" على وزن "أفعاء".

وقال الكسائي: وزنها "أفعال" ومنع الصرف تشبيهاً له بحمراء.

ولا يلزم منه منع صرف "أبناء" و"أسماء" لأن ما ثبت على خلاف الدليل لا يلزم اطراده ولكنه يكون مقصوراً على المسموع.

والحاصل أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتب عليه تكاليف شاقة صعبة.

فالذي سأل عن أبيه لم يأمن أن يلحق بغير أبيه فيفتضح، والسائل عن الحج كاد أن يوجبه في كل عام وقد قال الرسول الله  : "إن أعظّم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسالته" وكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم، فما أحل فاستحلوه وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها فذلك عفو من الله  فاقبلوه.

وقال أبو ثعلبة إن الله  فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحدّ حدوداً فلا تعتدوها وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها.

ثم لما رتب المساءة على السؤال ذكر أن الإبداء سيكون لأن الوحي غير منقطع فقال ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي في زمان الوحي لأن الرسول بين أظهركم ﴿ تبد لكم ﴾ تلك الأمور أو التكاليف.

فالحالصل أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم وإن أبديت لهم ساءتهم فيلزم من المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ساءتهم.

وقيل: السؤال قسمان: أحدهما السؤال عن شيء لم يجر ذكره في الكتاب والسنة فنهى عنه بقوله ﴿ لا تسألوا ﴾ والثاني السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي وهذا السؤال غير مذموم فأشار إلى هذا القسم بقوله: ﴿ وإن تسألوا ﴾ رفعاً للحرج وتميزاً لهذا القسم من الأوّل.

وإنما حسن عود الضمير في "عنها " إلى الأشياء وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين، لأن كلاً منهما مسؤول عنه في الجملة.

وقيل: المعنى وإن تسألوا عن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا تبد لكم.

والمراد أن تطلب الرخصة في السؤال أولاً ثم يسأل ﴿ عفا الله عنها ﴾ أي عما سلف من مسألتكم وإغضابكم الرسول فلا تعودوا " إليها، أو المراد بالعفو أنه  ما أظهر عند تلك المسائل ما يشق عليهم من التكاليف.

وقيل: إن الجملة صفة أخرى للأشياء كما أن الجملة الشرطية والمعطوف عليها صفة لها.

والمعنى لا تسألوا عن أشياء أمسك الله عنها وكف عن ذكرها كما جاء في الحديث " "عفوت عن صدقة الخيل والرقيق" أي خفف عنكم بإسقاطها ﴿ قد سألها ﴾ يعني المسألة التي دل عليها لا تسألوا ﴿ قوم من قبلكم ﴾ سأل الناقة قوم صالح فعقروها، وسأل الرؤية قوم موسى  فصار وبالاً عليهم، وسأل المائدة قوم عيسى  فكفروا بها، ويحتمل أن يعود الضمير في سألها إلى الأشياء فكأن أمة محمد  سألوا عن أحوال الأشياء والمتقدمين سألوا نفس الأشياء كالناقة والمائدة والرؤية فلما اختلفت الأسئلة اختلفت العبارة إلا أن كل واحد من القسمين يشتركان في وصف هو الخوض في الفضول والشروع فيما لا يعني فتوجه الذم عليهما جميعاً.

ولما منعهم عن أمور تكلفوا البحث عنها ذم سيرة قوم تكلفوا التزام أمور لم يؤمروا بها.

ومعنى ﴿ ما جعل ﴾ ما حكم بذلك ولا شرع.

والبحيرة "فعيلة" من البحر الشق.

وبحر ناقته إذا شق أذنها وهي بمعنى المفعول.

قال أبو عبيدة والزجاج: كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ذكراً شقوا أذن الناقة ومنعوا ركوبها وسيبوها لآلهتهم لا تنحر ولا يحمل على ظهرها ولا تطرد عن ماء ولا تردّ عن مرعى ولا ينتفع بها حتى لو لقيها المعي لا يركبها تحرجاً.

وأما السائبة فإنها فاعلة من "ساب" إذا جرى على وجه الأرض.

يقال ساب الماء وسابت الحية، فالسائبة هي التي تركت حتى تسيب إلى حيث شاءت، قال أبو عبيدة: كان الرجل إذا مرض أو قدم من سفر أو نذر نذراً أو شكر نعمة سيب بعيره فكان بمنزلة البحيرة في أحكامها.

وقيل: هي أم البحيرة كانت الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت فلم تركب ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضيف حتى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء جميعاً وبحرت أذن بنتها الأخيرة وكانت بمنزلة أمها في أنها سائبة.

وقال ابن عباس: السائبة هي التي تسيب الأصنام أي تعتق لها وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل.

وقيل هي العبد يعتق على أن يكون عليه ولاء ولا ميراث وأما الوصيلة فإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، إن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.

فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها بغيرها أو بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها.

وأما الحامي فيقال: حماه يحميه إذا حفظه.

قال السدي: هو الفحل الذي يضرب في الإبل عشر سنين فيخلى وقيل: إن الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت.

فإن قيل إذا جاز إعتاق العبيد والإماء فام لا يجوز إعتاق البهائم من الذبح والإيلام؟

فالجواب أن الإنسان خلق لعبادة الله  فإذا أزيل الرق عنه كان ذلك معيناً له على ما خلق لأجله، أما العجم من الحيونات فإنما خلقت لمنافع المكلفين فتركها يقتضي تفويت كمالها عليها.

وأيضاً الإنسان إذا أعتق قدر على تحصيل المنافع ودفع المضار بخلاف البهائم فإنها عاجزة عن جذب الملائم ودفع المنافي في الأغلب، فإعتاقها يفضي إلى ضياعها فظهر الفرق.

﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ قال ابن عباس: يريد عمرو بن لحى وأصحابه كان قد ملك مكة شرفها الله وكان أوّل من غير دين إسماعيل فاتخذ الأصنام ونصب الأوثان وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.

وقال رسول الله  في حقه "لقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه" والقصب الأمعاء هذا حال رؤسائهم ﴿ وأكثرهم لا يعقلون ﴾ يعني العوام والأتباع.

ثم رد على أهل التقليد بقوله ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ الآية وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة.

فنفى العقل عنهم هناك والعلم ههنا مع نفي الاهتداء في الموضعين وفيه دليل على أن الاقتداء لا يجوز إلا بالعاقل العالم المهتدي لابتناء قوله على الحجة والدليل لا على التقليد والأضاليل.

قال أهل البرهان: العلم أبلغ درجة من العقل ولهذا يوصف الله  بالعلم ولا يوصف بالعقل، وكان دعواهم ههنا أبلغ لقولهم ﴿ حسبنا ما وجدنا ﴾ فناسب أن ينفي عنهم العلم الذي هو أبلغ.

ثم ذكر أن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الإعذار والإنذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل أصروا على جهالتهم وضلالتهم فلا تبالوا بهم أيها المؤمنون، فإن جهلهم لا يضركم إذا كنتم منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه.

تقول العرب: عليك زيداً وعندك عمراً يعدّونهما إلى المفعول كأنه قيل: خذ زيداً فقد علاك أي أشرف عليك وحضرك عمرو فخذه.

وليس المراد في عليك أنه حرف جر مع مجروره متعلق بمحذوف، بل الجار والمجرور معاً منقول الى معنى الفعل نقل الأعلام ولهذا سمي أسم فعل.

فإن قيل: ظاهر الآية يوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بواجب، فالجواب المنع فإن الآية لا تدل إلا على أن المطيع لربه غير مؤاخذ بذنب العاصي وهذا خطب أبو بكر فقال: إنكم تقرؤن هذه الآية وتضعونها في غير موضوعها وإني سمعت رسول الله  يقول: " إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب" .

وعن عبد الله بن المبارك أن هذه الآية آكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن معنى ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ احفظوها والزموا صلاحها بأن يعظ بعضكم بعضاً ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات ﴿ لا يضركم ﴾ ضلال ﴿ من ضل إذا اهتديتم ﴾ فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم كما قال الله لرسوله  ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك  ﴾ وقيل: إن الآية مخصوصة بما إذا خاف الأنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله.

وكان ابن شبرمة يقول: من فرَّ من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر.

وقيل: إنها مختصة بالكفار الذين علم الله أنه لا ينفعهم الوعظ، يؤكده ما روي في سبب النزول عن ابن عباس أن رسول الله  لما أقر مجوس هجر بالجزية قال منافقو العرب: عجباً من محمد يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا ولا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب فلا نراه إلا قد قبل من مشركي أهل هجر ما رد على مشركي العرب فأنزل الله  الآية أي لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى والحق.

وقيل: كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العناد من الكفرة فنزلت تسلية لهم كما قال لنبيه  ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات  ﴾ وعن ابن مسعود أن الآية قرئت عنده فقال: إن هذا في آخر الزمان.

ومثله ما روي عن أبي ثعلبة الخشني أنه سئل عن ذلك فقال للسائل: سألت عنها خبيراً سألت رسول الله  عنها فقال: " ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا ما رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام، وإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن كقبض على الجمر للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله" .

وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك ولاموه فنزلت.

ثم إنه  لما أمر بحفظ النفس في قوله ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أمر بحفظ المال.

عن ابن عباس أن تميماً الداري وأخاه عدياً - وكانا نصرانيين -، خرجا إلى الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص - وكان مسلماً مهاجراً - خرجوا للتجارة.

فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتاباً فيه نسخة جميع ما معه وأخفاه بين الأقمشة ولم يخبر صاحبيه بذلك، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات.

ففتشا متاعه فأخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى النبي  فنزلت.

ومعنى ﴿ شهادة بينكم ﴾ شهادة ما بينكم أي من التنازع والتشاجر.

وإنما أضيفت الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند النزاع ﴿ وإذا حضر ﴾ ظرف للشهادة ﴿ حين الوصية ﴾ بدل منه.

وفي هذا دليل أن الوصية مما لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم عند ظهور أمارات الموت فكأنّ وقتيهما واحد وهما متلازمان.

وارتفع ﴿ اثنان ﴾ على أنه قام مقام الخبرية أي شهادة بينكم أن يشهد اثنان.

وفي قوله اثنين، أو على أنه فاعل فعل محذوف والتقدير شهادة ما بينكم أن يشهد اثنان.

وفي قوله ﴿ منكم ﴾ و ﴿ من غيركم ﴾ قولان: فعن الحسن والزهري وعليه جمهور الفقهاء أن ﴿ منكم ﴾ أي من أقاربكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من الأجانب.

والمعنى إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من أقاربكم فاستشهدوا على الوصية أجنبيين.

وجعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بحال الميت وأرأف به.

وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح ومجاهد وابن جريج وابن سرين أن ﴿ منكم ﴾ أي من أهل ملتكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من كافر كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو عابد وثن.

قال الشافعي: مرض رجل من المسلمين في الغربة فلم يجد أحد من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري وكان والياً عليها فأخبراه بالواقعة.

فقال أبو موسى: هذا أمر لم يقع بعد النبي صلىالله عليه وسلم فحلفهما في مسجد رسول الله  بعد العصر بالله العظيم أنهما ما كذبا وما بدلا وأجاز شهادتهما.

والذاهبون إلى هذا القول احتجوا بأن الخطاب في ﴿ منكم ﴾ لجميع المؤمنين فيلزم أن يكون غيرهم كافرين، وبأن هذين الشاهدين لو كانا مسلمين لم يكن الاستشهاد بهما مشروطاً بالسفر لجواز ذلك في الحضر أيضاً بالاتفاق، وبأنه  أوجب الحلف عليهما والشاهد المسلم لا يجب تحليفه ألبته، وبأن الشاهدين في سبب النزول كانا نصرانيين وبأن أبا موسى قضى بذلك ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وبأن الضرورات تبيح المحظورات كالتيمم والإفطار وأكل الميتة، والمسلم إذا قرب أجله ولم يجد مسلماً ولا تقبل شهادة الكفار ضاع أكثر مهماته فقد يكون عليه زكوات وكفارات وديون ولديه ودائع وله مصالح ولمثل هذه الضرورة جوّزنا شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء كالحيض والحبل والولادة.

وللأولين أن يجيبوا بأن حذف المضاف غير عزيز وبأن ذكر السفر ليس لأجل اشتراط قبول الشهادة ولكن لأجل أن الغالب في السفر فقدان الأقارب ووجود الأجانب، وبأن التحليف مشروط بالريبة وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما، وبأن سبب النزول لا يلزم أن ينطبق على الحكم حذو القذة بالقذة.

وبأن قصة أبي موسى خبر الواحد، وبأن الضرورة كانت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذرهم في السفر غالباً.

ومما يصلح أن يكون مؤكداً لهذه الآية وإن لم يجز أن يكون ناسخاً لها عند من يرى أن المائدة من آخر القرآن نزولاً قوله  ﴿ وأشهدوا ذوى عدل منكم  ﴾ وليس المراد من العدالة الاحتراز عن الكذب في النطق فقط بل في الدين والاعتقاد، ولا كذب أعظم من الفرية على الله  وعلى رسله.

وإنما تقبل شهادة أهل البدع والأهواء من هذه الأمة احتشاماً لكلمة الإسلام.

وموقع ﴿ تحبسونهما ﴾ أي توقفونهما وتصيرونهما استئناف كأنه قيل: فكيف نعمل إن ارتبنا؟

فقيل ﴿ تحبسونهما من بعد الصلاة ﴾ قال ابن عباس: من بعد صلاة دينهما.

وقال عامة المفسرين: من بعد صلاة العصر لأن هذا الوقت كان معروفاً عندهم بالتحليف بعده، ولفعل رسول الله  حيث دعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بعد صلاة العصر، ولأن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله  فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها.

وقال الحسن: المراد بعد الظهر وبعد العصر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما.

وقيل: بعد أي صلاة كانت لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

قال الشافعي: الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام وبالمدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد.

وقد تغلظ بالتكرير والتعديل كما في القسامة واللعان أو بزيادة الأسماء والصفات، وقال أبو حنيفة: يحلف من غير التغليظ بزمان أو مكان.

ولا يخفى أن قول الشافعي أوفق للآية.

والمقسم عليه قوله ﴿ لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ﴾ وقوله ﴿ إن ارتبتم ﴾ اعتراض، والضمير في ﴿ به ﴾ ، للقسم وفي كان للمقسم له يعني لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا ولو كان من يقسم له قريباً منا، أرادوا أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً كقوله ﴿ شهداء لله ولو على أنفسكم ﴾ وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بينهم أكمل ﴿ ولا نكتم شهادة الله  ﴾ التي أمر بحفظها وتعظيمها وأدائها ﴿ إنا إذاً لمن الآثمين ﴾ أي إذا كتمناها كنا من الآثمين.

ونقل عن الشعبي أنه وقف على قول الله عز وجل ﴿ شهادة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ الله ﴾ بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه.

وروى عنه بغير مدّ على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول: الله لقد كان كذا والمعنى بالله ﴿ فإن عثر ﴾ قال الليث: عثر الرجل يعثر عثوراً إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره وقريب منه العثار لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه.

والمعنى فإن حصل الإطلاع على أنهما استحقا إثماً - وهو كناية عن الخيانة والحنث في الحلف - ﴿ فآخران ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أو فاعل فعل محذوف، أو صفة مبتدأ محذوف أي فالشاهدان أو فليشهد أو فشاهدان آخران ﴿ يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم ﴾ قال في الكشاف: أي الإثم ومعناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته.

وفي التفسير الكبير أنه المال.

وإنما وصف موالي الميت بذلك لأنه أخذ مالهم وكل من أخذ ماله غيره فقد حاول ذلك الغير أن يكون تعلقه بذلك المال مستعلياً على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال.

وارتفع ﴿ الأوليان ﴾ على أنهما خبر مبتدأ محذوف فكأنه قيل: ومن الآخران؟

فقيل: هما الأوليان، ويجوز أن يكون بدلاً من الضمير في ﴿ يقومان ﴾ أو من ﴿ آخران ﴾ ويجوز أن يرتفع بـ ﴿ استحق ﴾ أي من الذين استحق عليهم انتداب الأولين منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة الحال - قاله في الكشاف - ومعنى الأوليان الأقربان إلى الميت أو الأوليان الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، أو الأحقان باليمين إما على تقدير الرد وذلك عند الشافعي وكل من يرى رد اليمين على المدعي، وإما لانقلاب القضية عند من لا يرى ذلك كأبي حنيفة وأصحابه، فإن من أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادّعى الدين أوّلاً لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه.

وفي هذه القصة ادعى الوصيان أن الميت باع منهما الإناء، والورثة أنكروا فكان اليمين حقاً لهم.

ومن قرأ ﴿ الأوّلين ﴾ على الجمع فعلى أنه نعت لـ ﴿ الذين استحق عليهم ﴾ أو منصوب على المدح.

ومعنى الأوّلية التقدم على الأجانب في الشهادة أو التقدم في الذكر في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وكذلك ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ ذكرا قبل قوله قرأ ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ ومن قرأ ﴿ استحق ﴾ على البناء للفاعل ﴿ عليهم الأوليان ﴾ فقد قال في الكشاف: معناه من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين.

وفي التفسير الكبير أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصية، ولما خانا في مال الوصية صح أن يقال: إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان.

روي أنه لما نزلت الآية الأولى صلى رسول الله  صلاة العصر ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو إنه لم يجد منا خيانة في هذا المال فخلى رسول الله  سبيلهما وكتما الإناء مدة، ثم باعاه فوجد بمكة.

وقيل: لما طالت المدة أظهراه فبلغ ذلك ورثته فطلبوه منهما فقالا: كنا قد اشتريناه.

فقالوا: ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئاً فقلتم لا؟

فقالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر وكتمنا.

فرفعوا القصة إلى رسول الله  فأنزل الله  ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا ﴾ الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن وداعة فحلفا بالله بعد العصر ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ﴾ في طلب هذا المال وفي نسبتهم الى الكذب والخيانة، فدفع رسول الله  الإناء اليهما وإلى أولياء الميت.

وكان تميم الداري يقول بعد إسلامه: صدق الله وصدق رسوله أنا أخذت الإناء فأتوب الى الله  .

وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فقال: حلفت كذباً وقد بعت الإناء أنا وصاحبي بألف وقسمنا الثمن، ثم دفع خمسمائة من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى أولياء الميت ﴿ ذلك ﴾ الحكم الذي شرعناه والطريق الذي نهجناه أقرب إلى ﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي كما هو في الواقع ﴿ أو يخافوا أن تردّ ﴾ في مثل هذه القضية ﴿ أيمان ﴾ على الورثة ﴿ بعد أيمانهم ﴾ وهذا تفسير من يرى ردّ اليمين، وأما من لا يرى ذلك فالمعنى عنده أن تكرّ أيمان شهود آخرين لانقلاب المدعى عليه مدعياً وعلى التقديرين يظهر كذبهم.

والحاصل أن هذا الحكم يصير باعثاً للشهود على أداء حق الشهادة للداعي أو الصارف ﴿ واتقوا الله ﴾ في الأيمان ﴿ واسمعوا ﴾ مواعظه سماع قبول ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ الخارجين عن مناهج شرائعه وأحكامه وفيه من الوعيد ما فيه.

قال المفسرون: هذه الآية في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً.

وروى الواحدي في البسيط عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام، ولهذا ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الحكم هذه الآية منسوخ.

ثم إنه  ختم الأحكام بوصف أحوال القيامة وذكر بعض ما سيجري هناك من الخطاب والعتاب جرياً على عادته في هذا الكتاب من خلط التكاليف بالإلهيات والنبوّات وأحوال المعاد فقال ﴿ يوم يجمع الله الرسل ﴾ قال الزجاج: تقديره واتقوا الله يوم كذا لا على أنه ظرف لأنهم غير مأمورين بالتقوى في ذلك اليوم ولكن على أنه بدل أشتمال من اسم الله، ويجوز أن يكون ظرفاً لقوله ﴿ لا يهدي ﴾ أي لا يهديهم طريق الجنة يومئذٍ، أو منصوباً بإضمار"اذكر"، أو ظرفاً لما يجيء بعده وهو ﴿ قالوا ﴾ وعلى هذين الوجهين تكون الآية منقطعة عما قبلها.

و"ماذا" منصوب بـ"أجبتم" ولكن انتصاب المصدر على معنى أيّ إجابة أجبتم، ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم.

وفائدة السؤال توبيخ قومهم كما كان سؤال الموؤدة توبيخاً للوائد.

ثم ظاهر قوله ﴿ لا علم لنا ﴾ يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم، فالجمع بين هذا وبين قوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ الآية مشكل.

فقال جمع من المفسرين: إن القيامة زلازل وأهوالاً تزيل العقول؛ فالأنبياء عندها ينسون أكثر الأمور فهنالك يقولون: لا علم لنا، فإذا عادت إليهم عقولهم شهدوا للأمم.

ولا يرد عليه قوله ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ﴾ لأن مواقف القيامة مختلفة، ولأن عدم الخوف من العاقبة لا ينافي الحيرة والدهشة أوّلاً.

وقال آخرون المراد منه المبالغة في توبيخ الكفرة فإن ذلك هو المقصود من السؤال كما يقول الواحد لغيره: ما تقول في فلان؟

فيقول: أنت أعلم به مني فكأنك قلت: لا يحتاج فيه الى شهادة لظهوره.

وفيه مع التوبيخ إظهار لتشكي الأنبياء ممن كذبوهم وعادوهم.

وقال ابن عباس: نفوا العلم عن أنفسهم عند علام الغيوب ليعلم أن علمهم هناك كلا علم.

وقيل: المراد نفي العلم بخاتمة أحوالهم وما كان منهم بعد وفاتهم وإنما الأمور بخواتيمها.

وقال في التفسير الكبير: إن الذي عرفوه منهم في الدنيا كان مبنياً على ظاهر أحوالهم كما قال: نحن نحكم بالظاهر وكان ظناً غالباًوالأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأمور وبواطنها فلهذا نفوا العلم فإن الظن لا عبرة به في القيامة من أن السكوت وتفويض الأمر إلى الأعلم الأعدل أقرب إلى الأدب.

وقرىء ﴿ علام الغيوب ﴾ بالنصب على أن الكلام قد تم عند قوله ﴿ أنت ﴾ أي أنت الموصوف بالجلال والكبرياء، ثم نصب ﴿ علام الغيوب ﴾ على الاختصاص أو على النداء.

ثم عدّد أنواع نعمه على عيسى  واحدة فواحدة تنبيهاً على أنه عبد وليس بإله وتوبيخاً للمتمردين من الأمم، وأولى الأمم بذلك النصارى الطاعنون في ذات الله،  باتخاذ الصاحبة والولد.

وموضع ﴿ إذ قال ﴾ رفع بالابتداء على معنى ذاك إذ قال الله أو نصب بإضمار "اذكر"، أو هو بدل من ﴿ يوم يجمع ﴾ وإنما ذكر القول بلفظ الماضي دلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد قامت ووقعت كما يقال: الجيش قد أتى إذا قرب إتيانهم، أو ورد على الحكاية كقول الرجل لصاحبه: كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا فصنعنا كذا.

ومحل ﴿ يا عيسى ﴾ مضموم على أنه منادى مفرد معرفة، أو مفتوح لأنه وصف بابن مضاف إلى علم وهو المختار للتخفيف وكثرة الاستعمال ﴿ نعمتي عليك ﴾ أراد الجمع ووحدت لأنه مضاف يصلح للجنس.

وإنما قال: ﴿ وعلى والدتك ﴾ لأن النعمة على الولد نعمة على أبويه، ولأن مكارم الأخلاق دليل على طيب الأعراق.

﴿ إذ أيدتك ﴾ بدل ﴿ من نعمتي ﴾ أي قوّيتك ﴿ بروح القدس ﴾ أي بجبريل والقدس هو الله كأنه أضافه إلى نفسه تعظيماً له، أو بالروح الطاهرة المقدسة وقد تقدم في البقرة ﴿ تكلم الناس ﴾ حكاية حال ماضية ﴿ في المهد وكهلاً ﴾ في هاتين الحالتين من غير تفاوت ﴿ وإذ علمتك الكتاب ﴾ الخط أو جنس الكتب ﴿ والحكمة ﴾ النظرية والعلمية ﴿ والتوراة والإنجيل ﴾ يعني الإحاطة بالأسرار الإلهية بعد العلوم المتداولة ﴿ فتنفخ فيها ﴾ الضمير للكاف لا للهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء، وكذلك الضمير في ﴿ فتكون ﴾ والكاف مؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي كهيئة الطير ومذكر في الظاهر فلهذا عاد الضمير إليه مذكراً تارة كما في آل عمران، ومؤنثاً أخرى كما في هذه السورة.

وكرر ﴿ بإذني ﴾ أي بتسهيلي ليعلم أن الكل بأقدار الله تعالى وتمكينه وإظهاره الخوارق على يديه وإلا فهو عبد كسائر عبيده.

﴿ وإذ كففت ﴾ يروى أنه لما أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهود قتله فخلصه الله  برفعه إلى السماء.

﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ من قرأ بغير ألف أشار إلى ما جاء به أو أراد أنه ذو سحر فأطلق عليه الحدث مبالغة، ومن قرأ بالألف أشار الى الرجل.

واللام في ﴿ البينات ﴾ يحتمل أن تكون للجنس ويحتمل أن يراد بها المعجزات المذكورة.

وذكر قول الكفار في حقه ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ يحتمل ان يكون من تمام القصة استطراداً، ويمكن أن يراد بذلك تعداد النعم أيضاً لأن كل ذي نعمة محسود، فطعن الكفار فيه يدل على علو شأنه وسموّ مكانه.

وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل ولابتهاجه بهذه النعم الجسام والمنن العظام كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئاً لغد يقول مع كل يوم رزقه، لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات.

﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا ﴾ إن كانوا أنبياء فظاهر وإلا فالوحي بمعنى الإلهام كقوله ﴿ وأوحى ربك إلى النحل  ﴾ ﴿ وأوحينا إلى أم موسى  ﴾ وهذا أيضاً من جملة النعم لأن كون الإنسان مقبول القول عند الناس محبوباً في قلوبهم من أعظم نعم الله  .

وقدم الإيمان على الإسلام ليعلم أنهم آمنوا بقلوبهم.

وانقادوا بظواهرهم ﴿ هل يستطيع ربك ﴾ من قرأ بالتاء وبالنصب فظاهر والمراد هل تستطيع سؤال ربك أي هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله؟

ومن قرأ بالياء وبالرفع فمشكل لأنه  حكى عنهم أنهم قالوا آمنا فكيف يتصوّر مع الإيمان شك في اقتدار الله تعالى؟

وأجيب بوجوه منها: أن حكاية الإيمان عنهم لا يوجب كمالهم وإخلاصهم في ذلك ولهذا قال لهم عيسى ﴿ اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ﴾ ومنها أنهم طلبوا مزيد الإيقان والطمأنينة ولهذا قالوا ﴿ وتطمئن قلوبنا ﴾ ومنها أنهم أرادوا هل هو جائز في الحكمة أم لا، وهذا على أصول المعتزلة من وجوب رعاية الأصلح، أو أرادوا هل قضي بذلك وعلم وقوعه أم لا، فإن خلاف معلومه غير مقدور وهذا عند الأشاعرة.

ومنها قول السدّي إن السين زائدة وكذا التاء أي هل يطيع ربك؟

ومنها لعل المراد بالرب جبريل لأنه كان يربيه.

ومنها أن المراد بالاستفهام التقرير كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول: هل يقدر السلطان على إشباع هذا؟

يريد أن ذلك أمر جلي لا يجوز للعاقل أن يشك فيه.

قال الزجاج: المائدة فاعلة من ماد يميد إذا تحرك فكأنها تميد بما عليها.

وذلك أنها لا تسمى مائدة إلا إذا كان عليها طعام فإذا لم يكن عليها طعام فهي خوان.

وقال ابن الأنباري: هي من مادة إذا أعطاه كأنها تعطي من تقدم إليه.

وقال أبو عبيدة: هي بمعنى "مفعولة" مثل ﴿ عشية راضية  ﴾ أي مرضية كأن صاحبها أعطاها الحاضرين.

قال عيسى ﴿ اتقوا الله ﴾ في تعيين المعجزة فإنه كالتحكم.

وأيضاً اقتراح معجزة بعد ظهور معجزات كثيرة تعنت، أو أمرهم بالتقوى ليتوسلوا بها إلى المطلوب ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب  ﴾ فأجاب الحواريون بأنا لا نطلب هذه المعجزة بمجردها ولكنا نريد أن نأكل منها فإن الجوع قد غلب علينا ولا نجد طعاماً آخر - يروى أنهم سألوها في مفازة على غير ماء ولا طعام - وأن نزداد يقيناً وعرفاناً وطمأنينة فإن التي شاهدناها منك معجزات أرضية وهذه سماوية فتكون أعجب وأغرب، وأن نعلم صدقك في دعوى النبوّة أو فيما وعدتنا وذلك أنه كان قال لهم: صوموا ثلاثين يوماً، وإذا تم صومكم فكل ما سألتموه الله  فإنه يعطيكم.

وإذا شاهدنا المعجزة كنا عليها من الشاهدين للذين لم يحضروها من بني إسرائيل، أو نكون من الشاهدين لله تعالى بالقدرة ولك بالنبوة ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ صفة للمائدة أو استئناف.

وقرىء بالجزم جواباً للأمر.

كان نزولها يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيداً.

والعيد ما يعود إليك في وقت معلوم ومنه العيد لأنه يعود كل سنة بفرح جديد ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ بدل من لنا بتكرير العامل أي لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا، أو يأكل منها آخر الناس كما يأكل أوّلهم، أو للمقدّمين منا والأتباع.

وقرىء ﴿ لأولانا وأخرانا ﴾ بمعنى الأمة أو الجماعة.

فقول عيسى ﴿ ربنا ﴾ ابتداء بذكر الحق ﴿ وأنزل علينا ﴾ انتقال من الذات إلى الصفات، وقوله ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها بل من حيث إنها صادرة عن المنعم.

وقوله ﴿ وآية منك ﴾ إشارة إلى كون المائدة دليلاً لأصحاب النظر والاستدلال وقوله ﴿ وارزقنا ﴾ إشارة إلى حصة النفس فالحواريون قدّموا غرض النفس وأخروا الأغراض الدينية، وأن عيسى بدأ بالأشراف حتى انتهى إلى الأخس ثم قال ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، وعند هذا يظهر التفاوت بين النفوس الكاملة والناقصة والمشرقة والمظلمة.

اللهم اجعلنا من أهل الكمال والإشراق بعميم فضلك وجسيم طولك ﴿ منزلها ﴾ بالتخفيف والتشديد بمعنى.

وقيل: بالتشديد للتكثير وبالتخفيف مرة واحدة ﴿ عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ﴾ قال ابن عباس: يريد مسخهم خنازير.

وقيل: قردة.

وقيل جنساً من العذاب لا يكون مؤخراً إلى الآخرة.

﴿ وعذاباً ﴾ نصب على المصدر أي تعذيباً والضمير في ﴿ لا أعذبه ﴾ للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء في الموضعين، فقيل: أعذبه بعذاب لا أعذب به أحداً، وأراد بالعالمين عالمي زمانهم.

واختلف في أن عيسى  سأل المائدة لنفسه أو سألها لقومه وإن كان أضافها إلى نفسه في الظاهر وكلاهما محتمل.

أما نزولها فقد قال مجاهد والحسن: إن المائدة ما نزلت بل القوم لما سمعوا العذاب استغفروا وقالوا: لا نريدها وأكدوا هذا القول بأنه وصف المائدة بكونها عيداً لأولهم وآخرهم، فلو نزلت لبقي العيد إلى يوم القيامة.

وقال جمهور المفسرين: إنها نزلت لأنه  وعد إنزالها بقوله ﴿ إني منزلها عليكم ﴾ ثم إن يوم نزولها كان عيداً لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم.

روي أن عيسى  لما أراد الدعاء لبس الصوف ثم قال: اللهم أنزل علينا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى  وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة.

ثم قال لهم: ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها، فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك.

فقام عيسى  فتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين.

فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسماً، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد.

فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟

قال:ليس منهما ولكن شيء اخترعه الله بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله.

فقال الحواريون: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال: يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت ثم قال لها: عودي كما كنت فعادت مشوية.

ثم طارت المائدة ثم عصوا الله بعدها فمسخوا قردة وخنازير.

وقيل إن عيسى  كان شرط عليهم أن لا يسرفوا في الأكل ولا يدخروا فعصوا وادخروا فمسخوا، ﴿ وإذ قال الله ﴾ معطوف على مثله.

والصحيح أن هذا القول أيضاً يوم القيامة لقوله عقيب ذلك ﴿ هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ وقيل: هذا عند رفع عيسى  نظراً إلى أن "إذ" للماضي وقد مر توجيه ذلك.

﴿ أأنت قلت ﴾ استفهام بطريق الإنكار والغرض منه توبيخ النصارى.

قال بعض المشككين: إن أحداً من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى  وأمه مع القول بنفي إلهية الله  .

وأجيب بأن الإله هو الخالق وأنهم يعتقدون أن خالق المعجزات والكرامات التي ظهرت على يد عيسى ومريم هو عيسى ومريم وليس لقدرة الله  في ذلك مدخل، فبهذا التأويل صح ما حكي عنهم.

وأقول: يشبه أن يكون المراد بقوله ﴿ من دون الله ﴾ أي بعد الله فيكون التوبيخ على التثليث.

أو المراد أنه لما دل البرهان على نفي تعدد الإله فمن قال بإلهية عيسى أو أمه لزمه القول بنفي المعبود الحق  عن ذلك ولهذا قال عيسى ﴿ سبحانك ﴾ أي أنزهك تنزيهاً من أن يكون لك شريك.

ثم لم يجب بأني قلت أو ما قلت لأن ذلك يجري مجرى الطهارة والتبرئة بل أجاب بقوله ﴿ ما يكون ﴾ أي ما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقوله إظهاراً لغاية الخضوع والاستكانة.

ثم فوّض الأمر إلى علمه المحيط بالكل فقال ﴿ أن كنت قلته فقد علمته ﴾ ثم علل ذلك بقوله ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ﴾ أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك.

وذكر النفس ثانياً لأجل المشاكلة وهو من فصيح الكلام، أو تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي، أو تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، أو تعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل - عبارات للمفسرين - ثم أكد ما ذكر بقوله ﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ "أن" في قوله ﴿ أن اعبدوا الله ﴾ إن جعلتها مفسرة فالمفسر إما فعل القول أو فعل الأمر ولا وجه لكليهما.

أما فعل القول فيحكى بعده الكلام بلا "أن" فيقال: مما قلت لهم إلا اعبدوا الله اللهم إلا أن يقال: إن المضاف محذوف والتقدير ما أمرتني بقوله، فيكون التفسير الصريح القول المقدر، وصريح القول المقدّر كالفعل المؤوّل بالقول في عدم الظهور حتى يجوز توسيط "أن".

وأما فعل الأمر فمسند إلى ضمير الله، فلو فسرته بـ ﴿ اعبدوا الله ﴾ لم يستقم لأن الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها مصدرية عند من يجوّز دخولها على الطلبية، فإن كان بدلاً من ﴿ ما أمرتني ﴾ والمبدل في حكم السقوط كان المعنى ما قلت لهم إلا عبادته ولا يستقيم، لأن العبادة لا تقال، وإن جعلته بدلاً من الهاء في ﴿ به ﴾ لم يصح أيضاً لأنه يؤل المعنى بعد طرح المبدل إلى قولك إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله فيبقى الموصول بلا عائد.

فإذن الوجه أن يحمل فعل القول على معناه فيكون أصل المعنى ما أمرتهم إلا بما أمرتني به حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم إلا أنه وضع القول موضع الأمر رعاية للأدب كيلا يجعل نفسه وربه آمرين ودل على الأصل بذكر"أن" المفسرة.

قال في الكشاف: ويجوز أن تكون "أن " مصدرية عطف بيان للهاء لا بدلاً، وحينئذ يبقى العائد بحاله ﴿ وكنت عليهم شهيداً ﴾ كالشاهد على المشهود عليه أمنعهم من التدين بما يوجب التفكير ﴿ ما دمت فيهم ﴾ مدة دوامي فيما بينهم ﴿ فلما توفيتني ﴾ بالرفع إلى السماء ﴿ كنت أنت الرقيب ﴾ الحافظ ﴿ عليهم ﴾ المراقب لأحوالهم ﴿ وأنت على كل شيء شهيد ﴾ من الشهادة أو من الشهود بمعنى الحضور.

﴿ وإن تغفر لهم ﴾ فيه سؤال وهو أنه كيف جاز لعيسى هذا القول والله  لا يغفر الشرك؟

والجواب أن قوله لعيسى  ﴿ أأنت قلت الناس ﴾ مبني على أن قوماً من النصارى حكوا عنه هذا الكلام، والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافراً بل يكون مذنباً فقط، ولو سلم أنه أشرك فغفران الشرك جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة لأن العقاب حق الله على المذنب وليس في إسقاطه على الله  مضرة، بل كلما كان الجرم أعظم كان العفو أحسن، إلا أن الدليل السمعي في شرعنا دل على أنه لا يكون فلعل هذا الدليل السمعي لم يكن موجوداً في شرع عيسى  ، أو لعل عيسى جوّز أن يكون بعضهم قد تاب عنه.

أما من زعم أن هذه المناظرة والمحاورة إنما كانت عند رفعه إلى السماء فلا إشكال أصلاً لأن المراد إن توفيتهم على هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك، وإن أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان وغفرت لهم ما سلف منهم ﴿ فإنك أنت العزيز ﴾ القادر على ما تريد ﴿ الحكيم ﴾ في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك، وفي مصحف عبد الله ﴿ فإنك أنت الغفور الرحيم ﴾ وضعفه العلماء لأن ذلك يشعر بكونه شفيعاً لهم لا على تفويض الأمر بالكلية إلى حكمه  ، والمقام هذا لا ذاك، وعن بعضهم أن ذكر الغفور والرحيم يشبه الحالة الموجبة للمغفرة والرحمة، وأما العزة والحكمة فلا يوجبان إلا التعالي عن جميع جهات الاستحقاق، فحصول المغفرة بعد ثبوت هذا الاستغناء والعزة يكون أدل على كمال العفو والرحمة فإن العفو عند المقدرة.

قال بعض العلماء: في الآية نوع شفاعة من عيسى  لفساق أمته، فلأن يثبت ذلك من محمد  لفساق أمته أولى ﴿ هذا يوم ينفع ﴾ من قرأ بالرفع فظاهر وأنه في تقدير الإضافة أي هذا يوم منفعة الصادقين، ومن قرأ بالنصب فإما على أنه ظرف لـ ﴿ قال ﴾ ، وإما على أن هذا مبتدأ والظرف خبر أي هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع في هذا اليوم كقولك: القتال يوم السبت.

وقال الفراء: يوم أضيف إلى ما ليس باسم فبني على الفتح كما في "يومئذ" وخطأه البصريون وقالوا: إنما يبنى الظرف إذا أضيف إلى المبنى كالماضي في قول النابغة: على حين عاتبت المشيب على الصبا *** أو مثل "لا" في قوله  ﴿ يوم لا تملك  ﴾ وأجمعوا على أن هذا اليوم يوم القيامة.

والمراد أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في القيامة كما قال قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة: أما إبليس فقال ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق  ﴾ فصدق وكان قبل ذلك كاذباً فلم ينفعه، وأما عيسى فكان صادقاً في الدنيا وفي الآخرة فنفعه صدقه.

وفي هذا الكلام تصديق من الله  لعيسى في قوله ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ﴾ {  م ورضوا عنه} هما متلازمان لأن رضا الله عن العبد في رعاية وظائف العبودية ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ وإذا صحح الإنسان نسبة العبودية علم أن العبد لا يكون له إرادة واختيار فتكون إرادته مغمورة في إرادة ربه.

﴿ ذلك الفوز العظيم ﴾ إشارة إلى جميع المذكورات أو إلى الجزء الأشرف الأقرب وهو الرضوان ﴿ ما فيهن ﴾ لم يقل "ومن فيهن" ليكون أدل على العموم، ولينبه على أن عقول ذوي العقول وعلوم أرباب العلوم بالنسبة إلى علمه كلا علم، وإنما هم وغيرهم تحت قهره وتسخيره سواء.

واعلم أنه  افتتح السورة بقوله ﴿ أوفوا بالعقود  ﴾ وهو الشريعة والبداية وختم السورة بهذه الآية الدالة على فناء الكل في جنب جلاله وكبريائه وهو الحقيقة والنهاية، فما أحسن هذا النسق!

وأيضاً في السورة بيان الشرائع والأحكام الكثيرة والمناظرة مع اليهود والنصارى، فهذا الاختتام ذكر فيه أن  مالك لجميع الممكنات والكائنات موجد لجميع الأرواح والأجساد ليصح التكليف على أيّ وجه أراد، وليكون رداً على اليهود بحكم المالكية في نسخ شريعة موسى ووضع شريعة محمد  ، وليكون رداً على النصارى في أن عيسى ومريم عليهما السلام داخلان في المخلوقات موجودان بإيجاد الله ولا معنى للعبودية إلا هذا.

وأيضاً لما أخبر عن فناء وجودهم المجازي لم يبق هناك مجيب فأجاب بنفسه ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ ولعل في هذه الخاتمة من الأسرار أضعاف ما عثرنا عليه والله  أعلم بأسرار كتابه.

التأويل: أخبر عن كثرة السؤال أنها تورث الملال وذلك أن علوم القال غير علوم الحال، والصنف الأول يحمد فيه السؤال والثاني يذم فيه ذلك إذ يحصل بالعيان لا بالبرهان كما كان حال الأنبياء عليهم السلام مع الله ﴿ وكذلك نرى إبراهيم  ﴾ ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى  ﴾ وقال  : "أرنا الأشياء كما هي" .

وقال الخضر لموسى  ﴿ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء  ﴾ وقال موسى في الثالثة ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني  ﴾ فإن تعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم.

وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي إن كان لا بد لكم من السؤال عن حقائق فاسألوا عنها بعد نزول القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم.

﴿ والله غفور ﴾ لمن تاب من طلب علوم الحقائق بالقال ﴿ حليم ﴾ لمن يطلب بالحال فيصدر عنه في أثناء الطلب سؤال ﴿ قد سألها قوم من قبلكم ﴾ كقدماء الفلاسفة أعرضوا عن متابعة الأنبياء وأقبلوا على مجرد القيل والقال، فوقعوا في أودية الشبهات والضلال ﴿ ما جعل الله من بحيرة ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين: المعروف بداية هم الحيدرية والقلندرية يشقون آذانهم وذكورهم ويجعلون فيها حلق الحديد ويحلقون لحيتهم ﴿ ولا سائبة ﴾ هم الذين يضربون في الأرض خليعي العذار بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة ويدعون أنهم أهل الحقيقة ﴿ ولا وصيلة ﴾ هم أهل الإباحة الذين يتصلون بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد ويرفضون صحبة الأقارب لأجل العصبية والعناد ﴿ ولا حام ﴾ وهو المغرور بالله يظن أنه بلغ مقام الحقيقة فلا يضره مخالفات الشريعة.

﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ﴾ من الأحكام ﴿ وإلى الرسول ﴾ لمتابعته ﴿ قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ﴾ أي مشايخنا وأهل صحبتنا ﴿ أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ﴾ من الشريعة والطريقة ﴿ ولا يهتدون ﴾ إلى الحقيقة.

﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أي اشتغلوا أوّلاً بتزكية نفوسكم ثم بإرشاد الغير فإن الفريق الذي لم يتعلم السباحة إذا تشبث به مثله هلكا معاً ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ فللطالبين بجذبات العناية وللمضلين بسلاسل القهر والنكاية ﴿ إذا حضر أحدكم الموت ﴾ أي النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضة والمجاهدة فتوصي بصفاتها لورثتها وهم القلب وأوصافه والوصيان ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ هما العقل والسر من الروحانيات، ﴿ أو آخران ﴾ من غير الروحانيات هما الوهم والخيال من النفسانيات.

فالعقل والسر يشهدان الحق وإن كان على ذي قرابة من الروحانيات، والوهم والخيال شهادتهما الصدق والكذب.

﴿ إن أنتم ضربتم في الأرض ﴾ أي سافرتم في السفليات ﴿ فأصابتكم مصيبة الموت ﴾ أي فتصيب النفس جذبة الحق فتموت ﴿ تحبسونهما ﴾ إن كنتم في بعد من الروحانيات ﴿ من بعد الصلاة ﴾ من بعد حضورهما مع الله وتوجيههما إلى الحق ومراقبة تامة، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق ويدفعا تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يصرفانها في شيء من السفليات فإن كل خلق إذا استعملته النفس كان صفة ذميمة، فإذا استعمله القلب صار وصفاً محموداً كالحرص إذا استعملته النفس في طلب الدنيا ولذتها كان وصفاً مذموماً، وإذا استعمله القلب في طلب العلوم والكمالات صار ممدوحاً.

﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ بأن مالا إلى حظ من الحظوظ السفلية ﴿ فآخران ﴾ من صفات القلب هما: التذكر والفكر الصائب ينظران في عواقب الأمور ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا والباقي خير من الفاني ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما ﴾ لأن الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ بكتمان الحقوق، والتذكر والتفكر مالا إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ.

﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي العقل والسر يأتيان في بدو الأمر باستعمال صفات النفس في السعادات الأخروية، أو يخافان عواقب الأمور بأن يشددوا على أنفسهم بالاستمهال وتضييع الأعمال وإفساد الاستعداد، ثم بالتفكر والتذكر يردّ الأمر إلى وجوب رعاية الحقوق فيحتاجان إلى كثرة الرياضة.

﴿ ماذا أجبتم قالوا ﴾ وهم مستغرقون في بحر الشهود.

﴿ لا علم لنا ﴾ اي ببواطن الأمور وحقائقها.

﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين ﴾ أي في عالم الأرواح يوم الميثاق قالوا بسبب ذلك التعارف في عالم الأشباح آمنا.

إن بعض الحواريين المقلدين في الإيمان قالوا ﴿ يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك ﴾ فما راعوا الأدب مع نبيهم حيث لم يقوموا يا رسول الله أو يا روح الله، ولا مع ربهم حيث تشككوا في كمال قدرته.

ثم أظهروا دناءة همتهم حيث طلبوا بواسطة مثل عيسى من واهب المواهب مائدة جسمانية لا فائدة روحانية فقال عيسى ﴿ اللهم ربنا أنزل علينا مائدة ﴾ الأسرار والحقائق من سماء العناية عليها أطعمة الهداية ﴿ تكون لنا ﴾ أي لأهل الحق والصدق ﴿ عيداً ﴾ نفرح بها ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ أي لأول أنفاسنا وآخرها فإن أهل الحق يراقبون الأنفاس لتصعد مع الله وتهوي مع الله ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ لأن الذي ترزق رزق منك والذي يرزق ظاهراً من غيرك فهو أيضاً منك بالواسطة، وما بالذات خير مما بالواسطة.

﴿ فمن يكفر بعد منكم ﴾ بأن لا يقوم بحقها ويجعلها شبكة يصطاد بها الدنيا فأني أرده من المراتب الروحانية إلى المهالك الحيوانية وهو المسخ الحقيقي، ويوم القيامة أيضاً بحيث يحشرون على صفاتهم التي ماتوا عليها كما قال  "يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه" ﴿ أأنت قلت للناس ﴾ الخطاب مع الأمة إلا أن من سنته  أن لا يكلم الكفار فكلم عيسى بدلاً منهم، أو المراد بالقول أمر التكوين فالمعنى أأنت خلقت فيهم اتخاذك وأمك الهين أم أنا خلقت ذلك فيهم خذلاناً لهم؟

﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ الغيب ما غاب عن الخلق.

ويحتمل أن سيعلمه الخلق، وغيب الغيب ما غاب عنهم ولا يمكنهم أن يعلموه، والله حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ .

قال أهل التأويل: [بل] إنما يقولون ذلك؛ لفزعهم من هول ذلك اليوم وشدته، تطير قلوبهم، وتذهل أفئدتهم، فيقولون: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ .

فلو كان ذلك منهم للهول والفزع على ما قاله أهل التأويل لكان لا يتهيأ لهم الإجابة، وقد قالوا: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ ؛ دل أنه لا لما ذكروا، ولكن للوجهين الآخرين، والله أعلم.

أحدهما: أن سألهم عن حقيقة إجابة قومهم لهم بالضمائر، أي: لم تطلعنا على علم الضمائر والغيوب، فأنت أعلم بذلك.

والثاني: أن أحدثوا أمورا وأبدعوها من دأب أنفسهم، فنسبوا ذلك إلى الرسل؛ كقوله -  -: ﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ  ﴾ كأنهم قالوا: إن عيسى -  - هو الذي دعاهم إلى ذلك، فيقول لهم: ماذا أجبتم؟

فقالوا: لا علم لنا فيما ادعوا علينا من الأمور التي أتوها، إنك أنت علام الغيوب بأنا لم نقل لهم، ولم نَدْعُهُمْ إلى ما ادَّعَوْا من الأمور.

على هذين الوجهين يخرج تأويل الآية، والله أعلم.

ومثل هذا السؤال لهم بما أخبر في آية أخرى: أنه يسألهم؛ كقوله: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ يسأل الرسل عن تبليغ الرسالة إلى قومهم، ويسأل قومهم عن إجابتهم لهم؛ ليقطع احتجاجهم، وإن لم يكن لهم الحجاج.

﴿ إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ بِإِذْنِيِ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ ﴾ .

أما نعمه عليه ما ذكر على إثره: ﴿ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً...

﴾ إلى قوله: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً  وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ  ﴾ ، شهد في حال طفولته بوحدانية الله وربوبيته وإخلاص عبوديته له، وذلك من أعظم نعم الله عليه وأجل مننه، وما ذكره أيضاً: ﴿ إِوَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي...

﴾ الآية.

إلى آخر ما ذكر من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وكف بني إسرائيل عنه عند مجيء الآيات، وهو كقوله -  -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ ففيه أعظم النعم عليه، وما ذكر - أيضاً - في بعض القصة - إن ثبت - أن عيسى لما دُفِعَ إلى الكُتَّابِ جعل المعلم يقول له: باسم، فيقول هو: باسم الله، وإذا قال المعلم: باسم الله، فيقول هو: الرحمن، وإذا قال: الرحمن، فيقول هو: الرحيم، فيقول المعلم: كيف أعلم من هو أعلم مني؟

ونحو هذا كثير مما يكثر ويطول ذكره، وأما ما أنعم الله على والدته هو ما ذكر في قوله -  -: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً  ﴾ ، وما ذكر في قوله: ﴿ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ  ﴾ طهرها عن جميع ما تبلى به بنات آدم؛ فذلك من أعظم النعم، وأجل المنن، ثم أمر عيسى بشكر ما أنعم عليه وعلى والدته؛ حيث قال: ﴿ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ ﴾ وفي ذكر النعم شكرها، وأمر - أيضاً - بشكر ما أنعم على والدته ليعلم أن على المرء شكر ما أنعم على والدته، كما يلزم شكر ما أنعم على نفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: بروحه المبارك الذي أعطى في حال طفولته، به كان يدعو الناس إلى توحيد الله وعبادتهم له.

وقيل: إن روح القدس هو الدعاء المبارك الذي به كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص بدعائه.

وقال أهل التأويل: الروح: هو جبريل، والقدس هو الله؛ كقوله -  -: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ  ﴾ أي: جبريل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِوَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ قال الحسن: الكتاب والحكمة واحد، الكتاب هو الحكمة، والحكمة هي الكتاب؛ لأن جميع كتب الله كان حكمة.

وقال بعضهم: الكتاب: ما يكتب من العلم، والحكمة: هي ما يعطى الإنسان من العلم على غير تعلم.

وقال بعضهم: الكتاب: هو ما يحفظ، والحكمة هي الفقه، وهو واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي ﴾ .

قوله: ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ ﴾ : أي: تصور وتقدر ﴿ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ ﴾ كان من عيسى التصوير والتقدير، وإلا كان التخليق من الله في الحقيقة؛ لأنه هو المنفرد به دون الخلق، غير أنه أجرى ذلك على يدي عيسى؛ ليكون له آية لصدقه ونبوته، وعلى ذلك الآيات التي يأتي بها الرسل، ليست الرسل يأتون بها في الحقيقة، بل كان الله هو الآتي بها، والمنشيء تلك الآيات حقيقة، لكنه يجريها على أيدي الرسل؛ لتكون آيات صدقهم، ودلالات رسالتهم، فأما أن يأتي الرسل بالآيات والحجج من عند أنفسهم فلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَخْلُقُ ﴾ ذكر التخليق؛ لما تسمي العرب تصوير الشيء وتقديره: تخليقاً؛ فعلى ذلك خرج الخطاب، وقد ذكرنا هذا فما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ ﴾ قيل: الأكمه: الذي يولد أعمى، وأما الأعمى فهو الذي يذهب بصره بعد ما كان بصيراً.

وقيل الأكمه: هو الذي لا حدقة له، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.

قوله  : ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ ﴾ والحواريون: قيل: هم خواصه، وكذلك أصحاب رسول الله  هم حواريوه، وقد ذكرنا هذا في سورة آل عمران [و] الاختلاف فيه.

ثم قوله: ﴿ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ ﴾ يحتمل الوحي إليهم وجهين: أحدهما: أنه أوحى إلى رسوله عيسى -  - فنسب ذلك إليهم وأضيف؛ لأن الوحي إلى عيسى كالوحي إليهم؛ كقوله -  -: ﴿ وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ  ﴾ وما أنزل علينا، وما أنزل على كذا ما أنزل إلى رسول الله كالمنزل إلينا، فعلى ذلك الوحي إلى عيسى هو كالوحي إليهم.

والثاني: أوحى إليهم وحي إلهام؛ كقوله: ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ  ﴾ الآية، وقوله -  - ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ  ﴾ ونحوه، أنه وحي إلهام وقذف لا وحي إرسال، والقذف في القلب من غير تكلف ولا كسب، وهو الإخطار بالقلب على السرعة ﴿ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي ﴾ .

والخطر يكون من الله  ، ويكون من الشيطان، لكن ما يكون من الله  يكون خيراً، يتبين ذلك في آخره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: أن قالوا لعيسى: واشهد أنت عند ربك بأننا مسلمون.

ويحتمل: أن سألوا ربهم: أن يكتبهم من الشاهدين؛ كقوله -  -: ﴿ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

اختلف فيه: قيل: إن قوماً من غير الحواريين سألوا الحواريين أن يسألوا عيسى -  - حتى يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء؛ لأن الحواريين قد قلنا: إنهم كانوا خواص عيسى -  - فكان كمن بدت له حاجة إلى بعض الملوك؛ فإنه إنما يرفع أولا إلى خواصه؛ فهم الذين يتولون رفعها إلى الملك؛ فعلى ذلك رفعوا حاجتهم إلى الحواريين؛ ليسألوا هم نبي الله عيسى -  - ليسأل ربه.

وقال آخرون: لم يسألوا قومهم ذلك؛ ولكن الحواريين هم الذين سألوا عيسى -  - أن يسأل ربه حتى ينزل عليهم مائدة [من السماء]، لكن سؤالهم ذلك يحتمل وجوها: [الأول]: يحتمل سألوا ذلك؛ لما أرادوا أن يشاهدوا الآية، ولم يكونوا شاهدوا قبل ذلك؛ فاحبّوا أن يشاهدوها، وإن كانوا قد آمنوا به وصدقوه من قبل؛ ليزداد لهم بذلك طمأنينة ويقيناً، وهو كقول إبراهيم -  -: ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي  ﴾ لما يحتمل أن نفسه كانت تحدث وتنازع في ذلك، وأحب أن يعاين ذلك ويشاهده؛ ليزداد له طمأنينة ويقيناً فعلى ذلك أولئك كانت أنفسهم تحدث وتنازع في مشاهدة الآيات؛ فأحبوا أن يريهم بذلك؛ ليزداد لهم طمأنينة ويقيناً وصلابة في التصديق، والله أعلم.

والثاني: يحتمل أن يكون عيسى يخبرهم أن لهم كرامة ومنزلة عند الله ؛ فأحبوا أن يعرفوا منزلتهم عند الله وكرامتهم.

والثالث: سألوا ذلك؛ ليعرفوا منزلة عيسى -  - عند الله وكرامته: هل يجيب ربه دعاءه إذا سأل ربه؟

والله أعلم.

وإن كان السؤال من قوم [غير] الحواريين؛ فهو لما بدت لهم من الحاجة إليها، [و] لا نعلم ذلك إلا بالخبر الصادق.

وقوله: ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ يقرأ بالياء والتاء جميعاً: فمن قرأ بالتاء ذهب في التأويل إلى أن فيه إضماراً؛ كأنهم قالوا: هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء.

ومن قرأ بالياء قال: ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ ، أي: هل يجيب ربُّك دعاءك إذا دعوته أن ينزل علينا مائدة من السماء.

قال الفراء: قد يكون مثل هذا السؤال على غير الجهل من السائل بالمسئول؛ لأنه يجوز أن يقال في الكلام: هل يستطيع فلان أن يقوم في حاجتنا وفي أمرنا، على علم منه أنه يستطيع، ولكنه يسأل عنه: أيفعل أم لا؟

وذلك جائز في العربية؛ ألا ترى أن قراءة من قرأ بالتاء - وهو ابن عباس وعائشة: (هل تستطيع ربك) - على علم منهم أن عيسى يستطيع السؤال لربه؟!

لكنهم قالوا ذلك لما ذكرنا، وذلك جائز في اللغة.

ويجوز أن يراد بالاستطاعة: الإرادة، يقول الرجل لآخر: لا أستطيع أن أنظر إلى فلان، وهو يقدر النظر، لكنه يريد بذلك: لا أريد أن أنظر إليه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ : هل يأذن لك ربُّك بالسؤال في ذلك، والله أعلم.

وقوله: - عز وجل -: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

أي: اتقوا الله، [و] لا تسألوا شيئاً لم يأذن لكم في ذلك ﴿ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ﴾ .

[قوله: ﴿ وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ﴾ يدل على أنهم سألوا ذلك؛ لما كانت تحدث أنفسهم وتنازع في مشاهدة الآيات ومعاينتها، وإن كانوا صدقوا عيسى -  - فيما يقول لهم ويخبر عن الله؛ للمعنى الذي ذكرنا في إبراهيم  ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا ﴾ .

اختلف في تلاوته وفي تأويله: قال بعضهم بالنصب ﴿ نعلم ﴾ ، فهي القراءة الظاهرة المشهورة، ومعناه: وأن نعلم ما قد صدقتنا.

والثاني: أن العلم بالشيء من جهة الخبر ربما يعترض الوساوس والشبه؛ فطلبوا آية من جهة الحس والعيان؛ ليكون ذلك أدفع لما يعترض من الشبه والوساوس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ ﴾ .

أي: نكون عليها لمن أنكرها من الشاهدين: أنها نزلت.

قوله  : ﴿ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا ﴾ .

أي: طعاماً دائماً.

قال بعضهم: قوله ﴿ تَكُونُ لَنَا عِيداً ﴾ ، أي: مجتمعاً، وسمى يوم العيد؛ لاجتماع الخلق.

ثم قيل: نزلت يوم الأحد؛ فجعلوا ذلك اليوم يوم عيدهم.

ثم اختلف في نزول المائدة: قال الحسن: لم تنزل المائدة؛ لأنه سأل أن تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا، ونحن من آخرهم، فلم يكن لنا ما ذكر.

والثاني: ﴿ قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ وقد كفر منهم، ثم لم يظهر أنه عذبهم عذاباً لم يعذبه أحداً من العالمين.

وقال بعضهم: ليس فيه دلالة أنها لم تنزل؛ لأنه يجوز أن يكون قوله: ﴿ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا ﴾ ما لم يأت النسخ، فكان لهم ذلك إلى أن بعث [نبيُّنا] محمد  فنسخ ذلك بيوم الجمعة.

وقالوا: قوله: ﴿ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ذكر في بعض القصة أن من كفر منهم بعد ذلك مسخهم خنازير، فذلك تعذيب لم يعذبه أحداً من العالمين.

وقيل: يحتمل قوله -  -: ﴿ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ في الآخرة، والله أعلم بذلك كله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكر حين قال الله مخاطبًا عيسى -  -: يا عيسى بن مريم، اذكر نعمتي عليك حين خلقتك من غير أب، واذكر نعمتي على أمك مريم -عليها السلام- حين اصطفيتها على نساء زمانها، واذكر مما أنعمت به عليك حين قَوَّيتك بجبريل -  -، تُكلِّم الناس -وأنت رضيع- بدعوتهم إلى الله، وتكلمهم في كهولتك بما أرسلتك به إليهم، ومما أنعمت به عليك أن علمتك الخط، وعلمتك التوراة التي أنزلت على موسى -  -، والإنجيل الذي أنزل عليك، وعلمتك أسرار الشرع وفوائده وحِكَمه، ومما أنعمت به عليك أنك تصوّر من الطين مثل صورة طير، ثم تنفخ فيه فيكون طيرًا، وأنك تشفي مَن وُلدَ أعمى من عماه، وتشفي الأبرص، فيصير سليم الجلد، وتحي الموتى بدعائك الله أن يحييهم، كل ذلك بإذني، ومما أنعمت به عليك أن دفعت عنك بني إسرائيل لَما هَموا بقتلك حين جئتهم بالمعجزات الواضحة، فما كان منهم إلا أن كفروا بها، وقالوا: ما هذا الذي جاء به عيسى إلا سحر واضح.

<div class="verse-tafsir" id="91.227BG"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده