الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٣٨ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 171 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٨ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى حاكما وآمرا بقطع يد السارق والسارقة ، وروى الثوري عن جابر بن يزيد الجعفي عن عامر بن شراحيل الشعبي أن ابن مسعود كان يقرؤها : " والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما " .
وهذه قراءة شاذة ، وإن كان الحكم عند جميع العلماء موافقا لها ، لا بها ، بل هو مستفاد من دليل آخر .
وقد كان القطع معمولا به في الجاهلية ، فقرر في الإسلام وزيدت شروط أخر ، كما سنذكره إن شاء الله تعالى ، كما كانت القسامة والدية والقراض وغير ذلك من الأشياء التي ورد الشرع بتقريرها على ما كانت عليه ، وزيادات هي من تمام المصالح .
ويقال : إن أول من قطع الأيدي في الجاهلية قريش قطعوا رجلا يقال له : " دويك " مولى لبني مليح بن عمرو من خزاعة كان قد سرق كنز الكعبة ، ويقال : سرقه قوم فوضعوه عنده .
وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئا قطعت يده به ، سواء كان قليلا أو كثيرا ; لعموم هذه الآية : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) فلم يعتبروا نصابا ولا حرزا ، بل أخذوا بمجرد السرقة .
وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد المؤمن عن نجدة الحنفي قال : سألت ابن عباس عن قوله : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) أخاص أم عام ؟
فقال : بل عام .
وهذا يحتمل أن يكون موافقة من ابن عباس لما ذهب إليه هؤلاء ، ويحتمل غير ذلك ، فالله أعلم .
وتمسكوا بما ثبت في الصحيحين ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لعن الله السارق ، يسرق البيضة فتقطع يده ، ويسرق الحبل فتقطع يده " .
وأما الجمهور فاعتبروا النصاب في السرقة ، وإن كان قد وقع بينهم الخلاف في قدره ، فذهب كل من الأئمة الأربعة إلى قول على حدة ، فعند الإمام مالك بن أنس رحمه الله : النصاب ثلاثة دراهم مضروبة خالصة ، فمتى سرقها أو ما يبلغ ثمنها فما فوقها وجب القطع ، واحتج في ذلك بما رواه عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم .
أخرجاه في الصحيحين .
قال مالك رحمه الله : وقطع عثمان رضي الله عنه ، في أترجة قومت بثلاثة دراهم ، وهو أحب ما سمعت في ذلك .
وهذا الأثر عن عثمان رضي الله عنه ، قد رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه ، عن عمرة بنت عبد الرحمن : أن سارقا سرق في زمان عثمان أترجة ، فأمر بها عثمان أن تقوم ، فقومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهما بدينار ، فقطع عثمان يده .
قال أصحاب مالك : ومثل هذا الصنيع يشتهر ، ولم ينكر ، فمن مثله يحكى الإجماع السكوتي ، وفيه دلالة على القطع في الثمار خلافا للحنفية .
وعلى اعتبار ثلاثة دراهم خلافا لهم في أنه لا بد من عشرة دراهم وللشافعية في اعتبار ربع دينار ، والله أعلم .
وذهب الشافعي رحمه الله ، إلى أن الاعتبار في قطع يد السارق بربع دينار أو ما يساويه من الأثمان أو العروض فصاعدا .
والحجة في ذلك ما أخرجه الشيخان : البخاري ومسلم من طريق الزهري عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا " .
ولمسلم من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة ، عن عائشة ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا " .
قال أصحابنا : فهذا الحديث فاصل في المسألة ونص في اعتبار ربع الدينار لا ما ساواه .
قالوا : وحديث ثمن المجن ، وأنه كان ثلاثة دراهم ، لا ينافي هذا ; لأنه إذ ذاك كان الدينار باثني عشر درهما ، فهي ثمن ربع دينار ، فأمكن الجمع بهذه الطريق .
ويروى هذا المذهب عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم .
وبه يقول عمر بن عبد العزيز والليث بن سعد والأوزاعي والشافعي وأصحابه وإسحاق ابن راهويه - في رواية عنه - وأبو ثور وداود بن علي الظاهري رحمهم الله .
وذهب الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق ابن راهويه - في رواية عنه - إلى أن كل واحد من ربع الدينار والثلاثة دراهم مرد شرعي ، فمن سرق واحدا منهما ، أو ما يساويه قطع عملا بحديث ابن عمر وبحديث عائشة رضي الله عنهما ، ووقع في لفظ عند الإمام أحمد عن عائشة [ رضي الله عنها ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اقطعوا في ربع دينار ، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك " وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم ، والدينار اثني عشر درهما .
وفي لفظ للنسائي : لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن .
قيل لعائشة : ما ثمن المجن ؟
قالت : ربع دينار .
فهذه كلها نصوص دالة على عدم اشتراط عشرة دراهم ، والله أعلم .
وأما الإمام أبو حنيفة وأصحابه : أبو يوسف ومحمد وزفر وكذا سفيان الثوري رحمهم الله ، فإنهم ذهبوا إلى أن النصاب عشرة دراهم مضروبة غير مغشوشة .
واحتجوا بأن ثمن المجن الذي قطع فيه السارق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان ثمنه عشرة دراهم .
وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا ابن نمير وعبد الأعلى وعن محمد بن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال : كان ثمن المجن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم .
ثم قال : حدثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقطع يد السارق في دون ثمن المجن " .
وكان ثمن المجن عشرة دراهم .
قالوا : فهذا ابن عباس وعبد الله بن عمرو قد خالفا ابن عمر في ثمن المجن ، فالاحتياط الأخذ بالأكثر ; لأن الحدود تدرأ بالشبهات .
وذهب بعض السلف إلى أنه تقطع يد السارق في عشرة دراهم ، أو دينار ، أو ما يبلغ قيمته واحدا منهما ، يحكى هذا عن علي وابن مسعود وإبراهيم النخعي وأبي جعفر الباقر رحمهم الله تعالى .
وقال بعض السلف : لا تقطع الخمس إلا في خمس ، أي : في خمسة دنانير ، أو خمسين درهما .
وينقل هذا عن سعيد بن جبير رحمه الله .
وقد أجاب الجمهور عما تمسك به الظاهرية من حديث أبي هريرة : " يسرق البيضة فتقطع يده ، ويسرق الحبل فتقطع يده " بأجوبة : أحدها : أنه منسوخ بحديث عائشة .
وفي هذا نظر ; لأنه لا بد من بيان التاريخ .
والثاني : أنه مؤول ببيضة الحديد وحبل السفن ، قاله الأعمش فيما حكاه البخاري وغيره عنه .
والثالث : أن هذا وسيلة إلى التدرج في السرقة من القليل إلى الكثير الذي تقطع فيه يده ، ويحتمل أن يكون هذا خرج مخرج الإخبار عما كان الأمر عليه في الجاهلية ، حيث كانوا يقطعون في القليل والكثير ، فلعن السارق الذي يبذل يده الثمينة في الأشياء المهينة .
وقد ذكروا أن أبا العلاء المعري لما قدم بغداد اشتهر عنه أنه أورد إشكالا على الفقهاء في جعلهم نصاب السرقة ربع دينار ، ونظم في ذلك شعرا دل على جهله ، وقلة عقله فقال : يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار تناقض ما لنا إلا السكوت له وأن نعوذ بمولانا من النار ولما قال ذلك واشتهر عنه تطلبه الفقهاء فهرب منهم .
وقد أجابه الناس في ذلك ، فكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي رحمه الله ، أنه قال : لما كانت أمينة كانت ثمينة ، فلما خانت هانت .
ومنهم من قال : هذا من تمام الحكمة والمصلحة وأسرار الشريعة العظيمة ، فإنه في باب الجنايات ناسب أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار لئلا يجنى عليها ، وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع فيه ربع دينار لئلا يتسارع الناس في سرقة الأموال ، فهذا هو عين الحكمة عند ذوي الألباب ; ولهذا قال [ تعالى ] ( جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم ) أي : مجازاة على صنيعهما السيئ في أخذهما أموال الناس بأيديهم ، فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك ( نكالا من الله ) أي : تنكيلا من الله بهما على ارتكاب ذلك ( والله عزيز ) أي : في انتقامه ( حكيم ) أي : في أمره ونهيه وشرعه وقدره .
القول في تأويل قوله عز ذكره : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ومن سرقَ من رجل أو امرأة، فاقطعوا، أيها الناس، يَدَه= ولذلك رفع " السارق والسارقة "، لأنهما غير معيّنين.
ولو أريد بذلك سارقٌ وسارقة بأعيانهما، لكان وجه الكلام النّصب.
* * * وقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ ذلك: ( والسارقون والسارقات ).
11907 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن إبراهيم قال: في قراءتنا= قال: وربما قال: في قراءة عبد الله=( والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما ).
11908 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن إبراهيم: في قراءتنا: ( والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما ).
* * * =وفي ذلك دليل على صحة ما قلنا من معناه، وصحة الرفع فيه، وأن " السارق والسارقة " مرفوعان بفعلهما على ما وصفت، للعلل التي وصفت.
* * * وقال تعالى ذكره: " فاقطعوا أيديهما "، والمعنى: أيديهما اليمنى، كما:- 11909 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فاقطعوا أيديهما " اليمنى.
11910 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر قال: في قراءة عبد الله: ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما ).
* * * ثم اختلفوا في" السارق " الذي عناه الله عز ذكره.
فقال بعضهم: عنى بذلك سارقَ ثلاثة دراهم فصاعدًا.
وذلك قول جماعة من أهل المدينة، منهم مالك بن أنس ومن قال بقوله.
واحتجّوا لقولهم ذلك، بأنّ:- 11911- رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قطَع في مِجَنّ قيمته ثلاثةُ دَرَاهم.
(4) * * * وقال آخرون: بل عنى بذلك سارق رُبع دينار أو قيمته.
وممن قال ذلك، الأوزاعيّ ومن قال بقوله.
واحتجوا لقولهم ذلك بالخبر الذي رُوي عن عائشة أنها قالت: 11912- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القطعُ في ربع دِينارٍ فصاعدًا.
(5) * * * وقال آخرون: بل عنى بذلك سارقَ عشرة دراهم فصاعدًا.
وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه.
واحتجوا في ذلك بالخبر الذي روي عن عبد الله بن عمرو، وابن عباس: 11913- أن النبي صلى الله عليه وسلم قَطَع في مِجَنّ قيمته عَشْرة دراهم.
(6) * * * وقال آخرون: بل عني بذلك سارقَ القليل والكثير.
واحتجوا في ذلك بأن الآية على الظاهر، وأنْ ليس لأحد أنَ يخُصَّ منها شيئًا، إلا بحجة يجب التسليم لها.
(7) وقالوا: لم يصحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرٌ بأن ذلك في خاصّ من السُرَّاق.
قالوا: والأخبار فيما قَطَع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطربة مختلفة، ولم يروِ عنه أحد أنه أتي بسارق درهمٍ فَخلَّى عنه، وإنما رووا عنه أنه قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم.
قالوا: وممكن أن يكون لو أتى بسارق ما قيمته دانقٌ أن يَقْطع.
قالوا: وقد قطع ابن الزبير في دِرْهم.
* * * وروي عن ابن عباس أنه قال: الآيةُ على العموم.
11914 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبد المؤمن، عن نجدة الحنفي قال: سألت ابن عباس عن قوله: " والسارق والسارقة "، أخاصّ أم عام؟
فقال: بل عام.
(8) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، قولُ من قال: " الآية معنيّ بها خاصٌّ من السراق، وهم سُرَّاق ربع دينار فصاعدًا أو قيمته "، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " القطعُ في ربع دينار فصاعدًا ".
وقد استقصيت ذكر أقوال المختلفين في ذلك مع عللهم التي اعتلّوا بها لأقوالهم، والبيانَ عن أولاها بالصواب، بشواهده، (9) في كتابنا " كتاب السرقة "، فكرهنا إطالة الكتاب بإعادة ذلك في هذا الموضع.
* * * وقوله: " جزاء بما كسبا نكالا من الله "، يقول: مكافأةً لهما على سرقتهما وعملهما في التلصصّ بمعصية الله (10) =" نكالا من الله " يقول: عقوبة من الله على لُصُوصيتهما.
(11) * * * وكان قتادة يقول في ذلك ما:- 11915 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم "، لا تَرْثُوا لهم أن تقِيموا فيهم الحدود، (12) فإنه والله ما أمر الله بأمرٍ قَطُّ إلا وهو صلاحٌ، ولا نهى عن أمرٍ قَطُّ إلا وهو فساد.
(13) * * * وكان عمر بن الخطاب يقول: " اشتدُّوا على السُّرَّاق، فاقطعوهم يدًا يدًا، ورجلا رجلا ".
* * * وقوله: " والله عزيز حكيم " يقول جل ثناؤه: " والله عزيزٌ" في انتقامه من هذا السارق والسارقةِ وغيرهما من أهل معاصيه=" حكيم "، في حكمه فيهم وقضائه عليهم.
(14) يقول: فلا تفرِّطوا أيها المؤمنون، في إقامة حكمي على السرَّاق وغيرهم من أهل الجرائم الذين أوجبت عليهم حدودًا في الدنيا عقوبةً لهم، فإني بحكمتي قضيت ذلك عليهم، (15) وعلمي بصلاح ذلك لهم ولكم.
----------------- الهوامش : (4) الأثر: 11911- رواه بغير إسناد.
رواه مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر في الموطأ: 831 ، ورواه البخاري من طريق مالك (الفتح 2: 93- 94) ، ورواه مسلم من طريقه أيضًا ، في صحيحه 11: 184 ، 185.
و"المجن": الترس ، لأنه يجن صاحبه ، أي يواريه.
(5) الأثر: 11912- ساقه هنا بغير إسناد أيضًا ، وقد مضى ص: 266 ، تعليق رقم: 1.
وهذا الخبر رواه البخاري بأسانيده (الفتح 12: 89- 91) ، ومسلم بأسانيده في صحيحه 11: 180- 183.
(6) الأثر: 11913- خبر ابن عباس رواه الطحاوي في معاني الآثار 2: 93.
وكان في المخطوطة والمطبوعة أن هذا الخبر مروي أيضًا عن"عبد الله بن عمر" ، ولم أجد الرواية بذلك عن"ابن عمر بل الرواية التي احتجوا بها في كتب أصحاب أبي حنيفة هي ما قاله"عبد الله بن عمرو" ، رواها عنه"عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده".
رواه أحمد في المسند برقم: 6900 ، وانظر تخريج أخي السيد أحمد هناك.
وانظر معاني الآثار للطحاوي 1: 93 ، وأحكام القرآن للجصاص 2: 417 ، فلذلك صححت ما قبل هذا الأثر"عبد الله بن عمرو" ، لا كما كان في المطبوعة والمخطوطة"ابن عمر".
(7) في المطبوعة: "وأنه ليس لأحد" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(8) الأثر: 11914-"عبد المؤمن بن خالد الحنفي المروزي" ، قاضي مرو.
قال أبو حاتم: "لا بأس به" ، وذكره ابن حبان في الثقات.
مترجم في التهذيب.
و"نجدة بن نفيع الحنفي".
روى عن ابن عباس.
مترجم في التهذيب.
(9) في المطبوعة: "والتلميح عن أولاها بالصواب" ، والطبري لا يقول مثل هذا أبدًا.
وفي المخطوطة: "والسارق عن أولاها بالصواب" ، وهو تحريف قبيح من عجلة الناسخ ، صواب قراءته ما أثبت.
(10) انظر تفسير"الجزاء" فيما سلف من فهارس اللغة (جزى).
= وتفسير"كسب" فيما سلف 9: 196 ، تعليق: 1 والمراجع هناك.
(11) انظر تفسير"النكال" فيما سلف 2: 176 ، 177/ 8: 580.
(12) "رثى له يرثى": رحمه ورق له.
(13) ولكننا قد أظلنا زمان عطلت فيه الحدود ، بزعم الرثاء لمن أصاب حدًا من حدود الله.
وطالت ألسنة قوم من أهل الدخل ، فاجترأوا على الله بافترائهم ، وزعموا أن الذي يدعونه من الرحمة لأهل الحدود هو الصلاح ، وأن ما أمر الله به هو الفساد!!
فاللهم نجنا من زمان تبجح فيه الأشرار بسلطانهم ، وتضاءل فيه أهل الإيمان بمعاصيهم.
(14) انظر تفسير"عزيز" فيما سلف 9: 378 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
= وتفسير"حكيم" فيما سلف من فهارس اللغة.
(15) في المطبوعة والمخطوطة: "فإني بحكمي قضيت..." ، والأجود هنا ما أثبت.
قوله تعالى : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيمفيه خمس وعشرون مسألة :قوله تعالى : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما الآية .
لما ذكر تعالى أخذ الأموال بطريق السعي في الأرض والفساد ذكر حكم السارق من غير حراب على ما يأتي بيانه أثناء الباب ; وبدأ سبحانه بالسارق قبل السارقة عكس الزنى على ما نبينه آخر الباب ، وقد قطع السارق في الجاهلية ، وأول من حكم بقطعه في الجاهلية الوليد بن المغيرة ، فأمر الله بقطعه في الإسلام ، فكان أول سارق قطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام من الرجال الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، ومن النساء مرة بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخزوم ، وقطع أبو بكر يد اليمني الذي سرق العقد ; وقطع عمر يد ابن سمرة أخي عبد الرحمن بن سمرة ولا خلاف فيه ، وظاهر الآية العموم في كل سارق وليس كذلك ; لقوله عليه السلام : لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا فبين أنه إنما أراد بقوله : والسارق والسارقة بعض السراق دون بعض ; فلا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار ، أو فيما قيمته ربع دينار ; وهذا قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي رضي الله عنهم ، وبه قال عمر بن عبد العزيز والليث والشافعي وأبو ثور ; وقال مالك : تقطع اليد في ربع دينار أو في ثلاثة دراهم ، فإن سرق درهمين وهو ربع دينار لانحطاط الصرف لم تقطع يده فيهما ، والعروض لا تقطع فيها إلا أن تبلغ ثلاثة دراهم قل الصرف أو كثر ; فجعل مالك الذهب والورق كل واحد منهما أصلا بنفسه ، وجعل تقويم العروض بالدراهم في المشهور ، وقال أحمد وإسحاق : إن سرق ذهبا فربع دينار ، وإن سرق غير الذهب والفضة كانت قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم من الورق ، وهذا نحو ما صار إليه مالك في القول الآخر ; والحجة للأول حديث ابن عمر أن رجلا سرق حجفة ، فأتى به [ ص: 112 ] النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بها فقومت بثلاثة دراهم ، وجعل الشافعي حديث عائشة رضي الله عنها في الربع دينار أصلا رد إليه تقويم العروض لا بالثلاثة دراهم على غلاء الذهب ورخصه ، وترك حديث ابن عمر لما رآه - والله أعلم - من اختلاف الصحابة في المجن الذي قطع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ; فابن عمر يقول : ثلاثة دراهم ; وابن عباس يقول : عشرة دراهم ; وأنس يقول : خمسة دراهم ، وحديث عائشة في الربع دينار حديث صحيح ثابت لم يختلف فيه عن عائشة إلا أن بعضهم وقفه ، ورفعه من يجب العمل بقوله لحفظه وعدالته ; قاله أبو عمر وغيره ، وعلى هذا فإن بلغ العرض المسروق ربع دينار بالتقويم قطع سارقه ; وهو قول إسحاق ; فقف على هذين الأصلين فهما عمدة الباب ، وهما أصح ما قيل فيه .
وقال أبو حنيفة وصاحباه والثوري : لا تقطع يد السارق إلا في عشرة دراهم كيلا ، أو دينارا ذهبا عينا أو وزنا ; ولا يقطع حتى يخرج بالمتاع من ملك الرجل ; وحجتهم حديث ابن عباس ; قال : قوم المجن الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة دراهم ، ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان ثمن المجن يومئذ عشرة دراهم ; أخرجهما الدارقطني وغيره ، وفي المسألة قول رابع ، وهو ما رواه الدارقطني عن عمر قال : لا تقطع الخمس إلا في خمس ; وبه قال سليمان بن يسار وابن أبي ليلى وابن شبرمة ; وقال أنس بن مالك : قطع أبو بكر - رحمه الله - في مجن قيمته خمسة دراهم ، وقول خامس : وهو أن اليد تقطع في أربعة دراهم فصاعدا ; روي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ، وقول سادس : وهو أن اليد تقطع في درهم فما فوقه ; قاله عثمان البتي .
وذكر الطبري أن عبد الله بن الزبير قطع في درهم ، وقول سابع : وهو أن اليد تقطع في كل ما له قيمة على ظاهر الآية ; هذا قول الخوارج ، وروي عن الحسن البصري ، وهي إحدى الروايات الثلاث عنه ، والثانية كما روي عن عمر ، والثالثة حكاها قتادة عنه أنه قال : تذاكرنا القطع في كم يكون على عهد زياد ؟
فاتفق رأينا على درهمين ، وهذه أقوال متكافئة والصحيح منها ما قدمناه لك ; فإن قيل : قد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده وهذا موافق لظاهر الآية في القطع في القليل والكثير ; فالجواب أن هذا خرج مخرج التحذير بالقليل عن الكثير ، كما جاء في معرض الترغيب بالقليل مجرى الكثير في قوله عليه السلام : من بنى لله مسجدا ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة ، وقيل : إن ذلك مجاز من وجه آخر ; وذلك أنه إذا ضري بسرقة [ ص: 113 ] القليل سرق الكثير فقطعت يده ، وأحسن من هذا ما قاله الأعمش وذكره البخاري في آخر الحديث كالتفسير قال : كانوا يرون أنه بيض الحديد ، والحبل كانوا يرون أنه منها ما يساوي دراهم .قلت : كحبال السفينة وشبه ذلك ، والله أعلم .الثانية : اتفق جمهور الناس على أن القطع لا يكون إلا على من أخرج من حرز ما يجب فيه القطع ، وقال الحسن بن أبي الحسن : إذا جمع الثياب في البيت ، وقال الحسن بن أبي الحسن أيضا في قول آخر مثل قول سائر أهل العلم فصار اتفاقا صحيحا ، والحمد لله .الثالثة : الحرز هو ما نصب عادة لحفظ أموال الناس ، وهو يختلف في كل شيء بحسب حاله على ما يأتي بيانه .
قال ابن المنذر : ليس في هذا الباب خبر ثابت لا مقال فيه لأهل العلم ، وإنما ذلك كالإجماع من أهل العلم ، وحكي عن الحسن وأهل الظاهر أنهم لم يشترطوا الحرز ، وفي الموطأ لمالك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن قال أبو عمر : هذا حديث يتصل معناه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره ، وعبد الله هذا ثقة عند الجميع ، وكان أحمد يثني عليه ، وعن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الثمر المعلق فقال : من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه ومن خرج بشيء منه فعليه القطع ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة وفي رواية .
( وجلدات نكال ) بدل ( والعقوبة ) .
قال العلماء : ثم نسخ الجلد وجعل مكانه القطع .
قال أبو عمر : قوله ( غرامة مثليه ) منسوخ لا أعلم أحدا من الفقهاء قال به إلا ما جاء عن عمر في دقيق حاطب بن أبي بلتعة ; خرجه مالك ; ورواية عن أحمد بن حنبل ، والذي عليه الناس في الغرم بالمثل ; لقوله تعالى : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ، وروى أبو داود عن صفوان بن أمية قال : كنت نائما في المسجد علي خميصة لي ثمن ثلاثين درهما ، فجاء رجل فاختلسها مني ، فأخذ الرجل فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 114 ] فأمر به ليقطع ، قال : فأتيته فقلت أتقطعه من أجل ثلاثين درهما ؟
أنا أبيعه وأنسئه ثمنها ; قال : فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به ؟
، ومن جهة النظر أن الأموال خلقت مهيأة للانتفاع بها للخلق أجمعين ، ثم الحكمة الأولية حكمت فيها بالاختصاص الذي هو الملك شرعا ، وبقيت الأطماع متعلقة بها ، والآمال محومة عليها ; فتكفها المروءة والديانة في أقل الخلق ، ويكفها الصون والحرز عن أكثرهم ، فإذا أحرزها مالكها فقد اجتمع فيها الصون والحرز الذي هو غاية الإمكان للإنسان ; فإذا هتكا فحشت الجريمة فعظمت العقوبة ، وإذا هتك أحد الصونين وهو الملك وجب الضمان والأدب .الرابعة : فإذا اجتمع جماعة فاشتركوا في إخراج نصاب من حرزه ، فلا يخلو ، إما أن يكون بعضهم ممن يقدر على إخراجه أو لا ، إلا بتعاونهم ، فإذا كان الأول فاختلف فيه علماؤنا على قولين : أحدهما يقطع فيه ، والثاني لا يقطع فيه ; وبه قال أبو حنيفة والشافعي ; قالا : لا يقطع في السرقة المشتركون إلا بشرط أن يجب لكل واحد من حصته نصاب ; لقوله صلى الله عليه وسلم : لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا وكل واحد من هؤلاء لم يسرق نصابا فلا قطع عليهم ، ووجه القطع في إحدى الروايتين أن الاشتراك في الجناية لا يسقط عقوبتها كالاشتراك في القتل ; قال ابن العربي : وما أقرب ما بينهما فإنا إنما قتلنا الجماعة بالواحد صيانة للدماء ; لئلا يتعاون على سفكها الأعداء ، فكذلك في الأموال مثله ; لا سيما وقد ساعدنا الشافعي على أن الجماعة إذا اشتركوا في قطع يد رجل قطعوا ولا فرق بينهما ، وإن كان الثاني وهو مما لا يمكن إخراجه إلا بالتعاون فإنه يقطع جميعهم بالاتفاق من العلماء ; ذكره ابن العربي .الخامسة : فإن اشتركوا في السرقة بأن نقب واحد الحرز وأخرج آخر ، فإن كانا متعاونين قطعا ، وإن انفرد كل منهما بفعله دون اتفاق بينهما ، بأن يجيء آخر فيخرج فلا قطع على واحد منهما .
وإن تعاونا في النقب وانفرد أحدهما بالإخراج فالقطع عليه خاصة ; وقال الشافعي : لا قطع ; لأن هذا نقب ولم يسرق ، والآخر سرق من حرز مهتوك الحرمة .
وقال أبو حنيفة : إن شارك في النقب ودخل وأخذ قطع ، ولا يشترط في الاشتراك في النقب التحامل على آلة واحدة ، بل التعاقب في الضرب تحصل به الشركة .السادسة : ولو دخل أحدهما فأخرج المتاع إلى باب الحرز فأدخل الآخر يده فأخذه فعليه [ ص: 115 ] القطع ، ويعاقب الأول ; وقال أشهب : يقطعان .
وإن وضعه خارج الحرز فعليه القطع لا على الآخذ ، وإن وضعه في وسط النقب فأخذه الآخر والتقت أيديهما في النقب قطعا جميعا .السابعة : والقبر والمسجد حرز ، فيقطع النباش عند الأكثر ; وقال أبو حنيفة : لا قطع عليه ; لأنه سرق من غير حرز مالا معرضا للتلف لا مالك له ; لأن الميت لا يملك ، ومنهم من ينكر السرقة ; لأنه ليس فيه ساكن ، وإنما تكون السرقة بحيث تتقى الأعين ، ويتحفظ من الناس ; وعلى نفي السرقة عول أهل ما وراء النهر ، وقال الجمهور : هو سارق لأنه تدرع الليل لباسا واتقى الأعين ، وقصد وقتا لا ناظر فيه ولا مار عليه ، فكان بمنزلة ما لو سرق في وقت بروز الناس للعيد ، وخلو البلد من جميعهم ، وأما قولهم : إن القبر غير حرز فباطل ; لأن حرز كل شيء بحسب حاله الممكنة فيه .
وأما قولهم : إن الميت لا يملك فباطل أيضا ; لأنه لا يجوز ترك الميت عاريا فصارت هذه الحاجة قاضية بأن القبر حرز ، وقد نبه الله تعالى عليه بقوله : ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا ليسكن فيها حيا ، ويدفن فيها ميتا ، وأما قولهم : إنه عرضة للتلف ; فكل ما يلبسه الحي أيضا معرض للتلف والإخلاق بلباسه ، إلا أن أحد الأمرين أعجل من الثاني ; وقد روى أبو داود عن أبي ذر قال : دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت فيه بالوصيف ، يعني القبر ; قلت : الله ورسوله أعلم قال : عليك بالصبر قال حماد : فبهذا قال من قال تقطع يد السارق ; لأنه دخل على الميت بيته ، وأما المسجد ، فمن سرق حصره قطع ; رواه عيسى عن ابن القاسم ، وإن لم يكن للمسجد باب ; ورآها محرزة ، وإن سرق الأبواب قطع أيضا ; وروي عن ابن القاسم أيضا إن كانت سرقته للحصر نهارا لم يقطع ، وإن كان تسور عليها ليلا قطع ; وذكر عن سحنون إن كانت حصره خيط بعضها إلى بعض قطع ، وإلا لم يقطع .
قال أصبغ : يقطع سارق حصر المسجد وقناديله وبلاطه ، كما لو سرق بابه مستسرا أو خشبة من سقفه أو من جوائزه ، وقال أشهب في كتاب محمد : لا قطع في شيء من حصر المسجد وقناديله وبلاطه .الثامنة : واختلف العلماء هل يكون غرم مع القطع أم لا ؟
فقال أبو حنيفة : لا يجتمع الغرم مع القطع بحال ; لأن الله سبحانه قال : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله ولم يذكر غرما .
وقال الشافعي : يغرم قيمة السرقة موسرا كان أو معسرا ، [ ص: 116 ] وتكون دينا عليه إذا أيسر أداه ; وهو قول أحمد وإسحاق ، وأما علماؤنا مالك وأصحابه فقالوا : إن كانت العين قائمة ردها ، وإن تلفت فإن كان موسرا غرم ، وإن كان معسرا لم يتبع دينا ولم يكن عليه شيء ; وروى مالك مثل ذلك عن الزهري ; قال الشيخ أبو إسحاق : وقد قيل إنه يتبع بها دينا مع القطع موسرا كان أو معسرا ; قال : وهو قول غير واحد من علمائنا من أهل المدينة ، واستدل على صحته بأنهما حقان لمستحقين فلا يسقط أحدهما الآخر كالدية والكفارة ، ثم قال : وبهذا أقول ، واستدل القاضي أبو الحسن للمشهور بقوله صلى الله عليه وسلم : إذا أقيم على السارق الحد فلا ضمان عليه وأسنده في كتابه .
وقال بعضهم : إن الإتباع بالغرم عقوبة ، والقطع عقوبة ، ولا تجتمع عقوبتان ; وعليه عول القاضي عبد الوهاب ، والصحيح قول الشافعي ومن وافقه ; قال الشافعي : يغرم السارق ما سرق موسرا كان أو معسرا ; قطع أو لم يقطع ، وكذلك إذا قطع الطريق ; قال : ولا يسقط الحد لله ما أتلف للعباد ، وأما ما احتج به علماؤنا من الحديث ( إذا كان معسرا ) فبه احتج الكوفيون وهو قول الطبري ، ولا حجة فيه ; رواه النسائي والدارقطني عن عبد الرحمن بن عوف .
قال أبو عمر : هذا حديث ليس بالقوي ولا تقوم به حجة ، وقال ابن العربي : وهذا حديث باطل ، وقال الطبري : القياس أن عليه غرم ما استهلك ، ولكن تركنا ذلك اتباعا للأثر في ذلك .
قال أبو عمر : ترك القياس لضعيف الأثر غير جائز ; لأن الضعيف لا يوجب حكما .التاسعة : واختلف في قطع يد من سرق المال من الذي سرقه ; فقال علماؤنا : يقطع ، وقال الشافعي : لا يقطع ; لأنه سرق من غير مالك ومن غير حرز ، وقال علماؤنا : حرمة المالك عليه باقية لم تنقطع عنه ، ويد السارق كلا يد ، كالغاصب لو سرق منه المال المغصوب قطع ، فإن قيل : اجعلوا حرزه كلا حرز ; قلنا : الحرز قائم والملك قائم ولم يبطل الملك فيه فيقولوا لنا أبطلوا الحرز .العاشرة : واختلفوا إذا كرر السرقة بعد القطع في العين المسروقة ; فقال الأكثر : يقطع ، وقال أبو حنيفة : لا قطع عليه ، وعموم القرآن يوجب عليه القطع ، وهو يرد قوله ، وقال أبو حنيفة أيضا في السارق يملك الشيء المسروق بشراء أو هبة قبل القطع : فإنه لا يقطع ، والله تعالى يقول : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما فإذا وجب القطع حقا لله تعالى لم يسقطه شيء .الحادية عشرة : قرأ الجمهور " والسارق " بالرفع .
قال سيبويه : المعنى وفيما فرض عليكم السارق والسارقة ، وقيل : الرفع فيهما على الابتداء ، والخبر فاقطعوا أيديهما .
وليس [ ص: 117 ] القصد إلى معين إذ لو قصد معينا لوجب النصب ; تقول : زيدا اضربه ; بل هو كقولك : من سرق فاقطع يده .
قال الزجاج : وهذا القول هو المختار ، وقرئ " والسارق " بالنصب فيهما على تقدير اقطعوا السارق والسارقة ; وهو اختيار سيبويه ; لأن الفعل بالأمر أولى ; قال سيبويه رحمه الله تعالى : الوجه في كلام العرب النصب ; كما تقول : زيدا أخرجه ; ولكن العامة أبت إلا الرفع ; يعني عامة القراء وجلهم ، فأنزل سيبويه النوع السارق منزلة الشخص المعين ، وقرأ ابن مسعود " والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم " وهو يقوي قراءة الجماعة ، والسرق والسرقة بكسر الراء فيهما هو اسم الشيء المسروق ، والمصدر من سرق يسرق سرقا بفتح الراء .
قاله الجوهري ، وأصل هذا اللفظ إنما هو أخذ الشيء في خفية من الأعين ، ومنه استرق السمع ، وسارقه النظر .
قال ابن عرفة : السارق عند العرب هو من جاء مستترا إلى حرز فأخذ منه ما ليس له ، فإن أخذ من ظاهر فهو مختلس ومستلب ومنتهب ومحترس ، فإن تمنع بما في يده فهو غاصب .قلت : وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته ، قالوا : وكيف يسرق صلاته ؟
قال : لا يتم ركوعها ولا سجودها خرجه الموطأ وغيره ، فسماه سارقا وإن كان ليس سارقا من حيث هو موضع الاشتقاق ، فإنه ليس فيه مسارقة الأعين غالبا .الثانية عشرة : قوله تعالى : ( فاقطعوا ) القطع معناه الإبانة والإزالة ، ولا يجب إلا بجمع أوصاف تعتبر في السارق وفي الشيء المسروق ، وفي الموضع المسروق منه ، وفي صفته .
فأما ما يعتبر في السارق فخمسة أوصاف ; وهي البلوغ والعقل ، وأن يكون غير مالك للمسروق منه ، وألا يكون له عليه ولاية ، فلا يقطع العبد إن سرق من مال سيده ، وكذلك السيد إن أخذ مال عبده لا قطع بحال ; لأن العبد وماله لسيده .
ولم يقطع أحد بأخذ مال عبده لأنه آخذ لماله ، وسقط قطع العبد بإجماع الصحابة وبقول الخليفة : غلامكم سرق متاعكم .
وذكر الدارقطني عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس على العبد الآبق إذا سرق قطع ولا على الذمي قال : لم يرفعه غير فهد بن سليمان ، والصواب أنه موقوف ، وذكر ابن ماجه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا سرق العبد فبيعوه ولو بنش أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا [ ص: 118 ] أبو أسامة عن أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة ; قال ابن ماجه : وحدثنا جبارة بن المغلس حدثنا حجاج بن تميم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس ; أن عبدا من رقيق الخمس سرق من الخمس ، فرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقطعه ، وقال : مال الله سرق بعضه بعضا وجبارة بن المغلس متروك ; قاله أبو زرعة الرازي ، ولا قطع على صبي ولا مجنون .الثالثة عشرة : ويجب على الذمي والمعاهد ، والحربي إذا دخل بأمان ، وأما ما يعتبر في الشيء المسروق فأربعة أوصاف ; وهي النصاب وقد مضى القول فيه ، وأن يكون مما يتمول ويتملك ويحل بيعه ، وإن كان مما لا يتمول ولا يحل بيعه كالخمر والخنزير فلا يقطع فيه باتفاق حاشا الحر الصغير عند مالك ، وابن القاسم ; وقيل : لا قطع عليه ; وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ; لأنه ليس بمال ، وقال علماؤنا : هو من أعظم المال ; ولم يقطع السارق في المال لعينه ، وإنما قطع لتعلق النفوس به ، وتعلقها بالحر أكثر من تعلقها بالعبد ، وإن كان مما يجوز تملكه ولا يجوز بيعه كالكلب المأذون في اتخاذه ولحوم الضحايا ، ففي ذلك اختلاف بين ابن القاسم وأشهب .
قال ابن القاسم : ولا يقطع سارق الكلب ; وقال أشهب : ذلك في المنهي عن اتخاذه ، فأما المأذون في اتخاذه فيقطع سارقه .
قال : ومن سرق لحم أضحية أو جلدها قطع إذا كان قيمة ذلك ثلاثة دراهم ، وقال ابن حبيب قال أصبغ : إن سرق الأضحية قبل الذبح قطع ; وأما إن سرقها بعد الذبح فلا يقطع ، وإن كان مما يجوز اتخاذ أصله وبيعه ، فصنع منه ما لا يجوز استعماله كالطنبور والملاهي من المزمار والعود وشبهه من آلات اللهو فينظر ; فإن كان يبقى منها بعد فساد صورها وإذهاب المنفعة المقصودة بها ربع دينار فأكثر قطع ، وكذلك الحكم في أواني الذهب والفضة التي لا يجوز استعمالها ويؤمر بكسرها فإنما يقوم ما فيها من ذهب أو فضة دون صنعة ، وكذلك الصليب من ذهب أو فضة ، والزيت النجس إن كانت قيمته على نجاسته نصابا قطع فيه .
الوصف الثالث ; ألا يكون للسارق فيه ملك ، كمن سرق ما رهنه أو ما استأجره ، ولا شبهة ملك ، على اختلاف بين علمائنا وغيرهم في مراعاة شبهة ملك كالذي يسرق من المغنم أو من بيت المال ; لأن له فيه نصيبا .
وروي عن علي رضي الله عنه أنه أتي برجل سرق مغفرا من الخمس فلم ير عليه قطعا وقال : له فيه نصيب ، وعلى هذا مذهب الجماعة في بيت المال ، وقيل : يجب عليه القطع تعلقا بعموم لفظ آية السرقة ، وأن يكون مما تصح سرقته كالعبد الصغير والأعجمي الكبير ; لأن ما لا تصح سرقته كالعبد الفصيح فإنه .
لا يقطع فيه ، وأما ما يعتبر في الموضع المسروق منه فوصف واحد وهو الحرز لمثل ذلك الشيء المسروق ، وجملة القول فيه أن كل شيء له مكان معروف فمكانه حرزه ، وكل شيء معه حافظ فحافظه حرزه ; فالدور والمنازل والحوانيت حرز لما فيها ، غاب عنها أهلها أو حضروا ، وكذلك بيت المال حرز [ ص: 119 ] لجماعة المسلمين ، والسارق لا يستحق فيه شيئا ، وإن كان قبل السرقة ممن يجوز أن يعطيه الإمام وإنما يتعين حق كل مسلم بالعطية ; ألا ترى أن الإمام قد يجوز أن يصرف جميع المال إلى وجه من وجوه المصالح ولا يفرقه في الناس ، أو يفرقه في بلد دون بلد آخر ويمنع منه قوما دون قوم ; ففي التقدير أن هذا السارق ممن لا حق له فيه .
وكذلك المغانم لا تخلو : أن تتعين بالقسمة ; فهو ما ذكرناه في بيت المال ; وتتعين بنفس التناول لمن شهد الواقعة ; فيجب أن يراعى قدر ما سرق ، فإن كان فوق حقه قطع وإلا لم يقطع .الرابعة عشرة : وظهور الدواب حرز لما حملت ، وأفنية الحوانيت حرز لما وضع فيها في موقف البيع وإن لم يكن هناك حانوت ، كان معه أهله أم لا ; سرقت بليل أو نهار ، وكذلك موقف الشاة في السوق مربوطة أو غير مربوطة ، والدواب على مرابطها محرزة ، كان معها أهلها أم لا ; فإن كانت الدابة بباب المسجد أو في السوق لم تكن محرزة إلا أن يكون معها حافظ ; ومن ربطها بفنائه أو اتخذ موضعا مربطا لدوابه فإنه حرز لها .
والسفينة حرز لما فيها وسواء كانت سائبة أو مربوطة ; فإن سرقت السفينة نفسها فهي كالدابة إن كانت سائبة فليست بمحرزة ، وإن كان صاحبها ربطها في موضع وأرساها فيه فربطها حرز ; وهكذا إن كان معها أحد حيثما كانت فهي محرزة ، كالدابة بباب المسجد معها حافظ ; إلا أن ينزلوا بالسفينة في سفرهم منزلا فيربطوها فهو حرز لها كان صاحبها معها أم لا .الخامسة عشرة : ولا خلاف أن الساكنين في دار واحدة كالفنادق التي يسكن فيها كل رجل بيته على حدة ، يقطع من سرق منهم من بيت صاحبه إذا أخذ - وقد خرج بسرقته إلى قاعة الدار - شيئا وإن لم يدخل بها بيته ولا خرج بها من الدار ، ولا خلاف في أنه لا يقطع من سرق منهم من قاعة الدار شيئا وإن أدخله بيته أو أخرجه من الدار ; لأن قاعتها مباحة للجميع للبيع والشراء ، إلا أن تكون دابة في مربطها أو ما يشبهها من المتاع .السادسة عشرة : ولا يقطع الأبوان بسرقة مال ابنهما ; لقوله عليه السلام : أنت ومالك لأبيك .
ويقطع في سرقة مالهما ; لأنه لا شبهة له فيه ، وقيل : لا يقطع ; وهو قول ابن وهب وأشهب ; لأن الابن ينبسط في مال أبيه في العادة ، ألا ترى أن العبد لا يقطع في مال سيده فلأن لا يقطع ابنه في ماله أولى .
واختلفوا في الجد ; فقال مالك وابن القاسم : لا يقطع ، وقال أشهب : يقطع ، وقول مالك أصح أنه أب ; قال مالك : أحب إلي ألا يقطع الأجداد من قبل الأب والأم وإن لم تجب لهم نفقة .
قال ابن القاسم وأشهب : ويقطع من سواهما من القرابات .
قال ابن القاسم : ولا يقطع من سرق من جوع أصابه ، وقال أبو حنيفة : لا قطع على [ ص: 120 ] أحد من ذوي المحارم مثل العمة والخالة والأخت وغيرهم ; وهو قول الثوري ، وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق : يقطع من سرق من هؤلاء ، وقال أبو ثور : يقطع كل سارق سرق ما تقطع فيه اليد ; إلا أن يجمعوا على شيء فيسلم للإجماع ، والله أعلم .السابعة عشرة : واختلفوا في سارق المصحف ; فقال الشافعي وأبو يوسف وأبو ثور : يقطع إذا كانت قيمته ما تقطع فيه اليد ; وبه قال ابن القاسم ، وقال النعمان : لا يقطع من سرق مصحفا .
قال ابن المنذر : يقطع سارق المصحف ، واختلفوا في الطرار يطر النفقة من الكم ، فقالت طائفة : يقطع من طر من داخل الكم أو من خارج ; وهو قول مالك والأوزاعي وأبي ثور ويعقوب .
قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وإسحاق : إن كانت الدراهم مصرورة في ظاهر كمه فطرها فسرقها لم يقطع ، وإن كانت مصرورة إلى داخل الكم فأدخل يده فسرقها قطع ، وقال الحسن : يقطع .
قال ابن المنذر : يقطع على أي جهة طر .الثامنة عشرة : واختلفوا في قطع اليد في السفر ، وإقامة الحدود في أرض الحرب ; فقال مالك والليث بن سعد : تقام الحدود في أرض الحرب ولا فرق بين دار الحرب والإسلام ، وقال الأوزاعي : يقيم من غزا على جيش - وإن لم يكن أمير مصر من الأمصار - الحدود في عسكره غير القطع .
وقال أبو حنيفة : إذا غزا الجند أرض الحرب وعليهم أمير فإنه لا يقيم الحدود في عسكره ، إلا أن يكون إمام مصر أو الشام أو العراق أو ما أشبهه فيقيم الحدود في عسكره .
استدل الأوزاعي ومن قال بقوله بحديث جنادة بن أبي أمية قال : كنا مع بسر بن أرطاة في البحر ، فأتي بسارق يقال له مصدر قد سرق بختية ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تقطع الأيدي في الغزو ولولا ذلك لقطعته .
بسر هذا يقال ولد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت له أخبار سوء في جانب علي وأصحابه ، وهو الذي ذبح طفلين لعبد الله بن العباس ففقدت أمهما عقلها فهامت على وجهها ، فدعا عليه علي رضي الله عنه أن يطيل الله عمره ويذهب عقله ، فكان كذلك .
قال يحيى بن معين : كان بسر بن أرطاة رجل سوء .
استدل من قال بالقطع بعموم القرآن ; وهو الصحيح إن شاء الله تعالى ، وأولى ما يحتج به لمن منع القطع في أرض الحرب والحدود : مخافة أن يلحق ذلك بالشرك ، والله أعلم .التاسعة عشرة : فإذا قطعت اليد أو الرجل فإلى أين تقطع ؟
فقال الكافة : تقطع من الرسغ والرجل من المفصل ، ويحسم الساق إذا قطع ، وقال بعضهم : يقطع إلى المرفق ، وقيل : إلى المنكب ، لأن اسم اليد يتناول ذلك .
وقال علي رضي الله عنه : تقطع الرجل من شطر القدم ويترك له العقب ; وبه قال أحمد وأبو ثور .
قال ابن المنذر : وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر [ ص: 121 ] بقطع يد رجل فقال : احسموها وفي إسناده مقال ; واستحب ذلك جماعة منهم الشافعي وأبو ثور وغيرهما ، وهذا أحسن وهو أقرب إلى البرء وأبعد من التلف .الموفية عشرين : لا خلاف أن اليمنى هي التي تقطع أولا ، ثم اختلفوا إن سرق ثانية ; فقال مالك وأهل المدينة والشافعي وأبو ثور وغيرهم : تقطع رجله اليسرى ، ثم في الثالثة يده اليسرى ، ثم في الرابعة رجله اليمنى ، ثم إن سرق خامسة يعزر ويحبس ، وقال أبو مصعب من علمائنا : يقتل بعد الرابعة ; واحتج بحديث خرجه النسائي عن الحارث بن حاطب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلص فقال : اقتلوه فقالوا : يا رسول الله ، إنما سرق ، قال : اقتلوه ، قالوا : يا رسول الله إنما سرق ، قال : اقطعوا يده ، قال : ثم سرق فقطعت رجله ، ثم سرق على عهد أبي بكر رضي الله عنه حتى قطعت قوائمه كلها ، ثم سرق أيضا الخامسة ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بهذا حين قال : اقتلوه ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه ; منهم عبد الله بن الزبير وكان يحب الإمارة فقال : أمروني عليكم فأمروه عليهم ، فكان إذا ضرب ضربوه حتى قتلوه ، وبحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بسارق في الخامسة فقال : اقتلوه .
قال جابر : فانطلقنا به فقتلناه ، ثم اجتررناه فرميناه في بئر ورمينا عليه الحجارة .
رواه أبو داود وخرجه النسائي وقال : هذا حديث منكر وأحد رواته ليس بالقوي ، ولا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا .
قال ابن المنذر : ثبت عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما قطعا اليد بعد اليد والرجل بعد الرجل .
وقيل : تقطع في الثانية رجله اليسرى ثم لا قطع في غيرها ، ثم إذا عاد عزر وحبس ; وروي عن علي بن أبي طالب ، وبه قال الزهري وحماد بن أبي سليمان وأحمد بن حنبل .
قال الزهري : لم يبلغنا في السنة إلا قطع اليد والرجل ، وقال عطاء : تقطع يده اليمنى خاصة ولا يعود عليه القطع : ذكره ابن العربي وقال : أما قول عطاء فإن الصحابة قالوا قبله خلافه .الحادية والعشرون : واختلفوا في الحاكم يأمر بقطع يد السارق اليمنى فتقطع يساره ، فقال قتادة : قد أقيم عليه الحد ولا يزاد عليه ; وبه قال مالك : إذا أخطأ القاطع فقطع شماله ، وبه قال أصحاب الرأي استحسانا ، وقال أبو ثور : على الحزاز الدية لأنه أخطأ وتقطع يمينه إلا أن يمنع بإجماع .
قال ابن المنذر : ليس يخلو قطع يسار السارق من أحد معنيين ; إما أن يكون القاطع عمد ذلك فعليه القود ، أو يكون أخطأ فديته على عاقلة القاطع ; وقطع يمين السارق يجب ، ولا يجوز إزالة ما أوجب الله سبحانه بتعدي معتد أو خطأ مخطئ ، وقال الثوري في الذي يقتص منه في يمينه فيقدم شماله فتقطع ; قال : تقطع يمينه أيضا .
قال ابن المنذر : وهذا [ ص: 122 ] صحيح .
وقالت طائفة : تقطع يمينه إذا برئ ; وذلك أنه هو أتلف يساره ، ولا شيء على القاطع في قول أصحاب الرأي ، وقياس قول الشافعي ، وتقطع يمينه إذا برئت ، وقال قتادة والشعبي : لا شيء على القاطع وحسبه ما قطع منه .الثانية والعشرون : وتعلق يد السارق في عنقه ، قال عبد الله بن محيريز سألت فضالة عن تعليق يد السارق في عنقه أمن السنة هو ؟
فقال : جيء رسول الله صلى الله عليه وسلم بسارق فقطعت يده ، ثم أمر بها فعلقت في عنقه ; أخرجه الترمذي - وقال : حديث حسن غريب - وأبو داود والنسائي .الثالثة والعشرون : إذا وجب حد السرقة فقتل السارق رجلا ; فقال مالك : يقتل ويدخل القطع فيه ، وقال الشافعي : يقطع ويقتل ; لأنهما حقان لمستحقين فوجب أن يوفى لكل واحد منهما حقه ، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى ، وهو اختيار ابن العربي .الرابعة والعشرون : قوله تعالى : أيديهما لما قال أيديهما ولم يقل يديهما تكلم علماء اللسان في ذلك - قال ابن العربي : وتابعهم الفقهاء على ما ذكروه حسن ظن بهم - فقال الخليل بن أحمد والفراء : كل شيء يوجد من خلق الإنسان إذا أضيف إلى اثنين جمع تقول : هشمت رءوسهما وأشبعت بطونهما ، و إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ، ولهذا قال : اقطعوا أيديهما ولم يقل يديهما ، والمراد فاقطعوا يمينا من هذا ويمينا من هذا .
ويجوز في اللغة ; فاقطعوا يديهما وهو الأصل ; وقد قال الشاعر فجمع بين اللغتين :ومهمهين قذفين مرتين ظهراهما مثل ظهور الترسينوقيل : فعل هذا لأنه لا يشكل ، وقال سيبويه : إذا كان مفردا قد يجمع إذا أردت به التثنية ، وحكي عن العرب ; وضعا رحالهما ، ويريد به رحلي راحلتيهما ; قال ابن العربي : وهذا بناء على أن اليمين وحدها هي التي تقطع وليس كذلك ، بل تقطع الأيدي والأرجل ، فيعود قوله أيديهما إلى أربعة وهي جمع في الاثنين ، وهما تثنية فيأتي الكلام على فصاحته ، ولو قال : فاقطعوا أيديهم لكان وجها ; لأن السارق والسارقة لم يرد بهما شخصين خاصة ، وإنما هما اسما جنس يعمان ما لا يحصى .الخامسة والعشرون : قوله تعالى : جزاء بما كسبا مفعول من أجله ، وإن شئت كان مصدرا وكذا نكالا من الله يقال : نكلت به إذا فعلت به ما يوجب أن ينكل به عن ذلك الفعل والله عزيز لا يغالب حكيم فيما يفعله ; وقد تقدم .[ ص: 123 ]
السارق: هو من أخذ مال غيره المحترم خفية، بغير رضاه.
وهو من كبائر الذنوب الموجبة لترتب العقوبة الشنيعة، وهو قطع اليد اليمنى، كما هو في قراءة بعض الصحابة.
وحد اليد عند الإطلاق من الكوع، فإذا سرق قطعت يده من الكوع، وحسمت في زيت لتنسد العروق فيقف الدم، ولكن السنة قيدت عموم هذه الآية من عدة أوجه: منها: الحرز، فإنه لابد أن تكون السرقة من حرز، وحرز كل مال: ما يحفظ به عادة.
فلو سرق من غير حرز فلا قطع عليه.
ومنها: أنه لابد أن يكون المسروق نصابا، وهو ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما يساوي أحدهما، فلو سرق دون ذلك فلا قطع عليه.
ولعل هذا يؤخذ من لفظ السرقة ومعناها، فإن لفظ "السرقة" أخذ الشيء على وجه لا يمكن الاحتراز منه، وذلك أن يكون المال محرزا، فلو كان غير محرز لم يكن ذلك سرقة شرعية.
ومن الحكمة أيضا أن لا تقطع اليد في الشيء النزر التافه، فلما كان لابد من التقدير، كان التقدير الشرعي مخصصا للكتاب.
والحكمة في قطع اليد في السرقة، أن ذلك حفظ للأموال، واحتياط لها، وليقطع العضو الذي صدرت منه الجناية، فإن عاد السارق قطعت رجله اليسرى، فإن عاد، فقيل: تقطع يده اليسرى، ثم رجله اليمنى، وقيل: يحبس حتى يموت.
وقوله: { جَزَاءً بِمَا كَسَبَا } أي: ذلك القطع جزاء للسارق بما سرقه من أموال الناس.
{ نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ } أي: تنكيلا وترهيبا للسارق ولغيره، ليرتدع السراق -إذا علموا- أنهم سيقطعون إذا سرقوا.
{ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أي: عَزَّ وحكم فقطع السارق.
( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) أراد به أيمانهما ، وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .
وحكمه أن من سرق نصابا من المال من حرز لا شبهة له فيه تقطع يده اليمنى من الرسغ ، ولا يجب القطع في سرقة ما دون النصاب عند عامة أهل العلم ، حكي عن ابن الزبير أنه كان يقطع في الشيء القليل ، وعامة العلماء على خلافه .
واختلفوا في القدر الذي يقطع فيه : فذهب أكثرهم إلى أنه لا يقطع في أقل من ربع دينار ، فإن سرق ربع دينار أو متاعا قيمته ربع دينار يقطع ، وهو قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم ، وبه قال عمر بن عبد العزيز والأوزاعي والشافعي رحمهم الله ، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا ابن عيينة عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " القطع في ربع دينار فصاعدا " .
أخبرنا أبو الحسن الشيرزي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع سارقا في مجن ثمنه ثلاثة دراهم .
وروي عن عثمان أنه قطع سارقا في أترجة قومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهما بدينار .
وهذا قول مالك رحمه الله تعالى أنه يقطع في ثلاثة دراهم .
وذهب قوم إلى أنه لا تقطع في أقل من دينار أو عشرة دراهم ، يروى ذلك عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي .
وقال قوم لا يقطع إلا في خمسة دراهم يروى ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه وبه قال ابن أبي ليلى ، أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عمر بن حفص بن غياث أخبرني أبي أنا الأعمش قال : سمعت أبا صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ، ويسرق الحبل فتقطع يده " وقال الأعمش : كانوا يرون أنه بيض الحديد والحبل .
يرون أن منها ما يساوي دراهم .
ويحتج بهذا الحديث من يرى القطع في الشيء القليل ، وهو عند الأكثرين محمول على ما قاله الأعمش لحديث عائشة رضي الله عنها " وإذا سرق شيئا من غير حرز كثمر في حائط لا حارس له أو حيوان في برية لا حافظ له ، أو متاع في بيت منقطع عن البيوت لا قطع عليه " .
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن " .
وروي عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع " .
وإذا سرق مالا له فيه شبهة كالعبد يسرق من مال سيده أو الولد يسرق من مال والده أو الوالد يسرق من مال ولده أو أحد الشريكين يسرق من مال المشترك شيئا : لا قطع عليه .
وإذا سرق السارق أول مرة تقطع يده اليمنى من الكوع ، ثم إذا سرق ثانيا تقطع رجله اليسرى من مفصل القدم .
واختلفوا فيما إذا سرق ثالثا : فذهب أكثرهم إلى أنه تقطع يده اليسرى ، ثم إذا سرق رابعا تقطع رجله اليمنى ، ثم إذا سرق بعده شيئا يعزر ويحبس حتى تظهر توبته ، وهو المروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو قول قتادة ، وبه قال مالك والشافعي لما روي عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " في السارق يسرق إن سرق فاقطعوا يده ، ثم إن سرق فاقطعوا رجله ، ثم إن سرق فاقطعوا يده ، ثم إن سرق فاقطعوا رجله " .
وذهب قوم إلى أنه إن سرق ثالثا بعدما قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى لا يقطع بل يحبس ، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه ، وقال : " إني لأستحي أن لا أدع له يدا يستنجي بها ولا رجلا يمشي بها " وهو قول الشعبي والنخعي ، وبه قال الأوزاعي وأحمد وأصحاب الرأي .
قوله تعالى : ( جزاء بما كسبا ) نصب على الحال والقطع .
ومثله : ( نكالا ) أي : عقوبة ، ( من الله والله عزيز حكيم ) .
«والسارق والسارقة» أل فيهما موصولة مبتدأ ولشبهه بالشرط دخلت الفاء في خبره وهو «فاقطعوا أيديهما» أي يمين كل منهما من الكوع وبينت السنة أن يقطع فيه ربع دينار فصاعدا وأنه إذا عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم ثم اليد اليسرى ثم الرجل اليمنى وبعد ذلك يعزر «جزاء» نصب على المصدر «بما كسبا نكالا» عقوبة لهما «من الله والله عزيز» غالب على أمره «حكيم» في خلفه.
والسارق والسارقة فاقطعوا -يا ولاة الأمر- أيديهما بمقتضى الشرع، مجازاة لهما على أَخْذهما أموال الناس بغير حق، وعقوبةً يمنع الله بها غيرهما أن يصنع مثل صنيعهما.
والله عزيز في ملكه، حكيم في أمره ونهيه.
وبعد أن بين - سبحانه - عقوبة الذين يحاربون الله ورسوله ، ودعا المؤمنين إلى التقرب إليه بالعمل الصالح وبين سوء عاقبة الكافرين .
بعد أن بين كل ذلك أعقبه ببيان عقوبة السرقة فقال - تعالى :( والسارق والسارقة فاقطعوا .
.
.
)قال الجمل ما ملخصه : قوله - تعالى - ( والسارق والسارقة ) .
.
إلخ .
شروع في بيان حكم السرقة الصغرى بعد بيان أحكام الكبرى .وقرأ الجمهور : والسارق بالرفع وفيها وجهان :أحدهما : وهو مذهب سيبويه والمشهور من أقوال البصرين - أن السارق مبتدأ محذوف الخبر .
والتقدير : فيما يتلى عليكم أو فيما فرض عليكم السارق والسارقة .
أي : حكم السارق ، ويكون قوله ( فاقطعوا ) بيانا لذلك الحكم المقدر .
فما بعد الفاء مرتبط بما قبلها ، ولذلك أتى بها فيه لأنه هو المقصود .
ولو لم يؤت بالفاء لتوهم أنه أجنبي ، والكلام على هذا جملتان : الأولى خبرية والثانية أمرية .والثاني : وهو مذهب الأخفش وجماعة كثيرة - أنه مبتدأ - أيضاً - والخبر الجملة الأمرية من قوله ( فاقطعوا ) وإنما دخلت الفاء في الخبر ، لأنه يشبه الشرط إذ الألف واللام فيه موصولة بمعنى الذي والتي والصفة صلتها ، فهي في قوة قولك والذي يسرق والتي تسرق فاقطعوا .والمعنى : ( السارق ) أي : من الرجال ( السارقة ) أي : من النساء ( فاقطعوا ) أيديهما ، أي فاقطعوا يد كل منهما الذكر إذا سرق قطعت يده .
والأنثى إذا سرقت قطعت يدها .والخطاب في قوله : ( فاقطعوا ) لولاة الأمر الذين إليهم يرجع تنفيذ الحدود وجمع - سبحانه - اليد فقال " أيديهما " ولم يقل يديهما بالتثنية ، لأن فصحاء العرب يستثقلون إضافة المثنى إلى ضمير التثنية .وقوله ( جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ الله ) بيان لسبب هذه العقوبة وللحكمة التي من أجلها شرعت .
أي : اقطعوا أيديهما جزاء لهما بسبب فعلهما الخبيث ، وكسبهما السيء ، وخيانتهما القبيحة ، ولكي يكون هذا القطع لأيديهما ( نكالا ) أي : عبرة وزجرا من الله - تعالى - لغيرهما حتى يكف الناس عن ارتكاب هذه الجريمة .يقال : نكل فلان بفلان تنكيلا : أي : صنع به صنيعا يحذر غيره .والاسم النكال وهو ما نكلت به غيرك .
وأصله من النكل - بالكسر - وهو القيد الشديد ، وحديدة اللجام ، لكونهما مانعين وجمعه انكال .وسميت هذه العقوبة نكالا ، لأنها تجعل غير من نزلت به يخاف من ارتكابها حتى لا ينزل به ما نزل بمرتكبها من قطع ليده ، وفضيحة لأمره .وقوله : ( والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) أي : والله - تعالى - غالب على أمره ، حكيم في شرائعه وتكاليفه .قال صاحب المنار ما ملخصه .
وقد كانت العرب بدوها وحضرها تفهم الكثير من وضع اسماء الله - تعالى - في الآيات بحسب المناسبة .ومن ذلك ما نقل الأصمعي أنه قال : كنت أقرأ سورة المائدة ، ومعي أعرابي ، فقرأت هذه الآية فقلت ( الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) سهوا فقال الأعرابي كلام من هذا؟
فقلت : كلام الله .
قال : أعد فأعدت ( الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ثم تنبهت فقلت : ( والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) فقال : الآن أصبت فقلت له .كيف عرفت؟
يا هذا ( عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) فأمر بالقطع ، فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع .فقد فهم الأعرابي الأمي أن مقتضى العزة والحكمة ، غير مقتضى المغفرة والرحمة وأن الله - تعالى - يضع كل اسم موضعه من كتابه .
في اتصال الآية بما قبلها وجهان: الأول: أنه تعالى لما أوجب في الآية المتقدمة قطع الأيد والأرجل عند أخذ المال على سبيل المحاربة، بيّن في هذه الآية أن أخذ المال على سبيل السرقة يوجب قطع الأيدي والأرجل أيضاً، والثاني: أنه لما ذكر تعظيم أمر القتل حيث قال: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً وَمَنْ أحياها فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾ ذكر بعد هذا الجنايات التي تبيح القتل والإيلام، فذكر أولاً: قطع الطريق، وثانياً: أمر السرقة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلف النحويون في الرفع في قوله: ﴿ والسارق والسارقة ﴾ على وجوه: الأول: وهو قول سيبويه والأخفش: أن قوله: ﴿ والسارق والسارقة ﴾ مرفوعان بالابتداء، والخبر محذوف والتقدير: فيما يتلى عليكم السارق والسارقة، أي حكمهما كذا، وكذا القول في قوله: ﴿ والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ﴾ وفي قوله: ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ فَئَاذُوهُمَا ﴾ وقرأ عيسى بن عمر ﴿ والسارق والسارقة ﴾ بالنصب، ومثله ﴿ الزانية والزانى ﴾ والاختيار عند سيبويه النصب في هذا.
قال لأن قول القائل: زيداً فاضربه أحسن من قولك: زيد فاضربه، وأيضاً لا يجوز أن يكون ﴿ فاطعوا ﴾ خبر المبتدأ، لأن خبر المبتدأ لا يدخل عليه الفاء.
والقول الثاني: وهو اختيار الفراء: أن الرفع أولى من النصب، لأن الألف واللام في قوله: ﴿ والسارق والسارقة ﴾ يقومان مقام الذي فصار التقدير: الذي سرق فاقطعوا يده، وعلى هذا التقدير حسن إدخال حرف الفاء على الخبر لأنه صار جزاء، وأيضاً النصب إنما يحسن إذا أردت سارقاً بعينه أو سارقة بعينها، فأما إذا أردت توجيه هذا الجزاء على كل من أتى بهذا الفعل فالرفع أولى، وهذا القول اختاره الزجاج وهو المعتمد.
ومما يدل على أن المراد من الآية الشرط والجزاء وجوه: الأول: أن الله تعالى صرّح بذلك وهو قوله: ﴿ جَزَاء بِمَا كَسَبَا ﴾ وهذا دليل على أن القطع شرع جزاء على فعل السرقة، فوجب أن يعم الجزاء لعموم الشرط، والثاني: أن السرقة جناية، والقطع عقوبة، وربط العقوبة بالجناية مناسب، وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على أن الوصف علة لذلك الحكم، والثالث: أنا لو حملنا الآية على هذا الوجه كانت الآية مفيدة، ولو حملناها على سارق معين صارت مجملة غير مفيدة، فكان الأول أولى.
وأما القول الذي ذهب إليه سيبويه فليس بشيء، ويدل عليه وجوه: الأول: أنه طعن في القرآن المنقول بالتواتر عن الرسول عليه الصلاة والسلام وعن جميع الأمة، وذلك باطل قطعاً، فإن قال لا أقول: إن القراءة بالرفع غير جائزة ولكني أقول: القراءة بالنصب أولى، فنقول: وهذا أيضاً رديء لأن ترجيح القراءة التي لم يقرأ بها عيسى بن عمر على قراءة الرسول وجميع الأمة في عهد الصحابة والتابعين أمر منكر وكلام مردود.
والثاني: أن القراءة بالنصب لو كانت أولى لوجب أن يكون في القراء من قرأ (واللذين يأتيانها منكم) بالنصب، ولما لم يوجد في القراء أحد قرأ كذلك علمنا سقوط هذا القول.
الوجه الثالث: أنا إذا قلنا: ﴿ والسارق والسارقة ﴾ مبتدأ، وخبره هو الذي نضمره، وهو قولنا فيما يتلى عليكم، فحينئذٍ قد تمت هذه الجملة بمتداها وخبرها، فبأي شيء تتعلق الفاء في قوله: ﴿ فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ فإن قال: الفاء تتعلق بالفعل الذي دلّ عليه قوله: ﴿ والسارق والسارقة ﴾ يعني أنه إذا أتى بالسرقة فاقطعوا يديه فنقول: إذا احتجت في آخر الأمر إلى أن تقول: السارق والسارقة تقديره: من سرق، فاذكر هذا أولاً حتى لا تحتاج إلى الإضمار الذي ذكرته.
والرابع: أنا إذا اخترنا القراءة بالنصب لم يدل ذلك على كون السرقة علة لوجوب القطع، وإذا اخترنا القراءة بالرفع أفادت الآية هذا المعنى، ثم هذا المعنى متأكد بقوله: ﴿ جَزَاء بِمَا كَسَبَا ﴾ فثبت أن القراءة بالرفع أولى.
الخامس: أن سيبويه قال: هم يقدمون الأهم فالأهم، والذي هم بشأنه أعنى، فالقراءة بالرفع تقتضي تقديم ذكر كونه سارقاً على ذكر وجوب القطع، وهذا يقتضي أن يكون أكبر العناية مصروفاً إلى شرح ما يتلعق بحال السارق من حيث إنه سارق، وأما القراءة بالنصب فإنها تقتضي أن تكون العناية ببيان القطع أتم من العناية بكونه سارقاً، ومعلوم أنه ليس كذلك، فإن المقصود في هذه الآية بيان تقبيح السرقة والمبالغة في الزجر عنها، فثبت أن القراءة بالرفع هي المتعينة قطعاً والله أعلم.
المسألة الثانية: قال كثير من المفسرين الأصوليين: هذه الآية مجملة من وجوه: أحدها: أن الحكم معلق على السرقة، ومطلق السرقة غير موجب للقطع، بل لابد وأن تكون هذه السرقة سرقة لمقدار مخصوص من المال، وذلك القدر غير مذكور في الآية فكانت مجملة.
وثانيها: أنه تعالى أوجب قطع الأيدي، وليس فيه بيان أن الواجب قطع الأيدي الأيمان والشمائل، وبالاجماع لا يجب قطعهما معاً فكانت الآية مجملة.
وثالثها: أن اليد اسم يتناول الأصابع فقط، ألا ترى أنه لو حلف لا يمس فلاناً بيده فمسه بأصابعه فإنه يحنث في يمينه، فاليد اسم يقع على الأصابع وحدها، ويقع على الأصابع مع الكف، ويقع على الأصابع والكف والسعدين إلى المرفقين، ويقع على كل ذلك إلى المنكبين، وإذا كان لفظ اليد محتملاً لكل هذه الأقسام، والتعيين غير مذكور في هذه الآية فكانت مجملة.
ورابعها: أن قوله: ﴿ فاقطعوا ﴾ خطاب مع قوم، فيحتمل أن يكون هذا التكليف واقعاً على مجموع الأمة، وأن يكون واقعاً على طائفة مخصوصة منهم، وأن يكون واقعاً على شخص معين منهم، وهو إمام الزمان كما يذهب إليه الأكثرون، ولما لم يكن التعيين مذكوراً في الآية كانت الآية مجملة، فثبت بهذه الوجوه أن هذه الآية مجملة على الإطلاق، هذا تقرير هذا المذهب.
وقال قوم من المحققين: الآية ليست مجملة ألبتة، وذلك لأنا بينا أن الألف واللام في قوله: ﴿ والسارق والسارقة ﴾ قائم مقام الذي والفاء في قوله: ﴿ فاقطعوا ﴾ للجزاء، فكان التقدير: الذي سرق فاقطعوا يده، ثم تأكد هذا بقوله تعالى: ﴿ جَزَاء بِمَا كَسَبَا ﴾ وذلك الكسب لابد وأن يكون المراد به ما تقدم ذكره وهو السرقة، فصار هذا دليلاً على أن مناط الحكم ومتعلقه هو ماهية السرقة ومقتضاه أن يعم الجزاء فيما حصل هذا الشرط، اللهم إلا إذا قام دليل منفصل يقتضي تخصيص هذا العام، وأما قوله الأيدي عامة فنقول: مقتضاه قطع الأيدي لكنه لما انعقد الاجماع على أنه لا يجب قطعهما معاً، ولا الاتبداء باليد اليسرى أخرجناه عن العموم.
وأما قوله: لفظ اليد دائر بين أشياء فنقول: لا نسلم، بل اليد اسم لهذا العضو إلى المنكب، ولهذا السبب قال تعالى: ﴿ فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق ﴾ فلولا دخول العضدين في هذا الاسم وإلا لما احتيج إلى التقيد بقوله: ﴿ إِلَى المرافق ﴾ فظاهر الآية يوجب قطع اليدين من المنكبين كما هو قول الخوارج، إلا أنا تركنا ذلك لدليل منفصل.
وأما قوله: رابعا: يحتمل أن يكون الخطاب مع كل واحد، وأن يكون مع واحد معين.
قلنا: ظاهره أنه خطاب مع كل أحد، ترك العمل به فيما صار مخصوصاً بدليل منفصل فيبقى معمولاً به في الباقي.
والحاصل أنا نقول: الآية عامة، فصارت مخصوصة بدلائل منفصلة في بعض الصور فتبقى حجة فيما عداها، ومعلوم أن هذا القول أولى من قول من قال: إنها مجملة فلا تفيد فائدة أصلاً.
المسألة الثالثة: قال جمهور الفقهاء: القطع لا يجب إلا عند شرطين: قدر النصاب، وأن تكون السرقة من الحرز، وقال ابن عباس وابن الزبير والحسن البصري: القدر غير معتبر، فالقطع واجب في سرقة القليل والكثير، والحرز أيضاً غير معتبر، وهو قول داود الأصفهاني، وقول الخوارج، وتمسكوا في المسألة بعموم الآية كما قررناه، فإن قوله: ﴿ والسارق والسارقة ﴾ يتناول السرقة سواء كانت قليلة أو كثيرة وسواء سرقت من الحرز أو من غير الحرز.
إذا ثبت هذا فنقول: لو ذهبنا إلى التخصيص لكان ذلك إما بخبر الواحد، أو بالقياس وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وبالقياس غير جائز، وحجة جمهور الفقهاء أنه لا حاجة بنا إلى القول بالتخصيص، بل نقول: إن لفظ السرقة لفظة عربية، ونحن بالضرورة نعلم أن أهل اللغة لا يقولون لمن أخذ حبة من حنطة الغير، أو تبنة واحدة، أو كسرة صغيرة من خبز: إنه سرق ماله، فعلمنا أن أخذ مال الغير كيفما كان لا يسمى سرقة، وأيضاً السرقة مشتقة من مسارقة عين المالك، وإنما يحتاج إلى مسارقة عين المالك لو كان المسروق أمراً يكون متعلق الرغبة في محل الشح والضنة حتى يرغب السارق في أخذه ويتضايق المسروق منه في دفعه إلى الغير ولهذا الطريق اعتبرنا في وجوب القطع أخذ المال من حرز المثل، لأن ما لا يكون موضوعاً في الحرز لا يحتاج في أخذه إلى مسارقة الأعين فلا يسمى أخذه سرقة.
وقال داود: نحن لا نوجب القطع في سرقة الحبة الواحدة، ولا في سرقة التبنة الواحدة، بل في أقل شيء يجري فيه الشح والضنة، وذلك مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة، فربما استحقر الملك الكبير آلافاً مؤلفة، وربما استعظم الفقير طسوجاً، ولهذا قال الشافعي رحمه الله: لو قال لفلان على مال عظيم، ثم فسر بالحبة يقبل قوله فيه لاحتمال أنه كان عظيماً عنده لغاية فقره وشدة احتياجه إليه، ولما كانت مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة وجب بناء الحكم على أقل ما يسمى مالاً، وليس لقائل أن يستبعد ويقول: كيف يجوز قطع اليد في سرقة الطسوجة الواحدة، لأن الملحدة قد جعلوا هذا طعناً في الشريعة، فقالوا: اليد لما كانت قيمتها خمسمائة دينار من الذهب، فكيف تقطع لأجل القليل من المال؟
ثم إنا أجبنا عن هذا الطعن بأن الشرع إنما قطع يده بسبب أنه تحمل الدناءة والخساسة في سرقة ذلك القدر القليل، فلا يبعد أن يعاقبه الشرع بسبب تلك الدناءة بهذه العقوبة العظيمة، وإذا كان هذا الجواب مقبولاً من الكل فليكن أيضاً مقبولاً منا في إيجاب القطع في القليل والكثير.
قال: ومما يدل على أنه لا يجوز تخصيص عموم القرآن هاهنا بخبر الواحد، وذلك لأن القائلين بتخصيص هذا العموم اختلفوا على وجوه، فقال الشافعي رحمه لله: يجب القطع في ربع دينار، وروي فيه قوله عليه الصلاة والسلام: لا قطع إلا ربع دينار وقال أو حنيفة رحمه الله: لا يجوز القطع إلا في عشرة دراهم مضروبة وروي فيه قوله عليه الصلاة والسلام: «لا قطع إلا في ثمن المجن».
والظاهر أن ثمن المجن لا يكون أقل من عشرة دراهم.
وقال مالك وأحمد وإسحاق: إنه مقدر بثلاثة دراهم أو ربع دينار.
وقال ابن أبي ليلى: مقدر بخمسة دراهم، وكل واحد من هؤلاء المجتهدين يطعن في الخبر الذي يرويه الآخر، وعلى هذا التقدير فهذه المخصصات صارت متعارضة، فوجب أن لا يلتفت إلى شيء منها، ويرجع في معرفة حكم الله تعالى إلى ظاهر القرآن.
قال: وليس لأحد أن يقول: إن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على أنه لا يجب القطع إلا في مقدار معين.
قال: لأن الحسن البصري كان يوجب القطع بمطلق السرقة، وكان يقول: احذر من قطع يدك بدرهم، ولو كان الاجماع منعقداً لما خالف الحسن البصري فيه مع قربه من زمان الصحابة وشدة احتياطه فيما يتعلق بالدين، فهذا تقرير مذهب الحسن البصري وداود الأصفهاني.
وأما الفقهاء فإنهم اتفقوا على أنه لابد في وجوب القطع من القدر، ثم قال الشافعي رحمه الله: القطع في ربع دينار فصاعداً وهو نصاب السرقة، وسائر الأشياء تقوم به.
وقال أبو حنيفة والثوري: لا يجب القطع في أقل من عشرة دارهم مضروبة، ويقوم غيرها بها.
وقال مالك رحمه الله: ربع دينار أو ثلاثة دراهم.
وقال ابن أبي ليلى: خمسة دراهم.
حجة الشافعي رحمه الله أن ظاهر قوله: ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ يوجب القطع في القليل والكثير، إلا أن الفقهاء توافقوا فيما بينهم على أنه لا يجب القطع فيما دون ربع دينار، فوجب أن يبقى في ربع دينار فصاعداً على ظاهر النص، ثم أكد هذا بما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: لا قطع إلا في ربع دينار.
وأما الذي تمسك به أبو حنيفة رحمه الله من قوله عليه الصلاة والسلام: «لا قطع إلا في ثمن المجن» فهو ضعيف لوجهين: الأول: أن ثمن المجن مجهول، فتخصيص عموم القرآن بخبر واحد مجمل مجهول المعنى لا يجوز.
الثاني: أنه إن كان ثمن المجن مقدراً بعشرة دراهم كان التخصيص الحاصل بسببه في عموم قوله تعالى: ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ أكثر من التخصيص الحاصل في عموم هذه الآية بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا قطع إلا في ربع دينار» فكان الترجيح لهذا الجانب.
المسألة الرابعة: قال الشافعي رحمه الله: الرجل إذا سرق أولاً قطعت يده اليمنى، وفي الثانية رجله اليسرى، وفي الثالثة يده اليسرى، وفي الرابعة رجله اليمنى، وقال أبو حنيفة والثوري: لا يقطع في المرة الثالثة والرابعة.
واحتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية من وجهين: الأول: أن السرقة علة لوجوب القطع، وقد وجدت في المرة الثالثة، فوجب القطع في المرة الثالثة أيضاً، إنما قلنا: إن السرقة علة لوجوب القطع لقوله: ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ وقد بيّنا أن المعنى: الذي سرق فاقطعوا يده، وأيضاً الفاء في قوله: ﴿ فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ يدل على أن القطع وجب جزاء على تلك السرقة، فالسرقة علة لوجوب القطع، ولا شك أن السرقة حصلت في المرة الثالثة، فما هو الموجب للقطع حاصل في المرة الثالثة، فلابد وأن يترتب عليه موجبه ولا يجوز أن يكون موجبه هو القطع في المرة الأولى لأن الحكم لا يسبق العلة، وذلك لأن القطع وجب بالسرقة الأولى، فلم يبق إلا أن تكون السرقة في المرة الثالثة توجب قطعاً آخر وهو المطلوب، والثاني: أنه تعالى قال: ﴿ فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ ولفظ الأيدي لفظ جمع، وأقله ثلاثة، والظاهر يقتضي وجوب قطع ثلاثة من الأيدي في السارق والسارقة، ترك العمل به ابتداء فيبقى معمولاً به عند السرقة الثالثة.
فإن قالوا: إن ابن مسعود قرأ فاقطعوا أيمانهما، فكان هذا الحكم مختصاً باليمين لا في مطلق الأيدي، والقراءة الشاذة جارية مجرى خبر الواحد.
قلنا: القراءة الشاذة لا تبطل لقراءة المتواترة، فنحن نتمسك بالقراءة المتواترة في إثبات مذهبنا وأيضاً القراءة الشاذة ليست بحجة عندنا، لأنا نقطع أنها ليست قرآناً، إذ لو كانت قرآناً لكانت متواترة، فإنا لو جوزنا أن لا ينقل شيء من القرآن إلينا على سبيل التواتر انفتح باب طعن الروافض والملاحدة في القرآن، ولعلّه كان في القرآن آيات دالة على إمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه نصاً، وما نقلت إلينا، ولعلّه كان فيه آيات دالة على نسخ أكثر هذه الشرائع وما نقلت إلينا ولما كان ذلك باطلاً بأنه لو كان قرآناً لكان متواتراً، فلما لم يكن متواتراً قطعنا أنه ليس بقرآن، فثبت أن القراءة الشاذة ليست بحجة ألبتة.
المسألة الخامسة: قال الشافعي رحمه الله: أغرم السارق ما سرق.
وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق: لا يجمع بين القطع والغرم، فإن غرم فلا قطع، وإن قطع فلا غرم.
وقال مالك رحمه لله: يقطع بكل حال، وأما الغرم فليزمه إن كان غنياً، ولا يلزمه إن كان فقيراً.
حجة الشافعي رحمه الله أن الآية دلت على أن السرقة توجب القطع، وقوله عليه الصلاة والسلام: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» يوجب الضمان، وقد اجتمع الأمران في هذه السرقة فوجب أن يجب القطع والضمان، فلو ادعى مدع أن الجمع ممتنع كان ذلك معارضة، وعليه الدليل، على أنا نقول: إن حد الله لا يمنع حق العباد، بدليل أنه يجتمع الجزاء والقيمة في الصيد المملوك، وبدليل أنه لو كان المسروق باقياً وجب رده بالإجماع، ويدل عليه أيضاً أن المسروق كان باقياً على ملك المالك إلى وقت قطع يد السارق بالاتفاق، فعند حصول القطع إما أن يحصل الملك فيه مقتصراً على وقت القطع، أو مسنداً إلى أول زمان السرقة، والأول: لا يقول به الخصم، والثاني: يقتضي أن يقال: إنه حدث الملك فيه من وقت القطع في الزمان الذي كان سابقاً على ذلك الوقت، وهذا يقتضي وقوع الفعل في الزمان الماضي.
وهذا محال.
حجة أبي حنيفة رحمه الله أنه تعالى حكم بكون هذا القطع جزاء، والجزاء هو الكافي، فدل ذلك على أن هذا القطع كاف في جناية السرقة، وإذا كان كافياً وجب أن لا يضم الغرم إليه.
والجواب: لو كان الأمر كما قلتم لوجب أن لا يلزم رد المسروق عند كونه قائماً، والله أعلم بالصواب.
المسألة السادسة: قال الشافعي رحمه الله: السيد يملك إقامة الحد على المماليك.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يملك.
حجة الشافعي أن قوله: ﴿ فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ عام في حق الكل، لأن هذا الخطاب ليس فيه ما يدل على كونه مخصوصاً بالبعض دون البعض، ولما عم الكل دخل فيه المولى أيضاً، ترك العمل به في حق غير الإمام والمولى، فوجب أن يبقى معمولاً به في حق الإمام والمولى.
المسألة السابعة: احتج المتكلمون بهذه الآية في أنه يجب على الأمة أن ينصبوا لأنفسهم إماماً معيناً والدليل عليه أنه تعالى أوجب بهذه الآية إقامة الحد على السراق والزناة، فلابد من شخص يكون مخاطباً بهذا الخطاب، وأجمعت الأمة على أنه ليس لآحاد الرعية إقامة الحدود على الجناة، بل أجمعوا على أنه لا يجوز إقامة الحدود على الأحرار الجناة إلا للإمام، فلما كان هذا التكليف تكليفاً جازماً ولا يمكن الخروج عن عهدة هذا التكليف إلا عند وجود الإمام، وما لا يتأتى الواجب إلا به، وكان مقدوراً للمكلف، فهو واجب، فلزم القطع بوجوب نصب الإمام حينئذٍ.
المسألة الثامنة: قال المعتزلة: قوله: ﴿ نكالا مّنَ الله ﴾ يدل على أنه إنما أقيم عليه هذا الحد على سبيل الاستخفاف والإهانة، وإذا كان الأمر كذلك لزم القطع بكونه مستحقاً للاستخفاف والذم والإهانة، ومتى كان لأمر كذلك امتنع أن يقال: إنه بقي مستحقاً للمدح والتعظيم، لأنهما ضدان والجمع بينهما محال، وذلك يدل على أن عقاب الكبير يحبط ثواب الطاعات.
وأعلم أنا قد ذكرنا الدلائل الكثيرة في بطلان القول بالإحباط في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ فلا نعيدها هاهنا.
ثم الجواب عن كلام المعتزلة أنا أجمعنا على أن كون الحد واقعاً على سبيل التنكيل مشروط بعدم التوبة، فبتقدير أن يدل دليل على حصول العفو من الله تعالى لزم القطع بأن إقامة الحد لا تكون أيضاً على سبيل التنكيل، بل تكون على سبيل الامتحان، لكنا ذكرنا الدلائل الكثيرة على العفو.
المسألة التاسعة: قالت المعتزلة: قوله: ﴿ جَزَاء بِمَا كَسَبَا نكالا مّنَ الله ﴾ يدل على تعليل أحكام الله، فإن الباء في قوله: ﴿ بِمَا كَسَبَا ﴾ صريح في أن القطع إنما وجب معللاً بالسرقة.
وجوابه ما ذكرناه في هذه السورة في قوله: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بَنِى إسراءيل أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ .
المسألة العاشرة: قوله: ﴿ جَزَاء بِمَا كَسَبَا ﴾ قال الزجاج: جزاء نصب لأنه مفعول له، والتقدير فاقطعوهم لجزاء فعلهم، وكذلك ﴿ نكالا مّنَ الله ﴾ فإن شئت كانا منصوبين على المصدر الذي دلّ عليه ﴿ فاقطعوا ﴾ والتقدير: جازوهم ونكلوا بهم جزاء بما كسبا نكالاً من الله.
أما قوله: ﴿ والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ ﴾ فالمعنى: عزيز في انتقامه، حكيم في شرائعه وتكاليفه.
قال الأصمعي كنت أقرأ سورة المائدة ومعي أعرابي، فقرأت هذه الآية فقلت ﴿ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ سهواً، فقال الأعرابي: كلام من هذا؟
فقلت كلام الله.
قال أعد، فأعدت: والله غفورٌ رحيم، ثم تنبهت فقلت ﴿ والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ ﴾ فقال: الآن أصبت، فقلت كيف عرفت؟
قال: يا هذا عزيزٌ حكيم فأمر بالقطع فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ والسارق والسارقة ﴾ رفعهما على الابتداء والخبر محذوف عند سيبويه، كأنه قيل: وفيما فرض عليكم السارق والسارقة أي حكمهما.
ووجه آخر وهو أن يرتفعا بالابتداء، والخبر ﴿ فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ ودخول الفاء لتضمنهما معنى الشرط، لأن المعنى: والذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما، والاسم الموصول يضمن معنى الشرط.
وقرأ عيسى بن عمر بالنصب، وفضلها سيبويه على قراءة العامّة لأجل الأمر لأنّ (زيداً فاضربه) أحسن من (زيد فاضربه) ﴿ أَيْدِيَهُمَا ﴾ يديهما، ونحوه: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ [التحريم: 4] اكتفى بتثنية المضاف إليه عن تثنية المضاف.
وأريد باليدين اليمينان، بدليل قراءة عبد الله: ﴿ والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم ﴾ ، والسارق في الشريعة: من سرق من الحرز: والمقطع.
الرسغ.
وعند الخوارج: المنكب.
والمقدار الذي يجب به القطع عشرة دراهم عند أبي حنيفة، وعند مالك والشافعي رحمهما الله ربع دينار.
وعن الحسن درهم وفي مواعظه: احذر من قطع يدك في درهم ﴿ جَزَاء ﴾ و ﴿ نكالا ﴾ مفعول لهما ﴿ فَمَن تَابَ ﴾ من السرّاق ﴿ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ ﴾ من بعد سرقته ﴿ وَأَصْلَحَ ﴾ أمره بالتفصي عن التبعات ﴿ فَإِنَّ الله يَتُوبُ عَلَيْهِ ﴾ ويسقط عنه عقاب الآخرة.
وأمّا القطع فلا تسقطه التوبة عند أبي حنيفة وأصحابه وعند الشافعي في أحد قوليه تسقطه (مَن يَشَآءُ) من يجب في الحكمة تعذيبه والمغفرة له من المصرين والتائبين.
وقيل: يسقط حدّ الحربي إذا سرق بالتوبة، ليكون أدعى له إلى الإسلام وأبعد من التنفير عنه، ولا يسقطه عن المسلم: لأنّ في إقامته الصلاح للمؤمنين والحياة ﴿ وَلَكُمْ فِي القصاص حياة ﴾ [البقرة: 179] .
فإن قلت: لم قدّم التعذيب على المغفرة؟
قلت: لأنه قوبل بذلك تقدم السرقة على التوبة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما ﴾ جُمْلَتانِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ إذِ التَّقْدِيرُ فِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ السّارِقُ والسّارِقَةُ أيْ حُكْمُهُما، وجُمْلَةٌ عِنْدَ المُبَرِّدِ والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ دَخَلَ الخَبَرُ لِتَضَمُّنِهِما مَعْنى الشَّرْطِ إذِ المَعْنى: والَّذِي سَرَقَ والَّتِي سَرَقَتْ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ وهو المُخْتارُ في أمْثالِهِ لِأنَّ الإنْشاءَ لا يَقَعُ خَبَرًا إلّا بِإضْمارٍ وتَأْوِيلٍ.
والسَّرِقَةُ: أخْذُ مالِ الغَيْرِ في خُفْيَةٍ، وإنَّما تُوجِبُ القِطْعَ إذا كانَتْ مِن حِرْزٍ والمَأْخُوذُ رُبُعَ دِينارٍ أوْ ما يُساوِيهِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «القَطْعُ في رُبُعِ دِينارٍ فَصاعِدًا».» وَلِلْعُلَماءِ خِلافٌ في ذَلِكَ لِأحادِيثَ ورَدَتْ فِيهِ وقَدِ اسْتَقْصَيْتُ الكَلامَ فِيهِ في شَرْحِ المَصابِيحِ، والمُرادُ بِالأيْدِي الإيمانُ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أيْمانُهُما، ولِذَلِكَ ساغَ وضْعُ الجَمْعِ مَوْضِعَ المُثَنّى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ اكْتِفاءً بِتَثْنِيَةِ المُضافِ إلَيْهِ، واليَدُ اسْمٌ لِتَمامِ العُضْوِ ولِذَلِكَ ذَهَبَ الخَوارِجُ إلى أنَّ المَقْطَعَ هو المَنكِبُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ الرُّسْغُ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أُتِيَ بِسارِقٍ فَأمَرَ بِقَطْعِ يَمِينِهِ مِنهُ.» ﴿ جَزاءً بِما كَسَبا نَكالا مِنَ اللَّهِ ﴾ مَنصُوبانِ عَلى المَفْعُولِ لَهُ أوِ المَصْدَرِ ودَلَّ عَلى فِعْلِهِما فاقْطَعُوا ﴿ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ فَمَن تابَ ﴾ مِنَ السِّراقِ.
﴿ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ ﴾ أيْ بَعْدِ سَرِقَتِهِ.
﴿ وَأصْلَحَ ﴾ أمَرَهُ بِالتَّقَصِّي عَنِ التَّبِعاتِ والعَزْمِ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلَيْها.
﴿ فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ فَلا يُعَذِّبُهُ في الآخِرَةِ.
وأمّا القَطْعُ فَلا يَسْقُطُ بِها عِنْدَ الأكْثَرِينَ لِأنَّ فِيهِ حَقَّ المَسْرُوقِ مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
{والسارق والسارقة} ارتفعا بالابتداء والخبر محذوف تقديره وفيما يتلى عليكم السارق والسارقة أو الخبر {فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا} أي يديهما والمراد اليمينان بدليل قراءة عبد الله بن مسعود ودخول الفاء لتضمنهما معنى الشرط لأن المعنى والذي سرق والتى سرقت
المائدة (٣٨ _ ٤١)
فاقطعوا أيديهما والاسم الموصول يضمن معنى الشرط وبدأ بالرجل لأن السرقة من الجراءة وهي في الرجال أكثر وأخر الزاني لأن الزنا ينبعث من الشهوة وهي في النساء أوفر وقطعت اليد لأنها آلة السرقة ولم تقطع آلة الزنا تفادياً
عن قطع النسل {جَزَاء بِمَا كَسَبَا} مفعول له {نكالا مّنَ الله} أي عقوبة منه وهو بدل من جزاء {الله عَزِيزٌ} غالب لا يعارض في حكمه {حَكِيمٌ} فيما حكم من قطع يد السارق والسارقة
﴿ والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حُكْمِ السَّرِقَةِ الصُّغْرى، بَعْدَ بَيانِ أحْكامِ الكُبْرى، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ اقْتِضاءِ الحالِ لِإيرادِ ما تَوَسَّطَ بَيْنَهُما مِنَ المَقالِ، والكَلامُ جُمْلَتانِ - عِنْدَ سِيبَوَيْهِ - إذِ التَّقْدِيرُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ - السّارِقُ والسّارِقَةُ - أيْ حُكْمُهُما، وجُمْلَةٌ عِنْدَ المُبَرِّدِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِالنَّصْبِ، وفَضَّلَها سِيبَوَيْهِ عَلى قِراءَةِ العامَّةِ لِأجْلِ الأمْرِ؛ لِأنَّ ( زَيْدًا فَأضْرِبُهُ ) أحْسَنُ مِن ( زَيْدٌ فَأضْرِبُهُ )، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ واتَّبَعَهُ مَنِ تَبِعَهُ، ومِنهُمُ ابْنُ الحاجِبِ.
وتَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ أحْمَدُ في الِانْتِصافِ بِكَلامٍ كُلُّهُ مَحاسِنُ، فَلا بَأْسَ في نَقْلِهِ بِرُمَّتِهِ فَنَقُولُ: قالَ فِيهِ: المُسْتَقْرَأُ مِن وُجُوهِ القِراءاتِ أنَّ العامَّةَ لا تَتَّفِقُ فِيها أبَدًا عَلى العُدُولِ عَنِ الأفْصَحِ، وجَدِيرٌ بِالقُرْآنِ أنْ يُحْرِزَ أفْصَحَ الوُجُوهِ، وأنْ لا يَخْلُوَ مِنَ الأفْصَحِ ويَشْتَمِلَ عَلَيْهِ كَلامُ العَرَبِ الَّذِي لَمْ يَصِلْ أحَدٌ مِنهم إلى ذُرْوَةِ فَصاحَتِهِ، ولَمْ يَتَعَلَّقْ بِأهْدابِها، وسِيبَوَيْهِ يُحاشِي مِنِ اعْتِقادِ عَراءِ القُرْآنِ عَنِ الأفْصَحِ واشْتِمالِ الشّاذِّ - الَّذِي لا يُعَدُّ مِنَ القُرْآنِ عَلَيْهِ - ونَحْنُ نُورِدُ الفَصْلَ مِن كَلامِ سِيبَوَيْهِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ لِيَتَّضِحَ لِسامِعِهِ بَراءَةُ سِيبَوَيْهِ مِن عُهْدَةِ هَذا النَّقْلِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ في تَرْجَمَةِ بابِ الأمْرِ والنَّهْيِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ المَواضِعَ الَّتِي يُخْتارُ فِيها النَّصْبُ ولَخَّصَها: إنَّهُ مَتى بُنِيَ الِاسْمُ عَلى فِعْلِ الأمْرِ فَذاكَ مَوْضِعُ اخْتِيارِ النَّصْبِ، ثُمَّ قالَ - كالمُوَضِّحِ لِامْتِيازِ هَذِهِ الآيَةِ عَمّا اخْتارَ فِيهِ النَّصْبَ -: وأمّا قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ( ﴿ والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما ﴾ ) وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿ الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا ﴾ ) فَإنَّ هَذا لَمْ يُبْنَ عَلى الفِعْلِ، ولَكِنَّهُ جاءَ عَلى مِثالِ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ( ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ﴾ ) ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدُ: ( فِيها أنْهارٌ ) مِنها كَذا، يُرِيدُ سِيبَوَيْهِ تَمْيِيزَ هَذِهِ الآيَ عَنِ المَواضِعِ الَّتِي بَيَّنَ اخْتِيارَ النَّصْبِ فِيها، ووَجْهُ التَّمْيِيزِ أنَّ الكَلامَ حَيْثُ يُخْتارُ النَّصْبُ يَكُونُ الِاسْمُ فِيهِ مَبْنِيًّا عَلى الفِعْلِ، وأمّا في هَذِهِ الآيِ فَلَيْسَ بِمَبْنِيٍّ عَلَيْهِ، فَلا يَلْزَمُ فِيهِ اخْتِيارُ النَّصْبِ، ثُمَّ قالَ: وإنَّما وُضِعَ المَثَلُ لِلْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْدَهُ، فَذَكَرَ أخْبارًا وقَصَصًا، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنَ القَصَصِ ( مَثَلُ الجَنَّةِ ) فَهو مَحْمُولٌ عَلى هَذا الإضْمارِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وكَذَلِكَ ﴿ الزّانِيَةُ والزّانِي ﴾ لَمّا قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿ سُورَةٌ أنْزَلْناها وفَرَضْناها ﴾ قالَ جَلَّ وعَلا في جُمْلَةِ الفَرائِضِ: ﴿ الزّانِيَةُ والزّانِي ﴾ ثُمَّ جاءَ ﴿ فاجْلِدُوا ﴾ بَعْدَ أنْ مَضى فِيهِما الرَّفْعُ، يُرِيدُ سِيبَوَيْهِ: لَمْ يَكُنِ الِاسْمُ مَبْنِيًّا عَلى الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدُ، بَلْ بُنِيَ عَلى مَحْذُوفٍ مُتَقَدِّمٍ، وجاءَ الفِعْلُ طارِئًا، ثُمَّ قالَ: كَما جاءَ: وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ فَجاءَ بِالفِعْلِ بَعْدَ أنْ عَمِلَ فِيهِ المُضْمَرُ، وكَذَلِكَ ( والسّارِقُ والسّارِقَةُ ) فِيما فُرِضَ عَلَيْكُمُ ( السّارِقُ والسّارِقَةُ ) وإنَّما دَخَلَتْ هَذِهِ الأسْماءُ بَعْدَ قَصَصٍ وأحادِيثَ، وقَدْ قَرَأ أُناسٌ: ( السّارِقَ والسّارِقَةَ ) بِالنَّصْبِ، وهو في العَرَبِيَّةِ عَلى ما ذَكَرْتُ لَكَ مِنَ القُوَّةِ، ولَكِنْ أبَتِ العامَّةُ إلّا الرَّفْعَ، يُرِيدُ إنَّ قِراءَةَ النَّصْبِ جاءَ الِاسْمُ فِيها مَبْنِيًّا عَلى الفِعْلِ غَيْرَ مُعْتَمِدٍ عَلى مُتَقَدِّمٍ، فَكانَ النَّصْبُ قَوِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّفْعِ، حَيْثُ يُبْنى الِاسْمُ عَلى الفِعْلِ لا عَلى مُتَقَدِّمٍ، ولَيْسَ يَعْنِي أنَّهُ قَوِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّفْعِ، حَيْثُ يَعْتَمِدُ الِاسْمُ عَلى المَحْذُوفِ المُتَقَدِّمِ، فَإنَّهُ قَدْ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنِ البابِ الَّذِي يُخْتارُ فِيهِ النَّصْبُ، فَكَيْفَ يُفْهَمُ عَنْهُ تَرْجِيحُهُ عَلَيْهِ؟!
والبابُ مَعَ القَرائِنِ مُخْتَلَفٌ، وإنَّما يَقَعُ التَّرْجِيحُ بَعْدَ التَّساوِي في البابِ، فالنَّصْبُ أرْجَحُ مِنَ الرَّفْعِ، حَيْثُ يُبْنى الِاسْمُ عَلى الفِعْلِ، والرَّفْعُ مُتَعَيَّنٌ، لا أقُولُ أرْجَحُ، حَيْثُ يُبْنى الِاسْمُ عَلى كَلامٍ مُتَقَدِّمٍ، وإنَّما التَبَسَ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ كَلامُ سِيبَوَيْهِ، مِن حَيْثُ اعْتَقَدَ أنَّهُ بابٌ واحِدٌ عِنْدَهُ، ألا تُرى إلى قَوْلِهِ: لِأنَّ ( زَيْدًا فَأضْرِبُهُ ) أحْسَنُ مِن ( زَيْدٌ فَأضْرِبُهُ ) كَيْفَ رَجَّحَ النَّصْبَ عَلى الرَّفْعِ، حَيْثُ يُبْنى الكَلامُ في الوَجْهَيْنِ عَلى الفِعْلِ.
وقَدْ صَرَّحَ سِيبَوَيْهِ بِأنَّ الكَلامَ في الآيَةِ - مَعَ الرَّفْعِ - مَبْنِيٌّ عَلى كَلامٍ مُتَقَدِّمٍ، ثُمَّ حَقَّقَ هَذا المُقَدَّرَ بِأنَّ الكَلامَ واقِعٌ بَعْدِ قَصَصٍ وأخْبارٍ، ولَوْ كانَ كَما ظَنَّهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَمْ يَحْتَجْ سِيبَوَيْهِ إلى تَقْدِيرٍ، بَلْ كانَ يَرْفَعُهُ عَلى الِابْتِداءِ، ويَجْعَلُ الأمْرَ خَبَرَهُ، كَما أعْرَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فالمُلَخَّصُ عَلى هَذا أنَّ النَّصْبَ عَلى وجْهٍ واحِدٍ، وهو بِناءُ الِاسْمِ عَلى فِعْلِ الأمْرِ، والرَّفْعَ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما ضَعِيفٌ وهو الِابْتِداءُ وبَناءُ الكَلامِ عَلى الفِعْلِ، والآخَرُ قَوِيٌّ بالِغٌ كَوَجْهِ النَّصْبِ وهو رَفْعُهُ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ، دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، وإذا تَعارَضَ لَنا وجْهانِ في الرَّفْعِ أحَدُهُما قَوِيٌّ والآخَرُ ضَعِيفٌ تَعَيَّنَ حَمْلُ القِراءَةِ عَلى القَوِيِّ، كَما أعْرَبَهُ سِيبَوَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ورَضِيَ عَنْهُ - انْتَهى.
والفاءُ إذا بُنِيَ الكَلامُ عَلى جُمْلَتَيْنِ سَبَبِيَّةٌ لا عاطِفَةٌ، وقِيلَ: زائِدَةٌ، وكَذا عَلى الوَجْهِ الضَّعِيفِ، فَإنَّ المُبْتَدَأ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ، إذِ المَعْنى: والَّذِي سَرَقَ والَّتِي سَرَقَتْ.
وزَعَمَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّرْكِيبِ لا يَتَوَجَّهُ إلّا بِأحَدِ أمْرَيْنِ: زِيادَةُ الفاءِ، كَما نُقِلَ عَنِ الأخْفَشِ، أوْ تَقْدِيرُ ( أمّا )؛ لِأنَّ دُخُولَ الفاءِ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ إمّا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ، وإمّا لِوُقُوعِ المُبْتَدَأِ بَعْدَ ( أمّا ) ولَمّا لَمْ يَكُنِ الأوَّلُ وجَبَ الثّانِي، ولا يَخْفى ما فِيهِ.
وعَلى قِراءَةِ عِيسى بْنِ عُمَرَ يَكُونُ النَّصْبُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، والفاءُ أيْضًا - كَما قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ - لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ، ولِذا حَسُنَتْ مَعَ الأمْرِ؛ لِأنَّهُ بِمَعْناهُ، ألا تَراهُ جُزِمَ جَوابُهُ لِذَلِكَ، إذْ مَعْنى ( أسْلِمْ تَدْخُلِ الجَنَّةَ ) ( إنْ تُسْلِمْ تَدَخُلِ الجَنَّةَ ).
والمُرادُ - كَما يُشِيرُ إلَيْهِ بَعْضُ شُرُوحِ الكَشّافِ -: إنْ أرَدْتُمْ حُكْمَ السّارِقِ والسّارِقَةِ فاقْطَعُوا إلَخْ، ولِذا لَمْ يَجُزْ ( زَيْدًا فَضَرَبْتُهُ ) لِأنَّ الفاءَ لا تَدْخُلُ في جَوابِ الشَّرْطِ إذا كانَ ماضِيًا، وتَقْدِيرُهُ: ( إنْ أرَدْتُمْ مَعْرِفَةَ ) إلَخْ، أحْسَنُ مِن تَقْدِيرِهِ: ( إنْ قَطَعْتُمْ ) لِأنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ المُرادِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ الفاءَ في جَوابِ أمْرٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: تَنَبَّهْ لِحُكْمِهِما ( فاقْطَعُوا )، وقِيلَ: إنَّما دَخَلَتِ الفاءُ؛ لِأنَّ حَقَّ المُفَسِّرِ أنْ يُذْكَرَ عَقِبَ المُفَسَّرِ كالتَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
وبِما ذَكَرَ صاحِبُ الِانْتِصافِ يُعْلَمُ فَسادُ ما قِيلَ: إنَّ سَبَبَ الخِلافِ السّابِقِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلَ يَشْتَرِطانِ في دُخُولِ الفاءِ الخَبَرَ كَوْنَ المُبْتَدَأِ مَوْصُولًا بِما يَقْبَلُ مُباشَرَةَ أداةِ الشَّرْطِ، وغَيْرُهُما لا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ سَبَبَ هَذا عَدَمُ الوُقُوفِ عَلى المَقْصُودِ، فَلْيُحْفَظْ.
والسَّرِقَةُ أخْذُ مالِ الغَيْرِ خُفْيَةً، وإنَّما تُوجِبُ القَطْعَ إذا كانَ الأخْذُ مِن حِرْزٍ، والمَأْخُوذُ يُساوِي عَشَرَةَ دَراهِمَ فَما فَوْقَها، مَعَ شُرُوطٍ تَكَفَّلَتْ بِبَيانِها الفُرُوعُ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ والأوْزاعِيِّ وأبِي ثَوْرٍ والإمامِيَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - أنَّ القَطْعَ فِيما يُساوِي رُبُعُ دِينارِ فَصاعِدًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا تُقْطَعُ الخَمْسُ إلّا بِخَمْسَةِ دَراهِمَ، واخْتارَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ، قِيلَ: يَجِبُ القَطْعُ في القَلِيلِ والكَثِيرِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الخَوارِجُ، والمُرادُ بِالأيْدِي الأيْمانُ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وعامَّةِ التّابِعِينَ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ( أيْمانَهُما ) ولِذَلِكَ ساغَ وضْعُ الجَمْعِ مَوْضِعَ المُثَنّى، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ اكْتِفاءً بِتَثْنِيَةِ المُضافِ إلَيْهِ، كَذا قالُوا.
قالَ الزَّجّاجُ: وحَقِيقَةُ هَذا البابِ أنَّ ما كانَ في الشَّيْءِ مِنهُ واحِدٌ لَمْ يُثَنَّ، ولَفْظُ ( بِهِ ) عَلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ تُبَيِّنُهُ، فَإذا قُلْتَ: أشْبَعْتُ بُطُونَهُما، عُلِمَ أنَّ لِلِاثْنَيْنِ بَطْنَيْنِ فَقَطْ.
وفَرَّعَ الطِّيبِيُّ عَلَيْهِ عَدَمَ اسْتِقامَةِ تَشْبِيهِ ما في الآيَةِ هُنا بِما في الآيَةِ الأُخْرى؛ لِأنَّ لِكُلٍّ مِنَ السّارِقِ يَدَيْنِ فَيَجُوزُ الجَمْعُ، وأنْ تُقْطَعَ الأيْدِي كُلُّها مِن حَيْثُ ظاهِرُ اللُّغَةِ، وكَذا قالَ أبُو حَيّانَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ قَدْ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ اليَدِ يَدٌ مَخْصُوصَةٌ، وهي اليَمِينُ، فَجَرَتْ مَجْرى القَلْبِ والظَّهْرِ، واليَدُ اسْمٌ لِتَمامِ العُضْوِ، ولِذَلِكَ ذَهَبَ الخَوارِجُ إلى أنَّ المَقْطَعَ هو المَنكِبُ، والإمامِيَّةُ عَلى أنَّهُ يُقْطَعُ مِن أُصُولِ الأصابِعِ، ويُتْرَكُ لَهُ الإبْهامُ والكَفُّ، ورْوَرَهُ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ﴾ إذْ لا شَكَّ في أنَّهم إنَّما يَكْتُبُونَهُ بِالأصابِعِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا لا يَتِمُّ بِهِ الِاسْتِدْلالُ عَلى ذَلِكَ المُدَّعى، وحالُ رِوايَتِهِمْ أظْهَرُ مِن أنْ تُخْفى، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المَقْطَعَ هو الرُّسْغُ.
فَقَدْ أخْرَجَ البَغَوِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ مِن حَدِيثِ الحارِثِ بْنِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: ««أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُتِيَ بِسارِقٍ فَأمَرَ بِقَطْعِ يَمِينِهِ مِنهُ»».
والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( فاقْطَعُوا ) عَلى ما في البَحْرِ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أوْ وُلاةُ الأُمُورِ كالسُّلْطانِ، ومَن أُذِنَ لَهُ في إقامَةِ الحُدُودِ، أوِ القُضاةُ والحُكّامُ، أوِ المُؤْمِنُونَ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ، ولَمْ تُدْرَجِ السّارِقَةُ في السّارِقِ تَغْلِيبًا - كَما هو المَعْرُوفُ في أمْثالِهِ - لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِالبَيانِ، والمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ.
﴿ جَزاءً ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ فاقْطَعُوا لِلْجَزاءِ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِـ( اقْطَعُوا ) مِن مَعْناهُ، أوْ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِن لَفْظِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ( اقْطَعُوا ) مُجازِينَ لَهُما ﴿ بِما كَسَبا ﴾ بِسَبَبِ كَسْبِهِما، أوْ ما كَسَباهُ مِنَ السَّرِقَةِ الَّتِي تُباشَرُ بِالأيْدِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَكالا ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ أيْضًا، كَما قالَ أكْثَرُ المُعْرِبِينَ، وقالَ السَّمِينُ: مَنصُوبٌ كَما نُصِبَ ( جَزاءً ) واعْتُرِضَ الوَجْهُ الأوَّلُ بِأنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ المَفْعُولَ لَهُ لا يَتَعَدَّدُ بِدُونِ عَطْفٍ وإتْباعٍ؛ لِأنَّهُ عَلى مَعْنى اللّامُ، فَيَكُونُ كَتَعَلُّقِ حَرْفَيْ جَرٍّ بِمَعْنًى بِعامِلٍ واحِدٍ وهو مَمْنُوعٌ، ودُفِعَ بِأنَّ النَّكالَ نَوْعٌ مِنَ الجَزاءِ، فَهو بَدَلٌ مِنهُ، وقالَ الحَلَبِيُّ وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ إنَّما تُرِكَ العَطْفُ؛ إشْعارًا بِأنَّ القَطْعَ لِلْجَزاءِ، والجَزاءَ لِلنَّكالِ والمَنعِ عَنِ المُعاوَدَةِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ مَفْعُولًا لَهُ مُتَداخِلًا كالحالِ المُتَداخِلَةِ، وبِهِ أيْضًا يَنْدَفِعُ الِاعْتِراضُ، وهو حَسَنٌ.
وقالَ عِصامُ المِلَّةِ: إنَّما لَمْ يُعْطَفْ؛ لِأنَّ العِلَّةَ مَجْمُوعُهُما كَما في ( هَذا حُلْوٌ حامِضٌ ) والجَزاءُ إشارَةٌ إلى أنَّ فِيهِ حَقَّ العَبْدِ، والنَّكالُ إشارَةٌ إلى أنَّ فِيهِ حَقَّ اللَّهِ تَعالى، ولا يَخْفى ما فِيهِ، فَتَأمَّلْ.
ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ النُّحاةِ أنَّهُ أجازَ تَعَدُّدَ المَفْعُولِ لَهُ بِلا إتْباعٍ، وحِينَئِذٍ لا يَرِدُ السُّؤالُ رَأْسًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ( مِنَ اللَّهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ( نَكالًا ) أيْ نَكالًا كائِنًا مِنهُ تَعالى.
﴿ واللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ في شَرْعِ الرَّدْعِ ﴿ حَكِيمٌ ﴾ في إيجابِ القَطْعِ، أوْ عَزِيزٌ في انْتِقامِهِ مِنَ السّارِقِ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ المَعاصِي، حَكِيمٌ في فَرائِضِهِ وحُدُودِهِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
ومِنَ الغَرِيبِ أنَّهُ نُقِلَ عَنْ أُبَيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قَرَأ: ( والسَّرَّقُ والسَّرَّقَةُ ) بِتَرْكِ الألْفِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ، فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ تَصْحِيفٌ؛ لِأنَّ السّارِقَ والسّارِقَةَ قَدْ كُتِبا في المُصْحَفِ بِدُونِ الألِفِ، وقِيلَ في تَوْجِيهِهِما أنَّهُما جَمْعُ سارِقٍ وسارِقَةٍ، لَكِنْ قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُنْقُلْ هَذا الجَمْعُ في جَمْعِ المُؤَنَّثِ، فَلَوْ قِيلَ: إنَّهُما صِيغَةُ مُبالَغَةٍ لَكانَ أقْرَبَ.
واعْتَرَضَ المُلْحِدُ المِعَرِّي عَلى وُجُوبِ قَطْعِ اليَدِ بِسَرِقَةِ القَلِيلِ فَقالَ: يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ما بالُها قُطِعَتْ في رُبُعِ دِينارٍ تَحَكُّمٌ ما لَنا إلّا السُّكُوتُ لَهُ ∗∗∗ وأنْ نَعُوذَ بِمَوْلانا مِنَ النّارِ فَأجابَهُ - ولِلَّهِ دُرُّهُ - عَلَمُ الدِّينِ السَّخاوِيُّ بِقَوْلِهِ: عِزُّ الأمانَةِ أغْلاها وأرْخَصُها ∗∗∗ ذُلُّ الخِيانَةِ فافْهَمْ حِكْمَةَ البارِي وفِي الأحْكامِ لِابْنِ عَرَبِيٍّ أنَّهُ كانَ جَزاءُ السّارِقِ في شَرْعِ مَن قَبْلَنا اسْتِرْقاقُهُ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ إلى زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ونُسِخَ، فَعَلى الأوَّلِ شَرْعُنا ناسِخٌ لِما قَبْلَهُ، وعَلى الثّانِي مُؤَكِّدٌ لِلنَّسْخِ.
<div class="verse-tafsir"
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ بدأ بالرجل لأن السرقة في الرجال أكثر، وقال في الزنى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي بدأ بالنساء، لأن الزنى في النساء أكثر، وهنَّ الفاتنات للرجال فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما.
روي عن عبد الله بن مسعود- - أنه كان يقرأ: «فاقطعوا أيمانيهما» وغيره قرأ أيديهما، واتفقوا أن المراد به اليمين من الكرسوع، نزلت الآية في «طعْمَة بن أبَيْرق» ، ثم صارت الآية عامة في جميع السُّرَّاق.
وقال بعضهم: إذا سرق قليلاً أو كثيراً يجب القطع، واحتج لظاهر الآية.
روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبيّ أنه قال: «لَعَنَ الله السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» .
وروي عن ابن الزبير أنه قطع في نعل ثمنه درهم.
وقال: لو سرق خيطاً لقطعته، وقال بعضهم: لا يقطع في أقل من ثلاثة دراهم، أو اربع دينار فصاعداً.
والاختيار عند علمائنا رحمهم الله أن اليد لا تقطع في أقلَّ من عشرة دراهم، وبه جاءت الآثار عن النبي ، وعن الصحابة م.
قرأ بعضهم: السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ بالنصب، وكذلك قوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي بالنصب، وإنما جعله نصباً لوقوع الفعل عليه، وهو شاذ من القراءة والقراءة المعروفة بالرفع.
وروي عن محمد بن يزيد المبرد أنه قال: رفعه بالابتداء، لأن القصد ليس إلى واحد من السراق بعينه والزناة بعينه، إنما هو كقولك من سرق فاقطعوا يده، ومن زنى فاجلدوه، ثم قال: جَزاءً بِما كَسَبا يعني عقوبة لهما بما سرقا، نَكالًا يعني: عقوبة، مِنَ اللَّهِ جزاء صار نصباً لأنه مفعول له يعني: جزاء بجزاء فعلهما، ثم قال: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حكم على السارق بقطع اليد، ثم قال عز وجل: فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ يعني: من بعد سرقته، وَأَصْلَحَ العمل بعد السرقة فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ يعني: يتجاوز عنه، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما سلف من ذنبه، رَحِيمٌ به بعد التوبة، يعني: إذا تاب ورد المال لا تقطع يده.
ثم قال عز وجل: <div class="verse-tafsir"
وعْظٌ من اللَّه تعالى بعقب ذكر العقوبات النازلة بالمحاربين، وهذا من أبلغ الوعْظ لأنه يرد على النفوس، وهي خائفةٌ وجِلَةٌ وَابْتَغُوا: معناه: اطلبوا، والْوَسِيلَةَ: القربة، وأما الوسيلة المطلوبة لنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فهي أيضاً من هذا لأن الدعاء له بالوسيلةِ والفضيلةِ إنما هو أنْ يُؤْتَاهُما في الدنيا، ويتَّصف بهما، ويكونُ ثمرةُ ذلك في الآخرةِ التشفيعَ في المَقَامِ المحمودِ، قلْتُ: وفي كلامه هذا ما لا يخفى، وقد فسر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الوسيلةَ التي كان يَرْجُوها من ربه، «وأَنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الجَنَّةِ لاَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ ...
» «١» الحديث، وخص سبحانه الجهادَ بالذكْر، وإن كان داخلاً في معنى الوسيلة تشريفاً له إذ هو قاعدةُ الإسلام.
وقوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ: إخبار بأنهم يتمنَّوْنَ هذا، وقال الحسنُ بْنُ أبي الحسن: إذا فَارَتْ بهم النارُ، قَرُبُوا من حاشيتها، فحينئِذٍ يريدونَ الخُرُوجَ، ويطمعون به «٢» ، وتأوَّل هو وغيره الآية على هذا قلْتُ: ويؤيِّده ما خرّجه البخاريّ في رؤية النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «حَيْثُ أَتَاهُ آتيَانِ، فَأَخَذَا بِيَدِهِ» ، وفيه: «فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهْرِ، فَإذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، رمى الرجل بِحَجَرٍ فِي فِيهِ» ، وفيه أيضاً: «فَانْطَلَقْنَا إلى ثُقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ أَعْلاَهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ تَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارٌ، فَإذَا اقترب، ارتفعوا، فَإذَا خَمَدَتْ، رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟
فَقَالاَ: انطلق ...
» «٣» الحديث، وأخبر سبحانه عن هؤلاءِ الكفَّار أنهم ليسوا بخارجين من النار، بل عذابهم فيها مقيم مؤبّد.
وقوله سبحانه: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ...
الآيةَ: قلت «٤» :
المسروق: مال أو غيره.
فشرط المال: أنْ يكون نصاباً، بعد خروجه، مملوكاً لغير السارقِ، ملكاً محترماً، تامًّا، لا شُبهة «١» له فيه، مُحْرَزاً، مُخْرَجاً منه إلى ما ليس ...
بحرز «١» له، استسرارا.
فالنصاب: ربعُ دينارٍ أو ثلاثةُ دراهم، أو ما يساوي ثلاثة «١» دراهم، وقوله:
..
أَيْدِيَهُما يعني: أَيْمانَ النوعَيْن «١» ، والنَّكَال: العذابُ، والنِّكْل: القيد.
وقوله سبحانه: فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ...
الآية:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: نَزَلَتْ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وقَدْ مَضَتْ قِصَّتُهُ في سُورَةِ (النِّساءِ) .
و "السّارِقُ": إنَّما سُمِّيَ سارِقًا، لِأنَّهُ يَأْخُذُ الشَّيْءَ في خَفاءٍ، واسْتَرَقَ السَّمْعَ: إذا تَسَمَّعَ مُسْتَخْفِيًا.
قالَ المُبَرِّدَ: والسّارِقُ هاهُنا: مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، لِأنَّهُ لَيْسَ القَصْدُ مِنهُ واحِدًا بِعَيْنِهِ، وإنَّما هو، كَقَوْلِكَ: مَن سَرَقَ فاقْطَعْ يَدَهُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما دَخَلَتِ الفاءُ، لِأنَّ في الكَلامِ مَعْنى الشَّرْطِ، تَقْدِيرُهُ: مَن سَرَقَ فاقْطَعُوا يَدَهُ.
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: ﴿ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما ﴾ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُوَحَّدٍ مِن خَلْقِ الإنْسانِ إذا ذُكِرَ مُضافًا إلى اثْنَيْنِ فَصاعِدًا، جُمِعَ، تَقُولُ: قَدْ هَشَّمْتُ رُؤُوسَهُما، ومَلَأْتُ [ظُهُورَهُما] وبُطُونَهُما [ضَرْبًا] ومِثْلُهُ ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ وإنَّما اخْتِيرَ الجَمْعُ عَلى التَّثْنِيَةِ، لِأنَّ أكْثَرَ ما تَكُونُ عَلَيْهِ الجَوارِحُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ في الإنْسانِ: اليَدَيْنِ، والرَّجُلَيْنِ، والعَيْنَيْنِ، فَلَمّا جَرى أكْثَرُهُ عَلى هَذا، ذَهَبَ بِالواحِدِ مِنهُ إذا أُضِيفَ إلى اثْنَيْنِ مَذْهَبَ التَّثْنِيَةِ، وقَدْ يَجُوزُ تَثْنِيَتُهُما.
قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: فَتَخالَسا نَفْسَيْهِما بِنَوافِذٍ كَنَوافِذَ العُبُطِ الَّتِي لا تُرْقَعُ * فَصْلٌ وَهَذِهِ الآيَةُ اقْتَضَتْ وُجُوبَ القَطْعِ عَلى كُلِّ سارِقٍ، وبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أنَّ المُرادَ بِهِ السّارِقُ لِنِصابٍ مِن حِرْزِ مِثْلِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ ونَهى النَّبِيُّ عَنْ قَتْلِ النِّساءِ، والصِّبْيانِ، وأهْلِ الصَّوامِعِ.
واخْتُلِفَ في مِقْدارِ النِّصابِ، فَمَذْهَبُ أصْحابِنا: أنَّ لِلسَّرِقَةِ نِصابَيْنِ: أحَدُهُما: مِنَ الذَّهَبِ رُبُعُ دِينارٍ، ومِنَ الوَرِقِ ثَلاثَةُ دَراهِمَ، أوْ قِيمَةُ ثَلاثَةِ دَراهِمَ مِنَ العُرُوضِ.
وَهُوَ قَوْلُ مالِكٍ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُقْطَعُ حَتّى تَبْلُغَ السَّرِقَةُ عَشَرَةَ دَراهِمَ.
وقالَ الشّافِعِيُّ: الِاعْتِبارُ في ذَلِكَ بِرُبُعِ دِينارٍ، وغَيْرُهُ مُقَوَّمٌ بِهِ، فَلَوْ سَرَقَ دِرْهَمَيْنِ قِيمْتُهُما رُبْعُ دِينارٍ، قُطِعَ، فَإنْ سَرَقَ نَصِابًا مِنَ التِّبْرِ، فَعَلَيْهِ القَطْعُ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُقْطَعُ حَتّى يَبْلُغَ ذَلِكَ نِصابًا مَضْرُوبًا، فَإنْ سَرَقَ مِندِيلًا لا يُساوِي نِصابًا، في طَرَفِهِ دِينارٌ، وهو لا يَعْلَمُ، لا يُقْطَعُ.
وقالَ الشّافِعِيُّ: يُقْطَعُ.
فَإنْ سَرَقَ سِتارَةَ الكَعْبَةِ، قُطِعَ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ.
فَإنْ سَرَقَ صَبِيًّا صَغِيرًا حُرًّا، لَمْ يُقْطَعْ، وإنْ كانَ عَلى الصَّغِيرِ حُلِيٌّ.
وقالَ مالِكٌ: يَقْطَعُ بِكُلِّ حالٍ.
وإذا اشْتَرَكَ جَماعَةٌ في سَرِقَةِ نِصابٍ، قُطِعُوا، وبِهِ قالَ مالِكٌ، إلّا أنَّهُ اشْتَرَطَ أنْ يَكُونَ المَسْرُوقُ ثَقِيلًا يَحْتاجُ إلى مُعاوَنَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ في إخْراجِهِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ: لا قَطْعَ عَلَيْهِ بِحالٍ ويَجِبُ القَطْعُ عَلى جاحِدِ العارِيَّةِ عِنْدَنا، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، خِلافًا لِأكْثَرِ الفُقَهاءِ.
* فَصْلٌ فَأمّا الحِرْزُ، فَهو ما جُعِلَ لِلسُّكْنى، وحِفْظِ الأمْوالِ، كالدُّورِ والمَضارِبِ والخِيَمِ الَّتِي يَسْكُنُها النّاسُ، ويَحْفَظُونَ أمْتِعَتَهم بِها، فَكُلُّ ذَلِكَ حِرْزٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حافِظٌ ولا عِنْدَهُ، وسَواءٌ سُرِقَ مِن ذَلِكَ وهو مَفْتُوحُ البابِ، أوْ لا بابَ لَهُ إلّا أنَّهُ مُحَجَّرٌ بِالبِناءِ.
فَأمّا ما كانَ في غَيْرِ بِناءٍ ولا خَيْمَةٍ، فَإنَّهُ لَيْسَ في حِرْزٍ إلّا أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَن يَحْفَظُهُ.
ونَقَلَ المَيْمُونِيُّ عَنْ أحْمَدَ: إذا كانَ المَكانُ مُشْتَرِكًا في الدُّخُولِ إلَيْهِ، كالحَمّامِ والخَيْمَةِ لَمْ يُقْطَعِ السّارِقُ مِنهُ، ولَمْ يُعْتَبَرِ الحافِظُ.
ونَقَلَ عَنْهُ ابْنُ مَنصُورٍ: لا يُقْطَعُ سارِقُ الحَمّامِ إلّا أنْ يَكُونَ عَلى المَتاعِ أجِيرٌ حافِظٌ.
فَأمّا النَّبّاشُ، فَقالَ أحْمَدُ في رِوايَةِ أبِي طالِبٍ: يُقْطَعُ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى.
وقالَ الثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ: لا يُقْطَعُ.
* فَصْلٌ فَأمّا مَوْضِعُ قَطْعِ السّارِقِ، فَمِن مَفْصِلِ الكَفِّ، ومِن مَفْصِلِ الرِّجْلِ.
فَأمّا اليَدُ اليُسْرى والرِّجْلُ اليُمْنى، فَرُوِيَ عَنْ أحْمَدَ: لا تُقْطَعُ، وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعَلِيٍّ، وأبِي حَنِيفَةَ، ورُوِيَ عَنْهُ: أنَّها تُقْطَعُ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ.
ولا يَثْبُتُ القَطْعُ إلّا بِإقْرارِهِ مَرَّتَيْنِ، وبِهِ قالَ ابْنُ أبِي لَيْلى، وابْنُ شُبْرُمَةَ، وأبُو يُوسُفَ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، ومالُكٌ، والشّافِعِيُّ: يَثْبُتُ بِمَرَّةٍ.
ويَجْتَمِعُ القَطْعُ والغُرْمُ مُوسِرًا كانَ أوْ مُعْسِرًا.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَجْتَمِعانِ، فَإنْ كانَتِ العَيْنُ باقِيَةً أخَذَها رَبُّها، وإنْ كانَتْ مُسْتَهْلَكَةً، فَلا ضَمانَ.
وقالَ مالِكٌ: يَضْمَنُها إنْ كانَ مُوسِرًا، ولا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ كانَ مُعْسِرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَكالا مِنَ اللَّهِ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا "النَّكالَ" في (البَقَرَةِ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: شَدِيدٌ في انْتِقامِهِ، حَكِيمٌ إذْ حَكَمَ بِالقَطْعِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: قَرَأتُ هَذِهِ الآيَةَ، وإلى جَنْبِي أعْرابِيٌّ، فَقُلْتُ: واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، سَهْوًا، فَقالَ الأعْرابِيُّ: كَلامُ مَن هَذا؟
قُلْتُ: كَلامُ اللَّهِ.
قالَ: أعِدْ فَأعَدْتُ: واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فَقالَ: لَيْسَ هَذا كَلامَ اللَّهِ، فَتَنَبَّهْتُ، فَقُلْتُ: واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
فَقالَ: أصَبْتَ، هَذا كَلامُ اللَّهِ.
فَقُلْتُ لَهُ: أتَقْرَأُ القُرْآنَ؟
قالَ: لا.
قُلْتُ: فَمِن أيْنَ عَلِمْتَ أنِّي أخْطَأْتُ؟
فَقالَ: يا هَذا عَزَّ فَحَكَمَ فَقَطَعَ، ولَوْ غَفَرَ ورَحِمَ لَما قَطَعَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ والسارِقُ والسارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالا مِنَ اللهِ واللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ والسارِقُ والسارِقَةُ ﴾ ؛ بِالرَفْعِ؛ وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والسارِقَ والسارِقَةَ"؛ بِالنَصْبِ؛ قالَ سِيبَوَيْهِ - رَحِمَهُ اللهُ -: اَلْوَجْهُ في كَلامِ العَرَبِ النَصْبُ؛ كَما تَقُولُ: زَيْدًا اضْرِبْهُ؛ ولَكِنْ أبَتِ العامَّةُ إلّا الرَفْعَ - يَعْنِي عامَّةَ القُرّاءِ وجُلَّهم - قالَ سِيبَوَيْهِ: اَلرَّفْعُ في هَذا؛ وفي قَوْلِهِ: ﴿ الزانِيَةُ والزانِي ﴾ ؛ وفي قَوْلِ اللهِ: ﴿ واللَذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ ﴾ ؛ هو عَلى مَعْنى: "فِيما فَرَضَ عَلَيْكُمْ".
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "فاقْطَعُوا"؛ ﴾ رَدَّتِ المُسْتَقِلَّ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: "فِيما فَرَضَ عَلَيْكُمُ السارِقُ"؛ جُمْلَةٌ حَقُّها وظاهِرُها الِاسْتِقْلالُ؛ لَكِنَّ المَعْنى المَقْصُودَ لَيْسَ إلّا في قَوْلِهِ: "فاقْطَعُوا"؛ فَهَذِهِ الفاءُ هي الَّتِي رَبَطَتِ الكَلامَ الثانِيَ بِالأوَّلِ؛ وأظْهَرَتِ الأوَّلَ هُنا غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ؛ وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ - وهو قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ البَصْرِيِّينَ -: أخْتارُ أنْ يَكُونَ "والسارِقُ والسارِقَةُ"؛ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ؛ لِأنَّ القَصْدَ لَيْسَ إلى واحِدٍ بِعَيْنِهِ؛ فَلَيْسَ هو مِثْلَ قَوْلِكَ: "زَيْدًا فاضْرِبْهُ"؛ إنَّما هو كَقَوْلِكَ: "مَن سَرَقَ فاقْطَعْ يَدَهُ"؛ قالَ الزَجّاجُ: هو المُخْتارُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: أنْزَلَ سِيبَوَيْهِ النَوْعَ السارِقَ مَنزِلَةَ الشَخْصِ المُعَيَّنِ؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "والسارِقُونَ والسارِقاتُ فاقْطَعُوا أيْمانَهُمْ"؛ وقالَ الخَفّافُ: وُجِدَتْ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "والسُرَّقُ والسُرَّقَةُ"؛ هَكَذا ضُبِطا بِضَمِّ السِينِ المُشَدَّدَةِ؛ وفَتْحِ الراءِ المُشَدَّدَةِ فِيهِما؛ هَكَذا ضَبَطَهُما أبُو عَمْرٍو.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُشْبِهُ أنَّ يَكُونَ هَذا تَصْحِيفًا مِنَ الضابِطِ؛ لِأنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ إذا كُتِبَ "اَلسّارِقُ"؛ بِغَيْرِ ألِفٍ وافَقَتْ في الخَطِّ هَذِهِ.
وأخْذُ مِلْكِ الغَيْرِ يَتَنَوَّعُ بِحَسَبِ قَرائِنِهِ؛ فَمِنهُ الغَصْبُ؛ وقَرِينَتُهُ عِلْمُ المَغْصُوبِ مِنهُ وقْتَ الغَصْبِ؛ أو عِلْمُ مُشاهِدٍ غَيْرِهِ؛ ومِنهُ الخِيانَةُ؛ وقَرِينَتُها أنَّ الخائِنَ قَدْ طَرَقَ إلى المالِ بِتَصَرُّفٍ ما؛ ومِنهُ السَرِقَةُ؛ وقَرائِنُها أنْ يُؤْخَذَ مالٌ لَمْ يُطْرَقْ إلَيْهِ عَلى غَيْرِ عِلْمٍ مِنَ المَسْرُوقِ مالُهُ؛ وفي خَفاءٍ مِن جَمِيعِ الناسِ؛ فِيما يَرى السارِقُ؛ وهَذا هو الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ القَطْعُ؛ وحْدَهُ؛ مِن بَيْنِ أخَذَةِ الأمْوالِ؛ لِخُبْثِ هَذا المَنزَعِ؛ وقِلَّةِ العُذْرِ فِيهِ؛ وحاطَ اللهُ تَعالى البَشَرَ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ بِأنَّ القَطْعَ لا يَكُونُ إلّا بِقَرائِنَ: مِنها الإخْراجُ مِن حِرْزٍ؛ ومِنها القَدْرُ المَسْرُوقُ؛ عَلى اخْتِلافِ أهْلِ العِلْمِ فِيهِ؛ ومِنها أنْ يَعْلَمَ السارِقُ بِتَحْرِيمِ السَرِقَةِ؛ وأنْ تَكُونَ السَرِقَةُ فِيما يَحِلُّ مِلْكُهُ؛ فَلَفْظُ "والسارِقُ"؛ في الآيَةِ عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ.
فَأمّا القَدْرُ المَسْرُوقُ فَقالَتْ طائِفَةٌ: لا قَطْعَ إلّا في رُبْعِ دِينارٍ فَصاعِدًا؛ قالَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ ؛ وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ ؛ وعَلِيٌّ؛ وعائِشَةُ ؛ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ ؛ والأوزاعِيُّ ؛ واللَيْثُ ؛ والشافِعِيُّ ؛ وأبُو ثَوْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهم - وفِيهِ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "اَلْقَطْعُ في رُبْعِ دِينارٍ فَصاعِدًا"؛» وقالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ -: تُقْطَعُ اليَدُ في رُبْعِ دِينارٍ؛ أو في ثَلاثَةِ دَراهِمَ؛ فَإنْ سَرَقَ دِرْهَمَيْنِ - وهي رُبْعُ دِينارٍ - لِانْحِطاطِ الصَرْفِ؛ لَمْ يُقْطَعْ؛ وكَذَلِكَ العُرُوضُ لا يُقْطَعُ فِيها؛ إلّا أنْ تَبْلُغَ ثَلاثَةَ دَراهِمَ؛ قَلَّ الصَرْفُ أو كَثُرَ؛ وقالَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ ؛ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إنْ كانَتْ قِيمَةُ السِلْعَةِ رُبْعَ دِينارٍ؛ أو ثَلاثَةَ دَراهِمَ قُطِعَ فِيهِما؛ قَلَّ الصَرْفُ أو كَثُرَ؛ وفي القَطْعِ قَوْلٌ رابِعٌ؛ وهو أنْ لا قَطْعَ إلّا في خَمْسَةِ دَراهِمَ؛ أو قِيمَتِها؛ رُوِيَ هَذا عن عُمَرَ ؛ وبِهِ قالَ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ ؛ وابْنُ أبِي لَيْلى ؛ وابْنُ شُبْرُمَةَ ؛ ومِنهُ قَوْلُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: "قَطَعَ أبُو بَكْرٍ في مِجَنٍّ قِيمَتُهُ خَمْسَةُ دَراهِمَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا حُجَّةَ في هَذا عَلى أنَّ الخَمْسَةَ حَدٌّ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ؛ وعَطاءٌ: لا قَطْعَ في أقَلَّ مِن عَشَرَةِ دَراهِمَ؛ وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ ؛ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: لا تُقْطَعُ اليَدُ في أقَلَّ مِن أرْبَعَةِ دَراهِمَ؛ وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: تُقْطَعُ اليَدُ في دِرْهَمٍ فَما فَوْقَهُ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُبَيْرِ قَطَعَ في دِرْهَمٍ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: تُقْطَعُ اليَدُ في كُلِّ ما لَهُ قِيمَةٌ قَلَّ أو كَثُرَ؛ عَلى ظاهِرِ الآيَةِ؛ وقَدْ حَكى الطَبَرِيُّ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وهو قَوْلُ أهْلِ الظاهِرِ؛ وقَوْلُ الخَوارِجِ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا أنَّهُ قالَ: تَذاكَرْنا القَطْعَ في كَمْ يَكُونُ؛ عَلى عَهْدِ زِيادٍ ؛ فاتَّفَقَ رَأْيُنا عَلى دِرْهَمَيْنِ؛ وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ التَوْبَةَ لا تُسْقِطُ عَنِ السارِقِ القَطْعَ؛ ورُوِيَ عَنِ الشافِعِيِّ أنَّهُ إذا تابَ قَبْلَ أنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ؛ وتَمْتَدَّ إلَيْهِ يَدُ الأحْكامِ؛ فَإنَّ القَطْعَ يَسْقُطُ عنهُ قِياسًا عَلى المُحارِبِ؛ وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّ القَطْعَ لا يَكُونُ إلّا عَلى مَن أخْرَجَ مِن حِرْزٍ؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إذا جَمَعَ الثِيابَ في البَيْتِ قُطِعَ؛ وإنْ لَمْ يُخْرِجْها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما ﴾ ؛ جَمَعَ الأيْدِيَ مِن حَيْثُ كانَ لِكُلِّ سارِقٍ يَمِينٌ واحِدَةٌ؛ وهي المُعَرَّضَةُ لِلْقَطْعِ في السَرِقَةِ أوَّلًا؛ فَجاءَتْ لِلسُّرّاقِ أيْدٍ؛ ولِلسّارِقاتِ أيْدٍ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "اِقْطَعُوا أيْمانَ النَوْعَيْنِ"؛ فالتَثْنِيَةُ في الضَمِيرِ إنَّما هي لِلنَّوْعَيْنِ؛ قالَ الزَجّاجُ عن بَعْضِ النَحْوِيِّينَ: إنَّما جُعِلَتْ تَثْنِيَةُ ما في الإنْسانِ مِنهُ واحِدٌ جَمْعًا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ ؛ لِأنَّ أكْثَرَ أعْضائِهِ فِيهِ مِنهُ اثْنانِ؛ فَحُمِلَ ما كانَ فِيهِ الواحِدُ عَلى مِثالِ ذَلِكَ؛ قالَ أبُو إسْحاقَ: وحَقِيقَةُ هَذا البابِ أنَّ ما كانَ في الشَيْءِ مِنهُ واحِدٌ لَمْ يُثَنَّ؛ ولُفِظَ بِهِ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ تُبَيِّنُهُ؛ فَإذا قُلْتَ: "أشْبَعْتُ بُطُونَهُما؛ عُلِمَ أنَّ لِلِاثْنَيْنِ بَطْنَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهم كَرِهُوا اجْتِماعَ تَثْنِيَتَيْنِ في كَلِمَةٍ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَرْتِيبِ القَطْعِ؛ فَمَذْهَبُ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ وجُمْهُورِ الناسِ أنْ تُقْطَعَ اليُمْنى مِن يَدِ السارِقِ؛ ثُمَّ - إنْ عادَ - قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْرى؛ ثُمَّ - إنْ عادَ - قُطِعَتْ يَدُهُ اليُسْرى؛ ثُمَّ - إنْ عادَ - قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُمْنى؛ ثُمَّ إنْ سَرَقَ عُزِّرَ؛ وحُبِسَ؛ وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ والزُهْرِيُّ ؛ وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ ؛ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: تُقْطَعُ يَدُهُ اليُمْنى؛ ثُمَّ - إنْ سَرَقَ - قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْرى؛ ثُمَّ - إنْ سَرَقَ - عُزِّرَ وحُبِسَ؛ ورُوِيَ عن عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: لا تُقْطَعُ في السَرِقَةِ إلّا اليَدُ اليُمْنى فَقَطْ؛ ثُمَّ - إنْ سَرَقَ - عُزِّرَ وحُبِسَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَمَسُّكٌ بِظاهِرِ الآيَةِ؛ والقَوْلٌ شاذٌّ؛ فَيَلْزَمُ - عَلى ظاهِرِ الآيَةِ - أنْ تُقْطَعَ اليَدُ ثُمَّ اليَدُ؛ ومَذْهَبُ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ أنَّ القَطْعَ في اليَدِ مِنَ الرُسْغِ؛ وفي الرِجْلِ مِنَ المَفْصِلِ؛ ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّ القَطْعَ في اليَدِ مِنَ الأصابِعِ؛ وفي الرِجْلِ مِن نِصْفِ القَدَمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَزاءً بِما كَسَبا ﴾ ؛ نَصَبَهُ عَلى المَصْدَرِ؛ وقالَ الزَجّاجُ: مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ؛ وكَذَلِكَ: ﴿ نَكالا مِنَ اللهِ ﴾ ؛ والنَكالُ: اَلْعَذابُ؛ والنَكْلُ: اَلْقَيْدُ؛ وسائِرُ مَعْنى الآيَةِ بَيِّنٌ؛ وفِيهِ بَعْضُ الإعْرابِ حِكايَةً.
<div class="verse-tafsir"
جملة معطوفة على جملة ﴿ إنّما جزاء الّذين يحاربون ﴾ [المائدة: 33].
﴿ والسارق ﴾ مبتدأ والخبر محذوف عند سيبويه.
والتّقدير: ممّا يتلى عليكم حكم السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما.
وقال المبرّد: الخبر هو جملة ﴿ فاقطعوا أيديهما ﴾ ، ودخلت الفاء في الخبر لتضمّن المبتدأ معنى الشرط؛ لأنّ تقديره: والّذي سرق والّتي سرقت.
والمصول إذا أريد منه التّعميم ينزّل منزلة الشرط أي يجعل (أَلْ) فيها اسم موصول فيكون كقوله تعالى ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم ﴾ [النساء: 15]، قوله: ﴿ واللّذان يأتيانها منكم فآذوهما ﴾ [النساء: 16].
6 قال سيبويه: وهذا إذا كان في الكلام ما يدلّ على أنّ المبتدأ ذكر في معرض القصص أو الحُكم أو الفرائض نحو ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدواواللذان يأتيانها منكم فآذوهما ﴾ ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ﴾ إذ التّقدير في جميع ذلك: وحكم اللاتي يأتين، أو وجَزاء السارق والسّارقة.
ولقد ذكرها ابن الحاجب في «الكافية» واختصرها بقوله: «والفاء للشرط عند المبرّد وجملتان عند سيبويه، يعني: وأمّا عند المبرّد فهي جملة شرط وجوابه فكأنّها جملة واحدة وإلاّ فالمختار النصب».
أشار إلى قراءة عيسى بن عمر ﴿ والسارقَ والسارقَة ﴾ بالنصب، وهي قراءة شاذّة لا يعتدّ بها فلا يخرّج القرآن عليها.
وقد غلط ابن الحاجب في قوله: فالمختار النصب.
وقوله: ﴿ فاقطعوا أيديهما ﴾ ضمير الخطاب لِوُلاة الأمور بقرينة المقام، كقوله: ﴿ الزّانية والزّاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة ﴾ [النور: 2].
وليس الضّمير عائداً على الّذين آمنوا في قوله ﴿ يأيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله ﴾ [النساء: 35].
وجُمع الأيدي باعتبار أفراد نوع السارق.
وثنيّ الضمير باعتبار الصنفين الذكر والأنثى؛ فالجمع هنا مراد منه التّثنية كقوله تعالى: ﴿ فقد صغت قلوبكما ﴾ [التحريم: 4].
ووجه ذكر السارقة مع السارق دفعُ توهّم أن يكون صيغة التذكير في السارق قيداً بحيث لا يجري حدّ السرقة إلاّ على الرجال، وقد كانت العرب لا يقيمون للمرأة وزناً فلا يجرون عليها الحدود، وهو الدّاعي إلى ذكر الأنثى في قوله تعالى في سورة البقرة: (178) ﴿ الحُرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ﴾ وقد سرقت المخزوميّة في زمن رسول الله فأمر بقطع يدها وعظم ذلك على قريش، فقالوا: من يشفع لها عند رسول الله إلاّ زيد بن حارثة، فلمّا شفع لها أنكر عليه وقال: أتشفع في حدّ من حدود الله، وخطب فقال: إنّما أهلك الّذين من قبلكم أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشّريف تركوه وإذا سرق الضّعيف قطعوه، والله لو أنّ فاطمة سرقت لقطعت يدها.
وفي تحقيق معنى السرقة ونصاب المقدار المسروق الموجب للحدّ وكيفية القطع مجال لأهل الاجتهاد من علماء السلف وأيّمة المذاهب وليس من غرض المفسّر.
وليس من عادة القرآن تحديد المعاني الشّرعية وتفاصيلها ولكنّه يؤصّل تأوصيلها ويحيل ما وراء ذلك إلى متعارف أهل اللّسان من معرفة حقائقها وتمييزها عمّا يشابهها.
فالسارق: المتّصف بالسرقة.
والسرقة معروفة عند العرب مميّزة عن الغارة والغصْب والاغتصاب والخلسة، والمؤاخذة بها ترجع إلى اعتبار الشيء المسروق ممّا يشِحّ به معظم النّاس.
فالسرقة: أخذ أحد شيئاً ما يملكه خُفية عن مالكه مخُرجاً إيّاه من موضععِ هو حرِزُ مثلِه لم يؤذن آخِذُه بالدخول إليه.
والمسروق: مَا لهُ منفعة لا يتسامح النّاس في إضاعته.
وقد أخذ العلماء تحديده بالرجوع إلى قيمة أقلّ شيء حكم النّبيء بقطع يد من سَرَقَه.
وقد ثبت في الصّحيح أنّه حكم بقطع يد سارق حَجَفَة بحاء مهملة فجيم مفتوحتين (ترس بن جلد) تساوي ربع دينار في قول الجمهور، وتساوي ديناراً في قول أبي حنيفة، والثوري، وابننِ عبّاس، وتساوي نصفَ دينار في قول بعض الفقهاء.
ولم يذكر القرآن في عقوبة السارق سوى قطع اليد.
وقد كان قطع يد السارق حكماً من عهد الجاهليّة، قضى به الوليدُ بن المغيرة فأقرّه الإسلام كما في الآية.
ولم يرد في السنّة خبر صحيح إلاّ بقطع اليد.
وأوّل رَجُل قطعت يده في الإسلام الخيارُ بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وأوّل امرأة قطعت يَدها المخزوميةُ مُرّةُ بنتُ سفيان.
فاتّفق الفقهاء على أنّ أوّل ما يبدأ به في عقوبة السارق أن تقطع يده.
فقال الجمهور: اليد اليمنى، وقال فريق: اليد اليسرى، فإن سرق ثانية، فقال جمهور الأيمّة: تقطع رجله المخالفة ليده المقطوعة.
وقال عليّ بن أبي طالب: لا يقطع ولكن يحبس ويضرب.
وقضى بذلك عمر بن الخطّاب، وهو قول أبي حنيفة.
فقال عليّ: إنّي لأستحيي أن أقطع يده الأخرى فبأي شيء يأكُل وَيَسْتَنْجِي أو رِجْلَه فعلى أي شيء يعتمد؛ فإن سرق الثّالثة والرّابعة فقال مالك والشّافعي: تقطع يده الأخرى ورجلُه الأخرى، وقال الزهري: لم يبلغنا في السنّة إلاّ قطع اليد والرّجل لا يزاد على ذلك، وبه قال أحمد بن حنبل، والثّوري، وحمَّاد بن سلمة.
ويجب القضاء بقول أبي حنيفة، فإنّ الحدود تُدرأ بالشبهات وأيّ شبهة أعظم من اختلاف أيمّة الفقه المعتبرين.
والجزاء: المكافأة على العمل بما يناسب ذلك العملَ من خير أو شرّ، قال تعالى: إنّ للمتّقين مفازاً إلى قوله ﴿ جزاءً من ربّك عطاءً حسابا ﴾ في سورة النبأ (31 36)، وقال تعالى: ﴿ وجزاء سيئة مثلها ﴾ في سورة الشورى (40).
والنكال: العقاب الشّديد الّذي من شأنه أن يصدّ المعاقب عن العود إلى مثل عمله الّذي عوقب عليه، وهو مشتقّ من النكول عن الشيء، أي النكوص عنه والخوف منه.
فالنكال ضرب من جزاء السّوء، وهو أشدّه، وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ فجعلناها نكالاً ﴾ الآية في سورة البقرة (66).
وانتصب جزاء } على الحال أو المفعول لأجله، وانتصب ﴿ نكالاً ﴾ على البدل من ﴿ جزاء ﴾ بدل اشتمال.
فحكمة مشروعيّة القطع الجزاء على السرقة جزاء يقصد منه الردع وعدم العود، أي جزاء ليس بانتقام ولكنّه استصلاح.
وضَلّ من حسب القطع تعويضاً عن المسروق، فقال من بيتين ينسبان إلى المعرّي (وليسا في «السقط» ولا في «اللّزوميات»): يد بخمسسِ مِئينَ عسجَدا وُديتْ *** ما بالها قُطعت في رُبع دينار ونسب جوابه لعلم الدّين السَّخَاوي: عِزّ الأمَانة أغلاهَا؛ وأرخصها *** ذُلّ الخيانة فافهَمْ حكمة الباري وقوله: ﴿ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإنّ الله يتوب عليه ﴾ أي من تاب من السارقين من بعد السرقة تاب الله عليْه، أي قبلت توبته.
وقد تقدّم معناه عند قوله تعالى: ﴿ فتلقّى آدم من ربّه كلمات فتاب عليه ﴾ في سورة البقرة (37).
وليس في الآية ما يدلّ على إسقاط عقوبة السرقة عن السارق إن تاب قبل عقابه، لأنّ ظاهر (تاب وتاب الله عليْه) أنّه فيما بين العبد وبين ربّه في جزاء الآخرة؛ فقوله: فمن تاب من بعد ظلمه } ترغيب لهؤلاء العصاة في التّوبة وبشارة لهم.
ولا دليل في الآية على إبطال حكم العقوبة في بعض الأحوال كما في آية المحاربين، فلذلك قال جمهور العلماء: توبة السارق لا تسقط القطع ولو جاء تائباً قبل القدْرة عليه.
ويدلّ لصحّة قولهم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قطع يد المخزومية ولا شكّ أنّها تائبة.
قال ابن العربي: لأنّ المحارب مستبدّ بنفسه معتصم بقوّته لا يناله الإمام إلاّ بالإيجاف بالخيل والركاب فأسقط إجزاؤه بالتّوبة استنزالاً من تلك الحالة كما فُعل بالكافر في مغفرة جميع ما سلف استئلافاً على الإسلام.
وأمّا السارق والزاني فهما في قبضة المسلمين، اه.
وقال عطاء: إن جاء السارق تائباً قبل القدرة عليه سقط عنه القطع، ونقل هذا عن الشّافعي، وهو من حمل المطلق على المقيّد حملاً على حكم المحارب، وهذا يشبه أن يكون من متّحد السبب مختلف الحكم.
والتّحقيق أنّ آية الحرابة ليست من المقيّد بل هي حكم مستفاد استقلالاً وأنّ الحرابة والسرقة ليسا سبباً واحداً فليست المسألة من متّحد السبب ولا من قبيل المطلق الّذي قابَله مقيّد.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما ﴾ وهي في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: والسّارِقُونَ والسّارِقاتُ فاقْطَعُوا أيْمانَهُما.
إنَّما بَدَأ اللَّهُ تَعالى في السَّرِقَةِ بِالسّارِقِ قَبْلَ السّارِقَةِ، وفي الزِّنى بِالزّانِيَةِ قَبْلَ الزّانِي، لِأنَّ حُبَّ المالِ عَلى الرِّجالِ أغْلَبُ، وشَهْوَةُ الِاسْتِمْتاعِ عَلى النِّساءِ أغْلَبُ، ثُمَّ جَعَلَ حَدَّ السَّرِقَةِ قَطْعَ اليَدِ لِتَناوُلِ المالِ بِها، ولَمْ يَجْعَلْ حَدَّ الزِّنى قَطْعَ الذَّكَرِ مَعَ مُواقَعَةِ الفاحِشَةِ بِهِ، لِثَلاثَةِ مَعانٍ: أحَدُها: أنَّ لِلسّارِقِ مِثْلَ يَدِهِ الَّتِي قُطِعَتْ فَإنِ انْزَجَرَ بِها اعْتاضَ بِالثّانِيَةِ، ولَيْسَ لِلزّانِي مِثْلُ ذَكَرِهِ إذا قُطِعَ فَلَمْ يَعْتَضْ بِغَيْرِهِ لَوِ انْزَجَرَ بِقَطْعِهِ.
والثّانِي: أنَّ الحَدَّ زَجْرٌ لِلْمَحْدُودِ وغَيْرِهِ، وقَطْعُ اليَدِ في السَّرِقَةِ ظاهِرٌ، وقَطْعُ الذَّكَرِ في الزِّنى باطِنٌ، والثّالِثُ: أنَّ في قَطْعِ الذَّكَرِ إبْطالَ النَّسْلِ ولَيْسَ في قَطْعِ اليَدِ إبْطالُهُ.
وَقَدْ قُطِعَ السّارِقُ في الجاهِلِيَّةِ، وأوَّلُ مَن حَكَمَ بِقَطْعِهِ في الجاهِلِيَّةِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِقَطْعِهِ في الإسْلامِ، فَكانَ أوَّلُ سارِقٍ قَطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ في الإسْلامِ الخِيارَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، ومِنَ النِّساءِ مُرَّةُ بِنْتُ سُفْيانَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ مِن بَنِي مَخْزُومٍ، وقالَ: «لَوْ كانَتْ فاطِمَةُ لَقَطَعْتُ» .
وقَطَعَ عُمَرُ ابْنَ سَمُرَةَ أخا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ.
والقَطْعُ في السَّرِقَةِ حَقُّ اللَّهِ تَعالى لا يَجُوزُ العَفْوُ عَنْهُ بَعْدَ عِلْمِ الإمامِ بِهِ، «لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ في سارِقِ رِداءِ صَفْوانَ حِينَ أمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقالَ صَفْوانُ: قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ، فَقالَ النَّبِيُّ : (هَلّا قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟
لا عَفا اللَّهُ عَنِّي إنْ عَفَوْتُ.
» ورُوِيَ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ أُتِيَ بِلُصُوصٍ فَقَطَعَهم حَتّى بَقِيَ واحِدٌ مِنهم فَقُدِّمَ لِيُقْطَعَ فَقالَ يَمِينِي أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أُعِيذُها بِعَفْوِكَ أنْ تَلْقى مَكانًا يَشِينُها ∗∗∗ يَدِي كانَتِ الحَسْناءَ لَوْ تَمَّ سَبْرُها ∗∗∗ ولا تَعْدَمُ الحَسْناءُ عابًا يَعِيبُها ∗∗∗ فَلا خَيْرَ في الدُّنْيا وكانَتْ حَبِيبَةً ∗∗∗ إذا ما شَمالِي فارَقَتْها يَمِينُها فَقالَ مُعاوِيَةُ: كَيْفَ أصْنَعُ وقَدْ قَطَعْتُ أصْحابَكَ، فَقالَتْ أُمُّ السّارِقِ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ اجْعَلْها مِن ذُنُوبِكَ الَّتِي تَتُوبُ مِنها، فَخَلّى سَبِيلَهُ، فَكانَ أوَّلَ حَدٍّ تُرِكَ في الإسْلامِ.
وَلِوُجُوبِ القَطْعِ مَعَ ارْتِفاعِ الشُّبْهَةِ شَرْطانِ هُما: الحِرْزُ والقِدْرُ، وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في قَدْرِ ما تُقْطَعُ فِيهِ اليَدُ خِلافًا، كُتُبُ الفِقْهِ أوْلى.
واخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ حِينَئِذٍ لِأجْلِ اسْتِثْناءِ القَطْعِ وشُرُوطِهِ عَمَّنْ سَرَقَ مِن غَيْرِ حِرْزٍ أوْ سَرَقَ مِنَ القِدْرِ الَّذِي تُقْطَعُ فِيهِ اليَدُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما ﴾ هَلْ هو عامٌّ خُصَّ؟
أوْ مُجْمَلٌ فُسِّرَ عَلى وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ العُمُومُ الَّذِي خُصَّ.
والثّانِي: أنَّهُ المُجْمَلُ الَّذِي فُسِّرَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ جَزاءً بِما كَسَبا ﴾ فاخْتَلَفُوا هَلْ يَجِبُ مَعَ القَطْعِ غُرْمُ المَسْرُوقِ إذا اسْتُهْلِكَ عَلى مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا غُرْمَ، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.
والثّانِي: يَجِبُ فِيهِ الغُرْمُ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
وَذَكَرَ الكَلْبِيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ سارِقِ الدِّرْعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ﴾ في التَّوْبَةِ ها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كالتَّوْبَةِ مِن سائِرِ المَعاصِي والنَّدَمِ عَلى ما مَضى والعَزْمِ عَلى تَرْكِ المُعاوَدَةِ.
والثّانِي: أنَّها الحَدُّ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
وَقَدْ رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قالَ: «سَرَقَتِ امْرَأةٌ حُلِيًّا فَجاءَ الَّذِينَ سَرَقَتْهم فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ سَرَقَتْنا هَذِهِ المَرْأةُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : (اقْطَعُوا يَدَها اليُمْنى فَقالَتِ المَرْأةُ: هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؟
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : (أنْتِ اليَوْمَ مِن خَطِيئَتِكِ كَيَوْمِ ولَدَتْكِ أُمُّكِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ﴾ » قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَغْفِرُ لِمَن تابَ مِن كُفْرِهِ، ويُعَذِّبُ مَن ماتَ عَلى كُفْرِهِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
الثّانِي: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ في الدُّنْيا عَلى مَعاصِيهِمْ بِالقَتْلِ والخَسْفِ والمَسْخِ والآلامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صُنُوفِ عَذابِهِ، ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ مِنهم في الدُّنْيا بِالتَّوْبَةِ واسْتِنْقاذِهِمْ بِها مِنَ الهَلَكَةِ وخَلاصِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن نجدة الحنفي قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ﴾ أخاص أم عام؟
قال: بل عام.
وأخرج عبد بن حميد عن نجدة بن نفيع قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿ والسارق والسارقة..
﴾ الآية.
قال: ما كان من الرجال والنساء قطع.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ من طرق، عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ فاقطعوا أيمانهما ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم النخعي.
أنه قال: في قراءتنا، وربما قال: في قراءة عبد الله ﴿ والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ جزاءً بما كسبا نكالاً من الله ﴾ قال: لا ترثوا لهم فيه، فإنه أمر الله الذي أمر به قال: وذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: اشتدوا على الفساق واجعلوهم يداً يداً ورجلاً رجلاً.
وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً» .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: «إن أول حد أقيم في الإسلام لرجل أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم سرق فشهدوا عليه، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع، فلما حف الرجل نظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنما سفى فيه الرماد، فقالوا: يا رسول الله، كأنه اشتد عليك قطع هذا!..
قال: وما يمنعني وأنتم أعون للشيطان على أخيكم!
قالوا: فأرسله.
قال: فهلا قبل أن تأتوني به، إن الإمام إذا أتى بحد لم يسغ له أن يعطله» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالي: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ﴾ الآية.
اختلف النحويون في وجه رفعها: فقال سيبويه والأخفش وكثير من البصريين: ارتفع (السارقُ والسارقةُ) على معنى: ومما نقُصّ عليك ونوحي إليك السارق والسارقة.
قالوا: ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا ﴾ وقوله: ﴿ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا ﴾ .
قال سيبويه: والاختيار في هذا النصب في العربية كما تقول: زيدا أضربه.
وأبت العامة القراءة إلا بالرفع، وقرأ عيسى بن عمر (١) ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ﴾ أيضًا (٢) فالاختيار عند سيبويه النصب في هذا.
قال أبو إسحاق: والجماعة أولى بالاتباع، والدليل على أن القراءة الجيدة بالرفع قوله تعالى: ﴿ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ ﴾ لم يقرأه أحد: واللذين (٣) قال المبرد (٤) ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ﴾ رفعًا بالابتداء؛ لأن قصد ليس إلى أحد بعينه، فليس هو مثل قولك: زيدًا أضربه، إنما هو كقولك: من سرق فاقطع يده، ومن زنا فاجلده (٥) وهذا قول الفراء؛ لأنه قال: وإنما يختار العرب الرفع في: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ﴾ لأنهما غير مؤقتين، فوجها توجيه الجزاء، كقولك: من سرق فاقطعوا يده، و (من) لا يكون إلا رفعا، ولو أردت سارقًا بعينه وسارقة بعينها كان النصب وجه الكلام (٦) قال الزجاج: وهذا القول هو المختار (٧) وقوله تعالى: ﴿ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ .
دخلت الفاء في خبر السارق للشرط المنوي؛ لأن المعنى: من سرق فاقطعوا يده (٨) ﴿ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا ﴾ ، ومثله: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا ﴾ .
والمراد بالأيدي في هذه الآية: الأيمان، قاله الحسن والسدي والشعبي (٩) وكذلك هو في قراءة عبد الله: (فاقطعوا أيمانهما) (١٠) وإنما قال: ﴿ أَيْدِيَهُمَا ﴾ ولم يقل: يديهما؛ لأنه أراد يمينًا من هذا، أو يمينًا من هذه (١١) قال الفراء: وكل شيء موحد من خلق الإنسان إذا ذكر مضافًا إلى اثنين فصاعدًا جمع، فقيل: هُشّمت رؤوسهما، ومُلِئتَ ظهورهما وبطونهما ضربًا، ومثله قوله تعالى: ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ .
قال: وإنما اختير الجمع على التثنية؛ لأن أكثر ما تكون عليه الجوارح اثنين اثنين (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) فتخَالَسَا نفسَيهِمَا بنَوافذٍ (١٦) لأنه الأصل، ويجوز هذا أيضاً فيما ليس من خلق الإنسان، كقولك للاثنين: خليتما نساءكما، وأنت تريد امرأتين، وخرقتما قمصكما.
قال: ويجوز التوحيد أيضاً لو قلت في الكلام: السارق والسارقة فاقطعوا يمينهما، جاز؛ لأن المعنى: اليمين من كل واحد منهما، كما قال الشاعر: كُلُوا في نِصفِ بَطنِكم تَعِيشُوا (١٧) ويجوز في الكلام أن تقول: ائتني برأس شاتين، وبرأسي شاة، فمن قال: برأس شاتين، أراد الرأس من كل شاة، ومن قال: برأسي شاة، أراد رأسي هذا الجنس (١٨) وقال الزجاج: إنما جمع ما كان في الشيء منه واحد عند الإضافة إلى اثنين؛ لأن الإضافة تبين أن المراد بذلك الجمع التثنية لا الجمع، وذلك أنك إذا قلت: أشبعت بطونهما، علم أن للاثنين بطنين فقط، وأصل التثنية الجمع؛ لأنك إذا ثنّيت الواحد فقد جمعت واحداً إلى واحد، (وربما كان لفظ الجمع أخف من لفظ الاثنين، فيختار لفظ الجمع ولا يشتبه ذلك بالتثنية عند الإضافة إلى اثنين (١٩) ظَهْراهُما مِثل ظُهُور التُّرسَينْ (٢٠) فجاء باللغتين (٢١) (٢٢) (قال (٢٣) (٢٤) قال أبو علي: (..) (٢٥) (٢٦) ﴿ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ ألا ترى أنها لو أريدت بذلك لم يكونوا ليدعوا نص القرآن إلى غيره.
وهذا يدل على أن جمع اليد في هذه الآية على حد جمع القلب في قوله: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ .
ودلت قراءة عبد الله على أن المراد بالأيدي الأيمان (٢٧) فإن قيل: إن قراءة عبد الله لا تُعلم اليوم قراءة، لانقطاع النقل، فلا يلزم به حجة.
قيل: قراءته تكون حجة في إيجاب العمل، كما أنه لو روى خبرًا أن المراد بالأيدي التخصيص والقصر على الأيمان وجب المصير إليه، فكذلك إذا رُوي عنه على أنه قرآن وجب قبوله والعمل به، وكان أولى من الخبر الذي يرويه.
قال أهل العلم: هذه الآية مجملة في إيجاب القطع على السارق، وتفصيل ذلك مأخوذ من السنة (٢٨) أما السارق الذي يجب عليه القطع فهو البالغ العاقل (٢٩) والمسروق يجب أن تكون قيمته ربع دينار (٣٠) فإذا أخرجه من حرز مثله، بعد أن لا يكون له شبهة فيه وجب القطع، والشبهة مثل شبهة المملوك في مال السيد، والولد مع الوالد، والوالد مع الولد، وكذلك شبهة المضطر عند المخمصة، وخوف التلف.
ولذلك رفع عمر - - القطع عام الرمادة (٣١) هذا جملة مذهب الشافعي - - (٣٢) وعند أبي حنيفة - - لا يجب القطع فيما دون عشرة دراهم (٣٣) وعند مالك - - يقطع في ثلاثة دراهم فصاعد (٣٤) ودليل الشافعي ما روى الزهري عن عمرة (٣٥) : كان يقطع في ربع دينار فصاعد (٣٦) وهذا مذهب الأوزاعي وإسحاق (٣٧) وذهب ابن عباس وابن الزبير إلى ظاهر الآية، فأوجبا القطع في القليل.
قال ابن عباس: في دانِق (٣٨) (٣٩) والقطع يكون من المفصل بين الكف والساعد (٤٠) (٤١) (٤٢) وعند أبي حنيفة لا يقطع في الثالثة (٤٣) (٤٤) وقوله تعالى: ﴿ جَزَاءً بِمَا كَسَبَا ﴾ .
قال الزجاج: نصب؛ لأنه مفعول له (٤٥) (٤٦) ﴿ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ﴾ ، وإن شئت كانا منصوبين على المصدر الذي دل عليه: ﴿ فَاقْطَعُوا ﴾ لأن المعنى: ﴿ فَاقْطَعُوا ﴾ جازوهم ونكلوا بهم (٤٧) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ أي: (عزيز) في انتقامه، (حكيم) فيما أوجبه من قطع يده (٤٨) قال الأصمعي: كنت أقرأ سورة المائدة وبجنبي أعرابي فقرأت هذه الآية، فقلت: (نكالًا من الله والله غفور رحيم) سهوًا، فقال الأعرابي: كلام من هذا؟
قلت: كلام الله.
قال: أعِد.
فأعدت: والله غفور رحيم.
فقال: ليس هذا كلام الله.
فتنبهت وقرأت: ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ فقال: أصبت، هذا كلام الله.
فقلت له: أتقرأ القرآن؟
قال: لا.
قلت: فمن أين علمت أني أخطأت؟
فقال: يا هذا، عزّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع (٤٩) (١) هو أبو عمر عيسى بن عمر الهمداني الكوفي الأعمى القارئ الثقة، قرأ على == عاصم بن أبي النجود وغيره وقرأ عليه الكسائي وغيره، وكان مقرئ الكوفة بعد حمزة توفي -رحمه الله- سنة 156 هـ.
انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 119، "غاية النهاية" 1/ 612، "التقريب" ص 440 (5314).
(٢) "الكتاب" 1/ 142 - 144، "معاني الزجاج" 2/ 171، 172، بتصرف، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 477، 478.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 172.
(٤) لا يزال المؤلف ينقل من "معاني الزجاج" 2/ 172.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 172.
(٦) "معاني القرآن" للفراء 1/ 306، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 228.
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 172.
(٨) انظر: "زاد المسير" 2/ 349، "البحر المحيط" 3/ 482.
(٩) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 228، "بحر العلوم" 1/ 433.
(١٠) أخرج ذلك الطبري في "تفسيره" 6/ 228، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 433، و"النكت والعيون" 2/ 35، والبغوي في "تفسيره" 3/ 51.
(١١) في (ش): (هذا).
(١٢) في (ش): (اثنان اثنان)، وما أثبته هو الموافق لـ "معاني القرآن".
(١٣) في (ش): (كذلك).
(١٤) في "معاني القرآن" 1/ 307 التثنية.
(١٥) هو أبو ذؤيب، تقدمت ترجمته.
(١٦) عجز البيت كما عند الفراء: كنوافذ العبط التي لا ترقع وهو في "ديوان الهذليين" 1/ 20.
والبيت في وصف فارسين يتنازلان، وتخالسا نفسيهما أراد كل واحد منهما اختلاس نفس الآخر وانتهاز الفرصة للقضاء عليه، والنوافذ الطعنات النافذة، والعبط جمع عبيط وهو ما يشق.
(١٧) عجزه كما عند الفراء: فان زمانكم زمن خميص وهو في "الكتاب" 1/ 210 ولا يعرف قائله.
والخميص من المخمصة وهي الجوع.
والشاهد منه أنه استعمل المفرد للجمع: بطنكم والمراد: بطونكم.
(١٨) "معاني القرآن" 1/ 306 - 308 بتصرف، وانظر: "الكتاب" 1/ 210، "زاد المسير" 2/ 349.
(١٩) ما بين القوسين ليس في "معاني الزجاج".
(٢٠) رجز لخطام المجاشعي أو لهميان بن قحافة وهو في "الكتاب" 2/ 48، "معاني الفراء" 3/ 17، يصف فيه فلاتين، وقبله: وَمهَمهين قَذِفين مَرْتَين ...
جِبتُهما بالنَّعت لا بِالنَّعتَين ظهرهما ................
(٢١) وشبه الفلاتين بالترسين في الاستواء.
والشاهد منه أنه ثَنَّى وجَمَع المضاف للمثنى.
(٢٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 173، وانظر: "الكتاب" 2/ 48، 49.
(٢٣) ساقط من (ش).
(٢٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 173، وانظر: "الكتاب" 2/ 48، 49.
(٢٥) ما بين القوسين بياض في النسختين.
(٢٦) ساقط من (ج).
(٢٧) تقدم تخريج هذه القراءة قريبًا، ولم أقف على قول أبي علي.
(٢٨) انظر: "زاد المسير" 2/ 350.
(٢٩) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 167.
(٣٠) هذا ما عليه أكثر العلماء، انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 229، والبغوي في "تفسيره" 3/ 52، "زاد المسير" 2/ 350، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 160، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 63.
(٣١) قال ابن منظور: سمي بذلك لأن الناس والأموال هلكوا فيه كثيراً، وقيل: هو لجدب تتابع فصير الأرض والشجر مثل لون الرماد، والأول أجود.
"اللسان" 3/ 1727 (رمد).
(٣٢) انظر: "الأم" 6/ 147 - 149، والبغوي في "تفسيره" 3/ 52، و"التفسير الكبير" 11/ 226، 227، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 63.
(٣٣) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 229، و"بحر العلوم" 1/ 434، والبغوي في "تفسيره" 3/ 52، و"زاد المسير" 2/ 351، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 63 - 64.
(٣٤) انظر: "المدونة" 4/ 413، والطبري في "تفسيره" 6/ 229، "زاد المسير" 2/ 351، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 160، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 63.
(٣٥) هي عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، أكثرت من الرواية عن عائشة - ا-، وهي فقيهة ثقة أخرج حديثها الجماعة، ماتت == -رحمها الله- قبل سنة 100هـ، وقيل بعدها.
انظر: "سير أعلام النبلاء" 4/ 507، "التقريب" ص 750 (8643).
(٣٦) أخرجه البخاري (6789) كتاب الحدود، باب: قول الله تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ 8/ 16، 17، ومسلم (1684) كتاب الحدود، باب: حد السرقة ونصابها 3/ 1312 (ح 1).
(٣٧) ذكره القرطبي في "تفسيره" 6/ 161 عن إسحاق.
(٣٨) لم أقف عليه.
وقد أخرج الطبري في "تفسيره" عن نجدة الحنفي قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ﴾ أخاص أم عام؟
فقال: بل عام.
"جامع البيان" 6/ 229.
وهذا يحتمل أنه أراد القلة أو هو موافق لما تقدم من أقوال العلماء، انظر ابن كثير في "تفسيره" 2/ 63.
(٣٩) قال السمرقندي: ورُوي عن ابن الزبير أنه قطع في نَعلٍ ثمنه درهم "بحر العلوم" 1/ 433.
هذا ما وجدته عن ابن الزبير.
(٤٠) انظر: "زاد المسير" 2/ 354.
(٤١) هذا قول مالك والشافعي.
انظر: البغوي في "تفسيره" 3/ 53، "زاد المسير" 2/ 354.
(٤٢) هذا إذا كان القتل ثابتًا، مع أنه لم يثبت، انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 172.
(٤٣) وهو قول أحمد أيضًا.
انظر: البغوي في "تفسيره" 3/ 54، "زاد المسير" 2/ 354.
(٤٤) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 165.
(٤٥) في "معاني الزجاج" 2/ 174: به.
(٤٦) عند الزجاج: بجزاء.
(٤٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 174، وانظر: القرطبي في "تفسيره" 6/ 174.
(٤٨) أي: يد السارق.
(٤٩) ذكره في "الوسيط" 3/ 876، وانظر: "زاد المسير" 2/ 354.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ عموم الآية يقتضي قطع كل سارق؛ إلا أن الفقهاء اشترطوا في القطع شروطاً خصصوا بها العموم؛ فمن ذلك من اضطره الجوع إلى السرقة لم يقطع عند مالك؛ لتحليل الميته له، وكذلك من سرق مال والده أو سيده، أو من سرق من غير حرز، مكان محفوظ أو سرق أقل من النصاب، وهو عند مالك ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الفضة، أو ما يساوي أحدهما، وأدلة التخصيص بهذه الأشياء في غير هذه الآية، وقد قيل: إن الحرز مأخوذ من هذه الآية، لأن ما أهمل بغير حرز أو ائتمن عليه، فليس أخذه سرقة وإنما هو اختلاس أو خيانة، وإعراب السارق عند سيبوية مبتدأ، وخبره محذوف: كأنه قال فيما يتلى عليكم السارق والسارقة، والخبر عند المبرد وغيره فاقطعوا أيديهما، ودخلت الفاء لتضمنها معنى الشرط ﴿ فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ ﴾ الآية: توبة السارق هي أن يندم على ما مضى، ويقلع فيما يستقبل، ويردّ ما سرق إلى من يستحقه، واختلف إذا تاب قبل أن يصل إلى الحاكم، هل يسقط عنه القطع وهو مذهب الشافعي لظاهر الآية؟
أو لا يسقط عنه وهو مذهب مالك؛ لأن الحدود عنده لا تسقط بالتوبة إلا عن المحارب للنص عليه ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ﴾ قدم العذاب على المغفرة لأنه قوبل بذلك تقدم السرقة على التوبة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لأقتلنك ﴾ بالنون الخفيفة.
روى المعدّل عن زيد ﴿ يدي إليك ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع.
﴿ من أجل ﴾ بكسر النون: يزيد وقرأ ورش بفتح النون موصولة ﴿ رسلنا ﴾ بسكون السين حيث كان: أبو عمرو.
الوقوف: ﴿ بالحق ﴾ م على أن "إذ" معمول اذكر محذوفاً ولو وصل لأوهم أنه معمول ﴿ اتل ﴾ وهو محال ﴿ من الآخر ﴾ ط ﴿ لأقتلنك ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ لأقتلك ﴾ ج لاحتمال إضمار اللام أو الفاء.
﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ الظالمين ﴾ ه ج لأجل الفاء ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ سوأة أخيه ﴾ ط ﴿ أخي ﴾ ج لطول ما اعترض من المعطوف/ والمعطوف عليه ﴿ النادمين ﴾ ه ج ﴿ من أجل ذلك ﴾ ج كذلك لأنّ قوله: ﴿ من أجل ﴾ يصلح أن يتعلق بـ ﴿ أصبح ﴾ وبـ ﴿ كتبنا ﴾ .
﴿ جميعاً ﴾ في الموضعين ط.
﴿ بالبينات ﴾ ز لأنّ "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ لمسرفون ﴾ ه ﴿ من الأرض ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا عليهم ﴾ ج لتناهي الاستثناء مع الجواب أي لا تعذب التائبين ﴿ فإنّ الله غفور رحيم ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لتناهي الشرط مع اتحاد المقصود من الكلام ﴿ أليم ﴾ ه لاتحاد المقصود مع اختلاف الجملتين ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ يتوب عليه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.
التفسير: في النظم وجوه منها: أنه راجع إلى قوله: ﴿ إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ﴾ فكأنه ذكر لأجل تسلية نبيّه قصصاً كثيرة كقصة النقباء وما انجرّ إليه الكلام من إصرار أهل الكتاب وتعنتهم بعد ظهور الدلائل القاطعة، ثم ختمها بقصة ابني آدم وأنّ أحدهما قتل الآخر حسداً وبغياً ليعلم أنّ الفضل كان محسوداً بكل أوان.
ومنها أنه عائد إلى قوله: ﴿ يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ﴾ فإنّ هذه القصة وكيفية إيجاب القصاص بسببها كانت من أسرار التوراة.
ومنها أنه من تمام قوله: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ أي لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينفع قابيل.
والمراد اتل على الناس أو على أهل الكتاب خبر ابني آدم من صلبه - هابيل وقابيل - تلاوة ملتبسة بالحق والصحة من عند الله ، أو ملتبسة بالصدق - لما في التوارة والإنجيل أو بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد والتحذير من سوء عاقبة الحاسد.
أو اتل عليهم وانت محق صادق لا مبطل هازل كالأقاصيص التي لا غناء فيها ﴿ إذ قربا ﴾ قال في الكشاف: نصب بالنبا أي قصتهم في ذلك الوقت أو بدل من النبا أي نبأ ذلك الوقت على حذف المضاف والمقصود إذ قرب كل واحد منهما قرباناً إلاّ أنه جمعهما في الفعل اتكالاً على قرينة الحكاية، أو لأنّ القربان في الأصل مصدر، ثم سمي به ما يتقرب به إلى الله من ذبيحة أو صدقة.
يروى أنّ آدم كان يولد له في كل سنة بطن غلام وجارية، فكان يزوّج البنت من بطن بالغلام من بطن آخر فولد قابيل وتوأمته إقليما وبعدهما هابيل وتوأمته لبودا.
وكانت توأمه قابيل أحسن وأجمل فأراد آدم أن يزوّجها من هابيل فأبى قابيل وقال: أنا أحق بها وليس هذا من الله وإنما هو رأيك.
فقال آدم لهما: قرّبا قرباناً فمن أيكما قبل قربانه زوّجتها منه.
فقبل الله قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته فازداد قابيل سخطاً وقتل أخاه حسداً.
هذا ما عليه أكثر المفسرين وأصحاب الأخبار, وقال الحسن والضحاك: إنهما ما كانا ابني آدم لصلبه وإنما كانا رجلين من بني إسرائيل لقوله عزّ من /قائل: ﴿ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ﴾ ومن البين أنّ صدور الذنب من أحد ابني آدم لا يصلح أن يكون سبباً لإيجاب القصاص على بني إسرائيل، وزيف بأنّ الآية تدل على أنّ القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم ذلك من عمل الغراب ولو كان من بني إسرائيل لم يخف عليه.
قال مجاهد: أكل النار علامة الرد.
وجمهور المفسرين على أنّ ذلك علامة القبول.
وقيل: ما كان في ذلك الوقت فقير يدفع إليه ما يتقرّب إلى الله فكانت النار تنزل من السماء فتأكله.
وإنما صار أحد القربانين مقبولاً والآخر مردوداً لأنّ حصول التقوى شرط في قبول الأعمال ولهذا قال حكاية عن المحق في جواب المبطل: ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ وذلك لأنه لما كان الحسد هو الذي حمله على توعده بالقتل فكأنه قال له: ما لك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على طاعة الله التي هي السبب في القبول؟
قيل في هذه القصة: إنّ أحدهما جعل قربانه أحسن ما كان معه وكان صاحب غنم، والآخر جعله أرادأ ما كان معه وكان صاحب زرع.
وقيل: إنه أضمر حين قرب أنه لا يزوّج أخته من هابيل سواء قبل أو لم يقبل.
وقيل: لم يكن قابيل من أهل التقوى وفي الكلام حذف فكأن هابيل قال في جواب المتوعد: لم تقتلني؟
قال: لأنّ قربانك صار مقبولاً.
فقال هابيل: وما ذنبي إنما يتقبل الله من المتقين.
ثم حكى الله عن المظلوم أنه قال: ﴿ لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك ﴾ فذكر الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل مقروناً بالباء المزيدة لتأكيد النفي دلالة على أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع ألبتة.
قال مجاهد: كان أقوى من القاتل وأبطش منه ولكنه تحرّج عن قتل أخيه واستسلم له خوفاً من الله لانّ الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت وهذا وجه قوله: ﴿ إني أخاف الله رب العالمين ﴾ وقيل: المعنى لا أبسط يدي إليك لغرض قتلك وإنما أبسط يدي إليك لغرض الدفع.
قال أهل العلم: الدافع عن نفسه يجب عليه أن يدفع بالأيسر فالأيسر وليس له أن يقصد القتل بل يجب عليه أن يقصد الدفع، ثم إن لم يندفع إلاّ بالقتل جاز له ذلك.
ثم قال: ﴿ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ﴾ فسئل أنه كيف يعقل أن يرجع القاتل مع إثم المقتول ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ ؟
فقال ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة: أي تحمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي.
وقال الزجاج: ترجع إلى الله بإثم قتلي وأثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك.
وقال في الكشاف: إنه يحتمل مثل الإثم المقدر كأنه قال إني أريد أن تبوء بمثل إثمي لو بسطت إليك يدي.
سؤال آخر: كيف جاز أن يريد معصية أخيه وكونه من أهل النار؟
والجواب أن هذا الكلام إنما دار بينهما عندما غلب على ظن المقتول أنه يريد قتله وكان ذلك قبل إقدام القاتل على إيقاع القتل فكأنه لما وعظه/ ونصحه قال له: إن كنت لا تنزجر عن هذه الكبيرة بسبب هذه النصيحة فلا بد أن تترصد لقتلي في وقت غفلة وحينئذٍ لا يمكنني أن أدفعك عن قتلي إلاّ إذا قتلتك ابتداء بمجرد الظن والحسبان وهذا مني كبيرة ومعصية، وإذا دار الأمر بين أن أكون فاعل هذه المعصية أنا وبين أن تكون أنت فأنا أحب أن تحصل هذه الكبيرة لك لا لي، ومن البين أن إرادة صدور الذنب عن الغير في هذه الحالة لا يكون حراماً بل هو عين الطاعة.
أو المراد أريد أن تبوء بعقوبة قتلي، ولا شك أنه يجوز للمظلوم أن يرد من الله عقاب الظالم.
وروي أنّ الظالم إذا لم يجد يوم القيامة ما يرضي خصمه أخذ من سيئات المظلوم وحمل على الظالم، فعلى هذا يجوز أن يقال: إني أريد أن تبوء بإثمي الذي يحمل عليك يوم القيامة إذا لم تجد ما يرضيني، وبإثمك في قتلك إياي وهذا يصلح جواباً عن السؤال الأوّل أيضاً.
﴿ فطوّعت له نفسه قتل أخيه ﴾ وسعته ورخصته وسهلت من طاع له المرتع وأطاع إذا اتسع وله لأجل زيادة الربط كقول القائل: حفظت لزيد ماله.
ومنهم من قال: شجعته فقتله.
والتحقيق أن الإنسان يعلم أن القتل العمد العدوان من أعظم الذنوب فهذا الاعتقاد يكون صارفاً له عن فعله فلا يطاوع النفس الأمارة حتى إذا كثرت وساوسها انقاد لها وخضع.
وإضافة التطويع والتمرين إلى النفس لا ينافي كون الكل مضافاً إلى قضاء الله فتنبه.
يحكى أنّ قابيل لم يدر كيف يقتل هابيل فظهر له إبليس وأخذ طيراً وضرب رأسه بحجر فتعلّم قابيل ذلك منه.
ثم إنه وجد هابيل يوماً نائماً فضرب رأسه بصخرة فمات.
وعن النبي أنه قال: " "لا تقتل نفس ظلماً إلاّ كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها" ولذلك أنه أوّل من سن القتل ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ دنياه وآخرته لأنه أسخط والديه وبقي مذموماً إلى يوم القيامة ثم يلقى في النار خالداً.
قيل: لما قتل أخاه هرب من أرض اليمن إلى عدن فأتاه إبليس وقال له: إنما أكلت النار قربان هابيل أنه كان يخدم النار ويعبدها.
فبنى بيت نار وهو أوّل من عبد النار.
وروي أن هابيل قتل وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء.
وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم.
وروي أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلاً.
فقال: بل قتلته ولذلك اسودّ جسدك.
ومكث آدم بعده مائة سنة لم يضحك وإنه رثاه بشعر هو هذا: تغيرت البلاد ومن عليها *** فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي طعم ولون *** وقل بشاشة الوجه المليح قال في الكشاف: إنه كذب بحت وقد صح أن الأنيباء معصومون عن الشعر وصدّقه في التفسير الكبير وقال: إنّ ذلك من غاية الركاكة بحيث لا يليق بالآحاد فضلاً من الأفراد وخصوصاً من علمه حجة على الملائكة.
وأقول: أما أن جميع الأنبياء معصومون عن الشعر فلعل دعوى العموم لا تمكن فيه وكأنه من خصائص نبينا محمد ولهذا أثنى الله عليه بقوله: ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴾ وأما أنه من الركاكة بالحيثية المذكورة فمكابرة مع أن مقام البث والشكوى لا يحتمل الشعر المصنوع والله أعلم بحقيقة الحال.
قال المفسرون: إنه لما قتله تركه لا يدري ما يصنع به ثم خاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى تغيّر فبعث الله غراباً.
روى الأكثرون أنه بعث غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة فتعلم من الغراب.
وقال: الأصم: لما قتله وتركه بعث الله غراباً يحثى على المقتول فلما رأى القاتل أنّ الله كيف يكرمه بعد موته ندم.
وقال أبو مسلم: عادة الغراب دفن الأشياء فجاء غراب فدفن شيئاً فتعلم ذلك منه ﴿ ليريه ﴾ أي الله أو الغراب أي ليعلمه وذلك أنه كان سبب تعليمه ﴿ كيف يواري ﴾ محله نصب على الحال من ضمير ﴿ يواري ﴾ والجملة منصوبة بيرى مفعولاً ثانياً أي ليريه كيفية مواراة سوأة أخيه أي عورته وهو ما لا يجوز أن ينكشف من جسده.
وقيل: أي جيفة أخيه.
والسوأة السوء الخلة القبيحة ﴿ يا ويلتي ﴾ كلمة عذاب.
يقال: ويل له وويله ومعناه الدعاء بالإهلاك وقد يقال في معرض الترحم.
وإنما طلب إقبال الويل ههنا على سبيل التعجب والندبة أي احضر حتى يتعجب منك ومن فظاعتك أو احضر فهذا أوان حضورك.
والألف بدل من ياء المتكلم ﴿ أعجزت ﴾ استفهام بطريق الإنكار ﴿ أن أكون ﴾ أي عن أن أكون ﴿ مثل هذا الغراب ﴾ أي في الفعلة المذكورة ولهذا قال: ﴿ فأواري ﴾ بالنصب على جواب الاستفهام ﴿ من النادمين ﴾ الندم وضع للزوم ومنه النديم لملازمته المجلس.
وإنما لم يكن ندمه توبة لأنه لما تعلم الدفن من الغراب صار من النادمين على أنّ حمله على ظهره سنة، أو ندم على قتل أخيه لأنه لم ينتفع بقتله بل سخط عليه أبواه وإخوته، أو ندم لأنه تركه بالعراء استخفافاً وتهاوناً وكان دون الغراب في الشفقة على مقتولة حتى صار الغراب دليلاً وقد قيل: إذا كان الغراب دليل قوم *** ﴿ من أجل ذلك ﴾ القتل قيل: هو من أجل شراً يأجله أجلاً إذا جناه ﴿ كتبنا على بني إسرائيل ﴾ إن كان القاتل والمقتول من بني إسرائيل فالمناسبة بين الواقعة وبين وجوب القصاص عليهم ظاهرة، وإن كانا ابني آدم من صلبه فالوجه أن يكون/ ذلك إشارة إلى ما في القصة من أنواع المفاسد كخسران الدارين وكالندم على الأمور المذكورة، أي من أجل ما ذكرنا في أثناء القصة من المفاسد الناشئة من القتل العمد والعدوان شرعنا القصاص في حق القاتل، ثم وجوب القصاص وإن كان عاماً في جميع الأديان والملل إلاّ أنّ التشديد المذكور في الآية - وهو أن قتل النفس الواحدة جار مجرى قتل جميع الناس - غير ثابت إلاّ على بني إسرائيل.
والغرض بيان قساوة قلوبهم فإنهم مع علمهم بهذا الحكم أقدموا على قتل الأنبياء والرسل فيكون فيه تسلية لرسول الله في الواقعة التي عزموا فيها على قتله.
ثم القائلون بالقياس استدلوا بالآية على أنّ أحكام الله قد تكون معللة بالعلل لأنه صرّح بأن الكتبة معللة بتلك المعاني المشار إليها بقوله: ﴿ من أجل ذلك ﴾ والمعتزلة أيضاً قالوا: إنها دلّت على أنّ الأحكام معللة بمصالح العباد.
ويعمل منه امتناع كونه خالقاً للكفر والقبائح لأنّ ذلك ينافي مصلحة العبد.
والأشاعرة شنعوا عليهم بلزوم الاستكمال.
والتحقيق أنّ استتباع الفعل الغاية الصحيحة لا ينافي الكمال الذاتي وقد سبق مراراً.
﴿ بغير نفس ﴾ أي بغير قتل نفس وهو أن يقع لا على وجه الاقتصاص.
﴿ أو فساد ﴾ قال الزجاج: إنه معطوف على ﴿ نفس ﴾ بمعنى أو بغير فساد ﴿ في الأرض ﴾ كالكفر بعد الإيمان وكقطع الطريق وغيره من المهدّدات ﴿ فكأنما قتل الناس جميعاً ﴾ وههنا نكتة وهي أنّ التشبيه لا يستدعي التسوية بين المشبة والمشبه به من كل الوجوه، فلا يكون قتل النفس الواحدة قتل جميع الناس فإنّ الجزء لا يعقل أنه مساوٍ للكل.
فالغرض استعظام أمر القتل العمد العدوان واشتراك القتلين في استحقاق الإثم كما قال مجاهد: قاتل النفس جزاؤه جهنم وغضب الله والعذاب العظيم ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك.
والتحقيق فيه أنه إذا أقدم على القتل العمد العدوان فقد رجح داعية الشهوة والغضب على داعية الطاعة، وإذا ثبت الترجيح بالنسبة إلى واحد ثبت بالنسبة إلى كل واحد بل بالإضافة إلى الكل لأنّ كل إنسان يدلي من الكرامة والحرمة بما يدلي به الآخر.
وفيه أن جد الناس واجتهادهم في دفع قاتل شخص واحد يجب أن يكون مثل جدّهم في دفعة لو علموا أنه يقصد قتلهم بأسرهم ﴿ ومن أحياها ﴾ استنقذها من مهلكة كحرق أو غرق أو جوع مفرط ونحو ذلك، والكلام في تشبيه إحياء البعض بإحياء الكل كما تقرر في القتل ﴿ ثم إنّ كثيراً منهم ﴾ أي من بني إسرائيل ﴿ بعد ذلك ﴾ بعد مجيء الرسل ﴿ لمسرفون ﴾ في القتل لا يبالون بهتك حرمة.
ومعنى "ثم" تراخي الرتبة.
ثم إنه بين أن الفساد في الأرض الموجب للقتل ما هو فقال: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ استدل بالآية من جوز إرادة الحقيقة والمجاز معاً من لفظ واحد/ لأنّ محاربة الله عبارة عن المخالفة فقط لا يمكن حملها على حقيقة المحاربة.
ويحتمل أن يقال: إنا نحمل هذه المحاربة على مخالفة الأمر والتكليف.
والتقدير إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله وأحكام رسوله، أو المراد إنما جزاء الذين يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله كما جاء في الخبر "من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة " ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ نصب على الحال أي مفسدين، أو على العلة أي للفساد، أو على المصدر الخاص نحو: رجع القهقرى.
لأنّ افساد نوع من السعي.
عن قتادة عن أنس "أن الآية نزلت في العرنيين الذين قتلوا راعي رسول الله واستاقوا الذود، فبعث رسول الله في آثارهم وأمر بقطع أيديهم وأرجلهم ثم سمل أعينهم وتركهم حتى ماتوا" فكانت الآية ناسخة لتلك السنة.
وعند الشافعي لما لم يجز نسخ السنة بالقرآن كان الناسخ لتلك السنة سنة أخرى ونزل هذا القرآن مطابقاَ للسنة الناسخة.
وقيل: "نزلت في قوم أبي برزة الأسلمي - وكان بينه وبين رسول الله عهد - فمرّ بهم قوم من كنانة يريدون الإسلام وأبو برزة غائب فقتلوهم وأخذوا أموالهم" .
وقيل: إنها في بني إسرائيل الذين حكى الله عنهم أنهم مسرفون في القتل.
وقيل: في قطّاع الطريق من المسلمين وهذا قول أكثر الفقهاء.
قالوا: ولا يجوز حمل الآية على المرتدين لأنّ قتل المرتد لا يتوقف على المحاربة وإظهار الفساد في الأرض، ولأنه لا يجوز الاقتصار في المرتد على قطع اليد أو النفي، ولأن حدّه يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه وبعدها، ولأنّ الصلب غير مشروع في حقه، ولأن اللفظ عام.
وشرطوا في هذا المحارب بعد كونه مسلماً مكلفاً أن يكون معتمد القوة في المغالبة مع البعد عن الغوث فيخرج الكفار والمراهقون والمعتمد على الهرب، وكذا المعترض للقادر على الاستعانة بمن يغيثه.
واتفقوا على أنّ هذه الحالة إذا حصلت في الصحراء كان قاطع الطريق، فأما في نفس البلد فكذلك عند الشافعي لعموم النص.
وخالف أبو حنيفة ومحمد لأنه يلحقه الغوث في الغالب فحكمه حكم السارق.
وللعلماء في لفظ "أو" في الآية خلاف.
فعن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وقول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد أنها للتخيير إن شاء الإمام قتل وإن شاء صلب وإن شاء قطع الأيدي والأرجل وإن شاء نفى.
وعنه في رواية عطاء أنّ الأحكام تختلف بحسب الجنايات، فمن اقتصر على القتل قتل، ومن قتل وأخذ المال قدر نصاب السرقة قتل وصلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السبيل ولم يأخذ المال نفي من الأرض، وإليه ذهب الشافعي والأكثرون.
والذي يدل على ضعف القول الأول أنه ليس للإمام الاقتصار على النفي بالإجماع ولأن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقد همّ بالمعصية ولم يفعل وهذا لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي.
فتقدير الآية أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن جمعوا بين القتل والأخذ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على الأخذ.
والتشديد في هذه الأفعال للتكثير.
﴿ أو ينفوا من الأرض ﴾ إن أخافوا السبيل والقياس الجلي أيضاً يؤيد هذا التفسير لأنّ القتل العمد العدوان يوجب القتل فغلظ ذلك في قاطع الطريق بالتحتم وعدم جواز العفو.
وأخذ المال يتعلق به قطع اليد فغلظ في حقه بقطع الطرفين ﴿ من خلاف ﴾ أي يده اليمنى ورجله اليسرى، فإن عاد فالباقيتان.
قيل: وإنما قطع هكذا لئلاّ يفوت جنس المنفعة.
قلت: هذا أيضاً من باب التغليظ لأنّ اليد اليمنى أعون في العمل والرجل اليسرى أعون في الركوب.
وإن جمعوا بين القتل والأخذ يجمع بين القتل والصلب، لأنّ بقاءه مصلوباً في ممر الطريق أشهر وأزجر.
وإن اقتصروا على مجرد الإخافة اقتصر الشرع على عقوبة خفيفة هي النفي.
قال أبو حنيفة: إذا قتل وأخذ المال فالإمام مخيّر بين أن يقتل فقط أو يقطع ثم يقتل ويصلب.
وعندالشافعي لا بد من الصلب لأجل النص.
وكيفية الصلب أن يقتل ويصلّى عليه ثم يصلب مكفناً ثلاثة أيام.
وقيل: يترك حتى يتهرى ويسيل صديده أي صليبه وهو الودك.
وعند أبي حنيفة يصلب حياً ثم يمزق بطنه برمح حتى يموت أو يترك بلا طعام وشراب حتى يموت جوعاً، ثم إن أنزل غسل وكفن وصلّي عليه ودفن، وإن ترك حتى يتهرى فلا غسل ولا صلاة.
أما النفي فإنّ الشافعي حمله على معنيين: أحدهما أنهم إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام إن ظفر بهم أقام عليهم الحد، وإن لم يظفر بهم طلبهم أبداً.
فكونهم خائفين من الإمام هاربين من بلد إلى بلد هو المراد من النفي.
والثاني الذين يحضرون الواقعة ويعينونهم بتكثير السواد وإخافة المسلمين ولكنهم ما قتلوا وما أخذوا المال، فالإمام يأخذهم ويعزرهم ويحبسهم، فيكون المراد بنفيهم هو هذا الحبس.
وقال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق: النفي هو الحبس لأنّ الطرد عن جميع الأرض غير ممكن، وإلى بلدة أخرى استضرار بالغير، وإلى دار الكفر تعريض للمسلم بالردة، فلم يبق إلاّ أن يكون المراد الحبس لأنّ المحبوس لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا فكأنه خارج منها ولهذا قال صالح بن عبد القدوس حين حبسوه على تهمة الزندقة وطال لبثه: خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها *** فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة *** عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا ﴿ ذلك لهم خزي ﴾ ذل وفضيحة ﴿ في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴾ استدل/ المعتزلة بها على القطع بوعيد الفساق وعلى الإحباط.
وقالت الأشاعرة: بل بشرط عدم العفو ﴿ إلاّ الذين تابوا ﴾ قال الشافعي: إن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه ما يختص بقطع الطريق من العقوبات لأنه متهم حينئذٍ بدفع العذاب عنه وفي سائر الحدود بعد القدرة عليه.
قيل: يكفي في التوبة إظهارها كما يكفي إظهار الإسلام تحت ظلال السيوف.
والأصح أنه لا بدّ مع التوبة من إصلاح العمل لقوله في الزنا ﴿ فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ﴾ وفي السرقة ﴿ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح ﴾ ولعل الفائدة في هذا الشرط أنه إن ظهر ما يخالف التوبة أقيم عليه الحد، وإنما يسقط بتوبة قاطع الطريق قبل القدرة عليه تحتم القتل.
فالولي يقتص أو يعفو بناء على أن عقوبة قاطع الطريق لا تتمحض حداً بل يتعلق بها القصاص وهو الأظهر، أما إذا محضناه حداً فلا شيء عليه، وإن كان قد أخذ المال وقتل سقط الصلب وتحتم القتل.
وفي القصاص وضمان المال ما ذكرنا وإن كان قد أخذ المال سقط عنه قطع الرجل.
وفي قطع اليد وجهان: الأظهر السقوط أيضاً بناء على أنه جزء من الحد الواجب فإذا لم يقم الكل لم يقم شيء من أجزائه بالاتفاق.
والثاني أنه ليس من خواص قطع الطريق لأنه يجب بالسرقة ففي سقوطه الخلاف في سائر الحدود.
ثم إنه لما بيّن كمال جسارة اليهود على المعاصي وغاية بعدهم عن الوسائل إلى الله وآل الكلام إلى ما آل عاد إلى إرشاد المؤمنين ليكونوا بالضدّ منهم فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ وأيضاً فإنهم قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه أي نحن أبناء الأنبياء وكان افتخارهم بأعمال آبائهم فقيل للمؤمنين: لتكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بأسلافكم فقوله: ﴿ اتقوا الله ﴾ إشارة إلى ترك المنهيات وقوله: ﴿ وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ عبارة عن فعل المأمورات وإن كان ترك المناهي أيضاً من جملة الوسائل إلاّ أن هذا التقرير مناسب، والفعل والترك أيضاً يعتبران في الأخلاق الفاضلة والذميمة وفي الأفكار الصائبة والخاطئة، وأهل التحقيق يسمون الترك والفعل بالتخلية والتحلية أو بالمحو والحضور أو بالنفي والإثبات أو بالفناء والبقاء، والأول مقدّم على الثاني، فما لم يفن عما سوى الله لم يرزق البقاء بالله.
والوسيلة "فعيلة" وهي كل ما يتوسل به إلى المقصود ولهذا قد تسمى السرقة توسلاً والواسل الراغب إلى الله قال لبيد: ألا كل ذي لب إلى الله واسل *** والتوسيل والتوسل واحد يقال: وسل إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه/ بعمل قالت التعليمية: إنه أمر بابتغاء الوسيلة إليه فلا بد من معلم يعلمنا معرفته.
وأجيب بأن الأمر بالابتغاء مؤخر عن الإيمان لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فعلمنا أن المراد بالوسائل هي العبادات والطاعات.
ثم إن ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي لما كان شاقاً على النفس ثقيلاً على الطبع لأن العقل يدعو إلى خدمة الله والنفس تدعو إلى اللذات الحسيات والجمع بينهما كالجمع بين الضرتين والضدّين أردف التكليف المذكور بقوله: ﴿ وجاهدوا في سبيله ﴾ والمراد بهذا القيد أن تكون العبادة لأجلة لا لغرض سواه وهذه مرتبة السابقين.
ثم قال: ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ والفلاح اسم جامع للخلاص من المكروه والفوز بالمحبوب وهذه دون الأولى لأن غرضه الرغبة في الجنة أو الرهبة من النار وكلتا المرتبتين مرضية.
ثم أشار إلى مرتبة الناقصين بقوله ﴿ إن الذين كفروا ﴾ وخبر "إن" مجموع الجملة الشرطية وهي قوله: ﴿ لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به ﴾ أي بالمذكور أو الواو بمعنى "مع" والعامل في المفعول معه وهو المثل ما في "إن" من معنى الفعل أي لو ثبت ﴿ من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ﴾ والغرض التمثيل وأن العذاب لازم لهم وقد مر مثله في سورة آل عمران.
وعن النبي : " يقال للكافر يوم القيامة أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟
فيقول: نعم.
فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك" ﴿ يريدون أن يخرجوا ﴾ أي يتمنون الخروج من النار أو يقصدون ذلك.
قيل: إذا رفعهم لهب النار إلى فوق فهناك يتمنون الخروج.
وقيل: يكادون يخرجون منها لقوتها ورفعها إياهم.
عمم المعتزلة هذا الوعيد في الكفار وفي الفساق، وخصصه الأشاعرة بالكفار لدلالة الآية المتقدمة.
ثم إنه تعالى عاد إلى تتميم حكم أخذ المال من غير استحقاق وهو المأخوذ على سبيل الخفية لا المحاربة فقال: ﴿ والسارق والسارقة ﴾ وهما مرفوعان على الابتداء والخبر محذوف عند سيبويه والأخفش والتقدير فيما فرض أو فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أي حكمها.
وعند الفراء - وهو اختيار الزجاج - أن الألف واللام فيهما بمعنى الذي والتي وخبرهما: ﴿ فاقطعوا ﴾ ودخول الفاء لتضمنها معنى الشرط كأنه قيل: الذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما.
وقراءة عيسى بن عمر بالنصب وفضلها سيبويه على القراءة المشهورة لأن الإنشاء لا يحسن أن يقع خبراً إلاّ بتأويل وأما إذا نصبت فإنه يكون من باب الإضمار على شريطة التفسير والفاء يكون مؤذناً بتلازم ما قبلها وما بعدها مثل: ﴿ وربك فكبر ﴾ وضعف قول سيبويه بأنه طعن ي قراءة واظب عليها رسول الله وترجيح للقراءة الشاذة/ وفيه ما فيه على أن الإضمار الذي ذهب إليه هو خلاف الأصل.
والذي مال إليه الفراء أدل على العموم وأوفق لقوله : ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ فإنه تصريح بأن المراد من الكلام الأول هو الشرط والجزاء.
أما البحث المعنوي في الآية فإن كثيراً من الأصوليين زعموا أنها مجملة لأنه لم يبين نصاب السرقة وذكر الأيدي وبالإجماع لا يجب قطع اليدين، ولأن اليد تقع على الأصابع بدليل أن من حلف لا يلمس فلاناً بيده فلمسه بأصابعه فإنه يحنث، وتقع على الأصابع مع الكف وعلى الأصابع والكف والساعدين إلى المرفقين وعلى كل ذلك إلى المنكبين.
وأيضاً الخطاب في: ﴿ فاقطعوا ﴾ إما لإمام الزمان كما هو مذهب الأكثرين أو لمجموع الأمة أو لطائفة مخصوصة فثبت بهذه الوجوه أن الآية مجملة.
وقال المحققون: مقتضى الآية ولا سيما في تقدير الفراء عموم القطع بعموم السرقة إلاّ أن السنة خصصته بالنصاب.
أو نقول: إن أهل اللغة لا يقولون لمن أخذ حبة بر إنه سارق.
والمراد بالأيدي اليدان مثل: ﴿ فقد صغت قلوبكما ﴾ وقد انعقد الإجماع على أنه لا يجب قطعهما معاً ولا الابتداء باليسرى.
واليد اسم موضوع لهذا العضو إلى المنكب ولهذا قيد في قوله: ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ وقد ذهب الخوارج إلى وجوب قطع اليدين إلى المنكبين لظاهر الآية إلاّ أن السنة خصصته بالكوع.
والحاصل أن الآية عامة لكنها خصصت بدلائل منفصلة فتبقى حجة في الباقي، وهذا أولى من جعلها مجملة غير مفيدة أصلاً.
ثم إن جمهور الصحابة والفقهاء ذهبوا إلى أن القطع لا يجب إلاّ عند شروط كالنصاب والحرز، وخالف ابن عباس وابن الزبير والحسن وداود الأصفهاني والخوارج تمسكاً بعموم الآية، ولأن مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة، فالذي يستقله الملك يستكثره الفقير.
وقد قال الشافعي: لو قال لفلان عليّ مال عظيم ثم فسره بالحبة يقبل لاحتمال أن يريد أنه عظيم في الحل أو عظيم عنده لشدة فقره.
ولما طعنت الملحدة في الشريعة بأن اليد كيف ينبغي أن تقطع في قليل مع أن قيمتها خمسمائة دينار من الذهب، أجيب عنه بأن ذلك عقوبة من الشارع له على دناءته.
وإذا كان هذا الجواب مقبولاً من الكل فليكن مقبولاً منا في إيجاب القطع على القليل والكثير.
وأيضاً اختلاف المجتهدين في قدر النصاب كما يجيء يدل على أن الأخبار المخصصة عندهم متعارضة فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن.
ودعوى الإجماع على أن القطع مخصوص بمقدار معين غير مسموعة لخلاف بعض الصحابة والتابعين كما قلنا.
واعلم أن الكلام في السرقة يتعلق بأطراف المسروق ونفس السرقة والسارق.
وأما المسروق فمن شروطه عند الأكثرين أن يكون نصاباً.
ثم قال الشافعي: إنه ربع دينار من الذهب الخالص وما سواه يقوم به وهو مذهب الإمامية لما روي أنه قال: "لا/ قطع إلاّ في ربع دينار" وقال أبو حنيفة: النصاب عشرة دراهم لما روي أنه قال: " "لا قطع إلا في ثمن المجن" والظاهر أن ثمن المجن لا يكون أقل من عشرة دراهم، وقال مالك: ربع دينار أو ثلاثة دراهم.
وعن أحمد روايتان كالشافعي وكمالك.
وقال ابن أبي ليلى: خمسة دراهم.
وعن الحسن: درهم.
وفي مواعظه: "احذر من قطع يدك في درهم".
ومنها أن يكون المسروق ملك غير السارق لدى الإخراج من الحرز.
فلو سرق مال نفسه من يد غيره كيد المرتهن والمستأجر أو اطرأ ملكه في المسروق قل إخراجه من الحرز بأن ورثه السارق أو اتهبه وهو فيه سقط القطع.
ومنها أن يكون محترماً لا كخمر وخنزير.
ومنها أن يكون الملك تاماً قوياً.
والمراد بالتمام أن لا يكون السارق فيه شركة أو حق كمال بيت المال، وبالقوّة أن لا يكون ضعيفاً كالمستولدة والوقف.
ومنها كون المال خارجاً عن شبهة استحقاق السارق، فلو سرق رب الدين من مال المديون فإن أخذه لا على قصد استيفاء الحق أو على قصده والمديون غير جاحد ولا مماطل قطع، وإن أخذه على قصد استيفاء الحق وهو جاحد أو مماطل فلا يقطع سواء أخذ من جنس حقه أو لا من جنسه.
وإذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر وكان المال محرزاً عنه فعند أبي حنيفة لا يجب القطع.
وعند الشافعي ومالك وأحمد يجب.
ومنها كون المال محرزاً لقوله : "لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن" وحرز كل شيء على حسب حاله.
فالإصطبل حرز الدواب وإن كانت نفيسة وليس حرزاً للثياب والنقود.
والصفة في الدار وعرصتها حرزان للأواني وثياب البذلة دون الحلي والنقود فإن العادة فيها الإحراز في الصناديق والمخازن.
وعن أبي حنيفة أن ما هو حرز لمال فهو حرز لكل مال.
وأما السرقة فهي إخراج المال عن أن يكون محرزاً ولا بد من شرط الخفية فلا قطع على المختلس والمنتهب والمعتمد على القوة، ولا على المودع إذا جحد خلافاً لأحمد.
وأما السارق فيشترط فيه التكليف والتزام الأحكام والاختيار؛ فيقطع الذمي والمعاهد ولا يقطع المكره.
وإنما تثبت السرقة بثلاث حجج: باليمين المردودة أو بالإقرار أو بشهادة رجلين.
ويتعلق بها حكمان: الضمان والقطع.
وقال أبو حنيفة: القطع والغرم/ لا يجتمعان.
حجة الشافعي أن قوله : " "على اليد ما أخذت حتى تؤدى " يوجب الضمان.
وقد اجتمع في هذه السرقة أمران، وحق الله لا يمنع حق العباد ولهذا يجتمع الجزاء والقيمة في الصيد المملوك، ولو كان المسروق باقياً وجب رده بالاتفاق.
حجة أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ والجزاء هو الكافي، فهذا القطع كاف في جناية السرقة.
ورد بلزوم رد المسروق عند كونه قائماً.
أما كيفية القطع فقد روي أنه أتى بسارق فقطع يمينه.
قال الشافعي: فإن سرق ثانياً قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثاً فيده اليسرى، فإن سرق رابعاً فرجله اليمنى، وبه قال مالك.
وروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي وعند أبي حنيفة وأحمد لا يقطع في الثانية وما بعدها لما روي عن ابن مسعود أنه قرأ فاقطعوا أيمانهما، وضعفه الشافعي بأن القراءة الشاذة لا تعارض ظاهر القرآن المقتضي لتكرر القطع بتكرر السرقة.
واتفقوا على أنه يقطع اليد من الكوع، والرجل من المفصل بين الساق والقدم.
والسيد يملك إقامة الحد على مماليكه لعموم قوله: ﴿ فاقطعوا ﴾ ولم يجوّزه أبو حنيفة.
واحتج المتكلمون بالآية في أنه يجب على الأمة نصب الإمام لأن هذا التكليف لا يتم إلاّ به وما لا يتم الواجب إلاّ به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب.
وانتصاب ﴿ جزاء ﴾ و ﴿ نكالاً ﴾ على أنه مفعول لهما، والعامل ﴿ اقطعوا ﴾ وإن شئت فعلى المصدر من الفعل الذي دل عليه: ﴿ فاقطعوا ﴾ أي جازوهم ونكلوا بهم ﴿ جزاء بما كسبا نكالاً من الله ﴾ .
﴿ فمن تاب ﴾ من السراق ﴿ من بعد ظلمه ﴾ أي سرقته ﴿ وأصلح ﴾ أي يتوب بنية صالحة وعزيمة صحيحة خالية من الأغراض الفاسدة ﴿ فإن الله يتوب عليه ﴾ وعند بعض الأئمة تسقط العقوبة أيضاً.
وعند الجمهور لا تسقط.
وباقي الآيات قد مر تفسيره.
وإنما قدم التعذيب على المغفرة طباقاً لتقدم السرقة على التوبة.
التأويل: إن آدم الروح بازدواجه مع حواء القالب ولد قابيل النفس وتوأمته إقليما الهوى، ثم هابيل القلب وتوأمته ليوذا العقل، فكان الهوى في غاية الحسن في نظر النفس فبه تميل إلى الدنيا ولذاتها.
وكان في نظر القلب أيضاً في غاية الحسن فبه يميل إلى طلب المولى، وكان العقل في نظر النفس في غاية القبح لأنها به تنزجر عن طلب الدنيا، وكذا في نظر القلب لأنه بالعقل يمتنع عن طلب الحق والفناء في الله ولهذا قيل: العقل عقيله الرجال، فحرم الله الازدواج بين التوأمين لأن الهوى إذا كان قرين النفس أنزلها أسفل سافلين الطبيعة، وإذا كان قرين القلب كان عشقاً فيوصله إلى أعلى فراديس القرب، وإذا/ كان العقل قرين القلب صار عقالاً له، وإذا كان قرين النفس حرضها على العبودية فرضي هابيل القلب وسخط قابيل النفس وكان صاحب زرع أي مدبر النفس النامية وهي القوّة النباتية، فقرب طعاماً من إردإ زرعه وهي القوّة الطبيعية، وكان هابيل القلب راعياً لمواشي الأخلاق الإنسانية والصفات الحيوانية فقرب الصفة البهيمية وهي أحب الصفات إليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء ولسلامتها بالنسبة إلى الصفات السبعية والشيطانية.
فوضعا قربانهما على جبل البشرية ثم دعا آدم الروح فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت فحملت الصفة البهيمية لأنها حطب هذه النار ولم تأكل من قربان قابيل النفس شيئاً لأنها ليست من حطبها بل هي حطب نار الحيوانية ﴿ فتبوء بإثمي وإثمك ﴾ أي إثم وجودي وإثم وجودك، فإن الوجود حجاب بيني وبين محبوبي.
فقتل قابيل النفس هابيل القلب والنفس أعدى عدو القلب ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ أما في الدنيا فبالحرمان عن الواردات والكشوف، وأما في الآخرة فبالبعد عن جنات الوصول ﴿ فبعث الله غراباً ﴾ هو الحرص في الدنيا ليشغل بذلك عن فعلتها.
وفي تعليم الغراب إشارة إلى أنه قادر على تعليم العباد بأي طريق شاء فيزول تعجب الملائكة والرسل باختصاصهم بتعليم الخلق ﴿ في الأرض لمسرفون ﴾ أي في أرض البشرية ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون ﴾ أولياء الله ﴿ أن يقتلوا ﴾ بسكين الخذلان ﴿ أو يصلبوا ﴾ بحبل الهجران على جذع الحرمان ﴿ أو تقطع أيديهم ﴾ عن أذيال الوصال ﴿ وأرجلهم من خلاف ﴾ عن الاختلاف ﴿ أو ينفوا ﴾ من أرض القربة والائتلاف ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ جعل الفلاح الحقيقي في أربعة أشياء: في الإيمان وهو إصابة رشاش النور في بدو الخلقة وبه يخلص العبد من ظلمة الكفر، وفي التقوى وهو منشأ الأخلاق المرضية ومنبع الأعمال الشرعية وبه الخلاص عن ظلمة المعاصي، وفي ابتغاء الوسيلة وهو إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية وبه يخلص من ظلمه أوصاف الوجود، وفي الجهاد في سبيله وهو محو الأنانية في إثبات الهوية وبه يخلص من ظلمة أوصاف الوجود ويظفر بنور الشهود ﴿ وما هم بخارجين منها ﴾ لأنهم خلقوا مظاهر القهر ﴿ السارق والسارقة ﴾ كانا مقطوعي الأيدي عن قبول رشاش النور فكان تطاول أيديهما اليوم إلى أسباب الشقاوة من نتائج قصر أيديهما عن قبول تلك السعادة ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ الآن في عالم الصورة ﴿ نكالاً من الله ﴾ تقديراً منه في الأزل.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا...
﴾ الآية.
عام في السراق، خاص في السرقة؛ لأنه يدخل جميع أهل الخطاب في ذلك، وإن كان يجوز أن يدرأ الحد عن بعض السراق، إذا سرقوا من محارمهم، أو ممن له تأويل الملك في ماله أو شبهة التناول منه؛ لأنه إذا سرق ممن ليس له ذلك التأويل ولا تلك الشبهة - قطع؛ فدل أنها عامة في السراق؛ وعلى هذا يخرج قول ابن عباس؛ حيث سئل عن قوله - -: ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا ﴾ أخاص هو أم عام؟
فقال: "لا؛ بل عام" أي: عام في السراق؛ ألا ترى أنه قال في خبر آخر؛ حيث سئل عن ذلك فقال: "ما كان من الرجال والنساء قطع".
وأما قولنا: "خاص في السرقة"؛ لأنه لا يحتمل قلب أحد قطع اليد في الشيء التافه الخسيس الذي إذا أخذ [منه] دل أن الخطاب بذلك من الله - عز وجل - رجع إلى سرقة دون سرقة، لا إلى كل ما يقع عليه اسم السرقة؛ وكذلك الخطاب بقطع اليد رجع إلى بعض اليد، وهو الكف، وإن كان اسم اليد يقع من الأصابع إلى الإبط؛ لأن الناس مع اختلافهم - اتفقوا على أن اليد لا تقطع من الإبط ولا من المرفق، لكنهم اختلفوا فيما دون ذلك: فعلى قول بعضهم: تقطع الأصابع دون الكف، وعندنا: أنه تقطع الأصابع بالكف؛ لأنه بها يُقْبَضُ الشيءُ ويُؤْخذ؛ فمخرج الخطاب بالقطع عام، والمراد منه: رجع إلى بعض اليد دون بعض.
وكذلك قوله : ﴿ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا ﴾ مخرج الخطاب بالقطع عام، ليس فيه بيان من يتولى القطع، فالمراد منه: رجع إلى الولاة؛ فهذا كله يدل على أن ليس في مخرج عموم اللفظ دليل عموم المراد، ولا في مخرج خصوص اللفظ دليل خصوصه؛ بل يعرف ذلك كله بدليل: يقوم العموم بدليل العموم، والخصوص بدليل الخصوص؛ فهذا ينقض قول من يقول: إنه على العموم حتى يقوم دليل الخصوص، والله أعلم.
فإن قيل لنا: أيش الحكمة في إقامة الحد في السرقة على ما به تكتسب السرقة وهو اليد، ولم يقم الحد في سائر الحدود فيما به كان اكتسابها؛ من نحو القصاص والزنا وغيره، أنه إذا قتل آخر لم تقطع يده وبها كان اكتساب القتل؛ وكذلك الزنا لم يقم الحد على ما به كان الزنا، بل أقيم على غير ما به كان ذلك الفعل، وفي السرقة أقيم على ما به كان ذلك خاصة؟!
قيل: والله أعلم - لخلتين: إما لقصور في الاستيفاء من الحق، أو لخوف الزيادة في الاستيفاء على الحق؛ لأنه إذا قتل: لو قطعت يده بقيت له النفس، وقد تلفت نفس الآخر، فكان في ذلك قصور في استيفاء الحق.
وفي الزنا: لو أقيم به على الذي به كان اكتساب الفعل لخيف تلف نفسه به؛ فكان في ذلك استيفاء الزيادة على الحق.
وأما السرقة: فإنه أمكن استيفاء الحق مما كان به اكتسابها، على غير قصور يقع في الاستيفاء، ولا خوف الزيادة في الاستيفاء؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
فإن قيل: ما الحكمة في قطع يد قيمتها ألوف بسرقة عشرة، وذلك مما لا يمثاله في الظاهر، وقد أخبر ألا يجزي إلا مثلها، كيف جزي هذا بأضعاف ذلك؟
قيل: لهذا جوابان: أحدهما: أن جزاء الدنيا محنة يمتحن بها المرء، ولله أن يمتحن عباده بأنواع المحن ابتداء على غير جعل ذلك جزاء لكسب يكتسب، فمن له الامتحان بأنواع المحن على غير جعلها جزاء لشيء - كان له الامتحان بأن يجعل ما يساوي ألوفاً جزاء فلس أو حبة، وبالله العصمة والنجاة.
والثاني: أن ليس القطع في السرقة جزاء ما أخذ من المال؛ ولكنه جزاء ما هتك من الحرمة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ جَزَآءً بِمَا كَسَبَا ﴾ ، ولم يقل: جزاء بما أخذا من الأموال؟!
فيجوز أن يبلغ جزاء تلك الحرمة قطع اليد، وإن قصر علم البشر عن ذلك؛ لأن مقادير العقوبات إنما يعرف من يعرف مقادير الإجرام، وليس أحد من الخلائق يحتمل علمه مبلغ مقادير الإجرام، فإذا لم يحتمل علمهم مبلغ مقاديرها لم يحتمل معرفة مقادير عقوباتها، فإذا كان كذلك فحق القول فيه الاتباع والتسليم - بعد العلم في الاتباع - أن الله لا يجزي بالسيئة إلا مثلها، وبالله التوفيق.
ثم الكلام في قطع اليمين ما روي في حرف ابن مسعود - -: "فاقطعوا أيمانهما".
وعن علي - -: قال: "إذا سرق الرجل قطعت يده اليمنى"، وعلى ذلك اتفاق الأمة.
ثم المسألة في مقدار السرقة، وليس في الآية ذكر مقدارها، واختلف أهل العلم في ذلك: فقال بعضهم: تقطع في ربع دينار فصاعداً.
وقال أصحابنا: لا تقطع اليد إلا في عشرة دراهم فصاعداً أو دينار.
وقد روي من الأخبار ما احتج به كل فريق منهم: روي عن عائشة - ا - أن النبي كان يقطع في ربع دينار فصاعداً.
وعنها أن رسول الله قال: "تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِداً" وعروة بن الزبير يقول: كانت عائشة - ا - تحدث عن رسول الله أنه قال: "لاَ تُقْطَعُ اليَدُ إِلاَّ فِي المِجَنِّ أَوْ فِي ثَمَنِهِ" وتزعم أن قيمة المجن أربعة دراهم؛ فدل قول عائشة أن النبي كان لا يقطع اليد إلا في ثمن المجن - أن قولها: "إن النبي كان لا يقطع اليد إلا في ربع دينار" أن ثم المجن كان عندها ربع دينار أو لا يكون كذلك؛ وعلى ذلك ما روي عن ابن عمر - ما -: "أن النبي قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم" .
في الخبر أنه قطع في مجن، وأما التقويم فإنما هو من عند عبد الله.
وعن أنس بن مالك - ما - أن النبي قطع في مجن، فقيل: يا أبا حمزة، كم كانت قيمته؟
قال: دون خمسة دراهم؛ هذا يدل على أن التقويم كان من أنس، فكان ذلك كتقويم ابن عمر وعائشة، م.
وليس في التقويم حجة في واحد من المقومين؛ لمخالفة كل واحد منهم صاحبه، وإنما قوموه من قِبَلِ أنفسهم.
فأما إن كان في مِجَنَّيْنِ مختلفين: فهو على التناسخ، وأما إن كان في مجن واحد في وقتين مختلفين: فإن كان في وقتين مختلفين، لم يكن لمخالفنا فيه حجة؛ لما يحتمل الزيادة والنقصان على اختلاف الأوقات، وإن كان في مجنين مختلفين فهو على التناسخ فلم يظهر؛ فلا يقدم على القطع بالشك.
ثم الأخبار التي تمنع القطع بدون العشرة: ما روي عن عمرو بن شعيب قال: "دخلت على سعيد بن المسيب، فقلت له: إن أصحابك: عروة، ومحمد بن مسلم، وفلان - رجل آخر - يقولون: ثمن المجن خمسة دراهم أو ثلاثة؟
فقال: أما هذا فقد مضت السنة فيه عن رسول الله عشرة دراهم.
وعن ابن عباس - - قال: ثمن المجن في عهد رسول الله عشرة دراهم.
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله : "أنه كان لا يقطع اليد إلا في ثمن المجن، وهو يومئذ يساوي عشرة دراهم" فلما اختلف المقومون في قيمة المجن رجعنا إلى ما روي عن سعيد بن المسيب؛ حيث قال: "مضت السنة من رسول الله بعشرة دراهم" وإن كان مرسلاً؛ إذ لا معارض له، ويؤيد هذا ما روي عن نجباء الصحابة من نحو: عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الله بن مسعود، م.
وروي أن عمر أتى بسارق فأمر بقطعه؛ قال عثمان - -: "سرقته لا تساوي عشرة دراهم"؛ فأمر بها فقومت ثمانية دراهم، فلم يقطعه.
وعن ابن مسعود قال: "لا تقطع يد السارق في أقل من عشرة دراهم".
وعن علي - - قال: "لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم".
وروي عن عائشة قالت: "لم تكن اليد تقطع على عهد رسول الله في الشيء التافه"، فأخذ أصحابنا - رحمهم الله - بهذه الأخبار ولم يروا قطع اليد بدون العشرة؛ لأنهم مع اختلافهم اتفقوا على أن اليد تقطع في سرقة عشرة دراهم، واختلفوا في وجوب القطع فيما دون العشرة وهو حد قد روي؛ للإشكال، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ...
﴾ \[الآية\]: يحتمل قوله: ﴿ نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي عظة وزجراً من الله لغيره؛ لأن من عاين آخر قطعت يده في سرقة - اتعظ به، وزجره ذلك على الإقدام عليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ...
﴾ الآية.
يحتمل: ﴿ تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ ﴾ أي: تاب عن الشرك، وأصلح ما كان يفسده ويرتكبه في حال شركه.
﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
وعد له المغفرة والرحمة؛ إذا تاب عن الشرك، وأصلح ما كان يفسده ويرتكبه في حال الشرك، حتى لم يؤاخذ بشيء مما كان يرتكبه في حال الشرك ويتعاطاه إذا أسلم؛ ألا ترى أنه قال - -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ ، والمسلم في حال الإسلام إذا ارتكب حدوداً وتعاطاها، ثم تاب - أخذ بها؛ لوجهين: أحدهما: أن الكافر لو أُخِذَ بعدما أسلم بما كان ارتكب في حال الكفر وتعاطاه؛ فذلك يمنعه عن الإسلام ويزجره؛ فإذا كان كذلك فكان في إقامة ذلك والأخذ بها من الفساد أكثر من الصلاح.
وأما المسلم إذا لم يؤخذ بما ارتكب وتعاطى بعد التوبة - يدخل في ذلك من الفساد ما يفحش؛ وذلك أنه كلما أريد أن يقام عليه الحد تاب فسقط ذلك عنه، ثم عاد ثانياً، ثم ثالثاً ...
إلى ما لا يتناهى، فعمل في الأرض بكل الفساد من غير أن لحقه ضرر؛ لذلك أخذ به بعد التوبة، والكافر لا، والله أعلم.
والثاني: أن الكافر ما يرتكب ويتعاطى في حال الكفر - إنما يرتكبه تديناً يدين به؛ فإذا رجع عن ذلك الدين ودان بدين آخر ما يكون ذلك حراماً في دينه الذي تمسك به - ترك ما كان يرتكب في دينه الأول تديناً؛ فيظهر ذلك منه؛ فلم يقم عليه؛ لما يظهر منه ترك ما تعاطى قبل ذلك.
وأما المسلم: فليس يتعاطى ما يتعاطى تديناً يدين به؛ ولكن يتعاطاه شهوة، وذلك مما لا يظهر منه التوبة حقيقة؛ لذلك اختلفا، والله أعلم.
وفيه دليل جواز تأخر البيان؛ لأنه قال : ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً ﴾ ، ولا يحتمل أن يبين له جميع شرائط السرقة التي يجب فيها القطع وقت قرع الخطاب السمع؛ فدل أنه إنما يبين له على قدر الحاجة بعد السؤال والبحث عنها، والله أعلم.
وكأن جميع ما ذكر من العقوبات إنما نزل في أهل الكفر؛ لأنهم هم الذين كانوا يتعاطون ذلك دون المسلمين، وترك عامة العبادات في المسلمين؛ لأنهم هم الذين يرغبون فيها: من ذلك قوله - -: ﴿ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...
﴾ الآية، وما ذكر في ابني آدم.
وقوله : ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا...
﴾ الآية: ذكر عن ابن عباس أنه قال: "نزلت في طعمة بن أبيرق؛ سرق درع جاره؛ فنزلت الآية"، وعلى ذلك قال عامة أهل التأويل، ثم صار ذلك الحكم في المسلمين إذا ارتكبوا تلك الأجرام، وفيه دليل جواز القياس، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ﴾ .
ذكر هذا - والله أعلم - على أثر قوله: ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا ﴾ ، وعلى أثر قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...
﴾ الآية -: أن له ملك السماوات والأرض، وله أن يعذب من يشاء بعد التوبة وقبل التوبة، ويغفر لمن يشاء، ولا يعذب بعد التوبة؛ وذلك أن المحارب إذا تاب قبل أن يقدر عليه لم يقم عليه الحد الذي وجب في حال المحاربة، والسارق إذا تاب قبل أن يقدر عليه أخذ به.
أخبر أن له أن يعذب من يشاء [و] يغفر لمن يشاء.
وفي نقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: الصغيرة مغفورة ليس له أن يعذب عليها، والكبيرة يخلد صاحبها في النار ليس له أن يعفو عنها.
فلو كان على ما قالوا لذهب معنى التخيير بقوله - -: ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ﴾ إذا ما عفا: عفا ما عليه أن يعفو، وكذلك ما عذب: عذب ما عليه أن يعذب؛ فيذهب فائدة التخيير، وقد أخبر أنه ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
والسارق والسارقة فاقطعوا -أيها الحكام- اليد اليمنى لكل منهما مجازاة لهما وعقوبة من الله على ما ارتكباه من أخذ أموال الناس بغير حق، وترهيبًا لهما ولغيرهما، والله عزيز لا يغلبه شي، حكيم في تقديره وتشريعه.
<div class="verse-tafsir" id="91.vjW3D"