الآية ٣٧ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٣٧ من سورة المائدة

يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌۭ ٣٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 68 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٧ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٧ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

كما قال تعالى : ( كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها ) الآية [ الحج : 22 ] ، فلا يزالون يريدون الخروج مما هم فيه من شدته وأليم مسه ، ولا سبيل لهم إلى ذلك ، كلما رفعهم اللهب فصاروا في أعالي جهنم ، ضربتهم الزبانية بالمقامع الحديد ، فيردونهم إلى أسفلها ، ( ولهم عذاب مقيم ) أي : دائم مستمر لا خروج لهم منها ، ولا محيد لهم عنها .

وقد قال حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يؤتى بالرجل من أهل النار ، فيقول : يا ابن آدم كيف وجدت مضجعك؟

فيقول : شر مضجع .

فيقول : هل تفتدي بقراب الأرض ذهبا؟

" قال : " فيقول : نعم ، يا رب!

فيقول : كذبت!

قد سألتك أقل من ذلك فلم تفعل : فيؤمر به إلى النار " .

رواه مسلم والنسائي من طريق حماد بن سلمة بنحوه .

وكذا رواه البخاري ومسلم من طريق معاذ بن هشام الدستوائي عن أبيه ، عن قتادة عن أنس به .

وكذا أخرجاه من طريق أبي عمران الجوني واسمه عبد الملك بن حبيب عن أنس بن مالك به .

ورواه مطر الوراق عن أنس بن مالك ورواه ابن مردويه من طريقه ، عنه .

ثم رواه ابن مردويه من طريق المسعودي عن يزيد بن صهيب الفقير ، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ قال ] " يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة " قال : فقلت لجابر بن عبد الله : يقول الله : ( يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ) قال : اتل أول الآية : ( إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به ) الآية ، ألا إنهم الذين كفروا .

وقد روى الإمام أحمد ومسلم هذا الحديث من وجه آخر ، عن يزيد الفقير عن جابر وهذا أبسط سياقا .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسين بن محمد بن شنبة الواسطي حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا مبارك بن فضالة حدثني يزيد الفقير قال : جلست إلى جابر بن عبد الله وهو يحدث ، فحدث أن أناسا يخرجون من النار - قال : وأنا يومئذ أنكر ذلك ، فغضبت وقلت : ما أعجب من الناس ، ولكن أعجب منكم يا أصحاب محمد !

تزعمون أن الله يخرج ناسا من النار ، والله يقول : ( يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها [ ولهم عذاب مقيم ] ) فانتهرني أصحابه ، وكان أحلمهم فقال : دعوا الرجل ، إنما ذلك للكفار : ( إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ) حتى بلغ : ( ولهم عذاب مقيم ) أما تقرأ القرآن؟

قلت : بلى قد جمعته قال : أليس الله يقول : ( ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) ؟

[ الإسراء : 79 ] فهو ذلك المقام ، فإن الله [ تعالى ] يحتبس أقواما بخطاياهم في النار ما شاء ، لا يكلمهم ، فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم .

قال : فلم أعد بعد ذلك إلى أن أكذب به .

ثم قال ابن مردويه : حدثنا دعلج بن أحمد حدثنا عمرو بن حفص السدوسي حدثنا عاصم بن علي حدثنا العباس بن الفضل حدثنا سعيد بن المهلب حدثني طلق بن حبيب قال : كنت من أشد الناس تكذيبا بالشفاعة ، حتى لقيت جابر بن عبد الله فقرأت عليه كل آية أقدر عليها يذكر الله [ تعالى ] فيها خلود أهل النار ، فقال : يا طلق أتراك أقرأ لكتاب الله وأعلم بسنة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] مني؟

إن الذين قرأت هم أهلها ، هم المشركون ، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوبا فعذبوا ، ثم أخرجوا منها ثم أهوى بيديه إلى أذنيه ، فقال صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يخرجون من النار بعدما دخلوا " .

ونحن نقرأ كما قرأت .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز ذكره : يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " يريدون أن يخرجوا من النار "، يريد هؤلاء الذين كفروا بربهّم يوم القيامة، أن يخرجوا من النار بعد دخولها، وما هم بخارجين منها=" ولهم عذاب مقيم " ، يقول: لهم عذابٌ دائم ثابت لا يزول عنهم ولا ينتقل أبدًا، كما قال الشاعر: (1) فَــإنَّ لَكُــمْ بِيَـوْمِ الشِّـعْبِ مِنِّـي عَذَابًـــا دَائِمًـــا لَكُــمُ مُقِيمَــا (2) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 11906 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة: أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس رحمه الله: أعمى البصر أعمى القلب، يزْعُم أن قومًا يخرجون من النار، (3) وقد قال الله جل وعز: " وما هم بخارجين منها "؟

فقال ابن عباس: ويحك، اقرأ ما فوقها!

هذه للكفّار.

----------------- الهوامش : (1) لم أعرف قائله.

(2) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 165.

(3) في المطبوعة: "يا أعمى البصر أعمى القلب ، تزعم.

.

.

." كأن نافعًا يوجه الحديث إلى ابن عباس ، وهذا عجيب أن يكون من نافع ، مع اجترائه وسلاطته!

وكان في المخطوطة: "ما عمي البصار أعمى القلب ، برعم" ، هكذا غير منقوطة ، فرأيت أن أقرأها كما أثبتها ، على أنه إخبار لابن عباس عمن يقول ذلك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيمقال يزيد الفقير : قيل لجابر بن عبد الله إنكم يا أصحاب محمد تقولون إن قوما يخرجون من النار والله تعالى يقول : وما هم بخارجين منها فقال جابر : إنكم تجعلون العام [ ص: 111 ] خاصا والخاص عاما ، إنما هذا في الكفار خاصة ; فقرأت الآية كلها من أولها إلى آخرها فإذا هي في الكفار خاصة .

و ( مقيم ) معناه دائم ثابت لا يزول ولا يحول ; قال الشاعر :فإن لكم بيوم الشعب مني عذابا دائما لكم مقيما

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن شناعة حال الكافرين بالله يوم القيامة ومآلهم الفظيع، وأنهم لو افتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهبا ومثله معه ما تقبل منهم، ولا أفاد، لأن محل الافتداء قد فات، ولم يبق إلا العذاب الأليم، الموجع الدائم الذي لا يخرجون منه أبدا، بل هم ماكثون فيه سرمدا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ) فيه وجهان ، أحدهما : أنهم يقصدون ويطلبون المخرج منها ، كما قال الله تعالى : " كلما أرادوا أن يخرجوا منها " ( الحج - 22 ) والثاني : أنهم يتمنون ذلك بقلوبهم ، كما قال الله تعالى إخبارا عنهم : " ربنا أخرجنا منها " ( المؤمنون - 107 ( ولهم عذاب مقيم )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يريدون» يتمنَّون «أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم» دائم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يريد هؤلاء الكافرون الخروج من النار لما يلاقونه من أهوالها، ولا سبيل لهم إلى ذلك، ولهم عذاب دائم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - ( يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ) .بيان لدوام نزول العذاب بهم بعد بيان شدة آلامه وأوجاعه .أي : يريد هؤلاء الكافرون ( أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار ) بعد أن ذاقوا عذابها وآلامها ، ( وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا ) أبدا ، بسبب ما ارتكبوه في الدنيا من قبائح ومنكرات ( وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ) أي : دائم ثابت لا ينقطع .فأنت ترى هاتين الآيتين قد بينا سوء عاقبة الكافرين ، بعد أن رغب - سبحانه - المؤمنين في التقرب إليه بالإِيمان والعمل الصالح ، وذلك لكي يزداد المؤمنون إيمانا .

ولكي ينصرف الناس عن الكفر والفسوق والعصيان إلى الإِيمان والطاعة والاستجابة لتعاليم الله الواحد القهار .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أحدهما: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القيامة مَا تقبل منهم ولهم عذاب أليم ﴾ وفيه مسائل: المسأله الأولى: الجمله المذكورة مع كلمة ﴿ لو ﴾ خبر ﴿ إن ﴾ فإن قيل: لم وحد الراجع في قوله: ﴿ لِيَفْتَدُواْ بِهِ ﴾ مع أن المذكور السابق بيان ما في الأرض جميعاً ومثله؟

قلنا: التقدير كأنه قيل: ليفتدوا بذلك المذكور.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ يحتمل أن يكون في موضع الحال، ويحتمل أن يكون عطفاً على الخبر.

المسألة الثالثة: المقصود من هذا الكلام التمثيل للزوم العذاب لهم، فإنه لا سبيل لهم إلى الخلاص منه.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «يقال للكافر يوم القيامة أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به فيقول نعم فيقال له قد سئلت أيسر من ذلك فأبيت».

النوع الثاني: من الوعيد المذكور في هذه الآية.

قوله: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: إرادتهم الخروج تحتمل وجهين: الأول: أنهم قصدوا ذلك وطلبوا المخرج منها كما قال تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا  ﴾ .

قيل: إذا رفعهم لهب النار إلى فوق فهناك يتمنون الخروج.

وقيل: يكادون يخرجون من النار لقوة النار ودفعها للمعذبين، والثاني: أنهم تمنوا ذلك وأرادوه بقلوبهم، كقوله تعالى في موضع آخر ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا  ﴾ ويؤكد هذا الوجه قراءة من قرأ ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار ﴾ بضم الياء.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذا الآية على أنه تعالى يخرج من النار من قال لا إله إلا الله على سبيل الإخلاص.

قالوا: لأنه تعالى جعل هذا المعنى من تهديدات الكفار، وأنواع ما خوفهم به من الوعيد الشديد، ولولا أن هذا المعنى مختص بالكفار وإلا لم يكن لتخصيص الكفار به معنى والله أعلم.

ومما يؤيد هذا الذي قلناه قوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ وهذا يفيد الحصر، فكان المعنى ولهم عذاب مقيم لا لغيرهم، كما أن قوله: ﴿ لَكُمْ دِينَكُمْ  ﴾ أي لكم لا لغيركم، فكذا هاهنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لِيَفْتَدُواْ بِهِ ﴾ ليجعلوه فدية لأنفسهم.

وهذا تمثيل للزوم العذاب لهم، وأنه لا سبيل لهم إلى النجاة منه بوجه.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «يقال للكافر يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به، فيقول: نعم، فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك» و(لو) مع ما في حيزه خبر (أن).

فإن قلت: لم وحد الراجع في قوله: ﴿ لِيَفْتَدُواْ بِهِ ﴾ وقد ذكر شيئان؟

قلت: نحو قوله: فَإنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ أو على إجراء الضمير مجرى اسم الإشارة، كأنه قيل: ليفتدوا بذلك.

ويجوز أن يكون الواو في (مثله) بمعنى (مع) فيتوحد المرجوع إليه.

فإن قلت: فبم ينصب المفعول معه؟

قلت: بما يستدعيه (لو) من الفعل، لأن التقدير: لو ثبت أن لهم ما في الأرض.

قرأ أبو واقد ﴿ أن يُخرجوا ﴾ بضم الياء من أخرج.

ويشهد لقراءة العامّة قوله: (بخارجين).

وما يروى عن عكرمة أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس: يا أعمى البصر أعمى القلب تزعم أن قوماً يخرجون من النار، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا ﴾ فقال: ويحك، اقرأ ما فوقها.

هذا للكفار.

فما لفقته المجبرة وليس بأول تكاذيبهم وفراهم.

وكفاك بما فيه من مواجهة ابن الأزرق ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهر أعضاده من قريش وأنضاده من بني عبد المطلب وهو حبر الأمّة وبحرها ومفسرها، بالخطاب الذي لا يجسر على مثله أحد من أهل الدنيا، وبرفعه إلى عكرمة دليلين ناصين أن الحديث فرية ما فيها مرية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ ﴾ مِن صُنُوفِ الأمْوالِ جَمِيعًا ﴿ وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ ﴾ لِيَجْعَلُوهُ فِدْيَةً لِأنْفُسِهِمْ.

﴿ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَسْتَدْعِيهِ لَوْ، إذِ التَّقْدِيرُ لَوْ ثَبَتَ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في بِهِ والمَذْكُورِ شَيْئانِ إمّا لِإجْرائِهِ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ.

أوْ لِأنَّ الواوَ ومِثْلَهُ بِمَعْنى مَعَ.

﴿ ما تُقُبِّلَ مِنهُمْ ﴾ جَوابُ لَوْ، ولَوْ بِما في حَيِّزِهِ خَبَرُ إنَّ والجُمْلَةُ تَمْثِيلٌ لِلُزُومِ العَذابِ لَهم وأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهم إلى الخَلاصِ مِنهُ.

﴿ وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ تَصْرِيحٌ بِالمَقْصُودِ مِنهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ ﴾ وقُرِئَ يُخْرَجُوا مِن أخْرَجَ وإنَّما قالَ وما هم بِخارِجِينَ بَدَلٌ وما يَخْرُجُونَ لِلْمُبالَغَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يُرِيدُونَ} يطلبون أو يتمنون {أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مقيم} دائم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ ﴾ فَإنَّهُ لِإفادَةِ أنَّهُ كَما لا يَنْدَفِعُ بِذَلِكَ الِافْتِداءِ عَذابُهم لا يَنْدَفِعُ دَوامُهُ، ولا يَنْفَصِلُ، وهو - عَلى ما تَقَدَّمَ - اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ حالِهِمْ في أثْناءَ مُكابَدَةِ العَذابِ، مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهُمْ؟

أوْ ماذا يَصْنَعُونَ؟

فَقِيلَ: ( يُرِيدُونَ ) إلَخْ.

وقَدْ بُيِّنَ في تَضاعِيفِهِ أنَّ عَذابَهم عَذابُ النّارِ، والإرادَةُ - قِيلَ - عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ المَشْهُورِ، وذَلِكَ أنَّهم يَرْفَعُهم لَهَبُ النّارِ، فَيُرِيدُونَ الخُرُوجَ، وأنّى بِهِ!

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: الإرادَةُ بِمَعْنى التَّمَنِّي، أيْ: يَتَمَنَّوْنَ ذَلِكَ.

وقِيلَ: المَعْنى يَكادُونَ يَخْرُجُونَ مِنها لِقُوَّتِها وزِيادَةِ رَفْعِها إيّاهُمْ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ ﴾ أيْ يَكادُ ويُقارِبُ، لا يُقالُ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُرِيدُوا الخُرُوجَ مِنَ النّارِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِالخُلُودِ؟

لِأنّا نَقُولُ: الهَوْلُ يَوْمَئِذٍ يُنْسِيهِمْ ذَلِكَ، وعَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ النِّسْيانِ يُقالُ: العِلْمُ بِعَدَمِ حُصُولِ الشَّيْءِ لا يَصْرِفُ عَنْ إرادَتِهِ، كَما أنَّ العِلْمَ بِالحُصُولِ كَذَلِكَ، فَإنَّ الدّاعِيَ إلى الإرادَةِ حُسْنُ الشَّيْءِ والحاجَةُ إلَيْهِ.

﴿ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ﴾ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ ( يُرِيدُونَ ) أوِ اعْتِراضٌ وأيّا ما كانَ فَإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ مُصَدِّرَةً بِـ( ما ) الحِجازِيَّةِ الدّالَّةِ - بِما في حَيِّزِها مِنَ الباءِ - عَلى تَأْكِيدِ النَّفْيِ لِبَيانِ كَمالِ سُوءِ حالِهِمْ بِاسْتِمْرارِ عَدَمِ خُرُوجِهِمْ مِنها، فَإنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ الإيجابِيَّةَ - كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ - كَما تُفِيدُ بِمَعُونَةِ المَقامِ دَوامَ الثُّبُوتِ، تُفِيدُ السَّلْبِيَّةَ أيْضًا بِمَعُونَةِ دَوامِ النَّفْيِ لا نَفْيِ الدَّوامِ.

وقَرَأ أبُو واقِدٍ: ( أنْ يُخْرَجُوا ) بِالبِناءِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ مِنَ الإخْراجِ، ويَشْهَدُ لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ قَوْلُهُ تَعالى: ( بِخارِجِينَ ) دُونَ ( بِمُخْرَجِينَ ) وهَذِهِ الآيَةُ - كَما تَرى - في حَقِّ الكُفّارِ، فَلا تُنافِي القَوْلَ بِالشَّفاعَةِ لِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ في الخُرُوجِ مِنها، كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى إيمانٍ.

وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النّارِ قَوْمٌ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، قالَ يَزِيدُ الفَقِيرُ: فَقُلْتُ لِجابِرٍ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ( يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ) قالَ: اتْلُ أوَّلَ الآيَةِ: ( إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ ) ألا إنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا»».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: تَزْعُمُ أنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ( وما هم بِخارِجِينَ مِنها )؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: ويْحَكَ!

اقْرَأْ ما فَوْقَها، هَذِهِ لِلْكُفّارِ.

ورِوايَةُ أنَّهُ قالَ لَهُ: يا أعْمى البَصَرِ، أعْمى القَلْبِ، تَزْعُمُ إلَخْ، حَكاها الزَّمَخْشَرِيُّ، وشَنَّعَ إثْرَها عَلى أهْلِ السُّنَّةِ، ورَماهم بِالكَذِبِ والِافْتِراءِ، فَحَقِّقْ ما قِيلَ: رَمَتْنِي بِدائِها وانْسَلَّتْ ولَسْنا مُضْطَرِّينَ لِتَصْحِيحِ هَذِهِ الرِّوايَةِ، ولا وقَفَ اللَّهُ تَعالى صِحَّةَ العَقِيدَةِ عَلى صِحَّتِها، فَكَمْ لَنا مِن حَدِيثٍ صَحِيحٍ شاهِدٍ عَلى حَقِيقَةِ ما نَقُولُ وبُطْلانِ ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ، تَبًّا لَهم.

﴿ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ ﴾ تَصْرِيحٌ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن عَدَمِ تَناهِي مُدَّةِ العَذابِ بَعْدَ بَيانِ شِدَّتِهِ، أيْ عَذابٌ دائِمٌ ثابِتٌ، لا يَزُولُ ولا يَنْتَقِلُ أبَدًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ يعني احذروا المعاصي لكي تنجوا من عذاب الله.

وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ يعني اطلبوا القرابة والفضيلة بالأعمال الصالحة وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ يعني في طاعته.

ويقال: جاهدوا العدو لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي لكي تنجوا من العقوبة وتنالوا الثواب.

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ يقول: إن الكافر إذا عاين العذاب ثم تكون له الدنيا جميعاً ومثلها معها فيقدر على أن يفتدي بها، من العذاب لافتدى بها يقول الله تعالى: لو كان ذلك لهم ففعلوه مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ذلك النداء وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي وجيع.

ثم قال تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وذلك أنهم يريدون أن يخرجوا من الأبواب، فتستقبلهم الملائكة فيضربونهم بمقامع من حديد ويردونهم إليها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ دائم أبداً.

وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال: إن قوماً يخرجون من النار بعد ما يدخلونها، قيل له: سبحان الله أليس الله يقول: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها؟

فقال جابر: اقرءوا إن شئتم أول الآية إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني هذا للكفار خاصة دون العاصين من المؤمنين.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بعض الطُّرُق أنهم سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ، وقالوا: هذه الآيةُ هي في المحارِبِ المُؤْمِنِ.

قال مالك: المُحَارِبُ عندنا: مَنْ حَمَلَ على الناس السلاحَ فِي مِصْرٍ أو بَرِّيَّةٍ، فكابرهم عن أنفسهم وأموالهم، دون نَائِرَةٍ «١» ، ولا دَخلٍ، ولا عداوةٍ وبهذا القولِ قال جماعةٌ من أهل العِلْمِ، قالوا: والإمامُ مخيَّرٌ فيه بأن يعاقبه بما رأى مِنْ هذه العقوبات، فأما قَتْلُ المحارِبِ، فبالسَّيْف ضربةً للعنُق، وأما صَلْبه، فبعد القتْلِ عند جماعة، وقال جماعة:

بل يُصْلَبُ حيًّا، ويُقْتلُ بالطعن على الخَشَبة، وروي هذا عن مالك، وهو الأظهر من الآيةِ، وهو الأنكى في النكال، وأما القَطْع، فاليد اليمنى من الرُّسْغ والرِّجْل الشِّمال من المَفْصِلِ.

وقوله سبحانه: أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ: الظاهر: أن الأرض في هذه الآية هي أرضُ النازلة، وقد جنب الناس قديماً الأرض التي أصابُوا فيها الذُّنُوب ومنه حديثُ الذي نَاءَ بصَدْره نحو الأرْضِ المقدَّسة، وينبغي للإمام، إنْ كان هذا المحارِبُ المنفيُّ مخُوفَ الجانِبِ، يظنُّ به أن يعود إلى حِرابةٍ وإفسادٍ- أنْ يسجنه في البلد الذي يغرب إلَيْهِ، وإنْ كان غير مخُوفِ الجانبِ، ترك مسرَّحاً، وهذا هو صريحُ مذهب مالك.

وقوله تعالى: ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا ...

الآية: إشارة إلى هذه الحدود التي تُوقَعُ بهم، فيحتمل الخزي لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سَلِمَ في الدنيا، وبالجملة فهم في المشيئة.

وقوله سبحانه: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ...

الآية: استثنى عز وجل التائِبَ قبل أنْ يُقْدَرَ عليه، وأخبر سبحانه بِسُقُوطِ حقوقِهِ عنْه بقوله: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، والعلماءُ على أن الآية في المؤمنين، ويؤخذ المحارِب بحقوقِ/ الناسِ، وإن تاب هذا هو الصحيح.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ...

الآية: هذه الآية

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ ﴾ في الوَسِيلَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها القُرْبَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والفَرّاءُ.

وقالَ قَتادَةُ: تَقْرَّبُوا إلَيْهِ بِما يُرْضِيهِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: تَوَسَّلْتُ إلَيْهِ، أيْ: تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ.

وأنْشَدَ: إذا غَفَلَ الواشُونَ عُدْنا لِوَصْلِنا وعادَ التَّصافِي بَيْنَنا والوَسائِلُ والثّانِي: المَحَبَّةُ، يَقُولُ: تَحَبَّبُوا إلى اللَّهِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابِ ألِيمٌ ﴾ ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وعْظٌ مِنَ اللهِ تَعالى بِعَقِبِ ذِكْرِ العُقُوباتِ النازِلَةِ بِالمُحارِبِينَ؛ وهَذا مِن أبْلَغِ الوَعْظِ؛ لِأنَّهُ يَرِدُ عَلى النُفُوسِ وهي خائِفَةٌ وجِلَةٌ؛ وعادَةُ البَشَرِ إذا رَأى وسَمِعَ أمْرَ مُمْتَحِنٍ بِبَشِيعِ المَكارِهِ؛ أنْ يَرِقَّ ويَخْشَعَ؛ فَجاءَ الوَعْظُ في هَذِهِ الحالِ.

"وابْتَغُوا"؛ مَعْناهُ: اُطْلُبُوا؛ و"اَلْوَسِيلَةَ": اَلْقُرْبَةَ؛ وسَبَبَ النَجاحِ في المُرادِ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عنتَرَةَ لِامْرَأتِهِ: إنَّ الرِجالَ لَهم إلَيْكِ وسِيلَةٌ ∗∗∗ أنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وتَخَضَّبِي وأمّا الوَسِيلَةُ المَطْلُوبَةُ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَهي أيْضًا مِن هَذا؛ لِأنَّ الدُعاءَ لَهُ بِالوَسِيلَةِ والفَضِيلَةِ؛ إنَّما هو أنْ يُؤْتاهُما في الدُنْيا؛ ويُتَّصَفَ بِهِما؛ ويَكُونَ ثَمَرَةُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ التَشْفِيعَ في المَقامِ المَحْمُودِ؛ ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا غَفَلَ الواشُونَ عُدْنا لِوَصْلِنا ∗∗∗ ∗∗∗ وعادَ التَصافِي بَيْنَنا والوَسائِلُ أنْشَدَهُ الطَبَرِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاهِدُوا في سَبِيلِهِ ﴾ خُصَّ الجِهادُ بِالذِكْرِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما نَباهَتُهُ في أعْمالِ البِرِّ؛ وأنَّهُ قاعِدَةُ الإسْلامِ؛ وقَدْ دَخَلَ بِالمَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ ﴾ ؛ ولَكِنْ خَصَّهُ تَشْرِيفًا؛ والوَجْهُ الآخَرُ أنَّها العِبادَةُ الَّتِي تَصْلُحُ لِكُلِّ مَنهِيٍّ عَنِ المُحارَبَةِ؛ وهو مُعَدٌّ لَها مِن حالِهِ؛ وسِنِّهِ؛ وقُوَّتِهِ؛ وشَرَهِ نَفْسِهِ؛ فَلَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْ يَنْقَلِبَ إلى الجِهادِ إلّا تَوْفِيقُ اللهِ تَعالى.

واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَفْتَدُوا" لامَ "كَيْ"؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تُقُبِّلَ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ والقافِ؛ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ: "تَقَبَّلَ"؛ بِفَتْحِها؛ عَلى مَعْنى: "ما تَقَبَّلَ اللهُ تَعالى".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يُرِيدُونَ"؛ ﴾ إخْبارٌ عن أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ هَذا في قُلُوبِهِمْ؛ وفي غَيْرِ ما آيَةٍ أنَّهم يَنْطِقُونَ عن هَذِهِ الإرادَةِ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إذا فارَقَتْ بِهِمُ النارُ قَرُبُوا مِن حاشِيَتِها؛ فَحِينَئِذٍ يُرِيدُونَ الخُرُوجَ؛ ويَطْمَعُونَ بِهِ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النارِ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ تَأوَّلَ قَوْمٌ هَذِهِ الإرادَةَ أنَّها بِمَعْنى "يَكادُونَ"؛ عَلى هَذا القَصَصِ الَّذِي حَكى الحَسَنُ؛ وهَذا لا يَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ إلّا فِيما لا تَتَأتّى مِنهُ الإرادَةُ الحَقِيقِيَّةُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ  ﴾ ؛ وأمّا في إرادَةِ بَنِي آدَمَ فَلا؛ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ كَثِيرٍ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "يَخْرُجُوا"؛  ﴾ بِفَتْحِ الياءِ؛ وضَمِّ الراءِ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "يُخْرَجُوا"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وفَتْحِ الراءِ.

وأخْبَرَ تَعالى عن هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهم لَيْسُوا بِخارِجِينَ مِنَ النارِ؛ بَلْ عَذابُهم فِيها مُقِيمٌ مُتَأبِّدٌ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن نافِعِ بْنِ الأزْرَقِ الخارِجِيِّ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: يا أعْمى البَصَرِ؛ أعْمى القَلْبِ؛ تَزْعُمُ أنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النارِ؛ وقَدْ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَما هم بِخارِجِينَ مِنها ﴾ ؟

فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: ويْحَكَ؛ اقْرَأْ ما فَوْقَها؛ هَذِهِ الآيَةُ في الكُفّارِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الأظهر أنّ هذه الجملة متّصلة بجملة ﴿ ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴾ [المائدة: 33] اتّصال البيان؛ فهي مبيّنة للجملة السابقة تهويلاً للعذاب الّذي توعّدهم الله به في قوله: ﴿ ذلك لهم خزي في الدّنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴾ [المائدة: 33] فإنّ أولئك المحاربين الّذين نزلت تلك الآية في جزائهم كانوا قد كفروا بعد إسلامهم وحاربوا الله ورسوله، فلمّا ذكر جزاؤهم عقّب بذكر جزاء يَشملهم ويشمل أمثالهم من الّذين كفروا وذلك لا يناكد كون الآية للسابقة مراداً بها ما يشتمل أهل الحرابة من المسلمين.

والشرط في قوله: ﴿ لَوْ أنّ لَهُمْ مَا في الأرض ﴾ مقدّر بفعل دلّت عليه (أنّ)، إذ التّقدير: لو ثبت ما في الأرض مِلكاً لهم؛ فإنّ (لَوْ) لاختصاصها بالفعل صحّ الاستغناء عن ذكره بعدها إذا وردت (أنّ) بعدها.

وقوله ﴿ ومثلَه معه ﴾ معطوف على ﴿ ما في الأرض ﴾ ، ولا حاجة إلى جعله مفعولاً معه للاستغناء عن ذلك بقوله ﴿ معه ﴾ .

واللام في ﴿ ليفتدوا به ﴾ لتعليل الفعل المقدّر، أي لو ثبت لهم ما في الأرض لأجل الافتداء به لا لأجل أن يكنزوه أو يهبوه.

وأفرد الضمير في قوله: ﴿ به ﴾ مع أنّ المذكور شيئان هما: ﴿ ما في الأرض ﴾ ﴿ ومثلَه ﴾ : إمّا على اعتبار الضّمير راجعاً إلى ﴿ ما في الأرض ﴾ فقط، ويكون قوله ﴿ ومثلَه معه ﴾ معطوفاً مقدّماً من تأخير.

وأصل الكلام لو أنّ لهم ما في الأرض ليفتدوا به ومثلَه معه.

ودلّ على اعتباره مقدّماً من تأخير إفراد الضّمير المجرور بالباء.

ونكتة التّقديم تعجيل اليأس من الافتداء إليهم ولو بمضاعفة ما في الأرض.

وإمَّا، وهو الظاهر عندي، أن يكون الضّمير عائداً إلى ﴿ مثله معه ﴾ ، لأنّ ذلك المثل شمل ما في الأرض وزيادة فلم تبق جدوى لفرض الافتداء بما في الأرض لأنّه قد اندرج في مثله الذي معه.

ويجوز أن يُجرى الضّمير مجرى اسم الإشارة في صحّة استعماله مفرداً مع كونه عائداً إلى متعدّد على تأويله بالمذكور؛ وهذا شائع في اسم الإشارة كقوله تعالى: ﴿ عوان بين ذلك ﴾ [البقرة: 68] أي بين الفارض والبكر، وقوله: ﴿ ومن يفعل ذلك يَلْق أثاماً ﴾ [الفرقان: 68] إشارة ما ذكر من قوله: ﴿ والّذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النّفس الّتي حرّم الله إلاّ بالحقّ ولا يزنون ﴾ [الفرقان: 68]، لأنّ الإشارة صالحة للشيء وللأشياء، وهو قليل في الضّمير، لأنّ صيغ الضّمائر كثيرة مناسبة لِما تعود إليه فخروجها عن ذلك عدول عن أصل الوضع، وهو قليل ولكنّه فصيح، ومنه قوله تعالى: ﴿ قُلْ أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم مَن إله غير الله يأتيكم به ﴾ [الأنعام: 46] أي بالمذكور.

وقد جعله في «الكشاف» محمولاً على اسم الإشارة، وكذلك تأوّله رؤبة لمّا أنشد قولَه: فيها خُطوط من سوادِ وبَلَق *** كأنّه في الجلد توليعُ البَهَق فقال أبو عبيدة: قلت: لرؤبة إن أردت الخطوط فقُل: كأنَّها، وإن أردتَ السوادَ فقل: كأنّهما، فقال: أردتُ كأنّ ذلكَ وَيْلَكَ.

ومنه في الضّمير قوله تعالى: ﴿ وآتوا النّساء صدقاتهنّ نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً ﴾ [النساء: 4].

وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ عوان بين ذلك ﴾ في سورة البقرة (68).

وقوله: ولهم عذاب مقيم } أي دائم تأكيد لقوله: ﴿ وما هم بخارجين منها ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما ﴾ وهي في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: والسّارِقُونَ والسّارِقاتُ فاقْطَعُوا أيْمانَهُما.

إنَّما بَدَأ اللَّهُ تَعالى في السَّرِقَةِ بِالسّارِقِ قَبْلَ السّارِقَةِ، وفي الزِّنى بِالزّانِيَةِ قَبْلَ الزّانِي، لِأنَّ حُبَّ المالِ عَلى الرِّجالِ أغْلَبُ، وشَهْوَةُ الِاسْتِمْتاعِ عَلى النِّساءِ أغْلَبُ، ثُمَّ جَعَلَ حَدَّ السَّرِقَةِ قَطْعَ اليَدِ لِتَناوُلِ المالِ بِها، ولَمْ يَجْعَلْ حَدَّ الزِّنى قَطْعَ الذَّكَرِ مَعَ مُواقَعَةِ الفاحِشَةِ بِهِ، لِثَلاثَةِ مَعانٍ: أحَدُها: أنَّ لِلسّارِقِ مِثْلَ يَدِهِ الَّتِي قُطِعَتْ فَإنِ انْزَجَرَ بِها اعْتاضَ بِالثّانِيَةِ، ولَيْسَ لِلزّانِي مِثْلُ ذَكَرِهِ إذا قُطِعَ فَلَمْ يَعْتَضْ بِغَيْرِهِ لَوِ انْزَجَرَ بِقَطْعِهِ.

والثّانِي: أنَّ الحَدَّ زَجْرٌ لِلْمَحْدُودِ وغَيْرِهِ، وقَطْعُ اليَدِ في السَّرِقَةِ ظاهِرٌ، وقَطْعُ الذَّكَرِ في الزِّنى باطِنٌ، والثّالِثُ: أنَّ في قَطْعِ الذَّكَرِ إبْطالَ النَّسْلِ ولَيْسَ في قَطْعِ اليَدِ إبْطالُهُ.

وَقَدْ قُطِعَ السّارِقُ في الجاهِلِيَّةِ، وأوَّلُ مَن حَكَمَ بِقَطْعِهِ في الجاهِلِيَّةِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِقَطْعِهِ في الإسْلامِ، فَكانَ أوَّلُ سارِقٍ قَطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ  في الإسْلامِ الخِيارَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، ومِنَ النِّساءِ مُرَّةُ بِنْتُ سُفْيانَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ مِن بَنِي مَخْزُومٍ، وقالَ: «لَوْ كانَتْ فاطِمَةُ لَقَطَعْتُ» .

وقَطَعَ عُمَرُ ابْنَ سَمُرَةَ أخا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ.

والقَطْعُ في السَّرِقَةِ حَقُّ اللَّهِ تَعالى لا يَجُوزُ العَفْوُ عَنْهُ بَعْدَ عِلْمِ الإمامِ بِهِ، «لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ  في سارِقِ رِداءِ صَفْوانَ حِينَ أمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقالَ صَفْوانُ: قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ، فَقالَ النَّبِيُّ  : (هَلّا قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟

لا عَفا اللَّهُ عَنِّي إنْ عَفَوْتُ.

» ورُوِيَ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ أُتِيَ بِلُصُوصٍ فَقَطَعَهم حَتّى بَقِيَ واحِدٌ مِنهم فَقُدِّمَ لِيُقْطَعَ فَقالَ يَمِينِي أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أُعِيذُها بِعَفْوِكَ أنْ تَلْقى مَكانًا يَشِينُها ∗∗∗ يَدِي كانَتِ الحَسْناءَ لَوْ تَمَّ سَبْرُها ∗∗∗ ولا تَعْدَمُ الحَسْناءُ عابًا يَعِيبُها ∗∗∗ فَلا خَيْرَ في الدُّنْيا وكانَتْ حَبِيبَةً ∗∗∗ إذا ما شَمالِي فارَقَتْها يَمِينُها فَقالَ مُعاوِيَةُ: كَيْفَ أصْنَعُ وقَدْ قَطَعْتُ أصْحابَكَ، فَقالَتْ أُمُّ السّارِقِ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ اجْعَلْها مِن ذُنُوبِكَ الَّتِي تَتُوبُ مِنها، فَخَلّى سَبِيلَهُ، فَكانَ أوَّلَ حَدٍّ تُرِكَ في الإسْلامِ.

وَلِوُجُوبِ القَطْعِ مَعَ ارْتِفاعِ الشُّبْهَةِ شَرْطانِ هُما: الحِرْزُ والقِدْرُ، وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في قَدْرِ ما تُقْطَعُ فِيهِ اليَدُ خِلافًا، كُتُبُ الفِقْهِ أوْلى.

واخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ حِينَئِذٍ لِأجْلِ اسْتِثْناءِ القَطْعِ وشُرُوطِهِ عَمَّنْ سَرَقَ مِن غَيْرِ حِرْزٍ أوْ سَرَقَ مِنَ القِدْرِ الَّذِي تُقْطَعُ فِيهِ اليَدُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما ﴾ هَلْ هو عامٌّ خُصَّ؟

أوْ مُجْمَلٌ فُسِّرَ عَلى وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ العُمُومُ الَّذِي خُصَّ.

والثّانِي: أنَّهُ المُجْمَلُ الَّذِي فُسِّرَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ جَزاءً بِما كَسَبا ﴾ فاخْتَلَفُوا هَلْ يَجِبُ مَعَ القَطْعِ غُرْمُ المَسْرُوقِ إذا اسْتُهْلِكَ عَلى مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا غُرْمَ، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.

والثّانِي: يَجِبُ فِيهِ الغُرْمُ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.

وَذَكَرَ الكَلْبِيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ سارِقِ الدِّرْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ﴾ في التَّوْبَةِ ها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كالتَّوْبَةِ مِن سائِرِ المَعاصِي والنَّدَمِ عَلى ما مَضى والعَزْمِ عَلى تَرْكِ المُعاوَدَةِ.

والثّانِي: أنَّها الحَدُّ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

وَقَدْ رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قالَ: «سَرَقَتِ امْرَأةٌ حُلِيًّا فَجاءَ الَّذِينَ سَرَقَتْهم فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ سَرَقَتْنا هَذِهِ المَرْأةُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (اقْطَعُوا يَدَها اليُمْنى فَقالَتِ المَرْأةُ: هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (أنْتِ اليَوْمَ مِن خَطِيئَتِكِ كَيَوْمِ ولَدَتْكِ أُمُّكِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ﴾ » قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَغْفِرُ لِمَن تابَ مِن كُفْرِهِ، ويُعَذِّبُ مَن ماتَ عَلى كُفْرِهِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

الثّانِي: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ في الدُّنْيا عَلى مَعاصِيهِمْ بِالقَتْلِ والخَسْفِ والمَسْخِ والآلامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صُنُوفِ عَذابِهِ، ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ مِنهم في الدُّنْيا بِالتَّوْبَةِ واسْتِنْقاذِهِمْ بِها مِنَ الهَلَكَةِ وخَلاصِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج مسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة» قال يزيد بن الفقير: فقلت لجابر بن عبد الله: يقول الله: ﴿ يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ﴾ قال: اتل أول الآية ﴿ إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ﴾ ألا إنهم الذين كفروا.

وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن مردويه والبيهقي في الشعب، عن طلق بن حبيب قال: كنت من أشد الناس تكذيباً للشفاعة حتى لقيت جابر بن عبد الله، فقرأت عليه كل آية أقدر عليها يذكر الله فيها خلود أهل النار.

قال: يا طلق، أتراك أَقْرَأ لِكِتابِ الله وأَعْلَم لِسُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم مني؟

إن الذين قرأت هم أهلها، هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوباً ثم خرجوا منها، ثم أهوى بيديه إلى أذنيه فقال: صمتا ان لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرجون من النار بعدما دخلوا» ونحن نقرأ كما قرأت.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس ﴿ وما هم بخارجين منها ﴾ فقال ابن عباس: ويحك...

!

اقرأ ما فوقها، هذه للكفار.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: إن الله إذا فرغ من القضاء بين خلقه أخرج كتاباً من تحت عرشه فيه: رحمتي سبقت غضبي وأنا أرحم الراحمين.

قال: فيخرج من النار مثل أهل الجنة، أو قال مثلي أهل الجنة، مكتوب هاهنا منهم- وأشار إلى نحره- عتقاء الله تعالى، فقال رجل لعكرمة: يا أبا عبد الله، فإن الله يقول ﴿ يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ﴾ قال: ويلك..

!

أولئك هم أهلها الذين هم أهلها.

وأخرج ابن المنذر والبيهقي في الشعب عن أشعث قال: قلت: أرأيت قول الله: ﴿ يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ﴾ فقال: إنك والله لا تسقط على شيء، إن للنار أهلاً لا يخرجون منها كما قال الله تعالى.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي مالك قال: ما كان فيه عذاب مقيم، يعني دائم لا ينقطع.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ ﴾ .

يحتمل إرادتهم الخروج وجهين: أحدهما: أنهم قصدوا ذلك وطلبوا المخرج، كما قال تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا  ﴾ .

والثاني: أنهم تمنوا ذلك وأرادوه بقلوبهم، كقوله في موضع آخر: ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا  ﴾ (١) ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّار ﴾ بضم الياء (٢) (١) انظر الاحتمالين عند البغوي في "تفسيره" 3/ 51، وفي "البحر المحيط" 3/ 474.

(٢) بالبناء للمفعول، وهذه القراءة ليست في المتواتر، إنما هي للنخعي وابن وثاب وأبي واقد.

انظر: "البحر المحيط" 3/ 475.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة ﴾ أي ما يتوسل به ويتقرّب به إليه من الأعمال الصالحة والدعاء وغير ذلك ﴿ لِيَفْتَدُواْ بِهِ ﴾ إن قيل لم وحّد الضمير وقد ذكر شيئين وهما في الأرض ومثله؟

فالجواب أنه وضع المفرد في موضع الاثنين، وأجرىلضمير مجرى اسم الإشارة كأنه قال يفتدوا بذلك، أو تكون الواو بمعنى مع ﴿ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ أي دائم، وكذلك: نعيم مقيم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لأقتلنك ﴾ بالنون الخفيفة.

روى المعدّل عن زيد ﴿ يدي إليك ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع.

﴿ من أجل ﴾ بكسر النون: يزيد وقرأ ورش بفتح النون موصولة ﴿ رسلنا ﴾ بسكون السين حيث كان: أبو عمرو.

الوقوف: ﴿ بالحق ﴾ م على أن "إذ" معمول اذكر محذوفاً ولو وصل لأوهم أنه معمول ﴿ اتل ﴾ وهو محال ﴿ من الآخر ﴾ ط ﴿ لأقتلنك ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ لأقتلك ﴾ ج لاحتمال إضمار اللام أو الفاء.

﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ الظالمين ﴾ ه ج لأجل الفاء ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ سوأة أخيه ﴾ ط ﴿ أخي ﴾ ج لطول ما اعترض من المعطوف/ والمعطوف عليه ﴿ النادمين ﴾ ه ج ﴿ من أجل ذلك ﴾ ج كذلك لأنّ قوله: ﴿ من أجل ﴾ يصلح أن يتعلق بـ ﴿ أصبح ﴾ وبـ ﴿ كتبنا ﴾ .

﴿ جميعاً ﴾ في الموضعين ط.

﴿ بالبينات ﴾ ز لأنّ "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ لمسرفون ﴾ ه ﴿ من الأرض ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا عليهم ﴾ ج لتناهي الاستثناء مع الجواب أي لا تعذب التائبين ﴿ فإنّ الله غفور رحيم ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لتناهي الشرط مع اتحاد المقصود من الكلام ﴿ أليم ﴾ ه لاتحاد المقصود مع اختلاف الجملتين ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ يتوب عليه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: في النظم وجوه منها: أنه راجع إلى قوله: ﴿ إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم  ﴾ فكأنه  ذكر لأجل تسلية نبيّه  قصصاً كثيرة كقصة النقباء وما انجرّ إليه الكلام من إصرار أهل الكتاب وتعنتهم بعد ظهور الدلائل القاطعة، ثم ختمها بقصة ابني آدم وأنّ أحدهما قتل الآخر حسداً وبغياً ليعلم أنّ الفضل كان محسوداً بكل أوان.

ومنها أنه عائد إلى قوله: ﴿ يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب  ﴾ فإنّ هذه القصة وكيفية إيجاب القصاص بسببها كانت من أسرار التوراة.

ومنها أنه من تمام قوله: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ أي لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينفع قابيل.

والمراد اتل على الناس أو على أهل الكتاب خبر ابني آدم من صلبه - هابيل وقابيل - تلاوة ملتبسة بالحق والصحة من عند الله  ، أو ملتبسة بالصدق - لما في التوارة والإنجيل أو بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد والتحذير من سوء عاقبة الحاسد.

أو اتل عليهم وانت محق صادق لا مبطل هازل كالأقاصيص التي لا غناء فيها ﴿ إذ قربا ﴾ قال في الكشاف: نصب بالنبا أي قصتهم في ذلك الوقت أو بدل من النبا أي نبأ ذلك الوقت على حذف المضاف والمقصود إذ قرب كل واحد منهما قرباناً إلاّ أنه جمعهما في الفعل اتكالاً على قرينة الحكاية، أو لأنّ القربان في الأصل مصدر، ثم سمي به ما يتقرب به إلى الله  من ذبيحة أو صدقة.

يروى أنّ آدم  كان يولد له في كل سنة بطن غلام وجارية، فكان يزوّج البنت من بطن بالغلام من بطن آخر فولد قابيل وتوأمته إقليما وبعدهما هابيل وتوأمته لبودا.

وكانت توأمه قابيل أحسن وأجمل فأراد آدم أن يزوّجها من هابيل فأبى قابيل وقال: أنا أحق بها وليس هذا من الله وإنما هو رأيك.

فقال آدم لهما: قرّبا قرباناً فمن أيكما قبل قربانه زوّجتها منه.

فقبل الله قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته فازداد قابيل سخطاً وقتل أخاه حسداً.

هذا ما عليه أكثر المفسرين وأصحاب الأخبار, وقال الحسن والضحاك: إنهما ما كانا ابني آدم لصلبه وإنما كانا رجلين من بني إسرائيل لقوله عزّ من /قائل: ﴿ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ﴾ ومن البين أنّ صدور الذنب من أحد ابني آدم لا يصلح أن يكون سبباً لإيجاب القصاص على بني إسرائيل، وزيف بأنّ الآية تدل على أنّ القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم ذلك من عمل الغراب ولو كان من بني إسرائيل لم يخف عليه.

قال مجاهد: أكل النار علامة الرد.

وجمهور المفسرين على أنّ ذلك علامة القبول.

وقيل: ما كان في ذلك الوقت فقير يدفع إليه ما يتقرّب إلى الله فكانت النار تنزل من السماء فتأكله.

وإنما صار أحد القربانين مقبولاً والآخر مردوداً لأنّ حصول التقوى شرط في قبول الأعمال ولهذا قال  حكاية عن المحق في جواب المبطل: ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ وذلك لأنه لما كان الحسد هو الذي حمله على توعده بالقتل فكأنه قال له: ما لك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على طاعة الله  التي هي السبب في القبول؟

قيل في هذه القصة: إنّ أحدهما جعل قربانه أحسن ما كان معه وكان صاحب غنم، والآخر جعله أرادأ ما كان معه وكان صاحب زرع.

وقيل: إنه أضمر حين قرب أنه لا يزوّج أخته من هابيل سواء قبل أو لم يقبل.

وقيل: لم يكن قابيل من أهل التقوى وفي الكلام حذف فكأن هابيل قال في جواب المتوعد: لم تقتلني؟

قال: لأنّ قربانك صار مقبولاً.

فقال هابيل: وما ذنبي إنما يتقبل الله من المتقين.

ثم حكى الله  عن المظلوم أنه قال: ﴿ لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك ﴾ فذكر الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل مقروناً بالباء المزيدة لتأكيد النفي دلالة على أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع ألبتة.

قال مجاهد: كان أقوى من القاتل وأبطش منه ولكنه تحرّج عن قتل أخيه واستسلم له خوفاً من الله لانّ الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت وهذا وجه قوله: ﴿ إني أخاف الله رب العالمين ﴾ وقيل: المعنى لا أبسط يدي إليك لغرض قتلك وإنما أبسط يدي إليك لغرض الدفع.

قال أهل العلم: الدافع عن نفسه يجب عليه أن يدفع بالأيسر فالأيسر وليس له أن يقصد القتل بل يجب عليه أن يقصد الدفع، ثم إن لم يندفع إلاّ بالقتل جاز له ذلك.

ثم قال: ﴿ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ﴾ فسئل أنه كيف يعقل أن يرجع القاتل مع إثم المقتول ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى  ﴾ ؟

فقال ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة: أي تحمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي.

وقال الزجاج: ترجع إلى الله بإثم قتلي وأثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك.

وقال في الكشاف: إنه يحتمل مثل الإثم المقدر كأنه قال إني أريد أن تبوء بمثل إثمي لو بسطت إليك يدي.

سؤال آخر: كيف جاز أن يريد معصية أخيه وكونه من أهل النار؟

والجواب أن هذا الكلام إنما دار بينهما عندما غلب على ظن المقتول أنه يريد قتله وكان ذلك قبل إقدام القاتل على إيقاع القتل فكأنه لما وعظه/ ونصحه قال له: إن كنت لا تنزجر عن هذه الكبيرة بسبب هذه النصيحة فلا بد أن تترصد لقتلي في وقت غفلة وحينئذٍ لا يمكنني أن أدفعك عن قتلي إلاّ إذا قتلتك ابتداء بمجرد الظن والحسبان وهذا مني كبيرة ومعصية، وإذا دار الأمر بين أن أكون فاعل هذه المعصية أنا وبين أن تكون أنت فأنا أحب أن تحصل هذه الكبيرة لك لا لي، ومن البين أن إرادة صدور الذنب عن الغير في هذه الحالة لا يكون حراماً بل هو عين الطاعة.

أو المراد أريد أن تبوء بعقوبة قتلي، ولا شك أنه يجوز للمظلوم أن يرد من الله  عقاب الظالم.

وروي أنّ الظالم إذا لم يجد يوم القيامة ما يرضي خصمه أخذ من سيئات المظلوم وحمل على الظالم، فعلى هذا يجوز أن يقال: إني أريد أن تبوء بإثمي الذي يحمل عليك يوم القيامة إذا لم تجد ما يرضيني، وبإثمك في قتلك إياي وهذا يصلح جواباً عن السؤال الأوّل أيضاً.

﴿ فطوّعت له نفسه قتل أخيه ﴾ وسعته ورخصته وسهلت من طاع له المرتع وأطاع إذا اتسع وله لأجل زيادة الربط كقول القائل: حفظت لزيد ماله.

ومنهم من قال: شجعته فقتله.

والتحقيق أن الإنسان يعلم أن القتل العمد العدوان من أعظم الذنوب فهذا الاعتقاد يكون صارفاً له عن فعله فلا يطاوع النفس الأمارة حتى إذا كثرت وساوسها انقاد لها وخضع.

وإضافة التطويع والتمرين إلى النفس لا ينافي كون الكل مضافاً إلى قضاء الله فتنبه.

يحكى أنّ قابيل لم يدر كيف يقتل هابيل فظهر له إبليس وأخذ طيراً وضرب رأسه بحجر فتعلّم قابيل ذلك منه.

ثم إنه وجد هابيل يوماً نائماً فضرب رأسه بصخرة فمات.

وعن النبي  أنه قال: " "لا تقتل نفس ظلماً إلاّ كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها" ولذلك أنه أوّل من سن القتل ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ دنياه وآخرته لأنه أسخط والديه وبقي مذموماً إلى يوم القيامة ثم يلقى في النار خالداً.

قيل: لما قتل أخاه هرب من أرض اليمن إلى عدن فأتاه إبليس وقال له: إنما أكلت النار قربان هابيل أنه كان يخدم النار ويعبدها.

فبنى بيت نار وهو أوّل من عبد النار.

وروي أن هابيل قتل وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء.

وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم.

وروي أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلاً.

فقال: بل قتلته ولذلك اسودّ جسدك.

ومكث آدم بعده مائة سنة لم يضحك وإنه رثاه بشعر هو هذا: تغيرت البلاد ومن عليها *** فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي طعم ولون *** وقل بشاشة الوجه المليح قال في الكشاف: إنه كذب بحت وقد صح أن الأنيباء معصومون عن الشعر وصدّقه في التفسير الكبير وقال: إنّ ذلك من غاية الركاكة بحيث لا يليق بالآحاد فضلاً من الأفراد وخصوصاً من علمه حجة على الملائكة.

وأقول: أما أن جميع الأنبياء معصومون عن الشعر فلعل دعوى العموم لا تمكن فيه وكأنه من خصائص نبينا محمد  ولهذا أثنى الله  عليه بقوله: ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له  ﴾ وأما أنه من الركاكة بالحيثية المذكورة فمكابرة مع أن مقام البث والشكوى لا يحتمل الشعر المصنوع والله أعلم بحقيقة الحال.

قال المفسرون: إنه لما قتله تركه لا يدري ما يصنع به ثم خاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى تغيّر فبعث الله غراباً.

روى الأكثرون أنه بعث غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة فتعلم من الغراب.

وقال: الأصم: لما قتله وتركه بعث الله غراباً يحثى على المقتول فلما رأى القاتل أنّ الله  كيف يكرمه بعد موته ندم.

وقال أبو مسلم: عادة الغراب دفن الأشياء فجاء غراب فدفن شيئاً فتعلم ذلك منه ﴿ ليريه ﴾ أي الله أو الغراب أي ليعلمه وذلك أنه كان سبب تعليمه ﴿ كيف يواري ﴾ محله نصب على الحال من ضمير ﴿ يواري ﴾ والجملة منصوبة بيرى مفعولاً ثانياً أي ليريه كيفية مواراة سوأة أخيه أي عورته وهو ما لا يجوز أن ينكشف من جسده.

وقيل: أي جيفة أخيه.

والسوأة السوء الخلة القبيحة ﴿ يا ويلتي ﴾ كلمة عذاب.

يقال: ويل له وويله ومعناه الدعاء بالإهلاك وقد يقال في معرض الترحم.

وإنما طلب إقبال الويل ههنا على سبيل التعجب والندبة أي احضر حتى يتعجب منك ومن فظاعتك أو احضر فهذا أوان حضورك.

والألف بدل من ياء المتكلم ﴿ أعجزت ﴾ استفهام بطريق الإنكار ﴿ أن أكون ﴾ أي عن أن أكون ﴿ مثل هذا الغراب ﴾ أي في الفعلة المذكورة ولهذا قال: ﴿ فأواري ﴾ بالنصب على جواب الاستفهام ﴿ من النادمين ﴾ الندم وضع للزوم ومنه النديم لملازمته المجلس.

وإنما لم يكن ندمه توبة لأنه لما تعلم الدفن من الغراب صار من النادمين على أنّ حمله على ظهره سنة، أو ندم على قتل أخيه لأنه لم ينتفع بقتله بل سخط عليه أبواه وإخوته، أو ندم لأنه تركه بالعراء استخفافاً وتهاوناً وكان دون الغراب في الشفقة على مقتولة حتى صار الغراب دليلاً وقد قيل: إذا كان الغراب دليل قوم *** ﴿ من أجل ذلك ﴾ القتل قيل: هو من أجل شراً يأجله أجلاً إذا جناه ﴿ كتبنا على بني إسرائيل ﴾ إن كان القاتل والمقتول من بني إسرائيل فالمناسبة بين الواقعة وبين وجوب القصاص عليهم ظاهرة، وإن كانا ابني آدم من صلبه فالوجه أن يكون/ ذلك إشارة إلى ما في القصة من أنواع المفاسد كخسران الدارين وكالندم على الأمور المذكورة، أي من أجل ما ذكرنا في أثناء القصة من المفاسد الناشئة من القتل العمد والعدوان شرعنا القصاص في حق القاتل، ثم وجوب القصاص وإن كان عاماً في جميع الأديان والملل إلاّ أنّ التشديد المذكور في الآية - وهو أن قتل النفس الواحدة جار مجرى قتل جميع الناس - غير ثابت إلاّ على بني إسرائيل.

والغرض بيان قساوة قلوبهم فإنهم مع علمهم بهذا الحكم أقدموا على قتل الأنبياء والرسل فيكون فيه تسلية لرسول الله  في الواقعة التي عزموا فيها على قتله.

ثم القائلون بالقياس استدلوا بالآية على أنّ أحكام الله  قد تكون معللة بالعلل لأنه صرّح بأن الكتبة معللة بتلك المعاني المشار إليها بقوله: ﴿ من أجل ذلك ﴾ والمعتزلة أيضاً قالوا: إنها دلّت على أنّ الأحكام معللة بمصالح العباد.

ويعمل منه امتناع كونه  خالقاً للكفر والقبائح لأنّ ذلك ينافي مصلحة العبد.

والأشاعرة شنعوا عليهم بلزوم الاستكمال.

والتحقيق أنّ استتباع الفعل الغاية الصحيحة لا ينافي الكمال الذاتي وقد سبق مراراً.

﴿ بغير نفس ﴾ أي بغير قتل نفس وهو أن يقع لا على وجه الاقتصاص.

﴿ أو فساد ﴾ قال الزجاج: إنه معطوف على ﴿ نفس ﴾ بمعنى أو بغير فساد ﴿ في الأرض ﴾ كالكفر بعد الإيمان وكقطع الطريق وغيره من المهدّدات ﴿ فكأنما قتل الناس جميعاً ﴾ وههنا نكتة وهي أنّ التشبيه لا يستدعي التسوية بين المشبة والمشبه به من كل الوجوه، فلا يكون قتل النفس الواحدة قتل جميع الناس فإنّ الجزء لا يعقل أنه مساوٍ للكل.

فالغرض استعظام أمر القتل العمد العدوان واشتراك القتلين في استحقاق الإثم كما قال مجاهد: قاتل النفس جزاؤه جهنم وغضب الله والعذاب العظيم ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك.

والتحقيق فيه أنه إذا أقدم على القتل العمد العدوان فقد رجح داعية الشهوة والغضب على داعية الطاعة، وإذا ثبت الترجيح بالنسبة إلى واحد ثبت بالنسبة إلى كل واحد بل بالإضافة إلى الكل لأنّ كل إنسان يدلي من الكرامة والحرمة بما يدلي به الآخر.

وفيه أن جد الناس واجتهادهم في دفع قاتل شخص واحد يجب أن يكون مثل جدّهم في دفعة لو علموا أنه يقصد قتلهم بأسرهم ﴿ ومن أحياها ﴾ استنقذها من مهلكة كحرق أو غرق أو جوع مفرط ونحو ذلك، والكلام في تشبيه إحياء البعض بإحياء الكل كما تقرر في القتل ﴿ ثم إنّ كثيراً منهم ﴾ أي من بني إسرائيل ﴿ بعد ذلك ﴾ بعد مجيء الرسل ﴿ لمسرفون ﴾ في القتل لا يبالون بهتك حرمة.

ومعنى "ثم" تراخي الرتبة.

ثم إنه  بين أن الفساد في الأرض الموجب للقتل ما هو فقال: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ استدل بالآية من جوز إرادة الحقيقة والمجاز معاً من لفظ واحد/ لأنّ محاربة الله عبارة عن المخالفة فقط لا يمكن حملها على حقيقة المحاربة.

ويحتمل أن يقال: إنا نحمل هذه المحاربة على مخالفة الأمر والتكليف.

والتقدير إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله وأحكام رسوله، أو المراد إنما جزاء الذين يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله كما جاء في الخبر "من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة " ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ نصب على الحال أي مفسدين، أو على العلة أي للفساد، أو على المصدر الخاص نحو: رجع القهقرى.

لأنّ افساد نوع من السعي.

عن قتادة عن أنس "أن الآية نزلت في العرنيين الذين قتلوا راعي رسول الله  واستاقوا الذود، فبعث رسول الله  في آثارهم وأمر بقطع أيديهم وأرجلهم ثم سمل أعينهم وتركهم حتى ماتوا" فكانت الآية ناسخة لتلك السنة.

وعند الشافعي لما لم يجز نسخ السنة بالقرآن كان الناسخ لتلك السنة سنة أخرى ونزل هذا القرآن مطابقاَ للسنة الناسخة.

وقيل: "نزلت في قوم أبي برزة الأسلمي - وكان بينه وبين رسول الله  عهد - فمرّ بهم قوم من كنانة يريدون الإسلام وأبو برزة غائب فقتلوهم وأخذوا أموالهم" .

وقيل: إنها في بني إسرائيل الذين حكى الله عنهم أنهم مسرفون في القتل.

وقيل: في قطّاع الطريق من المسلمين وهذا قول أكثر الفقهاء.

قالوا: ولا يجوز حمل الآية على المرتدين لأنّ قتل المرتد لا يتوقف على المحاربة وإظهار الفساد في الأرض، ولأنه لا يجوز الاقتصار في المرتد على قطع اليد أو النفي، ولأن حدّه يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه وبعدها، ولأنّ الصلب غير مشروع في حقه، ولأن اللفظ عام.

وشرطوا في هذا المحارب بعد كونه مسلماً مكلفاً أن يكون معتمد القوة في المغالبة مع البعد عن الغوث فيخرج الكفار والمراهقون والمعتمد على الهرب، وكذا المعترض للقادر على الاستعانة بمن يغيثه.

واتفقوا على أنّ هذه الحالة إذا حصلت في الصحراء كان قاطع الطريق، فأما في نفس البلد فكذلك عند الشافعي لعموم النص.

وخالف أبو حنيفة ومحمد لأنه يلحقه الغوث في الغالب فحكمه حكم السارق.

وللعلماء في لفظ "أو" في الآية خلاف.

فعن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وقول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد أنها للتخيير إن شاء الإمام قتل وإن شاء صلب وإن شاء قطع الأيدي والأرجل وإن شاء نفى.

وعنه في رواية عطاء أنّ الأحكام تختلف بحسب الجنايات، فمن اقتصر على القتل قتل، ومن قتل وأخذ المال قدر نصاب السرقة قتل وصلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السبيل ولم يأخذ المال نفي من الأرض، وإليه ذهب الشافعي والأكثرون.

والذي يدل على ضعف القول الأول أنه ليس للإمام الاقتصار على النفي بالإجماع ولأن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقد همّ بالمعصية ولم يفعل وهذا لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي.

فتقدير الآية أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن جمعوا بين القتل والأخذ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على الأخذ.

والتشديد في هذه الأفعال للتكثير.

﴿ أو ينفوا من الأرض ﴾ إن أخافوا السبيل والقياس الجلي أيضاً يؤيد هذا التفسير لأنّ القتل العمد العدوان يوجب القتل فغلظ ذلك في قاطع الطريق بالتحتم وعدم جواز العفو.

وأخذ المال يتعلق به قطع اليد فغلظ في حقه بقطع الطرفين ﴿ من خلاف ﴾ أي يده اليمنى ورجله اليسرى، فإن عاد فالباقيتان.

قيل: وإنما قطع هكذا لئلاّ يفوت جنس المنفعة.

قلت: هذا أيضاً من باب التغليظ لأنّ اليد اليمنى أعون في العمل والرجل اليسرى أعون في الركوب.

وإن جمعوا بين القتل والأخذ يجمع بين القتل والصلب، لأنّ بقاءه مصلوباً في ممر الطريق أشهر وأزجر.

وإن اقتصروا على مجرد الإخافة اقتصر الشرع على عقوبة خفيفة هي النفي.

قال أبو حنيفة: إذا قتل وأخذ المال فالإمام مخيّر بين أن يقتل فقط أو يقطع ثم يقتل ويصلب.

وعندالشافعي لا بد من الصلب لأجل النص.

وكيفية الصلب أن يقتل ويصلّى عليه ثم يصلب مكفناً ثلاثة أيام.

وقيل: يترك حتى يتهرى ويسيل صديده أي صليبه وهو الودك.

وعند أبي حنيفة يصلب حياً ثم يمزق بطنه برمح حتى يموت أو يترك بلا طعام وشراب حتى يموت جوعاً، ثم إن أنزل غسل وكفن وصلّي عليه ودفن، وإن ترك حتى يتهرى فلا غسل ولا صلاة.

أما النفي فإنّ الشافعي حمله على معنيين: أحدهما أنهم إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام إن ظفر بهم أقام عليهم الحد، وإن لم يظفر بهم طلبهم أبداً.

فكونهم خائفين من الإمام هاربين من بلد إلى بلد هو المراد من النفي.

والثاني الذين يحضرون الواقعة ويعينونهم بتكثير السواد وإخافة المسلمين ولكنهم ما قتلوا وما أخذوا المال، فالإمام يأخذهم ويعزرهم ويحبسهم، فيكون المراد بنفيهم هو هذا الحبس.

وقال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق: النفي هو الحبس لأنّ الطرد عن جميع الأرض غير ممكن، وإلى بلدة أخرى استضرار بالغير، وإلى دار الكفر تعريض للمسلم بالردة، فلم يبق إلاّ أن يكون المراد الحبس لأنّ المحبوس لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا فكأنه خارج منها ولهذا قال صالح بن عبد القدوس حين حبسوه على تهمة الزندقة وطال لبثه: خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها *** فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة *** عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا ﴿ ذلك لهم خزي ﴾ ذل وفضيحة ﴿ في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴾ استدل/ المعتزلة بها على القطع بوعيد الفساق وعلى الإحباط.

وقالت الأشاعرة: بل بشرط عدم العفو ﴿ إلاّ الذين تابوا ﴾ قال الشافعي: إن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه ما يختص بقطع الطريق من العقوبات لأنه متهم حينئذٍ بدفع العذاب عنه وفي سائر الحدود بعد القدرة عليه.

قيل: يكفي في التوبة إظهارها كما يكفي إظهار الإسلام تحت ظلال السيوف.

والأصح أنه لا بدّ مع التوبة من إصلاح العمل لقوله  في الزنا ﴿ فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما  ﴾ وفي السرقة ﴿ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح ﴾ ولعل الفائدة في هذا الشرط أنه إن ظهر ما يخالف التوبة أقيم عليه الحد، وإنما يسقط بتوبة قاطع الطريق قبل القدرة عليه تحتم القتل.

فالولي يقتص أو يعفو بناء على أن عقوبة قاطع الطريق لا تتمحض حداً بل يتعلق بها القصاص وهو الأظهر، أما إذا محضناه حداً فلا شيء عليه، وإن كان قد أخذ المال وقتل سقط الصلب وتحتم القتل.

وفي القصاص وضمان المال ما ذكرنا وإن كان قد أخذ المال سقط عنه قطع الرجل.

وفي قطع اليد وجهان: الأظهر السقوط أيضاً بناء على أنه جزء من الحد الواجب فإذا لم يقم الكل لم يقم شيء من أجزائه بالاتفاق.

والثاني أنه ليس من خواص قطع الطريق لأنه يجب بالسرقة ففي سقوطه الخلاف في سائر الحدود.

ثم إنه  لما بيّن كمال جسارة اليهود على المعاصي وغاية بعدهم عن الوسائل إلى الله وآل الكلام إلى ما آل عاد إلى إرشاد المؤمنين ليكونوا بالضدّ منهم فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ وأيضاً فإنهم قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه أي نحن أبناء الأنبياء وكان افتخارهم بأعمال آبائهم فقيل للمؤمنين: لتكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بأسلافكم فقوله: ﴿ اتقوا الله ﴾ إشارة إلى ترك المنهيات وقوله: ﴿ وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ عبارة عن فعل المأمورات وإن كان ترك المناهي أيضاً من جملة الوسائل إلاّ أن هذا التقرير مناسب، والفعل والترك أيضاً يعتبران في الأخلاق الفاضلة والذميمة وفي الأفكار الصائبة والخاطئة، وأهل التحقيق يسمون الترك والفعل بالتخلية والتحلية أو بالمحو والحضور أو بالنفي والإثبات أو بالفناء والبقاء، والأول مقدّم على الثاني، فما لم يفن عما سوى الله لم يرزق البقاء بالله.

والوسيلة "فعيلة" وهي كل ما يتوسل به إلى المقصود ولهذا قد تسمى السرقة توسلاً والواسل الراغب إلى الله قال لبيد: ألا كل ذي لب إلى الله واسل *** والتوسيل والتوسل واحد يقال: وسل إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه/ بعمل قالت التعليمية: إنه  أمر بابتغاء الوسيلة إليه فلا بد من معلم يعلمنا معرفته.

وأجيب بأن الأمر بالابتغاء مؤخر عن الإيمان لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فعلمنا أن المراد بالوسائل هي العبادات والطاعات.

ثم إن ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي لما كان شاقاً على النفس ثقيلاً على الطبع لأن العقل يدعو إلى خدمة الله والنفس تدعو إلى اللذات الحسيات والجمع بينهما كالجمع بين الضرتين والضدّين أردف التكليف المذكور بقوله: ﴿ وجاهدوا في سبيله ﴾ والمراد بهذا القيد أن تكون العبادة لأجلة لا لغرض سواه وهذه مرتبة السابقين.

ثم قال: ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ والفلاح اسم جامع للخلاص من المكروه والفوز بالمحبوب وهذه دون الأولى لأن غرضه الرغبة في الجنة أو الرهبة من النار وكلتا المرتبتين مرضية.

ثم أشار إلى مرتبة الناقصين بقوله ﴿ إن الذين كفروا ﴾ وخبر "إن" مجموع الجملة الشرطية وهي قوله: ﴿ لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به ﴾ أي بالمذكور أو الواو بمعنى "مع" والعامل في المفعول معه وهو المثل ما في "إن" من معنى الفعل أي لو ثبت ﴿ من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ﴾ والغرض التمثيل وأن العذاب لازم لهم وقد مر مثله في سورة آل عمران.

وعن النبي  : " يقال للكافر يوم القيامة أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟

فيقول: نعم.

فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك" ﴿ يريدون أن يخرجوا ﴾ أي يتمنون الخروج من النار أو يقصدون ذلك.

قيل: إذا رفعهم لهب النار إلى فوق فهناك يتمنون الخروج.

وقيل: يكادون يخرجون منها لقوتها ورفعها إياهم.

عمم المعتزلة هذا الوعيد في الكفار وفي الفساق، وخصصه الأشاعرة بالكفار لدلالة الآية المتقدمة.

ثم إنه تعالى عاد إلى تتميم حكم أخذ المال من غير استحقاق وهو المأخوذ على سبيل الخفية لا المحاربة فقال: ﴿ والسارق والسارقة ﴾ وهما مرفوعان على الابتداء والخبر محذوف عند سيبويه والأخفش والتقدير فيما فرض أو فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أي حكمها.

وعند الفراء - وهو اختيار الزجاج - أن الألف واللام فيهما بمعنى الذي والتي وخبرهما: ﴿ فاقطعوا ﴾ ودخول الفاء لتضمنها معنى الشرط كأنه قيل: الذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما.

وقراءة عيسى بن عمر بالنصب وفضلها سيبويه على القراءة المشهورة لأن الإنشاء لا يحسن أن يقع خبراً إلاّ بتأويل وأما إذا نصبت فإنه يكون من باب الإضمار على شريطة التفسير والفاء يكون مؤذناً بتلازم ما قبلها وما بعدها مثل: ﴿ وربك فكبر  ﴾ وضعف قول سيبويه بأنه طعن ي قراءة واظب عليها رسول الله  وترجيح للقراءة الشاذة/ وفيه ما فيه على أن الإضمار الذي ذهب إليه هو خلاف الأصل.

والذي مال إليه الفراء أدل على العموم وأوفق لقوله  : ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ فإنه تصريح بأن المراد من الكلام الأول هو الشرط والجزاء.

أما البحث المعنوي في الآية فإن كثيراً من الأصوليين زعموا أنها مجملة لأنه لم يبين نصاب السرقة وذكر الأيدي وبالإجماع لا يجب قطع اليدين، ولأن اليد تقع على الأصابع بدليل أن من حلف لا يلمس فلاناً بيده فلمسه بأصابعه فإنه يحنث، وتقع على الأصابع مع الكف وعلى الأصابع والكف والساعدين إلى المرفقين وعلى كل ذلك إلى المنكبين.

وأيضاً الخطاب في: ﴿ فاقطعوا ﴾ إما لإمام الزمان كما هو مذهب الأكثرين أو لمجموع الأمة أو لطائفة مخصوصة فثبت بهذه الوجوه أن الآية مجملة.

وقال المحققون: مقتضى الآية ولا سيما في تقدير الفراء عموم القطع بعموم السرقة إلاّ أن السنة خصصته بالنصاب.

أو نقول: إن أهل اللغة لا يقولون لمن أخذ حبة بر إنه سارق.

والمراد بالأيدي اليدان مثل: ﴿ فقد صغت قلوبكما  ﴾ وقد انعقد الإجماع على أنه لا يجب قطعهما معاً ولا الابتداء باليسرى.

واليد اسم موضوع لهذا العضو إلى المنكب ولهذا قيد في قوله: ﴿ وأيديكم إلى المرافق  ﴾ وقد ذهب الخوارج إلى وجوب قطع اليدين إلى المنكبين لظاهر الآية إلاّ أن السنة خصصته بالكوع.

والحاصل أن الآية عامة لكنها خصصت بدلائل منفصلة فتبقى حجة في الباقي، وهذا أولى من جعلها مجملة غير مفيدة أصلاً.

ثم إن جمهور الصحابة والفقهاء ذهبوا إلى أن القطع لا يجب إلاّ عند شروط كالنصاب والحرز، وخالف ابن عباس وابن الزبير والحسن وداود الأصفهاني والخوارج تمسكاً بعموم الآية، ولأن مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة، فالذي يستقله الملك يستكثره الفقير.

وقد قال الشافعي: لو قال لفلان عليّ مال عظيم ثم فسره بالحبة يقبل لاحتمال أن يريد أنه عظيم في الحل أو عظيم عنده لشدة فقره.

ولما طعنت الملحدة في الشريعة بأن اليد كيف ينبغي أن تقطع في قليل مع أن قيمتها خمسمائة دينار من الذهب، أجيب عنه بأن ذلك عقوبة من الشارع له على دناءته.

وإذا كان هذا الجواب مقبولاً من الكل فليكن مقبولاً منا في إيجاب القطع على القليل والكثير.

وأيضاً اختلاف المجتهدين في قدر النصاب كما يجيء يدل على أن الأخبار المخصصة عندهم متعارضة فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن.

ودعوى الإجماع على أن القطع مخصوص بمقدار معين غير مسموعة لخلاف بعض الصحابة والتابعين كما قلنا.

واعلم أن الكلام في السرقة يتعلق بأطراف المسروق ونفس السرقة والسارق.

وأما المسروق فمن شروطه عند الأكثرين أن يكون نصاباً.

ثم قال الشافعي: إنه ربع دينار من الذهب الخالص وما سواه يقوم به وهو مذهب الإمامية لما روي أنه  قال: "لا/ قطع إلاّ في ربع دينار" وقال أبو حنيفة: النصاب عشرة دراهم لما روي أنه  قال: " "لا قطع إلا في ثمن المجن" والظاهر أن ثمن المجن لا يكون أقل من عشرة دراهم، وقال مالك: ربع دينار أو ثلاثة دراهم.

وعن أحمد روايتان كالشافعي وكمالك.

وقال ابن أبي ليلى: خمسة دراهم.

وعن الحسن: درهم.

وفي مواعظه: "احذر من قطع يدك في درهم".

ومنها أن يكون المسروق ملك غير السارق لدى الإخراج من الحرز.

فلو سرق مال نفسه من يد غيره كيد المرتهن والمستأجر أو اطرأ ملكه في المسروق قل إخراجه من الحرز بأن ورثه السارق أو اتهبه وهو فيه سقط القطع.

ومنها أن يكون محترماً لا كخمر وخنزير.

ومنها أن يكون الملك تاماً قوياً.

والمراد بالتمام أن لا يكون السارق فيه شركة أو حق كمال بيت المال، وبالقوّة أن لا يكون ضعيفاً كالمستولدة والوقف.

ومنها كون المال خارجاً عن شبهة استحقاق السارق، فلو سرق رب الدين من مال المديون فإن أخذه لا على قصد استيفاء الحق أو على قصده والمديون غير جاحد ولا مماطل قطع، وإن أخذه على قصد استيفاء الحق وهو جاحد أو مماطل فلا يقطع سواء أخذ من جنس حقه أو لا من جنسه.

وإذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر وكان المال محرزاً عنه فعند أبي حنيفة لا يجب القطع.

وعند الشافعي ومالك وأحمد يجب.

ومنها كون المال محرزاً لقوله  : "لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن" وحرز كل شيء على حسب حاله.

فالإصطبل حرز الدواب وإن كانت نفيسة وليس حرزاً للثياب والنقود.

والصفة في الدار وعرصتها حرزان للأواني وثياب البذلة دون الحلي والنقود فإن العادة فيها الإحراز في الصناديق والمخازن.

وعن أبي حنيفة أن ما هو حرز لمال فهو حرز لكل مال.

وأما السرقة فهي إخراج المال عن أن يكون محرزاً ولا بد من شرط الخفية فلا قطع على المختلس والمنتهب والمعتمد على القوة، ولا على المودع إذا جحد خلافاً لأحمد.

وأما السارق فيشترط فيه التكليف والتزام الأحكام والاختيار؛ فيقطع الذمي والمعاهد ولا يقطع المكره.

وإنما تثبت السرقة بثلاث حجج: باليمين المردودة أو بالإقرار أو بشهادة رجلين.

ويتعلق بها حكمان: الضمان والقطع.

وقال أبو حنيفة: القطع والغرم/ لا يجتمعان.

حجة الشافعي أن قوله  : " "على اليد ما أخذت حتى تؤدى " يوجب الضمان.

وقد اجتمع في هذه السرقة أمران، وحق الله لا يمنع حق العباد ولهذا يجتمع الجزاء والقيمة في الصيد المملوك، ولو كان المسروق باقياً وجب رده بالاتفاق.

حجة أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ والجزاء هو الكافي، فهذا القطع كاف في جناية السرقة.

ورد بلزوم رد المسروق عند كونه قائماً.

أما كيفية القطع فقد روي أنه  أتى بسارق فقطع يمينه.

قال الشافعي: فإن سرق ثانياً قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثاً فيده اليسرى، فإن سرق رابعاً فرجله اليمنى، وبه قال مالك.

وروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي  وعند أبي حنيفة وأحمد لا يقطع في الثانية وما بعدها لما روي عن ابن مسعود أنه قرأ فاقطعوا أيمانهما، وضعفه الشافعي بأن القراءة الشاذة لا تعارض ظاهر القرآن المقتضي لتكرر القطع بتكرر السرقة.

واتفقوا على أنه يقطع اليد من الكوع، والرجل من المفصل بين الساق والقدم.

والسيد يملك إقامة الحد على مماليكه لعموم قوله: ﴿ فاقطعوا ﴾ ولم يجوّزه أبو حنيفة.

واحتج المتكلمون بالآية في أنه يجب على الأمة نصب الإمام لأن هذا التكليف لا يتم إلاّ به وما لا يتم الواجب إلاّ به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب.

وانتصاب ﴿ جزاء ﴾ و ﴿ نكالاً ﴾ على أنه مفعول لهما، والعامل ﴿ اقطعوا ﴾ وإن شئت فعلى المصدر من الفعل الذي دل عليه: ﴿ فاقطعوا ﴾ أي جازوهم ونكلوا بهم ﴿ جزاء بما كسبا نكالاً من الله ﴾ .

﴿ فمن تاب ﴾ من السراق ﴿ من بعد ظلمه ﴾ أي سرقته ﴿ وأصلح ﴾ أي يتوب بنية صالحة وعزيمة صحيحة خالية من الأغراض الفاسدة ﴿ فإن الله يتوب عليه ﴾ وعند بعض الأئمة تسقط العقوبة أيضاً.

وعند الجمهور لا تسقط.

وباقي الآيات قد مر تفسيره.

وإنما قدم التعذيب على المغفرة طباقاً لتقدم السرقة على التوبة.

التأويل: إن آدم الروح بازدواجه مع حواء القالب ولد قابيل النفس وتوأمته إقليما الهوى، ثم هابيل القلب وتوأمته ليوذا العقل، فكان الهوى في غاية الحسن في نظر النفس فبه تميل إلى الدنيا ولذاتها.

وكان في نظر القلب أيضاً في غاية الحسن فبه يميل إلى طلب المولى، وكان العقل في نظر النفس في غاية القبح لأنها به تنزجر عن طلب الدنيا، وكذا في نظر القلب لأنه بالعقل يمتنع عن طلب الحق والفناء في الله ولهذا قيل: العقل عقيله الرجال، فحرم الله  الازدواج بين التوأمين لأن الهوى إذا كان قرين النفس أنزلها أسفل سافلين الطبيعة، وإذا كان قرين القلب كان عشقاً فيوصله إلى أعلى فراديس القرب، وإذا/ كان العقل قرين القلب صار عقالاً له، وإذا كان قرين النفس حرضها على العبودية فرضي هابيل القلب وسخط قابيل النفس وكان صاحب زرع أي مدبر النفس النامية وهي القوّة النباتية، فقرب طعاماً من إردإ زرعه وهي القوّة الطبيعية، وكان هابيل القلب راعياً لمواشي الأخلاق الإنسانية والصفات الحيوانية فقرب الصفة البهيمية وهي أحب الصفات إليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء ولسلامتها بالنسبة إلى الصفات السبعية والشيطانية.

فوضعا قربانهما على جبل البشرية ثم دعا آدم الروح فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت فحملت الصفة البهيمية لأنها حطب هذه النار ولم تأكل من قربان قابيل النفس شيئاً لأنها ليست من حطبها بل هي حطب نار الحيوانية ﴿ فتبوء بإثمي وإثمك ﴾ أي إثم وجودي وإثم وجودك، فإن الوجود حجاب بيني وبين محبوبي.

فقتل قابيل النفس هابيل القلب والنفس أعدى عدو القلب ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ أما في الدنيا فبالحرمان عن الواردات والكشوف، وأما في الآخرة فبالبعد عن جنات الوصول ﴿ فبعث الله غراباً ﴾ هو الحرص في الدنيا ليشغل بذلك عن فعلتها.

وفي تعليم الغراب إشارة إلى أنه  قادر على تعليم العباد بأي طريق شاء فيزول تعجب الملائكة والرسل باختصاصهم بتعليم الخلق ﴿ في الأرض لمسرفون ﴾ أي في أرض البشرية ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون ﴾ أولياء الله ﴿ أن يقتلوا ﴾ بسكين الخذلان ﴿ أو يصلبوا ﴾ بحبل الهجران على جذع الحرمان ﴿ أو تقطع أيديهم ﴾ عن أذيال الوصال ﴿ وأرجلهم من خلاف ﴾ عن الاختلاف ﴿ أو ينفوا ﴾ من أرض القربة والائتلاف ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ جعل الفلاح الحقيقي في أربعة أشياء: في الإيمان وهو إصابة رشاش النور في بدو الخلقة وبه يخلص العبد من ظلمة الكفر، وفي التقوى وهو منشأ الأخلاق المرضية ومنبع الأعمال الشرعية وبه الخلاص عن ظلمة المعاصي، وفي ابتغاء الوسيلة وهو إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية وبه يخلص من ظلمه أوصاف الوجود، وفي الجهاد في سبيله وهو محو الأنانية في إثبات الهوية وبه يخلص من ظلمة أوصاف الوجود ويظفر بنور الشهود ﴿ وما هم بخارجين منها ﴾ لأنهم خلقوا مظاهر القهر ﴿ السارق والسارقة ﴾ كانا مقطوعي الأيدي عن قبول رشاش النور فكان تطاول أيديهما اليوم إلى أسباب الشقاوة من نتائج قصر أيديهما عن قبول تلك السعادة ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ الآن في عالم الصورة ﴿ نكالاً من الله ﴾ تقديراً منه في الأزل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ ﴾ .

يحتمل أن تكون الآية صلة ما مضى من الآيات؛ من ذلك قوله -  -: ﴿ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ، أخبر أنه إنما يتقرب بقربانه المتقي، وقال: ﴿ إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...

﴾ الآية، ثم قال  : ﴿ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ...

﴾ : أي: ابتغوا بتقوى الله عن معاصيه القربة والوسيلة.

و ﴿ ٱلْوَسِيلَةَ ﴾ : القربة وكذلك الزلفة، يقال: توسل إليَّ بكذا، أي: تقرب؛ وهو قول القتبي، وقوله: ﴿ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ : أي: قربت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ...

﴾ الآية.

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: جاهدوا أنفسكم في صرفها عن معاصيه إلى طاعته؛ وهو كقوله -  -: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  ﴾ .

ويحتمل: أن جاهدوا مع أنفسكم وأموالكم أعداء الله في نصرة دينه، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ﴾ كان الذي يمنعهم عن الإسلام والإيمان بالله وبالرسل قضاء شهواتهم، وطلب العزة والشرف بالأموال، فأخبر: ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ ﴾ ؛ في صرف العذاب عن أنفسهم ﴿ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ﴾ ، ولا ينفعهم ذلك، يذكر هذا - والله أعلم - ليصرفوا أنفسهم عن معاصي الله، والخلاف له بأدنى شيء يطلبون من الأموال والشهوات، وأخبر أنه لو كان لهم ما في الأرض ومثله معه ليفتدوا بعذاب يوم القيامة، ما نفعهم ذلك، وما تقبل منهم.

والحكمة في ذكر هذا - والله أعلم - ليعلموا أن الآخرة ليست بدار تقبل فيها الرشا كما تقبل في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

دل هذا على أن من العذاب ما لا ألم فيه من نحو الحبس والقيد، فأخبر أن عذاب الآخرة أليم كله، ليس كعذاب الدنيا: منه ما يكونُ، أليماً ومنه ما لا يكون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا...

﴾ الآية.

يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ ﴾ : أي: يطلبون ويسألون الخروج منها من غير عمل الخروج نفسه.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ ﴾ ولكن يردون ويعادون إلى مكانهم؛ كقوله -  -: ﴿ كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا  ﴾ أي: يجتهدون في الخروج منها ﴿ أُعِيدُواْ فِيهَا ﴾ ؛ فيه دليل أنهم يعملون عمل الخروج؛ ولكن يردون ويعادون فيها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يريدون الخروج من النار إذا دخلوها، وأنى لهم ذلك؟!

فلن يخرجوا منها، ولهم فيها عذاب دائم.

<div class="verse-tafsir" id="91.bDnvN"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله