الآية ١٥ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١٥ من سورة المائدة

يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًۭا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ۚ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌۭ وَكِتَـٰبٌۭ مُّبِينٌۭ ١٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 58 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قول تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة : أنه قد أرسل رسوله محمدا بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض ، عربهم وعجمهم ، أميهم وكتابيهم ، وأنه بعثه بالبينات والفرق بين الحق والباطل ، فقال تعالى : ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ) أي : يبين ما بدلوه وحرفوه وأولوه ، وافتروا على الله فيه ، ويسكت عن كثير مما غيروه ولا فائدة في بيانه .

وقد روى الحاكم في مستدركه ، من حديث الحسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال : من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب ، قوله : ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ) فكان الرجم مما أخفوه .

ثم قال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على نبيه الكريم فقال : ( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز ذكره : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قال أبو جعفر: يقول عز ذكره لجماعة أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين كانوا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أهل الكتاب " من اليهود والنصارى=" قد جاءكم رسولنا "، يعني محمّدا صلى الله عليه وسلم، كما:- 11608 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا "، وهو محمد صلى الله عليه وسلم.

* * * وقوله: " يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب "، يقول: يبين لكم محمّد رسولنا، كثيرًا مما كنتم تكتمونه الناسَ ولا تُبينونه لهم ممّا في كتابكم.

وكان مما يخفونه من كتابهم فبيَّنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم للناس: رَجْمُ الزَّانيين المحصنين.

* * * وقيل: إن هذه الآية نـزلت في تبيين رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك للناس، من إخفائهم ذلك من كتابهم.

ذكر من قال ذلك: 11609 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال، من كفر بالرجم، فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب.

قوله: " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسوُلنا يبين لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب "، فكان الرجمُ مما أخفوا.

(7) .

11610 - حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبَّويه، أخبرنا علي بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثله.

(8) .

11611 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة في قوله: " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم "، إلى قوله: صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ، قال: إنّ نبيّ الله أتاه اليهود يسألونه عن الرجم، واجتمعوا في بيتٍ، قال: أيُّكم أعلم؟

فأشاروا إلى ابن صُوريا، فقال: أنت أعلمهم؟

قال، سل عما شئت، قال،" أنت أعلمهم؟" قال: إنهم ليزعمون ذلك!

قال: فناشده بالذي أنـزل التوراة على موسى، والذي رفع الطُّور، وناشده بالمواثيق التي أُخذت عليهم، حتى أخذه أفْكَل، (9) فقال: إن نساءنا نساء حسان، فكثر فينا القتل، فاختصرنا أُخصورةً، (10) فجلدنا مئة، وحلقنا الرءوس، وخالفنا بين الرءوس إلى الدواب (11) = أحسبه قال: الإبل= قال: فحكم عليهم بالرجم، فأنـزل الله فيهم: " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيين لكم "، الآية= وهذه الآية: وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ [سورة البقرة: 76].

(12) * * * وقوله: " ويعفو عن كثير " يعني بقوله: " ويعفو "، ويترك أخذكم بكثير مما كنتم تخفون من كتابكم الذي أنـزله الله إليكم، وهو التوراة، فلا تعملون به حتى يأمره الله بأخذكم به.

(13) .

* * * القول في تأويل قوله عز ذكره : قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب: " قد جاءكم "، يا أهل التوراة والإنجيل=" من الله نور "، يعني بالنور، محمدًا صلى الله عليه وسلم الذي أنار الله به الحقَّ، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك، فهو نور لمن استنار به يبيِّن الحق.

ومن إنارته الحق، تبيينُه لليهود كثيرًا مما كانوا يخفون من الكتاب.

(14) * * * وقوله: " وكتاب مبين "، يقول: جل ثناؤه: قد جاءكم من الله تعالى النور الذي أنار لكم به معالم الحقِّ،=" وكتاب مبين "، يعني كتابًا فيه بيان ما اختلفوا فيه بينهم: من توحيد الله، وحلاله وحرامه، وشرائع دينه، وهو القرآن الذي أنـزله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، يبين للناس جميع ما بهم الحاجةُ إليه من أمر دينهم، ويوضحه لهم، حتى يعرفوا حقَّه من باطله.

(15) --------------------- الهوامش : (7) الأثر: 11609-"يحيى بن واضح" ، أبو تميلة ، مضى مرارا ، منها: 392.

و"الحسين بن واقد المروزي" ، ثقة.

مضى برقم: 481 ، 6311.

و"يزيد النحوي" ، هو"يزيد بن أبي سعيد النحوي المروزي" ، ثقة ، مضى برقم: 6311.

وهذا إسناد صحيح ، وسيأتي تخريجه في الأثر التالي.

(8) الأثر: 11610-"عبد الله بن أحمد بن شبويه الخزاعي" ، ثقة مضى برقم: 1909 ، 4612 ، 4923.

و"علي بن الحسن بن شقيق بن دينار" ، ثقة ، من شيوخ أحمد ، مضى برقم: 1591 ، 1909 ، 9951 ، وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا: "علي بن الحسين" ، وهو خطأ محض.

وهذا إسناد صحيح أيضا ، مكرر الذي قبله.

وهذا الخبر أخرجه الحاكم في المستدرك 4: 359 من طريق علي بن الحسن بن شقيق ، بمثله ، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي.

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 269 ، وزاد نسبته إلى ابن الضريس ، والنسائي ، وابن أبي حاتم.

فائدة: راجع أحاديث الرجم فيما سيأتي برقم 11921-11924.

(9) "أفكل" (علي وزن أفعل): رعدة تعلو الإنسان من برد أو خوف أو غيرهما ، وليس له فعل ، وأنشد ابن بري: بِعَيْشِـــكِ هَــاتِي فَغَنِّــي لَنَــا فَـــإِنَّ نَدَامَـــاكِ لَــمْ يَنْهَلُــوا فَبَــــاتَتْ تُغَنِّـــي بِغِرْبَالِهَـــا غِنَـــاء رُوَيْـــدًا لَــهُ أفْكَــلُ (10) قوله: "فاختصرنا أخصورة" ، هكذا جاءت في المخطوطة أيضا.

وفي تفسير أبي حيان 3: 447"فاختصرنا فجلدنا مئة مئة" ، وحذف"أخصورة".

ولم أجد لها في اللغة ذكرًا ، بمعنى: شيئًا من الاختصار.

والذي في الكتب"الخصيري" (بضم الخاء وفتح الصاد وسكون الياء بعدها راء مفتوحة) ، وهي: حذف الفضول من كل شيء ، مثل"الاختصار".

فلعل صواب العبارة: "فاختصرنا خصيري" ، أي اختصارا من حكم الرجم.

وتركت ما في المطبوعة والمخطوطة ، مخافة أن يكون في الكلمة تحريف لم أهتد إليه.

(11) في تفسير أبي حيان"وخالفنا بين الرءوس على الدبرات" ، وكأنه خطأ.

(12) الأثر: 11611- في هذا الأثر ، ذكر سبب نزول آية"سورة البقرة": 76 ، ولم يذكره أبو جعفر في تفسير الآية هناك (2: 250-254) ، مع أنه يصلح أن يكون وجهًا آخر في تفسير الآية ، وأن يكون مرادًا بها"الرجم".

فهذا دليل آخر على اختصار أبي جعفر تفسيره ، وهو أيضا وجه من وجوه منهجه في اختصاره.

(13) انظر تفسير"العفو" فيما سلف من فهارس اللغة.

(14) انظر تفسير"نور" فيما سلف 9: 428.

(15) انظر تفسير"مبين" فيما سلف من فهارس اللغة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أهل الكتاب الكتاب اسم جنس بمعنى الكتب ; فجميعهم مخاطبون .

[ ص: 78 ] قد جاءكم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم .

يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب أي : من كتبكم ; من الإيمان به ، ومن آية الرجم ، ومن قصة أصحاب السبت الذين مسخوا قردة ; فإنهم كانوا يخفونها .

ويعفو عن كثير أي : يتركه ولا يبينه ، وإنما يبين ما فيه حجة على نبوته ، ودلالة على صدقه وشهادة برسالته ، ويترك ما لم يكن به حاجة إلى تبيينه ، وقيل ويعفو عن كثير يعني يتجاوز عن كثير فلا يخبركم به ، وذكر أن رجلا من أحبارهم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال : يا هذا عفوت عنا ؟

فأعرض عنه رسول الله عليه وسلم ولم يبين ; وإنما أراد اليهودي أن يظهر مناقضة كلامه ، فلما لم يبين له رسول الله صلى الله عليه وسلم قام من عنده فذهب وقال لأصحابه : أرى أنه صادق فيما يقول : لأنه كان وجد في كتابه أنه لا يبين له ما سأله عنه .

قد جاءكم من الله نور أي : ضياء ; قيل : الإسلام ، وقيل : محمد عليه السلام ; عن الزجاج .

وكتاب مبين أي القرآن ; فإنه يبين الأحكام ، وقد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر تعالى ما أخذه الله على أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وأنهم نقضوا ذلك إلا قليلا منهم، أمرهم جميعا أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، واحتج عليهم بآية قاطعة دالة على صحة نبوته، وهي: أنه بين لهم كثيرا مما يُخْفُون عن الناس، حتى عن العوام من أهل ملتهم، فإذا كانوا هم المشار إليهم في العلم ولا علم عند أحد في ذلك الوقت إلا ما عندهم، فالحريص على العلم لا سبيل له إلى إدراكه إلا منهم، فإتيان الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن العظيم الذي بيَّن به ما كانوا يتكاتمونه بينهم، وهو أُمِّيّ لا يقرأ ولا يكتب - من أدل الدلائل على القطع برسالته، وذلك مثل صفة محمد في كتبهم، ووجود البشائر به في كتبهم، وبيان آية الرجم ونحو ذلك.

{ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ْ} أي: يترك بيان ما لا تقتضيه الحكمة.

{ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ ْ} وهو القرآن، يستضاء به في ظلمات الجهالة وعماية الضلالة.

{ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ْ} لكل ما يحتاج الخلق إليه من أمور دينهم ودنياهم.

من العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ومن العلم بأحكامه الشرعية وأحكامه الجزائية.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( يا أهل الكتاب ) يريد : يا أهل الكتابين ، ( قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ) أي : من التوراة والإنجيل مثل صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغير ذلك ، ( ويعفو عن كثير ) أي : يعرض عن كثير مما أخفيتم فلا يتعرض له ولا يؤاخذكم به ، ( قد جاءكم من الله نور ) يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم ، وقيل : الإسلام ، ( وكتاب مبين ) أي : بين ، وقيل : مبين وهو القرآن .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أهل الكتاب» اليهود والنصارى «قد جاءكم رسولنا» محمد «يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون» تكتمون «من الكتاب» التوراة والإنجيل كآية الرجم وصفته «ويعفو عن كثير» من ذلك فلا يبينه إذا لم يكن فيه مصلحة إلا افتضاحكم «قد جاءكم من الله نورٌ» هو النبي صلى الله عليه وسلم «وكتابٌ» قرآن «مبين» بين ظاهر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، قد جاءكم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم يبيِّن لكم كثيرًا مما كنتم تُخْفونه عن الناس مما في التوراة والإنجيل، ويترك بيان ما لا تقتضيه الحكمة.

قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين: وهو القرآن الكريم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - بعض الرذائل التي انغمس فيها اليهود والنصارى .

وجه إليهم نداء دعاهم فيه إلى الدخول في الدين الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فقال : تعالى :( يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ .

.

.

)المعنى : ( يَا أَهْلَ الكتاب ) من اليهود والنصارى ( قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا ) محمد صلى الله عليه وسلم ( يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب ) أي : يظهركم لكم كثيراً من الأحكام والمسائل التي ذكرتها كتبكم وكتمتموها عن الناس ، كإخفائكم صفة النبي صلى الله عليه وسلم التي تجدونها في التوراة والإِنجيل وكتمانكم ما جاء فيها من بشارات تبشر به .

وغير ذلك من الأحكام التي أخفاها علماؤكم عن العامة ، وتولي الرسول صلى الله عليه وسلم إعلانها إظهاراً للحق ، ووضعا للأمور في نصابها .وقوله : ( وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ) أي : يعرض ولا يظهر كثيراً مما كنتم تخفونه ، لأنه لا ضرورة تدعو إلى بيانه ، ولا فائدة تعود على الناس من وراء إظهاره ، ففي السكوت عنه رحمة بكم ، وصيانة لكم عن الافتضاح والمؤاخذة .يقال : عفا عن المذنب ، أي : ستر عنه ذنبه فلم يعاقبه عليه .والمراد بالكتاب في قوله ( يَا أَهْلَ الكتاب ) جنس الكتب ، فيشمل التوراة والإِنجيل .وفي ندائهم بهذا الوصف حمل لهم على الدخول في الإِسلام؛ فإن علمهم بما في كتبهم من بشارات بالرسول صلى الله عليه ولم يدعوهم إلى الإِيمان به .

فإذا لم يؤمنوا به مع علمهم بأنه رسول صادق في رسالته كانت مذمتهم أشد وأقبح ، وكان عقابهم على كتمانهم الحق أعظم وأقسى .

وكان التعبير بقوله - تعالى - ( قَدْ جَآءَكُمْ ) للإِشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم قد وصل إليهم ، ويعيش بينهم ، فهم يرونه ويراهم ويخاطبهم ويخاطبونه ، ليسمعوا منه ما يشهد بصدقه بدون حجاب أو وساطة .وفي التعبير بقوله - تعالى - ( رَسُولُنَا ) تشريف للرسول صلى الله عليه وسلم حيث أضافه - سبحانه - إلى ذاته ، وفيه كذلك إيذان بوجوب اتباعه لأنه رسول مبلغ عن الله - تعالى - ما يأمره بتبليغه بدون تغيير أو تبديل .والمراد بالكتاب في قوله : ( تُخْفُونَ مِنَ الكتاب ) التوراة والإِنجيل .

فقد امتدت أيدي اليهود والنصارى إلى هذين الكتابين فغيروا وبدلوا فيهما على حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم .وفي إظهار الرسول صلى الله عليه وسلم للكثير مما كتموه ، وعفوه عن الكثير مما أخفوه ، معجزة له ، لأنه لم يقرأ كتابا ، ولم يجلس أمام معلم ، فإخباره بأسرار ما في كتبهم إخبار عن أمور مغيبة ، فيكون معجزة له تحملهم على الإِيمان به فيما يدعوهم إليه .ثم مدح الله - تعالى - رسوله ، وما جاء به من الخير والهدى فقال : ( قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ) .والمراد بالنور هنا : محمد صلى الله عليه وسلم فهو نور الأنوار - كما يقول الآلوسي .والمراد بالكتاب : القرآن الكريم الذي أنزله - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم والجملة الكريمة مستأنفة مسووقة لبيان أن فائدة مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم ليست منحصرة فيما ذكر من بيان ما كانوا يخفونه ، بل له منافع أخرى لا تحصى .قال ابن جرير ما ملخصه ، قوله : تعالى - ( قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ) يقول - جل ثناؤه - لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب : " قد جاءكم يا أهل التوراة والإِنجيل من الله نور هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي أنار الله به الحق ، وأظهر به الإِسلام ومحق به الشرك " قوله ( وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ) يعني : " كتابا فيه بيان ما اختلفوا فيه بينهم من توحيد الله ، وحلاله وحرامه وشرائع دينه وهو القرآن الذي أنزله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .ويرى بعض المفسرين أن المراد بالنور وبالكتاب هنا : القرآن الكريم .وقد اقتصر على هذا التفسير صاحب الكشاف فقال : قوله : ( قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ) يريد القرآن لكشفه ظلمات الشرك والشك ، ولإِبانته ما كان خافيا عن الناس من الحق ، أو لأنه ظاهر الإِعجاز .ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير أرجح ، لأن العطف في الغالب يقتضي المغايرة في الذات إذ الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء للناس برسالة هي نور في شخصه صلى الله عليه وسلم كما جاءهم بالقرآن الكريم الدال على صدقه في رسالته .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ .

وأعلم أنه تعالى لما حكى عن اليهود وعن النصارى نقضهم العهد وتركهم ما أمروا به، دعاهم عقيب ذلك إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ يا أَهْلِ الكتاب ﴾ والمراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، وإنما وحد الكتاب لأنه خرج مخرج الجنس، ثم وصف الرسول بأمرين: الأول: أنه يبين لهم كثيراً مما كانوا يخفون.

قال ابن عباس: أخفوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وأخفوا أمر الرجم، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم بيّن ذلك لهم، وهذا معجز لأنه عليه الصلاة والسلام لم يقرأ كتاباً ولم يتعلم علماً من أحد، فلما أخبرهم بأسرار ما في كتابهم كان ذلك إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً.

والوصف الثاني للرسول: قوله: ﴿ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ أي لا يظهر كثيراً مما تكتمونه أنتم، وإنما لم يظهره لأنه لا حاجة إلى إظهاره في الدين، والفائدة في ذكر ذلك أنهم يعلمون كون الرسول عالماً بكل ما يخفونه، فيصير ذلك داعياً لهم إلى ترك الإخفاء لئلا يفتضحوا.

ثم قال تعالى: ﴿ قَدْ جَاءكُمْ مّنَ الله نُورٌ وكتاب مُّبِينٌ ﴾ وفيه أقوال: الأول: أن المراد بالنور محمد، وبالكتاب القرآن، والثاني: أن المراد بالنور الإسلام، وبالكتاب القرآن.

الثالث: النور والكتاب هو القرآن، وهذا ضعيف لأن العطف يوجب المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه وتسمية محمد والإسلام والقرآن بالنور ظاهرة، لأن النور الظاهر هو الذي يتقوى به البصر على إدراك الأشياء الظاهرة، والنور الباطن أيضاً هو الذي تتقوى به البصيرة على إدراك الحقائق والمعقولات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَخَذْنَا ميثاقهم ﴾ أخذنا من النصارى ميثاق من ذكر قبلهم من قوم موسى، أي مثل ميثاقهم بالإيمان بالله والرسل وبأفعال الخير، وأخذنا من النصارى ميثاق أنفسهم بذلك.

فإن قلت: فهلا قيل: من النصارى؟

قلت: لأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصرة الله، وهم الذين قالوا لعيسى: نحن أنصار الله، ثم اختلفوا بعد: نسطورية، ويعقوبية، وملكانية.

أنصاراً للشيطان ﴿ فَأَغْرَيْنَا ﴾ فألصقنا وألزمنا من غري بالشيء إذا لزمه ولصق به وأغراه غيره.

ومنه الغراء الذي يلصق به ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ بين فرق النصارى المختلفين.

وقيل: بينهم وبين اليهود.

ونحوه ﴿ وكذلك نُوَلّى بَعْضَ الظالمين بَعْضاً ﴾ [الأنعام: 129] ، ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ [الأنعام: 69] .

﴿ يا أَهْلَ الكتاب ﴾ خطاب لليهود والنصارى ﴿ مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ ﴾ من نحو صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن نحو الرجم ﴿ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ مما تخفونه لا يبينه إذا لم تضطر إليه مصلحة دينية، ولم يكن فيه فائدة إلا اقتضاء حكم وصفته مما لابد من بيانه، وكذلك الرجم وما فيه إحياء شريعة وإماتة بدعة.

وعن الحسن: ويعفو عن كثير منكم لا يؤاخذه ﴿ قَدْ جَاءكُمْ مّنَ الله نُورٌ وكتاب مُّبِينٌ ﴾ يريد القرآن، لكشفه ظلمات الشرك والشك، لإبانته ما كان خافياً عن الناس من الحق.

أو لأنّه ظاهر الإعجاز ﴿ مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ ﴾ من آمن به ﴿ سُبُلَ السلام ﴾ طرق السلامة والنجاة من عذاب الله أو سبل الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أهْلَ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى، ووَحَّدَ الكِتابَ لِأنَّهُ لِلْجِنْسِ.

﴿ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ﴾ كُنْتَ مُحَمَّدٍ  وآيَةُ الرَّجْمِ في التَّوْراةِ وبِشارَةُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأحْمَدَ  في الإنْجِيلِ.

﴿ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ مِمّا تُخْفُونَهُ لا يُخْبِرُ بِهِ إذا لَمْ يَضْطَرَّ إلَيْهِ أمْرٌ دِينِيٌّ، أوْ عَنْ كَثِيرٍ مِنكم فَلا يُؤَخِذاهُ بِجُرْمِهِ.

﴿ قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ فَإنَّهُ الكاشِفُ لِظُلُماتِ الشَّكِّ والضَّلالِ والكِتابُ الواضِحُ الإعْجازَ.

وقِيلَ يُرِيدُ بِالنُّورِ مُحَمَّدًا  .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أهل الكتاب} خطاب لليهود والنصارى والكتاب للجنس

{قَدْ جاءكم رسولنا} محمد عليه السلام {يبين لكم كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب} من نحو صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن نحوا الرجم {ويعفو عَن كَثِيرٍ} مما تخفونه لا يبينه أو يعفو عن كثير منكم لا يؤاخذه {قَدْ جَاءَكُمْ مِّنَ الله نُورٌ وكتاب مُّبِينٌ} يريد القرآن لكشفه ظلمات الشرك والشك ولا بانته ما كان خافياً على الناس من الحق أو لأنه ظاهر الإعجاز أو النور محمد عليه السلام لأنه يهتدى به كما سمي سراجا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أهْلَ الكِتابِ ﴾ التِفاتٌ إلى خِطابِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، عَلى أنَّ الكِتابَ جِنْسٌ صادِقٌ بِالواحِدِ والِاثْنَيْنِ وما فَوْقَهُما، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِعُنْوانِ أهْلِيَّةِ الكِتابِ لِلتَّشْنِيعِ؛ فَإنَّ أهْلِيَّةَ الكِتابِ مِن مُوجِباتِ مُراعاتِهِ، والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ، وبَيانِ ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ، وقَدْ فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ ﴿ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا ﴾ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِذَلِكَ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ لِلتَّشْرِيفِ والإيذانِ بِوُجُوبِ اتِّباعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾ حالٌ مِن ( رَسُولِنا ) وإيثارُ الفِعْلِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ البَيانِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِ مُبَيِّنًا لَكم عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ ﴿ كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ﴾ أيِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وذَلِكَ كَنَعْتِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وآيَةِ الرَّجْمِ، وبِشارَةِ عِيسى بِأحْمَدَ، عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: ««إنَّ نَبِيَّ اللَّهِ تَعالى - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أتاهُ اليَهُودُ يَسْألُونَهُ عَنِ الرَّجْمِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أيُّكم أعْلَمُ فَأشارُوا إلى ابْنِ صُورِيا فَناشَدَهُ بِالَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والَّذِي رَفَعَ الطُّورَ، وبِالمَواثِيقِ الَّتِي أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ حَتّى أخَذَهُ أفْكَلُ فَقالَ: إنَّهُ لَمّا كَثُرَ فِينا جَلَدْنا مِائَةً وحَلَقْنا الرُّءُوسَ، فَحَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالرَّجْمِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، وتَأْخِيرُ ( كَثِيرًا ) عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الكَتْمِ والإخْفاءِ، و( مِمّا ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ( كَثِيرًا ) و( ما ) مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ، وما بَعْدَها صِلَتُها، والعائِدُ مَحْذُوفٌ و( مِنَ الكِتابِ ) حالٌ مِن ذَلِكَ المَحْذُوفِ، أيْ: يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِنَ الَّذِي تُخْفُونَهُ عَلى الِاسْتِمْرارِ حالَ كَوْنِهِ مِنَ الكِتابِ الَّذِي أنْتُمْ أهْلُهُ، والعاكِفُونَ عَلَيْهِ.

﴿ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ أيْ: ولا يُظْهِرُ كَثِيرًا مِمّا تُخْفُونَهُ، إذا لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ داعِيَةٌ دِينِيَّةٌ صِيانَةً لَكم عَنْ زِيادَةِ الِافْتِضاحِ، وقالَ الحَسَنُ: أيْ: يَصْفَحُ عَنْ كَثِيرٍ مِنكُمْ، ولا يُؤاخِذُهُ إذا تابَ واتَّبَعَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.

واعْتُرِضَ أنَّهُ مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ يَكُونَ هَذا الكَثِيرُ كالكَثِيرِ السّابِقِ، وفِيهِ نَظَرٌ، كَما قالَ الشِّهابُ؛ لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا أُعِيدَتْ نَكِرَةً فَهي مُتَغايِرَةٌ، نَعَمِ، اخْتارَ الأوَّلَ الجُبّائِيُّ وجَماعَةُ المُفَسِّرِينَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، داخِلَةٌ في حُكْمِها ﴿ قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ ﴾ عَظِيمٌ، وهو نُورُ الأنْوارِ، والنَّبِيُّ المُخْتارُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإلى هَذا ذَهَبَ قَتادَةُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: عَنى بِالنُّورِ القُرْآنَ لِكَشْفِهِ وإظْهارِهِ طُرُقَ الهُدى واليَقِينِ، واقْتَصَرَ عَلى ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعَلَيْهِ فالعَطْفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكِتابٌ مُبِينٌ ﴾ لِتَنْزِيلِ المُغايَرَةِ بِالعُنْوانِ مَنزِلَةَ المُغايَرَةِ بِالذّاتِ، وأمّا عَلى الأوَّلِ فَهو ظاهِرٌ.

وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّهُ أوْفَقُ لِتَكْرِيرِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( قَدْ جاءَكم ) بِغَيْرِ عاطِفٍ، فَعُلِّقَ بِهِ أوَّلًا وصْفُ الرَّسُولِ والِثانِي وصْفُ الكِتابِ، وأحْسَنُ مِنهُ ما سَلَكَهُ الرّاغِبُ حَيْثُ قالَ: بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى والثّانِيَةِ النِّعَمَ الثَّلاثَ الَّتِي خُصَّ بِها العِبادُ: النُّبُوَّةُ والعَقْلُ والكِتابُ، وذَكَرَ في الآيَةِ الثّالِثَةِ ثَلاثَةَ أحْكامٍ يَرْجِعُ كُلُّ واحِدٍ إلى نِعْمَةٍ مِمّا تَقَدَّمَ، ( فَيَهْدِي بِهِ ) إلى آخِرِهِ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( قَدْ جاءَكم رَسُولُنا )، ( يُخْرِجُهم ) إلَخْ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ( قَدْ جاءَكم نُورٌ )، ( يَهْدِيهِمْ ) يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ( وكِتابٌ مُبِينٌ ) كَقَوْلِهِ: ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ انْتَهى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا دَلِيلَ لِهَذا الإرْجاعِ سِوى اعْتِبارِ التَّرْتِيبِ اللَّفْظِيِّ، ولَوْ أرْجَعْتَ الأحْكامَ الثَّلاثَةَ إلى الأوَّلِ لَمْ يَمْتَنِعْ، ولا يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يُرادَ بِالنُّورِ والكِتابِ المُبِينِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والعَطْفُ عَلَيْهِ كالعَطْفِ عَلى ما قالَهُ الجُبّائِيُّ، ولا شَكَّ في صِحَّةِ إطْلاقِ كُلٍّ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولَعَلَّكَ تَتَوَقَّفُ في قَبُولِهِ مِن بابِ العِبارَةِ، فَلْيَكُنْ ذَلِكَ مِن بابِ الإشارَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ( جاءَ ) و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( نُورٌ ) وتَقْدِيمُ ذَلِكَ عَلى الفاعِلِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ كَوْنِ المَجِيءِ مِن جِهَتِهِ تَعالى العالِيَةِ، والتَّشْوِيقِ إلى الجائِيِّ؛ ولِأنَّ فِيهِ نَوْعُ طُولٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، والمُبِينُ مِن ( بانَ ) اللّازِمِ بِمَعْنى ظَهَرَ، فَمَعْناهُ الظّاهِرُ الإعْجازِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَعَدِّي فَمَعْناهُ: المُظْهِرُ لِلنّاسِ ما كانَ خافِيًا عَلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يَا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يعني محمد  يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ يعني: يكتمون ما بين في التوراة، وذلك أنهم كتموا آية الرجم وتحريم الخمر وأكل الربا ونعت محمد  وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ يعني يتجاوز عن كثير ولا يخبركم به، وذكر أن رجلاً من أحبارهم جاء إلى النبيّ  ، فسأله فقال: ما هذا الذي عفوت عنا؟

فأعرض عنه رسول الله  ولم يبين، وإنما أراد اليهودي أن يظهر مناقضة كلامه أنه لم يترك شيئاً، وقد بينه كله، فلما لم يبين له رسول الله  قام من عنده وذهب، وقال لأصحابه: أرى أنه صادق فيما يقول، لأنه كان وجد في كتابه أنه لا يبين له ما سأله.

ثم قال تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ يعني ضياء من الضلالة، وهو محمد  والقرآن، والنور هو الذي يبين الأشياء ويري الأبصار حقيقتها، فيسمى القرآن نوراً لأنه يقع في القلوب مثل النور، لأنه إذا وقع في قلبه يبصر به.

ثم قال: وَكِتابٌ مُبِينٌ يعني القرآن يبين لكم الحق من الباطل.

قوله تعالى: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ يعني بالقرآن مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ يعني مَنْ طلب الحق ورغب فيه سُبُلَ السَّلامِ يعني دين الله الإسلام، والسبل جماعة السبيل وهو الطريق، يعني به طريق الهدى، والسلام اسم من أسماء الله تبارك وتعالى، يعني هو دين الله تعالى.

ثم قال وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ يعني يخرج من قلوبهم حلاوة الكفر، ويدخل فيها حلاوة الإيمان ويوفقهم لذلك وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني يوفقهم إلى دين الإسلام.

قوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ثم قال الله تعالى لمحمد  : قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يقول من يقدر أن يمنع من عذاب الله شيئا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يعني: لَّوْ أَرَادَ الله أَن يهلك عيسى وأمه وجميع الخلق، ولا يقدر عيسى على ردّ ذلك، فكيف يكون إلهاً وهو لا يقدر على دفع الهلاك عن نفسه.

ثم قال: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يعني خزائن السموات والأرض، وجميع الخلق عبيده وإماؤه وحكمه نافذ فيهم.

ثم قال: يَخْلُقُ مَا يَشاءُ لأن نصارى أهل نجران كانوا يقولون: لو كان عيسى بشراً كان له أب، فأخبر الله تعالى على أنه قادر على أن يخلق خلقاً بغير أب وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من خلق عيسى وغيره.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فذكر الحديثَ.

وقوله: «لَمْ يدخُلاَ الجَنَّةَ» : ليس على ظاهره، أيْ: لم يدخُلاَ الجَنَّة أبداً حتى يقتصَّ لبعضهم من بعض، أو يقع العفو، أو تحلَّ الشفاعة حَسْبما هو معلومٌ في صحيح الآثار.

وقوله سبحانه: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ ...

الآية: أهْلُ الكتابِ: لفظٌ يعمُّ اليهودَ والنصارى، ولكنْ نوازل الإخفاء كالرَّجْم وغيره، إنما حُفِظَتْ لليهود لأنهم كانوا مجاوري رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في مهاجره، وفي إعلامه صلّى الله عليه وسلّم بِخَفِيِّ ما في كُتُبِهِمْ، وهو أُمِّيٌّ لاَ يَكْتُبُ، ولا يَصْحَبُ القُرَّاءَ- دليلٌ على صحَّة نبوَّته لو ألهمهم اللَّه للخَيْر، وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ: أي: لم يفْضَحْهم فيه إبقاءً عليهم، والضمير في يَعْفُوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ: هو محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وكِتابٌ مُبِينٌ: هو القُرآن، ويحتملُ أنْ يريدَ موسى- عليه السلام-، والتوراةُ: أي: لو اتبعتموها حقَّ الاِتِّباع، والأوَّل هو ظاهر الآية، وهو أظهر، وسُبُلَ السَّلامِ: أي: طُرُقَ السلامةِ والنَّجَاةِ، ويحتملُ أنْ يكون «السَّلاَم» هنا اسما من أسماءِ اللَّه عزّ وجلّ، فالمعنى: طرق الله، والظُّلُماتِ: الكفر، والنُّورِ: الإيمان، وباقي الآية بيِّن متكرِّر.

وقوله سبحانه: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ: أيْ: لا مَالِكَ، ولا رادَّ لإرادةِ اللَّه تعالى في المسيحِ، ولا في غَيْرِهِ.

وقوله سبحانه: يَخْلُقُ مَا يَشاءُ: إشارةٌ إلى خلقه المسيحَ في رَحِمِ مَرْيَمَ من غير

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ.

والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى.

والرَّسُولُ مُحَمَّدٌ  .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخْفَوْا آيَةَ الرَّجْمِ وأمْرَ مُحَمَّدٍ  وصِفَتَهُ ﴿ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ يَتَجاوَزُ، فَلا يُخْبِرُهم بِكِتْمانِهِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كانَ لَهُ أنْ يُمْسِكَ عَنْ حَقٍّ كَتَمُوهُ فَلا يُبَيِّنُهُ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ مُتَلَقِّيًا ما يُؤْمَرُ بِهِ، فَإذا أُمِرَ بِإظْهارِ شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ، أظْهَرَهُ، وأخَذَهم بِهِ، وإلّا سَكَتَ.

والثّانِي: أنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ إنَّما كانَ عَلى أنْ يُقِرُّوا عَلى دِينِهِمْ، فَلَمّا كَتَمُوا كَثِيرًا مِمّا أُمِرُوا بِهِ، واتَّخَذُوا غَيْرَهُ دِينًا، أظْهَرَ عَلَيْهِمْ ما كَتَمُوهُ مِن صِفَتِهِ وعَلامَةِ نُبُوَّتِهِ، لِتَتَحَقَّقَ مُعْجِزَتُهُ عِنْدَهم، واحْتَكَمُوا إلَيْهِ في الرَّجْمِ، فَأظْهَرَ ما كَتَمُوا مِمّا يُوافِقُ شَرِيعَتَهُ، وسَكَتَ عَنْ أشْياءَ لِيَتَحَقَّقَ إقْرارُهم عَلى دِينِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي بِالنُّورِ: النَّبِيَّ مُحَمَّدًا  .

وَقالَ غَيْرُهُ: هو الإسْلامُ، فَأمّا الكِتابُ المُبِينُ، فَهو القُرْآنُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عن كَثِيرٍ ﴾ "وَمِن": مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أخَذْنا"؛ اَلتَّقْدِيرُ: "وَأخَذْنا مِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى مِيثاقَهُمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "وَمِنَ"؛ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "خائِنَةٍ مِنهُمْ"؛  ﴾ ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ "أخَذْنا مِيثاقَهُمْ"؛ ﴾ اِبْتِداءَ خَبَرٍ عنهُمْ؛ والأوَّلُ أرْجَحُ؛ وعُلِّقَ كَوْنُهم نَصارى بِقَوْلِهِمْ ودَعْواهُمْ؛ مِن حَيْثُ هو اسْمٌ شَرْعِيٌّ يَقْتَضِي نَصْرَ دِينِ اللهِ؛ وسَمَّوْا بِهِ أنْفُسَهم دُونَ اسْتِحْقاقٍ؛ ولا مُشابَهَةٍ بَيْنَ فِعْلِهِمْ؛ وقَوْلِهِمْ؛ فَجاءَتْ هَذِهِ العِبارَةُ مُوَبِّخَةً لَهُمْ؛ مُزَحْزِحَةً عن طَرِيقِ نَصْرِ دِينِ اللهِ ؛ وأنْبِيائِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ ﴾ ؛ مَعْناهُ: أثْبَتْناها بَيْنَهُمْ؛ وألْصَقْناها؛ والإغْراءُ مَأْخُوذٌ مِنَ الغِراءِ الَّذِي يُلْصَقُ بِهِ؛ والضَمِيرِ في "بَيْنَهُمُ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اليَهُودِ؛ والنَصارى؛ لِأنَّ العَداوَةَ بَيْنَهم مَوْجُودَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَصارى فَقَطْ؛ لِأنَّها أُمَّةٌ مُتَقاتِلَةٌ؛ بَيْنَها الفِتَنُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ ثُمَّ تَوَعَّدَهُمُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِعِقابِ الآخِرَةِ؛ إذْ إنْباؤُهم بِصُنْعِهِمْ إنَّما هو تَقْرِيرٌ؛ وتَوْبِيخٌ لِلْعَذابِ؛ إذْ صُنْعُهم كُفْرٌ يُوجِبُ الخُلُودُ في النارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ ﴾ ؛ لَفْظٌ يَعُمُّ اليَهُودَ والنَصارى؛ ولَكِنَّ نَوازِلَ الإخْفاءِ - كالرَجْمِ؛ وغَيْرِهِ - إنَّما حُفِظَتْ لِلْيَهُودِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُجاوِرِي رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في مَهاجِرِهِ؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِن هَذِهِ السُورَةِ هاتانِ الآيَتانِ في شَأْنِ اليَهُودِ والنَصارى؛ ثُمَّ نَزَلَ سائِرُ السُورَةِ بِعَرَفَةَ؛ في حِجَّةِ الوَداعِ.

وقَوْلُهُ: "رَسُولُنا"؛ يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وفي الآيَةِ الدَلالَةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ؛ لِأنَّ إعْلامَهُ بِخَفِيِّ ما في كُتُبِهِمْ؛ وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ؛ ولا يَصْحَبُ القَرَأةَ؛ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَأْتِيهِ مِن عِنْدِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى.

وأشْهَرُ النَوازِلِ الَّتِي أخْفَوْها فَأظْهَرَها اللهُ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ؛ أمْرُ الرَجْمِ؛ وحَدِيثُهُ مَشْهُورٌ؛ ومِن ذَلِكَ صِفاتُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ و"مِنَ الكِتابِ"؛ يَعْنِي: مِنَ التَوْراةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَعْفُو عن كَثِيرٍ ﴾ ؛ مَعْناهُ: ويَتْرُكُ كَثِيرًا لا يَفْضَحُكم فِيهِ؛ إبْقاءً عَلَيْكُمْ؛ وهَذا المَتْرُوكُ هو في مَعْنى افْتِخارِهِمْ؛ ووَصْفِهِمْ أيّامَ اللهِ قِبَلَهُمْ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا يَتَعَيَّنُ في مِلَّةِ الإسْلامِ فَضْحُهم فِيهِ؛ وتَكْذِيبُهُمْ؛ والفاعِلُ في "وَيَعْفُو"؛ هو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُسْتَنَدَ الفِعْلُ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى؛ وإذا كانَ العَفْوُ مِنَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - فَبِأمْرِ رَبِّهِ؛ وإنْ كانَ مِنَ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى-؛ فَعَلى لِسانِ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والِاحْتِمالانِ قَرِيبٌ بَعْضُهُما مِن بَعْضٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بعد أن ذكر من أحوال فريقي أهل الكتاب وأنبَائهم ما لا يعرفه غير علمائهم وما لا يستطيعون إنكاره أقبل عليهم بالخطاب بالموعظة؛ إذ قد تهيَّأ من ظهور صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ما يسهّل إقامة الحجّة عليهم، ولذلك ابتدئ وصفُ الرسول بأنّه يبيَّن لهم كثيراً ممّا كانوا يخفون من الكتاب، ثم أعقبه بأنَّه يعفو عن كثير.

ومعنى ﴿ يعفو ﴾ يُعرض ولا يُظهر، وهو أصل مادّة العفو.

يقال: عفا الرسم، بمعنى لم يظهر، وعفاه: أزال ظهوره.

ثم قالوا: عفا عن الذنب، بمعنى أعرض، ثم قالوا: عفا عن المذنب، بمعنى ستر عنه ذنبه، ويجوز أن يراد هنا معنى الصفح والمغفرة، أي ويصفح عن ذنوب كثيرة، أي يبيّن لكم دينكم ويعفو عن جلهكم.

وجملة ﴿ قد جاءكم من الله نور ﴾ بدل من جملة ﴿ قد جاءكم رسولنا ﴾ بدل اشتمال، لأنّ مجيء الرسول اشتمَل على مجيء الهُدى والقرآن، فوزانها وزان (عِلمُه) من قولهم: نفعني زيد علمه، ولذلك فصلت عنها، وأعيد حرف (قَد) الداخل على الجملة المبدل منها زيادة في تحقيق مضمون جملة البدل، لأنّ تعلّق بدل الاشتمال بالمبدل منه أضعف من تعلّق البدل المطابق.

وضمير ﴿ به ﴾ راجع إلى الرسول أو إلى الكتاب المبين.

وسُبلُ السلام: طرق السلامة الّتي لا خوف على السائر فيها.

وللعرب طرق معروفة بالأمن وطرق معروفة بالمخافة، مثل وادي السباع، الذي قال فيه سُحيم بن وثيل الرياحي: ومررتُ على وادي السباع ولا أرى *** كوادِي السباع حين يُظلِم وادِيا أقَلّ به ركبٌ أتوهَ تَئِيَّةً *** وأخوفَ إلاّ ما وقى اللّهُ ساريا فسبيل السلام استعارة لطرق الحقّ.

والظلماتُ والنّور استعارة للضلال والهدى.

والصراط المستقيم مستعار للإيمان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي: نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ  ، ورَجْمَ الزّانِينَ.

﴿ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ مِمّا سِواهُ.

﴿ قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ ﴾ في النُّورِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مُحَمَّدٌ  ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

الثّانِي: القُرْآنُ وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: سَبِيلُ اللَّهِ، لِأنَّ اللَّهَ هو السَّلامُ، ومَعْناهُ دِينُ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: طَرِيقُ السَّلامَةِ مِنَ المَخافَةِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

﴿ وَيُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ﴾ يَعْنِي: مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ بِلُطْفِهِ.

﴿ وَيَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: طَرِيقُ الحَقِّ وهو دِينُ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: طَرِيقُ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: لما أخبر الأعور سمويل بن صوريا الذي صدق النبي صلى الله عليه وسلم على الرجم أنه في كتابهم، وقال: لكنا نخفيه، فنزلت ﴿ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ﴾ وهو شاب أبيض طويل من أهل فدك.

وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا ﴾ قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ يبين لكم كثيراً ﴾ يقول: يبين لكم محمد رسولنا كثيراً مما كنتم تكتمونه الناس؛ ولا تبينونه لهم مما في كتابكم، وكان مما يخفونه من كتابهم فبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: رجم الزانيين المحصنين.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم أتاه اليهود يسألونه عن الرجم، فقال: أيكم أعلم؟

فأشاروا إلى ابن صوريا، فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى، والذي رفع الطور بالمواثيق التي أخذت عليهم، هل تجدون الرجم في كتابكم؟

فقال: إنه لما كثر فينا جلدنا مائة وحلقنا الرؤوس فحكم عليهم بالرجم، فأنزل الله: ﴿ يا أهل الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ صراط مستقيم ﴾ .

وأخرج ابن الضريس والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب.

قال تعالى ﴿ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ﴾ قال: فكان الرجم مما أخفوا.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ويعفو عن كثير ﴾ من ذنوب القوم جاء محمد باقالة منها وتجاوز إن اتبعوه.

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ﴾ قال: سبيل الله الذي شرعه لعباده، ودعاهم إليه، وابتعث به رسله، وهو الإسلام الذي لا يقبل من أحد عمل إلا به، لا اليهودية، ولا النصرانية، ولا المجوسية.

والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد الجميع (١) وقال قتادة: لما ذكر نقضهم العهد وتركوا ما أمروا به دعاهم على إثر ذلك إلى الإيمان بمحمد  (٢) وقوله تعالى: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ .

قال عطاء عن ابن عباس: يريد تكتمون مما في التوراة والإنجيل (٣) (٤) قال أهل المعاني: وهذا بيان لإعجاز النبي  حيث اطلع على أسرارهم وبين ما أخفوه من غير قراءة كتبهم، فوجب الإيمان به (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ .

قال ابن عباس: يتجاوز عن كثير، فلا يخبرهم بكتمانه (٦) فإن قيل على هذا: ما وجه بيان بعضه وترك بعضه؟

قيل: إنه بين ما فيه دلالة على نبوته من صفاته ونعته والبشارة به، وما يحتاج إلى علمه من غير ذلك مما تتفق له الأسباب التي يحتاج معها إلى استعلام ذلك، كالذي اتفق له في الرّجم، وما عدا هذين مما ليس في تفصيله فائدة فيكفي ذكره في الجملة (٧) وفي قوله: ﴿ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ إعجاز للنبي  كالإعجاز فيما بينهم؛ لأنهم يعلمون بهذا أنه عالم بما يخفونه: وإن لم يبينه على التفضيل (٨) وقوله تعالى: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ ﴾ .

قال ابن عباس: يعني ضياء من الضلالة (٩) وقال عطاء: يريد هدى (١٠) (١١) وقال قتادة: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ ﴾ يعني النبي (١٢)  ، وهو الذي يبين الأشياء (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَكِتَابٌ مُبِينٌ  ﴾ .

قال ابن عباس: يريد القرآن، فيه بيان لكل ما يختلفون فيه (١٤) (١) لم أقف عليه، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 161، و"زاد المسير" 2/ 316.

(٢) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 160، و"الدر المنثور" 2/ 475.

(٣) لم أقف عليه من رواية عطاء، وانظر: "الوسيط" 3/ 838، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 110.

(٤) أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 161، والحاكم 4/ 359، وقال: هذا صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 475.

(٥) انظر: "الكشاف" 1/ 329، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 118 (٦) انظر: "زاد المسير" 2/ 316، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 110.

(٧) انظر: "زاد المسير" 2/ 316، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 118.

(٨) هكذا جاءت هذه الكلمة في النسختين (ش)، (ج) والظاهر أنها مصحفة، والصواب: التفصيل بالصاد المهملة.

(٩) في "الوسيط" 3/ 838، دون نسبة لابن عباس، ولم أقف عليه.

(١٠) لم أقف عليه.

(١١) قد فسر النور هنا: بالإسلام، انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 33، و"زاد المسير" 2/ 316.

(١٢) انظر: "زاد المسير" 2/ 316.

والاختلاف هنا اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد، فإن النبي محمد  قد جاء بالإسلام.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 161، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 22.

(١٤) في "الوسيط" 3/ 838، دون نسبة لابن عباس، ولم أقف عليه.

وانظر: "تفسير البغوي" في "تفسيره" 3/ 33، و"زاد المسير" 2/ 316.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَا أَهْلَ الكتاب ﴾ في الموضعين يعم اليهود والنصارى وقيل: إنها نزلت بسبب اليهود الذين كانوا بالمدينة فإنهم كانوا يذكرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، وفي الآية دلالة على صحة نبوته، لأنه بين لهم ما أخفوه مما في كتبهم، وهو أمي لم يقرأ كتبهم ﴿ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ أي: يتركه ولا يفضحكم فيه ﴿ نُورٌ وكتاب مُّبِينٌ ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ قسية ﴾ حمزة وعلي والمفضل.

الباقون ﴿ قاسية ﴾ .

الوقوف: ﴿ بني إسرائيل ﴾ ج للعدول عن الإخبار إلى الحكاية مع اتحاد القصة.

﴿ نقيباً ﴾ ج للعدول عن الحكاية إلى الإخبار.

﴿ معكم ﴾ ط لأن ما بعده ابتداء قسم محذوف جوابه ﴿ لأكفرن ﴾ .

﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ قاسية ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال أي لعناهم محرفين ﴿ مواضعه ﴾ ط لأنا ما يتلوه حال أي وقد نسوا ﴿ ذكروا به ﴾ ج للعدول عن الماضي إلى المستقبل مع الواو.

﴿ واصفح ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ ذكروا به ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ يصعنون ﴾ ه ﴿ عن كثير ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لأن قوله: ﴿ يهدي ﴾ وصف الكتاب إلى آخر الآية.

﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ المسيح ابن مريم ﴾ الأول ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ وما بينهما ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ وأحباؤه ﴾ ط ﴿ بذنوبكم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الأخبار ﴿ ممن خلق ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ وما بينهما ﴾ ز للفصل بين ذكر الحال والمال.

﴿ المصير ﴾ ه ﴿ ولا نذير ﴾ ر للعطف مع وقوع العارض.

﴿ ونذير ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما خاطب المؤمنين بذكر نعمته وميثاقه أردفه ذكر ميثاق بني إسرائيل ونقضهم إياه ثم لعنهم بسبب ذلك تحذيراً لهذه الأمة من مثل ما فعلوا وفعل بهم.

وبوجه آخر لما ذكر غدر اليهود وأنهم أرادوا إيقاع الشر بالنبي  لولا دفع الله  ، أردفه بذكر سائر فضائحهم ليعلم أن ذلك لم يزل هجيراهم.

والنقيب العريف "فعيل" بمعنى "فاعل" لأنه ينقب عن أحوال القوم فيكون شاهدهم وضمينهم.

وقال أبو مسلم: بمعنى "مفعول" يعني اختارهم على علم بهم.

وأصل النقب الطريق في الجبل.

ونقب البيطار سرة الدابة ليخرج منها ماء أصفر.

والمناقب الفضائل لأنها لا تظهر إلاّ بالنقب عنها.

ويقال: كلب نقيب وهو أن ينقب حنجرته لئلا يرفع صوت نباحه، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف.

قال مجاهد والكلبي والسدي: إن الله  اختار من كل سبط من أسباط بني إسرائيل رجلاً يكون نقيباً لهم وحاكماً فيهم.

ثم إنهم بعثوا إلى مدينة الجبارين لينقبوا عن أحوالهم فرأوا أجراماً عظيمة فهابوا ورجعوا وحدثوا قومهم وقد نهاهم موسى  أن يحدثوهم فنكثوا الميثاق إلاّ رجلين منهم.

ومعنى ﴿ إني معكم ﴾ إني ناصركم ومعينكم والتقدير: وقال الله لهم.

فحذف الرابط للعلم به.

والخطاب للنقباء أو لكل بني إسرائيل.

والحاصل إني معكم بالعلم والقدرة فأسمع كلامكم وأرى أفعالكم وأعلم ضمائركم وأقدر على إيصال الجزاء إليكم.

فهذه مقدمة معتبرة جداً في الترغيب والترهيب ثم ذكر بعدها جملة شرطية مقدمها مركب من خمسة أمور والجزاء هو قوله: ﴿ لأكفرن ﴾ وهو إشارة إلى إزالة العقاب.

وقوله: ﴿ ولأدخلنكم ﴾ وهو إشارة إلى إيصال الثواب.

واللام في ﴿ لئن أقمتم ﴾ موطئة للقسم وفي ﴿ لأكفرن ﴾ جواب له ولكنه سد مسد جواب الشرط أيضاً.

والعزر في اللغة الرد ومنه التعزير التأديب لأنه يرده عن القبيح ولهذا قال الأكثرون: معنى ﴿ عزرتموهم ﴾ نصرتموهم لأن نصر الإنسان رد أعدائه عنه.

ولو كان التعزير هو التوقير لكان قوله: ﴿ وتعزروه وتوقروه  ﴾ تكراراً.

وههنا أسئلة: لم أخر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أن الإيمان مقدم على الأعمال؟

وأجيب بعد تسليم أن الواو للترتيب بأن اليهود كانوا معترفين بأن النجاة مربوطة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إلاّ أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل فذكر أنه لا بد بعد الصلاة والزكاة من الإيمان بجميع الرسل وإلاّ لم يكن لتلك الأعمال أثر.

قلت: يحتمل أن يكون التقدير وقد آمنتم أو أخر الإيمان عن العمل تنبيهاً على أن الإيمان إنما يقع معتداً به إذا اقترن به العمل كقوله ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى  ﴾ أو هو من القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس، أو لعل اليهود كانوا مقصرين في الصلاة والزكاة فكان ذكرهما أهم.

سؤال آخر ما الفائدة في قوله: ﴿ وأقرضتم ﴾ بعد قوله: ﴿ وآتيتم الزكاة ﴾ ؟

وأجيب بأن الإقراض أريد به الصدقات المندوبة.

قال الفراء: ولو قال وأقرضتم الله إقراضاً حسناً لكان صواباً أيضاً إلاّ أنه أقيم الاسم مقام المصدر مثل ﴿ وأنبتها نباتاً حسناً  ﴾ آخر لم قال: ﴿ فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل ﴾ فإن من كفر قبل ذلك أيضاً فقد أخطأ الطريق المستقيم الذي شرعه الله لهم؟

والجواب أجل، ولكن الضلال بعد الشرط المؤكد المعلق به الوعيد العظيم أشنع فلهذا خص بالذكر.

﴿ فبما نقضهم ميثاقهم ﴾ بتكذيب الرسل وقتلهم أو بكتمانهم صفة محمد  أو بإخلال جملة الشروط المذكورة ﴿ لعناهم ﴾ قال عطاء: أخرجناهم من رحمتنا.

وقال الحسن ومقاتل: مسخناهم حتى صاروا قردة وخنازير.

قال ابن عباس: ضربنا الجزية عليهم ﴿ وجعلنا قلوبهم قاسية ﴾ من قرأ ﴿ قسية ﴾ / فبمعنى القاسية أيضاً إلا أنها أبلغ كعليم وعالم ومنه قولهم "درهم قسي" أي رديء مغشوش لما فيه من اليبس والصلابة بخلاف الدرهم الخالص فإن فيه ليناً وانقياداً.

قالت المعتزلة: معنى الجعل ههنا أنه أخبر عنها بأنها صارت قاسية كما يقال جعلت فلاناً فاسقاً أو عدلاً ﴿ يحرّفون الكلم ﴾ بيان لقسوة قلوبهم لأنه لا قسوة أشد من الافتراء على الله وتغيير كلامه ﴿ ونسوا حظاً ﴾ تركوا نصيباً وافراً أو قسطاً وافياً ﴿ مما ذكروا به ﴾ من التوراة يريد أن تركهم التوراة وإعراضهم عن العمل بها إغفال حظ عظيم، أن فسدت نياتهم فحرفوا التوراة وزالت علوم منها عن حفظهم كما روي عن ابن مسعود: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية.

وقال ابن عباس: تركوا نصيباً مما أمروا به في كتابهم وهو الإيمان بمحمد  ثم بيّن أن نكث العهود والغدر لم يزل عادتهم خلفاً عن سلف فقال: ﴿ ولا تزال تطلع على خائنة ﴾ أي خيانة كالعافية والحادثة أو صفة لمحذوف مؤنث أي على فعلة ذات خيانة أو على نفس أو فرقة خائنة أو التاء للمبالغة مثل "رجل راوية للشعر" ﴿ إلا قليلاً منهم ﴾ وهم الذين آمنوا منهم كعبد الله بن سلام وأمثاله، أو هم الذين بقوا على الكفر من غير غدر ونقض لعهودهم ﴿ فاعف عنهم واصفح ﴾ بعث على حسن العشرة معهم.

فقيل منسوخ بآية الجهاد ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم  ﴾ وقيل: المراد فاعف عن مؤمنهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم.

وقيل: بناء على أن القليل هم الباقون على العهد منهم أن المراد لا تؤاخذهم بالصغائر ما داموا باقين على العهد وهذا قول أبي مسلم ﴿ إن الله يحب المحسنين ﴾ قال ابن عباس: معناه إذا عفوت فأنت محسن، وإذا كنت محسناً فقد أحبك الله.

وعلى قول أبي مسلم فالمراد بهؤلاء المحسنين هم القليلون الذين ما نقضوا عهد الله وفي هذا التفسير بعد والله أعلم.

ثم قال: ﴿ ومن الذين قالوا إنا نصارى ﴾ ولم يقل ومن النصارى لأنهم إنما سموا أنفسهم بهذا الاسم ادعاء لنصرة الله، وهم الذين قالوا لعيسى  نحن أنصار الله وكانوا بالحقيقة أنصار الشيطان حيث اختلفوا وخالفوا الحق ﴿ أخذنا ميثاقهم ﴾ إن كان الضمير عائداً إلى الذين قالوا فالمعنى ظاهر، وإن عاد إلى اليهود فالمعنى أخذنا منهم مثل ميثاق اليهود في أفعال الخير والإيمان بالرسل ﴿ فأغرينا ﴾ ألصقنا وألزمنا ومنه الغراء الذي يلصق به وغرى بالشيء لزمه ولصق به ﴿ بينهم ﴾ بين فرق النصارى أو بينهم وبين اليهود.

ثم دعا اليهود والنصارى إلى الإيمان بمحمد  فقال: ﴿ يا أهل الكتاب ﴾ ووحد الكتاب لأنه أخرج مخرج الجنس ﴿ مما كنتم تخفون من الكتاب ﴾ كصفة رسول الله  وكصفة الرجم/ وهذا معجز لأنه لم يقرأ كتاباً وقد أخبرهم بأسرار كتابهم ﴿ ويعفو عن كثير ﴾ مما تخفونه فلا يبينه مما لا تمس إليه حاجة في هذا الدين.

وعن الحسن: ويعفو عن كثير منكم لا يؤاخذه بجرمه ﴿ قد جاءكم من الله نور ﴾ محمد أو الإسلام ﴿ وكتاب مبين ﴾ هو القرآن لإبانته ما كان خافياً على الناس من الحق، أو لأنه ظاهر الإعجاز، ويحتمل أن يكون النور والكتاب هو القرآن والمغايرة اللفظية كافية بين المعطوفين.

ولا شك أن القرآن نور معنوي تتقوى به البصيرة على إدراك الحقائق والمعقولات ﴿ يهدي به الله ﴾ أي بالكتاب ﴿ من اتبع رضوانه ﴾ من كان مطلوبه اتباع الدين الذي يرتضيه الله لا الذي ألفه بحسب هواه ﴿ سبل السلام ﴾ طرق السلامة أو طرق دار السلام أو سبيل دين الله ﴿ إن الله هو المسيح ابن مريم ﴾ بناء على جواز الحلول ﴿ فمن يملك من الله شيئاً ﴾ من الذي يقدر على دفع شيء من أفعاله الله ومنع شيء من مراده.

وقوله: ﴿ إن أراد ﴾ شرط جزاء آخر محذوف يدل عليه ما تقدمه والمعنى إن أراد ﴿ أن يهلك المسيح ﴾ المدعو إلها وغيره فمن الذي يقدر على أن يدفعه عن مراده ومقدوره؟

والمراد بعطف من في الأرض على المسيح وأمه أنهما من جنسهم وشكلهم في الصورةوالخلقة والجسمية والتركيب وسائر الأعراض.

فلما سلمتم كونه  خالقاً لغيرهما وجب أن يكون خالقاً لهما ومتصرفاً فيهما.

وإنما قال: ﴿ وما بينهما ﴾ بعد ذكر السموات والأرض ولم يقل "بينهن" لأنه أراد الصنفين أو النوعين.

وفي قوله: ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ وجهان: أحدهما يخلق تارة من ذكر وأنثى، وتارة من أنثى فقط كما في حق عيسى، وتارة من غير ذكر وأنثى كآدم  .

وثانيهما أن عيسى إذا قدر صورة الطير من الطين فإن الله  يخلق فيها اللحمية والحياة معجزة لعيسى، وكذا إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ قيل: عليه أن اليهود لا يقولون ذلك فكيف يجوز نقل ذلك عنهم؟

وأما النصارى فلا يقولون ذلك في حق أنفسهم.

وأجيب بأن المضاف محذوف أي نحن أبناء رسل الله أو أريد إن عناية الله  بحالهم أكمل وأشد من اعتناء الأب بالابن، أو اليهود زعموا أن عزيراً ابن الله، والنصارى أن المسيح ابن الله.

وقد يقول أقارب الملوك وحشمه نحن الملوك وغرضهم كونهم مختصين بذلك الشخص الذي هو الملك.

عن ابن عباس أن النبي  دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوفهم بعقاب الله فقالوا: كيف تخوفنا بعقاب الله ونحن أبناء الله أحباؤه؟

ومما يتلو النصارى في الإنجيل الذي لهم أن المسيح قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم.

ثم إنه  أبطل عليهم دعواهم بقوله: ﴿ قل فلم يعذبكم بذنوبكم ﴾ فسئل أن موضع الإلزام هو عذاب الدنيا فحينئذ تمكن المعارضة بوقعة أحد وبقتل أحباء الله كالحسن والحسين عليهما السلام أو عذاب الآخرة.

فالقوم ينكرون/ ذلك ولو كان مجرد إخبار محمد  كافياً لكان مجرد إخباره بأنهم كذبوا في ادّعاء أنهم أحباء الله كافياً ويصير الاستدلال ضائعاً.

وأجيب بأن محل الإلزام عذاب عاجل، والمعارضة بيوم أحد ساقطة لأنهم وإن ادعوا أنهم الأحباء لكنهم لم يدعوا أنهم الأبناء.

أو عذاب آجل واليهود والنصارى يعترفون بذلك وأنهم تمسهم النار أياماً معدودة.

ويمكن أن يقال: المراد مسخهم قردة وخنازير بل هذا الجواب أولى ليكون الاحتجاج عليهم بشيء قد دخل في الوجوه فلا يمكنهم الإنكار.

﴿ بل أنتم بشر من ﴾ جملة ﴿ من خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴾ ليس لأحد عليه حق يوجب أن يغفر له ولا قدرة تمنعه من أن يعذبه، وباقي الآية تأكيد لهذا المعنى ﴿ يبيّن لكم ﴾ في محل النصب على الحال وفيه وجهان: أن يقدر المبين وهو الدين والشرائع وحسن حذفه لأن كل أحد يعلم أن الرسول إنما أرسل لبيان الشرائع، أو هو ما كنتم تخفون وحسن حذفه لتقدم ذكره وأن لا يقدر المبين.

والمعنى يبذل لكم البيان وحذف المفعول أعم فائدة.

وقوله: ﴿ على فترة ﴾ متعلق بـ ﴿ جاءكم ﴾ أو حال آخر.

قال ابن عباس: أي على حين فتور من إرسال الرسل وفي زمان انقطاع الوحي.

وسميت المدّة بين الرسولين من رسل الله فترة لفتور الدواعي في العمل بتلك الشرائع.

وكان بين عيسى  ومحمد  خمسمائة وستون أو ستمائة سنة.

وعن الكلبي: كان بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبي، وبين عيسى  ومحمد  أربعة أنبياء، ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب خالد بن سنان العبسي.

وأما العنسي بالنون فهو المتنبىء الكاذب.

والمقصود أن الرسول بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي وتطرق التحريف والتغير إلى الشرائع المتقدمة وكان ذلك عذراً ظاهراً في إعراض الخلق عن العبادات، لأن لهم أن يقولوا إلهنا عرفنا أنه لا بد من عبادات ولكنا ما عرفنا كيف نعبدك، فمن الله  عليهم بإزاحة هذه العلة وذلك قوله: ﴿ أن تقولوا ﴾ أي كراهة أن تقولوا: ﴿ ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم ﴾ أي لا تعتذورا فقد جاءكم.

والحاصل أن الفترة توجب الاحتياج إلى بعثة الرسل والله قادر على ذلك لأنه قادر على كل شيء، فكان يجب في حكمته ورحمته إرسال الرسل في الفترات إلزاماً للحجج وإقامة للبينات.

التأويل: جعل في أمة موسى  اثني عشر نقيباً، وجعل في هذه الأمة من النجباء البدلاء أربعين رجلاً كما قال  : "يكون في هذه الأمة أربعون على خلق إبراهيم وسبعة على خلق موسى وثلاثة على خلق عيسى  وواحد على خلق محمد  " وقال أبو عثمان المغربي: البدلاء أربعون, والأمناء سبعة، الخلفاء ثلاثة، والواحد هو القطب، والقطب عارف بهم جميعاً ويشرف عليهم ولا يعرفه أحد ولا يشرف عليه وهو إمام/ الأولياء، وهكذا حال الثلاثة مع السبعة والسبعة مع الأربعين، فإذا نقص من الأربعين واحد بدل مكانه واحد من غيرهم، وإذا نقص من السبعة واحد جعل مكانه واحد من الأربعين، وإذا نقص من الثلاثة واحد جعل مكانه واحد من السبعة، وإذا مضى القطب الذي به قوام أعداد الخلق جعل بدله واحد من الثلاثة هكذا إلى أن يأذن الله  في قيام الساعة ﴿ لئن أقمتم الصلاة ﴾ بأن تجعلها معراجك إلى الحق في درجات القيام والركوع والسجود والتشهد.

فبالقيام تتخلص عن حجب أوصاف الإنسانية وأعظمها الكبر وهو من خاصية النار، وبالركوع تتخلص عن حجب صفات الحيوانية وأعظمها الشهوة وهو من خاصية الهواء، وبالسجود تتخلص عن حجب طبيعة النبات وأعظمها الحرص على الجذب للنشؤ والنماء وهو من خاصية الماء، وبالتشهد تتخلص عن حجب طبع الجماد وأعظمها الجمود وهو خاصية التراب، فإذا تخلصت من هذه الحجب فقد أقمت الصلاة مناجياً ربك مشاهداً له كما قال  : " اعبد الله كأنك تراه" " ﴿ وآتيتم الزكاة ﴾ بأن تصرف ما زاد من روحانيتك بتعلق القالب في سبيل الله ﴿ وآمنتم برسلي ﴾ استسلمتم بالكلية لتصرفات النبوّة والرسالة ﴿ وأقرضتم الله ﴾ بالوجود كله ﴿ قرضاً حسناً ﴾ وهو أن يأخذ منكم وجوداً مجازياً فانياً ويعطيكم وجوداً حقيقاً باقياً كما يقول.

﴿ لأكفرن ﴾ لأسترن بالوجود الحقيقي ﴿ عنكم سيّآتكم ﴾ الوجود المجازي ﴿ ولأدخلنكم جنات ﴾ الوصلة ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار العناية ﴿ ولا تزال تطلع على خائنة منهم ﴾ لأنّ العصيان يجر إلى العصيان ﴿ فأغرينا بينهم العداوة ﴾ حيث نسوا حظ الميثاق وأبطلوا الاستعداد الفطري صاروا كالسباع يتهارشون ويتجاذبون ﴿ يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴾ يجعل أقوماً مظهر لطفه وفضله وآخرين مظهر قهره وعدله وهو أعلم بعباده.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ الآية.

قال - عز وجل -: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا ﴾ ، ولم يقل: فلان بن فلان؛ ليعلم أن الرسل - عليهم السلام - ليسوا يعرفون بالأسامي والأنساب؛ ولكن إنما يعرفون بالآيات المعجزة والبراهين النيرة.

وفيه دليل أن من آمن بالرسل كلهم ولم يعرف أسماءهم أنه يكون مؤمناً، ولم يؤخذ علينا معرفة أسامي الرسل؛ إنما أخذ علينا الإيمان بهم جملة؛ ألا ترى أن الله - عز وجل - لم يذكر في الكتاب الأنبياء والرسل جميعاً واحداً فواحداً، ولا ذكر أسماءهم؛ إنما ذكر بعضاً منهم؟!

أفترى أن من لم يعرف أسماءهم لم يكن مؤمناً؟!

هذا بعيد.

وفيه دلالة إثبات رسالة [سيدنا] محمد  ؛ لأنه قال: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، وهم إذا كتموا ذلك وأخفوه - أعني: الرؤساء - ولم يخبروا أحداً أنهم كتموا ذلك وأخفوه، حتى يبلغ الخبر إلى رسول الله  ، ولا كان رسول الله  اختلف إلى أحد منهم، أو نظر في كتابهم قط؛ ليعلم ما كتموا، فلما بين لهم ما قد كتموا وأخفوا من الناس؛ دل ذلك لهم أنه إنما علم ذلك بالله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ .

اختلف في تأويله وقراءته: قال بعضهم: "نبين" بالنون، "ونعفوا عن كثير"، أي: الله يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون [من الكتاب]، ويعفوا الله -  - عن كثير إذا آمنوا ورجعوا عما كانوا يخفون ويكتمون.

وقال آخرون: يبين لهم كثيراً، أي: جميع ما كانوا يخفون، ويعفو عن جميع ذلك.

وأمَّا عندنا فقوله: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ بالياء، أي: رسول الله يبين لهم كثيراً، ويعفو عن كثير، على قدر ما أذن له البيان لهم؛ لأن الرسل إنما يأتون بالبراهين والحجج على قدر ما أذن لهم، لا بكل ما لهم من الآيات؛ ألا ترى أن سحرة فرعون لما ألقوا حبالهم وعصيهم فصارت حيات، لم يلق موسى عصاه حتى أذن الله له في ذلك؟!

وهو قوله -  -: ﴿ وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ  وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ  ﴾ .

إنما أتى بالآية بعد ما أذن له بذلك؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً ﴾ إنما يبين على قدر ما أذن له بالبيان والحجة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ : يحتمل مما كنتم تخفون من الكتاب: من الشرائع والأحكام، ويحتمل: كتموا ما في الكتاب من نعت محمد  وصفته [الكريمة].

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ ﴾ .

عن الحسن: النور والكتاب واحد، وكذلك ما قال في قوله: ﴿ ٱلْكِتَابِ وَٱلْحِكْمَةِ  ﴾ هما واحد.

وقال غيره: النور: هو محمد، والكتاب: هو القرآن، سماه: نوراً؛ لما يوضح ويضيء كل شيء على ما هو عليه حقيقة؛ وعلى ذلك يخرج قوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [النور: 35]، أي: به يتضح كل شيء على ما هو عليه في الحقيقة، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: بمحمد  ، ويحتمل: بالقرآن، أي: به يهدي الله ﴿ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ ﴾ ، يحتمل: رضاه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ ﴾ .

السلام: قيل: هو الله؛ كقوله -  -: ﴿ ٱلسَّلاَمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ  ﴾ ، أي: به يهدي سبل السلام، سمي سبلا؛ لأن سبيل الله - وإن كان كثيراً في الظاهر - فهو في الحقيقة واحد، وسمي سبل الشيطان سبلاً وقال: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ...

﴾ الآية [الأنعام: 153]؛ لأن سبله متفرقة مختلفة، ليست ترجع إلى واحد، وأما سبل الله - وإن كانت سبلاً في الظاهر - فهي ترجع إلى واحد، وهو الهدى والصراط المستقيم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أهل الكتاب من اليهود أصحاب التوراة، والنصارى أصحاب الإنجيل، قد جاكم رسولنا محمد  يبين لكم الكثير مما كنتم تكتمونه من الكتاب المنزل عليكم، ويتجاوز عن كثير من ذلك مما لا مصلحة فيه إلا افتضاحكم، قد جاءكم القرآن كتابًا من عند الله، وهو نور يُسْتضاء به، وكتاب مبين لكل ما يحتاج إليه الناس في شؤونهم الدنيوية والأخروية.

<div class="verse-tafsir" id="91.y3PmK"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله