الآية ١٩ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١٩ من سورة المائدة

يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍۢ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُوا۟ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٍۢ وَلَا نَذِيرٍۢ ۖ فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌۭ وَنَذِيرٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ١٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخاطبا أهل الكتاب من اليهود والنصارى : إنه قد أرسل إليهم رسوله محمدا خاتم النبيين ، الذي لا نبي بعده ولا رسول بل هو المعقب لجميعهم ; ولهذا قال : ( على فترة من الرسل ) أي : بعد مدة متطاولة ما بين إرساله وعيسى ابن مريم .

وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة ، كم هي ؟

فقال أبو عثمان النهدي وقتادة - في رواية عنه - : كانت ستمائة سنة .

ورواه البخاري عن سلمان الفارسي .

وعن قتادة : خمسمائة وستون سنة ، وقال معمر عن بعض أصحابه : خمسمائة وأربعون سنة .

وقال : الضحاك : أربعمائة وبضع وثلاثون سنة .

وذكر ابن عساكر في ترجمة عيسى عليه السلام عن الشعبي أنه قال : ومن رفع المسيح إلى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم تسعمائة وثلاث وثلاثون سنة .

والمشهور هو الأول ، وهو أنه ستمائة سنة .

ومنهم من يقول : ستمائة وعشرون سنة .

ولا منافاة بينهما ، فإن القائل الأول أراد ستمائة سنة شمسية ، والآخر أراد قمرية ، وبين كل مائة سنة شمسية وبين القمرية نحو من ثلاث سنين ; ولهذا قال تعالى في قصة أصحاب الكهف : ( ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا ) [ الكهف : 25 ] أي : قمرية ، لتكميل الثلاثمائة الشمسية التي كانت معلومة لأهل الكتاب .

وكانت الفترة بين عيسى ابن مريم ، آخر أنبياء بني إسرائيل وبين محمد [ صلى الله عليه وسلم ] خاتم النبيين من بني آدم على الإطلاق ، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن أولى الناس بابن مريم لأنه لا نبي بيني وبينه هذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى [ عليه السلام ] نبي ، يقال له : خالد بن سنان كما حكاه القضاعي وغيره .

والمقصود أن الله [ تعالى ] بعث محمدا صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل ، وطموس من السبل ، وتغير الأديان ، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان ، فكانت النعمة به أتم النعم ، والحاجة إليه أمر عمم ، فإن الفساد كان قد عم جميع البلاد ، والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد ، إلا قليلا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين ، من بعض أحبار اليهود وعباد النصارى والصابئين ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا هشام ، حدثنا قتادة عن مطرف عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم فقال في خطبته : " وإن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا : كل مال نحلته عبادي حلال ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ، ثم إن الله ، عز وجل ، نظر إلى أهل الأرض فمقتهم ، عجمهم وعربهم ، إلا بقايا من أهل الكتاب وقال : إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك ، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء ، تقرؤه نائما ويقظان ، ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشا فقلت : يا رب ، إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة ، فقال : استخرجهم كما استخرجوك ، واغزهم نغزك ، وأنفق عليهم فسننفق عليك ، وابعث جندا نبعث خمسة أمثاله وقاتل بمن أطاعك من عصاك ، وأهل الجنة ثلاثة : ذو سلطان مقسط متصدق موفق ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم ، ورجل عفيف فقير متصدق ، وأهل النار خمسة : الضعيف الذي لا زبر له ، الذين هم فيكم تبعا أو تبعاء - شك يحيى - لا يبتغون أهلا ولا مالا ، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه ، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك " ، وذكر البخيل أو الكذب ، " والشنظير : الفاحش " .

ثم رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي من غير وجه ، عن قتادة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير .

وفي رواية سعيد عن قتادة التصريح بسماع قتادة هذا الحديث من مطرف .

وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده : أن قتادة لم يسمعه من مطرف وإنما سمعه من أربعة ، عنه .

ثم رواه هو عن روح عن عوف عن حكيم الأثرم عن الحسن قال : حدثني مطرف عن عياض بن حمار فذكره .

و [ كذا ] رواه النسائي من حديث غندر عن عوف الأعرابي به .

والمقصود من إيراد هذا الحديث قوله : " وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم ، عربهم وعجمهم إلا بقايا من بني إسرائيل " .

وفي لفظ مسلم : " من أهل الكتاب " .

وكان الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم ، حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ، فهدى الخلائق ، وأخرجهم الله به من الظلمات إلى النور ، وتركهم على المحجة البيضاء ، والشريعة الغراء ; ولهذا قال تعالى : ( أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ) أي : لئلا تحتجوا وتقولوا - : يا أيها الذين بدلوا دينهم وغيروه - ما جاءنا من رسول يبشر بالخير وينذر من الشر ، فقد جاءكم بشير ونذير ، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ( والله على كل شيء قدير ) قال ابن جرير : معناه : إني قادر على عقاب من عصاني ، وثواب من أطاعني .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز ذكره : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " يا أهل الكتاب "، اليهودَ الذين كانوا بين ظهرانَيْ مُهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم نـزلت هذه الآية.

وذلك أنهم= أو: بعضهم، فيما ذكر= لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان به وبما جاءهم به من عند الله، قالوا: ما بعثَ الله من نبيّ بعد موسى، ولا أنـزل بعد التوراة كتابًا!

11616 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود: يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله!

لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مَبعثه، وتصفونه لنا بصفته!

فقال رافع بن حُرَيملة ووهب بن يهودا (17) ما قلنا هذا لكم، وما أنـزل الله من كتاب بعد موسى، ولا أرسل بشيرًا ولا نذيرًا بعده!

(18) فأنـزل الله عز وجل في [ذلك من] قولهما (19) " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشيرٌ ونذيرٌ والله على كل شيء قدير ".

(20) * * * ويعني بقوله جل ثناؤه: " قد جاءكم رسولنا "، قد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم رسولنا=" يبين لكم "، يقول: يعرفكم الحقَّ، ويوضح لكم أعلام الهدى، ويرشدكم إلى دين الله المرتضى، (21) كما:- 11617 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل "، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، جاء بالفرقان الذي فرَق الله به بين الحق والباطل، فيه بيان الله ونوره وهداه، وعصمةٌ لمن أخذ به.

* * * =" على فترة من الرسل "، يقول: على انقطاع من الرسل= و " الفترة " في هذا الموضع الانقطاع= يقول: قد جاءكم رسولنا يبين لكم الحق والهدى، على انقطاع من الرسل.

* * * و " الفترة "" الفعلة " من قول القائل: " فتر هذا الأمر يفتُر فُتورًا "، وذلك إذا هدأ وسكن.

وكذلك " الفترة " في هذا الموضع، معناها: السكون، يراد به سكون مجيء الرسل، وذلك انقطاعها.

* * * ثم اختلف أهل التأويل في قدر مدة تلك الفترة، فاختلف في الرواية في ذلك عن قتادة.

فروى معمر عنه ما:- 11618 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " على فترة من الرسل " قال: كان بين عيسى ومحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم خمسمائة وستون سنة.

* * * وروى سعيد بن أبي عروبة عنه ما:- 11619 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كانت الفترة بين عيسى ومحمّدٍ صلى الله عليهما، ذكر لنا أنها كانت ستمائة سنة، أو ما شاء من ذلك، والله أعلم.

(22) 11620 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن أصحابه قوله: " قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل "، قال: كان بين عيسى ومحمد صلى لله عليهما خمسمائة سنة وأربعون سنة= قال معمر، قال قتادة: خمسمائة سنة وستون سنة.

* * * وقال آخرون بما:- 11621 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: " على فترة من الرسل "، قال: كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما، أربعمائة سنة وبضعًا وثلاثين سنة.

ويعني بقوله: " أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير " أن لا تقولوا، وكي لا تقولوا، كما قال جل ثناؤه: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [سورة النساء: 176]، بمعنى: أن لا تضلوا، وكي لا تضلوا.

* * * فمعنى الكلام: قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل، كي لا تقولوا ما جاءَنا من بشير ولا نذير.

يعلمهم عز ذكره أنه قد قطَع عذرهم برسوله صلى الله عليه وسلم، وأبلغ إليهم في الحجة.

(23) ويعني بـ" البشير "، المبشر من أطاع الله وآمن به وبرسوله، وعمل بما آتاه من عند الله، بعظيم ثوابه في آخرته (24) = وبـ" النذير "، المنذر من عصاه وكذّب رسولَه صلى الله عليه وسلم وعمل بغير ما أتاه من عند الله من أمره ونهيه، بما لا قبل له به من أليم عقابه في معاده، وشديد عذابه في قِيامته.

* * * القول في تأويل قوله عز ذكره : فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لهؤلاء اليهود الذين وصفنا صفتهم: قد أعذرنا إليكم، واحتججنا عليكم برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم إليكم، وأرسلناه إليكم ليبيّن لكم ما أشكل عليكم من أمر دينكم، كيلا تقولوا: " لم يأتنا من عندك رسولٌ يبيِّن لنا ما نحن عليه من الضلالة "، فقد جاءكم من عندي رسول يبشر من آمن بي وعمل بما أمرته وانتهى عما نهيته عنه، وينذر من عصاني وخالف أمري، وأنا القادر على كل شيء، أقدر على عقاب من عصاني، وثواب من أطاعني، فاتقوا عقابي على معصيتكم إياي وتكذيبكم رسولي، واطلبوا ثوابي على طاعتكم إياي وتصديقكم بشيري ونذيري، فإني أنا الذي لا يعجزه شيء أرادَه، ولا يفوته شيء طلبه.

(25) ------------------- الهوامش : (17) في المطبوعة: "رافع بن حرملة" ، وفي المخطوطة: "نافع بن حرملة" ، وأثبت ما في سيرة ابن هشام.

(18) في المخطوطة: "ولا أرسل بشيرًا ونذيرًا" ، والصواب ما في المطبوعة كما في سيرة ابن هشام.

(19) الزيادة بين القوسين من سيرة ابن هشام.

(20) سيرة ابن هشام 2: 212 ، وهو تابع الأثر السالف رقم: 11613.

(21) انظر تفسير"التبيين" فيما سلف من فهارس اللغة ، مادة (بين).

(22) كان في المطبوعة: "وما شاء الله" بالواو ، وفي المطبوعة والمخطوطة: "الله أعلم" بغير واو.

والصواب ما أثبت.

(23) انظر ما سلف 9: 445 ، 446.

(24) وانظر تفسير"البشارة" فيما سلف 9: 318 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(25) انظر تفسير"قدير" فيما سلف من فهارس اللغة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قديرقوله تعالى : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يعني محمدا صلى الله عليه وسلم .

يبين لكم انقطاع حجتهم حتى لا يقولوا غدا ما جاءنا رسول .

على فترة من الرسل أي : سكون ; يقال فتر الشيء سكن ، وقيل : على فترة على انقطاع ما بين النبيين ; عن أبي علي وجماعة أهل العلم ، حكاه الرماني ; قال : والأصل فيها انقطاع العمل عما كان عليه من الجد فيه ، من قولهم : فتر عن عمله وفترته عنه ، ومنه فتر الماء إذا انقطع عما كان من السخونة إلى البرد .

وامرأة فاترة الطرف أي : منقطعة عن حدة النظر ، وفتور البدن كفتور الماء ، والفتر ما بين السبابة والإبهام إذا فتحتهما ، والمعنى ; أي : مضت للرسل مدة قبله ، واختلف في قدر مدة تلك الفترة ; [ ص: 81 ] فذكر محمد بن سعد في كتاب " الطبقات " عن ابن عباس قال : كان بين موسى بن عمران وعيسى ابن مريم عليهما السلام ألف سنة وسبعمائة سنة ، ولم يكن بينهما فترة ، وأنه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم .

وكان بين ميلاد عيسى والنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وتسع وستون سنة ، بعث في أولها ثلاثة أنبياء ; وهو قوله تعالى : إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث والذي عزز به " شمعون " وكان من الحواريين ، وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولا أربعمائة سنة وأربعا وثلاثين سنة ، وذكر الكلبي أن بين عيسى ومحمد عليهما السلام خمسمائة سنة وتسع وستون ، وبينهما أربعة أنبياء ; واحد من العرب من بني عبس وهو خالد بن سنان .

قال القشيري : ومثل هذا مما لا يعلم إلا بخبر صدق .

وقال قتادة : كان بين عيسى ومحمد عليهما السلام ستمائة سنة ; وقاله مقاتل والضحاك ووهب بن منبه ، إلا أن وهبا زاد عشرين سنة ، وعن الضحاك أيضا أربعمائة وبضع وثلاثون سنة ، وذكر ابن سعد عن عكرمة قال : بين آدم ونوح عشرة قرون ، كلهم على الإسلام .

قال ابن سعد : أخبرنا محمد بن عمرو بن واقد الأسلمي عن غير واحد قالوا : كان بين آدم ونوح عشرة قرون ، والقرن مائة سنة ، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون ، والقرن مائة سنة ، وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون ، والقرن مائة سنة ; فهذا ما بين آدم ومحمد عليهما السلام من القرون والسنين .

والله أعلم .

أن تقولوا أي : لئلا أو كراهية أن تقولوا ; فهو في موضع نصب .

ما جاءنا من بشير أي : مبشر .

ولا نذير أي : منذر ، ويجوز من بشير ولا نذير على الموضع .

قال ابن عباس : قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود ; يا معشر يهود اتقوا الله ، فوالله إنكم لتعلمون أن محمدا رسول الله ، ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه بصفته ; فقالوا : ما أنزل الله من كتاب بعد موسى ولا أرسل بعده من بشير ولا نذير ; فنزلت الآية .

والله على كل شيء قدير على إرسال من شاء من خلقه .

وقيل : قدير على إنجاز ما بشر به وأنذر منه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يدعو تبارك وتعالى أهل الكتاب -بسبب ما من عليهم من كتابه- أن يؤمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ويشكروا الله تعالى الذي أرسله إليهم على حين { فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ } وشدة حاجة إليه.

وهذا مما يدعو إلى الإيمان به، وأنه يبين لهم جميع المطالب الإلهية والأحكام الشرعية.

وقد قطع الله بذلك حجتهم، لئلا يقولوا: { مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ } يبشر بالثواب العاجل والآجل، وبالأعمال الموجبة لذلك، وصفة العاملين بها.

وينذر بالعقاب العاجل والآجل، وبالأعمال الموجبة لذلك، وصفة العاملين بها.

{ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } انقادت الأشياء طوعا وإذعانا لقدرته، فلا يستعصي عليه شيء منها، ومن قدرته أن أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأنه يثيب من أطاعهم ويعاقب من عصاهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا ) محمد صلى الله عليه وسلم ، ( يبين لكم ) أعلام الهدى وشرائع الدين ، ( على فترة من الرسل ) أي انقطاع من الرسل .

واختلفوا في مدة الفترة بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم ، قال أبو عثمان النهدي : ستمائة سنة ، وقال قتادة : خمسمائة وستون سنة ، وقال معمر والكلبي ، خمسمائة وأربعون سنة وسميت فترة لأن الرسل كانت تترى بعد موسى عليه السلام من غير انقطاع إلى زمن عيسى عليه السلام ، ولم يكن بعد عيسى عليه السلام سوى رسولنا صلى الله عليه وسلم .

( أن تقولوا ) كيلا تقولوا ، ( ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا» محمد «يبين لكم» شرائع الدين «على فترة» انقطاع «من الرسل» إذ لم يكن بينه وبين عيسى رسول ومدة ذلك خمسمائة وتسع وستون سنة لـ «أن» لا «تقولوا» إذا عذبتم «ما جاءنا من» زائدة «بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير» فلا عذر لكم إذاً «والله على كل شيء قدير» ومنه تعذيبكم إن لم تتبعوه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها اليهود والنصارى قد جاءكم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، يُبيِّن لكم الحق والهدى بعد مُدَّة من الزمن بين إرساله بإرسال عيسى ابن مريم؛ لئلا تقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فلا عُذرَ لكم بعد إرساله إليكم، فقد جاءكم من الله رسولٌ يبشِّر مَن آمن به، ويُنذِز مَن عصاه.

والله على كل شيء قدير من عقاب العاصي وثواب المطيع.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - فساد أقوال أهل الكتاب وبطلان عقائدهم ، ورد عليهم بما لا يدع للعاقل متمسكا بتلك الضلالات .

أتبع ذلك بتوجيه نداء آخر إليهم تكريرا لوعظهم ، وتحريضاً لهم على اتباع الحق فقال - تعالى -( يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ .

.

.

)أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : قال معاذ بن جبل ، وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود : يا معشر اليهود ، اتقوا الله وأسلموا ، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله .

لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه ، وتصفونه لنا بصفته .

فقال رافع بن حرملة ووهب بن يهوذا : ما قلنا هذا لكم ، وما أنزل الله من كتاب من بعد موسى ، ولا أرسل بشيراً ولا نذيراً بعده ، فأنزل الله في قولهما قوله : ( يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل ) الآية .وقوله ( على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل ) أي : على انقطاع من الرسل ، إذ الفترة هي الزمن بين زمنين ، ويكون فيها سكون عما يكون في هذين الزمنين .قال الراغب : الفتور سكون بعد حدة ، ولين بعد شدة ، وضعف بعد قوة .

قال - تعالى ( يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل ) أي : سكون خال عن مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله ( يُسَبِّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ ) أي لا يسكنون عن نشاطهم في العادة فأصل الفتور : السكون والانقطاع .

يقال فتر عن عمله إذا انقطع عما كان عليه من الجد والنشاط .والمعنى : يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، يا من أنزل الله - تعالى - الكتب السماوية على أنبيائكم لهدايتكم وسعادتكم ، ها هو ذا رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - قد جاءكم لكي يبين لكم شرائع الدين ، والطريق الحق الذي يوصلكم إلى السعادة الدينية والدنيوية ، وذلك بعد انقطاع من الرسل ، وطموس من السبل ، وضلال في العقائد ، وفساد في الأفكار والمعاملات .قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : قوله - تعالى - ( على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل ) أي : بعد مدة متطاولة ما بين إرساله صلى الله عليه وسلم وبين عيسى ابن مريم .

وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة كم هي؟فعن قتادة خمسمائة وستون سنة .وكانت هذه الفترة بين عيسى ابن مريم - آخر أنبياء بني إسرائيل - وبين محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين من بني آدم على الإِطلاق ، كما ثبت في " صحيح البخاري " عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أنا أولى الناس بابن مريم ليس بيني وبينه نبي " وهذا فيه رد على من زم أنه بعث بعد عيسى نبي يقال له خالد بن سنان .والمقصود من هذه الآية ، أن الله - تعالى - بعث محمداً صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل ، وطموس من السبل ، وتغير الأديان ، وكثرة عُبَّاد الأوثان والنيران والصلبان ، فكانت النعمة به أتم النعم .وفي ندائه - سبحانه - لليهود والنصارى بقوله : ( يَا أَهْلَ الكتاب ) تنبيه لهم إلى أن مصاحبتهم للكتاب وكونهم أهل معرفة ، يوجبان عليهم المبادرة إلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بشرت بمبعثه كتبهم التي بين أيديهم ، والذي يعرفون صدقه كما يعرفون أبناءهم .وإلا فسيكون عقابهم أشد إذا استمروا في كفرهم وضلالهم .وعبر - سبحانه - بقوله : ( قَدْ جَآءَكُمْ ) للإِيذان بأنه صلى الله عليه وسلم قد أصبح بينهم ، بحيث يشاهدهم ويشاهدونه ، ويسمع منهم ويسمعون منه ، وأنه قد صار من اللازم عليهم اتباعه ، لأن الشواهد قد قامت على صدقه فيما يبلغه عن ربه .وأضاف - سبحانه - الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ذاته فقال : ( قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا ) لتشريفه صلى الله عليه وسلم وتكريمه ، وللإِشارة إلى قدسية هذه الرسالة وسمو منزلتها ، وأنها لا تسوغ مخالفة من أتى بها ، ولا يصح الخروج عن طاعته ، لأنه رسول من عند الله - تعالى - الذي له الخلق والأمر .ومفعول ( يبين ) محذوف .

أي : يبين لكم الشرائع والأحكام ، وما أمرتم به ، وما نهيتم عنه ، وحذف هذا المفعول اعتماداً على ظهوره ، إذ من المعلوم أن ما يبينه الرسول هو الشرائع والأحكام .وقوله : ( على فَتْرَةٍ ) متعلق بقوله ( جاءكم ) على الظرفية ، وقوله : ( مَّنَ الرسل ) متعلق بمحذوف صفة لفترة .

أي : قد جاءكم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم على حين فتور من الإِرسال وانقطاع الوحي ، ومزيد من الاحتياج إلى البيان .والتعبير بقوله - تعالى - ( على فَتْرَةٍ ) فيع معنى فوقية الرسالة على الفترة ، وعلوها عليها؛ كعلو البيان على الجهل ، والنور على الظلمة ، فمن الواجب عليهم أن يسارعوا إلى اتباع الرسول الذي جاءهم بالحق ، وإلا كانوا ممن يرتضي لنفسه الانحدار من الأعلى إلى الأدنى ، ومن العلم إلى الجهل ، ومن الهدى إلى الضلال .وقوله - تعالى - ( أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ ) جملة تعليلية المقصود بها قطع معاذيرهم إذا احتجوا بالجهل وعدم معرفتهم لأوامر الله ونواهيه .والمراد بالبشير : المبشر الذي يبشر أهل الحق والطاعة بالخير والسعادة .والمراد بالنذير : المنذر الذي ينذر أهل الباطل والضلال بسوء المصير .والمعنى : لقد جاءكم يا معشر أهل الكتاب رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم يبين لكم شرائع الله بعد فترة متطاولة من انقطاع الرسل ، لكي لا تقولوا على سبيل المعذرة يوم الحساب ، ما جاءنا من بشير يبشرنا بالخير عند الطاعة ، ولا نذير ينذرنا بسوء العاقبة عند المعصية .و ( من ) في قوله ( مِن بَشِيرٍ ) لتأكيد نفي المجيء .والتنكير في قوله : ( بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ ) للتقليل ، أي : ما جاءنا أي بشير ولو كان صغيرا ، وما جاءنا أي نذير ولو كان ضئيلا .وهنا يسوق الله - تعالى - ما يبطل معاذيرهم ، بإثبات أن البشير والنذير قد جاءهم فقال - تعالى - : ( فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ) .والفاء هنا للافصاح عن كلام مقدر قبلها .

والتقدير .

لا تعتذروا بقولكم ما جاءنا من بشير ولا نذير ، فقد جاءكم رسولنا الذي يبشركم بالخير إن آمنتم وينذركم بسوء المصير إذا ما بقيتم على كفركم .

والتنكير هنا في قوله : ( بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ) للتعظيم من شأن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو خاتم النبيين ، والذي أرسله الله - تعالى - رحمة للعالمين .وقوله : ( بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ) وإن كانا وصفين للرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن ثانيهما قد عطف على أولهما لتغايرهما في المعنى ، لأن التبشير عمل يختلف عن الإِنذار ، وكلاهما من وظائف النبوة .وقوله - تعالى - ( والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) تذييل قصد به شمول قدرة الله وأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء .

أي : والله على كل شيء قدير ، فلا يعجزه أن يرسل رسله تترى ، كما لا يعجزه أيضا أن يرسلهم على فترات متباعدة .وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت سمو الرسالة المحمدية وعظمتها ، وأنها جاءت والناس في أشد الحاجة إليها ، وأنه لا عذر لأهل الكتاب في عدم الاستجابة لها بعد أن بلغتهم ، وبشرتهم بالخير إن آمنوا وأطاعوا ، وبالعذاب الأليم إن استمروا على كفرهم وضلالهم .وبعد أن بين - سبحانه - جانبا من رذائل أهل الكتاب ، ومن أقوالهم الباطلة في حق الرسول الذي أرسله الله - تعالى - لهدايتهم وسعادتهم وإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان .بعد كل ذلك ساق - سبحانه - جانبا مما حدث بين موسى - عليه السلام - وبين قومه بني إسرائيل ، ومما لقيه منه من سفاهة وجبن وتخاذل وعصيان .

إذ في ذلك تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما شاهده منهم من عناد وجحود .

استمع إلى القرآن وهو يحكي بعض قصص بني إسرائيل مع نبيه موسى فيقول :( وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ يُبَيّنُ لَكُمْ ﴾ وجهان: الأول: أن يقدر المبين، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون ذلك المبين هو الدين والشرائع، وإنما حسن حذفه لأن كل أحد يعلم أن الرسول إنما أرسل لبيان الشرائع.

وثانيها: أن يكون التقدير يبين لكم ما كنتم تخفون، وإنما حسن حذفه لتقدم ذكره.

الوجه الثاني: أن لا يقدر المبين ويكون المعنى يبين لكم البيان، وحذف المفعول أكمل لأن على هذا التقدير يصير أعم فائدة.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ يُبَيّنُ لَكُمْ ﴾ في محل النصب على الحال، أي مبيناً لكم.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل ﴾ قال ابن عباس: يريد على انقطاع من الأنبياء، يقال: فتر الشيء يفتر فتوراً إذا سكنت حدته وصار أقل مما كان عليه، وسميت المدة التي بين الأنبياء فترة لفتور الدواعي في العمل بتلك الشرائع.

واعلم أن قوله: ﴿ على فَتْرَةٍ ﴾ متعلق بقوله: ﴿ جَاءكُمْ ﴾ أي جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل.

قيل: كان بين عيسى ومحمد عليهما السلام ستمائة سنة أو أقل أو أكثر.

وعن الكلبي كان بين موسى وعيسى عليهما السلام ألف وسبعمائة سنة، وألفا نبي، وبين عيسى ومحمد عليهما السلام أربعة من الأنبياء: ثلاثة من بني إسرائيل، وواحد من العرب وهو خالد بن سنان العبسي.

المسألة الرابعة: الفائدة في بعثة محمد عليه الصلاة والسلام عند فترة من الرسل هي أن التغيير والتحريف قد تطرق إلى الشرائع المتقدمة لتقادم عهدها وطول زمانها، وبسبب ذلك اختلط الحق بالباطل والصدق بالكذب، وصار ذلك عذراً ظاهر في اعراض الخلق عن العبادات.

لأن لهم أن يقولوا: يا إلهنا عرفنا أنه لابد من عبادتك ولكنا ما عرفنا كيف نعبد، فبعث الله تعالى في هذا الوقت محمداً عليه الصلاة والسلام إزالة لهذا العذر، وهو ﴿ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ ﴾ يعني إنما بعثنا إليكم الرسول في وقت الفترة كراهة أن تقولوا: ما جاءنا في هذا الوقت من بشير ولا نذير.

ثم قال تعالى: ﴿ فَقَدْ جَاءكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ﴾ فزالت هذه العلة وارتفع هذا العذر.

ثم قال: ﴿ والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ والمعنى أن حصول الفترة يوجب احتياج الخلق إلى بعثة الرسل، والله تعالى قادر على كل شيء، فكان قادراً على البعثة، ولما كان الخلق محتاجين إلى البعثة، والرحيم الكريم قادراً على البعثة وجب في كرمه ورحمته أن يبعث الرسل إليهم، فالمراد بقوله: ﴿ والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ الإشارة إلى الدلالة التي قررناها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يُبَيّنُ لَكُمْ ﴾ إما أن يقدّر المبين وهو الدين والشرائع، وحذفه لظهور ما ورد الرسول لتبيينه.

أو يقدّر ما كنتم تخفون، وحذفه لتقدّم ذكره.

أو لا يقدر ويكون المعنى.

يبذل لكم البيان، ومحله النصب على الحال، أي مبيناً لكم.

﴿ على فَتْرَةٍ ﴾ متعلق بجاءكم، أي جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي ﴿ أَن تَقُولُواْ ﴾ كراهة أن تقولوا ﴿ فَقَدْ جَاءكُمُ ﴾ متعلق بمحذوف، أي لا تعتذروا فقد جاءكم.

وقيل: كان بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما خمسمائة وستون سنة.

وقيل: ستمائة.

وقيل: أربعمائة ونيف وستون.

وعن الكلبي: كان بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبي وبين عيسى ومحمد صلوات الله عليهم أربعة أنبياء.

ثلاث من بني إسرائيل، وواحد من العرب: خالد بن سنان العبسي.

والمعنى: الامتنان عليهم، وأن الرسول بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي أحوج ما يكون إليه، ليهشوا إليه ويعدّوه أعظم نعمة من الله، وفتح باب إلى الرحمة، وتلزمهم الحجة فلا يعتلوا غداً بأنه لم يرسل إليهم من ينبههم عن غفلتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾ أيِ الدِّينَ، وحُذِفَ لِظُهُورِهِ، أوْ ما كَتَمْتُمْ وحُذِفَ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ ويَجُوزُ أنْ لا يُقَدَّرَ مَفْعُولٌ عَلى مَعْنى يَبْذُلُ لَكُمُ البَيانَ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ جاءَكم رَسُولُنا مُبَيِّنًا لَكم.

﴿ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَكم أيْ جاءَكم عَلى حِينِ فُتُورٍ مِنَ الإرْسالِ وانْقِطاعٍ مِنَ الوَحْيِ، أوْ يُبَيِّنُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ.

﴿ أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ ﴾ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا ذَلِكَ وتَعْتَذِرُوا بِهِ.

﴿ فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ لا تَعْتَذِرُوا بِ ما جاءَنا فَقَدْ جاءَكم.

﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى الإرْسالِ تَتْرى كَما فَعَلَ بَيْنَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، إذْ كانَ بَيْنَهُما ألْفٌ وسَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ وألْفُ نَبِيٍّ، وعَلى الإرْسالِ عَلى فَتْرَةٍ كَما فَعَلَ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ بَيْنَهُما سِتُّمِائَةٍ أوْ خَمْسُمِائَةٍ وتِسْعٌ وسِتُّونَ سَنَةً وأرْبَعَةُ أنْبِياءَ ثَلاثَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وواحِدٌ مِنَ العَرَبِ خالِدُ بْنُ سِنانٍ العَبْسِيُّ، وفي الآيَةِ امْتِنانٌ عَلَيْهِمْ بِأنْ بَعَثَ إلَيْهِمْ حِينَ انْطَمَسَتْ آثارُ الوَحْيِ وكانُوا أحْوَجَ ما يَكُونُونَ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أهل الكتاب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا} محمد عليه السلام {يُبَيِّنُ لَكُمْ} أي الشرائع وحذف لظهوره أو ما كنتم تخفون وحذف لتقدم ذكره أو لا يقدر المبين ويكون المعنى يبذل لكم البيان وهو حال أي مبيناً لكم {على فترة من الرسل} متعلق بجاءكم على جاءكم فى حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي وكان بين عيسى ومحمد عليهما السلام ستمائة سنة أو خمسمائة سنة وستون سنة {أَن تَقُولُواْ} كراهة أن تقولوا {مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} والفاء في {فَقَدْ جَاءَكُمْ} متعلق بمحذوف أي لا تعتذروا فقد جاءكم {بَشِيرٌ} للمؤمنين {وَنَذِيرٌ} للكافرين والمعنى الامتنان عليهم بأن الرسول بعث اليهم حين انطمست آثار الوحى وكانوا أحوج ما يكونون إليه ليهشوا إليه ويعدوه أعظم نعمة من الله وتلزمهم الحجة فلا يعتلوا غداً بأنه لم يرسل إليهم من ينبههم من غفلتهم

المائدة (١٩ _ ٢٤)

{والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فكان قادراً على إرسال محمد عليه السلام ضرورة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أهْلَ الكِتابِ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْخِطابِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، ولُطْفٌ في الدَّعْوَةِ، وقِيلَ: الخِطابُ هُنا لِلْيَهُودِ خاصَّةً ﴿ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾ يُبَيِّنُ عَلى التَّدْرِيجِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ الشَّرائِعَ والأحْكامَ النّافِعَةَ، مَعادًا ومَعاشًا، المَقْرُونَةَ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، وحُذِفَ هَذا المَفْعُولُ اعْتِمادًا عَلى الظُّهُورِ، إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ ما يُبَيِّنُهُ الرَّسُولُ هو الشَّرائِعُ والأحْكامُ، ويَجُوزُ أنْ يَنْزِلَ الفِعْلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ: يَفْعَلُ البَيانَ ويَبْذُلُهُ لَكم في كُلِّ ما تَحْتاجُونَ فِيهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ، وأمّا إبْقاؤُهُ مُتَعَدِّيًا مَعَ تَقْدِيرِ المَفْعُولِ ( ﴿ كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ﴾ ) كَما قِيلَ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ: مَعَ كَوْنِهِ تَكْرِيرًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ فَإنَّ فُتُورَ الإرْسالِ وانْقِطاعَ الوَحْيِ إنَّما يُحْوِجُ إلى بَيانِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ لا إلى بَيانِ ما كَتَمُوهُ، و( عَلى فَتْرَةٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ( جاءَكم ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ﴾ أيْ: جاءَكم عَلى حِينِ فُتُورٍ مِنَ الإرْسالِ، وانْقِطاعِ الوَحْيِ، ومَزِيدِ الِاحْتِياجِ إلى البَيانِ.

وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( يُبَيِّنُ ) أوْ مِن ضَمِيرٍ ( لَكم ) أيْ: ( يُبَيِّنُ لَكم ) حالَ كَوْنِهِ عَلى فَتْرَةٍ، أوْ حالَ كَوْنِكم عَلى فَتْرَةٍ، و( مِنَ الرُّسُلِ ) صِفَةُ ( فَتْرَةٍ ) و( مِنَ ) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ فَتْرَةٍ كائِنَةِ مِنَ الرُّسُلِ، مُبْتَدَأةٍ مِن جِهَتِهِمْ، والفَتْرَةُ فَعْلَةٌ مِن ( فَتَرَ ) عَنْ عَمَلِهِ يَفْتُرُ فُتُورًا إذا سَكَنَ، والأصْلُ فِيها الِانْقِطاعُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ الجِدِّ في العَمَلِ، وهي عِنْدَ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ انْقِطاعُ ما بَيْنَ الرَّسُولَيْنِ.

واخْتَلَفُوا في مُدَّتِها بَيْنَ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ قَتادَةُ: كانَ بَيْنَهُما - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وسِتُّونَ سَنَةً، وقالَ الكَلْبِيُّ: خَمْسُمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، وقالَ الضَّحّاكُ: أرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ وبِضْعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً.

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سَلْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّها سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ، وقِيلَ كانَ بَيْنَ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأخِيهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثَلاثَةُ أنْبِياءَ هُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ ﴾ وقِيلَ: بَيْنَهُما - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - أرْبَعَةٌ، الثَّلاثَةُ المُشارُ إلَيْهِمْ وواحِدٌ مِنَ العَرَبِ مِن بَنِي عَبْسٍ، وهو خالِدُ بْنُ سِنانٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِي قالَ فِيهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««ذَلِكَ نَبِيٌّ ضَيَّعَهُ قَوْمُهُ»».

ولا يَخْفى أنَّ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ أشارَتِ إلَيْهِمْ الآيَةُ رُسُلَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ونِسْبَةُ إرْسالِهِمْ إلَيْهِ تَعالى بِناءً عَلى أنَّهُ كانَ بِأمْرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - تَحْقِيقُ ذَلِكَ، وأمّا خالِدُ بْنُ سِنانٍ العَبْسِيُّ فَقَدْ تَرَدَّدَ فِيهِ الرّاغِبُ في مُحاضَراتِهِ، وبَعْضُهم لَمْ يُثْبِتْهُ، وبَعْضُهم قالَ: إنَّهُ كانَ قَبْلَ عِيسى - عَلَيْهِما الصَّلاةُ السَّلامُ - لِأنَّهُ ورَدَ في حَدِيثٍ: ««لا نَبِيَّ بَيْنِي وبَيْنَ عِيسى»» صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

لَكِنْ في التَّوارِيخِ إثْباتُهُ، ولَهُ قِصَّةٌ في كُتُبِ الآثارِ مُفَصَّلَةٌ، وذُكِرَ أنَّ بِنْتَهُ أتَتِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وآمَنَتْ بِهِ، ونَقَشَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - لَهُ فَصًّا في كِتابِهِ فُصُوصِ الحِكَمِ، وصَحَّحَ الشِّهابُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأنَّهُ قَبْلَ عِيسى - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - وعَلى هَذا فالمُرادُ بِبِنْتِهِ الجائِيَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنْ صَحَّ الخَبَرُ - بِنْتُهُ بِالواسِطَةِ لا البِنْتُ الصُّلْبِيَّةُ؛ إذْ بَقاؤُها إلى ذَلِكَ الوَقْتِ مَعَ عَدَمِ ذِكْرِ أحَدٍ أنَّها مِنَ المُعَمِّرِينَ بَعِيدٌ جِدًّا.

وكانَ بَيْنَ مُوسى وعِيسى - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - ألْفٌ وسَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ في المَشْهُورِ، لَكِنْ لَمْ يَفْتُرْ فِيها الوَحْيُ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ فِيها ألْفَ نَبِيٍّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، سِوى مَن بُعِثَ مِن غَيْرِهِمْ.

﴿ أنْ تَقُولُوا ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَجِيءِ الرَّسُولِ بِالبَيانِ، أيْ: كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا، كَما قَدَّرَهُ البَصْرِيُّونَ، أوْ لِئَلّا تَقُولُوا كَما يُقَدِّرُ الكُوفِيُّونَ، مُعْتَذِرِينَ مِن تَفْرِيطِكم في أحْكامِ الدِّينِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ ﴾ وقَدِ انْطَمَسَتْ آثارُ الشَّرِيعَةِ السّابِقَةِ، وانْقَطَعَتْ أخْبارُها، وزِيادَةُ ( مِن ) في الفاعِلِ لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ المَجِيءِ، وتَنْكِيرُ ( بَشِيرٍ ) و( نَذِيرٍ ) عَلى ما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: لِلتَّقْلِيلِ، وتَعْقِيبُ ( قَدْ جاءَكم ) إلَخْ، بِهَذا يَقْتَضِي أنَّ المُقَدَّرَ أوِ المَنوِيَّ فِيما سَبَقَ هو الشَّرائِعُ والأحْكامُ، لا كَيْفَما كانَتْ، بَلْ مَشْفُوعَةً بِذِكْرِ الوَعْدِ والوَعِيدِ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ ﴾ تُفْصِحُ عَنْ مَحْذُوفٍ ما بَعْدَها عِلَّةً لَهُ، والتَّقْدِيرُ هُنا: لا تَعْتَذِرُوا فَقَدْ جاءَكُمْ، وتُسَمّى الفاءُ الفَصِيحَةُ، وتَخْتَلِفُ عِبارَةُ المُقَدَّرِ قَبْلَها فَتارَةً يَكُونُ أمْرًا أوْ نَهْيًا، وتارَةً يَكُونُ شَرْطًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ﴾ وقَوْلِ الشّاعِرِ: فَقَدْ جِئْنا خُراسانا وتارَةً مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فانْفَجَرَتْ ﴾ وقَدْ يُصارُ إلى تَقْدِيرِ القَوْلِ كَما في الفُرْقانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ﴾ وإنْ شِئْتَ قُدِّرَتْ هُنا أيْضًا فَقُلْنا: لا تَعْتَذِرُوا فَقَدَ إلَخْ، وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ أنَّ حَقِيقَةَ هَذِهِ الفاءِ أنَّها تَتَعَلَّقُ بِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، ولا يُنافِي ذَلِكَ إضْمارَ القَوْلِ؛ لِأنَّهُ إذا ظَهَرَ المَحْذُوفُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن إضْمارٍ لِيَرْتَبِطَ بِالسّابِقِ، فَيُقالُ في البَيْتِ مَثَلًا: وقُلْنا أوْ فَقُلْنا: إنْ صَحَّ ما ذَكَرْتُمْ فَقَدْ جِئْنا خُراسانا، وكَذَلِكَ ما نَحْنُ فِيهِ، فَقُلْنا: لا تَعْتَذِرُوا فَقَدْ جاءَكُمْ، ثُمَّ إنَّهُ في المَعْنى جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، سَواءٌ صُرِّحَ بِتَقْدِيرِهِ أمْ لا؛ لِأنَّ الكَلامَ إذا اشْتَمَلَ عَلى مُتَرَتِّبَيْنِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ تَرَتُّبَ العَلِيَّةِ كانَ في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، فَلا تَنافِيَ بَيْنَ التَّقادِيرِ والتَّقادِيرِ المُخْتَلِفَةِ، ولَوْ سُلِّمَ التَّنافِي فَهُما وجْهانِ، ذَكَرُوا أحَدَهُما في مَوْضِعٍ والآخَرَ في آخَرَ، كَما حَقَّقَهُ في الكَشْفِ، وقَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ مِن بَعِيدٍ إلى أمْرِ هَذِهِ الفاءِ، فَتَذَكَّرْ.

وتَنْوِينُ ( بَشِيرٍ ) و( ونَذِيرٍ ) لِلتَّفْخِيمِ.

﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى إرْسالِ الرُّسُلِ تَتْرى، وعَلى الإرْسالِ بَعْدَ الفَتْرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ يعني: نحن من الله تعالى بمنزلة الأبناء من الآباء في المنزلة والكرامة، والوالد إذا سخط على ولده في وقت يرضى عنه في وقت آخر.

ويقال: معناه نحن أبناء الله وأحباؤه.

قال الله تعالى لمحمد  : قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ يعني يحرقكم لأنهم كانوا مقرِّين بأنه يحرقهم أربعين يوماً أياماً معدودة، قل لهم فهل رأيتم والداً يحرق ولده أو يحرق مُحِبَّه؟

ففي الآية دليل أن الله تعالى إذا أحب عبده يغفر ذنوبه، ولا يعذبه بذنوبه، لأنه احتج عليهم فقال: فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ إن كنتم أحباء الله تعالى، وقال في آية أخرى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: 222] ففيه دليل على أنه لا يعذب التوابين بذنوبهم، ولا المجاهدين الذين يجاهدون لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا [الصف: 4] ثم قال: بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يعني أنتم لستم بأبناء الله ولا أحبائه، ولكن أنتم خلق كسائر خلق الله تعالى.

ثم قال: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ أي يتجاوز عمن يشاء فيهديه لدينه وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ فيهينه ويتركه على الكفر وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما من الخلق وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يعني إليه المرجع، فيجزيهم بأعمالهم.

قوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ يعني يا أهل التوراة والإنجيل، وإنما أضافهم إلى الكتاب والله أعلم على وجه التعبير، يعني أنتم أهل الكتاب فلم لا تعملون بكتابكم؟

كقوله: يا عاقل لم لا تفعل كذا وكذا، وإنما تذكر العقل على معنى التعيير أي إنك لا تعمل عمل العقلاء.

ثم قال: قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يعني محمدا  يُبَيِّنُ لَكُمْ الدين والأحكام والشرائع عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ يعني بعد انقطاع من الرسل والوحي.

وقال مقاتل: في الآية تقديم وتأخير، معناه قد جاءكم رسولنا على فترة من الرسل يبين لكم، وإنما سمي فترة لأن الدين يفتر ويندرس عند انقطاع الرسل، يعني بين عيسى ومحمد- عليهما السلام- وقال قتادة: كان بين عيسى ومحمد- عليهما السلام- خمسمائة وستون سنة.

وقال الكلبي: خمسمائة وأربعون سنة.

وقال الضحاك ومقاتل: كان بينهما ستمائة سنة.

وقال وهب: كان بينهما ستمائة وعشرون سنة.

ثم قال: أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ يعني لكي لا تقولوا: ما جاءنا من رسول بعد ما درس الدين ليبشرنا وينذرنا فَقَدْ جاءَكُمْ محمد  بَشِيرٍ بالجنة وَنَذِيرٌ من النار وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من المغفرة والعذاب وبعث الرسل <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

سُكونٌ بعد حَرَكَةٍ في الأجرام، ويستعار ذلك للمعانِي، وقد قال- عليه السلام-: «لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَةٌ، ولِكُلِّ شِرَةٍ فَتْرَةٌ» ، وفي الصحيح أنَّ الفترة التي كانت بين نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وبين عيسى سِتُّمائةِ سَنَةٍ، وهذه الآية نزلَتْ بسبب قولِ اليهود: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ على بَشَرٍ بَعد موسى مِنْ شَيْءٍ قاله ابن عَبَّاس «١» .

وقوله: أَنْ تَقُولُوا: معناه: حِذَاراً أنْ تقولوا يوم القيامة: مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ، وقامتِ الحُجَّة عليكم، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فهو الهادي والمضلّ لا ربّ غيره.

وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (٢٢)

وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ ...

الآية: المعنى: واذكُرْ لهم، يا محمَّد على جهة إعلامهم بغيب كتبهم ليتحقَّقوا نبوَّتك، ثمَ عَدَّدَ عيُونَ تلك النِّعم، فقال: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ: أي: حاطةٌ، ومنقذون من النار، وشَرَفٌ في الدنيا والآخرة، وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً، أي: فيكم ملوكاً لأن المُلْك شَرَفٌ في الدنيا، وحَاطَةٌ في نوائبها، وَآتاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ، قال مجاهد: هو المَنُّ والسلوى، والحَجَر، والغَمَام «٢» ، وقال غيره: كثرة الأنبياء وعلى هذا القول: فالعالَمُونَ على العموم، وعلى القول بأن المؤتى هو آيات موسى، فالعَالَمُونَ عالَمُ زمانهم لأنَّ ما أوتي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من آيات الله أكثر من ذلك، والْمُقَدَّسَةَ معناه:

المطهَّرة، قال ابن عباس: هي الطُّور وما حوله «٣» ، وقال قتادة: هي الشام «٤» ، ...

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ، وسَعْدَ بْنَ عُبادَةَ، وعُقْبَةَ بْنَ وهْبٍ قالُوا: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ اتَّقُوا اللَّهَ، واللَّهِ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، كُنْتُمْ تَذْكُرُونَهُ لَنا قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وتَصِفُونَهُ بِصِفَتِهِ.

فَقالَ: وهَبُ بْنُ يَهُوذا، ورافِعٌ: ما قُلْنا هَذا لَكم، وما أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ مُوسى مِن كِتابٍ، ولا أرْسَلَ رَسُولًا بَشِيرًا ولا نَذِيرًا [بَعْدَهُ]، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَأمّا "الفَتْرَةُ" فَأصْلُها السُّكُونُ، يُقالُ: فَتَرَ الشَّيْءُ يَفْتُرُ فُتُورًا: إذا سَكَنَتْ حِدَّتُهُ، وانْقَطَعَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، والطَّرْفُ الفاتِرُ: الَّذِي لَيْسَ بِحَدِيدٍ.

والفُتُورُ: الضَّعْفُ.

وفي مُدَّةِ الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وسِتُّونَ سَنَةً، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أرْبَعُ مِائَةٍ وبِضْعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ أيِ: انْقِطاعٍ مِنهم، قالَ: وكانَ بَيْنَ مِيلادِ عِيسى، ومِيلادِ مُحَمَّدٍ  خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سَنَةً، وهي فَتْرَةٌ.

وكانَ بَعْدَ عِيسى أرْبَعَةٌ مِنَ الرُّسُلِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ  ﴾ .

قالَ: والرّابِعُ لا أدْرِي مَن هو.

وكانَ بَيْنَ تِلْكَ السِّنِينَ مِائَةُ سَنَةٍ، وأرْبَعٌ وثَلاثُونَ نُبُوَّةً وسائِرُها فَتْرَةٌ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: والرّابِعُ -واللَّهُ أعْلَمُ- خالِدُ بْنُ سِنانٍ الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ  « "نَبِيٌّ ضَيَّعَهُ قَوْمُهُ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَقُولُوا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: كَيْ لا تَقُولُوا: ﴿ [ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ]﴾ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا  ﴾ وقالَ غَيْرُهُ: لِئَلّا تَقُولُوا، وقِيلَ: كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ والنَصارى نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكم بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ولِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وإلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُسُلِ أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنَ بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٍ ونَذِيرٌ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فِي الكَلامِ لَفٌّ وإيجازٌ يُحالُ المُسْتَمِعُ عَلى تَفْرِيقِهِ بِذِهْنِهِ؛ وذَلِكَ أنَّ ظاهِرَ اللَفْظِ يَقْتَضِي أنَّ جَمِيعَ اليَهُودِ والنَصارى يَقُولُونَ عن جَمِيعِهِمْ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ ؛ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ كُلُّ فِرْقَةٍ تَقُولُ خاصَّةً: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ ؛ والبُنُوَّةُ في قَوْلِهِمْ هَذا بُنُوَّةُ الحَنانِ؛ والرَأْفَةِ؛ وذَكَرُوا أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ أوَّلَ أولادِي بِكْرِيٌّ؛ فَضَّلُوا بِذَلِكَ؛ وقالُوا: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ ؛ ولَوْ صَحَّ ما رَوَوْا لَكانَ مَعْناهُ بِكْرًا في التَشْرِيفِ؛ أوِ النُبُوَّةِ ونَحْوِهِ؛ و"أحِبّاءُ": جَمْعُ "حَبِيبٌ"؛ وكانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِنهم عِنْدَما دَعاهُمُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى الإيمانِ بِهِ؛ وخَوَّفَهُمُ العَذابَ؛ فَقالُوا: "نَحْنُ لا نَخافُ ما تَقُولُ؛ لِأنَّنا أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ" وذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقَدْ كانُوا قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في غَيْرِ ما مَوْطِنٍ: "نَحْنُ نَدْخُلُ النارَ فَنُقِيمُ بِها أرْبَعِينَ يَوْمًا؛ ثُمَّ تَخْلُفُونَنا فِيها"؛ فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ؛ فَقالَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ ﴾ أيْ: لَوْ كانَتْ مَنزِلَتُكم فَوْقَ مَنازِلِ البَشَرِ لَما عَذَّبَكُمْ؛ وأنْتُمْ قَدْ أقْرَرْتُمْ أنَّهُ يُعَذِّبُكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عَلى أنَّ التَعْذِيبَ هو بِنارِ الآخِرَةِ؛ وقَدْ تَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما كانَ اللهُ تَعالى يُعَذِّبُهم بِهِ في الدُنْيا؛ وذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا إذا أصابَ الرَجُلُ مِنهم خَطِيئَةً أصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلى بابِهِ ذِكْرُ ذَنْبِهِ؛ وذِكْرُ عُقُوبَتِهِ؛ فَيَنْفُذُ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ فَهَذا تَعْذِيبٌ في الدُنْيا عَلى الذُنُوبِ؛ يُنافِي أنَّهم أبْناءُ؛ وأحِبّاءُ.

ثُمَّ تَرَكَ الكَلامَ الأوَّلَ؛ وأضْرَبَ عنهُ غَيْرَ مُفْسِدٍ لَهُ؛ ودَخَلَ في غَيْرِهِ مِن تَقْرِيرِ كَوْنِهِمْ بَشَرًا كَسائِرِ الناسِ والخَلْقِ؛ أكْرَمُهم أتْقاهُمْ؛ يَهْدِي مَن يَشاءُ لِلْإيمانِ؛ فَيَغْفِرُ لَهُ؛ ويُوَرِّطُ مَن يَشاءُ في الكُفْرِ؛ فَيُعَذِّبُهُ؛ ولَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما؛ فَلَهُ بِحَقِّ المُلْكِ أنْ يَفْعَلَ ما شاءَ؛ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ؛ وإلَيْهِ مَصِيرُ العالَمِ بِالحَشْرِ والمَعادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ ﴾ ؛ خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَصارى؛ والرَسُولُ في قَوْلِهِ: "رَسُولُنا": مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُسُلِ ﴾ ؛ أيْ: عَلى انْقِطاعٍ مِن مَجِيئِهِمْ مُدَّةً ما؛ والفَتْرَةُ: سُكُونٌ بَعْدَ حَرَكَةٍ في جِرْمٍ؛ ويُسْتَعارُ ذَلِكَ في المَعانِي؛ وقَدْ قالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ؛ ولِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ"؛» وقالَ الشاعِرُ: وإنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْراكَ فَتْرَةٌ ∗∗∗.................

مَعْناهُ سُكُونٌ بَعْدَ اضْطِرابٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَدْرِ الفَتْرَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ومُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقالَ قَتادَةُ: خَمْسُمِائَةِ عامٍ وسِتُّونَ عامًا؛ وقالَ الضَحّاكُ: أرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ وبِضْعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً؛ وفي الصَحِيحِ أنَّ الفَتْرَةَ بَيْنَهُما سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ؛ وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ اليَهُودِ: ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ بَعْدَ مُوسى مِن شَيْءٍ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أنْ تَقُولُوا"؛ ﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ؛ اَلْمَعْنى: حَذارَ أنْ تَقُولُوا مُحْتَجِّينَ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿ ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ ﴾ ؛ وقامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْكُمْ؛ ﴿ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ؛ فَهو الهادِي؛ والمُضِلُّ؛ والمُنَعِّمُ؛ والمُعَذِّبُ؛ لا رَبَّ غَيْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

كَرّر الله موعظتهم ودعوتَهم بعد أن بيّن لهم فسادَ عقائدهم وغرورَ أنفسهم بياناً لا يدع للمنصف متمسَّكاً بتلك الضلالات، كما وعظهم ودعَاهُم آنفاً بمثل هذا عقّب بيان نقضهم المواثيق.

فموقع هذه الآية تكرير لموقع قوله: ﴿ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم كثيراً ممّا كنتم تخفون من الكتاب ﴾ [المائدة: 15] الآيات، إلاّ أنّه ذكر الرسولَ صلى الله عليه وسلم هنا بوصف مجيئه على فترة من الرسل ليذكِّرهم بأنّ كتبهم مصرّحة بمجيء رسول عقب رسلهم، وليريهم أنّ مجيئه لم يكن بِدعاً من الرسل إذ كانوا يَجيئون على فِتَر بينهم.

وذُكِر الرسول هنالك بوصف تبيينه ما يخفونه من الكتاب لأنّ ما ذُكر قبلَ الموعظة هنا قد دلّ على مساواة الرسل في البشرية ومساواة الأمم في الحاجة إلى الرسالة، وما ذكر قبلَ الموعظة هنالك إنّما كان إنباء بأسرار كتبهم وما يخفون عِلمه عن النّاس لما فيه من مساويهم وسوء سمعتهم.

وحذف مفعول ﴿ يبيّن ﴾ لظهور أنّ المراد بيان الشريعة.

فالكلام خطاب لأهل الكتاب يتنزّل منزلة تأكيد لِجملة ﴿ يأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم كثيراً ممّا كنتم تخفون ﴾ [المائدة: 15]، فلذلك فصلت.

وقوله: ﴿ على فَترة من الرسل ﴾ حال من ضمير ﴿ يبيّن لكم ﴾ ، فهو ظرف مستقرّ، ويجوز أن يكون ظرفاً لغواً متعلّقاً ب ﴿ جاءكم ﴾ .

ويجوز تعلّقه بفعل ﴿ يبيّن ﴾ لأنّ البيان انقطع في مدّة الفترة.

و (على) للاستعلاء المجازي بمعنى (بَعْد) لأنّ المستعليَ يستقرّ بعد استقرار ما يستعلي هو فوقه، فشبّه استقراره بعده باستعلائه عليه، فاستعير له الحرف الدال على الاستعلاء.

والفترة: انقطاع عمل مّا.

وحرف (مِن) في قوله: ﴿ مِن الرسل ﴾ للابتداء، أي فترة من الزمن ابتداؤها مدّة وجود الرسل، أي أيام إرسال الرسل.

والمجيء مستعار لأمر الرسول بتبليغ الدّين، فكما سمّي الرسول رسولاً سمّى تبليغه مجيئاً تشبيهاً بمجيء المُرسَل من أحَدٍ إلى آخر.

والمراد بالرسل رُسل أهل الكتاب المتعاقبين من عهد موسى إلى المسيح، أو أريد المسيح خاصّة.

والفترة بين البعثة وبين رفع المسيح، كانت نحو خمسمائة وثمانين سنة.

وأمّا غيرُ أهل الكتاب فقد جاءتهم رسل مثل خالد بن سنان وحنظلة بن صفوان.

و ﴿ أن تقولوا ﴾ تعليل لقوله: ﴿ قد جاءكم ﴾ لبيان بعض الحِكَم من بعثة الرسول، وهي قطع معذرة أهل الكتاب عند مؤاخذتهم في الآخرة، أو تقريعهم في الدّنيا على ما غيّروا من شرائعهم، لئلاّ يكون من معاذيرهم أنّهم اعتادوا تعاقب الرسل لإرشادهم وتجديد الدّيانة، فلعلّهم أن يعتذروا بأنّهم لمّا مضت عليهم فترة بدون إرسال رسول لم يتّجه عليهم ملام فيما أهملوا من شرعهم وأنّهم لو جاءهم رسول لاهتدَوا.

فالمعنى أن تقولوا: ما جاءنا رسول في الفترة بعد موسى أو بعد عيسى.

وليس المراد أن يقولوا: ما جاءنا رسول إلينا أصلاً، فإنّهم لا يدّعون ذلك، وكيف وقد جاءهم موسى وعيسى.

فكان قوله: ﴿ أنّ تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ﴾ تعليلاً لمجيء الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم، ومتعلّقاً بفعل ﴿ ما جَاءنا ﴾ .

ووجب تقدير لام التّعليل قبل (أنْ) وهو تقدير يقتضيه المعنى.

ومثل هذا التقدير كثير في حذف حرف الجرّ قبل (أنْ) حذفاً مطّرداً، والمقام يعيّن الحرف المحذوف؛ فالمحذوف هنا حرف اللام.

ويُشكل معنى الآية بأنّ علّة إرسال الرسول إليهم هي انتفاءُ أن يقولوا ﴿ ما جاءنا من بشير ولا نذير ﴾ لا إثباتُه كما هو واضح، فلماذا لم يُقَل: أن لا تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذر، وقد جاء في القرآن نظائر لهذه الآية، وفي شعر العرب كقول عمرو بن كلثوم: فعجّلنا القِرى أنْ تَشْتُمُونا *** أراد أن لا تشتمونا.

فاختلف النحْويون في تقدير ما به يتقوّم المعنى في الآيات وغيرها: فذهب البصريون إلى تقدير اسم يناسب أن يكون مفعولاً لأجله لفعل ﴿ جاءكم ﴾ ، وقدّروه: (كراهية أن تقولوا)، وعليه درج صاحب «الكشّاف» ومتابعوه من جمهور المفسّرين؛ وذهب الكوفيون إلى تقدير حرف نفي محذوف بعد (أنْ)، والتقدير: أنْ لا تقولوا، ودرج عليه بعض المفسّرين مثل البَغوي؛ فيكون من إيجاز الحذف اعتماداً على قرينة السياق والمقام.

وزعم ابن هشام في «مغني اللبيب» أنّه تعسّف، وذكر أنّ بعض النحويين زعم أنّ من معاني (أنْ) أن تكون بمعنى (لَئِلاّ).

وعندي: أنّ الذي ألجأ النحويين والمفسّرين لهذا التأويل هو البناء على أنّ (أنْ) تُخلِّصُ المضارع للاستقبال فتقتضي أنّ قول أهل الكتاب: ما جاءنا بشير ولا نذير غير حاصل في حال نزول الآية، وأنه مقدّر حصوله في المستقبل.

ويظهر أنّ إفادة (أنْ) تخليص المضارع للمستقبل إفادة أكْثريَّة وليست بمطّردة، وقد ذهب إلى ذلك أبو حيّان وذكر أنّ أبا بكر الباقلاني ذهب إليه، بل قد تفيد (أن) مجرد المصدرية كقوله تعالى: ﴿ وأن تصوموا خير لكم ﴾ [البقرة: 183]، وقول امرئ القيس: فإمَّا تَرَيْني لا أغمّض ساعة *** مِن الليل إلاّ أن أكبّ وأنْعَسَا فإنّه لا يريد أنّه ينعس في المستقبل.

وأنّ صَرْفَها عن إفادة الاستقبال يعتمد على القرائن، فيكون المعنى هنا أنّ أهل الكتاب قد قالوا هذا العذر لمن يلومهم مثل الّذين اتّبعوا الحنيفية، كأمية بن أبي الصلت وزيدِ بن عمرو بن نُفيل، أو قاله اليهود لنصارى العرب.

وقوله: ﴿ فقد جاءكم بشير ونذير ﴾ الفاء فيه للفصيحة، وقد ظهر حسن موقعها بما قرّرتُ به معنى التعليل، أي لأن قلتم ذلك فقد بطل قولكم إذ قد جاءكم بشير ونذير.

ونظير هذا قول عباس بن الأحنف: قالوا خراسانُ أقصى ما يُراد بنا *** ثم القُفُول فقد جئْنا خُراسانا <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ في قَوْلِهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ حَذَّرَهُمُ النَّبِيُّ  عِقابَ اللَّهِ، وخَوَّفَهم بِهِ، فَقالُوا لا تُخَوِّفْنا: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ اليَهُودَ تَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوْحى إلى إسْرائِيلَ أنَّ ولَدَكَ بِكْرِيٌّ مِنَ الوَلَدِ، فَقالُوا، ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

وَقالَ الحَسَنُ: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى مَعْنى قُرْبِ الوَلَدِ مِن والِدِهِ، وهو القَوْلُ الثّالِثُ.

وَأمّا النَّصارى، فَفي قَوْلِهِمْ لِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِتَأْوِيلِهِمْ ما في الإنْجِيلِ مِن قَوْلِهِ: اذْهَبْ إلى أبِي وأبِيكم، فَقالُوا لِأجْلِ ذَلِكَ ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ الثّانِي: لِأجْلِ قَوْلِهِمْ في المَسِيحِ: ابْنُ اللَّهِ، وهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ، فَجَعَلُوا نُفُوسَهم أبْناءَ اللَّهِ وأحِبّاءَهُ، فَرَدَّ اللَّهُ مَنطِقَهم ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ ﴾ لِأنَّ الأبَ لِإشْفاقِهِ لا يُعَذِّبُ ابْنَهُ، ولا المُحِبُّ حَبِيبَهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: «دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود إلى الإسلام، فرغبهم فيه وحذرهم فأبوا عليه، فقال لهم معاذ بن جبل، وسعد بن عبادة، وعقبة بن وهب: يا معشر يهود اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله، لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه لنا بصفته، فقال رافع بن حريملة، ووهب بن يهودا: ما قلنا لكم هذا، وما أنزل الله من كتاب من بعد موسى، ولا أرسل بشيراً ولا نذيراً بعده، فأنزل الله: ﴿ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة..

﴾ الآية» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل ﴾ قال: هو محمد جاء بالحق الذي فتر به بين الحق والباطل، فيه بيان وموعظة ونور وهدى وعصمة لمن أخذ به، قال: وكانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وذكر لنا أنه كانت ستمائة سنة أو ما شاء الله من ذلك.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير من طريق معمر عن قتادة في قوله: ﴿ على فترة من الرسل ﴾ قال: كان بين عيسى ومحمد خمسمائة سنة وستون.

قال معمر: قال الكلبي: خمسمائة سنة وأربعون سنة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: كانت الفترة خمسمائة سنة.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: كانت الفترة بين عيسى ومحمد أربعمائة سنة وبضعاً وثلاثين سنة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد على انقطاع من الأنبياء (١) قال الزجاج: لأن النبي  بعث بعد إنقطاع الرسل؛ لأن الرسل كانت إلى وقت رفع الله عيسى متواترة بعضها في أثر بعض (٢) ويقال: فتر الشيء يفتر فتورًا، إذا سكنت حدّته وانقطع عما كان عليه (٣) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ تَقُولُوا ﴾ .

أي: لئلا تقولوا، وهو قول ابن عباس (٤) (٥) وقد استقصينا شرح هذا في آخر سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا  ﴾ .

(١) "زاد المسير" 2/ 230 عن ابن عباس من طريق أبي صالح، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 111.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 162، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 166، 167.

(٣) "العين" 8/ 114، و"تهذيب اللغة" 3/ 2735، وانظر: "الصحاح" 2/ 777 (فتر)، و"زاد المسير" 2/ 319.

(٤) انظر: "زاد المسير" 2/ 321، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 111.

(٥) "معاني الزجاج" 2/ 162، وانظر: "زاد المسير" 2/ 321.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالَتِ اليهود والنصارى ﴾ أي قالت: كل فرقة عن نفسها إنهم أبناء الله وأحباؤه، والبنوّة هنا بنوّة الحنان والرأفة، وقال الزمخشري: المعنى؛ نحن أشياع أبناء الله عندهم، وهما المسيح وعزير كما يقال حشم الملوك: نحن الملوك ﴿ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم ﴾ ردّ عليهم، لأنهم قد اعترفوا أنهم يدخلون النار أياماً معدودات، وقد أخذ الصوفية من الآية أن المحب لا يعذب حبيبه، ففي ذلك بشارة لمن أحبه الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ قسية ﴾ حمزة وعلي والمفضل.

الباقون ﴿ قاسية ﴾ .

الوقوف: ﴿ بني إسرائيل ﴾ ج للعدول عن الإخبار إلى الحكاية مع اتحاد القصة.

﴿ نقيباً ﴾ ج للعدول عن الحكاية إلى الإخبار.

﴿ معكم ﴾ ط لأن ما بعده ابتداء قسم محذوف جوابه ﴿ لأكفرن ﴾ .

﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ قاسية ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال أي لعناهم محرفين ﴿ مواضعه ﴾ ط لأنا ما يتلوه حال أي وقد نسوا ﴿ ذكروا به ﴾ ج للعدول عن الماضي إلى المستقبل مع الواو.

﴿ واصفح ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ ذكروا به ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ يصعنون ﴾ ه ﴿ عن كثير ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لأن قوله: ﴿ يهدي ﴾ وصف الكتاب إلى آخر الآية.

﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ المسيح ابن مريم ﴾ الأول ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ وما بينهما ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ وأحباؤه ﴾ ط ﴿ بذنوبكم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الأخبار ﴿ ممن خلق ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ وما بينهما ﴾ ز للفصل بين ذكر الحال والمال.

﴿ المصير ﴾ ه ﴿ ولا نذير ﴾ ر للعطف مع وقوع العارض.

﴿ ونذير ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما خاطب المؤمنين بذكر نعمته وميثاقه أردفه ذكر ميثاق بني إسرائيل ونقضهم إياه ثم لعنهم بسبب ذلك تحذيراً لهذه الأمة من مثل ما فعلوا وفعل بهم.

وبوجه آخر لما ذكر غدر اليهود وأنهم أرادوا إيقاع الشر بالنبي  لولا دفع الله  ، أردفه بذكر سائر فضائحهم ليعلم أن ذلك لم يزل هجيراهم.

والنقيب العريف "فعيل" بمعنى "فاعل" لأنه ينقب عن أحوال القوم فيكون شاهدهم وضمينهم.

وقال أبو مسلم: بمعنى "مفعول" يعني اختارهم على علم بهم.

وأصل النقب الطريق في الجبل.

ونقب البيطار سرة الدابة ليخرج منها ماء أصفر.

والمناقب الفضائل لأنها لا تظهر إلاّ بالنقب عنها.

ويقال: كلب نقيب وهو أن ينقب حنجرته لئلا يرفع صوت نباحه، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف.

قال مجاهد والكلبي والسدي: إن الله  اختار من كل سبط من أسباط بني إسرائيل رجلاً يكون نقيباً لهم وحاكماً فيهم.

ثم إنهم بعثوا إلى مدينة الجبارين لينقبوا عن أحوالهم فرأوا أجراماً عظيمة فهابوا ورجعوا وحدثوا قومهم وقد نهاهم موسى  أن يحدثوهم فنكثوا الميثاق إلاّ رجلين منهم.

ومعنى ﴿ إني معكم ﴾ إني ناصركم ومعينكم والتقدير: وقال الله لهم.

فحذف الرابط للعلم به.

والخطاب للنقباء أو لكل بني إسرائيل.

والحاصل إني معكم بالعلم والقدرة فأسمع كلامكم وأرى أفعالكم وأعلم ضمائركم وأقدر على إيصال الجزاء إليكم.

فهذه مقدمة معتبرة جداً في الترغيب والترهيب ثم ذكر بعدها جملة شرطية مقدمها مركب من خمسة أمور والجزاء هو قوله: ﴿ لأكفرن ﴾ وهو إشارة إلى إزالة العقاب.

وقوله: ﴿ ولأدخلنكم ﴾ وهو إشارة إلى إيصال الثواب.

واللام في ﴿ لئن أقمتم ﴾ موطئة للقسم وفي ﴿ لأكفرن ﴾ جواب له ولكنه سد مسد جواب الشرط أيضاً.

والعزر في اللغة الرد ومنه التعزير التأديب لأنه يرده عن القبيح ولهذا قال الأكثرون: معنى ﴿ عزرتموهم ﴾ نصرتموهم لأن نصر الإنسان رد أعدائه عنه.

ولو كان التعزير هو التوقير لكان قوله: ﴿ وتعزروه وتوقروه  ﴾ تكراراً.

وههنا أسئلة: لم أخر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أن الإيمان مقدم على الأعمال؟

وأجيب بعد تسليم أن الواو للترتيب بأن اليهود كانوا معترفين بأن النجاة مربوطة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إلاّ أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل فذكر أنه لا بد بعد الصلاة والزكاة من الإيمان بجميع الرسل وإلاّ لم يكن لتلك الأعمال أثر.

قلت: يحتمل أن يكون التقدير وقد آمنتم أو أخر الإيمان عن العمل تنبيهاً على أن الإيمان إنما يقع معتداً به إذا اقترن به العمل كقوله ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى  ﴾ أو هو من القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس، أو لعل اليهود كانوا مقصرين في الصلاة والزكاة فكان ذكرهما أهم.

سؤال آخر ما الفائدة في قوله: ﴿ وأقرضتم ﴾ بعد قوله: ﴿ وآتيتم الزكاة ﴾ ؟

وأجيب بأن الإقراض أريد به الصدقات المندوبة.

قال الفراء: ولو قال وأقرضتم الله إقراضاً حسناً لكان صواباً أيضاً إلاّ أنه أقيم الاسم مقام المصدر مثل ﴿ وأنبتها نباتاً حسناً  ﴾ آخر لم قال: ﴿ فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل ﴾ فإن من كفر قبل ذلك أيضاً فقد أخطأ الطريق المستقيم الذي شرعه الله لهم؟

والجواب أجل، ولكن الضلال بعد الشرط المؤكد المعلق به الوعيد العظيم أشنع فلهذا خص بالذكر.

﴿ فبما نقضهم ميثاقهم ﴾ بتكذيب الرسل وقتلهم أو بكتمانهم صفة محمد  أو بإخلال جملة الشروط المذكورة ﴿ لعناهم ﴾ قال عطاء: أخرجناهم من رحمتنا.

وقال الحسن ومقاتل: مسخناهم حتى صاروا قردة وخنازير.

قال ابن عباس: ضربنا الجزية عليهم ﴿ وجعلنا قلوبهم قاسية ﴾ من قرأ ﴿ قسية ﴾ / فبمعنى القاسية أيضاً إلا أنها أبلغ كعليم وعالم ومنه قولهم "درهم قسي" أي رديء مغشوش لما فيه من اليبس والصلابة بخلاف الدرهم الخالص فإن فيه ليناً وانقياداً.

قالت المعتزلة: معنى الجعل ههنا أنه أخبر عنها بأنها صارت قاسية كما يقال جعلت فلاناً فاسقاً أو عدلاً ﴿ يحرّفون الكلم ﴾ بيان لقسوة قلوبهم لأنه لا قسوة أشد من الافتراء على الله وتغيير كلامه ﴿ ونسوا حظاً ﴾ تركوا نصيباً وافراً أو قسطاً وافياً ﴿ مما ذكروا به ﴾ من التوراة يريد أن تركهم التوراة وإعراضهم عن العمل بها إغفال حظ عظيم، أن فسدت نياتهم فحرفوا التوراة وزالت علوم منها عن حفظهم كما روي عن ابن مسعود: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية.

وقال ابن عباس: تركوا نصيباً مما أمروا به في كتابهم وهو الإيمان بمحمد  ثم بيّن أن نكث العهود والغدر لم يزل عادتهم خلفاً عن سلف فقال: ﴿ ولا تزال تطلع على خائنة ﴾ أي خيانة كالعافية والحادثة أو صفة لمحذوف مؤنث أي على فعلة ذات خيانة أو على نفس أو فرقة خائنة أو التاء للمبالغة مثل "رجل راوية للشعر" ﴿ إلا قليلاً منهم ﴾ وهم الذين آمنوا منهم كعبد الله بن سلام وأمثاله، أو هم الذين بقوا على الكفر من غير غدر ونقض لعهودهم ﴿ فاعف عنهم واصفح ﴾ بعث على حسن العشرة معهم.

فقيل منسوخ بآية الجهاد ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم  ﴾ وقيل: المراد فاعف عن مؤمنهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم.

وقيل: بناء على أن القليل هم الباقون على العهد منهم أن المراد لا تؤاخذهم بالصغائر ما داموا باقين على العهد وهذا قول أبي مسلم ﴿ إن الله يحب المحسنين ﴾ قال ابن عباس: معناه إذا عفوت فأنت محسن، وإذا كنت محسناً فقد أحبك الله.

وعلى قول أبي مسلم فالمراد بهؤلاء المحسنين هم القليلون الذين ما نقضوا عهد الله وفي هذا التفسير بعد والله أعلم.

ثم قال: ﴿ ومن الذين قالوا إنا نصارى ﴾ ولم يقل ومن النصارى لأنهم إنما سموا أنفسهم بهذا الاسم ادعاء لنصرة الله، وهم الذين قالوا لعيسى  نحن أنصار الله وكانوا بالحقيقة أنصار الشيطان حيث اختلفوا وخالفوا الحق ﴿ أخذنا ميثاقهم ﴾ إن كان الضمير عائداً إلى الذين قالوا فالمعنى ظاهر، وإن عاد إلى اليهود فالمعنى أخذنا منهم مثل ميثاق اليهود في أفعال الخير والإيمان بالرسل ﴿ فأغرينا ﴾ ألصقنا وألزمنا ومنه الغراء الذي يلصق به وغرى بالشيء لزمه ولصق به ﴿ بينهم ﴾ بين فرق النصارى أو بينهم وبين اليهود.

ثم دعا اليهود والنصارى إلى الإيمان بمحمد  فقال: ﴿ يا أهل الكتاب ﴾ ووحد الكتاب لأنه أخرج مخرج الجنس ﴿ مما كنتم تخفون من الكتاب ﴾ كصفة رسول الله  وكصفة الرجم/ وهذا معجز لأنه لم يقرأ كتاباً وقد أخبرهم بأسرار كتابهم ﴿ ويعفو عن كثير ﴾ مما تخفونه فلا يبينه مما لا تمس إليه حاجة في هذا الدين.

وعن الحسن: ويعفو عن كثير منكم لا يؤاخذه بجرمه ﴿ قد جاءكم من الله نور ﴾ محمد أو الإسلام ﴿ وكتاب مبين ﴾ هو القرآن لإبانته ما كان خافياً على الناس من الحق، أو لأنه ظاهر الإعجاز، ويحتمل أن يكون النور والكتاب هو القرآن والمغايرة اللفظية كافية بين المعطوفين.

ولا شك أن القرآن نور معنوي تتقوى به البصيرة على إدراك الحقائق والمعقولات ﴿ يهدي به الله ﴾ أي بالكتاب ﴿ من اتبع رضوانه ﴾ من كان مطلوبه اتباع الدين الذي يرتضيه الله لا الذي ألفه بحسب هواه ﴿ سبل السلام ﴾ طرق السلامة أو طرق دار السلام أو سبيل دين الله ﴿ إن الله هو المسيح ابن مريم ﴾ بناء على جواز الحلول ﴿ فمن يملك من الله شيئاً ﴾ من الذي يقدر على دفع شيء من أفعاله الله ومنع شيء من مراده.

وقوله: ﴿ إن أراد ﴾ شرط جزاء آخر محذوف يدل عليه ما تقدمه والمعنى إن أراد ﴿ أن يهلك المسيح ﴾ المدعو إلها وغيره فمن الذي يقدر على أن يدفعه عن مراده ومقدوره؟

والمراد بعطف من في الأرض على المسيح وأمه أنهما من جنسهم وشكلهم في الصورةوالخلقة والجسمية والتركيب وسائر الأعراض.

فلما سلمتم كونه  خالقاً لغيرهما وجب أن يكون خالقاً لهما ومتصرفاً فيهما.

وإنما قال: ﴿ وما بينهما ﴾ بعد ذكر السموات والأرض ولم يقل "بينهن" لأنه أراد الصنفين أو النوعين.

وفي قوله: ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ وجهان: أحدهما يخلق تارة من ذكر وأنثى، وتارة من أنثى فقط كما في حق عيسى، وتارة من غير ذكر وأنثى كآدم  .

وثانيهما أن عيسى إذا قدر صورة الطير من الطين فإن الله  يخلق فيها اللحمية والحياة معجزة لعيسى، وكذا إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ قيل: عليه أن اليهود لا يقولون ذلك فكيف يجوز نقل ذلك عنهم؟

وأما النصارى فلا يقولون ذلك في حق أنفسهم.

وأجيب بأن المضاف محذوف أي نحن أبناء رسل الله أو أريد إن عناية الله  بحالهم أكمل وأشد من اعتناء الأب بالابن، أو اليهود زعموا أن عزيراً ابن الله، والنصارى أن المسيح ابن الله.

وقد يقول أقارب الملوك وحشمه نحن الملوك وغرضهم كونهم مختصين بذلك الشخص الذي هو الملك.

عن ابن عباس أن النبي  دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوفهم بعقاب الله فقالوا: كيف تخوفنا بعقاب الله ونحن أبناء الله أحباؤه؟

ومما يتلو النصارى في الإنجيل الذي لهم أن المسيح قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم.

ثم إنه  أبطل عليهم دعواهم بقوله: ﴿ قل فلم يعذبكم بذنوبكم ﴾ فسئل أن موضع الإلزام هو عذاب الدنيا فحينئذ تمكن المعارضة بوقعة أحد وبقتل أحباء الله كالحسن والحسين عليهما السلام أو عذاب الآخرة.

فالقوم ينكرون/ ذلك ولو كان مجرد إخبار محمد  كافياً لكان مجرد إخباره بأنهم كذبوا في ادّعاء أنهم أحباء الله كافياً ويصير الاستدلال ضائعاً.

وأجيب بأن محل الإلزام عذاب عاجل، والمعارضة بيوم أحد ساقطة لأنهم وإن ادعوا أنهم الأحباء لكنهم لم يدعوا أنهم الأبناء.

أو عذاب آجل واليهود والنصارى يعترفون بذلك وأنهم تمسهم النار أياماً معدودة.

ويمكن أن يقال: المراد مسخهم قردة وخنازير بل هذا الجواب أولى ليكون الاحتجاج عليهم بشيء قد دخل في الوجوه فلا يمكنهم الإنكار.

﴿ بل أنتم بشر من ﴾ جملة ﴿ من خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴾ ليس لأحد عليه حق يوجب أن يغفر له ولا قدرة تمنعه من أن يعذبه، وباقي الآية تأكيد لهذا المعنى ﴿ يبيّن لكم ﴾ في محل النصب على الحال وفيه وجهان: أن يقدر المبين وهو الدين والشرائع وحسن حذفه لأن كل أحد يعلم أن الرسول إنما أرسل لبيان الشرائع، أو هو ما كنتم تخفون وحسن حذفه لتقدم ذكره وأن لا يقدر المبين.

والمعنى يبذل لكم البيان وحذف المفعول أعم فائدة.

وقوله: ﴿ على فترة ﴾ متعلق بـ ﴿ جاءكم ﴾ أو حال آخر.

قال ابن عباس: أي على حين فتور من إرسال الرسل وفي زمان انقطاع الوحي.

وسميت المدّة بين الرسولين من رسل الله فترة لفتور الدواعي في العمل بتلك الشرائع.

وكان بين عيسى  ومحمد  خمسمائة وستون أو ستمائة سنة.

وعن الكلبي: كان بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبي، وبين عيسى  ومحمد  أربعة أنبياء، ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب خالد بن سنان العبسي.

وأما العنسي بالنون فهو المتنبىء الكاذب.

والمقصود أن الرسول بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي وتطرق التحريف والتغير إلى الشرائع المتقدمة وكان ذلك عذراً ظاهراً في إعراض الخلق عن العبادات، لأن لهم أن يقولوا إلهنا عرفنا أنه لا بد من عبادات ولكنا ما عرفنا كيف نعبدك، فمن الله  عليهم بإزاحة هذه العلة وذلك قوله: ﴿ أن تقولوا ﴾ أي كراهة أن تقولوا: ﴿ ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم ﴾ أي لا تعتذورا فقد جاءكم.

والحاصل أن الفترة توجب الاحتياج إلى بعثة الرسل والله قادر على ذلك لأنه قادر على كل شيء، فكان يجب في حكمته ورحمته إرسال الرسل في الفترات إلزاماً للحجج وإقامة للبينات.

التأويل: جعل في أمة موسى  اثني عشر نقيباً، وجعل في هذه الأمة من النجباء البدلاء أربعين رجلاً كما قال  : "يكون في هذه الأمة أربعون على خلق إبراهيم وسبعة على خلق موسى وثلاثة على خلق عيسى  وواحد على خلق محمد  " وقال أبو عثمان المغربي: البدلاء أربعون, والأمناء سبعة، الخلفاء ثلاثة، والواحد هو القطب، والقطب عارف بهم جميعاً ويشرف عليهم ولا يعرفه أحد ولا يشرف عليه وهو إمام/ الأولياء، وهكذا حال الثلاثة مع السبعة والسبعة مع الأربعين، فإذا نقص من الأربعين واحد بدل مكانه واحد من غيرهم، وإذا نقص من السبعة واحد جعل مكانه واحد من الأربعين، وإذا نقص من الثلاثة واحد جعل مكانه واحد من السبعة، وإذا مضى القطب الذي به قوام أعداد الخلق جعل بدله واحد من الثلاثة هكذا إلى أن يأذن الله  في قيام الساعة ﴿ لئن أقمتم الصلاة ﴾ بأن تجعلها معراجك إلى الحق في درجات القيام والركوع والسجود والتشهد.

فبالقيام تتخلص عن حجب أوصاف الإنسانية وأعظمها الكبر وهو من خاصية النار، وبالركوع تتخلص عن حجب صفات الحيوانية وأعظمها الشهوة وهو من خاصية الهواء، وبالسجود تتخلص عن حجب طبيعة النبات وأعظمها الحرص على الجذب للنشؤ والنماء وهو من خاصية الماء، وبالتشهد تتخلص عن حجب طبع الجماد وأعظمها الجمود وهو خاصية التراب، فإذا تخلصت من هذه الحجب فقد أقمت الصلاة مناجياً ربك مشاهداً له كما قال  : " اعبد الله كأنك تراه" " ﴿ وآتيتم الزكاة ﴾ بأن تصرف ما زاد من روحانيتك بتعلق القالب في سبيل الله ﴿ وآمنتم برسلي ﴾ استسلمتم بالكلية لتصرفات النبوّة والرسالة ﴿ وأقرضتم الله ﴾ بالوجود كله ﴿ قرضاً حسناً ﴾ وهو أن يأخذ منكم وجوداً مجازياً فانياً ويعطيكم وجوداً حقيقاً باقياً كما يقول.

﴿ لأكفرن ﴾ لأسترن بالوجود الحقيقي ﴿ عنكم سيّآتكم ﴾ الوجود المجازي ﴿ ولأدخلنكم جنات ﴾ الوصلة ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار العناية ﴿ ولا تزال تطلع على خائنة منهم ﴾ لأنّ العصيان يجر إلى العصيان ﴿ فأغرينا بينهم العداوة ﴾ حيث نسوا حظ الميثاق وأبطلوا الاستعداد الفطري صاروا كالسباع يتهارشون ويتجاذبون ﴿ يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴾ يجعل أقوماً مظهر لطفه وفضله وآخرين مظهر قهره وعدله وهو أعلم بعباده.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ﴾ .

كفروا كفر مكابرة ومعاندة، لا كفر شبهة وجهل؛ لأنهم أقروا أنه ابن مريم، ثم يقولون: إنه إله، فإذا كان هو ابن مريم وأمُّه أكبر منه؛ فمن البعيد أن يكون من هو أصغر منه إلهاً لمن هو أكبر منه وربا؛ وإلا الكفر قد يكون بدون ذلك القول، لكن التأويل هو ما ذكرنا: أنهم كفروا كفر معاندة ومكابرة مع إقرارهم أنه ابن مريم؛ حيث جعلوا الأصغر إله الأكبر وربّاً له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ .

أي: لا أحد يملك من دون الله شيئاً، إن اراد إهلاك ﴿ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ...

﴾ الآية، أي: لو كان إلهاً - كما تقولون - لكان يملك دفع الإهلاك عن نفسه وعن أمه ومن عبدهما في الأرض.

وقيل: فمن يملك أن يمنع من الله شيئاً من عذابه إن أراد أن يهلك المسيح بعذاب، وأمَّه ومن في الأرض جميعاً بعذاب أو بموت؟!

وهما واحد.

ثم عظَّم نفسه عن قولهم ونزهها حين قالوا: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ﴾ ، فقال: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

أي: كلهم عبيده وإماؤه، يخلق ما يشاء من بشر وغير بشر.

﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

أي: قادر على خلق الخلق من بشر ومن غير بشر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ \[الآية\].

يحتمل أن يكون هذا القول لم يكن من الفريقين جميعاً، ولكن كان من أحد الفريقين هذا، ومن الفريق الآخر غيره، وكان كقوله -  -: ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ كأن هذا القول: كان كل فريق نفي دخول الفريق الآخر الجنة، لا أن قالوا جميعاً: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ .

ويحتمل: أن كان من النصارى ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ ﴾ ؛ لما ذكر في بعض القصة أن عيسى -  - قال لقومه: "أدعوكم إلى أبي وأبيكم الذي في السماء"؛ فقالوا عند ذلك: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ ﴾ ، وكان من اليهود: "نحن أحباء الله".

ويحتمل: أن يكون هذا القول كان منهما جميعاً، قال كل واحد من الفريقين: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ .

وقيل: إنهم قالوا ذلك في المنزلة والقدر عند الله  ، أي: لهم عند الله من المنزلة والقدر كقدر الولد عند والده ومنزلته عنده، ولا يعذبنا، فقال: قل يا محمد: ﴿ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ﴾ .

إن كان ما تقولون حقّاً فلم يعذبكم؟!

حيث جعل منكم القردة والخنازير، ولا أحد من الخلق يحتمل قبله أن يكون ولده أو صديقه قرداً أو خنزيراً.

أو يقال: لا أحد يحتمل قلبه تعذيب ولده وحبه - بذنب يذنبه - بالنار، وقد أقررتم أنكم تعذبون في الآخرة قدر ما عبد آباؤكم العجل.

ثم قال: ﴿ بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾ .

أي: من اتخذ ولداً وحبّاً أن يتخذ من شكله ومن جنسه؛ فالله -  - إنما خلقكم من بشر؛ كغيركم من الخلق، وأنتم وهم في ذلك سواء، فكيف خصصتم أنفسكم بذلك؟!.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ﴾ دليل أن من رفع أحداً من الرسل فوق قدره في الكفر كمن حط عن قدره ومرتبته.

وقوله: ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ﴾ .

أي: من تاب وأسلم.

﴿ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ﴾ .

من دام على الكفر، ومات عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ .

أي: كلهم عبيده وإماؤه وخلقه؛ يعظم نفسه عن قولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ ، ولا أحد يتخذ عبده ولده ولا حبّاً؛ فأنتم إذا أقررتم أنكم عبيده، كيف ادعيتم البنوة والمحبة؟!

والله أعلم.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة [نبينا] محمد  ، لأنهم قالوا قولاً فيما بينهم، ثم أخبرهم رسول الله  بذلك؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾ .

يحتمل قوله -  -: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾ ما كنتم تكتمون من نعته وصفته، ويحرفون؛ كقوله -  -: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ .

ويحتمل: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾ مما [لكم وعليكم] من الأحكام والشرائع، ويحتمل: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾ ما كان عليه الأنبياء والرسل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ .

قيل: على انقطاع من الرسل من لدن إسرائيل إلى عيسى -  - لأنه قيل: إنه كان رسول على أثر رسول: لم يكن بين رسولين انقطاع؛ فأخبر - عز وجل - أنه بعث محمداً  على حين فترة من الرسل.

وقيل: ﴿ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ ليس على انقطاع منهم؛ ولكن على ضعف أمور الرسل ودروس آثارهم، وهو من الفتور، يقال: فتر يفتر فتوراً.

يخبر - والله أعلم - أنه إنما بعث الرسول بعدما درس آثار الرسل، وضعف [أمورهم] ووقع فيما بينهم اختلاف للضعف؛ ليبين لهم ما ذكر: ﴿ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ ﴾ .

يقطع احتجاجهم بذلك، وإن لم يكن لهم في الحقيقة احتجاج، وهو كما قال: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ  ﴾ .

بشير بالجنة [لمن أطاع]، ونذير بالنار لمن عصاه.

فقد جاءكم بشير ونذير.

﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

يحتمل: ﴿ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ من بعث الرسل على فترة منهم، وإحياء ما درس من آثار الرسل، وما ضعف من رسومهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، قد جاءكم رسولنا محمد  بعد انقطاع من الرسل وشدة الحاجة إلى إرساله؛ لئلا تقولوا معتذرين: ما جاءنا رسول يبشرنا بثواب الله، وينذرنا عقابه، فقد جاءكم محمد  مبشرًا بثوابه ومنذرًا عقابه، والله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، ومن قدرته إرسال الرسل، وخَتْمهم بمحمد  .

<div class="verse-tafsir" id="91.qnlGm"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر