الآية ٥٢ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٥٢ من سورة المائدة

فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌۭ ۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍۢ مِّنْ عِندِهِۦ فَيُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ نَـٰدِمِينَ ٥٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 102 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٢ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٢ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فترى الذين في قلوبهم مرض ) أي : شك ، وريب ، ونفاق ( يسارعون فيهم ) أي : يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر ، ( يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ) أي : يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكفار بالمسلمين ، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى فينفعهم ذلك ، عند ذلك قال الله تعالى : ( فعسى الله أن يأتي بالفتح ) قال السدي : يعني فتح مكة .

وقال غيره : يعني القضاء والفصل ( أو أمر من عنده ) قال السدي : يعني ضرب الجزية على اليهود والنصارى ( فيصبحوا ) يعني : الذين والوا اليهود والنصارى من المنافقين ( على ما أسروا في أنفسهم نادمين ) من الموالاة ( نادمين ) أي : على ما كان منهم ، مما لم يجد عنهم شيئا ، ولا دفع عنهم محذورا ، بل كان عين المفسدة ، فإنهم فضحوا ، وأظهر الله أمرهم في الدنيا لعباده المؤمنين ، بعد أن كانوا مستورين لا يدرى كيف حالهم .

فلما انعقدت الأسباب الفاضحة لهم ، تبين أمرهم لعباد الله المؤمنين ، فتعجبوا منهم كيف كانوا يظهرون أنهم من المؤمنين ، ويحلفون على ذلك ويتأولون ، فبان كذبهم وافتراؤهم ; ولهذا قال تعالى :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية.

فقال بعضهم: عنى بها عبد الله بن أبي ابن سلول.

ذكر من قال ذلك: 12166 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي، عن عطية بن سعد: " فترى الذين في قلوبهم مرض "، عبد الله بن أبي=" يسارعون &; 10-403 &; فيهم "، في ولايتهم=" يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة "، إلى آخر الآية: فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ .

12167 - حدثنا هناد قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني والدي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت: " فترى الذين في قلوبهم مرض "، يعني عبد الله بن أبي=" يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة "، لقوله: إني أخشى دائرةً تُصِيبني!

(16) * * * وقال آخرون: بل عُني بذلك قومٌ من المنافقين كانوا يُناصِحون اليهود ويغشون المؤمنين، ويقولون: " نخشى أن تكون الدائرة لليهود على المؤمنين "!

(17) ذكر من قال ذلك: 12168 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: " فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم "، قال: المنافقون، في مصانعة يهود، ومناجاتهم، واسترضاعهم أولادَهم إياهم= وقول الله تعالى ذكره: " نخشى أن تصيبنا دائرة "، قال يقول: نخشى أن تكون الدَّائرة لليهود.

12169 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

12170 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " فترى الذين في قلوبهم مرض " إلى قوله: نَادِمِينَ ، أُناسٌ من المنافقين كانوا يوادُّون اليهود ويناصحونهم دون المؤمنين.

12171 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، &; 10-404 &; حدثنا أسباط، عن السدي: " فترى الذين في قلوبهم مرض "، قال: شك =" يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة "، و " الدائرة "، ظهور المشركين عليهم.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن ذلك من الله خبر عن ناس من المنافقين كانوا يوالون اليهودَ والنصارى ويغشُّون المؤمنين، ويقولون: نخشى أن تدور دوائر= إما لليهود والنصارى، وإما لأهل الشرك من عبدة الأوثان، أو غيرهم= على أهل الإسلام، أو تنـزل بهؤلاء المنافقين نازلةٌ، فيكون بنا إليهم حاجة.

وقد يجوز أن يكون ذلك كان من قول عبد الله بن أبي، ويجوز أن يكون كان من قول غيره، غير أنه لا شك أنه من قول المنافقين.

* * * فتأويل الكلام إذًا: فترى، يا محمد، الذين في قلوبهم شكٌّ، (18) ومرضُ إيمانٍ بنبوّتك وتصديق ما جئتهم به من عند ربك (19) =" يسارعون فيهم "، يعني في اليهود والنصارى= ويعني بمسارعتهم فيهم: مسارعتهم في مُوالاتهم ومصانعتهم (20) =" يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة "، يقول هؤلاء المنافقون: إنما نسارع في موالاة هؤلاء اليهود والنصارى، خوفًا من دائرة تدور علينا من عدوّنا.

(21) * * * ويعني بـ" الدائرة "، الدولة، كما قال الراجز: (22) تَــرُدُّ عَنْــكَ القَــدَرَ المَقْــدُورَا وَدَائِـــرَاتِ الدَّهْـــرِ أَنْ تَــدُورَا (23) يعني: أن تدول للدهر دولة، فنحتاج إلى نصرتهم إيانا، فنحن نواليهم لذلك.

فقال الله تعالى ذكره لهم: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ .

* * * القول في تأويل قوله : فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده "، فلعل الله أن يأتي بالفتح.

(24) * * * ثم اختلفوا في تأويل " الفتح " في هذا الموضع.

فقال بعضهم: عُنى به ههنا، القضاء.

ذكر من قال ذلك: 12172 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " فعسى الله أن يأتي بالفتح "، قال: بالقضاء.

* * * وقال آخرون: عني به فتح مكة.

ذكر من قال ذلك: 12173 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فعسى الله أن يأتي بالفتح "، قال: فتح مكة.

* * * و " الفتح " في، كلام العرب، هو القضاء، كما قال قتادة، ومنه قول الله تعالى &; 10-406 &; ذكره: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ [سورة الأعراف: 89].

وقد يجوز أن يكون ذلك القضاء الذي وعدَ الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بقوله: " فعسى الله أن يأتي بالفتح " فتح، مكة، لأن ذلك كان من عظيم قضاءِ الله، وفَصْل حُكمه بين أهل الإيمان والكفر، ومقرِّرًا عند أهل الكفر والنفاق، (25) أن الله معلي كلمته وموهن كيد الكافرين.

(26) * * * وأما قوله: " أو أمر من عنده "، فإن السدي كان يقول في ذلك، ما:- 12174 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " أو أمر من عنده " قال: " الأمر "، الجزية.

* * * وقد يحتمل أن يكون " الأمر " الذي وعد الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يأتي به هو الجزية، ويحتمل أن يكون غيرها.

(27) غير أنه أيّ ذلك كان، فهو مما فيه إدالة المؤمنين على أهل الكفر بالله وبرسوله، ومما يسوء المنافقين ولا يسرُّهم.

وذلك أن الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنّ ذلك الأمر إذا جاء، أصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين.

* * * وأما قوله: " فيصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين "، فإنه يعني هؤلاء المنافقين الذين كانوا يوالون اليهود والنصارى.

يقول تعالى ذكره: لعل الله أن يأتي بأمرٍ من عنده يُديل به المؤمنين على الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر، فيصبح هؤلاء المنافقون على ما أسرُّوا في أنفسهم من مخالّة اليهود والنصارى ومودّتهم، وبغْضَة المؤمنين ومُحَادّتهم،" نادمين "، كما:- 12175 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين "، من موادّتهم اليهود، ومن غِشِّهم للإسلام وأهله.

---------------- الهوامش : (16) الأثر: 12167- سيرة ابن هشام 3: 53 ، مختصرًا وهو تابع الأثر السالف رقم: 12158.

(17) في المطبوعة: "أن تكون دائرة" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(18) في المطبوعة: "في قلوبهم مرض وشك إيمان" ، غير ما في المخطوطة وهو الصواب المحض.

لأنه يريد: أن المرض قد دخل إيمانهم وتصديقهم ، بعد ذكر"الشك".

(19) انظر تفسير"المرض" فيما سلف 1: 278- 281.

(20) انظر تفسير"المسارعة" فيما سلف 7: 130 ، 207 ، 418/10: 301 وما بعدها.

(21) انظر تفسير"الإصابة" فيما سلف ص: 1393 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(22) هو حميد الأرقط.

(23) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 169 ، ولم أجد سائر الرجز.

(24) انظر تفسير"عسى" فيما سلف 4: 298/8: 579.

(25) في المطبوعة والمخطوطة: "ويقرر" ، وكأن الصواب ما أثبت.

(26) انظر تفسير"الفتح" فيما سلف 2: 254 ، 332/9: 323 ، 324.

(27) في المخطوطة: "أن يكون إلى غيرها" ، وكأنه خطأ من الناسخ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمينقوله تعالى : فترى الذين في قلوبهم مرض شك ونفاق ، وقد تقدم في " البقرة " والمراد ابن أبي وأصحابه يسارعون فيهم أي : في موالاتهم ومعاونتهم .

يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة أي : يدور الدهر علينا إما بقحط فلا يميزوننا ولا يفضلوا علينا ، وإما أن يظفر اليهود بالمسلمين فلا يدوم الأمر لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا القول أشبه بالمعنى ; كأنه من دارت تدور ، أي : نخشى أن يدور الأمر ; ويدل عليه قوله عز وجل : فعسى الله أن يأتي بالفتح ; وقال الشاعر :يرد عنك القدر المقدورا ودائرات الدهر أن تدورايعني دول الدهر الدائرة من قوم إلى قوم .

واختلف في معنى الفتح ، فقيل : الفتح الفصل والحكم ، عن قتادة وغيره .

قال ابن عباس : أتى الله بالفتح فقتلت مقاتلة بني قريظة وسبيت ذراريهم وأجلي بنو النضير .

وقال أبو علي : هو فتح بلاد المشركين على المسلمين .

[ ص: 159 ] وقال السدي : يعني بالفتح فتح مكة .

أو أمر من عنده قال السدي : هو الجزية .

الحسن : إظهار أمر المنافقين والإخبار بأسمائهم والأمر بقتلهم ، وقيل : الخصب والسعة للمسلمين .

فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين أي : فيصبحوا نادمين على توليهم الكفار إذا رأوا نصر الله للمؤمنين ، وإذا عاينوا عند الموت فبشروا بالعذاب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما نهى الله المؤمنين عن توليهم، أخبر أن ممن يدعي الإيمان طائفةً تواليهم، فقال: { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ْ} أي: شك ونفاق، وضعف إيمان، يقولون: إن تولينا إياهم للحاجة، فإننا { نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ْ} أي: تكون الدائرة لليهود والنصارى، فإذا كانت الدائرة لهم، فإذا لنا معهم يد يكافؤننا عنها، وهذا سوء ظن منهم بالإسلام، قال تعالى -رادا لظنهم السيئ-: { فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ ْ} الذي يعز الله به الإسلام على اليهود والنصارى، ويقهرهم المسلمون { أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِندِهِ ْ} ييأس به المنافقون من ظفر الكافرين من اليهود وغيرهم { فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا ْ} أي: أضمروا { فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ ْ} على ما كان منهم وضرهم بلا نفع حصل لهم، فحصل الفتح الذي نصر الله به الإسلام والمسلمين، وأذل به الكفر والكافرين، فندموا وحصل لهم من الغم ما الله به عليم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فترى الذين في قلوبهم مرض ) أي : نفاق يعني عبد الله بن أبي وأصحابه من المنافقين الذين يوالون اليهود ، ) ( يسارعون فيهم ) في معونتهم وموالاتهم ، ( يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ) دولة ، يعني : أن يدول الدهر دولة فنحتاج إلى نصرهم إيانا ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : معناه نخشى أن لا يتم أمر محمد فيدور الأمر علينا ، وقيل : نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه من جدب وقحط فلا يعطونا الميرة والقرض ( فعسى الله أن يأتي بالفتح ) قال قتادة ومقاتل : بالقضاء الفصل من نصر محمد صلى الله عليه وسلم على من خالفه ، وقال الكلبي والسدي : فتح مكة ، وقال الضحاك : فتح قرى اليهود مثل خيبر وفدك ، ( أو أمر من عنده ) قيل : بإتمام أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : هو عذاب لهم ، وقيل : إجلاء بني النضير ، ) ( فيصبحوا ) يعني : هؤلاء المنافقون ، ( على ما أسروا في أنفسهم ) من موالاة اليهود ودس الأخبار إليهم ، ) ( نادمين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فترى الذين في قلوبهم مرض» ضعف اعتقاد كعبد الله بن أبي المنافق «يسارعون فيهم» في موالاتهم «يقولون» معتذرين عنها «نخشى أن تصيبنا دائرة» يدور بها الدهر علينا من جدب أو غلبة ولا يتم أمر محمد فلا يميرونا قال تعالى: «فعسى الله أن يأتي بالفتح» بالنصر لنبيه بإظهار دينه «أو أمر من عنده» بهتك ستر المنافقين وافتضاحهم «فيصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم» من الشك وموالاة الكفار «نادمين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يخبر الله تعالى عن جماعة من المنافقين أنهم كانوا يبادرون في موادة اليهود لما في قلوبهم من الشكِّ والنفاق، ويقولون: إنما نوادُّهم خشية أن يظفروا بالمسلمين فيصيبونا معهم، قال الله تعالى ذكره: فعسى الله أن يأتي بالفتح -أي فتح "مكة"- وينصر نَبِيَّه، ويُظْهِر الإسلام والمسلمين على الكفار، أو يُهيِّئ من الأمور ما تذهب به قوةُ اليهود والنَّصارى، فيخضعوا للمسلمين، فحينئذٍ يندم المنافقون على ما أضمروا في أنفسهم من موالاتهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا النهي الشديد عن موالاة أعداء الله ، صور القرآن حالة من حالات المنافقين بين فيها كيفية توليهم لأعداء الله ، وأشعر بسببه فقال : ( فَتَرَى الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نخشى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ) .والدائرة : من الصفات الغالبة التي لا يذكر معها موصوفها .

وأصلها داورة .

لأنها من دار يدور .

ومعناها لغة : ما أحاط بالشيء .

والمراد بها هنا : المصيبة من مصائب الدهر التي تحيط بالناس كما تحيط الدائرة بما في داخلها .والمعنى : فترى - يا محمد أولئك المنافقين الذين ضعف إيمانهم ، وذهب يقينهم ، يسارعون في مناصرة أعداء الإِسلام مسارعة في الداخل في الشيء ، قائلين في أنفسهم أو للناصحين لهم بالثبات على الحق : اتركونا وشأننا فإننا نخشى أن تنزل بنا مصيبة من المصائب التي تدور بها الزمان كأن تمسنا أزمة مالية ، أو ضائقة اقتصادية ، أو أن يكون النصر في النهاية لهؤلاء الذين نواليهم فنحن نصادقهم ونصافيهم لنتقي شرهم ، ولننال عونهم عند الملمات والضوائق .قال الجمل : والفاء في قوله ( فَتَرَى ) إما للسببية المحضة : أي : بسبب أن الله لا يهدي القوم الظالمين المتصفين بما ذكر ( فَتَرَى الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ ) وإما للعطف على قوله : ( إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ) من حيث المعنى .والرؤية في قوله ( ترى ) بصرية ، فتكون جملة يسارعون حال .

وقيل علمية فتكون جملة يسارعون مفعولا ثانيا .

والأول أنسب بظهور نفاقهم .وقوله : ( يَقُولُونَ نخشى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ) حال من ضمير يسارعون .والتعبير بقوله : ( فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ) تعبير قوي رائع ، وصف القرآن به المنافقين وأشباههم في الكفر والضلال في مواطن كثيرة ، لأنه لما كانت قوة القلب تضرب مثلا للثبات والتماسك .كان ضعف القلب الذي عبر عنه بالمرض يضرب مثلا للخور ، والتردد والتزلزل ، وانهيار النفس .وهذه طبيعة المنافقين ومن على شاكلتهم في كل زمان ومكان .

إنهم لا يمكن أن يكونوا صرحاء في انحيازهم إلى ناحية معينة .

وإنما هم يترددون بين الناحيتين ، ويلتمسون الحظوة في الجانبين - فهم كما يقال : يصلون خلف على ويأكلون على مائدة معاوية - وأبلغ من كل ذلك وصف الله لهم بقوله : ( مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك لاَ إلى هؤلاء ) والتعبير بقوله - سبحانه - ترى .

.

تصوير للحال الواقعة منهم بأنها كالمرئية المكشوفة التي لا تخفى على العقلاء البصراء .وفي ذلك تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتحذير له ولأصحابه من مكر أولئك الذين في قلوبهم مرض .والتعبير بقوله : ( يُسَارِعُونَ فِيهِمْ ) يشير إلى أنهم لا يدخلون ابتداء في صفوف الأعداء " وإنما هم منغمرون فيهم دائما " ولا يخرجون عن دائرتهم بل ينتقلون في صفوفهم بسرعة ونشاط من دركة إلى دركة ، ومن إثم إلى آثام .وقوله - تعالى - حكاية عنهم : ( يَقُولُونَ نخشى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ) بيان لما اعتذروا به من معاذير كاذبة تدل على سقوط همتهم ، وقلة ثقتهم بما وعد الله به المؤمنين من حسن العاقبة .ولذا فقد رد الله عليهم بما يكتبهم ، وبما يزيدالمؤمنين إيمانا على إيمانهم فقال تعالى : ( فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بالفتح أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ على مَآ أَسَرُّواْ في أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ) .وعسى : لفظ يدل على الرجاء والطمع في الحصول على المأمول ، وإذا صدر من الله - تعالى - كان متحقق الوقوع لأنه صادر من أكرم الأكرمين الذي لا يخلف وعده ، ولا يخيب من رجاه .والفتح يطلق بمعنى التوسعة بعد الضيق كما في قوله : ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء ) ويطلق بمعنى الفصل بين الحق والباطل .

ومن ذلك قوله - تعالى - : ( رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق ) ويطلق بمعنى الظفر والنصر كما في قوله - تعالى - ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ) ولفظ الفتح هنا يشمل هذه الأمور الثلاثة فهو سبعة بعد ضيق ، وفصل بين حق وباطل ، ونصر بعد جهاد طويل .والمعنى : لا تهتموا أيها المؤمنون بمسارعة هؤلاء الذين في قلوبهم مرض إلى صفوف أعدائكم وارتمائهم في أحضانهم خشية أن تصيبهم دائرة ، فلعل الله - عز وجل - بفضله وصدق وعده أن يأتي بالخير العميم والنصر المؤزر الذي يظهر دينه .

ويجعل كلمته هي العليا .

.

أو يأتي بأمر من عنده لا أثر لكم فيه فيزلزل قلوب أعدائكم ، وينصركم عليهم ، ويجعل الهزيمة والندم للموالين لأعدائكم ، وبسبب شكهم في أن تكون العاقبة للإِسلام والمسلمين .ولقد صدق الله وعده ، ففضح المنافقين وأذلهم ، وأنزل الهزيمة باليهود ، وأورث المؤمنين أرضهم وديارهم وأموالهم .وقد جاء التعبير في قوله - تعالى - : ( فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بالفتح ) بصيغة الرجاء ، لتعليم المؤمنين عدم اليأس من رحمة الله ، ومن مجيء نصره ، ولتعويدهم على أن يتوجهوا إليه - سبحانه - في مطالبهم بالرجاء الصادق ، والأمل الخالص .قال الفخر الرازي : فإن قيل : شرط صحة التقسيم أن يكون ذلك بين قسمين متنافيين .وقوله : ( فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بالفتح أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ ) ليس كذلك ، لأن الإِتيان بالفتح داخل في قوله : ( أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ ) .قلنا : قوله : ( أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ ) معناه : أو أمر من عنده لا يكون للناس فيه فعل ألبتة ، كبني النضير الذين طرح الله في قلوبهم الرعب فأعطوا بأيديهم من غير محاربة ولا عسكر .والضمير في قوله : ( فَيُصْبِحُواْ ) يعود على أولئك المنافقين الذين في قلوبهم مرض والجملة معطوفة على ( أَن يَأْتِيَ ) داخل معه في حيز خبر عسى .وعبر - سبحانه - عن ندمهم بالوصف ( نَادِمِينَ ) لا بالفعل ، للإيذان بأنه ندم دائم تصحبه الحسرات والآلام المستمرة ، بسبب ما وقعوا فيه من ظن فاسد ، وأمل خائب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ فَتَرَى الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يسارعون فِيهِمْ يَقُولُونَ نخشى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ﴾ واعلم أن المراد بقوله: ﴿ الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ ﴾ المنافقون: مثل عبد الله بن أُبي وأصحابه، وقوله: ﴿ يسارعون فيهم ﴾ أي يسارعون في مودة اليهود ونصارى نجران، لأنهم كانوا أهل ثروة وكانوا يعينونهم على مهماتهم ويقرضونهم، ويقول المنافقون: إنما نخالطهم لأنا نخشى أن تصيبنا دائرة.

قال الواحدي رحمه الله: الدائرة من دوائر الدهر كالدولة، وهي التي تدور من قوم إلى قوم، والدائرة هي التي تخشى، كالهزيمة والحوادث الخوفة، فالدوائر تدور، والدوائل تدول.

قال الزجاج: أي نخشى أن لا يتم الأمر لمحمد صلى الله عليه وسلم فيدور الأمر كما كان قبل ذلك.

ثم قال تعالى: ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ﴾ .

قال المفسرون (عسى) من الله واجب، لأن الكريم إذا أطمع في خير فعله، فهو بمنزلة الوعد لتعلق النفس به ورجائها له، والمعنى: فعسى الله أن يأتي بالفتح لرسول الله على أعدائه وإظهار المسلمين على أعدائهم، أو أمر من عنده يقطع أصل اليهود أو يخرجهم عن بلادهم فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم، وذلك لأنهم كانوا يشكون في أمر الرسول ويقولون: لا نظن أنه يتم له أمره، والأظهر أن تصير الدولة والغلبة لأعدائه.

وقيل: أو أمر من عنده، يعني أن يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم فيندموا على فعالهم.

فإن قيل: شرط صحة التقسيم أن يكون ذلك بين قسمين متنافيين، وقوله: ﴿ عَسَى الله أَن يَأْتِي بالفتح أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ ﴾ ليس كذلك، لأن الاتيان بالفتح داخل في قوله: ﴿ أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ ﴾ .

قلنا: قوله: ﴿ أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ ﴾ معناه أو أمر من عنده لا يكون للناس فيه فعل ألبتة، كبني النضير الذين طرح الله في قلوبهم الرعب فأعطوا بأيديهم من غير محاربة ولا عسكر ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لا تتخذوهم أولياء تنصرونهم وتستنصرونهم وتؤاخونهم وتصافونهم وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين.

ثم علل النهي بقوله: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ أي إنما يوالي بعضهم بعضاً لاتحاد ملتهم واجتماعهم في الكفر، فما لمن دينه خلاف دينهم ولموالاتهم ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ ﴾ من جملتهم وحكمه حكمهم.

وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تراءى ناراهما» ومنه قول عمر رضي الله عنه لأبي موسى في كاتبه النصراني: لا تكرموهم إذ أهانهم الله، ولا تأمنوهم إذ خوّنهم الله، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله: وروي: أنه قال له أبو موسى: لا قوام للبصرة إلا به، فقال: مات النصراني والسلام، يعني هب أنه قد مات، فما كنت تكون صانعاً حينئذ فاصنعه الساعة، واستغن عنه بغيره ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين ﴾ يعني الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفر يمنعهم الله ألطافه ويخذلهم مقتاً لهم ﴿ يسارعون فِيهِمْ ﴾ ينكمشون في موالاتهم ويرغبون فيها ويعتذرون بأنهم لا يأمنون أن تصيبهم دائرة من دوائر الزمان، أي صرف من صروفه ودولة من دوله، فيحتاجون إليهم وإلى معونتهم، وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ لي من موالي من يهود كثيراً عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولايتهم وأُوالي الله ورسوله فقال عبد الله بن أبيّ: إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية مواليّ وهم يهود بني قينقاع.

﴿ فَعَسَى الله أَن يَأْتِىَ بالفتح ﴾ لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه وإظهار المسلمين ﴿ أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ ﴾ يقطع شأفة اليهود ويجليهم عن بلادهم، فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم: وذلك أنهم كانوا يشكون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون: ما نظن أن يتم له أمر، وبالحري أن تكون الدولة والغلبة لهؤلاء.

وقيل أو أمر من عنده: أو أن يؤمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم فيندموا على نفاقهم.

وقيل: أو أمر من عند الله لا يكون فيه للناس فعل كبني النضير الذين طرح الله في قلوبهم الرعب.

فأعطوا بأيديهم من غير أن يوجف عليهم بخيل ولا ركاب ﴿ وَيَقُولُ الذين ءامَنُواْ ﴾ قرئ بالنصب عطفاً على أن يأتي.

وبالرفع على أنه كلام مبتدأ، أي: ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت: وقرئ: ﴿ يقول ﴾ : بغير واو، وهي في مصاحف مكة والمدينة والشأم كذلك على أنه جواب قائل يقول: فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟

فقيل: يقول الذين آمنوا هؤلاء الذين أقسموا.

فإن قلت: لمن يقولون هذا القول؟

قلت: إمّا أن يقوله بعضهم لبعض تعجباً من حالهم واغتباطاً بما منّ الله عليهم من التوفيق في الإخلاص ﴿ أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ ﴾ لكم بإغلاظ الأيمان أنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار.

وإمّا أن يقولوه لليهود لأنهم حلفوا لهم بالمعاضدة والنصرة.

كما حكى الله عنهم ﴿ وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ ﴾ [الحشر: 11] .

﴿ حَبِطَتْ أعمالهم ﴾ من جملة قول المؤمنين، أي بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها في رأى أعين الناس.

وفيه معنى التعجيب كأنه قيل: ما أحبط أعمالهم!

فما أخسرهم!

أو من قول الله عزّ وجلّ شهادة لهم بحبوط الأعمال وتعجبا من سوء حالهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ يَعْنِي ابْنَ أُبَيٍّ وأضْرابَهُ.

﴿ يُسارِعُونَ فِيهِمْ ﴾ أيْ في مُوالاتِهِمْ ومُعاوَنَتِهِمْ.

﴿ يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ ﴾ يَعْتَذِرُونَ بِأنَّهم يَخافُونَ أنْ تُصِيبَهم دائِرَةٌ مِن دَوائِرِ الزَّمانِ بِأنْ يَنْقَلِبَ الأمْرُ وتَكُونُ الدُّولَةُ لِلْكُفّارِ.

رُوِيَ « (أنَّ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ  : إنَّ لِي مَوالِيَ مِنَ اليَهُودِ كَثِيرًا عَدَدُهُمْ، وإنِّي أبْرَأُ إلى اللَّهِ وإلى رَسُولِهِ مِن وِلايَتِهِمْ وأُوالِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَ ابْنُ أُبَيٍّ: إنِّي رَجُلٌ أخافُ الدَّوائِرَ ولا أبْرَأُ مِن وِلايَةِ مَوالِي فَنَزَلَتْ.» ﴿ فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ ﴾ لِرَسُولِ اللَّهِ  عَلى أعْدائِهِ وإظْهارِ المُسْلِمِينَ.

﴿ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ ﴾ يَقْطَعُ شَأْفَةَ اليَهُودِ مِنَ القَتْلِ والإجْلاءِ، أوِ الأمْرِ بِإظْهارِ أسْرارِ المُنافِقِينَ وقَتْلِهِمْ.

﴿ فَيُصْبِحُوا ﴾ أيْ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ.

﴿ عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ ﴾ عَلى ما اسْتَبْطَنُوهُ مِنَ الكُفْرِ والشَّكِّ في أمْرِ الرَّسُولِ  ، فَضْلًا عَمّا أظْهَرُوهُ مِمّا أشْعَرَ عَلى نِفاقِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَتَرَى الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} نفاق {يسارعون} حال أو مفعول ثانٍ لاحتمال أن يكون فترى من رؤية العين أو القلب {فِيهِمْ} في

معاونتهم على المسلمين وموالاتهم {يَقُولُونَ} أي في أنفسهم لقوله على ما أسروا {نخشى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} أي حادثة تدور بالحال التي يكونون عليها {فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بالفتح} لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه وإظهار المسلمين {أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ} أي يؤمر النبي عليه السلام بإظهار إسرار المنافقين وقتلهم {فَيُصْبِحُواْ} أي المنافقون {على مَا أَسَرُّواْ فِي أَنفُسِهِمْ} من النفاق {نادمين} خبر فيصبحوا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ أيْ نِفاقٌ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأضْرابِهِ، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ تَوْلِيَتِهِمْ، وإشْعارٌ بِسَبَبِهِ، وبِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرِهِمْ، والفاءُ لِلْإيذانِ بِتَرَتُّبِهِ عَلى عَدَمِ الهِدايَةِ، وهي لِلسَّبَبِيَّةِ المَحْضَةِ.

وجَوَّزَ الكَرْخِيُّ كَوْنَها لِلْعَطْفِ عَلى ( إنَّ اللَّهَ ) إلَخْ، مِن حَيْثُ المَعْنى، والخِطابُ إمّا لِلرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ، وإمّا لِكُلِّ مَن لَهُ أهْلِيَّةٌ، والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ دُونَ ضَمِيرِ القَوْمِ لِيُشارَ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ إلى أنَّ ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ التَّوَلِّي بِسَبَبِ ما كَمَنَ مِنَ المَرَضِ، والرُّؤْيَةُ إمّا بَصَرِيَّةٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُسارِعُونَ فِيهِمْ ﴾ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ - وهو الأنْسَبُ بِظُهُورِ نِفاقِهِمْ - وإمّا قَلْبِيَّةٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، والمُرادُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ: مُسارِعِينَ في مُوالاتِهِمْ، إلّا أنَّهُ قِيلَ فِيهِمْ؛ مُبالَغَةً في بَيانِ رَغْبَتِهِمْ فِيها وتَهالُكِهِمْ عَلَيْها، وإيثارُ كَلِمَةِ ( في ) عَلى كَلِمَةِ ( إلى ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في المُوالاةِ، وإنَّما مُسارَعَتُهم مِن بَعْضِ مَراتِبِها إلى بَعْضٍ آخَرَ مِنها.

وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ المُسارَعَةَ بِالِانْكِماشِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ بِـ( في ) وعَدَلَ عَنْهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِكَوْنِهِ تَفْسِيرًا بِالأخْفى، واخْتِيرَ أنْ تُعَدّى المُسارَعَةُ هُنا بِـ( إلى ) لِتَضَمُّنِها مَعْنى الدُّخُولِ، وقُرِئَ ( فَيَرى ) بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - لِلَّهِ تَعالى، وقِيلَ: لِمَن يَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ، وقِيلَ: الفاعِلُ هو المَوْصُولُ، والمَفْعُولُ هو الجُمْلَةُ عَلى حَذْفِ ( أنِ ) المَصْدَرِيَّةِ، والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ، أيْ فَيَرى القَوْمُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مُرْضٌ أنْ يُسارِعُوا فِيهِمْ، فَلَمّا حُذِفَتْ ( أنِ ) انْقَلَبَ الفِعْلُ مَرْفُوعًا كَما في قَوْلِهِ: ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغى وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ( يُسارِعُونَ ) و( الدّائِرَةُ ) مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ الَّتِي لا يُذْكَرُ مَعَها مَوْصُوفُها، وأصْلُها دَوّارَةٌ؛ لِأنَّها مِن دارَ يَدُورُ، ومَعْناها لُغَةً - عَلى ما في القامُوسِ - ما أحاطَ بِالشَّيْءِ، وفي شَرْحِ المُلَخَّصِ: إنَّ الدّائِرَةَ سَطْحٌ مُسْتَوٍ يُحِيطُ بِهِ خَطٌّ مُسْتَدِيرٌ، يُمْكِنُ أنْ يُفْرَضَ في داخِلِهِ نُقْطَةٌ يَكُونُ البُعْدُ بَيْنَها وبَيْنَهُ واحِدًا في حَدِّ جَمِيعِ الجِهاتِ، وقَدْ تُطْلَقُ الدّائِرَةُ عَلى ذَلِكَ الخَطِّ المُحِيطِ أيْضًا، انْتَهى.

واخْتُلِفَ في أنَّ: أيُّ المَعْنَيَيْنِ حَقِيقَةٌ، فَقِيلَ: إنَّها حَقِيقَةٌ في الأوَّلِ مَجازٌ في الثّانِي، وقِيلَ: بِالعَكْسِ، قالَ البَرَجَنْدِيُّ: وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّهُ إذا ثُبِّتَ أحَدُ طَرَفَيْ خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ وأُدِيرَ دَوْرَةً تامَّةً يَحْصُلُ سَطْحُ دائِرَةٍ يُسَمّى بِها؛ لِأنَّ هَيْئَةَ هَذا السَّطْحِ ذاتُ دَوْرٍ، عَلى أنَّ صِيغَةَ الفاعِلِ لِلنِّسْبَةِ، وإذا تُوُهِّمَ حَرَكَةُ نُقْطَةٍ حَوْلَ نُقْطَةٍ ثابِتَةٍ دَوْرَةً تامَّةً بِحَيْثُ لا يَخْتَلِفُ بُعْدُ النُّقْطَةِ المُتَحَرِّكَةِ عَنِ النُّقْطَةِ الثّابِتَةِ يَحْصُلُ مُحِيطُ دائِرَةٍ يُسَمّى بِها؛ لِأنَّ النُّقْطَةَ كانَتْ دائِرَةً، فَسُمِّيَ ما حَصَلَ مِن دَوَرانِها دائِرَةً، فَإنِ اعْتُبِرَ الأوَّلُ ناسَبَ أنْ يَكُونَ إطْلاقُ الدّائِرَةِ عَلى السَّطْحِ حَقِيقَةً وعَلى المُحِيطِ مَجازًا، وإذا اعْتُبِرَ الثّانِي ناسَبَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالعَكْسِ، انْتَهى.

وتَعَقَّبَهُ بَعْضُ الفُضَلاءِ بِأنَّهُ لا يَخْفى ما فِيهِ؛ لِأنَّ إطْلاقَها بِالِاعْتِبارِ الثّانِي عَلى المُحِيطِ أيْضًا مَجازٌ؛ لِأنَّهُ مِن بابِ تَسْمِيَةِ المُسَبَّبِ بِاسْمِ السَّبَبِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ أرادَ بِكَوْنِ إطْلاقِها عَلى المُحِيطِ حَقِيقَةً أنَّ إطْلاقَها عَلَيْهِ لَيْسَ مَجازًا بِالوَجْهِ الَّذِي كانَ بِهِ مَجازًا في الِاعْتِبارِ الأوَّلِ، فَإنَّ وجْهَ المَجازِ فِيهِ التَّسْمِيَةُ لِلْمُحِيطِ بِاسْمِ المُحاطِ، وها هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ كَما سَمِعْتَ، لَكِنْ هَذا تَكَلُّفٌ بَعِيدٌ، ولَوْ قالَ في وجْهِ التَّسْمِيَةِ في اللّاحِقِ: لِأنَّ هَيْئَةَ الخَطِّ ذاتُ دَوْرٍ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ في وجْهِ التَّسْمِيَةِ السّابِقِ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ هَذا، فَتَدَبَّرْ.

وكَيْفَما كانَ فَقَدِ اسْتُعِيرَتْ لِنَوائِبِ الزَّمانِ بِمُلاحَظَةِ إحاطَتِها، وقَوْلُهم هَذا كانَ اعْتِذارًا عَنِ المُوالاةِ، أيْ نَخْشى أنْ تَدُورَ عَلَيْنا دائِرَةٌ مِن دَوائِرِ الدَّهْرِ، ودَوْلَةٌ مِن دُوَلِهِ، بِأنْ يَنْقَلِبَ الأمْرُ لِلْكُفّارِ، وتَكُونَ الدَّوْلَةُ لَهم عَلى المُسْلِمِينَ، فَنَحْتاجُ إلَيْهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ المَعْنى: نَخْشى أنْ يَدُورَ الدَّهْرُ عَلَيْنا بِمَكْرُوهٍ كالجَدْبِ والقَحْطِ فَلا يُمِيرُونَنا ولا يُقْرِضُونَنا، ولا يَبْعُدُ مِنَ المُنافِقِينَ أنَّهم يُظْهِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّهم يُرِيدُونَ بِالدّائِرَةِ ما قالَهُ الكَلْبِيُّ، ويُضْمِرُونَ في دَوائِرِ قُلُوبِهِمْ ما قالَهُ الجَماعَةُ، المُنْبِئَ عَنِ الشَّكِّ في أمْرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقَدَّرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ عِلَلَهُمُ الباطِلَةَ، وقَطَعَ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ، وبَشَّرَ المُؤْمِنِينَ بِحُصُولِ أُمْنِيَتِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ ﴾ فَإنَّ عَسى مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - وعْدٌ مَحْتُومٌ؛ لِما أنَّ الكَرِيمَ إذا أطْمَعَ أطْعَمَ فَما ظَنَّكُ بِأكْرَمِ الأكْرَمِينَ؟!

والمُرادُ بِالفَتْحِ فَتْحُ مَكَّةَ - كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ - وقِيلَ: فَتْحُ بِلادِ الكُفّارِ واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هو القَضاءُ الفَصْلُ بِنَصْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى مَن خالَفَهُ، وإعْزازِ الدِّينِ، و( أنْ يَأْتِيَ ) في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ، وهو خَبَرٌ لِـ( عَسى ) عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، ومَفْعُولٌ بِهِ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ، لِئَلّا يَلْزَمَ الإخْبارُ بِالحَدَثِ عَنِ الذّاتِ، والأمْرُ في ذَلِكَ عِنْدَ الأخْفَشِ سَهْلٌ.

﴿ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ ﴾ وهو القَتْلُ وسَبْيُ الذَّرارِيِّ لَبَنِي قُرَيْظَةُ، والجَلاءُ لَبَنِي النَّضِيرِ عِنْدَ مُقاتِلٍ، وقِيلَ: إظْهارُ نِفاقِ المُنافِقِينَ مَعَ الأمْرِ بِقَتْلِهِمْ، ورَوِيَ عَنِ الحَسَنِ والزَّجّاجِ، وقِيلَ: مَوْتُ رَأْسِ النِّفاقِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الجُبّائِيِّ.

﴿ فَيُصْبِحُوا ﴾ أيْ أُولَئِكَ المُنافِقُونَ، وهو عَطْفٌ عَلى ( يِأْتِيَ ) داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ خَبَرِ ( عَسى ) وفاءُ السَّبَبِيَّةِ لِجَعْلِها الجُمْلَتَيْنِ كَجُمْلَةٍ واحِدَةٍ مُغْنِيَةٌ عَنِ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى الِاسْمِ، والمُرادُ فَيَصِيرُوا ﴿ عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ ﴾ مِنَ الكُفْرِ والشَّكِّ في أمْرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ﴿ نادِمِينَ ﴾ خَبَرُ ( يُصْبِحُ )، وبِهِ يَتَعَلَّقُ ﴿ عَلى ما أسَرُّوا ﴾ ، وتَخْصِيصُ النَّدامَةِ بِهِ لا بِما كانُوا يُظْهِرُونَهُ مِن مُوالاةِ الكَفَرَةِ لِما أنَّهُ الَّذِي كانَ يَحْمِلُهم عَلى تِلْكَ المُوالاةِ ويُغْرِيهِمْ عَلَيْها، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ نَدامَتَهم عَلى التَّوَلِّي بِأصْلِهِ وسَبَبِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرٍو، أنَّهُ سَمَعَ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقْرَأُ ( عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ فَيُصْبِحُ الفُسّاقُ عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ ) قالَ عَمْرٌو: لا أدْرِي أكانَ ذَلِكَ مِنهُ قِراءَةً أمْ تَفْسِيرًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ في العون والنصرة، وذلك أنه لما كانت وقعة أحد، خاف أناس من المسلمين أن يظهر عليهم الكفار، فأراد من كانت بينه وبين النصارى واليهود صحبة أن يتولوهم ويعاقدوهم.

فنهاهم الله تعالى عن ذلك فقال: لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ يعني: معيناً وناصراً، بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يعني: بعضهم على دين بعض، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ يعني: من اتخذ منهم أولياء، فَإِنَّهُ مِنْهُمْ يعني على دينهم ومعهم في النار.

ثم قال إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني: لا يرشدهم إلى الحجة.

ويقال لا يرشدهم ما لم يجتهدوا، ويقصدوا الإسلام.

ثم بين حال المنافقين.

فقال: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني: شرك ونفاق يُسارِعُونَ فِيهِمْ يقول: يبادرون في معاونتهم ومعاقدتهم وولايتهم، يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ يعني: ظهور المشركين.

ويقال: شدة وجدوبة فاحتجنا إليهم.

ويقال: نخشى الدائرة على المسلمين، فلا ننقطع عنهم.

قال الله تعالى: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ يعني: نصر محمد  الذي أيسوا منه أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ يعني: من قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير.

ويقال: الفتح أي: فتح مكة أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ يعني: الخصب.

وقال القتبي: الفتح أن يفتح المغلق.

ثم قال: النصرة فتح، لأن النصرة يفتح الله بها أمراً مغلقاً، كقوله: فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ [النساء: 141] وكقوله فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ يعني: إظهار نفاقهم، فَيُصْبِحُوا عَلى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ من النفاق، نادِمِينَ لأن المنافقين لما رأوا من أمر بني قريظة والنضير ندموا على ما قالوا.

ثم قال تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا يعني: في ذلك الوقت الذي يظهر نفاقهم، هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ يقول: إذا حلفوا بالله فهو جهد اليمين.

إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ على دينكم.

قرأ نافع وابن كثير وابن عامر يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا بغير واو، ومعناه: أن الله تعالى لما بيّن حال المنافقين، بيّن على أثره حال المؤمنين.

فقال تعالى: يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا يعني: قال الذين آمنوا بعضهم لبعض.

وقرأ أهل الكوفة حمزة وعاصم والكسائي وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا بالواو وضم اللام ومعناه: عسى الله أن يأتي بالفتح، ويندم المنافقون، ويقول الذين آمنوا عند ذلك هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ وقرأ أبو عمرو وَيَقُولُ بالواو ونصب اللام، عطفاً على قوله: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ وعسى أن يقول الذين آمنوا.

ثم قال تعالى: حَبِطَتْ يعني: بطلت أَعْمالُهُمْ يعني: المنافقين الذين كانوا يحلفون أنهم مع المؤمنين وعلى دينهم، ولم يكونوا معهم حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فلا ثواب لهم في الآخرة فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ يعني: صاروا خاسرين في الدنيا وفي الآخرة.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لأنهم كانوا يريدون أن يخدعوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا له مراراً: احكم لنا في نازلةِ كَذَا بكَذَا، ونَتَّبِعَكَ على دينك.

وقوله سبحانه: فَإِنْ تَوَلَّوْا، قبله محذوفٌ، تقديره: فإِنْ حكَّموك واستقاموا، فَنِعِمَّا ذلك، وَإِن تَوَلَّوْا، فَاعْلَمْ ...

الآية، وخصَّص سبحانه إصابتهم ببَعْض الذنوبِ دون كلِّها لأن هذا الوعيد إنما هو في الدنيا، وذنُوبُهم نوعانِ: نوعٌ يخصُّهم، ونوعٌ يتعدى إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمؤمنين، وبه توعَّدهم اللَّه في الدنيا، وإنما يعذَّبون بالكُلِّ في الآخرة.

وقال الفَخْر «١» : وجوزُوا ببَعْض الذنوبِ في الدنيا، لأنَّ مجازَاتهُمْ بالبَعْض- كافٍ في إهلاكهم وتدميرِهِمْ.

انتهى.

وقوله سبحانه: فَاعْلَمْ ...

الآية: وعد للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقد أنجزه بقصَّة بني قَيْنُقَاعٍ، وقصَّةِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وإجلاءِ عُمَرَ أهْلَ خيبَرٍ وفَدَك وغيرهم.

وقوله تعالى: وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ/ لَفاسِقُونَ: إشارة إليهم، ويندرجُ في عمومِ الآية غَيْرُهُمْ.

وقوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ: إشارة إلى الكُهَّان الذين كانُوا يأخْذُون الحُلْوَان «٢» ، ويحكُمُون بحَسَب الشهوات، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً، أي: لا أحد أحسنُ منه حكماً تبارك وتعالى.

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ: نهى اللَّه سبحانه المؤمنين بهذه الآية عَن اتخاذِ اليهودِ والنصارى أولياءَ في النُّصْرة والخُلْطة المؤدِّية إلى الامتزاج والمعاضَدَة، وحُكْمُ هذه الآيةِ باقٍ، وكلُّ من أكثر مخالطة هذين الصّنفين، فله

حَظُّه من هذا المَقْت الذي تضمَّنه قوله تعالى: فَإِنَّهُ مِنْهُمْ، وسببُ نزولِ هذه الآيةِ أنَّه لَمَّا انقضت بدْرٌ وشَجَر أمر بني قينقاع، أراد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَتْلهم، فقام دُونَهم عبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ مخاصِماً، وقال: يا محمَّد، أَحْسِنْ في مَوَالِيَّ، فَإنِّي امرؤ أَخَافَ الدوائِرَ، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: قَدْ وهبتُهُمْ لك «١» ، ونزلَتِ الآية في ذلك.

وقوله عزَّ وجلَّ: بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ: جملةٌ مقطوعة من النَّهْيِ.

وقوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ: إنحاء على عبد اللَّه بْنِ أُبَيٍّ، وعلى كلِّ من اتصف بهذه الصفة.

وقوله سبحانه: فَتَرَى الَّذِينَ: المعنى: فترى يا محمد، الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ إشارةً إلى عبد اللَّه بْنِ أُبَيٍّ ومَنْ تبعه من المنافقين على مذهبه في حماية بني قَيْنُقَاعٍ.

وقوله تعالى: يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ: لفظٌ محفوظٌ عن عبد اللَّه بْنِ أُبَيٍّ ومن تبعه من المنافقين، ودَائِرَةٌ: معناه نَازِلَةٌ من الزمان، وإنما كان ابن أبيٍّ يظهر أنه يستَبْقِيهم لِنُصْرة النبيِّ- عليه السلام-، وأنه الرأْيُ، وكان يبطنُ خلافَ ذلك.

وقوله سبحانه: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ، وهو ظهور نبيه- عليه السلام-، وعلوّ كلمته، وتمكينُهُ مِنْ بني قَيْنُقَاعٍ وقريظَةَ والنَّضِيرِ، وفَتْحُ مكَّة، أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ يُهْلِكُ بِهِ أعداءَ الشرع، وهو أيضاً فتْحٌ لا يقع فيه للبَشَر سبَبٌ.

وقرأ ابن الزُّبَيْر «٢» : «فَيُصْبِحَ الفُسَّاقُ على مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادمين» .

وقوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ، قرأ «٣» نافعٌ وغيره: «يَقُولُ» - بغير واو-، وقرأ حمزة وغيره: «وَيَقُولُ» ، وقرأ أبو عمرو وحْده:

«وَيَقُولَ» - بالواو، ونصبِ اللامِ- فذَهَبَ كثيرٌ من المفسِّرين إلى أنَّ هذا القولَ مِنَ المؤمنين إنما هو إذا جاء الفتْحُ، وحصَلَتْ ندامةُ المنافقين، وفَضَحهم الله تعالى، فحينئذ:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، ثُمَّ لَهم في ذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا يَمِيرُونَ المُنافِقِينَ ويُقْرِضُونَهم فَيُوادُّونَهم، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿ لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ ﴾ قالَ المُنافِقُونَ: كَيْفَ نَقْطَعُ مَوَدَّةَ قَوْمٍ إنْ أصابَتْنا سَنَةٌ وسَّعُوا عَلَيْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ومِمَّنْ قالَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، ولَمْ يُعَيِّنْ: مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ.

وَفِي المُرادِ بِالمَرَضِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّكُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: النِّفاقُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ يُسارِعُونَ فِيهِمْ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يُسارِعُونَ في مُوالاتِهِمْ ومُناصَحَتِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: في رِضاهم، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: في مُعاوَنَتِهِمْ عَلى المُسْلِمِينَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وفي المُرادِ "بِالدّائِرَةِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الجَدْبُ والمَجاعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: نَخْشى أنْ يَدُورَ عَلَيْنا الدَّهْرُ بِمَكْرُوهٍ، يَعْنُونَ الجَدْبَ، فَلا يُبايِعُونا، و [نَمْتارُ فِيهِمْ] فَلا يَمِيرُونا.

والثّانِي: انْقِلابُ الدَّوْلَةِ لِلْيَهُودِ عَلى المُسْلِمِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي المُرادِ بِالفَتْحِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: فَتْحُ قُرى اليَهُودِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: نَصْرُ النَّبِيِّ  عَلى مَن خالَفَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، والزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: الفَرَجُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وفي الأمْرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: إجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ وأخْذُ أمْوالِهِمْ، وقَتْلُ قُرَيْظَةَ، وسَبْيُ ذَرارِيهِمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: الجِزْيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: الخِصْبُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والرّابِعُ: أنْ يُؤْمَرَ النَّبِيُّ  بِإظْهارِ أمْرِ المُنافِقِينَ وقَتْلِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وفِيما أسَرُّوا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مُوالاتُهم.

والثّانِي: قَوْلُهم لَعَلَّ مُحَمَّدًا لا يُنْصَرُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَصارى أولِياءَ بَعْضُهم أولِياءَ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهم إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسى اللهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أو أمْرٍ مِن عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ ﴾ نَهى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَنِ اتِّخاذِ اليَهُودِ والنَصارى أولِياءَ في النُصْرَةِ؛ والخُلْطَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى الِامْتِزاجِ؛ والمُعاضَدَةِ؛ وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ باقٍ؛ وكُلُّ مَن أكْثَرَ مُخالَطَةَ هَذَيْنِ الصِنْفَيْنِ فَلَهُ حَظُّهُ مِن هَذا المَقْتِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: "فَإنَّهُ مِنهُمْ"؛ وأمّا مُعامَلَةُ اليَهُودِيِّ والنَصْرانِيِّ مِن غَيْرِ مُخالَطَةٍ ولا مُلامَسَةٍ؛ فَلا تَدْخُلُ في النَهْيِ؛ وقَدْ عامَلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَهُودِيًّا ورَهَنَهُ دِرْعَهُ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ عَطِيَّةُ بْنُ سَعْدٍ ؛ والزُهْرِيُّ ؛ وابْنُ إسْحاقَ ؛ وغَيْرُهُمْ: سَبَبُها أنَّهُ لَمّا انْقَضَتْ بَدْرٌ وشَجَرَ أمْرُ بَنِي قَيْنُقاعَ؛ أرادَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَتْلَهُمْ؛ فَقامَ دُونَهم عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ؛ وكانَ حَلِيفًا لَهُمْ؛ وكانَ لِعُبادَةَ بْنِ الصامِتِ مِن حِلْفِهِمْ مِثْلُ ما لِعَبْدِ اللهِ؛ فَلَمّا رَأى عُبادَةُ مَنزَعَ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وما سَلَكَتْهُ يَهُودٌ مِنَ المُشاقَّةِ لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ جاءَ إلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ إنِّي أبْرَأُ إلى اللهِ مِن حِلْفِ يَهُودٍ ووَلائِهِمْ؛ ولا أُوالِي إلّا اللهَ ورَسُولَهُ؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ: أمّا أنا فَلا أبْرَأُ مِن ولاءِ يَهُودٍ؛ فَإنِّي لا بُدَّ لِي مِنهُمْ؛ إنِّي رَجُلٌ أخافَ الدَوائِرَ.

وحَكى ابْنُ إسْحاقَ في السِيَرِ «أنَّهُ قامَ إلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَأدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِ دِرْعِهِ وقالَ: يا مُحَمَّدُ؛ أحْسِنْ في مُوالِيَّ؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "أرْسِلِ الدِرْعَ مِن يَدِكَ"؛ فَقالَ: لا واللهِ؛ حَتّى تَهَبَهم لِي؛ لِأنَّهم ثَلاثُمِائَةِ دارِعٍ وأرْبَعُمِائَةِ حاسِرٍ؛ أفَأدَعُكَ تَحْصُدُهم في غَداةٍ واحِدَةٍ؟

فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "قَدْ وهَبْتُهم لَكَ"؛» ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

وقالَ السُدِّيُّ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ بِالمُسْلِمِينَ أمْرُ أُحُدٍ فَزِعَ مِنهم قَوْمٌ؛ وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: نَأْخُذُ مِنَ اليَهُودِ عَصْمًا لِيُعاضِدُونا إنْ ألَمَّتْ بِنا قاصِمَةٌ مِن قُرَيْشٍ وسائِرِ العَرَبِ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: سَبَبُ الآيَةِ أمْرُ أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ؛ وإشارَتِهِ إلى قُرَيْظَةَ أنَّهُ الذَبْحُ؛ حِينَ اسْتَفْهَمُوهُ عن رَأْيِهِ في نُزُولِهِمْ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ مُحْتَمَلٌ؛ وأوقاتُ هَذِهِ النَوازِلِ مُخْتَلِفَةٌ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ: "لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَصارى أرْبابًا بَعْضُهُمْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَعْضُهم أولِياءُ بَعْضٍ ﴾ ؛ جُمْلَةٌ مَقْطُوعَةٌ مِنَ النَهْيِ؛ تَتَضَمَّنُ التَفْرِقَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ ﴾ ؛ إنْحاءٌ عَلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ ؛ وكُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفَةِ مِن مُوالاتِهِمْ؛ ومَن تَوَلّاهم بِمُعْتَقَدِهِ؛ ودِينِهِ؛ فَهو مِنهم في الكُفْرِ؛ واسْتِحْقاقِ النِقْمَةِ؛ والخُلُودِ في النارِ؛ ومَن تَوَلّاهم بِأفْعالِهِ مِنَ العَضُدِ؛ ونَحْوِهِ؛ دُونَ مُعْتَقَدٍ؛ ولا إخْلالٍ بِإيمانٍ؛ فَهو مِنهم في المَقْتِ؛ والمَذَمَّةِ الواقِعَةِ عَلَيْهِمْ؛ وعَلَيْهِ؛ وبِهَذِهِ الآيَةِ جَوَّزَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ ذَبائِحَ النَصارى مِنَ العَرَبِ؛ وقالَ: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ ﴾ ؛ فَقالَ: مَن دَخَلَ في دِينِ قَوْمٍ فَهو مِنهُمْ؛ وسُئِلَ ابْنُ سِيرِينَ - رَحِمَهُ اللهُ - عن رَجُلٍ أرادَ بَيْعَ دارِهِ مِن نَصارى يَتَّخِذُونَها كَنِيسَةً؛ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ ؛ عُمُومٌ؛ فَإمّا أنْ يُرادَ بِهِ الخُصُوصُ فِيمَن سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ ألّا يُؤْمِنَ؛ ولا يَهْتَدِيَ؛ وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ تَخْصِيصُ مُدَّةِ الظُلْمِ والتَلَبُّسِ بِفِعْلِهِ؛ فَإنَّ الظُلْمَ لا هُدى فِيهِ؛ والظالِمَ - مِن حَيْثُ هو ظالِمٌ - فَلَيْسَ بِمَهْدِيٍّ في ظُلْمِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ مُخاطَبَةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والإشارَةُ إلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ؛ ومَن تَبِعَهُ مِنَ المُنافِقِينَ عَلى مَذْهَبِهِ في حِمايَةِ بَنِي قَيْنُقاعَ؛ ويَدْخُلُ في الآيَةِ مَن كانَ مِن مُؤْمِنِي الخَزْرَجِ؛ يُتابِعُهُ جَهالَةً وعَصَبِيَّةً؛ فَهَذا الصِنْفُ لَهُ حَظُّهُ مِن مَرَضِ القَلْبِ.

وقِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ: "فَتَرى"؛ بِالتاءِ؛ مِن فَوْقُ؛ فَإنْ جُعِلَتْ رُؤْيَةَ عَيْنٍ فَـ "يُسارِعُونَ"؛ حالٌ؛ وفِيها الفائِدَةُ المَقْصُودَةُ؛ وإنْ جُعِلَتْ رُؤْيَةَ قَلْبٍ؛ فَـ "يُسارِعُونَ"؛ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي؛ و"يَقُولُونَ" حالٌ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "فَيَرى"؛ بِالياءِ مِن تَحْتُ؛ والفاعِلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَحْذُوفٌ؛ ولَكَ أنْ تُقَدِّرَ: "فَيَرى اللهُ"؛ أو: "فَيَرى الرائِي"؛ و"اَلَّذِينَ"؛ مَفْعُولٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "اَلَّذِينَ"؛ فاعِلًا؛ والمَعْنى: "أنْ يُسارِعُوا"؛ فَحُذِفَتْ "أنْ"؛ إيجازًا.

و"يُسارِعُونَ فِيهِمْ"؛ مَعْناهُ: "فِي نُصْرَتِهِمْ؛ وتَأْنِيسِهِمْ؛ وتَجْمِيلِ ذِكْرِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ ﴾ ؛ لَفْظٌ مَحْفُوظٌ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ ؛ ولا مَحالَةَ أنَّهُ قالَ بِقَوْلِهِ مُنافِقُونَ كَثِيرٌ؛ والآيَةُ تُعْطِي ذَلِكَ؛ ودائِرَةٌ: مَعْناهُ: نازِلَةٌ مِنَ الزَمانِ؛ وحادِثَةٌ مِنَ الحَوادِثِ تُحْوِجُنا إلى مَوالِينا مِنَ اليَهُودِ؛ وتُسَمّى هَذِهِ الأُمُورُ دَوائِرَ؛ عَلى قَدِيمِ الزَمانِ؛ مِن حَيْثُ اللَيْلُ والنَهارُ في دَوَرانٍ؛ فَكَأنَّ الحادِثَ يَدُورُ بِدَوَرانِها حَتّى يَنْزِلَ فِيمَن نَزَلَ؛ ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ دائِرَةُ السَوْءِ  ﴾ ؛ ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَوائِرَ ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: والدَهْرُ بِالإنْسانِ دَوّارِيُّ ∗∗∗...............

وَقَوْلُ الآخَرِ: .................

∗∗∗ ∗∗∗ ويَعْلَمُ أنَّ النائِباتِ تَدُورُ وقَوْلُ الآخَرِ: يَرُدُّ عنكَ القَدَرَ المَقْدُورا ∗∗∗ ∗∗∗ ودائِراتِ الدَهْرِ أنْ تَدُورا ويُعَضِّدُهُ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "إنَّ الزَمانَ قَدِ اسْتَدارَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفِعْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ في هَذِهِ النازِلَةِ لَمْ يَكُنْ ظاهِرُهُ مُغالَبَةَ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ولَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَحارَبَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وإنَّما كانَ يُظْهِرُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَسْتَبْقِيَهم لِنُصْرَةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ولِأنَّ ذَلِكَ هو الرَأْيُ؛ وقَوْلُهُ: "إنِّي امْرُؤٌ أخْشى الدَوائِرَ"؛ أيْ: مِنَ العَرَبِ؛ ومِمَّنْ يُحارِبُ المَدِينَةَ؛ وأهْلَها؛ وكانَ يُبْطِنُ في ذَلِكَ كُلِّهِ التَحَرُّزَ مِنَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والمُؤْمِنِينَ؛ والفَتَّ في أعَضادِهِمْ؛ وذَلِكَ هو الَّذِي أسَرَّ هو في نَفْسِهِ ومَن مَعَهُ عَلى نِفاقِهِ؛ مِمَّنْ يُفْتَضَحُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ.

وقَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى-: ﴿ "فَعَسى اللهُ"؛ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ولِلْمُؤْمِنِينَ؛ ووَعْدٌ لَهُمْ؛ و"عَسى"؛ مِنَ اللهِ تَعالى واجِبَةٌ؛ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى "بِالفَتْحِ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ قَتادَةُ: يَعْنِي بِهِ القَضاءَ في هَذِهِ النَوازِلِ؛ و"اَلْفَتّاحُ": اَلْقاضِي؛ فَكانَ هَذا الوَعْدُ هو مِمّا نَزَلَ بِبَنِي قَيْنُقاعَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ وبِقُرَيْظَةَ والنَضِيرِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: يَعْنِي بِهِ فَتْحَ مَكَّةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وظاهِرُ الفَتْحِ في هَذِهِ الآيَةِ ظُهُورُ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وعُلُوُّ كَلِمَتِهِ؛ أيْ: فَيَبْدُو الِاسْتِغْناءُ عَنِ اليَهُودِ؛ ويَرى المُنافِقُ أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُوجِدْ سَبِيلًا إلى ما كانَ يُؤَمِّلُ فِيهِمْ مِنَ المَعُونَةِ عَلى أمْرِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والدَفْعِ في صَدْرِ نُبُوَّتِهِ؛ فَيَنْدَمُ حِينَئِذٍ عَلى ما حَصَلَ فِيهِ مِن مُحادَّةِ الشَرْعِ؛ وتَجَلُّلِ ثَوْبِ المَقْتِ مِنَ اللهِ تَعالى؛ ومِن رَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والمُؤْمِنِينَ؛ كالَّذِي وقَعَ وظَهَرَ بَعْدُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو أمْرٍ مِن عِنْدِهِ ﴾ ؛ قالَ السُدِّيُّ: اَلْمُرادُ ضَرْبُ الجِزْيَةِ؛ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَظْهَرُ أنَّ هَذا التَقْسِيمَ إنَّما هو لِأنَّ الفَتْحَ المَوْعُودَ بِهِ هو ما يَتَرَكَّبُ عَلى سَعْيِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - وأصْحابِهِ؛ ويُسَبِّبُهُ جِدُّهُمْ؛ وعَمَلُهُمْ؛ فَوَعْدُ اللهِ تَعالى إمّا بِفَتْحٍ بِمُقْتَضى تِلْكَ الأفْعالِ؛ وإمّا بِأمْرٍ مِن عِنْدِهِ؛ يُهْلِكُ أعْداءَ الشَرْعِ؛ هو أيْضًا فَتْحٌ لا يَقَعُ لِلْبَشَرِ فِيهِ تَسْبِيبٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَيُصْبِحُوا"؛ ﴾ مَعْناهُ: "يَكُونُوا كَذَلِكَ طُولَ دَهْرِهِمْ"؛ وخُصَّ الإصْباحُ بِالذِكْرِ لِأنَّ الإنْسانَ في لَيْلِهِ مُتَفَكِّرٌ مُتَسَتِّرٌ؛ فَعِنْدَ الصَباحِ يُرى بِالحالَةِ الَّتِي اقْتَضَتْها فِكْرُهُ أو أمْراضُهُ؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ.

والَّذِي أسَرُّوهُ هو ما ذَكَرْناهُ مِنَ التَمَرُّسِ بِالنَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وإعْدادِ اليَهُودِ لِلثَّوْرَةِ عَلَيْهِ يَوْمًا ما؛ وقَرَأ ابْنُ الزُهْرِيِّ: "فَيُصْبِحَ الفُسّاقُ عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تهيّأت نفوس المؤمنين لقبول النّهي عن موالاة أهل الكتاب بعد ما سمعوا من اضطراب اليهود في دينهم ومحاولتهم تضليل المسلمين وتقليبَ الأمور للرسول صلى الله عليه وسلم فأقبل عليهم بالخطاب بقوله: ﴿ يأيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا اليهود والنّصارى ﴾ الآية، لأنّ الولاية تنبنِي على الوفاق والوئام والصّلة وليس أولئك بأهل لولاية المسلمين لبُعد ما بين الأخلاق الدّينيّة، ولإضمارهم الكَيد للمسلمين.

وجرّد النّهي هنا عن التّعليل والتّوجيه اكتفاء بما تقدّم.

والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً.

وسبب النّهي هو ما وقع من اليهود، ولكن لمّا أريد النّهي لم يُقتصر عليهم لكيلا يحسب المسلمون أنّهم مأذونون في موالاة النّصارى، فلدفع ذلك عطف النّصارى على اليهود هنا، لأنّ السبب الدّاعي لعدم الموالاة واحد في الفريقين، وهو اختلاف الدّين والنفرةُ الناشئة عن تكذيبهم رسالة محمّد صلى الله عليه وسلم فالنّصارى وإن لم تجئ منهم يومئذٍ أذاة مثل اليهود فيوشك أن تجيء منهم إذا وُجد داعيها.

وفي هذا ما ينبّه على وجه الجمع بين النّهي هنا عن موالاة النّصارى وبين قوله فيما سيأتي ﴿ وليتجِدنّ أقربهم مودّة للّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى ﴾ [المائدة: 82].

ولا شكّ أنّ الآية نزلت بعد غزوة تبوك أو قُربَهَا، وقد أصبح المسلمون مجاورين تخوم بلاد نصارى العرب.

وعن السُدّي أنّ بعض المسلمين بعْد يوم أحُد عزم أن يوالي يهودياً، وأنّ آخر عزم أن يوالي تصرانياً كما سيأتي، فيكون ذكر النّصارى غير إدماج.

وعقّبه بقوله: ﴿ بعضهم أولياء بعض ﴾ أي أنّهم أجدر بولاية بعضهم بعضاً، أي بولاية كلّ فريق منهم بعض أهللِ فريقِه، لأنّ كلّ فريق منهم تتقارب أفراده في الأخلاق والأعمال فيسهل الوفاق بينهم، وليس المعنى أنّ اليهودَ أولياء النّصارى.

وتنوين ﴿ بعضٍ ﴾ تنوين عوض، أي أولياء بعضهم.

وهذا كناية عن نفي موالاتهم المؤمنين وعن نهي المؤمنين عن موالاة فريق منهما.

والولاية هنا ولاية المودّة والنصرة ولا علاقة لها بالميراث، ولذلك لم يقل مالك بتوريث اليهودي من النّصراني والعكس أخذاً بقول النّبيء صلى الله عليه وسلم ﴿ لا يتوارث أهل ملّتين ﴾ .

وقال الشّافعي وأبو حنيفة بتوريث بعض أهل الملل من بعض ورأيا الكفر ملّة واحدة أخذاً بظاهر هذه الآية، وهو مذهب داوود.

وقوله: ﴿ ومن يتَولّهم منكم فإنّه منهم ﴾ ، (مَن) شرطيّة تقتضي أنّ كلّ من يتولاّهم يصير واحداً منهم.

جعل ولايتهم موجّبة كونَ المتولّي منهم، وهذا بظاهره يقتضي أنّ ولايتهم دخولٌ في ملّتهم، لأنّ معنى البعضية هنا لا يستقيم إلاّ بالكون في دينهم.

ولمّا كان المؤمن إذا اعتقد عقيدة الإيمان واتّبع الرسول ولم ينافق كان مسلماً لا محالة كانت الآية بحاجة إلى التأويل، وقد تأوّلها المفسّرون بأحد تأويلين: إمّا بحمل الولاية في قوله: ﴿ ومن يتولّهُم ﴾ على الولاية الكاملة الّتي هي الرّضى بدينهم والطعنُ في دين الإسلام، ولذلك قال ابن عطيّة: ومن تولاّهم بمعتقده ودينه فهو منهم في الكفر والخلود في النّار.

وأمّا بتأويل قوله: ﴿ فإنّه منهم ﴾ على التشبيه البليغ، أي فهو كواحد منهم في استحقاق العذاب.

قال ابن عطيّة: من تولاّهم بأفعاله من العَضْد ونحوه دون معتقدهم ولا إخلال بالإيمان فهو منهم في المقت والمذمّة الواقعة عليهم اه.

وهذا الإجمال في قوله: ﴿ فإنّه منهم ﴾ مبالغة في التّحذير من موالاتهم في وقت نزول الآية، فالله لم يرض من المسلمين يومئذٍ بأن يتولّوا اليهود والنّصارى، لأنّ ذلك يلبسهم بالمنافقين، وقد كان أمر المسلمين يومئذٍ ي حيرة إذ كان حولهم المنافقُون وضعفاء المسلمين واليهود والمشركون فكان من المتعيّن لحفظ الجامعة التّجرّد عن كلّ ما تتطرّق مِنه الرّبية إليهم.

وقد اتّفق عُلماء السنّة على أنّ ما دون الرّضا بالكفر وممالاتهم عليه من الولاية لا يُوجب الخروج من الربقة الإسلاميّة ولكنّه ضلال عظيم، وهو مراتب في القُوّة بحسب قوّة الموالاة وباختلاف أحوال المسلمين.

وأعظم هذه المراتب القضية الّتي حدثت في بعض المسلمين من أهل غرناطة الّتي سئل عنها فقهاء غرناطة: محمد الموّاق، ومحمد بن الأزرق، وعليّ بن داوود، ومحمد الجعدالة، ومحمد الفخار، وعليّ القلصادي، وأبو حامد بن الحسن، ومحمد بن سرحونة، ومحمد المشذّالي، وعبد الله الزليجي، ومحمد الحذام، وأحمد بن عبد الجليل، ومحمد بن فتح، ومحمد بن عبد البرّ، وأحمد البقني، عن عصابة من قُواد الأندلس، وفرسانهم لَجَأُوا إلى صاحب قشتالة (بلاد النصارى) بعد كائنة (اللَّسانة) كذا واستنصروا به على المسلمين واعتصموا بحبْل جواره وسكنوا أرض النّصارى فهل يحلّ لأحد من المسلمين مساعدتهم ولأهل مدينة أو حصن أن يأوُوهم.

فأجابوا بأنّ رُكونهم إلى الكفار واستنصارهم بهم قد دخلوا به في وعيد قوله تعالى: ﴿ ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم ﴾ فمن أعانهم فهو معين على معصية الله ورسوله، هذا ما داموا مصرّين على فعلهم فإن تابوا ورجعوا عمّا هم عليه من الشقاق والخلاف فالواجب على المسلمين قبولهم.

فاستِدلالهم في جوابهم بهذه الآية يدلّ على أنّهم تأوّلوها على معنى أنّه منهم في استحقاق المقت والمذمة، وهذا الّذي فعلوه، وأجاب عنه الفقهاء هو أعظمُ أنواع الموالاة بعد موالاة الكفر.

وأدنى درجات الموالاة المخالطة والملابسة في التّجارة ونحوها.

ودون ذلك ما ليس بموالاة أصلاً، وهو المعاملة.

وقد عامَل النّبيء صلى الله عليه وسلم يهود خيبر مساقاة على نخل خيبر، وقد بيّنّا شيئاً من تفصيل هذا عند قوله تعالى: ﴿ لا يَتّخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ﴾ في سورة آل عمران (28).

وجملة إنّ الله لا يهدي القوم الظّالمين} تذييل للنّهي، وعموم القوم الظّالمين شمل اليهود والنّصارى، وموقع الجملة التذييلية يقتضي أنّ اليهودَ والنّصارى من القوم الظّالمين بطريق الكناية.

والمراد بالظّالمين الكافرون.

وقوله: ﴿ فترى الّذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ﴾ تفريع لحالة من موالاتهم أريد وصفها للنّبيء صلى الله عليه وسلم لأنّها وقعت في حضرته.

والمرض هنا أطلق على النفاق كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ في قلوبهم مرض ﴾ في سورة البقرة (10).

أطلق عليه مرض لأنّه كفر مفسد للإيمان.

والمسارعة تقدّم شرحها في قوله تعالى: ﴿ لا يحْزنك الّذين يسارعون في الكفر ﴾ [المائدة: 41].

وفي المجرور مضاف محذوف دلّت عليه القرينة، لأنّ المسارعة لا تكون في الذوات، فالمعنى: يسارعون في شأنهم من موالاتهم أو في نصرتهم.

والقولُ الواقع في ﴿ يقولون نَخشى ﴾ قولُ لسان لأنّ عبد الله بن أبيّ بنَ سلول قال ذلك، حسبما رُوي عن عطيّة الحوفي والزهري وعاصم بن عمر بن قتادة أنّ الآية نزلت بعد وقعة بدر أوبعد وقعة أحُد وأنّها نزلت حين عزم رسول الله على قتال بني قينقاع.

وكان بنو قينقاع أحلافاً لعبد الله بن أبي بن سلول ولعُبادة بن الصامت، فلمّا رأى عبادة منزع رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء فقال: يا رسول الله إنّي أبرأ إلى الله من حِلف يهود وولائهم ولا أوالي إلاّ الله ورسولَه، وكان عبد الله بن أبيّ حاضراً فقال: أمَّا أنا فلا أبرأ من حلفهم فإنّي لا بدّ لي منهم إنّي رجل أخاف الدّوائر.

ويحتمل أن يكون قولهم: ﴿ نخشى أن تصيبنا دائرة ﴾ ، قولاً نفسياً، أي يقولون في أنفسهم.

فالدّائرة المخشيّة هي خشية انتقاض المسلمين على المنافقين، فيكون هذا القول من المرض الّذي في قلوبهم، وعن السديّ: أنّه لمّا وقع انهزام يوم أحُد فزع المسلمون وقال بعضهم: نأخذ من اليهود حلفاً ليُعاضدونا إن ألمّت بنا قاصمة من قريش.

وقال رجل: إنّي ذاهب إلى اليهود فلان فآوي إليه وأتهوّدُ معه.

وقال آخر: إنّي ذاهب إلى فلان النّصراني بالشّام فآوي إليه وأتنصّر معه، فنزلت الآية.

فيكون المرض هنا ضعف الإيمان وقلّة الثّقة بنصر الله، وعلى هذا فهذه الآية تقدّم نزولها قبل نزول هذه السورة، فإمّا أعيد نزولها، وإمّا أمر بوضعها في هذا الموضع.

والظاهر أنّ قوله ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسرّوا في أنفسهم نادمين ﴾ يؤيّد الرواية الأولى، ويؤيّد مَحملنا فيها: أنّ القول قول نفسيّ.

والدائرة اسم فاعل من دار إذا عَكس سيره، فالدائرة تغيّر الحال، وغلب إطلاقها على تغيّر الحال من خير إلى شرّ، ودوائر الدّهر: نُوبه ودولُه، قال تعالى: ﴿ ويتربّص بكم الدوائر ﴾ [التوبة: 98] أي تبدّل حالكم من نصر إلى هزيمة.

وقد قالوا في قوله تعالى: ﴿ عليهم دائرة السَّوْء ﴾ [الفتح: 6] إنّ إضافة (دائرة) إلى (السَّوْء) إضافة بيان.

قال أبو عليّ الفارسي: لو لم تُضف الدائرة إلى السَّوْء عرف منها معناه.

وأصل تأنيثها للمرّة ثمّ غلبت على التغيّر مُلازمة لصبغة التّأنيث.

وقوله: ﴿ يقول الّذين آمنوا ﴾ قرأه الجمهور ﴿ يقول ﴾ بدون واو في أوّله على أنّه استئناف بياني جواب لسؤال من يسأل: ماذا يقول الّذين آمنوا حينئذٍ.

أي إذا جاء الفتح أو أمر من قوة المسلمين ووهنَ اليهود يقول الّذين آمنوا وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف ﴿ ويَقول ﴾ بالواو وبرفع ﴿ يقول ﴾ عطفاً على ﴿ فعسى الله ﴾ ، وقرأه أبو عمرو، ويعقوب بالواو أيضاً وبنصب ﴿ يقول ﴾ عطفاً على ﴿ أن يأتي ﴾ .

والاستفهام في ﴿ أهؤلاء ﴾ مستعمل في التعجّب من نفاقهم.

و ﴿ هؤلاء ﴾ إشارة إلى طائفة مقدّرة الحصول يومَ حصول الفتح، وهي طائفة الّذين في قلوبهم مرض.

والظاهر أنّ ﴿ الّذين ﴾ هو الخبر عن ﴿ هؤلاء ﴾ لأنّ الاستفهام للتّعجب، ومحلّ العجب هو قَسمَهم أنّهم معهم، وقد دلّ هذا التعجّب على أنّ المؤمنين يظهر لهم من حال المنافقين يوم إتيان الفتح ما يفتضح به أمرهم فيعجبون من حلفهم على الإخلاص للمؤمنين.

وجَهْدُ الأيمان بفتح الجيم أقواها وأغلظها، وحقيقة الجَهد التعب والمشقّة ومنتهى الطاقة، وفِعله كمنع.

ثم أطلق على أشدِّ الفعللِ ونهاية قوّته لِمَا بَيْن الشدّة والمشقّة من الملازمة، وشاع ذلك في كلامهم ثُمّ استعمل في الآية في معنى أوْكَدِ الأيمان وأغظلها، أي أقسموا أقوى قَسَم، وذلك بالتّوكيد والتّكرير ونحو ذلك ممّا يغلّظ به اليمين عُرفاً.

ولم أر إطلاق الجَهد على هذا المعنى فيما قبلَ القرآن.

وانتصبَ ﴿ جَهدَ ﴾ على المفعولية المطلقة لأنّه بإضافته إلى «الأيمان» صار من نوع اليمين فكان مفعولاً مطلقاً مبيّناً للنّوع.

وفي «الكشاف» في سورة النّور جعله مصدراً بدلاً من فعله وجعل التّقدير: أقسموا بالله يجهدون أيمانَهم جَهداً، فلمّا حذف الفعل وجعل المفعول المطلق عوضاً عنه قدّم المفعول المطلق على المفعول به وأضيف إليه.

وجملة ﴿ حَبِطت أعمالهم ﴾ استئناف، سواء كانت من كلام الّذين آمنوا فتكون من المحكي بالقَول، أم كانت من كلام الله تعالى فلا تكونه.

وحبطت معناه تلِفت وفسَدت، وقد تقدّم في قوله تعالى: ﴿ فأولئك حبطت أعمالهم في الدّنيا والآخرة ﴾ في سورة البقرة (217).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ، حِينَ تَبَرَّأ عُبادَةُ مِن حِلْفِ اليَهُودِ وقالَ: أتَوَلّى اللَّهَ ورَسُولَهُ حِينَ ظَهَرَتْ عَداوَتُهم لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ.

وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: لا أتَبَرَّأُ مِن حِلْفِهِمْ وأخافُ الدَّوائِرَ، وهَذا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ  إلى بَنِي قُرَيْظَةَ لَمّا نَقَضُوا العَهْدَ أطاعُوا بِالنُّزُولِ عَلى حُكْمِ سَعْدٍ أشارَ إلى حَلْقِهِ إلَيْهِمْ أنَّهُ الذَّبْحُ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

والثّالِثُ، أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ مِنَ الأنْصارِ خافا مِن وقْعَةِ أُحُدٍ فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: ألْحَقُ بِاليَهُودِ وأتَهَوَّدُ مَعَهم، وقالَ الآخَرُ: ألْحَقُ بِالنَّصارى فَأتَنَصَّرُ مَعَهم لِيَكُونَ ذَلِكَ لَهُما أمانًا مِن إدالَةِ الكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

﴿ وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مُوالاتُهم في العَهْدِ فَإنَّهُ مِنهم في مُخالَفَةِ الأمْرِ.

والثّانِي: مُوالاتُهم في الدِّينِ فَإنَّهُ مِنهم في حُكْمِ الكُفْرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَرَضَ الشَّكُّ وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ.

والثّانِي: النِّفاقُ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

وَفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المَعْنِيُّ بِهِ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ سَلُولَ، وهَذا قَوْلُ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ.

والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ.

﴿ يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ ﴾ والدّائِرَةُ الدَّوْلَةُ تَرْجِعُ عَمَّنِ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ إلى مَن كانَتْ لَهُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَدُورُ إلَيْهِ بَعْدَ زَوالِها عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَرُدُّ عَنّا القَدَرَ المَقْدُورا ودائِراتِ الدَّهْرِ أنْ تَدُورا ﴿ فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يُرِيدُ فَتْحَ مَكَّةَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: فَتْحُ بِلادِ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ القَضاءُ الفَصْلُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ  ﴾ ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هو دُونَ الفَتْحِ الأعْظَمِ.

الثّانِي: أنَّهُ مَوْتُ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المُنافِقِينَ.

الثّالِثُ والرّابِعُ: أنَّهُ الجِزْيَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية ﴿ فترى الذين في قلوبهم مرض ﴾ كعبد الله بن أبي ﴿ يسارعون فيهم ﴾ في ولايتهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ﴾ قال: هم المنافقون في مصانعة اليهود وملاحاتهم واسترضاعهم أولادهم اياهم ﴿ يقولون نخشى ﴾ أن تكون الدائرة لليهود بالفتح حينئذ ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح ﴾ على الناس عامة ﴿ أو أمر من عنده ﴾ خاصة للمنافقين ﴿ فيصبحوا ﴾ المنافقون ﴿ على ما أسروا في أنفسهم ﴾ من شأن يهود ﴿ نادمين ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي ﴿ فترى الذين في قلوبهم مرض ﴾ قال: شك ﴿ يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ﴾ والدائرة ظهور المشركين عليهم ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح ﴾ فتح مكة ﴿ أو أمر من عنده ﴾ قال: والأمر هو الجزية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ فترى الذين في قلوبهم مرض ﴾ قال: أناس من المنافقين كانوا يوادّون اليهود ويناصحونهم دون المؤمنين.

قال الله تعالى ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح ﴾ أي بالقضاء ﴿ أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ﴾ .

وأخرج ابن سعد وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن عمرو.

انه سمع ابن الزبير يقرأ «فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم من موادتهم اليهود ومن غمهم الإسلام وأهله نادمين» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن عمرو.

أنه سمع ابن الزبير يقرأ «فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبح الفساق على ما أسروا في أنفسهم نادمين» قال عمر: ولا أدري كانت قراءته أم فسر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ .

قال ابن عباس: "يعني عبد الله بن أبي وأصحابه" (١) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد يسارعون إلى مودتهم" (٤) (٥) وقال مجاهد: يسارعون في مصانعة اليهود وموأخاتهم (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ﴾ ، الدائرة من دوائر الدهر كالدولة، وهي التي تدور من قوم إلى قوم، والدائرة التي تخشى كالهزيمة والدبرة والقحط والحوادث المخوفة (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) [كنت حسبت الخندق المحفورا] (١٣) ودائراتِ الدَّهر أن تدورا (١٤) قال الكلبي: ﴿ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ﴾ أي سنة جدبة، وقال مقاتل: "نخشى أن تصيبنا دائرة اليهود على المسلمين، وذلك أنهم قالوا، إنا نكره قتال اليهود ومفارقتهم، فإنا لا ندري ما يكون ونخشى أن لا ينصر محمد فينقطع الذي بيننا من الميرة والقرض" (١٥) وقال أبو روق: "يعنون نخشى أن ينصر محمد" (١٦) ونحو ذلك قال الزجاج: أي نخشى أن لا يتم الأمر للنبي  ، قال: ومعنى (دائرة): أي: يدور الأمر عن حاله التي يكون عليها (١٧) وقوله تعالى: ﴿ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ ﴾ ، قال أهل المعاني: وعسى من الله واجب (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) وجمع ابن عباس هذه الأقوال في قوله فقال: "يريد بفتح الله تعالى لمحمد  على جميع من خالفه" (٢٤) ﴿ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ ﴾ ، قال الكلبي والضحاك: خصب وسعة لمحمد  وأصحابه (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقال السدي: "الجزية" (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) ﴿ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ﴾ .

قال ابن عباس: "يريد ندامة على نفاقهم" (٣٤) وقال الكلبي: ﴿ فَيُصْبِحُوا ﴾ يعني أهل النفاق على ما كان منهم من ولايتهم لليهود، ودس الأخبار إليهم (نادمين) (٣٥) وقال قتادة: ﴿ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ من مودتهم وغشهم الإسلام ﴿ نَادِمِينَ ﴾ (٣٦) (١) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 117.

(٢) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 278 - 279، "زاد المسير" 2/ 379، "الدر المنثور" 2/ 516.

(٣) "تفسير مقاتل" 1/ 485، انظر: "زاد المسير" 2/ 378.

(٤) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 117.

(٥) لم أقف عليه، انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 143، "زاد المسير" 2/ 179.

(٦) أخرجه بنحوه الطبري 6/ 279.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 181، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 68.

(٨) انظر: "تفسير الطبري" 10/ 404، 405، "تهذيب اللغة" 2/ 1129 مادة (دار).

(٩) ابن قتيبة.

(١٠) "غريب القرآن" ص 143.

(١١) "مجاز القرآن" 1/ 169.

(١٢) هو حميد بن مالك بن ربعي بن فحاش بن قيس، من بني ربيعة، شاعر إسلامي.

"معجم الأدباء" 3/ 267.

(١٣) ما بين المعقوفين ليس في "المجاز".

(١٤) "مجاز القرآن" 1/ 169.

والرجز في: "تفسير الطبري" 6/ 279، "تفسير القرطبي" 6/ 217.

(١٥) بمعناه في تفسير مقاتل 1/ 484، "تفسير البغوي" 3/ 68.

وانظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 143، "زاد المسير" 2/ 379.

(١٦) لم أقف عليه، وهو بمعنى ما تقدمه وما تلاه.

(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 181.

(١٨) المرجع السابق.

(١٩) أخرجه عن السدي: الطبري 6/ 280 وذكره عنهما البغوي 3/ 68.

وانظر: "زاد المسير" 2/ 379، "ابن كثير" 2/ 78.

(٢٠) البغوي 3/ 68.

(٢١) "تفسير الطبري" 6/ 280، "تفسير البغوي" 3/ 68.

(٢٢) "تفسيره" 1/ 484، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 68.

(٢٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 181.

(٢٤) انظر: "الوسيط" 2/ 197، "تفسير القرطبي" 6/ 218، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 117.

(٢٥) انظر: "الوسيط" 2/ 198، "تفسير البغوي" 3/ 68، "زاد المسير" 2/ 379.

(٢٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 181.

(٢٧) "غريب القرآن" ص 144، انظر: "زاد المسير" 2/ 379.

(٢٨) أخرجه الطبري 6/ 280، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 101، انظر: "زاد المسير" 2/ 379، "ابن كثير" 2/ 78.

(٢٩) "تفسيره" 1/ 484، "الوسيط" 2/ 198، انظر: "زاد المسير" 2/ 379.

(٣٠) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 117.

(٣١) واختيار الطبري القول بالعموم.

انظر: "تفسيره" 6/ 280.

(٣٢) لم أقف عليه.

انظر: "زاد المسير" 2/ 379.

(٣٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 181.

(٣٤) انظر: "الوسيط" 2/ 198، "زاد المسير" 2/ 379، "ابن كثير" 2/ 78، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 117.

(٣٥) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 117.

(٣٦) أخرجه الطبري 6/ 280، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 78.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَتَرَى الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ هم المنافقون، والمراد هنا عبد الله بن أبي يوالي اليهود ويستكثر بهم، ويقول: إني رجل أخشى الدوائر ﴿ فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بالفتح أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ ﴾ الفتح هنا هو ظهور النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، والأمر من عنده: هو هلاك الأعداء بأمر من عنده لا يكون فيه تسبب لمخلوق، أو أمر من الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام بقتل اليهود ﴿ فَيُصْبِحُواْ على مَآ أَسَرُّواْ في أَنْفُسِهِمْ نادمين ﴾ الضمير في فيصبحوا للمنافقين والذي أسروه هو قصدهم الاستعانة باليهود على المسلمين وإضمار العداوة للمسلمين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تبغون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر والخراز عن هبيرة.

الباقون بالياء.

﴿ ويقول ﴾ بالواو وبالرفع: عاصم وحمزة وعلي وخلف، وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب بالنصب.

عياش: مخير.

الباقون ﴿ يقول ﴾ بدون واو العطف.

﴿ من يرتد ﴾ بالإظهار: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون بالإدغام.

﴿ والكفار ﴾ بالجر: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي.

الباقون بالنصب عطفاً على محل ﴿ الذين اتخذوا ﴾ وقرأ أبو عمرو وعلي غير ليث وأبي حمدون وحمدوية وابن رستم الطبري عن نصير طريق ابن مهران بالإمالة.

الوقوف: ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ ومنهاجاً ﴾ ط ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ تختلفون ﴾ ه لا لعطف ﴿ وأن احكم ﴾ على ما قبله.

ومن وقف فلأنه رأس آية.

﴿ أنزل الله إليك ﴾ ط ﴿ ذنوبهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ يبغون ﴾ ط ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ه ليلزم النهي عن اتخاذ الأولياء مطلقاً ﴿ أولياء بعض ﴾ ط ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ دائرة ﴾ ط لتمام المقول.

﴿ نادمين ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ ويقول ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ أن يأتي ﴾ .

﴿ جهد أيمانهم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ إنهم ﴾ جواب القسم ﴿ لمعكم ﴾ ط ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ ويحبونه ﴾ لا لأن ما بعده صفة قوم ﴿ الكافرين ﴾ ه لشبه الآية.

﴿ لائم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ راكعون ﴾ ه ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ج للعطف ولطول الكلام.

﴿ مؤمنين ﴾ ﴿ ولعباً ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه.

/التفسير: منّ الله  على نبينا  بإنزال القرآن إليه مصدقاً لما بين يديه من الكتاب أي جنسه وهو كل كتاب سوى القرآن نازل من السماء.

وفي المهيمن قولان: قال الخليل وأبو عبيدة: هيمن على الشيء يهيمن إذا كان رقيباً على الشيء وشاهداً ومصدقاً.

وقال الجوهري: أصله أأمن بهمزتين قلبت الثانية ياء لكراهة اجتماع الهمزتين، ثم الأولى هاء كما في هرقت وهياك.

والمعنى إنه أمين على الكتب التي قبله لأنه لا ينسخ ألبتة ولا يحرف لقوله: ﴿ وإنا له لحافظون  ﴾ ومن هنا قرىء: ﴿ ومهيمناً عليه ﴾ فتح الميم أي هو من عليه بأن حوفظ من التغيير والتبديل، والذي هيمن عليه عز وجل كما قلنا، أو الحفاظ في كل بلد والقراء المشهود لهم بالإجادة ﴿ فاحكم بينهم ﴾ بين اليهود بالقرآن ﴿ ولا تتبع أهواءهم ﴾ منحرفاً ﴿ عما جاءك من الحق ﴾ أو ضمن لا تتبع معنى لا تحزن.

قيل: لولا جواز المعصية على الأنبياء لم يجز هذا النهي.

والجواب أن ذلك مقدور له ولكن لا يفعله لمكان النهي.

أو الخطاب له والمراد غيره ﴿ لكل جعلنا منكم ﴾ أيها الناس أو الأمم أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد  لتقدم ذكر الثلاث ﴿ شرعة ومنهاجاً ﴾ قال ابن السكيت: الشرع مصدر شرعت الإهاب إذا شققته وملحته.

وقيل: إنه من الشروع في الشيء الدخول فيه، والشرعة مصدر للهيئة بمعنى الشريعة "فعيلة" بمعنى "مفعولة" وهي الأمور التي أوجب الله  على المكلفين أن يشرعوا فيها والمنهاج الطريق الواضح وهما عبارتان عن معبر واحد هو الدين والتكرير للتأكيد.

ويحتمل أن يقال: الشريعة عامة والمنهاج مكارم الشريعة، فالأولى أقدم وهذه تتلوها وهي الطريقة.

وقال المبرد: الشريعة ابتداء الطريق والطريقة المنهاج المستمر ﴿ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ﴾ جماعة متفقة على شريعة واحدة أو ذوي أمة واحدة أي دين واحد لا خلاف فيه.

وفيه دليل على أن الكل بمشيئة الله تعالى.

والمعتزلة حملوه على مشيئته الإلجاء ﴿ ولكن ليبلوكم ﴾ أي جعلكم مختلفين متخالفين ليعاملكم معاملة المختبر هل تعملون بالنواميس الإلهية وتذعنون للعقائد الحقة أم تقصرون في العمل وتتبعون الشبه ولذلك قال ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ سارعوا إليها وتسابقوا نحوها.

ويعني بالخيرات ههنا ما هو الحق من الاعتقادات والمحقق من التكاليف.

ثم علّل الاستئناف بقوله: ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم ﴾ فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين المحق والمبطل والعام والمقصر.

والمراد أن الأمر سيؤل إلى ما يحصل معه اليقين من مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ﴿ وأن احكم ﴾ قيل معطوف على ﴿ الكتاب ﴾ أي وأنزلنا إليك أن احكم على أن "أن" المصدرية وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر الأفعال، أو على قوله: ﴿ بالحق ﴾ أي أنزلناه بالحق وبأن احكم.

وأقول: يحتمل أن تكون "أن" مفسرة وفعل الأمر محذوف أي وأمرناك أن احكم.

وتكرار الأمر بالحكم إما للتأكيد/ وإما لأنهما حكمان لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصنين ثم احتكموا في قتل كان بينهم.

وزعم بعض الأئمة أن هذه الآية ناسخة للتخيير في قوله: ﴿ فاحكم بينهم أو أعرض ﴾ وعن ابن عباس أن جماعة من اليهود منهم كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشماس بن قيس من أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد  لعلنا نفتنه عن دينه.

فأتوه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قوم خصومة ونحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله  وأنزل فيهم: ﴿ واحذرهم أن يفتنوك ﴾ محله نصب على أنه مفعول له أي مخافة أن يفتنوك، أو على أنه بدل اشتمال من مفعول احذر.

والمراد بالفتنة رده إلى أهوائهم فكل من صرف من الحق إلى الباطل فقد فتن.

قال بعض أهل العلم: في الآية دليل على أن الخطأ والنسيان جائزان على النبي  ، لأن التعمد في مثل هذا غير جائز فلم يبق إلاّ الخطأ والنسيان فلو لم يكونا جائزين أيضاً لم يكن للحذر فائدة، ﴿ فإن تولوا ﴾ عن الحكم المنزل أي فإن لم يقبلوا حكمك ﴿ فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ﴾ أما الإصابة فالمراد بها قتلهم وإجلاؤهم، وأما ذكر بعض الذنوب فلأن مجازاتهم ببعض الذنوب كافية في إهلاكهم وتدميرهم، أو أراد بالبعض ذنب التولي عن حكم الله.

وفيه أن لهم ذنوباً جمة وأن هذا الذنب عظيم جداً كقول لبيد: تراك أمكنة إذا لم أرضها *** أو يرتبط بعض النفوس حمامها أراد نفسه وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام فكأنه قال نفساً كبيرة لأن التنكير في معنى البعضية أيضاً.

﴿ لفاسقون ﴾ لمتمردون في الكفر.

وفيه أن التولي عن حكم الله فسق مؤكد جداً.

ثم استفهم منكراً لرأيهم فقال: ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ وفيه تعيير لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم ومع ذلك يطلبون حكم الملّة الجاهلية التي هي محض الجهل وصريح الهوى.

وقال مقاتل: إن قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى.

فقال رسول الله  : القتلى بواء أي سواء.

فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك فنزلت.

وعن الحسن هو عام في كل من يبتغي غير حكم الله.

وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض فتلا هذه الآية.

واللام في قوله: ﴿ لقوم يوقنون ﴾ للبيان كاللام في: ﴿ هيت لك  ﴾ أي هذا لخطاب وهذا الاستفهام لهم لأنهم الذين يعرفون أنه لا أحد أعدل من الله حكماً ولا أحسن منه بياناً.

قال عطية العوفي: "جاء عبادة بن الصامت فقال: يا رسول الله إن لي موالي من اليهود كثيراً عددهم حاضراً نصرهم/ وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولاية اليهود، أو إلى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية اليهود.

فقال رسول الله  : يا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه.

قال: قد قبلت فأنزل الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ﴾ " تعاشرونهم معاشرة المؤمنين.

ثم علل النهي بقوله: ﴿ بعضهم أولياء بعض ﴾ لأن الجنسية علة الضم.

ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ ومن يتولهم منكم فإنه منهم ﴾ من جملتهم وحكمه حكمهم ولذلك قال ابن عباس: يريد أنه كافر مثلهم وفيه من التغليظ والتشديد ما فيه.

﴿ إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفرة فوضعوا الولاء في غير موضعه.

عن أبي موسى الأشعري قال: قلت لعمر بن الخطاب: إن لي كاتباً نصرانياً فقال: ما لك قاتلك الله ألا اتخذت حنيفاً؟

أما سمعت هذه الآية؟

قلت: له دينه ولي كتابته.

فقال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذا أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله.

قلت: لا قوام بالبصرة إلاّ به.

قال: مات النصراني والسلام يعني هب أنه قد مات فما كنت تكون صانعاً حينئذٍ فاصنعه الآن.

﴿ فترى الذين في قلوبهم مرض ﴾ يعني أمثال عبدالله بن أبي ﴿ يسارعون فيهم ﴾ في موالاة اليهود والنصارى يهود بني قينقاع ونصارى نجران لأنهم كانوا أهل ثروة وكانوا يعينونهم على مهامهم ويقرضونهم ﴿ يقولون ﴾ يعتذرون عن الموالاة بقولهم: ﴿ نخشى أن تصيبنا دائرة ﴾ قال الواحدي: هي الدولة ومثلها صروف الزمان ونوائبه.

وقال الزجاج: نخشى أن لا يتم الأمر لمحمد فيدور الأمر كما كان قبل ذلك.

ثم سلى رسوله والمؤمنين بقوله: ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ﴾ فعسى من الله الكريم إطماع واجب.

والفتح إما فتح مكة أو مطلق دولة الإسلام وغلبة ذويه.

وقوله: ﴿ أو أمر من عنده ﴾ المراد به فعل لا يكون للناس فيه مدخل ألبتة كقذف الرعب في قلوب بني النضير وغيرهم من الكفار.

وقيل: هو أن يؤمر النبي  بإظهار المنافقين وقتلهم.

﴿ فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم ﴾ من النفاق والشك في أن أمر الرسول  يتم ﴿ نادمين ويقول الذين آمنوا ﴾ قال الواحدي: حذف الواو ههنا كإثباتها فلهذا جاء في مصاحف أهل الحجاز والشام بغير واو، وفي مصاحف أهل العراق بالواو، وذلك أن في الجملة المعطوفة ذكراً من المعطوف عليها، فإنقوله: ﴿ أهؤلاء ﴾ إشارة إلى الذين يسارعون، فلما حصل في كل من الجملتين ذكر من الأخرى حسن الوجهان.

ووجه العطف مع النصب ظاهر ووجه ذلك مع الرفع على أنه كلام مبتدأ أي ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت.

ووجه الفصل هو أن يكون جواب سائل يسأل فماذا يقول المؤمنون حينئذٍ وإنما يقولون هذا القول فيما بينهم تعجباً من حالهم وفرحاً بما/ منّ الله عليهم من التوفيق في الإخلاص، أو يقولونه لليهود الذين كانوا يحلفون لهم بالمعاضدة والنصرة كما حكى الله عنهم: ﴿ وإن قوتلتم لننصرنكم  ﴾ وقوله: ﴿ جهد أيمانهم ﴾ أي بإغلاظ الأيمان نصب على الحال أي يجتهدون جهد أيمانهم أو على المصدر من غير لفظه.

﴿ حبطت أعمالهم ﴾ من قول الله  أو من جملة قول المؤمنين أي بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها رياء.

وفيه معنى التعجب أي ما أحبط أعمالهم فما أخسرهم حيث بقي عليهم التعب في الدنيا والعذاب في العقبى ﴿ من يرتدّ منكم عن دينه ﴾ أي من يتولّ الكفار منكم فيرتد فليعلم أن الله  يأتي بقوم آخرين ينصرون هذا الدين على أبلغ الوجوه.

وقال الحسن: علم الله  أن قوماً يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم فأخبرهم أنه  سيأتي ﴿ بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ فتكون الآية إخباراً عن الغيب وقد وقع فيكون معجزاً.

روي في الكشاف أن أهل الردّة كانوا إحدى عشرة فرقة، ثلاث في عهد رسول الله  بنو مدلج ورئيسهم ذو الحمار الأسود العنسي وكان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلاده وأخرج عمال رسول الله  فكتب رسول الله  إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن فأهلكه الله على يدي فيروز الديلمي، بيته فقتله وأخبر رسول الله  بقتله ليلة قتل فسر المسلمون وقبض رسول الله  من الغد وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول.

وبنو حنيفة قوم مسليمة تنبأ وكتب إلى رسول الله  : من مسليمة رسول الله إلى محمد رسول الله  وأما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك.

فأجاب  : من محمد رسول الله  إلى مسيلمة الكذاب.

أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.

فحاربه أبو بكر بجنود المسلمين وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة وكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام.

أراد في جاهليتي وإسلامي.

وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد تنبأ فبعث إليه رسول الله  خالداً فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه.

وسبع في عهد أبي بكر: فزارة قوم عيينة بن حصن وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض بني تميم قوم سجاج بنت المنذر المتنبئة التي زوّجت نفسها مسيلمة الكذاب، وكندة قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد وحاربهم أبو بكر وكفى الله أمرهم على يديه.

وفرقة واحدة في عهد عمر غسان قوم جبلة بن الأيهم كان يطوف بالبيت ذات يوم بعد أن كان أسلم على يد عمر فرأى رجلاً جارّاً رداءه فلطمه فتظلم الرجل إلى عمر فقضى بالقصاص عليه.

فقال: أنا أشتريها بألف فأبى الرجل فلم يزل يزيد في الفداء إلى أن بلغ عشرة آلاف فأبى الرجل إلاّ القصاص فاستنظره فأنظره عمر فهرب إلى/ الروم وتنصر.

وتفسير المحبة قد مر في سورة البقرة في قوله: ﴿ يحبونهم كحب الله  ﴾ وإنما قدم محبته على محبتهم لأن محبتهم إياه نتيجة محبته الأزلية إياهم فتلك أصل وهذه فرع.

والراجع من الجزاء إلى الاسم المتضمن للشرط محذوف معناه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم غيرهم ﴿ أذلة ﴾ جمع ذليل لأن ذلولاً من الذل نقيض الصعوبة لا يجمع على أذلة وإنما يجمع على ذلل.

وليس المراد أنهم مهانون عند المؤمنين بل المراد المبالغة في وصفهم بالرفق ولين الجانب، فإن من كان ذليلاً عند إنسان فإنه لا يظهر الكبر والترفع ألبتة.

ولتضمين الذل معنى الحنو العطف عدّي بعلى دون اللام كأنه قيل: عاطفين عليهم.

أو المراد أنهم مع شرفهم واستعلاء حالهم واستيلائهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم ليضموا إلى منصبهم فضيلة التواضع ﴿ أعزة على الكافرين ﴾ يظهرون الغلظة والترفع عليهم من عزه يعزه إذا غلبه ونحو هذه الآية قوله: ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم  ﴾ أما الواو في قوله: ﴿ ولا يخافون ﴾ فإما أن تكون للحال أي يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين حيث يخافون لومة أوليائهم اليهود، وإما أن تكون للعطف كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام *** أي هم الجامعون بين المجاهدة لله وبين الصلابة في الدين إذا شرعوا في أمر من أمور الدين، لا يرعبهم اعتراض معترض.

وفي وحدة اللوم وتنكير اللائم مبالغتان كأنه قيل: لا يخافون شيئاً قط من لوم أحد من اللوام ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من نعوت الكمال من المحبة والذلة وغيرها ﴿ فضل الله ﴾ إحسانه وتوفيقه.

قالت الأشاعرة: إنه صريح في أن الأعمال مخلوقة لله  .

والمعتزلة حملوه على فعل الألطاف.

وضعف بأن اللطف عام في حق الكل فلا بد للتخصيص من فائدة ﴿ والله واسع عليم ﴾ تام القدرة كامل العلم يعلم أهل الفضل فيؤتيهم الفضل.

واعلم أن للمفسرين خلافاً في أن القوم المذكورين في الآية من هم.

قال الحسن وقتادة والضحاك وابن جريج: هم أبو بكر وأصحابه لأنهم الذين قاتلوا أهل الردة.

وقال السدي: نزلت في الأنصار.

وقال مجاهد: هم أهل اليمن لأنها لما نزلت أشار النبي  إلى أبي موسى الأشعري, وقال: هم قوم هذا.

وقال آخرون: هم الفرس لما روي "أنه  سئل عن هذه الآية فضرب يده على عاتق سلمان وقال: هذا وذووه ثم قال: لو كان الدين معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس" .

وقالت الشيعة: نزلت في علي  وكرّم الله وجهه لما روي أنه  دفع الراية إلى علي يوم خيبر وكان قد قال: لأدفعن الراية إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ولأن ما بعد هذه الآية نازلة فيه باتفاق أكثر المفسرين قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه الآية من أدل الدلائل على فساد مذهب الإمامية لأن الذين اتفقوا على إمامة أبي بكر، لو كانوا أنكروا نصاً جلياً على إمامة علي  لكان كلهم مرتدين ثم لجاء الله بقوم تحاربهم وتردهم إلى الحق.

ولما لم يكن الأمر كذلك بل الأمر بالضد فإن فرقة الشيعة مقهورون أبداً حصل الجزم بعدم النص.

ولناصر مذهب الشيعة أن يقول: ما يدريك أنه  لا يجيء بقوم تحاربهم، ولعل المراد بخروج المهدي هو ذلك فإن محاربة من دان بدين الأوائل هي محاربة الأوائل وهذا إنما ذكرته بطريق المنع لا لأجل العصبية والميل فإن اعتقاد ارتداد الصحابة الكرام أمر فظيع والله أعلم.

ثم إنه  لما نهى في الآي المتقدمة عن موالاة الكفار أمر بعد ذلك بموالاة من يحق موالاته فقال: ﴿ إنما وليكم ﴾ ولم يقل أولياؤكم ليعلم أن ولاية الله أصل والباقي تبع ﴿ الله ورسوله والذين آمنوا ﴾ وفيه قولان: الأول أن المراد عامة المؤمنين لأنّ الآية نزلت على وفق ما مر من قصة عبادة من الصامت.

وروي أيضاً أن عبد الله بن سلام قال: يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل فنزلت هذه الآية.

فقالوا: رضينا بالله  وبرسوله وبالمؤمنين أولياء.

ثم قال: ﴿ الذين يقيمون الصلاة ﴾ ومحله رفع على البدل أو على هم الذين يقيمون، أو نصب بمعنى أخص أو أعني وفي الكل مدح والغرض تميز المؤمن المخلص عمن يدعي الإيمان نفاقاً ومعنى ﴿ وهم راكعون ﴾ قال أبو مسلم: أي منقادون خاضعون لأوامر الله  ونواهيه.

وقيل: المراد ومن شأنهم إقامة الصلاة وخص الركوع بالذكر لشرفه.

وقيل: إنّ الصحابة كانوا عند نزول الآية مختلفين في هذه الصفات منهم من قد أتم الصلاة ومنهم من دفع المال إلى الفقير ومنهم من كان بعد الصلاة راكعاً فنزلت الآية على وفق أحوالهم.

القول الثاني أن المراد شخص معين وجيء به على لفظ الجمع ليرغب الناس في مثل فعله.

ثم إن ذلك الشخص من هو؟

روى عكرمة أنه أبو بكر وروى عطاء عن ابن عباس أنه علي  .

روي أن عبد الله بن سلام قال: "لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله أنا رأيت علياً تصدق بخاتمه على محتاج وهو راكع فنحن نتولاه" .

وروي عن أبي ذر أنه قال: " صليت مع رسول الله  يوماً صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء.

وقال: اللهم أشهد أني سألت في مسجد الرسول فما أعطاني أحد شيئاً وعليّ  كان راكعاً فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان فيها خاتم، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم فرآه النبي  فقال: اللهم إن أخي موسى سألك فقال: ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ إلى قوله: ﴿ وأشركه في أمري  ﴾ فأنزلت قرآناً ناطقاً ﴿ سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً  ﴾ اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي علياً اشدد به أزري.

قال أبو ذر: فوالله ما أتم رسول الله  هذه الكلمة حتى نزل جبريل فقال: يا محمد اقرأ ﴿ إنما وليكم الله ﴾ الآية" .

فاستدلت الشيعة بها على أن الإمام بعد رسول الله  هو علي بن أبي طالب  لأن الولي هو الوالي المتصرف في أمور الأمة، وأنه علي  برواية أبي ذر وغيره.

وأجيب بالمنع من أن الولي ههنا هو المتصرف بل المراد به الناصر والمحب لأن الولاية المنهي عنها فيما قبل هذه الآية، وفيما بعدها هي بهذا المعنى فكذا الولاية المأمور بها.

وأيضاً إن علياً لم يكن نافذ التصرف حال نزول الآية وإنها تقتضي ظاهراً أن تكون الولاية حاصلة في الحال.

وأيضاً إطلاق لفظ الجمع على الواحد لأجل التعظيم مجاز والأصل في الإطلاق الحقيقة، فالمراد بالذين آمنوا عامة المؤمنين وأن بعضهم يجب أن يكون ناصراً لبعض كقوله: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض  ﴾ وأيضاً الآية المتقدمة نزلت في أبي بكر كما مر من أنه هو الذي حارب المرتدين فالمناسب أن تكون هذه أيضاً فيه.

ثم إن علي بن أبي طالب  كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الإمامية فلو كانت الآية دالة على إمامة عليّ لاحتج بها كما احتج بما ينقلون عنه أنه تمسك يوم الشورى بخبر الغدير وخبر المباهلة وجميع مناقبه وفضائله.

وهب أنها دالة على إمامته لكنه ما كان نافذ التصرف في حياة رسول الله  فلم يبق إلا أنه سيصير إماماً ونحن نقول بموجبه ولكنه بعد الشيوخ الثلاثة.

ومن أين قلتم إنها تدل على إمامته بعد رسول الله  من غير فصل؟

وأيضاً إنهم كانوا قاطعين بأن المتصرف فيهم هو الله ورسوله فلا حاجة بهم إلى ذكر ذلك.

فالمراد بقوله: ﴿ إنما وليكم الله ورسوله ﴾ أن من كان الله ورسوله ناصرين له فأي حاجة به إلى طلب النصرة والمحبة عن غيره، وإذا كان الولي مستعملاً بمعنى النصرة مرة امتنع أن يراد به معنى المتصرف لأنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه معاً فكأنه  قسم المؤمنين قسمين وجعل أحدهما أنصاراً للآخر.

وأيضاً الزكاة اسم للواجب لا للمندوب، ومن المشهور أن علياً  ما كان يجب عليه الزكاة، ولو سلم فاللائق بحاله أن يكون في الصلاة مستغرق القلب بالله فلا يتفرغ لاستماع كلام السائل ولا إلى دفع الخاتم إليه لأنه عمل كثير، اللهم إلا أن يكون الخاتم سهل المأخذ أو كان قد أومأ به إلى السائل فأخذه السائل.

والحق أنه إن صحت الرواية فللآية دلالة قوية على عظم شأن/ علي  ، والمناقشة في أمثال ذلك تطويل بلا طائل إلا أن أصحاب المذاهب لما تكلموا فيها أوردنا حاصل كلامهم على سبيل الاختصار ﴿ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله ﴾ من إقامة المظهر مقام المضمر تشريفاً.

والمراد فإنهم هم الغالبون.

حزب الرجل أصحابه المجتمعون لأمر حزبهم.

وقال الحسن: جند الله.

أبو روق: أولياء الله.

أبو العالية: شيعة الله.

وقيل: أنصار الله.

الأخفش: هم الذين يدينون بدينه ويطيعونه فينصرهم.

صاحب الكشاف: يحتمل أن يراد بحزب الله الرسول والمؤمنون أي ومن يتولهم فقد تولى حزب الله واعتضد بمن لا يغالب.

ثم عمم النهي عن موالاة جميع الكفار فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ﴾ عن ابن عباس: كان رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، فكان رجال من المسلمين يوادّونهما فنزلت، يعني أن اتخاذهم دينكم هزواً ولعباً ينافي اتخاذكم إياهم أولياء بل يجب أن يقابل ذلك بالشنآن والبغضاء.

وإنما عطف الكفار على أهل الكتاب مع أن أهل الكتاب أيضاً كفار والعطف يقتضي المغايرة، لأنه أراد بالكفار المشركين الوثنيين خاصة لما أن كفرهم أغلظ فكانوا أحق باسم الكفر.

ومعنى تلاعبهم بالدين واستهزائهم به إظهارهم ذلك باللسان دون مواطأة الجنان.

﴿ واتقوا الله ﴾ في موالاة الكفار ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ حقاً لأن الإيمان الحقيقي يأبى موالاة أعداء الدين.

قال الكلبي: "كان منادي رسول الله  إذا نادى إلى الصلاة فقام المسلمون إليها قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا صلوا لا صلوا ركعوا لا ركعوا على طريق الاستهزاء والضحك فنزل ﴿ وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها ﴾ " أي الصلاة والمناداة.

وهذا بعض ما اتخذوه من هذا الدين هزواًَ ولعباً، فلهذا أردفه بالآية المقدمة الكلية.

وقال السدي: "نزلت في رجل من النصارى بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله.

قال: حرق الكاذب.فدخل خادمه بنار ذات ليلة وهو نائم وأهله نيام فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله" .

وقال آخرون: "إن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا رسول الله والمسلمين على ذلك فدخلوا على رسول الله  فقالوا: يا محمد لقد أبدعت شيئاً لم نسمع به فيما مضى من الأمم الخالية.

فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت فيما أحدثت من هذا الأذان الأنبياء قبلك، ولو كان في هذا الأمر خير كان أولى الناس به الأنبياء والرسل قبلك، فمن أين لك صياح كصياح العنز؟

فما أقبح من صوت وما أسمج من أمر.

فأنزل الله  هذه الآية" ، وأنزل: ﴿ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ﴾ قال بعض العلماء: فيه دليل على ثبوت الآذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده.

وأقول: لو قيل إن أصل الأذان بالمنام والتقرير بنص الكتاب كان اصوب ذلك الاتخاذ.

﴿ بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ ما في الصلاة من المنافع لأنها التوجه إلى الخالق والاشتغال بخدمة المعبود، أو لا يفهمون ما في اللعب والهزء من السفه/ والجهل.

قال بعض الحكماء: أشرف الحركات الصلاة وأنفع السكنات الصيام.

التأويل: ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ﴾ أي بالحقيقة لأنه أنزل على قلبه وأنزل سائر الكتب في الألواح والصحف فلهذا كان خلقه القرآن.

وكان مهيمناً على جميع الكتب تصديقاً عيانياً لا بيانياً بحيث يشاهد قلب المنزل عليه بنوره حقائق جميع الكتب وأسرارها بخلاف ما أنزل في الألواح فإن الألواح لا تشهد ولا تشاهد حقائق الكتب ومعانيها ﴿ لكل جعلنا منكم ﴾ معاشر الأنبياء ﴿ شرعة ﴾ يشرع فيها بالبيان ﴿ ومنهاجاً ﴾ يسلك فيه بالعيان ﴿ ولكن ليبلوكم ﴾ أيها الأمم ﴿ فيما آتاكم ﴾ من البيات والتبيان والحجج والبرهان والعزة والسلطان، فابتلاكم بزينة الدنيا واتباع الهوى ونيل المنى والرفعة بين الورى والنجاة في العقبى ليهتدي التائبون بالبيان، ويستفيد العاملون بالبرهان، ويحكم العارفون بالسلطان بل يقصد الزاهدون برفض الدنيا ويقدم العابدون بنهي الهوى، ويسلك المشتاقون بنفي المنى، ويجذب العارفون بترك الورى، ويسلب الواصلون بالسلو عن الدنيا والعقبى ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ من هذه المقامات ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ اختياراً بقدم الصدق أو اضطراراً بحلول الأجل ﴿ فإن تولوا ﴾ عن قبول الحق ﴿ فاعلم ﴾ بمطالعة القضاء ﴿ أنما يريد الله ﴾ في حكم القدر ﴿ أن يصيبهم ﴾ مصيبة الإعراض ﴿ ببعض ذنوبهم ﴾ وهو الاعتراض، فإن الحق  يلزم بشرط التكاليف ويقدمهم ويؤخرهم بعين التصريف.

فالتكليف فيما أوجب والتصريف فيما أوجدوا العبرة بالإيجاد لا بالإيجاب ﴿ لفاسقون ﴾ لخارجون عن جذبات العناية ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ أيطلبون منك أن تحيد عن المحجة المثلى بعد ما طلعت شموس الدنيا وسطعت براهين اليقين وانهتكت أستار الريب واستنار القلب بأنوار الغيب ﴿ يسارعون فيهم ﴾ لأن شبيه الشيء منجذب إليه ﴿ أن يأتي بالفتح ﴾ فتح عيون القلوب ﴿ أو أمر من عنده ﴾ وهو الجذبة التي توازي عمل الثقلين ﴿ ويقول الذين آمنوا ﴾ بأنوار الغيوب في أستار القلوب ﴿ فأصبحوا خاسرين ﴾ بإبطال الاستعداد الفطري.

﴿ بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ هم أرباب السلوك أفناهم عنهم بسطوات يحبهم ثم أبقاهم به عند هبوب نفحات يحبونه، فإن محبة الله للعبد إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية، ومحبة العبد بصفته ذاته أزلاً وهي الإرادة القديمة الناسوتية.

والشيخ نجم الدين الرازي المعروف بداية  قد عكس القضية، فلعله فهم غير ما فهمنا.

ثم قال إنه  يحب العبد بصفته ذاته أزلاً وهي الإرادة القديمة المخصوصة بالغاية، والعبد يحب الله بذات تلك الصفة أبداً ﴿ أذلة على المؤمنين ﴾ لارتفاع الأنانية ﴿ أعزه على الكافرين ﴾ ببقاء اللاهوتية وإثبات الوحدانية ﴿ يجاهدون في سبيل الله ﴾ في طلب الحق في البداية ببذل الوجود ﴿ ولا يخافون لومة لائم ﴾ عند غلبات الوجد في/ الوسط لدوام الشهود ذلك يعني صدق الطلب في البداية وغلبات الوجد في الوسط والاختصاص بالمحبة في النهاية ﴿ والله واسع ﴾ كرمه قادر على أن يتفضل على كل أحد لكنه ﴿ عليم ﴾ بحال كل أحد فلا يتفضل إلا على من يستأهله.

﴿ يقيمون الصلاة ﴾ يديمونها مراقبين حقوقها في الباطن بمراعاة السر ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ ما زكى من وجودهم وهو الفناء في الله ﴿ وهم راكعون ﴾ راجعون إلى الله بانحطاط.

فمن قيام البشرية إلى قيام القيومية هم الغالبون على أهوائهم وأنفسهم والدنيا والشيطان ﴿ الذين اتخذوا دينكم ﴾ يعني أهل الغفلة والسلو المستهزئين بأهل المحبة والقرب ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ أي العلوم الظاهرة والكفار يعني الفلاسفة ومقلديهم لأنهم بمعزل عن العلوم اللدنية والكشفية ﴿ وإذا ناديتم إلى الصلاة ﴾ دعوتموهم إلى محل القرب والنجوى ولا يعقلون بالوهم والخيال لذاذة شهود ذلك الجمال.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ .

يحتمل قوله -  -: ﴿ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ ﴾ وجوهاً: يحتمل: لا تتخذوا أولياء في الدين، أي: لا تدينوا بدينهم؛ فإنكم إذا دنتم بدينهم صرتم أولياءهم.

ويحتمل: لا تتخذوهم أولياء في النصر والمعونة؛ لأنهم إذا اتخذوهم أولياء في النصر والمعونة صاروا أمثالهم؛ لأنهم إذا نصروا الكفار على المسلمين وأعانوهم فقد كفروا، وهو كقوله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 118] نهاهم أن يتخذوا أولئك موضع سرهم وخفياتهم؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

والثالث: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ ﴾ في المكسب والدنيا؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك لا بد من أن يميلوا إليهم، ويصدروا عن رأيهم في شيء؛ فذلك مما يفسقهم، ويجرح شهادتهم، فهذا النهي يحتمل هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرنا، والله أعلم.

وفي الآية دلالة أن الكفر كله ملة واحدة، وإن اختلفت مذاهبهم ونحلهم؛ فالواجب أن يرث بعضهم بعضاً؛ كقوله -  -: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ كما أن أهل الإسلام يرث بعضهم بعضاً، وإن اختلفت مذاهبهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ الآية؟!

وليس ذلك بداخل في قول رسول الله  : "لاَ يَتَوَارَثْ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ" ؛ لما عليه الآية: أنهم كلهم ملة واحدة، ولكن أحداً منهم لا يرث المسلم ولا يرثهم المسلم؛ لقول رسول الله  : "لاَ يَتَوَارَثْ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ" ؛ فالإسلام ملة: ملة حق، والكفر ملة: ملة باطل، ولا نرثهم ولا يرثوننا، وما روي: "لاَ نَرِثُ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَلاَ يَرِثُونَنَا إِلاَّ أَنْ يَرِثَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ، وَيَحِلُّ لَنَا نِسَاؤُهُمْ وَلاَ يَحِلُّ لَهُمْ نِسَاؤُنَا" فما يرث عبده أو أمته، ليس بميراث؛ إنما هو ملك كان يملكه قبل موته؛ فعلى ذلك بعد موته، وروي [عن النبي صلى الله عليه سلم:] "لاَ يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ، وَلاَ الكَافِر المُسْلِمَ" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ الوجوه التي ذكرنا: الولاية في الدين، والولاية في النصر والمعونة؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك صاروا منهم في حكم الدنيا والآخرة، أو الولاية في المكسب والدنيا؛ فيصيرون منهم في حكم الدنيا، والله أعلم.

فإن قيل: أليس يرث المسلم المرتد، وقد قال: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ : أخبر أن من تولاهم من المسلمين صار منهم، ونحن لا نرث اليهود والنصارى، كيف وُرِثَ من صار منهم من المسلمين؟!: قيل: معنى قوله: ﴿ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ في الدين والكفر، لا في الحكم والحقوق؛ لأن المرتد إلى النصرانية ليس بمتروك على دينه، فلم يكن من أهل تلك الملة؛ وإنما الملة ما يُقَرُّ عليها أهلها؛ ألا ترى أن المرتد لا يرث النصراني إن كانوا أقرباء، فلو كانت النصرانية له ملة ورثه أهلها؛ لأنا نعلم أن النصارى يرث بعضهم بعضاً؛ فلمَّا لم يرثوه دل ذلك على أنه ليس من ملتهم، وأن حكمه في الميراث حكم الملة التي يجبر على الرجوع إليها، وعلى ذلك جاءت الآثار عن الصحابة: روي عن علي -  - أنه أتى برجل ارتد عن الإسلام، فعرض عليه الإسلام، فأبى؛ فضرب عنقه، وجعل ميراثه لورثته المسلمين.

وعن عبد الله بن مسعود -  - كذلك.

وروي عن زيد بن ثابت مثله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

قد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ .

وهم المنافقون؛ كقوله -  -: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ  ﴾ ، وهو وصف المنافقين.

﴿ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ﴾ : كانوا يظهرون الموافقة للمسلمين؛ خوفاً منهم، وفي السر مع الكفرة؛ لأنهم كانوا أهل ريب وشك، ولا دين لهم، يميلون إلى من رأوا السعة معهم والأمن، وكانوا على شك من أمر محمد  وريب، ﴿ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ﴾ : لعل محمداً لا ينصر ولا يتم أمره؛ فأسروا في أنفسهم الموافقة للكفر والغش للإسلام وأهله، ويظهرون الموافقة للمؤمنين؛ لما كاوا يسمعون رسول الله  بعد النصر والظفر للمؤمنين، لكن ذلك لا يتحقق عندهم، وكانوا كما قال الله - عز جل -: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ...

﴾ الآية [النساء: 143]، وكانوا ينتظرون النصر والظفر؛ فيميلون إلى حيث كان النصر والظفر؛ فيقولون للمؤمنين إن كان الظفر لهم: ﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ  ﴾ ، وإن كان للكافرين فيقولون: ﴿ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ ﴾ .

أي: بالنصر: نصر محمد  والظفر له على أعدائه، وفتح البلدان والأمصار له، وإظهار دينه: دين الإسلام؛ على ما روي أنه قال: "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ" ، وعلى ما فتح له البلدان كلها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ ﴾ .

قيل: عذاب أولئك الكفرة وهلاكهم في الدنيا.

﴿ فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .

عند العذاب والهلاك، أو يندمون في الآخرة؛ لما أصابهم من العذاب.

﴿ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ ﴾ : في الدنيا من المودة لهم، والعداوة للمؤمنين، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ﴾ دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأنه لا يحتمل أن يقولوا: ﴿ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ﴾ من حيث يسمع أهل الإسلام ذلك منهم؛ دل ذلك لهم أنه إنما عرف ذلك بالله؛ وكذلك بما أخبر من الوعد بالنصر له والظفر، ثم كان على ما أخبره ووعد؛ دل أنه خبر عن الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

بعضهم لبعض لما ظهر نفاق أهل النفاق قتلوا وافتضحوا؛ كقوله -  -: ﴿ مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ  ﴾ ، قال المؤمنون عند ذلك: ﴿ أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ﴾ .

وقد كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين، ويحلفون [بالله] على ذلك، ويضمرون الخلاف لهم والعداوة، والمودة للكفرة؛ كقوله -  -: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ  ﴾ ﴿ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ  ﴾ ، ونحو ذلك، فذلك معنى قوله: ﴿ أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ ﴾ .

أي: حبطت أعمالهم التي عملوها قبل إسرار ما أسروا في أنفسهم إذ أسروا ذلك، ﴿ فَأَصْبَحُواْ ﴾ ، أي: صاروا خاسرين بعد الافتضاح؛ حيث ذهبت منافعهم التي كانت لهم قبل الافتضاح وظهور نفاقهم.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ : التي عملوا ظاهراً؛ مراءاة للناس.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فترى -أيها الرسول- المنافقين ضعفاء الإيمان يبادرون إلى موالاة اليهود والنصارى قائلين: نخاف أن يظفر هؤلاء وتكون لهم الدولة فينالنا منهم مكروه، فلعل الله يجعل الظفر لرسوله وللمؤمنين، أو يأتي بأمر من عنده تندفع به صَوْلة اليهود ومن يواليهم، فيصبح المسارعون إلى موالاتهم نادمين على ما أخفوه من النفاق في قلوبهم؛ لبطلان ما تعلقوا به من أسباب واهية.

<div class="verse-tafsir" id="91.W1yPw"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله